Полный текст (8 298 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.
стр. 2626
إذا وجبت الصفقة فلا خيار وبذلك قال المالكية إلا ابن حبيب والحنفية كلهم.
(أو يخير أحدهما الآخر) فينقطع الخيار أيضًا وقوله: أو يخير بكسر ما قبل آخره مرفوع كما في الفرع وغيره، وقال في الفتح وجمع العدّة بالجزم عطفًا على المجزوم السابق وهو لم يتفرقا، وتعقب بأن أو فيه ليست للعطف بل بمعنى إلا أي إلا أن أو بمعنى إلى أي إلى أن يخير فهو نصب بأن مضمرة، وفي بعض الأصول وخير بإسقاط الألف والفعل بلفظ الماضي (فتبايعا على ذلك) قيل إنه من عطف المجمل على المفصل فلا تغاير بينه وبين ما قبله إلا بالإجمال والتفصيل (فقد وجب البيع) الفاء للسببية والترتيب على سابقه أي فإذا كان المتبايع على ذلك فقد لزم البيع وانبرم وبطل الخيار (وإن تفرقا بعد أن يتبايعا) بلفظ المضارع (ولم يترك واحد منهما البيع) أي لم يفسخه (فقد وجب البيع) بعد التفرق وهو ظاهر جدًا في انفساخ البيع بفسخ أحدهما.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في البيوع والنسائي فيه وفي الشروط، وأخرجه ابن ماجة في التجارات.
٤٦ - باب إِذَا كَانَ الْبَائِعُ بِالْخِيَارِ هَلْ يَجُوزُ الْبَيْعُ؟
هذا (باب) بالتنوين (إذا كان البائع بالخيار هل يجوز البيع) أي هل يكون العقد جائزًا أم لازمًا؟ وكأنه قصد الرد على من حصر الخيار في المشتري دون البائع فإن في الحديث التسوية بينهما في ذلك.
٢١١٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كُلُّ بَيِّعَيْنِ لَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَتَفَرَّقَا، إِلاَّ بَيْعَ الْخِيَارِ».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) الفريابي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵄ من النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(كل بيعين) بتشديد التحتية بعد الموحدة (لا بيع بينهما) لازم (حتى يتفرقا) من مجلس العقد بينهما فيلزم البيع حينئذٍ بالتفرق (إلا بيع الخيار) فيلزم باشتراطه.
وهذا الحديث أخرجه النسائي في البيوع والشروط.
٢١١٤ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا حَبَّانُ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا -قَالَ هَمَّامٌ وَجَدْتُ فِي كِتَابِي: يَخْتَارُ ثَلَاثَ مِرَارٍ- فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا فَعَسَى أَنْ يَرْبَحَا رِبْحًا وَيُمْحَقَا بَرَكَةَ بَيْعِهِمَا». قَالَ: وَحَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ يُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
стр. 2627
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولابن عساكر: حدّثنا (إسحاق) هو ابن منصور قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: أخبرنا (حبان) بفتح المهملة وتشديد الموحدة هو ابن هلال قال: (حدّثنا همام) هو ابن يحيى الأزدي قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة السدوسي (عن أبي الخليل) بالخاء المعجمة المفتوحة صالح بن أبي مريم (عن عبد الله بن الحرث) بن نوفل الهاشمي (عن حكيم بن حِزام) بالحاء المهملة والزاي (﵁ أن النبي ﷺ قال):
(البيعان) بتشديد التحتية (بالخيار) في المجلس (ما لم يتفرقا) ببدنهما فإذا تفرقا سقط الخيار ولزم العقد، وللحموي والمستملي: حتى يتفرقا.
(قال همام) المذكور المحفوظ هو الذي رويته لكن (وجد في كتاب يختار ثلاثة مرار) بالجر على الإضافة ويختار بلفظ الفعل ووقع عند أحمد عن عفان عن همام قال: وجدت في كتابي الخيار ثلاث مرار (فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما فعسى أن يربحا ربحًا ويمحقا بركة بيعهما) يحتمل أن يكون داخلاً تحت الموجود في الكتاب أو يروى من حفظه والظاهر الثاني قاله الكرماني فيكون من جملة الحديث.
(قال) حبان بن هلال: (وحدّثنا همام) المذكور قال: (حدّثنا أبو التياح) يزيد (أنه سمع عبد الله بن الحرث) بن نوفل (يحدث بهذا الحديث عن حكيم بن حزام عن النبي ﷺ ¬) وقد سبق حديث حكيم بن حزام هذا في باب: إذا بيّن البيعان.
٤٧ - باب إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا فَوَهَبَ مِنْ سَاعَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا وَلَمْ يُنْكِرِ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي، أَوِ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ
وَقَالَ طَاوُسٌ فِيمَنْ يَشْتَرِي السِّلْعَةَ عَلَى الرِّضَا ثُمَّ بَاعَهَا وَجَبَتْ لَهُ وَالرِّبْحُ لَهُ.
هذا (باب) بالتنوين (إذا اشترى) شخص (شيئًا فوهب) ذلك الشيء (من ساعته) أي على الفور (قبل أن يتفرقا ولم ينكر البائع) أي والحال أن البائع لم ينكر (على المشتري) حتى ينقطع خياره بذلك (أو اشترى) شخص (عبدًا فأعتقه) من ساعته قبل أن يتفرقا.
(وقال طاوس) هو ابن كيسان اليماني الحميري فيما وصله سعيد بن منصور وعبد الرزاق من طريق ابن طاوس عن أبيه نحوه (فيمن يشتري السلعة على الرضا) أي على شرط أنه لو رضي به أجاز العقد (ثم باعها وجبت له) المبايعة أو السلعة قاله البرماوي كالكرماني. قال العيني: رجوع الضمير الذي في وجب إلى السلعة ظاهر وأما إلى المبايعة فبالقرينة الدالّة عليه، وفي نسخة الصاعاني وجب له البيع (والربح له) وأيضًا وسقط والربح له لغير ابن عساكر.
стр. 2628
٢١١٥ - وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَمْرٌو عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَكُنْتُ عَلَى بَكْرٍ صَعْبٍ لِعُمَرَ، فَكَانَ يَغْلِبُنِي فَيَتَقَدَّمُ أَمَامَ الْقَوْمِ، فَيَزْجُرُهُ عُمَرُ وَيَرُدُّهُ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ فَيَزْجُرُهُ عُمَرُ وَيَرُدُّهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ: بِعْنِيهِ. قَالَ: هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: بِعْنِيهِ، فَبَاعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ تَصْنَعُ بِهِ مَا شِئْتَ".
[الحديث ٢١١٥ - طرفاه في: ٢٦١٠، ٢٦١١].
(وقال الحميدي) بضم الحاء المهملة وفتح الميم عبد الله بن الزبير، ولابن عساكر وقال لنا الحميدي فأسنده إلى المؤلّف، وقد جزم الإسماعيلي وأبو نعيم بأنه علقه ووصله المؤلّف من وجه آخر في الهبة عن سفيان وكذا هو موصول أيضًا في مسند الحميدي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا عمرو) بفتح العين ابن دينار (عن ابن عمر ﵄) أنه (قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على تعيينه (فكنت على بكر) بفتح الموحدة وسكون الكاف ولد الناقة أوّل ما يركب (صعب) صفة لبكر أي نفور لكونه لم يذلل كان (لعمر) بن الخطاب ﵁ (فكان يغلبني فيتقدم أمام القوم فيزجره عمر ويردّه ثم يتقدم فيزجره عمر وبرده) ذكر ذلك بيانًا لصعوبة هذا البكر فلذا ذكره بالفاء (فقال النبي- ﷺ لعمر):
(بعنيه قال) عمر ﵁ (هو لك بل رسول الله قال بعنيه) ولأبي ذر: قال رسول الله- ﷺ : "بعنيه" (فباعه من رسول الله ﷺ ¬) زاد في الهبة فاشتراه النبي ﷺ (فقال النبي ﷺ هو) أي الجمل (لك يا عبد الله بن عمر تصنع به ما شئت) من أنواع التصرفات. وهذا موضع الترجمة فإنه ﷺ وهب ما ابتاعه من ساعته ولم ينكر البائع فكان قاطعًا لخياره لأن سكوته منزل منزلة قوله أمضيت البيع، وقول ابن التين: هذا تعسف من البخاري ولا يظن أنه ﷺ وهب ما فيه لأحد خيار ولا إنكار لأنه إنما بعث مبينًا.
أجيب عنه: بأنه ﷺ قد بين ذلك بالأحاديث السابقة المصرحة بخيار المجلس والجمع بين الحديثين ممكن بأن يكون بعد العقد فارق عمر بأن تقدمه أو تأخر عنه مثلاً ثم وهب وليس في الحديث ما يثبت ذلك ولا ينفيه فلا معنى للاحتجاج بهذه الواقعة العينية في إبطال ما دلّت عليه الأحاديث الصريحة من إثبات خيار المجلس، فإنها إن كانت متقدمة على حديث البيعان بالخيار فحديث البيعان قاضٍ عليها، وإن كانت متأخرة عنه حمل على أنه ﷺ اكتفى بالبيان السابق قاله في الفتح.
وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في الهبة.
٢١١٦ - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "بِعْتُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ
стр. 2629
عُثْمَانَ مَالاً بِالْوَادِي بِمَالٍ لَهُ بِخَيْبَرَ، فَلَمَّا تَبَايَعْنَا رَجَعْتُ عَلَى عَقِبِي حَتَّى خَرَجْتُ مِنْ بَيْتِهِ خَشْيَةَ أَنْ يُرَادَّنِي الْبَيْعَ، وَكَانَتِ السُّنَّةُ أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَلَمَّا وَجَبَ بَيْعِي وَبَيْعُهُ رَأَيْتُ أَنِّي قَدْ غَبَنْتُهُ بِأَنِّي سُقْتُهُ إِلَى أَرْضِ ثَمُودٍ بِثَلَاثِ لَيَالٍ، وَسَاقَنِي إِلَى الْمَدِينَةِ بِثَلَاثِ لَيَالٍ".
(قال أبو عبد الله) البخاري -رحمه الله تعالى- (وقال الليث) بن سعد الإمام فيما وصله الإسماعيلي وسقط قوله قال أبو عبد الله لابن عساكر: (حدّثني) بالإفراد (عبد الرحمن بن خالد) هو ابن مسافر الفهمي المصري (عن ابن شهاب) الزهري (عن سالم بن عبد الله عن) أبيه (عبد الله بن عمر ﵄) أنه (قال: بعت من أمير المؤمنين عثمان) ولأبي ذر زيادة ابن عفان ﵄ (مالاً) أرضًا أو عقارًا (بالوادي) واد معهود عندهم أو وادي القرى وهو من أعمال المدينة (بمال) بأرض أو عقار (له بخيبر) حصن بلغة اليهود على نحو ست مراحل من المدينة من جهة الشمال والشرق (فلما تبايعنا رجعت على عقبي) بكسر الموحدة بلفظ الإفراد (حتى خرجت من بيته خشية أن يرادّني) بضم الياء وتشديد الدال المفتوحة يفاعلني وأصله يراددني (البيع) أي يطلب استرداده مني وخشية منصوب على أنه مفعول له، (وكانت السُّنّة) أي طريقة الشرع (أن المتبايعين بالخيار حتى يتفرقا) أي أن هذا هو السبب في خروجه من بيت عثمان وأنه فعل ذلك ليجب البيع ولا يبقى لعثمان ﵁ خيار في فسخه. (قال عبد الله) بن عمر ﵄ (فلما وجب بيعي وبيعه) أي لزم من الجانبين بالتفرق بالبدن (رأيت أني قد غبنته) خدعته (بأني سقته إلى أرض ثمود) يصرف ولا يصرف وهم قوم صالح وأرضهم قرب تبوك (بثلاث ليالٍ) أي زدت المسافة التي بينه وبين أرضه التي صارت إليه على المسافة التي كانت بينه وبين أرضه التي باعها ثلاث ليال (وساقني إلى المدينة بثلاث ليال) يعني أنه نقص المسافة التي بيني وبين أرضي التي أخذتها عن المسافة التي كانت بيني وبين أرضي التي بعتها ثلاث ليالٍ وإنما قال إلى المدينة لأنهما جميعًا كانا بها فرأى ابن عمر الغبطة في القرب من المدينة فلذا قال: رأيت أني قد غبنته.
وفيه أن الغبن لا يردّ به البيع وجواز بيع الأرض بالأرض وبيع العين الغائبة على الصفة، ومطابقته للترجمة من جهة أن للمتبايعين التفرق على حسب إرادتهما إجازة وفسخًا قاله الكرماني.
٤٨ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الْخِدَاعِ فِي الْبَيْعِ
(باب ما يكره من الخداع في البيع).
٢١١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: "أَنَّ رَجُلاً ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ، فَقَالَ: إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ".
[الحديث ٢١١٧ - أطرافه ٢٤٠٧، ٢٤١٤، ٢٩٦٤].
стр. 2630
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) إمام دار الهجرة ابن أنس (عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رجلاً) هو حبان بن منقذ كما رواه ابن الجارود والحاكم وغيرهما وجزم به النووي في شرح مسلم وهو بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة ومنقذ بالمعجمة وكسر القاف قبلها الصحابيّ ابن الصحابيّ الأنصاري، وقيل هو منقذ بن عمرو كما وقع في ابن ماجة وتاريخ البخاري وصححه النووي في مبهماته وكان حبان قد شهد أُحُدًا وما بعدها وتوفي في زمن عثمان ﵁ (ذكر للنبي ﷺ أنه يخدع في البيوع) بضم التحتية وسكون الخاء المعجمة وفتح الدال المهملة، وعند الشافعي وأحمد وابن خزيمة والدارقطني أن حبان بن منقذ كان ضعيفًا وكان قد شج في رأسه مأمومة وقد ثقل لسانه، وزاد الدارقطني من طريق ابن إسحاق فقال: حدّثني محمد بن يحيى بن حبان قال هو جدي منقذ بن عمرو وكانت في رأسه آمة (فقال) له النبي ﷺ : (إذا بايعت فقل لا خلابة) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام أي لا خديعة في الدين لأن الدين النصيحة فلا لنفي الجنس وخبرها محذوف.
وقال التوربشتي لقنه النبي ﷺ هذا القول ليتلفظ به عند البيع ليطلع به صاحبه على أنه ليس من ذوي البصائر من معرفة السلع ومقادير القيمة فيها ليرى له كما يرى لنفسه، وكان الناس في ذلك أحقّاء لا يغبنون أخاهم المسلم وكانوا ينظرون له كما ينظرون لأنفسهم انتهى.
واستعماله في الشرع عبارة عن اشتراط خيار الثلاث، وقد زاد البيهقي في هذا الحديث بإسناد حسن: ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليالٍ، وفي رواية الدارقطني عن عمر فجعل له رسول الله ﷺ عهدة ثلاثة أيام. زاد ابن إسحاق في رواية يونس بن بكير فإن رضيت فأمسك وإن سخطت فاردد فبقي حتى أدرك زمن عثمان وهو ابن مائة وثلاثين سنة فكثر الناس في زمن عثمان فكان إذا اشترى شيئًا فقيل له: إنك غبنت فيه رجع به فيشهد له الرجل من الصحابة بأن النبي ﷺ قد جعله بالخيار ثلاثًا فردّ له دراهمه، واستدلّ به أحمد لأنه يرد بالغبن الفاحش لمن لم يعرف قيمة السلعة، وحدّه بعض الحنابلة بثلث القيمة وقيل بسدسها. وأجاب الشافعية والحنفية والجمهور بأنها واقعة عين وحكاية حال فلا يصح دعوى العموم فيها عند أحد.
وقال البيضاوي: حديث ابن عمر هذا يدل على أن الغبن لا يفسد البيع ولا يثبت الخيار لأنه لو أفسد البيع أو أثبت الخيار لبيّنه رسول الله ﷺ ولم يأمره بالشرط اهـ.
وفيه اشتراط الخيار من المشتري فقط وقيس به البائع ويصدق ذلك باشتراطهما معًا وخرج بالثلاثة ما فوقها وشرط الخيار مطلقًا لأن ثبوت الخيار على خلاف القياس لأنه غرر فيقتصر فيه على مورد النص وجاز أقل منها بالأولى.
وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في ترك الحيل وأبو داود والنسائي في البيوع.
стр. 2631
٤٩ - باب مَا ذُكِرَ فِي الأَسْوَاقِ
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ قُلْتُ: هَلْ مِنْ سُوقٍ فِيهِ تِجَارَةٌ؟ قَالَ: سُوقُ قَيْنُقَاعَ.
وَقَالَ أَنَسٌ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ. وَقَالَ عُمَرُ: أَلْهَانِي الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ.
(باب ما ذكر في الأسواق).
(وقال عبد الرحمن بن عوف) فيما سبق موصولاً في أول كتاب البيوع (لما قدمنا المدينة قلت: هل من سوق فيه تجارة)؟ وسقط قوله قلت لأبي ذر (قال) سعد بن الربيع، ولأبوي ذر والوقت فقال: (سوق قينقاع) بضم النون منصرف وغير منصرف، (وقال أنس) مما وصله في الباب المذكور أيضًا (قال عبد الرحمن) بن عوف: (دلوني على السوق. وقال عمر) بن الخطاب فيما وصله في أثناء حديث أبي موسى في باب الخروج في التجارة من كتاب البيوع (ألهاني الصفق بالأسواق).
٢١١٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ. قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ».
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع، ولأبوي ذر والوقت: حدّثني (محمد بن الصباح) بفتح الصاد المهملة وتشديد الموحدة ابن سفيان الدولابيّ قال: (حدّثنا إسماعيل بن زكريا) أبو زياد الأسديّ (عن محمد بن سوقة) بضم السين المهملة وسكون الواو وبالقاف أبي بكر الغنويّ الكوفي من صغار التابعين (عن نافع بن جبير بن مطعم) أنه (قال حدّثتني عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : يغزو) بالغين والزاي المعجمتين أي يقصد (جيثس الكعبة) لتخريبها (فإذا كانوا ببيداء من الأرض) ولمسلم عن أبي جعفر الباقر هي بيداء المدينة (يخسف بأوّلهم وآخرهم) وزاد الترمذي في حديث صفية ولم ينج أوسطهم ولمسلم في حديث حفصة فلا يبقى إلا الشريد الذي يخبر عنهم.
(قالت) عائشة (قلت: يا رسول الله كيف يخسف بأوّلهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم)؟ جمع سوق وعليه ترجم المؤلّف، والتقدير أهل أسواقهم الذين يبيعون ويشترون كما في المدن، وفي مستخرج أبي نعيم وفيهم أشرافهم بالمعجمة والراء والفاء، وفي رواية محمد بن بكار عند الإسماعيليّ وفيهم سواهم بدل أسواقهم وقال: رواه البخاري أسواقهم أي بالقاف وأظنه تصحيفًا فإن الكلام في الخسف بالناس لا بالأسواق، وتعقبه في فتح الباري، بأن لفظ سواهم تصحيف فإنه
стр. 2632
بمعنى قوله ومن ليس منهم فيلزم منه التكرار بخلاف رواية البخاري، ويحتمل أن يكون المراد بالاسواق هنا الرعايا.
قال ابن الأثير: السوقة من الناس الرعية ومن دون الملك وكثير من الناس يظنون السوقة أهل الاسواق انتهى.
قال في اللامع كالتنقيح: لكن هذا يتوقف على أن السوقة يجمع على أسواق وذكر صاحب الجامع أنها تجمع على سوق كقثم، قال في المصابيح: لكن البخاري إنما فهم منه أنه جمع سوق الذي هو محل البيع والشراء فيبغي أن يحرّر النظر فيه انتهى.
ونبّه به على أن حديث أبغض البلاد إلى الله أسواقها المرويّ في مسلم ليس من شرطه، وفي رواية مسلم فقلنا: إنّ الطريق تجمع الناس؟ قال: نعم فيهم المستبصر أي المستبين لذلك القاصد للمقاتلة والمجبور بالجيم والموحدة أي المكره وابن السبيل أي سالك الطريق معهم وليس منهم، والغرض أنها استشكلت وقوع العذاب على من لا إرادة له في القتال الذي هو سبب العقوبة.
(قال) ﵊ مجيبًا لها (يخسف بأوّلهم وآخرهم) لشؤم الأشرار (ثم يبعثون على نياتهم) فيعامل كل أحد عند الحساب بحسب قصده.
وفيه التحذير من مصاحبة أهل الظلم ومجالستهم، وأخرجه مسلم من وجه آخر عن عائشة ﵂.
٢١١٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صَلَاةُ أَحَدِكُمْ فِي جَمَاعَةٍ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ وَبَيْتِهِ بِضْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، وَذَلِكَ بِأَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ لَا يُرِيدُ إِلاَّ الصَّلَاةَ، لَا يَنْهَزُهُ إِلاَّ الصَّلَاةُ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلاَّ رُفِعَ بِهَا دَرَجَةً، أَوْ حُطَّتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، وَالْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلاَّهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ، مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ. وَقَالَ: أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا جرير) بفتح الجيم وكسر الراء الأولى ابن عبد الحميد (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن أبي صالح) ذكوان الزيات (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(صلاة أحدكم في جماعة تزيد) في باب فضل الجماعة من كتاب الصلاة صلاة الرجل في الجماعة تضعف (على صلاته في سوقه وبيته بضعًا) بكسر الموحدة ما بين الثلاث إلى التسع على المشهور وقيل إلى عشر وقيل غير ذلك (وعشرين درجة) وفي الصلاة بلفظ خمسة وعشرين (وذلك)
стр. 2633
إشارة إلى الزيادة (بأنه) أي بسبب أنه (إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد لا يريد إلا الصلاة لا ينهزه) بفتح التحتية والهاء بينهما نون ساكنة وبعد الزاي هاء لا يدفعه، ولأبى ذر: لا ينهزه بضم أوّله وكسر ثالثه أي لا ينهضه (إلا الصلاة) أي قصدها في جماعة (لم يخط خطوة) بفتح الخاء (إلا رفع بها درجة) بالنصب (أو حطت عنه بها خطيئة) بالرفع نائب عن الفاعل أي محيت من صحيفته والجملة كالبيان لسابقتها (والملائكة تصلي محل أحدكم ما دام) أي مدة دوامه (في مصلاه) بضم الميم المكان (الذي يصلّي فيه) والمراد كونه في المسجد مستمرًا على انتظار الصلاة تقول: (اللهم صل عليه اللهم ارحمه) بيان لقوله تصلي عليه (ما لم يحدث فيه) يخرج ريحًا من دبره (ما لم يؤذ فيه) الملك بنتن الحدث أو المسلم بالفعل أو القول بيان لما يحدث فيه. (وقال) ﵊ (أحدكم في) ثواب (صلاة ما كانت الصلاة تحبسه) وهذا الحديث قد مرّ في باب فضل صلاة الجماعة.
٢١٢٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي السُّوقِ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّمَا دَعَوْتُ هَذَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي".
[الحديث ٢١٢٠ - طرفاه في: ٢١٢١، ٣٥٣٧].
وبه قال: (حدّثنا آدم بن أبي إياس) بكسر الهمزة وتخفيف التحتية قال: (حدّثنا شعبة) ابن الحجاج (عن حميد الطويل عن أنس بن مالك ﵁) أنه (قال: كان النبي ﷺ في السوق فقال رجل): لم يسم (يا أبا القاسم فالتفت إليه النبي ﷺ فقال) الرجل (إنما دعوت هذا) أي شخصًا آخر غيرك (فقال النبي ﷺ ¬):
(سموا) بفتح السين وضم الميم وفي نسخة تسموا (باسمي) محمد وأحمد (ولا تكنوا) بفتح التاء والنون المشدّدة على حذف إحدى التاءين (بكنيتي) أبي القاسم وقوله سموا جملة من الفعل والفاعل وباسمي صلة له، وكذا قوله: ولا تكنوا بكنيتي وهو من باب عطف المنفي على المثبت والأمر والنهي هنا ليسا للوجوب والتحريم، فقد جوّزه مالك مطلقًا لأنه إنما كان في زمنه للالتباس ثم نسخ فلم يبق التباس وقال جمع من السلف النهي مختص بمن اسمه محمد أو أحمد لحديث النهي أن يجمع بين اسمه وكنيته، والغرض من الحديث هنا قوله كان النبي ﷺ في السوق، وقد أخرجه أيضًا في كتاب الاستئذان.
٢١٢١ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "دَعَا رَجُلٌ بِالْبَقِيعِ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: لَمْ أَعْنِكَ، قَالَ: سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي".
стр. 2634
وبه قال: (حدّثنا مالك بن إسماعيل) بن زياد أبو غسان النهدي الكوفي قال: (حدّثنا زهير) بضم الزاي وفتح الهاء ابن معاوية (عن حميد) الطويل (عن أنس ﵁) أنه (قال: دعا رجل) لم يسم (بالبقيع) بالسوق الذي كان به (يا أبا القاسم فالتفت إليه النبي ﷺ فقال) له الرجل (لم أعنك) بفتح الهمزة وسكون العين المهملة وكسر النون أي لم أقصدك (قال) ﵊:
(سموا) بضم الميم (باسمي ولا تكنوا) بفتح التاءين وسكون الكاف بينهما وضم النون (بكنيتي) ولأبي ذر وابن عساكر: ولا تكنوا بفتح التاء والكاف والنون المشدّدة على حذف إحدى التاءين وقد عورض المصنف في إيراد هذه الطريق الثانية بأنه ليس فيها ذكر السوق وما تقدّم من كون السوق كان بالبقيع. قال العيني: يحتاج إلى دليل.
٢١٢٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الدَّوْسِيِّ ﵁ قَالَ: "خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي طَائِفَةِ النَّهَارِ لَا يُكَلِّمُنِي وَلَا أُكَلِّمُهُ، حَتَّى أَتَى سُوقَ بَنِي قَيْنُقَاعَ، فَجَلَسَ بِفِنَاءِ بَيْتِ فَاطِمَةَ فَقَالَ: أَثَمَّ لُكَعُ، أَثَمَّ لُكَعُ؟ فَحَبَسَتْهُ شَيْئًا، فَظَنَنْتُ أَنَّهَا تُلْبِسُهُ سِخَابًا أَوْ تُغَسِّلُهُ، فَجَاءَ يَشْتَدُّ حَتَّى عَانَقَهُ وَقَبَّلَهُ وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَحْبِبْهُ وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ". قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنِي أَنَّهُ رَأَى نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ.
[الحديث ٢١٢٢ - طرفه في: ٥٨٨٤].
وبه قال: (حدّثنا عليّ بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عبيد الله) بضم العين مصغرًا (ابن أبي يزيد) من الزيادة وسقط قوله ابن أي يزيد لابن عساكر (عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبي هريرة الدوسي) بفتح الدال المهملة وسكون الواو وبالسين المهملة نسبة إلى دوس قبيلة من الأزد (﵁) أنه (قال: خرج النبي ﷺ في طائفة النهار) في قطعة منه، وقال البرماوي كالكرماني: وفي بعضها صائفة النهار أي حرّ النهار يقال يوم صائف أي حار. قال العيني: وهو الأوجه كذا قاله والمدار على المروي، لكن الحافظ ابن حجر حكاه عن الكرماني ولم ينكره فالله أعلم (لا يكلمني) لعله كان مشغولاً بوحي أو غيره (ولا أكلمه) توقيرًا له وهيبة منه (حتى أتى سوق بني قينقاع) بتثليث النون أي ثم انصرف منه (فجلس بفناء بيت فاطمة) ابنته ﵂ بكسر الفاء ممدودًا اسم للموضع المتسع الذي أمام البيت (فقال) ﵊:
(أثم لكع أثم لكع) بهمزة الاستفهام وفتح المثلثة وتشديد الميم اسم يشار به للمكان البعيد وهو ظرف لا يتصرف فلذا غلط من أعربه مفعولاً لقوله رأيت ثم رأيت، ولكع: بضم اللام وفتح الكاف وبالعين المهملة غير منوّن لشبهه بالمعدول أو أنه منادى مفرد معرفة وتقديره: أثمة أنت يا لكع ومعناه الصغير بلغة تميم. قال الهروي: إلى هذا ذهب الحسن إذا قال الإنسان يا لكع يريد صغير، ومراده ﵊ الحسن بفتح الحاء ابن ابنته ﵄ (فحبسته) أي منعت فاطمة الحسن من المبادرة إلى الخروج إليه ﵊ (شيئًا) قال أبو هريرة (فظننت أنها تلبسه) أي أن
стр. 2635
فاطمة تلبس الحسن (سخابًا) بكسر السين المهملة وخاء معجمة خفيفة وبعد الألف موحدة قلادة من طيب ليس فيها ذهب ولا فضة أو هي من قرنفل أو خرز (أو تغسله) بالتشديد، ولأبي ذر: تغسله بالتخفيف (فجاء) الحسن (يشتدّ) يسرع (حتى عانقه) النبي ﷺ (وقبله وقال: اللّهمّ أحببه) بسكون الحاء المهملة والموحدة وبينهما أخرى مكسورة، وللحموي والمستملي: أحبه بكسر الحاء وإدغام الموحدة في الأخرى وزاد مسلم فقال: اللهمّ إني أحبه فأحبه (وأحب من يحبه) بفتح الهمزة وكسر الحاء. وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في اللباس ومسلم في الفضائل والنسائي في المناقب وابن ماجه في السُّنَّة.
(قال سفيان) بن عيينة بالإسناد السابق (قال عبيد الله) بن أبي يزيد: (أخبرني) بالإفراد وفيه تقديم الراوي على الإخبار وهو جائز (أنه رأى نافع بن جبير أوتر بركعة) قال في فتح الباري: وأراد البخاري بهذه الزيادة بيان لقي عبيد الله لنافع بن جبير فلا تضر العنعنة في الطريق الموصولة لأن من ليس بمدلس إذا ثبت لقاؤه لمن حدث عنه حملت عنعنته على السماع اتفاقًا، وإنما الخلاف في المدلس أو فيمن لم يثبت لقيه لمن روى عنه وأبعد الكرماني فقال: إنما ذكر الوتر هنا لأنه لما روى الحديث الموصول عن نافع بن جبير انتهز الفرصة لبيان ما ثبت في الوتر مما اختلف في جوازه انتهى.
٢١٢٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ حَدَّثَنَا مُوسَى عَنْ نَافِعٍ حَدَّثَنَا ابْنُ عُمَرَ: "أَنَّهُمْ كَانُوا يَشْتَرُونَ الطَّعَامَ مِنَ الرُّكْبَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَيَبْعَثُ عَلَيْهِمْ مَنْ يَمْنَعُهُمْ أَنْ يَبِيعُوهُ حَيْثُ اشْتَرَوْهُ حَتَّى يَنْقُلُوهُ حَيْثُ يُبَاعُ الطَّعَامُ".
[الحديث ٢١٢٣ - أطرافه في: ٢١٣١، ٢١٣٧، ٢١٦٦، ٢١٦٧، ٦٨٥٢].
وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن المنذر) الحزامي المدني قال: (حدّثنا أبو ضمرة) بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم وبالراء أنس بن عياض قال: (حدّثنا موسى) ولأبوي ذر والوقت: موسى بن عقبة بضم العين وسكون القاف ابن أبي عياش المدني مولى الزبير بن العوّام (عن نافع) مولى ابن عمر أنه قال:
(حدّثنا ابن عمر) بن الخطاب (أنهم كانوا يشترون الطعام) وفي رواية طعامًا (من الركبان) جمع راكب والمراد به جماعة أصحاب الإبل في السفر (على عهد النبي ﷺ فيبعث) النبي ﷺ (عليهم من يمنعهم) في محل نصب مفعول يبعث (أن يبيعوه حيث) أي من البيع في مكان (اشتروه حتى ينقلوه حيث يباع الطعام) في الأسواق لأن القبض شرط وبالنقل المذكور يحصل القبض ووجه نهيه عن بيع ما يشتري من الركبان إلا بعد التحويل، وفي موضع يريد أن يبيع فيه الرفق بالناس، ولذلك ورد النهي عن تلقي الركبان لأن فيه ضرر الغيرة من حيث السعر فلذلك أمرهم بالنقل عند تلقي الركبان ليوسعوا على أهل الأسواق.
стр. 2636
٢١٢٤ - قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُبَاعَ الطَّعَامُ إِذَا اشْتَرَاهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ".
[الحديث ٢١٢٤ - أطرافه في: ٢١٢٦، ٢١٣٣، ٢١٣٦].
(قال) نافع بالسند السابق: (وحدّثنا ابن عمر ﵄ قال: نهى النبي ﷺ أن يباع الطعام إذا اشتراه حتى يستوفيه) أي يقبضه وفيه أنه لا يجوز بيع المبيع قبل قبضه.
وحديث بيع الطعام قبل قبضه هذا أخرجه المؤلّف ومسلم وأبو داود والنسائي بأسانيد مختلفة وألفاظ متباينة.
٥٠ - باب كَرَاهِيَةِ السَّخَبِ فِي الأسواقِ
(باب كراهية السخب) بفتح السين المهملة والخاء المعجمة آخره موحدة ويجوز إبدال السين بالصاد المهملة لتقاربهما مخرجًا وهو رفع الصوت بالخصام ونحوه (في الأسواق).
٢١٢٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ حَدَّثَنَا هِلَالٌ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ، قَالَ: أَجَلْ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَحِرْزًا لِلأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا". تَابَعَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ هِلَالٍ وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ هِلَالٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ سَلَامٍ: غُلْفٌ: كُلُّ شَىْءٍ فِي غِلَافٍ، سَيْفٌ أَغْلَفُ، وَقَوْسٌ غَلْفَاءُ، وَرَجُلٌ أَغْلَفُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَخْتُونًا قَالَهُ أَبُو عَبْدُ الله.
[الحديث ٢١٢٥ - طرفه في: ٤٨٣٨].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن سنان) بكسر السين المهملة وبنونين بينهما ألف العوقي بفتح الواو وبالقاف كان ينزل العوقة بطن من عبد القيس فنسب إليهم وهو باهلي بصري قال: (حدّثنا فليح) هو ابن سليمان أبو يحيى الحراني واسمه عبد الملك وفليح لقبه قال: (حدّثنا هلال) هو ابن عليّ على الأصح القرشي المدني (عن عطاء بن يسار) بفتح التحتية والمهملة المخففة وبعد الألف راء أنه (قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاصي ﵄ قلت) له (أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة) لأنه كان قد قرأها (قال) عبد الله (أجل) بفتح الهمزة والجيم وباللام حرف جواب مثل نعم فيكون تصديقًا للمخبر وإعلامًا للمستخبر ووعد للطالب فيقع بعد نحو قام ونحو أقام زيد ونحو اضرب زيد أي فيكون بعد الخبر وبعد الاستفهام والطلب وقيل يختص بالخبر وهو قول الزمخشري وابن مالك وقيد المالقي الخبر بالمثبت والطلب بغير النهي.
стр. 2637
وقال في القاموس: هي جواب كنعم إلا أنه أحسن منه في التصديق ونعم أحسن منه في الاستفهام انتهى.
وهذا قاله الأخفش كما في المغني لابن هشام.
قال الطيبي: وفي الحديث جاء جوابًا للأمر على تأويل قرأت التوراة هل وجدت صفة رسول الله يلى فيها فأخبرني. قال: أجل (والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن) أكد كلامه بمؤكدات الحلف بالله والجمل الاسمية ودخول أن عليها ودخول لام التأكيد على الخبر: (﴿يا أيها النبي إنّا أرسلناك شاهدًا﴾) لأمتك المؤمنين بتصديقهم وعلى الكافرين بتكذيبهم وانتصاب شاهدًا على الحال المقدرة من الكاف أو من الفاعل أي مقدرًا أو مقدرين شهادتك على من بعثت إليهم وعلى تكذيبهم وتصديقهم أي مقبولاً عند الله لهم وعليهم كما يقبل قول الشاهد العدل في الحكم (﴿ومبشرًا﴾) للمؤمنين (﴿ونذيرًا﴾) [الأحزاب: ٤٥] للكافرين أو مبشرًا للمطيعين بالجنة والعصاة بالنار أو شاهدًا للرسل قبله بالبلاغ وهذا كله في القرآن في سورة الأحزاب (وحرزًا) بكسر الحاء المهملة وبعد الراء الساكنة زاي أي حصنًا (للأميين) للعرب يتحصنون به من غوائل الشيطان أو من سطوة العجم وتغلبهم وسموا أميين لأن أغلبهم لا يقرؤون ولا يكتبون (أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل) أي على الله لقناعته باليسير من الرزق واعتماده على الله في النصر والصبر على انتظار الفرج والأخذ بمحاسن الأخلاق واليقين بتمام وعد الله فتوكل عليه فسماه المتوكل (ليس بفظّ) سيئ الخلق جافيًا (ولا غليظ) قاسي القلب، وهذا موافق لقوله تعالى: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ [آل عمران: ١٥٩] ولا يعارض قوله تعالى: ﴿واغلظ عليهم﴾ [التوبة: ٧٣، والتحريم: ٩] لأن النفي محمول على طبعه الذي جبل عليه والأمر محمول على المعالجة أو النفي بالنسبة للمؤمنين والأمر بالنسبة للكفار والمنافقين كما هو مصرّح به في نفس الآية. ويحتمل أن تكون هذه آية أخرى في التوراة لبيان صفته وأن تكون حالاً أما من المتوكل أو من الكاف في سميتك وعلى هذا يكون فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة ولو جرى على النسق الأول لقال: لست بفظ (ولا سخّاب) بتشديد الخاء المعجمة بعد السين المهملة وهي لغة أثبتها الفرّاء وغيره، والصخاب بالصاد أشهر أي لا يرفع صوته على الناس لسوء خلقه ولا يكثر الصياح عليهم (في الأسواق) بل يلين جانبه لهم ويبرفق بهم، وفيه ذم أهل السوق الذين يكونون بالصفة المذمومة من الصخب واللغط والزيادة في المدحة والذم لما يتبايعونه والإيمان الحانثة، ولهذا قال ﵊: "شر البقاع الأسواق لما يغلب على أهلها من هذه الأحوال المذمومة" (ولا يدفع بالسيئة السيئة) هو كقوله تعالى: ﴿ادفع بالتي هي أحسن السيئة﴾ [المؤمنون: ٩٦] (ولكن يعفو ويغفر) ما لم تنتهك حرمات الله تعالى (ولن يقبضه الله) يميته (حتى يقيم به الملة العوجاء) ملة إبراهيم فإنها قد اعوجّت في أيام الفترة فزيدت ونقصت وغيرت عن استقامتها وأميلت بعد قوامها وما زالت كذلك حتى قام الرسول ﷺ فأقامها ﷺ ما كان عليه العرب من الشرك إثبات التوحيد (بأن
стр. 2638
يقولوا: لا إله إلا الله ويفتح بها) أي بكلمة التوحيد (أعينًا عميًا) بضم العين وسكون الميم صفة لأعين، ولا تنافي بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم﴾ [النمل: ٨١] لأنه دل إيلاء الفاعل المعنوي حرف النفي على أن الكلام في الفاعل، وذلك أنه تعالى نزله لحرصه على إيمان القوم منزلة من يدّعي استقلاله بالهداية فقال له: أنت لست بمستقل فيه بل إنك لتهدي إلى صراط مستقيم بإذن الله تعالى وتيسيره، وعلى هذا فيفتح معطوف على قوله يقيم أي يقيم الله تعالى بواسطته الملّة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله ويفتح بواسطة هذه الكلمة أعينًا عميًا (وآذانًا صمًّا وقلوبًا غلفًا) بضم الغين وسكون اللام صفة لقلوبًا وصمًّا لآذانًا، ولأبي ذر: ويفتح بضم أوله مبنيًّا للمفعول بها أعين عمي وآذان صم وقلوب غلف بالرفع على ما لا يخفى.
(تابعه) أي تابع فليحًا (عبد العزيز بن أبي سلمة عن هلال) هو ابن علي وهذه المتابعة وصلها في سورة الفتح، (وقال سعيد) هو ابن أبي هلال مما وصله الدارمي في مسنده ويعقوب بن سفيان في تاريخه والطبراني جميعًا بإسناد واحد عن هلال المذكور في سند الحديث (عن عطاء) هو ابن يسار (عن ابن سلام) بتخفيف اللام عبد الله الصحابي وقد خالف سعيد هذا عبد العزيز وفليحًا في تعيين الصحابيّ.
قال الحافظ ابن حجر: ولا مانع أن يكون عطاء بن يسار حمله عن كلٍّ منهما فقد أخرجه ابن سعد من طريق زيد بن أسلم قال: بلغنا أن عبد الله بن سلام كان يقول فذكره، وسأذكر لرواية عبد الله بن سلام متابعات في تفسير سورة الفتح انتهى.
قلت: ولم أجد ما وعد به ﵀ من التابعات في سورة الفتح، ولعله سها عن ذكر ذلك كغيره في كثير من الحوالات. نعم وجد بخطه في تفسير سورة الفتح تنظر الفرجة ولم توجد غير فرجة ليس فيها كتابة فلعله أراد أن يكتب فيها ما وعد به أو غيره.
(غلف) بضم الغين وسكون اللام (كل شيء في غلاف و) يقال (سيف أغلف) إذا كان في غلاف، (و) كذا يقال (قوس غلفاء) إذا كانت في غلاف كالجعبة ونحوها، (و) كذا (رجل أغلف إذا لم يكن مختونًا قاله أبو عبد الله) أي البخاري وهو كلام أبي عبيدة في المجاز وهذا كلام وقع في رواية النسفيّ والمستملي كما قاله في الفتح، لكن قال: إنه قبل قوله تابعه والذي في الفرع تأخيره كما ترى وسقوطه في رواية ابن عساكر وزيادة. قال أبو عبد الله لأبي ذر عن المستملي بدون هاء الضمير في قال.
٥١ - باب الْكَيْلِ عَلَى الْبَائِعِ وَالْمُعْطِي
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣] يَعْنِي كَالُوا لَهُمْ وَوَزَنُوا لَهُمْ كَقَوْلِهِ: ﴿يَسْمَعُونَكُمْ﴾ [الشعراء: ٧٢]: يَسْمَعُونَ لَكُمْ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اكْتَالُوا
стр. 2639
حَتَّى تَسْتَوْفُوا». وَيُذْكَرُ عَنْ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا بِعْتَ فَكِلْ، وَإِذَا ابْتَعْتَ فَاكْتَلْ».
(باب) مؤونة (الكيل) فيما يكال ومؤونة الوزن فيما يوزن (على (البائع و) كذا يكون على (المعطي) بكسر الطاء بائعًا كان أو موفيًا للدين أو غير ذلك وهذا قول أبي حنيفة ومالك والشافعي (لقول الله تعالى) بلام التعليل للترجمة، ولأبي ذر: وقول الله تعالى عطفًا على الكيل أي باب في بيان الكيل، وفي بيان معنى قوله تعالى: (﴿وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون﴾) [المطففين: ٣] وفي حديث ابن عباس عند النسائي وابن ماجة لما قدم نبي الله- ﷺ المدينة كانوا من أخبث الناس كيلاً فأنزل الله تعالى: ﴿ويل للمطففين﴾ فحسنوا بعد ذلك (يعني كالوا لهم أو وزنوا لهم كقوله: ﴿يسمعونكم﴾ يسمعون لكم) فحذف الجار وأوصل الفعل أو كالوا مكيلهم فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
قال في الكشاف: ولا يصح أن يكون ضميرًا مرفوعًا للمطففين لأن الكلام يخرج به إلى نظم فاسد، وذلك أن المعنى إذا أخذوا من الناس استوفوا وإذا أعطوهم أخسروا، وإن جعلت الضمير للمطففين انقلب إلى قولك إذا أخذوا من الناس استوفوا وإذا تولوا الكيل أو الوزن هم على الخصوص أخسروا وهو كلام متنافر لأن الحديث واقع في الفعل لا في المباشر انتهى.
وتعقبه أبو حيان فقال: لا تنافر فيه بوجه ولا فرق بين أن يؤكد الضمير أم لا يؤكد والحديث واقع في الفعل غاية ما في هذا أن متعلق الاستيفاء وهو على الناس مذكور وهو في كالوهم أو وزنوهم محذوف للعلم به لأنه معلوم أنهم لا يخسرون الكيل والميزان إذا كان لأنفسهم إنما يخسرون ذلك لغيرهم، وسقط قوله يعني كالوا لهم الخ في رواية ابن عساكر.
(وقال النبي ﷺ ¬) فيما وصله النسائي وابن حبان في حديث لما اشترى من طارق بن عبد الله المحاربي وأصحابه جملاً بصيعان من تمر وأرسل إليهم رجلاً بتمر يأمرهم بالأكل من التمر وقال: (اكتالوا حتى تستوفوا) ثمن جملكم.
ومطابقته للترجمة من جهة أن الاكتيال يستعمل لما يأخذه المرء لنفسه كقوله: اكتسب إذا حصل الكسب.
(ويذكر) بضم أوله وفتح مبنيًّا للمفعول (عن عثمان ﵁) فيما وصله الدارقطني وأحمد وابن ماجة والبزار (أن النبي ﷺ قال: إذا) وللكشميهني قال له إذا (بعت فكل) بكسر الكاف (وإذا) بالواو، وللحموي والمستملي: فإذا (ابتعت) اشتريت (فاكتل) أي إذا بعت فكن كائلاً وإذا اشتريت فكن مكيلاً عليك أي الكيل على البائع لا المشتري. قال ابن بطال: فيه أنه يكيل له غيره إذا اشترى ويكيل لغيره إذا باع.
стр. 2640
٢١٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِيعُهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال):
(من ابتاع طعامًا فلا يبيعه) ولأبي ذر: فلا يبعه بالجزم بلا الناهية (حتى يستوفيه) أي يقبضه وقد سبق هذا الحديث قريبًا.
٢١٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: "تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَاسْتَعَنْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى غُرَمَائِهِ أَنْ يَضَعُوا مِنْ دَيْنِهِ فَطَلَبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِمْ فَلَمْ يَفْعَلُوا، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : اذْهَبْ فَصَنِّفْ تَمْرَكَ أَصْنَافًا: الْعَجْوَةَ عَلَى حِدَةٍ، وَعَذْقَ زَيْدٍ عَلَى حِدَةٍ ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَىَّ. فَفَعَلْتُ، ثُمَّ أَرْسَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَجَلَسَ عَلَى أَعْلَاهُ أَوْ فِي وَسَطِهِ ثُمَّ قَالَ: كِلْ لِلْقَوْمِ، فَكِلْتُهُمْ حَتَّى أَوْفَيْتُهُمُ الَّذِي لَهُمْ، وَبَقِيَ تَمْرِي كَأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَىْءٌ". وَقَالَ فِرَاسٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ: حَدَّثَنِي جَابِرٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ حَتَّى أَدَّى". وَقَالَ هِشَامٌ عَنْ وَهْبٍ عَنْ جَابِرٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «جُذَّ لَهُ فَأَوْفِ لَهُ».
[الحديث ٢١٢٧ - أطرافه في: ٢٣٩٥، ٢٣٩٦، ٢٤٠٥، ٢٦٠١، ٢٧٠٩، ٢٧٨١، ٣٥٨٠، ٤٠٥٣، ٦٢٥٠].
وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو عبد الله بن عثمان قال: (أخبرنا جرير) هو ابن عبد الحميد (عن مغيرة) بضم الميم وكسر الغين المعجمة ابن مقسم بكسر الميم أبي هشام الكوفي (عن الشعبي) عامر بن شراحيل (عن جابر ﵁) أنه (قال: توفي عبد الله بن عمرو بن حرام) بفتح العين وسكون الميم وحرام بالراء المهملة وهو أبو جابر هذا (وعليه دين) الواو للحال (فاستعنت النبي ﷺ ¬) من الاستعانة وفي باب الشفاعة في الدين فاستشفعت (على غرمائه أن يضعوا) أي يتركوا (من دينه) شيئًا (فطلب النبي ﷺ إليهم فلم يفعلوا) أي لم يتركوا شيئًا (فقال لي النبي ﷺ ¬):
(اذهب فصنّف تمرك أصنافًا) أي اعزل كل صنف على حدة اجعل (العجوة) وهي ضرب من أجود التمر بالمدينة (على حدة وعذق زيد على حدة) بفتح العين المهملة وسكون الذال المعجمة منصوب عطفًا على العجوة المنصوب بالمقدر مضافًا إلى شخص يسمى زيدًا وهو نوع من التمر رديء ولأبي ذر: عذق زيد بكسر العين. قال الجوهري بالفتح النخلة وبالكسر الكباسة وأصناف تمر المدينة كثيرة جدًّا فذكر أبو محمد الجويني في الفروق أنه كان بالمدينة فبلغه أنهم عدّوا عند أميرها صنوف الأسود خاصة فزادت على الستين قال: والتمر الأحمر أكثر عندهم من الأسود. (ثم أرسل إليّ) بلفظ الأمر قال جابر: (ففعلت) ما أمرني به ﷺ (ثم أرسلت إلى النبي ﷺ فجلس) ولابن عساكر وأبي ذر
стр. 2641
عن الكشميهني فجاء فجلس (على أعلاه) أي جلس ﵊ على أعلى التمر (أو في وسطه، ثم قال) ﵊ (كِلْ للقوم) أمر من كال يكيل (فكلتهم حتى أوفيتهم الذي لهم وبقي تمري كأنه لم ينقص منه شيء) فيه معجزة ظاهرة له ﷺ .
ومطابقته للترجمة من جهة أن الكيل على المعطي وأخرجه في الاستقراض والوصايا والمغازي وعلامات النبوة والنسائي في الوصايا.
(وقال فراس) بكسر الفاء وتخفيف الراء وبعد الألف سين مهملة ابن يحيى المكتب في حديث جابر الموصول عند المؤلّف في أواخر أبواب الوصايا (عن الشعبي) عامر بن شراحيل (حدّثني) بالإفراد (جابر عن النبي ﷺ فما زال يكيل لهم) أي لغرماء أبيه (حتى أدّى) دين أبيه ولغير أبي ذر وابن عساكر: حتى أدّاه بضمير النصب.
(وقال هشام) هو ابن عروة فيما وصله المؤلّف في الاستقراض (عن وهب) هو ابن كيسان مولى عبد الله بن الزبير (عن جابر) أنه قال: (قال النبي ﷺ : جدّ له) بضم الجيم وتشديد الذال المعجمة أي اقطع للغريم العراجين (فأوف له) حقه.
٥٢ - باب مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الْكَيْلِ
(باب ما يستحب من الكيل).
٢١٢٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ عَنْ ثَوْرٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كِيلُوا طَعَامَكُمْ، يُبَارَكْ لَكُمْ».
وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن موسى) بن يزيد الرازي الصغير قال: (حدّثنا الوليد) بن مسلم القرشي (عن ثور) هو ابن يزيد الحمصي (عن خالد بن معدان) الكلاعي بفتح الكاف وتخفيف اللام والعين مهملة الحمصي (عن المقدام) بكسر الميم (ابن معد يكرب) غير مصروف (﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال: كيلوا طعامكم) أي عند البيع (يبارك لكم) أي فيه. قال ابن الجوزي: يشبه أن تكون هذه البركة للتسمية عليه عند الكيل، وقال غيره: لما وضع الله تعالى من البركة في مدّ أهل المدينة بدعوته ﷺ ، ولا معارضة بين هذا الحديث وحديث عائشة الآتي إن شاء الله تعالى في الرقاق المتضمن لأنها كانت تخرج قوتها وهو شيء يسير بغير كيل فبورك لها فيه فلما كالته فني، وعند ابن ماجة فما زلنا نأكل منه حتى كالته الجارية فلم يلبث أن فني ولو لم تكله لرجوت أن يبقى أكثر لأن حديث الباب أن يكال عند شرائه أو دخوله إلى المنزل وحديثها عند الإنفاق منه، فالكيل الأول ضروري يدفع الغرر في البيع ونحوه، والثاني لمجرد القنوط والاستكثار لما خرج منه وقوله يبارك بالجزم جوابًا للأمر.
стр. 2642
وهذا الحديث من أفراد البخاري وأكثر رجاله شاميون ورواه الوليد عن ثور عن خالد عن المقدام كما ترى فتابعه يحيى بن حمزة عن ثور، وهكذا رواه عبد الرحمن بن مهدي عن ابن المبارك عن ثور أخرجه أحمد عنه، وتابعه بحير بن سعد عن خالد بن معدان وخالفهم أبو الربيع الزهراني عن ابن المبارك فأدخل بين خالد والمقدام جبير بن نفير، وهكذا أخرجه الإسماعيلي أيضًا وروايته من المزيد في متصل الأسانيد، ورواه ابن ماجة في روايته عن خالد عن المقدام عن أبي أيوب الأنصاري فذكره في مسند أبي أيوب، ورجح الدارقطني هذه الزيادة قاله الحافظ ابن حجر.
٥٣ - باب بَرَكَةِ صَاعِ النَّبِيِّ ﷺ وَمُدِّه فِيهِ عَائِشَةُ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ -
(باب بركة صاع النبي ﷺ ومدّه) ﵊، وللحموي والمستملي والنسفيّ: ومدهم بصيغة الجمع.
قال الحافظ ابن حجر: الضمير يعود للمحذوف في صاع النبي ﷺ أي صاع أهل مدينة النبي ﷺ ، ومدّهم، وتعقبه العيني بأنه تعسف لأجل عود الضمير والتقدير بصاع أهل مدينة النبي ﷺ غير موجه ولا مقبول لأن الترجمة في بيان بركة صاع النبي ﷺ على الخصوص لا في بيان صاع أهل المدينة ولأهل المدينة صيعان مختلفة انتهى.
وقال في انتقاص الاعتراض المراد بصاعهم ما قدّروه على صاعه ﷺ خاصة، وقد قال العيني بعد قليل: وأما وجه الضمير في مدّهم فهو أن يعود إلى أهل المدينة وإن لم يمض ذكرهم لأن القرينة اللفظية تدل على ذلك وهو لفظ الصاع والمدّ لأن أهل المدينة اصطلحوا على لفظ الصاع والمدّ كما اصطلح أهل الشام على المكوك انتهى.
فوقع في التعسف الذي عابه (فيه) أي في صاعه الذي دعا له ﵊ بالبركة (عائشة ﵂ عن النبي ﷺ ¬) فيما وصله المؤلّف في آخر كتاب الحج في حديث طويل.
٢١٢٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ الأَنْصَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لَهَا، وَحَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، وَدَعَوْتُ لَهَا فِي مُدِّهَا وَصَاعِهَا مِثْلَ مَا دَعَا إِبْرَاهِيمُ لِمَكَّةَ».
وبه قال: (حدّثنا موسى) بن إسماعيل المنقري البصري قال: (حدّثنا وهيب) مصغر ابن خالد البصري قال: (حدّثنا عمرو بن يحيى) بن عمارة الأنصاري المدني (عن عباد بن تميم الأنصاري عن عبد الله بن زيد) الأنصاري النجاري (﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه قال:
стр. 2643
(إن ابراهيم) الخليل ﵊ (حرم مكة) بتحريم الله (ودعا لها وحرمت المدينة) أن يصاد فيها (كما حرم إبراهيم مكة ودعوت لها في مدّها وصاعها) أن يبارك فيما كيل فيها (مثل ما دعا إبراهيم) ﵊ (لمكة) وهذا الحديث قد سبق في كتاب الحج.
٢١٣٠ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مِكْيَالِهِمْ، وَبَارِكْ لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ. يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ".
[الحديث ٢١٣٠ - طرفاه في: ٦٧١٤، ٧٣٣١].
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (عبد الله بن مسلمة) بن قعنب القعنبي المدني سكن البصرة (عن مالك) إمام دار الهجرة (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاري المدني (عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال):
(اللهمّ بارك لهم) أي أهل المدينة (في مكيالهم) بكسر الميم آلة الكيل أي فيما يكال في مكيالهم (وبارك لهم في) ما يكال في (صاعهم و) ما يكال في (مدّهم) وحذف المقدّر لفهم السامع وهو من باب ذكر المحل وإرادة الحال، وقد استجاب الله دعاء رسوله وكثر ما يكتال بهذا الكيل حتى يكفي منه ما لا يكفي من غيره في غير المدينة، ولقد شاهدت من ذلك ما يعجز عنه الوصف علم من أعلام نبوّته ﵊ فينبغي أن يتخذ ذلك المكيال رجاء بركة دعوته ﵊ والاستنان بأهل البلد الذين دعا لهم ﵊ (يعني أهل المدينة) وهل يختص بالمدّ المخصوص أو بكل مدّ تعارفه أهل المدينة في سائر الأعصار زاد أو نقص، وهو الظاهر لأنه أضافه إلى المدينة تارة وإلى أهلها أخرى ولم يضفه ﵊ إلى نفسه الزكية فدلّ على عموم الدعوة لا على خصوصها بمدّه ﵊.
وهذا الحديث قد أخرجه المؤلّف أيضًا في الاعتصام وكفارات الإيمان، ومسلم والنسائي في المناسك.
٥٤ - باب مَا يُذْكَرُ فِي بَيْعِ الطَّعَامِ، وَالْحُكْرَةِ
(باب ما يذكر في بيع الطعام) قبل قبضه (و) ما يذكر في (الحكرة) بضم الحاء وسكون الكاف وهي إمساك ما اشتراه في وقت الغلاء لا في وقت الرخص لبيعه بأكثر مما اشتراه به عند اشتداد الحاجة بخلاف إمساك ما اشتراه في وقت الرخص لا يحرم مطلقًا ولا إمساك غلة ضيعته ولا إمساك ما اشتراه في وقت الغلاء لنفسه وعياله أو ليبيعه بمثل ما اشتراه به أو أقل، لكن في كراهة إمساك ما فضل عما يكفيه وعياله وجهان الظاهر منهما المنع، لكن الأولى منعه كما صرّح به في الروضة ويختص تحريم الاحتكار بالأقوات ومنها التمر والزبيب والذرة والأرز فلا تعم جميع الأطعمة.
стр. 2644
٢١٣١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: "رَأَيْتُ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ الطَّعَامَ مُجَازَفَةً يُضْرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيعُوهُ حَتَّى يُئْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ".
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر حدّثني (إسحاق بن إبراهيم) هو ابن راهويه قال: (أخبرنا الولد بن مسلم) أبو العباس الدمشقي (عن الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو بفتح العين (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن سالم عن أبيه) عبد الله بن عمر بن الخطاب (﵁) أنه (قال: رأيت الذي يشترون الطعام) شراء (مجازفة) أو النصب على الحال أي حال كونهم مجازفين أي من غير كيل ولا وزن ولا تقدير (يضربون) بضم أوّله وفتح ثالثه (على عهد رسول الله ﷺ ¬) كراهة (أن يبيعوه) أو كلمة لا مقدرة نحو ﴿يبين الله لكم أن تضلوا﴾ [النساء: ١٧٦] (حتى يؤووه إلى رحالهم) أي يقبضوه. وفي المجموع عن الشافعي بيع الصبرة من الحنطة والتمر مجازفة صحيح وليس بحرام وهل هو مكروه؟ فيه قولان أصحهما مكروه كراهة تنزيه لأنه قد يوقع في الندم، وعن مالك: لا يصح البيع إذا كان بائع الصبرة جزافًا يعلم قدرها، وسقط في رواية ابن عساكر في نسخة قوله أن يبيعوه.
وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في المحاربين، ومسلم في البيوع، وكذا أبو داود والنسائي.
٢١٣٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ طَعَامًا حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ. قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: كَيْفَ ذَاكَ؟ قَالَ: ذَاكَ دَرَاهِمُ بِدَرَاهِمَ وَالطَّعَامُ مُرْجَأٌ". قَالَ أَبُو عَبْدُ الله: ﴿مُرْجَؤونَ﴾ [التوبة: ١٠٦] مُؤخَّرون.
[الحديث ٢١٣٢ - طرفه في: ٢١٣٥].
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي المنقري قال: (حدّثنا وهيب) هو ابن خالد (عن ابن طاوس) عبد الله (عن أبيه) طاوس بن كيسان اليماني (عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ نهى أن يبيع الرجل طعامًا حتى يستوفيه) يقبضه قال طاوس (قلت لابن عباس) ﵄ (كيف ذاك؟) أي ما سبب هذا النهي (قال) ابن عباس: (ذاك دراهم بدراهم) أي إذا باع المشتري قبل القبض وتأخر المبيع في يد البائع فكأنه باع دراهم بدراهم (والطعام مرجأ) بميم مضمومة فراء ساكنة فجيم مفتوحة مخففة فهمزة وقد تترك الهمزة أي مؤخر، ولأبي ذر: مرجًا بالتنوين من غير همز، وفي كتاب الخطابي مرجى بالتشديد للمبالغة، ومعنى الحديث أن يشتري من إنسان طعامًا بدينار إلى أجل ثم يبيعه منه أو من غيره قبل أن يقبضه بدينارين مثلاً فلا يجوز لأنه في التقدير بيع ذهب بذهب والطعام غائب فكأنه قد باعه ديناره الذي اشترى به الطعام بدينارين فهو ربًا
стр. 2645
ولأنه بيع غائب يناجز. قال الزركشي: فيكون والطعام مرجأ مبتدأ وخبرًا في موضع نصب على الحال.
وزاد هنا في رواية أبي ذر عن المستملي (قال أبو عبد الله) أي البخاري معنى قوله تعالى (﴿مرجؤون﴾) [التوبة: ١٠٦] (مؤخرون) وهو موافق لتفسير أبي عبيدة.
٢١٣٣ - حَدَّثَنِي أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ».
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا عبد الله بن دينار قال: سمعت ابن عمر ﵄ يقول: قال النبي ﷺ ¬):
(من ابتاع طعامًا فلا يبيعه) ولأبي ذر فلا يبعه بالجزم بلا الناهية (حتى يقبضه) وفي الرواية السابقة حتى يستوفيه وهما بمعنى.
وفي الحديث قد سبق في باب الكيل على البائع.
٢١٣٤ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ كَانَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ يُحَدِّثُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ عِنْدَهُ صَرْفٌ؟ فَقَالَ طَلْحَةُ: أَنَا، حَتَّى يَجِيءَ خَازِنُنَا مِنَ الْغَابَةِ. قَالَ سُفْيَانُ هُوَ الَّذِي حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ لَيْسَ فِيهِ زِيَادَةٌ، فَقَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَوْسٍ أنه سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ يُخْبِرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلاَّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلاَّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلاَّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلاَّ هَاءَ وَهَاءَ».
[الحديث ٢١٣٤ - طرفاه في: ٢١٧٠، ٢١٧٤].
وبه قال: (حدّثنا عليّ) هو ابن المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (كان عمرو بن دينار يحدّث عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن مالك بن أوس) بهمزة مفتوحة وبعد الواو الساكنة سين مهملة التابعي وقيل له صحبة ولا يصح (أنّه قال: من عنده) وفي رواية: من كان عنده (صرف) أي دراهم يصرف بها دنانير (فقال طلحة) هو ابن عبيد الله أحد العشرة المبشرة (أنا) عندي الدراهم ولكن أصبر (حتى يجيء خازننا) لم يسم هذا الخازن (من الغابة) بالغين المعجمة والموحدة موضع قريب من المدينة من عواليها به أموال أهل المدينة ومنها عمل المنبر الشريف النبوي.
(قال سفيان) بن عيينة بالسند السابق (هو) أي الذي كان عمرو بن دينار يحدّث عن الزهري هو (الذي حفظناه عن الزهري ليس فيه زيادة) وقد حفظ الزيادة مالك وغيره عن الزهري (فقال) بالفاء قبل القاف أي قال الزهري، ولأبي الوقت قال: (أخبرني) بالإفراد (مالك بن أوس) ولابن
стр. 2646
عساكر زيادة ابن الحدثان بفتح المهملتين وبالمثلثة (أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁) حال كونه (يخبر عن رسول الله ﷺ ¬) أنه (قال):
(الذهب بالذهب) ولأبوي ذر والوقت: بالورق بفتح الواو وكسر الراء وهو رواية أكثر أصحاب ابن عيينة عنه وهي رواية أكثر أصحاب الزهري أي بيع الذهب بالذهب أو بالورق (ربًا) بالتنوين من غير همز (إلا هاء وهاء) بالمدّ وفتح الهمزة فيهما على الأفصح الأشهر وهي اسم فعل بمعنى خذ تقول هاء درهمًا أي خذ درهمًا فدرهمًا منصوب باسم الفعل كما ينصب بالفعل ويجوز كسر الهمزة نحو هات وسكونها نحو خف والقصر وأنكره الخطابي وأصلها هاك بالكاف فقلبت الكاف همزة حكاه الماوردي والنووي، وليس المراد بكون الكاف هي الأصل أنها من نفس الكلمة وإنما المراد أصلها في الاستعمال وهي حرف خطاب. قال ابن مالك: وحقها أن لا تقع بعد إلا كما لا يقع بعدها خذ فإذا وقع يقدر قول قبله يكون به محكيًّا أي إلا مقولاً عنده من المتعاقدين هاء وهاء.
قال الطيبي: فإذا محله النصب على الحال والمستثنى منه مقدّر يعني بيع الذهب بالذهب ربًا في جميع الحالات لا حال الحضور والتقابض فكنى عن التقابض بقوله هاء وهاء لأنه لازمه انتهى.
وعبّر بذلك لأن المعطي قائل خذ بلسان الحال سواء وجد معه بلسان المقال أو لا فالاستثناء مفرّغ من الخبر وفيه حذف مضاف من المبتدأ وحذف مضاف مما بعد إلا.
(والبر بالبر) بضم الموحدة القمح وهو الحنطة أي بيع أحدهما بالآخر (ربًا إلا) مقولاً عنده من المتعاقدين (هاء وهاء) أي خذ (والتمر بالتمر) أي بيع أحدهما بالآخر (ربًا إلا) مقولاً عنده من المتبايعين (هاء وهاء والشعير بالشعير) بفتح الشين المعجمة على المشهور وقد تكسر قال ابن مكي الصقلي كل فعيل وسطه حرف حلق مكسور يجوز كسر ما قبله في لغة تميم. قال: وزعم الليث أن قومًا من العرب يقولون ذلك وإن لم تكن عينه حرف حلق نحو كبير وجليل وكريم أي بيع الشعير بالشعير (ربًا إلا) مقولاً عنده من المتعاقدين (هاء وهاء) أي يقول كل واحد منهما للآخر خذ ويؤخذ منه أن البر والشعير صنفان وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وفقهاء المحدثين وغيرهم. وقال مالك والليث ومعظم علماء المدينة والشام وغيرهم من المتقدمين: أنهما صنف واحد واتفقوا على أن الذرة صنف والأرز صنف إلا الليث بن سعد وابن وهب المالكي فقالا: إن هذه الثلاثة صنف واحد، وبقية مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى بعد تسعة عشر بابًا حيث ذكره المؤلّف ولم يذكر في شيء من هذه الأحاديث الحكرة المترجم بها.
قال ابن حجر: وكأن المصنف استنبط من الأمر بنقل الطعام إلى الرحال ومنع بيع الطعام قبل استيفائه فلو كان الاحتكار حرًّا ما لم يأمر بما يؤول إليه وكأنه لم يثبت عنده حديث معمر بن عبد الله مرفوعًا: "لا يحتكر إلا خاطئ" أخرجه مسلم، لكن مجرد إيواء الطعام إلى الرحال لا يلزم الاحتكار لأن الاحتكار الشرعي إمساك الطعام عن البيع وانتظار الغلاء مع الاستغناء عنه وحاجة الناس إليه.
стр. 2647
ويحتمل أن يكون البخاري أراد بالترجمة بيان تعريف الحكرة التي نهي عنها في غير هذا الحديث المراد بها قدر زائد على ما يفسره أهل اللغة وسياق الأحاديث التي فيها تمكين الناس من شراء الطعام ونقله، ولو كان الاحتكار ممنوعًا لمنعوا من نقله، وقد ورد في دم الاحتكار أحاديث كحديث عمر مرفوعًا: "من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس" أخرجه ابن ماجة بإسناد حسن وعنده والحاكم بإسناد ضعيف عنه مرفوعًا: "الجالب مرزوق والمحتكر ملعون".
٥٥ - باب بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ، وَبَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ
(باب) حكم (بيع الطعام قبل أن يقبض) أي قبل قبضه فأن مصدرية (و) حكم (بيع ما ليس عندك).
٢١٣٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: الَّذِي حَفِظْنَاهُ مِنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ سَمِعَ طَاوُسًا يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: "أَمَّا الَّذِي نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ فَهْوَ الطَّعَامُ أَنْ يُبَاعَ حَتَّى يُقْبَضَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَا أَحْسِبُ كُلَّ شَىْءٍ إِلاَّ مِثْلَهُ".
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: الذي) ولابن عساكر قال: أما الذي (حفظناه من عمرو بن دينار) أنه (سمع طاوسًا) اليماني ويشير إلى أن في غير رواية عمرو بن دينار عن طاوس زيادة على ما حدّثهم به عمرو عنه كسؤال طاوس من ابن عباس عن سبب النهي وجوابه وغير ذلك. وقال البرماوي كالكرماني: لما كان سفيان منسوبًا إلى التدليس أراد رفعه بالتصريح بالسماع والحفظ من طاوس حال كونه (يقول: سمعت ابن عباس ﵄) حال كونه (يقول: أما الذي نهى عنه النبي ﷺ فهو الطعام أن يباع) من بائعه أو غيره (حتى يقبض) موضع أن يباع رفع بدلاً من الطعام وإنما أبدلت النكرة من المعرفة بلا نعت لأن المضارع مع أن متوغل في التعريف قاله البرماوي كالكرماني (قال ابن عباس ولا أحسب كل شيء إلا مثله) أي مثل الطعام، وفي رواية مسلم من طريق معمر عن ابن طاوس عن أبيه وأحسب كل شيء بمنزلة الطعام وهذا من تفقه ابن عباس ﵄، وقد قال ﷺ لحكيم بن حزام: "لا تبيعن شيئًا حتى تقبضه" رواه البيهقي وقال إسناده حسن متصل وهو مذهب الشافعية سواء كان طعامًا أو عقارًا أو منقولاً. وقال أبو حنيفة: لا يصح إلا في العقار، وقال مالك: لا يصح في الطعام، وقال أحمد: لا يصح في المكيل والموزون.
قال المازري: وتمسك الشافعي بنهيه ﷺ عن ربح ما لم يضمن فعم، وتمسك أبو حنيفة بقوله حتى يستوفيه فاستثنى ما لا ينقل لتعذّر الاستيفاء فيه، وتمسك من منع في كل المكيلات والموزونات بقوله حتى يكتاله فجعل العلة الكيل وأجرى سائر المكيلات والموزونات مجرى واحدًا وتمسك مالك ﵀ بنهيه عن بيع الطعام فدلّ على أن غير الطعام مما فيه حق توفية بخلاف الطعام إذ لو منع من
стр. 2648
الجميع لم يكن لذكر الطعام فائدة ودليل الخطاب كالنص عند الأصوليين وفي صفة القبض عند الشافعي تفصيل فما يتناول باليد كالثوب فقبضه بالتناول وما لا ينقل كالعقار فبالتخلية وما ينقل في العادة كالحبوب فبالنقل إلى مكان لا اختصاص للبائع به، والعلة في النهي ضعف الملك فإنه معرّض للسقوط بالتلف.
٢١٣٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ». زَادَ إِسْمَاعِيلُ «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي قال: (حدّثنا مالك) الإمام (عن نافع عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال):
(من ابتاع طعامًا فلا يبيعه) ولأبي ذر: فلا يبعه بالجزم (حتى يستوفيه زاد إسماعيل) بن أبي أويس في روايته عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (من ابتاع طعامًا فلا يبيعه) ولأبي ذر: فلا يبعه بالجزم (حتى يقبضه) وجه ابن حجر الزيادة بأن في قوله: "حتى يقبضه" زيادة في المعنى على قوله: "حتى يستوفيه" لأنه قد يستوفيه بالكيل بأن يكيله البائع ولا يقبضه للمشتري بل يحبسه عنده لينقده الثمن مثلاً وتعقبه العيني بأن الأمر بالعكس لأن لفظ الاستيفاء يشعر بأن له زيادة في المعنى على لفظ الإقباض من حيث أنه إذا أقبض بعضه وحبس بعضه لأجل الثمن يطلق عليه معنى الإقباض في الجملة ولا يقال له استوفاه حتى يقبض الكل. وقال البرماوي كالكرماني: معناه زاد رواية أخرى وهي يقبضه إذ الرواية الأخرى يستوفيه وإلاّ فهو عين السابق إذ معنى الاستيفاء القبض والرجال أربعة وهذه الطريق قد وصلها البيهقي، ولم يذكر في حديثي الباب بيع ما ليس عندك وكأنه لم يثبت على شرطه فاستنبط من النهي عن البيع قبل القبض، ووجه الاستدلال منه بطريق الأولى وحديث النهي عن بيع ما ليس عندك أخرجه أصحاب السُّنن من حديث حكيم بن حزام بلفظ قلت: يا رسول الله يأتيني الرجل فيسألني من المبيع ما ليس عندي أبتاع له من السوق ثم أبيعه منه فقال لا تبع ما ليس عندك.
٥٦ - باب مَنْ رَأَى إِذَا اشْتَرَى طَعَامًا جِزَافًا أَنْ لَا يَبِيعَهُ حَتَّى يُئْوِيَهُ إِلَى رَحْلِهِ، وَالأَدَبِ فِي ذَلِكَ
(باب من رأى إذا اشترى طعامًا جزافًا) بتثليث الجيم وهو البيع بلا كيل ونحوه (أن لا يبيعه حتى يؤويه) أي ينقله (إلى رحله) منزله، وفي نسخة: رحاله بلفظ الجمع (و) بيان (الأدب في ذلك).
стр. 2649
٢١٣٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "لَقَدْ رَأَيْتُ النَّاسَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَبْتَاعُونَ جِزَافًا -يَعْنِي الطَّعَامَ- يُضْرَبُونَ أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِمْ حَتَّى يُؤْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ".
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) المصري قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (سالم بن عبد الله أن) أباه (ابن عمر) وفي نسخة: أن عبد الله بن عمر (﵄ قال: لقد رأيت الناس في عهد رسول الله ﷺ يبتاعون) بموحدة ساكنة قبل المثناة الفوقية، ولابن عساكر: يتبايعون بتأخير الموحدة وبعد الألف تحتية (جزافًا) بكسر الجيم وتفتح وتضم (يعني الطعام يضربون) بضم أوّله وفتح ثالثه (أن يبيعوه) أي كراهية أن يبيعوه أو فيه لا مقدرة كما في قوله تعالى: ﴿يبين الله لكم أن تضلوا﴾ [النساء: ١٧٦] (في مكانهم حتى يؤووه إلى رحالهم) منازلهم وهذا قد خرج مخرج الغالب والمراد القبض. وفي بعض طرق مسلم عن ابن عمر: كنا نبتاع الطعام فيبعث علينا رسول الله ﷺ من يأمر بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه. وفرق مالك في المشهور عنه بين الجزاف والمكيل فأجاز بيع الجزاف قبل قبضه لأنه مرئي فيكفي فيه التخلية والاستيفاء إنما يكون في مكيل أو موزون، وقد روى أحمد من حديث ابن عمر مرفوعًا من اشترى بكيل أو وزن فلا يبيعه حتى يقبضه.
وفي الحديث مشروعية تأديب من يتعاطى العقود الفاسدة.
٥٧ - باب إِذَا اشْتَرَى مَتَاعًا أَوْ دَابَّةً فَوَضَعَهُ عِنْدَ الْبَائِعِ، أَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: مَا أَدْرَكَتِ الصَّفْقَةُ حَيًّا مَجْمُوعًا فَهُوَ مِنَ الْمُبْتَاعِ.
هذا (باب) بالتنوين (إذا اشترى) شخص (متاعًا أو دابةً فوضعه) أي ترك المبيع (عند البائع) فتلف أو تعيب (أو مات) الحيوان (قبل أن يقبض) بضم أوّله مبنيًّا للمفعول بآفة سماوية انفسخ البيع في التالف والميت وسقط الثمن عن المشتري لتعذر القبض المستحق سواء عرضه البائع عليه فلم يقبله أو لا قاله الشيخ أبو حامد وغيره.
قال السبكي وينبغي أن يكون مرادهم إذا كان مستمرًا بيد البائع فإن أحضره ووضعه بين يدي المشتري فلم يقبله، فالأصح عند الرافعي وغيره أنه يحصل القبض ويخرج من ضمان البائع، وإذا أبرأه المشتري عن ضمان المبيع لو تلف أو أتلفه لم يبرأ لأنه إبراء عمّا لا يجب وانفساخه بتلف المبيع مقدّر به انتقال الملك إلى البائع قبيل التلف لا من العقد كالفسخ بالعيب فتجهيزه على البائع لانتقال الملك فيه إليه وزوائده المنفصلة الحادثة عنده كثمرة ولبن وبيض وصوف وكسب للمشتري لأنها
стр. 2650
حدثت في ملكه وهي أمانة في يد البائع، وإتلاف المشتري للمبيع قبل قبضه ولو جاهلاً به قبض له ولا ينفسخ البيع بإتلاف الأجنبي لقيام بدله مقامه بل يتخير المشتري بين الفسخ والرجوع عليه بالقيمة أو المثل، وإذا اختار الفسخ رجع البائع على الأجنبي بالبدل، ولو تعيب المبيع قبل القبض بآفة كحمى وشلل ثبت للمشتري الخيار من غير أرش له لقدرته على الفسخ، ومذهب الحنفية كالشافعية في أن المبيع قبل قبضه من ضمان البائع وهو مذهب الحنابلة أيضًا، وعبارة المرداوي في الإنصاف: إذا تلف المبيع كله بآفة سماوية انفسخ العقد وكان من ضمان بائعه وكذا إن تلف بعضه، لكن هل يخير المشتري في باقيه أو يفسخ؟ فيه روايتا تفريق الصفقة إلا أن يتلفه آدمي فيخير المشتري بين فسخ العقد وبين إمضائه ومطالبة متلفه بالقيمة هذا المذهب مطلقًا نص عليه وعليه جماهير الأصحاب وقطع به كثير منهم.
(وقال ابن عمر ﵄) مما وصله الطحاوي والدارقطني من طريق الأوزاعي عن الزهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه: (ما أدركت الصفقة حيًّا) أي ما كان عند العقد غير ميت أي موجودًا (مجموعًا) صفة لحيًّا وغير منفصل عن المبيع فهلك بعد ذلك عند البائع (فهو من المبتاع) أي من ضمان المشتري وليس عندهما لفظ مجموعًا وإسناد الإدراك إلى العقد مجاز وما شرطية فلذا دخلت الفاء في جوابها، واستدلّ به الطحاوي على أن ابن عمر كان يتم بالأقوال قبل التفرق بالأبدان وليس ذلك بلازم وكيف يحتج بأمر محتمل في معارضة أمر مصرّح به، فقد تقدم عن ابن عمر التصريح بأنه كان يرى الفرقة بالأبدان ونقل عنه هنا ما يحتمل التفرق بالأبدان قبل وبعد فحمله على ما بعده أولى جمعًا بين حديثيه.
٢١٣٨ - حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "لَقَلَّ يَوْمٌ كَانَ يَأْتِي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إِلاَّ يَأْتِي فِيهِ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ أَحَدَ طَرَفَىِ النَّهَارِ، فَلَمَّا أُذِنَ لَهُ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْمَدِينَةِ لَمْ يَرُعْنَا إِلاَّ وَقَدْ أَتَانَا ظُهْرًا، فَخُبِّرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: مَا جَاءَنَا النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلاَّ لأَمْرٍ حَدَثَ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لأَبِي بَكْرٍ: أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَاىَ، يَعْنِي عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ. قَالَ: أَشَعَرْتَ أَنَّهُ قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ؟ قَالَ: الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: الصُّحْبَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عِنْدِي نَاقَتَيْنِ أَعْدَدْتُهُمَا لِلْخُرُوجِ، فَخُذْ إِحْدَاهُمَا. قَالَ: قَدْ أَخَذْتُهَا بِالثَّمَنِ".
وبه قال (حدّثنا فروة بن أبي المغراء) فروة بفتح الفاء وسكون الراء المغراء بفتح الميم وسكون الغين المعجمة وبالراء والمد واسمه معد يكرب قال: (أخبرنا علي بن مسهر) بضم الميم وسكون السين المهملة وكسر الهاء قاضي الموصل (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: لقلّ يوم كان يأتي) أي والله لقل ما يأتي يوم (على النبي ﷺ إلا يأتي فيه بيت أبي بكر) الصديق ﵁ (أحد طرفي النهار) فاللام جواب قسم محذوف والاستثناء مفرغ واقع بعد نفي
стр. 2651
مؤوّل لأن قل في معنى النفي والجملة الواقعة بعد أداة الاستثناء في محل نصب على أنها خبر كان وبيت نصب على المفعولية وأحد ظرف بتقدير في (فلما أذن له) ﵇ بضم الهمزة وكسر المعجمة (في الخروج إلى المدينة لم يرعنا) بفتح التحتية وضم الراء وسكون العين المهملة من الروع وهو الفزع (إلا وقد أتانا ظهرًا) يعني فاجأنا بغتة في غير الوقت الذي اعتدنا مجيئه فيه فأفزعنا ذلك وقت الظهر، (فخبر) بضم الخاء المعجمة وكسر الموحدة المشددة (به) ﵊ (أبو بكر) الصديق (فقال ما جاءنا النبي) ولأبي ذر عن الكشميهني: ما جاءنا بالنبي (¬ ﷺ في هذه الساعة إلا لأمر حدث) بفتحات، ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر: إلا من حدث أي من حادثة حدثت له، (فلما دخل) ﵊ (عليه قال لأبي بكر):
(أخرج من عندك) بفتح الهمزة وكسر الراء أمر من الإخراج ومن بفتح الميم مفعول أخرج، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: ما عندك. وقوله في التنقيح: والوجه من أي بالنون وتعقبه في المصابيح بأن ما قد تقع ويراد بها من يعقل نحو: ﴿لما خلقت بيدي﴾ [ص: ٧٥] وسبحان ما سخركنّ لنا. قال أبو حيان: هذا قول أبي عبيدة وابن درستويه وابن خروف ومكّي بن أبي طالب، ونسبه ابن خروف لسيبويه، ومن أدلتهم أيضًا: سبحان ما سبح الرعد بحمده، ﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾ [الكافرون: ٥] ﴿والسماء وما بناها﴾ [الشمس: ٥] الآيات.
(قال: يا رسول الله إنما هما ابنتاي يعني عائشة وأسماء) ﵄ (قال: أشعرت أنه قد أذن) بضم الهمزة وكسر المعجمة أي: أذن الله (لي في الخروج) إلى المدينة (قال) أبو بكر أريد (الصحبة) معك عند الخروج (يا رسول الله. قال) ﷺ : أنا أريد أو ألتمس (الصحبة) أيضًا أو نلتها ويجوز الرفع فيهما خبر مبتدأ محذوف يقدر في كل ما يليق به ففي الأول مرادي الصحبة أو مسألتي الصحبة وفي الثاني مبذولة أو حاصلة لك أو نحوه (قال) أبو بكر: (يا رسول الله إن عندي ناقتين أعددتهما للخروج) معك إلى المدينة قال في اللامع والمصابيح وغيرهما: ويروى عددتهما بغير همزة قال ابن التين: وصوابه بالهمزة لأنه رباعي، وتعقبه العيني بأن قوله رباعي إنما هو بالنسبة إلى عدد حروفه ولا يقال في مصطلح الصرفيين إلا ثلاثي مزيد فيه (فخذ) يا رسول الله (إحداهما. قال) ﵊. (قد أخذتها) أي إحدى الناقتين. قال ابن إسحاق في غير رواية ابن هشام: هي الجدعاء (بالثمن).
قال المهلب: لم يكن آخذًا باليد ولا بالحيازة بل بالابتياع بالثمن وإخراجها عن ملك أبي بكر، لأن قوله قد أخذتها يوجب أخذًا صحيحًا وقبضًا من الصديق بالثمن الذي هو عوض، وتعقبه في فتح الباري: بأن ما قاله ليس بواضح لأن القصة ما سيقت لبيان ذلك فلذلك اختصر فيها قدر الثمن وصفة العقد فيحمل كل ذلك على أن الراوي اختصره لأنه ليس من غرضه، وكذلك اختصر صفة القبض فلا يكون فيه حجة في عدم اشتراط القبض.
стр. 2652
ووجه المطابقة بين الحديث والترجمة من حيث أن لها جزأين فدلالته على الأول ظاهرة لأنه لم يقبض الناقة بعد الأخذ بالثمن الذي هو كناية عن البيع وتركها عند أبي بكر، وأما الثاني وهو قوله أو مات قبل أن يقبض إما للإشعار بأنه لم يجد حديثًا على شرطه فيما يتعلق به وإما للإعلام بأن حكم الموت قبل القبض حكم الوضع عنده قياسًا عليه قاله الكرماني وغيره وأخذ ابن المنير منه جواز بيع الغائب، لأن قول أبي بكر: إن عندي ناقتين بالتنكير يدل على غيبتهما وعلى عدم سبق العهد بهما وهذا معارض بقوله في هذا الحديث في رواية ابن شهاب عن عروة. قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين.
وهذا الحديث من أفراده، وأخرجه أيضًا في أول الهجرة مطوّلاً.
٥٨ - باب لَا يَبِيعُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَسُومُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ أَوْ يَتْرُكَ.
هذا (باب) بالتنوين (لا يبيع) بإثبات الياء على أن لا نافية، وللكشميهني: لا يبع بالجزم على النهي (على بيع أخيه) بأن يقول لمن اشترى سلعة في زمن خيار المجلس أو خيار الشرط افسخ لأبيعك خيرًا منه بمثل ثمنه أو مثله بأنقص فإنه حرام وكذا الشراء على شرائه بأن يقول للبائع افسخ لأشتري منك بأزيد (ولا يسوم) الرجل بالرفع على النفي، وللكشميهني: ولا يسم بالجزم على النهي (على سوم أخيه) بأن يقول لمن اتفق مع غيره في بيع ولم يعقداه أنا أشتريه بأزيد أو أنا أبيعك خيرًا منه بأرخص منه فيحرم بعد استقرار الثمن بالتراضي صريحًا وقبل العقد فلو لم يصرح له المالك بالإجابة بأن عرض بها أو سكت أو كانت الزيادة قبل استقرار الثمن بأن المبيع إذ ذاك ينادى عليه لطلب الزيادة لم يحرم (حتى يأذن له) أخوه البائع (أو يترك) اتفاقه مع المشتري فلا تحريم لأن الحق لهما وقد أسقطاه هذا إن كان الآذن مالكًا فإن كان وليًّا أو وصيًّا أو وكيلاً أو نحوه فلا عبرة بإذنه إن كان فيه ضرر على المالك ذكره الأذرعي وذكر الأخ ليس للتقييد بل للرقة والعطف عليه وإلاّ فالكافر كالمسلم في ذلك.
٢١٣٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ».
[الحديث ٢١٣٩ - طرفاه في: ٣١٦٥، ٥١٤٢].
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال):
стр. 2653
(لا يبيع) بإثبات الياء على أن لا نافية، وللكشميهني: لا يبع بصيغة النهي (بعضكم على بيع أخيه) زاد في الشروط من حديث أبي هريرة: "وأن يستام الرجل على سوم أخيه" وبذلك تحصل المطابقة بين الحديث والترجمة، ولعله أشار إلى ذلك كما هو عادته. وظاهر التقييد بأخيه تخصيص الحكم بالمسلم وبه قال الأوزاعي وغيره. ولمسلم عن أبي هريرة "لا يسوم المسلم على المسلم" وقال الجمهور: لا فرق بين المسلم وغيره، وذكر المسلم ليس للتقييد بل لأنه أسرع امتثالاً فذكر الأخ أو المسلم لا مفهوم له.
وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في البيوع وكذا مسلم وأبو داود والنسائي، وأخرجه ابن ماجة في التجارات.
٢١٤٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. وَلَا تَنَاجَشُوا. وَلَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ. وَلَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ. وَلَا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ مَا فِي إِنَائِهَا".
[الحديث ٢١٤٠ - أطرافه في: ٢١٤٨، ٢١٥٠، ٢١٥١، ٢١٦٠، ٢١٦٢، ٢٧٢٣، ٢٧٢٧، ٥١٤٤، ٥١٥٢، ٦٦٠١].
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا الزهري) محمد بن مسلم (عن سعيد بن المسيب) بفتح الياء المشددة (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال):
(نهى رسول الله ﷺ ¬) نهي تحريم (أن يبيع حاضر لبادٍ) متاعًا يقدم به من البادية ليبيعه بسعر يومه بأن يقول له أي الحاضر اتركه عندي لأبيعه لك على التدريج بأغلى (و) قال: (لا تناجشوا) مضارع حذفت إحدى تاءيه، والأصل تناجشوا من النجش بنون مفتوحة وجيم ساكنة وشين معجمة، هو أن يزيد في الثمن بلا رغبة بل ليغرّ غيره والجملة معمول لقال مقدّرة أي نهى وقال: لا تناجشوا (ولا يبيع الرجل على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه) بكسر الخاء وصورته أن يخطب الرجل المرأة فتركن إليه ويتفقا على صداق معلوم ويتراضيا ولم يبق إلا العقد فيجيء آخر ويخطب ويزيد في الصداق والمعنى في ذلك الإيذاء وهو خبر بمعنى النهي (ولا تسأل المرأة طلاق أختها) تسأل رفع خبر بمعنى النهي. وبالكسر على النهي حقيقة أي لا تسأل امرأة زوج امرأة أن يطلق زوجته ويتزوج بها ويكون لها من النفقة والمعاشرة ما كان لها وهو معنى قوله: (لتكفأ) بفتح الفوقية والفاء وبينهما كاف ساكنة آخره همزة أي تقلب (ما في إنائها) ولأبي ذر: لتكفي بكسر الفاء ثم المثناة التحتية قال: وصوابه بالفتح والهمزة.
وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في الأحكام، ومسلم في النكاح والبيوع، وأخرجه أبو داود في البيوع ببعضه: لا تناجشوا، وفي النكاح ببعضه: لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه،
стр. 2654
والترمذي في البيوع ببعضه: لا يبع حاضر لباد، وفي موضع آخر منه ببعضه: لا تناجشوا، وفي النكاح ببعضه: لا يخطب الرجل على خطبة أخيه ولا يبيع الرجل على بيع أخيه. والنسائي في النكاح بتمامه ولم يذكر السوم، وابن ماجة في النكاح ببعضه: لا يخطب الرجل على خطبة أخيه. وفي التجارات ببعضه: ولا تناجشوا، ورواه فيه أيضًا ببعضه: لا يبيع الرجل على بيع أخيه ولا يسوم على سوم أخيه. ورواه فيه أيضًا ببعضه: لا يبع حاضر لبادٍ.
٥٩ - باب بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ
وَقَالَ عَطَاءٌ: أَدْرَكْتُ النَّاسَ لَا يَرَوْنَ بَأْسًا بِبَيْعِ الْمَغَانِمِ فِيمَنْ يَزِيدُ.
(باب بيع المزايدة. وقال عطاء) هو ابن أبي رباح مما وصله أبو بكر بن أبي شيبة (أدركت الناس لا يرون بأسًا ببيع المغانم فيمن يزيد) ويلتحق بها غيرها للاشتراك في الحكم وكأنه خرج مخرج الغالب فيما يعتادون فيه البيع مزايدة وهي الغنائم والمواريث، وقد أخذ بظاهره الأوزاعي وإسحاق فخصّا الجواز ببيع المغانم والمواريث.
٢١٤١ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ الْمُكْتِبُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: "أَنَّ رَجُلاً أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ فَاحْتَاجَ، فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟ فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِكَذَا وَكَذَا، فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ".
[الحديث ٢١٤١ - أطرافه في: ٢٢٣٠، ٢٣٢١، ٢٤٠٣، ٢٤١٥، ٢٥٣٤، ٦٧١٦، ٦٩٤٧، ٧١٨٦].
وبه قال: (حدّثنا بشر بن محمد) بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة أبو محمد قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا الحسين) بن ذكوان المعلم (المكتب) بسكون الكاف من الإكتاب، ولأبي ذر: المكتب بفتح الكاف وتشديد الفوقية من التكتيب هو المعروف (عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄ أن رجلاً) هو أبو مذكور الأنصاري كما في مسلم (أعتق غلامًا له) اسمه يعقوب كما في مسلم والنسائي (عن دبر) بضم الدال المهملة والموحدة أي قال له أنت حر بعد موتي (فاحتاج) الرجل إلى ثمنه (فأخذه النبي ﷺ فقال):
(من يشتريه مني) فعرّضه للزيادة ليستقصي فيه للمفلس الذي باعه عليه وهذا يردّ على الإسماعيلي حيث قال: ليس في قصة المدبر بيع المزايدة فإن بيع المزايدة أن يعطي به واحد ثمنًا ثم يعطي به غيره زيادة. (فاشتراه نعيم بن عبد الله) بضم النون وفتح العين النحام بفتح النون والحاء المهملة المشددة العدوي القرشي، ووصف بالنحام لأن النبي ﷺ قال: "دخلت الجنة فسمعت نحمة نعيم فيها". والنحمة: السعلة أسلم قديمًا وأقام بمكة إلى قبيل الفتح وكان قومه يمنعونه من الهجرة لشرفه فيهم لأنه كان ينفق عليهم فقالوا: أقم عندنا على أيّ دين شئت. ولما قدم على النبي ﷺ اعتنقه وقبّله واستشهد يوم اليرموك سنة خمس عشرة. (بكذا وكذا) ثمانمائة درهم (فدفعه إليه) أي
стр. 2655
دفع ﵊ الثمن الذي بيع به المدبر المذكور لمدبره أو دفع المدبر لمشتريه نعيم وقول العيني أي دفع الثمن إلى الرجل وهو نعيم بن عبد الله سهو لا يخفى، وقد وقع في رواية مسلم وأبي داود والنسائي من طريق أيوب عن أبي الزبير ما يعين أن الضمير للثمن ولفظه فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم فدفعها إليه. وفي رواية مسلم والنسائي من طريق الليث عن أبي الزبير فدفعها إليه ثم قال: ابدأ بنفسك فتصدق عليها. وفي رواية النسائي من وجه آخر عن إسماعيل بن أبي خالد ودفع ثمنه إلى مولاه، وأما ما وقع في رواية الترمذي فمات ولم يترك مالاً غيره فهو مما نسب فيه ابن عيينة إلى الخطأ ولم يكن سيده مات كما وقع مصرّحًا به في الأحاديث الصحيحة وفيه جواز بيع المدبر وهو قول الشافعي وأحمد، وذهب أبو حنيفة ومالك إلى المنع وتأتي إن شاء الله تعالى مباحث ذلك في موضعه بحول الله وقوته.
وهذا الحديث أخرجه المؤلّف في الاستقراض، وكذا أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة.
٦٠ - باب النَّجْشِ. وَمَنْ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ الْبَيْعُ
وَقَالَ ابْنُ أَبِي أَوْفَى: "النَّاجِشُ آكِلُ رِبًا خَائِنٌ". وَهْوَ خِدَاعٌ بَاطِلٌ لَا يَحِلُّ.
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ "الْخَدِيعَةُ فِي النَّارِ، وَمَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهْوَ رَدٌّ".
(باب النجش) بفتح النون وسكون الجيم وفتحها وهو في اللغة تنفير الصيد واستثارته من مكانه ليصاد يقال: نجشت الصيد أنجشه بالضم نجشًا وفي الشرع أن يزيد في ثمن السلعة من غير رغبة ليوقع غيره فيها وقيد الإمام وغيره ذلك بالزيادة على ما يساويه المبيع، وقضيته أنه لو زاد عند نقص القيمة ولا رغبة له جاز وكلام الأصحاب يخالفه ولا خيار للمشتري لتفريطه حيث لم يتأمل ولم يراجع أهل الخبرة ويقع النجش أيضًا بمواطأة الناجش البائع فيشتركان في الإثم ويقع بغير علم البائع فيختص بذلك الناجش وقد يختص به البائع كأن يقول: أعطيت في المبيع كذا والحال بخلافه أو أنه اشتراه أكثر مما اشتراه ليوقع غيره ولا خيار للمشتري.
(و) باب (من قال: لا يجوز ذلك البيع) الذي وقع بالنجش وهو مشهور مذهب الحنابلة إذا كان بمواطأة البائع أو صنعه، والمشهور عند المالكية في مثل ذلك ثبوت الخيار، والأصح عند الشافعية وهو قول الحنفية صحة البيع مع الإثم والتحريم في جميع المناهي شرطه العلم بها إلا في النجش لأنه خديعة وتحريم الخديعة واضح لكل أحد وإن لم يعلم هذا الحديث بخصوصه بخلاف البيع على بيع أخيه إنما يعرف من الخبر الوارد فيه فلا يعرفه من لا يعرف الخبر. قال الرافعي: ولك أن تقول هو إضرار معلوم من العمومات والوجه تخصيص المعصية بمن عرف التحريم بعموم أو خصوص وأقرّه عليه النووي وهو ظاهر بل نقل البيهقي عن الشافعي أن النجش كغيره من المناهي.
стр. 2656
(وقال ابن أبي أوفى) عبد الله في حديث أورده المؤلّف في الشهادات في باب قوله تعالى: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلاً﴾ [آل عمران: ٧٧] (الناجش أكل ربًا) أي كآكله، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: آكل الربا بالتعريف (خائن) لكونه غاشًّا وهو خبر بعد خبر. قال المؤلّف: (وهو خداع) بكسر الخاء المعجمة أي مخادعة (باطل) غير حق (لا يحل) فعله وهذا قاله المؤلّف تفقهًا وليس من كلام عبد الله بن أبي أوفى.
(قال النبي ﷺ الخديعة) أي صاحبها (في النار) رواه ابن عدي في كامله. وقال ﷺ فيما وصله المؤلّف في كتاب الصلح من حديث عائشة ﵂: (ومن عمل عملاً) بكسر الميم في الأول وفتحها في الثاني (ليس عليه أمرنا فهو ردّ) أي مردود عليه فلا يقبل منه.
٢١٤٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ النَّجْشِ".
[الحديث ٢١٤٢ - طرفه في: ٦٩٦٣].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي قال: (حدّثنا مالك) الإمام (عن نافع عن ابن عمر ﵄) أنه (قال: نهى النبي ﷺ عن النجش) بسكون الجيم وفتحها.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في ترك الحيل، ومسلم والنسائي في البيوع وابن ماجة في التجارات.
٦١ - باب بَيْعِ الْغَرَرِ، وَحَبَلِ الْحَبَلَةِ
(باب بيع الغرر) بفتح الغين المعجمة وبراءين كالمسك في الفأرة والصوف على ظهر الغنم وهو شامل لبيع الآبق والمعدوم والمجهول وما لا يقدر على تسليمه وكلها باطلة إلا إذا دعت حاجة كأس الدار وحشو الجبة فيجوز لدخول الحشو في مسمى الجبة والأس في مسمى الجدار فلا يضرّ ذكرهما لأنه تأكيد بخلاف نحو بيع الحامل وحملها أو ولبن ضرعها، فإنه لا يصح لجعله الحمل واللبن المجهول مبيعًا مع المعلوم بخلاف بيعها بشرط كونها حاملاً أو لبونًا لأنه جعل ذلك وصفًا تابعًا. (و) بيع (حبل الحبلة) بفتح المهملة والموحدة فيهما وقيل هو بسكون الموحدة في الأول وهو من عطف الخاص على العام ولشهرته في الجاهلية أفرد بالتنصيص عليه.
٢١٤٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ، وَكَانَ بَيْعًا يَتَبَايَعُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ: كَانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الْجَزُورَ إِلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ، ثُمَّ تُنْتَجُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا".
[الحديث ٢١٤٣ - طرفاه في: ٢٢٥٦، ٣٨٤٣].
стр. 2657
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ نهى) نهي تحريم (عن بيع حبل الحبلة) قال نافع أو ابن عمر كما جزم به ابن عبد البر: (وكان) بيع حبل الحبلة (بيعًا يتبايعه أهل الجاهلية. كان الرجل) منهم (يبتاع الجزور) بفتح الجيم وضم الزاي هو البعير ذكرًا كان أو أُنثى وحكم الجزور كغيره (إلى أن تنتج الناقة) بضم أوله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول من الأفعال التي لم تسمع إلا كذلك نحو جن وزهي علينا أي تكبر والناقة مرفوع بإسناد تنتج إليها أي تضع ولدها فولدها نِتاج بكسر النون من تسمية المفعول بالمصدر. يقال: نتجت الناقة بالبناء للمفعول نتاجًا أي ولدت، (ثم تنتج التي في بطنها) ثم تعيش المولودة حتى تكبر ثم تلد وصفته كما قاله الشافعي ومالك وغيرهما أن يقول البائع بعتك هذه السلعة بثمن مؤجل إلى أن تنتج هذه النافة ثم تنتج التي في بطنها لأن الأجل
فيه مجهول، وقيل هو بيع ولد ولد الناقة في الحال بأن يقول إذا نتجت هذه الناقة ثم نتجت التي في بطنها فقد بعتك ولدها لأنه بيع ما ليس بمملوك ولا معلوم ولا مقدور على تسليمه فيدخل في بيع الغرر، وهذا الثاني تفسير أهل اللغة وهو أقرب لفظًا وبه قال أحمد والأول أقوى لأنه تفسير الراوي وهو ابن عمر وهو أعرف وليس مخالفًا للظاهر فإن ذلك هو الذي كان في الجاهلية والنهي وارد عليه. قال النووي: ومذهب الشافعي ومحققي الأصوليين أن تفسير الراوي مقدّم إذا لم يخالف الظاهر.
وقال الطيبي، فإن قلت: تفسيره مخالف لظاهر الحديث فكيف يقال إذا لم يخالف الظاهر؟ وأجاب باحتمال أن يكون المراد بالظاهر الواقع فإن هذا البيع كان في الجاهلية بهذا الأجل فليس التفسير حلاًّ للفظ بل بيان للواقع، ومحصل الخلاف السابق كما قاله ابن التين هل المراد البيع إلى أجل أو بيع الجنين؟ وعلى الأول هل المراد بالأجل ولادة الأم أو ولادة ولدها، وعلى الثاني هل المراد بيع الجنين الأول أو بيع جنين الجنين فصارت أربعة أقوال انتهى.
ولم يذكر في الباب بيع الغرر صريحًا لكنه لما كان حديث الباب في النهي عن بيع حبل الحبلة وهو نوع من أنواع بيع الغرر ذكر الغرر الذي هو عامّ، ثم عطف عليه حبل الحبلة من عطف الخاص على العام كما مرّ لينبّه على أن أنواع الغرر كثيرة وإن لم يذكر منها إلا حبل الحبلة من باب التنبيه بنوع مخصوص معلول بعلة على كل نوع توجد فيه تلك العلة. وقد وردت أحاديث كثيرة في النهي عن بيع الغرر من حديث أبي هريرة، ومن حديث ابن عباس عند ابن ماجة وسهل بن سعد عند أحمد.
وحديث الباب أخرجه أبو داود والنسائي في البيوع.
٦٢ - باب بَيْعِ الْمُلَامَسَةِ. وَقَالَ أَنَسٌ: نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ -
(باب) حكم (بيع الملامسة) مفاعلة من اللمس ويأتي تفسيرها في حديث الباب إن شاء الله
стр. 2658
تعالى. (قال أنس) مما وصله المؤلّف في بيع المخاضرة: (نهى عنه) أي عن بيع الملامسة (النبي ﷺ ¬) ولأبي ذر: نهى النبي ﷺ عنه.
٢١٤٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ ﵁ أَخْبَرَهُ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُنَابَذَةِ، وَهْيَ طَرْحُ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ بِالْبَيْعِ إِلَى الرَّجُلِ قَبْلَ أَنْ يُقَلِّبَهُ أَوْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ. وَنَهَى عَنِ الْمُلَامَسَةِ، وَالْمُلَامَسَةُ لَمْسُ الثَّوْبِ لَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ".
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن عفير) بضم العين وفتح الفاء وبعد المثناة التحتية الساكنة راء ونسبه لجده لشهرته به واسم أبيه كثير المصري (قال: حدّثني) بالإفراد (الليث) بن سعد الإمام (قال: حدّثني) بالإفراد أيضًا (عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عامر بن سعد) بسكون العين ابن أبي وقاص (أن أبا سعيد) سعد بن مالك الخدري (﵁ أخبره):
(أن رسول الله ﷺ نهى) نهي تحريم (عن المنابذة) بضم الميم وبالذال المعجمة قال أبو سعيد الخدري (و) المنابذة (هي طرح الرجل ثوبه) لمن يريد شراءه (بالبيع) أي بسببه (إلى رجل) آخر (قبل أن يقلبه) ظهرًا لبطن (أو) قبل أن (ينظر إليه) ويتأمله. (ونهى) النبي ﵊ (عن الملامسة، والملامسة) هي (لمس الثوب لا ينظر) المستام (إليه).
وعند المؤلّف في اللباس من طريق يونس عن الزهري والملامسة لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو بالنهار ولا يقلبه إلا بذلك، والمنابذة أن ينبذ الرجل إلى الرجل بثوبه وينبذ إليه الآخر بثوبه ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراضٍ.
وللنسائي من حديث أبي هريرة: والملامسة أن يقول الرجل للرجل: أبيعك ثوبي بثوبك ولا ينظر واحد منهما إلى ثوب الآخر ولكن يلمسه لمسًا، والمنابذة أن يقول أنبذ ما معي وتنبذ ما معك ليشتري كل واحد منهما من الآخر ولا يدري كل واحد منهما كم مع الآخر ونحو ذلك.
ولمسلم من طريق عطاء بن مينا عن أبي هريرة: أما الملامسة فأن يلمس كل واحد منهما ثوب صاحبه بغير تأمل والمنابذة أن ينبذ كل واحد منهما ثوبه إلى الآخر لم ينظر واحد منهما إلى ثوب صاحبه، وهذا التفسير الذي في حديث أبي هريرة أقعد بلفظ الملامسة والمنابذة لأنهما كما مرّ مفاعلة فتستدعي وجود الفعل من الجانبين. وظاهر الطرق كلها أن التفسير من الحديث المرفوع. لكن وقع في رواية النسائي ما يشعر بأنه من كلام من دون النبي ﷺ ولفظه. وزعم أن الملامسة أن يقول الخ … فالأقرب أن يكون ذلك من كلام الصحابي لأنه يبعد أن يعبر الصحابي عن النبي ﷺ بهذا اللفظ.
стр. 2659
واختلف في تفسير الملامسة على ثلاث صور:
إحداها: أن يكتفي باللمس عن النظر ولا خيار له بعده بأن يلمس ثوبًا لم يره ثم يشتريه على أن لا خيار له إذا رآه.
الثاني: أن يجعل اللمس بيعًا بأن يقول إذا لمسته فقد بعتكه اكتفاء بلمسه عن الصيغة.
الثالثة: أن يبيعه شيئًا على أنه متى لمسه لزم البيع وانقطع خيار المجلس وغيره اكتفاء بلمسه عن الإلزام بتفرّق أو تخاير وبطلان البيع المستفاد من النهي لعدم رؤية المبيع واشتراط نفي الخيار في الأولى ونفي الصيغة في عقد البيع في الثانية وشرط نفي الخيار في الثالثة.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في اللباس ومسلم وأبو داود والنسائي في البيوع.
٢١٤٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "نُهِيَ عَنْ لِبْسَتَيْنِ: أَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، ثُمَّ يَرْفَعَهُ عَلَى مَنْكِبِهِ. وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ: اللِّمَاسِ، وَالنِّبَاذِ".
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا عبد الوهاب) الثقفي قال: (حدّثنا أيوب) السختياني (عن محمد) هو ابن سيرين (عن أبي هريرة ﵁ قال):
(نهي) بضم أوله مبنيًّا للمفعول أي نهى النبي ﷺ (عن لبستين) بكسر اللام على الهيئة لا بالفتح على المرة إحداهما (أن يحتبي الرجل في الثوب الواحد ثم يرفعه على منكبه) كملة أن مصدرية والتقدير نهى عن احتباء الرجل في الثوب الواحد ليس على فرجه منه شيء، ولم يذكر في حديث أبي هريرة ثاني اللبستين المنهي عنهما وهو اشتمال الصماء. قال البرماوي كالكرماني: اختصارًا من الراوي كأنه لشهرته. وقال ابن حجر: وقد وقع بيان الثانية عند أحمد من طريق هشام عن ابن سيرين ولفظه: أن يحتبي الرجل في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء وأن يرتدي في ثوب يرفع طرفيه على عاتقيه.
(و) نهى ﷺ (عن بيعتين) تثنية بيعة بفتح الموحدة وكسرها والفرق بينهما أن الفعلة بالفتح للمرة وبالكسر للحالة والهيئة. قال البرماوي: والوجه الكسر لأن المراد الهيئة انتهى. والذي في الفرع الفتح إحداهما (اللماس و) الثانية (النباذ) بكسر الأول منهما مصدر لامس ونابذ.
وهذا الحديث مضى في الصلاة في باب: ما يستر من العورة.
٦٣ - باب بَيْعِ الْمُنَابَذَةِ
وَقَالَ أَنَسٌ: نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ .
стр. 2660
(باب) حكم (بيع المنابذة. وقال أنس) فيما وصله في باب بيع المخاضرة كما مر في الباب السابق (نهى عنه) أي عن بيع المنابذة (النبي ﷺ ¬) ولأبي ذر تأخير قوله عنه بعد قوله وسلم.
٢١٤٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، وَعَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ".
به قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن محمد بن يحيى بن حبان) بفتح المهملة وتشديد الموحدة (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان كلاهما (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁):
(أن رسول الله ﷺ نهى عن الملامسة و) عن (المنابذة) ولم يذكر في شيء من طرق حديث أبي هريرة تفسيرهما والمنابذة أن يجعلا النبذ بيعًا اكتفاء به عن الصيغة فيقول أحدهما: أنبذ إليك ثوبي بعشرة فيأخذه الآخر، أو يقول بعتكه بكذا على أني إذا نبذته إليك لزم البيع وانقطع الخيار.
٦٤ - باب النَّهْيِ لِلْبَائِعِ أَنْ لَا يُحَفِّلَ الإِبِلَ وَالْبَقَرَ وَالْغَنَمَ وَكُلَّ مُحَفَّلَةٍ وَالْمُصَرَّاةُ الَّتِي صُرِّيَ لَبَنُهَا وَحُقِنَ فِيهِ وَجُمِعَ فَلَمْ يُحْلَبْ أَيَّامًا
وَأَصْلُ التَّصْرِيَةِ حَبْسُ الْمَاءِ، يُقَالُ مِنْهُ: صَرَّيْتُ الْمَاءَ.
(باب النهي للبائع أن لا يحفل الإبل والبقر والغنم) بضم المثناة التحتية وفتح المهملة وتشديد الفاء المكسورة من الحفل وهو الجمع ومنه المحفل لمجمع الناس، ولا يحتمل أن تكون زائدة وأن تكون تفسيرية ولا يحفل بيانًا للنهي والتقييد بالبائع يخرج ما لو حفل المالك لجمع اللبن لولده أو عياله أو ضيفه (وكل محفلة) بفتح الفاء المشددة ونصب كل عطفًا على المفعول من عطف العام على الخاص أي وكل مصرّاة من شأنها أن تحفل فالنصوص وإن وردت في النعم لكن ألحق بها غيرها من مأكول اللحم للجامع بينهما وهو تغرير المشتري. نعم غير المأكول كالجارية والأتان وإن شارك في النهي وثبوت الخيار، ولكن الأصح أنه لا يردّ في اللبن صاعًا من تمر لعدم ثبوته ولأن لبن الآدميات لا يعتاض عنه غالبًا ولبن الأتان نجس لا عوض له، وبه قال الحنابلة في الأتان دون الجارية.
(والمصراة) بضم الميم وفتح الصاد المهملة وتشديد الراء مبتدأ خبره قوله (التي صري) بضم المهملة وتشديد الراء أي ربط (لبنها) أي ضرعها (وحقن فيه) أي في الثدي من باب العطف التفسيري لأن التصرية والحقن بمعنى واحد (وجمع) اللبن (فلم يحلب أيامًا) وهذا تفسير الشافعي (و) قال أبو عبيد وأكثر أهل اللغة (أصل التصرية حبس الماء يقال منه صرّيت الماء) بتشديد الراء وزاد أبو ذر إذا حبسته.
стр. 2661
٢١٤٧ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ لِبْسَتَيْنِ وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ: الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ".
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (عياش بن الوليد) بفتح العين المهملة وتشديد المثناة التحتية وبعد الألف شين معجمة الرقام البصري قال: (حدّثنا عبد الأعلى) بن عبد الأعلى البصري السامي قال: (حدّثنا معمر) بفتح الميمين بينهما عين ساكنة ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن عطاء بن يزيد) من الزيادة الليثي (عن أبي سعيد) الخدري (﵁) أنه (قال):
(نهى النبي ﷺ عن لبستين) بكسر اللام (وعن بيعتين) بفتح الموحدة (الملامسة والمنابذة) وسبق تفسيرهما وقيل المنابذة نبذ الحصاة والصحيح أنها غيره وتفسير اللبستين معلوم مما سبق واختصره الراوي.
وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في الاستئذان، وأبو داود في البيوع، وأخرجه ابن ماجة في التجارات بالنهي عن البيعتين وفي اللباس بالنهي عن اللبستين.
٢١٤٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ الأَعْرَجِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالْغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدُ فَإِنَّهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَين أَنْ يَحْتَلِبَهَا: إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعَ تَمْرٍ». وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَمُجَاهِدٍ وَالْوَلِيدِ بْنِ رَبَاحٍ وَمُوسَى بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «صَاعَ تَمْرٍ». وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ: "صَاعًا مِنْ طَعَامٍ وَهْوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا". وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ: "صَاعًا مِنْ تَمْرٍ". وَلَمْ يَذْكُرْ "ثَلَاثًا"، وَالتَّمْرُ أَكْثَرُ.
وبه قال: (حدّثنا ابن بكير) بضم الموحدة وفتح الكاف يحيى قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن جعفر بن ربيعة) بن شرحبيل بن حسنة المصري (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز أنه قال: (قال أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬):
(لا تصروا الإبل والغنم) بضم التاء وفتح الصاد وتشديد الراء بوزن تزكوا من صرى يصري تصرية كزكى يزكي تزكية وأصله تصريوا فاستثقلت الضمة على الياء فسكنت فالتقى ساكنان فحذف أْولهما وضم ما قبل الواو للمناسبة، والإبل على هذا نصب على المفعولية وما بعده عطف عليه وهذه الرواية الصحيحة. وقال عياض: رويناه في غير مسلم عن بعضهم بفتح التاء وضم الصاد من صرّ يصرّ إذا ربط. قال: وعن بعضهم بضم التاء وفتح الصاد بغير واو بصيغة الإفراد على البناء للمجهول وهو من الصر أيضًا، والإبل مرفوع به، والغنم عطف عليه والمشهور الأوّل. قال أبو عبيد: لو كان من الصر لكانت مصرورة لم مصررة لا مصراة.
стр. 2662
وأجيب: بأنه يحتمل أنها مصررة فأبدلت إحدى الراءين ألفًا نحو ﴿دسّاها﴾ [الشمس: ١٠] أصله دسسها فكرهوا اجتماع ثلاثة أحرف من جنس، وعلى هذا فلا مباينة بين تفسير الشافعي وبين رواية لا تصروا على ما صححوه على أنه قد سمع الأمران في كلام العرب، وذكر المؤلّف البقر في الترجمة ولم يقع له ذكر في الحديث إشارة إلى أنها في معنى الإبل والغنم في الحكم خلافًا لداود، وإنما اقتصر عليهما لغلبتهما عندهم.
(فمن ابتاعها) أي فمن اشترى المصراة (بعد) بضم الدال أي بعد التصريح، وقيل بعد العلم بهذا النهي، وقال الحافظ الشرف الدمياطي فيما نقله الزركشي: أي بعد أن يحلبها كذا رواه ابن لهيعة عن جعفر بن ربيعة عن الأعرج وبه يصح المعنى. قال الزركشي: والبخاري رواه من جهة الليث عن جعفر بإسقاطها يعني بإسقاط زيادة بعد أن يحتلبها فأشكل المعنى، لكن رواه آخر الباب عن أبي الزناد عن الأعرج بلفظ: فهو بخير النظرين بعد أن يحتلبها فلا معنى لاستدراك الحافظ له من جهة ابن لهيعة وهو ليس من شرط الصحيح مع الاستغناء عنه بوجوده في الصحيح، وتعقب بأن قوله: إن إسقاط هذه الزيادة أوجب إشكال هذا المعنى فيه نظر وذلك أن نص حديث الليث كحديث أبي الزناد ولفظه.
(فإنه بخير النظرين) أي الرأيين (بين أن يحتلبها) كذا في الفرع بفتح همزة أن وإثبات الفوقية بعد الحاء وبين مرقوم عليها علامة الحموي مصحح عليها وتحت العلامة علامة السقوط. وفي الهامش مكتوب صوابه بعد أن يحتلبها أي وقت أن يحتلبها أي فالمشتري متلبس بخير النظرين في وقت حلبه لها. وقال العيني كالحافظ ابن حجر: أن يحتلبها كذا في الأصل بكسر إن على أنها شرطية وجزم يحتلبها لأنه فعل الشرط، ولابن خزيمة والإسماعيلي من طريق أسد بن موسى عن الليث بعد أن يحتلبها بفتح أن ونصب يحتلبها اهـ.
والذي رأيته في فرعين لليونينية وسائر ما وقفت عليه من الأصول بفتح الهمزة والنصب، وزاد عبيد الله بن عمر عن أبي الزناد فهو بالخيار ثلاثة أيام أخرجه الطحاوي، وظاهر قوله: بعد أن يحتلبها أن الخيار لا يثبت إلا بعد الحلب، والجمهور على أنه إذا علم بالتصرية ثبت له الخيار على الفور من الاطّلاع عليها لكن لما كانت التصرية لا تعلم غالبًا إلا بعد الحلب ذكره قيدًا في ثبوت الخيار فلو ظهرت التصرية بعد الحلب فالخيار ثابت.
(إن شاء أمسك) المصراة على ملكه (وإن شاء ردّها وصاع تمر) بالنصب على أن الواو بمعنى مع أو لمطلق الجمع ولا يكون مفعولاً معه لأن جمهور النحاة على أن شرط المفعول معه أن يكون فاعلاً نحو جئت أنا وزيدًا. وقوله: إن شاء أمسك الخ. جملتان شرطيتان عطفت الثانية على الأولى ولا محل لهما من الإعراب إذ هما تفسيريتان أُتي بهما لبيان المراد بالنظرين ما هو.
وهذا الحديث أخرجه بقية الأئمة الستة.
стр. 2663
(ويذكر) بضم أوّله مبنيًا للمفعول (عن أبي صالح) ذكوان الزيات مما وصله مسلم (ومجاهد) مما وصله البزار والطبراني في الأوسط (والوليد بن رباح) بفتح الراء وتخفيف الموحدة وبعد الألف مهملة مما وصله أحمد بن منيع في مسنده (وموسى بن يسار) بالتحتية وتخفيف السين المهملة مما وصله مسلم والأربعة (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ صاع تمر) وقيل يكفي صاع قوت لحديث أبي داود: صاعًا من طعام، وهل يتخير بين الأقوات أو يتعين غالب قوت البلد؟ وجهان أصحهما الثاني، وعلى تعيين التمر وهو الصحيح عند الشافعية لو تراضيا على غيره من قوت أو غيره جاز ولو فقد التمر ردّ قيمته بالمدينة ذكره الماوردي وأقره الرافعي والنووي، ويتعين الصاع ولو قل اللبن فلا يختلف قدر التمر بقلّة اللبن وكثرته كما لا تختلف غرة الجنين باختلاف ذكورته وأُنوثته ولا أرش الموضحة باختلافها صغرًا أو كبرًا.
(وقال بعضهم) وصله مسلم عن قرّة (عن ابن سيرين) عن أبي هريرة مرفوعًا (صاعًا من طعام وهو بالخيار ثلاثًا) وهو وجه ضعيف عند الشافعية.
وأجيب عنه: بأنه محمول على الغالب وهو أن التصرية لا تظهر إلا بثلاثة أيام لا حالة نقص اللبن قبل تمامها على اختلاف العلف أو المأوى أو تبدل الأيدي أو غير ذلك وابتداء الثلاثة على القول بها من العقد وقيل من التفرق.
(وقال بعضهم) مما وصله مسلم أيضًا عن أيوب (عن ابن سيرين) عن أبي هريرة مرفوعًا أيضًا: (صاعًا من تمر ولم يذكر ثلاثًا والتمر أكثر) يعني أن الروايات الناصّة على التمر أكثر عددًا من الروايات التي لم تنص عليه أو أبدلته بذكر الطعام.
٢١٤٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: "مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُحَفَّلَةً فَرَدَّهَا فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا من تمر. وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُلَقَّى الْبُيُوعُ".
[الحديث ٢١٤٩ - طرفه في: ٢١٦٤].
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا معتمر) بضم الميم الأولى وكسر الثانية (قال: سمعت أبي) سليمان بن طرخان حال كونه (يقول: حدّثنا أبو عثمان) عبد الرحمن بن مل بتشديد اللام النهدي بالنون أسلم في عهده ﷺ وأدّى إليه الصدقات (عن عبد الله بن مسعود ﵁¬) أنه (قال):
(من اشترى شاة محفلة) بفتح الفاء المشددة مصراة (فردّها) أي فأراد ردّها (فليردّ معها) إن كانت مأكولة وتلف لبنها (صاعًا) زاد أبو ذر: (من تمر) أي بدل اللبن الذي حلبه وإن زادت قيمته على قيمته ولو علم بها قبل الحلب ردّ ولا شيء عليه.
وهذا الحديث رواه الأكثرون عن معتمر بن سليمان موقوفًا، وأخرجه الإسماعيلي من طريق
стр. 2664
عبيد الله بن معاذ عن معتمر بن سليمان مرفوعًا وذكر أن رفعه غلط. قال ابن مسعود بالسند السابق:
(ونهى النبي ﷺ أن تُلقى البيوع) بضم التاء وفتح اللام والقاف المشددة مبنيًّا للمفعول والبيوع رفع نائب عن الفاعل وأصله تتلقى فحذفت إحدى التاءين والمعنى تستقبل أصحاب البيوع، ولأبي ذر: أن تلقى البيوع بفتح التاء والعين كما في فرع اليونينية. وقال العيني: ويروى بالتخفيف.
ورجال الحديث كلهم بصريون إلا ابن مسعود، وفيه رواية الابن عن الأب والتابعي عن الصحابي، وأخرجه المؤلّف مفرقًا، وأخرجه مسلم والترمذي وابن ماجة.
٢١٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ، وَلَا يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تُصَرُّوا الْغَنَمَ، وَمَنِ ابْتَاعَهَا فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا: إِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ».
وبه قال: (حدّثنا: عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) إمام دار الهجرة (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال):
(لا تلقوا الركبان) بفتح التاء واللام والقاف وأصله لا تتلقوا فحذفت إحدى التاءين أي لا تستقبلوا الذين يحملون المتاع إلى البلد للاشتراء منهم قبل أن يقدموا الأسواق ويعرفوا الأسعار (ولا يبيع) بالرفع على أن لا نافية، ولأبي ذر: ولا يبع بالجزم على النهي (بعضكم على بيع بعض) في زمن الخيار (ولا تناجشوا) أصله تتناجشوا حذفت إحدى التاءين، وقد مرّ أنه الزيادة في الثمن بلا رغبة ليغرّ غيره (ولا يبيع) بالرفع، ولأبي ذر: ولا يبع بالجزم (حاضر لبادٍ) هو أن يقول الحاضر لمن يقدم من البادية بمتاع ليبيعه بسعر يومه اتركه عندي لأبيعه لك بأغلى (ولا تضروا الغنم) بضم أوّله وفتح ثانيه بوزن تزكوا والغنم نصب به وضبطه بعضهم بفتح أوّله وضم ثانيه من صرّ يصرّ إذا ربط وضبط آخر بضم أوّله وفتح ثانيه لكن بغير واو بصيغة الإفراد على البناء للمجهول وهو من الصر أيضًا، وعلى هذا فالغنم رفع والمشهور الأول كما مرّ.
وزاد في الرواية السابقة "الإبل" (ومن ابتاعها) أي المصراة (فهو) وفي السابقة فإنه (بخير النظرين بعد أن يحتلبها) بفوقية بعد الحاء المهملة وكسر اللام، ولأبي ذر: يحلبها: بإسقاط الفوقية وضم اللام (إن رضيها) أي المصراة (أمسكها وإن سخطها ردّها صاعًا من تمر) ولو اشترى مصراة بصاع من تمر ردّها وصاع تمر إن شاء واستردّ صاعه. قال القاضي وغيره: لأن الربا لا يؤثر في الفسوخ. قال الأذرعي: واسترداد الصاع من البائع إن كان باقيًا بيده فلو تلف وكان من نوع ما لزم
стр. 2665
المشتري ردّه فيخرج من كلام الأئمة أنهما يقعان في التقاص إن جوّزناه في المثليات كما هو الأصح المنصوص خلافًا للرافعي وغيره، ولو ردّ غير المصراة بعد الحلب بعيب فهل يردّ بدل اللبن وجهان. أحدهما وبه جزم البغوي وصححه ابن أبي هريرة والقاضي وابن الرفعة نعم كالمصراة فيردّ صاع تمر.
وقال الماوردي: بل فيه اللبن لأن الصاع عوض لبن المصراة وهذا لبن غيرها.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في البيوع أيضًا وكذا أبو داود والنسائي.
٦٥ - باب إِنْ شَاءَ رَدَّ الْمُصَرَّاةَ، وَفِي حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ
(باب) بالتنوين (إن شاء) مشتري المصراة ترك البيع (ردّ المصراة) بالنصب مفعول ردّ والجملة جواب الشرط (و) عليه (في حلبتها صاع من تمر) بسكون اللام في اليونينية وغيرها على أنه اسم الفعل ويجوز الفتح على أنه بمعنى المحلوب قاله العيني كفتح الباري. وقال في القاموس: الحلب ويحرّك استخراج ما في الضرع من اللبن كالحلاب والاحتلاب والحلب محركة والحليب اللبن المحلوب ما لم يتغير طعمه. وقال الجوهري: الحلب بالتحريك اللبن المحلوب والحلب أيضًا مصدر حلب الناقة يحلبها حلبًا واحتلبها فهو حالب، وحاصله إن أريد بالحلب اللبن فلامه مفتوحة فقط وإن أريد به المصدر فيجوز السكون والفتح، وعلى هذا فمفهوم قول البخاري وعليه في حلبتها بسكون اللام صاع من تمر أن الصاع في مقابلة الفعل وهو موافق لقول ابن حزم يجب ردّ التمر واللبن معًا لأن التمر في مقابلة الحلب لا في مقابلة اللبن، وهذا مخالف لما عليه الجمهور من أن التمر في مقابلة
اللبن وقد كان القياس ردّ عين اللبن أو مثله، لكن لما تعذر ذلك باختلاط ما حدث بعد البيع في ملك المشتري بالموجود حال العقد وإفضائه إلى الجهل بقدره عين الشارع له بدلاً يناسبه قطعًا للخصومة ودفعًا للتنازع في القدر الموجود عند العقد.
٢١٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي زِيَادٌ أَنَّ ثَابِتًا مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنِ اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً فَاحْتَلَبَهَا، فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا فَفِي حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن عمرو) بفتح العين، وللمستملي في رواية عبد الرحمن الهمداني زيادة ابن جبلة وكذا قال أبو أحمد الجرجاني في روايته عن الفربري، وفي رواية أبي عليّ بن شبويه عن الفربري حدّثنا محمد بن عمرو يعني ابن جبلة وأهمله الباقون، وجزم الدارقطني بأنه محمد بن عمرو أبو غسان الرازي المعروف بزنيج بزاي ونون وجيم مصغرًا، وجزم الحاكم والكلاباذي بأنه محمد بن عمرو السوّاق البلخي. قال الحافظ ابن حجر في المقدمة: ويؤيده أن المكي شيخه بلخي وقال في الشرح والأوّل أولى. قال: (حدّثنا المكي) بن إبراهيم وهو من مشايخ المؤلّف قال: (أخبرنا ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (قال: أخبرني) بالإفراد (زياد) بزاي مكسورة ومثناة تحتية مخففة
следующие страницы →