← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21716

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط العلمية

القسطلاني

Полный текст (8 298 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

لكل منهما عشرون شاة رجع الخليط على خليطه بقيمة نصف شاة لا بنصت شاة لأنها غير مثلية، ولو كان لأحدهما مائة وللآخر خمسون فأخذ الساعي الشاتين الواجبتين من صاحب المائة رجع بثلث قيمتهما، أو من صاحب الخمسين رجع بثلثي قيمتهما، أو من كل واحد شاة رجع صاحب المائة بثلث قيمة شاته وصاحب الخمسين بثلثي قيمة شاته. ٣٦ - باب زَكَاةِ الإِبِلِ ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ وَأَبُو ذَرٍّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ ﵃ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ - (باب زكاة الإبل ذكره) أي حكم زكاة الإبل (أبو بكر) الصديق (وأبو ذر وأبو هريرة ﵃ عن النبي ﷺ ¬) وحديث كل منهم يأتي إن شاء الله تعالى في الزكاة، وحديث أبي ذر في النذور أيضًا. ١٤٥٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: "أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْهِجْرَةِ فَقَالَ: وَيْحَكَ، إِنَّ شَأْنَهَا شَدِيدٌ، فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ تُؤَدِّي صَدَقَتَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا". [الحديث ١٤٥٢ - أطرافه في: ٢٦٣٣، ٣٩٢٣، ٦١٦٥]. وبالسند قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا الوليد بن مسلم) بسكون السين وكسر اللام القرشي قال: (حدّثنا الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو، (قال: حدَّثني) بالإفراد (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عطاء بن يزيد) من الزيادة الليثي (عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن إعرابيًا سأل رسول الله ﷺ عن الهجرة) أي أن يبايعه على الإقامة بالمدينة ولم يكن من أهل مكة الذين وجبت عليهم الهجرة قبل الفتح (فقال) له ﵊: (ويحك) كلمة رحمة وتوجع لمن وقع في هلكة لا يستحقها (إن شأنها) أي القيام بحق الهجرة (شديد) لا يستطيع القيام بها إلا القليل ولعلها كانت متعذرة على السائل شاقة عليه فلم يجبه إليها (فهل لك من إبل تؤدي صدقتها)؟ زكاتها (قال: نعم) لي إبل أؤدّي زكاتها (قال فاعمل من وراء البحار) بموحدة ومهملة أي من وراء القرى والدن وكأنه قال: إذا كنت تؤدي فرض الله عليك في نفسك ومالك فلا تبال أن تقيم في بيتك ولو كنت في أبعد مكان (فإن الله لن يترك) بكسر المثناة الفوقية أي لن ينقصك (من) ثواب (عملك شيئًا) وللحموي والمستملي: لم يترك بلم الجازمة بدل لن الناصبة، وفي بعض النسخ لم يترك بسكون المثناة الفوقية من الترك. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الهجرة والأدب والهبة ومسلم في المغازي وأبو داود في الجهاد والنسائي في البيعة والسير.

стр. 1857

٣٧ - باب مَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ بِنْتِ مَخَاضٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ (باب من بلغت عنده صدقة بنت مخاض) برفع صدقة فاعل بلغت من غير تنوين لإضافته إلى بنت مخاض، ولأبي ذر: صدقة بالتنوين بنت مخاض نصب مفعول بلغت (وليست عنده). ١٤٥٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ أَنَّ أَنَسًا ﵁ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ فَرِيضَةَ الصَّدَقَةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ «مَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةُ الْجَذَعَةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْحِقَّةُ وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا. وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ الْحِقَّةُ وَعِنْدَهُ الْجَذَعَةُ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجَذَعَةُ وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ. وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ إِلاَّ بِنْتُ لَبُونٍ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ بِنْتُ لَبُونٍ وَيُعْطِي شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا. وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُونٍ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْحِقَّةُ وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ. وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُونٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ بِنْتُ مَخَاضٍ وَيُعْطِي مَعَهَا عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ». وبالسند قال: (حدّثنا محمد بن عبد الله قال: حدَّثني) بالإفراد (أبي) عبد الله بن المثنى (قال: حدّثني) بالإفراد أيضًا (ثمامة) بضم المثلثة (أن أنسًا ﵁ حدثه أن أبا بكر ﵁ كتب له فريضة الصدقة التي أمر الله رسوله ﷺ ¬) بها (من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة) بفتح الجيم والذال المعجمة التي لها أربع ستين وطعنت في الخامسة (وليست عنده جذعة) الواو للحال (وعنده حقة) بكسر الحاء المهملة وفتح القاف المشدّدة التي لها ثلاث سنين وطعنت في الرابعة وخبر المبتدأ الذي هو من بلغت قوله: (فإنها تقبل منه الحقة ويجعل معها شاتين) بصفة الشاة المخرجة عن خمس من الإبل يدفعهما للمصدق (إن استيسرتا له) أي وجدتا في ماشيته (أو عشرين درهمًا) فضة من النقرة، وكل منهما أصل في نفسه لا بدل لأنه قد خير فيهما وكان ذلك معلومًا لا يجري مجرى تعديل القيمة لاختلاف ذلك في الأزمنة والأمكنة فهو تعويض قدره الشارع كالصاع في المصراة (ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده الحقة وعنده الجذعة فإنها تقبل منه الجذعة ويعطيه المصدق) بتخفيف الصاد أي الساعي (عشرين درهمًا أو شاتين ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده إلا بنت لبون) أنثى (فإنها تقبل منه بنت لبون ويعطي) المصدق بالتشديد وهو المالك (شاتين أو عشرين درهمًا، ومن بلغت صدقته بنت لبون) بنصب بنت على المفعولية وهي التي لها سنتان وطعنت في الثالثة (وعنده حقه فإنها تقبل منه الحقة ويعطيه المصدق) بالتخفيف وهو الساعي (عشرين درهمًا أو شاتين ومن بلغت صدقته بنت لبون) نصب (وليست عنده وعنده بنت مخاض) وهي التي لها سنة وطعنت في الثانية (فإنها تقبل منه بنت مخاض ويعطي) أي المالك (معها) المصدق (عشرين درهمًا أو

стр. 1858

شاتين) فيه أن جبر كل مرتبة بشاتين أو عشرين درهمًا، وجواز النزول والصعود من الواجب عند فقده إلى سن آخر يليه والخيار في الشاتين والدراهم لدافعها سواء كان مالكًا أو ساعيًا، وفي الصعود والنزول للمالك في الأصح. وهذا الحديث طرف من حديث أنس وليس فيه ما ترجم له. نعم، أورده في باب العرض في الزكاة كما مرّ قريبًا من بلغت صدقته بنت مخاض وليست عنده وعنده بنت لبون فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهمًا أو شاتين، فإن لم تكن عنده بنت مخاض على وجهها وعنده ابن لبون فإنه تقبل منه وليس معه شيء وحذفه هنا، فقيل: جرى في ذلك على عادته في تشحيذ الأذهان بخلو حديث الباب عن موضع الترجمة، كما رواه اكتفاء بذكر أصل الحديث في موضع آخر ليبحث الطالب عنه. وقيل غير ذلك مما عزي لابن رشيد وابن المنير وفيما ذكر كفاية في الاعتذار عنه والله الموفق والمعين. ٣٨ - باب زَكَاةِ الْغَنَمِ (باب زكاة الغنم). ١٤٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى الأَنْصَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ هَذَا الْكِتَابَ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى الْبَحْرَيْنِ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَالَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ، فَمَنْ سُئِلَهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا فَلْيُعْطِهَا، وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلَا يُعْطِ: فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ فَمَا دُونَهَا مِنَ الْغَنَمِ مِنْ كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ، إِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْجَمَلِ، فَإِذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّينَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ -يَعْنِي سِتًّا وَسَبْعِينَ- إِلَى تِسْعِينَ فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْجَمَلِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ. وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلاَّ أَرْبَعٌ مِنَ الإِبِلِ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا مِنَ الإِبِلِ فَفِيهَا شَاةٌ، وَفِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ شَاةٌ. فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إِلَى مِائَتَيْنِ شَاتَانِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إِلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِيهَا ثَلَاثٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً وَاحِدَةً فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا. وَفِي الرِّقَةِ رُبْعُ الْعُشْرِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ إِلاَّ تِسْعِينَ وَمِائَةً فَلَيْسَ فِيهَا شَىْءٌ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا".

стр. 1859

وبالسند قال: (حدّثنا محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري قال: حدَّثني) بالإفراد (أبي) عبد الله (قال: حدّثني) بالإفراد أيضًا (ثمامة بن عبد الله بن أنس أن) جده (أنسًا) ﵁ (حدّثه أن أبا بكر) الصديق (¬﵁ كتب له) أي لأنس (هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين) عاملاً عليها وهو اسم لإقليم مشهور يشتمل على مدن معروفة قاعدتها هجر (بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة) أي نسخة فريضة (الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ المسلمين) بفرض الله (والتي أمر الله بها) بحرف العطف. ولأبي داود: التي بدونه على أن الجملة بدل من الجملة الأولى، ولغير أبي ذر: به (رسوله،) ﵊ أي بتبليغها وأضيف الفرض إليه لأنه دعا إليه وحمل الناس عليه أو معنى فرض قدر لأن الإيجاب بنص القرآن على سبيل الإجمال وبيّن ﷺ مجمله بتقدير الأنواع والأجناس (فمن سئلها) بضم السين أي فمن سئل الزكاة (من المسلمين) حال كونها (على وجهها فليعطها) على الكيفية المذكورة في الحديث من غير تعدّ بدليل قوله: (ومن سئل فوقها) أي زائدًا على الفريضة المعينة في السن أو العدد (فلا يعط) الزائد على الواجب وقيل لا يعط شيئًا من الزكاة لهذا المصدق لأنه خان بطلبه فوق الزائد فإذا ظهرت خيانته سقطت طاعته، وحينئذٍ يتولى إخراجه أو يعطيه لساع آخر ثم شرع في بيان كيفية الفريضة وكيفية أخذها وبدأ بزكاة الإبل لأنها غالب أموالهم فقال: (في أربع وعشرين من الإبل) زكاة (فمما دونها) أي فما دون أربع وعشرين (من الغنم) يتعلق بالمبتدأ المقدر (من كل خمس) خبر المبتدأ الذي هو (شاة) وكلمة من للتعليل أي لأجل كل خمس من الإبل. وسقط في رواية ابن السكن كلمة من الداخلة على الغنم وصوّبه بعضهم، وقال القاضي عياض: كل صواب فمن أثبتها فمعناه زكاتها من الغنم ومن للبيان لا للتبعيض وعلى إسقاطها فالغنم مبتدأ خبره في أربع وعشرين، وإنما قدم الخبر لأن المراد بيان النصب إذ الزكاة إنما تجب بعد النصاب فكان تقديمه أهم لأنه السابق في التسبب (إذا) وفي نسخة: فإذا (بلغت) إبله (خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى) قيد بالأنثى للتأكيد كما يقال: رأيت بعيني وسمعت بأذني (فإذا بلغت) إبله (ستًّا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى) آن لأمها أن تلد (فإذا بلغت) إبله (ستًّا وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الجمل)، بفتح الطاء فعولة بمعنى مفعولة صفة لحقة استحقت أن يغشاها الفحل، (فإذا بلغت) إبله (واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة) بفتح الجيم والذال المعجمة سميت بذلك لأنها أجذعت مقدم أسنانها أي أسقطته وهي غاية أسنان الزكاة، (فإذا بلغت) إبله (يعني ستًّا وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون) بزيادة يعني وكأن العدد حذف من الأصل اكتفاء بدلالة الكلام عليه فذكره بعض رواته وأتى بلفظ يعني لينبه على أنه مزيد أو شك أحد رواته فيه، (فإذا بلغت) إبله (إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الجمل، فإذا زادت) إبله (على عشرين ومائة) واحدة فصاعدًا (ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة). فواجب مائة وثلاثين بنتا لبون وحقة، وواجب مائة وأربعين بنت لبون وحقتان وهكذا. (ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها)، أن يتبرع ويتطوّع (فإذا بلغت خمسًا من الإبل ففيها شاة و) فرض ﵊ (في صدقة الغنم في سائمتها)

стр. 1860

أي راعيتها لا المعلوفة وفي سائمتها كما قاله في شرح المشكاة بدل من الغنم بإعادة الجار المبدل في حكم الطرح فلا يجب في مطلق الغنم شيء وهذا أقوى في الدلالة من أن لو قيل ابتداء في سائمة الغنم أو في الغنم السائمة، لأن البدل على المقصود بالمنطوق ودلالة غيره عليه بالمفهوم وفي تكرار الجار إشارة إلى أن للسوم في هذا الجنس مدخلاً قومًا واصلاً يقاس عليه بخلاف جنسي الإبل والبقر انتهى. (إذا كانت) غنم الرجل وللكشميهني: إذا بلغت (أربعين إلى عشرين ومائة) فزكاتها (شاة) جذعة ضأن لها سنة ودخلت في الثانية، وقيل ستة أشهر أو ثنية معز لها سنتان ودخلت في الثالثة وقيل سنة وشاة ورفع خبر مبتدأ مضمر أو مبتدأ وفي صدقة الغنم خبره (فإذا زادت) غنمه (على عشرين ومائة) واحدة فصاعدًا (إلى مائتين) فزكاتها (شاتان) مرفوع على الخبرية أو الابتدائية كما مرّ، (فإذا زادت) غنمه (على مائتين) ولو واحدة (إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث) وللكشميهني ثلاث شياه (فإذا زادت) غنمه (على ثلاثمائة) مائة أخرى لا دونها (ففي كل مائة شاة) ففي أربعمائة أربع شياه وفي خمسمائة خمس وفي ستمائة ست وهكذا (فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة) نصب خبر كان (من أربعين شاة واحدة) صفة شاة الذي هو تمييز أربعين كذا أعربه في التنقيح، وتعقبه في المصابيح بأنه لا فائدة في هذا الوصف مع كون الشاة تمييزًا وإنما واحدة منصوب على أنه مفعول بناقصة أي إذا كان عند الرجل سائمة تنقص واحدة من أربعين فلا زكاة عليه فيها، وبطريق الأولى إذا نقصت زائدًا على ذلك ويحتمل أن يكون شاة مفعولاً بناقصة وواحدة وصف لها والتمييز محذوف للدلالة عليه انتهى. (فليس فيها) أي الناقصة عن الأربعين (صدقة إلا أن يشاء ربها) أن يتطوع (وفي) مائتي درهم من (الرقة) بكسر الراء وتخفيف القاف الورق والهاء عوض عن الواو ونحو العدة والوعد الفضة المضروبة وغيرها (ربع العشر) خمسة دراهم وما زاد على المائتين فبحسابه فيجب ربع عشره. وقال أبو حنيفة لها وقص فلا شيء على ما زاد على مائتي درهم حتى تبلغ أربعين درهمًا فضة ففيه حينئذٍ درهم واحد وكذا في كل أربعين (فإن لم تكن) أي الرقة (إلا تسعين ومائة فليس فيها شيء) لعدم النصاب والتعبير بالتسعين يوهم إذا زادت على المائة والتسعين قبل بلوغ المائتين أن فيها زكاة وليس كذلك، وإنما ذكر التسعين لأنه آخر عقد قبل المائة والحساب إذا جاوز الآحاد كان تركيبه بالعقود كالعشرات والمئين والألوف فذكر التسعين ليدل على أن لا صدقة فيما نقص عن المائتين ولو بعض حبة لحديث الشيخين ليس فيما دون خمس، أواق من الورق صدقة (إلا أن يشاء ربها). وهذا كقوله في حديث الأعرابي في الإيمان إلا أن تطوع. ٣٩ - باب لَا تُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ وَلَا تَيْسٌ، إِلاَّ مَا شَاءَ الْمُصَدِّقُ هذا (باب) بالتنوين (لاّ يؤخذ في الصدقة) المفروضة (هرمة) بفتح الهاء وكسر الراء (ولا ذات

стр. 1861

عوار) بفتح العين (ولا تيس إلا ما شاء المصدق) بتخفيف الصاد المهملة وتشديدها والتشديد مكشوط في اليونينية. ١٤٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ أَنَّ أَنَسًا ﵁ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ : «وَلَا يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ وَلَا تَيْسٌ، إِلاَّ مَا شَاءَ الْمُصَدِّقُ». وبالسند قال: (حدّثنا محمد بن عبد الله قال: حدَّثني أبي) عبد الله بن المثنى (قال: حدَّثني) بالإفراد فيهما (ثمامة) بن عبد الله (أن أنسًا) جده (﵁ حدثه أن أبا بكر) الصديق (﵁ كتب له التي) وللكشميهني: الصدقة التي (أمر الله رسوله ﷺ ¬) بها (ولا يخرج في الصدقة) المفروضة (هرمة) الكبيرة التي سقطت أسنانها (ولا ذات عوار) بفتح العين وألف بعد الواو أي معيبة بما ترد به في البيع وهو شامل للمريض وغيره وبالضم العور في العين إلا من مثلها من الهرمات وذات العوار، وتكفي مريضة متوسطة ومعيبة من الوسط، وكذا لا تؤخذ صغيرة لم تبلغ سن الإجزاء. (ولا تيس) وهو فحل الغنم أو مخصوص بالعز لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] (إلا ما شاء المصدق) بتخفيف الصاد وكسر الدال كمحدث آخذ الصدقات الذي هو وكيل الفقراء في قبض الزكوات بأن يؤدي اجتهاده إلى أن ذلك خير لهم وحينئذٍ، فالاستثناء راجع لما ذكر من الهرم والعوار والمذكورة. نعم، يؤخذ ابن اللبون أو الحق عن خمس وعشرين من الإبل عند فقد بنت المخاض والذكر من الشياه فيما دون خمس وعشرين من الإبل والتبيع في ثلاثين من البقر للنص على الجواز فيها إلا في الحق فللقياس، وخرج بعيب البيع عيب الأضحية ولو انقسمت الماشية إلى صحاح ومراض أو إلى سليمة ومعيبة أخذ صحيحة بالقسط ففي أربعين شاة نصفها صحاح ونصفها مراض وقيمة كل صحيحة ديناران وكل مريضة دينار تؤخذ صحيحة بقيمة نصف صحيحة ونصف مريضة وهو دينار ونصف، وكذا لو كان نصفها سليمًا ونصفها معيبًا كما ذكر ثم إن الأكثرين كما قاله ابن حجر على تشديد صاد المصدق أي المتصدق فأبدلت التاء صادًا وأدغمت في الصاد. وتقدير الحديث حينئذٍ ولا تؤخذ هرمة ولا ذات عوار أصلاً ولا يؤخذ التيس إلا برضا المالك لكونه محتاجًا إليه ففي أخذه بغير رضاه إضرار به وحينئذ فالاستثناء مختص بالتيس واستدلّ به للمالكية في تكليف المالك سليمًا وهو مذهب المدونة، وعن ابن عبد الحكم لا يؤخذ من المعيبة إلا أن يرى الساعي أخذ المعيبة لا الصغيرة. ٤٠ - باب أَخْذِ الْعَنَاقِ فِي الصَّدَقَةِ (باب أخذ العناق في الصدقة) بفتح العين الأنثى من ولد المعز إذا أتى عليها حول ودخلت في الثاني والجمع أعنق وعنوق.

стр. 1862

١٤٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ. ح وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا". وبالسند قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن) ابن شهاب (الزهري ح) للتحويل. (وقال الليث) بن سعد مما وصله الذهلي في الزهريات عن أبي صالح عن الليث قال: (حدّثني) بالإفراد (عبد الرحمن بن خالد) الفهمي أمير مصر (عن ابن شهاب) الزهري (عن عبيد الله بن عبد الله) بتصغير الأول (ابن عتبة بن مسعود أن أبا هريرة ﵁ قال: قال أبو بكر) الصديق (﵁) في حديث قصته مع عمر بن الخطاب في قتال مانعي الزكاة السابق في أولِ الزكاة. (والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها) فيه دلالة على أن العناق مأخوذة في الصدقة وهو مذهب البخاري كالشافعي وأبي يوسف وهو موضع الترجمة. ١٤٥٧ - "قَالَ عُمَرُ ﵁: فَمَا هُوَ إِلاَّ أَنْ رَأَيْتُ أَنَّ اللَّهَ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ بِالْقِتَالِ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ". (قال عمر ﵁: فما هو إلا أن رأيت أن الله شرح صدر أبي بكر ﵁ بالقتال فعرفت أنه الحق) أي بما ظهر له من الدليل والمستثنى منه غير مذكور أي ليس الأمر شيئًا من الأشياء إلا علمي أن أبا بكر محق، وصورة إخراج الصغير أن يمضي على أربعين ملكها من صغار المعز حول أو تنتج ماشيته ثم تموت فإن حول نتاجها يبنى على حولها وكذا صغار الغنم. وقال مالك في المدونة: وإذا كانت الغنم سخالاً أو البقر عجاجيل أو الإبل فصلانًا كلها كلف ربها أن يشتري ما يجزئ منها، ففي الغنم جذعة أو ثنية، وفي الإبل والبقر ما في الكبار منها، وبه قال زفر. وقال أبو حنيفة ومحمد: لا شيء في الفصلان والعجاجيل ولا في صغار الغنم لا منها ولا من غيرها لقول عمر: اعدد السخلة عليهم ولا تأخذها، وإنما خرج قول الصديق على المبالغة بدليل الرواية الأخرى: لو منعوني عقالاً. والعقال لا زكاة فيه فالعقال تنبيهًا بالأدنى على الأعلى، وربما قدر المستحيل لأجل الملازمة نحو: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وكأن الصديق قال: من منع حقًّا ولو عقالاً أو عناقًا يعني قليلاً أو كثيرًا فقتالنا له متعين وهؤلاء منعوا فقتالهم متعين. ٤١ - باب لَا تُؤْخَذُ كَرَائِمُ أَمْوَالِ النَّاسِ فِي الصَّدَقَةِ هذا (باب) بالتنوين (لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة) أي نفائس أموالهم من أي صنف كان.

стр. 1863

١٤٥٨ - حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا ﵁ عَلَى الْيَمَنِ قَالَ: إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا الصَّلَاةَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهُمْ زَكَاةً تُؤْخَذُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ". وبالسند قال: (حدّثنا أمية بن بسطام) بكسر الموحدة مصروفًا العيشي بفتح العين وسكون المثناة التحتية وكسر المعجمة قال: (حدّثنا يزيد بن زريع) بضم الزاي وفتح الراء قال: (حدّثنا روح بن القاسم) بفتح الراء (عن إسماعيل بن أمية) الأموي المكي (عن يحيى بن عبد الله بن صيفي عن أبي معبد) بفتح الميم نافذ بالنون والفاء والذال المعجمة (عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذًا) واليًا (على) أهل الجند من (اليمن) سنة عشر قبل حجة الوداع يعلمهم القرآن وشرائع الإسلام ويقضي بينهم ويقبض الصدقات من عمال أهل اليمن. وللكشميهني: إلى اليمن (قال): (إنك تقدم) بفتح الدال مضارع قدم بكسرها (على قوم أهل كتاب) التوراة والإنجيل وقاله تنبيهًا له على الاهتمام بهم لأنهم أهل علم فليست مخاطبتهم كمخاطبة جهال المشركين وعبدة الأوثان (فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله) بنصب أول على أنه خبر كان ورفع عبادة على أنه اسمها أي معرفة الله. وفي رواية الفضل بن العلاء إلى أن يوحدوا الله قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ويؤيده قوله: (فإذا عرفوا الله) بالتوحيد ونفي الألوهية عن غيره وفيه دليل على أن أهل الكتاب لا يعرفون الله (فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا الصلاة فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أموالهم وترد على فقرائهم) يحتمل عود الضمير على أهل البلد فلا يجوز نقل الزكاة وأن يعود عليهم بوصف إسلامهم، (فإذا أطاعوا بها فخذ) بالفاء ولأبي ذر، وابن عساكر: خذ (منهم) زكاة أموالهم (وتوق) أي احذر (كرائم أموال الناس) جمع كريمة وهي العزيزة عند رب المال إما باعتبار كونها أكولة أي مسمنة للأكل أو ربي بضم الراء وتشديد الموحدة أي قريبة العهد بولادة. وقال الأزهري: إلى خمسة عشر يومًا من ولادتها لأن الزكاة لمواساة الفقراء فلا يناسب الاجحاف بمال الأغنياء إلا إن رضوا بذلك. ٤٢ - باب لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ هذا (باب) بالتنوين (ليس فيما دون خمس ذود) من الإبل (صدقة) مفروضة وأنكر ابن قتيبة أن يقال خمس ذود كما لا يقال خمس ثوب وكأنه يرى أن الذود يطلق على الواحد، وغلط في ذلك لشيوع هذا اللفظ في الحديث الصحيح وسماعه من العرب كما صرح به أهل اللغة. نعم، القياس

стр. 1864

في تمييز ثلاثة إلى عشرة أن يكون جمع تكسير جمع قلة فمجيئه اسم جمع كما في هذا الحديث قليل، والذود يقع على الذكر والمؤنث والجمع والمفرد فلذا أضاف خمس إليه. ١٤٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةٌ» وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني) نسبه إلى جده ونسب جده إلى جده كما وقع في رواية مالك، والمعروف أنه محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة. ورواه البيهقي في معرفة السنن والأخبار عن الشافعي قال: أخبرنا مالك عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة فنسب محمدًا لأبيه وعبد الرحمن لجده (عن أبيه) عبد الله. ونقل البيهقي عن محمد بن يحيى الذهلي أن محمد بن أبي صعصعة هذا سمع هذا الحديث من ثلاثة أنفس انتهى. وقد رواه إسحاق بن راهويه في مسنده عن أبي أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد هذا عن عمرو بن يحيى وعباد بن تميم كلاهما عن أبي سعيد، ورواه البيهقي في معرفة السنن عن الشافعي عن مالك عن عمرو بن يحيى عن أبيه (عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال): (ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة وليس فيما دون خمس أواق) كجوار (من الورق) بكسر الراء الفضة (صدقة وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة) وهذا موضع الترجمة والحديث دليل على سقوط الزكاة فيما دون هذه المقادير من هذه الأعيان المذكورة خلافًا لأبي حنيفة في زكاة الحرث، وتعلق الزكاة فى كل قليل وكثير منه واستدلّ له بقوله ﷺ فيما سقت السماء العشر وفيما سقي بنضح أو دالية نصف العشر وهذا عام في القليل والكثير. وأجيب: بأن المقصود من الحديث بيان قدر المخرج لا بيان المخرج منه قاله ابن دقيق العيد. ٤٣ - باب زَكَاةِ الْبَقَرِ. وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لأَعْرِفَنَّ مَا جَاءَ اللَّهَ رَجُلٌ بِبَقَرَةٍ لَهَا خُوَارٌ» وَيُقَالَ جُؤَارٌ. ﴿تَجْأَرُونَ﴾: تَرْفَعُونَ أَصْوَاتَكُمْ كَمَا تَجْأَرُ الْبَقَرَةُ (باب) إيجاب (زكاة البقرة) اسم جنس واحده بقرة وباقورة للذكر والأنثى (وقال أبو حميد): عبد الرحمن الساعدي ﵁ مما وصله في ترك الحيل (قال النبي ﷺ ¬):

стр. 1865

(لأعرفن) أي لأرينكم غدًا (ما جاء الله رجل) رفع فاعل جاء والله نصب بجاء وما مصدرية أي لأعرفن مجيء رجل الله (ببقرة لها خوار) بخاء معجمة مضمومة وتخفيف الواو صوت، ولأبي ذر عن الكشميهني: لا أعرفن بزيادة همزة قبل العين فلا نفي أي لا ينبغي أن تكونوا على هذه الحالة فأعرفكم بها يوم القيامة وأراكم عليها قال البخاري: (ويقال: جؤار). بضم الجيم مهموزًا بدل خوار بالخاء المعجمة. وقال تعالى: (﴿تجأرون﴾ أي ترفعون أصواتكم﴾) [النحل: ١٥٣] ولأبي الوقت: أصواتهم (كما تجأر البقرة) رواه ابن أبي حاتم عن السدي وذكر هذه الآية على عادته عند وقوفه على غريب يقع مثله في القرآن أن يذكر تفسيره تكثيرًا للفائدة. ١٤٦٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: "انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ -أَوْ وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، أَوْ كَمَا حَلَفَ- مَا مِنْ رَجُلٍ تَكُونُ لَهُ إِبِلٌ أَوْ بَقَرٌ أَوْ غَنَمٌ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا إِلاَّ أُتِيَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا تَكُونُ وَأَسْمَنَهُ، تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، كُلَّمَا جَازَتْ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ". رَوَاهُ بُكَيْرٌ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ". [الحديث ١٤٦٠ - طرفه في: ٦٦٣٨]. وبالسند قال: (حدّثنا عمر بن حفص بن غياث) قال: (حدّثنا أبي) حفص قال: (حدَّثنا الأعمش) سليمان بن مهران (عن المعرور بن سويد) بفتح الميم وسكون العين المهملة وبتكرير الراء وسويد بضم السين مصغرًا (عن أبي ذر ﵁ قال: انتهيت إلى النبي) ولأبي ذر: انتهيت إليه يعني النبي (قال: و) الله (الذي نفسي بيده أو) قال (والذي لا إله غيره أو كما حلف) لم يضبط أبو ذر اللفظ الذي حلف به ﵊، وقول الحافظ ابن حجر في الفتح: إن الضمير في قوله انتهيت إليه يعود على أبي ذر وهو الحالف، وإن قوله انتهيت إليه مقول المعرور غير ظاهر ولعله سبق قلم، ويؤيد ذلك ما سبق رواية مسلم عن المعرور عن أبي ذر: انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو جالس في ظل الكعبة فلما رآني قال: "هم الأخسرون ورب الكعبة" الحديث. ورواية الترمذي عن المعرور عن أبي ذر قال: جئت إلى رسول الله ﷺ وهو جالس في ظل الكعبة قال فرآني مقبلاً فقال "هم الأخسرون ورب الكعبة الحديث" وفيه ثم قال: والذي نفسي بيده (ما من رجل تكون له إبل أو بقر أو غنم لا يؤدي حقها) أي زكاتها (إلا أتي بها) بضم الهمزة (يوم القيامة) حال كونها (أعظم ما تكون وأسمنه)، عطف على المنصوب السابق (تطؤه) ذوات الأخفاف منها (بأخفافها) جمع خف (وتنطحه) بكسر الطاء وتفتح ذوات القرون (بقرونها) فالضمير في كل قسم عائد على بعض الجملة لا على الكل، والخف للإبل والقرن للبقر والظلق للغنم والبقر. وفي حديث أبي هريرة السابق في باب إثم مانع الزكاة وتأتي الغنم على صاحبها على خير ما كانت إذا لم يعط فيها حقها تطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها الحديث، والتقدير بذوات الأخفاف وذوات القرون الذي ذكرته لابن المنير وبه يجاب

стр. 1866

عما استشكله من أنه قيل في الإبل والبقر تطؤه بأخفافها وهو أحسن من قول بعضهم في رواية بأظلافها، وهو يدل على أن كل واحد منهما يوضع موضع الآخر. وأجاب القاضي عياض بأنه لما اجتمعا غلب أحدهما على الآخر، وردّ بقوله وتنطحه بقرونها لأنه لا إشكال أن الإبل لا قرون لها ولا شيء يقوم مقام القرون والتغليب إنما يكون إذا وجد شيئان متقاربان (كلما جازت) بالجيم والزاي أي مرت (أخراها ردّت عليه أولاها) بضم راء ردّت مبنيًا للمفعول والضمير في عليه للرجل أي فهو معاقب بذلك (حتى يقضي بين الناس) إلى أن يفرغ الحساب (رواه بكير) هو ابن عبد الله بن الأشج مما وصله مسلم (عن أبي صالح) ذكوان (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬). ومراد المؤلّف بهذا موافقة هذه الرواية لحديث أبي ذر في ذكر البقر لا أن الحديثين مستويان في جميع ما وردا فيه قاله في الفتح. ومطابقة الحديث للترجمة من جهة أن الحديث يتضمن الوعيد فيمن لم يؤدّ زكاة البقر فيدل على وجوب زكاتها ولم يذكر المؤلّف شيئًا مما يتعلق بنصابها لكونه لم يقع له شيء على شرطه. وروى الترمذي وحسنه وصححه الحاكم عن معاذ: بعثني النبي ﷺ إلى اليمن وأمرني أن آخذ من أربعين بقرة مسنة ومن كل ثلاثين بقرة تبيعًا. وروى الحاكم أيضًا من حديث عمرو بن حزم عن كتاب النبي ﷺ وفي كل أربعين باقورة بقرة، وقد حكم بعضهم بتصحيح حديث معاذ واتصاله وفيه نظر لأن مسروقًا لم يلق معاذًا وإنما حسنه الترمذي لشواهده والتبيع ما له سنة كاملة وسمي به لأنه يتبع أمه وتجزئ عنه تبيعة بل أولى للأنوثة، والسنة هي الثنية أي ذات سنين وسميت بذلك لتكامل أسنانها ويجزئ عنها تبيعان لإجزائهما عن ستين. ٤٤ - باب الزَّكَاةِ عَلَى الأَقَارِبِ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لَهُ أَجْرَانِ: أَجْرُ الْقَرَابَةِ وَالصَّدَقَةِ» (باب الزكاة على الأقارب. وقال النبي ﷺ ¬): (له أجران: أجر القرابة والصدقة) وصله فيما يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى في حديث زينب امرأة عبد الله بن مسعود في باب الزكاة على الزوج، لكنه قال فيه لها بتأنيث الضمير، وسقط لأبي ذر لفظة: أجر. ١٤٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: "كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالاً مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ. قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إلى

стр. 1867

رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَىَّ بَيْرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ. قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بَخْ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ. فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ". تَابَعَهُ رَوْحٌ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَإِسْمَاعِيلُ عَنْ مَالِكٍ "رَايِحٌ". [الحديث ١٤٦١ - أطرافه في: ٢٣١٨، ٢٧٥٢، ٢٧٥٨، ٢٧٦٩، ٤٥٥٤، ٤٥٥٥، ٥٦١١]. وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) إمام الأئمة (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك ﵁ يقول: كان أبو طلحة) زيد الأنصاري ﵁ (أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل)، بنصب أكثر خبر كان ومالاً تمييز أي من حيث المال والجار للبيان، (وكان أحب أمواله إليه) بنصب أحب خبر كان (بيرحا) برفع الراء اسمها أو أحب اسمها وبير خبرها، لكن قال الزركشي وغيره: إن الأوّل أحسن لأن المحدّث عنه البير فينبغي أن يكون هو الاسم، وقد اختلف في بيرحا هل هو بكسر الموحدة أو بفتحها وهل بعدها همزة ساكنة أو مثناة تحتية، وهل الراء مضمومة أو مفتوحة، وهل هو معرب أم لا، وهل حا ممدود أو مقصور منصرف أو غير منصرف، وهل هو اسم قبيلة أو امرأة أو بئر أو بستان أو أرض؟ فنقل في فتح الباري وتبعه العيني عن نهاية ابن الأثير فتح الموحدة وكسرها وفتح الراء وضمها مع المد والقصر قال: فهذه ثمان لغات انتهى. والذي رأيته في النهاية بيرحا بفتح الباء وكسرها وبفتح الراء وضمها والمدّ فيهما وبفتحهما والقصر هذا نصه بحروفه في غير ما نسخة ونقله عنه الطيبي كذلك بلفظه، وعلى هذا فتكون خمسة. وقال عياض: رويناه بفتح الباء والراء وبفتح الراء وضمها مع كسر الباء، وقد حكى القاضي عياض عن المغاربة كما نقله عنه في المصابيح ضم الراء في الرفع وفتحها في النصب وجرها في الجر مع الإضافة أبدًا إلى حال ونسبه لخط الأصيلي، لكن قال بعضهم: من رفع الراء وألزمها حكم الإعراب فقد أخطأ، وجزم التيمي بأن المراد به في الحديث البستان معللاً بأن بساتين المدينة تدعى بآبارها أي البستان الذي فيه بيرحا. وقال عياض: حائط سمي به وليس اسم بئر، وقال الصغاني: بيرحا فيعلى من البراح اسم أرض كانت لأبي طلحة بالمدينة وأهل الحديث يصحفون ويقولون بئرحا ويحسبون أنها بئر من آبار المدينة ونحوه في القاموس. وقال في اللامع: ولا تنافي بين ذلك فإن الأرض أو البستان تسمى باسم البئر التي فيه كما سبق، والذي لخصته من كلامهم في هذه الكلمة أن بيرحا بكسر الموحدة وضم الراء اسم كان وبفتحها خبرها مع الهمزة الساكنة بعد الموحدة وإبدالها ياء ومدّ حاء مصروفًا وغير مصروف لأن تأنيثه معنوي كهند ومقصور فهي اثنا عشر، وبيرحا بفتح الموحدة وسكون التحتية من غير همزة وفتح الراء وضمها خبر كان أو اسمها ومدّ حاء مصروفًا وغير

стр. 1868

مصروف ومقصور فهي ستة اثنان منها مع القصر على أنه اسم مقصور لا تركيب فيه فيعرب كسائر المقصور، وصوّب الصغاني والزمخشري والمجد الشيرازي منها فتح الموحدة والراء على سائرها من الممدود والقصور بل قال الباجي: إنها المصححة على أبي ذر وغيره. (وكانت) أي بيرحا (مستقبلة المسجد) النبوي أي مقابلته قريبة منه، (وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها) أي في بيرحا (طيب) بالجر صفة للمجرور السابق (قال أنس ﵁. فلما أنزلت هذه الآية: ﴿لن تنالوا البرّ﴾ أي لن تبلغوا حقيقة البر الذي هو كمال الخير: أو لن تنالوا بر الله الذي هو الرحمة والرضا والجنة (﴿حتى تنفقوا مما تحبون﴾) [آل عمران: ٩٢] أي من بعض ما تحبون من المال أو مما يعمه وغيره كبذل الجاه في معاونة الناس والبدن في طاعة الله والمهجة في سبيل الله. (قام أبو طلحة) ﵁ (إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله إن الله ﵎ يقول: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ وإن أحب أموالي إلي بيرحا) رفع خبر إن (وإنها صدقة لله أرجو برها) أي خيرها (وذخرها) بضم الذال المعجمة أي أقدمها فادّخرها لأجدها (عند الله فضعها يا رسول الله حيث أراك الله) فوّض تعيين مصرفها إليه ﵊، لكن ليس فيه تصريح بأن أبا طلحة جعلها حبسًا (قال: فقال رسول الله ﷺ ¬): (بخ) بفتح الموحدة وسكون المعجمة كهل وبل غير مكررة هنا. قال في القاموس قل في الإفراد بخ ساكنة وبخ مكسورة وبخ منوّنة وبخ منوّنة مضمومة، وتكرر بخ بخ للمبالغة الأول منوّن والثاني مسكن، ويقال بخ بخ مسكنين وبخ بخ منوّنين وبخ بخ مشدّدين كلمة تقال عند الرضا والإعجاب بالشيء أو الفخر والمدح انتهى. فمن نوّنه شبهه بأسماء الأصوات كصه ومه (ذلك مال رابح ذلك مال رابح)، بالموحدة فيهما أي ذو ربح كلابن وتامر أي يربح صاحبه في الآخرة أو مال مربوح فاعل بمعنى مفعول: (وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين فقال أبو طلحة أفعل يا رسول الله) برفع لام أفعل مستقبلاً (فقسمها) أي بيرحا (أبو طلحة في أقاربه وبني عمه) من عطف الخاص على العام وهذا يدل على أن إنفاق أحبّ الأموال على أقرب الأقارب أفضل وأن الآية تعم الإنفاق الواجب والمستحب قاله البيضاوي، لكن استشكل وجه دلالة الحديث على الترجمة لأنها للزكاة على الأقارب وهذا ليس زكاة. وأجيب: بأنه أثبت للزكاة حكم الصدقة بالقياس عليها قاله الكرماني فليتأمل. وقال ابن المنير: إن صدقة التطوّع على الأقارب لما لم ينقص أجرها بوقوعها موقع الصدقة والصلة معًا كانت صدقة الواجب كذلك لكن لا يلزم من جواز صدقة التطوّع على من يلزم المرء نفقته أن تكون الصدقة الواجبة كذلك. وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في الوصايا والوكالة والأشربة والتفسير، ومسلم في الزكاة، والنسائي في التفسير.

стр. 1869

(تابعه) أي تابع عبد الله بن يوسف (روح) بفتح الراء وسكون الواو مهملة ابن عبادة البصري عن مالك في قوله رابح بالموحدة فيما وصله المؤلّف في كتاب البيوع. (وقال يحيى بن يحيى) النيسابوري مما وصله في الوصايا (وإسماعيل) بن أبي أويس مما وصله فى التفسير كلاهما (عن مالك: رايح) بالمثناة التحتية بدل الموحدة اسم فاعل من الرواح نقيض الغدوّ أي: إنه قريب الفائدة يصل نفعه إلى صاحبه كل رواح لا يحتاج أن يتكلف فيه إلى مشقة وسير أو يروح بالأجر ويغدو به واكتفى بالرواح عن الغدو لعلم السامع أو من شأنه الرواح وهو الذهاب والفوات فإذا ذهب في الخير فهو أولى. ١٤٦٢ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ أَخْبَرَنِي زَيْدٌ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ "خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ إِلَى الْمُصَلَّى، ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَعَظَ النَّاسَ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، تَصَدَّقُوا. فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ، فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ. فَقُلْنَ: وَبِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ. مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ. ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمَّا صَارَ إِلَى مَنْزِلِهِ جَاءَتْ زَيْنَبُ امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ تَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ زَيْنَبُ. فَقَالَ: أَيُّ الزَّيَانِبِ؟ فَقِيلَ: امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ. قَالَ: نَعَمِ، ائْذَنُوا لَهَا، فَأُذِنَ لَهَا. قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّكَ أَمَرْتَ الْيَوْمَ بِالصَّدَقَةِ، وَكَانَ عِنْدِي حُلِيٌّ لِي فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهَا، فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَوَلَدَهُ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ". وبه قال: (حدّثنا ابن أبي مريم) هو سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم الجمحي قال: (أخبرنا محمد بن جعفر) هو ابن أبي كثير الأنصاري (قال: أخبرني) بالإفراد (زيد) أبو أسامة العدوي، ولأبي ذر: هو ابن أسلم (عن عياض بن عبد الله) بن سعد القرشي العامري (عن أبي سعيد) سعد بن مالك (الخدري ﵁) قال: (خرج رسول الله ﷺ في) عيد (أضحى) بفتح الهمزة وتنوين الحاء (أو) عيد (فطر إلى المصلّى ثم انصرف فوعظ الناس وأمرهم بالصدقة فقال): (أيها الناس تصدّقوا فمرّ على النساء فقال يا معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن) وللحموي والمستملي: أريتكن بهمزة مضمومة قبل الراء وأرى يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل والتاء هي المفعول الأول وهي في محل رفع نائب عن الفاعل والكاف والنون في موضع نصب المفعول الثاني والثالث قوله: (أكثر أهل النار فقلن وبم) استفهام حذفت منه الألف (ذلك) باسم الإشارة للمتوسط، وللكشميهني: ذاك بألف بدل اللام (يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن) الشتم (وتكفرن العشير) الزوج أي تسترن إحسان الأزواج إليكن وتجحدنه (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل) أي لعقله، وللكشميهني: بلب بالموحدة بدل اللام (الحازم) بالحاء المهملة والزاي الضابط

стр. 1870

لأمره (من إحداكن يا معشر النساء) يعني: إنهن إذا أردن شيئًا غالبن الرجال عليه حتى يفعلوه سواء كان صوابًا أو خطأ (ثم انصرف) ﵊، (فلما صار إلى منزله جاءت زينب) بنت معاوية أو بنت عبد الله بن معاوية بن عتاب الثقفية، ويقال لها أيضًا رايطة وقع ذلك في صحيح ابن حبان، نحو هذه القصة، ويقال هما ثنتان عند الأكثر وممن جزم به ابن سعد. وقال الكلاباذي: رإيطة هي المعروفة بزينب وبه جزم الطحاوي فقال رايطة هي زينب (امرأة ابن مسعود) عبد الله (تستأذن عليه فقيل: يا رسول الله) القائل بلال (هذه زينب. فقال) ﵊: (أي الزيانب؟) أي أيّ زينب منهن فعرف باللام مع كونه علمًا لما نكر حتى جمع (فقيل: امرأة ابن مسعود قال: نعم ائذنوا لها فأذن لها) بضم الهمزة وكسر الذال فلما دخلت (قالت: يا نبي الله إنك أمرت اليوم بالصدقة وكان عندي حلي) بضم المهملة وكسر اللام (لي فأردت أن أتصدق به فزعم ابن مسعود أنّه وولده) بالنصب عطفًا على الضمير (أحق من تصدقت به عليهم) وهذا يحتمل أن يكون من مسند أبي سعيد بأن كان حاضرًا عند النبي ﷺ عند المراجعة، ويحتمل أن يكون حمله عن زينب صاحبة القصة (فقال النبي ﷺ : صدق ابن مسعود زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم). ووجه مطابقته للترجمة شمول الصدقة للفرض والنفل وإن كان السياق قد يرجح النفل لكن القياس يقتضي عمومه قاله البرماوي كغيره واحتج به على جواز دفع زكاة المرأة لزوجها الفقير وهو مذهب الشافعية وأحمد في رواية، ومنعه أبو حنيفة ومالك وأحمد في رواية، وأجابوا عن الحديث بأن قوله في الرواية الآتية إن شاء الله تعالى في باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر ولو من حليكن يدل على التطوّع وبه جزم النووي، واحتجوا أيضًا بظاهر قوله: زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم لأنه يدل على أنها صدقة تطوّع لأن الولد لا يعطى من الزكاة الواجبة إجماعًا. وأجيب: بأن الذي يمتنع إعطاؤه من الصدقة الواجبة من يلزم المعطي نفقته والأم لا يلزمها نفقة ولدها مع وجود أبيه. وأجيب: بأن الإضافة للتربية لا للولادة فكأنه ولده من غيرها وتعليل منعها من إعطاء الزوج بعود ما تعطيه له إليها في النفقة فكأنها لم تخرج عنها معارض بوقوع ذلك في التطوع أيضًا ويلزم منه إبطاله فتأمل. والحديث يأتي قريبًا في باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر إن شاء الله تعالى. ٤٥ - باب لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ هذا (باب) بالتنوين (ليس على المسلم في) عين (فرسه) الشامل للذكر والأنثى وجمعه الخيل من غير لفظه (صدقة) خلافًا لأبي حنيفة في إناثها أو ذكورها وإناثها حيث أوجب في كل فرس دينارًا أو ربع عشر قيمتها على التخيير.

стр. 1871

١٤٦٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ وَغُلَامِهِ صَدَقَةٌ». [الحديث ١٤٦٣ - طرفه في: ١٤٦٤]. وبالسند قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا عبد الله بن دينار قال: سمعت سليمان بن يسار) بفتح المثناة والمهملة المخففة (عن عراك بن مالك) بكسر العين وتخفيف الراء (عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ¬): (ليس على المسلم في فرسه وغلامه) أي عبده (صدقة) والمراد بالفرس اسم الجنس، وإلا فالواحدة لا خلاف أنه لا زكاة فيها. نعم: إذا كانت الخيل للتجارة فتجب فيها الزكاة بالإجماع فيخص به عموم هذا الحديث، وخص المسلم وإن كان الصحيح عند الأصوليين والفقهاء تكليف الكافر بالفروع لأنه ما دام كافرًا فلا يجب عليه الإخراج حتى يسلم فإذا أسلم سقطت لأن الإسلام يجبّ ما قبله. ٤٦ - باب لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ صَدَقَةٌ هذا (باب) بالتنوين (ليس على المسلم في عبده صدقة) إلا صدقة الفطر وزكاة التجارة في قيمته إن كان للتجارة. ١٤٦٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ خُثَيْمِ بْنِ عِرَاكٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ح. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا خُثَيْمُ بْنُ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ صَدَقَةٌ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ». وبالسند قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى بن سعيد) القطان (عن خثيم بن عراك) بخاء معجمة مضمومة ومثلثة مفتوحة مصغرًا (قال: حدَّثني) بالإفراد (أبي) عراك (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬): وبه قال المؤلّف أيضًا (ح، وحدّثنا سليمان بن حرب) قال: (حدّثنا وهيب بن خالد) بضم الواو وفتح الهاء تصغير وهب قال: (حدّثنا خثيم بن عراك بن مالك عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬): (قال: ليس على المسلم صدقة في) عين (عبده) زاد مسلم إلا صدقة الفطر (ولا) في عين (فرسه) ولأبي ذر: ولا في فرسه، واحترز بالتقييد بالعين فيهما عن وجوبها في قيمتهما إذا كانا للتجارة كما مرّ.

стр. 1872

وهذا الحديث أخرجه مسلم في الزكاة وكذا أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة. ٤٧ - باب الصَّدَقَةِ عَلَى الْيَتَامَى (باب الصدقة على اليتامى) عبر بالصدقة لشمولها الفرض والنفل والصدقة على اليتيم تذهب قساوة القلب كما روي. ١٤٦٥ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ يُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى الْمِنْبَرِ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ فَقَالَ: إِنِّي مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ فَقِيلَ لَهُ: مَا شَأْنُكَ تُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ وَلَا يُكَلِّمُكَ؟ فَرَأَيْنَا أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ. قَالَ فَمَسَحَ عَنْهُ الرُّحَضَاءَ فَقَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ -وَكَأَنَّهُ حَمِدَهُ- فَقَالَ: إِنَّهُ لَا يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ، وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ أَوْ يُلِمُّ، إِلاَّ آكِلَةَ الْخَضْرَاءِ، أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ فَثَلَطَتْ وَبَالَتْ وَرَتَعَتْ. وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَنِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ مَا أَعْطَى مِنْهُ الْمِسْكِينَ وَالْيَتِيمَ وَابْنَ السَّبِيلِ -أَوْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ - وَإِنَّهُ مَنْ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَيَكُونُ شَهِيدًا عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". وبالسند قال: (حدّثنا معاذ بن فضالة) بفتح الفاء والضاد المعجمة المخففة قال: (حدّثنا هشام) الدستوائي (عن يحيى) بن أبي كثير (عن هلال بن أبي ميمونة) هو هلال بن علي بن أسامة المدني من صغار التابعين قال: (حدّثنا عطاء بن يسار) بتخفيف السين المهملة (أنه سمع أبا سعيد الخدري ﵁ يحدث أن النبي ﷺ جلس ذات يوم) أي قطعة من الزمان فذات يوم صفة للقطعة المقدرة ولم يتصرف لأن إضافتما من قبيل إضافة المسمى إلى الاسم وليس له تمكن في الظرفية الزمانية لأنه ليس من أسماء الزمان (على المنبر وجلسنا حوله فقال): (إني) وللمستملي والكشمهني: إن (مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها) حسنها وبهجتها الفانية كمال الغنائم وغيرها (فقال رجل:) لم أعرف اسمه (يا رسول الله أو يأتي الخير بالشر) بفتح الواو والهمزة للاستفهام أي أتصير نعمة الله التي هي زهرة الدنيا عقوبة ووبالاً؟ (فسكت النبي ﷺ ¬) انتظارًا للوحي (فقيل له) أي للسائل: (ما شأنك! تكلم رسول الله ﷺ ولا يكلمك؟) ظنوا أنه ﵊ أنكر مسألته. قال أبو سعيد: (فرأينا) بفتح الراء ثم الهمزة من الرؤية، وللحموي والمستملي: فرئينا بضم الراء ثم كسر الهمزة، وللكشميهني: فأرينا بتقديم الهمزة المضمومة على الراء المكسورة أي فظننا (أنه ينزل عليه) الوحي بضم أوّله وفتح الزاي مبنيًّا للمفعول. (قال:) أبو سعيد (فمسح) ﵊ (عنه الرحضاء) بضم الراء وفتح الحاء

стр. 1873

المهملة والضاد المعجمة والمد العرق الكثير (فقال: أين السائل؟ وكأنه) ﵊ (حمده) أي السائل فهموا أوّلاً من سكوته عند سؤاله إنكاره، ومن قوله ﵊ أين السائل حمده لما رأوا فيه من البشرى لأنه ﵊ كان إذا سرّ استنار وجهه (فقال:) ﵊: (إنه لا يأتي الخير بالشر) أي ما قدر الله أن يكون خيرًا يكون خيرًا وما قدّر أن يكون شرًّا يكون شرًّا، وإن الذي أخاف عليكم تضييعكم نعمة الله وصرفكم إياها في غير ما أمر الله فلا يتعلق ذلك بنفس النعمة (و) اضرب لكم مثلين: أحدهما مثل المفرط في جمع الدنيا هو (إن مما ينبت الربيع) بضم المثناة التحتية من الإنبات والربيع رفع فاعل وهو الجدول الذي يستسقى به ما (يقتل) قتلاً حبطًا (أو يلم) بضم أوله وكسر اللام أي يقرب من القتل؟ وسقط في البخاري هنا لفظه ما قبل يقتل وحبطًا بعدها فيقتل صفة لمفعول محذوف أي شيئًا أو نباتًا وحبطًا بفتح الحاء المهملة والموحدة نصب على التمييز وهو داء يصيب البعير من أحرار العشب أو من كلأ طيب يكثر منه فينتفخ فيهلك أو يقارب الهلاك، وكذلك الذي يكثر من جمع الدنيا لا سيما من غير حلها ويمنع ذا الحق حقه يهلك في الآخرة بدخوله النار وفي الدنيا بأذى الناس له وحسدهم إياه وغير ذلك من أنواع الأذى، وإسناد الإنبات للربيع مجاز على رأي الشيخ عبد القاهر الجرجاني إذ السند إليه ملابس للفعل وليس فاعلاً حقيقيًا له إذ الفاعل هو الله تعالى، والسكاكي يرى أن الإسناد ليس مجازيًا وأن المجاز في الربع فجعله استعارة بالكناية على أن المراد به الفاعل الحقيقي بقرينة نسبة الإسناد إليه (إلا) بالتشديد (آكلة الخضراء)، بفتح الخاء وسكون الضاد المعجمتين وألف ممدودة بعد الراء، وللكشميهني والمستملي: الخضر بكسر الضاد والراء من غير ألف، وآكلة بمد الهمزة والاستثناء مفرغ، والأصل مما ينبت الربع ما يقتل آكله إلا آكل الخضراء وقال الطيبي: الأظهر أنه منقطع لوقوعه في الكلام المثبت وهو غير جائز عند الزمخشري إلا بالتأويل، ويجوز أن يكون متصلاً لكن يجب التأويل في المستثنى، والمعنى أن من جملة ما ينبت الربيع شيئًا يقتل آكله إلا الخضر منه إذا اقتصد فيه آكله وتحرى دفع ما يؤديه إلى الهلاك. وفي بعض النسخ: ألا بتخفيف اللام وفتح الهمزة على أنها استفتاحية كأنه قال: ألا انظروا آكلة الخضراء واعتبروا شأنها (أكلت) وفي بعض النسخ: فإنها أكلت أي فإن آكلة الخضراء أكلت (حتى إذا امتدّت خاصرتاها) أي جنباها أي امتلأت شبعًا وعظم جنباها ثم أقلعت عنه سريعًا (استقبلت عين الشمس) تستمرئ بذلك ما أكلت وتجترّه (فثلطت) بفتح المثلثة واللام أي ألقت السرقين سهلاً رقيقًا (وبالت) فيزول عنها الحبط، وإنما تحبط الماشية لأنها تمتلئ بطونها ولا تثلط ولا تبول فتنتفخ بطونها فيعرض لها المرض فتهلك (ورتعت). اتسعت في المرعى. وهذا مثل المقتصد في جمع الدنيا المؤدّي حقها الناجي من وبالها كما نجت آكلة الخضر الذي ليس من أحرار البقول وجيدها التي ينبتها الربيع بتوالي أمطاره فتحسن وتنعم ولكنه من البقول التي ترعاها المواشي بعد هيج البقول ويبسها حيث لا تجد سواها فلا ترى الماشية تكثر من أكلها ولا تسمرئها وقيل الربيع قد ينبت أحرار العشب والكلأ فهي كلها خير في نفسها، وإنما يأتي الشر من قبل آكل مستلذ مفرط منهمك فيها بحيث تنتفخ أضلاعه منه وتمتلئ خاصرتاه ولا يقلع عنه فيهلكه سريعًا، فهذا مثل للكافر ومن ثم

стр. 1874

أكد القتل بالحبط أي يقتل قتلاً حبطًا، والكافر هو الذي تحبط أعماله أو من قبل آكل كذلك فيشرفه إلى الهلاك، وهذا مثال للمؤمن الظالم لنفسه المنهمك في المعاصي أو من آكل مسرف حتى تنتفخ خاصرتاه ولكنه يتوخى إزالة ذلك ويتحيل في دفع مضرته حتى يهضم ما أكل، وهذا مثال المقتصد أو من آكل غير مفرط ولا مسرف يأكل منها ما يسدّ جوعه ولا يسرف فيه حتى يحتاج إلى دفعه، وهذا مثال السابق الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة لكن هذا ليس صريحًا في الحديث لكنه ربما يفهم منه. (وإن هذا المال) زهرة الدنيا (خضرة) من حيث المنظر (حلوة)، من حيث الذوق وخضرة بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين آخره تاء تأنيث وأنث مع أن المال مذكر باعتبار أنه زهرة الدنيا أو باعتبار البقلة أي: إن هذا المال كالبقلة الخضرة أو الفاكهة فالتأنيث وقع على التشبيه أو أن التاء للمبالغة كراوية وعلامة، وخص الأخضر لأنه أحسن الألوان، ولما ذكر لهم ﷺ ما يخاف عليهم من فتنة المال أخذ يعرفهم دواء داء تلك الفتنة بقوله: (فنعم صاحب المسلم ما أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل- أو كما قال النبي ﷺ ¬) - شك من يحيى. وفي الجهاد من طريق فليح بلفظ: فجعله في سبيل الله واليتامى والمساكين وابن السبيل، (وإنه من يأخذه) أي المال (بغير حقه) بأن يجمعه من الحرام أو من غير احتياج إليه ولم يخرج منه حقه الواجب فيه فهو (كالذي يأكل ولا يشبع)، لأنه كلما نال منه شيئًا ازدادت رغبته واستقل ما عنده ونظر إلى ما فوقه (ويكون) ماله (شهيدًا عليه يوم القيامة) بأن ينطق الله الصامت منه بما فعل به أو يمثل مثاله أو يشهد عليه الموكلون بكتب الكسب والإنفاق. وفي هذا الحديث التحديث والعنعنة والسماع، وأخرجه المؤلّف أيضًا في الرقاق ومسلم في الزكاة وكذا النسائي. ٤٨ - باب الزَّكَاةِ عَلَى الزَّوْجِ وَالأَيْتَامِ فِي الْحَجْرِ. قَالَهُ أَبُو سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ - (باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر). بفتح الحاء وكسرها (قاله) أي ما ذكره في الترجمة (أبو سعيد) الخدري ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) كما سبق موصولاً في باب الزكاة على الأقارب. ١٤٦٦ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ حَدَّثَنِي شَقِيقٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄. قَالَ فَذَكَرْتُهُ لإِبْرَاهِيمَ فَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ بِمِثْلِهِ سَوَاءً قَالَتْ: "كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ. وَكَانَتْ زَيْنَبُ تُنْفِقُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَأَيْتَامٍ فِي حَجْرِهَا. فَقَالَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ: سَلْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْكَ وَعَلَى أَيْتَامِي فِي حَجْرِي مِنَ الصَّدَقَةِ؟ فَقَالَ: سَلِي أَنْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . فَانْطَلَقْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَوَجَدْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ عَلَى الْبَابِ حَاجَتُهَا مِثْلُ حَاجَتِي. فَمَرَّ عَلَيْنَا بِلَالٌ فَقُلْنَا: سَلِ النَّبِيَّ ﷺ أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَى زَوْجِي

стр. 1875

وَأَيْتَامٍ لِي فِي حَجْرِي. وَقُلْنَا: لَا تُخْبِرْ بِنَا. فَدَخَلَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: مَنْ هُمَا؟ قَالَ زَيْنَبُ: قَالَ: أَيُّ الزَّيَانِبِ؟ قَالَ: امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: نَعَمْ، ولَهَا أَجْرَانِ: أَجْرُ الْقَرَابَةِ وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ". وبالسند قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث بن طلق قال: (حدَّثنا الأعمش) سليمان بن مهران (قال: حدَّثني) بالإفراد (شقيق) أبو وائل (عن عمرو بن الحرث) بفتح العين وسكون الميم ابن أبي ضرار بكسر الضاد المعجمة الخزاعي له صحبة وهو أخو جويرية بنت الحرث أم المؤمنين (عن زينب) بنت معاوية أو بنت عبد الله بن معاوية بن عتاب الثقفية وتسمى أيضًا برايطة (امرأة عبد الله) بن مسعود (﵄، قال:) الأعمش: (فذكرته) أي الحديث (لإبراهيم) بن يزيد النخعي (فحدَّثني) بالإفراد (إبراهيم) النخعي (عن أبي عبيدة) بضم العين وفتح الموحدة عامر بن عبد الله بن مسعود (عن عمرو بن الحرث عن زينب امرأة عبد الله) بن مسعود (بمثله) أي بمثل هذا الحديث (سواء قالت: كنت في المسجد) النبوي (فرأيت النبي ﷺ فقال:) يا معشر النساء. (تصدقن ولو من حليكن). بضم الحاء وكسر اللام وتشديد المثناة التحتية جمعًا كذا في الفرع وأصله، ويجوز فتح الحاء وسكون اللام مفردًا (وكانت زينب تنفق على) زوجها (عبد الله) بن مسعود (وأيتام في حجرها). لم يعرف الحافظ ابن حجر اسمهم (فقالت:) ولغير أبي ذر، وابن عساكر. قال: فقالت: (لعبد الله) زوجها (سل رسول الله- ﷺ أيجزئ) بضم الياء وآخره همزة، وفي بعض الأصول وهو الذي في اليونينية: أيجزي بفتح الياء أي هل يكفي (عني أن أنفق عليك وعلى أيتامي) بياء الإضافة ولأبي ذر على أيتام (في حجري من الصدقة) الواجبة أو أعلم. (فقال) ابن مسعود (سلي أنت رسول الله ﷺ ¬). قالت زينب: (فانطلقت إلى النبي) ولأبي ذر: إلى رسول الله (¬ ﷺ فوجدت امرأة من الأنصار) هي زينب امرأة أبي مسعود يعني عقبة بن عمرو الأنصاري كما عند ابن الأثير في أسد الغابة، وفي رواية الطيالسي: فإذا امرأة من الأنصار يقال لها زينب (على الباب حاجتها مثل حاجتي فمرّ علينا بلال) المؤذن (فقلنا) له: (سل النبي ﷺ أبجزئ) بضم الياء أو فتحها (عني أن أنفق على زوجي وأيتام لي في حجري). بإفراد الضمير فيها، وكان الظاهر أن يقال عنا وننفق وكذا باقيها. وأجاب الكرماني: بأن المراد كل واحدة منا أو اكتفت في الحكاية بحال نفسها، لكن قال البرماوي فيه نظر، وفي رواية النسائي على أزواجنا وأيتام في حجورنا، وللطيالسي: أنهم بنو أخيها وبنو أختها، وللنسائي أيضًا من طريق علقمة لإحداهما فضل مال وفي حجرها بنو أخ لها أيتام وللأخرى فضل مال وزوج خفيف ذات اليد أي فقير. (وقلنا) أي السائلتان. وللحموي والمستملي والكشميهني: فقلنا بالفاء بدل الواو لبلال (لا تخبر بنا) بجزم الراء أي لا تعين اسمنا بل قل تسألك امرأتان (فدخل) بلال على رسول الله ﷺ (فسأله) عن ذلك (فقال) ﵊: (من هما؟) المرأتان (قال) بلال معينًا لإحداهما لوجوبه عليه بطلب الرسول ﵊ هي (زينب. قال:) ﵊ (أي الزيانب)؟ أيَ أيّ

стр. 1876

زينب منهن فعرف باللام مع كونه علمًا لما نكر حتى جمع (قال) بلال: زينب (امرأة عبد الله) بن مسعود ولم يذكر بلال في الجواب معها زينب امرأة أبي مسعود الأنصاري اكتفاء باسم من هي أكبر وأعظم. (قال:) ﵊، ولأبوي ذر، والوقت: فقال (نعم). يجزي عنها (ولها أجران: أجر القرابة) أي صلة الرحم (وأجر الصدقة) أي ثوابها. قال المازري: الأظهر حمله على الصدقة الواجبة لسؤالها عن الإجزاء، وهذا اللفظ إنما يستعمل في الواجبة انتهى. وعليه يدل تبويب البخاري لكن ما ذكره من أن الإجزاء إنما يستعمل في الواجب إن أراد قولاً واحدًا فليس كذلك لأن الأصوليين اختلفوا في المسألة، فذهب قوم إلى أن الإجزاء يعم الواجب والمندوب وخصه آخرون بالواجب ومنعوه في المندوب، واعتمده المازري ونصره القرافي والأصفهاني واستبعده الشيخ تقي الدين السبكي وقال: إن كلام الفقهاء يقتضي أن المندوب يوصف بالإجزاء كالفرض، وقد تعقب القاضي عياض المازري بأن قوله: ولو من حليكن، وقوله فيما ورد في بعض الروايات عند الطحاوي وغيره أنها كانت امرأة صنعاء اليدين فكانت تنفق عليه وعلى ولده يدلان على أنها صدقة تطوّع وبه جزم النووي وغيره. وتأوّلوا قوله: أتجزئ عني أي في الوقاية من النار كأنها خافت أن صدقتها على زوجها لا تحصل لها المراد. وقد سبق الحديث في باب الزكاة على الأقارب وفيه أنها شافهت النبي ﷺ بالسؤال وشافهها وهاهنا لم تقع مشافهة فقيل: تحمل الأولى على المجاز وإنما هي على لسان بلال: والظاهر أنهما قضيتان: إحداهما في سؤالها عن تصدّقها بحليها على زوجها وولده، والأخرى في سؤالها عن النفقة. وفي هذا الحديث التحديث والعنعنة والقول، ورواته كلهم كوفيون إلا عمرو بن الحرث، وفيه رواية صحاب عن صحابية وتابعي عن تابعي عن صحابيّ، وفي الطريق الثانية أربعة من التابعين وهم: الأعمش وشقيق وإبراهيم وأبو عبيدة، وأخرجه مسلم في الزكاة، والنسائي في عشرة النساء، وابن ماجة في الزكاة. ١٤٦٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: "قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلِيَ أَجْرٌ أَنْ أُنْفِقَ عَلَى بَنِي أَبِي سَلَمَةَ؟ إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ. فَقَالَ: أَنْفِقِي عَلَيْهِمْ، فَلَكِ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ". [الحديث ١٤٦٧ - طرفه في: ٥٣٦٩]. وبه قال: (حدّثنا عثمان بن أبي شيبة) هو عثمان بن محمد بن أبي شيبة بفتح المعجمة واسمه إبراهيم وعثمان أخو أبي بكر بن أبي شيبة قال: (حدّثنا عبدة) بفتح العين وسكون الموحدة ابن سليمان (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوّام (عن زينب) برة بفتح الموحدة وتشديد الراء (ابنة) ولأبي ذر: بنت (أم سلمة) بفتح السين واللام أم المؤمنين وهي بنت أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومية ربيبة رسول الله ﷺ ، ولدت بأرض الحبشة وحفظت عن

стр. 1877

النبي ﷺ وروت عنه وعن أزواجه. وذكرها العجلي في ثقات التابعين قال في الإصابة: كأنه كان يشترط للصحبة البلوغ، وذكرها ابن سعد فيمن لم يرو عن النبي ﷺ شيئًا وروى عن أزواجه (قالت:) أي زينب، ولأبي ذر: عن أم سلمة وهو الصواب كما لا يخفى، وأم سلمة هي أم المؤمنين هند قالت (قلت يا رسول الله ألي) بفتح الياء أي هل لي (أجر أن أنفق على بني أبي سلمة)؟ ابن عبد الأسد، وكان تزوّجها النبي ﷺ بعده ولها من أبي سلمة سلمة وعمر ومحمد وزينب ودرة (إنما هم بني) منه بفتح الموحدة وكسر النون وتشديد الياء وأصله بنون، فلما أضيف إلى ياء المتكلم سقطت نون الجمع فصار بنوي فاجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون فأدغمت الواو بعد قلبها ياء في الياء فصار بني بضم النون وتشديد الياء ثم أبدل من ضمة النون كسرة لأجل الياء فصار بني (فقال) ﵊: (أنفقي عليهم)، بفتح الهمزة وكسر الفاء (فلك أجر ما أنففت عليهم) بإضافة أجر لتاليه فما موصولة، وجوّز بعضهم التنوين فتكون ما ظرفية قال في فتح الباري: وليس في الحديث تصريح بأن الذي كانت تنفقه عليهم من الزكاة فكان القدر المشترك من الحديث حصول الإنفاق على الأيتام انتهى. وفي هذا الحديث التحديث والعنعنة والقول، ورواته ما بين كوفي ومدني، وفيه رواية تابعي عن تابعي هشام وأبوه وصحابية عن صحابية زينب وأمها. ٤٩ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: يُعْتِقُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ وَيُعْطِي فِي الْحَجِّ وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنِ اشْتَرَى أَبَاهُ مِنَ الزَّكَاةِ جَازَ، وَيُعْطِي فِي الْمُجَاهِدِينَ وَالَّذِي لَمْ يَحُجَّ ثُمَّ تَلَا ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] الآيَةَ، فِي أَيِّهَا أَعْطَيْتَ أَجْزَأَتْ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ خَالِدًا احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي لَاسٍ: "حَمَلَنَا النَّبِيُّ ﷺ عَلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ لِلْحَجِّ" (باب قول الله تعالى: ﴿وفي الرقاب والغارمين﴾) أي: وللصرف في فك الرقاب بأن يعاون المكاتب الذي ليس له ما يفي بالنجوم بشيء من الزكاة على أداء النجوم، وقيل بأن تباع الرقاب فتعتق، وبه قال مالك في المشهور، وإليه مال البخاري وابن المنذر واحتج له بأن شراء الرقيق ليعتق أولى من إعانة المكاتب لأنه قد يعان ولا يعتق ولأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم والزكاة لا تصرف للعبد، والأول مذهب الشافعي، والليث والكوفيين وأكثر أهل العلم. ورواه ابن وهب عن مالك وقال المرداوي من الحنابلة في مقنعه: وللمكاتب الأخذ أي من الزكاة قبل حلول نجم ويجزئ أن يشتري منها رقبة لا تعتق عليه فيعتقها ولا يجزئ عتق عبده ومكاتبه عنها، وهو موافق لما رواه

стр. 1878

ابن أبي حاتم وأبو عبيد في الأموال بسند صحيح عن الزهري أنه كتب لعمر بن عبد العزيز أن سهم الرقاب يجعل نصفين: نصف لكل مكاتب يدعي الإسلام ونصف يشتري به رقاب من صلّى وصام وعدل من اللام إلى في قوله: ﴿وفي الرقاب﴾ للدلالة على أن الاستحقاق للجهة لا للرقاب، وقيل للإيذان بأنهم أحق بها (﴿وفي سبيل الله﴾) [التوبة: ٦٠] أي وللصرف في الجهاد بالإنفاق على المتطوّعة به ولو كانوا أغنياء لقوله ﵊: "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة لغاز في سبيل الله" وخصه أبو حنيفة بالمحتاج، وعن أحمد الحج من سبيل الله. (ويذكر) بضم أوله وفتح ثالثه (عن ابن عباس ﵄) مما وصله أبو عبيد في كتاب الأموال عن مجاهد عنه: (يعتق) الرجل بضم التحتية وكسر الفوقية (من زكاة ماله) الرقبة (ويعطي) منها (في الحج) المفروض للفقير، وبه قال أحمد محتجًّا بقول ابن عباس هذا مع عدم ما يدفعه، ثم رجع عنه كما في رواية الميموني لاضطرابه لكونه اختلف في إسناده على الأعمش، ومن ثم لم يجزم به المؤلّف بل أورده بصيغة التمريض لكن جزم المرداوي بصحته في العتق والحج وعلى قوله الفتوى عند الحنابلة. (وقال الحسن): البصري (إن اشترى أباه من الزكاة جاز) هذا بمفرده وصله ابن أبي شيبة بلفظ: سئل الحسن عن رجل اشترى أباه من الزكاة فأعتقه، قال: اشترى خير الرقاب (ويعطي في المجاهدين) في سبيل الله (والذي لم يحج) إذا كان فقيرًا (ثم تلا) الحسن قوله تعالى: (﴿إنما الصدقات للفقراء﴾) [التوبة: ٦٠] ومفهوم تلاوته للآية أنه يرى أن اللام في للفقراء لبيان المصرف لا للتمليك فلو صرف الزكاة في صنف واحد كفى (وفي أيها) أي أيّ مصرف من المصارف الثمانية (أعطيت أجزأت) بسكون الهمزة وفتح التاء، ولأبي ذر: أجزأت بفتح الهمزة وسكون التاء، وفي بعض النسخ أجزت بغير همزة مع تسكين التاء أي قضت عنه، وفي بعضها أجرت بضم الهمزة وسكون الراء من الأجر. (وقال النبي ﷺ ¬): مما يأتي موصولاً في هذا الباب إن شاء الله تعالى: (إن خالدا احتبس أدراعه في سبيل الله) بفتح الراء وألف بعدها، ولأبي ذر: أدرعه بضمها من غير ألف (ويذكر) بصيغة التمريض (عن أبي لاس) بسين مهملة منوّنة بعد ألف مسبوقة بلام، ولأبي الوقت زيادة: الخزاعى. قال في فتح الباري؛ وتبعه العيني: اختلف في اسمه فقيل عبد الله، وقيل زياد بن عنمة بمهملة ونون مفتوحتين وكذا قال في الإصابة، وقال في المقدمة يقال اسمه عبد الله بن عنمة ولا يصح، وقال في تقريب التهذيب والصواب أنه غيره انتهى. ولأبي لاس هذا صحبة وحديثان. هذا أحدهما وقد وصله ابن خزيمة والحاكم (حملنا النبي ﷺ على إبل الصدقة للحج) ولفظ أحمد على إبل من إبل الصدقة ضعاف للحج فقلنا يا رسول الله ما نرى أن تحمل هذه فقال: "إنما يحمل الله" الحديث ورجاله ثقات إلا أن فيه عنعنة ابن إسحاق ولهذا توقف ابن المنذر في ثبوته، وأورده المؤلّف بصيغة التمريض.

стр. 1879

١٤٦٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالصَّدَقَةِ، فَقِيلَ: مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَعَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهْيَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ وَمِثْلُهَا مَعَهَا". تَابَعَهُ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ "هِيَ عَلَيْهِ وَمِثْلُهَا مَعَهَا". وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: حُدِّثْتُ عَنِ الأَعْرَجِ بِمِثْلِهِ. وبالسند قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (قال: حدَّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁ قال: أمر رسول الله ﷺ بالصدقة)، الواجبة أو صدقة التطوّع، ورجحه بعضهم تحسينًا للظن بالصحابة إذ لا يظن بهم منع الواجب، وعلى هذا فعذر خالد واضح لأنه أخرج ماله في سبيل الله فما بقي له مال يحتمل المواساة، وتعقب بأنهم ما منعوه جحدًا ولا عنادًا، أما ابن جميل فقد قيل إنه كان منافقًا ثم تاب بعد كما حكاه المهلب. قيل وفيه نزلت ﴿وما نقموا﴾ الآية إلى قوله: ﴿فإن يتوبوا يك خيرًا لهم﴾ [التوبة: ٧٤] فقال استتابني الله، فتاب وصلح حاله والمشهور نزولها في غيره، وأما خالد فكان متأوّلاً بإجزاء ما حبسه عن الزكاة فالظاهر أنها الصدقة الواجبة لتعريف الصدقة باللام العهدية. وقال النووي: إنه الصحيح المشهور ويؤيده ما في رواية مسلم من طريق ورقاء عن أبي الزناد بعث رسول الله ﷺ عمر ساعيًا على الصدقة فهو مشعر بأنها صدقة الفرض لأن صدقة التطوّع لا تبعث عليها السعاة. ولأبي ذر: بصدقة (فقيل): القائل عمر ﵁ لأنه المرسل (منع ابن جميل) بفتح الجيم وكسر الميم. قال ابن منده: لم يعرف اسمه ومنهم من سماه حميدًا، وقيل عبد الله. وذكره الذهبي فيمن عرف بأبيه ولم يسم (وخالد بن الوليد وعباس بن عبد المطلب) بالرفع في عباس عطفًا على وخالد المعطوف على ابن جميل المرفوع على الفاعلية. زاد في رواية أبي عبيد: أن يعطوا وهو مقدّر هنا لأن منع يستدعي مفعولاً. وقوله: أن يعطوا في محل نصب على المفعولية وكلمة أن مصدرية أي منع هؤلاء الإعطاء، (فقال النبي ﷺ ¬) بيان لوجه الامتناع ومن ثم عبر بالفاء: (ما ينقم ابن جميل) بكسر القاف مضارع نقم بالفتح أي ما يكره وينكر (إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله ورسوله)، من فضله بما أفاء الله على رسوله وأباح لأمته من الغنائم ببركته ﵊ والاستثناء مفرغ، فمحل أن وصلتها نصب على المفعول به أو على أنه مفعول لأجله والمفعول به حينئذٍ محذوف. ومعنى الحديث كما قاله غير واحد أنه ليس ثم شيء ينقم ابن جميل فلا، موجب للمنع، وهذا مما تقصد العرب في مثله تأكيد النفي والمبالغة فيه بإثبات شيء وذلك الشيء لا يقتضي

стр. 1880

إثباته فهو منتف أبدًا، ويسمى مثل ذلك عند البيانيين تأكيد المدح بما يشبه الذم وبالعكس، فمن الأوّل نحو قول الشاعر: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم … بهنّ فلول من قراع الكتائب ومن الثاني هذا الحديث وشبهه أي: ما ينبغي لابن جميل أن ينقم شيئًْا إلا هذا وهذا لا يوجب له أن ينقم شيئًا فليس ثم شيء ينقمه، فينبغي أن يعطي مما أعطاه الله ولا يكفر بأنعمه. (وأما خالد فإنكم تظلمون خالدًا)، عبر بالظاهر دون أن يقول تظلمونه بالضمير على الأصل تفخيمًا لشأنه وتعظيمًا لأمره نحو: ﴿وما أدراك ما الحاقة﴾ [الحاقة: ٣] والمعنى تظلمونه بطلبكم منه زكاة ما عنده فإنه (قد احتبس) أي وقف قبل الحول (أدراعه) جمع درع بكسر الدال وهو الزردية (وأعتده) التي كانت للتجارة على المجاهدين (في سبيل الله)، فلا زكاة عليه فيها، وتاء أعتده مضمومة جمع عتد بفتحتين ما يعدّه الرجل من السلاح والدواب وآلات الحرب، ولأبي ذر: وأعتده بكسرها. قيل، ورواه بعض رواة البخاري: وأعبده بالموحدة جمع عبد حكاه عياض وهو موافق لرواية واحتبس رقيقه، ويحتمل أنه ﵊ لم يقبل قول من أخبره بمنع خالد حملاً على أنه لم يصرّح بالمنع وإنما نقله عنه بناء على ما فهمه، ويكون قوله ﵊: تظلمون خالدًا أي بنسبتكم إياه إلى المنع وهو لم يمنع وكيف يمنع الفرض وقد تطوّع بوقف خيله وسلاحه، أو يكون ﵊ احتسب له ما فعله من ذلك من الزكاة لأنه في سبيل الله وذلك من مصار الزكاة لكن يلزم منه إعطاء الزكاة لصنف واحد وهو قول مالك وغيره خلافًا للشافعي في وجوب قسمتها على الأصناف الثمانية. وقد سبق استدلال البخاري به على إخراج العروض في الزكاة، واستشكله ابن دقيق العيد: بأنه إذا حبس على جهة معينة تعين صرفه إليها واستحقه أهل تلك الصفة مضافًا إلى جهة الحبس فإن كان قد طلب من خالد زكاة ما حبسه فكيف يمكن ذلك مع تعين ما حبسه لصرفه؟ وإن كان طلب منه زكاة المال الذي لم يحبسه من العين والحرث والماشية فكيف يحاسب بما وجب عليه في ذلك وقد تعين صرف ذلك المحبس إلى جهته؛ ثم انفصل عن ذلك باحتمال أن يكون المراد بالتحبيس الإرصاد لذلك لا الوقف فيزول الإشكال، لكن هذا الإشكال إنما يتأتى على القول بأن المراد بالصدقة المفروضة، أما على القول بأن المراد التطوّع فلا إشكال كما لا يخفى. (وأما العباس بن عبد المطلب فعمّ رسول الله ﷺ ¬) وللحموي والكشميهني: عم بغير فاء وفي وصفه بأنه عمه تنبيه على تفخيمه واستحقاق إكرامه، ودخول اللام على عباس مع كونه علمًا للمح الصفة (فهي) أي الصدقة المطلوبة منه (عليه صدقة) ثابتة سيتصدق بها (ومثلها معها) أي ويضيف إليها مثلها كرمًا منه فيكون النبي ﷺ ألزمه بتضعيف صدقته ليكون ذلك أرفع لقدره وأنبه لذكره وأنفى للذب عنه، أو المعنى أن أمواله كالصدقة عليه لأنه استدان في مفاداة نفسه وعقيل فصار من

стр. 1881

الغارمين الذين لا تلزمهم الزكاة. وهذا التأويل على تقدير ثبوت لفظة صدقة، واستبعدها البيهقي لأن العباس من بني هاشم فتحرم عليهم الصدقة. أي: وظاهر هذا الحديث أنها صدقة عليه ومثلها معها فكأنه أخذها منه وأعطاها له، وحمل غيره على أن ذلك كان قبل تحريم الصدقة على آله ﵊. وفي رواية مسلم من طريق ورقاء: وأما العباس فهي عليّ ومثلها ثم قال: يا عمر أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه؟ فلم يقل فيه صدقة بل فيه دلالة على أنه ﷺ التزم بإخراج ذلك عنه لقوله: فهي عليّ ويرجحه قوله: إن عم الرجل صنو أبيه أي مثله ففي هذه اللفظة إشعار بما ذكرنا فإن كون صنو الأب يناسب أن يحمل عنه أي هي عليّ إحسانًا إليه وبرًّا به هي عندي فرض لأني استلفت منه صدقة عامين. وقد ورد ذلك صريحًا في حديث عليّ عند الترمذي لكن في إسناده مقال، وفي حديث ابن عباس عند الدارقطني بإسناد فيه ضعف: بعث النبي- ﷺ -عمر ساعيًا فأتى العباس فأغلظ له فأخبر النبي ﷺ فقال: إن العباس قد استلفنا زكاة ماله العام والعام المقبل. وعن الحكم بن عقبة (تابعه) أي تابع شعيبًا (ابن أبي الزناد) عبد الرحمن (عن أبيه) أبي الزناد عبد الله بن ذكوان على ثبوت لفظ الصدقة وهذا وصله أحمد وغيره وذلك يرد على الخطابي حيث قال: إن لفظ الصدقة لم يتابع عليها شعيب بن أبي حمزة كما ترى، وكذا تابعه موسى بن عقبة فيما رواه النسائي. (وقال ابن إسحاق): محمد إمام المغازي فيما وصله الدارقطني (عن أدب الزناد) عبد الله بن ذكوان (هي عليه ومثلها معها) من غير ذكر الصدقة. (وقال ابن جريج): عبد الملك (حدثت) بضم الحاء مبنيًا للمفعول (عن الأعرج) عبد الرحمن (بمثله) ولأبي ذر، وابن عساكر: مثله رواية ابن إسحاق بدون لفظ الصدقة وهي أولى لأن العباس لا تحل له الصدقة كما مرّ، ورواية ابن جريج هذه وصلها عبد الرزاق في مصنفه لكنه خالف الناس في ابن جميل فجعل مكانه أبا جهم بن حذيفة. ٥٠ - باب الاِسْتِعْفَافِ عَنِ الْمَسْأَلَةِ (باب الاستعفاف عن المسألة) في غير المصالح الدينية. ١٤٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ "أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ: مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ". [الحديث ١٤٦٩ - طرفه في: ٦٤٧٠].

стр. 1882

وبالسند قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن ابن شهاب) الزهري (عن عطاء بن يزيد الليثي) بالمثلثة ويزيد من الزيادة (عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن ناسًا من الأنصار). قال الحافظ ابن حجر: لم أعرف اسمهم لكن في حديث النسائي ما يدل على أن أبا سعيد المذكور منهم (سألوا رسول الله ﷺ فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم) زاد أبو ذر: ثم سألوه فأعطاهم (حتى نفد) بكسر الفاء وبالدال المهملة أي فرغ وفني (ما عنده فقال): (ما يكون عندي من خير) ما موصولة متضمنة معنى الشرط وجوابه (فلن أدخره عنكم) بتشديد الدال المهملة أي لن أجعله ذخيرة لغيركم أو لن أحبسه وأخبأه وأمنعكم إياه (ومن يستعفف) بفاءين، وللحموي والمستملي: ومن يستعف بفاء واحدة مشددة أي ومن طلب العفة عن السؤال (يعفه الله) بنصب الفاء أي يرزقه الله العفة أي الكف عن الحرام، ولأبي ذر: يعفه الله برفع الفاء (ومن يستغن) يظهر الغنى (يغنه الله ومن يتصبر) يعالج الصبر ويتكلفه على ضيق العيش وغيره من مكاره الدنيا. قال في شرح المشكاة قوله يعفه الله يريد أن من طلب من نفسه العفة عن السؤال ولم يظهر الاستغناء يعفه الله أي يصيره عفيفًا ومن ترقى من هذه المرتبة إلى ما هو أعلى من إظهار الاستغناء عن الخلق لكن إن أعطي شيئًا لم يردّه يملأ الله قلبه غنى ومن فاز بالقدح المعلى وتصبر وإن أعطي لم يقبل فهو هو إذ الصبر جامع لمكارم الأخلاق. (يصبره الله) يرزقه الله الصبر (وما أُعطيَ أحد) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول وأحد رفع نائب عن الفاعل (عطاء) نصب مفعول ثان لأعطي (خيرًا) صفة عطاء (وأوسع) عطف على خيرًا (من الصبر) لأنه جامع لكارم الأخلاق أعطاهم ﷺ لحاجتهم ثم نبههم على موضع الفضيلة. ١٤٧٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلاً فَيَسْأَلَهُ، أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ». [الحديث ١٤٧٠ - أطرافه في: ١٤٨٠، ٢٠٧٤، ٢٣٧٤]. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال): (و) الله (الذي نفسي بيده) إنما حلف لتقوية الأمر وتأكيده (لأن يأخذ) بلام التأكيد (أحدكم حبله) وفي رواية أحبله بالجمع (فيحتطب) بتاء الافتعال. وفي مسلم فيحطب بغير تاء أي فإن يحتطب أي يجمع الحطب (على ظهره) فهو (خير له) وليست خير هنا من أفعل التفضيل بل هي كقوله تعالى: ﴿أصحاب الجنة يومئذٍ خير مستقرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤] (من أن يأتي رجلاً) أعطاه الله من فضله

стр. 1883

(فيسأله، أعطاه) فحمله ثقل المنة مع ذل السؤال (أو منعه) فاكتسب الذل والخيبة والحرمان أعاذنا الله من كل سوء. ١٤٧١ - حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ». [الحديث ١٤٧١ - طرفاه في: ٢٠٧٥، ٣٣٧٣]. وبه قال: (حدّثنا موسى) بن إسماعيل التبوذكي قال: (حدّثنا وهيب) بضم الواو وفتح الهاء ابن خالد قال: (حدّثنا هشام عن أبيه) عروة (عن الزبير) أبيه (ابن العوّام ﵁ عن النبي ﷺ قال): (لأن يأخذ أحدكم حبله) بالإفراد أيضًا واللام في لأن ابتدائية أو جواب قسم محذوف (فيأتي بحزمة الحطب) بالتعريف وحزمة بضم المهملة وسكون الزاي، ولأبي ذر: بحزمة حطب (على ظهره فيبيعها فيكفّ) بنصب الفعلين (الله) أي فيمنع الله (بها وجهه)، من أن يريق ماءه بالسؤال قاله المظهري، ومن فوائد الاكتساب الاستغناء والتصديق كما في مسلم فيتصدق به ويستغني عن الناس فهو (خير له من أن يسأل الناس) أي من سؤال الناس ولو كان الاكتساب بعمل شاق كالاحتطاب، وقد روي عن عمر فيما ذكره ابن عبد البر مكسبة فيها بعض الدناءة خير من مسألة الناس (أعطوه) ما سأل (أو منعوه). وفي الحديث فضيلة الاكتساب بعمل اليد وقد ذكر بعضهم أنه أفضل المكاسب. وقال الماوردي: أصول المكاسب الزراعة والتجارة والصناعة. قال: ومذهب الشافعي أن التجارة أطيب والأشبه عندي أن الزراعة أطيب لأنها أقرب إلى التوكل. قال النووي في شرح المهذّب في صحيح البخاري، عن المقدام بن معد يكرب عن النبي ﷺ قال: "ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده" الحديث. فالصواب ما نص عليه الرسول ﷺ وهو عمل اليد، فإن كان زراعًا فهو أطيب المكاسب وأفضلها لأنه عمل يده ولأن فيه توكلاً كما ذكره الماوردي ولأن فيه نفعًا عامًّا للمسلمين والدواب، ولأنه لا بد في العادة أن يؤكل منه بغير عوض فيحصل له أجره وإن لم يكن ممن يعمل بيده بل يعمل له غلمانه وأجزاؤه فاكتسابه بالزراعة أفضل لما ذكرنا. وقال في الروضة، بعد حديث المقدام هذا: فهذا صريح في ترجيح الزراعة والصنعة لكونهما من عمل يده، ولكن الزراعة أفضلهما لعموم النفع بها للآدمي وغيره وعموم الحاجة إليها والله أعلم. وغاية ما في هذا الحديث تفضيل الاحتطاب على السؤال وليس فيه أنه أفضل المكاسب فلعله ذكره لتيسره لا سيما في بلاد الحجاز لكثرة ذلك فيها.

стр. 1884

١٤٧٢ - وَحَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ ﵁ قَالَ: "سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي ثُمَّ قَالَ: يَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ. الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى. قَالَ حَكِيمٌ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا. فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ يَدْعُو حَكِيمًا إِلَى الْعَطَاءِ فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُ. ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ ﵁ دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي أُشْهِدُكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى حَكِيمٍ أَنِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ مِنْ هَذَا الْفَىْءِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ، فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تُوُفِّيَ". [الحديث ١٤٧٢ - أطرافه في: ٢٧٥٠، ٣١٤٣، ٦٤٤١]. وبه قال: (حدّثنا عبدان) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا يونس) بن يزيد الأيلي (عن) ابن شهاب (الزهري عن عروة بن الزبير) بن العوام (وسعيد بن المسيب أن حكيم بن حزام) بفتح الحاء المهملة في الأول وكسرها في الثاني وتخفيف الزاي المعجمة (﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم سألته فأعطاني) بتكرير الإعطاء ثلاثًا (ثم قال): (يا حكيم، إن هذا المال) في الرغبة والميل إليه وحرص النفوس عليه كالفاكهة التي هي (خضرة) في النظر (حلوة)، في الذوق وكل منهما يرغب فيه على انفراده فكيف إذا اجتمعا. وقال في التنقيح: تأنيث الخبر تنبيه على أن المبتدأ مؤنث، والتقدير: أن صورة هذا المال أو يكون التأنيث للمعنى لأنه اسم جامع لأشياء كثيرة، والمراد بالخضرة الروضة الخضراء أو الشجرة الناعمة والحلوة المستحلاة الطعم. قال في المصابيح: إذا كان قوله خضرة صفة للروضة أو المراد بها نفس الروضة الخضرة لم يكن ثم إشكال البتة، وذلك أن توافق المبتدأ والخبر في التأنيث إنما يجب إذا كان الخبر صفة مشتقة غير سببية نحو هند حسنة أو في حكمها كالمنسوب أما في الجوامد فيجوز نحو هذه الدار مكان طيب وزيد نسمة عجيبة انتهى. (فمن أخذه) أي المال وللحموي: فمن أخذ (بسخاوة نفس) من غير حرص عليه أو بسخاوة نفس المعطي (بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس) أي مكتسبًا له بطلب النفس وحرصها عليه وتطلعها إليه (لم يبارك له) أي الآخذ (فيه) أي في المعطى (وكان) أي الآخذ (كالذي يأكل ولا يشبع) أي كذي الجوع الكاذب بسبب سقم من غلبة خلط سوداوي أو آفة، ويسمى جوع الكلب كلما ازداد أكلاً ازداد جوعًا فلا يجد شبعًا ولا ينجع فيه الطعام. وقال في شرح المشكاة: لما وصف المال بما تميل إليه النفس الإنسانية بجبلتها رتب عليه بالفاء أمرين: أحدهما: تركه مع ما هي مجبولة عليه من الحرص والشره والميل إلى الشهوات وإليه أشار

стр. 1885

بقوله: ومن أخذه بإشراف نفس. وثانيهما: كفها عن الرغبة فيه إلى ما عند الله من الثواب، وإليه أشار بقوله: بسخاوة نفس، فكنى في الحديث بالسخاوة عن كف النفس عن الحرص والشره كما كنى في الآية بتوقي النفس من الشح والحرص المجبولة عليه من السخاء لأن من توقى من الشح يكون سخيًا مفلحًا في الدارين ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ [التغابن: ١٦] وسقط من اليونينية كما نبه عليه بحاشية فرعها لفظة: وكان. فإما أن يكون سهوًا أو الرواية كذلك (اليد العليا) المنفقة (خير من اليد السفلى) السائلة (فقال حكيم: فقلت يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا أرزأ) بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الزاي وضم الهمزة أي لا أنقص (أحدًا بعدك) أي بعد سؤالك أو لا أرزأ غيرك (شيئًا) من ماله أي لا آخذ من أحد شيئًا بعدك. وفي رواية إسحاق قلت فوالله لا تكون يدي بعدك تحت أيدي العرب (حتى أفارق الدنيا فكان أبو بكر) الصديق (﵁ يدعو حكيمًا إلى العطاء فيأبى) أي يمتنع (أن يقبله منه) خوف الاعتياد فتتجاوز به نفسه إلى ما يريد ففطمها عن ذلك وترك ما يريبه إلى ما لا يريبه (ثم إن عمر) بن الخطاب (﵁ دعاه ليعطيه فأبى) أي امتنع (أن يقبل منه شيئًا، فقال عمر) لمن حضره مبالغة في براءة سيرته العادلة من الحيف والتخصيص والحرمان بغير مستند: (إني أشهدكم يا معشر المسلمين على حكيم أني أعرض عليه حقه من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه) فيه أنه لا يستحق من بيت المال شيئًا إلا بإعطاء الإمام، ولا يجبر احد على الأخذ وإنما أشهد عمر على حكيم لما مرّ (فلم يرزأ حكيم أحدًا من الناس بعد رسول الله ﷺ حتى توفي) لعشر سنين من إمارة معاوية مبالغة في الاحتراز إذ مقتضى الجبلة الإشراف والحرص والنفس سراقة ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه. قال النووي: اتفق العلماء على النهي عن السؤال من غير ضرورة واختلف أصحابنا في مسألة القادر على الكسب على وجهين: أصحهما أنها حرام لظاهر الأحاديث، والثاني حلال مع الكراهة بثلاثة شروط أن لا يذل نفسه ولا يلح في السؤال ولا يؤذي المسؤول فإن فقد واحد من هذه الشروط فحرام بالاتفاق انتهى. وقد مثل القاضي أبو بكر بن العربي للواجب بالمريدين في ابتداء أمرهم ونازعه العراقي بأنه لا يطلق على سؤال المريدين في ابتدائهم اسم الوجوب، وإنما جرت عادة الشيوخ في تهذيب أخلاق المبتدئين بفعل ذلك لكسر أنفسهم إذا كان في ذلك إصلاحهم، فأما الوجوب الشرعي فلا. وفي حديث ابن الفراسي مما رواه أبو داود والنسائي أنه قال: يا رسول الله أسأل؟ فقال: لا وإن كنت سائلاً لا بدّ فاسأل الصالحين أي من أرباب الأموال الذين لا يمنعون ما عليهم من الحق وقد لا يعلمون المستحق من غيره، فإذا عرفوا بالسؤال المحتاج أعطوه مما عليهم من حقوق الله أو المراد من يتبرك بدعائهم وترجى إجابتهم، وحيث جاز السؤال فيجتنب فيه الإلحاح والسؤال بوجه الله لحديث المعجم الكبير عن أبي موسى بإسناد حسن عنه ﷺ أنه قال: "ملعون من سأل بوجه الله وملعون من سئل بوجه الله" فمنع سائله ما لم يسأل هجرًا.

стр. 1886

وفي حديث الباب التحديث والإخبار والعنعنة وثلاثة من التابعين، وأخرجه المؤلّف أيضًا في الوصايا وفي الخمس والرقاق، ومسلم في الزكاة، والترمذي في الزهد، والنسائي في الزكاة. ٥١ - باب مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَلَا إِشْرَافِ نَفْسٍ ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] (باب من أعطاه الله شيئًا من غير مسألة ولا إشراف نفس) فليقبله (﴿وفي أموالهم﴾) أي المتقين المذكورين قبل هذه الآية (﴿حق للسائل والمحروم﴾) [الذاريات: ١٩] المتعفف الذي لا يسأل. رواه الطبري من طريق ابن شهاب، وفي رواية المستملي تقديم الآية وسقطت للأكثر كذا قاله في الفتح، والذي في الفرع وأصله باب: من أعطاه الله شيئًا من غير مسألة ولا إشراف نفس وفي هامشها لأبي ذر عن المستملي باب بالتنوين: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾. ١٤٧٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْطِينِي الْعَطَاءَ فَأَقُولُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي، فَقَالَ: خِذْهُ، إِذَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ شَىْءٌ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ، فَخُذْهُ، وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ". [الحديث ١٤٧٣ - طرفاه في: ٧١٦٣، ٧١٦٤]. وبالسند قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة وفتح الكاف قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن) ابن شهاب (الزهري عن سالم أن) أباه (عبد الله بن عمر ﵄ قال سمعت) أبي (عمر) بن الخطاب ﵁ (يقول: كان رسول الله ﷺ يعطيني العطاء) أي بسبب العمالة كما في مسلم لا من الصدقات فليست من جهة الفقر (فأقول: أعطه من هو أفقر إليه مني) عبر بأفقر ليفيد نكتة حسنة وهى كون الفقير هو الذي يملك شيئًا ما لأنه إنما يتحقق فقير وأفقر إذا كان الفقير له شيء يقل ويكثر، أما لو كان الفقير هو الذي لا شيء له البتة كان الفقراء كلهم سواء ليس فيهم أفقر قاله صاحب المصابيح (فقال) ﵊: (خذه) أي بالشرط المذكور بعد، وزاد في رواية شعيب عن الزهري في الأحكام: فتموّله وتصدق به أي أقبله وأدخله في ملكك ومالك، وهو يدل على أنه ليس من أموال الصدقات لأن الفقير لا ينبغي أن يأخذ من الصدقات ما يتخذه مالاً (إذا جاءك من هذا المال شيء) أي من جنس المال (وأنت غير مشرف) بسكون الشين المعجمة بعد الميم المضمومة، والجملة حالية أي غير طامع، والإشراف أن يقول مع نفسه يبعث إلي فلان بكذا (ولا سائل)، أي ولا طالب له وجواب الشرط في قوله إذا جاءك قوله (فخذه) وأطلق الأخذ أولاً وعلقه ثانيًا بالشرط فحمل المطلق على المقيد وهو مقيد أيضًا بكونه حلالاً، فلو شك فيه فالاحتياط الرد وهو الورع. نعم يجوز أخذه عملاً بالأصل وقد

стр. 1887

رهن الشارع ﵊ درعه عند يهودي مع علمه بقوله تعالى في اليهود: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢] وكذلك أخذ منهم الجزية مع العلم بأن أكثر أموالهم من ثمن الخنزير والخمر والمعاملة الفاسدة. وقيل: يجب أن يقبل من السلطان دون غيره لحديث سمرة المروي في السنن: إلا أن يسأل ذا سلطان (وما لا) يكون على هذه الصفة بأن لم يجيء إليك ومالت نفسك إليه (فلا تتبعه نفسك) في الطلب واتركه. وأخرجه المؤلّف أيضًا ومسلم في الزكاة وكذا النسائي. ٥٢ - باب مَنْ سَأَلَ النَّاسَ تَكَثُّرًا (باب من سأل الناس تكثرًا) نصب على المصدر أي سؤال تكثر أي مستكثر المال بسؤاله لا يريد به سدّ الخلة قاله في التنقيح، أو نصب على الحال إما بأن يجعل المصدر نفسه حالاً على جهة المبالغة نحو: زيد عدل أو بأن يقدر مضاف أي ذا تكثر، ويجوز أن يكون منصوبًا على المصدر التأكيدي لا النوعي أي يتكثر تكثرًا، والجملة الفعلية حال أيضًا قاله في المصابيح، وجواب الشرط محذوف أي من سأل لأجل التكثر فهو مذموم. ١٤٧٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ سَمِعْتُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ». وبالسند قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عبيد الله بن أبي جعفر) بضم العين وفتح الموحدة مصغرًا واسم أبي جعفر يسار (قال: سمعت حمزة بن عبد الله بن عمر) بالحاء المهملة والزاي وعمر بضم العين وفتح الميم (قال: سمعت) أبي (عبد الله بن عمر) بن الخطاب (﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ¬): (ما يزال الرجل يسأل الناس) أي تكثرًا وهو غني. (حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم) بل كله عظم ومزعة بضم الميم وسكون الزاي وفتح العين المهملة. وزاد في القاموس كسر الميم. وحكى ابن التين فتح الميم والزاي القطعة من اللحم أو النتفة منه وخص الوجه لمشاكلة العقوبة في موضع الجناية من الأعضاء لكونه أذل وجهه بالسؤال أو أنه يأتي ساقط القدر والجاه، وقد يؤيده حديث مسعود بن عمرو عند الطبراني والبزار مرفوعًا: لا يزال العبد يسأل وهو غني حتى يخلق وجهه فلا يكون له عند الله وجه. وقال التوربشتي قد عرفنا الله تعالى أن الصور في الدار الآخرة تختلف باختلاف المعاني قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] فالذي يبذل وجهه لغير الله في الدنيا من غير بأس وضرورة بل للتوسع والتكثر يصيبه شين في وجهه بإذهاب اللحم عنه ليظهر للناس عنه صورة المعنى الذي خفي عليهم منه انتهى.

стр. 1888

ولفظ الناس يعم المسلم وغيره فيؤخذ منه جواز سؤال غير المسلم، وكان بعض الصالحين إذا احتاج يسأل ذميًا لئلا يعاقب المسلم بسببه لو رده قاله ابن أبي جمرة. وظاهر قوله: ما يزال الرجل يسأل إلى آخره الوعيد لمن سأل سؤالاً كثيرًا، والمؤلف فهم أنه وعيد لمن سأل تكثرًا، والفرق بينهما ظاهر فقد يسأل الرجل دائمًا وليس متكثرًا لدوام افتقاره واحتياجه، لكن القواعد تبين أن المتوعد هو السائل عن غنى وكثرة لأن سؤال الحاجة مباح وربما ارتفع عن هذه الدرجة، وعلى هذا أنزل البخاري الحديث قاله في المصابيح وسبقه إليه ابن المنير في الحاشية. ١٤٧٥ - وَقَالَ "إِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَبْلُغَ الْعَرَقُ نِصْفَ الأُذُنِ. فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ، ثُمَّ بِمُوسَى، ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ". وَزَادَ عَبْدُ اللَّهِ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ «فَيَشْفَعُ لِيُقْضَى بَيْنَ الْخَلْقِ، فَيَمْشِي حَتَّى يَأْخُذَ بِحَلْقَةِ الْبَابِ. فَيَوْمَئِذٍ يَبْعَثُهُ اللَّهُ مَقَامًا مَحْمُودًا يَحْمَدُهُ أَهْلُ الْجَمْعِ كُلُّهُمْ». وَقَالَ مُعَلًّى حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنْ حَمْزَةَ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَسْأَلَةِ. [الحديث ١٤٧٥ - طرفه في: ٤٧١٨]. (وقال) ﵊ (إن الشمس تدنو) أي تقرب (يوم القيامة) فيسخن الناس من دنوها فيعرقون (حتى يبلغ العرق نصف الأذن). فإن قلت: ما وجه اتصال قوله إن الشمس الخ بما سبق؟ أجيب: بأن الشمس إذا دنت يكون أذاها لمن لا لحم له في وجهه أكثر وأشد من غيره. (فبينا هم كذلك) أصله بين فزيدت الألف بإشباع فتحة النون وهو ظرف بمعنى المفاجأة ويحتاج إلى جواب يتم به المعنى وهو هنا قوله: (استغاثوا بآدم ثم) استغاثوا (بموسى، ثم) استغاثوا (بمحمد ﷺ ¬). فيه اختصار إذ يستغاث أيضًا بغير من ذكر من الأنبياء كما لا يخفى. (وزاد عبد الله) بن صالح كاتب الليث، أو عبد الله بن وهب فيما ذكره ابن شاهين فيما وصله البزار والطبراني في الأوسط وابن منده في الإيمان له: (حدّثني) بالإفراد (الليث) ابن سعد (قال: حدّثني) بالإفراد أيضًا (ابن أبي جعفر) عبيد الله بتصغير عبد (فيشفع ليقضى بين الخلق فيمشي حتى يأخذ بحلقة الباب) بسكون لام حلقة والمراد حلقة باب الجنة، (فيومئذ يبعثه الله مقامًا محمودًا) هو مقام الشفاعة العظمى (يحمده أهل الجمع) أي أهل المحشر (كلهم). وحديث الباب أخرجه مسلم والنسائي. (وقال معلى) بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد اللام منوّنًا عند أبي ذر بن أسد مما وصله البيهقي: (حدّثنا وهيب) تصغير وهب (عن النعمان بن راشد عن عبد الله بن مسلم أخي) محمد بن

стр. 1889

مسلم بن شهاب (الزهري عن حمزة) بن عبد الله بن عمر أنه (سمع ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ في المسألة) أي في الجزء الأول من الحديث دون الزيادة وآخره: مزعة لحم. ٥٣ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] وَكَمِ الْغِنَى، وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «وَلَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ» ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ -إِلَى قَوُلِهِ- ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٧٣]. (باب قول الله تعالى: ﴿لا يسألون الناس إلحافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] أي إلحاحًا وهو أن يلازم المسؤول حتى يعطيه من قولهم لحفني من فضل لحافه أي أعطاني من فضل ما عنده، ومعناه أنهم لا يسألون وإن سألوا عن ضرورة لم يلحوا، وقيل: هو نفي للسؤال والإلحاح كقوله: على لاحب لا يهتدى بمناره فمراده لا منار ولا اهتداء به ولا ريب أن نفي السؤال والإلحاح أدخل في التعفف (وكم الغنى)، أي مقداره المانع للرجل من السؤال، وليس في الباب ما فيه تصريح بالقدر إما لكونه لم يجد ما هو على شرطه أو اكتفاء بما يستفاد من قوله في الحديث الآتي إن شاء الله تعالى، ولا يجد أي الرجل غنى يغنيه. وعن سهل ابن الحنظلية مرفوعًا: من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار. قال النفيلي أحد رواته، قالوا: وما الغنى الذي لا ينبغي معه المسألة؟ قال: قدر ما يغديه ويعشيه رواه أبو داود وعند ابن خزيمة أن يكون له شبع يوم وليلة أو ليلة ويوم. قال الخطابي: اختلف الناس في تأويل حديث سهل، فقيل: من وجد غداء يومه وعشاءه لم تحل له المسألة على ظاهر الحديث، وقيل: إنما هو فيمن وجد غداء وعشاء على دائم الأوقات فإذا كان عنده ما يكفيه لقوته المدة الطويلة حرمت عليه المسألة. وقيل: إنه منسوخ بالأحاديث التي فيها تقدير الغنى بملك خمسين درهمًا أو قيمتها، أو بملك أوقية أو قيمتها. وعورض بأن ادعاء النسخ مشترك بينهما لعدم العلم بسبق أحدهما على الآخر. (وقول النبي ﷺ ¬) بجر قول أي في حديث أبي هريرة الآتي في هذا الباب إن شاء الله تعالى (ولا يجد) أي الرجل (غنى يغنيه) بكسر غين غنى والقصر ضد الفقر زاد أبو ذر: لقول الله تعالى: (﴿للفقراء﴾) متعلق بمحذوف أي اعمدوا للفقراء أو اجعلوا ما تنفقون للفقراء أو صدقاتكم للفقراء (﴿الذين أحصروا في سبيل الله﴾) أحصرهم الجهاد ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] أي ذهابًا فيها للتجارة والكسب، وقيل: هم أهل الصفة كانوا نحوًا من أربعمائة من فقراء المهاجرين يسكنون صفة المسجد يستغرقون أوقاتهم في التعلم والعبادة، وكانوا يخرجون في كل سرية يبعثها

стр. 1890

رسول الله ﷺ ووصفهم بعدم استطاعة الضرب في الأرض يدل على عدم الغنى، إذ من استطاع ضربًا فيها فهو واجد لنوع من الغنى. (إلى قوله: ﴿فإن الله به عليم﴾) ترغيب في الإنفاق خصوصًا على هؤلاء. وسقط قوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ في غير رواية أبي ذر. ١٤٧٦ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ الأُكْلَةُ وَالأُكْلَتَانِ، وَلَكِنِ الْمِسْكِينُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ غِنًى وَيَسْتَحْيِي أَوْ لَا يَسْأَلُ النَّاسَ إِلْحَافًا». [الحديث ١٤٧٦ - طرفاه في: ١٤٧٩، ٤٥٣٩]. وبالسند قال: (حدّثنا حجاج بن منهال) بكسر الميم السلمي البصري الأنماطي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: أخبرني) بالإفراد (محمد بن زياد قال: سمعت أبا هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال): (ليس المسكين) بكسر الميم وقد تفتح أي الكامل في المسكنة (الذي ترده الأكلة والأكلتان)، عند طوافه على الناس للسؤال لأنه قادر على تحصيل قوته. وربما يقع له زيادة عليه، وليس المراد نفي المسكنة عن الطواف بل نفي كمالها لأنهم أجمعوا على أن السائل الطوّاف المحتاج مسكين وهمزة الأكلة والأكلتان مضمومة أي اللقمة واللقمتان كما صرح به في الرواية الأخرى تقول: أكلت أكلة واحدة أي لقمة وأما بالفتح فالأكل مرة واحدة حتى يشبع (ولكن المسكين) الكامل بتخفيف نون لكن، فالمسكين مرفوع وبتشديدها فالمسكين منصوب والأخيرة لأبي ذر (الذي ليس له غنى) بكسر الغين مقصور أي يسار، وزاد الأعرج يغنيه وهي صفة له وهو قدر زائد على اليسار إذ لا يلزم من حصول اليسار للمرء أن يغنى به بحيث لا يحتاج إلى شيء آخر، واللفظ محتمل لأن يكون المراد نفي أصل اليسار ولأن يكون المراد نفي اليسار المقيد بأنه يغنيه مع وجود أصل اليسار وعلى الاحتمال الثاني ففيه: إن المسكين هو الذي يقدر على مال أو كسب يقع موقعًا من حاجته ولا يكفيه كثمانية من عشرة وهو حينئذ أحسن حالاً من الفقير فإنه الذي لا مال له أصلاً أو يملك ما لا يقع موقعًا من كفايته كثلاثة من عشرة واحتجوا بقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ [الكهف: ٧٩] فسماهم مساكين مع أن لهم سفينة لكنها لا تقوم بجميع حاجتهم (ويستحيي)، بياءين أو بياء واحدة زاد همام أن يسأل الناس، وزاد الأعرج ولا يفطن له (أو لا يسأل الناس إلحافًا) نصب على الحال أي ملحفًا أو صفة مصدر محذوف أي سؤال الإلحاف أو عامله محذوف أي ولا يلحف إلحافًا. ١٤٧٧ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنِ ابْنِ أَشْوَعَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي كَاتِبُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: "كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنِ اكْتُبْ

стр. 1891

إِلَىَّ بِشَىْءٍ سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ . فَكَتَبَ إِلَيْهِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ". وبه قال: (حدَّثنا يعقوب بن إبراهيم) الدورقي قال: (حدّثنا إسماعيل بن علية) هو إسماعيل بن إبراهيم وعلية بضم العين وفتح اللام وتشديد المثناة التحتية اسم أمه قال: (حدّثنا خالد الحذاء) بفتح الحاء المهملة وتشديد الذال المعجمة ممدود البصري (عن ابن أشوع) بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح الواو آخره عين مهملة غير منصرف، واسمه سعيد بن عمرو بن أشوع الهمداني قاضي الكوفة ونسب لجده وثقه ابن معين والنسائي والعجلي وإسحاق بن راهويه، ورماه الجوزجاني بالتشيع لكن احتج به الشيخان والترمذي. له عنده حديثان أحدهما متابعة، ولأبي ذر عن الكشميهني: ابن الأشوع (عن الشعبي) بفتح المعجمة عامر بن شراحيل (قال: حدَّثني) بالإفراد (كاتب المغيرة بن شعبة) ومولاه وراد بفتح الواو وتشديد الراء بالدال المهملة آخره (قال: كتب معاوية) بن أبي سفيان ﵄ (إلى المغيرة بن شعبة) ﵁ (أن اكتب إلي بشيء سمعته من رسول الله) ولأبي ذر وابن عساكر: من النبي (¬ ﷺ إليه سمعت النبي ﷺ يقول): (إن الله كره لكم ثلاثًا قيل وقال) يجوز أن يكونا ماضيين وأن يكونا مصدرين وكتبا بغير ألف على لغة ربيعة، والمراد المقاولة بلا ضرورة وقصد ثواب فإنها تقسي القلوب، أو المراد ذكر الأقوال الواقعة في الدين كأن يقول قال الحكماء كذا. وقال أهل السنة: كذا من غير بيان ما هو الأقوى ويقلد من سمعه من غير أن يحتاط. وقال في المحكم: القول في الخير والقيل والقال في الشر خاصة. وقال في المصابيح: قيل وما بعدها بدل من ثلاثًا. فإن قلت: كره لا يتسلط على قيل وقال ضرورة أن كلاًّ منهما فعل ماض فلا يصح وقوعه: مفعولاً به، فكيف صح البدل بالنسبة إليهما؟ قلت: لا نسلم أن واحدًا منهما فعل بل كل منهما اسم مسماه الفعل الذي هو قيل أو قال، وإنما فتح آخره على الحكاية وذلك مثل قولك: ضرب فعل ماض ولهذا أخبر عنه والإخبار عنه باعتبار مسماه وهو ضرب الذي يدل على الحدث والزمان، وغاية الأمر أن هذا لفظ مسماه لفظ ولا نكير فيه كأسماء السور حروف المعجم قال: وقول ابن مالك إن الإسناد اللفظي يكون في الكلم الثلاث، والذي يختص به الاسم هو الإسناد المعنوي ضعيف اهـ. (و) كره الله لكم (إضاعة المال) بإنفاقه في المعاصي والإسراف فيه كدفعه لغير رشيد أو تركه من غير حافظ أو يتركه حتى يفسد أو يموّه أوانيه بالذهب أو يذهب سقف بيته أو غير ذلك. وللحموي والمستملي: وإضاعة الأموال (وكثرة السؤال) للناس في أخذ أموالهم صدقة لهذا موضع الترجمة، ويحتمل أن يكون المراد السؤال عن المشكلات التي تعبدنا بظاهرها أو عما لا حاجة للسائل به لكن حمله على المعنى الأعم أولى.

стр. 1892

١٤٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَهْطًا وَأَنَا جَالِسٌ فِيهِمْ، قَالَ فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمْ رَجُلاً لَمْ يُعْطِهِ -وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَىَّ- فَقُمْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَارَرْتُهُ فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ، وَاللَّهِ إِنِّي لأُرَاهُ مُؤْمِنًا. قَالَ: أَوْ مُسْلِمًا. قَالَ فَسَكَتُّ قَلِيلاً، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ فِيهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ، وَاللَّهِ إِنِّي لأُرَاهُ مُؤْمِنًا. قَالَ: أَوْ مُسْلِمًا. قَالَ فَسَكَتُّ قَلِيلاً، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ فِيهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ، وَاللَّهِ إِنِّي لأُرَاهُ مُؤْمِنًا. قَالَ: أَوْ مُسْلِمًا. يَعْنِي فَقَالَ إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْهُ خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ". وَعَنْ أَبِيهِ عَنْ صَالِحٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ هَذَا فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ "فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ فَجَمَعَ بَيْنَ عُنُقِي وَكَتِفِي ثُمَّ قَالَ: أَقْبِلْ أَىْ سَعْدُ، إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ﴿فَكُبْكِبُوا﴾: قُلِبُوا. ﴿مُكِبًّا﴾: أَكَبَّ الرَّجُلُ إِذَا كَانَ فِعْلُهُ غَيْرَ وَاقِعٍ عَلَى أَحَدٍ، فَإِذَا وَقَعَ الْفِعْلُ قُلْتَ: كَبَّهُ اللَّهُ لِوَجْهِهِ، وَكَبَبْتُهُ أَنَا. وبه قال: (حدّثنا محمد بن غرير) بضم الغين المعجمة وفتح الراء الأولى مصغرًا ابن الوليد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي المدني (الزهري) قال: (حدّثنا يعقوب بن إبراهيم عن أبيه) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني نزيل بغداد (عن صالح بن كيسان) بفتح الكاف (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (قال: أخبرني) بالإفراد (عامر بن سعد) بسكون العين (عن أبيه) سعد بن أبي وقاص ﵁ (قال: أعطى رسول الله ﷺ رهطًا) هو دون العشرة من الرجال ليس فيهم امرأة وحذف مفعول أعطى الثاني ليعم (وأنا جالس فيهم)، في الرهط والجملة حالية (قال: فترك رسول الله ﷺ منهم) أي من الرهط ولأبي ذر فيهم (رجلاً) هو جعيل بن سراقة فيما ذكره الواقدي الضمري أو الغفاري أو الثعلبي فيما ذكره أبو موسى. وروى ابن إسحاق في مغازيه عن محمد بن إبراهيم التيمي قال قيل يا رسول الله أعطيت عيينة بن حصن والأقرع بن حابس مائة مائة. وتركت جعيلاً. قال: والذي نفسي بيده لجعيل بن سراقة خير من طلائع الأرض مثل عيينة والأقرع ولكني أتألفهما وأكل جعيلاً إلى إيمانه. وهذا مرسل حسن لكن له شاهد موصول. روى الروياني وابن عبد الحكم في فتوح مصر من طريق بكر بن سوادة عن أبي سالم الجيشاني عن أبي ذر: أن رسول الله ﷺ قال له: كيف ترى جعيلاً؟ قلت: مسكينًا كشكله من الناس. قال: وكيف ترى فلانًا؟ قلت سيدًا من السادات. قال: فجعيل خير من ملء الأرض مثل هذا. قال: قلت يا رسول الله ففلان هكذا وتصنع به ما تصنع؟ قال: إنه رأس قومه فأتألفهم. وإسناده صحيح، وأخرجه ابن حبان من وجه آخر عن أبي ذر، لكن لم يسم جعيلاً. وأخرجه البخاري من حديث سهل بن سعد فأبهم جعيلاً وأبا ذر؛ قاله في الإصابة.

стр. 1893

(لم يعطه وهو أعجبهم) أي أفضل الرهط وأصلحهم (إلي) أي في اعتقادي. قال في المصابيح: أضاف أفعل التفضيل إلى ضمير الرهط المعطين وأوقعه على الرجل الذي لم يعط وأفعل التفضيل إذا قصدت به الزيادة على من أضيف إليه كما قاله ابن الحاجب اشترط أن يكون منهم، وقد بينا أنه ليس من الرهط ضرورة كونه لم يعط فيمتنع كما يمتنع يوسف أحسن إخوته مع إرادة هذا المعنى والمخلص من ذلك أعجب الرهط الحاضرين الذين منهم المعطى والمتروك. فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون المقصود بأفعل التفضيل زيادة مطلقة والإضافة للتخصيص والتوضيح فينتفي المحذور فيجوز التركيب كما أجازوا يوسف أحسن إخوته بهذا الاعتبار. قلت: المراد بالزيادة المطلقة أن يقصد تفضيله على كل ما سواه مطلقًا لا على المضاف إليه وحده وظاهر أن هذا المعنى غير مراد هنا انتهى. قال سعد: (فقمت إلى رسول الله ﷺ فساررته فقلت: ما لك عن فلان) أي أي شيء حصل لك أعرضت به عن فلان فلا تعطيه (والله إني لأراه مؤمنًا) بضم الهمزة أي لأظنه وفي غير الفرع بفتح الهمزة أي أعلمه. قال النووي: ولا يضم على معنى أظنه لأنه قال: غلبني ما أعلم ولأنه راجع النبي ﷺ ، مرارًا فلو لم يكن جازمًا لما كرر المراجعة وتعقب بأن ما أعلم معناه ما أظن كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] والمراجعة لا تدل على الجزم لأن الظن يلزم اتباعه اتفافًا وحلف على غلبة ظنه. (قال) ﵊: (أو مسلمًا) بإسكان الواو على الإضراب عن قوله والحكم بالظاهر كأنه قال: بل مسلمًا ولا تقطع بإيمانه فإن الباطن لا يطلع عليه إلا الله فالأولى أن يعبر بالإسلام وليس حكمًا بعدم إيمانه بل نهي عن الحكم بالقطع به. (قال) سعد: (فسكت) سكوتًا (قليلاً ثم غلبني ما أعلم فيه فقلت يا رسول الله ما لك عن فلان والله إني لأراه) أظنه (مؤمنًا قال) ﵊: (أو مسلمًا) كذا لأبي ذر في حاشية الفرع وفيه: والله إني لأراه مؤمنًا أو قال مسلمًا. (قال: فسكت) سكوتًا (قليلاً ثم غلبني ما أعلم فيه) ولأبي ذر: منه بالميم والنون بدل الفاء والياء (فقلت يا رسول الله: ما لك عن فلان والله إني لأراه) أظنه (مؤمنًا. قال) ﵊: (أو مسلمًا) كذا لأبي ذر في حاشية الفرع وفيه: والله إني لأراه مؤمنًا أو قال مسلمًا (يعني فقال) وهاتان الكلمتان ساقطتان عند أبي ذر (إني لأعطي الرجل) مفعوله الثاني محذوف أي الشيء (وغيره أحب إلي منه) مبتدأ وخبره في موضع الحال (خشية) نصب مفعول له لقوله لأعطي أي لأجل خشية (أن يكب) بضم أوّله وفتح الكاف (في النار على وجهه). وهذا الحديث سبق في باب: إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة من كتب الإيمان (وعن أبيه) عطفًا على السابق أي قال يعقوب بن إبراهيم عن أبيه إبراهيم (عن صالح) هو ابن كيسان (عن إسماعيل بن محمد أنه قال: سمعت أبي) محمد بن سعد بن أبي وقاص (يحدث هذا) الحديث، ولأبي ذر: بهذا فهو مرسل لأنه لم يذكر سعدًا، لكن قال الكرماني إن الإشارة في قوله هذا إلى قول سعد فهو متصل (فقال: في) جملة (حديثه فضرب رسول الله ﷺ بيده فجمع بين عنقي وكتفي) فجمع بالفاء

стр. 1894

والفعل الماضي كذا في اليونينية، وفي بعض الأصول بجمع بالباء الجارة وضم الجيم وسكون الميم أي ضرب بيده حال كونها مجموعة وبين اسم لا ظرف. كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] على قراءة الرفع. (ثم قال:) ﵊ (أقبل) بكسر الموحدة فعل أمر من الإقبال، ولأبي ذر والأصيلى أقبل بفتح الموحدة فعل أمر من القبول فهمزته همزة وصل تكسر في الابتداء كأنه لما قال له ذلك تولى ليذهب فأمره بالإقبال ليبين له وجه الإعطاء والمنع (أي سعد) منادى مفرد مبني على الضم وأي نداء (إني لأعطي الرجل) الحديث (قال أبو عبد الله:) البخاري جريًا على عادته في إيراد تفسير اللفظة الغريبة إذا وافق ما في الحديث ما في القرآن (﴿فكبكبوا﴾) في سورة الشعراء أي (قلبوا) بضم القاف وكسر اللام وضم الموحدة، ولأبي ذر: فكبوا بضم الكاف من الكب وهو الإلقاء على الوجه، وقوله تعالى في سورة الملك (﴿مكبًّا﴾) بكسر الكاف لأبي ذر يقال: (أكب الرجل إذا كان فعله غير واقع على أحد) أي لازمًا (فإذا وقع الفعل) أي إذا كان متعديًا (قلت: كبه الله لوجهه، وكببته أنا) يريد أن أكب لازم وكب متعد وهو غريب أن يكون القاصر بالهمزة والمتعدي بحذفها. ١٤٧٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَكِنِ الْمِسْكِينُ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلَا يُفْطَنُ بِهِ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ». وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن عبد الله) هو ابن أبي أويس المدني ابن أخت الإمام مالك (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال): (ليس المسكين) الكامل (الذي يطوف على الناس) ليسألهم صدقة عليه (ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان) بالمثناة الفوقية فيهما (ولكن المسكين) الكامل في المسكنة (الذي لا يجد غنى يغنيه) أي شيئًا يقع موقعًا من حاجته (ولا يفطن به) بضم الياء وفتح الطاء أي لا يعلم بحاله، ولأبي ذر: له باللام بدل الموحدة (فيتصدق عليه) بضم الياء مبنيًّا للمفعول (ولا يقوم فيسأل الناس) برفع المضارع الواقع بعد الفاء في الموضعين عطفًا على المنفي المرفوع فينسحب النفي عليه. أي: لا يفطن له فلا يتصدق عليه ولا يقوم فلا يسأل الناس وبالنصب فيهما بأن مضمرة وجوبًا لوقوعه في جواب النفي بعد الفاء وقد يستدل بقوله: ولا يقوم فيسأل الناس على أحد محملي قوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] أن معناه نفي السؤال أصلاً، وقد يقال لفظة يقوم تدل على التأكيد في السؤال فليس فيه نفي أصل السؤال والتأكيد هو الإلحاف.

стр. 1895

١٤٨٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ ثُمَّ يَغْدُوَ -أَحْسِبُهُ قَالَ إِلَى الْجَبَلِ- فَيَحْتَطِبَ فَيَبِيعَ فَيَأْكُلَ وَيَتَصَدَّقَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ أَكْبَرُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، وَهُوَ قَدْ أَدْرَكَ ابْنَ عُمَرَ. وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص بن غياث) بكسر الغين آخره مثلثة قال: (حدّثنا أبي) حفص قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران قال: (حدّثنا أبو صالح) ذكوان الزيات (عن أبي هريرة ﵁ عن النبى ﷺ ¬) أنه (قال): (لأن يأخذ أحدكم حبله ثم يغدو-) يذهب قال أبو هريرة: (أحسبه) أي أظنه (قال إلى الجبل) - موضع الحطب (فيحتطب فيبيع فيأكل ويتصدق) بواو العطف ليدل على أنه يجمع بين البيع والصدقة وبالفاء في الأولين لأن الاحتطاب يكون عقب الغدو إلى الجبل، والبيع يكون عقب الاحتطاب (خير له من أن يسأل الناس) أعطوه أو منعوه وفيه الاكتساب بالمباحات كالحطب والحشيش النابتين في موات. (قال: أبو عبد الله) البخاري (صالح بن كيسان أكبر) سنًا (من الزهري وهو قد أدرك ابن عمر) بن الخطاب يعني أدرك السماع منه، وأما الزهري فاختلف في لقيه له، والصحيح أنه لم يلقه وإنما يروي عن ابنه سالم عنه، وعند أبي ذر: تقديم قال أبو عبد الله الخ. على قوله حدثنا إسماعيل. ٥٤ - باب خَرْصِ التَّمْرِ (باب) مشروعية (خرص التمر) بالمثناة وسكون الميم ولأبي ذر الثمر بالمثلثة وفتح الميم، والخرص بفتح الخاء المعجمة وقد تكسر وسكون الراء بعدها صاد مهملة هو حزر ما على النخل من الرطب تمرًا ليحصى على مالكه ويعرف مقدار عشره فيثبت على مالكه ويخلى بينه وبين التمر، فإذا جاء وقت الجداد أخذ العشر والخرص سنة عند الشافعية. وفي قول جزم به الماوردي أنه واجب وأنكره الحنفية. وفائدة الخرص التوسعة على أرباب الثمار في التناول منها وإيثار الأهل والجيران والفقراء لأن في منعهم منها تضييقًا لا يخفى وخرج بالتمر الحب لاستتاره ولأنه يؤكل غالبًا رطبًا بخلاف التمر. ١٤٨١ - حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ عَبَّاسٍ السَّاعِدِيِّ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: "غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ، فَلَمَّا جَاءَ وَادِيَ الْقُرَى إِذَا امْرَأَةٌ فِي حَدِيقَةٍ لَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَصْحَابِهِ: اخْرُصُوا، وَخَرَصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ، فَقَالَ لَهَا: أَحْصِي مَا
следующие страницы →