Полный текст (8 298 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
وأجيب: بأنه صرح بالجمع في وقت إحدى الصلاتين، حيث قال: أخر الظهر إلى وقت العصر.
ورجال هذا الحديث الخمسة ما بين مصري بالميم، وأيلي ومدني، وفيه: التحديث والعنعنة والقول، وشيخه من أفراده، وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي: في الصلاة.
١٦ - باب إِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ مَا زَاغَتِ الشَّمْسُ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ
هذا (باب) بالتنوين (إذا ارتحل) المسافر (بعد ما زاغت الشمس) أي: مالت (صلّى الظهر) أي: والعصر، جمع تقديم (ثم ركب).
١١١٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ".
وبالسند قال: (حدّثنا قتيبة) ولأبوي ذر، والوقت: قتيبة بن سعيد (قال: حدّثنا المفضل بن فضالة) بفتح الفاء والضاد المعجمة فيهما (عن عقيل) بضم العين، الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري (عن أنس بن مالك) ﵁ (قال):
(كان رسول الله) ولأبي ذر: النبي (¬ ﷺ إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل) عن راحلته (فجمع بينهما، فإن) ولأبوي ذر، والوقت فإذا (زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلّى الظهر، ثم ركب).
كذا في الكتب المشهورة عن عقيل بغير ذكر العصر. وقد تمسك به من منع جمع التقديم.
وقد قال أبو داود: وليس في تقديم الوقت حديث قائم، انتهى.
وقد روى إسحاق بن راهويه حديث الباب، عن شبابة بن سوار، فقال: إذا كان فى سفر فزالت الشمس صلّى الظهر والعصر جميعًا ثم ارتحل. أخرجه الإسماعيلي.
ولا يقدح تفرد إسحاق به عن شبابة، ولا تفرد جعفر الفريابي به عن إسحاق، لأنهما إمامان حافظان.
والمشهر في جمع التقديم حديث أبي داود، والترمذي من طريق الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل: أن النبي، ﷺ ، كان في غزوة تبوك، إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر، فيصلّيهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلّى الظهر والعصر جميعًا … الحديث.
стр. 1437
لكنه أعل بتفرد قتيبة به عن الليث، بل أشار البخاري إلى أن بعض الضعفاء أدخله على قتيبة، كما حكاه الحكام في علوم الحديث.
وله طريق أخرى عن معاذ بن جبل، أخرجها أبو داود من رواية هشام بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل.
لكن هشام مختلف فيه، فقد ضعفه ابن معين وقال: أبو حاتم يكتب حديثه ولا يحتج به.
وقد خالف الحفاظ من أصحاب أبي الزبير: كمالك والثوري وقرة بن خالد، فلم يذكروا في روايتهم جمع التقديم.
وقد ورد فيه حديث عن ابن عباس أخرجه أحمد، وتقدم أول الباب السابق. وأورده أبو داود تعليقًا، والترمذي في بعض الروايات عنه، وفي إسناده: حسين بن عبد الله الهاشمي، وهو ضعيف.
لكن له شاهد من طريق حماد عن أيوب عن أبي قلابة، عن ابن عباس لا أعلمه إلاَّ مرفوعًا: أنه كان إذا نزل منزلاً في السفر فأعجبه أقام فيه حتى يجمع بين الظهر والعصر، ثم يرتحل، فإذا لم يتهيأ له المنزل مدّ في السير، فسار حتى ينزل فيجمع بين الظهر والعصر، أخرجه البيهقي، ورجاله ثقات، إلا أنه مشكوك في رفعه، والمحفوظ أنه موقوف.
وقد أخرجه البيهقي من وجه آخر مجزومًا بوقفه على ابن عباس، ولفظه: إذا كنتم سائرين … فذكر نحوه، قاله في فتح الباري.
وقد روى مسلم عن جابر: أنه ﷺ جمع بين الظهر والعصر بعرفة في وقت الظهر.
فلو لم يرد من فعله إلاّ هذا لكان أدل دليل على جواز جمع التقديم في السفر.
قال الزهري: سألت سالمًا: هل يجمع بين الظهر والعصر في السفر؟ فقال: نعم، ألا ترى إلى صلاة الناس بعرفة؟.
ويشترط لجمع التقديم ثلاثة شروط:
تقديم الأولى على الثانية، لأن الوقت لها والثانية تبع، فلا تتقدم على متبوعها.
وأن ينوي الجمع في الأول.
وأن يوالي بينهما، لأن الجمع يجعلهما كصلاة واحدة، ولأنه ﵊ لما جمع بينهما بنمرة والى بينهما، وترك الرواتب، وأقام الصلاة بينهما. رواه الشيخان.
نعم، لا يضر فصل يسير في العرف، وإن جمع تأخيرًا فلا يشترط إلا نيّة التأخير للجمع في وقت الأولى، ما بقي قدر ركعة فإن أخّرها حتى فات وقت الأداء بلا نيّة للجمع عصى وقضى.
стр. 1438
١٧ - باب صَلَاةِ الْقَاعِدِ
(باب صلاة القاعد) متنفلاً لعذر أو غيره، ومفترضًا عند العجز، إمامًا كان المصلي أو مأمومًا أو منفردًا.
١١١٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: "صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ وَهْوَ شَاكٍ، فَصَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا. فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا".
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) وسقط قوله: ابن سعيد، عند الأصيلي، وأبي الوقت (عن مالك) الإمام (عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة، ﵂ أنها قالت):
(صلّى رسول الله ﷺ بيته وهو) أي: والحال أنه (شاك) بتخفيف الكاف والتنوين، أي: موجع يشكو من مزاجه انحرافًا عن الاعتدال، ولأبي الوقت، والأصيلي، وابن عساكر: شاكي، بإثبات الياء، وفيه شذوذ. (فصلّى جالسًا) لكونه خدش شقه (وصلّى وراءه قوم قيامًا فأشار إليهم) ﵊: (أن أجلسوا).
وهذا منسوخ بصلاته، ﷺ ، في مرض موته جالسًا والناس خلفه قيامًا، كما مر، في باب: إنما جعل الإمام ليؤتم به.
(فلما انصرف) ﵊ من صلاته (قال إنما جعل الإمام ليؤتم به) أي: ليقتدى به (فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع) من الركوع (فارفعوا) منه.
١١١٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "سَقَطَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ فَرَسٍ فَخُدِشَ -أَوْ فَجُحِشَ- شِقُّهُ الأَيْمَنُ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ نَعُودُهُ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى قَاعِدًا فَصَلَّيْنَا قُعُودًا قَالَ: إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ".
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين (قال: حدّثنا ابن عيينة) سفيان (عن) ابن شهاب (الزهري، عن أنس) ولأبي ذر، والأصيلي: أنس بن مالك (¬﵁، (قال):
(سقط رسول الله ﷺ من) ولابن عساكر: عن (فرس فخدش) بضم الخاء وكسر الدار، أي: انقشر جلده (-أو فجحش- شقه الأيمن) بكسر الشين المعجمة، وجحش بضم الجيم وكسر المهملة وبالمعجمة آخره، شك من الراوي، وهما بمعنى (فدخلنا عليه نعوده، فحضرت الصلاة فصلّى) الفرض (قاعدًا) لمشقة القيام (فصلينا قعودًا) اقتداء به، لكنه منسوخ كما مر قريبًا (وقال):
стр. 1439
(إنما جعل الإمام ليؤتم به) أي: ليقتدى به (فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع) رأسه من الركوع (فارفعوا) منه (وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا) ولأبوي ذر والوقت: فقولوا: اللهم ربنا (ولك الحمد) بالواو، أي: بعد قولهم: سمع الله لمن حمده.
١١١٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ أَخْبَرَنَا حُسَيْنٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ أَنَّهُ سَأَلَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ ح.
أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ -وَكَانَ مَبْسُورًا- قَالَ: "سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ قَاعِدًا فَقَالَ: إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَهْوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ".
[الحديث ١١١٥ - طرفاه في: ١١١٦، ١١١٧].
وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن منصور) الكوسج (قال: أخبرنا روح بن عبادة) بفتح الراء في الأول وضم العين وتخفيف الموحدة (قال: أخبرنا حسين) المعلم (عن عبد الله بن بريدة) بضم الموحدة (عن عمران بن حصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين (¬﵁ أنه سأل نبي الله ﷺ ¬).
وبه قال: (ح، وأخبرنا إسحاق) وللحموي والمستملي، والكشميهني. في نسخة: وحدّثنا، بالجمع. ولابن عساكر: وحدّثني، وللكشميهني، والمستملي في نسخة وزاد: إسحاق هو شيخه ابن منصور السابق، كما قاله ابن حجر، أو: إسحاق بن إبراهيم، كما نص الكلاباذي، والمزي في الأطراف فيما نقله العيني (قال: أخبرنا عبد الصمد) التنوري (قال: سمعت أبي) عبد الوارث بن سعيد (قال: حدّثنا الحسين) بالألف واللام، للمح الصفة لأنهما لا يدخلان في الاعلام، وهو المعلم السابق (عن ابن بريدة) بضم الموحدة، عبد الله، وفي اليونينية: عن أبي بريدة، وقال في هامشها: إن صوابه بالنون بدل الياء، (قال: حدّثني) بالإفراد (عمران بن حصين) بضم الحاء مع التنكير، ولأبي ذر: الحصين.
وفيه التصريح بالتحديث عن عمران، واستغنى به عن تكلف ابن حبان في إقامة الدليل على أن ابن بريدة عاصر عمران.
(وكان) ابن حصين (مبسورًا) بفتح الميم وسكون الموحدة وبعدها سين مهملة، أي: كان به بواسير، وهي في عرف الأطباء نفاطات تحدث في نفس المقعدة ينزل منها مادّة (قال):
(سألت) ولأبي ذر، والأصيلي، وأبي الوقت في نسخة أنه: سأل (رسول الله ﷺ عن صلاة الرجل) أي: النفل أو الفرض، حال كونه (قاعدًا فقال) ﵊:
(إن صلّى) حال كونه (قائمًا فهو أفضل، ومن صلّى) نفلاً حال كونه (قاعدًا فله نصف أجر
стр. 1440
القائم، ومن صلّى) حال كونه (نائمًا) بالنون، يعني: مضطجعًا على هيئة النائم، كما يدل عليه قوله في رواية أبي داود: "فإن لم تستطع فعلى جنب".
وكذا في رواية الترمذي، وابن ماجة، وأحمد في سننه، وفيها: عن عمران بن حصين قال: "كنت رجلاً ذا أسقام كثيرة".
وبالاضطجاع فسره به المؤلّف كما يأتي في الباب التالي، إن شاء الله تعالى.
وهذا كله يرد على الخطابي حيث حمل النوم على الحقيقي الذي إذا وجده يقطع الصلاة، وادعى أن الرواية: ومن صلّى بإيماء، على أنه جار ومجرور، وأن المجرور مصدر، أومأ، وغلط فيه النسائي، وقال: إنه صحفه.
(فله نصف أجر القاعد) إلا النبي، ﷺ فإن صلاته قاعدًا لا ينقص أجرها عن صلاته قائمًا لحديث عبد الله بن عمرو المروي في مسلم وأبي داود والنسائي. قال: بلغني أن النبي ﷺ قال: "صلاة الرجل قاعدًا على نصف أجر الصلاة … ". فأتيته فوجدته يصلّي جالسًا، فوضعت يدي على رأسي، فقال: ما لك يا عبد الله، فأخبرته فقال: أجل، ولكني لست كأحد منكم. وهذا ينبني على أن المتكلم داخل في عموم خطابه، وهو الصحيح، وقد عد الشافعية هذه المسألة في خصائصه.
وسؤال عمران بن حصين عن الرجل خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له، فالمرأة والرجل في ذلك سواء، والنساء شقائق الرجال، وهل ترتيب الأجر فيما ذكر في المتنفل أو المفترض؟ حمله بعضهم على المتنفل القادر، ونقله ابن التين وغيره: عن أبي عبيدة، وابن الماجشون، وإسماعيل القاضي، وابن شعبان، والإسماعيلي، والداودي، وغيرهم. ونقله الترمذي عن الثوري.
وحمله آخرون، منهم الخطابي، على المفترض الذي يمكنه أن يتحامل فيقوم مع مشقة وزيادة ألم، فجعل أجره على النصف من أجر القائم ترغيبًا له في القيام، لزيادة الأجر، وإن كان يجوز قاعدًا. وكذا في الاضطجاع.
وعند أحمد، بسند رجاله ثقات، من طريق ابن جريج، عن ابن شهاب، عن أنس، قال: قدم النبي المدينة وهي محمة، فحم الناس، فدخل النبي ﷺ المسجد والناس يصلون من قعود، فقال: "صلاة القاعد نصف صلاة القائم".
وصنيع المؤلّف يدل على ذلك، حيث أدخل في الباب حديثي عائشة وأنس، وهما في صلاة المفترض قطعًا.
ورواة هذا الحديث بطريقيه كلهم بصريون إلا شيخ المؤلّف، وابن بريدة فمروزيان، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلّف أيضًا في البابين التاليين لهذا، وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة.
стр. 1441
١٨ - باب صَلَاةِ الْقَاعِدِ بِالإِيمَاءِ
(باب صلاة القاعد بالإيماء) ظاهره أن المؤلّف يختار جواز الإيماء، وهو أحد الوجهين للشافعية، والموافق للمشهور عند المالكية من جوازه قاعدًا مع القدرة على الركوع والسجود.
والأصح عند المتأخرين عدم الجواز للقادر، وإن جاز التنفل مضطجعًا، بل لا بد من الإتيان بهما حقيقة.
١١١٦ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ وَكَانَ رَجُلاً مَبْسُورًا. وَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ مَرَّةً: عَنْ عِمْرَانَ قَالَ: "سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَهْوَ قَاعِدٌ فَقَالَ: مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهْوَ أَفْضَلُ؛ وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ".
وبالسند قال: (حدّثنا أبو معمر) بميمين مفتوحتين، بينهما عين مهملة ساكنة (قال: حدّثنا عبد الوارث، قال: حدّثنا حسين المعلم) بكسر اللام المشدّدة (عن عبد الله بن بريدة) بضم الموحدة (أن عمران بن حصين، وكان رجلاً مبسورًا) بالموحدة الساكنة.
(وقال أبو معمر) شيخ المؤلّف (مرة عن عمران) بدل قوله: أن عمران، ولأبي ذر زيادة: ابن حصين (قال: سألت النبي ﷺ ، عن صلاة الرجل وهو) أي والحال أنه (قاعد، فقال):
(من صلى) حال كونه (قائمًا فهو أفضل) من القاعد (ومن صلى) حال كونه (قاعدًا فله نصف أجر القائم، ومن صلّى) حال كونه (نائمًا) بالنون (فله نصف أجر القاعد). ليس فيه ذكر ما ترجم له من الإيماء، إنما فيه ذكر النوم.
وقد اعترضه الإسماعيلي فنسبه إلى تصحيف: نائمًا الذي بالنون بمعنى اسم الفاعل، بإيماء، بالموحدة التي بعدها مصدر: أومأ، فلذا ترجم به، وليس كما قال الإسماعيلي.
فقد وقع في رواية غير أبوي ذر، والوقت، والأصيلي: هنا. قال أبو عبد الله، أي البخاري: قوله عندي، أن معناه مضطجعًا.
وأطلق عليه النوم لكثرة ملازمته له، وهذا التفسير وقع مثله في رواية عفان عن عبد الوارث، في هذا الحديث، عند الإسماعيلي، قال عبد الوارث: النائم المضطجع، وهذا يرد على الإسماعيلي، كما ترى.
وكأن البخاري كوشف به، وحكاه ابن رشيد عن رواية الأصيلي: بإيماء بالموحدة على التصحيف، ولا يخفى ما فيه، والله الموفق.
стр. 1442
١٩ - باب إِذَا لَمْ يُطِقْ قَاعِدًا صَلَّى عَلَى جَنْبٍ
وَقَالَ عَطَاءٌ: إِنْ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى الْقِبْلَةِ صَلَّى حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ.
هذا (باب) بالتنوين (إذا لم يطق) أي: المصلي أن يصلّي (قاعدًا صلّى على جنب).
(وقال عطاء) هو: ابن أبي رباح؛ مما وصله عبد الرزاق عن ابن جريج عنه بمعناه (إن)، وللمستملي، والحموي إذا (لم يقدر) لمانع شرعي من مرض أو غيره (أن يتحول إلى القبلة، صلّى حيث كان وجهه).
مطابقته للترجمة من حيث العجز، لكن الأول من حيث العجز عن القعود، وهذا عن التحول إلى القبلة.
١١١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ الْمُكْتِبُ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ: "كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ فَقَالَ: صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ".
وبالسند قال: (حدّثنا عبدان) هو: عبد الله (عن عبد الله) بن المبارك (عن إبراهيم بن طهمان، قال: حدّثني) بالإفراد (الحسين المكتب) بضم الميم وإسكان الكاف وكسر المثناة الفوقية مخففة، وقيل بتشديدها مع فتح الكاف، وهي رواية أبي ذر كما في الفرع وأصله، وهو: ابن ذكوان المعلم الذي يعلم الصبيان الكتابة، (عن ابن بريدة، عن عمران بن حصين ﵁، قال):
(كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة) أي: صلاة المريض، كما رواه الترمذي، ودل عليه قوله في أوله: وكانت بي بواسير (فقال) ﵊:
(صل) حال كونك (قائمًا، فإن لم تستطع) بأن وجدت مشقة شديدة بالقيام، أو خوف زيادة مرض، أو هلاك، أو غرق، ودوران رأس لراكب سفينة، (فقاعدًا) أي: فصل حال كونك قاعدًا كيف شئت.
نعم قعوده مفترشًا أفضل لأنه قعود لا يعقبه سلام كالقعود للتشهد الأول، والإقعاء، وهو: أن يجلس على وركيه وينصب فخذيه، وزاد أبو عبيدة: ويضع يديه على الأرض مكروه للنهي عنه في الصلاة، كما رواه الحاكم. وقال: صحيح على شرط البخاري.
(فإن لم تستطع) أي: القعود للمشقة المذكورة (فعلى) أي: فصل على (جنب) وجوبًا مستقبل القبلة بوجهك. رواه الدارقطني من حديث علي.
واضطجاعه على الأيمن أفضل، ويكره على الأيسر بلا عذر، كما جزم به في المجموع.
стр. 1443
وزاد النسائي: فإن لم تستطع فمستلقيًا، أي: وأخمصاه للقبلة، ورأسه أرفع بأن ترفع وسادته ليتوجه بوجهه للقبلة، لكن هذا كما قاله في المهمات في غير الكعبة، أما فيها فالمتجه جواز الاستلقاء على ظهره وعلى وجهه لأنه، كيفما توجه متوجه لجزء منها، ويركع ويسجد بقدر إمكانه، فإن قدر المصلي على الركوع فقط كرره للسجود، ومن قدر على زيادة على أكمل الركوع، تعينت تلك الزيادة للسجود، لأن الفرق بينهما واجب على المتمكن، ولو عجز عن السجود إلاّ أن يسجد بمقدم رأسه أو صدغه وكان بذلك أقرب إلى أرض وجب، لأن المبسور لا يسقط بالمعسور، فإن عجز عن ذلك أيضًا أومأ برأسه، والسجود أخفض من الركوع، فإن عجز عن إيمائه فببصره، فإن عجز عن الإيماء ببصره إلى أفعال الصلاة أجراها على قلبه بسننها، ولا إعادة عليه. ولا تسقط عنه الصلاة وعقله ثابت لوجود مناط التكليف.
وهذا الترتيب قال به معظم الشافعية، لقوله ﵊: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". هكذا استدلّ به الغزالي، وتعقبه الرافعي: بأن الخبر أمر بالإتيان بما يشتمل عليه المأمور، والقعود لا يشتمل على القيام، وكذا ما بعده إلى آخر ما ذكره.
وأجاب عنه ابن الصلاح بأنا لا نقول: إن الآتي بالقعود آت بما استطاعه من القيام مثلاً، ولكنا نقول: يكون آتيًا بما استطاعه من الصلاة، لأن المذكورات أنواع لجنس الصلاة بعضها أدنى من بعض، فإذا عجز عن الأعلى وأتى بالأدنى كان آتيًا بما استطاع من الصلاة.
وتعقب: بأن كون هذه المذكورات من الصلاة فرع لشرعية الصلاة بها، وهو محل النزاع. انتهى.
واستدلّ بقوله في حديث النسائي: "فإن لم تستطع فمستلقيًا … " أنه لا ينتقل المريض بعد عجزه عن الاستلقاء إلى حالة أخرى، كالإشارة إلى آخر ما مر، وهو قول الحنفية والمالكية وبعض الشافعية.
٢٠ - باب إِذَا صَلَّى قَاعِدًا ثُمَّ صَحَّ، أَوْ وَجَدَ خِفَّةً، تَمَّمَ مَا بَقِيَ
وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنْ شَاءَ الْمَرِيضُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَائِمًا، وَرَكْعَتَيْنِ قَاعِدًا.
هذا (باب) بالتنوين (إذا صلى) المريض العاجز عن القيام فرضًا أو نفلاً (قاعدًا، ثم صح) في أثناء صلاته بأن عوفي (أو وجد خفة) في مرضه بحيث وجد قدرة على القيام (تمم ما بقي) من صلاته.
ولا يستأنفها خلافًا لمحمد بن الحسن، وللكشميهني: يتم، بضم المثناة التحتية وكسر الفوقية، وللأصيلي: يتمم، بفتح الفوقية وكسر الميم الأولى.
стр. 1444
(وقال الحسن) البصري، مما وصله ابن أبي شيبة بمعناه: (إن شاء المريض صلّى) الفرض (ركعتين) حال كونه (قائمًا وركعتين) حال كونه (قاعدًا) عند عجزه عن القيام.
ولفظ ابن أبي شيبة: يصلّي المريض على الحالة التي هو عليها. انتهى.
ونازع العيني في كونه بمعنى ما ذكره المؤلّف، ولأبي ذر: صلّى ركعتين قاعدًا وركعتين قائمًا، بالتقديم والتأخير.
١١١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ "أَنَّهَا لَمْ تَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي صَلَاةَ اللَّيْلِ قَاعِدًا قَطُّ حَتَّى أَسَنَّ، فَكَانَ يَقْرَأُ قَاعِدًا حَتَّى إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَقَرَأَ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ آيَةً أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً ثُمَّ رَكَعَ".
[الحديث ١١١٨ - أطرافه في: ١١١٩، ١١٤٨، ١١٦١، ١١٦٨، ٤٨٣٧].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك) بن أنس، إمام دار الهجرة (عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة ﵂، أم المؤمنين أنها أخبرته أنها (لم تر رسول الله ﷺ يصلّي صلاة الليل) حال كونه (قاعدًا قط حتى أسنّ) أي: دخل في السن.
وسيأتي في أثناء صلاة الليل من هذا الوجه: حتى إذا كبر.
وعند مسلم من رواية عثمان بن أبي سلمة، عن عائشة: لم يمت حتى كان أكثر صلاته جالسًا.
وعنده أيضًا من حديث حفصة: ما رأيت رسول الله ﷺ ، صلّى في سبحته قاعدًا حتى كان قبل وفاته بعام، فكان يصلّي في سبحته قاعدًا.
(فكان يقرأ) حال كونه (قاعدًا حتى إذا أراد أن يركع قام، فقرأ نحوًا من ثلاثين آية، أو أربعين آية) قائمًا (ثم ركع) ولأبي ذر: يركع بصيغة المضارع، وسقط عند أبوي: ذر، والوقت، والأصيلي: لفظ آية، الأولى، وقوله: أو أربعين آية، شك من الراوي أن عائشة قالت: أحدهما، أو هما معًا، بحسب وقوع ذلك منه مرة كذا ومرة كذا، أو بحسب طول الآيات وقصرها.
١١١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ وَأَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي جَالِسًا فَيَقْرَأُ وَهْوَ جَالِسٌ، فَإِذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ نَحْوٌ مِنْ ثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً قَامَ فَقَرَأَهَا وَهْوَ قَائِمٌ، ثُمَّ يَرْكَعُ، فَإِذَا قَضَى صَلَاتَهُ نَظَرَ فَإِنْ كُنْتُ يَقْظَى تَحَدَّثَ مَعِي، وَإِنْ كُنْتُ نَائِمَةً اضْطَجَعَ".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك) إمام الأئمة (عن عبد الله بن يزيد) من الزيادة، المخزومي الأعور المدني (وأبي النضر) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة، سالم بن
стр. 1445
أبي أمية القرشي المدني (مولى عمر بن عبيد الله) بضم العين فيهما، ابن معمر التيمي (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة أم المؤمنين، ﵂، أن رسول الله ﷺ كان يصلّي جالسًا فيقرأ وهو جالس، فإذا بقي من قراءته نحو) بالرفع. وهو واضح مع التنوين.
وفي اليونينية بغير تنوين، وروي نحوًا بالنصب: مفعول به على أن من زائدة في قول الأخفش، مفعول به بالمصدر المضاف إلى الفاعل، وهو قراءته. و: من زائدة على قول الأخفش، أو على أن من قراءته صفة لفاعل بقي قامت مقامه لفظًا، ونوى ثبوته. وانتصب نحوًا على الحال أي: فإذا بقي باق من قراءته نحوًا (من ثلاثين) زاد أبو ذر، والأصيلي: آية (أو أربعين آية، قام فقرأها وهو قائم، ثم يركع) ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: ثم ركع بصيغة الماضي (فإذا قضى صلاته) وفرغ من ركعتي الفجر (نظر، فإن كنت يقظى تحدث معي، وإن كنت نائمة اضطجع) للراحة من تعب القيام.
والشرط مع الجزاء جواب الشرط الأول، ولا منافاة بين قول عائشة: كان يصلّي جالسًا، وبين نفي حفصة المروي في الترمذي: ما رأيته صلّى في سبحته قاعدًا حتى قبل وفاته بعام، فكان يصلّي في سبحته قاعدًا لأن قول عائشة: كان يصلّي جالسًا لا يلزم منه أن يكون صلّى جالسًا قبل وفاته بأكثر من عام، لأن كان لا تقتضي الدوام، بل ولا التكرار على أحد القولين عند أهل الأصول.
ولئن سلمنا أنه صلّى قبل وفاته بأكثر من عام جالسًا فلا تنافي، لأنها إنما نفت رؤيتها، لأن وقوع ذلك في الجملة.
قال في الفتح: ودل حديث عائشة على جواز القعود في أثناء صلاة النافلة لمن افتتحها قائمًا، كما يباح له أن يفتتحها قاعدًا ثم يقوم، إذ لا فرق بين الحالتين، ولا سيما مع وقوع ذلك منه، ﷺ في الركعة الثانية، خلافًا لمن أبى ذلك. واستدل به على أن من افتتح صلاته مضطجعًا ثم استطاع الجلوس أو القيام أتمها على ما أدت إليه حاله.
стр. 1446
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١٩ - كتاب التهجد
(بسم الله الرحمن الرحيم) كذا بإثباتها في غير رواية أبي ذر.
١ - باب التَّهَجُّدِ بِاللَّيْلِ، وَقَوْلِهِ : ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾
(باب التهجد) أي: الصلاة (بالليل) وأصله ترك الهجود، وهو النوم. قال ابن فارس: المتهجد: المصلي ليلاً. وللكشميهني: من الليل، وهو أوفق للفظ القرآن، (وقوله بالجر، عطفًا على سابقه المجرور بالإضافة، وبالرفع على الاستئناف: (﴿ومن الليل﴾) أي: بعضه (﴿فتهجد به﴾) أي: اترك الهجود للصلاة: كالتأثم والتحرج، والضمير للقرآن (﴿نافلة لك﴾) [الإسراء: ٧٩]. فريضة زائدة لك على الصلوات المفروضة، خصصت بها من بين أمتك.
روى الطبراني بإسناد ضعيف، عن ابن عباس: أن النافلة للنبي ﷺ خاصة لأنه أمر بقيام الليل، وكتب عليه دون أمته.
لكن صحّح النووي أنه نسخ عنه التهجد، كما نسخ عن أمته قال: ونقله الشيخ أبو حامد عن النص، وهو الأصح، والصحيح.
ففي مسلم عن عائشة ما يدل عليه. أو فضيلة لك، فإنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وحينئذ فلم يكن فعل ذلك يكفر شيئًا. وترجع التكاليف كلها في حقه ﵊ قرة عين وإلهام طبع، وتكون صلاته في الدنيا مثل تسبيح أهل الجنة في الجنة، ليس على وجه الكلفة، ولا التكليف وهذا كله مفرع على طريقة إمام الحرمين.
وأما طريقة القاضي حيث يقول: لو أوجب الله شيئًا لوجب، وإن لم يكن وعيد، فلا يمتنع
стр. 1447
حينئذ بقاء التكاليف في حقه، ﵊، على ما كانت عليه، مع طمأنينته، ﵊. من ناحية الوعيد، وعلى كلا التقديرين فهو معصوم، ولا عتب ولا ذنب.
لا يقال: إنه لم يأمره أن يستغفر في قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣].
ونحوه إلا مما يغفره له، لأنا نقول استغفاره تعبد على الفرض، والتقدير، أي: أستغفرك مما عساه أن يقع لولا عصمتك إياي.
وزاد أبو ذر في رواية تفسير قوله تعالى: ﴿فتهجد به﴾ أي: اسهر به.
١١٢٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ أَوْ لَا إِلَهَ غَيْرُكَ". قَالَ سُفْيَانُ: وَزَادَ عَبْدُ الْكَرِيمِ أَبُو أُمَيَّةَ «وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ». قَالَ سُفْيَانُ قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ سَمِعَهُ مِنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
[الحديث ١١٢٠ - أطرافه في: ٦٣١٧، ٧٣٨٥، ٧٤٤٢، ٧٤٩٩].
وبالسند قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني (قال: حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: حدّثنا سليمان بن أبي مسلم) المكي الأحول (عن طاوس) هو ابن كيسان أنه (سمع ابن عباس، ﵄، قال):
(كان النبي ﷺ ، إذا قام من الليل) حال كونه (يتهجد) أي: من جوف الليل، كما في رواية مالك، عن أبي الزبير، عن عائشة (قال) في موضع نصب خبر كان أي: كان ﵊، عند قيامه من الليل متهجدًا يقول. وقال الطيبي: الظاهر أن قال، جواب إذا، والجملة الشرطية خبر كان.
(اللهم لك الحمد، أنت قيم السنوات والأرض ومن فيهن) وفي رواية أبي الزبير المذكورة، قيام بالألف، ومعناه: والسابق والقيوم، معنى واحد.
وقيل: القيم: معناه القائم بأمور الخلق، ومدبرهم، ومدبر العالم في جميع أحواله، ومنه قيم
стр. 1448
الطفل. والقيوم: هو القائم بنفسه مطلقًا لا بغيره، ويقوم به كل موجود، حتى لا يتصور وجود شيء ولا دوام وجوده إلا به. قال التوربشتي: والمعنى: أنت الذي تقوم بحفظها، وحفظ من أحاطت به، واشتملت عليه، تؤتي كلامًا به قوامه، وتقوم على كل شيء من خلقك بما تراه من تدبيرك، وعبّر بقوله: من، في قوله: ومن فيهن، دون: ما، تغليبًا للعقلاء على غيرهم.
(ولك الحمد، لك ملك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، نور السماوات والأرض) ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي، وابن عساكر: "ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض" بزيادة: أنت، المقدرة في الرواية الأولى، فيكون قوله فيها: نور: خبر مبتدأ محذوف، وإضافة النور إلى السماوات والأرض للدلالة على سعة إشراقه، وفشوّ إضاءته وعلى هذا فسر قوله تعالى: ﴿اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ﴾ أي منوّرهما يعني: أن كل شيء استنار منهما واستضاء. فبقدرتك وجودك، والأجرام النيرة بدائع فطرتك، والعقل والحواس خلقك وعطيتك.
قيل: وسمي بالنور لما اختص به من إشراق الجلال، وسبحات العظمة التي تضمحل الأنوار دونها، ولما هيأ للعالم من النور ليهتدوا به في عالم الخلق. فهذا الاسم على هذا المعنى لا استحقاق لغيره فيه، بل هو المستحق له المدعوّ به ﴿وللهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ وزاد في رواية أبوي ذر، والوقت، والأصيلي: ومن فيهن.
(﴿ولك الحمد، أنت ملك السماوات والأرض﴾) كذا للحموي، والمستملي، وفي رواية الكشميهني: لك ملك السماوات والأرض، والأوّل أشبه بالسياق، (ولك الحمد، أنت الحق) المتحقق وجوده.
وكل شيء ثبت وجوده وتحقق فهو حق، وهذا الوصف للرب ﷻ بالحقيقة والخصوصية لا ينبغي لغيره، إذ وجوده بذاته لم يسبقه عدم، ولا يلحقه عدم، ومن عداه ممن يقال فيه ذلك فهو بخلافه.
(ووعدك الحق) الثابت المتحقق، فلا يدخله خلف ولا شك في وقوعه، وتحققه، (ولقاؤك حق) أي: رؤيتك في الدار الآخرة حيث لا مانع، أو لقاء جزائك لأهل السعادة والشقاوة.
وهو داخل فيما قبله. فهو من عطف الخاص على العام، وقيل: ولقاؤك حق، أي: الموت، وأبطله النووي.
(وقولك حق) أي: مدلوله ثابت (والجنة حق، والنار حق) أي كل منهما موجود (والنبيون حق، ومحمد ﷺ حق، والساعة حق،) أي: يوم القيامة.
وأصل الساعة الجزء القليل من اليوم أو الليلة، ثم استعير للوقت الذي تقام فيه القيامة، يريد فيه القيامة، يريد أنها ساعة خفيفة، يحدث فيها أمر عظيم.
стр. 1449
وتكرير الحمد للاهتمام بشأنه، وليناط به كل مرة معنى آخر، وفي تقديم الجار والمجرور إفادة التخصيص، وكأنه ﵊، لما خص الحمد بالله، قيل: لم خصصتني بالحمد؟ قال: لأنك أنت الذي تقوم بحفظ المخلوقات إلى غير ذلك.
فإن قلت: لم عرّف الحق في قوله: أنت الحق، ووعدك الحق، ونكر في البواقي؟
قال الطيبي عرفها للحصر، لأن الله هو الحق الثابت الدائم الباقي، وما سواه في معرض الزوال، قال لبيد:
ألَا كل شيء ما خلا الله باطل
وكذا وعده مختص بالإنجاز دون وعد غيره.
وقال السهيلي: التعريف للدلالة على أنه المستحق لهذا الاسم بالحقيقة، إذ هو مقتضى هذه الأداة.
وكذا: في وعدك الحق، لأن وعده كلامه، وتركت في البواقي لأنها أمور محدثة، والمحدث لا يجب له البقاء من جهة ذاته، وبقاء ما يدوم منه علم بالخبر الصادق لا من جهة استحالة فنائه.
وتعقبه في المصابيح بأنه يرد عليه قوله في هذا الحديث: وقولك حق، مع أن قوله كلامه القديم فينظر وجهه. اهـ.
قال الطيبي: وهاهنا سر دقيق، وهو: أنه ﷺ لما نظر إلى المقام الإلهي، ومقربي حضرة الربوبية، عظم شأنه، وفخم منزلته، حيث ذكر النبيين. وعرفها باللام الاستغراقي، ثم خص محمدًا ﷺ ، من بينهم، وعطفه عليهم، إيذانًا بالتغاير، وأنه فائق عليهم بأوصاف مختصة به، فإن تغير الوصف بمنزلة التغير في الذات.
ثم حكم عليه استقلالاً بأنه حق، وجرده عن ذاته كأنه غيره، وأوجب عليه تصديقه.
ولما رجع إلى مقام العبودية ونظر إلى افتقار نفسه، نادى بلسان الاضطرار في مطاوي الانكسار:
(اللهم لك أسلمت) أي انقدت لأمرك ونهيك (وبك آمنت) أي: صدقت بك وبما أنزلت (وعليك توكلت) أي: فوّضت أمري إليك (وإليك أنبت): رجعت إليك مقبلاً بقلبي عليك (وبك) أي: بما آتيتني من البراهين والحجج (خاصمت) من خاصمني من الكفار، أو بتأييدك ونصرتك قاتلت (وإليك حاكمت) كل من أبى قبول ما أرسلتني به.
وقدم جميع صلاة هذه الأفعال عليها إشعارًا بالتخصيص، وإفادة للحصر.
стр. 1450
(فاغفر لي ما قدمت) قبل هذا الوقت (وما أخرت) عنه (وما أسررت) أخفيت (وما أعلنت). أظهرت، أي: ما حدثت به نفسي، وما تحرك به لساني.
قاله تواضعًا وإجلالاً لله تعالى، أو تعليمًا لأمته وتعقب في الفتح الأخير بأنه: لو كان للتعليم فقط لكفى في أمرهم بأن يقولوا، فالأولى أنه للمجموع.
(أنت المقدم) لي في البعث في الآخرة (وأنت المؤخر) لي في البعث في الدنيا. وزاد ابن جريج في الدعوات: أنت إلهي (لا الله إلا أنت أو لا الله غيرك).
(قال سفيان) بن عيينة بالإسناد السابق، كما بينه أبو نعيم، أو هو من تعاليقه.
ولذا علم عليه المزي علامة التعليق، لكن قال الحافظ ابن حجر: إنه ليس بجيد.
(وزاد عبد الكريم أبو أمية) بن أبي المخارق البصري: (ولا حول ولا قوّة إلا بالله).
(قال سفيان) بن عيينة، بالإسناد السابق أيضًا (قال سليمان بن أبي مسلم) الأحول خال أبي نجيح: (سمعه) وللأصيلي سمعته (من طاوس، عن ابن عباس، ﵄، عن النبي، ﷺ ¬).
صرّح سفيان بسماع سليمان له من طاوس، لأنه أورده قبل بالعنعنة، ولم يقل سليمان في روايته: ولا حول ولا قوّة إلا بالله.
ولأبي ذر وحده؛ قال عليّ بن خشرم بفتح الخاء وسكون الشين المعجمتين وفتح الراء آخره ميم، قال سفيان: وليس ابن خشرم من شيوخ المؤلّف؟ نعم، هو من شيوخ الفربري، فالظاهر أنه من روايته عنه.
٢ - باب فَضْلِ قِيَامِ اللَّيْلِ
(باب فضل قيام الليل) في مسلم من حديث أبي هريرة، أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل، وهو يدل على أنه أفضل من ركعتي الفجر، وقوّاه النووي في الروضة.
لكن الحديث اختلف في وصله وإرساله، وفي رفعه ووقفه، ومن ثم لم يخرجه المؤلّف.
والمعتمد تفضيل الوتر على الرواتب وغيرها: كالضحى إذ قيل بوجوبه، ثم: ركعتي الفجر، لحديث عائشة المروي في الصحيحين: "لم يكن النبي ﷺ على شيء من النوافل أشدّ تعاهدًا منه على ركعتي الفجر".
وحديث مسلم: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها، وهما أفضل من ركعتين في جوف الليل".
стр. 1451
وحملوا حديث أبي هريرة السابق على أن النفل المطلق المفعول في الليل، أفضل من المطلق المفعول في النهار.
وقد مدح الله المتهجدين في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧]. ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤] ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦] ويكفي: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ وهي الغاية.
فمن عرف فضيلة قيام الليل بسماع الآيات، والأخبار، والآثار الواردة فيه، واستحكم رجاؤه وشوقه إلى ثوابه، ولذة مناجاته به، هاجه الشوق وباعث التوق، وطردا عنه النوم.
قال بعض الكبراء من القدماء: أوحى الله تعالى إلى بعض الصدّيقين: إن لي عبادًا يحبوني وأحبهم، ويشتاقون إليّ وأشتاق إليهم، ويذكروني وأذكرهم. فإن حذوت طريقهم أحببتك. قال: يا رب! وما علاماتهم؟ قال: يحنون إلى غروب الشمس كما تحن الطير إلى أوكارها، فإذا جَنَّهم الليل نصبوا إليّ أقدامهم، وافترشوا إليّ وجوههم، وناجوني بكلامي، وتملقوا بإنعامي، فبين صارخ وباك، ومتأوهٍ وشاكٍ بعيني ما يتحملون من أجلي، وبسمعي ما يشتكون من حبي، أوّل ما أعطيهم أن أقذف من نوري في قلوبهم، فيخبرون عني كما أخبر عنهم.
١١٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح.
وَحَدَّثَنِي مَحْمُودٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ: عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: "كَانَ الرَّجُلُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا رَأَى رُؤْيَا قَصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى رُؤْيَا فَأَقُصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكُنْتُ غُلَامًا شَابًّا، وَكُنْتُ أَنَامُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَخَذَانِي فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ، فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ كَطَىِّ الْبِئْرِ، وَإِذَا لَهَا قَرْنَانِ، وَإِذَا فِيهَا أُنَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ. قَالَ: فَلَقِيَنَا مَلَكٌ آخَرُ فَقَالَ لِي: لَمْ تُرَعْ".
وبالسند إلى المؤلّف قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المسنديّ (قال: حدّثنا هشام) هو ابن يوسف الصنعاني (قال: أخبرنا معمر) هو: ابن راشد.
(ح) لتحويل السند، وليست في اليونينية.
(وحدّثني) بالإفراد (محمود) هو: ابن غيلان المروزي (قال: حدثنا عبد الرزاق) بن همام (قال أخبرنا معمر) المذكور (عن) ابن شهاب (الزهري، عن سالم، عن أبيه) عبد الله بن عمر ﵄ (قال):
(كان الرجل في حياة النبي، ﷺ ، إذا رأى رؤيا) كفعلى، بالضم من غير تنوين، أي: في النوم
стр. 1452
(قصها على رسول الله، ﷺ ، فتمنيت أن أرى) وللكشميهني: أني أرى (رؤيا) زاد في التعبير، من وجه آخر: فقلت في نفسي: لو كان فيك خير لرأيت مثل ما يرى هؤلاء (فأقصها) بالنصب، وفاء قبل الهمزة، أي: أخبره بها، ولأبي الوقت في نسخة، والأصيلي، وابن عساكر: أقصها (على رسول الله، ﷺ ، وكنت غلامًا شابًا، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله) ولأبي ذر: النبي (¬ ﷺ ، فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني، فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية) أي: مبنية الجوانب (كطي البئر، وإذا لها قرنان) بفتح القاف، أي: جانبان (وإذا فيها أناس) بضم الهمزة (قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار. قال فلقينا ملك آخر، فقال لي: لم ترع) بضم المثناة الفوقية وفتح الراء وجزم المهملة، أي: لِم تخف، والمعنى: لا خوف عليك بعد هذا، وللكشميهني في التعبير: لن تراع، بإثبات الألف، وللقابسي: لن ترع، بحذف الألف.
واستشكل من جهة أن لن، حرف نصب، ولم تنصب هنا.
وأجيب: بأنه مجزوم بلن، على اللغة القليلة المحكية عن الكسائي، أو سكنت العين للوقف، ثم شبه بسكون المجزوم، فحذف الألف قبله، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف، قاله ابن مالك.
وتعقبه في المصابيح، فقال: لا نسلم أن فيه إجراء الوصل مجرى الوقف، إذ لم يصله الملك بشيء بعده.
ثم قال: فإن قلت: إنما وجه ابن مالك بهذا في الرواية التي فيها: لم ترع، وهذا يتحقق فيه ما قاله من إجراء الوصل مجرى الوقف.
وأجاب عنه، فقال: لا نسلم، إذ يحتمل أن الملك نطق بكل جملة منها منفردة عن الأخرى، ووقف على آخرها فحكاه كما وقع. اهـ.
١١٢٢ - "فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ، فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ. فَكَانَ بَعْدُ لَا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلاَّ قَلِيلاً".
[الحديث ١١٢٢ - أطرافه في: ١١٥٧، ٣٧٣٩، ٣٧٤١، ٧٠١٦، ٧٠٢٩، ٧٠٣١].
(فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على رسول الله، ﷺ ، فقال):
(نعم الرجل عبد الله) وفي التعبير من رواية نافع عن ابن عمر: إن عبد الله رجل صالح (لو كان يصلّي من الليل) لو للتمني لا للشرط، ولذا لم يذكر الجواب.
قال سالم: (فكان) بالفاء، أي: عبد الله، ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: وكان (بعد لا ينام من الليل إلا قليلاً).
فإن قلت: من أين أخذ ﵊ التفسير بقيام الليل من هذه الرؤيا؟.
стр. 1453
أجاب المهلب: بأنه إنما فسر ﵊ هذه الرؤيا بقيام الليل، لأنه لم ير شيئًا يغفل عنه من الفرائض، فيذكر بالنار. وعلم مبيته بالمسجد، فعبر عن ذلك بأنه منبه على قيام الليل فيه.
وفي الحديث: (إن قيام الليل ينجي من النار). وفيه، كراهة كثرة النوم بالليل.
وقد روى سنيد، عن يوسف بن محمد بن المنكدر، عن أبيه، عن جابر مرفوعًا: قالت أم سليمان لسليمان: يا بني لا تكثر النوم بالليل، فإن كثرة النوم بالليل تدع الرجل فقيرًا يوم القيامة.
وكان بعض الكبراء يقف على المائدة كل ليلة ويقول: معاشر المريدين لا تأكلوا كثيرًا فتشربوا كثيرًا فترقدوا كثيرًا فتتحسروا عند الموت كثيرًا. وهذا هو الأصل الكبير، وهو تخفيف المعدة عن ثقل الطعام.
وفي هذا الحديث: التحديث، والعنعنة، والقول، وأخرجه أيضًا في: باب نوم الرجل في المسجد، كما سبق وفي: باب فضل من تعارّ من الليل، ومناقب ابن عمر، ومسلم في: فضائل ابن عمر.
٣ - باب طُولِ السُّجُودِ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ
(باب طول السجود في قيام الليل) للدعاء والتضرع إلى الله تعالى، إذ هو أبلغ أحوال التواضع والتذلل، ومن ثم كان: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.
١١٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، كَانَتْ تِلْكَ صَلَاتَهُ، يَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ. ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُنَادِي لِلصَّلَاةِ".
وبالسند قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع (قال: أخبرنا) وللأصيلي: حدّثنا (شعيب) هو: ابن أبي حمزة (عن) ابن شهاب (الزهري، قال: أخبرني) ولأبي ذر، والأصيلي؛ حدّثني، بالإفراد فيهما (عروة) بن الزبير (أن عائشة، ﵂، أخبرته):
(أن رسول الله، ﷺ ، كان يصلّي) من الليل (إحدى عشرة ركعة، كانت تلك) أي: الإحدى عشرة ركعة (صلاته) بالليل.
قال البيضاوي: بنى الشافعي عليه مذهبه في الوتر، وقال: إن أكثر الوتر إحدى عشرة ركعة، ومباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى.
стр. 1454
(يسجد السجدة من ذلك) الألف واللام لتعريف الجنس، فيشمل سجود الإحدى عشرة، والتاء فيه لا تنافي ذلك، والتقدير: يسجد سجدات تلك الركعات طويلة (قدر) أي: بقدر، ويصح جعله وصفًا لمصدر محذوف، أي: سجودًا قدر، أو يمكث مكثًا قدر (ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه) من السجدة.
وكان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي. رواه المؤلّف فيما سبق في صفة الصلاة من حديث عائشة.
وعنها: كان ﷺ يقول في صلاة الليل في سجوده: "سبحانك لا إله إلا أنت". رواه أحمد في مسنده بإسناد رجاله ثقات.
وكان السلف يطوّلون السجود أسوة حسنة به ﵊، وقد كان ابن الزبير يسجد حتى تنزل العصافير على ظهره كأنه حائط.
(ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن) للاستراحة من مكابدة الليل، ومجاهدة التهجد (حتى يأتيه المنادي للصلاة) أي صلاة الصبح.
وموضع الترجمة منه قوله: يسجد السجدة. الخ … لأن ذلك يستدعي طول زمان السجود.
٤ - باب تَرْكِ الْقِيَامِ لِلْمَرِيضِ
(باب ترك القيام) أي: قيام الليل (للمريض).
١١٢٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ سَمِعْتُ جُنْدَبًا يَقُولُ: "اشْتَكَى النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ".
[الحديث ١١٢٤ - أطرافه في: ١١٢٥، ٤٩٥٠، ٤٩٥١، ٤٩٨٣].
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين (قال: حدّثنا سفيان) الثوري (عن الأسود) بن قيس (قال: سمعت جندبًا) بضم الجيم وسكون النون وفتح الدال وضمها آخره موحدة، ابن عبد الله البجلي (يقول):
(اشتكى النبي ﷺ ¬) أي: مرض، (فلم يقم) لصلاة الليل (ليلة أو ليلتين) نصب على الظرفية.
وزاد في فضائل القرآن: فأتته امرأة فقالت: يا محمد! ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فأنزل الله تعالى ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا قَلَى﴾ ورواته الأربعة كوفيون، وفيه: التحديث والعنعنة والسماع والقول، وأخرجه في قيام الليل أيضًا، وفضائل القرآن، والتفسير. ومسلم في المغازي، والترمذي، والنسائي في التعبير.
стр. 1455
١١٢٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: "احْتَبَسَ جِبْرِيلُ ﷺ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَبْطَأَ عَلَيْهِ شَيْطَانُهُ"، فَنَزَلَتْ: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) بالمثلثة (قال: أخبرنا سفيان) الثوري (عن الأسود بن قيس، عن جندب بن عبد الله) البجلي (¬﵁، قال احتبس جبريل ﷺ ، على) ولأبي ذر، والأصيلي: عن (النبي، ﷺ ، فقالت امرأة من قريش) هي: أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان، امرأة أبي لهب ﴿حمالة الحطب﴾ [المسد: ٤] كما رواه الحاكم: (أبطأ عليه شيطانه) برفع النون فاعل، أبطأ (فنزلت) سورة (﴿والضحى﴾) صدر النهار، أو: النهار كله (﴿والليل إذا سجى﴾) أقبل بظلامه (﴿ما ودعك﴾) جواب القسم، أي ما قطعك (﴿ربك وما قلى﴾) [الضحى: ١ - ٢] أي: ما قلاك، أي: ما أبغضك.
وهذا الحديث قد رواه شعبة عن الأسود بلفظ آخر أخرجه المصنف في التفسير، قال: قالت امرأة: يا رسول الله ما أرى صاحبك إلا أبطأ عنك، قال في الفتح: وهذه المرأة فيما يظهر لي غير المرأة المذكورة في حديث سفيان، لأن هذه عبرت بقولها: صاحبك، وتلك، عبرت بقولها: شيطانك. وهذه عبرت بقولها: يا رسول الله وتلك عبرت بقولها: يا محمد، وسياق هذه يشعر بأنها قالته توجعًا وتأسفًا، وتلك قالته شماتة وتهكمًا.
وفي تفسير بقيّ بن مخلد، قال: قالت خديجة للنبي، ﷺ ، حين أبطأ عليه الوحي: إن ربك قد قلاك، فنزلت: ﴿والضحى﴾.
وأخرجه إسماعيل القاضي في أحكامه، والطبري في تفسيره، وأبو داود في أعلام النبوة وإسناد قويّ وتعقب بالإنكار، لأن خديجة قوية الإيمان لا يليق نسبة هذا القول إليها.
وأجيب: بأنه ليس فيه ما ينكر، لأن المستنكر قول المرأة: شيطانك، وليست عند أحد منهم.
وفي رواية إسماعيل القاضي، وغيره: ما أرى صاحبك، بدل: ربك، والظاهر أنها عنت بذلك: جبريل ﵇.
فإن قلت: ما موضع الترجمة من الحديث؟
أجيب: بأنه من حيث كونه تتمة الحديث السابق، وذلك أنه أراد أن ينبه على أن الحديث واحد لاتحاد مخرجه، وإن كان السبب مختلفًا.
وعند ابن أبي حاتم عن جندب: رمى رسول الله ﷺ بحجر في أصبعه، فقال:
هل أنت إلا أصبع دميتِ … وفي سبيل الله ما لقيتِ
стр. 1456
قال: فمكث ليلتين أو ثلاثًا لم يقم، فقالت له امرأة: ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فنزلت ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ١ - ٣].
٥ - باب تَحْرِيضِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى صَلَاةِ اللَّيْلِ وَالنَّوَافِلِ مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ وَطَرَقَ النَّبِيُّ ﷺ فَاطِمَةَ وَعَلِيًّا ﵉ لَيْلَةً لِلصَّلَاةِ
(باب تحريض النبي، ﷺ ¬) أمته، أو: المؤمنين (على صلاة الليل) وفي رواية أبي ذر، وابن عساكر: على قيام الليل (والنوافل من غير إيجاب).
يحتمل أن يكون قوله: على قيام الليل، أعم: من الصلاة والقراءة والذكر والشكر. وغير ذلك، وحينئذٍ يكون قوله: والنوافل من عطف الخاص على العام.
(وطرق النبي ﷺ ¬) من الطروق، أي: أتى بالليل (فاطمة وعليًّا ﵉ ليلة للصلاة) أي للتحريض على القيام للصلاة.
١١٢٦ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَيْقَظَ لَيْلَةً فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الْفِتْنَةِ، مَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الْخَزَائِنِ، مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الْحُجُرَاتِ؟ يَا رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ".
وبه قال: (حدّثنا ابن مقاتل) ولأبي ذر: محمد بن مقاتل (قال: حدّثنا) ولغير الأصيلي: أخبرنا (عبد الله) بن المبارك (قال: أخبرنا معمر) هو: ابن راشد (عن) ابن شهاب (الزهري، عن هند بنت الحرث) لم ينوّن في اليونينية: هند (عن أم سلمة، ﵂ أن النبي ﷺ ، استيقظ ليلة فقال:) متعجبًا: (سبحان الله) نصب على المصدر (ماذا أنزل الليلة) كالتقرير والبيان لسابقه، لأن: ما استفهامية متضمنة لمعنى التعجب والتعظيم، والليلة، ظرف للإنزال. أي: ماذا أنزل في الليلة (من الفتنة) بالإفراد، وللحموي والكشميهني: من الفتن.
قال في المصابيح: أي الجزئية القريبة المأخذ أو المراد: ماذا أنزل من مقدّمات الفتن. وإنما التجأنا إلى هذا التأويل لقوله ﵊: "أنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت جاء أصحابي ما يوعدون" فزمانه ﵊ جدير بأن يكون حمى من الفتن.
وأيضًا، فقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] وإتمام النعمة أمان من الفتن.
стр. 1457
وأيضًا فقول حذيفة لعمران: بينك وبينها بابًا مغلقًا، يعني بينه وبين الفتن التي تموج كموج البحر، وتلك إنما استحقت بقتل عمر ﵁.
وأما الفتن الجزئية فهي كقوله: "فتنة الرجل في أهله وماله يكفرها الصلاة والصيام والصدقة".
(ماذا أنزل) بالهمزة المضمومة، وللأصيلي: (من الخزائن) أي: خزائن الأعطية، أو الأقضية مطلقًا.
وقال في شرح المشكاة: عبر عن الرحمة بالخزائن كثرتها وعزتها، قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ١٠٠] وعن العذاب بالفتن. لأنها أسباب مؤدّية إليه وجمعهما لكثرتهما وسعتهما.
(من يوقظ) ينبه (صواحب الحجرات). زاد في رواية شعيب عن الزهري عند المصنف في الأدب وغيره: في هذا الحديث يريد أزواجه حتى يصلّين، وبذلك تظهر المطابقة بين الحديث والترجمة، فإن فيه التحريض على صلاة الليل، وعدم الإيجاب يؤخذ من ترك إلزامهن بذلك، وفيه جرى على قاعدته في الحوالة على ما وقع في بعض طرق الحديث الذي يورده (يا) قوم (رب) نفس (كاسية) من ألوان الثياب عرفتها (في الدنيا عارية) من أنواع الثياب (في الآخرة) وقيل: عارية من شكر المنعم، وقيل: نهى عن لبس ما يشف من الثياب، وقيل: نهى عن التبرج.
وقال في شرح المشكاة: هو كالبيان لموجب استنشاط الأزواج للصلاة، أي: لا ينبغي لهن أن يتغافلن عن العبادة، ويعتمدن على كونهن أهالي رسول الله ﷺ ، وقوله: عارية، بالجرّ صفة لكاسية، أو: بالرفع، خبر مبتدأ مضمر، أي: هي عارية، و: رب، للتكثير، وإن كان أصلها التقليل متعلقة وجوبًا بفعل ماض متأخر، أي: عرفتها ونحوه كما مر.
وهذا الحديث، وإن خص بأزواجه، ﷺ ، لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالتقدير: رب نفس، كما مر، أو: نسمة.
١١٢٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ بِنْتَ النَّبِيِّ ﵇ لَيْلَةً فَقَالَ: أَلَا تُصَلِّيَانِ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ، فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا. فَانْصَرَفَ حِينَ قُلْنَا ذَلِكَ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَىَّ شَيْئًا، ثُمَّ سَمِعْتُهُ وَهْوَ مُوَلٍّ يَضْرِبُ فَخِذَهُ وَهْوَ يَقُولُ: ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلاً﴾ ".
[الحديث ١١٢٧ - أطرافه في: ٤٧٢٤، ٧٣٤٧، ٧٤٦٥].
وبه قال (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع (قال: أخبرنا شعيب) هو: ابن أبي حمزة (عن) ابن شهاب (الزهري قال: أخبرني) بالإفراد (على بن حسين) بضم الحاء، المشهور: بزين العابدين (أن) أباه (حسين بن علي أخبره أن علي بن أبي طالب أخبره):
стр. 1458
(أن رسول الله ﷺ طرقه وفاطمة بنت النبي، ﷺ ¬) وفي اليونينية: ﵇، بدل التصلية، وفاطمة؛ نصب عطفًا على الضمير المنصوب في سابقه (ليلة) من الليالي، ذكرها تأكيدًا وإلاّ فالطروق هو الإتيان ليلاً (فقال) ﵊ لهما، حثًا وتحريضًا:
(ألا تصليان)؟
(فقلت: يا رسول الله أنفسنا بيد الله) هو من المتشابه، وفيه طريقان: التأويل والتفويض.
وفي رواية حكيم بن حكيم عن الزهري، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عند النسائي، قال علي: فجلست وأنا أحرك عيني، وأنا أقول: والله ما نصلي إلا ما كتب الله لنا، إنما أنفسنا بيد الله (فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا) بفتح المثناة فيهما، أي: إذا شاء الله أن يوقظنا.
(فانصرف) ﵊ عنا معرضًا مدبرًا (حين قلنا) وللأربعة: حين قلت له (ذلك. ولم يرجع إليّ شيئًا) بفتح أول يرجع أي: لم يجبني بشيء (ثم سمعته، وهو) أي: والحال أنه (مول) معرض مدبر حال كونه (يضرب فخذه) متعجبًا من سرعة جوابه، وعدم موافقته له على الاعتذار بما اعتذر به، قاله النووي: (وهو يقول: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ [الكهف: ٥٤].
قيل: قاله تسليمًا لعذره، وإنه لا عتب عليه، قال ابن بطال: ليس للإمام أن يشدد في النوافل، فإنه ﷺ ؛ قنع بقوله: أنفسنا بيد الله، فهو عذر في النافلة لا في الفريضة.
ورواة هذا الحديث الستة ما بين حمصي ومدني وإسناد زين العابدين من أصح الأسانيد وأشرفها الواردة فيمن روى عن أبيه عن جده، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلّف أيضًا في: الاعتصام والتوحيد، ومسلم في: الصلاة، وكذا النسائي.
١١٢٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَدَعُ الْعَمَلَ وَهْوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ، وَمَا سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ، وَإِنِّي لأُسَبِّحُهَا".
[الحديث ١١٢٨ - طرفه في: ١١٧٧].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك) إمام الأئمة (عن ابن شهاب) الزهري (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة، ﵂ قالت):
(إن كان رسول الله ﷺ ¬) بكسر همزة إن مخففة من الثقيلة، وأصله: إنه كان فحذف ضمير الشأن وخفف النون، (ليدع العمل) بفتح لام: ليدع، التي للتأكيد، أي: ليترك العمل (وهو يحب أن يعمل به خشية) أي: لأجل خشية (أن يعمل به الناس، فيفرض عليهم) بنصب فيفرض عطفًا على أن يعمل.
стр. 1459
وليس مراد عائشة أنه كان يترك العمل أصلاً، وقد فرضه الله عليه أو ندبه، بل المراد ترك أمرهم أن يعملوه معه، بدليل ما في الحديث الآتي: أنهم لما اجتمعوا إليه في الليلة الثالثة، أو الرابعة، ليصلوا معه التهجد لم يخرج إليهم، ولا ريب أنه صلّى حزبه تلك الليلة.
(وما سبح) وما تنفل (رسول الله ﷺ سبحة الضحى قط، وإني لأسبحها) أي: لأصليها. وللكشميهني والأصيلي: وإني لأستحبها من الاستحباب.
وذكر هذه الرواية العيني، ولم يعزها، والبرماوي والدماميني عن الموطأ، وهذا من عائشة إخبار بما رأت.
وقد ثبت: أنه ﷺ صلاها يوم الفتح، وأوصى بها أبوي ذر، وهريرة، بل عدها العلماء من الواجبات الخاصة به.
ووجه مطابقة هذا الحديث للترجمة من قول عائشة: "إن كان ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به". لأن كل شيء أحبه استلزم التحريض عليه لولا ما عارضه من خشية الافتراض.
١١٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ، ثُمَّ صَلَّى مِنَ الْقَابِلَةِ فَكَثُرَ النَّاسُ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ، وَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلاَّ أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك) الإمام (عن ابن شهاب) الزهري (عن عروة بن الزبير) بن العوام (عن عائشة أم المؤمنين، ﵂¬):
(أن رسول الله ﷺ ، صلّى) صلاة الليل (ذات ليلة) أي: في ليلة من ليالي رمضان (في المسجد، فصلّى بصلاته ناس، ثم صلّى من) الليلة (القابلة) أي: الثانية. وللمستملي: ثم صلّى من القابل، أي: من الوقت القابل (فكثر الناس. ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ ¬).
زاد أحمد في رواية ابن جريج: حتى سمعت ناسًا منهم يقولون الصلاة. والشك ثابت في رواية مالك.
ولمسلم من رواية يونس، عن ابن شهاب، فخرج رسول الله ﷺ ، في الليلة الثانية فصلوا معه، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله.
стр. 1460
ولأحمد من رواية سفيان بن حسين عنه: فلما كانت الليلة الرابعة غص المسجد بأهله، (فلما أصبح) ﵊ (قال):
(قد رأيت الذي صنعتم) أي: من حرصكم على صلاة التراويح.
وفي رواية عقيل: فلما قضى صلاة الفجر أقبل على الناس، فتشهد ثم قال: "أما بعد؛ فإنه لم يخف عليّ مكانكم".
(ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم).
زاد في رواية يونس: صلاة الليل فتعجزوا عنها، أي: يشق عليكم فتتركوها مع القدرة. وليس المراد العجز الكلي، فإنه يسقط التكليف من أصله.
قالت عائشة: (وذلك) أي: ما ذكر كان (في رمضان).
واستشكل قوله: إني خشيت أن تفرض عليكم، مع قوله في حديث الإسراء هن خمس، وهن خمسون لا يبدل القول لديّ. فإذا أمن التبديل فكيف يقع الخوف من الزيادة.
وأجاب في فتح الباري باحتمال: أن يكون المخوف افتراض قيام الليل، بمعنى جعل التهجد في المسجد جماعة شرطًا في صحة التنفل بالليل، ويومئ إليه قوله في حديث زيد بن ثابت: "حتى خشيت أن يكتب عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم به، فصلوا أيها الناس في بيوتكم". فمنعهم من التجميع في المسجد إشفاقًا عليهم من اشتراطه، وأمن مع إذنه في المواظبة على ذلك في بيوتهم من افتراضه عليهم، أو يكون المخوف افتراض قيام الليل على الكفاية لا على الأعيان. فلا يكون ذلك زائدًا على الخمس.
أو يكون الخوف افتراض قيام رمضان خاصة، كما سبق: أن ذلك كان في رمضان.
وعلى هذا يرتفع الإشكال، لأن قيام رمضان لا يتكرر كل يوم في السنة، فلا يكون ذلك قدرًا زائدًا على الخمس. اهـ.
٦ - باب قِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى تَرِمَ قَدَمَاهُ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: حَتَّى تَفَطَّرَ قَدَمَاهُ. وَالْفُطُورُ: الشُّقُوقُ. انْفَطَرَتْ: انْشَقَّتْ.
(باب قيام النبي، ﷺ ¬) زاد الحموي في نسخة، والمستملي، والكشميهني، والأصيلي: الليل.
وسقط عند أبي الوقت وابن عساكر (حتى ترم قدماه) بفتح المثناة الفوقية، وكسر الراء من الورم.
وسقط ذلك أي: حتى ترم قدماه من رواية أبوي ذر، والوقت، والأصيلي.
стр. 1461
وللكشميهني في نسخة، والحموي والمستملي: باب قيام الليل للنبي ﷺ .
(وقالت عائشة ﵂¬) مما وصله في سورة الفتح من التفسير (حتى) وللكشميهني كان يقوم، ولأبي ذر، عن الحموي والمستملي: قام حتى (تفطر قدماه) بحذف إحدى التاءين وتشديد الطاء وفتح الراء، بصيغة المضارع.
وللأصيلي: قام رسول الله ﷺ حتى تتفطر قدماه، بمثناتين فوقيتين على الأصل وفتح الراء.
(والفطور: الشقوق) كما فسره به أبو عبيدة في المجاز: (انفطرت: انشقت). كذا فسره الضحاك، فيما رواه ابن أبي حاتم عنه موصولاً.
١١٣٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ عَنْ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ ﵁ يَقُولُ: "إِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَيَقُومُ -لِيُصَلِّيَ- حَتَّى تَرِمُ قَدَمَاهُ -أَوْ سَاقَاهُ- فَيُقَالُ لَهُ، فَيَقُولُ: أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا"؟
[الحديث ١١٣٠ - طرفاه في: ٤٨٣٦، ٦٤٧١].
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين (قال: حدّثنا مسعر) بكسر الميم وسكون السين المهملة، ابن كدام العامري الهلالي (عن زياد) بكسر الزاي وتخفيف الياء ابن علاقة الثعلبي (قال: سمعت المغيرة) بن شعبة (¬﵁، يقول):
(إن كان النبي ﷺ ليقوم ليصلّي) بكسر همزة إن وتخفيف النون، وحذف ضمير الشأن تقديره: إنه كان، وبفتح لام ليقوم للتأكيد، وكسر لام ليصلّي.
ولكريمة: ليقوم يصلّي، بحذف لام، يصلّي، وللأربعة: أو ليصلّي، مع فتح اللام على الشك ..
(حتى ترم قدماه) بكسر الراء وتخفيف الميم منصوبة بلفظ المضارع، ويجوز رفعها (-أو ساقاه-) شك من الراوي، وفي رواية خلاد بن يحيى: حتى ترم، أو تنتفخ قدماه (فيقال له:) ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]. وفي حديث عائشة: لِم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك؟ (فيقول):
(أفلا) الفاء مسبب عن محذوف، أي: أأترك قيامي وتهجدي لما غفر لي فلا (أكون عبدًا شكورًا) يعني: غفران الله لي سبب لأن أقوم وأتهجد شكرًا له. فكيف أتركه؟ كأن المعنى: ألا أشكره، وقد أنعم عليّ وخصني بخير الدارين.
فإن الشكور من أبنية المبالغة يستدعي نعمة خطيرة، وتخصيص العبد بالذكر مشعر بغاية الإكرام والقرب من الله تعالى، ومن ثم وصفه به في مقام الإسراء، ولأن العبودية تقتضي صحة النسبة، وليست إلاّ بالعبادة، والعبادة عين الشكر، وفيه أخذ الإنسان على نفسه بالشّدة في العبادة، وإن أضر ذلك ببدنه.
стр. 1462
لكن، ينبغي تقييد ذلك بماذا لم يفض إلى الملال، لأن حالة النبي، ﷺ كانت أكمل الأحوال، فكان لا يمل من العبادة، وإن أضر ذلك ببدنه، بل صح أنه قال: "وجعلت قرة عيني في الصلاة" رواه النسائي.
فأما غيره، ﵊، فإذا خشي الملل ينبغي له أن لا يكدّ نفسه حتى يمل. نعم الأخذ بالشدة أفضل لأنه إذا كان هذا فعل المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكيف من جهل حاله وأثقلت ظهره الأوزار، ولا يأمن عذاب النار؟
ورواة هذا الحديث كوفيون، وهو من الرباعيات، وفيه التحديث والعنعنة والسماع والقول، وأخرجه أيضًا في: الرقاق والتفسير، ومسلم في: أواخر الكتاب، والترمذي: في الصلاة، وكذا النسائي وابن ماجة.
٧ - باب مَنْ نَامَ عِنْدَ السَّحَرِ
(باب من نام عند السحر) بفتحتين قبيل الصبح، وللكشميهني والأصيلي: عند السحور: بفتح السين وضم الحاء. ما يتسحر به، ولا يكون إلا قبيل الصبح أيضًا.
١١٣١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ «أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ ﵇ وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ، وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَيَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا».
[الحديث ١١٣١ - أطرافه في: ١١٥٢، ١١٥٣، ١٩٧٤، ١٩٧٥، ١٩٧٦، ١٩٧٧، ١٩٧٨، ١٩٧٩، ١٩٨٠، ٣٤١٨، ٣٤١٩، ٣٤٢٠، ٥٠٥٢، ٥٠٥٣، ٥٠٥٤، ٥١٩٩، ٦١٣٤، ٦٢٧٧].
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني (قال: حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: حدّثنا عمرو بن دينار أن عمرو بن أوس) بفتح الهمزة وسكون الواو، الثقفي الطائفي التابعي الكبير، وليس بصحابي، نعم، أبوه صحابي وعمرو في الموضعين بالواو (أخبره أن عبد الله بن عمرو بن العاص، ﵄، أخبره أن رسول الله، ﷺ ، قال له) أي: لابن عمرو:
(أحب الصلاة) أي: أكثر ما يكون محبوبًا (إلى الله صلاة داود ﵇، وأحب الصيام) أي: أحب، بمعنى محبوبًا (إلى الله، صيام) وفي رواية: وأحب الصوم إلى الله صوم (داود).
واستعمال: أحب، بمعنى: محبوب قليل، لأن الأكثر في أفعل التفضيل أن يكون بمعنى الفاعل، ونسبة المحبة فيهما إلى الله تعالى على معنى إرادة الخير لفاعلهما.
стр. 1463
(وكان) داود، ﵊، (ينام نصف الليل ويقوم ثلثه) في الوقت الذي ينادي فيه الرب تعالى: هل من سائل؟ هل من مستغفر؟ (وينام سدسه) ليستريح من نصب القيام في بقية الليل.
وإنما كان هذا أحب إلى الله تعالى، لأنه أخذ بالرفق على النفوس التي يخشى منها السآمة التي هي سبب إلى ترك العبادة، والله تعالى يحب أن يوالي فضله، ويديم إحسانه، قاله الكرماني.
وإنما كان ذلك أرفق، لأن النوم بعد القيام يريح البدن، ويذهب ضرر السهر، وذبول الجسم، بخلاف السهر إلى الصباح، وفيه من المصلحة أيضًا استقبال صلاة الصبح وأذكار النهار بنشاط وإقبال، ولأنه أقرب إلى عدم الرياء، لأن من نام السدس الأخير أصبح ظاهر اللون، سليم القوى، فهو أقرب إلى أن يخفى عمله الماضي على من يراه، أشار إليه ابن دقيق العيد.
(ويصوم يومًا ويفطر يومًا) وقال ابن المنير: كان داود ﵊ يقسم ليله ونهاره لحق ربه وحق نفسه، فأما الليل فاستقام له ذلك في كل ليلة، وأما النهار فلما تعذر عليه أن يجزئه بالصيام لأنه لا يتبعض، جعل عوضًا من ذلك أن يصوم يومًا ويفطر يومًا، فيتنزل ذلك منزلة التجزئة في شخص اليوم.
ورواة هذا الحديث مكيُّون إلاّ شيخ المؤلّف فمدني، وفيه: رواية تابعي عن تابعي عن صحابي، والتحديث والإخبار، وأخرجه أيضًا في: أحاديث الأنبياء. ومسلم في: الصوم، وكذا أبو داود وابن ماجة والنسائي فيه، وفي الصلاة أيضًا.
١١٣٢ - حَدَّثَنِي عَبْدَانُ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَشْعَثَ سَمِعْتُ أَبِي قَالَ سَمِعْتُ مَسْرُوقًا قَالَ "سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂: أَيُّ الْعَمَلِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَتِ: الدَّائِمُ قُلْتُ: مَتَى كَانَ يَقُومُ؟ قَالَتْ: يَقُومُ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ".
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنِ الأَشْعَثِ قَالَ: "إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ قَامَ فَصَلَّى".
[الحديث ١١٣٢ - طرفاه في: ٦٤٦١، ٦٤٦٢].
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر، والوقت، والأصيلي: حدّثنا (عبدان) هو: لقب عبد الله (قال: أخبرني) بالإفراد (أبي) عثمان بن جبلة، بفتح الجيم والموحدة الأزدي العتكي (عن شعبة) بن الحجاج (عن أشعث) بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة آخره مثلثة (قال: سمعت أبي) أبا الشعثاء، سليم بن أسود المحاربي (قال: سمعت مسروقًا) هو: ابن الأجدع (قال):
(سألت عائشة ﵂: أي العمل كان أحب إلى النبي) ولأبي ذر، والأصيلي: إلى رسول الله (¬ ﷺ ؟ قالت) هو (الدائم) الذي يستمر عليه عامله، والمراد بالدوام العرفي لا شمول الأزمنة، لأنه متعذر.
стр. 1464
قال مسروق: (قلت) لعائشة (متى كان يقوم) ﵊؟.
(قالت: يقوم) فيصلّي، ولأبي ذر، قالت: كان يقوم (إذا سمع الصارخ) وهو الديك لأنه يكثر الصياح في الليل.
قال ابن ناصر: وأول ما يصيح نصف الليل غالبًا، وهذا موافق لقول ابن عباس: نصف الليل، أو قبله بقليل أو بعده بقليل.
وقال ابن بطال: يصرخ عند ثلث الليل.
وروى الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجة عن زيد بن خالد الجهني: أن النبي، ﷺ ، قال: "لا تسبوا الديك فإنه يوقظ للصلاة". وإسناده جيد. وفي لفظ: فإنه يدعو إلى الصلاة.
وليس المراد أن يقول بصراخه حقيقة الصلاة، بل العادة جرت أنه يصرخ صرخات متتابعة عند طلوع الفجر وعند الزوال، فطرة فطره الله عليها، فيذكر الناس بصراخه الصلاة.
وفي معجم الطبراني، عن النبي، ﷺ ، قال: "إن لله ديكًا أبيض، جناحاه مُوشيان بالزبرجد والياقوت واللؤلؤ، جناح بالمشرق وجناح بالمغرب، رأسه تحت العرش، وقوائمه في الهواء، يؤذن في كل سحر، فيسمع تلك الصيحة أهل السماوات والأرضين إلا الثقلين: الجن والإنس، فعند ذلك تجيبه ديوك الأرض، فإذا دنا يوم القيامة قال الله تعالى: ضم جناحيك وغض صوتك، فيعلم أهل السماوات والأرض إلاّ الثقلين أن الساعة قد اقتربت".
وعند الطبراني، والبيهقي في الشعب، عن محمد بن المنكدر، عن جابر: أن النبي، ﷺ ، قال: "إن لله ديكًا، رجلاه في التخوم، وعنقه تحت العرش مطوية، فإذا كان هنية من الليل صاح: سبوح قدوس، فصاحت الديكة. وهو في كامل ابن عدي، في ترجمة علي بن علي اللهبي، قال: وهو يروي أحاديث منكرة عن جابر.
وفي حديث الباب الاقتصاد في العبادة، وترك التعمق فيها.
ورواته ما بين: مروزي وواسطي وكوفي، وفيه رواية الابن عن الأب، والتابعي عن الصحابية، والتحديث والإخبار والعنعنة، والسماع والقول. وأخرجه أيضًا في هذا الباب، وفي الرقاق، ومسلم في: الصلاة، وكذا أبو داود والنسائي.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن سلام) بتخفيف اللام، ولأبي ذر، عن السرخسي، وهو في اليونينية لابن عساكر: محمد بن سالم، بتقديم الألف على اللام، وهو سهو من السرخسي لأنه ليس من شيوخ المؤلّف أحد يقال له محمد بن سالم، وضبب عليها في اليونينية. ولأبي الوقت، والأصيلي: حدّثنا محمد (قال: أخبرنا أبو الأحوص) سلام بن سليم الكوفي (عن الأشعث) بن أبي الشعثاء بإسناد المذكور (قال):
стр. 1465
(إذا سمع الصارخ) الديك في نصف الليل، أو ثلثه الأخير، لأنه إنما يكثر الصياح فيه (قام فصلّى). لأنه وقت نزول الرحمة، والسكون، وهدوّ الأصوات.
وأفادت هذه الرواية ما كان يصنع إذا قام، وهو قوله: قام فصلّى، بخلاف رواية شعبة فإنها مجملة، وللمستملي والحموي: ثم قام إلى الصلاة.
١١٣٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ ذَكَرَ أَبِي عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "مَا أَلْفَاهُ السَّحَرُ عِنْدِي إِلاَّ نَائِمًا" تَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي (قال: حدّثنا إبراهيم بن سعد) هو: ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري (قال: ذكر أبي) سعد بن إبراهيم، ولأبي داود: حدّثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه (عن) عمه (أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن عائشة، ﵂، قالت:)
(ما ألفاه) بالفاء أي: وجده ﵊ (السحر) بالرفع فاعل ألفى (عندي إلاّ نائمًا) بعد القيام الذي مبدؤه عند سماع الصارخ. جمعًا بينه وبين رواية مسروق السابقة.
وهل المراد حقيقة النوم أو اضطجاعه على جنبه لقولها في الحديث الآخر: فإن كنت يقظى حدثني، وإلاّ اضطجع. أو كان نومه خاصًّا بالليالي الطوال، وفي غير رمضان دون القصار، لكن يحتاج إخراجها إلى دليل.
(تعني) عائشة (النبي ﷺ ¬). فسر الضمير المنصوب في ألفاه: بالنبي ﷺ ، وليس بإضمار قبل الذكر، لأن أم سلمة كانت سألت عائشة عن نوم النبي ﷺ وقت السحر بعد ركعتي الفجر، كانتا في ذكره ﵊.
وفي هذا الحديث رواية التابعي عن التابعي، والتحديث والرواية بطريق الذكر. والعنعنة والقول، ورواية الابن عن الأب. وأخرجه مسلم في: الصلاة، وكذا أبو داود وابن ماجة.
٨ - باب مَنْ تَسَحَّرَ فَلَمْ يَنَمْ حَتَّى صَلَّى الصُّبْحَ
(باب من تسحر فلم) بالفاء، وللكشميهني: ولم (ينم حتى صلّى الصبح) وللحموي والمستملي: من تسحر ثم قام إلى الصلاة.
١١٣٤ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا رَوْحٌ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ "أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ﵁ تَسَحَّرَا. فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا قَامَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى. قُلْنَا لأَنَسٍ -كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: كَقَدْرِ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً".
стр. 1466
وبه قال: (حدّثنا يعقوب بن إبراهيم) الدورقي (قال: حدّثنا روح) بفتح الراء، ابن عبادة بضم العين وتخفيف الموحدة (قال: حدّثنا سعيد) ولأبي ذرة سعيد بن أبي عروبة، بفتح العين وضم الراء مخففًا (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس بن مالك، ﵁¬):
(أن نبي الله ﷺ ، وزيد بن ثابت، ﵁، تسحرا) أكلا السحور (فلما فرغا من سحورهما) بفتح السين، اسم لما يتسحر به، وقد تضم كالوُضوء والوَضوء (قام نبي الله، ﷺ ، إلى الصلاة) أي: صلاة الصبح (فصلّى. قلنا) ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: فقلنا (لأنس: كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة؟ قال: كقدر ما يقرأ الرجل خمسين آية).
قال التوربشتي: هذا تقدير لا يجوز لعموم المسلمين الأخذ به، وإنما أخذ به ﵊ لاطلاع الله إياه، وقد كان ﵊ معصومًا من الخطأ في أمر الدين، وسبق هذا الحديث في باب: وقت الفجر.
٩ - باب طُولِ الْقِيَامِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ
(باب طول القيام في صلاة الليل) وللحموي، والمستملي: طول الصلاة في قيام الليل، وهي توافق حديث الباب لأنه يدل بظاهره على طول الصلاة لا على طول القيام بخصوصه، لكنه يلزم من طولها طوله على ما لا يخفى.
وللكشميهني: باب القيام في صلاة الليل.
١١٣٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ "صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةً، فَلَمْ يَزَلْ قَائِمًا حَتَّى هَمَمْتُ بِأَمْرِ سَوْءٍ. قُلْنَا: وَمَا هَمَمْتَ؟ قَالَ: هَمَمْتَ أَنْ أَقْعُدَ وَأَذَرَ النَّبِيَّ ﷺ ".
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي، الأزدي البصري (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة الأزدي (عن عبد الله) بن مسعود (¬﵁، قال):
(صليت مع النبي ﷺ ليلة) من الليالي (فلم يزل قائمًا حتى هممت) قصدت (بأمر سوء) بفتح السين إضافة أمر إليه. (قلنا: وما) ولأبي الوقت: ما (هممت؟ قال: هممت أن أقعد) من طول قيامه (وأذر النبي ﷺ ¬) بالمعجمة أي. أتركه، وإنما جعله سوءًا وإن كان القعود في النفل جائزًا لأن فيه ترك الأدب معه، ﵊، وصورة مخالفته.
وقد كان ابن مسعود قويًا محافظًا على الاقتداء به، ﷺ ، فلولا أنه طوّل كثيرًا لم يهم بالقعود.
стр. 1467
وقد اختلف: هل الأفضل في صلاة النفل كثرة الركوع والسجود؟ أو طول القيام؟ فقال بكل قومٌ.
فأما القائلون بالأول، فتمسكوا بنحو حديث ثوبان، عند مسلم: "أفضل الأعمال كثرة الركوع والسجود".
وتمسك القائلون بالثاني بحديث مسلم أيضًا: "أفضل الصلاة طول القنوت".
والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال.
ورواة هذا الحديث ما بين: بصري وواسطي وكوفي، وفيه: التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه مسلم وابن ماجة في: الصلاة، والترمذي في: الشمائل.
١١٣٦ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا قَامَ لِلتَّهَجُّدِ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ".
وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) بضم العين الحوضي (قال: حدّثنا خالد بن عبد الله) بن عبد الرحمن الطحان (عن حصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، ابن عبد الرحمن السلمي (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن حذيفة) بن اليمان (¬﵁¬):
(أن النبي ﷺ كان إذا قام للتهجد) أي: قام لعادته (من الليل، يشوص) بشين معجمة وصاد مهملة، أي: يدلك (فاه بالسواك).
استشكل ابن بطال هذا الحديث، حتى عدّ ذكره هنا غلطًا من ناسخ، أو: أن المؤلّف اخترمته المنية قبل تنقيحه.
وأجيب: باحتمال أنه أراد حديث حذيفة في مسلم: أنه ﷺ قرأ البقرة والنساء وآل عمران في ركعة، لكن لم يذكره لأنه ليس على شرطه، وأن رواية شوصه بالسواك هي ليلة صلّى فيها، فحكى البخاري بعضه تنبيهًا على بقيته، أو تنبيهًا بأحد حديثي حذيفة على الآخر.
وقال ابن المنير: يحتمل عندي أن يكون أشار إلى معنى الترجمة من جهة أن استعمال السواك حينئذ يدل على ما يناسبه من كمال الهيئة والتأهب للعبادة، وأخذ النفس حينئذ بما تؤخذ به في النهار، وكان ليله ﵊ نهار، وهو دليل طول القيام فيه.
ويدفع أيضًا وهم من لعله يتوهم أن القيام كان خفيفًا بما ورد من حديث ابن عباس: فتوضأ وضوءًا خفيفًا. وابن عباس إنما أراد وضوءًا رشيقًا مع كمال وإسباغ يدل على كماله. اهـ.
وتعقبه في المصابيح فقال: أطال الخطابة ولم يكشف الخطب، والحق أحق أن يتبع. اهـ.
وقال ابن رشيد: إنما أدخله لقوله: إذا قام للتهجد، أي: إذا قام لعادته.
стр. 1468
وقد بينت عادته في الحديث الآخر، ولفظ التهجد مع ذلك مشعر بالسهر، ولا شك أن في السواك عونًا على دفع النوم، فهو مشعر بالاستعداد للإطالة.
قال في الفتح: وهذا أقرب هذه التوجيهات.
ورواة هذا الحديث ما بين: بصري وواسطي وكوفي، وفيه: التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أيضًا في السواك كما سبق في الوضوء.
١٠ - باب كَيْفَ كَانَ صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَمْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ؟
هذا (باب) بالتنوين (كيف كان صلاة النبي ﷺ ، وكم كان النبي، ﷺ يصلّي من الليل؟) ولأبي الوقت في نسخة، وأبي ذر، وابن عساكر: بالليل.
وسقط كان الأولى عند أبوي ذر والوقت والأصيلي، والتبويب كله عند الأصيلي، وللمستملي: باب كيف صلاة الليل؟ وكيف … ، ولأبي ذر، عن الكشميهني: وكم كان النبي يصلّي بالليل؟.
١١٣٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "إِنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيْلِ؟ قَالَ: مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خِفْتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ".
وبالسند قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع (قال: أخبرنا شعيب) هو: ابن أبي حمزة (عن) ابن شهاب (الزهري قال: أخبرني) بالإفراد، وللأصيلي: أخبرنا (سالم بن عبد الله أن) أباه (عبد الله بن عمر) بن الخطاب (¬﵄، قال):
(إن رجلاً) في المعجم الصغير للطبراني: أن ابن عمر هو السائل، لكن يعكر عليه ما في مسلم: عن ابن عمر أن رجلاً سأل النبي ﷺ ، وأنا بينه وبين السائل، وفي أبي داود: أن رجلاً من أهل البادية (قال: يا رسول الله! كيف صلاة الليل)؟ أي عددها؟ (قال):
(مثنى مثتى) يسلم من كل ركعتين. ومثنى في محل رفع خبر مبتدأ وهو قوله: صلاة الليل. والتكرير للتأكيد، لأن الأول مكرر معنى: لأن معناه: اثنان اثنان ولذلك امتنع من الصرف.
وقال الزمخشري: وإنما لم ينصرف لتكرار العدل فيه، وزعم سيبويه أن عدم صرفه للعدل والصفة.
وتعقبه في الكشاف: بأن الوصفية لا يعرج عليها لأنها لو كانت مؤثرة في المنع من الصرف لقلت: مررت بنسوة أربع، مفتوحًا فلما صرف علم أنها ليست بمؤثرة، والوصفية ليست بأصل لأن
стр. 1469
الواضع لم يضعها لتقع وصفًا، بل عرض لها ذلك نحو: مررت بحية ذراع، ورجل أسد. فالذراع والأسد ليسا بصفتين، للحية والرجل، حقيقة.
(فإذا خفت الصبح) أي: دخول وقته (فأوتر بواحدة). ركعة مفردة، وهو حجة للشافعية على جواز الإيتار بركعة واحدة.
قال النووي: وهو مذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة: لا يصح بواحدة، ولا تكون الركعة الواحدة صلاة قط.
والأحاديث الصحيحة ترد عليه، ومباحث ذلك سبقت في باب الوتر.
وهذا الحديث يطابق الجزء الأول من الترجمة، وبه احتج أبو يوسف، ومحمد، ومالك، والشافعي، وأحمد: أن صلاة الليل مثنى مثنى. وهو أن يسلم في آخر كل ركعتين.
وأما صلاة النهار، فقال أبو يوسف، ومحمد: أربع. وعند أبي حنيفة: أربع في الليل والنهار، وعند الشافعي: مثنى مثنى فيهما. واحتج بما رواه الأربعة من حديث ابن عمر مرفوعًا: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى.
نعم: له أن يحرم بركعة، وبمائة مثلاً، وفي كراهة الاقتصار على ركعة فيما لو أحرم مطلقًا وجهان:
أحدهما: نعم يكره بناء على القول بأنه إذا نذر صلاة لا تكفيه ركعة.
والثاني: لا بل قال في المطلب: الذي يظهر استحبابه خروجًا من خلاف بعض أصحابنا، وإن لم يخرج من خلاف أبي حنيفة من أنه يلزمه بالشروع ركعتان.
فإن لم ينو عددًا أو جهل كم صلّى؟ جاز، لما في مسند الدارمي أن أبا ذر صلّى عددًا كثيرًا، فلما سلم قال له الأحنف بن قيس: هل تدري انصرفت على شفع أو على وتر؟ فقال: إن لا أكن أدري فإن الله يدري، فإن نوى عددًا فله أن ينوي الزيادة عليه والنقصان منه.
والعدد عند النحاة ما وضع لكمية الشيء، فالواحد عدد، فتدخل فيه الركعة.
وعند جمهور الحساب: ما ساوى نصف مجموع حاشيتيه القريبتين أو البعيدتين على السواء، فالواحد ليس بعدد، فلا تدخل فيه الركعة، لكنه يدخل في حكمه هنا بالأولى، لأنه إذا جاز التغيير بالزيادة في الركعتين، ففي الركعة التي قيل يكره الاقتصار عليها في الجملة أولى.
ومعلوم أن تغييرها بالنقص ممتنع، فإن نوى أربعًا وسلم من ركعتين، أو من ركعة، أو قام إلى خامسة عامدًا قبل تغيير النية، بطلت صلاته لمخالفته ما نواه بغير نيّة، لأن الزائد صلاة، فتحتاج إلى نية.
стр. 1470
ولو قام إليها ناسيًا، فتذكر وأراد الزيادة، ولم يردها، لزمه العود إلى القعود، لأن المأتي به سهوًا لغوي، وسجد للسهو آخر صلاته لزيادة القيام.
ومن نوى عددًا فله الاقتصار على تشهد آخر صلاته، وله أن يتشهد بلا سلام في كل ركعتين، كما في الرباعية. وفي كل ثلاث أو أكثر كما في التحقيق، والمجموع، لأن ذلك معهود في الفرائض في الجملة، لا في ركعة. لأنه اختراع صورة في الصلاة لم تعهد، قاله في أسنى المطالب.
١١٣٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو جَمْرَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ "كَانَ صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً يَعْنِي بِاللَّيْلِ".
وبه قال: (حدّثنا مسدد قال: حدَّثني يحيى) القطان (عن شعبة) بن الحجاج (قال: حدّثني) بالإفراد (أبو جمرة) بالجيم والراء المهملة، نصر بن عمران الضبعي (عن ابن عباس ﵄، قال):
(كان) ولأبي ذر: كانت (صلاة النبي، ﷺ ، ثلاث عشرة ركعة) أي يسلم من كل ركعتين، كما صرح به في رواية طلحة بن نافع (يعني بالليل).
وسبق الحديث في أول أبواب الوتر.
١١٣٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ "سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِاللَّيْلِ فَقَالَتْ: سَبْعٌ وَتِسْعٌ وَإِحْدَى عَشْرَةَ، سِوَى رَكْعَتَىِ الْفَجْرِ".
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع، ولأبي ذر: حدّثني (إسحاق) هو: ابن راهويه، كما جزم به أبو نعيم لا ابن سيار النصيبي، ولا رواية له في الكتب الستة (قال: حدّثنا) ولأبي الوقت، والأصيلي: أخبرنا (عبيد الله) بضم العين، ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: عبيد الله بن موسى أي: ابن باذام (قال: أخبرني إسرائيل) بن يونس بن إسحاق السبيعي (عن أبي حصين) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين، عثمان بن عاصم الأسدي (عن يحيى بن وثاب) بفتح الواو وتشديد المثلثة وبعد الألف موحدة (عن مسروق) هو ابن الأجدع (قال):
(سألت عائشة، ﵂، عن) عدد (صلاة رسول الله، ﷺ ، بالليل؟ فقالت):
تارة (سبع و) تارة (تسع و) أخرى (إحدى عشرة) وقع ذلك منه في أوقات مختلفة بحسب اتساع الوقت وضيقه، أو عذر من مرض أو غيره، أو كبر سنه.
وفي النسائي عنها: أنه كان يصلّي من الليل تسعًا، فلما أسن صلّى سبعًا. قيل: وحكمة اقتصاره على إحدى عشرة ركعة أن التهجد والوتر يختص بالليل، وفرائض النهار الظهر أربع،
стр. 1471
والعصر أربع، والمغرب ثلاث، وتر النهار، فناسب أن تكون صلاة الليل كصلاة النهار في العدد جملة وتفصيلاً. قاله في فتح الباري.
ويعكر عليه صلاة الصبح فإنها نهاية لآية: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] والمغرب ليلية لحديث: "إذا أقبل الليل من هاهنا، فقد أفطر الصائم". فليتأمل.
(سوى ركعتي الفجر) فالمجموع: ثلاث عشرة ركعة.
وأما ما رواه الزهري، عن عروة. عنها: كما سيأتي إن شاء الله تعالى، في باب: ما يقرأ في ركعتي الفجر؟ بلفظ: كان يصلّي بالليل ثلاث عشرة ركعة، ثم يصلّي إذا سمع النداء للصبح ركعتين خفيفتين، وظاهره يخالف ما ذكر؟
فأجيب: باحتمال أن تكون أضافت إلى صلاة الليل سنة العشاء، لكونه كان يصلّيها في بيته، أو ما كان يفتتح به صلاة الليل. فقد ثبت في مسلم عنها: أنه كان يفتتحها بركعتين خفيفتين.
ويؤيد هذا الاحتمال رواية أبي سلمة، عند المصنف، وغيره: يصلّي أربعًا ثم أربعًا ثم ثلاثًا.
فدل على أنها لم تتعرض للركعتين الخفيفتين، وتعرضت لهما في رواية الزهري. والزيادة من الحافظ مقبولة.
١١٤٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، مِنْهَا الْوِتْرُ وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ".
وبه قال: (حدّثنا عبيد الله بن موسى) بضم العين، مصغرًا العبسي الكوفي (قال: أخبرنا حنظلة) بن أبي سفيان الأسود بن عبد الرحمن (عن القاسم بن محمد) ابن أبي بكر الصديق (عن عائشة، ﵂، قالت):
(كان النبي ﷺ ، يصلّي من الليل ثلاث عشرة ركعة) بالبناء على الفتح وسكون شين عشرة، كما أجازه الفراء (منها) أي: من ثلاث عشرة: (الوتر، وركعتا الفجر).
وفي بعض النسخ: وركعتي الفجر، نصب على المفعول معه، وفي رواية مسلم: من هذا الوجه كانت صلاته عشر ركعات، ويوتر بسجدة، ويركع ركعتي الفجر، فتلك ثلاث عشرة. وهذا كان غالب عادته ﵇.
١١ - باب قِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ بِاللَّيْلِ وَنَوْمِهِ، وَمَا نُسِخَ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ
стр. 1472
وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وِطَاءً وَأَقْوَمُ قِيلاً * إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلاً﴾. وَقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: نَشَأَ قَامَ بِالْحَبَشِيَّةِ. وِطَاءً قَالَ: مُوَاطَأَةَ الْقُرْآنِ، أَشَدُّ مُوَافَقَةً لِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَقَلْبِهِ. ﴿لِيُوَاطِئُوا﴾ لِيُوَافِقُوا.
(باب قيام النبي ﷺ ¬) أي: صلاته (بالليل ونومه) بواو العطف ولأبي ذر من نومه (و) باب (ما نسخ من قيام الليل).
(وقوله تعالى) بالجر عطفًا على قوله وما نسخ (يا أيها المزمل) أصله: المتزمل، وهو الذي يتزمل في الثياب، أي يلتف فيها، قلبت التاء زايًا وأدغمت في الأخرى أي: يا أيها الملتف في ثيابه.
وروى ابن أبي حاتم، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] أي: يا محمد قد زملت القرآن.
(﴿قم الليل إلا قليلاً﴾) منه (﴿نصفه أو أنقص منه قليلاً أو زد عليه﴾) [المزمل: ١ - ٣]. قم أقل من نصف الليل، والضمير في: منه للنصف.
أي: على النصف:، وهو بدل من الليل، وإلا قليلاً: استثناء من النصف، كأنه قال: قم أقل من نصف الليل، والضمير في منه، للنصف.
والمعنى التخيير بين أمرين: أن يقوم أقل من النصف على البت، وبين أن يختار أحد الأمرين النقصان من النصف والزيادة عليه، قاله في الكشاف.
وتعقبه في البحر: بأنه يلزم منه التكرار، لأنه على تقديره: قم أقل من نصف الليل يكون قوله: ﴿أو أنقص﴾ من نصف الليل تكرارًا. أو: بدلاً من قليلاً. وكأن في الآية تخييرًا بين ثلاث: بين قيام النصف بتمامه، أو قيام أنقص منه، أو أزيد. ووصف النصف بالقلة بالنسبة إلى الكل:
قال في الفتح: وبهذا، أي: الأخير جزم الطبري، وأسند ابن أبي حاتم معناه عن عطاء الخراساني.
وفي حديث مسلم، من طريق سعد بن هشام عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، قالت: افترض الله تعالى قيام الليل في أول هذه السورة، يعني: ﴿يا أيها المزمل﴾ فقام نبي الله ﷺ ، وأصحابه حولاًَ حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوّعًا بعد فريضة.
وقال البرهان النسفي في الشفاء: أمره أن يختار على الهجود التهجد، وعلى التزمل التشمر
стр. 1473
للعبادة، والمجاهدة في الله تعالى، فلا جرم أنه ﵇ قد تشمر لذلك وأصحابه حق التشمر، وأقبلوا على إحياء لياليهم، ورفضوا الرقاد والدعة، وجاهدوا في الله حتى انتفخت أقدامهم، واصفرت ألوانهم، وظهرت السيما على وجوههم، حتى رحمهم ربهم، فخفف عنهم.
وحكى الشافعي، عن بعض أهل العلم: أن آخر السورة نسخ افتراض قيام الليل إلا ما تيسر منه، بقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ﴾ [المزمل: ٢٠] ثم نسخ فرض ذلك بالصلوات الخمس.
(﴿وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾) أي اقرأه مرتلاً بتبيين الحروف وإشباع الحركات من غير إفراط، وقال أبو بكر بن طاهر: تدبر لطائف خطابه، وطالب نفسك بالقيام بأحكامه، وقلبك بفهم معانيه، وسرك بالإقبال عليه (﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾) أي: القرآن لثقل العمل به، أخرجه ابن أبي حاتم عن الحسن، أو ثقيلاً في الميزان يوم القيامة، أخرجه عنه أيضًا من طريق أخرى (﴿إن ناشئة الليل﴾) مصدر: من نشأ إذا قام ونهض (﴿هي أشد وطأ﴾) بكسر الواو وفتح الطاء ممدودًا كما في قراءة أبي عمرو، وابن عامر، والباقون بفتح الواو وسكون الطاء من غير مد، أي: قيامًا (﴿وأقوم قيلاً﴾) أشد مقالاً وأثبت قراءة لهدو الأصوات، وقيل: أعجل إجابة للدعاء (﴿إن لك في النهار سبحًا طويلاً﴾) [المزمل: ٧٣] تصرفًا وتقلبًا في مهماتك وشواغلك. وعن السدي: تطوّعًا كثيرًا. وقال السمرقندي: فراغًا طويلاً تقضي حوائجك فيه، ففرغ نفسك لصلاة الليل.
(وقوله تعالى: ﴿علم أن لن تحصوه﴾) أي: علم الله أن لن تطيقوا قيام الليل، أو: الضمير المنصوب فيه يرجع إلى مصدر مقدر، أي: علم أن لا يصح منكم ضبط للأوقات، ولا يتأتى حسابها بالتسوية إلا بالاحتياط، وهو شاق عليكم (﴿فتاب عليكم﴾) رخص لكم في ترك القيام المقدر (﴿فاقرؤوا ما تيسر من القرآن﴾) فصلوا ما تيسر عليكم من قيام الليل، وهو ناسخ للأول، ثم نسخا جميعًا بالصلوات الخمس، أو المراد: قراءة القرآن بعينها، ثم بيَّن حكمة النسخ بقوله: (﴿علم أن سيكون منكم مرضى﴾) لا يقدرون على قيام الليل (﴿وآخرون يضربون﴾) يسافرون (﴿في الأرض يبتغون من فضل الله﴾) في طلب الرزق منه تعالى (﴿وآخرون يقاتلون في سبيل الله﴾) يجاهدون في طاعة الله (﴿فاقرؤوا ما تيسر منه﴾) أي: من القرآن، قيل: في صلاة المغرب والعشاء (﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾) الواجبتين أو المراد: صدقة الفطر، لأنه لم يكن بمكة زكاة، ومن فسرها بها جعل آخر السورة من المدني.
(﴿وأقرضوا الله قرضًا حسنًا﴾) بسائر الصدقات المستحبة، وسماه: قرضًا، تأكيدًا للجزاء (﴿وما تقدموا لأنفسكم من خير﴾) عمل صالح وصدقة بنية خالصة (﴿تجدوه﴾) أي: ثوابه (﴿عند الله﴾) في الآخرة (﴿هو خيرًا﴾) نصب ثاني مفعولي: وجد (﴿وأعظم أجرًا﴾) زاد في نسخة: ﴿واستغفروا الله﴾ لذنوبكم ﴿إن الله غفور﴾ لمن تاب ﴿رحيم﴾ [المزمل: ٢٠] لمن استغفر.
(قال ابن عباس ﵄¬) مما وصله عبد بن حميد بإسناد صحيح عن سعيد بن جبير،
стр. 1474
عنه، ولأبي ذر، والأصيلي: قال أبو عبد الله أي: المؤلّف: قال ابن عباس: (نشأ) بفتحات، مهموزًا معناه (قام) بتهجد (بالحبشية) أي: بلسان الحبشة.
وليس في القرآن شيء بغير العربية، وإن ورد من ذلك شيء فهو من توافق اللغتين، وعلى هذا، فناشئة، كما مر، مصدر بوزن فاعلة، من: نشأ إذا قام، أو اسم فاعل: أي: النفس الناشئة بالليل، أي التي تنشأ من مضجعها إلى العبادة أي: تنهض، وفي الغريبين لأبي عبيد: كل ما حدث بالليل وبدا فهو ناشئ.
وفي المجاز لأبي عبيدة: ناشية الليل: آناء الليل، ناشئة بعد ناشئة.
(وطأ) بكسر الواو (قال) المؤلّف، مما وصله عبد بن حميد، من طريق مجاهد، معناه: (مواطأة القرآن). ولأبي ذر، والوقت، مواطأة للقرآن، بالتنوين واللام (أشد موافقة لسمعه وبصره وقلبه) ثم ذكر ما يؤيد هذا التفسير، فقال في قوله تعالى في سورة براءة ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ [التوبة: ٣٧] (ليواطؤوا) معناه: (ليوافقوا) وقد وصله الطبري عن ابن عباس، لكن بلفظ: ليشابهوا.
١١٤١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ، وَيَصُومُ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئًا. وَكَانَ لَا تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلاَّ رَأَيْتَهُ، وَلَا نَائِمًا إِلاَّ رَأَيْتَهُ".
تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ وَأَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ عَنْ حُمَيْدٍ.
[الحديث ١١٤١ - أطرافه في: ١٩٧٢، ١٩٧٣، ٣٥٦١].
وبالسند قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) بن يحيى القرشي العامري (قال: حدّثني) بالإفراد (محمد بن جعفر) هو: ابن أبي كثير المدني (عن حميد) الطويل (أنه سمع أنسًا) ولأبي ذر، والأصيلي: أنس بن مالك (¬﵁، يقول):
(كان رسول الله، ﷺ ، يفطر من الشهر حتى نظن أن لا يصوم منه) أي: من الشهر، زاد الأصيلي، وأبو ذر: شيئًا (و) كان، ﵊ (يصوم) منه (حتى نظن أن لا يفطر) بالنصب، وللأصيلي: أنه لا يفطر، بالرفع، (منه شيئًا وكان) ﵊ (لا تشاء أن تراه من الليل مصليًا إلا رأيته) مصليًا (ولا) تشاء أن تراه من الليل (نائمًا إلا رأيته) نائمًا.
أي: ما أردنا منه، ﵊، أمرًا إلا وجدناه عليه، إن أردنا أن يكون مصليًا، وجدناه مصليًا، وإن أردنا أن نراه نائمًا، وهو يدل على أنه ربما نام كل الليل، وهذا سبيل التطوع، فلو استمر الوجوب في قوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢] لما أخل بالقيام.
وفيه أيضًا أن صلاته ونومه كانا يختلفان بالليل، وأنه لا يرتب وقتًا معينًا، بل بحسب ما تيسر له من قيام الليل.
стр. 1475
لا يقال: يعارضه قول عائشة: كان إذا سمع الصارخ قام. فإن كلاً من عائشة وأنس أخبر بما اطلع عليه.
ورواته ما بين: مدني وبصري، وفيه: التحديث والعنعنة والسماع والقول، وأخرجه المؤلّف أيضًا في الصوم.
(تابعه) أي تابع محمد بن جعفر، عن حميد (سليمان) هو: ابن بلال كما جزم به خلف (وأبو خالد) سليمان بن حيان (الأحمر) أو: الواو زائدة في: وأبو، من الناسخ، فإن أبا خالدًا اسمه سليمان، (عن حميد) الطويل.
ومتابعة أبي خالد وصلها المؤلّف في: الصوم.
١٢ - باب عَقْدِ الشَّيْطَانِ عَلَى قَافِيَةِ الرَّأْسِ إِذَا لَمْ يُصَلِّ بِاللَّيْلِ
(باب عقد الشيطان على قافية الرأس) أي: قفاه، أو مؤخر العنق، أو مؤخر الرأس، أو وسطه، (إذا) نام و (لم يصل) صلاة العشاء (بالليل).
١١٤٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ. فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلاَّ أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ».
[الحديث ١١٤٢ - طرفه في: ٣٢٦٩].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك) الإمام (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة، ﵁، أن رسول الله، ﷺ ، قال):
(يعقد الشيطان) إبليس، أو أحد أعوانه (على قافية رأس أحدكم).
ظاهره التعميم في المخاطبين، ومن في معناهم، ويمكن أن يخص منه من صلّى العشاء في جماعة، كما مر، ومن ورد في حقه أنه يحفظ من الشيطان: كالأنبياء، ومن يتناوله قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥] وكمن قرأ آية الكرسي عند نومه، وقد ثبت أنه يحفظ من الشيطان حتى يصبح.
(إذا هو نام) وللحموي والمستملي: إذا هو نائم، بوزن فاعل، قال الحافظ ابن حجر: والأول أصوب، وهو الذي في الموطأ. وتعقبه العيني: بأن رواية الموطأ لا تدل على أن ذلك أصوب، بل
следующие страницы →