Полный текст (8 298 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.
стр. 3326
وأبو نعيم في مستخرجه كما في المقدمة (وعبد الرحمن) بن مهدي (نهي) بضم النون وكسر الهاء مبنيًّا للمفعول: (وقال آدم) بن أبي إياس عن شعبة (نهينا) بضم النون وكسر الهاء مع ضمير الجمع، (وقال النضر) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة ابن شميل (وحجاج بن منهال) بكسر الميم وسكون النون (نهي) بفتح النون والهاء مبنيًّا للمعلوم من الماضي المفرد ولم يعينا الفاعل وبعد هاء نهي ياء وفي رواية أبي ذر كما في الفرع نها بألف بدل الياء. قال الحافظ ابن حجر في المقدمة ورواية آدم وعبد الرحمن والنضر لم أقف عليها أي موصولة ورواية حجاج وصلها البيهقي وقال في الفتح: رواية آدم رويناها في نسخته وأما رواية النضر فوصلها إسحاق بن راهويه في مسنده عنه.
١٢ - باب الشُّرُوطِ مَعَ النَّاسِ بِالْقَوْلِ
(باب الشروط مع الناس بالقول) أي دون الإشهاد والكتابة.
٢٧٢٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامٌ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ -يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، وَغَيْرُهُمَا قَدْ سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ- قَالَ: إِنَّا لَعِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: حَدَّثَنِي أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ قَالَ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مُوسَى رَسُولُ اللَّهِ … فَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾: كَانَتِ الأُولَى نِسْيَانًا، وَالْوُسْطَى شَرْطًا، وَالثَّالِثَةُ عَمْدًا. ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾، ﴿لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ﴾، ﴿فَانْطَلَقنا … فَوَجَدَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾. قَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ "أَمَامَهُمْ مَلِكٌ".
وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن موسى) بن يزيد الفراء أبو إسحاق الرازي قال: (أخبرنا هشام) هو ابن يوسف أبو عبد الرحمن الصنعاني قاضيها (أن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (أخبره) ولأبي ذر أخبرهم بميم الجمع (قال: أخبرني) بالإفراد (يعلى بن مسلم) على وزن يرضى ابن هرمز (وعمرو بن دينار) بفتح العين وسكون الميم (عن سعيد بن جبير) الكوفي (يزبد أحدهما على صاحبه وغيرهما) بالرفع عطفًا على فاعل أخبرني (قد سمعته) الضمير المرفوع لابن جريج والمنصوب للغير (يحدّثه عن سعيد بن جبير) أنه (قال: إنّا لعند ابن عباس) بفتح اللام للتأكيد (﵄ قال: حدّثني) بالإفراد (أُبيّ بن كعب) ﵁ (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(موسى رسول الله) مبتدأ وخبر أي صاحب الخضر هو موسى بن عمران كليم الله ورسوله لا موسى آخر كما يزعم نوف البكالي (فذكر الحديث) في قصة موسى والخضر. (قال) أي الخضر لموسى (﴿ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرًا﴾ كانت) المسألة (الأولى) من موسى (نسيانًا) بالنصب خبر كان (و) المسألة (الوسطى) شرطًا يعني كانت بالشرط بالقول (و) المسألة (الثالثة عمدًا) وأشار إلى
стр. 3327
الأولى بقوله: (﴿قال لا تؤاخدني بما نسيت﴾) أي بالذي نسيته أو بنسياني أو بشيء نسيته يعني وصيته بأن لا يعترض عليه وهو اعتذار بالنسيان أخرجه في معرض النهي عن المؤاخذة مع قيام المانع لها قاله البيضاوي. وقال السمرقندي، قال ابن عباس: هذا من معاريض الكلام لأن موسى لم ينس، ولكن قال: لا تؤاخذني بما نسيت إذا كان مني نسيان فلا تؤاخذني به (﴿ولا ترهقني من أمري عسرًا﴾) لا تكلفني من أمري شدة وأشار إلى الوسطى التي كانت بالشرط بقوله: (﴿لقيا غلامًا فقتله﴾) إلى الثالثة بقوله (فانطلقنا ﴿فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقض﴾) أي تدانى إلى أن يسقط فاستعيرت الإرادة للمشارقة (﴿فأقامه﴾) بعمارته أو بعمود عمد به وقيل مسحه بيده فقام (قرأها ابن عباس) أي وراءهم من قوله تعالى: (﴿أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم﴾ (أمامهم ملك).
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله والوسطى شرطًا لأن المراد به قوله إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني والتزم موسى بذلك ولم يكتبا ذلك ولم يشهدا أحدًا وفيه دلالة على العمل بمقتضى ما دلّ عليه الشرط فإن الخضر قال لموسى لما أخلف الشرط هذا فراق بيني وبينك ولم ينكر عليه موسى ﷺ .
وهذا الحديث أخرجه المؤلّف في مواضع كثيرة تزيد على العشرة مطوّلاً ومختصرًا.
١٣ - باب الشُّرُوطِ فِي الْوَلَاءِ
(باب الشروط في الولاء).
٢٧٢٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ، فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ، فَأَعِينِينِي. فَقَالَتْ: إِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ. فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا فَقَالَتْ لَهُمْ، فَأَبَوْا عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ -وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ- فَقَالَتْ: إِنِّي عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَأَبَوْا إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ. فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ. ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهْوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ".
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) ابن أبي أويس الأصبحي ابن أُخت إمام الأئمة مالك بن أنس قال: (حدّثنا مالك) هو خالد الإمام الأعظم (عن هشام بن عروة) وسقط لأبي ذر بن عروة (عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوّام (عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: جاءتني بريرة فقالت:
стр. 3328
كاتبت أهلي) موالي (على تسع أواق) بالتنوين من غير ياء (في كل عام أوقية فأعينيني) وفي كتاب المكاتبة مما ذكره معلقًا، ووصله الذهلي في الزهريات عن الليث عن يونس عن ابن شهاب قال عروة قالت عائشة: إن بريرة دخلت عليها تستعينها في كتابتها وعليها خمسة أواق نجمت عليها في خمس سنين، لكن المشهور ما في رواية هشام بن عروة تسع أواق، وجزم الإسماعيلي بأن الرواية المعلقة غلط لكن جمع بينهما بأن الخمس هي التي كانت استحقت عليها بحلول نجومها من جملة التسع الأواقي المذكورة في حديث هشام ويشهد له أن في رواية عمرة عن عائشة في أبواب المساجد فقال: أهلها إن شئت أعطيت ما يبقى (فقالت) عائشة لبريرة (إن أحبوا) أهلك (أن أعدّها لهم) أي الأواقي التسع وهو يشكل على الجمع الذي ذكرته فليتأمل (ويكون) نصب عطفًا على المنصوب السابق (ولاؤك لي) بعد أن أعتقك وجواب الشرط (فعلت فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم) ما قالته عائشة (فأبوا عليها) أي فامتنعوا أن يكون الولاء لعائشة (فجاءت من عندهم) إلى عائشة (ورسول الله ﷺ جالس) عندها (فقالت: إني قد عرضت ذلك) بكسر الكاف (عليهم) تعني أهلها (فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم فسمع النبي ﷺ فأخبرت عائشة النبي ﷺ فقال):
(خذيها) اشتريها فأعتقيها (واشترطي لهم الولاء) أي عليهم فاللام بمعنى على كذا رويناه عن حرملة عن الشافعي، لكن ضعفه النووي بأنه ﵊ أنكر الاشتراط فلو كانت بمعنى على لم ينكره. قال وأقوى الأجوبة أن هذا الحكم خاص بعائشة في هذه القصة، وتعقبه ابن دقيق العيد بأن التخصيص لا يثبت إلا بدليل أو المراد التوبيخ لهم لأنه ﷺ قد بيّن لهم أن الشرط لا يصح فلما لجّوا في اشتراطه قال ذلك أي لا تبالي به سواء شرطيته أم لا. والحكمة في إذنه ثم إبطاله أن يكون أبلغ في قطع عادتهم وزجرهم عن مثله، وقد أشار الشافعي في الأم إلى تضعيف رواية هشام المصرّحة بالاشتراط لكونه انفرد بها دون أصحاب أبيه، لكن قال الطحاوي: حدّثني المزني به عن الشافعي بلفظ: وأشرطي لهم الولاء بهمزة قطع بغير مثناة فوقية ثم وجهها بأن المعنى أظهري لهم حكم الولاء ولا يلزم أن يكون ما نقله الطحاوي عن المزني مذكورًا في الأم (فإنما الولاء لمن أعتق) (ففعلت عائشة) الشراء والعتق (ثم قام رسول الله ﷺ في الناس) خطيبًا (فحمد الله وأثنى عليه ثم قال): (ما بال رجال) ما شأنهم (يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله) أي ليست في حكمه وقضائه (ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط) أو أكثر (قضاء الله أحق) أي الحق (وشرط الله) الذي شرطه وجعله شرعًا (أوثق) أي القوي وما سواه واهٍ فأفعل التفضيل فيهما ليس على بابه (وإنما الولاء لمن أعتق).
وهذا الحديث قد ذكره المؤلّف في مواضع كثيرة بوجوه مختلفة وطرق متباينة قال العيني وهذا هو الرابع عشر موضعًا.
стр. 3329
١٤ - باب إِذَا اشْتَرَطَ فِي الْمُزَارَعَةِ "إِذَا شِئْتُ أَخْرَجْتُكَ"
هذا (باب) بالتنوين (إذا اشترط) صاحب الأرض (في) عقد (المزارعة إذا شئت أخرجتك).
٢٧٣٠ - حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ الْكِنَانِيُّ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "لَمَّا فَدَعَ أَهْلُ خَيْبَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَامَلَ يَهُودَ خَيْبَرَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَقَالَ: نُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ، وَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ خَرَجَ إِلَى مَالِهِ هُنَاكَ فَعُدِيَ عَلَيْهِ مِنَ اللَّيْلِ فَفُدِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ، وَلَيْسَ لَنَا هُنَاكَ عَدُوٌّ غَيْرُهُمْ، هُمْ عَدُوُّنَا وَتُهَمَتُنَا، وَقَدْ رَأَيْتُ إِجْلَاءَهُمْ. فَلَمَّا أَجْمَعَ عُمَرُ عَلَى ذَلِكَ أَتَاهُ أَحَدُ بَنِي أَبِي الْحُقَيْقِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَتُخْرِجُنَا وَقَدْ أَقَرَّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ وَعَامَلَنَا عَلَى الأَمْوَالِ وَشَرَطَ ذَلِكَ لَنَا؟ فَقَالَ عُمَرُ: أَظَنَنْتَ أَنِّي نَسِيتُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : كَيْفَ بِكَ إِذَا أُخْرِجْتَ مِنْ خَيْبَرَ تَعْدُن بِكَ قَلُوصُكَ لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ. فَقَالَ: كَانَ ذَلِكَ هُزَيْلَةً مِنْ أَبِي الْقَاسِمِ. فَقَالَ: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ. فَأَجْلَاهُمْ عُمَرُ، وَأَعْطَاهُمْ قِيمَةَ مَا كَانَ لَهُمْ مِنَ الثَّمَرِ مَالاً وَإِبِلاً وَعُرُوضًا مِنْ أَقْتَابٍ وَحِبَالٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ".
رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ أَحْسِبُهُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، اخْتَصَرَهُ.
وبه قال: (حدّثنا أبو أحمد) غير مسمى ولا منسوب، ولأبي ذر وابن السكن عن الفربري أبو أحمد مرار بن حمويه بفتح الميم وتشديد الراء الأولى وأبوه بفتح الحاء المهملة وتشديد الميم الهمداني بفتح الميم والمعجمة النهاوندي وليس له كشيخه في البخاري سوى هذا الحديث، ويقال إنه محمد بن يوسف البيكندي، ويقال إنه محمد بن عبد الوهاب الفراء قال: (حدّثنا محمد بن يحيى) بن علي (أبو غسان) بفتح الغين المعجمة والسين المهملة المشددة (الكناني) قال (أخبرنا مالك) الإمام (عن نافع عن ابن عمر ﵄) أنه (قال: لما فدع) بالفاء والدال والعين المهملتين محركتين، وضبطه الكرماني كالصغاني بالغين المعجمة وتشديد الدال المهملة من الفدع وهو كسر الشيء المجوّف (أهل خيبر) بالرفع على الفاعلية ومفعوله (عبد الله بن عمر قام) أبوه (عمر) ﵁ (خطيبًا فقال: إن رسول الله ﷺ كان عامل يهود خيبر على أموالهم) أي التي كانت لهم قبل أن يفيئها الله على المسلمين (وقال) لهم:
(نقركم) بضم النون وكسر القاف فيها (ما أقركم الله) أي ما قدر الله أنا نترككم فإذا شئنا فأخرجناكم منها تبين أن الله قد أخرجكم (وأن عبد الله بن عمر خرج إلى ماله هنالك) بخفض ماله (فعُدِيَ عليه) بضم العين وكسر الدال المخففة أي ظلم على ماله (من الليل) وألقوه من فوق بيت (ففدعت) بضم الفاء الثانية وكسر الدال مبنيًّا للمفعول والنائب عن الفاعل قوله (يداه ورجلاه).
стр. 3330
قال في القاموس: الفدع محركة اعوجاج الرسغ من اليد والرجل حتى ينقلب الكف أو القدم إلى إنسيها أو هو المشي على ظهر القدم أو ارتفاع أخمص القدم حتى لو وطئ الأفدع عصفورًا ما آذاه، أو هو عوج في المفاصل كأنها قد زالت عن موضعها، وأكثر ما يكون في الأرساغ خلقة أو زيغ بين القدم وبين عظم الساق، ومنه حديث ابن عمر أن يهود خيبر دفعوه من بيت ففدعت قدمه.
(وليس لنا هناك عدوّ غيرهم هم عدونا وتهمتنا) بضم الفوقية وفتح الهاء، ولأبي ذر: وتهمتنا بسكون الهاء أي الذين نتهمهم (وقد رأيت إجلاءهم) بكسر الهمزة وسكون الجيم ممدودًا إخراجهم من أوطانهم (فلما أجمع عمر على ذلك) أي عزم عليه (أتاه أحد بني أبي الحقيق) بضم الحاء المهملة وفتح الأولى وسكون التحتية رؤساء اليهود (فقال: يا أمير المؤمنين أتخرجنا) بهمزة الاستفهام الإنكاري (وقد أقرّنا محمد ﷺ ¬) الواو في وقد للحال (وعاملنا على الأموال) بفتح الميم واللام من وعاملنا (وشرط ذلك) أي إقرارنا في أوطاننا (لنا؟ فقال) له (عمر: أظننت) بهمزة الاستفهام الإنكاري (أني نسيت قول رسول الله ﷺ . كيف بك إذا أخرجت) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول وتاء الخطاب (من خيبر تعدو) بعين مهملة أي تجري (بك قلوصك ليلة بعد ليلة) بفتح القاف وضم اللام والصاد المهملة بينهما واو ساكنة الناقة الصابرة على السير أو الأنثى أو الطويلة القوائم، وأشار ﷺ إلى إخراجهم من خيبر فهو من أعلام النبوّة (فقال) أحد بني أبي الحقيق: (كانت هذه) وللحموي والمستملي كان ذلك (هزيلة من أبي القاسم) بضم الهاء وفتح الزاي تصغير هزلة ضدّ الجد وفي اليونينية هزيلة بكسر الزاي أي لم تكن حقيقة وكذب عدوّ الله (قال) عمر، ولأبي ذر: فقال (كذبت يا عدوّ الله فأجلاهم عمر وأعطاهم) بعد أن أجلاهم (قيمة ما كان لهم من الثمر) بالمثلثة وفتح الميم (مالاً وإبلاً وعروضًا) نصب تمييزًا للقيمة (من أقتاب وحبال وغير ذلك) والأقتاب جمع قتب وهو أكاف الجمل، وإنما ترك عمر مطالبتهم بالقصاص لأنه فادع ليلاً وهو نائم فلم يعرف عبد الله من فدعه فأشكل الأمر.
(رواه) أي الحديث (حماد بن سلمة) فيما وصله أبو يعلى (عن عبيد الله) مصغرًا العمري (أحسبه عن نافع عن ابن عمر عن عمر عن النبي ﷺ اختصره) حماد وشك في وصله رواه الوليد بن صالح عن حماد بغير شك فيما قاله البغوي.
١٥ - باب الشُّرُوطِ فِي الْجِهَادِ، وَالْمُصَالَحَةِ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَكِتَابَةِ الشُّرُوطِ
(باب) بيان (الشروط في الجهاد و) بيان (المصالحة مع أهل الحروب) وفي الفرع كأصله أيضًا الحرب بفتح الحاء وسكون الراء (وكتابة الشروط) زاد أبو ذر عن المستملي مع الناس بالقول. قال في الفتح: وهي زيادة مستغنى عنها لأنها تقدمت في ترجمة مستقلة إلا أن تحمل الأولى على الاشتراط بالقول خاصة وهذه على الاشتراط بالقول والفعل معًا انتهى. فليتأمل مع قوله: وكتابة الشروط.
стр. 3331
٢٧٣١ و ٢٧٣٢ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ -يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثَ صَاحِبِهِ- قَالَا: "خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ حَتَّى كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ بِالْغَمِيمِ فِي خَيْلٍ لِقُرَيْشٍ طَلِيعَةً، فَخُذُوا ذَاتَ الْيَمِينِ. فَوَاللَّهِ مَا شَعَرَ بِهِمْ خَالِدٌ حَتَّى إِذَا هُمْ بِقَتَرَةِ الْجَيْشِ، فَانْطَلَقَ يَرْكُضُ نَذِيرًا لِقُرَيْشٍ، وَسَارَ النَّبِيُّ ﷺ ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالثَّنِيَّةِ الَّتِي يُهْبَطُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، فَقَالَ النَّاسُ: حَلْ حَلْ. فَأَلَحَّتْ. فَقَالُوا خَلأَتِ الْقَصْوَاءُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا خَلأَتِ الْقَصْوَاءُ وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ. وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ. ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَسْأَلُونني خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلاَّ أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا. ثُمَّ زَجَرَهَا فَوَثَبَتْ. قَالَ فَعَدَلَ عَنْهُمْ حَتَّى نَزَلَ بِأَقْصَى الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى ثَمَدٍ قَلِيلِ الْمَاءِ يَتَبَرَّضُهُ النَّاسُ تَبَرُّضًا، فَلَمْ يُلَبِّثْهُ النَّاسُ حَتَّى نَزَحُوهُ، وَشُكِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعَطَشُ، فَانْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِيهِ، فَوَاللَّهِ مَا زَالَ يَجِيشُ لَهُمْ بِالرِّيِّ حَتَّى صَدَرُوا عَنْهُ. فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ جَاءَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ خُزَاعَةَ -وَكَانُوا عَبيةَ نُصْحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ- فَقَالَ: إِنِّي تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤَىٍّ وَعَامِرَ بْنَ لُؤَىٍّ نَزَلُوا أَعْدَادَ مِيَاهِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَمَعَهُمُ الْعُودُ الْمَطَافِيلُ، وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ وَصَادُّوكَ عَنِ الْبَيْتِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ، وَلَكِنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ، وَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهِكَتْهُمُ الْحَرْبُ وَأَضَرَّتْ بِهِمْ، فَإِنْ شَاءُوا مَادَدْتُهُمْ مُدَّةً وَيُخَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ، فَإِنْ أَظْهَرْ فَإِنْ شَاءُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ. وَإِلاَّ فَقَدْ جَمُّوا. وَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى أَمْرِي هَذَا حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي، وَلَيُنْفِذَنَّ اللَّهُ أَمْرَهُ. فَقَالَ بُدَيْلٌ: سَأُبَلِّغُهُمْ مَا تَقُولُ. قَالَ فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى قُرَيْشًا قَالَ: إِنَّا قَدْ جِئْنَاكُمْ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ، وَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ قَوْلاً، فَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ نَعْرِضَهُ عَلَيْكُمْ فَعَلْنَا. فَقَالَ سُفَهَاؤُهُمْ: لَا حَاجَةَ لَنَا أَنْ تُخْبِرُونَا عَنْهُ بِشَىْءٍ. وَقَالَ ذَوُو الرَّأْيِ مِنْهُمْ: هَاتِ مَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ. قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا. فَحَدَّثَهُمْ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ . فَقَامَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: أَىْ قَوْمِ، أَلَسْتُمْ بِالْوَالِدِ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ أَوَلَسْتُ بِالْوَلَدِ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَهَلْ تَتَّهِمُونِي؟ قَالُوا: لَا. قَالَ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي اسْتَنْفَرْتُ أَهْلَ عُكَاظٍ، فَلَمَّا بَلَّحُوا عَلَىَّ جِئْتُكُمْ بِأَهْلِي وَوَلَدِي وَمَنْ أَطَاعَنِي؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّ هَذَا قَدْ عَرَضَ عليكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ اقْبَلُوهَا وَدَعُونِي آتِهِ. قَالُوا ائْتِهِ. فَأَتَاهُ، فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ نَحْوًا مِنْ قَوْلِهِ لِبُدَيْلٍ. فَقَالَ عُرْوَةُ عِنْدَ ذَلِكَ: أَىْ مُحَمَّدُ، أَرَأَيْتَ إِنِ اسْتَأْصَلْتَ أَمْرَ قَوْمِكَ، هَلْ سَمِعْتَ بِأَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ اجْتَاحَ أَهْلَهُ قَبْلَكَ؟ وَإِنْ تَكُنِ الأُخْرَى، فَإِنِّي وَاللَّهِ لأَرَى وُجُوهًا، وَإِنِّي لأَرَى أْشَوَابًا مِنَ النَّاسِ خَلِيقًا أَنْ يَفِرُّوا وَيَدَعُوكَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: امْصُصْ بَظْرَ اللاَّتِ، أَنَحْنُ نَفِرُّ عَنْهُ وَنَدَعُهُ؟
стр. 3332
فَقَالَ: مَنْ ذَا؟ قَالُوا: أَبُو بَكْرٍ. قَالَ: أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلَا يَدٌ كَانَتْ لَكَ عِنْدِي لَمْ أَجْزِكَ بِهَا لأَجَبْتُكَ. قَالَ: وَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَكُلَّمَا تَكَلَّمَ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَعَهُ السَّيْفُ وَعَلَيْهِ الْمِغْفَرُ، فَكُلَّمَا أَهْوَى عُرْوَةُ بِيَدِهِ إِلَى لِحْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ ضَرَبَ يَدَهُ بِنَعْلِ السَّيْفِ وَقَالَ لَهُ: أَخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَرَفَعَ عُرْوَةُ رَأْسَهُ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ. فَقَالَ: أَىْ غُدَرُ، أَلَسْتُ أَسْعَى فِي غَدْرَتِكَ؟ وَكَانَ الْمُغِيرَةُ صَحِبَ قَوْمًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَتَلَهُمْ وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، ثُمَّ جَاءَ فَأَسْلَمَ.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَمَّا الإِسْلَامَ فَأَقْبَلُ وَأَمَّا الْمَالَ فَلَسْتُ مِنْهُ فِي شَيْءٍ. ثُمَّ إِنَّ عُرْوَةَ جَعَلَ يَرْمُقُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَيْنَيْهِ. قَالَ فَوَاللَّهِ مَا تَنَخَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نُخَامَةً إِلاَّ وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، فإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ. فَرَجَعَ عُرْوَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَىْ قَوْمِ، وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ، وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِيِّ، وَاللَّهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِيكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ مُحَمَّدًا، وَاللَّهِ إِنْ يتَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلاَّ وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّموا خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ. وَإِنَّهُ قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ فَاقْبَلُوهَا. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ: دَعُونِي آتيهِ، فَقَالُوا: ائْتِهِ. فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَذَا فُلَانٌ، وَهْوَ مِنْ قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ الْبُدْنَ، فَابْعَثُوهَا لَهُ، فَبُعِثَتْ لَهُ، وَاسْتَقْبَلَهُ النَّاسُ يُلَبُّونَ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، مَا يَنْبَغِي لِهَؤُلَاءِ أَنْ يُصَدُّوا عَنِ الْبَيْتِ. فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ قَالَ: رَأَيْتُ الْبُدْنَ قَدْ قُلِّدَتْ وَأُشْعِرَتْ، فَمَا أَرَى أَنْ يُصَدُّوا عَنِ الْبَيْتِ. فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ فَقَالَ: دَعُونِي آتِهِ. فَقَالُوا: ائْتِهِ. فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هَذَا مِكْرَزٌ، وَهْوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ. فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ . فَبَيْنَمَا هُوَ يُكَلِّمُهُ إِذْ جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو. قَالَ مَعْمَرٌ: فَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : قَدْ سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ. قَالَ مَعْمَرٌ قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِهِ: فَجَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ: هَاتِ اكْتُبْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابًا. فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ الْكَاتِبَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»، فقَالَ سُهَيْلٌ: أَمَّا "الرَّحْمَنُ" فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا هِيَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ "بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ". كَمَا كُنْتَ تَكْتُبُ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: وَاللَّهِ لَا نَكْتُبُهَا إِلاَّ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ". فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ اكْتُبْ «بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ». ثُمَّ قَالَ: «هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ» فَقَالَ سُهَيْلٌ وَاللَّهِ لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ الْبَيْتِ وَلَا قَاتَلْنَاكَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ "مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ"، فَقَالَ
стр. 3333
النَّبِيُّ ﷺ : وَاللَّهِ إِنِّي لَرَسُولُ اللَّهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي، اكْتُبْ "مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ". قَالَ الزُّهْرِيُّ: لِقَوْلِهِ: «لَا يَسْأَلُونني خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلاَّ أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا» فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : عَلَى أَنْ تُخَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْبَيْتِ فَنَطُوفَ بِهِ. فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَاللَّهِ لَا تَتَحَدَّثُ الْعَرَبُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً، وَلَكِنْ ذَلِكَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، فَكَتَبَ، فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ -وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ- إِلاَّ رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا. قَالَ الْمُسْلِمُونَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، كَيْفَ يُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جَاءَ مُسْلِمًا؟ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ فِي قُيُودِهِ، وَقَدْ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ حَتَّى رَمَى بِنَفْسِهِ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ سُهَيْلٌ: هَذَا يَا مُحَمَّدُ أَوَّلُ مَا أُقَاضِيكَ عَلَيْهِ أَنْ تَرُدَّهُ إِلَىَّ.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّا لَمْ نَقْضِ الْكِتَابَ بَعْدُ. قَالَ: فَوَاللَّهِ إِذًا لَمْ أُصَالِحْكَ عَلَى شَىْءٍ أَبَدًا. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَأَجِزْهُ لِي، قَالَ: مَا أَنَا بِمُجِيزِهِ لَكَ، قَالَ: بَلَى فَافْعَلْ، قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ. قَالَ مِكْرَزٌ: بَلْ قَدْ أَجَزْنَاهُ لَكَ. قَالَ أَبُو جَنْدَلٍ: أَىْ مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، أُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جِئْتُ مُسْلِمًا؟ أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ لَقِيتُ؟ وَكَانَ قَدْ عُذِّبَ عَذَابًا شَدِيدًا فِي اللَّهِ. قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: أَلَسْتَ نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟ قَالَ: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَلَسْتُ أَعْصِيهِ، وَهْوَ نَاصِرِي. قُلْتُ: أَوَلَيْسَ كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: بَلَى، فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّا نَأْتِيهِ الْعَامَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا. قَالَ فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ. قَالَ: فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَيْسَ هَذَا نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟ قَالَ: أَيُّهَا الرَّجُلُ، إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَلَيْسَ يَعْصِي رَبَّهُ، وَهْوَ نَاصِرُهُ، فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ فَوَاللَّهِ إِنَّهُ عَلَى الْحَقِّ. قُلْتُ: أَلَيْسَ كَانَ يُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: بَلَى، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ الْعَامَ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ. قَالَ الزُّهْرِيِّ قَالَ عُمَرُ: فَعَمِلْتُ لِذَلِكَ أَعْمَالاً. قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَصْحَابِهِ: قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا. قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ، حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ. فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَتُحِبُّ ذَلِكَ؟ اخْرُجْ، ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ. فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ: نَحَرَ بُدْنَهُ، وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ. فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا، حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا. ثُمَّ جَاءَهُ نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ -حَتَّى بَلَغَ- بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة:١٠] فَطَلَّقَ عُمَرُ يَوْمَئِذٍ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا لَهُ فِي الشِّرْكِ، فَتَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي
стр. 3334
سُفْيَانَ وَالأُخْرَى صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ. ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَهْوَ مُسْلِمٌ، فَأَرْسَلُوا فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ فَقَالُوا: الْعَهْدَ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا، فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ، فَخَرَجَا بِهِ حَتَّى بَلَغَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ: وَاللَّهِ إِنِّي لأَرَى سَيْفَكَ هَذَا يَا فُلَانُ جَيِّدًا، فَاسْتَلَّهُ الآخَرُ فَقَالَ: أَجَلْ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَجَيِّدٌ، لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ ثُمَّ جَرَّبْتُ ثُمَّ جَرَّبْتُ. فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْهِ، فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ، فَضَرَبَهُ حَتَّى بَرَدَ، وَفَرَّ الآخَرُ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ يَعْدُو، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَآهُ: لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قُتِلَ وَاللَّهِ صَاحِبِي وَإِنِّي لَمَقْتُولٌ. فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَدْ وَاللَّهِ أَوْفَى اللَّهُ ذِمَّتَكَ قَدْ رَدَدْتَنِي إِلَيْهِمْ، ثُمَّ أَنْجَانِي اللَّهُ مِنْهُمْ.
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ الْبَحْرِ. قَالَ: وَيَنْفَلِتُ مِنْهُمْ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ، فَجَعَلَ لَا يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ إِلاَّ لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ، حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ، فَوَاللَّهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إِلَى الشَّأْمِ إِلاَّ اعْتَرَضُوا لَهَا. فَقَتَلُوهُمْ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ. فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ تُنَاشِدُهُ اللَّهِ وَالرَّحِمِ لَمَّا أَرْسَلَ فَمَنْ أَتَاهُ فَهْوَ آمِنٌ فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ -حَتَّى بَلَغَ- الْحَمِيَّةَ، حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٤] وَكَانَتْ حَمِيَّتُهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يُقِرُّوا أَنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ، وَلَمْ يُقِرُّوا بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَحَالُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْبَيْت".
قال أبو عبد الله معرة العر: الجرب. تزيلوا: انمازوا. وحميت القوم: منعتهم حماية. وأحميت الحمى: جعلته حمى لا يدخل. وأحميت الرجل إذا أغضبته إحماء.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدثنا (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدثنا عبد الرزاق) بن همام اليماني قال: (أخبرنا معمر) بفتح الميمين وسكون المهملة بينهما ابن راشد (قال: أخبرني) بالإفراد (الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (قال: أخبروني) بالإفراد أيضًا (عروة بن الزبير) بن العوام (عن المسور بن مخرمة ومروان) بن الحكم وروايتهما مرسلة لأن مروان لا صحبة له ومسورًا وإن كان له صحبة لكنه لم يحضر القصة وإنما سمعناها من جماعة من الصحابة شهدوها (يصدق كل واحد منهما) من المسور ومروان (حديث صاحبه) والجملة حالية (قالا: خرج رسول الله ﷺ ¬) من المدينة (زمن الحديبية) بالتخفيف يوم الاثنين لهلال ذي القعدة سنة ست من الهجرة في بضع عشرة مائة فلما أتى ذا الحليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة وبعث بسرًا
стр. 3335
بضم الموحدة وسكون السين المهملة ابن سفيان عينًا لخبر قريش (حتى كانوا) ولأبي ذر حتى إذا كانوا (ببعض الطريق قال النبي ﷺ ¬):
(إن خالد بن الوليد بالغميم) بفتح الغين المعجمة وكسر الميم بوزن عظيم وفي المشارق بضم الغين وفتح الميم. قال ابن حبيب: موضع قريب من مكة بين رابغ والجحفة (في خيل لقريش) وكانوا كما عند ابن سعد مائتي فارس فيهم عكرمة بن أبي جهل حال كونهم (طليعة) وهي مقدمة الجيش ولأبي ذر طليعة بالرفع (فخذوا ذات اليمين) وهي بين ظهري الحمض في طريق تخرجه على ثنية المرار بكسر الميم وتخفيف الراء مهبط الحديبية من أسفل مكة قال ابن هشام فسلك الجيش ذلك الطريق فلما رأت خيل قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم ركضوا راجعين إلى قريش وهو معنى قوله (فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش) بفتح القاف والمثناة الفوقية وسكنها في الفرع غباره الأسود (فانطلق) خالد حال كونه (يركض يضرب برجله دابته استعجالاً للسير حال كونه (نديرًا) منذرًا (لقريش) بمجيء رسول الله ﷺ (وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنية) أي ثنية المرار بكسر الميم (التي يهبط) بضم أوّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول أي على قريش (منها بركت به) ﵊ (راحلته فقال الناس: حل حل) بفتح الحاء المهملة وسكون اللام فيهما زجر للراحلة إذا حملها على السير.
وقال الخطابي إن قلت: حل واحدة فبالسكون وإن أعدتها نوّنت الأولى وسكنت الثانية، وحكي السكون فيهما والتنوين كنظيره في بخ بخ وهو معنى قوله في القاموس حل حل منوّنتين أو حل واحدة اهـ. لكن الرواية بالسكون فيهما.
(فألحت) بتشديد الحاء المهملة وفتح الهمزة أي تمادت في البروك فلم تبرح من مكانها (فقالوا: خلأت القصواء خلأت القصواء) مرتين وخلأت بفتح الخاء المعجمة واللام والهمزة والقصواء بفتح القاف وسكون الصاد المهملة وفتح الواو مهموزًا ممدودًا اسم لناقته ﵊ أي حزنت وتصعبت (فقال النبي ﷺ ¬) (ما خلأت القصواء) أي ما حزنت (وما ذاك لها بخلق) بضم الخاء المعجمة واللام أي ليس الخلاء لها بعادة كما حسبتم (ولكن حبسها) أي القصواء (حابس الفيل) زاد ابن إسحاق عن مكة أي حبسها الله عن دخول مكة كما حبس الفيل عن مكة لأنهم لو دخلوا مكة على تلك الهيئة وصدّهم قريش عن ذلك لوقع بينهم ما يفضي إلى سفك الدماء ونهب الأموال لكن سبق في العلم القديم أنه يدخل في الإسلام منهم جماعات.
(ثم قال) ﵊ (والذي نفسي بيده لا يسألوني) أي قريش ولأبي ذر لا يسألونني بنونين على الأصل (خطة) بضم الخاء المعجمة وتشديد الطاء المهملة أي خصلة (يعظمون فيها حرمات الله) يكفون بسببها عن القتال في الحرم تعظيمًا له (إلا أعطيتهم إياها) أي أجبتهم إليها وإن كان في ذلك تحمل مشقة (ثم زجرها) أي زجر ﵊ الناقة (فوثبت) بالمثلثة وآخره مثناة أي
стр. 3336
قامت (قال فعدل) ﵊ (عنهم) وفي رواية ابن سعد فولى راجعًا (حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد) بفتح الثاء والميم آخره دال مهملة (قليل الماء) قال في القاموس: الثمد ويحرك وككتاب الماء القليل لا مادة له أو ما يبقى في الجلد أو ما يظهر في الشتاء ويذهب في الصيف اهـ.
وقوله قليل الماء قيل تأكيد لدفع توهم أن يراد لغة من يقول إن الثمد الماء الكثير وعورض بأنه إنما يتوجه أن لو ثبت في اللغة أن الثمد الماء الكثير، واعترض في المصابيح قوله تأكيد بأنه لو اقتصر على قليل أمكن أما مع إضافته إلى الماء فيشكل وذلك لأنك لا تقول هذا ماء قليل الماء. نعم قال الداودي: الثمد العين وقال غيره: حفرة فيها ماء فإن صح فلا إشكال.
(يتبرضه) بالموحدة المفتوحة بعد المثناتين التحتية والفوقية فراء مشددة فضاد معجمة أي يأخذه (الناس تبرضًا) نصب على أنه مفعول مطلق من باب التفعل للتكلف أي قليلاً قليلاً وقال صاحب العين التبرض جمع الماء بالكفّين (فلم يلبثه) بضم أوله وفتح اللام وتشديد الموحدة وسكون المثلثة في الفرع وأصله وغيرهما مصححًا عليه، ونسبه في الفتح وتبعه في العمدة لقول ابن التين، وضبطناه بسكون اللام مضارع ألبث أي لم يتركوه يلبث أي يقيم (الناس حتى نزحوه) لم يبقوا منه شيئًا يقال نزحت البئر على صيغة واحدة في التعدي واللزوم.
(وشكي) بضم أوله مبنيًّا للمفعول (إلى رسول الله ﷺ العطش) بالرفع نائبًا عن الفاعل (فانتزع سهمًا من كنانته) بكسر الكاف جعبته التي فيها النبل (ثم أمرهم أن يجعلوه) أي السهم (فيه) في الثمد، وروى ابن سعد من طريق أبي مروان حدّثني أربعة عشر رجلاً من الصحابة أن الذي نزل البئر ناجية بن الأعجم، وقيل هو ناجية بن جندب، وقيل البراء بن عازب، وقيل عباد بن خالد حكاه عن الواقدي، ووقع في الاستيعاب خالد بن عبادة قاله في المقدمة. وقال في الفتح: ويمكن الجمع بأنهم تعاونوا على ذلك بالحفر وغيره (فوالله ما زال يجيش) بفتح أوله وكسر الجيم آخره شين معجمة بعد تحتية ساكنة يفور ويرتفع (لهم بالري) بكسر الراء (حتى صدروا عنه) أي رجعوا رواء بعد ورودهم، وزاد ابن سعد حتى اغترفوا بآنيتهم جلوسًا على شفير البئر، (فبينما) بالميم ولأبي ذر عن الكشميهني فبينا بإسقاطها (هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء) بضم الموحدة وفتح الدال المهملة مصغرًا وأبوه بفتح الواو وسكون الراء وبالقاف ممدودًا (الخزاعي) بضم الخاء المعجمة وفتح الزاي وبعد الألف عين مهملة الصحابيّ المشهور (في نفر من قومه من خزاعة) منهم عمرو بن سالم، وخراش بن أمية فيما قاله الواقدي، وخارجة بن كرز، ويزيد بن أمية كما في رواية أبي الأسود عن عروة (وكانوا) أي بديل والنفر الذين معه (عيبة نصح رسول الله ﷺ ¬) بفتح العين المهملة وسكون التحتية وفتح الموحدة ويصح بضم النون أي موضع سرّه وأمانته فشبّه الصدر الذي هو مستودع السر بالعيبة التي هي مستودع خير الثياب وكانت خزاعة (من أهل تهامة) بكسر المثناة الفوقية مكة وما حولها زاد ابن إسحاق في روايته، وكانت خزاعة عيبة رسول الله ﷺ مسلمها ومشركها لا يخفون عنه شيئًا كان بمكة (فقال) بديل (إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي) بضم اللام وفتح الهمزة
стр. 3337
وتشديد الياء فيهما (نزلوا أعداد مياه الحديبية) بفتح الهمزة وسكون العين المهملة جمع عد بالكسر والتشديد وهو الماء الذي لا انقطاع لمادّته كالعين والبئر وفيه أنه كان بالحديبية مياه كثيرة وأن قريشًا سبقوا إلى النزول عليها، ولذا عطش المسلمون حتى نزلوا على الثمد المذكور وذكر أبو الأسود في روايته عن عروة وسبقت قريش إلى الماء ونزلوا عليه (ومعهم العوذ) بضم العين المهملة وسكون الواو وآخره ذال معجمة جمع عائذ أي النوق الحديثات النتاج ذات اللبن (المطافيل) بفتح الميم والطاء المهملة وبعد الألف فاء مكسورة فمثناة تحتية ساكنة فلام الأمهات التي معها أطفالها ومراده أنهم خرجوا معهم بذوات الألبان من الإبل ليتزوّدوا بألبانها ولا يرجعوا حتى يمنعوه. وقال ابن قتيبة: يريد النساء والصبيان ولكنه استعار ذلك يعني أنهم خرجوا معهم بنسائهم وأولادهم لإرادة طول المقام وليكون أدعى إلى عدم الفرار، ويحتمل إرادة المعنى الأعم وعند ابن سعد معهم العوذ المطافيل والنساء والصبيان (وهم مقاتلوك وصادّوك) أي مانعوك (عن البيت) الحرام (فقال رسول الله ﷺ ¬):
(إنّا لم نجيء لقتال أحد ولكنا جئنا معتمرين وأن قريشًا قد نهكتهم الحرب) بفتح أوله وبفتح الهاء وكسرها في الفرع كأصله أي أبلغت فيهم حتى أضعفت قوّتهم وهزلتهم أو أضعفت أموالهم (وأضرّت بهم فإن شاؤوا ماددتهم) أي جعلت بيني وبينهم (مدة) معينة أترك قتالهم فيها (ويخلوا بيني وبين الناس) أي من كفار العرب وغيرهم زاد أبو ذر عن المستملي والكشميهني إن شاؤوا (فإن أظهر) بالجزم (فإن شاؤوا) شرط معطوف على الشرط الأول (أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس) من طاعتي وجواب الشرطين قوله (فعلوا وإلا) أي وإن لم أظهر (فقد جمعوا) بفتح الجيم وتشديد الميم المضمومة أي استراحوا من جهد القتال، ولابن عائذ من وجه آخر عن الزهري: فإن ظهر الناس عليّ فذلك الذي يبغون فصرّح بما حذفه هنا من القسم الأول والتردد في قوله فإن أظهر ليس شكًّا في وعد الله أنه سينصره ويظهره بل على طريق التنزيل وفرض الأمر على ما زعم الخصم (وإن هم أبوا) امتنعوا (فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي) بالسين المهملة وككسر اللام أي حتى تنفصل رقبتي أي حتى أموت أو حتى أموت وأبقى منفردًا في قبري (ولينفذن الله أمره) بضم المثناة التحتية وسكون النون وبالذال المعجمة وتشديد النون وضبطه في المصابيح كالتنقيح بتشديد الفاء المكسورة أي ليمضين الله أمره في نصر دينه.
(فقال بديل: سأبلغهم) بفتح الموحدة وتشديد اللام (ما تقول. قال فانطلق) بديل (حتى أتى قريشًا قال: إنّا جئناكم من هذا الرجل) يعني النبي ﷺ (وسمعناه يقول قولاً فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا. فقال سفهاؤهم) قال في الفتح: سمى الواقدي منهم عكرمة بن أبي جهل، والحكم بن أبي وقاص: (لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء. وقال ذو الرأي منهم: هات) بكسر التاء أي أعطني (ما سمعته يقول قال: سمعته يقول كذا وكذا فحدّثهم بما قال النبي ﷺ فقام عروة بن مسعود) هو ابن معتب بضم الميم وفتح العين المهملة وكسر الفوقية المشددة الثقفي أسلم ورجع إلى قومه ودعاهم إلى الإسلام فقتلوه (فقال: أي قوم) أي يا قوم (ألستم بالوالد) أي مثل الأب في الشفقة لولده؟
стр. 3338
(قالوا: بلى. قال: أو لستم بالولد) مثل الابن في النصح لوالده؟ (قالوا: بلى) وعند ابن إسحاق عن الزهري أن أم عروة هي سبيعة بنت عبد شمس بن عبد مناف فأراد بقوله ألستم بالوالد إنكم قد ولدتموني في الجملة لكون أمي منكم، ولأبي ذر فيما قاله الحافظ ابن حجر ألستم بالولد وألست بالوالد والأول هو الصواب وهو الذي في رواية أحمد وابن إسحاق وغيرهما (قال: فهل تتهموني)؟ ولأبي ذر تتهمونني بنوني على الأصل أي هل تنسبونني إلى التهمة (قالوا: لا). نتهمك (قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ) بضم العين المهملة وتخفيف الكاف وآخره ظاء معجمة غير منصرف لأبي ذر ولغيره بالتنوين أي دعوتهم للقتال نصرة لكم (فلما بلحوا علّي) بالموحدة وتشديد اللام المفتوحتين ثم حاء مهملة مضمومة امتنعوا أو عجزوا (جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني. قالوا: بلى. قال: فإن هذا) يعني النبي ﷺ (وقد عرض لكم) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي عليكم (خطة رشد) بضم الخاء المعجمة وتشديد الطاء المهملة أي خصلة خير وصلاح وإنصاف (اقبلوها ودعوني) اتركوني (آتيه) بالمد والياء على الاستئناف أي أنا آتيه، ولأبي ذر: آته مجزومًا بحذف الياء على جواب الأمر والهاء مكسورة أي أجيء إليه (قالوا ائته) بهمزة وصل فهمزة قطع ساكنة فمثناة فوقية مكسورة فهاء مكسورة أمر من أتى يأتي (فأتاه) ﵊ عروة (فجعل يكلم النبي ﷺ فقال النبي ﷺ ¬) لعروة (نحوًا من قوله لبديل) السابق.
وزاد ابن إسحاق وأخبره أنه لم يأت يريد حربًا (فقال عروة عند ذلك) أي عند قوله لأقاتلنّهم (أي محمد) أي يا محمد (أرأيت) أي أخبرني (إن استأصلت أمر قومك) أي استهلكتهم بالكلية (هل سمعت بأحد من العرب اجتاح) بتقديم الجيم على الحاء المهملة أهلك (أهله قبلك) بالكلية ولأبي ذر في نسخة أصله كذا في الفرع كأصله وضبب على الأولى (وإن تكن الأخرى) قال الكرماني وتبعه العيني: وإن تكن الدولة لقومك فلا يخفى ما يفعلون بكم فجواب الشرط محذوف وفيه رعاية الأدب مع رسول الله ﷺ حيث لم يصرح إلا بشق غالبيته، وقال في المصابيح: التقدير وإن تكن الأخرى لم ينفعك أصحابك، وأما قول الزركشي: التقدير وإن كانت الأخرى كانت الدولة للعدوّ وكان الظفر لهم عليك وعلى أصحابك فقال في المصابيح: هذا التقدير غير مستقيم لما يلزم عليه من اتحاد الشرط والجزاء لأن الأخرى هي انتصار العدوّ وظفرهم فيؤل التقدير إلى أنه إن انتصر أعداؤك وظفروا كانت الدولة لهم وظفروا.
(فإني والله لا أرى وجوهًا) أي أعيان الناس (وإني لأرى أشوابًا من الناس) بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وتقديمها على الواو أخلاطًا من الناس من قبائل شتى ولأبي ذر عن الكشميهني: أو شابًّا بتقديم الواو على المعجمة ويروى أوباشًا بتقديم الواو والموحدة أخلاطًا من السفلة (خليقًا) بالخاء المعجمة والقاف حقيقًا (أن يفروا) أي بأن يفروا (ويدعوك) يتركوك لأن العادة جرت أن الجيوش المجمعة لا يؤمن عليها الفرار بخلاف من كان من قبيلة واحدة فإنهم يأنفون الفرار في العادة وما علم عروة أن مودة الإسلام أبلغ من مودة القرابة (فقال له أبو بكر ﵁)
стр. 3339
ولأبي ذر: أبو بكر الصديق وكان خلف رسول الله ﷺ قاعدًا فيما ذكره ابن إسحاق (امصص) بهمزة وصل فميم ساكنة فصادين مهملتين الأولى مفتوحة بصيغة الأمر من مصص يمصص من باب علم يعلم، ولأبي ذر وحكاه ابن التين عن رواية القابسي امصص بضم الصاد وخطأها (ببظر اللات) بفتح الموحدة بعد الجارة وسكون المعجمة قطعة تبقى بعد الختان في فرج المرأة. وقال الداودي: البظر فرج المرأة. قال السفاقسي: والذي عند أهل اللغة أنه ما يخفض من فرج المرأة أي يقطع عند خفاضها.
وقال في القاموس: البظر ما بين اسكتي المرأة الجمع بظور كالبيظر والبنظر بالنون كقنفذ والبظارة وتفتح وأمة بظراء طويلته والاسم البظر محركة واللام اسم أحد الأصنام التي كانت قريش وثقيف يعبدونها، وقد كانت عادة العرب الشتم بذلك تقول: ليمصص بظر أمه فاستعار ذلك أبو بكر ﵁ في اللات لتعظيمهم إياه فقصد المبالغة في سبّ عروة بإقامة من كان يعبد مقام أمه وحمله على ذلك ما أغضبه به من نسبته إلى الفرار ولأبي ذر: بظر بإسقاط حرف الجر (أنحن نفرّ عنه وندعه)؟ استفهام إنكاري، (فقال) أي عروة (من ذا)؟ أي المتكلم (قالوا: أبو بكر. قال) عروة (أما) بالتخفيف حرف استفتاح (والذي نفسي بيده لولا يد) أي نعمة ومنّة (كانت لك عندي لم أجزك) بفتح الهمزة وسكون الجيم وبالزاي أي لم أكافئك (بها لأجبتك) وبين عبد العزيز الإمامي عن الزهري في هذا الحديث أن اليد المذكورة أن عروة كان تحمل بدية فأعانه فيها أبو بكر بعون حسن وفي رواية الواقدي عشر قلائص قاله الحافظ ابن حجر.
(قال وجعل) عروة (يكلم النبي ﷺ فكلما تكلم) زاد أبو ذر عن الحموي والكشميهني كلمة والذي في اليونينية كلمه بدل قوله تكلم. وفي نسخة فكلما كلمه (أخذ بلحيته) الشريفة على عادة العرب من تناول الرجل لحية من يكلمه لا سيما عند الملاطفة (ومغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي ﷺ ومعه سيف) قصدًا لحراسته (وعليه) أي على المغيرة (المغفر) بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الفاء ليستخفي من عروة عمه (فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي ﷺ ضرب يده) إجلالاً للنبي ﷺ وتعظيمًا (بنعل السيف) وهو ما يكون أسفل القراب من فضة أو غيرها (وقال له: أخّر يدك عن لحية رسول الله ﷺ ¬) زاد عروة بن الزبير فإنه لا ينبغي لمشرك أن يمسه (فرفع عروة رأسه فقال: من هذا)؟ الذي يضرب يدي (قالوا) ولأبي ذر قال (المغيرة بن شعبة) وعند ابن إسحاق فتبسم رسول الله ﷺ فقال له عروة: من هذا يا محمد؟ قال: هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة. قال في الفتح. وكذا أخرجه ابن أبي شيبة من حديث المغيرة بن شعبة نفسه بإسناد صحيح وأخرجه ابن حبان.
(فقال) عروة مخاطبًا للمغيرة (أي غدرًا) بضم الغين المعجمة وفتح الدال أي يا غدر معدول عن غادر مبالغة في وصفه بالغدر (ألست أسعى في غدرتك) أي ألست أسعى في دفع شرّ خيانتك ببذل المال (وكان المغيرة) قبل إسلامه (صحب قومًا في الجاهلية) من ثقيف من بني مالك لما خرجوا زائرين المقوقس بمصر فأحسن إليهم وقصر بالمغيرة فحصلت له الغيرة منهم لأنه ليس من القوم فلما كانوا
стр. 3340
بالطريق شربوا الخمر فلما سكروا وناموا غدر بهم (فقتلهم) جميعًا (وأخذ أموالهم) فلما بلغ ثقيفًا فعل المغيرة تداعوا للقتال فسعى عروة عم المغيرة حتى أخذوا منه ديّة ثلاثة عشر نفسًا واصطلحوا فهذا هو سبب قوله أي غدر (ثم جاء) إلى المدينة (فأسلم) فقال له أبو بكر: ما فعل المالكيون الذين كانوا معك؟ قال: قتلتهم وجئت بأسلابهم إلى رسول الله ﷺ لتخمس أو ليري رأيه فيها (فقال النبي ﷺ ¬):
(أما الإسلام) بالنصب على المفعولية (فأقبل) بلفظ المضارع أي أقبله (وأما المال فلست منه في شيء) أي لا أتعرض له لكونه أخذه غدرًا لأن أموال المشركين وإن كانت مغنومة عند القهر فلا يحلّ أخذها عند الأمن، فإذا كان الإنسان مصاحبًا لهم فقد أمّن كل واحد منهما صاحبه فسفك الدماء وأخذ الأموال عند ذلك غدر والغدر بالكفار وغيرهم محظور وإنما تحل أموالهم بالمحاربة والمغالبة ولعله ﷺ ترك المال في يده لإمكان أن يسلم قومه فيردّ إليهم أموالهم.
(ثم وإن عروة جعل يرمق) بضم الميم أي يلحظ (أصحاب النبي ﷺ بعينيه) بالتثنية (قال: فوالله ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة) بضم النون ما يصعد من الصدر إلى الفم (إلا وقعت في كل رجل منهم فدلك بها) أي بالنخامة (وجهه وجلده) تبركًا بفضلاته وزاد ابن إسحاق ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه (وإذا أمرهم ابتدروا أمره) أي أسرعوا إلى فعله (وإذا توضأ كانوا يقتتلون على وضوئه) بفتح الواو وفضلة الماء الذي توضأ به أو على ما يجتمع من القطرات وما يسيل من الماء الذي باشر أعضاءه الشريفة عند الوضوء، (وإذا تكلم) ﵊ ولأبي ذر وإذا تكلموا أي الصحابة (خفضوا أصواتهم عنده وما يحدّون) بضم التحتية مبنيًّا للمفعول في اليونينية بالحاء المهملة (إليه النظر) أي ما يتأملونه ولا يديمون النظر إليه (تعظيمًا له، فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم) أي يا قوم (والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر) غير منصرف للعجمة وهو لقب لكلٍّ من ملك الروم (وكسرى) بكسر الكاف وتفتح اسم لكل من ملك الفرس (والنجاشي) بفتح النون وتخفيف الجيم وبعد الألف شين معجمة وتشديد التحتية وتخفف لقب من ملك الحبشة، وهذا من باب عطف الخاص على العام وخصّ الثلاثة بالذكر لأنهم كانوا أعظم ملوك ذلك الزمان (والله إن) بكسر الهمزة نافية أي ما (رأيت ملكًا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد) ﷺ (محمدًا والله إن) بكسر الهمزة نافية أي ما (تنخم) بلفظ الماضي ولأبي ذر يتنخم (نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلم) ﵊ ولأبي ذر تكلموا بضمير الجمع أي الصحابة (خفضوا أصواتهم عنده) إجلالاً له وتوقيرًا (وما يحدون إليه النظر تعظيمًا له وإنه) بكسر الهمزة ﵊ (قد عرض عليكم خطة رشد) بضم الخاء المعجمة وتشديد المهملة أي خصلة خير وصلاح (فاقبلوها) بهمزة وصل وفتح الموحدة.
стр. 3341
(فقال رجل من بني كنانة) هو الحليس بمهملتين مصغرًا ابن علقمة سيد الأحابيش كما ذكره الزبير بن بكار (دعوني آتيه) بتحتية قبل الهاء ولأبي ذر آته بحذفها مجزومًا مع كسر الهاء (فقالوا ائته) بهمزة ساكنة وكسر الهاء فأتى (فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه قال رسول الله ﷺ ¬): (هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن) بضم الموحدة وسكون الدال المهملة جمع بدنة وهي من الإبل والبقر (فابعثوها) أي أثيروها (له) (فبعثت له واستقبله الناس) حال كونهم (يلبون) بالعمرة (فلما رأى) الكناني (ذلك) المذكور من البدن واستقبال الناس له بالتلبية (قال) متعجبًا (سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا) بضم أوله وفتح الصاد المهملة أي يمنعوا (عن البيت فلما رجع إلى أصحابه قال) لهم: (رأيت البدن قد قلدت) بضم القاف وكسر اللام المشددة أي علق في عنقها شيء ليعلم أنها هدي (وأشعرت) بضم أوّله وسكون المعجمة وكسر المهملة أي طعن في سنامها بحيث سأل دمها ليكون علامة للهدي أيضًا (فما رأى) بفتح الهمزة (أن يصدوا عن البيت) زاد ابن إسحاق وغضب وقال: يا معشر قريش ما على هذا عاقدناكم أيصدّ عن بيت الله من جاء معظّمًا له. فقالوا: كفّ عنّا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى.
(فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص) بكسر الميم وسكون الكاف وفتح الراء بعدها زاي ابن الأخيف بخاء معجمة فتحتية ففاء وهو من بني عامر بن لؤي (فقال: دعوني آتيه) ولأبي ذر آته بحذف التحتية (فقالوا: ائته فلما أشرف عليهم) على النبي ﷺ وأصحابه (قال النبي ﷺ ¬) (هذا مكرز وهو رجل فاجر) أي غادر لأنه كان مشهورًا بالغدر ولم يصدر منه في قصة الحديبية فجور ظاهر (فجعل) أي مكرز (يكلم النبي ﷺ فبينما) بالميم (هو) أي مكرز (يكلمه) ﵊ (إذ جاء سهيل بن عمرو (تصغير سهل وعمرو بفتح العين (قال معمر) هو ابن راشد بالإسناد السابق (فأخبرني) بالإفراد (أيوب) هو السختياني (عن عكرمة) مولى ابن عباس (أنه لما جاء سهيل بن عمرو) سقط لأبي ذر ابن عمرو (قال النبي ﷺ ¬) (لقد) ولأبي ذر: قد (سهل لكم من أمركم) بفتح السين المهملة وضم الهاء وهذا مرسل، وله شاهد موصول عند ابن أبي شيبة من حديث سلمة بن الأكوع قال: بعثت قريش بسهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى إلى النبي ﷺ ليصالحوه، فلما رأى النبي ﷺ سهيلاً قال: "قد سهل لكم من أمركم" وهذا من باب التفاؤل، وكان ﵊ يعجبه الفأل الحسن وأتى بمن التبعيضية في قوله: من أمركم إيذانًا بأن السهولة الواقعة في هذه القصة ليست عظيمة قيل ولعله ﵊ أخذ ذلك من التصغير الواقع في سهيل فإن تصغيره يقتضي كونه ليس عظيمًا.
(قال معمر) بالإسناد السابق أيضًا (قال الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (في حديثه) السابق فحديث عكرمة معترض في أثنائه (فجاء سهيل بن عمرو) في رواية ابن إسحاق فلما انتهى إلى النبي ﷺ جرى بينهما القول حتى وقع بينهما الصلح على أن توضع الحرب عشر سنين وأن يؤمن بعضهم بعضًا وأن يرجع عنهم عامهم (فقال) سهيل (هات) بكسر التاء (اكتب بيننا وبينكم كتابًا
стр. 3342
فدعا النبي ﷺ الكاتب) هو عليّ بن أبي طالب (فقال) له (النبي ﷺ ¬): (اكتب بسم الله الرحمن الرحيم) (قال) ولأبي ذر فقال: (سهيل أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: ما هي بتأنيث الضمير أي كلمة الرحمن (ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب) وكان ﵊ يكتب كذلك في بدء الإسلام كما كانوا يكتبونها في الجاهلية فلما نزلت آية النمل كتب بسم الله الرحمن الرحيم فأدركتم حمية الجاهلية (فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبي ﷺ ¬): لعلي ﵁ (اكتب باسمك اللهم ثم قال) ﵊ اكتب (هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله فقال النبي ﷺ ¬): (والله إني لرسول الله وإن كذبتموني) بتشديد المعجمة وجزاؤه محذوف (اكتب محمد بن عبد الله). (قال الزهري): محمد بن مسلم بن شهاب بالسند السابق (وذلك) أي أجابته لسؤال سهيل حيث قال: اكتب باسمك اللهم، واكتب محمد بن عبد الله (لقوله) ﵊ السابق (لا يسألوني) أي قريش، ولأبي ذر: لا يسألونني بنوني على الأصل (خطة) بضم الخاء المعجمة خصلة (يعظمون فيها حرمات الله) يكفون بها عن القتال في الحرم (إلا أعطيتهم إياها) أي أجبتهم إليها (فقال له النبي ﷺ ¬): (على أن تخلوا بيننا وبين البيت) العتيق (فنطوف به) بالتخفيف وبالنصب عطفًا على المنصوب السابق وفي نسخة فنطوف بالرفع على الاستئناف وفي أخرى فنطوّف بتشديد الطاء والواو وأصله نتطوّف وبالنصب والرفع (فقال سهيل: والله لا) نخلي بينك وبين البيت الحرام (تتحدث العرب أنا أخذنا) بضم الهمزة وكسر الخاء (ضغطة) بضم الضاد وسكون الغين المعجمتين وبالنصب على التمييز قهرًا والجملة استئنافية وليست مدخولة لا (ولكن ذلك) أي التخلية (من العام المقبل فكتب) علّي ذلك. (فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منّا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا). وفي رواية عقيل عن الزهري في أوّل الشروط لا يأتيك منا أحد وهي تعمّ بالرجال والنساء فيدخلن في هذا الصلح ثم نسخ ذلك الحكم فيهن أو لم يدخلن إلا بطريق العموم فخصصن.
(قال المسلمون) قال في الفتح وقائل ذلك يشبه أن يكون عمر لما سيأتي، وممن قال أيضًا
أسيد بن حضير وسعد بن عبادة كما قاله الواقدي وسهل بن حنيف (سبحان الله، كيف يردّ إلى المشركين وقد جاء) حال كونه (مسلمًا فبينما هم كذلك) بالميم في بينما (إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو) بالجيم والنون بوزن جعفر وسهيل بضم السين مصغرًا وعمرو بفتح العين واسم أبي جندل العاص وكان حبس حين أسلم وعذب فخرج من السجن وتنكب الطريق وركب الجبال حتى هبط على المسلمين حال كونه (يرسف) بفتح أوّله وسكون الراء وضم السين المهملة آخره فاء يمشي (في قيوده) مشي المقيد المثقل (وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين فقال) أبوه: (سهيل هذا يا محمد أوّل ما) ولأبي ذر عن الكشميهني من (أقاضيك عليه أن تردّه إليّ فقال النبي ﷺ ¬): (إنّا لم نقضِ الكتاب بعد) بنون مفتوحة فقاف ساكنة فضاد معجمة أي لم نفرغ من
стр. 3343
كتابته، ولأبي ذر عن المستملي والحموي: لن نفض بالفاء وتشديد المعجمة. (قال) سهيل: (فوالله إذًا) بالتنوين (لم أصالحك) وفي نسخة لا أصالحك (على شيء أبدًا. قال النبي ﷺ ¬): (فأجزه) بهمزة مفتوحة فجيم مكسورة فزاي ساكنة أي امض (لي) فعلي فيه فلا أردّه إليك (قال) سهيل: (ما أنا بمجيزه) ولأبي ذر: بمجيز ذلك (لك. قال) ﵊: (بلى فافعل) (قال) سهيل: (ما أنا بفاعل. قال مكرز) بكسر الميم وسكون الكاف وبعد الراء المفتوحة زاي ابن حفص وكان ممن أقبل مع سهيل بن عمرو في التماس الصلح (بل قد أجزناه) بحرف الإضراب وللكشميهني كما في الفتح بلى أي نعم. وفي نسخة قال مكرز قد أجزناه (لك. قال أبو جندل أي معشر المسلمين أردّ) بضم الهمزة وفتح الراء (إلى المشركين وقد جئت) حال كوني (مسلمًا ألا ترون ما قد لقيت) بفتح القاف في اليونينية فقط وفي غيرها لقيت بكسرها (وكان قد عذب عذابًا شديدًا في الله) زاد ابن إسحاق فقال رسول الله ﷺ : "يا أبا جندل اصبر واحتسب فإنّا لا نغدر وإن الله جاعل لك فرجًا ومخرجًا".
وقول الكرماني فإن قلت: لم رد أبا جندل إلى المشركين وقد قال مكرز أجزناه لك؟ وجوابه: بأن المتصدي لعقد المهادنة هو سهيل لا مكرز فالاعتبار بقول المباشر لا بقول مكرز متعقب بما نقله في فتح الباري عن الواقدي أنه روى أن مكرزًا كان ممن جاء في الصلح مع سهيل وكان معهما حويطب بن عبد العزى، وأنه ذكر في روايته ما يدل على أن إجازة مكرز لم تكن في أن لا يرده إلى سهيل بل في تأمينه من التعذيب، وأن مكرزًا وحويطبًا أخذا أبا جندل فأدخلاه فسطاطًا وكفا أباه عنه. وقال الخطابي: إنما ردّه إلى أبيه والغالب أن أباه لا يبلغ به الهلاك.
(فقال) ولأبي ذر قال (عمر بن الخطاب) ﵁: (فأتيت نبي الله ﷺ فقلت) له (ألست نبي الله) بالنصب خبر ليس (حقًّا؟ قال) ﵊ (بلى) (قلت ألسنا على الحق وعدوّنا على الباطل؟ قال) ﵊: (بلى) (قلت: فلِمَ نُعطي الدنيّة) بفتح الدال والمهملة وكسر النون وتشديد التحتية والأصل فيه الهمزة لكنه خفّف وهو صفة لمحذوف أي الحالة الدنيّة الخبيثة (في ديننا إذًا) بالتنوين أي حينئذٍ (قال): (إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري) فيه تنبيه لعمر- ﵁ على إزالة ما حصل عنده من القلق، وأنه ﷺ لم يفعل ذلك إلا لأمر أطلعه الله عليه من حبس الناقة وأنه لم يفعل ذلك إلا بوحي من الله. قال عمر ﵁ (قلت) له ﵊: (أوليس كنت تحدّثنا أنّا سنأتي البيت فنطوف به) بالتخفيف وفي نسخة فنطّوّف بتشديد الطاء والواو وعند الواقدي أنه ﷺ كان رأى في منامه قبل أن يعتمر أنه دخل هو وأصحابه البيت فلما رأوا تأخير ذلك شقّ عليهم (قال) ﵊: (بلى فأخبرتك أنّا نأتيه العام) هذا (قال) عمر (قلت لا. قال: فإنك آتيه ومطوّف به) بتشديد الطاء المفتوحة والواو المكسورة المشددة أيضًا.
(قال) عمر (فأتيت أبا بكر فقلت يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقًّا)؟ وفي اليونينية نبي الله بالنصب (قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطي) الخصلة (الدنيّة) الخبيثة (في ديننا إذًا) أي حينئذٍ (قال) أبو بكر ﵁ مخاطبًا لعمر رضي الله
стр. 3344
عنهما (أيها الرجل إنه لرسول الله) ولأبي ذر إنه رسول الله (¬ ﷺ وليس يعصي ربه وهو ناصره فاستمسك بغرزه) بفتح العين المعجمة وبعد الراء الساكنة زاي وهو للإبل بمنزلة الركاب للفرس أي فتمسك بأمره ولا تخالفه كما يتمسك المرء بركاب الفارس فلا يفارقه، (فوالله إنه على الحق) قال عمر: (قلت أليس كان) ﵊: (يحدّثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به) ولأبي ذر فنطوّف بالفاء بدل الواو والتشديد (قال) أبو بكر: (بلى أفأخبرك) ﵊ (أنك تأتيه العام) هذا قال عمر: (قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوّف به) بالتشديد مع كسر الواو وفي ذلك دلالة على فضيلة أبي بكر ووفور عمله لكونه أجاب به الرسول ﷺ .
(قال الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب بالسند السابق (قال عمر) ﵁ (فعملت لذلك) التوقف في الامتثال ابتداء (أعمالاً) صالحة. وعند ابن إسحاق فكان عمر يقول: ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذٍ مخافة كلامي الذي تكلمت به، وعند الواقدي من حديث ابن عباس قال عمر ﵁: لقد أعتقت بسبب ذلك رقابًا وصمت دهرًا الحديث. ولم يكن هذا شكًّا منه في الدين بل ليقف على الحكمة في القضية وتنكشف عنه الشبهة وللحثّ على إذلال الكفار كما عرف من قوّته في نصرة الدين وقول الزهري هذا منقطع بينه وبين عمر.
(قال: فلما فرغ من قضية الكتاب) وأشهد على الصلح رجالاً من المسلمين منهم أبو بكر وعمر وعليّ ورجالاً من المشركين منهم مكرز بن حفص (قال رسول الله ﷺ لأصحابه): (قوموا فانحروا) الهدي (ثم احلقوا) رؤوسكم (قال فوالله ما قام منهم رجل) رجاء نزول الوحي بإبطال الصلح المذكور ليتم لهم قضاء نسكهم أو لاعتقادهم أن الأمر المطلق لا يقتضي الفور (حتى قال) ﵇ لهم (ذلك ثلاث مرات فلما لم يقم منهم أحد دخل) ﵇ (على أم سلمة) ﵂ (فذكر لها ما لقي من الناس) من كونهم لم يفعلوا ما أمرهم به (فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك)؟ وعند ابن إسحاق قالت أم سلمة: يا رسول الله لا تلمهم فإنهم قد دخلهم أمر عظيم مما أدخلت على نفسك من المشقّة في أمر الصلح ورجوعهم بغير فتح ويحتمل أنها فهمت من الصحابة أنه احتمل عندهم أن يكون النبي ﷺ أمرهم بالتحلّل أخذًا بالرخصة في حقهم وأنه هو يستمر على الإحرام أخذًا بالعزيمة في حق نفسه فأشارت عليه أن يتحلل لينفي عنهم هذا الاحتمال فقالت: (اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بدنك) بضم الموحدة وسكون المهملة (وتدعو حالقك) بنصب الفعل عطفًا على الفعل المنصوب قبله (فيلحقك فخرج) ﵊ (فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك نحر بدنه) بضم الموحدة وسكون المهملة وكانوا سبعين بدنة فيها جمل لأبي جهل في رأسه برّة من فضة ولأبي ذر عن الكشميهني هديه (ودعا حالقه) هو خراش بمعجمتين ابن أمية بن الفضل الخزاعي الكعبي (فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا) هديهم ممتثلين ما أمرهم به إذ لم تبق بعد ذلك غاية تنتظر (وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا) أي
стр. 3345
ازدحامًا وفيه فضيلة أم سلمة ووفور عقلها، وقد قال إمام الحرمين في النهاية: قيل ما أشارت امرأة بصواب إلا أم سلمة في هذه القضية.
(ثم جاءه) ﵊ (نسوة مؤمنات) بعد ذلك في أثناء مدة الصلح (فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات﴾) نصب على الحال (﴿فامتحنوهن﴾) فاختبروهن بما يغلب على ظنكم موافقة قلوبهن (حتى بلغ ﴿بعصم الكوافر﴾) [الممتحنة: ١٠] بما تعتصم به الكافرات من عقد ونسب جمع عصمة والمراد نهي المؤمنين عن المقام على نكاح المشركات وبقية الآية ﴿الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾ أي إلى أزواجهن الكفرة لقوله: ﴿لا هنّ حلٌّ لهم ولا هم يحلُّون لهنّ وآتوهم ما أنفقوا﴾ أي ما دفعوا إليهن من المهور، وهذه الآية على رواية لا يأتيك منّا أحد وإن كان على دينك إلا رددته تكون مخصصة للسنة وهذا من أحسن أمثلة ذلك وعلى طريقة بعض السلف ناسخة من قبيل نسخ السنة بالكتاب، أما على رواية: لا يأتيك منا رجل فلا إشكال فيه.
(فطلق عمر) ﵁ (يومئذٍ امرأتين) قريبة بنت أبي أمية وابنة جرول الخزاعي كما في الرواية التالية (كانتا له في الشرك) لقوله تعالى في الآية ﴿لا هنّ حِلٌّ لهم ولا هم يحلُّون لهنّ﴾ [الممتحنة: ١٠] وقد كان ذلك جائزًا في ابتداء الإسلام (فتزوّج إحداهما) وهي قريبة (معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية) وفي الرواية اللاحقة وتزوج الأخرى أبو جهم.
(ثم رجع النبي ﷺ إلى المدينة فجاءه أبو بصير) بفتح الموحدة وكسر الصاد المهملة (رجل من قريش) بدل من أبو بصير ومعنى كونه من قريش أنه منهم بالحلف وإلاّ فهو ثقفي واسمه عتبة بضم العين المهملة وسكون الفوقية ابن أسيد بفتح الهمزة على الصحيح ابن جارية بالجيم الثقفي حليف بني زهرة وبنو زهرة من قريش (وهو مسلم) جملة حالية (فأرسلوا) أي قريش (في طلبه رجلين) هما خنيس بخاء معجمة مضمومة ونون مفتوحة آخره سين مهملة مصغرًا ابن جابر وأزهر بن عوف لزهريّ إلى رسول الله ﷺ (فقالوا العهد الذي جعلت لنا) يوم الحديبية أن ترد إلينا من جاء منا وإن كان على دينك وسألوه أن يردّ إليهم أبا بصير كما وقع في الصلح (فدفعه) ﵇ (إلى الرجلين) وفاء بالعهد (فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرحلين) في رواية ابن سعد لخنيس بن جابر ولابن إسحاق للعامري (والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدًا فاستلّه الآخر) أي أخرج السيف صاحبه من غمده (فقال: أجل) نعم (والله إنه لجيد لقد جرّبت به ثم جرّبت، فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه فأمكنه منه) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي به بدل منه أي بيده (فضربه) أبو بصير (حتى برد) بفتح الموحدة والراء أي مات (وفرّ الآخر) وعند ابن إسحاق وخرج المولى يشتد أي هربًا وهو مولى خنيس واسمه كوثر (حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو) بالعين المهملة (فقال رسول الله ﷺ حين رآه) (لقد رأى هذا ذعرًا) بضم الذال المعجمة وسكون العين المهملة خوفًا (فلما انتهى إلى النبي ﷺ قال قتل) بضم القاف مبنيًّا للمفعول ولأبي ذر قتل بفتح
стр. 3346
القاف والتاء أي قتل أبو بصير (والله صاحبي وإني لمقتول) أي إن لم تردّوه عني (فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله قد والله أوفى الله ذمتك) كان القياس أن يقول والله قد أوفى الله ذمتك لكن القسم محذوف والمذكور مؤكد له ولغير أبي ذر إليك ذمتك (قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم قال النبي ﷺ ¬) (ويل أمه) برفع اللام في رواية أبي ذر خبر مبتدأ أي هو ويل لأمه وقطع همزة أمه وتشديد ميمها مكسورة وفي نسخة ويل أمه بحذف الهمزة تخفيفًا، وفي أخرى ويل أمه بنصب اللام على أنه مفعول مطلق. قال الجوهري: وإذا أضفته فليس فيه إلا النصب وفي اليونينية ويل أمه بكسر اللام وقطع الهمزة. قال ابن مالك تبعًا للخليل: وي كلمة تعجب وهي من أسماء الأفعال واللام بعدها مكسورة ويجوز ضمها إتباعًا للهمزة وحذف الهمزة تخفيفًا. وقال الفراء أصل قولهم ويل فلان وي لفلان أي حزن له فكثر الاستعمال فألحقوا بها اللام فصارت كأنها منها وأعربوها (مسعر حرب) بكسر الميم وسكون السين وفتح العين المهملتين بالنصب على التمييز أو الحال مثل لله درّه فارسًا ولأبي ذر مسعر بالرفع أي هو مسعر وحرب مجرور بالإضافة وأصل ويل دعاء عليه واستعمل هنا للتعجب من إقدامه في الحرب والإيقاد لنارها وسرعة النهوض لها (لو كان له أحد) ينصره لإسعار الحرب لأثار الفتنة وأفسد الصلح، (فلما سمع) أبو بصير (ذلك عرف أنه) ﵇ (سيردّه إليهم فخرج حتى أتى سيف البحر) بكسر السين المهملة وسكون التحتية وبعدها فاء أي ساحله في موضع يسمى العيص بكسر العين المهملة وسكون التحتية آخره صاد مهملة على طريق أهل مكة إذا قصدوا الشام.
(قال وينفلت) بالفاء والمثناة الفوقية أي ويتخلص (منهم أبو جندل بن سهيل) أي من أبيه وأهله من مكة وعبّر بصيغة الاستقبال إشارة إلى إرادة مشاهدة الحال على حدّ قوله تعالى: ﴿الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابًا﴾ [الروم: ٤٨] وفي رواية أبي الأسود عن عروة وانفلت أبو جندل في سبعين راكبًا مسلمين (فلحق بأبي بصير) بسيف البحر (فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة) بكسر العين جماعة ولا واحد لها من لفظها وهي تطلق على الأربعين فما دونها، لكن عند ابن إسحاق أنهم بلغوا نحوًا من سبعين بل جزم به عروة في المغازي وزاد وكرهوا أن يقدموا المدينة في مدة الهدنة خشية أن يعادوا إلى المشركين وسمى الواقدي منهم الوليد بن الوليد بن المغيرة. (فوالله ما يسمعون بعير) بخبر عير بكسر العين قافلة (خرجت) من مكة (لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها) وقفوا لها في طريقها بالعرض وذلك كناية عن منعهم لها من المسير، (فقتلوهم وأخذوا أموالهم فأرسلت قريش) أبا سفيان بن حرب (إلى النبي ﷺ تناشده بالله والرحم) تقول له سألتك بالله وبحق القرابة ولأبي ذر تناشده الله والرحم (لما) بالتشديد أي ألا (أرسل) إلى أبي بصير وأصحابه بالامتناع عن إيذاء قريش (فمن أتاه) منهم مسلمًا (فهو آمن) من الرد إلى قريش (فأرسل النبي ﷺ إليهم) زاد في رواية أبي الأسود فقدموا عليه، وفيها: فعلم الذين كانوا أشاروا بأن لا يسلم أبا جندل إلى أبيه أن طاعة رسول الله ﷺ خير مما كرهوا (فأنزل الله تعالى ﴿وهو الذي كفّ أيديهم عنكم﴾) أي أيدي كفار مكة (﴿وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم
стр. 3347
عليهم﴾) [الفتح: ٢٤] أي أظهركم عليهم (حتى بلغ الحمية حمية الجاهلية) أي التي تمنع الإذعان للحق وسقط لأبي ذر قوله: ﴿ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم﴾ وقوله: الحمية من قوله حتى بلغ الحمية (وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبيّ الله، ولم يقرّوا ببسم الله الرحمن الرحيم وحالوا بينهم وبين البيت) وظاهر قوله فأنزل الله ﴿وهو الذي كفّ أيديهم﴾ أنها نزلت في شأن أبي بصير وفيه نظر والمشهور أنها نزلت بسبب القوم الذين أرادوا من قريش أن يأخذوا المسلمين غرّة فطفروا بهم فعفا عنهم النبي ﷺ فنزلت. رواه مسلم وغيره زاد أبو ذر عن المستملي.
قال أبو عبد الله البخاري مفسرًا لبعض غريب في بعض الآية من المجاز لأبي عبيدة معرة مفعلة من العرّ بضم العين وتشديد الراء الجرب بالجيم يعني أن المعرة مشتقة من عرّه إذا دهاه ما يكره ويشق عليه والعر هو الجرب. قال الجوهري: العر بالفتح الجرب وبالضم قروح مثل القوباء تخرج بالإبل متفرقة في مشافرها وقوائمها يسيل منها مثل الماء الأصفر فتكوى الصحاح لئلا تعديها المراض.
تزيلوا: انمازوا أي تميز بعضهم وقوله: انمازوا ليس في الفرع وأصله وحميت القوم منعتهم من حصول الشر والأذى إليهم ومصدره حماية على وزن فعالة بالكسر وأحميت الحمى بكسر الحاء وفتح الميم مقصورًا جعلته حمى لا يدخل فيه ولا يقرب منه وهو بضم الياء وفتح الخاء مبنيًّا للمفعول، وأحميت الحديد في النار فهو محمي وأحميت الرجل إذا أغضبته ومصدره إحماء بكسر الهمزة وسكون الحاء المهملة.
٢٧٣٣ - وَقَالَ عُقَيْلٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ: "قَالَ عُرْوَةُ فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَمْتَحِنُهُنَّ. وَبَلَغَنَا أَنَّهُ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَرُدُّوا إِلَى الْمُشْرِكِينَ مَا أَنْفَقُوا عَلَى مَنْ هَاجَرَ مِنْ أَزْوَاجِهِمْ، وَحَكَمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ لَا يُمَسِّكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ، أَنَّ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَيْنِ -قَرِيبَةَ بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ. وَابْنَةَ جَرْوَلٍ الْخُزَاعِيِّ فَتَزَوَّجَ قَرِيبَةَ مُعَاوِيَةُ وَتَزَوَّجَ الأُخْرَى أَبُو جَهْمٍ. فَلَمَّا أَبَى الْكُفَّارُ أَنْ يُقِرُّوا بِأَدَاءِ مَا أَنْفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَىْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ﴾ [الممتحنة: ١١] وَالْعَقِبُ مَا يُؤَدِّي الْمُسْلِمُونَ إِلَى مَنْ هَاجَرَتِ امْرَأَتُهُ مِنَ الْكُفَّارِ، فَأَمَرَ أَنْ يُعْطَى مَنْ ذَهَبَ لَهُ زَوْجٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَا أَنْفَقَ مِنْ صَدَاقِ نِسَاءِ الْكُفَّارِ اللاَّئِي هَاجَرْنَ، وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ ارْتَدَّتْ بَعْدَ إِيمَانِهَا. وَبَلَغَنَا أَنَّ أَبَا بَصِيرِ بْنَ أَسِيدٍ الثَّقَفِيَّ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مُؤْمِنًا مُهَاجِرًا فِي الْمُدَّةِ، فَكَتَبَ الأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُهُ أَبَا بَصِيرٍ" فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
(وقال عقيل) بضم العين فيما تقدم موصولاً في الشروط (عن الزهري) محمد بن مسلم (قال عروة) بن الزبير (فأخبرتني عائشة) ﵂ (أن رسول الله ﷺ كان يمتحنهن) أي يختبر المهاجرات بالحلف والنظر في الإمارات.
стр. 3348
قال الزهري فيما وصله ابن مردويه في تفسيره: (وبلغنا أنه لما أنزل الله تعالى أن يردّوا إلى المشركين ما أنففوا على من هاجر من أزواجهم) أي من الأصدقة (وحكم على المسلمين أن لا يمسكوا بعِصَم الكوافر أن عمر) بن الخطاب ﵁ (طلق امرأتين قريبة) بضم القاف وفتح الراء وبعد التحتية موحدة وللكشميهني قريبة بفتح القاف وكسر الراء (بنت أبي أمية وابنة جرول) بفتح الجيم وسكون الراء أم عبد الله بن عمر (الخزاعي) بالخاء المضمومة والزاي المعجمتين (فتزوّج قريبة) وللحموي والمستملي قريبة بضمّ القاف (معاوية بن أبي سفيان وتزوّج الأخرى أبو جهم) بفتح الجيم وسكون الهاء عامر بن حذيفة الأموي (فلما أبى الكفار أن يقرّوا بأداء ما أنفق المسلمون على أزواجهم) المأمور به في قوله تعالى: ﴿واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا﴾ [الممتحنة: ٢٠] أي وطالبوا بما أنفقتم من مهور نسائكم اللاحقات بالكفار وليطالبوا بما أنفقوا من مهور أزواجهن اللاتي هاجرن إلى المسلمين (أنزل الله تعالى ﴿وإن فاتكم﴾) وإن سبقكم وانفلت منكم مرتدًّا (﴿شيء﴾) أحد (﴿من أزواجكم﴾) وإيقاع شيء موقع أحد للتحقير والمبالغة في التعميم أي شيء من مهورهن (﴿إلى الكفار فعاقبتم﴾ [الممتحنة: ١١] والعقب) بفتح العين وسكون القاف في اليونينية وقد تفتح هو (ما يؤدي المسلمون) من المهر (إلى من هاجرت امرأته) المسلمة (من الكفار) إلى المسلمين (فأمر) الله تعالى (أن يعطى) بضم الياء مبنيًّا للمفعول (من ذهب له زوج من المسلمين) إلى الكفار مرتدة مثل (ما أنفق) عليها من المهر مفعول ثانٍ ليعطى (من صداق نساء الكفار) الجار والمجرور متعلق بيعطى (اللاتي) أسلمن و (هاجرن) إلى المسلمين إذا تزوّجن ولا يعطى الزوج الكافر شيئًا (وما نعلم أحدًا) ولأبي ذر: وما نعلم أن أحدًا (من المهاجرات ارتدّت بعد إيمانها).
قال الزهري: (وبلغنا أن أبا بصير بن أسيد) بفتح الهمزة (الثففي) بالمثلثة فالقاف فالفاء وهذا من مرسل الزهري بخلافه في رواية معمر فإنه موصول إلى المسور (قدم على النبي ﷺ ¬) حال كونه (مؤمنًا) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي من منى قال الحافظ ابن حجر وهو تصحيف (مهاجرًا) حال من الأحوال المترادفة أو المتداخلة (في المدة) التي وقع الصلح عليها (فكتب الأخنس) بهمزة مفتوحة فخاء معجمة ساكنة وبعد النون المفتوحة سين مهملة (ابن شريق) بشين معجمة مفتوحة فراء مكسورة وبعد التحتية الساكنة قاف (إلى النبي ﷺ يسأله أبا بصير) أن يردّه إليهم وفاء بالعهد (فذكر الحديث) الى آخره.
وفي الرواية السابقة فأرسلوا في طلبه رجلين وقد سماهما ابن سعد في طبقاته خنيس بمعجمة ونون مصغرًا ابن جابر ومولى له يقال له كوثر، وقال ابن إسحاق: فكتب الأخنس بن شريق والأزهر بن عبد عوف إلى رسول الله ﷺ كتابًا وبعثا به مع مولى لهما ورجل من بني عامر استأجراه ببكرين انتهى.
قال في الفتح: والأخنس من ثقيف رهط أبي بصير وأزهر من بني زهرة حلفاء أبي بصير فلكلٍّ منهما المطالبة بردّه.
стр. 3349
١٦ - باب الشُّرُوطِ فِي الْقَرْضِ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَعَطَاءٌ ﵄: إِذَا أَجَّلَهُ عن الْقَرْضِ جَازَ
(باب الشروط في القرض. وقال ابن عمر) بن الخطاب (وعطاء) هو ابن أبي رباح (﵄ إذا أجله) إلى أجل معلوم (في القرض جاز) أي التأجيل أي صح القرض بشرطه وهذا قد سبق معناه في باب إذا أقرضه إلى أجل مسمى.
٢٧٣٤ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: "عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلاً سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارِ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى".
(وقال الليث) بن سعد الإمام فيما وصله في باب التجارة في البحر من رواية أبي ذر عن المستملي فقال: حدّثني عبد الله بن صالح قال حدّثني الليث قال: (حدّثني) بالإفراد (جعفر بن ربيعة) بن شرحبيل بن حسنة القرشي (عن عبد الرحمن بن هرمز) الأعرج (عن أبي هريرة- ﵁ عن رسول الله ﷺ ¬) (أنه ذكر رجلاً سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار فدفعها) المسلف (إليه) أي المستلف (إلى أجل مسمى) معلوم والذي أسلم هو النجاشي كما سماه في مسند الصحابة الذين نزلوا مصر لمحمد بن الربيع الجيزيّ بإسناد له فيه مجهول من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا.
والحديث سبق تامًّا في باب الكفالة في القرض، وهذا الباب جميعه ثابت في رواية أبي ذر عن الحموي والمستملي ساقط لغيرهما وقال في الفتح: إنه ساقط للنسفي لكن زاد في الترجمة التي تليه فقال: باب الشروط في القرض والمكاتب إلخ … وفي الفرع كأصله علامة تأخير الحديث عن الأثر.
١٧ - باب الْمُكَاتَبِ، وَمَا لَا يَحِلُّ مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي تُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ
وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ فِي الْمُكَاتَبِ: شُرُوطُهُمْ بَيْنَهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ -أَوْ عُمَرُ-: كُلُّ شَرْطٍ خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ فَهْوَ بَاطِلٌ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يُقَالُ عَنْ كِلَيْهِمَا، عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ.
(باب) حكم (المكاتب وما لا يحل من الشروط التي تخالف كتاب الله) أي حكم كتاب الله وهو أعم من أن يكون نصًّا أو استنباطًا (وقال جابر بن عبد الله ﵄) مما وصله سفيان الثوري في كتاب الفرائض له من طريق مجاهد عن جابر (في المكاتب شروطهم) أي شروط المكاتبين
стр. 3350
وساداتهم (بينهم) معتبرة، (وقال ابن عمر أو) أبوه (عمر) بن الخطاب كذا وقع بالشك ولم يقل في رواية النسفيّ أو عمر (﵄ كل شرط خالف كتاب الله) أي حكم كتاب الله (فهو باطل وإن اشترط مائة شرط. وقال أبو عبد الله) البخاري: (يقال عن كليهما عن عمر وابن عمر) كذا في رواية كريمة وسقط قوله: وقال أبو عبد الله إلى آخره عند أبي ذر.
٢٧٣٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "أَتَتْهَا بَرِيرَةُ تَسْأَلُهَا فِي كِتَابَتِهَا فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتِ أَعْطَيْتُ أَهْلَكِ وَيَكُونُ الْوَلَاءُ لِي. فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَكَّرْتُهُ ذَلِكَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ابْتَاعِيهَا فَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ. ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ".
وبه قال: (حدّثنا عليّ بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن يحيى) بن سعيد الأنصاري (عن عمرة) بنت عبد الرحمن الأنصارية (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: أتتها بريرة تسألها) أن تعينها (في كتابتها) وفي رواية عروة عن عائشة تستعينها في كتابتها (فقالت) عائشة لها (إن شئت أعطيت أهلك) ثمنك وأعتقتك (ويكون الولاء) عليك (لي) فذكرت بريرة ذلك لأهلها فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم (فلما جاء رسول الله ﷺ ¬) لعائشة (ذكرته ذلك) بتخفيف كاف ذكرته ولأبي ذر ذكرته بتشديدها وفتح الراء وسكون الفوقية وفي نسخة بسكون الراء وضم الفوقية (قال النبي ﷺ ¬):
(ابتاعيها) بهمزة وصل (فأعتقيها) بهمزة قطع (فإنما الولاء لمن أعتق) لا غيره (ثم قام رسول الله ﷺ على المنبر) خطيبًا (فقال: ما بال) ما شأن (أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله) أي ليست في حكم الله الذي كتبه على عباده وشرعه لهم وليس المراد به خصوص القرآن لأن كون الولاء للمعتق غير منصوص في القرآن، ولكن الكتاب أمر بطاعة الرسول واتباع حكمه وقد حكم بأن الولاء لمن أعتق (من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فليس له وإن اشترط مائة شرط) التقييد بالمائة للتأكيد لأن العموم في قوله: من اشترط دال على بطلان جميع الشروط المذكورة فلو زادت الشروط على المائة كان الحكم كذلك لما دلّت عليه الصيغة. وهذا الحديث قد سبق غير مرة.
١٨ - باب مَا يَجُوزُ مِنَ الاِشْتِرَاطِ وَالثُّنْيَا فِي الإِقْرَارِ، وَالشُّرُوطِ الَّتِي يَتَعَارَفُهَا النَّاسُ بَيْنَهُمْ. وَإِذَا قَالَ مِائَةٌ إِلاَّ وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ
وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ: قَالَ رَجُلٌ لِكَرِيِّهِ: أَدْخِلْ رِكَابَكَ، فَإِنْ لَمْ أَرْحَلْ مَعَكَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا فَلَكَ مِائَةُ دِرْهَمٍ، فَلَمْ يَخْرُجْ، فَقَالَ شُرَيْحٌ: مَنْ شَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ طَائِعًا غَيْرَ مُكْرَهٍ فَهْوَ
стр. 3351
عَلَيْهِ. وَقَالَ أَيُّوبُ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ: إِنَّ رَجُلاً بَاعَ طَعَامًا. قَالَ: إِنْ لَمْ آتِكَ الأَرْبِعَاءَ فَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بَيْعٌ، فَلَمْ يَجِئْ. فَقَالَ شُرَيْحٌ لِلْمُشْتَرِي: أَنْتَ أَخْلَفْتَ، فَقَضَى عَلَيْهِ.
(باب) بيان (ما يجوز من الاشتراط والثنيا) بضم المثلثة وسكون النون بعدها تحتية مقصورًا الاستثناء (في الإقرار و) بيان (الشروط التي يتعارفها) ولأبي ذر عن الكشميهني يتعارفه (الناس بينهم) كشرط نقل المبيع من مكان البائع فإنه جائز لأنه تصريح بمقتضى العقد أو شرط قطع الثمار أو تبقيتها بعد الصلاح، أو شرط أن يعمل فيه البائع عملاً معلومًا كأن باع ثوبًا بشرط أن يخيطه في أضعف الأقوال وهو في المعنى بيع وإجارة يوزع المسمى عليهما باعتبار القيمة، وقيل يبطل الشرط ويصح البيع بما يقابل المبيع من المسمى والأصح بطلانهما لاشتمال البيع على شرط عمل فيما لم يملكه بعد (وإذا قال) لفلان عليّ (مائة إلا واحدة أو اثنتين) بكسر المثلثة وهذا استثناء قليل من كثير لا خلاف فيه فيصحّ ويلزمه في قوله إلاّ واحدة تسعة وتسعون درهمًا وفي قوله الاثنتين ثمانية وتسعون.
(وقال ابن عون) بفتح العين المهملة وبعد الواو الساكنة نون عبد الله بن أرطبان البصري مما وصله سعيد بن منصور عن هشيم عنه (عن ابن سيرين) محمد (قال رجل) ولأبي ذر عن الكشميهني قال الرجل بالتعريف (لكريه) بفتح الكاف وكسر الراء وتشديد التحتية بوزن فعيل المكاري، وقال الجوهري: يطلق على المكري وعلى المكتري أيضًا (أدخل) بهمزة مفتوحة فدال مهملة ساكنة فحاء معجمة مكسورة أمر من الإدخال، ولأبي ذر عن الكشميهني: ارحل بهمزة مكسورة فراء ساكنة فحاء مهملة مفتوحة (ركابك) بكسر الراء منصوب بأدخل الإبل التي يسار عليها الواحدة راحلة لا واحد لها من لفظها أي أدخلها فناءك لأرحل معك يوم كذا وكذا (فإن لم أرحل معك يوم كذا وكذا فلك مائة درهم فلم يخرج) أي لم يرحل معه (فقال شريح) القاضي: (من شرط على نفسه) شيئًا حال كونه (طائعًا) مختارًا (غير مكره) عليه (فهو) أي الشرط الذي شرطه (عليه) أي يلزمه، وقال الجمهور: هي عدة فلا يلزم الوفاء بها.
(وقال أيوب) السختياني مما وصله سعيد بن منصور (عن ابن سيرين) محمد (أن رجلاً باع طعامًا) لآخر (وقال) المشتري للبائع (إن لم آتك الأربعاء) بكسر الموحدة أي يوم الأربعاء (فليس بيني وبينك بيع فلم يجيء) أي المشتري، (فقال شريح) القاضي: (للمشتري) عند التحكيم إليه (أنت أخلفت) الميعاد (فقضى عليه) برفع البيع وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد، وقال مالك والشافعي: يصح البيع ويبطل الشرط.
٢٧٣٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا، مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ».
[الحديث ٢٧٣٦ - طرفاه في: ٦٤١٠، ٧٣٩٢].
стр. 3352
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة الحمصي قال: (حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال):
(إن لله تسعة وتسعين اسمًا) بالنصب على التمييز وليس فيه نفي غيرها وقد نقل ابن العربي إن لله ألف اسم قال وهذا قليل فيها ولو كان البحر مدادًا لأسماء ربي لنفد البحر قبل أن تنفد أسماء ربي ولو جئنا بسبعة أبحر مثله مدادًا.
وفي الحديث "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتبك أو علمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك" وإنما خص هذه لشهرتها. ولما كانت معرفة أسماء الله تعالى وصفاته توقيفية إنما تعلم من طريق الوحي والسُّنّة، ولم يكن لنا أن نتصرف فيها بما لم يهتدِ إليه مبلغ علمنا ومنتهى عقولنا، وقد منعنا عن إطلاق ما لم يرد به التوقيف في ذلك وإن جوّزه العقل وحكم به القياس كان الخطأ في ذلك غيرهن والمخطئ فيه غير معذور والنقصان عنه كالزيادة فيه غير مرضي، وكان الاحتمال في رسم الخط واقعًا باشتباه تسعة وتسعين في زلّة الكاتب وهفوة القلم بسبعة وسبعين أو سبعة وتسعين أو تسعة وسبعين فينشأ الاختلاف في المسموع من المسطور أكده حسمًا للمادة وإرشادًا إلى الاحتياط بقوله:
(مائة) بالنصب على البدلية (إلا) اسمًا (واحدًا) ولأبي ذر إلا واحدة بالتأنيث ذهابًا إلى معنى التسمية أو الصفة أو الكلمة (من أحصاها) علمًا وإيمانًا أو عدًّا لها حتى يستوفيها فلا يقتصر على بعضها بل يثني على الله ويدعوه بجميعها أو من عقلها وأحاط بمعانيها أو حفظها (دخل الجنة).
وبقية مباحث هذا الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في محالها، وكأن المؤلّف أورده ليستدل به على أن الكلام إنما يتم بآخره فإذا كان فيه استثناء أو شرط عمل به وأخذ ذلك من قوله مائة إلا واحدًا وهو في الاستثناء مسلم فلو قال في البيع: بعث من هذه الصبرة مائة صاع إلا صاعًا صح وعمل به وكان بائعًا لتسعة وتسعين صاعًا، وكذا في الإقرار كما مرّ ولا يؤخذ بأوّل كلامه ويلغى آخره، لكن في استنباط ذلك من هذا الحديث نظر لأن قوله: مائة إلا واحدًا إنما ذكر تأكيدًا لما تقدم فلم يستفد به فائدة مستأنفة حتى يستنبط منه هذا الحكم لحصول هذا المقصود بقوله تسعة وتسعين اسمًا. وأما الشروط فليست صورة الحديث قاله الوليّ بن العراقي.
وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في التوحيد والترمذي في الدعوات والنسائي في النعوت وابن ماجة في الدعاء.
١٩ - باب الشُّرُوطِ فِي الْوَقْفِ
(باب الشروط في الوقف).
стр. 3353
٢٧٣٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ قَالَ: أَنْبَأَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: "أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَصَابَ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالاً قَطُّ أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُنِي بِهِ؟ قَالَ: إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا. قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ. وَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الْفُقَرَاءِ وَفِي الْقُرْبَى وَفِي الرِّقَابِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَالضَّيْفِ، ولَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، وَيُطْعِمَ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ". قَالَ: فَحَدَّثْتُ بِهِ ابْنَ سِيرِينَ فَقَالَ: "غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالاً".
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء الثقفي البغلاني قال: (حدّثنا محمد بن عبد الله الأنصاري) قال: (حدّثنا ابن عون) بفتح المهملة وبالنون عبد الله البصري (قال: أنبأني) بالإفراد أي أخبرني والإنباء يطلق على الإجازة أيضًا كما عرف في موضعه (نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر ﵄ أن) أباه (عمر بن الخطاب) ﵁ (أصاب أرضًا بخيبر فأتى النبي ﷺ يستأمره) أي يستشيره (فيها فقال: يا رسول الله إني أصبت أرضًا بخيبر) تسمى ثمغ بفتح المثلثة وسكون الميم وبالغين المعجمة (لم أصب مالاّ قطّ أنفس) أي أجود (عندي منه فما تأمرني به) أن أفعل فيها (قال) ﵇:
(إن شئت حبست) بتشديد الموحدة أي وقفت (أصلها وتصدقت بها) (قال: فتصدّق بها عمر أنه لا يباع) أصلها (ولا يوهب ولا يورث وتصدق بها على الفقراء وفي القربى) القرابة في الرحم (وفي) فك (الرقاب) وهم المكاتبون بأن يدفع إليهم شيء من الوقف تفك به رقابهم (وفي سبيل الله) منقطع الحاج ومنقطع الغزاة (وابن السبيل) الذي له مال في بلدة لا يصل إليها وهو فقير (والضيف) من عطف العام على الخاص (لا جناح) لا إثم (على من وليها) ولي التحدّث على تلك الأرض (أن يأكل منها) من ريعها (بالمعروف) بحسب ما يحتمل ريع الوقف على الوجه المعتاد (ويطعم) بالنصب عطفًا على المنصوب بضم الياء من الإطعام بأن يطعم غيره حال كونه (غير متموّل. قال) ابن عون (فحدّثت به) بهذا الحديث (ابن سيرين) محمدًا (فقال غير متأثل) بضم الميم وفتح الفوقية وبعد الهمزة المفتوحة مثلثة مشدّدة مكسورة فلام أي جامع (مالاً) وقول الزركشي مالاً نصب على التمييز. قال الإمام بدر الدين الدماميني: إنه خطأ وإنما نصب على أنه مفعول به أي لمتأثل.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الوصايا وكذا مسلم وأخرجه النسائي في الأحباس والله تعالى أعلم.
стр. 3354
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٥٥ - كتاب الوصايا
(كتاب الوصايا). جمع وصية وهي لغة الإيصال من وصى الشيء بكذا أوصله به لأن الموصي وصل خير دنياه بخير عقباه، وشرعًا تبرع بحق مضاف إلى ما بعد الموت ليس بتدبير ولا تعليق عتق وإن التحقا بها حكمًا في حسابهما من الثلث كالتبرع المنجز في مرض الموت أو الملحق به.
١ - باب الْوَصَايَا، وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «وَصِيَّةُ الرَّجُلِ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ»
وَقَوْلِ اللَّهِ : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ * فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ جَنَفًا: مَيْلاً. مُتَجَانِفٌ: مَائِلٌ.
(بسم الله الرحمن الرحيم). (باب) حكم (الوصايا) وقدّم النسفيّ في روايته البسملة على لفظ كتاب (و) باب (قول النبي ﷺ : وصية الرجل مكتوبة عنده) التقييد بالرجل خرج مخرج الغالب، وإلا فلا فرق في الوصية الصحيحة بين الرجل والمرأة، لكن قال الحافظ ابن حجر: إنه لم يقف على هذا الحديث باللفظ المذكور فكأنه رواه بالمعنى فإن المرء هو الرجل، (و) باب (قول الله تعالى): ولأبي ذر: وقال الله : (﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت﴾) أي حضرت أسبابه وظهرت أماراته ﴿إن ترك خيرًا﴾ مالاً، وقيل: مالاً كثيرًا لما روي عن علي ﵁ أن مولى له أراد أن يوصي وله سبعمائة درهم فمنعه، وقال الله تعالى: (﴿إن ترك خيرًا﴾) والخير هو المال الكثير (﴿الوصية﴾) مرفوع بكتب وتذكير فعلها على تأويل أن يوصي أو الإيصاء (﴿للوالدين والأقربين بالمعروف﴾) بالعدل فلا يفضل الغنى ولا يتجاوز الثلث (﴿حقًّا على المتقين﴾) مصدر مؤكد أي حق حقًّا أي واجبًا (﴿فمن بدّله﴾) أي بدل ما ذكر من الوصية (﴿بعدما سمعه﴾) وصل إليه (﴿فإنما إثمه على الذين يبدّلونه﴾) ووقع
стр. 3355
أجر الميت على الله (﴿إن الله سميع﴾) للوصية (﴿عليم﴾) بما بدل منها فيجازي المبدل بغير حق، وهذا الحكم كان في بدء الإسلام قبل نزول آية المواريث فلما نزلت نسختها وصارت المواريث المقررة فريضة من الله يأخذها أهلها حتمًا من غير وصية ولا تحمل ما نيّة الوصي، وفي حديث عمرو بن خارجة في السنن مرفوعًا "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" (﴿فمن خاف من موصٍ﴾) أي توقع وعلم (﴿جنفًا أو إثمًا﴾) بأن تعمد الجور في وصيته فزاد على الثلث (﴿فأصلح بينهم﴾) بين الموصي لهم بردّ ما زاد (﴿فلا إثم عليه﴾) في هذا التبديل لأنه تبديل باطل إلى حق بخلاف الأوّل (﴿إن الله غفور رحيم﴾) [البقرة: ١٨٠ و ١٨١ و ١٨٢] حيث لم يجعل على عباده حرجًا في الدين، وقال البخاري مفسرًا لقوله (جنفًا) أي (ميلاً) رواه الطبري عن عطاء بإسناد صحيح (متجانف): أي (مائل). ولغير أبي ذر كما في فتح الباري: متمايل، وسقط لأبي ذر من قوله: ﴿والأقربين﴾ إلى الآخر، وقال بعد قوله: (﴿للوالدين﴾) إلى ﴿جنفًا﴾ وللنسفيّ كما في الفتح الآية، وفي نسخة ﴿والأقربين بالمعروف﴾ إلى قوله: ﴿إن الله غفور رحيم﴾.
٢٧٣٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَىْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلاَّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ».
تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ عَمْرٍو عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وبه قال (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄¬) وسقط لأبي ذر عبد الله (أن رسول الله ﷺ قال):
(ما) أي ليس (حق امرئ) رجل (مسلم) أو ذمي، ولمسلم عن أيوب عن نافع "ما حق امرئ يؤمن بالوصية" قال ابن عبد البر: فسّره ابن عيينة أي يؤمن بأنها حق (له شيء) صفة لامرئ، وعند البيهقي "له مال" بدل "شيء" حال كونه (يوصي فيه) صفة لشيء حال كونه "يبيت ليلتين" صفة أخرى لامرئ ومفعول يبيت محذوف تقديره آمنًا أو ذاكرًا أو موعوكًا، وعند البيهقي ليلة أو ليلتين، ولمسلم والنسائي ثلاث ليالٍ، والاختلاف دالٌّ على التقريب لا التحديد والمبتدأ الذي هو ما حق محصور في خبره المقدّر بعد "إلا" من قوله: (إلاّ ووصيته) أي ما حقه إلا المبيت ووصيته (مكتوبة عنده). مشهود بها فإن الغالب إنما يكتب العدول قال الله تعالى: ﴿شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم﴾ [المائدة: ١٠٦] ولأن أكثر الناس لا يحسن الكتابة فلا دلالة فيه على اعتماد الخط، ونقل في المصابيح: فيما إذا وجدت وصية بخط الميت من غير إشهاد في تَرِكته ويعرف أنها خطه بشهادة عدلين عن الباجي أنها لا يثبت شيء منها لأنه قد يكتب ولا يعزم. رواه ابن القاسم في المجموعة والعتبية ولم يحكِ ابن عرفة فيها خلافًا، والواو في ووصيته اللحال، قال في العدة: ويحتمل أن يكون خبر المبتدأ يبيت بتأويله بالمصدر تقديره ما حقه بيتوتة ليلتين
стр. 3356
إلا وهو بهذه الصفة، وهذا معنى قوله في المصابيح أن يبيت ليلتين ارتفع بعد حذف أن مثل قوله تعالى: ﴿ومن آياته يريكم البرق﴾ [الروم: ٢٤] وقال في الفتح ونحوه، وتعقبه العيني فقال هذا قياس فاسد وفيه تغيير المعنى أيضًا، وإنما قدر أن في قوله تعالى: ﴿يريكم البرق﴾ لأنه في موضع الابتداء لأن قولها ﴿ومن آياته﴾ في موضع الخبر والفعل لا يقع مبتدأ فتقدر أن فيه حتى يكون في معنى المصدر فيصح حينئذٍ وقوعه مبتدأ فمن له ذوق في العربية يفهم هذا ويعلم تغيير المعنى فيما قال انتهى ولم يجب عن ذلك في انتقاض الاعتراض بشيء بل بيض له ككثير من الاعتراضات التي أوردها العيني عليه لكن يدل لما قالوه رواية النسائي من طريق فضيل بن عياض عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر حين قال فيها: أن يبيت، فصرح بأن المصدرية والتعبير بالمسلم جرى على الغالب وإلاّ فالذمي كذلك فإن الكفار مخاطبون بالفروع.
فإن قلت: الوصية شرعت زيادة في العمل الصالح والكافر لا عمل له بعد الموت: أجيب: بأنهم نظروا إلى أن الوصية كالإعتاق وهو صحيح من الذمي والحربي أو التعبير بالمسلم من الخطاب المسمى عند البيانيين بالتهييج أي الذي يمتثل أمر الله ويجتنب نواهيه إنما هو المسلم ففيه إشعار بنفي الإسلام عن تارك ذلك. وقال الشافعي فيما حكاه النووي: معنى الحديث ما الحزم والاحتياط للمسلم إلا أن تكون وصيته مكتوبة عنده، وروى البيهقي في المعرفة مما قرأته فيها عن الشافعي أيضًا أنه قال في قوله: ما حق امرئ يحتمل ما لامرئ أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده، ويحتمل ما المعروف في الأخلاق إلا هذا لا من وجه الفرض انتهى.
وقد أجمع على الأمر بها، لكن مذهب الأربعة أنها مندوبة لا واجبة ولا دلالة في حديث الباب لمن قال بالوجوب وكيف، وفي رواية مسلم من طريق عبيد الله بن عمر وأيوب يريد أن يوصي فيه فجعل ذلك متعلقًا بإرادته.
سلمنا أنه يدل على الوجوب لكن صرفه عن ذلك أدلة أخرى كقوله تعالى فيما قاله السهيلي: ﴿من بعد وصية يوصي بها أو دين﴾ [النساء: ١١ و ١٢] فإنه نكر الوصية كما نكر الدين، ولو كانت الوصية واجبة لقال من بعد الوصية. نعم، روى ابن عون عن نافع عن ابن عمر الحديث بلفظ: لا يحل لامرئ مسلم، وقال المنذري: إنها تؤيد القول بالوجوب، لكن لم يتابع ابن عون على هذه الوصية، وقد قال المنذري إنها شاذة، نعم تجب الوصية على من عليه حق لله كزكاة وحج أو حق لآدمي بلا شهود بخلاف ما إذا كان به شهود فلا تجب، وهل الحكم كذلك في اليسير التي جرت العادة بردّه مع القرب فيه كلام لبعضهم مال فيه إلى أن مثل هذا لا تجب الوصية فيه على التضييق والفور مراعاة للشفقة.
وهذا الحديث رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
стр. 3357
(تابعه) أي تابع مالكًا في أصل الحديث (محمد بن مسلم) الطائفي فيما رواه الدارقطني في الإفراد (عن عمرو) هو ابن دينار (عن ابن عمر) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬).
٢٧٣٩ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَارِثِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُعْفِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ خَتَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخِي جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ قَالَ: "مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ دِرْهَمًا وَلَا دِينَارًا وَلَا عَبْدًا وَلَا أَمَةً وَلَا شَيْئًا، إِلاَّ بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ وَسِلَاحَهُ وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً".
[الحديث ٢٧٣٩ - أطرافه في: ٢٨٧٣، ٢٩١٢، ٣٠٩٨، ٤٤٦١].
وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن الحرث) البغدادي سكن نيسابور قال: (حدّثنا يحيى بن أبي بكير) بضم الموحدة مصغرًا العبدي الكوفي الكرماني لا ابن بكير المصري قال: (حدّثنا زهير بن معاوية) بضم الزاي وفتح الهاء مصغرًا (الجعفي) قال: (حدّثنا أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي (عن عمرو بن الحرث) بن أبي ضرار الخزاعي (ختن رسول الله ﷺ ¬) بفتح الخاء المعجمة والمثناة الفوقية والجر وصف لعمرو أو عطف بيان أو بدل وهو كل ما كان من قبل المرأة مثل الأب والأخ (أخي جويرية بنت الحرث) أم المؤمنين ﵂ وأخي بالجر عطفًا على المجرور السابق أنه (قال) (ما ترك رسول الله ﷺ عند موته درهمًا ولا دينارًا ولا عبدًا ولا أمة) في الرقّ (ولا شيئًا) من عطف العام على الخاص ولأبي ذر عن الكشميهني ولا شاة قال ابن حجر والأوّل أصح وزاد مسلم وأبو داود والنسائي ولا بعيرًا (إلا بغلته البيضاء وسلاحه) الذي أعده للحرب كالسيوف (وأرضًا جعلها صدقة). قال ابن التين فيما نقله العيني هي فدك والتي بخيبر وإنما تصدّق بها في صحته وأخبر بالحكم عند وفاته، وإليه أشارت عائشة ﵂ بقولها في حديثها الذي رواه مسلم وغيره المذكور ولا أوصى بشيء. قال الكرماني: الضمير في قوله وجعلها راجع إلى الثلاث أي البغلة والسلاح والأرض لا إلى الأرض فقط.
ومطابقة الحديث للترجمة من حيث أن فيه التصدّق بما ذكر وحكمه حكم الوقف وهو في معنى الوصية لبقائها بعد الموت، قاله العيني.
وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في الخمس والجهاد والمغازي والنسائي في الأحباس.
٢٧٤٠ - حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا مَالِكٌ حَدَّثَنَا هُوَ ابنُ مِغْوَلٍ حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ قَالَ: "سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى ﵄: هَلْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَوْصَى؟ فَقَالَ: لَا. فَقُلْتُ: كَيْفَ كُتِبَ عَلَى النَّاسِ الْوَصِيَّةُ أَوْ أُمِرُوا بِالْوَصِيَّةِ؟ قَالَ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ".
[الحديث ٢٧٤٠ - طرفاه في: ٤٤٦٠، ٥٠٢٢].
стр. 3358
وبه قال: (حدّثنا خلاد بن يحيى) بن صفوان أبو محمد السلمي الكوفي قال: (حدّثنا مالك) زاد أبو ذر عن المستملي والكشميهني هو ابن مغول بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح الواو آخره لام البجلي الكوفي وهذه الزيادة من قول المؤلّف. قال الكرماني: لو لم يقلها كان افتراء على شيخه إذ الشيخ لم ينسبه بل قال مالك فقط قال: (حدّثنا طلحة بن مصرف) بضم الميم وفتح الصاد المهملة وكسر الراء المشدّدة آخره فاء اليامي من بني يام من همدان (قال: سألت عبد الله بن أبي أوفى) اسمه علقمة (﵄ هل كان النبي ﷺ أوصى؟ فقال: لا) لم يوصِ وصية خاصة فالنفي ليس للعموم لأنه أثبت بعد ذلك أنه أوصى بكتاب الله والمراد أنه لم يوصِ بما يتعلق بالمال قال طلحة: (فقلت) لابن أبي أوفى أي لما فهم منه عموم النفي (كيف كتب على الناس الوصية) في قوله تعالى: ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت﴾ [البقرة: ١٨٠] الآية (أو أمروا بالوصية)؟ مبنيًّا للمفعول في أمروا ككتب والشك من الراوي (قال): في الجواب (أوصى بكتاب الله) أي بالتمسك به والعمل بمقتضاه واقتصر على الوصية بكتاب الله لكونه أعظم وأهم ولأن فيه تبيان كل شيء إما بطريق النص وإما بطريق الاستنباط فإن اتبعوا ما في الكتاب عملوا بكل ما أمرهم النبي ﷺ به لقوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر: ٧] وأما ما صح في مسلم وغيره أنه ﷺ أوصى عند موته بثلاث: لا يبقين بجزيرة العرب دينان، وفي لفظ: أخرجوا اليهود من جزيرة العرب، وقوله أجيزوا الوفد بما كنت أجيزهم به، ولم يذكر الراوي الثالثة وغير ذلك، فالظاهر أن ابن أبي أوفى لم يرد نفيه؛ قاله في الفتح.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: فكيف كتب على الناس إلخ … والحديث أخرجه في المغازي وفضائل القرآن ومسلم في الوصايا وكذا الترمذي والنسائي وابن ماجه.
٢٧٤١ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: "ذَكَرُوا عِنْدَ عَائِشَةَ أَنَّ عَلِيًّا ﵄ كَانَ وَصِيًّا، فَقَالَتْ: مَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ وَقَدْ كُنْتُ مُسْنِدَتَهُ إِلَى صَدْرِي -أَوْ قَالَتْ: حَجْرِي- فَدَعَا بِالطَّسْتِ، فَلَقَدِ انْخَنَثَ فِي حَجْرِي فَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَمَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ"؟
[الحديث ٢٧٤١ - طرفه في: ٤٤٥٩].
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن زرارة) بفتح العين وسكون الميم وزرارة بضم الزاي وتخفيف الراء الأولى ابن واقد الكلابي النيسابوري قال: (أخبرنا إسماعيل) بن علية (عن ابن عون) عبد الله (عن إبراهيم) النخعي (عن الأسود) بن يزيد خال إبراهيم أنه (قال: ذكروا عند عائشة أن عليًّا ﵄ كان وصيًّا) عنه ﷺ أوصى له بالخلافة في مرض موته (فقالت): ردًّا عليهم (متى أوصى إليه) بها (وقد كنت مسندته) خبر كان بلفظ اسم الفاعل من الإسناد (إلى صدري أو قالت حجري) بفتح الحاء والشك من الراوي (فدعا بالطست فلقد انخنث) بنون ساكنة فخاء فنون فمثلثة مفتوحات أي
стр. 3359
انثنى ومال لاسترخاء أعضائه الشريفة (في حجري) عند فراق الحياة (فما شعرت أنه قد مات فمتى أوصى إليه)؟ بالخلافة فنفت ذلك مستندة إلى ملازمتها له إلى أن مات ولم يقع منه شيء من ذلك.
وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في المغازي ومسلم في الوصايا والنسائي في الطهارة والوصايا وابن ماجه في الجنائز.
٢ - باب أَنْ يَتْرُكَ وَرَثَتَهُ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَتَكَفَّفُوا النَّاسَ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (أن يترك ورثته أغنياء) بفتح همزة أن في الفرع كأصله على أنها مصدرية أي تركه ورثته مبتدأ خبره (خير) وفي بعض الأصول أن يترك بكسر الهمزة على أنها شرطية والجزاء محذوف تقديره إن يترك ورثته أغنياء فهو خير (من أن يتكففوا الناس).
٢٧٤٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: "جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُنِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، وَهْوَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا، قَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ عَفْرَاءَ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَالشَّطْرُ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: الثُّلُثُ؟ قَالَ: فَالثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ فِي أَيْدِيهِمْ وَإِنَّكَ مَهْمَا أَنْفَقْتَ مِنْ نَفَقَةٍ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ، حَتَّى اللُّقْمَةُ الَّتِي تَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِكَ، وَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَكَ فَيَنْتَفِعَ بِكَ نَاسٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمَئِذٍ إِلاَّ ابْنَةٌ".
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن سعد بن إبراهيم) بن عبد الرحمن بن عوف (عن) خاله (عامر بن سعد) بسكون العين كالسابق (عن) أبيه (سعد بن أبي وقاص ﵁¬) أنه (قال: جاء النبي ﷺ ¬) حال كونه (يعودني) زاد الزهري في روايته في الهجرة من وجع أشفيت منه على الموت (وأنا بمكة) في حجة الوداع أو في الفتح أو في كل منهما (وهو) أي النبي ﷺ أو سعد (يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها قال):
(يرحم الله ابن عفراء) وفي رواية الزهري عن عامر في الفرائض لكن البائس سعد بن خولة.
قال الدمياطي: والزهري أحفظ من سعد بن إبراهيم فلعله وهم في قوله ابن عفراء ويحتمل أن يكون لأمه اسمان خولة وعفراء أو يكون أحدهما اسمًا والآخر لقبًا أو أحدهما اسم أمه والآخر اسم أبيه قال سعد بن أبي وقاص: (قلت يا رسول الله أوصي بمالي كله؟ قال: لا. قلت: فالشطر) بالرفع لأبوي ذر والوقت أي أفيجوز الشطر وهو النصف والجر عطفًا على قوله بمالي كله أي فأوصي بالنصف وقال الزمخشري هو بالنصب على تقدير فعل أي أعين النصف أو أسمي النصف (قال: لا. قلت: الثلث) بالرفع والجر والنصب ولأبي ذر فالثلث بالفاء والرفع والجر (قال) عليه الصلاة
стр. 3360
والسلام: (فالثلث) بالنصب على الإغراء أو بالرفع على الفاعل أي يكفيك الثلث أو على تقدير الابتداء والخبر محذوف أي الثلث كافٍ أو العكس وبالجر ولأبي ذر قال الثلث بغير فاء (والثلث كثير) بالمثلثة بالنسبة إلى ما دونه. قال في الفتح: ويحتمل أن يكون لبيان أن التصدّق بالثلث هو الأكمل أي كثير أجره، ويحتمل أن يكون معناه كثير غير قليل. قال الشافعي: وهذا أولى معانيه يعني أن الكثرة أمر نسبي (إنك) بالكسر على الاستثناء وتفتح بتقدير حرف الجر أي لأنك (إن تدع ورثتك) أي بنته وأولاد أخيه عتبة بن أبي وقاص منهم هاشم بن عتبة الصحابي ولأبي ذر: أن تدع أنت ورثتك (أغنياء) وهمزة أن تدع مفتوحة على التعليل فمحل أن تدع مرفوع على الابتداء أي تركك أولادك أغنياء والجملة بأسرها خبر أن وبكسرها على الشرطية وجزاء الشرط قوله (خير) على تقدير فهو خير وحذف الفاء من الجزاء سائغ غير مختص بالضرورة، ومن ذلك قوله ﵊ في حديث اللقطة: "فإن جاء صاحبها وإلاّ استمتع بها" بحذف الفاء في ذلك وأشباهه ومن خص هذا الحذف بضرورة الشعر فقد حاد عن التحقيق وضيق حيث لا تضييق كما قاله ابن مالك وردّ بأنه يبقى الشرط بلا جزاء.
وأجيب: بأنه إذا صحت الرواية فلا التفات إلى من لم يجوّز حذف الفاء من الجملة الاسمية بل هو دليل عليه. قال ابن مالك: الأصل إن تركت ورثتك أغنياء فهو خبر فحذف الفاء والمبتدأ ونظيره قوله: فإن جاء صاحبها وإلاّ استمتع بها، وذلك مما زعم النحويون أنه مخصوص بالضرورة وليس مخصوصًا بها بل يكثر استعماله في الشعر ويقل في غيره، ومن خصّ هذا الحذف بالشعر حاد عن التحقيق وضيق حيث لا تضييق.
(من أن تدعهم عالة) بتخفيف اللام فقراء (يتكففون الناس) يسألونهم بأكفّهم بأن يبسطوها للسؤال أو يسألون ما يكف عنهم الجوع (في أيديهم) أي بأيديهم أو يسألون بأكفهم وضع المسؤول في أيديهم (وإنك مهما) عطف على إنك أن تدع أي وإنك إن عشت فمهما (أنفقت من نفقة) ابتغاء وجه الله (فإنها صدقة) فالأجر حاصل لك حيًّا وميتًا وأجر الواجب يزداد بالنية فافهم (حتى اللقمة) بالجر على أن حتى جارّة وبالرفع لأبي ذر على كونها ابتدائية والخبر (ترفعها) وبالنصب. قال في فتح الباري عطفًا على نفقة والظاهر أنه سقط من نسخته حرف الجر أو مراده العطف على الموضع ولغير أبي ذر حتى اللقمة التي ترفعها (إلى في امرأتك) فمها (وعسى الله أن يرفعك) أي يطيل عمرك وقد حقّق الله ذلك فاتفقوا على أنه عاش بعد ذلك قريبًا من خمسين سنة (فينتفع بك ناس) من المسلمين بالغنائم مما سيفتح الله على يديك من بلاد الشرك (ويضر) مبني للمفعول (بك آخرون) من المشركين الذين يهلكون على يديك (ولم يكن له) لابن أبي وقاص (يومئذٍ) وارث من أرباب القروض أو من الأولاد (إلا ابنة) واحدة قيل اسمها عائشة. وقال في الفتح: الظاهر أنها أم الحكم الكبرى، وقال في مقدمته: ووهم من قال هي عائشة أصغر أولاده وعاشت إلى أن أدركها مالك بن أنس وقد كان لابن أبي وقاص عدة أولاد منهم عمر وإبراهيم ويحيى وإسحاق وعبد الله وعبد الرحمن وعمران
стр. 3361
وصالح وعثمان ومن البنات ثنتا عشرة بنتًا وهذا الحديث مضى في باب رثاء النبي ﷺ سعد بن خولة من كتاب الجنائز ويأتي إن شاء الله تعالى في الهجرة وغيرها.
٣ - باب الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ
وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا يَجُوزُ لِلذِّمِّيِّ وَصِيَّةٌ إِلاَّ الثُّلُثُ وَقَالَ اللَّهُ : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩].
(وقال الحسن) البصري (لا يجوز للذمي وصية إلا الثلث) فلو أوصى بأكثر لا تنفذ وصيته بالزائد. (وقال الله تعالى) ولأبي ذر: (﴿وأن احكم بينهم﴾) أي بين اليهود (﴿بما أنزل الله﴾) [المائدة: ٤٩] بالقرآن أو بالوحي فإذا تحاكم ورثة الذمي إلينا لا ننفذ من وصيته إلا الثلث لأنّا لا نحكم فيهم إلا بحكم الإسلام لهذه الآية قاله ابن المنير.
٢٧٤٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "لَوْ غَضَّ النَّاسُ إِلَى الرُّبْعِ، لأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ".
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) البغلاني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن هشام بن عروة) بن الزبير (عن أبيه عن ابن عباس ﵄¬) أنه (قال: لو غضّ الناس) بغين فضاد مشددة معجمتين أي لو نقصوا من الثلث (إلى الربع) في الوصية كان أولى وفي رواية ابن أبي عمر في مسنده عن سفيان كان أحب إليّ وعند الإسماعيلي كان أحب إلى رسول الله ﷺ (لأن رسول الله ﷺ قال):
(الثلث والثلث كثير) بالمثلثة (أو كبير) بالموحدة بالشك وهل يستحب النقص عن الثلث لهذا الحديث؟ قال النووي: إن كان الورثة أغنياء فلا وإن كانوا فقراء استحب، وقال ابن الصباغ: في هذه الحالة يوصي بالربع فما دونه. وقال القاضي أبو الطيب: إن كان ورثته لا يفضل ماله عن غناهم فالأفضل أن لا يوصي وأطلق الرافعي النقص عن الثلث لخبر سعد ولقول عليّ: لأن أوصي بالخمس أحب إليّ من أن أوصي بالربع وبالربع أحب إليّ من الثلث، والتفصيل الأوّل هو الذي جزم به في التنبيه وأقرّه عليه النووي في التصحيح وجزم في شرح مسلم وحكاه عن الأصحاب.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الفرائض والنسائي وابن ماجه في الوصايا.
٢٧٤٤ - حَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ حَدَّثَنَا مَرْوَانُ عَنْ هَاشِمِ بْنِ هَاشِمٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: "مَرِضْتُ فَعَادَنِي النَّبِيُّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ لَا يَرُدَّنِي عَلَى عَقِبِي. قَالَ: لَعَلَّ اللَّهَ يَرْفَعُكَ، وَيَنْفَعُ بِكَ نَاسًا. قُلْتُ: أُرِيدُ أَنْ
стр. 3362
أُوصِيَ، وَإِنَّمَا لِي ابْنَةٌ. فقُلْتُ: أُوصِي بِالنِّصْفِ؟ قَالَ: النِّصْفُ كَثِيرٌ. قُلْتُ: فَالثُّلُثِ؟ قَالَ: الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ -أَوْ كَبِيرٌ- قَالَ: فَأَوْصَى النَّاسُ بِالثُّلُثِ فجَازَ ذَلِكَ لَهُمْ".
وبه قال (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (محمد بن عبد الرحيم) الحافظ المعروف بصاعقة قال: (حدثنا زكريا بن عدي) أبو يحيى الكوفي قال: (حدّثنا مروان) بن معاوية الفزاري (عن هاشم بن هاشم) بألف بعد الهاء فيهما ابن عتبة بن أبي وقاص الزهري (عن عامر بن سعد عن أبيه) سعد بن أبي وقاص (﵁) أنه (قال: مرضت فعادني النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله ادع الله أن لا يردني على عقبي) بكسر الموحدة وتخفيف التحتية في الفرع وغيره لا يميتني في الدار التي هاجرت منها وهي مكة وقال العيني كالكرماني عقبي بتشديد التحتية (قال): ﵊:
(لعل الله يرفعك) يقيمك من مرضك (وينفع بك ناسًا) من المسلمين زاد في رواية الباب السابق ويضرّ بك آخرون (قلت) ولأبي ذر: فقلت (أريد أن أوصي وإنما لي) وارث من أصحاب الفروض (ابنة) واحدة وهي أم الحكم الكبرى (قلت) ولأبي ذر فقلت (أوصي بالنصف، قال): (النصف كثير) بالمثلثة (قلت فالثلث)، بالجر عطفًا على المجرور السابق ولأبي ذر فالثلث بالرفع أي أفيجوز الثلث (قال): (الثلث) يكفيك (والثلث كثير) بالمثلثة (أو) قال (كبير). بالموحدة شك الراوي (قال) سعد أو من دونه (فأوصى) بالفاء ولأبي ذر وأوصى (الناس بالثلث وجاز) بالواو ولأبي ذر فجاز (ذلك لهم) وهذا الحديث قد سبق قريبًا.
٤ - باب قَوْلِ الْمُوصِي لِوَصِيِّهِ: تَعَاهَدْ وَلَدِي. وَمَا يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ مِنَ الدَّعْوَى
(باب قول الموصي) بكسر الصاد (لوصيه) الذي أوصى إليه (تعاهد ولدي) بالنظر في أمره (وما يجوز للوصي من الدعوى) إذا ادّعى.
٢٧٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: "كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ مِنِّي، فَاقْبِضْهُ إِلَيْكَ. فَلَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ أَخَذَهُ سَعْدٌ فَقَالَ: ابْنُ أَخِي قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَىَّ فِيهِ. فَقَامَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فَقَالَ: أَخِي وَابْنُ أَمَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ. فَتَسَاوَقَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ أَخِي، كَانَ عَهِدَ إِلَىَّ فِيهِ. فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ ابْنَ زَمْعَةَ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ. ثُمَّ قَالَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ احْتَجِبِي مِنْهُ. لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ، فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ".
стр. 3363
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) الإمام الأعظم (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عروة بن الزبير) بن العوّام (عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أنها قالت: كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص أن ابن وليدة زمعة) بفتح الزاي وسكون الميم ولأبي ذر: زمعة بفتح الميم ابن قيس العامري ولم تسم الوليدة وأما ولدها فاسمه عبد الرحمن (مني) أي ابني (فاقبضه إليك) بكسر الموحدة (فلما كان عام الفتح) بالرفع اسم كان ولأبي ذر عام بالنصب بتقدير في (أخذه سعد فقال: ابن أخي) أي هذا ابن أخي (قد كان عهد إليّ فيه، فقام عبد بن زمعة) بسكون الميم ولأبي ذر بفتحها (فقال: أخي) أي هذا أخي (وابن أمة أبي) زمعة (ولد على فراشه) من أمته المذكورة (فتساوقا) أي تماشيا (إلى رسول الله ﷺ فقال سعد: يا رسول الله ابن أخي) أي هذا عبد الرحمن ابن أخي (كان عهد إليّ فيه) أنه ابنه (فقال عبد بن زمعة) بسكون الميم وفتحها لأبي ذر هو (أخي وابن وليدة أبي) زمعة (وقال) بالواو ولأبي ذر فقال (رسول الله ﷺ ¬):
(هو) أي عبد الرحمن (لك) أخ (يا عبد بن زمعة) بنصب ابن (الولد للفراش) أي لصاحبه (وللعاهر) أي الزاني (الحجر) الخيبة (ثم قال) ﵊ (لسودة بنت زمعة) أم المؤمنين ﵂: (احتجبي منه) أي من عبد الرحمن (لما رأى من شبهه بعتبة) أي ابن أبي وقاص (فما رآها) عبد الرحمن (حتى لقي الله) تعالى، والأمر بالاحتجاب للندب والاحتياط وإلاّ فقد ثبت نسبه وأخوته لها في ظاهر الشرع والحديث قد سبق مرارًا.
٥ - باب إِذَا أَوْمَأَ الْمَرِيضُ بِرَأْسِهِ إِشَارَةً بَيِّنَةً جَازَتْ
هذا (باب) بالتنوين (إذا أومأ المريض) أشار (برأسه إشارة بيّنة) أي ظاهرة (جازت) كذا في فرع اليونينية كأصلها بإثبات جازت وسقطت في بعض الأصول وحيئذٍ فيقدر بعد بيّنة هل يحكم بها أو نحو ذلك؟
٢٧٤٦ - حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ أَبِي عَبَّادٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁: "أَنَّ يَهُوِدِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَقِيلَ لَهَا: مَنْ فَعَلَ بِكِ؟ أَفُلَانٌ أَوْ فُلَانٌ؟ حَتَّى سُمِّيَ الْيَهُودِيُّ فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، فَجِيءَ بِهِ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى اعْتَرَفَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَرُضَّ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ".
وبه قال: (حدّثنا حسان بن أبي عباد) بفتح المهملة وتشديد الموحدة قال: (حدّثنا همام) هو ابن يحيى العودي بفتح العين (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس ﵁ أن يهوديًّا) لم يسمّ (رض) أي دق (رأس جارية) وكانت من الأنصار كما في رواية أبي داود ولم تسم (بين حجرين فقيل لها: من فعل بك) هذا الرض؟ (أفلان) فعله بهمزة الاستفهام الاستخباري (أفلان) مرتين ليعرف فيطلب فيقتص منه (حتى سمي اليهودي) بضم السين وكسر الميم مبنيًّا للمفعول واليهودي بالرفع نائب عن
стр. 3364
الفاعل (فأومأت) بهمزة بعد الميم أشارت (برأسها) نعم (فجيء به) أي باليهودي الذي أشارت إليه (فلم يزل) بفتح الأوّل والثاني (حتى اعترف) بأنه الراض (فأمر النبي ﷺ فرضّ رأسه بالحجارة) وفي رواية موسى بن إسماعيل التبوذكي في الأشخاص بين حجرين قال في الروضة لو أعتقل لسانه صحّت وصيته بالإشارة والكتابة.
٦ - باب لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ
هذا (باب) بالتنوين (لا وصية لوارث) ولو بدون الثلث إن كانت ممن لا وارث له غير الموصى له وإلاّ فموقوفة على إجازة بقية الورثة لحديث البيهقي وغيره من رواية عطاء عن ابن عباس لا وصية لوارث إلا أن تجيز الورثة. قال الذهبي: إنه صالح الإسناد، لكن قال البيهقي: إن عطاء غير قوي ورواه أبو داود والترمذي وغيرهما من حديث أبي أمامة بلفظ: إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث، وفي إسناده إسماعيل بن عياش وقد قوّى حديثه عن الشاميين جماعة: منهم الإمام أحمد والبخاري وهذا من روايته عن شرحبيل بن مسلم وهو شامي ثقة، وصرّح في روايته بالتحديث عند الترمذي وقال الترمذي حديث حسن وقد ورد من طرق بأسانيد لا يخلو واحد منها عن مقال لكن مجموعها يقتضي أن له أصلاً بل جنح الإمام الشافعي في الأم إلى أن متنه متواتر لكن نازع الفخر الرازي في ذلك.
٢٧٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ وَرْقَاءَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ، وَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ، فَنَسَخَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، وَجَعَلَ لِلأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ، وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ الثُّمُنَ وَالرُّبْعَ، وَلِلزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُعَ".
[الحديث ٢٧٤٧ - طرفاه في: ٤٥٧٨، ٦٧٣٩].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) الفريابي (عن ورقاء) بفتح الواو وسكون الراء وبالقاف ممدودًا ابن عمر بن كليب أبي بشر اليشكري (عن ابن أبي نجيح) بفتح النون وكسر الجيم وبعد التحتية الساكنة حاء مهملة عبد الله (عن عطاء) هو ابن أبي رباح (عن ابن عباس ﵄¬) أنه (قال: كان المال) المخلف عن الميت (للولد) ميراثًا (وكانت الوصية) في أوّل الإسلام واجبة (للوالدين) على ما يراه الموصي من المساواة والتفضيل (فنسخ الله من ذلك ما أحب) بآية الفرائض (فجعل للذكر مثل حظ الأنُثين) لفضله (وجعل للأبوبن) مع الولد (لكل واحد منهما السدس وجعل للمرأة) مع وجود الولد (الثمن و) عند عدمه (الربع وللزوج) عند عدم الولد (الشطر) أي النصف (و) عند وجوده (الربع). واحتج بحديث: لا وصية لوارث من قال بعدم صحتها للوارث مطلقًا ولو أجاز الورثة وبه قال المزني وداود، واحتجّ الجمهور بالزيادة المتقدمة وهي قوله إلا أن تجيز الورثة وبأن المنع إنما كان في الأصل لحق الورثة فإذا أجازوه لم يمتنع ولا أثر للإجازة والردّ من الورثة
стр. 3365
للوصية قبل موت الموصي فلو أجازوا قبله فلهم الرد بعده وبالعكس إذ لا حق قبله لهم ولا للموصي له فلا أثر للإجازة إلا بعد موته، ولو قبل القسمة والعبرة في كونه وارثًا أو غير وارث بيوم الموت فلو أوصى لغير وارث كأخ مع وجود ابن فصار وارثًا بأن مات الابن قبل موت الموصي أو معه فوصية لوارث فتبطل إن لم يكن وارث غيره وإلاّ فتوقف على الإجازة، ولو أوصى لوارث كاخ فصار غير وارث بأن حدث للموصي ابن صحت فيما يخرج من الثلث والزائد عليه يتوقف على إجازة الوارث.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الوصايا والتفسير.
٧ - باب الصَّدَقَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ
(باب) فضل (الصدقة عند الموت) وإن كانت عند الصحة أفضل.
٢٧٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ حَرِيصٌ، تَأْمُلُ الْغِنَى وَتَخْشَى الْفَقْرَ، وَلَا تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ".
وبه قال: (حدّثنا محمد بن العلاء) بن كريب الهمداني الكوفي قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن سفيان) الثوري (عن عمارة) بضم العين وتخفيف الميم ابن القعقاع بن شبرمة الضبي الكوفي (عن أبي زرعة) اسمه هرم وقيل غير ذلك ابن عمرو البجلي (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رجل) لم يسم (للنبي ﷺ أي الصدقة أفضل؟ قال): أفضلها (أن تصدق) بتشديد الصاد والدال المهملتين في محل رفع خبر المبتدأ المحذوف (وأنت صحيح) جملة حالية "حريص". وفي رواية موسى بن إسماعيل عن عبد الواحد بن زياد في الزكاة وأنت شحيح بدل حريص حال كونك (تأمل الغنى) بسكون الهمزة وضم الميم تطمع فيه (وتخشى الفقر ولا تمهل) بالجزم بلا الناهية ولأبي ذرّ: ولا تمهل أصله تتمهل فحذفت إحدى التاءين تخفيفًا (حتى إذا بلغت) الروح أي قاربت (الحلقوم) بضم الحاء المهملة مجرى النفس عند الغرغرة: "قلت لفلان كذا ولفلان كذا"، مرتين كناية عن الموصى له والموصى به فيهما (وقد كان لفلان) أي وقد صار ما أوصى به للوارث فيبطله إن شاء إذا زاد على الثلث أو أوصى به لوارث آخر، ويحتمل أن يراد بالثلاثة من يوصى له وإنما أدخل كان في الأخير إشارة إلى تقدير القدر له. وفي الحديث أن التصدق في الصحة ثم في الحياة أفضل من صدقته مريضًا وبعد الموت، وفي الترمذي بإسناد حسن وصححه ابن حبان عن أبي الدرداء مرفوعًا "مثل الذي يعتق ويتصدق عند موته مثل الذي يهدي إذا شبع" وعن بعض السلف أنه قال في بعض أهل الترفه: يعصون الله في أموالهم مرتين يبخلون بها
следующие страницы →