Полный текст (8 298 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.
стр. 3221
بالتدارك ومنه الاستسلام للحد أو الاستحلال من المقذوف فإن شهادتهم مقبولة لأن الله استثنى التائبين عقب النهي عن قبول شهادتهم، وقال الحنفية: ذكره بالتأبيد يدل على أنها لا تقبل بعد استيفاء الحد بكل حال والاستثناء منصرف إلى ما يليه وهو قوله: ﴿وأولئك هم الفاسقون﴾ وقال الحنفية: الاستثناء منقطع لأن التائبين غير داخلين في صدر الكلام وهو قوله: ﴿وأولئك هم الفاسقون﴾ إذ التوبة تجب ما قبلها من الذنوب فلا يكون التائب فاسقًا، وأما شهادته فلا تقبل أبدًا لأن ردّها من تتمة الحد لأنه يصلح جزاء فيكون مشار كالأول في كونه حدًّا وقوله: وأولئك هم الفاسقون لا يصلح أن يكون جزاء لأنه ليس بخطاب للأئمة بل إخبار عن صفة قائمة بالقاذفين فلا يصلح أن يكون من تمام الحد لأنه كلام مبتدأ على سبيل الاستئناف منقطع عما قبله لعدم صحته على ما سبق لأن قوله: وأولئك هم الفاسقون جملة خبرية ليس بخطاب للأئمة وما قبله إنشائية خطاب لهم، وقوله: ﴿ولا تقبلوا﴾ إنشائية يصح عطفها على فاجلدوا فإذا شهد قبل الحد أو قبل تمام استيفائه قبلت شهادته فإذا استوفى لم تقبل وإن تاب وكان من الأتقياء الأبرار لتعلقها باستيفاء الحد وتعقبه الشافعي بأن الحدود كفّارات لأهلها فهو بعد الحدّ خير منه قبله فكيف ترد في خير حالتيه وتقبل في شرهما ولأن أبدًا في كل شيء على ما يليق به كما لو قيل لا تقبل شهادة الكافر أبدًا أي ما دام كافرًا.
(وجلد عمر) بن الخطاب ﵁ فيما وصله الشافعي (أبا بكرة) نفيع بن الحرث بن كلدة بالكاف واللام والدال المهملة المفتوحات الصحابيّ (وشبل بن معبد) بكسر الشين وسكون الموحدة ومعبد بفتح الميم وسكون المهملة وفتح الموحدة ابن عبيد بن الحرث البجلي أخا أي بكرة لأمه سميّة وهو معدود في المخضرمين (ونافعًا) هو ابن الحرث أخو أبي بكرة لأمه أيضًا (بقذف المغيرة) بن شعبة وكان أمير البصرة لعمر ﵁ لما رأوه وكان معهم أخوهم لأمهم زياد بن أبي سفيان متبطن الرقطاء أم جميل بنت عمرو بن الأفقم الهلالية زوج الحجاج بن عتيك بن الحرث بن عوف الجشمي فرحلوا إلى عمر فشكوه فعزله وولى أبا موسى الأشعري وأحضر المغيرة فشهد عليه الثلاثة بالزنا ولم يثبت زياد الشهادة وقال: رأيت منظرًا قبيحًا وما أدري أخالطها أم لا. وعند الحاكم فقال زياد: رأيتهما في لحاف واحد وسمعت نفسًا عاليًا وما أدري ما وراء ذلك فأمر عمر بجلد الثلاثة حذ القذف (ثم استتابهم وقال: من تاب قبلت شهادته) نصب مفعول قبلت.
(وأجازه) أي الحكم المذكور وهو قبول شهادة المحدود في القذف (عبد الله بن عتبة) بضم العين وسكون المثناة الفوقية ابن مسعود فيما وصله الطبري من طريق عمران بن عمير عنه، (وعمر بن عبد العزيز) الخليفة المشهور فيما وصله الطبري أيضًا والخلال من طريق ابن جريج عن عمران بن موسى عنه، (وسعيد بن جبير) التابعي المشهور فيما وصله الطبري من طريقه، (وطاوس) هو ابن كيسان اليماني، (ومجاهد) هو ابن جبر المكي فيما وصله عنهما سعيد بن منصور والشافعي والطبري من طريق ابن أبي نجيح، (والشعبي) عامر بن شراحيل فيما وصله الطبري من طريق ابن
стр. 3222
أبي خالد عنه، (وعكرمة) مولى ابن عباس فيما وصله البغوي في الجعديات عن شعبة عن يونس هو ابن عبيد عنه، (والزهري) محمد بن مسلم بن شهاب فيما وصله ابن جرير عنه، (ومحارب بن دثار) بكسر الدال وبالمثلثة ومحارب بضم الميم وبعد الحاء المهملة ألف فراء مكسورة آخره موحدة الكوفي قاضيها (وشريح) القاضي (ومعاوية بن قرة) ابن إياس البصري فيما قاله العيني، لكن قال ابن حجر: لم أرَ عن واحد من الثلاثة أي الأخيرة التصريح بالقبول.
(وقال أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان فيما وصله سعيد بن منصور (الأمر عندنا بالمدينة) طيبة (إذا رجع القاذف عن قوله فاستغفر ربه قبلت شهادته) وهذا بخلاف الحنفية كما مرّ (وقال الشعبي) عامر بن شراحيل (وقتادة) فيما وصله الطبري عنهما مفرقًا (إذا أكذب) القاذف (نفسه جلد) حد القذف (وقبلت شهادته) لقوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا﴾ [النور: ٤] وقد سأل ابن المنير فقال: إن كان صادقًا في قذفه فمِمَّ يتوب إذا؟ وأجاب: بأنه يتوب من الهتك ومن التحدّث بما رآه، ويحتمل أن يقال إن المعاين للفاحشة مأمور بأن لا يكشف صاحبها إلا إذا تحقق كمال النصاب معه فإذا كشف قبل ذلك عصى فيتوب من المعصية في الإعلان لأمن الصدق في علمه، وتعقبه في الفتح بأن أبا بكرة لم يكشف حتى تحقق كمال النصاب ومع ذلك أمره عمر بالتوبة لتقبل شهادته قال: ويجاب عن ذلك بأن عمر لعله لم يطلع على ذلك فأمره بالتوبة ولذلك لم يقبل منه أبو بكرة ما أمره به لعلمه بصدقه عند نفسه انتهى.
(وقال الثوري) سفيان مما هو في جامعه برواية عبد الله بن الوليد العدني عنه (إذا جلد العبد) بالرفع نائبًا عن الفاعل (ثم أعتق) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (جازت شهادته وإن استقضي المحدود) بسكون السين وضم الفوقية وسكون القاف وكسر الضاد المعجمة أي طلب منه أن يحكم بين خصمين (فقضاياه جائزة، وقال بعض الناس) يعني أبا حنيفة ﵀ (لا تجوز شهادة القاف وإن تاب) عن جريمة القذف لقوله تعالى: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا﴾ [النور: ٤] كما مرّ (ثم قال) أي أبو حنيفة (لا يجوز نكاح بغير شاهدين فإن تزوج بشهادة محدودين) في قذف (جاز) النكاح لأنهما أهل للشهادة تحملاً وعدم قبولها عند الأداء لا يمنع تحققها إذ الأداء من ثمراتها وفوت الثمرة لا يدل على فوت الأصل وانعقاد النكاح موقوف على حضور الشاهدين لا على أدائهما الشهادة كذا عللوه وفي الحقائق من كتبهم أن محل الخلاف في المحدودين قبل ظهور التوبة إذ بعده ينعقد إجماعًا (وإن تزوج بشهادة عبدين لم يجز) لأن الشهادة من باب الولاية لكونها نافذة على الغير رضي والعبد ليس من أهل الولاية.
(وأجاز) بعض الناس المذكور (شهادة المحدود) أي في قذف بعد التوبة (والعبد والأمة لرؤية هلال رمضان) لجريانه مجرى الخبر وهو مخالف للشهادة في المعنى قال البخاري: (وكيف تعرف توبته) أي القاذف وهذا من كلام المصنف من تمام الترجمة، وقد قال: الشافعي كأكثر السلف: لا بدّ أن يكذب نفسه، وعن مالك إذا ازداد خيرًا كفى ولا يتوقف على تكذيبه نفسه لجواز أن يكون صادقًا في
стр. 3223
نفس الأمر، وإلى هذا مال المؤلّف ﵀ ثم استدلّ لذلك بقوله: (وقد نفى النبي ﷺ الزاني سنة) فيما يأتي موصولاً قريبًا وسقط (قد) لأبي ذر، (ونهى النبي ﷺ عن) ولأبي ذر: ونهي عن (كلام كعب بن مالك وصاحبيه) وهما هلال بن أمية ومرارة بن الربيع (حتى مضى خمسون ليلة) كما يأتي إن شاء الله تعالى موصولاً في غزوة تبوك وتفسير براءة ووجه الدلالة من ذلك أنه لم ينقل أنه ﷺ كلفهما بعد التوبة بقدر زائد على النفي والهجران.
٢٦٤٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ.
وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: "أَنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ فَأُتِيَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ أَمَرَ بها فَقُطِعَتْ يَدُهَا. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا وَتَزَوَّجَتْ، وَكَانَتْ تَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ".
[الحديث ٢٦٤٨ - أطرافه في: ٣٤٧٥، ٣٧٣٢، ٣٧٣٣، ٤٣٠٤، ٦٧٨٧، ٦٧٨٨، ٦٨٠٠].
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أُويس (قال: حدّثني) بالإفراد (ابن وهب) عبد الله (عن يونس) بن يزيد الأيلي (وقال الليث) بن سعد الإمام مما وصله أبو داود لكن بغير هذا اللفظ فظهر أن اللفظ لابن وهب (حدّثني) بالإفراد (يونس) الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (عروة بن الزبير) بن العوّام (أن امرأة) هي فاطمة بنت الأسود عبد الأسد المخزومية على الراجح كما سيأتي إن شاء الله تعالى في كتاب الحدود (سرقت في غزوة الفتح) وزاد ابن ماجه، وصحّحه الحاكم أن الذي سرقته كان قطيفة من بيت رسول الله ﷺ ويأتي في الحدود إن شاء الله تعالى الجمع بينه وبين ما رواه ابن سعد أن الذي سرقته كان حليًّا (فأُتي) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (بها) أي بالمرأة السارقة (رسول الله ﷺ ثم أمر) ﵊ وزاد أبو ذر عن الكشميهني:
بها (فقطعت يدها) أي اليمنى وعند النسائي من حديث ابن عمر قم يا بلال فخذ بيدها فاقطعها بعدما ثبت عنده ﵊ المقتضي للقطع وعند أبي داود تعليقًا عن صفية بنت أبي عبيد نحو حديث المخزومية وزاد فيه قال: فشهد عليها.
(قالت عائشة) ﵂ زاد في الحدود فتابت (فحسنت توبتها) وهذا موضع الترجمة.
وقد نقل الطحاوي الإجماع على قبول شهادة السارق إذا تاب وكان المؤلّف أراد إلحاق القاذف بالسارق لعدم الفارق عنده (وتزوجت) وللإسماعيلي في الشهادات فنكحت رجلاً من بني سليم (وكانت تأتي بعد ذلك) أي عندي (فأرفع حاجتها إلى رسول الله ﷺ ¬) وعند الحاكم في آخر حديث مسعود بن الحكم قال ابن إسحاق: وحدّثني عبد الله بن أبي بكر أن النبي ﷺ كان بعد ذلك يرحمها ويصلها.
وهذا الحديث تأتي إن شاء الله تعالى بقية مباحثه في غزوة الفتح وكتاب الحدود.
стр. 3224
٢٦٤٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ﵁: "عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصِنْ بِجَلْدِ مِائَةٍ وَتَغْرِيبِ عَامٍ".
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة مصغرًا قال (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين مصغرًا ابن خالد بن عقيل بفتح العين الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري (عن عبيد الله) بضم العين مصغرًا (ابن عبد الله) بن عتبة بن مسعود (عن زيد بن خالد) الجهني المدني المتوفى بالكوفة سنة ثمان وستين أو وسبعين وله ثمانون سنة (﵁ عن رسول الله ﷺ ¬) (أنه أمر فيمن زنى ولم يحصن) بكسر الصاد ولأبي ذر ولم يحصن بفتحها بمعنى الفاعل وهو الذي اجتمع فيه العقل والبلوغ والحرية والإصابة في النكاح الصحيح والواو للحال (بجلد مائة) الباء تتعلق بأمر (وتغريب عام). واستشكل الداودي إيراد هذا الحديث في هذا الباب يعني فإنه ليس مجرد الغربة عامًّا توبة توجب قبول الشهادة باتفاق فكيف يتوجه قول البخاري؟ وأجاب ابن المنير: بأنه أراد أن الحال يتغير في العام وينتقل إلى حال لا يحتاج معها إلى تغريب وكأنها مظنة لكسر سورة النفس وهيجان الشهودة.
٩ - باب لَا يَشْهَدُ عَلَى شَهَادَةِ جَوْرٍ إِذَا أُشْهِدَ
هذا (باب) بالتنوين (لا يشهد) الرجل وفي بعض الأصول لا يشهد بالجزم على النص (على شهادة جور) ظلم أو حيف أو ميل عن الحق (إذا أشهد) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول.
٢٦٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ قَالَ: "سَأَلَتْ أُمِّي أَبِي بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ لِي مِنْ مَالِهِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَوَهَبَهَا لِي، فَقَالَتْ: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ النَّبِيَّ ﷺ . فَأَخَذَ بِيَدِي وَأَنَا غُلَامٌ فَأَتَى بِيَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ أُمَّهُ بِنْتَ رَوَاحَةَ سَأَلَتْنِي بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ لِهَذَا. قَالَ: أَلَكَ وَلَدٌ سِوَاهُ؟. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأُرَاهُ قَالَ: لَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ".
وَقَالَ أَبُو حَرِيزٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ: «لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ».
وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو عبد الله بن عتمان المروزي قال: (حدّثنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا أبو حيان) بالحاء المهملة والمثناة التحتية المشددة وبعد الألف نون يحيى بن سعيد (التيمي) الكوفي (عن الشعبي) عامر بن شراحيل (عن النعمان بن بشير ﵄) أنه (قال: سألت أمي) عمرة بنت رواحة بفتح الراء والواو المخففة وبالحاء المهملة (أبي) بشيرًا (بعض الموهبة لي) مصدر ميمي بمعنى الهبة (من ماله) والموهبة عبد أو أمة كما صرّح به في رواية أبي ذر
стр. 3225
وفي رواية غلام من غير شك ولم يسمّ وفي رواية حديقة وحملهما ابن حبان على حالتين (ثم بدا له) بعد أن امتنع أوّلاً (فوهبها لي) الأمة أو الحديقة (فقالت) أمي (لا أرضى حتى تشهد النبي ﷺ ¬) أنك أعطيته (فأخذ) أبي (بيدي وأنا غلام فأتى النبي ﷺ فقال: إن أمه بنت رواحة سألتني بعض الموهبة لهذا قال) ﵊ ولأبي الوقت فقال:
(ألك ولد سواه؟ قال: نعم قال) أي النعمان (فأراه) بضم الهمزة أظنه ﵊ (قال) لبشير (لا تشهدني على جور) بفتح الجيم وبعد الواو الساكنة راء.
(وقال أبو حريز) بفتح الحاء وكسر الراء المهملتين وبعد التحتية الساكنة زاي بوزن سعيد عبد الله بن الحسين الأزدي قاضي سجستان مما وصله ابن حبان في صحيحه والطبراني (عن الشعبي) عامر بن شراحيل أي عن النعمان في هذا الحديث (لا أشهد على جور) واستدلّ به الحنابلة على وجوب العدل في عطية الأولاد. وأجاب الجمهور: بأن الجور هو الميل عن الاعتدال والمكروه أيضًا جور، وسبق في الهبة مزيد لذلك ووقع في اليونينية أنه أثبت قوله، وقال: أبو حريز إلخ هنا بعد ما قدّمه على قوله حدّثنا عبدان وضبب عليه والأولى تأخيره لما لا يخفى.
٢٦٥١ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ زَهْدَمَ بْنَ مُضَرِّبٍ قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ -قَالَ عِمْرَانُ: لَا أَدْرِي أَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدُ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً- قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ".
[الحديث ٢٦٥١ - أطرافه في: ٣٦٥٠، ٦٤٢٨، ٦٦٩٥].
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا أبو جمرة) بالجيم والراء نصر بن عمران الضبعي (قال: سمعت زهدم بن مضرب) بفتح الزاي وسكون الهاء وفتح الدال المهملة ابن مضرب بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وتشديد الراء المكسورة الجرمي البصري (قال: سمعت عمران بن حصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين (﵄ قال: قال النبي ﷺ ¬):
(خيركم) أي خير الناس أهل (قرني) أي عصري مأخوذ من الاقتران في الأمر الذي يجمعهم، والمراد هنا الصحابة قيل والقرن ثمانون سنة أو أربعون أو مائة أو غير ذلك (ثم الذين يلونهم) أي يقربون منهم وهم التابعون (ثم الذين يلونهم) وهم أتباع التابعين (قال عمران) بن حصين مما هو موصول بالإسناد السابق (لا أدري أذكر النبي ﷺ بعد) بالبناء على الضم لنيّة الإضافة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي بعد قرنه (قرنين أو ثلاثة قال النبي ﷺ ¬) (إن بعدكم قومًا) بالنصب اسم إن قال العيني وهي رواية النسفيّ. وقال الحافظ ابن حجر: ولبعضهم قوم بالرفع فيحتمل أن يكون من
стр. 3226
الناسخ على طريقة من لا يكتب الألف في المنصوب، وقال العيني: مرفوع بفعل محذوف أي إن بعدكم يجيء له قوم (يخونون) بالخاء المعجمة من الخيانة (ولا يؤتمنون) لخيانتهم الظاهرة بحيث لا يعتمد عليهم (ويشهدون ولا يستشهدون) أي يتحملون الشهادة من غير تحميل أو يؤدّونها من غير طلب الأداء، وهذا لا يعارضه حديث زيد بن خالد المروي في مسلم مرفوعًا: "ألا أخبرم بخير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها لأن المراد بحديث زيد من عنده شهادة لإنسان بحق لا يعلم بها صاحبها فيأتي إليه فيخبره بها أو يموت صاحبها العالم بها ويخلف ورثة فيأتي الشاهد إليهم أو إلى من يتحدث عنهم فيعلمهم بذلك أو أن الأول في حقوق الآدمين، وهذا في حقوق الله تعالى التي لا طالب لها أو المراد بها الشهادة على المغيب من أمر الناس يشهد على قوم أنهم من أهل الجنة بغير دليل كما يصنع ذلك أهل الأهواء وهذا حكاه الطحاوي وتبعه جماعة منهم الزركشي، وتعقبه في المصابيح فقال: هذا مشكل لأن الذم ورد في الشهادة بدون استشهاد والشهادة على الغيب مذمومة مطلقًا سواء كانت باستشهاد أو بدونه (ويندرون) بفتح حرف المضارعة وبكسر الذال المعجمة ولأبي ذر وينذرون بضم الذال (ولا يفون) من الوفاء (ويظهر فيهم السمن) بكسر السين المهملة وفتح الميم أي يعظم حرصهم على الدنيا والتمتع بلذاتها وإيثار شهواتها والترفّه في نعيمها حتى تسمن أجسادهم أو المراد تكثرهم بما ليس فيهم وادّعاؤهم الشرف أو المراد جمعهم المال، وعند الترمذي من طريق هلال بن يساف عن عمران بن حصين: ثم يجيء قوم يتسمنون ويحبون السمن.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: يشهدون ولا يستشهدون لأن الشهادة قبل الاستشهاد فيها معنى الجور، وقد أخرجه المؤلّف أيضًا في فضل الصحابة وفي الرقاق والنذور، ومسلم في الفضائل، والنسائي في النذور.
٢٦٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ. ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ». قَالَ إِبْرَاهِيمُ: "وَكَانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ".
[الحديث ٢٦٥٢ - أطرافه في: ٣٦٥١، ٦٤٢٩، ٦٦٥٨].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) بالمثلثة العبدي البصري قال: (أخبرنا سفيان) الثوري (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن إبراهيم) النخعي (عن عبيدة) بفتح العين السلماني (عن عبد الله) ابن مسعود (¬﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(خير الناس) أهل (قرني) يعني أصحابه (ثم الذين يلونهم) يعني أتباعهم (ثم الذين يلونهم) يعني أتباع التابعين وهذا يقتضي أن الصحابة أفضل من التابعين والتابعون أفضل من أتباع التابعين لكن هل الأفضلية بالنسبة إلى المجموع أو الأفراد محل بحث، وإلى الثاني ذهب الجمهور والأول قول ابن عبد البرّ، وفي كتاب بالمواهب اللدنية بالمنح المحمدية مباحث ذلك، ويأتي إن شاء الله تعالى مزيد
стр. 3227
لذلك في فضائل الصحابة بعون الله تعالى وقوّته (ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته) أي في حالين لا في حالة واحدة لأنه دور قال البيضاوي وتبعه الكرماني: هم الذين يحرصون على الشهادة مشغوفين بترويجها يحلفون على ما يشهدون به فتارة يحلفون قبل أن يأتوا بالشهادة وتارة يعكسون، ويحتمل أن يكون مثلاً في سرعة الشهادة واليمين وحرص الرجل عليهما والتسرّع فيهما حتى لا يدري بأيهما يبتدئ فكأنه يسبق أحدهما الآخر من قلة مبالاته بالدين. قال النووي: واحتج به المالكية في ردّ شهادة من حلف معها والجمهور على أنها لا ترد.
(قال إبراهيم) النخعي بالأسناد السابق (وكانوا يضربوننا) زاد المؤلّف في الفضائل ونحن صغار (على الشهادة والعهد) أي قول الرجل أشهد بالله وعلّي عهد الله ما كان كذا على معنى الحلف حتى لا يصير لهم عادة فيحلفون في كل ما يصلح وما لا يصلح والله أعلم.
١٠ - باب مَا قِيلَ فِي شَهَادَةِ الزُّورِ
لِقَوْلِ اللَّهِ ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾، وَكِتْمَانِ الشَّهَادَةِ ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾. تَلْوُوا أَلْسِنَتَكُمْ بِالشَّهَادَةِ.
(باب ما قيل في شهادة الزور) أي من التغليظ والوعيد (لقول الله) أي لأجل قول الله ولأبي ذر لقوله : (﴿والذين لا يشهدون الزور﴾) [الفرقان: ٧٢] أي لا يقيمون الشهادة الباطلة أو لا يحضرون محاضر الكذب والفسق والكفر أو اللهو والغناء. وقال ابن حجر: أشار أي المؤلّف إلى أن الآية سيقت في ذم متعاطي شهادة الزور وهو اختيار منه لأحد ما قيل في تفسيرها، وتعقبه العيني فقال: ما سيقت الآية إلا في مدح تاركي شهادة الزور وقوله: وهو اختيار لأحد ما قيل في تفسيرها لم يقل به أحد من المفسرين وحينئذ فإيراد المؤلّف للآية في معرض التعليل لما قيل في شهادة الزور من الوعيد لا وجه له لأنها ما سيقت إلا في مدح الذين لا يشهدون الزور انتهى.
وما قاله ابن حجر أقعد ليكون ما قاله المؤلّف مطابقًا لما استدلّ له ولعله وقف على ذلك من قول بعض المفسرين، وجزم العيني بأنه لم يقل به أحد من المفسرين ودعواه الحصر فيه نظر ولا يخفى، ونقل في الفتح عن الطبري أنه قال: وأولى الأقوال عندنا أن المراد به مدح من لا يشهد شيئًا من الباطل (و) ما قيل في (كتمان الشهادة) بكسر الكاف (لقوله) تعالى (﴿ولا تكتموا الشهادة﴾) أيها الشهود إذا دعيتم لتأديتها عند الحاكم (﴿ومن يكتمها فإنه آثمٌ قلبه) أي يأثم قلبه وإسناد الأثم إلى القلب لأن الكتمان يتعلق به لأنه مضمر فيه (﴿والله بما تعملون﴾) من كتمان الشهادة وإقامتها (﴿عليم﴾) [البقرة: ٢٨٣] فيجازي على كتمان الشهادة وأدائها وسقط لغير أبي ذر لقوله الثابتة قبل قوله: (﴿ولا تكتموا الشهادة﴾ وقوله تعالى في سورة النساء وأن (﴿تلووا﴾) [النساء: ١٣٥] يعني ﴿ألسنتكم بالشهادة) كذا فسره ابن عباس فيما روي عنه من طريق عليّ بن أبي طلحة كما عند الطبري وروي
стр. 3228
عنه من طريق العوفي قال: تلوي لسانك بغير الحق وهي اللجلجلة فلا تقيم الشهادة على وجهها
واللّي هو التحريف وتعمد الكذب، وأتى المؤلّف ﵀ بكلمة مفردة من التنزيل في معرض
الاحتجاج ولم يقل، وقوله (وإن) ولم يفصل بين الكلمة القرآنية وتفسيرها.
٢٦٥٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ جَرِيرٍ وَعَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ إِبْرَاهِيمَ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْكَبَائِرِ قَالَ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ". تَابَعَهُ غُنْدَرٌ وَأَبُو عَامِرٍ وَبَهْزٌ وَعَبْدُ الصَّمَدِ عَنْ شُعْبَةَ.
[الحديث ٢٦٥٣ - طرفاه في: ٥٩٧٧، ٦٨٧١].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن منير) بضم الميم وكسر النون آخره راء أبو عبد الرحمن المروزي
الزاهد أنه (سمع وهب بن جرير) هو ابن حازم الأزدي (وعبد الملك بن إبراهيم) مولى بني
عبد الدار القرشي (قالا: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس) بتصغير عبد
(عن) جده (أنس) هو ابن مالك (﵁) أنه (قال: سئل النبي ﷺ عن الكبائر) جمع كبيرة
واختلف فيها والأقرب أنها كل ذنب رتب الشارع عليه حدًّا أو صرّح بالوعيد فيه (قال) عليه الصلاة
والسلام الكبائر:
(الإشراك بالله) رفع خبرًا عن المبتدأ المقدّر (وعقوق الوالدين) بأن يفعل الولد ما يتأذى به تأذّيًا
ليس بالهين مع كونه ليس من الأفعال الواجبة (وقتل النفس) أي بغير حق قال تعالى ﴿ومن يقتل
مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها﴾ [النساء: ٩٣] الآية (وشهادة الزور) الواو في الثلاثة
للعطف على السابق وليس المراد حصر الكبائر فيما ذكر بل اقتصر على أكبرها والشرك أعظمها.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الأدب والدّيات ومسلم في الإيمان والترمذي في البيوع
والتفسير والنسائي في القضاء والقصاص والتفسير.
(تابعه) أي تابع وهب بن جرير في روايته عن شعبة (غندر) وهو محمد بن جعفر (وأبو عامر)
عبد الملك العقدي فيما وصله أبو سعيد النقاش في كتاب الشهود وابن مندة في كتاب الإيمان
(وبهز) بفتح الموحدة وبعد الهاء الساكنة زاي ابن أسد العميّ فيما وصله أحمد (وعبد الصمد) بن
عبد الوارث فيما وصله المؤلّف في الدّيات الأربعة (عن شعبة) أي ابن الحجاج المذكور.
٢٦٥٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ (ثَلَاثًا)؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ -وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ-: أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ. قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ". وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ …
[الحديث ٢٦٥٤ - أطرافه في: ٥٩٧٦، ٦٢٧٣، ٦٢٧٤، ٦٩١٩].
стр. 3229
وبه قال: (حدّثنا مسدّد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا بشر بن المفضل) بن لاحق الرقاشي بقاف ومعجمة البصري قال: (حدّثنا الجريري) بضم الجيم وفتح الراء الأولى سعيد بن إياس الأزدي (عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه) أبي بكرة نفيع بضم النون الثقفي (﵁) أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬) سقط لأبي ذر قال الأولى:
(ألا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام للتنبيه لتدل على تحقق ما بعدها (أنبئكم) بالتشديد والذي في اليونينية بالتخفيف أي أخبركم (بأكبر الكبائر) قال ذلك (ثلاثًا) تأكيدًا لتنبيه السامع على إحضار فهمه (قالوا: بلى يا رسول الله) أي أخبرنا (قال) ﵊: أكبر الكبائر (الإشراك بالله وعقوق الوالدين) وهذا يدل على انقسام الكبائر في عظمها إلى كبير وأكبر ويؤخذ منه ثبوت الصغائر لأن الكبيرة بالنسبة إليها أكبر منها وأما ما وقع للأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني والقاضي أبي بكر الباقلاني والإمام وابن القشيري من أنس كل ذنب كبيرة ونفيهم الصغائر نظرًا إلى عظمة من عصى بالذنب، فقد قالوا كما صرّح به الزركشي إن الخلاف بينهم وبين الجمهور لفظي. قال القرافي: وكأنهم كرهوا تسمية معصية الله صغيرة إجلالاً له مع أنهم وافقوا في الجرح على أنه لا يكون بمطلق المعصية وأن من الذنوب ما يكون قادحًا في العدالة وما لا يقدح هذا مجمع عليه، وإنما الخلاف في التسمية والإطلاق والصحيح التغاير لورود القرآن والأحاديث به ولأن ما عظم مفسدته أحقّ باسم الكبيرة بل قوله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه﴾ [النساء: ٣١] صريح في انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر، ولذا قال الغزالي: لا يليق إنكار الفرق بينهما وقد عرفا من مدارك الشرع انتهى.
ولا يلزم من كون هذه المذكورات أكبر الكبائر سواء رتبتها في نفسها كما إذا قلت زيد وعمرو أفضل من بكر فإنه لا يقتضي استواء زيد وعمرو في الفضيلة، بل يحتمل أن يكونا متفاوتين فيها وكذلك هنا فإن الإشراك أكبر الذنوب المذكورة (وجلس وكان متكئًا) تأكيدًا للحرمة (فقال) (ألا وقول الزور) ولأبي ذر: وكان متكئًا ألا وقول الزور فأسقط فقال: وفصل بين المتعاطفين بحرف التنبيه والاستفتاح تعظيمًا لشأن الزور لما يترتب عليه من المفاسد وإضافة القول إلى الزور من إضافة الموصوف إلى صفته، وفي رواية خالد عن الجريري ألا وقول الزور وشهادة الزور. قال ابن دقيق العيد: يحتمل أن يكون من الخاص بعد العام، لكن ينبغي أن يحمل على التأكيد فإنّا لو حملنا القول على الإطلاق لزم أن تكون الكذبة الواحدة مطلقًا كبيرة وليس كذلك ومراتب الكذب متفاوتة بحسب تفاوت مفاسده.
(قال) أنس (فما زال) ﵊ (يكررها حتى قلنا: ليته) ﵊ (سكت) قال في الفتح: أي شفقة عليه وكراهية لما يزعجه، وفيه ما كانوا عليه من كثرة الأدب معه ﷺ والمحبة له والشفقة عليه، وقال في جمع العمدة: هو تعظيم لما حصل لمرتكب هذا الذنب من غضب الله ورسوله ولما حصل للسامعين من الرعب والخوف من هذا المجلس.
стр. 3230
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في استتابة المرتدين والاستئذان والأدب ومسلم في الإيمان والترمذي في البر والشهادات والتفسير.
(وقال إسماعيل بن إبراهيم) ابن علية وهي أمه مما وصله المؤلّف في كتاب استتابة المرتدّين (حدّثنا الجريري) سعيد بن إياس الأزدي منسوب إلى جرير بن عبادة قال: (حدّثنا عبد الرحمن) هو ابن أبي بكرة.
١١ - باب
شَهَادَةِ الأَعْمَى وَأَمْرِهِ وَنِكَاحِهِ وَإِنْكَاحِهِ وَمُبَايَعَتِهِ وَقَبُولِهِ فِي التَّأْذِينِ وَغَيْرِهِ. وَمَا يُعْرَفُ بِالأَصْوَاتِ. وَأَجَازَ شَهَادَتَهُ قَاسِمٌ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَالزُّهْرِيُّ وَعَطَاءٌ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: تَجُوزُ شَهَادَتُهُ إِذَا كَانَ عَاقِلاً. وَقَالَ الْحَكَمُ: رُبَّ شَىْءٍ تَجُوزُ فِيهِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: أَرَأَيْتَ ابْنَ عَبَّاسٍ لَوْ شَهِدَ عَلَى شَهَادَةٍ أَكُنْتَ تَرُدُّهُ؟ وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَبْعَثُ رَجُلاً، إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ أَفْطَرَ. وَيَسْأَلُ عَنِ الْفَجْرِ فَإِذَا قِيلَ لَهُ طَلَعَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ: اسْتَأْذَنْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَعَرَفَتْ صَوْلتى، قَالَتْ: سُلَيْمَانُ؟ ادْخُلْ فَإِنَّكَ مَمْلُوكٌ مَا بَقِيَ عَلَيْكَ شَىْءٌ. وَأَجَازَ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ شَهَادَةَ امْرَأَةٍ مُنْتَقِبَةٍ.
(باب) بيان حكم (شهادة الأعمى و) بيان (أمره) في تصرفاته (ونكاحه) بامرأة (وإنكاحه) غيره (ومبايعته) بيعه وشرائه (وقبوله في التأذين وغيره) كإقامته الصلاة إذا توقّى النجاسة (وما يعرف بالأصوات) عند تحققها أما عند الاشتباه فلا اتفاقًا (وأجاز شهادته قاسم) هو ابن محمد بن أبي بكر الصديق أحد الفقهاء السبعة مما وصله سعيد بن منصور (والحسن) البصري (وابن سيرين) محمد فيما وصله ابن أبي شيبة عنهما (والزهري) محمد بن مسلم بن شهاب فيما وصله ابن أبي شيبة أيضًا عنه (وعطاء) هو ابن أبي رباح فيما وصله الأثرم وهذا مذهب المالكية وعبارة المختصر وإن أعمى في قول أو أصم في فعل يعني فلا يشترط في الشاهد أن يكون سميعًا بصيرًا وعند الشافعية كالجمهور لا تقبل شهادة الأعمى لانسداد طريق المعرفة عليه مع اشتباه الأصوات إلا في أربعة مواضع في ترجمته لكلام الخصوم أو الشهود للقاضي لأنها تفسير للفظ فلا تحتاج إلى معاينة وإشارة والنسب ونحوه مما يثبت بالاستفاضة كالموت والملك إن كان المشهود له معروف الاسم والنسب وما تحمله قبل العمى إن كان المشهود له وعليه معروف الاسم والنسب بخلاف مجهوليه أو أحدهما وأن يقبض على المقر حتى يشهد عليه عند القاضي بما سمعه من نحو طلاق أو عتق أو مال لشخص معروف الاسم والنسب.
(وقال الشعبي) عامر بن شراحيل مما وصله ابن أبي شيبة (تجوز شهادته إذا كان عاقلاً) أي فطنًا
مدركًا لدقائق الأمور بالقرائن وليس احترازًا عن الجنون إذ العقل شرط في البصير والأعمى. (وقال
стр. 3231
الحكم) بفتحتين ابن عتيبة فيما وصله ابن أبي شيبة أيضًا (ربّ شيء تجوز فيه) شهادته. (وقال الزهري). محمد بن مسلم مما وصله الكرابيسي في أدب القضاء (أرأيت ابن عباس لو شهد على شهادة كنت تردّه) مع كونه كان أعمى.
(وكان ابن عباس) ﵄ فيما وصله عبد الرزاق بمعناه (يبعث رجلاً) لم يسمِّ (إذا غابت الشمس) يفحص عن غروب الشمس للإفطار فإذا أخبره أنها غربت (أفطر) من صومه (ويسأل عن الفجر، فإذا قيل) زاد في رواية غير أبي ذر له (طلع صلّى ركعتين) ولا يرى شخص المخبر له وإنما يسمع صوته.
(وقال سليمان بن يسار) ضدّ اليمين أبو أيوب (استأذنت) في الدخول (على عائشة ﵂ فعرفت صوتي قالت) ولأبي ذر فقالت (سليمان) بحذف حرف النداء (ادخل فإنك مملوك ما بقي عليك شيء) أي من مال الكتابة وكان مكاتبًا لأم المؤمنين وفيه أن عائشة كانت لا ترى الاحتجاب من العبد سواء كان في ملكها أوفي ملك غيرها.
(وأجاز سمرة بن جندب شهادة امرأة منتقبة) بسكون النون وفتح المثناة الفوقية بعدها قاف مكسورة من الانتقاب ولأبي ذر منتقبة بتقديم المثناة على النون وتشديد القاف من التنقيب التي على وجهها نقاب. قال الحافظ ابن حجر: ولم أعرف اسم هذه المرأة.
٢٦٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلاً يَقْرَأُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: ﵀، لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً أَسْقَطْتُهُنَّ مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا". وَزَادَ عَبَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَائِشَةَ: "تَهَجَّدَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيْتِي فَسَمِعَ صَوْتَ عَبَّادٍ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ، أَصَوْتُ عَبَّادٍ هَذَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْ عَبَّادًا".
[الحديث ٢٦٥٥ - أطرافه في: ٥٠٣٧، ٥٠٤٢، ٦٣٣٥].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن عبيد بن ميمون) بضم عين عبيد مصغرًا من غير إضافة القرشي التيمي مولاهم المدني وقيل كوفي التبان قال: (أخبرنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة ﵂¬) أنها (قالت: سمع النبي ﷺ رجلاً) هو عبد الله بن يزيد الأنصاري القاري وزعم عبد الغني أنه الخطمي. قال ابن حجر: وليس في روايته التي ساقها نسبته كذلك وقد فرق ابن منده بينه وبين الخطمي فأصاب، والمعنى هنا سمع صوت رجل (يقرأ في المسجد فقال) ﵊:
﵀ أي القارئ (لقد أذكرني كذا وكذا آية) وسقط لأبي ذر قوله وكذا الثانية (أسقطتهن) اي نسيتهن (من سورة كذا وكذا) كلمة مبهمة وهي في الأصل مركبة من كاف التشبيه واسم الإشارة ثم نقلت فصارت يكنى بها عن العدد وغيره. قال في الفتح: ولم أقف على تعيين الآيات المذكورة
стр. 3232
وأغرب من زعم أن المراد بذلك إحدى وعشرون آية لأن ابن عبد الحكم قال فيمن أقرأن عليه: كذا وكذا درهمًا أنه يلزمه أحد وعشرون درهمًا، وقال الداودي يكون مقرًّا بدرهمين لأنه أول ما يقع عليه ذلك انتهى.
وقال المالكية: واللفظ للشيخ خليل وكذا درهمًا وعشرون وكذا وكذا أحد وعشرون وكذا كذا أحد عشر وقال الشافعية ويجب عليه بقوله كذا درهم بالرفع درهم لكون الدرهم تفسيرًا لما أبهمه بقوله: كذا وكذا لو نصب الدرهم أو خفض أو أسكن أو كرر كذا بلا عاطف في الأحوال الأربعة لذلك ولاحتمال التوكيد في الأخيرة وإن اقتضى النصب لزوم عشرين لكونه أوّل عدد مفرد ينصب الدرهم عقبه إذ لا نظر في تفسير المبهم إلى الإعراب ومتى كررها وعطف بالواو أو بثم ونصب الدرهم كقوله له: في كذا وكذا درهمًا أو كذا ثم كذا درهمًا تكرر الدرهم بعدد كذا فيلزمه في كلٍّ من المثالين درهمان لأنه أقرّ بمبهمين وعقبهما بالدرهم منصوبًا فالظاهر أنه تفسير لكل منهما بمقتضى العطف غير أنا نقدّره في صناعة الإعراب تمييزًا لأحدهما ونقدّر مثله للآخر فلو خفض الدرهم أو رفعه أو سكنه لا يتكرر لأنه لا يصلح تمييِزًا لما قبله.
(وزاد عباد بن عبد الله) بفتح العين وتشديد الموحدة في الأول ابن الزبير ابن العوّام التابعي فيما وصله أبو يعلى (عن عائشة) ﵂ (تهجد) أي صلّى (النبي ﷺ في بيتي فسمع صوت عباد) هو ابن بشر الأنصاري الأشهلي الصحابي (يصلّى في المسجد فقال): (يا عائشة أصوت عباد هذا) بهمزة الاستفهام (قلت: نعم قال): (اللهمَّ ارحم عبادًا) وظاهره أن المبهم في الرواية السابقة هو هذا المفسر في هذه إذ مقتضى قوله زاد أن يكون المزيد فيه والمزيد عليه حديثًا واحدًا فتتّحد القصة، لكن جزم عبد الغني بن سعيد في مبهماته بأن المبهم في الأولى هو عبد الله بن يزيد كما مرّ، فيحتمل أنه ﷺ سمع صوت رجلين فعرف أحدهما فقال: هذا صوت عباد ولم يعرف الآخر فسأل عنه، والذي لم يعرفه هو الذي تذكر بقراءته الآيات التي نسيها وفيه جواز النسيان عليه ﷺ فيما ليس طريقه البلاغ.
وبقية مباحثه تأتي إن شاء الله تعالى في فضائل القرآن ومطابقته لما ترجم له هنا من كونه ﵊ اعتمد على صوت الرجل من غير رؤية شخصه.
٢٦٥٦ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ بِلَالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ -أَوْ قَالَ حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ- ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ». وَكَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ رَجُلاً أَعْمَى لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَقُولَ لَهُ النَّاسُ: أَصْبَحْتَ.
وبه قال: (حدّثنا مالك بن إسماعيل) بن زياد بن درهم النهدي قال: (حدّثنا عبد العزيز بن أبي سلمة) هو عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة بفتح اللام واسمه الماجشون بكسر الجيم وبعدها
стр. 3233
معجمة مضمومة المدني نزيل بغداد قال: (أخبرنا ابن شهاب) الزهري (عن سالم بن عبد الله عن) أبيه
(عبد الله بن عمر ﵄) أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(إن بلالاً يؤذن) للصبح (بليل) أي في ليل (فكلوا واشربوا حتى) أي إلى أن (يؤذن أو قال حتى تسمعوا أذان ابن أُم مكتوم) عمرو أو عبد الله بن قيس القرشي والشك من الراوي (وكان ابن أم مكتوم رجلاً أعمى لا يؤذن حتى يقول له الناس أصبحت) في الأذان أصبحت أصبحت مرتين.
ومطابقته لما ترجم له الاعتماد على صوت الأعمى، وقد سبق في أذان الأعمى من كتاب الأذان.
٢٦٥٧ - حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ﵄ قَالَ: "قَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَقْبِيَةٌ، فَقَالَ لِي أَبِي مَخْرَمَةُ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَيْهِ عَسَى أَنْ يُعْطِيَنَا مِنْهَا شَيْئًا. فَقَامَ أَبِي عَلَى الْبَابِ فَتَكَلَّمَ، فَعَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ صَوْتَهُ، خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَمَعَهُ قَبَاءٌ وَهُوَ يُرِيهِ مَحَاسِنَهُ وَهُوَ يَقُولَ: خَبَأْتُ هَذَا لَكَ، خَبَأْتُ هَذَا لَكَ".
وبه قال: (حدّثنا زياد بن يحيى) بن زياد أبو الخطاب البصري قال: (حدّثنا حاتم بن وردان) أبو صالح البصري قال: (حدّثنا أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختياني (عن عبد الله بن أبي مليكة) نسبه لجده لشهرته به. واسم أبيه عبيد الله بالتصغير واسم أبي مليكة زهير (عن المسور بن مخرمة) الزهري (﵄) أنه (قال: قدمت على النبي ﷺ أقبية) وفي الهبة قسم رسول الله ﷺ أقبية ولم يعط مخرمة منها شيئًا (فقال لي أي مخرمة انطلق بنا إليه) صلوات الله وسلامه عليه (عسى أن يعطينا منها شيئًا فقام أبي على الباب فتكلم فعرف النبي ﷺ صوته فخرج) بالفاء ولأبي ذر عن الحموي والمستملي خرج (النبي ﷺ ومعه قباء) وفي الهبة فخرج إليه وعليه قباء منها (وهو يريه محاسنه وهو يقول):
(خبأت هذا لك خبأت هذا لك) مرتين.
ومطابقة الحديث للترجمة كالذي قبله كما لا يخفى.
١٢ - باب شَهَادَةِ النِّسَاءِ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
(باب) جواز (شهادة النساء. وقوله تعالى) بالجر عطفًا على سابقه (﴿فإن لم يكونا﴾) أي فإن لم يكن الشهيدان (﴿رجلين فرجل وامرأتان﴾) [البقرة: ٢٨٢] فليشهد أو فالمستشهد رجل وامرأتان كذا قاله البيضاوي كالزمخشري قال في المصابيح: الأنسب فإن لم يكن الشهيدان رجلين فالشهيدان رجل
стр. 3234
وامرأتان أو فليشهد رجل وامرأتان لأن المأمور هم المخاطبون لا الشهداء انتهى. وهذا مخصوص بالأموال عندنا وبما عدا الحدود والقصاص عند الحنفية.
٢٦٥٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي زَيْدٌ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟ قُلْنَا بَلَى. قَالَ: فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا".
وبه قال: (حدّثنا ابن أبي مريم) سعيد الجمحي قال: (أخبرنا محمد بن جعفر) هو ابن أبي كثير (قال: أخبرني) بالإفراد (زيد) هو ابن أسلم (عن عياض بن عبد الله) بن سعد بن أبي سرح بفتح المهملة وسكون الراء بعدها حاء مهملة القرشي العامري المكي (عن أبي سعيد الخدري ﵁) وسقط لأبي ذر الخدري (عن النبي ﷺ أنه قال):
(أليس) ولأبي ذر: قال النبي ﷺ أليس (شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل) لقوله تعالى فرجل وامرأتان (قلنا) بالألف بعد النون، ولأبي ذر: قلن (بلى قال): (فذلك) بكسر الكاف (من نقصان عقلها) لأن الاستظهار بأخرى يؤذن بقلة ضبطها وهو يُشعِر بقلة عقلها وهذا موضع الترجمة.
وأنواع الشهادات سبعة.
ما يقبل فيه شاهد واحد وهو رؤية هلال رمضان لحديث ابن عمر أخبرت النبي ﷺ فصام وأمر الناس بصيامه. رواه أبو داود وابن حبان.
وما يقبل فيه شاهد ويمين في الأموال خاصة لحديث مسلم وغيره عن ابن عباس ﵄.
وما يقبل فيه شاهد وامرأتان في الأموال وعيوب النساء خاصة.
وما يقبل فيه شاهدان في الحدود والنكاح والقصاص لما روى مالك عن الزهري مضت السُّنَّة أنه لا يجوز شهادة النساء في الحدود ولا في النكاح والطلاق وقيس بالثلاثة ما في معناها كقصاص ورجعة وإسلام وردّة وجرح وتعديل وموت وإعسار.
وما يقبل فيه شاهدان ويمين وهو في مسائل: دعوى ردّ المبيع بالعيب، ودعوى البكر أو الثيّب العنة على الزوج ودعوى الجراحة في عضو باطن ادّعى الخصم أنه غير سليم، ودعوى إعسار نفسه إذا عهد له مال، وعلى الغائب والميت ووليّ الصغير والمجنون، وفيما إذا قال لامرأته: أنت طالق أمس، ثم قال: أردت أنها طالق من غيري فيقيم في هذه الصورة البينة بما ادّعاه، ويحلف معها طلبًا للاستظهار والمراد بالمحلوف في الأولى قدم العيب وفي الثانية عدم الوطء.
стр. 3235
وما يقبل فيه أربعة من الرجال في الشهادة على الزنا. نعم يكفي في الشهادة على الإقرار به اثنان. وأجاز الكوفيون شهادة النساء في النكاح والطلاق والنسب والولاء، واختلف فيما لا يطّلع عليه الرجال هل يكفي فيه امرأة واحدة؟ فعند الجمهور لا بدّ من أربع وعن مالك تكفي شهادة البعض، وقال الحنفية، تجوز شهادتها وحدها.
وهذا الحديث قد مرّ بأتمّ من هذا في كتاب الحيض.
١٣ - باب شَهَادَةِ الإِمَاءِ وَالْعَبِيدِ
وَقَالَ أَنَسٌ: شَهَادَةُ الْعَبْدِ جَائِزَةٌ إِذَا كَانَ عَدْلاً. وَأَجَازَهُ شُرَيْحٌ وَزُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى.
وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: شَهَادَتُهُ جَائِزَةٌ إِلاَّ الْعَبْدَ لِسَيِّدِهِ. وَأَجَازَهُ الْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ فِي الشَّىْءِ التَّافِهِ.
وَقَالَ شُرَيْحٌ: كُلُّكُمْ بَنُو عَبِيدٍ وَإِمَاءٍ.
(باب) حكم (شهادة الإماء والعبيد) أي في حال الرقّ. (وقال أنس) فيما وصله ابن أبي شيبة من رواية المختار بن فلفل (شهادة العبد) الرقيق (جائز إذا كان عدلاً، وأجازه) أي حكم شهادة العبد (شريح) القاضي فيما وصله ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور في الشيء اليسير إذا كان مرضيًّا وعنه جوازها إلا لسيده (و) أجازه أيضًا (زرارة بن أوفى) قاضي البصرة. (وقال ابن سيرين) محمد مما وصله عبد الله بن الإمام أحمد (شهادته) يعني العبد (جائزة إلا العبد لسيده، وأجازه) أي حكم شهادة العبد (الحسن) البصري (وإبراهيم) النخعي فيما وصله ابن أبي شيبة عنهما من طريقين (في الشيء التافه) بالمثناة الفوقية وكسر الفاء الحقير، (وقال شريح) القاضي مما وصله ابن أبي شيبة أيضًا (كلكم بنو عبيد وإماء) ولابن السكن كلكم عبيد وإماء فأسقط بنو وهذا قاله: لما شهد عنده عبد وأجاز شهادته فقيل: إنه عبد واتفق الأئمة الثلاثة على عدم قبول شهادة العبد مطلقًا لأنه ناقص الحال قليل المبالاة فلا يصلح لهذه الأمانة، وقال الحنابلة واللفظ للمرداوي في تنقيحه: وتقبل شهادة عبد حتى في حدّ وقود نصًّا وعنه لا تقبل فيهما وهي أشهر.
٢٦٥٩ - حدثنا أبو عاصم عن ابن جُريج عن ابن أبي مُلَيكةَ عن عُقبةَ بن الحارثِ ح.
وحَدَّثَنَا علي بن عبد الله حدثنا يحيى بن سعيد عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ أَوْ سَمِعْتُهُ مِنْهُ: "أَنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إِهَابٍ، قَالَ: فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَأَعْرَضَ عَنِّي، قَالَ: فَتَنَحَّيْتُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، قَالَ: وَكَيْفَ وَقَدْ زَعَمَتْ أَنها قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا. فَنَهَاهُ عَنْهَا".
стр. 3236
وبه قال: (حدّثنا أبو عاصم) الضحاك بن مخلد (عن ابن جربج) عبد الملك بن عبد العزيز (عن ابن أبي مليكة) عبد الله (عن عقبة بن الحرث) بن عامر بن نوفل بن عبد مناف النوفلي المكي الصحابي من مسلمة الفتح وبقي إلى بعد الخمسين (ح) للتحويل.
قال المؤلّف بالسند: (وحدّثنا عليّ بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا يحيى بن سعيد) القطان (عن ابن جريج) عبد الملك أنه (قال سمعت ابن أبي مليكة) عبد الله (قال: حدّثني) بالإفراد (عقبة بن الحرث) وسقط في بعض النسخ من قوله وحدّثنا علي إلى آخر قوله عقبة بن الحرث (أو سمعته منه أنه تزوّج أم يحيى) غنية أو زينب (بنت أبي إهاب) بكسر الهمزة (قال: فجاءت أمة سوداء) لم تسم (فقالت قد أرضعتكما) تعني عقبة والتي تزوجها قال عقبة (فذكرت ذلك) الذي قالته الأمة (للنبي ﷺ فأعرض عني، قال: فتنحيت) أي من تلك الناحية إلى قبل وجهه (فذكرت ذلك) الذي قالته (له) ﵊ (قال):
(وكيف) خبر مبتدأ محذوف أي كيف ذلك أو كيف بقاء الزوجية (و) الحال أن (قد زعمت) أي قالت الأمة (أنها) وللحموي والمستملي: أن (قد أرضعتكما فنهاه عنها) وهو يقتضي فراقها بقول الأمة المذكورة فلو لم تكن شهادتها مقبولة ما عمل بها. وأجيب: بأن في بعض طرق الحديث فجاءت مولاة لأهل مكة وهو لفظ يطلق على الحرة التي عليها الولاء فلا دلالة على أنه كانت رقيقة، وتعقب بأن رواية حديث الباب فيها التصريح بأنها أمة فتعين أنها ليست بحرّة وقد قال ابن دقيق العيد: إن أخذنا بظاهر حديث الباب فلا بدّ من القول بشهادة الأمة، وتعقبه بعضهم فيما ادّعاه من لزوم شهادة الأمة بأنه ورد في النكاح عند البخاري بلفظ: فجاءتنا امرأة سوداء، وفي الباب اللاحق فجاءت امرأة فلم يقيد بالأمة. وأجيب: بأن مجيء رواية بوصف يجب أن يكون بيانًا لرواية الإطلاق فتبين أن المراد الأمة اللهمَّ إلا أن يدّعي أنه أطلق عليها أمة مجازًا باعتبار ما كانت عليه، وإنما هي حرة بدليل قوله في الحديث: مولاة لأهل مكة فإذن ليس هذا من شهادة الإماء في شيء على أنه لم يعمل بشهادتها في حديث البخاري، وإنما دله ﵊ على طريق الورع.
١٤ - باب شَهَادَةِ الْمُرْضِعَةِ
(باب شهادة المرضعة).
٢٦٦٠ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: "تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: وَكَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟ دَعْهَا عَنْكَ. أَوْ نَحْوَهُ".
وبه قال: (حدّثنا أبو عاصم) الضحاك بن مخلد (عن عمر بن سعيد) بكسر العين وعمر بضم العين ابن حسين النوفلي القرشي المكي (عن ابن أبي مليكة) عبد الله (عن عقبة بن الحرث) النوفلي أنه
стр. 3237
(قال: تزوجت امرأة) هي أم يحيى بنت أبي إهاب كما في الأخرى (فجاءت امرأة) لم يقل أمة فالأولى مقيدة لهذه وقد مرّ ما في ذلك قريبًا (فقالت: إني قد أرضعتكما) زاد المؤلّف في العلم من طريق عمر بن سعيد عن أبي حسين عن ابن أبي مليكة ما أرضعتني ولا أخبرتني يعني بذلك قبل التزوج (فأتيت النبى ﷺ ¬) وفي العلم فركب إلى رسول الله ﷺ بالمدينة فسأله (فقال) ﵊:
(وكيف وقد قيل دعها) اتركها (عنك أو نحوه) احتج به من قبل شهادة المرضعة وحدها، وأجاب الجمهور بحمل النهي في قوله في السابقة فنهاه عنها على التنزيه والأمر في قوله في هذا دعها عنك على الإرشاد.
(حديث الإفك) هذا ساقط عند أبي الوقت.
١٥ - باب تَعْدِيلِ النِّسَاءِ بَعْضِهِنَّ بَعْضًا
(باب تعديل النساء بعضهن بعضًا).
٢٦٦١ - حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ -وَأَفْهَمَنِي بَعْضَهُ أَحْمَدُ- حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا فَبَرَّأَهَا اللَّهُ مِنْهُ. قَالَ الزُّهْرِيُّ وَكُلُّهُمْ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنْ حَدِيثِهَا -وَبَعْضُهُمْ أَوْعَى مِنْ بَعْضٍ وَأَثْبَتُ لَهُ اقْتِصَاصًا- وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَنِي عَنْ عَائِشَةَ، وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا. زَعَمُوا أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ. فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزَاةٍ فَخَرَجَ سَهْمِي فَخَرَجْتُ مَعَهُ بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ، فَأَنَا أُحْمَلُ فِي هَوْدَجٍ وَأُنْزَلُ فِيهِ. فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ وَقَفَلَ وَدَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ، فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَى الرَّحْلِ فَلَمَسْتُ صَدْرِي، فَإِذَا عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ أَظْفَارٍ قَدِ انْقَطَعَ، فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي، فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ، فَأَقْبَلَ الَّذِينَ يَرْحَلُونَ لِي فَاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ، وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يَثْقُلْنَ وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ، وَإِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ مِنَ الطَّعَامِ، فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ الْقَوْمُ حِينَ رَفَعُوهُ ثِقَلَ الْهَوْدَجِ فَاحْتَمَلُوهُ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، فَبَعَثُوا الْجَمَلَ وَسَارُوا، فَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ مَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ، فَجِئْتُ مَنْزِلَهُمْ وَلَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ، فَأَمَمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ بِهِ فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونَني فَيَرْجِعُونَ إِلَىَّ. فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ غَلَبَتْنِي عَيْنَاىَ فَنِمْتُ، وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ
стр. 3238
مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ، فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي، فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ، فَأَتَانِي، وَكَانَ يَرَانِي قَبْلَ الْحِجَابِ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ فَوَطِئَ يَدَهَا فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ بَعْدَمَا نَزَلُوا مُعَرِّسِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ. وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى الإِفْكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَىٍّ ابْنُ سَلُولَ، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَاشْتَكَيْتُ بِهَا شَهْرًا، والناس يُفِيضُونَ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِ الإِفْكِ، وَيَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَرَى مِنَ النَّبِيِّ ﷺ اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَمْرَضُ، إِنَّمَا يَدْخُلُ فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ: كَيْفَ تِيكُمْ؟ لَا أَشْعُرُ بِشَىْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى نَقَهْتُ، فَخَرَجْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ مُتَبَرَّزُنَا، لَا نَخْرُجُ إِلاَّ لَيْلاً إِلَى لَيْلٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا، وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الأُوَلِ فِي الْبَرِّيَّةِ أَوْ فِي التَّنَزُّهِ. فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ بِنْتُ أَبِي رُهْمٍ نَمْشِي، فَعَثُرَتْ فِي مِرْطِهَا فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ، فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ، أَتَسُبِّينَ رَجُلاً شَهِدَ بَدْرًا؟ فَقَالَتْ: يَا هَنْتَاهْ أَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالُوا؟ فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الإِفْكِ، فَازْدَدْتُ مَرَضًا على مَرَضِي. فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمَ فَقَالَ: كَيْفَ تِيكُمْ؟ فَقُلْتُ: ائْذَنْ لِي إِلَى أَبَوَىَّ -قَالَتْ وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَنْ أَسْتَيْقِنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا- فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَتَيْتُ أَبَوَىَّ، فَقُلْتُ لأُمِّي: مَا يَتَحَدَّثُ بِهِ النَّاسُ؟ فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّةُ، هَوِّنِي عَلَى نَفْسِكِ الشَّأْنَ، فَوَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا وَلَهَا ضَرَائِرُ إِلاَّ أَكْثَرْنَ عَلَيْهَا. فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَلَقَدْ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِهَذَا؟ قَالَتْ: فَبِتُّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْتُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ. ثُمَّ أَصْبَحْتُ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ يَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ، فَأَمَّا أُسَامَةُ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِالَّذِي يَعْلَمُ فِي نَفْسِهِ مِنَ الْوُدِّ لَهُمْ، فَقَالَ أُسَامَةُ: أَهْلُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا نَعْلَمُ وَاللَّهِ إِلاَّ خَيْرًا. وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَسَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ. فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَرِيرَةَ فَقَالَ: يَا بَرِيرَةُ هَلْ رَأَيْتِ فِيهَا شَيْئًا يَرِيبُكِ؟ فَقَالَتْ بَرِيرَةُ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، إِنْ رَأَيْتُ مِنْهَا أَمْرًا أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا قط أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنِ الْعَجِينَ فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ يَوْمِهِ فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَىٍّ ابْنِ سَلُولَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلاَّ خَيْرًا، وَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلاً مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلاَّ خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلاَّ مَعِي. فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ أَعْذِرُكَ مِنْهُ، إِنْ كَانَ مِنَ الأَوْسِ ضَرَبْنَا عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا فِيهِ أَمْرَكَ. فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ -وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلاً صَالِحًا، وَلَكِنِ احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ- فَقَالَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ، والله لَا تَقْتُلُهُ وَلَا تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ. فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ فَقَالَ كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ، وَاللَّهِ
стр. 3239
لَنَقْتُلَنَّهُ، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ. فَثَارَ الْحَيَّانِ الأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ حَتَّى هَمُّوا، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ. فَنَزَلَ فَخَفَّضَهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ. وَبَكَيْتُ يَوْمِي لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، فَأَصْبَحَ عِنْدِي أَبَوَاىَ وقَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتي وَيَوْمًا حَتَّى أَظُنُّ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي. قَالَتْ: فَبَيْنَا هُمَا جَالِسَانِ عِنْدِي وَأَنَا أَبْكِي إِذِ اسْتَأْذَنَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَأَذِنْتُ لَهَا فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَلَسَ وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مِنْ يَوْمِ قِيلَ فِيَّ مَا قِيلَ قَبْلَهَا، وَقَدْ مَكُثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي شَىْءٌ. قَالَتْ: فَتَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ: يَا عَائِشَةُ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ، وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ. فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً، وَقُلْتُ لأَبِي: أَجِبْ عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقُلْتُ لأُمِّي: أَجِيبِي عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيمَا قَالَ. قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَتْ وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنَ الْقُرْآنِ، فَقُلْتُ: إِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ سَمِعْتُمْ مَا يَتَحَدَّثُ بِهِ النَّاسُ وَوَقَرَ فِي أَنْفُسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ، وَإِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي بَرِيئَةٌ -وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنِّي بَرِيئَةٌ- لَا تُصَدِّقُونِي بِذَلِكَ، وَلَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ -وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ- لَتُصَدِّقُنِّي. وَاللَّهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلاً إِلاَّ أَبَا يُوسُفَ إِذْ قَالَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾. ثُمَّ تَحَوَّلْتُ عَلَى فِرَاشِي وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يُبَرِّئَنِي اللَّهُ، وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا ظَنَنْتُ أَنْ يُنْزِلَ فِي شَأْنِي وَحْيًا، وَلأَنَا أَحْقَرُ فِي نَفْسِي مِنْ أَنْ يُتَكَلَّمَ بِالْقُرْآنِ فِي أَمْرِي، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا تُبَرِّئُنِي، فَوَاللَّهِ مَا رَامَ مَجْلِسَهُ وَلَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ حَتَّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ الوَحيُ، فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنَ الْعَرَقِ فِي يَوْمٍ شَاتٍ، فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَضْحَكُ فَكَانَ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ لِي: يَا عَائِشَةُ احْمَدِي اللَّهَ، فَقَدْ بَرَّأَكِ اللَّهُ. قَالَتْ لِي أُمِّي: قُومِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقُلْتُ لَا وَاللَّهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ، وَلَا أَحْمَدُ إِلاَّ اللَّهَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١] الآيَاتِ. فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ هَذَا فِي بَرَاءَتِي قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁-وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ- وَاللَّهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ مَا قَالَ لِعَائِشَةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ -إِلَى قَوْلِهِ- غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى وَاللَّهِ، إِنِّي لأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ الَّذِي كَانَ يُجْرِي عَلَيْهِ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْأَلُ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ عَنْ أَمْرِي، فَقَالَ: يَا زَيْنَبُ مَا عَلِمْتِ؟ مَا رَأَيْتِ؟ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلاَّ خَيْرًا. قَالَتْ: وَهْيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي، فَعَصَمَهَا اللَّهُ
стр. 3240
بِالْوَرَعِ" قَالَ: وَحَدَّثَنَا فُلَيْحٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا فُلَيْحٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ مِثْلَهُ.
وبه قال: (حدّثنا أبو الربيع سليمان بن داود) الزهراني العتكي بفتح العين المهملة والمثناة الفوقية بصري دخل بغداد (وأفهمني بعضه) بعض معاني الحديث ومقاصد لفظه (أحمد) مجردًا عن النسب ولم يبينه أبو علي الجياني وفي الأطراف لخلف أنه ابن يونس وجزم به الدمياطي، وكذا ثبت في حاشية الفرع كأصله ورقم عليه علامة ق. وقال ابن حجر أنه رآه كذلك في نسخة الحافظ أبي الحسن اليونيني. قلت: وكذا رأيته وقد أهمله في جميع الروايات التي وقعت له إلا هذه. وقال ابن عساكر والمزي: إنه وهم، وفي طبقات القراء للذهبي أنه ابن النضر، وزعم ابن خلفون أنه ابن حنبل، وأحمد بن يونس هذا هو أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي المعروف بشيخ الإسلام، وهل أحمد المذكور هنا رفيق لأبي الربيع في الرواية عن فليح فيكون المؤلّف حمله عنهما معًا على الصفة المذكورة أو رفيق للمؤلّف في الرواية عن أبي الربيع؟ قال: (حدّثنا فليح بن سليمان) الخزاعي أو الأسلمي أبو يحيى (عن ابن شهاب الزهري عن عروة بن الزبير) بن العوّام (وسعيد بن المسيب) بفتح المثناة التحتية المشددة وكسرها (وعلقمة بن وقاص الليثي) العتواري (وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة) بن مسعود الأربعة (عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ حين قال لها أهل الأفك) بكسر الهمزة أبلغ ما يكون من الافتراء والكذب (ما قالوا فبرأها الله منه).
(قال الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (وكلهم) أي عروة فمن بعده (حدّثنا طائفة) قطعة (من حديثها) وقد انتقد على الزهري روايته لهذا الحديث ملفقًا عن هؤلاء الأربعة وقالوا: كان ينبغي له أن يفرد حديث كل واحد عن الآخر حكاه عياض فيما ذكره في الفتح (وبعضهم أوعى) أحفظ لأكثر هذا الحديث (من بعض وأثبت له اقتصاصًا) أي سياقًا (وقد وعيت) بفتح العين أي حفظت (عن كل واحد منهم الحديث) أي بعض الحديث (الذي حدّثني) به منه (عن) حديث (عائشة) فأطلق الكل على البعض فلا تنافي بين قوله: وكلهم حدّثني طائفة من الحديث، وبين قوله: وقد وعيت عن كل واحد منهم الحديث كما نبّه عليه الكرماني. والحاصل أن جميع الحديث عن مجموعهم لا أن مجموعة عن كل واحد منهم (وبعض حديثهم يصدق بعضًا زعموا أن عائشة) أي قالوا أنها (قالت):
(كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج سفرًا) أي إلى سفر فهو نصب بنزع الخافض أو ضمن يخرج معنى ينشئ فالنصب على المفعولية (أقرع بين أزواجه) تطييبًا لقلوبهن (فأيتهنّ) بتاء التأنيث.
قال الزركشي فيما نقله عنه في المصابيح: ولم أره في النسخة التي وقفت عليها من التنقيح أنه الوجه، ويروى: فأيهنّ بدون تاء تأنيث، وتعقبه الدماميني فقال: دعواه أن الرواية الثانية ليست على الوجه خطأ إذ المنصوص أنه إذا أريد بأيّ المؤنث جاز إلحاق التاء به موصولاً كان أو استفهامًا أو غيرهما انتهى.
стр. 3241
ولم أقف على الرواية الثانية هنا. نعم هي في تفسير سورة النور لغير أبي ذر والمعنى فأيّ أزواجه (خرج سهمها خرج بها معه) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أخرج بزيادة همزة قال: في الفتح والأوّل هو الصواب، ولعل ذا الهمزة أخرج بضم الهمزة مبنيًا للمفعول (فأقرع) ﵊ (بيننا في غزاة غزاها) هي غزوة بني المصطلق من خزاعة (فخرج سهمي) فيه إشعار بأنها كانت في تلك الغزاة وحدها، ويؤيده ما في رواية ابن إسحاق بلفظ: فخرج سهمي عليهنّ فخرج بي معه، وأما ما ذكره الواقدي من خروج أم سلمة معه أيضًا في هذه الغزوة فضعيف.
قالت عائشة: (فخرجت معه) ﵊ (بعدما أنزل الحجاب) أي الأمر به (فأنا أحمل في هودج وأنزل فيه) بضم الهمزة فيهما مبنيين للمفعول والهودج بهاء ودال مهملة مفتوحتين بينهما واو ساكنة آخره جيم محمل له قبلة تستر بالثياب ونحوها يوضع على ظهر البعير يركب فيه النساء ليكون أستر لهنّ (فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوته تلك وقفل) بقاف ففاء أي رجع من غزوته (ودنونا) أي قربنا (من المدينة آذن) بالمدّ والتخفيف ويجوز القصر والتشديد أي أعلم (ليلة بالرحيل) وفي رواية ابن إسحاق عند أبي عوانة: فنزل منزلاً فبات به بعض الليل ثم آذن بالرحيل (فقمت حين آذنوا بالرحيل) بالمد والقصر كما مرّ (فمشيت) أي لقضاء حاجتي منفردة (حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني) أي الذي توجهت له (أقبلت إلى الرحل) إلى المنزل (فلمست صدري فإذا عقد لي) بكسر العين قلادة (من جزع أظفار) بفتح الجيم وسكون الزاي بعدها عين مهملة مضاف لقوله أظفار بهمزة مفتوحة ومعجمة ساكنة والجزع خرز معروف في سواده بياض كالعروق، وقد قال التيفاشي: لا يتيمن بلبسه ومن تقلده كثرت همومه ورأى منامات رديئة، وإذا علق على طفل سال لعابه، وإذا لفّ على شعر المطلقة سهلت ولادتها، ولأبي ذر عن الكشميهني: ظفار بإسقاط الهمزة وفتح الظاء وتنوين الراء فيهما كما في الفرع وغيره. قال ابن بطال: الرواية أظفار بألف وأهل اللغة لا يقرؤونه بألف ويقولون ظفار وقال الخطابي الصواب الحذف وكسر الراء مبني كحضار مدينة باليمن قالوا فدلّ على أن رواية زيادة الهمزة وهم وعلى تقدير صحة الرواية فيحتمل أنه كان من الظفر أحد أنواع القسط وهو طيب الرائحة يتبخر به فلعله عمل مثل الخرز فأطلقت عليه جزعًا تشبيهًا به ونظمته قلادة إما لحسن لونه أو لطيب ريحه، وفي رواية الواقدي كما في الفتح: فكان في عنقي عقد من جزع ظفار كانت أمي قد أدخلتني به على رسول الله ﷺ (قد انقطع) وفي رواية ابن اسحاق عند أبي عوانة قد انسلّ من عنقي وأنا لا أدري (فرجعت) أي إلى المكان الذي ذهبت إليه (فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه) أي طلبه، وعند الواقدي وكنت أظن أن القوم لو لبثوا شهرًا لم يبعثوا بعيري حتى أكون في هودجي (فأقبل الذين يرحلون لي) بفتح أوّله وسكون الراء مخففًا أي يشدون الرحل على بعيري ولم يسم أحد منهم نعم ذكر منهم الواقدي أبا مويهيبة، وقال البلاذري: إنه شهد غزوة المريسيع وكان يخدم بعير عائشة ولأبي ذر يرحلون بضم أوّله وفتح الراء مشددًا (فاحتملوا هودجي فرحلوه) بالتخفيف، ولأبي ذر: فرحّلوه بالتشديد أي وضعوا هودجي (على بعيري
стр. 3242
الذي كنت أركب) أي عليه، وفي قوله فرحلوه على بعيري تجوّز لأن الرجل هو الذي يوضع على ظهر البعير ثم يوضع الهودج فوقه (وهم يحسبون أني فيه) في الهودج، (وكان النساء إذ ذاك خفافًا لم يثقلن) بكثرة الأكل (ولم يغشهن اللحم) لم يكثر عليهن (وإنما يأكلن العلقة) بضم العين وسكون اللام وبالقاف أي القليل (من الطعام فلم يستنكر القوم) بالرفع على الفاعلية (حين رفعوه ثقل الهودج فاحتملوه) وثقل بكسر المثلثة وفتح القاف الذي اعتادوه منه الحاصل فيه بسبب ما ركب منه من خشب وحبال وستور وغيرها، ولشدة نحافة عائشة لا يظهر بوجودها فيه زيادة ثقل، وفي تفسير سورة النور من طريق يونس خفّة الهودج وهذه أوضح لأن مرادها إقامة عذرهم في تحميل هودجها وهي ليست فيه فكأنها لخفّة جسمها بحيث إن الذين يحملون هودجها لا فرق عندهم بين وجدها فيه وعدمها، ولهذا أردفت ذلك بقولها: (وكنت جارية حديثة السن) لم تكمل إذ ذاك خمس عشرة سنة (فبعثوا الجمل) أي أثاروه (وساروا فوجدت عقدي بعدما استمر الجيش) أي ذهب ماضيًا وهو استفعل من مرّ (فجئت منزلهم وليس فيه أحد) وفي التفسير فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجُيب (فأممت) بالتخفيف فقصدت (منزلي الذي كنت فيه فظننت) أي علمت (أنهم سيفقدوني) بكسر القاف وحذف النون تخفيفًا، ولأبوي ذر والوقت: سيفقدونني (فيرجعون إليّ فبينا) بغير ميم (أنا جالسة) وجواب بينا قوله (غلبتني عيناي فنمت) أي من شدة الغم الذي اعتراها، أو أن الله تعالى لطف بها فألقى عليها النوم لتستريح من وحشة الانفراد في البرية بالليل (وكان صفوان بن المعطل) بفتح الطاء المشددة (السلمي) بضم السين وفتح اللام (ثم الذكواني) بالذال المعجمة منسوب إلى ذكوان بن ثعلبة وكان صحابيًّا فاضلاً (من وراء الجيش). وفي حديث ابن عمر عند الطبراني أن صفوان كان سأل النبي ﷺ أن يجعله على الساقة، فكان إذا رحل الناس قام يصلّي ثم اتبعهم فمن سقط له شيء أتاه به، وفي حديث أبي هريرة عند البزار: وكان صفوان يتخلّف عن الناس فيصيب القدح والجراب والإداوة، وفي مرسل مقاتل بن حيان في الإكليل: فيحمله فيقدم به فيعرّفه في أصحابه (فأصبح عند منزلي) كأنه تأخر في مكانه حتى قرب الصبح فركب ليظهر له ما يسقط من الجيش مما يخفيه الليل أو كان تأخره مما جرت به عادته من غلبة النوم عليه (فرأى سواد إنسان) أي شخص إنسان (نائم) لا يدري أرجل أو امرأة (فأتاني) زاد في التفسير فعرفني حين رآني (وكان يراني قبل الحجاب) أي قبل نزوله (فاستيقظت) من نومي (باسترجاعه) أي بقوله: إنّا لله وإنّا إليه راجعون (حين أناخ راحلته) وكأنه شق عليه ما جرى لعائشة فلذا استرجع، ولأبي ذر عن الكشميهني: حتى أناخ راحلته (فوطئ يدها) أي وطئ صفوان يد الراحلة ليسهل الركوب عليها فلا تحتاج إلى مساعد (فركبتها فانطلق) صفوان حال كونه (يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا) حال كونهم (معرسين) بفتح العين المهملة وكسر الراء المشددة بعدها سين مهملة نازلين (في نحر الظهيرة) حين بلغت الشمس منتهاها من الارتفاع وكأنها وصلت إلى النحر وهو أعلى المصدر أو أولها وهو وقت شدة الحر (فهلك من هلك) زاد أبو صالح في شأني، وفي رواية أبي أويس عند الطبراني: فهنالك قال أهل الإفك فيّ وفيه ما قالوا (وكان الذي تولى الإفك) أي تصدّى له وتقلده رأس المنافقين (عبد الله بن أُبي بن سلول)
стр. 3243
بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد المثناة وابن سلول يكتب بالألف والرفع لأن سلول بفتح السين غير منصرف علم لأم عبد الله فهو صفة لعبد الله لا لأبي وأتباعه مسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش. وفي حديث ابن عمر فقال عبد الله بن أُبي: فجرَّبها وربّ الكعبة وأعانه على ذلك جماعة وشاع ذلك في العسكر (فقدمنا المدينة فاشتكيت) مرضت (بها شهرًا) زاد في التفسير حين قدمتها وزاد هنا بدل لها بها (والناس يفيضون) بضم أوّله يشيعون (من قول أصحاب الإفك) وسقط للحموي والمستملي قوله والناس (ويريبني) بفتح أوّله من رابه ويجوز ضمه من أرابه أي يشككني ويوهمني (في وجعي أني لا أرى من النبي ﷺ اللطف) بضم اللام وسكون الطاء عند ابن الخطيئة عن أبي ذر كذا في حاشية فرع اليونينية كهي وفي متنهما زيادة فتح اللام والطاء أي الرفق (الذي كنت أرى منه حين أمرض) بفتح الهمزة والراء (إنما يدخل) ﵊ (فيسلم ثم يقول) وللحموي والمستملي فيقول:
(كيف تيكم)؟ بكسر المثناة الفوقية وهي في الإشارة للمؤنث مثل ذاكم في المذكر قال في التنقيح: وهي تدل على لطف من حيث سؤاله عنها وعلى نوع جفاء من قوله: "تيكم" (لا أشعر بشيء من ذلك) الذي يقوله أهل الإفك (حتى نقهت) بفتح النون والقاف وقد تكسر أي أفقت من مرضي ولم تتكامل لي الصحة (فخرجت أنا وأم مسطح) بكسر الميم وسكون السين وفتح الطاء المهملتين آخره حاء مهملة (قبل المناصع) بكسر القاف وفتح الموحدة والمناصع بالصاد والعين المهملتين موضع خارج المدينة (متبرزنا) بفتح الراء المشددة وبالرفع أي وهو متبرزنا أي موضع قضاء حاجتنا، ولغير أبي ذر: متبرزنا بالجر بدلاً من المناصع (لا نخرج إلا ليلاً إلى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف) بضم الكاف والنون جمع كنيف وهو الساتر والمراد به هنا المكان المتخذ لقضاء الحاجة (قريبًا من بيوتنا وأمرنا أمر العرب الأول) بضم الهمزة وتخفيف الواو وكسر اللام في الفرع وغيره نعت للعرب، وفي نسخة الأوّل بفتح الهمزة وتشديد الواو وضم اللام نعت للأمر. قال النووي: وكلاهما صحيح، وقد ضبطه ابن الحاجب بفتح الهمزة، وصرّح بمنع وصف الجمع بالضم ثم خرّجه على تقدير ثبوته على أن العرب اسم جمع تحته جموع فيصير مفردًا بهذا التقرير قال: والرواية الأولى أشهر وأقعد انتهى.
أي: لم يتخلقوا بأخلاق أهل الحاضرة والعجم في التبرّز (في البرية) بفتح الموحدة وتشديد الراء والمثناة التحتية خارج المدينة (أو في التنزه) بمثناة فوقية فنون ثم زاي مشددة طلب النزاهة والمراد البعد عن البيوت والشك من الراوي (فأقبلت أنا وأم مسطح) سلمى (بنت أبي رهم) حال كوننا (نمشي) أي ماشين، ورهم بضم الراء وسكون الهاء واسمه أنيس (فعثرت) بالعين المهملة والمثلثة والراء المفتوحات أي أم مسطح (في مرطها) بكسر الميم كساء من صوف أو خرز أو كتان قاله الخليل (فقالت: تعس مسطح) بكسر العين المهملة وفتح الفوقية قبلها آخره سين مهملة وقد تفتح العين وبه قيد الجوهري أي كب لوجهه أو هلك أو لزمه الشر (فقلت لها: بئسما قلت أتسبين رجلاً شهد بدرًا). وعند الطبراني: أتسبين ابنك وهو من المهاجرين الأوّلين؟ (فقالت: يا هنتاه) بفتح الهاء
стр. 3244
وسكون النون وقد تفتح وبعد المثناة الفوقية ألف ثم هاء ساكنة في الفرع كأصله وقد تضم أي يا هذه نداء للبعيد فخاطبتها خطاب البعيد لكونها نسبتها للبله وقلة المعرفة بمكائد النساء (ألم تسمعي ما قالوا فأخبرتني بقول الإفك) وللكشميهني أهل الإفك (فازددت مرضًا إلى) أي مع ولأبوي ذر والوقت: على (مرضي) قال في الفتح: وعند سعيد بن منصور من مرسل أبي صالح فقالت: وما تدرين ما قال؟ قالت: لا والله فأخبرتها بما خاض فيه الناس فأخذتها الحمى، وعند الطبراني بإسناد صحيح عن أيوب عن ابن أبي مليكة عن عائشة قالت: لما بلغني ما تكلموا به هممت أن آتي قليبًا فأطرح نفسي فيه.
(فلما رجعت إلى بيتي دخل عليّ رسول الله ﷺ فسلم فقال): (كيف تيكم)؟ (فقلت ائذن لي) أن آتي (إلى أبوي قالت وأنا حيينذٍ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما) بكسر القاف وفتح الموحدة أي من جهتهما (فأذن لي رسول الله) في ذلك (فأتيت أبوي فقلت لأمي) أم رومان زاد في التفسير يا أمتاه (ما يتحدّث به الناس) بفتح المثناة التحتية من يتحدث، ولأبي ذر: ما يتحدث الناس به بتقديم الناس على الجار والمجرور. (فقالت: يا بنية هوّني على نفسك الشأن فوالله لقلما كانت امرأة قطّ وضيئة) بالرفع صفة لامرأة أو بالنصب على الحال واللام في لقل للتأكيد، وقلَّ: فعل ماضي دخلت عليه ما للتأكيد والوضيئة المعجمة والهمزة والمد على وزن عظيمة من الوضاءة وهي الحسن والجمال، وكانت عائشة ﵂ كذلك. ولمسلم من رواية ابن ماهان حظية من الحظوة أي وجيهة رفيعة المنزلة (عند رجل يحبها ولها ضرائر) جمع ضرّة وزوّجات الرجل ضرائر لأن كل واحدة يحصل لها الضرر من الأخرى بالغيرة (إلاّ أكثرن) أي نساء ذلك الزمان (عليها) القول في عيبها ونقصها فالاستثناء منقطع أو بعض أتباع ضرائرها كحمنة بنت جحش أخت زينب أم المؤمنين فالاستثناء متصل والأول هو الراجح لأن أمهات المؤمنين لم يعبنها.
سلمنا أنه متصل لكن المراد بعض أتباع الضرائر كقوله تعالى: ﴿حتى إذا استيأس الرسل﴾ [يوسف: ١١٠] فأطلق الأياس على الرسل، والمراد بعض أتباعهم وأرادت أمها بذلك أن تهوّن عليها بعض ما سمعت فإن الإنسان يتأسى بغيره فيما يقع له، وطيبت خاطرها بإشارتها بما يشعر بأنها فائقة الجمال والحظوة عنده ﷺ .
(فقلت: سبحان الله!) تعجبًّا من وقوع مثل ذلك في حقها مع براءتها المحققة عندها وقد نطق القرآن الكريم بما تلفظت به فقال تعالى عند ذكر ذلك: ﴿سبحانك هذا بهتان عظيم﴾ [النور: ١٦] (ولقد يتحدّث الناس بهذا) بالمضارع المفتوح الأول، ولأبي ذر: تحدّث الناس بالماضي، وفي رواية هشام بن عروة عند البخاري فاستعبرت فبكيت فسمع أبو بكر صوتي وهو فوق البيت يقرأ فقال لأمي: ما شأنها؟ قالت بلغها الذي ذكر من شأنها ففاضت عيناه، فقال: أقسمت عليك يا بنية إلا رجعت إلى بيتك فرجعت.
стр. 3245
(قالت) أي عائشة (فبت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع) بالقاف والهمزة أي لا ينقطع (ولا أكتحل بنوم) لأن الهموم موجبة للسهر وسيلان الدموع.
وفي المغازي عن مسروق عن أم رومان قالت عائشة: سمع رسول الله ﷺ ؟ قالت: نعم.
قالت: وأبو بكر؟ قالت: نعم فخرّت مغشيًا عليها فما أفاقت إلاّ وعليها حمى بنافض فطرحت عليها ثيابها فغطتها.
(ثم أصبحت فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب) رضي الله تعالى عنه (وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي) حال كونه (يستشيرها) لعلمه بأهليتهما للمشورة (في فراق أهله) لم تقل في فراقي لكراهتها التصريح بإضافة الفراق إليها والوحي بالرفع في الفرع أي طال لبث نزوله. وقال ابن العراقي: ضبطناه بالنصب على أنه مفعول لقوله استلبث أي استبطأ النبي ﷺ الوحي، وكلام النووي يدل على الرفع (فأما أسامة فأشار عليه) ﷺ (بالذي يعلم في نفسه من الودّ لهم فقال أسامة): هم (أهلك) العفائف اللائقات بك وعبر بالجمع إشارة إلى تعميم أمهات المؤمنين بالوصف المذكور أو أراد تعظيم عائشة وليس المراد أنه تبرأ من الإشارة، ووكل الأمر في ذلك إلى النبي ﷺ ، وإنما أشار وبرّأها. وجوّز بعضهم النصب أي أمسك أهلك لكن الأولى الرفع لرواية معمر حيث قال: هم أهلك (يا رسول الله ولا نعلم والله إلاّ خيرًا) إنما حلف ليقوي عنده ﵊ براءتها ولا يشك وسقط لفظ والله لأبي ذر (وأما علي بن أبي طالب) ﵁ (فقال: بل رسول الله لم يضيق الله عليك) وللحموي والمستملي: لم يضيق عليك بحذف الفاعل للعلم به وبناء الفعل للمفعول (والنساء سواها كثير) بصيغة التذكير للكل على إرادة الجنس، وللواقدي قد أحلّ الله لك وأطاب طلّقها وانكح غيرها، وإنما قال لما رأى عنده ﵊ من القلق والغمّ لأجل ذلك، وكان شديد الغيرة صلوات الله وسلامه عليه فرأى عليّ أن بفراقها يسكن ما عنده بسببها إلى أن يتحقق براءتها فيراجعها فبذل النصيحة لإراحته لا عداوة لعائشة. وقال في بهجة النفوس مما قرأته فيها لم يجزم عليّ بالإشارة بفراقها لأنه عقب ذلك بقوله (وسل الجارية) بريرة (تصدقك) بالجزم على الجزاء ففوّض في الأمر في ذلك إلى نظره ﵊ فكأنه قال: إن أردت تعجيل الراحة ففارقها، وإن أردت خلاف ذلك فابحث عن حقيقة الأمر إلى أن تطلع على براءتها لأنه كان يتحقق أن بريرة لا تخبره إلا بما علمته وهي لم تعلم من عائشة إلا البراءة المحضة. (فدعا رسول الله ﷺ بريرة).
قال الزركشي: قيل إن هذا وهم فإن بريرة إنما اشترتها عائشة وأعتقتها قبل ذلك ثم قال: والمخلص من هذا الإشكال أن تفسير الجارية ببريرة مدرج في الحديث من بعض الرواة ظنًّا منه أنها هي. قال في المصابيح: وهذا أي الذي قاله الزركشي ضيق عطن فإنه لم يرفع الإشكال إلا بنسبة الوهم إلى الراوي قال: والمخلص عندي من الإشكال الرافع لتوهيم الرواة وغيرهم أن يكون إطلاق
стр. 3246
الجارية على بريرة وإن كانت معتقة إطلاقًا مجازيًّا باعتبار ما كانت عليه فاندفع الإشكال ولله الحمد انتهى.
وهذا الذي قاله: في المصابيح بناء على سبقية عتق بريرة وفيه نظر لأن قصتها إنما كانت بعد فتح مكة لأنها لما خيرت فاختارت نفسها كان زوجها يتبعها في سكك المدينة يبكي عليها فقال: رسول الله ﷺ للعباس: "يا عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة"؟ ففيه دلالة على أن قصة بريرة كانت متأخرة في السنة التاسعة أو العاشرة لأن العباس إنما سكن المدينة بعد رجوعهم من غزوة الطائف وكان ذلك في أواخر سنة ثمانٍ، ويؤيد ذلك قول ابن عباس أنه شاهد ذلك وهو إنما قدم المدينة مع أبويه، وأيضًا فقول عائشة إن شاء مواليك أن أعدّها لهم عدة واحدة فيه إشارة إلى وقوع ذلك في آخر الأمر لأنهم كانوا في أول الأمر في غاية الضيق ثم حصل لهم التوسع بعد الفتح، وقصة الإفك في المريسيع سنة ست أو سنة أربع وفي ذلك ردّ على من زعم قصتها كانت متقدمة قبل قصة الإفك، وحمله على ذلك قوله هنا فدعا رسول الله ﷺ بريرة.
وأجيب: باحتمال أنها كانت تخدم عائشة قبل شراءها أو اشترتها وأخرت عتقها إلى بعد الفتح أو دام حزن زوجها عليها مدة طويلة أو كان حصل لها الفسخ وطلب أن يردّه بعقد جديد أو كانت لعائشة ثم باعتها ثم استعادتها بعد الكتابة (فقال) ﵊: (يا بريرة هل رأيت فيها شيئًا يريبك)؟ بفتح أوّله يعني من جنس ما قيل فيها فأجابت على العموم ونفت عنها كل ما كان من النقائص من جنس ما أراد ﷺ السؤال عليه وغيره (فقالت بريرة: لا والذي بعثك بالحق إن رأيت) بكسر الهمزة أي ما رأيت (منها أمرًا أغمصه) بهمزة مفتوحة فغين معجمة ساكنة فميم مكسورة فصاد مهملة أعيبه (عليها) في كل أمورها، ولأبي ذر عن المستملي: قطّ (أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن العجين) لأن الحديث السن يغلبه النوم ويكثر عليه (فتأتي الداجن فتأكله) بدال مهملة ثم جيم الشاة التي تألف البيوت ولا تخرج إلى المرعى، وفي رواية مقسم مولى ابن عباس عن عائشة عند الطبراني: ما رأيت منها شيئًا منذ كنت عندها إلا أني عجنت عجينًا لي فقلت: احفظي هذه العجينة حتى أقتبس نارًا لأخبزها فغفلت فجاءت الشاة فأكلتها وهو تفسير المراد بقولها فتأتي الداجن وهذا موضع الترجمة لأنه ﵊ سأل بريرة عن حال عائشة وأجابت ببراءتها، واعتمد النبي ﷺ على قولها حين خطب فاستعذر من ابن أُبي، لكن قال القاضي عياض: وهذا ليس ببيّن إذ لم تكن شهادة والمسألة المختلف فيها إنما هي في تعديلهن للشهادة فمنع من ذلك مالك والشافعي ومحمد بن الحسن وأجازه أبو حنيفة في المرأتين والرجل لشهادتهما في المال، واحتج الطحاوي لذلك بقول زينب في عائشة وقول عائشة في زينب فعصمها الله بالورع قال: ومن كانت بهذه الصفة جازت شهادتها، وتعقب بأن إمامه أبا حنيفة لا يجيز شهادة النساء إلاّ في مواضع مخصوصة فكيف يطلق جواز تزكيتهنّ.
стр. 3247
(فقام رسول الله ﷺ من يومه) على المنبر خطيبًا (فاستعذر) بالذال المعجمة (من عبد الله بن أبي ابن سلول فقال رسول الله ﷺ : من يعذرني) بفتح حرف المضارعة وكسر الذال المعجمة من يقوم بعذري إن كافأته على قبيح فعله ولا يلومني أو من ينصرني (من رجل بلغني أذاه في أهلى فوالله ما علمت في أهلي إلا خيرًا وقد ذكروا رجلاً) زاد الطبراني في روايته صالحًا (ما علمت عليه إلا خيرًا وما كان يدخل على أهلي إلاّ معي) (فقام سعد بن معاذ) وهو سيد الأوس، وسقط لأبوي ذر والوقت ابن معاذ.
واستشكل ذكر سعد بن معاذ هنا بأن حديث الإفك كان سنة ست في غزوة المريسيع كما ذكره ابن إسحاق وسعد بن معاذ مات سنة أربع من الرمية التي رميها بالخندق. وأجيب: بأنه اختلف في المريسيع، وقد حكى البخاري عن موسى بن عقبة أنها كانت سنة أربع وكذلك الخندق فتكون المريسيع قبلها لأن ابن إسحاق جزم بأنها كانت في شعبان وأن الخندق كانت في شوّال فإن كانا في سنة استقام ذلك، لكن الصحيح في النقل عن موسى بن عقبة أن المريسيع سنة خمس فما في البخاري عنه من أنها سنة أربع سبق قلم والراجح أن الخندق أيضًا في سنة خمس خلافًا لابن إسحاق فيصح الجواب.
(فقال يا رسول الله أنا والله) ولأبي ذر عن المستملي: والله أنا (أعذرك منه) بكسر الذال (إن كان من الأوس) قبيلتنا (ضربنا عنقه) وإنما قال ذلك لأنه كان سيدهم كما مرّ فجزم بأن حكمه فيهم نافذ ومن آذاه ﷺ وجب قتله (وإن كان من إخواننا من الخزرج) من الأولى تبعيضية والثانية بيانية، ولأبي ذر: من إخواننا الخزرج بإسقاط من البيانية (أمرتنا ففعلنا فيه أمرك) وإنما قال ذلك لما كان بينهم من قبل فبقيت فيهم بعض أنفة أن يحكم بعضهم في بعض فإذا أمرهم النبي ﷺ بأمر امتثلوا أمره.
(فقام سعد بن عبادة) شهد العقبة وكان أحد النقباء ودعا له ﷺ فقال: "اللهمَّ اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة" رواه أبو داود (وهو سيد الخزرج) بعد أن فرغ سعد بن معاذ من مقالته (وكان قبل ذلك رجلاً صالحًا) أي كاملاً في الصلاح، (ولكن) لأبوي ذر والوقت: وكان (احتملته) من مقالة سعد بن معاذ (الحمية) أي أغضبته (فقال) لابن معاذ (كذبت) زاد في رواية أبي أسامة في التفسير أما والله لو كان من الأوس ما أحببت أن تضرب أعناقهم (لعمر الله) بفتح العين أي وبقاء الله (لا تقتله) ولأبي ذر عن المستملي والله لا تقتله قال في الفتح وفسر قوله بقوله (ولا تقدر على ذلك) لأنّا نمنعك منه ولم يرد سعد بن عبادة الرضا بما نقل عن عبد الله بن أُبي ولم ترد عائشة ﵂ أنه ناضل عن المنافقين، وأما قولها: وكان قبل ذلك رجلاً صالحًا أي لم يتقدم منه ما بتعلق بالوقوف مع أنفة الحمية ولم تغمصه في دينه، لكن كان بين الحيّين مشاحنة قبل الإسلام ثم زالت بالإسلام وبقي بعضها بحكم الأنفة فتكلم سعد بن عبادة بحكم الأنفة ونفى أن يحكم فيهم سعد بن معاذ.
стр. 3248
وقد وقع في بعض الروايات بيان السبب الحامل لسعد بن عبادة على مقالته هذه لابن معاذ.
ففي رواية ابن إسحاق فقال: سعد بن عبادة: ما قلت هذه المقالة إلا أنك علمت أنه من الخزرج، وفي رواية يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عند الطبراني فقال سعد بن عبادة: يا ابن معاذ والله ما بك نصرة رسول الله ﷺ ولكنها قد كانت بيننا ضغائن في الجاهلية وإحَن لم تحلل لنا من صدوركم فقال ابن معاذ: الله أعلم بما أردت.
وقال في بهجة النفوس: إنما قال سعد بن عبادة لابن معاذ كذبت لا تقتله أي لا تجد لقتله من سبيل لمبادرتنا قبلك لقتله ولا تقدر على ذلك أي لو امتنعنا من النصرة فأنت لا تستطيع أن تأخذه من بين أيدينا لقوّتنا. قال: وهذا في غاية النصرة إذ أنه يخبر أنه في القوة والتمكين بحيث لا يقدر له الأوس مع قوتهم وكثرتهم، ثم هم مع ذلك تحت السمع والطاعة للنبي ﷺ فحملته الحمية مثل ما حملت الأول أو أكثر فلم يستطع أن يرى غيره قام في نصرته ﷺ وهو قادر عليها فقال لابن معاذ ما قال، وإنما قالت عائشة: ولكن احتملته الحميّة لتبين شدّة نصرته في القضية مع إخبارها بأنه صالح لأن الرجل الصالح أبدًا يعرف منه السكون والناموس لكنه زال عنه ذلك من شدة ما توالى عليه من الحمية لنبيّه ﷺ انتهى. وهو محمل حسن ينفي ما في ظاهر اللفظ مما لا يخفى.
(فقام أسيد بن الحضير) بضم الهمزة من أسيد والحاء المهملة من الحضير مصغرين ولأبي ذر:
ابن حضير زاد في التفسير وهو ابن عمّ سعد بن معاذ أي من رهطه (فقال) لابن عبادة: (كذبت لعمر الله والله لنقتلنّه) أي ولو كان من الخزرج إذا أمرنا رسول الله ﷺ بذلك وليست لكم قدرة على منعنا قابل قوله لابن معاذ كذبت لا تقتله بقوله كذبت لنقتلنّه (فإنك منافق) قال له ذلك مبالغة في زجره عن القول الذي قاله أي إنك تصنع صنيع المنافقين وفسّره بقوله: (تجادل عن المنافقين). قال المازري: لم يرد نفاق الكفر وإنما أراد أن يظهر الودّ للأوس ثم ظهر منه في هذه القضية ضدّ ذلك فأشبه حال المنافقين لأن حقيقته إظهار شيء وإخفاء غيره، وقال ابن أبي جمرة: وإنما صدر ذلك منهم لأجل قوة حال الحمية التي غطت على قلوبهم حين سمعوا ما قال ﷺ فلم يتمالك أحد منهم إلاّ قام في نصرته لأن الحال إذا ورد على القلب ملكه فلا يرى غير ما هو لسبيله، فلما غلبهم حال الحمية لم يراعوا الألفاظ فوقع منهم السباب والتشاجر لغيبتهم لشدة انزعاجهم في النصرة.
(فثار الحيّان الأوس والخزرج) بمثلثة والحيّان بمهملة فتحتية مشددة تثنية حيّ أي نهض بعضهم إلى بعض من الغضب (حتى هموا) زاد في المغازي والتفسير: أن يقتتلوا (ورسول الله ﷺ على المنبر فنزل فخفضهم حتى سكتوا وسكت) ﵊. (وبكيت يومي) بكسر الميم وتخفيف الياء (لا يرقأ) بالهمزة لا يسكن ولا ينقطع (لي دمع أكتحل بنوم) لأن الهم يوجب السهر وسيلان الدمع (فأصبح عندي أبواي) أبو بكر الصديق وأم رومان أي جاءا إلى المكان الذي هي فيه من بيتهما (قد) ولأبوي ذر والوقت: وقد (بكيت ليلتين) بالتثنية ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ليلتي بالإفراد
стр. 3249
(ويومًا) ولأبي الوقت عن الكشميهني ويومي بكسر الميم وتخفيف الياء ونسبتهما إلى نفسها لما وقع لها فيهما. وقال الحافظ ابن حجر في رواية الكشميهني: ليلتين ويومًا أي الليلة التي أخبرتها فيها أم مسطح الخبر واليوم الذي خطب فيه ﵊ الناس والتي تليه (حتى أظن أن البكاء فالق كبدي. قالت: فبينما هما) أي أبواها (جالسان عندي وأنا أبكي) جملة حالية (إذ استأذنت امرأة من الأنصار) لم تسم (فأذنت لها فجلست تبكي معي) تفجّعًا لما نزل بعائشة وتحزّنًا عليها (فبينا) بغير ميم (نحن كذلك إذ دخل رسول الله ﷺ ¬) ولأبي أسامة عن هشام في التفسير فأصبح أبواي عندي فلم يزالا حتى دخل عليّ رسول الله ﷺ وقد صلّى العصر ثم دخل وقد اكتنفني أبواي عن يميني وشمالي (فجلس) ﵊ (ولم يجلس عندي من يوم قيل فيّ) بتشديد الياء ولأبي ذر يوم بالتنوين ولأبوي ذر والوقت لي (ما قيل قبلها وقد مكث شهرًاً لا يوحى إليه في شأني) أمري وحالي (شيء) ليعلم المتكلم من غيره ولأبوي ذر والوقت عن الكشميهني بشيء.
(قالت) عائشة: (فتشهد) ﵊ وفي رواية هشام بن عروة فحمد الله وأثنى عليه (ثم قال): (يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا) كناية عمّا رميت به من الإفك (فإن كنت بريئة فسيبرئك الله) بوحي ينزله (وإن كنت ألممت) زاد في رواية أبوي ذر والوقت عن الكشميهني بذنب أي وقع منك على خلاف العادة (فاستنغري الله وتوبي إليه) وفي رواية أبي أويس عند الطبراني: "إنما أنت من بنات آدم إن كنت أخطأت فتوبي" (فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب) أي منه إلى الله (تاب الله عليه) (فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته قلص دمعي) بفتح القاف واللام آخره صاد مهملة أي انقطع لأن الحزن والغضب إذا أخذا حدّهما فقد الدمع لفرط حرارة المصيبة (حتى ما أحس) بضم الهمزة وكسر المهملة أي ما أجد (منه قطرة وقلت لأبي: أجب عني رسول الله ﷺ . قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ . فقلت لأمي: أجيبي عنّي رسول الله ﷺ فيما قال. قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ . قالت) عائشة (وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرًا في القرآن فقلت: إني والله لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدّث به الناس ووقر في أنفسكم وصدقتم به ولئن قلت لكم إنّي بريئة والله يعلم إنّي بريئة) بكسر إني (لا تصدقوني) ولأبي ذر لا تصدقونني (بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني بريئة لتصدقني) بضم القاف وإدغام إحدى النونين في الأخرى (والله ما أجد لي ولكم مثلاً إلا أبا يوسف) يعقوب ﵉ (إذ) أي حين (قال: ﴿فصبر جميل﴾) أي فأمري صبر جميل لا جزع فيه على هذا الأمر وفي مرسل حبان بن أبي جبلة قال سئل رسول الله ﷺ عن قوله فصبر جميل فقال صبر لا شكوى فيه أي إلى الخلق قال صاحب المصابيح إنه رأى في بعض النسخ صبر بغير فاء مصححًا عليه كرواية ابن إسحاق في سيرته (﴿والله المستعان على ما تصفون﴾) [يوسف: ١٨] أي على ما تذكرون عني مما يعلم الله براءتي منه.
(ثم تحوّلت على فراشي) زاد ابن جرير في روايته ووليت وجهي نحو الجدار (وأنا أرجو أن يبرئني الله، ولكن) بتخفيف النون (والله ما ظننت أن ينزل) الله بضم أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه
стр. 3250
وحذف الفاعل للعلم به (في شأني وحيًا) زاد في رواية يونس يتلى (ولأنا أحقر في نفسي من أن يتكلم بالقرآن في أمري) بضم ياء يتكلم. وعند ابن إسحاق يقرأ في المساجد ويصلّى به، (ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرئني الله) بها، ولأبوي ذر والوقت: تبرئني بالمثناة الفوقية وحذف الفاعل (فوالله ما رام) أي ما فارق ﷺ (مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت) أي الذين كانوا إذ ذاك حضورًا (حتى أنزل عليه) زاده الله شرفًا لديه، ولأبي ذر عن الكشميهني حتى أنزل عليه الوحي (فأخده) ﵊ (ما كان يأخذ من البرحاء) بضم الموحدة وفتح الراء ثم مهملة ممدودًا العرق من شدة ثقل الوحي (حتى أنه ليتحدر) بتشديد الدال واللام للتأكيد أي ينزل ويقطر (منه مثل الجمان) بكسر الميم وسكون المثلثة مرفوعًا والجمان بضم الجيم وتخفيف الميم أي مثل اللؤلؤ (من العرق في يوم شاتٍ، فلما سري) بضم المهملة وتشديد الراء المكسورة أي كشف (عن رسول الله ﷺ وهو يضحك) سرورًا (فكان أول كلمة تكلم بها) بنصب أول (أن قال لي): (يا عائشة احمدي الله) وعند الترمذي البشرى يا عائشة احمدي الله (فقد برأك الله) أي مما نسبه أهل الإفك إليك بما أنزل من القرآن: (فقالت) ولأبي ذر: قالت (لي أمي قومي إلى رسول الله ﷺ ¬) لأجل ما بشّرك به (فقلت: لا والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله) الذي أنزل براءتي وأنعم عليّ بما لم أكن أتوقعه من أن يتكلم الله فيّ بقرآن يُتلى وقالت ذلك إدلالاً عليهم وعتبًا لكونهم شكّوا في حالها مع علمهم بحسن طرائقها وجميل أحوالها وارتفاعها عما نسب إليها مما لا حجة فيه ولا شبهة، (فأنزل الله تعالى ﴿إن الذين جاءوا بالأفك﴾) بأبلغ ما يكون من الكذب (﴿عصبة منكم﴾) [النور: ١١] جماعة من العشرة إلى الأربعين، والمراد عبد الله بن أبي وزيد بن رفاعة، وحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم (الأيات) في براءتها وتعظيم شأنها وتهويل الوعيد لمن تكلم فيها والثناء على من ظن فيها خيرًا.
(فلما أنزل الله) (هذا في براءتي) وطابت النفوس المؤمنة وتاب إلى الله تعالى من كان تكلم من المؤمنين في ذلك وأقيم الحدّ على من أقيم عليه (قال أبو بكر الصديق ﵁، وكان ينفق على مسطح بن أثاثة) بكسر الميم وسكون المهملة وأثاثة بضم الهمزة ومثلثتين بينهما ألف (لقرابته) أي لأجل قرابته (منه) وكان ابن خالة الصديق وكان مسكينًا لا مال له: (والله لا أنفق على مسطح شيئًا) ولأبي ذر عن الكشميهني: بشيء (أبدًا بعد ما قال لعائشة) أي عنها من الإفك (فأنزل الله تعالى) يعطف الصديق عليه: (﴿ولا يأتل﴾) أي لا يحلف (﴿أولو الفضل منكم﴾) أي من الطول والإحسان والصدقة (﴿والسعة﴾) في المال (إلى قوله: ﴿غفور رحيم﴾) [النور: ٢٢] ولأبوي ذر والوقت ﴿والسعة أن يؤتوا﴾ إلى قوله: ﴿غفور رحيم﴾ أي فإن الجزاء من جنس العمل فكما تغفر لك وكما تصفح يصفح عنك. (فقال أبو بكر الصديق) عند ذلك: (بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي فرجع) بتخفيف الجيم (إلى مسطح الذي كان يُجري عليه) من النفقة، ويجري بضم أوله.
(وكان رسول الله ﷺ يسأل) ولأبي ذر وأبي الوقت سأل بلفظ الماضي (زينب بنت جحش) أم
стр. 3251
المؤمنين (عن أمري فقال): (يا زينب ما علمت) على عائشة (ما رأيت) منها؟ (فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي) من أن أقول سمعت ولم أسمع (وبصري) من أن أقول أبصرت ولم أبصر (والله ما علمت عليها إلاّ خيرًا. قالت) أي عائشة (وهي) أي زينب (التي كانت تساميني) بضم التاء بالسين المهملة أي تضاهيني وتفاخرني بجمالها ومكانتها عند النبي ﷺ مفاعلة من السموّ وهو الارتفاع (فعصمها الله) أي حفظها الله ومنعها (بالورع) أي بالمحافظة على دينها أن تقول بقول أهل الإفك.
(قال) أبو الربيع سليمان بن داود شيخ المؤلّف: (وحدّثنا فليح) هو ابن سليمان المذكور (عن هشام بن عروة) بن الزبير (عن) أبيه (عروة عن عائشة) ﵂ (وعبد الله بن الزبير مثله) أي مثل حديث فليح عن الزهري عن عروة. (نال) أي أبو الربيع أيضًا (وحدّثنا فليح) المذكور (عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن) شيخ مالك الإمام (ويحيى بن سعيد) الأنصاري (عن القاسم بن محمد بن أبي بكر) الصديق (مثله): والحاصل أن فليحًا روى الحديث عن هؤلاء الأربعة.
(لطيفة).
قال الصلاح الصفدي: رأيت بخط ابن خلكان أن مسلمًا ناظر نصرانيًّا فقال له النصراني في خلال كلامه محتقنًا في خطابه بقبيح آثامه: يا مسلم كيف كان وجه زوجة نبيّكم عائشة في تخلّفها عن الركب عند نبيّكم معتذرة بضياع عقدها؟ فقال له المسلم: يا نصراني كان وجهها كوجه بنت عمران لما أتت بعيسى تحمله من غير زوج فمهما اعتقدت في دينك من براءة مريم أعتقدنا مثله في ديننا من براءة زوج نبيّنا، فانقطع النصراني ولم يحِرْ جوابًا.
وقد أخرج المؤلّف الحديث في المغازي والتفسير والأيمان والنذور والجهاد والتوحيد والشهادات أيضًا ومسلم في التوبة والنسائي في عشرة النساء والتفسير وبقية ما فيه من المباحث والفوائد تأتي إن شاء الله تعالى والله الموفق والمعين.
١٦ - باب إِذَا زَكَّى رَجُلٌ رَجُلاً كَفَاهُ
وَقَالَ أَبُو جَمِيلَةَ: وَجَدْتُ مَنْبُوذًا فَلَمَّا رَآنِي عُمَرُ قَالَ: عَسَى الْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا، كَأَنَّهُ يَتَّهِمُنِي. قَالَ عَرِيفِي: إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ. قَالَ: كَذَاكَ، اذْهَبْ وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ.
هذا (باب) بالتنوين (إذا زكّى رجل) واحد (رجلاً كفاه) فلا يحتاج إلى آخر معه والذي ذهب إليه الشافعية والمالكية وهو قول محمد بن الحسن اشتراط اثنين. (وقال أبو جميلة) بفتح الجيم وكسر الميم واسمه سنين بضم السين المهملة وفتح النون الأولى مصغرًا فيما رواه البخاري (وجدت منبوذًا) بالذال المعجمة أي لقيطًا ولم يسم (فلما رآني عمر) بن الخطاب ﵁ (قال: عسى الغوير) بضم الغين المعجمة تصغير غار (أبؤسًا) بفتح الهمزة وسكون الموحدة بعدها همزة مضمومة فسين
стр. 3252
مهملة جمع بؤس وانتصب على أنه خبر ليكون محذوفة أي: عسى الغوير أن يكون أبؤسًا وهو مثل مشهور يقال فيما ظاهره السلامة ويخشى منه العطب، وأصله كما قال الأصمعي: أن ناسًا دخلوا يبيتون في غار فانهار عليهم فقتلهم، وقيل أول من تكلم به الزبّاء بفتح الزاي وتشديد الموحدة ممدودًا لما عدل قصير بالأحمال عن الطريق المألوفة وأخذ على الغوير أبؤسًا أي عساه أن يأتي بالبأس والشر، وأراد عمر بالمثل لعلك زنيت بأمه وادّعيته لقيطًا قاله ابن الأثير، وقد سقط قوله قال عسى الغوير أبؤسًا لغير الأصيلي وأبي ذر عن الكشميهني (كأنه يتهمني) أي كان عمر يتّهم أبا جميلة. قال ابن بطال: أن يكون ولده أتى به ليفرض له في بيت المال (قال عريفي): القيّم بأمور القبيلة والجماعة من الناس يلي أمورهم ويعرّف الأمير أحوالهم واسمه سنان فيما ذكره الشيخ أبو حامد الإسفرايني في تعليقه (أنه رجل صالح قال) عمر لعريفه (كذاك) هو صالح مثل ما تقول؟ قال: نعم. فقال: (اذهب) به زاد مالك فهو حر ولك ولاؤه أي تربيته وحضانته (وعلينا نفقته) أي في بيت المال بدليل رواية البيهقي ونفقته في بيت المال.
وهذا موضع الترجمة فإن عمر اكتفى بقول العريف على ما يفهمه قوله كذاك، ولذا قال: اذهب وعلينا نفقته.
٢٦٦٢ - حَدَّثَنَي مُحَمَّدُ ابْنُ سَلَامٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "أَثْنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: وَيْلَكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ، قَطَعْتَ عُنَقَ صَاحِبِكَ (مِرَارًا). ثُمَّ قَالَ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ لا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ فُلَانًا. وَاللَّهُ حَسِيبُهُ. وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا. أَحْسِبُهُ كَذَا وَكَذَا. إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ".
[الحديث ٢٦٦٢ - طرفاه في: ٦٠٦١، ٦١٦٢].
وبه قال: (حدّثنا) ولأبوي ذر والوقت: حدّثني بالإفراد (ابن سلام) بتخفيف اللام ولأبي ذر محمد بن سلام قال: (أخبرنا) ولأبي ذر: حدّثنا (عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي البصري قال: (حدّثنا خالد الحذاء) بالمهملة والمعجمة ممدودًا ابن مهران البصري (عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه) أبي بكرة نفيع بن الحرث الثقفي أنه (قال: أثنى رجل على رجل) لم يسميا ويحتمل كما قال في المقدمة والفتح أن يسمى المثني بمحجن ابن الأذرع والمثنى عليه بعبد الله ذي البجادين كما سيأتي في الأدب إن شاء الله تعالى (عند النبي ﷺ فقال):
(ويلك) نصب بعامل مقدّر من غير لفظه (قطعت عنق صاحبك قطعت عنق صاحبك) مرتين وهو استعارة من قطع العنق الذي هو القتل لاشتراكهما في الهلاك قالها (مرارًا ثم قال) ﵊ (من كان منكم مادحًا أخاه لا محالة) بفتح الميم لا بدّ (فليقل أحسب) بكسر عين الفعل وفتحه أي أظن (فلانًا والله حسبه) أي كافيه فعيل بمعنى فاعل (ولا أزكّي على الله أحدًا) أي لا أقطع
стр. 3253
له على عاقبته ولا على ما في ضميره لأن ذلك مغيب عنّا (أحسبه) أي أظنه (كذا وكذا إن كان يعلم ذلك) أي يظنه (منه) فلا يقطع بتزكيته لأنه لا يطلع على باطنه إلاّ الله تعالى.
ووجه المطابقة أنه ﷺ اعتبر تزكي الرجل إذا اقتصد لأنه لم يعب عليه إلاّ الإسراف والتغالي في المدح.
وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في الأدب، ومسلم في آخر الكتاب، وأبو داود وابن ماجه في الأدب.
١٧ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الإِطْنَابِ فِي الْمَدْحِ، وَلْيَقُلْ مَا يَعْلَمُ
(باب ما يكره من الإطناب) بكسر الهمزة أي المبالغة (في المدح وليقل) أي المادح في الممدوح (ما يعلم) ولا يتجاوزه.
٢٦٦٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَبَّاحٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ حَدَّثَنَا بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: "سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلاً يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ وَيُطْرِيهِ فِي مَدْحِهِ فَقَالَ: أَهْلَكْتُمْ -أَوْ قَطَعْتُمْ- ظَهْرَ الرَّجُلِ".
[الحديث ٢٦٦٣ - طرفه في: ٦٠٦٠].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن الصباح) بالصاد والحاء المهملتين بينهما موحدة مشددة فألف البزار أبو جعفر البغدادي الثقة الحافظ قال: (حدّثنا إسماعيل بن زكريا) بن مرّة الخلقاني بضم الخاء المعجمة وسكون اللام بعدها قاف الكوفي الملقب بشقوصا بفتح الشين المعجمة وضم القاف المخففة وبالصاد المهملة قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (بريد بن عبد الله) بضم الموحدة وفتح الراء مصغرًا (عن) جدّه (أبي بردة) الحرث أو عامر أو اسمه كنيته (عن) أبيه (أبي موسى) عبد الله بن قيس (¬﵁¬) أنه (قال: سمع النبي ﷺ رجلاً يثني على رجل) لم يسميا أو هما محجن وذو البجادين السابقان في الباب السابق (ويطريه) بضم أوله من الإطراء أي يبالغ (في مدحه) ولأبوي ذر والوقت في المدح (فقال) ﵊:
(أهلكتم أو) قال (قطعتم ظهر الرجل) خاف عليه العجب والشك من الراوي، ولم يأتِ المؤلّف بما يدل لجزء الترجمة الأخير، ويحتمل أن يقال: إن الذي يطنب لا بدّ أن يقول ما لا يعلم أو أن حديثي أبي بكرة وأبي موسى متّحدان، وقد قال في حديث أبي بكرة: إن كان يعلم ذلك منه ولا كراهة في مدح الرجل الرجل في وجهه إنما المكروه الإطناب.
١٨ - باب بُلُوغِ الصِّبْيَانِ وَشَهَادَتِهِمْ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾. [النور: ٥٩]. وَقَالَ مُغِيرَة:
стр. 3254
احْتَلَمْتُ وَأَنَا ابْنُ ثِنْتَىْ عَشْرَةَ سَنَةً. وَبُلُوغُ النِّسَاءِ فِي الْحَيْضِ لِقَوْلِهِ : ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَاءِكُم -إِلَى قَوْلِهِ- أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ: أَدْرَكْتُ جَارَةً لَنَا جَدَّةً بِنْتَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَة.
(باب) حدّ (بلوغ الصبيان و) حكم (شهادتهم) هل هي معتبرة أم لا؟ (وقول الله تعالى) بالجر عطفًا على المجرور السابق ولأبي ذر: بدل قوله تعالى. (﴿وإذا بلغ الأطفال﴾) الذين إنما كانوا يستأذنون في العورات الثلاث (﴿منكم الحلم فليستأذنوا﴾) [النور: ٥٩] على كل حال يعني بالنسبة إلى أجانبهم وإلى الأحوال التي يكون الرجل مع أهله وإن لم يكن في الأحوال الثلاث قال الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير إذا كان الغلام رباعيًّا فإنه يستأذن في العورات الثلاث على أبويه فإذا بلغ الحلم فليستأذن على كل حال.
(وقال مغيرة) بن مقسم الضبي الفقيه الأعمى الكوفي: (احتلمت وأنا ابن اثنتي عشرة سنة) وقد قالوا إن عمرو بن العاص لم يكن بينه وبين ابنه عبد الله في السن سوى اثنتي عشرة سنة.
(وبلوغ النساء) بجر بلوغ عطفًا على قوله بلوغ الصبيان فهو من الترجمة والذي في الفرع مبتدأ وخبره قوله (في الحيض) ولأبوي ذر والوقت: إلى الحيض (لقوله : ﴿واللائي يئسن من المحيض﴾ [الطلاق: ٤] إلى قوله) ولأبوي ذر والوقت ﴿من نسائكم﴾ إلى قوله: ﴿أن يضعن حملهم﴾ [الطلاق: ٤] فعلق الحكم في العدة بالإقراء على حصول الحيض وأما قبله وبعده فبالأشهر فدلّ على أن وجود الحيض ينقل الحكم وقد أجمعوا على أن الحيض بلوغ في حق النساء قاله في الفتح.
(وقال الحسن بن صالح) الهمداني الكوفي العابد مما وصله الدينوري في المجالسة من طريق يحيى بن آدم عنه (أدركت جارة لنا جدّة) نصب بدلاً من جارة (بنت إحدى وعشرين) زاد أبو ذر في روايته عن الكشميهني سنة وبنت نصب صفة لجدة وزاد في المجالسة وأقل أوقات الحمل تسع سنين انتهى.
وقال الشافعي: أعجل ما سمعت من النساء يحضن نساء تهامة يحضن لتسع سنين، وقال أيضًا إنه رأى جدّة بنت إحدى وعشرين سنة وأنها حاضت لاستكمال تسع سنين ووضعت بنتًا لاستكمال عشر ووقع لبنتها مثل ذلك.
٢٦٦٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عُمَرَ ﵄:" أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَرَضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ وَهْوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي، ثُمَّ عَرَضَنِي يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ فَأَجَازَنِي" قَالَ نَافِعٌ: فَقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهْوَ خَلِيفَةٌ فَحَدَّثْتُهُ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَحَدٌّ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَفْرِضُوا لِمَنْ بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ.
[الحديث ٢٦٦٤ - طرفه في: ٤٠٩٧].
стр. 3255
وبه قال: (حدّثنا عبيد الله) بضم العين مصغرًا (ابن سعيد) بكسر العين أبو قدامة السرخسي وجزم البيهقي في الخلافيات بأنه عبيد بن إسماعيل بالتصغير أيضًا من غير إضافة وهو الهباري القرشي الكوفي أحد مشايخ البخاري قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (قال: حدّثني) بالإفراد (عبيد الله) بضم العين مصغرًا ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب (قال: حدّثني) بالإفراد (نافع) مول ابن عمر (قال: حدّثني) بالإفراد (ابن عمر) عبد الله (﵄) (أن رسول الله ﷺ عرضه يوم أُحُد) في شوّال سنة ثلاث (وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني) بضم أوله من الإجازة. وقال الكرماني: فلم يثبتني في ديوان المقاتلين ولم يقدر لي رزقًا مثل أرزاق الأجناد وكان مقتضى السياق أن يقول عرضه فلم يجزه بدل قوله فلم يجزني وأن يقول ثم عرضه بدل قوله عرضني كالأولى، لكنه على طريق الالتفات أو التجريد وقد وقع في رواية يحيى القطان عن عبيد الله بن عمر في المغازي فلم يجزه، ولمسلم عن ابن نمير عن أبيه عن عبد الله عرضني رسول الله ﷺ يوم أُحُد في القتال فلم يجزني، وله أيضًا من رواية إدريس وغيره عن عبد الله فاستصغرني (ثم عرضني يوم الخندق) سنة خمس، وجنح المؤلّف إلى قول موسى بن عقبة أن الخندق في شوّال سنة أربع، والمرجح قول ابن إسحاق وأكثر أهل السير: إن الخندق سنة خمس كما سيأتي إن شاء الله تعالى (وأنا ابن خمس عشرة) زاد أبو الوقت وأبو ذر عن الحموي: سنة، واستشكل هذا على قول ابن إسحاق إذ مقتضاه أن يكون سنّ ابن عمر في الخندق ست عشرة سنة. وأجاب البيهقي: بأنه كان في أُحُد دخل في أربع عشرة سنة وفي الخندق تجاوزها فألغى الكسر في الأولى وجبره في الثانية (فأجازني) استدلّ بذلك على أن من استكمل خمس عشرة سنة قمرية تحديدية ابتداؤها من انفصال جميع الولد يكون بالغًا بالسن فتجري عليه أحكام البالغين وإن لم يحتلم فيكلف بالعبادات وإقامة الحدود ويستحق سهم الغنيمة وغير ذلك من الأحكام، وقال المالكية: ببلوغه ثمان عشرة وبه قال أبو حنيفة لقوله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده﴾ [الأنعام: ١٥٢] فسره ابن عباس بثمان عشرة سنة والجارية سبع عشرة لأن نشوء الإناث وبلوغهن أسرع فنقص عن ذلك سنة. وقال أبو يوسف ومحمد: بخمس عشر في الغلام والجارية وهي رواية عن أبي حنيفة. قال ابن فرشتاه: وعليه الفتوى لأن العادة جارية على أن البلوغ لا يتأخر عن هذه المدة. وأجاب بعض المالكية عن قصة ابن عمر بأنها واقعة عين لا عموم لها، فيحتمل أن يكون صادف أنه كان عند ذلك السنّ قد احتلم فأجازه، وقال آخر: الإجازة المذكورة حكم منوط بإطاقة القتال والقدرة عليه فإجازته ﵊ ابن عمر في الخمس عشرة لأنه رآه مطيقًا للقتال في هذا السن ولما عرضه وهو ابن أربع عشرة لم يره مطيقًا للقتال فرده قال: فليس فيه دليل على أنه رأى عدم البلوغ في الأول ورآه في الثاني انتهى.
وهذا مردود بما أخرجه أبو عوانة وابن حبّان في صحيحيهما وعبد الرزاق من وجه آخر من ابن جريج أخبرني نافع بلفظ: عرضت على النبي ﷺ يوم أُحُد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني ولم
стр. 3256
يرني بلغت، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني ورآني بلغت. قال الحافظ ابن حجر: وهذه زيادة صحيحة لا مطعن فيها لجلالة ابن جريج وتقدمه على غيره في حديث نافع، وقد صرّح بالتحديث فانتفى ما يخشى من تدليسه وقد نص ابن عمر بقوله ولم يرني بلغت وابن عمر أعلم بما روى من غيره لا سيما في قصة تتعلق به.
(قال نافع) مولى ابن عمر بالإسناد السابق: (فقدمت على عمر بن عبد العزيز وهو خليفة فحدّثته هذا الحديث) الذي حدّثه به ابن عمر (فقال: إن هذ) السن وهو خمس عشرة سنة (لحدّ بين الصغير والكبير، وكتب إلى عماله أن يفرضوا) أي يقدّروا (لمن بلغ خمس عشرة) سنة رزقًا في ديوان الجند.
وهذا الحديث أخرجه ابن ماجة في الحدود.
٢٦٦٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ».
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (صفوان بن سليم) بضم السين المهملة وفتح اللام المدني الزهري مولاهم (عن عطاء بن يسار) بالمثناة التحتية والمهملة المخففة أبي محمد الهلالي المدني مولى ميمونة (عن أبي سعيد الخدري ﵁ يبلغ به النبي ﷺ قال): (غسل يوم الجمعة) لصلاتها (واجب) أي كالواجب (على كل محتلم) أي بالغ وفيه الإشارة إلى أن البلوغ يحصل بالإنزال فيستفاد مقصود الترجمة بالقياس على سائر الأحكام من جهة تعلق الوجوب بالاحتلام.
وقد تقدم هذا الحديث مع شرحه في كتاب الجمعة.
١٩ - باب سُؤَالِ الْحَاكِمِ الْمُدَّعِيَ: هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ؟ قَبْلَ الْيَمِينِ
(باب سؤال الحاكم المدّعي) بكسر العين وسكون التحتية وفي اليونينية بفتحها (هل لك بينة) تشهد بما تدّعي (قبل) عرض (اليمين) على المدّعى عليه والمدّعي هو من يخالف قوله الظاهر والمدّعى عليه من يوافقه، ولذلك جعلت البيّنة على المدّعي لأنها أقوى من اليمين التي جعلت على المنكر لينجبر ضعف جانب المدّعي بقوة حجته وضعف حجة المنكر بقوّة جانبه، وقيل: المدّعي من لو سكت خلي ولم يطالب بشيء والمدّعى عليه من لا يخلى ولا يكفيه السكوت فإذا طالب زيد عمرًا بحق فأنكر فزيد يخالف قوله الظاهر من براءة عمرو، ولو سكت ترك وعمرو يوافق قوله الظاهر ولو
стр. 3257
سكت لم يترك فهو مدّعى عليه وزيد مدّعٍ على القولين ولا يختلف موجبهما غالبًا، وقد يختلف مثل أن يقول الزوج وقد أسلم هو وزوجته قبل الوطء أسلمنا معًا فالنكاح باقٍ وقالت بل أسلمنا مرتبًا فالنكاح مرتفع، فالزوج على الأصح مدّعٍ لأن وقوع الإسلامين معًا خلاف الظاهر وهي مدّعى عليها، وعلى الثاني هي مدّعية لأنها لو سكتت تركت وهو مدّعى عليه لأنه لا يترك لو سكت لزعمها انفساخ النكاح، فعلى الأول تحلف الزوجة ويرتفع النكاح، وعلى الثاني يحلف الزوج ويستمر النكاح ولو قال لها: أسلمت قبلي فلا نكاح بيننا ولا مهر لك. وقالت: بل أسلمنا معًا صدق في الفرقة بلا يمين وفي المهر بيمينه على الأصح لأن الظاهر معه وصدقت بيمينها على الثاني لأنها لا تترك بالسكوت لأن الزوج يزعم سقوط المهر، فإذا سكتت ولا بيّنة جعلت ناكلة وحلف هو سقط المهر والأمين في دعوى الرد مدّعٍ لأنه يزعم الردّ الذي هو خلاف الظاهر لكنه يصدق بيمينه لأنه أثبت يده لغرض المالك وقد ائتمنه فلا يحسن تكليفه ببيّنة الردّ، وأما على القول الثاني فهو مدّعى عليه لأن المالك هو الذي لو سكت ترك وفي التحالف كلٌّ من الخصمين مدَّعٍ ومدّعى عليه لاستوائهما.
٢٦٦٦، ٢٦٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ -وَهْوَ فِيهَا فَاجِرٌ- لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ. قَالَ: فَقَالَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ: فِيَّ وَاللَّهِ كَانَ ذَلِكَ، كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ أَرْضٌ فَجَحَدَنِي فَقَدَّمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَقَالَ لِلْيَهُودِيِّ: احْلِفْ. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذًا يَحْلِفَ وَيَذْهَبَ بِمَالِي. قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ [آل عمران: ٧٧] إِلَى آخِرِ الآيَةِ".
وبه قال: (حدّثنا محمد) قال في مقدمة الفتح: جزم ابن السكن بأنه محمد بن سلام ونسبه الأصيلي في بعضها كذلك، وقد صرّح البخاري بالرواية عن محمد بن سلام بن أبي معاوية في النكاح وغيره قال: (أخبرنا أبو معاوية) محمد بن خازم بمعجمتين الضرير الكوفي (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن شقيق) أبي وائل (عن عبد الله) بن مسعود (﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(من حلف على) محلوف (يمين) سماه يمينًا مجازًا للملابسة بينهما، والمراد ما شأنه أن يكون محلوفًا عليه وإلاّ فهو قبل اليمين ليس محلوفًا عليه فيكون من مجاز الاستعارة (وهو فيها فاجر) كاذب والواو للحال (ليقتطع بها) باليمين (مال امرئ مسلم) أو ذمي أو معاهد بأن يأخذه بغير حق بل بمجرّد يمينه المحكوم بها في ظاهر الشرع والتقييد بالمسلم جرى على الغالب. وفي مسلم من حديث إياس بن ثعلبة الحارثي: "من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار". قالوا: وإن كان شيئًا يسيرًا؟ قال: "وإن كان قضيبًا من أراك" ففيه أنه لا فرق بين المال وغيره (لقي
стр. 3258
الله وهو عليه غضبان) اسم فاعل من غضب يقال رجل غضبان وامرأة غضبى والغضب من المخلوقين شيء يداخل قلوبهم، وأما غضب الخالق تعالى فهو إنكاره على من عصاه وسخطه عليه ومعاقبته له قاله في النهاية. والحاصل: أن الصفات التي لا يليق وصفه تعالى بها على الحقيقة تؤوّل بما يليق به تعالى فتحمل على آثارها ولوازمها كحمل الغضب على العذاب، والرحمة على الإحسان فيكون ذلك من صفات الأفعال أو يحمل عن أن المراد بالغضب مثلاً إرادة الانتقام وبالرحمة إرادة الإنعام والإفضال فيكون من صفات الذات.
(قال) أي ابن مسعود (فقال الأشعث بن قيس) الكندي (فيّ والله كان ذلك. كان بيني) ولأبوي الوقت وذر عن الحموي والكشميهني: كان ذلك بيني (وبين رجل من اليهود) اسمه الجفشيش بجيم مفتوحة ففاء ساكنة فشينين معجمتين بينهما تحتية ساكنة وسقط لأبي ذر: من اليهود (أرض) زاد مسلم باليمين (فجحد لي فقدمته إلى النبي ﷺ ¬) فقال لي رسول الله ﷺ ¬) (ألك بينة) تشهد لك باستحقاقك ما ادّعيته (قال) الأشعث: (قلت لا) بيّنة لي (قال فقال) ﵊ (لليهودي) (احلف) ولأبي ذر عن المستملي قال احلف (قال) الأشعث (قلت يا رسول الله إذًا يحلف) بالنصب بإذا (ويذهب بمالي) بنصب يذهب عطفًا على سابقه وفي الفرع كأصله يحلف ويذهب برفعهما أيضًا على لغة من لا ينصب بإذا ولو وجدت شرائط عملها التي هي التصدّر والاستقبال وعدم الفصل كما حكاه سيبويه. (قال فأنزل الله تعالى) ولأبي ذر (﴿إن الذين يشترون بعهد الله وإيمانهم ثمنًا قليلاًْ﴾) [آل عمران: ٧٧] (إلى آخر الأية) من سورة آل عمران.
فإن قلت: كيف يطابق نزول هذه الآية قوله إذًا يحلف ويذهب بمالي؟ أجيب: باحتمال كأنه قيل للأشعث ليس لك عليه إلا الحلف فإن كذب فعليه وباله وفيه دليل على أن الكافر يحلف في الخصومات كما يحلف المسلم.
وهذا الحديث سبق في الخصومات.
٢٠ - باب الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الأَمْوَالِ وَالْحُدُودِ
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ» وَقَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ كَلَّمَنِي أَبُو الزِّنَادِ فِي شَهَادَةِ الشَّاهِدِ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي، فَقُلْتُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]. قُلْتُ: إِذَا كَانَ يُكْتَفَى بِشَهَادَةِ شَاهِدٍ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي فَمَا تَحْتَاجُ أَنْ تُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى، مَا كَانَ يَصْنَعُ بِذِكْرِ هَذِهِ الأُخْرَى؟.
هذا (باب) بالتنوين (اليمين على المدّعي عليه) دون المدّعي (في الأموال والحدود). وقال الكوفيون: تختص اليمين بالمدّعى عليه في الأموال دون الحدود. (وقال النبي ﷺ ¬) فيما وصله قريبًا
стр. 3259
(شاهداك أو يمينه) برفع شاهداك خبر مبتدأ محذوف أي المثبت لدعواك أو الحجة لك شاهداك أو مبتدأ خبره محذوف أي شاهداك هما المطلوبان في دعواك أو شاهداك هما المثبتان لدعواك ويمينه عطف عليه.
(قال قتيبة) أي ابن سعيد، وفي بعض النسخ كما نقل عن الشيخ قطب الدين الحلبي حدّثنا قتيبة قال: (حدّثنا سفيان) هو ابن عيينة (عن ابن شبرمة) بضم المعجمة والراء بينهما موحدة ساكنة هو عبد الله بن شبرمة بن الطفيل بن حسان الضبي قاضي الكوفة المتوفى سنة أربع وأربعين ومائة أنه قال: (كلمني أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان قاضي المدينة (في) القول بجواز (شهادة الشاهد ويمين المدّعي) وكان مذهب أبي الزناد القضاء بذلك كأهل بلده لأنه ﵊ قضى بشاهد ويمين. رواه مسلم من حديث ابن عباس، وأصحاب السنن من حديث أبي هريرة، والترمذي وابن ماجه وصحّحه ابن خزيمة وأبو عوانة من حديث جابر ومذهب ابن شبرمة خلافه كأهل بلده فلا يعمل بالشاهد واليمين وهو مذهب الحنفية. قال ابن شبرمة: (فقلت) أي لأبي الزناد محتجًّا عليه (قال الله تعالى: ﴿واستشهدوا﴾) على حقكم (﴿شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء﴾) العدول (﴿إن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾) [البقرة: ٢٨٢] الشهادة. قال ابن شبرمة (قلت: إذا كان يكتفى) بضم أوله وفتح الفاء (بشهادة شاهد ويمين المدّعي) وجواب الشرط (فما يحتاح أن تذكر إحداهما الأخرى) وما نافية في قوله: فما يحتاج واستفهامية في قوله (ما كان يصنع بذكر) بموحدة ومعجمة مكسورتين وسكون الكاف وفي نسخة تذكر بفوقية ومعجمة مفتوحتين وضم الكاف مشددة (هذه الأخرى) وفي نسخة تذكر بضم الفوقية وسكون المعجمة وكسر الكاف والمعنى إذا جاز أن يكتفى بالشاهد واليمين فلا احتياج إلى تذكير إحداهما الأخرى إذ اليمين تقوم مقامهما فما فائدة ذكر التذكير في القرآن؟
وأجيب: بأنه لا يلزم من التنصيص على الشيء نفيه عما عداه وغاية ما في ذلك عدم التعرّض له لا التعرّض لعدمه، والحديث قد تضمن زيادة مستقلة على ما في القرآن بحكم مستقل، وقد أجاب إمامنا الشافعي عن الآية كما في المعرفة: بأن اليمين مع الشاهد لا تخالف من ظاهر القرآن شيئًا لأنّا نحكم بشاهدين وشاهد وامرأتين ولا يمين، فإذا كان شاهد حكمنا بشاهدين ويمين بالسُّنّة وليس هذا مما يخالف ظاهر القرآن لم يحرم أن يجوز أقل مما نص عليه في كتابه ورسول الله ﷺ أعلم بما أراد الله ، وقد أمرنا الله تعالى أن نأخذ ما أتانا به وننتهي عما نهانا عنه، ونسأل الله العصمة والتوفيق انتهى.
٢٦٦٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: "كَتَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ إليّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِالْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْه".
стр. 3260
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا نافع بن عمر) بن عبد الله بن جميل الجمحي القرشي المكي المتوفى سنة تسع وستين ومائة (عن ابن أبي مليكة) هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي مليكة بضم الميم وفتح اللام مصغرًا أنه (قال: كتب ابن عباس ﵄) أي بعد أن كتبت إليه أسأله عن قصة المرأتين اللتين ادّعت إحداهما على الأخرى أنها جرحتها كما في تفسير سورة آل عمران وزاد أبو ذر: إليّ (أن النبي ﷺ قضى باليمين على المدّعي عليه).
وعند البيهقي من طريق عبد الله بن إدريس عن ابن جريج وعثمان بن الأسود عن ابن أبي مليكة بلفظ: كنت قاضيًا لابن الزبير على الطائف وذكر قصة المرأتين فكتبت إلى ابن عباس فكتب إليّ: أن رسول الله ﷺ قال: "لو يعطى الناس بدعواهم لادّعى رجال أموال قوم ودماءهم ولكن البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر" وإسناده حسن وإنما كانت البيّنة على المدّعي لأن حجته قوية لانتفاء التهمة وجانبه ضعيف لأنه خلاف الظاهر فكلّف الحجة القوية وهي البيّنة ليقوى بها ضعفه وعكسه المدّعى عليه فاكتفى بالحجة الضعيفة وهي اليمين. نعم قد تجعل اليمين في جانب المدّعي في مواضع مستثناة كأيمان القسامة لحديث الصحيحين المخصص لحديث الباب وفي البيهقي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أن رسول الله ﷺ قال: "البيّنة على من ادّعى واليمين على من أنكر إلا في القسامة ودعوى بالقيمة في المتلفات".
وفي هذا الحديث دلالة لمذهب الشافعي والجمهور أن اليمين متوجهة على المدّعى عليه سواء كان بينه وبين المدّعي اختلاط أم لا؟ وقال مالك وأصحابه: إن اليمين لا تتوجه إلا على من بينه وبينه خلطة لئلا يبتذل السفهاء أهل الفضل بتحليفهم مرارًا في اليوم الواحد فاشترطت الخلطة لهذه المفسدة.
وهذا الحديث قد سبق في الرهن ويأتي إن شاء الله تعالى في تفسير سورة آل عمران.
هذا (باب) بالتنوين من غير ترجمة وهو ساقط عند أبوي ذر والوقت.
٢٦٦٩ و ٢٦٧٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالاً لَقِيَ اللَّهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ -إِلَى- عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]. ثُمَّ إِنَّ الأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ خَرَجَ إِلَيْنَا فَقَالَ: مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ فَحَدَّثْنَاهُ بِمَا قَالَ، فَقَالَ: صَدَقَ، لَفِيَّ أُنْزِلَتْ، كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِي شَىْءٍ، فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ. فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُ إِذن يَحْلِفُ وَلَا يُبَالِي: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالاً -وَهْوَ فِيهَا فَاجِرٌ- لَقِيَ اللَّهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ. ثُمَّ اقْتَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ".
следующие страницы →