Полный текст (8 298 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.
стр. 3186
كأنها سميت به لأن مكانتها مجتمع الأحجار ومستدارها، ومراد المؤلّف من هذا التعليق بيان الذي أهدى ليطابق الترجمة.
٢٦١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: "أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا، فَقِيلَ: أَلَا نَقْتُلُهَا؟ قَالَ: لَا. فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن عبد الوهاب) أبو محمد الحجبي البصري قال: (حدّثنا خالد بن الحرث) الهجيمي البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن هشام بن زيد) بن أنس بن مالك الأنصاري (عن أنس بن مالك ﵁ أن يهودية) اسمها زينب واختلف في إسلامها (أتت النبي ﷺ ¬) في خيبر (بشاة مسمومة) وأكثرت من السمّ في الذراع لما قيل لها إنه ﵊ يحبها (فأكل منها) وأكل معه بشر بن البراء ثم قال: لأصحابه أمسكوا فإنها مسمومة (فجيء بها) أي باليهودية فاعترفت (فقيل: ألا نقتلها؟ قال) ﵊:
(لا) لأنه كان لا ينتقم لنفسه ثم مات بشر فقتلها به قصاصًا. قال أنس (فما زلت أعرفها) أي تلك الأكلة (في لهوات رسول الله ﷺ ¬) بفتح اللام والهاء والواو جمع لهاة وهي اللحمة المعلقة في أصل الحنك، وقيل: هي ما بين منقطع اللسان إلى منقطع أصل الفم ومراد أنس ﷺ كان يعتريه المرض من تلك أكلة أحيانًا، ويحتمل أنه كان يعرف ذلك في اللهوات بتغيّر لونها أو بنتو فيها أو تحفير قاله القرطبي فيما نقله عنه في فتح الباري.
٢٦١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَ: "كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ طَعَامٌ؟ فَإِذَا مَعَ رَجُلٍ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ أَوْ نَحْوُهُ، فَعُجِنَ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ مُشْعَانٌّ طَوِيلٌ بِغَنَمٍ يَسُوقُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : بَيْعًا أَمْ عَطِيَّةً؟ أَوْ قَالَ: أَمْ هِبَةً؟ قَالَ: لَا، بَلْ بَيْعٌ. فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاةً، فَصُنِعَتْ، وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِسَودِ الْبَطْنِ أَنْ يُشْوَى. وَإيْمُ اللَّهِ مَا فِي الثَّلَاثِينَ وَالْمِائَةِ إِلاَّ وقَدْ حَزَّ النَّبِيُّ ﷺ لَهُ حُزَّةً مِنْ سَوَاهدِ بَطْنِهَا، إِنْ كَانَ شَاهِدًا أَعْطَاهَا إِيَّاهُ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا خَبَأَ لَهُ، فَجَعَلَ مِنْهَا قَصْعَتَيْنِ، فَأَكَلُوا أَجْمَعُونَ وَشَبِعْنَا، فَفَضَلَتِ الْقَصْعَتَانِ فَحَمَلْنَاهُ عَلَى الْبَعِيرِ. أَوْ كَمَا قَالَ".
وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي قال: (حدّثنا المعتمر بن سليمان) بن طرخان التيمي البصري (عن أبيه) سليمان (عن أبي عثمان) عبد الرحمن بن مل بلام مشددة والميم مثلثة النهدي بفتح النون وسكون الهاء مشهور بكنيته مخضرم عاش مائة وثلاثين سنة أو
стр. 3187
أكثر (عن عبد الرحمن بن أبي بكر) الصديق (﵄) أنه (قال: كنّا مع النبي ﷺ ثلاثين ومائة فقال) له (النبي ﷺ ¬):
(هل مع أحد منكم طعام فإذا مع رجل صاع من طعام أو نحوه) بالرفع عطفًا على صاع والضمير للصاع (فعجن ثم جاء رجل مشرك) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه ولا على اسم صاحب الصاع (مشعان) بضم الميم وسكون الشين المعجمة وبعدها عين مهملة آخره نون مشددة (طويل) زاد المستملي جدًّا فوق الطول ويحتمل أن يكون تفسيرًا للمشعان وقال: القزاز المشعان الجافي الثائر الرأس، وقال غيره: طويل شعر الرأس جدًّا البعيد العهد بالدهن الشعث، وقال القاضي: ثائر الرأس متفرقه: (بغنم يسوقها فقال النبي ﷺ ¬) له (بيعًا) نصب بفعل مقدّر أي أتبيع بيعًا أو الحال أي أتدفعها بائعًا (أم عطية) (أو قال): ﵊ (أم هبة) عطف على المنصوب السابق والشك من الراوي (قال) المشرك (لا) ليس هبة (بل) هو (بيع) أي مبيع وأطلق عليه بيعًا باعتبار ما يؤول إليه (فاشترى) ﵊ (منه) أي من المشرك (شاة) وللكشميهني بمنها أي من الغنم شاة (فصنعت) أي ذبحت (وأمر النبي ﷺ بسواد البطن) منها وهو كبدها أو كل ما في بطنها من كبد وغيرها لكن الأول أبلغ في المعجزة (أن يشوى وإيم الله) بوصل الهمزة قسم (ما في الثلاثين والمائة) الذين كانوا معه ﵊ (إلا وقد حزّ النبي ﷺ ¬) بفتح الحاء المهملة أي قطع (له حزة) بضم الحاء المهملة أي قطعة (من سواد بطنها وإن كان شاهدًا أعطاها إياه) قال: الحافظ ابن حجر أي أعطاه إياها فهو من القلب، وقال العيني: أي أعطى الحزة الشاهد أي الحاضر ولا حاجة إلى دعوى القلب بل العبارتان سواء في الاستعمال (وإن كان غائبًا خبأ له) منها (فجعل منها) أي من الشاة (قصعتين فأكلوا أجمعون) تأكيد للضمير الذي في أكلوا أي أكلوا من القصعتين مجتمعتين عليهما فيكون فيه معجزة أخرى لكونهما وسعتا أيدي القوم كلهم أو المراد أنهم أكلوا منها في الجمعة من الاجتماع والافتراق (وشبعنا ففضلت القصعتان فحملناه) أي الطعام الذي فضل، وفي رواية المصنف في الأطعمة وفضل في القصعتين ولغير أبي ذر: فحملنا بإسقاط ضمير المفعول (على البعير أو كما قال): شك من الراوي، وفي هذا الحديث معجزة تكثير سواد البطن حتى وسع هذا العدد وتكثير الصاع ولحم الشاة حتى أشبعهم أجمعين وفضلت منهم فضلة حملوها لعدم حاجة أحد إليها.
وهذا الحديث مضى مختصرًا في البيع، ويأتي في الأطعمة إن شاء الله تعالى.
٢٩ - باب الْهَدِيَّةِ لِلْمُشْرِكِينَ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَْ﴾ [الممتحنة: ٨].
стр. 3188
(باب الهدية للمشركين وقول الله تعالى) بالجر عطفًا على الهدية في سورة الممتحنة (﴿لا ينهاكم الله عن﴾) الاحسان إلى الكفرة (﴿الذين لم يقاتلوكم في الدين﴾) قال ابن كثير: كالنساء والضعفة منهم (﴿ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم﴾) أي تحسنوا إليهم وتصلوهم (﴿وتقسطوا إليهم﴾) [الممتحنة: ٨] قال السمرقندي: تعدلوا معهم بوفاء عهدهم زاد أبو ذر إن الله يحب المقسطين أي العادلين.
٢٦١٩ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "رَأَى عُمَرُ حُلَّةً عَلَى رَجُلٍ تُبَاعُ، فَقَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : ابْتَعْ هَذِهِ الْحُلَّةَ تَلْبَسْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَإِذَا جَاءَكَ الْوَفْدُ، فَقَالَ: إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا بِحُلَلٍ، فَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ مِنْهَا بِحُلَّةٍ، فَقَالَ عُمَرُ: كَيْفَ أَلْبَسُهَا وَقَدْ قُلْتَ فِيهَا مَا قُلْتَ؟ قَالَ: إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا، تَبِيعُهَا أَوْ تَكْسُوهَا. فَأَرْسَلَ بِهَا عُمَرُ إِلَى أَخٍ لَهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ".
وبه قال: (حدّثنا خالد بن مخلد) بفتح الميم وسكون المعجمة أبو الهيثم البجلي القطواني بفتح القاف والطاء الكوفي خالد: (حدّثنا سليمان بن بلال) التيمي مولاهم أبو محمد المدني قال: (حدّثني) بالإفراد (عبد الله بن دينار) العدوي مولاهم أبو عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر (عن ابن عمر ﵄) أنه (قال: رأى عمر) أبوه (حلة) زاد في رواية نافع السابقة سيراء (على رجل) هو عطارد بن حاجب (تباع) أي عند باب المسجد كما في رواية نافع (فقال) عمر (للنبي ﷺ ابتع) اشتر (هذه الحلة تلبسها يوم الجمعة) بجزم تلبسها في الفرع وأصله (وإذا جاءك الوفد فقال): ﵊:
(إنما يلبس هذه) أي الحلة ولغير أبي بذر هذا أي الحرير (من لا خلاق) أي لا حظ (له) منه (في الآخرة) (فأتي رسول الله ﷺ منها بحلل فأرسل إلى عمر منها بحلة فقال عمر) له ﵊ (كيف ألبسها وقد قلت فيها) وفي رواية نافع وقد قلت في حلّة عطارد (ما قلت. قال): ﵊ ولأبوي ذر والوقت فقال: (إني لم أكسكها لتلبسها تبيعها أو تكسوها) بالرفع (فأرسل بها) أي بالحلة (عمر إلى أخ له) من الرضاعة اسمه عثمان بن حكيم (من أهل مكة) زاد نافع مشركًا (قبل أن يسلم) لم يقل نافع قبل أن يسلم.
٢٦٢٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: "قَدِمَتْ عَلَىَّ أُمِّي وَهْيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قُلْتُ: إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ وَهْيَ رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قَالَ: نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ".
[الحديث ٢٦٢٠ - أطرافه في: ٣١٨٣، ٥٩٧٨، ٥٩٧٩].
стр. 3189
وبه قال: (حدّثنا عبيد بن إسماعيل) بضم العين مصغرًا واسمه عبد الله الهباري بفتح الهاء وتشديد الموحدة قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الليثي (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوّام (عن أسماء بنت أبي بكر) الصدّيق (﵄) أنها (قالت) ولأبوي ذر والوقت، قلت يا رسول الله (قدمت عليّ أمي) قتيلة بالقاف والفوقية مصغرًا بنت عبد العزى بن سعد زاد الليث عن هشام في الأدب مع ابنها واسمه كما ذكره الزبير الحرث بن مدركة. قال الحافظ ابن حجر: ولم أرَ له ذكرًا في الصحابة فكأنه مات مشركًا، وفي رواية ابن سعد وأبي داود الطيالسي والحاكم من حديث عبد الله بن الزبير قدمت قتيلة بنت عبد العزى على ابنتها أسماء بنت أبي بكر في الهدنة وكان أبو بكر طلّقها في الجاهلية بهدايا زبيب وسمن وقرظ فأبت أسماء أن تقبل هديتها أو تدخلها بيتها (وهي مشركة) جملة حالية (في عهد رسول الله ﷺ ¬) في زمنه (فاستفتيت رسول الله ﷺ قلت) وفي رواية حاتم بن إسماعيل في الجزية فقلت يا رسول الله (إن أمي قدمت وهي راغبة) في شيء تأخذه أو عن ديني أو في القرب مني ومجاورتي والتودّد إليّ لأنها ابتدأت أسماء بالهدية، ورغبت منها في المكافأة لا الإسلام لأنه لم يقع في شيء من الروايات ما يدل على إسلامها ولو حمل قوله راغبة أي في الإسلام لم يستلزم إسلامها فلذا لم يصب من ذكرها في الصحابة، وأما قول الزركشي ورُوِيَ راغمة بالميم أي كارهة للإسلام ساخطة له فيوهم أنه رواية في البخاري وليس كذلك بل هي رواية عيسى بن يونس عن هشام عند أبي داود والإسماعيلي (أفأصل أمي قال): ﵊:
(نعم صلّى أمك) زاد في الأدب عن الحميدي عن ابن عيينة قال ابن عيينة: فأنزل الله فيها ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين﴾ [الممتحنة: ٨].
٣٠ - باب لَا يَحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِِ
هذا (باب) بالتنوين (لا يحل لأحد أن يرجع في هبته) التي وهبها (و) لا في (صدقته) التي تصدق بها.
٢٦٢١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ وَشُعْبَةُ قَالَا: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ».
وبه قال: (حدّثنا مسلم بن إبراهيم) الأزدي الفراهيدي بالفاء أبو عمرو البصري قال: (حدّثنا هشام) الدستوائي (وشعبة) بن الحجاج (قالا: حدّثنا قتادة) بن دعامة (عن سعيد بن المسيب) بفتح التحتية (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬): (العائد في هبته كالعائد في قيئه) زاد أبو داود في آخره قال: همام قال: قتادة ولا أعلم القيء إلا حرامًا.
стр. 3190
٢٦٢٢ - وحَدَّثَني عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ، الَّذِي يَعُودُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ».
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر وحدّثني بالإفراد وواو العطف (عبد الرحمن بن المبارك) ليس أخا عبد الله بن المبارك المشهور بل هو العيشي بتحتية ومعجمة البصري قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد التنوري بفتح المثناة وتشديد النون قال: (حدّثنا أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختياني البصري (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: قال النبي ﷺ ليس لنا) وفي رواية: منّا.
(مثل السوء) بفتح السين ومثل بفتح الميم والمثلثة (الذي يعود في هبته) أي العائد في هبته
(كالكلب يرجع في قيئه) زاد مسلم من رواية أبي جعفر محمد بن علي الباقر عنه فيأكله وله في رواية
بكير إنما مثل الذي يتصدق بصدقة ثم يعود في صدقته كمثل الكلب يقيء ثم يأكل قيأه، والمعنى
كما قال البيضاوي: لا ينبغي لنا معشر المؤمنين أن نتّصف بصفة ذميمة يشابهنا فيها أخسّ الحيوانات
في أحوالها. قال في الفتح: ولعل هذا أبلغ في الزجر عن ذلك وأدلّ على التحريم مما لو قال: مثلاً
لا تعودوا في الهبة. قال النووي: هذا المثل ظاهر في تحريم الرجوع في الهبة والصدقة بعد إقباضهما
وهو محمول على هبة الأجنبي لا ما وهب لولده وولد ولده كما صرّح به في حديث النعمان، وهذا
مذهب الشافعي ومالك، وقال الحنفية: يكره الرجوع فيها لحديث الباب ولا يحرم لأن فعل الكلب
يوصف بالقبح لا بالحرمة فيجوز الرجوع فيما يهبه لأجنبي بتراضيهما أو بحكم حاكم لقوله عليه
الصلاة والسلام: "الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها" أي ما لم يعوض عنها.
٢٦٢٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ: "حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ مِنْهُ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: لَا تَشْتَرِهِ وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ".
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن قزعة) بفتح القاف والزاي المكي قال: (حدّثنا مالك) الإمام (عن زيد بن أسلم عن أبيه) أسلم مولى عمر بن الخطاب أنه (قال: سمعت عمر بن الخطاب- ﵁ يقول، حملت على فرس) أي تصدقت به ووهبته بأن يقاتل عليه (في سبيل الله) واسمه الورد وكان للنبي ﷺ أعطاه له تميم الداري فأعطاه عمر (فأضاعه الذي كان عنده) بتقصيره في خدمته ومؤونته قال: عمر (فأردت أن أشتريه منه وظننت أنه بائعه برخص، فسألت عن ذلك النبي ﷺ فقال):
стр. 3191
(لا تشتره) نهي للتنزيه (وإن أعطاكه بدرهم واحد) قال في الفتح: ويستفاد منه أنه لو وجده مثلاً يباع بأغلى من ثمنه ولم يتناوله النهي (فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه) الفاء في فإن العائد للتعليل أي كما يقبح أن يقيء ثم يأكل كذلك يقبح أن يتصدّق بشيء ثم يجره إلى نفسه بوجه من الوجوه.
٣١ - باب
هذا (باب) بالتنوين من غير ترجمة وهو كالفصل من السابق.
٢٦٢٤ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: "أَنَّ بَنِي صُهَيْبٍ مَوْلَى بْنِ جُدْعَانَ ادَّعَوْا بَيْتَيْنِ وَحُجْرَةً أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَى ذَلِكَ صُهَيْبًا، فَقَالَ مَرْوَانُ مَنْ يَشْهَدُ لَكُمَا عَلَى ذَلِكَ؟ قَالُوا: ابْنُ عُمَرَ. فَدَعَاهُ، فَشَهِدَ لأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صُهَيْبًا بَيْتَيْنِ وَحُجْرَةً، فَقَضَى مَرْوَانُ بِشَهَادَتِهِ لَهُمْ".
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (إبراهيم بن موسى) الفرّاء الرازي المعروف بالصغير قال: (أخبرنا هشام بن يوسف) الصنعاني اليمني قاضيها (أن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (أخبرهم قال: أخبرني) بالإفراد (عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة) بضم الميم وفتح اللام وتصغير عبد الثاني المكي (أن بني صهيب) بضم المهملة وفتح الهاء ابن سنان الرومي لأن الروم سبوه صغيرًا وبنوه هم حمزة وحبيب وسعد وصالح وصيفي وعباد وعثمان ومحمد (مولى ابن جدعان) بضم الجيم وسكون المهملة عبد الله بن عمرو بن جدعان كان اشتراه بمكة من رجل من كلب وأعتقه، وقيل بل هرب من الروم فقدم مكة فحالف فيها ابن جدعان وللكشميهني في نسخة والحموي: بني جدعان (ادعوا) أي بنو صهيب عند مروان (بيتين) تثنية بيت (وحجرة) بضم الحاء المهملة وسكون الجيم الموضع المنفرد في الدار (أنّ رسول الله ﷺ أعطى ذلك) الذي ادعوه من البيتين والحجرة أباهم (صهيبًا فقال مروان: من يشهد لكما على ذلك) الذي ادّعيتماه وعبر بالتثنية وفي البقية بالجمع فيحمل على أن الذي تولى الدعوى منهم اثنان برضا الباقين فخاطبهما مروان بالتثنية لأن الحاكم لا يخاطب إلاّ المدّعي وعند الإسماعيلي، فقال مروان: من يشهد لكم بصيغة الجمع (قالوا) كلهم يشهد بذلك (ابن عمر) عبد الله (فدعاه) مروان (فشهد لأعطى رسول الله ﷺ ¬) بفتح لام لأعطى. قال الكرماني: كأنه جعل للشهادة حكم القسم أو يقدر قسم أي والله لأعطى ﵊ (صهيبًا بيتين وحجرة) وهي التي ادّعى بها (فقضى مروان بشهادته لهم) أي بشهادة ابن عمر وحده لبني صهيب بالبيتين والحجرة.
فإن قيل: كيف قضى شهادته وحده؟ أجاب ابن بطال: بأنه إنما قضى لهم بشهادته ويمينهم،
стр. 3192
وتعقب بأنه لم يذكر ذلك في الحديث، بل عبّر عن الخبر بالشهادة والخبر يؤكد بالقسم كثيرًا وإن كان السامع غير منكر ولو كانت شهادة حقيقة لاحتاج إلى شاهد آخر ولا يخفى ما في هذا فليتأمل.
والقاعدة المستمرة تنفي الحكم بشهادة الواحد فلا بدّ من اثنين أو شاهد ويمين فالحمل على هذا أولى من حمله على الخبر وكون الشهادة غير حقيقية، وهذا الحديث تفرّد به البخاري.
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لأبي ذر في اليونينية قال ابن حجر: وثبتت للأصيلي وكريمة قبل الباب.
٣٢ - باب مَا قِيلَ فِي الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى
أعْمَرْتُهُ الدَّارَ فَهْيَ عُمْرَى: جَعَلْتُهَا لَهُ. ﴿اسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١] جَعَلَكُمْ عُمَّارًا.
(باب ما قيل) أي ورد (في العمرى) بضم العين المهملة وسكون الميم مع القصر مأخوذة من العمر (والرقبى) بوزنها مأخوذة من الرقوب لأن كلاًّ منهما يرقب موت صاحبه وكانا عقدين في الجاهلية وتفسير العمري أن يقول الرجل لغير (أعمرته الدار فهي عمرى) أي (جعلتها له) ملكًا مدة عمره وتكون هبة ولو زاد فإن متّ فهي لورثته فهبة أيضًا طوّل فيها العبارة (استعمركم فيها) أي (جعلكم عمارًا) هذا تفسير أبي عبيدة في المجاز وقال غيره استعمركم أطال أعماركم أو أذن لكم في عمارتها واستخراج قوتكم منها.
٢٦٢٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: "قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالْعُمْرَى أَنَّهَا لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ".
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا شيبان) بن عبد الرحمن النحوي (عن يحيى) بن أبي كثير (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن جابر ﵁) أنه (قال: قضى النبي ﷺ بالعمرى أنها) أي حكم في العمرى بأنها (لمن وهبت له) بضم الواو مبنيًّا للمفعول زاد مسلم في رواية الزهري عن أبي سلمة لا ترجع إلى الذي أعطاها لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث، وله من طريق الليث عن الزهري فقد قطع قوله حقه فيها وهي لمن أعمر ولعقبه فلو قال: إن متّ عاد إليّ أو إلى ورثتي إن متّ صحّت الهبة ولغا الشرط لأنه فاسد ولإطلاق الحديث.
وحديث الباب أخرجه مسلم في الفرائض وأبو داود في البيوع والترمذي وابن ماجة في الأحكام والنسائي في العمرى.
٢٦٢٦ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي النَّضْرُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْعُمْرَى جَائِزَةٌ».
стр. 3193
وقال عطاءٌ: حدّثني جابرٌ عنِ النبى- ﷺ … مثلَه.
وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) الحوضي قال: (حدّثنا همام) هو ابن يحيى الشيباني البصري قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة (قال: حدّثني) بالإفراد (النضر بن أنس) الأنصاري (عن بشير بن نهيك) بفتح الموحدة وكسر المعجمة ونهيك بفتح النون وكسر الهاء السلولي (عن أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(العمرى جائزة) أي للمعمر بفتح الميم ولورثته من بعده لا حق للمعمر فيها.
(وقال عطاء) هو ابن أبي رباح بالإسناد السابق الموصول إلى قتادة (حدّثني) بالإفراد (جابر) هو ابن عبد الله الأنصاري (عن النبي ﷺ نحوه) أي نحو حديث أبي هريرة ﵁، ورواه مسلم عن قتادة عن عطاء بلفظ العمرى ميراث لأهلها، ولعله المراد بقوله نحوه لكن في رواية أبي ذر بلفظ مثله بدل نحوه قال النووي، قال أصحابنا: للعمرى ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يقول أعمرتك هذه الدار فإذا متّ فهي لورثتك أو لعقبك فتصح بلا خلاف ويملك رقبة الدار وهي هبة فإذا مات فالدار لورثته، وإلاّ فلبيت المال ولا تعود إلى الواهب بحال.
ثانيها: أن يقتصر على قوله جعلتها لك عمرى ولا يتعرّض لما سواه ففي صحته قولان للشافعي أصحهما وهو الجديد صحته.
ثالثها: أن يزيد عليه بأن يقول فإن متّ عادت إليّ ولورثتي إن متّ ولغا الشرط. وقال أحمد:
تصحّ العمرى المطلقة دون المؤقتة، وقال مالك العمرى في جميع الأحوال تمليك لمنافع الدار مثلاً ولا تملك فيها رقبتها بحال، ومذهب أبي حنيفة كالشافعية ولم يذكر المؤلّف في الرقبى المذكورة في جملة الترجمة شيئًا فلعله يرى اتحادهما في المعنى كالجمهور، وقد روى النسائي بإسناد صحيح عن ابن عباس موقوفًا: العمرى والرقبى سواء وقد منعها مالك وأبو حنيفة ومحمد خلافًا للجمهور ووافقهم أبو يوسف.
وللنسائي من طريق إسرائيل عن عبد الكريم عن عطاء قال: نهى رسول الله ﷺ عن العمرى والرقبى. قلت: وما الرقبى؟ قال: "يقول الرجل للرجل هي لك حياتك فإن فعلتم فهو جائز" أخرجه مرسلاً.
وأخرجه من طريق ابن جريج عن عطاء عن حبيب بن أبي ثابت عن ابن عمر مرفوعًا "لا عمرى ولا رقبى فمن أعمر شيئًا أو أرقبه فهو له حياته ومماته" ورجاله ثقات. لكن اختلف في سماع حبيب له من ابن عمر فصرّح به النسائي في طريق ونفاه في طريق أخرى.
وأجيب: بأن معناه لا عمرى بالشروط الفاسدة على ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من الرجوع أي فليس لهم العمرى المعروفة عندهم المقتضية للرجوع فأحاديث النهي محمولة على الإرشاد.
стр. 3194
٣٣ - باب مَنِ اسْتَعَارَ مِنَ النَّاسِ الْفَرَسَ
(باب من استعار من الناس الفرس) زاد أبو ذر والدابة، وزاد الكشميهني وغيرها قال الحافظ ابن حجر: وثبت مثله لابن شبويه لكن قال وغيرهما بالتثنية وعند بعض الشرّاح قبل الباب كتاب العارية ولم أره لغيره والعارية بتشديد الياء وقد تخفّف وفيها لغة ثالثة عارة بوزن غارة وهي اسم لما بعار مأخوذ من عار إذا ذهب وجاء، ومنه قيل للغلام الخفيف عيار لكثرة ذهابه ومجيئه، وقيل من التعاور وهو التناوب. وقال الجوهري: كأنها منسوبة إلى العار لأن طلبها عار وعيب وحقيقتها شرعًا إباحة الانتفاع بما يحلّ الانتفاع به مع بقاء عينه والأصل فيها قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿ويمنعون الماعون﴾ [الماعون: ٧] فسّره جمهور المفسرين بما يستعيره الجيران بعضهم من بعض.
٢٦٢٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: "كَانَ فَزَعٌ بِالْمَدِينَةِ، فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَسًا مِنْ أَبِي طَلْحَةَ يُقَالُ لَهُ الْمَنْدُوبُ فَرَكِبَه، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: مَا رَأَيْنَا مِنْ شَىْءٍ، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا".
[الحديث ٢٦٢٧ - أطرافه في: ٢٨٢٠، ٢٨٥٧، ٢٨٦٢، ٢٨٦٦، ٢٨٦٧، ٢٩٠٨، ٢٩٦٨، ٢٩٦٩، ٣٠٤٠، ٦٠٣٣، ٦٢١٢].
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة أنه (قال: سمعت أنسًا) هو ابن مالك ﵁ (يقول: كان فزع) بفتح الفاء والزاي خوف من العدوّ (بالمدينة فاستعار النبي ﷺ فرسًا من أبي طلحة) زيد بن سهل زوج أم أنس (يقال له المندوب) زاد في الجهاد من طريق سعيد عن قتادة كان يقطف أو كان فيه قطاف بالشك أي بطيء المشي. وقال ابن الأثير: المندوب أي المطلوب وهو من الندب الرهن الذي يجعل في السباق، وقيل سمي به لندب كان في جسمه وهو أثر الجرح، وقال عياض: يحتمل أنه لقب أو اسم بعير كسائر الأسماء (فركبه) ﵊ زاد في رواية جرير بن حازم عن محمد عن أنس في الجهاد، ثم خرج يركض وحده فركب الناس يركضون خلفه (فلما رجع قال):
(ما رأينا من شيء) يوجب الفزع (وإن وجدناه) أي الفرس (لبحرًا) أي واسع الجري ومنه سمي البحر بحرًا لسعته، وتبحر فلان في العلم إذا اتسع فيه، وقيل شبّهه بالبحر لأن جريه لا ينفذ كما لا ينفذ ماء البحر. قال الخطابي: وإن هنا نافية واللام بمعنى إلا أي ما وجدناه إلا بحرًا، وعليه اقتصر الزركشي قال في التوضيح: وهو قصور وهذا إنما هو مذهب كوفي ومذهب البصريين أن إن مخففة من الثقيلة واللام فارقة بينها وبين النافية انتهى، وقد سبقه إليه ابن التين.
قال الحافظ ابن حجر: وفي رواية المستملي وإن وجدنا بحذف الضمير، وفي رواية حماد عن ثابت عن أنس في الجهاد أيضًا استقبلهم النبي ﷺ على فرس عري ما عليه سرج وفي عنقه سيف.
وأخرجه الإسماعيلي عن حماد وفي أوّله فزع أهل المدينة ليلة فتلقاهم النبي ﷺ قد سبقهم إلى الصوب
стр. 3195
وهو على فرس بغير سرج واستدلّ به على مشروعية العارية وكانت كما قاله الروياني واجبة أول الإسلام للآية السابقة، ثم نسخ وجوبها فصارت مستحبة أي أصالة فقد تجب كإعارة الثوب لدفع حرّ أو برد وإعارة الخيل لإنقاذ غريق والسكين لذبح حيوان محترم يخشى موته وقد تحرم كإعارة الصيد من المحرم والأمة من الأجنبي، وقد تكره كإعارة العبد المسلم من كافر، ويشترط في المعير أن يملك المنفعة فتصحّ الإعارة من المستأجر لا من المستعير لأنه غير مالك لها، وإنما أبيح له الانتفاع لكن للمستعير استيفاء المنفعة بنفسه وبوكيله كأن يركب الدابة المستعارة وكيله في حاجته أو زوجته أو خادمه لأن الانتفاع راجع إليه بواسطة المباشر وحكم العارية إذا تلفت في يد المستعير بآفة سماوية أو أتلفها هو أو غيره ولو بلا تقصير الضمان لحديث أبي داود وغيره العارية مضمونة ولأنها مال يجب ردّه لمالكه فيضمن عند تلفه كالمأخوذ بجهة السوم، فإن تلفت باستعمال ماذون فيه كاللبس والركوب المعتادين لم يضمن لحصول التلف بسبب مأذون فيه.
٣٤ - باب الاِسْتِعَارَةِ لِلْعَرُوسِ عِنْدَ الْبِنَاءِ
(باب الاستعارة للعروس) نعت يستوي فيه الذكر والأُنثى ما داما في أعراسهما (عند البناء) أي الزفاف، وقال ابن الأثير: الدخول بالزوجة، وقيل له بناء لأنهم كانوا يبنون لمن يتزوّج قبّة ليدخل بها فيها ثم أطلق ذلك على التزويج.
٢٦٢٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ وَعَلَيْهَا دِرْعُ قِطْرٍ ثَمَنُ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ، فَقَالَتِ: ارْفَعْ بَصَرَكَ إِلَى جَارِيَتِي انْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهَا تُزْهَى أَنْ تَلْبَسَهُ فِي الْبَيْتِ. وَقَدْ كَانَ لِي مِنْهُنَّ دِرْعٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ تُقَيَّنُ بِالْمَدِينَةِ إِلاَّ أَرْسَلَتْ إِلَىَّ تَسْتَعِيرُه".
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا عبد الواحد بن أيمن) بفتح الهمزة وسكون التحتية وبعد الميم المفتوحة نون المخزومي المكّي قال: (حدّثني) بالإفراد (أبي) أيمن الحبشي (قال: دخلت على عائشة ﵂ وعليها درع قطر) بكسر الدال وسكون الراء قميص المرأة وقطر بكسر القاف وسكون الطاء ثم راء مع إضافة درع لقطر ضرب من برود اليمن غليظ فيه بعض الخشونة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي قطن بضم القاف وآخره نون والجملة حالية (ثمن خمسة دراهم) برفع ثمن وجر خمسة في الفرع وأصله وغيرهما من الأصول المعتمدة التي وقفت عليها. وقال في الفتح: ثمن بالنصب بنزع الخافض وخمسة بالجر على الإضافة أو ثمن خمسة بالرفع فيهما على حذف الضمير أي ثمنه خمسة دراهم ويروى ثمن بضم المثلثة وتشديد الميم المكسورة على صيغة المجهول من الماضي وخمسة بالنصب بنزع الخافض أي قوّم بخمسة دراهم قال: ووقع في رواية ابن شبويه وحده خمسة الدراهم.
стр. 3196
(قالت ارفع بصرك إلى جاريتي) قال الحافظ ابن حجر: لم أعرف اسمها (انظر إليها) بلفظ الأمر (فإنها تزهى) بضم أوّله وفتح ثالثه تتكبر (أن تلبسه في البيت) يقال: زهى الرجل إذا تكبر وأعجب بنفسه وهو من الأفعال التي لم ترد إلا مبنية لما لم يسم فاعله وإن كان بمعنى الفاعل مثل عني بالأمر ونتجت الناقة، لكن قال في الفتح: إنه رآه في رواية أبي ذر تزهى بفتح أوّله، وقد حكاها ابن دريد لكن قال الأصمعي: لا يقال بالفتح (وقد كان لي منهن) أي من الدروع (درع على عهد رسول الله ﷺ ¬) أي في زمنه وأيامه (فما كانت امرأة تقين) بضم حرف المضارعة وفتح القاف وتشديد التحتية آخره نون مبنيًّا للمفعول أي تزين. قال صاحب الأفعال: قان الشيء قيانة أصلحه وقيل تجلى على زوجها (بالمدينة إلا أرسلت إليّ تستعيره) أي ذلك الدرع لأنهم كانوا إذ ذاك في حال ضيق فكان الشيء الخسيس عندهم نفيسًا.
وهذا الحديث تفرّد به البخاري وفيه من الفوائد ما لا يخفى فتأمله.
٣٥ - باب فَضْلِ الْمَنِيحَةِ
(باب فضل المنيحة) بفتح الميم والحاء المهملة بينهما نون مكسورة فمثناة تحتية ساكنة الناقة. أو الشاة تعطيها غيرك يحتلبها ثم يردّها عليك والمنحة بالكسر العطية وسقط لفظ باب في رواية أبي ذر ففضل مرفوع حينئذٍِ.
٢٦٢٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «نِعْمَ الْمَنِيحَةُ اللِّقْحَةُ الصَّفِيُّ مِنْحَةً، وَالشَّاةُ الصَّفِيُّ تَغْدُو بِإِنَاءٍ وَتَرُوحُ بِإِنَاءٍ».
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ وَإِسْمَاعِيلُ عَنْ مَالِكٍ قَالَ: "نِعْمَ الصَّدَقَةُ … ".
[الحديث ٢٦٢٩ - طرفه في: ٥٦٠٨].
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو ابن عبد الله بن بكير ونسبه لجد لشهرته به المخزومي قال: (حدّثنا مالك) الإمام الأعظم (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال):
(نعم المنيحة) الناقة (اللقحة) بكسر اللام وسكون القاف والرفع صفة لسابقها الملقوحة وهي ذات اللبن القريبة العهد بالولادة (الصفي) بفتح الصاد وكسر الفاء صفة ثانية لكثيرة اللبن واستعمله بغير هاء. قال الكرماني: لأنه إما فعيل أو فعول يستوي فيه المذكر والمؤنث وتعقبه العيني بأن قوله إما فعيل غير صحيح لأنه من معتل اللام والواوي دون اليائي. وقال في المصابيح: والأشهر استعمالها بغير هاء. قال العيني: ويروى أيضًا الصفية (منحة) نصب على التمييز قال ابن مالك في
стр. 3197
التوضيح: فيه وقوع التمييز بعد فاعل نعم ظاهرًا وقد منعه سيبويه إلا مع إضمار الفاعل نحو ﴿بئس للظالمين بدلاً﴾ [الكهف: ٥٠] وجوّزه المبرد وهو الصحيح انتهى. وقال في المصابيح: يحتمل أن يقال إن فاعل نعم في الحديث مضمر والمنيحة الموصوفة بما ذكر هي المخصوص بالمدح ومنحة تمييز تأخر عن المخصوص فلا شاهد فيه على ما قال ولا يرد على سيبويه حيئنذٍ.
(والشاة الصفي) صفة وموصوف عطف على ما قبله (تغدو بإناء وتروح بإناء) أي تحلب إناء بالغداة وإناء بالعشي أو تغدو بأجر حلبها في الغدو والرواح والمنحة من باب الصلاة لا من باب الصدقات.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (وإسماعيل) بن أبي أويس (عن مالك) أنه (قال) في روايته للحديث السابق (نعم الصدقة) أي اللقحة الصفي منحة قال: في الفتح وهذا هو المشهور عن مالك وكذا رواه شعيب عن أبي الزناد كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الأشربة أي بلفظ الصدقة.
٢٦٣٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: "لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَةَ مِنْ مَكَّةَ وَلَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ، وَكَانَتِ الأَنْصَارُ أَهْلَ الأَرْضِ وَالْعَقَارِ، فَقَاسَمَهُمُ الأَنْصَارُ عَلَى أَنْ يُعْطُوهُمْ ثِمَارَ أَمْوَالِهِمْ كُلَّ عَامٍ وَيَكْفُوهُمُ الْعَمَلَ وَالْمَؤونَةَ. وَكَانَتْ أُمُّهُ أُمُّ أَنَسٍ أُمُّ سُلَيْمٍ كَانَتْ أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، فَكَانَتْ أَعْطَتْ أُمُّ أَنَسٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِذَاقًا، فَأَعْطَاهُنَّ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّ أَيْمَنَ مَوْلَاتَهُ أُمَّ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ ". قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَأَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا فَرَغَ مِنْ قِتَالِ أَهْلِ خَيْبَرَ فَانْصَرَفَ إِلَى الْمَدِينَةِ رَدَّ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى الأَنْصَارِ مَنَائِحَهُمُ مِنْ ثِمَارِهِمْ، فَرَدَّ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أُمِّهِ عِذَاقَهَا، وَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّ أَيْمَنَ مَكَانَهُنَّ مِنْ حَائِطِهِ".
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ أَخْبَرَنَا أَبِي عَنْ يُونُسَ بِهَذَا وَقَالَ: "مَكَانَهُنَّ مِنْ خَالِصِه".
[الحديث ٢٦٣٠ - أطرافه ٣١٢٨، ٤٠٣٠، ٤١٢٠].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا ابن وهب) عبد الله المصري قال: (حدّثنا يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري (عن أنس بن مالك ﵁) أنه (قال: لما قدم المهاجرون المدينة من مكة وليس بأيديهم يعني شيئًا) وسقط لأبي ذر: يعني شيئًا (وكانت الأنصار أهل الأرض والعقار) بالخفض عطفًا على السابق وجواب لما قوله (فقاسمهم الأنصار على أن يعطوهم ثمار أموالهم كل عام ويكفوهم العمل والمؤونة) في الزراعة والمنفي في حديث أبي هريرة السابق في المزارعة حيث قالوا: قسم بيننا وبين إخواننا النخل قال: لا مقاسمة الأصول، والمراد هنا مقاسمة الثمار، (وكانت أمه أم أنس) بدل من أمه والضمير فيه يعود على أنس واسمها
стр. 3198
سهلة وهي (أم سليم) بضم السين مصغرًا بدل من المرفوع السابق أيضًا و (كانت أم عبد الله بن أبي طلحة) أيضًا فهو أخو أنس لأمه. قال في الفتح: والذي يظهر أن قائل ذلك الزهري عن أنس لكن بقية السياق تقتضي أنه من رواية الزهري عن أنس فيكون من باب التجريد كأنه ينتزع من نفسه شخصًا فيخاطبه (فكانت أعطت) أي وهبت (أم أنس رسول الله ﷺ عذاقًا) بكسر العين المهملة وتخفيف الذال المعجمة جمع عذق بفتح العين وسكون الذال النخلة نفسها أو إذا كان حملها موجودًا والمراد ثمرها ولأبي ذر عذاقًا بفتح العين (فأعطاهن) أي النخلات (النبي ﷺ أم أيمن) بركة (مولاته) وحاضنته (أم أسامة بن زيد) مولاه ﵊ وهو أخو أيمن بن عبيد الحبشي لأمه.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في المغازي والنسائي في المناقب.
(قال ابن شهاب) الزهري بالسند السابق (فأخبرني) بالإفراد (أنس بن مالك) ﵁ (أن النبي ﷺ لما فرغ من قتل) وللأصيلي من قتال (أهل خيبر فانصرف إلى المدينة ردّ المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم من ثمارهم) لاستغنائهم بغنيمة خيبر (فردّ النبي ﷺ إلى أمه) هي أم أنس أم سليم (عذاقها) بكسر العين ولأبي ذر عذاقها بفتحها أي الذي كانت أعطته وأعطاه هو لأم أيمن (وأعطى) بالواو ولأبي ذر فأعطى (رسول الله ﷺ أم أيمن) مولاته (مكانهن) أي بدلهن (من حائطه) أي بستانه.
(وقال أحمد بن شبيب) بفتح الشين المعجمة وكسر الموحدة الأولى البصري: (أخبرنا أبي) شبيب بن سعيد الحبطي بفتح الحاء المهملة والموحدة البصري (عن يونس) بن يزيد الأيلي (بهذا) الحديث متنًا وإسنادًا (وقال: مكانهنّ) فوافق ابن وهب إلا في قوله من حائطه فقال (من خالصه) أي خالص ماله وفي مسلم من طريق سليمان التيمي عن أنس أن الرجل كان يجعل للنبي ﷺ النخلات من أرضه حتى فتحت عليه قريظة والنضير فجعل بعد ذلك يردّ عليه ما كان أعطاه. قال أنس: وإن أهلي أمروني أن آتي النبي ﷺ فأسأله ما كان أهله أعطوه أو بعضه، وكان نبي الله ﷺ قد أعطاه أم أيمن فأتيت النبي ﷺ فأعطانيهن فجاءت أم أيمن فجعلت الثوب في عنقي وقالت: والله لا أعطيكهن وقد أعطانيهن فقال نبي الله ﷺ : "يا أم أيمن اتركيه ولك كذا وكذا" وتقول كلاّ والله الذي لا إله إلا هو فجعل يقول كذا وكذا حتى أعطاها عشرة أمثاله أو قريبًا من عشرة أمثاله، وإنما فعلت ذلك لأنها ظنت أنها هبة مؤبدة وتمليك الأصل الرقبة، فأراد ﷺ استطابة قلبها في استرداد ذلك فما زال يزيدها في العوض حتى رضيت تبرعًا منه ﷺ وإكرامًا لها من حق الحضانة زاده الله شرفًا وتكريمًا.
٢٦٣١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي كَبْشَةَ السَّلُولِيِّ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ﵄ يَقُول: ُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَرْبَعُونَ
стр. 3199
خَصْلَةً -أَعْلَاهُنَّ مَنِيحَةُ الْعَنْزِ- مَا مِنْ عَامِلٍ يَعْمَلُ بِخَصْلَةٍ مِنْهَا رَجَاءَ ثَوَابِهَا وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ بِهَا الْجَنَّةَ».
قَالَ حَسَّانُ: فَعَدَدْنَا مَا دُونَ مَنِيحَةِ الْعَنْزِ -مِنْ رَدِّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَإِمَاطَةِ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَنَحْوِهِ- فَمَا اسْتَطَعْنَا أَنْ نَبْلُغَ خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا عيسى بن يونس) الهمداني قال: (حدّثنا الأوزاعي) عبد الرحمن (عن حسان بن عطية) الشامي (عن أبي كبشة) بفتح الكاف وسكون الموحدة وفتح الشين المعجمة (السلولي) بفتح السين المهملة وضم اللام الأولى أنه (قال: سمعت عبد الله بن عمرو) هو ابن العاص (﵄ يقول قال: رسول الله ﷺ ¬):
(أربعون خصلة) مبتدأ ولأحمد أربعون حسنة بدل خصلة وقوله (أعلاهن) مبتدأ ثانٍ خبره (منيحة العنز) الأُنثى من المعز والجملة خبر المبتدأ الأول (ما من عامل يعمل بخصلة منها) أي من الأربعين (رجاء ثوابها) بنصب رجاء على التعليل وكذا قوله (وتصديق موعودها إلا أدخله الله) (بها الجنة) (قال حسان) هو ابن عطية راوي الحديث بالسند السابق (فعددنا ما دون منيحة العنز من ردّ السلام وتشميت العاطس وإماطة الأذى عن الطريق ونحوه) مما وردت به الأحاديث (فما استطعنا أن نبلغ خمس عشرة خصلة) قال ابن بطال: ما أبهمها ﵊ إلا لمعنى هو أنفع من ذكرها وذلك والله أعلم خشية أن يكون التعيين والترغيب فيها مزهدًا في غيرها من أبواب الخير، وقول حسان: فما استطعنا ليس بمانع أن يوجد غيرها ثم عدد خصالاً كثيرة، تعقبه ابن المنير في بعضها فقال: التعداد سهل، ولكن الشرط صعب وهو أن يكون كل ما عدّده من الخصال دون منيحة العنز ولا يتحقق فيما عدّده ابن بطال بل هو منعكس، وذلك أن من جملة ما عدّده نصرة المظلوم والذبّ عنه ولو بالنفس وهذا أفضل من منيحة العنز والأحسن في هذا أن لا يعدّ لأن النبي ﷺ أبهمه وما أبهمه الرسول كيف يتعلق الأمل ببيانه من غيره مع أن الحكمة في إبهامه أن لا يحتقر شيء من وجوه البرّ وإن قلّ.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود في الزكاة.
٢٦٣٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءٌ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: "كَانَتْ لِرِجَالٍ مِنَّا فُضُولُ أَرَضِينَ، فَقَالُوا: نُؤَاجِرُهَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَالنِّصْفِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ".
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) البيكندي بكسر الموحدة قال: (حدّثنا الأوزاعي) عبد الرحمن قال: (حدّثني) بالإفراد (عطاء) هو ابن أبي رباح ولأبي ذر عن عطاء (عن جابر) هو ابن
стр. 3200
عبد الله (﵁) وعن أبيه أنه (قال: كانت لرجال منّا فضول أرضين) بفتح الراء (فقالوا نؤاجرها بالثلث والربع والنصف) بما يخرج منها والواو في الموضعين بمعنى أو (فقال النبي ﷺ ¬):
(مَن كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها) بفتح الياء والنون والجزم على الأمر فيهما أي يعطها (أخاه) المسلم (فإن أبى) امتنع (فليمسك أرضه) وسقط لفظ أخاه في هذا الحديث في باب: ما كان أصحاب النبي ﷺ يواسي بعضهم بعضًا في الزراعة والثمرة والغرض منه هنا قوله أو ليمنحها أخاه.
٢٦٣٣ - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ قَالَ: "جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ: وَيْحَكَ، إِنَّ الْهِجْرَةَ شَأْنُهَا شَدِيدٌ، فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَتُعْطِي صَدَقَتَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلْ تَمْنَحُ مِنْهَا شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَتَحْلُبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا".
(وقال محمد بن يوسف) البيكندي مما وصله الإسماعيلي وأبو نعيم قال: (حدّثنا الأوزاعي) عبد الرحمن قال: (حدّثني) بالإفراد (الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب قال: (حدّثني) بالإفراد أيضًا (عطاء بن يزيد) من الزيادة الليثي قال: (حدّثني) بالإفراد أيضًا (أبو سعيد) الخدري ﵁ (قال: جاء أعرابي إلى النبي) ولأبي ذر: إلى رسول الله (¬ ﷺ فسأله عن الهجرة) أي أن يبايعه على الإقامة بالمدينة ولم يكن من أهل مكة الذين وجبت عليهم الهجرة قبل الفتح (فقال) له ﵊:
(ويحك) كلمة ترحم وتوجع لمن وقع في هلكة لا يستحقها (إن الهجرة شأنها) أي القيام بحقها (شديد) لا يستطيع القيام به إلا القليل (فهل لك من إبل؟ قال: نعم، قال) ﵊ له (فتعطي صدقتها) المفروضة؟ (قال: نعم قال) ﵊ (فهل تمنح) بفتح النون وكسرها له في الفرع كالصحاح (منها شيئًا قال: نعم) وهذا موضع الترجمة فإن فيه إثبات فضيلة المنيحة (قال): ﵊ (فتحلبها يوم وردها) بكسر الواو وفي اليونينية بفتحها ولعله سبق قلم وفي النسخة المقروءة على الميدومي ورودها أي يوم نوبة شربها لأن الحلب يومئذ أوفق للناقة وأرفق للمحتاجين (قال: نعم قال) ﵊ له (فاعمل من وراء البحار) بموحدة ومهملة أي من وراء القرى والمدن، ولأبي ذر عن المستملي والكشميهني: من وراء التجار المثناة الفوقية وبالجيم بدل الموحدة والحاء (فإن الله لن يترك) بفتح المثناة التحتية وكسر الفوقية أي لن ينقصك (من) ثواب (عملك شيئًا).
وهذا الحديث سبق في الزكاة في باب زكاة الإبل.
стр. 3201
٢٦٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَعْلَمُهُمْ بِذَاكَ -يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄- "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى أَرْضٍ تَهْتَزُّ زَرْعًا، فَقَالَ: لِمَنْ هَذِهِ؟ فَقَالُوا: اكْتَرَاهَا فُلَانٌ. فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ لَوْ مَنَحَهَا إِيَّاهُ كَانَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا أَجْرًا مَعْلُومًا".
وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بندار العبدي البصري قال: (حدّثنا عبد الوهاب) هو ابن عبد المجيد البصري قال: (حدّثنا أيوب) السختياني (عن عمرو) بفتح العين ابن دينار المكي (عن طاوس) هو ابن كيسان اليماني أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (أعلمهم بذاك) ولأبي ذر: بذلك باللام وفي المزارعة قاله عمرو: قلت لطاوس لو تركت المخابرة فإنهم يزعمون أن النبي ﷺ نهى عنها.
قال: أي عمرو وإني أعطيهم وأغنيهم وإن أعلمهم أخبرني (يعني ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ خرج إلى أرض تهتز زرعًا) أي تتحرك بالنبات وترتاح لأجل الزرع (فقال) ﵊:
(لمن هذه) الأرض (فقالوا اكتراها فلان فقال) ﵊ (أما) بالتخفيف (أنه لو منحها) أي أعطاها المالك (إياه) أي فلانًا المكتري على سبيل المنحة (كان خيرًا له من أن يأخذ) أي من أخذه (عليها أجرًا معلومًا) لأنها أكثر ثوابًا وسبق هذا الحديث في المزارعة.
٣٦ - باب إِذَا قَالَ أَخْدَمْتُك هَذِهِ الْجَارِيَةَ عَلَى مَا يَتَعَارَفُ النَّاسُ فَهْوَ جَائِزٌ
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: هَذِهِ عَارِيَّةٌ. وَإِنْ قَالَ: كَسَوْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ فَهذهِ هِبَةٌ.
هذا (باب) بالتنوين (إذا قال) رجل لآخر (أخدمتك هذه الجارية على ما يتعارف الناس) أي على عرفهم في صدور هذا القول منهم أو على عرفهم في كون الإخدام هبة أو عارية (فهو جائز) جواب إذا (وقال بعض الناس) قال: الكرماني: قيل أراد به الحنفية (وهذه) الصفة المذكورة بقوله إذا قال: أخدمتك هذه الجارية مثلاً فهي (عارية) قال الحنفية: لأنه صريح في إعارة الاستخدام (وإن قال كسوتك هذا الثوب فهو) ولأبي ذر: فهذه (هبة) قال الله تعالى ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين﴾ (إلى قوله) ﴿أو كسوتهم﴾ [المائدة: ٨٩] ولم تختلف الأمة أن ذلك تمليك للطعام والكسوة فلو قال: كسوتك هذا الثوب مدة معينة فله شرطه قاله ابن بطال وقال ابن المنير: الكسوة للتمليك بلا شك لأن ظاهرها الأصلي لا يراد إذ أصلها لمباشرة الإلباس لكنّا نعلم أن الغني إذا قال للفقير كسوتك هذا الثوب لا يعني أنني باشرت إلباسك إياه فإذا تعذّر حمله على الوضع حمل على العرف وهو العطية.
وقال الكرماني قوله: وإن قال كسوتك إلخ يحتمل أن يكون من تتمة قول الحنفية ومقصود المؤلّف منه أنهم تحكموا حيث قالوا ذلك عارية وهذا هبة، ويحتمل أن يكون عطفًا على الترجمة.
стр. 3202
٢٦٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ بِسَارَةَ، فَأَعْطَوْهَا آجَرَ، فَرَجَعَتْ فَقَالَتْ: أَشَعَرْتَ أَنَّ اللَّهَ كَبَتَ الْكَافِرَ، وَأَخْدَمَ وَلِيدَةً»؟ وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة قال (حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول ﷺ قال):
(هاجر إبراهيم) الخليل ﷺ (بسارّة) زوجته فدخل قرية فيها جبار من الجبابرة فقيل إن هاهنا رجلاً معه امرأة من أحسن الناس فأرسل إليها، فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده فأخذ فقال: ادعي الله لي ولا أضرّك فدعت الله فأطلق بعض حجبته (فأعطوها آجر) بهمزة بدل الهاء وفتح الجيم (فرجعت) سارّة إلى الخليل (فقالت) له (أشعرت أن الله) (كبت الكافر) أي صرفه وأذلّه (وأخدم) أي الكافر (وليدة) جارية أي وهبها لأجل الخدمة.
(وقال ابن سيرين) محمد مما هو موصول في أحاديث الأنبياء (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) (فأخدمها هاجر) غرض المؤلّف أن لفظ الإخدام للتمليك وكذلك الكسوة، لكن قال ابن بطال: استدلاله بقوله فأخدمها هاجر على الهبة لا يصح، وإنما صحّت الهبة في هذه القصة من قوله فأعطوها هاجر.
قال في فتح الباري: مراد البخاري أنه إن وجدت قرينة تدل على العرف حمل عليها فإن كان جرى بين قوم عرف في تنزيل الإخدام منزلة الهبة فأطلقه شخص وقصد التمليك نفذ، ومن قال هي عارية في كل حال فقد خالف والله أعلم.
وهذا الحديث قد مرّ بتمامه في البيع في باب شراء المملوك من الحربي وساق هنا قطعة منه.
وهاهنا فروع لو أعطى إنسان آخر دراهم وقال: اشترِ لك بها عمامة أو ادخل بها الحمام أو نحو ذلك تعينت لذلك مراعاة لغرض الدافع هذا إن قصد ستر رأسه بالعمامة وتنظيفه بدخول الحمام لما رأى به من كشف الرأس وشعث البدن ووسخه، وإن لم يقصد ذلك بل قاله على سبيل التبسّط المعتاد فلا يتعيّن ذلك بل يملكها ويتصرف فيها كيف شاء وكذا لو طلب الشاهد من المشهود له مركوبًا ليركبه في أداء الشهادة فأعطاه أجرة المركوب فيأتي فيها التفصيل السابق، لكن قال الأسنوي:
والصحيح أن له صرفها إلى جهة أخرى كما ذكروه في بابه، والفرق أن الشاهد يستحق أجرة المركوب فله التصرف فيها كيف شاء والمذكور أولاً من باب الصدقة والبرّ فروعِيَ فيه غرض الدافع، وإن أعطاه كفنًا لأبيه فكفّنه في غيره فعليه ردّه له إن كان قصد التبرّك بأبيه وما يحصله خادم الصوفية
стр. 3203
لهم من السوق وغيره يملكه دونهم لأنه ليس بوكيل عنهم ووفاؤه لهم مروءة منه فإن قصدهم الدافع معه فالملك مشترك أو دونه فمختص بهم إن كان وكيلاً عنهم.
٣٧ - باب إِذَا حَمَلَ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ فَهْوَ كَالْعُمْرَى وَالصَّدَقَةِ
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا.
هذا (باب) بالتنوين (إذا حمل رجل رجلاً) آخر غيره (على فرس) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي: إذا حمل رجلاً بالنصب على المفعولية والفاعل مضمر أي حمل رجل رجلاً على فرس (فهو) أي فحكمه (كالعمرى والصدقة) في عدم الرجوع فيه (وقال بعض الناس) أبو حنيفة ﵀ (له أن يرجع فيها) في الفرس الذي حمله عليها ناويًا الهبة لأنه يجوز عنده الرجوع في الهبة للأجنبي.
٢٦٣٦ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَسْأَلُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ فَقَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: "قَالَ عُمَرُ ﵁: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَرَأَيْتُهُ يُبَاعُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لَا تَشْتَرِ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ".
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير المكي قال: (أخبرنا سفيان) بن عيينة (قال: سمعت مالكًا) الإمام الأعظم (يسأل زيد بن أسلم) العدوي مولى عمر المدني (قال) ولأبي ذر فقال (سمعت أبي) أسلم (يقول قال عمر) بن الخطاب (﵁: حملت على فرس) أي تصدّقت به (في سبيل الله) وليس المراد أنه حبسه كما سبق واسم الفرس الورد (فرأيته يباع) وأردت أن أشتريه (فسألت رسول الله ﷺ فقال):
(لا تشتره) أي الفرس والنهي للتنزيه، ولغير أبي ذر: لا تشتر بحذف الضمير المنصوب زاد في رواية يحيى بن قزعة وإن أعطاكه بدرهم (ولا تعد في صدقتك) والله تعالى أعلم.
стр. 3204
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٥٢ - كتاب الشهادات
(بسم الله الرحمن الرحيم).
جمع شهادة وهي كما في القاموس خبر قاطع وقد شهد كعلم وكرم وقد تسكن هاؤه وشهده كسمعه شهودًا حضره فهو شاهد الجمع شهود وشهد ولزيد بكذا شهادة أدّى ما عنده من الشهادة فهو شاهد الجمع شهد بالفتح وجمع الجمع شهود وأشهاد واستشهده سأله أن يشهد له والشهيد وتكسر شينه الشاهد والأمين في شهادته انتهى.
والفرق بين الشهادة والرواية مع أنهما خبر إن كما في شرح البرهان للمازري أن المخبر عنه في الرواية أمر عام لا يختص بمعين نحو الأعمال بالنيات والشفعة فيما لم يقسم فإنه لا يختص بمعين بل عام في كل الخلق والأعصار والأمصار بخلاف قول العدل لهذا عند هذا دينار فإنه إلزام لمعين لا يتعداه، وتعقبه الإمام ابن عرفة بأن الرواية تتعلق بالجزئي كثيرًا كحديث: يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة انتهى.
وقد تكون مركبة من الرواية والشهادة كالإخبار عن رؤية هلال رمضان فإنه من جهة أن الصوم لا يختص بشخص معين بل عام على من دون مسافة القصر رواية، ومن جهة أنه مختص بأهل المسافة ولهذا العام شهادة قاله: الكرماني. وقد ثبتت البسملة قبل كتاب في الفرع ونسب ذلك فى الفتح لرواية النسفيّ وابن شبويه وفي بعض النسخ سقوطها.
١ - باب مَا جَاءَ فِي الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمُدَّعِي
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ
стр. 3205
فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَنْ لَا تَرْتَابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ لَا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَقَوْلِ اللهِ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥].
(باب ما جاء في البينة على المدعي) بكسر العين (لقوله) زاد أبو ذر تعالى ولأبي ذر أيضًا (﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين﴾) أي إذا داين بعضكم بعضًا تقول داينته إذا عاملته نسيئة معطيًا أو آخذًا (﴿إلى أجل مسمى﴾) معلوم بالأيام والأشهر لا بالحصاد وقدوم الحاج (﴿فاكتبوه﴾) قال ابن كثير: هذا إرشاد من الله تعالى لعباده المؤمنين إذا تعاملوا بمعاملات مؤجلة أن يكتبوها ليكون ذلك أحفظ لمقدارها وميقاتها وأضبط للشاهد، ويقال مما ذكره السمرقندي مَن ادّان دينًا وا يكتب فإذا نسي دينه ويدعو الله تعالى بأن يظهره يقول الله تعالى: أمرتك بالكتابة فعصيت أمري، والجمهور على أن الأمر هنا للاستحباب (﴿وليكتب بينكم كاتب بالعدل﴾) أي بالقسط من غير زيادة ولا نقصان (﴿ولا يأب كاتب﴾) ولا يمتنع أحد من الكتاب (﴿أن يكتب كما علمه الله﴾) مثل ما علمه الله من كتب الوثائق ما لم يكن يعلم (﴿فليكتب﴾) نلك الكتابة المعلمة (﴿وليملل الذي عليه الحق﴾) وليكن المملل من عليه الحق لأنه المقرّ المشهود عليه (﴿وليتق الله ربه﴾) أي المملي أو الكاتب (﴿ولا يبخس﴾) ولا ينقص (﴿منه شيئًا﴾) أي من الحق أو الكاتب لا ينجس مما أمل عليه (﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا﴾) ناقص العقل مبذرًّا (﴿أو ضعيفًا﴾) صبيًّا أو ضعيفًا مختلاًّ (﴿أو لا يستطيع أن يمل هو﴾) أو غير مستطيع للإملاء بنفسه لخرس أو جهل باللغة (﴿فليملل وليه بالعدل﴾) أي الذي يلي أمره ويقوم مقامه من قيم إن كان صبيًّا أو مختل عقل أو وكيل أو مترجم إن كان غير مستطيع وهو دليل جريان النيابة في الإقرار ولعله مخصوص بما تعاطاه القيم أو الوكيل (﴿واستشهدوا﴾) على حقكم (﴿شهيدين من رجالكم﴾) المسلمين الأحرار البالغين وقال: ابن كثير أمر بالإشهاد مع الكتابة لزيادة التوثقة (﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾) وهو مخصوص بالأموال عندنا ومما عدا الحدود والقصاص عند أبي حنيفة (﴿ممن ترضون من الشهداء﴾) لعلمكم بعد التهم (﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾) أي لأجل أن إحداهما إن ضلّت الشهادة بأن نسيتها ذكرتها الأخرى وفيه إشعار بنقصان عقلهن وقلة ضبطهن (﴿ولا يأبَ الشهداء إذا ما دعوا﴾) لأداء الشهادة عند الحاكم فإذا دعي لأدائها فعليه الإجابة إذا تعينت، وإلاّ فهو فرض كفاية أو التحمل وسموا شهداء تنزيلاً لما يشارف منزلة الواقع وما مزيدة (﴿ولا تسأموا﴾)
стр. 3206
ولا تملوا من كثرة مدايناتكم (﴿أن تكتبوه﴾) أي الدين أو الكتاب (﴿صغيرًا أو كبيرًا﴾) صغيرًا كان الحق أو كبيرًا أو مختصرًا كان الكتاب أو مشبعًا (﴿إلى أجلها﴾) أي إلى وقت حلوله الذي أقرّ به المديون (﴿ذلكم﴾) الذي أمرناكم به من الكتابة (﴿أقسط عند الله﴾) أعدل (﴿وأقوم للشهادة﴾) وأثبت لها وأعون على إقامتها إذا وضع خطه ثم رآه تذكر به الشهادة لاحتمال أنه لولا الكتابة لنسيه كما هو الواقع غالبًا (﴿وأدنى أن لا ترتابوا﴾) وأقرب في أن لا تشكوا في جنس الدين وقدره وأجله والمشهور ونحو ذلك ثم استثنى من الأمر بالكتابة فقال: (﴿إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها﴾) أي إلا أن تتبايعوا يدًا بيد فلا بأس أن لا تكتبوا لبعده عن التنازع والنسيان (﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾) هذا التبايع أو مطلقًا لأنه أحوط (﴿ولا يضارّ كاتب ولا شهيد﴾) فيكتب هذا خلاف ما علم ويشهد هذا بخلاف ما سمع أو الضرار بهما مثل أن يعجلا عن أمر مهم ويكلفا الخروج عما حدّ لهما ولا يعطي الكاتب جعله والشاهد مؤونة مجيئه حيث كانت (﴿وإن تفعلوا﴾) الضرار بالكاتب والشاهد (﴿فإنه فسوق بكم﴾) خروج عن الطاعة لاحق بكم (﴿واتقوا الله﴾) في مخالفة أمره ونهيه (﴿ويعلمكم الله﴾) أحكامه المتضمنة لمصالحكم (﴿والله بكل شيء عليم﴾) [البقرة: ٢٨٢] عالم بحقائق الأمور ومصالحها لا يخفى عليه شيء بل علمه محيط بجميع الكائنات ولفظ رواية أبي ذر بعد قوله: (﴿فاكتبوه﴾) إلى قوله: (﴿واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم﴾) وكذا لابن شبويه، وساق في رواية الأصيلي وكريمة الآية كلها قاله الحافظ ابن حجر.
(وقوله تعالى) في سورة النساء ولأبوي ذر والوقت وقول الله : (﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط﴾) مواظبين على العدل مجتهدين في إقامته (﴿شهداء لله﴾) بالحق تقيمون شهاداتكم لوجه الله تعالى (﴿ولو﴾) كانت الشهادة (﴿على أنفسكم﴾) بأن تقرّوا عليها لأن الشهادة بيان الحق سواء كان الحق عليه أو على غيره (﴿أو الوالدين والأقربين﴾) ولو على أقاربكم (﴿إن يكن﴾) أي المشهود عليه أو كل واحد منه ومن المشهود له (﴿غنيًّا أو فقيرًا﴾) فلا تمتنعوا عن إقامة الشهادة فلا تراعوا الغني لغناه ولا الفقير لفقره (﴿فالله أولى بهما﴾) بالغني والفقير وبالنظر لهما فلو لم تكن الشهادة لهما أو عليهما صلاحًا لما شرعها (﴿فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا﴾) لأن تعدلوا عن الحق (﴿وإن تلووا﴾) ألسنتكم عن شهادة الحق أو عن حكومة العدل (﴿أو تعرضوا﴾) عن أدائها (﴿فإن الله كان بما تعملون خبيرا﴾) [النساء: ١٣٥] تهديد للشاهد لكيلا يقصر في أداء الشهادة ولا يكتمها، ولأبي ذر وابن شبويه بعد قوله: ﴿بالقسط﴾ إلى قوله: ﴿بما تعملون خبيرًا﴾.
ووجه الاستدلال بما ذكره على الترجمة كما قاله ابن المنير أن المدعي لو كان مصدقًا بلا بيّنة لم يحتج إلى الإشهاد ولا إلى كتابة الحقوق املائها فالإرشاد إلى ذلك يدل على الحاجة إليه وفي ضمن ذلك أن البينة على المدّعي، ولأن الله تعالى حين أمر الذي عليه الحق بالإملاء اقتضى تصديقه فيما أقرّ به، وإذا كان مصدّفًا فالبينة على مَن ادّعى تكذيبه، ولم يسق المؤلّف ﵀ حديثًا اكتفاء بالآيتين.
стр. 3207
٢ - باب إِذَا عَدَّلَ رَجُلٌ أَحَدًا فَقَالَ: لَا نَعْلَمُ إِلاَّ خَيْرًا، أَو مَا عَلِمْتُ إِلاَّ خَيْرًا وساق حديث الإفك فقال النبي ﷺ لأسامة حين استشاره، فقال: أهلك ولا نعلم إلا خيرًا
هذا (باب) بالتنوين (إذا عدّل) بتشديد الدال (رجل أحدًا) ولأبي ذر عن المستملي: رجلاً بدل أحدًا (فقال) المعدل (لا نعلم إلا خيرًا أو قال ما) ولأبوي ذر والوقت أو ما (علمت إلا خيرًا) ما الحكم في ذلك زاد أبو ذر وساق حديث الإفك فقال النبي ﷺ لأسامة حين عدّله قال أهلك ولا نعلم إلا خيرًا. قال في الفتح: ولم يقع هذا كله في رواية الباقين وهو اللائق لأن حديث الإفك قد ذكر في الباب موصولاً وإن كان اختصره.
٢٦٣٧ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ حَدَّثَنَا ثوبانُ، وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بن الزبير وَابْنُ الْمُسَيَّبِ وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بن عبد الله عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂-وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا- حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ ما قَالُوا: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا وَأُسَامَةَ حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ يَسْتَأْمِرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ، فَأَمَّا أُسَامَةُ فَقَالَ: أَهْلُكَ وَلَا نَعْلَمُ إِلاَّ خَيْرًا. وَقَالَتْ بَرِيرَةُ: إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا أَغْمِصُهُ أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ يَعْذِرُنَا مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ مِنْ أَهْلِي إِلاَّ خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلاً مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلاَّ خَيْرًا».
وبه قال: (حدّثنا حجاج) هو ابن منهال قال: (حدّثنا عبد الله بن عمر) بضم العين وفتح الميم ابن غانم (النميري) بضم النون وفتح الميم قال: (حدّثنا ثَوبان) كتب في اليونينية وفرعها على ثوبان علامة السقوط من غير رقم ولأبي ذر: حدّثنا يونس بن يزيد الأيلي.
(وقال الليث) بن سعد الإمام مما وصله في تفسير سورة النور (حدّثني) بالإفراد (يونس) الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة بن الزبير) بن العوّام وسقط لغير أبي ذر ابن الزبير (وابن المسيب) سعيد (وعلقمة بن وقاص) بتشديد القاف الليثي (وعبيد الله بن عبد الله) بضم العين في الأول ابن عتبة بن مسعود وسقط ابن عبد الله لغير أبي ذر (عن حديث عائشة ﵂ وبعض حديثهم يصدق بعضًا) أي وحديث بعضهم يصدّق بعضًا فيكون من باب المقلوب أو المراد أن حديث كلٍّ منهم يدل على صدق الراوي في بقية حديثه لحسن سياقه وجودة حفظه (حين قال لها أهل الإفك) أسوأ الكذب (ما قالوا) مما رموها به وبرّأها الله وسقط لغير الكشميهني قوله ما قالوا: (فدعا رسول الله ﷺ عليًا) هو ابن أبي طالب (وأسامة) الفاء في فدعا عاطفة على محذوف
стр. 3208
تقديره، وكان رسول الله قبل ذلك قد سمع ما قيل فدعا عليًّا وأسامة (حين استلبث الوحي) استفعل من اللبث وهو الإبطاء والتأخير والوحي بالرفع أي أبطأ نزوله (يستأمرما) يشاورهما (في فراق أهله) عدلت عن قولها في فراقي إلى قولها في فراق أهله لكراهتها التصريح بإضافة الفراق إليها (فأما أسامة فقال: أهلك) بالرفع أي هم أهلك، ولأبي ذر: أهل بالنصب على الإغراء أي الزم أهلك أي العفائف المعروفات بالصيانة (ولا نعلم إلاّ خيرًا).
وهذا موضع الترجمة على ما لا يخفى، لكن اعترضه ابن المنير: بأن التعديل إنما هو تنفيذ للشهادة وعائشة ﵂ لم تكن شهدت ولا كانت محتاجة إلى التعديل لأن الأصل البراءة، وإنما كانت محتاجة إلى نفي التهمة عنها حتى تكون الدعوى عليها بذلك غير مقبولة ولا مشبهة فيكفي في هذا القدر هذا اللفظ فلا يكون فيه لمن اكتفى في التعديل بقوله لا أعلم إلا خيرًا حجة انتهى.
ولا يلزم من أنه لا يعلم منه إلا خيرًا أن لا يكون فيه شيء، وعند الشافعية لا يقبل التعديل ممن عدل غيره حتى يقول هو عدل، وقيل: عدل علي ولي. قال الإمام: وهو أبلغ عبارات التزكية ويشترط أن تكون معرفته به باطنة متقادمة بصحبة أو جوار أو معاملة، وقال مالك: لا يكون قوله لا نعلم إلاّ خيرًا تزكية حتى يقول رضًا ونقل الطحاوي عن أبي يوسف إنه إذا قال: لا نعلم إلا خيرًا قبلت شهادته، والصحيح عند الحنفية أن يقول هو عدل جائز الشهادة قال ابن فرشتاه: وإنما أضاف إلى قوله هو عدل كونه جائز الشهادة لأن العبد والمحدود في قذف يكونان عدلين إذا تابا ولا تقبل شهادتهما انتهى.
(وقالت بريرة) خادمتها حين سألها ﵇ هل رأيت شيئًا يريبك (إن رأيت عليها أمرًا) بكسر همزة إن النافية أي ما رأيت عليها شيئًا (أغمصه) بفتح الهمزة وسكون الغين المعجمة وكسر الميم وبصاد مهملة أي أعيبها به (أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها) لرطوبة بدنها وسقط لأبي ذر قوله جارية (فتأتي الداجن) بدال مهملة وبعد الألف جيم الشاة تألف البيوت ولا تخرج إلى المرعى (فتأكله فقال رسول الله ﷺ ¬):
(من يعذرنا) أي من ينصرنا أو من يقوم بعذره فيما رمى به أهلي من المكروه أو من يقوم بعذري إذا عاقبته على سوء ما صدر منه، ورجح النووي هذا الثاني (في) وللكشميهني من (رجل) هو عبد الله بن أبي (بلغني أذاه في أهل بيتي) فيما رمى به من المكروه (فوالله ما علمت من أهلي إلاّ خيرًا ولقد ذكروا رجلاً) هو صفوان بن معطل (ما علمت عليه) ولأبي ذر عن الكشميهني فيه (إلاّ خيرًا).
وهذا الحديث أخرجه هنا مختصرًا، وأخرجه أيضًا في الشهادات والمغازي والتفسير والإيمان والنذور والتوحيد ومسلم في التوبة والنسائي في عشرة النساء والتفسير.
стр. 3209
٣ - باب شَهَادَةِ الْمُخْتَبِئ، وَأَجَازَهُ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ
قَالَ: وَكَذَلِكَ يُفْعَلُ بِالْكَاذِبِ الْفَاجِرِ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ وَعَطَاءٌ وَقَتَادَةُ: السَّمْعُ شَهَادَةٌ. وَقَالَ الْحَسَنُ يَقُولُ: لَمْ يُشْهِدُونِي عَلَى شَىْءٍ، وَإِنِّي سَمِعْتُ كَذَا وَكَذَا.
(باب) حكم (شهادة المختبئ) بالخاء المعجمة والموحدة أي الذي يختفي عند تحمل الشهادة (وأجازه) أي الاختباء عند تحملها (عمرو بن حريث) بفتح العين وسكون الميم وحريث بضم الحاء المهملة وبالمثلثة آخره مصغرًا المخزومي من صغار الصحابة ﵃ ولأبيه صحبة أيضًا وليس له في البخاري ذكر إلا هذا، ورواه البيهقي (وقال) أي عمرو بن حريث (وكذلك يفعل) ما ذكر من الاختباء عند التحمل (بالكاذب الفاجر) بسبب المديون الذي لا يعترف بالدين ظاهرًا بل إذا خلا به صاحب الدين يعترف به فيسمع إقراره به من هو مختف عمل بذلك، وبه قال الشافعي في الجديد ومالك وأحمد، قال أبو حنيفة: لا.
(وقال الشعبي) بفتح المعجمة وسكون المهملة عامر فيما وصله ابن أبي شيبة (وابن سيرين) محمد (وعطاء) هو ابن أبي رباح (وقتادة) بن دعامة (السمع شهادة) وإن لم يشهد المقر، (وقال) ولأبي ذر كان (الحسن) البصري (يقول) الذي سمع من قوم شيئًا للقاضي (لم يشهدوني على شيء وإني) ولأبي ذر: ولكن (سمعت) هم يقولون (كذا وكذا) وهذا وصله ابن أبي شيبة.
٢٦٣٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ سَالِمٌ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: "انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ الأَنْصَارِيُّ يَؤُمَّانِ النَّخْلَ وَهْوَ يَخْتِلُ أَنْ يَسْمَعَ مِنِ ابْنِ صَيَّادٍ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ، وَابْنُ صَيَّادٍ مُضْطَجِعٌ عَلَى فِرَاشِهِ فِي قَطِيفَةٍ، لَهُ فِيهَا رَمْرَمَةٌ أَوْ زَمْزَمَةٌ، فَرَأَتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّادٍ النَّبِيَّ ﷺ وَهْوَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ، فَقَالَتْ لاِبْنِ صَيَّادِ: أَىْ صَافِ، هَذَا مُحَمَّدٌ. فَتَنَاهَى ابْنُ صَيَّادٍ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ".
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه قال: (قال سالم سمعت) أبي (عبد الله بن عمر) بن الخطاب (﵄ يقول: انطلق رسول الله ﷺ وأُبيّ بن كعب الأنصاري يؤمان النخل) أي يقصدانه ولأبي ذر عن الحموي والمستملي إلى النخل (التي فيها ابن صياد) واسمه صافي (حتى إذا دخل رسول الله ﷺ ¬) في النخل (طفق) بكسر الفاء جعل (رسول الله ﷺ ¬) وخبر طفق قوله (يتقي بجذوع النخل وهو يختل) بفتح المثناة التحتية وسكون الخاء المعجمة وكسر الفوقية آخره لام أي حال كونه يطلب (أن يسمع من ابن صياد شيئًا) من كلامه الذي يقوله في خلوته ليعلم هو وأصحابه أكاهن هو أو ساحر (قبل أن يراه) أي ابن صياد كما صرّح به في الجنائز (وابن صياد مضطجع) الواو للحال (على فراشه في قطيفة) كساء له حمل (له) أي لابن صياد (فيها) في القطيفة (رمرمة) براءين مهملتين بينهما
стр. 3210
ميم ساكنة وبعد الراء الثانية ميم أخرى أي صوت خفي (أو زمزمة) بزاءين معجمتين ومعناها كالأولى والشك من الراوي (فرأت أم ابن صياد النبي ﷺ وهو) أي والحال أنه (يتقي) يخفي نفسه (بجذوع النخل) حتى لا تراه أم صياد (فقالت لابن صياد) أمه (أي صافٍ) كقاضٍ أي يا صافٍ (هذا محمد) صلوات الله وسلامه عليه (فتناهى ابن صياد) أي رجع إليه عقله وتنبّه من غفلته أو انتهى عن زمزمته (قال رسول الله) ولأبي ذر النبي (¬ ﷺ ¬):
(لو تركته) أمه ولم تعلمه بمجيئنا (بين) لنا من حاله ما نعرف به حقيقة أمره. وهذا يقتضي الاعتماد على سماع الكلام وإن كان السامع محتجبًا عن المتكلم إذا عرف صوته.
وهذا الحديث سبق في الجنائز في باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلّى عليه وأخرجه أيضًا في بدء الخلق وغيره.
٢٦٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ "جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَنِي فَأَبَتَّ طَلَاقِي، فَتَزَوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ، إِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ. فَقَالَ: أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ. وَأَبُو بَكْرٍ جَالِسٌ عِنْدَهُ، وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بِالْبَابِ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ. فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَا تَسْمَعُ إِلَى هَذِهِ مَا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ".
[الحديث ٢٦٣٩ - أطرافه في: ٥٢٦٠، ٥٢٦١، ٥٢٦٥، ٥٣١٧، ٥٧٩٢، ٥٨٢٥، ٦٠٨٤].
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن عروة) بن الزبير بن العوّام (عن عائشة ﵂¬) أنها (قالت: جاءت امرأة رفاعة) بكسر الراء (القرظي النبي) بالنصب والقرظي بضم القاف وفتح الراء وبالظاء المعجمة من بني قريظة وهو أحد العشرة الذين نزل فيهم ولقد وصلنا لهم القول الآية كما رواه الطبراني عنه قال البغوي: ولا أعلم له حديثًا غيره واسم زوجته سهيمة، وقيل غير ذلك مما يأتي إن شاء الله تعالى في النكاح ولأبي ذر: جاءت إلى النبي (¬ ﷺ فقالت) له ﵊: (كنت عند رفاعة فطلقني فأبتَّ طلاقي) بهمزة مفتوحة وتشديد المثناة الفوقية كذا في جميع ما وقفت عليه من النسخ في الأصول المعتمدة فأبتَّ بالهمز من الثلاثي المزيد فيه، وقال العيني: فبتَّ من غير همز من الثلاثي المجرّد قال وفي النسائي فأبتَّ من المزيد انتهى.
نعم رأيت في النسخة المقروءة على الميدومي فطلّقني فأبتَّ فزاد فطلّقني ولم يقل بعد أبت طلاقي، وفي الطلاق عند المؤلّف طلّقني فبتَّ طلاقي أي قطع قطعًا كليًّا بتحصيل البينونة الكبرى بالطلاق الثلاث متفرقات.
стр. 3211
(فتزوّجت) بعد انقضاء العدّة (عبد الرحمن بن الزبير) بفتح الزاي وكسر الموحدة ابن باطا القرظي (إنما) أي إن الذي (معه مثل هدبة الثوب) بضم الهاء وسكون الدال المهملة طرفه الذي لم ينسج شبهوه بهدب العين وهو شعر جفنها ومرادها ذكره وشبهته بذلك لصغره أو استرخائه وعدم انتشاره. قال في العدة: والثاني أظهر، وجزم به ابن الجوزي لأنه يبعد أن يبلغ في الصغر إلى حدّ لا تغيب منه الحشفة التي يحصل بها التحلل (فقال) ﵊:
(أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة) سبب هذا الاستفهام قول زوجها عبد الرحمن بن الزبير كما في مسلم أنها ناشز تريد رفاعة. قال الكرماني: وفي بعضها ترجعين بالنون على لغة من يرفع الفعل بعد أن حملاً على ما أختها (لا) رجوع لك إلى رفاعة (حتى تذوقي عسيلته) أي عسيلة عبد الرحمن (ويذوق) هو أيضًا (عسيلتك) بضم العين وفتح السين المهملتين مصغرًا فيهما كناية عن الجماع فشبّه لذته بلذة العسل وحلاوته واستعار لها ذوقًا. وقد روى عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة مرفوعًا إن العسيلة هي الجماع. رواه الدارقطني فهو مجاز عن اللذة وقيل العسيلة ماء الرجل والنطفة تسمى العسيلة، وحينئذٍ فلا مجاز لكن ضعف بأن الإنزال لا يشترط، وإن قال به الحسن البصري، وأنّث العسيلة لأنه شبّهها بالقطعة من العسل أو أن العسل في الأصل يذكّر ويؤنّث، وإنما صغره إشارة إلى القدر القليل الذي يحصل به الحلّ قال: النووي واتفقوا على أن تغيب الحشفة في قبلها كافٍ من غير إنزال وقال ابن المنذر: في الحديث دلالة على أن الزوج الثاني إن واقعها وهي نائمة أو مغمى عليها لا تحسّ باللذة أنها لا تحلّ للأوّل لأن الذوق أن تحسّ باللذة وعامّة أهل العلم أنها تحلّ.
(وأبو بكر) الصديق ﵁ (جالس عنده) ﷺ (وخالد بن سعيد بن العاص) الأموي (بالباب) الشريف النبوي (ينتظر أن يؤذن له فقال) أي خالد وهو بالباب: (يا أبا بكر ألا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام (تسمع إلى هذه ما تجهر به عند النبي ﷺ ¬) من قولها: إنما معه مثل الهدبة وكأنه استعظم تلفظها بذلك بحضرته ﷺ .
وهذا موضع الترجمة لأن خالد بن سعيد أنكر على امرأة رفاعة ما كانت تتكلم به عند النبي ﷺ مع كونه محجوبًا عنها خارج الباب، ولم ينكر النبي ﷺ ذلك فاعتماد خالد على سماع صوتها حتى أنكر عليها هو حاصل ما يقع من شهادة السمع ولا معنى للإشهاد إلا الإسماع، فإذا أسمعه فقد أشهده قصد ذلك أم لا؟ وقد قال الله تعالى: ﴿ولا تكتموا الشهادة﴾ [البقرة: ٢٨٣] ولم يقل الإشهاد والسماع شهادة ولكن إذا صرّح المقرّ بالإشهاد فالأحسن أن يكتب الشاهد أشهدني بذلك فشهدت عليه حتى يخلص من الخلاف.
وهذا الحديث أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه في النكاح والنسائي فيه وفي الطلاق.
стр. 3212
٤ - باب إِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ أَوْ شُهُودٌ بِشَىْءٍ وَقَالَ آخَرُونَ مَا عَلِمْنَا بذَلِكَ يُحْكَمُ بِقَوْلِ مَنْ شَهِدَ
قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: هَذَا كَمَا أَخْبَرَ بِلَالٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ، وَقَالَ الْفَضْلُ: لَمْ يُصَلِّ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِشَهَادَةِ بِلَالٍ. كَذَلِكَ إِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَشَهِدَ آخَرَانِ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، يُقْضَى بِالزِّيَادِةَ.
هذا (باب) بالتنوين (إذا شهد شاهد) بقضية (أو) شهد (شهود بشيء فقال) بالفاء ولأبي ذر قال: جماعة (آخرون ما علمنا ذلك) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: بذلك (يحكم بقول من شهد) لأنه مثبت فيقدم على النافي (قال الحميدي) عبد الله بن الزبير المكي فيما وصله في الحج (هذا) أي الحكم (كما أخبر بلال) المؤذن (أن النبي ﷺ صلّى في) جوف (الكعبة) عام الفتح، (وقال الفضل) بن العباس (لم يصلّ) ﵊ فيها (فأخذ الناس بشهادة بلال) فرجحوها على رواية الفضل لأن فيها زيادة علم وإطلاق الشهادة على إخبار بلال تجوّز.
وقال الكرماني فإن قلت: ليس هذا من باب ما علمنا بل هما متنافيان لأن أحدهما قال: صلّى، والآخر قال: لم يصلّ؟ وأجاب: بأن قوله لم يصلِّ معناه أنه ما علم أنه صلّى قال ولعلّ الفضل كان مشتغلاً بالدعاء ونحوه فلم يره صلّى فنفاه عملاً بظنه.
(كذلك) الحكم (إن شهد شاهدان أن لفلان على فلان ألف درهم وشهد آخران بألف وخمسمائة) مثلاً (يقضي بالزيادة) لأن عدم علم الغير لا يعارض علم من علمه، ولأبي ذر يعطي بدل يقضي فالباء في بالزيادة على هذا ساقطة أو زائدة.
٢٦٤٠ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: "عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً لأَبِي إِهَابِ بْنِ عَزِيزٍ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِي تَزَوَّجَ. فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي، وَلَا أَخْبَرْتِنِي. فَأَرْسَلَ إِلَى آلِ أَبِي إِهَابٍ يَسْأَلُهُمْ فَقَالُوا: مَا عَلِمْنَاه أَرْضَعَتْ صَاحِبَتَنَا. فَرَكِبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟ فَفَارَقَهَا وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ".
وبه قال: (حدّثنا حبّان) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة ابن موسى السلمي المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا عمر بن سعيد بن أبي حسين) بضم العين في الأول وكسرها في الثاني وضم حاء حسين النوفلي المكي: (قال: أخبرني) بالإفراد (عبد الله بن أبي مليكة) هو عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة بالتصغير واسمه زهير التيمي المدني (عن عقبة بن الحرث) بن عامر بن نوفل المكي صحابي من مسلمة الفتح بقي إلى بعد الخمسين (أنه تزوّج
стр. 3213
ابنة لأبي إهاب بن عزيز) بكسر همزة إهاب وعزيز بفتح العين المهملة وزايين معجمتين بوزن عظيم، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: عزيز بضم العين وفتح الزاي الأولى، لكن قال في الفتح وتبعه العيني آخره راء فالله أعلم واسم المرأة غنية وهي أم يحيى (فأتته امرأة) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمها (فقالت: قد أرضعت) وعند المؤلّف في باب الرحلة في المسألة النازلة من العلم فقالت إني قد أرضعت (عقبة) بن الحرث (و) المرأة (التي تزوّج) بحذف بها الثابتة في رواية عنده في باب الرحلة (فقال لها عقبة: مما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني) بغير مثناة تحتية بعد الفوقية فيهما، وفي رواية بباب الرحلة بإثباتها فيهما وعبر بأعلم المضارع وأخرت الماضي لأن نفي العلم حاصل في الحال بخلاف نفي الإخبار فإنه كان في الماضي لا غير (فأرسل) عقبة (إلى آل أبي إهاب يسألهم) أي عن مقالة المرأة، ولأبوي ذر والوقت: فيسألهم (فقالوا ما علمنا) بحذف الضمير المنصوب ولأبي ذر: ما علمناه (أرضعت صاحبتنا فركب) عقبة (إلى النبي ﷺ ¬) حال كونه (بالمدينة) أي فيها (فسأله) أي سأل عقبة النبي ﷺ عن الحكم في هذه الواقعة (فقال رسول الله ﷺ ¬):
(كيف) تباشرها وتفضي إليها (وقد قيل) إنك أخوها من الرضاعة إن ذلك بعيد من ذي المروءة والورع (ففارقها) زاد في الرحلة ففارقها عقبة أي طلّقها احتياطًا وورعًا لا حكمًا بثبوت الرضاع قال ابن بطال: ويدل عليه الاتفاق على أنه لا يجوز شهادة امرأة واحدة في الرضاع إذا شهدت بذلك بعد النكاح، لكن تعقب في دعوى الاتفاق بأن شهادتها وحدها فيه قول جماعة من السلف ونقل عن أحمد حتى المالكية فإن عندهم رواية أنها تقبل وحدها لكن بشرط فشوّ ذلك في الجيران.
(ونكحت) غنية بعد فراق عقبة (زوجًا غيره) هو ظريب بمعجمة مضمومة وراء مفتوحة آخره موحدة ابن الحرث.
ومطابقة الحديث للترجمة من جهة أمره ﷺ بالمفارقة تورعًا فجعل كالحكم وإخبارها كالشهادة وعقبة نفى العلم.
وسبق هذا الحديث في باب الرحلة من كتاب العلم.
٥ - باب الشُّهَدَاءِ الْعُدُولِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ -و- ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [الطلاق: ٢، والبقرة: ٢٨٢]
(باب) بيان (الشهداء العدول) جمع عدل وهو مسلم فلا تقبل شهادة كافر ولو على مثله لقوله تعالى: ﴿شهيدين من رجالكم﴾ [البقرة: ٢٨٢] والكافر ليس من رجالنا بالغ عاقل فلا تقبل شهادة
стр. 3214
صبي ومجنون حرّ فلا تقبل شهادة من فيه رقٌّ لنقصه غير فاسق لقوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ
فتبينوا﴾ [الحجرات: ٦] نعم إن كان فسقه بتأويل كذي بدعة قبلت شهادته بصير فلا تقبل من أعمى
لانسداد طريق المعرفة عليه مع اشتباه الأصوات إلا في مواضع غير مغفل إذ المغفل لا يضبط ولا
يوثق بقوله نعم لا يقدح الغلط اليسير لأن أحدًا لا يسلم منه ذو مروءة وهو المتخلق بخلق أمثاله في
زمانه ومكانه فالأكل والشرب في السوق لغير سوقيّ والمشي فيه مكشوف الرأس وقبلته زوجته أو
أمته بحضرة الناس وإكثار حكايات مضحكة بينهم مسقط لإشعاره بالخسة.
(وقول الله تعالى) بالجر عطفًا على السابق (﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾) [الطلاق: ٢] فالعدالة في الشاهد شرط (﴿و﴾) قوله تعالى: (﴿ممن ترضون من الشهداء﴾) [البقرة: ٢٨٢] فإذا لم يرض بهم لمانع عن الشهادة لا تقبل شهادتهم كشهادة أصل لفرع أو هو لأصله.
٢٦٤١ - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُتْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ: "إِنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالْوَحْيِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَإِنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، وَإِنَّمَا نَأْخُذُكُمُ الآنَ بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا خَيْرًا أَمِنَّاهُ وَقَرَّبْنَاهُ وَلَيْسَ إِلَيْنَا مِنْ سَرِيرَتِهِ شَىْءٌ، اللَّهُ يُحَاسِبُ سَرِيرَتِهِ. وَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا سُوءًا لَمْ نَأْمَنْهُ وَلَمْ نُصَدِّقْهُ وَإِنْ قَالَ إِنَّ سَرِيرَتَهُ حَسَنَةٌ".
وبه قال: (حدّثنا الحكم بن نافع) أبو اليمان البرهاني الحمصي قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (حميد بن عبد الرحمن بن عوف) بضم حاء حميد مصغرًا (أن عبد الله بن عتبة) أي ابن مسعود وهو ابن أخي عبد الله بن مسعود الهذلي الكوفي المتوفى زمن عبد الملك بن مروان (قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: إن إناسًا كانوا يؤخدون بالوحي) يعني كان الوحي يكشف عن سرائر الناس في بعض الأوقات (في عهد رسول الله ﷺ وأن الوحي قد انقطع) بوفاته ﷺ فلم يأت الملك به عن الله لبشر لختم النبوة (وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم فمن أظهر لنا خيرًا أمناه) بهمزة مقصورة وميم مكسورة ونون مشددة من الأمان أي جعلناه آمنًا من الشرّ أو صيّرناه عندنا أمينًا (وقرّبناه) أي أكرمناه وعظمناه إذ نحن إنما نحكم بالظاهر (وليس إلينا من سريرته شيء الله يحاسبه) بمثناة تحتية مضمومة وإثبات ضمير النصب في الفرع. وقال ابن حجر: محاسبه بميم أوّله وهاء آخره، ولأبي ذر عن الكشميهني: يحاسب بحذف ضمير المفعول ومثناة مضمومة أوّله (في سريرته ومن أظهر لنا سوءًا) ولأبي ذر عن الكشميهني: شرًّا (لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال وإن سريرته حسنة) ويؤخذ منه أن العدل من لم توجد منه ريبة.
وهذا الحديث من إفراده.
стр. 3215
٦ - باب تَعْدِيلِ كَمْ يَجُوزُ؟
(باب) بيان (تعديل كم) نفس (يجوز) قال مالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد: لا يقبل أقل من رجلين، وقال أبو حنيفة: يكفي الواحد.
٢٦٤٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِجَنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ: وَجَبَتْ. ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا -أَوْ قَالَ: غَيْرَ ذَلِكَ- فَقَالَ: وَجَبَتْ. فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْتَ لِهَذَا وَجَبَتْ وَلِهَذَا وَجَبَتْ. قَالَ: شَهَادَةُ الْقَوْمِ. الْمُؤْمِنُونَ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ".
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي قال: (حدّثنا حماد بن زيد) هو ابن درهم الجهضمي البصري (عن ثابت) البناني (عن أنس) هو ابن مالك (﵁) أنه (قال: مرّ) بضم الميم مبنيًّا للمفعول (على النبي ﷺ بجنازة فأثنوا عليها خيرًا فقال) ﵊:
(وجبت ثم مرّ بأخرى فأثنوا عليها شرًّا) واستعمل الثناء في الشر على اللغة الشاذة للمشاكلة لقوله فأثنوا عليها خيرًا (أو قال غير ذلك) شك الراوي (فقال) ﵊ (وجبت فقيل) القائل عمر كما يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى (يا رسول الله قلت لهذا) المثني عليه خيرًا (وجبت ولهذا) المثني عليه شرًّا (وجبت) (قال) ﵊: (شهادة القوم المؤمنين) مقبولة فشهادة مبتدأ والمؤمنين صفة القوم المجرور بالإضافة والخبر محذوف تقديره مقبولة كما مر (شهداء الله في الأرض) خبر مبتدأ محذوف أي هم شهداء الله، ولأبي ذر عن الكشميهني: شهادة القوم المؤمنين بالرفع مبتدأ وشهداء الله خبره وشهادة القوم مبتدأ حذف خبره أي شهادة القوم مقبولة، وقال الحافظ ابن حجر: ووقع في رواية الأصيلي شهادة بالنصب، ووجهه في المصابيح بأن يكون النائب عن الفاعل ضمير المصدر مستكنًّا في الفعل وخيرًا حال منه أي فأثنى هو أي الثناء حالة كونه خيرًا.
٢٦٤٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ قَالَ: "أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ وَهُمْ يَمُوتُونَ مَوْتًا ذَرِيعًا، فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ ﵁، فَمَرَّتْ جِنَازَةٌ فَأُثْنِيَ خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ: وَجَبَتْ. ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فَأُثْنِيَ خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ: وَجَبَتْ. ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ فَأُثْنِيَ شَرًّا، فَقَالَ: وَجَبَتْ. فَقُلْتُ: مَا وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ. قُلْنَا: وَثَلَاثَةٌ؟ قَالَ: وَثَلَاثَةٌ. قُلْنَا: وَاثْنَانِ؟ قَالَ: وَاثْنَانِ. ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الْوَاحِدِ".
стр. 3216
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدّثنا داود بن أبي الفرات) بلفظ النهر واسمه عمرو الكندي قال: (حدّثنا عبد الله بن بريدة) بضم الموحدة وفتح الراء آخره هاء تأنيث (عن أبي الأسود) ظالم بن عمرو بن سفيان الديلي أنه (قال: أتيت المدينة) يثرب (وقد وقع بها مرض) جملة حالية كقوله (وهم يموتون موتًا ذريعًا) بفتح المعجمة سريعًا (فجلست إلى عمر) بن الخطاب (﵁ فمرّت جنازة فأُثني خير) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول ورفع خير نائبًا عن الفاعل وحذف عليها، ولأبي ذر والأصيلي: فأثني بضم الهمزة أيضًا خيرًا بالنصب صفة لمصدر محذوف أي ثناء خيرًا أو بنزع الخافض أي بخير (فقال عمر: وجبت. ثم مرّ) بضم الميم (بأخرى فأُثني خيرًا) بضم الهمزة ونصب خيرًا كما مرّ (فقال) أي عمر (وجبت، ثم مر بالثالثة) ولأبي ذر بالثالث بحذف هاء التأنيث (فأُثني شرّا) بضم الهمزة ونصب شرًّا أيضًا أي ثناء شرًّا أو بشر (فقال) أي عمر (وجبت) قال أبو الأسود. (فقلت ما) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي وما أي وما معنى قولك (وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت كما قال النبي ﷺ ¬):
(أيما مسلم شهد له أربعة) من المسلمين (بخير أدخله الله الجنة. قلنا: وثلاثة؟ قال) ﵊: (وثلاثة. قلنا. واثنان؟ قال) ﵊: (واثنان ثم لم نسأله عن الواحد) استبعادًا أن يكتفى به في مثل هذا المقام العظيم.
وسبق هذا الحديث في الجنائز.
٧ - باب الشَّهَادَةِ عَلَى الأَنْسَابِ، وَالرَّضَاعِ الْمُسْتَفِيضِ، وَالْمَوْتِ الْقَدِيمِ
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ». وَالتَّثَبُّتِ فِيهِ.
(باب الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض) الشائع الذائع (والموت القديم) الذي تطاول عليه الزمان (وقال النبي ﷺ ¬) أرضعتني وأبا سلمة، بالنصب عطفًا على المفعول وفتح اللام ابن عبد الأسد المخزومي زوج أم سلمة أم المؤمنين وتوفي سنة أربع فتزوج النبي ﷺ أم سلمة (ثويبة) بالمثلثة والموحدة مصغرًا مولاة أبي لهب.
وهذا طرف من حديث وصله في الرضاع (والتثبيت فيه) أي في أمر الرضاع وهذا من بقية الترجمة.
٢٦٤٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنَا الْحَكَمُ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتِ: "اسْتَأْذَنَ عَلَىَّ أَفْلَحُ فَلَمْ آذَنْ لَهُ، فَقَالَ: أَتَحْتَجِبِينَ مِنِّي وَأَنَا عَمُّكِ؟ فَقُلْتُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: أَرْضَعَتْكِ امْرَأَةُ أَخِي بِلَبَنِ أَخِي. فَقَالَتْ: سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رسول
стр. 3217
اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: صَدَقَ أَفْلَحُ، ائْذَنِي لَهُ".
[الحديث ٢٦٤٤ - أطرافه في: ٤٧٩٦، ٥١٠٣، ٥١١١، ٥٢٢٩، ٦١٥٦].
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (أخبرنا الحكم) بفتحتين ابن عتيبة مصغرًا (عن عراك بن مالك) بكسر العين المهملة وتخفيف الراء (عن عروة بن الزبير) بن العوّام (عن عائشة ﵂) أنها (قالت استأذن علي أفلح) بتشديد الياء أي طلب الإذن في الدخول عليّ بعد نزول الحجاب، وأفلح هو أبو الجعد أخو أبي القعيس بضم القاف وفتح العين المهملة واسم أبي القيس ما قال الدارقطني وائل الأشعري (فلم آذن له) بالمد في الدخول عليّ (فقال) أي أفلح (أتحتجبين منّي وأنا عمك: فقلت وكيف ذلك قال): ولأبي ذر فقال: (أرضعتك امرأة أخي) وائل (بلبن أخي فقالت) عائشة (سألت عن ذلك رسول الله ﷺ ¬) وسقط لغير الكشميهني قوله عن ذلك (فقال):
(صدق أفلح ائذني له) زاد مسلم من طريق يزيد بن أبي حبيب عن عراك عن عروة لا تحتجبي منه فإنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، واستشكل كونه ﵊ عمل بمجرد دعوى أفلح من غير بيّنة. وأجيب: باحتمال اطلاعه ﵊ على ذلك، وفيه أن لبن الفحل يحرّم وأن زوج المرضعة بمنزلة الوالد للرضيع وأخاه بمنزلة العم له.
ومباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في محالها.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في النكاح والتفسير وكذا مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
٢٦٤٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بِنْتِ حَمْزَةَ: لَا تَحِلُّ لِي، يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِة مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ، هِيَ ابِنةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ".
[الحديث ٢٦٤٥ - طرفه في: ٥١٠٠].
وبه قال: (حدّثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي بالفاء البصري قال: (حدّثنا همام) هو ابن يحيى العوذي بفتح المهملة وسكون الواو وكسر المعجمة البصري قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة (عن جابر بن زيد) التابعي الأزدي ثم الجوفي بفتح الجيم وسكون الواو بعدها فاء أبو الشعثاء البصري (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬) أي لما قال عليّ ﵁ (في بنت حمزة) بن عبد المطلب عمه ﷺ وأخيه من الرضاعة أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب ألا تتزوجها (لا تحل لي) وكان اسمها أمامة أو عمارة أو غير ذلك.
(يحرم من الرضاع) ولأبي ذر: من الرضاعة (ما يحرم من النسب) يستثنى من هذا العموم أربع نسوة يحرمن في النسب مطلقًا وفي الرضاع قد لا يحرمن، ويأتي ذكرهنّ إن شاء الله في النكاح، وكما أن الرضاع يحرّم ما يحرم من النسب يبيح ما يبيحه بالإجماع فيما يتعلق بالنكاح وتوابعه وانتشار
стр. 3218
الحرمة بين الرضيع وأولاد المرضعة وتنزيلهم منزلة الأقارب في جواز النظر والخلوة والمسافرة لا باقي الأحكام من التوارث وغيره مما يأتي إن شاء الله تعالى في محله (هي) أي بنت حمزة أمامة (بنت) ولأبي ذر: ابنة (أخي) حمزة (من الرضاعة).
وهذا الحديث أخرجه أيضًا المؤلّف ومسلم والنسائي وابن ماجه في النكاح.
٢٦٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهَا أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ عِنْدَهَا، وَأَنَّهَا سَمِعَتْ صَوْتَ رَجُلٍ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُرَاهُ فُلَانًا، لِعَمِّ حَفْصَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ -فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِكَ. قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أُرَاهُ فُلَانًا، لِعَمِّ حَفْصَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَوْ كَانَ فُلَانٌ حَيًّا -لِعَمِّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ- دَخَلَ عَلَىَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَعَمْ، إِنَّ الرَّضَاعَةَ يَحْرُمُ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ".
[الحديث ٢٦٤٦ - طرفاه في: ٣١٠٥، ٥٠٩٩].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن عبد الله بن أبي بكر) اسم جده محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني (عن عمرة بنت عبد الرحمن) بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية (أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أخبرتها أن رسول الله) ولأبي ذر أن النبي (¬ ﷺ كان عندها) في بيتها (وأنها سمعت صوت رجل) قال ابن حجر: لم أعرف اسمه (يستأذن في بيت حفصة) بنت عمر بن الخطاب أم المؤمنين والجملة في موضع جر صفة لرجل (قالت عائشة ﵂: فقلت يا رسول الله أراه) بضم الهمزة أي أظنه (فلانًا لعم حفصة) أم المؤمنين (من الرضاعة فقالت عائشة: يا رسول الله هذا رجل يستأذن في بيتك) الذي فيه حفصة (قالت) عائشة (فقال رسول الله ﷺ ¬):
(أراه) بضم الهمزة أظنه (فلانًا لعم) أي عم (حفصة من الرضاعة) لم يسم عم حفصة هذا وسقط قوله قالت عائشة فقلت يا رسول الله أراه إلخ في الأصل المقروء على الميدومي، وثبت في عدة من الفروع المقابلة بأصل اليونينية وكذا رأيته فيها وسقوطه أولى كما لا يخفى (فقالت عائشة) له ﵊ (لو كان فلان حيًّا لعمها) اللام بمعنى عن أبي عن عمها (من الرضاعة دخل عليّ) بتشديد الياء أي هل كان يجوز أن يدخل عليّ؟ قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسم عم حفصة ووهم من فسره بأفلح أخي أبي القعيس لأن أبا القعيس والد عائشة من الرضاعة، وأما أفلح فهو أخوه وهو عمها من الرضاعة وقد عاش حتى جاء يستأذن على عائشة فأمرها ﵊ أن تأذن له بعد أن امتنعت فالمذكور هنا عم آخر أخو أبيها أبي بكر من الرضاع أرضعتهما امرأة واحدة، وقيل هما واحد. وغلطه النووي بأن عمها في حديث أبي القعيس كان حيًّا والآخر كان ميتًا وإنما ذكرت عائشة ذلك في العم الثاني لأنها جوّزت تبدل الحكم فسألت مرة أخرى.
стр. 3219
(فقال رسول الله ﷺ ¬) في جوابها (نعم) أي يجوز دخوله عليك ثم علّل جواز ذلك بقوله (إن الرضاعة تحرم) بتشديد الراء المكسورة مع ضم أوله ولأبي ذر عن الكشميهني يحرم منها بفتح المثناة التحتية وضم الراء مخفّفًا (ما يحرم) بفتح أوله مخفّفًا (من الولادة) أي مثل ما يحرم من الولادة فهو على حذف مضاف وتعبيره بقوله ما يحرم من الولادة وفي الرواية الأخرى من النسب. قال القرطبي: دليل على جواز الرواية بالمعنى أو قال ﵊ اللفظين في وقتين وقطع بالأخير في الفتح معلّلاً بأن الحديثين مختلفان في القصة والسبب والراوي.
وهذا الحديث أخرجه في الخمس أيضًا والنكاح ومسلم والنسائي في النكاح.
٢٦٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "دَخَلَ عَلَىَّ النَّبِيُّ ﷺ وَعِنْدِي رَجُلٌ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ قَالَ: يَا عَائِشَةُ انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ، فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ". تَابَعَهُ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ.
[الحديث ٢٦٤٧ - طرفه في: ٥١٠٢].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) بالمثلثة أبو عبد الله العبدي البصري وثقه أحمد، وروى له المؤلّف ثلاثة أحاديث في العلم والبيوع والتفسير توبع عليها قال: (أخبرنا سفيان) الثوري (عن أشعث بن أبي الشعثاء) بالشين المعجمة والمثلثة والعين المهملة فيهما والأخير ممدود (عن أبيه) أبي الشعثاء سليم بن الأسود (عن مسروق) هو ابن الأجدع (أن عائشة ﵂ قالت: دخل عليّ النبي ﷺ وعندي رجل) الواو للحال وأخو عائشة هذا لا أعرف اسمه، وقول الجلال البلقيني فيما نقله عنه في المصابيح أنه وجد بخط مغلطاي على حاشية أسد الغابة ما يدل على أنه عبد الله بن يزيد تعقبه في مقدمة فتح الباري بأنه غلط لأنه تابعي انتهى.
يعني وهذا صحابي لأنه ﷺ رآه بلا ريب عند عائشة، نعم عبد الله التابعي هذا المذكور أخوها من الرضاعة كما صرّح به في رواية مسلم في الجنائز وكثير بن عبد الله الكوفي أخوها أيضًا كما عند المؤلّف في الأدب المفرد وسنن أبي داود وسبق التنبيه على ذلك في باب الغسل بالصاع.
(قال) ﵊ ولأبي ذر: فقال (يا عائشة من هذا؟ قلت: أخي من الرضاعة. قال: يا عائشة انظرن) بهمزة وصل وضم الظاء المعجمة من النظر بمعنى التفكّر والتأمّل (من إخوانكن) استفهام (فإنما الرضاعة) الفاء تعليلية لقوله انظرن من إخوانكن أي ليس كل من أرضع لبن أمهاتكنّ يصير أخاكن بل شرطه أن يكون (من المجاعة) بفتح الميم من الجوع أي أن الرضاعة المعتبرة في المحرمية شرعًا ما كان فيه تقوية للبدن واستقلال بسد الجوع، وذلك إنما يكون في حال الطفولية قبل الحولين كما سيأتي إن شاء الله تعالى تقريره في بابه بعون الله وقوّته.
стр. 3220
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في النكاح وكذا مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه. (تابعه) أي تابع محمد بن كثير (ابن مهدي) عبد الرحمن بفتح الميم في روايته الحديث فيما وصله مسلم وأبو يعلى (عن سفيان) الثوري ثم إن المطابقة بين الترجمة والأحاديث المسوقة في بابها مستفادة منها فأما النسب فمن أحاديث الرضاعة فإنه من لازمه وأما الرضاعة فبالاستفاضة وأما الموت القديم فبالإحقاق قاله ابن المنير والله أعلم.
٨ - باب شَهَادَةِ الْقَاذِفِ وَالسَّارِقِ وَالزَّانِي
وَقَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٤ - ٥].
وَجَلَدَ عُمَرُ أَبَا بَكْرَةَ وَشِبْلَ بْنَ مَعْبَدٍ وَنَافِعًا بِقَذْفِ الْمُغِيرَةِ، ثُمَّ اسْتَتَابَهُمْ وَقَالَ: مَنْ تَابَ قَبِلْتُ شَهَادَتَهُ.
وَأَجَازَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَطَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ وَعِكْرِمَةُ وَالزُّهْرِيُّ وَمُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ وَشُرَيْحٌ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ.
وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ: الأَمْرُ عِنْدَنَا بِالْمَدِينَةِ إِذَا رَجَعَ الْقَاذِفُ عَنْ قَوْلِهِ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَقَتَادَةُ: إِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ جُلِدَ وَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: إِذَا جُلِدَ الْعَبْدُ ثُمَّ أُعْتِقَ جَازَتْ شَهَادَتُهُ، وَإِنِ اسْتُقْضِيَ الْمَحْدُودُ فَقَضَايَاهُ جَائِزَةٌ.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَاذِفِ وَإِنْ تَابَ. ثُمَّ قَالَ: لَا يَجُوزُ نِكَاحٌ بِغَيْرِ شَاهِدَيْنِ، فَإِنْ تَزَوَّجَ بِشَهَادَةِ مَحْدُودَيْنِ جَازَ، وَإِنْ تَزَوَّجَ بِشَهَادَةِ عَبْدَيْنِ لَمْ يَجُزْ. وَأَجَازَ شَهَادَةَ الْمَحْدُودِ وَالْعَبْدِ وَالأَمَةِ لِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ. وَكَيْفَ تُعْرَفُ تَوْبَتُهُ. وَقَدْ نَفَى النَّبِيُّ ﷺ الزَّانِيَ سَنَةً، وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ كَلَامِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَصَاحِبَيْهِ حَتَّى مَضَى خَمْسُونَ لَيْلَةً.
(باب) حكم (شهادة القاذف) بالذال المعجمة الذي يقذف أحدًا بالزنا (والسارق والزاني) هل تقبل بعد توبتهم أم لا (وقول الله تعالى) بالجر عطفًا على سابقه ولأبي ذر (﴿ولا تقبلوا لهم شهادة﴾) قال القاضي أيّ شهادة كانت لأنه مصرٌّ وقيل شهادتهم في القذف ولا يتوقف ذلك على استيفاء الجلد (﴿أبدًا﴾) ما لم يتب وعند أبي حنيفة إلى آخر عمره (﴿وأولئك هم الفاسقون﴾) المحكوم بفسقهم (﴿إلا الذين تابوا﴾) عن القذف (﴿من بعد ذلك وأصلحوا﴾) [النور: ٤ - ٥] أي أعمالهم
стр. 3221
بالتدارك ومنه الاستسلام للحد أو الاستحلال من المقذوف فإن شهادتهم مقبولة لأن الله استثنى التائبين عقب النهي عن قبول شهادتهم، وقال الحنفية: ذكره بالتأبيد يدل على أنها لا تقبل بعد استيفاء الحد بكل حال والاستثناء منصرف إلى ما يليه وهو قوله: ﴿وأولئك هم الفاسقون﴾ وقال الحنفية: الاستثناء منقطع لأن التائبين غير داخلين في صدر الكلام وهو قوله: ﴿وأولئك هم الفاسقون﴾ إذ التوبة تجب ما قبلها من الذنوب فلا يكون التائب فاسقًا، وأما شهادته فلا تقبل أبدًا لأن ردّها من تتمة الحد لأنه يصلح جزاء فيكون مشار كالأول في كونه حدًّا وقوله: وأولئك هم الفاسقون لا يصلح أن يكون جزاء لأنه ليس بخطاب للأئمة بل إخبار عن صفة قائمة بالقاذفين فلا يصلح أن يكون من تمام الحد لأنه كلام مبتدأ على سبيل الاستئناف منقطع عما قبله لعدم صحته على ما سبق لأن قوله: وأولئك هم الفاسقون جملة خبرية ليس بخطاب للأئمة وما قبله إنشائية خطاب لهم، وقوله: ﴿ولا تقبلوا﴾ إنشائية يصح عطفها على فاجلدوا فإذا شهد قبل الحد أو قبل تمام استيفائه قبلت شهادته فإذا استوفى لم تقبل وإن تاب وكان من الأتقياء الأبرار لتعلقها باستيفاء الحد وتعقبه الشافعي بأن الحدود كفّارات لأهلها فهو بعد الحدّ خير منه قبله فكيف ترد في خير حالتيه وتقبل في شرهما ولأن أبدًا في كل شيء على ما يليق به كما لو قيل لا تقبل شهادة الكافر أبدًا أي ما دام كافرًا.
(وجلد عمر) بن الخطاب ﵁ فيما وصله الشافعي (أبا بكرة) نفيع بن الحرث بن كلدة بالكاف واللام والدال المهملة المفتوحات الصحابيّ (وشبل بن معبد) بكسر الشين وسكون الموحدة ومعبد بفتح الميم وسكون المهملة وفتح الموحدة ابن عبيد بن الحرث البجلي أخا أي بكرة لأمه سميّة وهو معدود في المخضرمين (ونافعًا) هو ابن الحرث أخو أبي بكرة لأمه أيضًا (بقذف المغيرة) بن شعبة وكان أمير البصرة لعمر ﵁ لما رأوه وكان معهم أخوهم لأمهم زياد بن أبي سفيان متبطن الرقطاء أم جميل بنت عمرو بن الأفقم الهلالية زوج الحجاج بن عتيك بن الحرث بن عوف الجشمي فرحلوا إلى عمر فشكوه فعزله وولى أبا موسى الأشعري وأحضر المغيرة فشهد عليه الثلاثة بالزنا ولم يثبت زياد الشهادة وقال: رأيت منظرًا قبيحًا وما أدري أخالطها أم لا. وعند الحاكم فقال زياد: رأيتهما في لحاف واحد وسمعت نفسًا عاليًا وما أدري ما وراء ذلك فأمر عمر بجلد الثلاثة حذ القذف (ثم استتابهم وقال: من تاب قبلت شهادته) نصب مفعول قبلت.
(وأجازه) أي الحكم المذكور وهو قبول شهادة المحدود في القذف (عبد الله بن عتبة) بضم العين وسكون المثناة الفوقية ابن مسعود فيما وصله الطبري من طريق عمران بن عمير عنه، (وعمر بن عبد العزيز) الخليفة المشهور فيما وصله الطبري أيضًا والخلال من طريق ابن جريج عن عمران بن موسى عنه، (وسعيد بن جبير) التابعي المشهور فيما وصله الطبري من طريقه، (وطاوس) هو ابن كيسان اليماني، (ومجاهد) هو ابن جبر المكي فيما وصله عنهما سعيد بن منصور والشافعي والطبري من طريق ابن أبي نجيح، (والشعبي) عامر بن شراحيل فيما وصله الطبري من طريق ابن
стр. 3222
أبي خالد عنه، (وعكرمة) مولى ابن عباس فيما وصله البغوي في الجعديات عن شعبة عن يونس هو ابن عبيد عنه، (والزهري) محمد بن مسلم بن شهاب فيما وصله ابن جرير عنه، (ومحارب بن دثار) بكسر الدال وبالمثلثة ومحارب بضم الميم وبعد الحاء المهملة ألف فراء مكسورة آخره موحدة الكوفي قاضيها (وشريح) القاضي (ومعاوية بن قرة) ابن إياس البصري فيما قاله العيني، لكن قال ابن حجر: لم أرَ عن واحد من الثلاثة أي الأخيرة التصريح بالقبول.
(وقال أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان فيما وصله سعيد بن منصور (الأمر عندنا بالمدينة) طيبة (إذا رجع القاذف عن قوله فاستغفر ربه قبلت شهادته) وهذا بخلاف الحنفية كما مرّ (وقال الشعبي) عامر بن شراحيل (وقتادة) فيما وصله الطبري عنهما مفرقًا (إذا أكذب) القاذف (نفسه جلد) حد القذف (وقبلت شهادته) لقوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا﴾ [النور: ٤] وقد سأل ابن المنير فقال: إن كان صادقًا في قذفه فمِمَّ يتوب إذا؟ وأجاب: بأنه يتوب من الهتك ومن التحدّث بما رآه، ويحتمل أن يقال إن المعاين للفاحشة مأمور بأن لا يكشف صاحبها إلا إذا تحقق كمال النصاب معه فإذا كشف قبل ذلك عصى فيتوب من المعصية في الإعلان لأمن الصدق في علمه، وتعقبه في الفتح بأن أبا بكرة لم يكشف حتى تحقق كمال النصاب ومع ذلك أمره عمر بالتوبة لتقبل شهادته قال: ويجاب عن ذلك بأن عمر لعله لم يطلع على ذلك فأمره بالتوبة ولذلك لم يقبل منه أبو بكرة ما أمره به لعلمه بصدقه عند نفسه انتهى.
(وقال الثوري) سفيان مما هو في جامعه برواية عبد الله بن الوليد العدني عنه (إذا جلد العبد) بالرفع نائبًا عن الفاعل (ثم أعتق) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (جازت شهادته وإن استقضي المحدود) بسكون السين وضم الفوقية وسكون القاف وكسر الضاد المعجمة أي طلب منه أن يحكم بين خصمين (فقضاياه جائزة، وقال بعض الناس) يعني أبا حنيفة ﵀ (لا تجوز شهادة القاف وإن تاب) عن جريمة القذف لقوله تعالى: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا﴾ [النور: ٤] كما مرّ (ثم قال) أي أبو حنيفة (لا يجوز نكاح بغير شاهدين فإن تزوج بشهادة محدودين) في قذف (جاز) النكاح لأنهما أهل للشهادة تحملاً وعدم قبولها عند الأداء لا يمنع تحققها إذ الأداء من ثمراتها وفوت الثمرة لا يدل على فوت الأصل وانعقاد النكاح موقوف على حضور الشاهدين لا على أدائهما الشهادة كذا عللوه وفي الحقائق من كتبهم أن محل الخلاف في المحدودين قبل ظهور التوبة إذ بعده ينعقد إجماعًا (وإن تزوج بشهادة عبدين لم يجز) لأن الشهادة من باب الولاية لكونها نافذة على الغير رضي والعبد ليس من أهل الولاية.
(وأجاز) بعض الناس المذكور (شهادة المحدود) أي في قذف بعد التوبة (والعبد والأمة لرؤية هلال رمضان) لجريانه مجرى الخبر وهو مخالف للشهادة في المعنى قال البخاري: (وكيف تعرف توبته) أي القاذف وهذا من كلام المصنف من تمام الترجمة، وقد قال: الشافعي كأكثر السلف: لا بدّ أن يكذب نفسه، وعن مالك إذا ازداد خيرًا كفى ولا يتوقف على تكذيبه نفسه لجواز أن يكون صادقًا في
стр. 3223
نفس الأمر، وإلى هذا مال المؤلّف ﵀ ثم استدلّ لذلك بقوله: (وقد نفى النبي ﷺ الزاني سنة) فيما يأتي موصولاً قريبًا وسقط (قد) لأبي ذر، (ونهى النبي ﷺ عن) ولأبي ذر: ونهي عن (كلام كعب بن مالك وصاحبيه) وهما هلال بن أمية ومرارة بن الربيع (حتى مضى خمسون ليلة) كما يأتي إن شاء الله تعالى موصولاً في غزوة تبوك وتفسير براءة ووجه الدلالة من ذلك أنه لم ينقل أنه ﷺ كلفهما بعد التوبة بقدر زائد على النفي والهجران.
٢٦٤٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ.
وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: "أَنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ فَأُتِيَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ أَمَرَ بها فَقُطِعَتْ يَدُهَا. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا وَتَزَوَّجَتْ، وَكَانَتْ تَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ".
[الحديث ٢٦٤٨ - أطرافه في: ٣٤٧٥، ٣٧٣٢، ٣٧٣٣، ٤٣٠٤، ٦٧٨٧، ٦٧٨٨، ٦٨٠٠].
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أُويس (قال: حدّثني) بالإفراد (ابن وهب) عبد الله (عن يونس) بن يزيد الأيلي (وقال الليث) بن سعد الإمام مما وصله أبو داود لكن بغير هذا اللفظ فظهر أن اللفظ لابن وهب (حدّثني) بالإفراد (يونس) الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (عروة بن الزبير) بن العوّام (أن امرأة) هي فاطمة بنت الأسود عبد الأسد المخزومية على الراجح كما سيأتي إن شاء الله تعالى في كتاب الحدود (سرقت في غزوة الفتح) وزاد ابن ماجه، وصحّحه الحاكم أن الذي سرقته كان قطيفة من بيت رسول الله ﷺ ويأتي في الحدود إن شاء الله تعالى الجمع بينه وبين ما رواه ابن سعد أن الذي سرقته كان حليًّا (فأُتي) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (بها) أي بالمرأة السارقة (رسول الله ﷺ ثم أمر) ﵊ وزاد أبو ذر عن الكشميهني:
بها (فقطعت يدها) أي اليمنى وعند النسائي من حديث ابن عمر قم يا بلال فخذ بيدها فاقطعها بعدما ثبت عنده ﵊ المقتضي للقطع وعند أبي داود تعليقًا عن صفية بنت أبي عبيد نحو حديث المخزومية وزاد فيه قال: فشهد عليها.
(قالت عائشة) ﵂ زاد في الحدود فتابت (فحسنت توبتها) وهذا موضع الترجمة.
وقد نقل الطحاوي الإجماع على قبول شهادة السارق إذا تاب وكان المؤلّف أراد إلحاق القاذف بالسارق لعدم الفارق عنده (وتزوجت) وللإسماعيلي في الشهادات فنكحت رجلاً من بني سليم (وكانت تأتي بعد ذلك) أي عندي (فأرفع حاجتها إلى رسول الله ﷺ ¬) وعند الحاكم في آخر حديث مسعود بن الحكم قال ابن إسحاق: وحدّثني عبد الله بن أبي بكر أن النبي ﷺ كان بعد ذلك يرحمها ويصلها.
وهذا الحديث تأتي إن شاء الله تعالى بقية مباحثه في غزوة الفتح وكتاب الحدود.
стр. 3224
٢٦٤٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ﵁: "عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصِنْ بِجَلْدِ مِائَةٍ وَتَغْرِيبِ عَامٍ".
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة مصغرًا قال (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين مصغرًا ابن خالد بن عقيل بفتح العين الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري (عن عبيد الله) بضم العين مصغرًا (ابن عبد الله) بن عتبة بن مسعود (عن زيد بن خالد) الجهني المدني المتوفى بالكوفة سنة ثمان وستين أو وسبعين وله ثمانون سنة (﵁ عن رسول الله ﷺ ¬) (أنه أمر فيمن زنى ولم يحصن) بكسر الصاد ولأبي ذر ولم يحصن بفتحها بمعنى الفاعل وهو الذي اجتمع فيه العقل والبلوغ والحرية والإصابة في النكاح الصحيح والواو للحال (بجلد مائة) الباء تتعلق بأمر (وتغريب عام). واستشكل الداودي إيراد هذا الحديث في هذا الباب يعني فإنه ليس مجرد الغربة عامًّا توبة توجب قبول الشهادة باتفاق فكيف يتوجه قول البخاري؟ وأجاب ابن المنير: بأنه أراد أن الحال يتغير في العام وينتقل إلى حال لا يحتاج معها إلى تغريب وكأنها مظنة لكسر سورة النفس وهيجان الشهودة.
٩ - باب لَا يَشْهَدُ عَلَى شَهَادَةِ جَوْرٍ إِذَا أُشْهِدَ
هذا (باب) بالتنوين (لا يشهد) الرجل وفي بعض الأصول لا يشهد بالجزم على النص (على شهادة جور) ظلم أو حيف أو ميل عن الحق (إذا أشهد) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول.
٢٦٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ قَالَ: "سَأَلَتْ أُمِّي أَبِي بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ لِي مِنْ مَالِهِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَوَهَبَهَا لِي، فَقَالَتْ: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ النَّبِيَّ ﷺ . فَأَخَذَ بِيَدِي وَأَنَا غُلَامٌ فَأَتَى بِيَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ أُمَّهُ بِنْتَ رَوَاحَةَ سَأَلَتْنِي بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ لِهَذَا. قَالَ: أَلَكَ وَلَدٌ سِوَاهُ؟. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأُرَاهُ قَالَ: لَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ".
وَقَالَ أَبُو حَرِيزٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ: «لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ».
وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو عبد الله بن عتمان المروزي قال: (حدّثنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا أبو حيان) بالحاء المهملة والمثناة التحتية المشددة وبعد الألف نون يحيى بن سعيد (التيمي) الكوفي (عن الشعبي) عامر بن شراحيل (عن النعمان بن بشير ﵄) أنه (قال: سألت أمي) عمرة بنت رواحة بفتح الراء والواو المخففة وبالحاء المهملة (أبي) بشيرًا (بعض الموهبة لي) مصدر ميمي بمعنى الهبة (من ماله) والموهبة عبد أو أمة كما صرّح به في رواية أبي ذر
стр. 3225
وفي رواية غلام من غير شك ولم يسمّ وفي رواية حديقة وحملهما ابن حبان على حالتين (ثم بدا له) بعد أن امتنع أوّلاً (فوهبها لي) الأمة أو الحديقة (فقالت) أمي (لا أرضى حتى تشهد النبي ﷺ ¬) أنك أعطيته (فأخذ) أبي (بيدي وأنا غلام فأتى النبي ﷺ فقال: إن أمه بنت رواحة سألتني بعض الموهبة لهذا قال) ﵊ ولأبي الوقت فقال:
(ألك ولد سواه؟ قال: نعم قال) أي النعمان (فأراه) بضم الهمزة أظنه ﵊ (قال) لبشير (لا تشهدني على جور) بفتح الجيم وبعد الواو الساكنة راء.
(وقال أبو حريز) بفتح الحاء وكسر الراء المهملتين وبعد التحتية الساكنة زاي بوزن سعيد عبد الله بن الحسين الأزدي قاضي سجستان مما وصله ابن حبان في صحيحه والطبراني (عن الشعبي) عامر بن شراحيل أي عن النعمان في هذا الحديث (لا أشهد على جور) واستدلّ به الحنابلة على وجوب العدل في عطية الأولاد. وأجاب الجمهور: بأن الجور هو الميل عن الاعتدال والمكروه أيضًا جور، وسبق في الهبة مزيد لذلك ووقع في اليونينية أنه أثبت قوله، وقال: أبو حريز إلخ هنا بعد ما قدّمه على قوله حدّثنا عبدان وضبب عليه والأولى تأخيره لما لا يخفى.
٢٦٥١ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ زَهْدَمَ بْنَ مُضَرِّبٍ قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ -قَالَ عِمْرَانُ: لَا أَدْرِي أَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدُ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً- قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ".
[الحديث ٢٦٥١ - أطرافه في: ٣٦٥٠، ٦٤٢٨، ٦٦٩٥].
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا أبو جمرة) بالجيم والراء نصر بن عمران الضبعي (قال: سمعت زهدم بن مضرب) بفتح الزاي وسكون الهاء وفتح الدال المهملة ابن مضرب بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وتشديد الراء المكسورة الجرمي البصري (قال: سمعت عمران بن حصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين (﵄ قال: قال النبي ﷺ ¬):
(خيركم) أي خير الناس أهل (قرني) أي عصري مأخوذ من الاقتران في الأمر الذي يجمعهم، والمراد هنا الصحابة قيل والقرن ثمانون سنة أو أربعون أو مائة أو غير ذلك (ثم الذين يلونهم) أي يقربون منهم وهم التابعون (ثم الذين يلونهم) وهم أتباع التابعين (قال عمران) بن حصين مما هو موصول بالإسناد السابق (لا أدري أذكر النبي ﷺ بعد) بالبناء على الضم لنيّة الإضافة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي بعد قرنه (قرنين أو ثلاثة قال النبي ﷺ ¬) (إن بعدكم قومًا) بالنصب اسم إن قال العيني وهي رواية النسفيّ. وقال الحافظ ابن حجر: ولبعضهم قوم بالرفع فيحتمل أن يكون من
следующие страницы →