Полный текст (8 298 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.
стр. 3361
وصالح وعثمان ومن البنات ثنتا عشرة بنتًا وهذا الحديث مضى في باب رثاء النبي ﷺ سعد بن خولة من كتاب الجنائز ويأتي إن شاء الله تعالى في الهجرة وغيرها.
٣ - باب الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ
وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا يَجُوزُ لِلذِّمِّيِّ وَصِيَّةٌ إِلاَّ الثُّلُثُ وَقَالَ اللَّهُ : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩].
(وقال الحسن) البصري (لا يجوز للذمي وصية إلا الثلث) فلو أوصى بأكثر لا تنفذ وصيته بالزائد. (وقال الله تعالى) ولأبي ذر: (﴿وأن احكم بينهم﴾) أي بين اليهود (﴿بما أنزل الله﴾) [المائدة: ٤٩] بالقرآن أو بالوحي فإذا تحاكم ورثة الذمي إلينا لا ننفذ من وصيته إلا الثلث لأنّا لا نحكم فيهم إلا بحكم الإسلام لهذه الآية قاله ابن المنير.
٢٧٤٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "لَوْ غَضَّ النَّاسُ إِلَى الرُّبْعِ، لأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ".
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) البغلاني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن هشام بن عروة) بن الزبير (عن أبيه عن ابن عباس ﵄¬) أنه (قال: لو غضّ الناس) بغين فضاد مشددة معجمتين أي لو نقصوا من الثلث (إلى الربع) في الوصية كان أولى وفي رواية ابن أبي عمر في مسنده عن سفيان كان أحب إليّ وعند الإسماعيلي كان أحب إلى رسول الله ﷺ (لأن رسول الله ﷺ قال):
(الثلث والثلث كثير) بالمثلثة (أو كبير) بالموحدة بالشك وهل يستحب النقص عن الثلث لهذا الحديث؟ قال النووي: إن كان الورثة أغنياء فلا وإن كانوا فقراء استحب، وقال ابن الصباغ: في هذه الحالة يوصي بالربع فما دونه. وقال القاضي أبو الطيب: إن كان ورثته لا يفضل ماله عن غناهم فالأفضل أن لا يوصي وأطلق الرافعي النقص عن الثلث لخبر سعد ولقول عليّ: لأن أوصي بالخمس أحب إليّ من أن أوصي بالربع وبالربع أحب إليّ من الثلث، والتفصيل الأوّل هو الذي جزم به في التنبيه وأقرّه عليه النووي في التصحيح وجزم في شرح مسلم وحكاه عن الأصحاب.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الفرائض والنسائي وابن ماجه في الوصايا.
٢٧٤٤ - حَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ حَدَّثَنَا مَرْوَانُ عَنْ هَاشِمِ بْنِ هَاشِمٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: "مَرِضْتُ فَعَادَنِي النَّبِيُّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ لَا يَرُدَّنِي عَلَى عَقِبِي. قَالَ: لَعَلَّ اللَّهَ يَرْفَعُكَ، وَيَنْفَعُ بِكَ نَاسًا. قُلْتُ: أُرِيدُ أَنْ
стр. 3362
أُوصِيَ، وَإِنَّمَا لِي ابْنَةٌ. فقُلْتُ: أُوصِي بِالنِّصْفِ؟ قَالَ: النِّصْفُ كَثِيرٌ. قُلْتُ: فَالثُّلُثِ؟ قَالَ: الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ -أَوْ كَبِيرٌ- قَالَ: فَأَوْصَى النَّاسُ بِالثُّلُثِ فجَازَ ذَلِكَ لَهُمْ".
وبه قال (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (محمد بن عبد الرحيم) الحافظ المعروف بصاعقة قال: (حدثنا زكريا بن عدي) أبو يحيى الكوفي قال: (حدّثنا مروان) بن معاوية الفزاري (عن هاشم بن هاشم) بألف بعد الهاء فيهما ابن عتبة بن أبي وقاص الزهري (عن عامر بن سعد عن أبيه) سعد بن أبي وقاص (﵁) أنه (قال: مرضت فعادني النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله ادع الله أن لا يردني على عقبي) بكسر الموحدة وتخفيف التحتية في الفرع وغيره لا يميتني في الدار التي هاجرت منها وهي مكة وقال العيني كالكرماني عقبي بتشديد التحتية (قال): ﵊:
(لعل الله يرفعك) يقيمك من مرضك (وينفع بك ناسًا) من المسلمين زاد في رواية الباب السابق ويضرّ بك آخرون (قلت) ولأبي ذر: فقلت (أريد أن أوصي وإنما لي) وارث من أصحاب الفروض (ابنة) واحدة وهي أم الحكم الكبرى (قلت) ولأبي ذر فقلت (أوصي بالنصف، قال): (النصف كثير) بالمثلثة (قلت فالثلث)، بالجر عطفًا على المجرور السابق ولأبي ذر فالثلث بالرفع أي أفيجوز الثلث (قال): (الثلث) يكفيك (والثلث كثير) بالمثلثة (أو) قال (كبير). بالموحدة شك الراوي (قال) سعد أو من دونه (فأوصى) بالفاء ولأبي ذر وأوصى (الناس بالثلث وجاز) بالواو ولأبي ذر فجاز (ذلك لهم) وهذا الحديث قد سبق قريبًا.
٤ - باب قَوْلِ الْمُوصِي لِوَصِيِّهِ: تَعَاهَدْ وَلَدِي. وَمَا يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ مِنَ الدَّعْوَى
(باب قول الموصي) بكسر الصاد (لوصيه) الذي أوصى إليه (تعاهد ولدي) بالنظر في أمره (وما يجوز للوصي من الدعوى) إذا ادّعى.
٢٧٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: "كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ مِنِّي، فَاقْبِضْهُ إِلَيْكَ. فَلَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ أَخَذَهُ سَعْدٌ فَقَالَ: ابْنُ أَخِي قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَىَّ فِيهِ. فَقَامَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فَقَالَ: أَخِي وَابْنُ أَمَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ. فَتَسَاوَقَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ أَخِي، كَانَ عَهِدَ إِلَىَّ فِيهِ. فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ ابْنَ زَمْعَةَ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ. ثُمَّ قَالَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ احْتَجِبِي مِنْهُ. لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ، فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ".
стр. 3363
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) الإمام الأعظم (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عروة بن الزبير) بن العوّام (عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أنها قالت: كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص أن ابن وليدة زمعة) بفتح الزاي وسكون الميم ولأبي ذر: زمعة بفتح الميم ابن قيس العامري ولم تسم الوليدة وأما ولدها فاسمه عبد الرحمن (مني) أي ابني (فاقبضه إليك) بكسر الموحدة (فلما كان عام الفتح) بالرفع اسم كان ولأبي ذر عام بالنصب بتقدير في (أخذه سعد فقال: ابن أخي) أي هذا ابن أخي (قد كان عهد إليّ فيه، فقام عبد بن زمعة) بسكون الميم ولأبي ذر بفتحها (فقال: أخي) أي هذا أخي (وابن أمة أبي) زمعة (ولد على فراشه) من أمته المذكورة (فتساوقا) أي تماشيا (إلى رسول الله ﷺ فقال سعد: يا رسول الله ابن أخي) أي هذا عبد الرحمن ابن أخي (كان عهد إليّ فيه) أنه ابنه (فقال عبد بن زمعة) بسكون الميم وفتحها لأبي ذر هو (أخي وابن وليدة أبي) زمعة (وقال) بالواو ولأبي ذر فقال (رسول الله ﷺ ¬):
(هو) أي عبد الرحمن (لك) أخ (يا عبد بن زمعة) بنصب ابن (الولد للفراش) أي لصاحبه (وللعاهر) أي الزاني (الحجر) الخيبة (ثم قال) ﵊ (لسودة بنت زمعة) أم المؤمنين ﵂: (احتجبي منه) أي من عبد الرحمن (لما رأى من شبهه بعتبة) أي ابن أبي وقاص (فما رآها) عبد الرحمن (حتى لقي الله) تعالى، والأمر بالاحتجاب للندب والاحتياط وإلاّ فقد ثبت نسبه وأخوته لها في ظاهر الشرع والحديث قد سبق مرارًا.
٥ - باب إِذَا أَوْمَأَ الْمَرِيضُ بِرَأْسِهِ إِشَارَةً بَيِّنَةً جَازَتْ
هذا (باب) بالتنوين (إذا أومأ المريض) أشار (برأسه إشارة بيّنة) أي ظاهرة (جازت) كذا في فرع اليونينية كأصلها بإثبات جازت وسقطت في بعض الأصول وحيئذٍ فيقدر بعد بيّنة هل يحكم بها أو نحو ذلك؟
٢٧٤٦ - حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ أَبِي عَبَّادٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁: "أَنَّ يَهُوِدِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَقِيلَ لَهَا: مَنْ فَعَلَ بِكِ؟ أَفُلَانٌ أَوْ فُلَانٌ؟ حَتَّى سُمِّيَ الْيَهُودِيُّ فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، فَجِيءَ بِهِ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى اعْتَرَفَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَرُضَّ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ".
وبه قال: (حدّثنا حسان بن أبي عباد) بفتح المهملة وتشديد الموحدة قال: (حدّثنا همام) هو ابن يحيى العودي بفتح العين (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس ﵁ أن يهوديًّا) لم يسمّ (رض) أي دق (رأس جارية) وكانت من الأنصار كما في رواية أبي داود ولم تسم (بين حجرين فقيل لها: من فعل بك) هذا الرض؟ (أفلان) فعله بهمزة الاستفهام الاستخباري (أفلان) مرتين ليعرف فيطلب فيقتص منه (حتى سمي اليهودي) بضم السين وكسر الميم مبنيًّا للمفعول واليهودي بالرفع نائب عن
стр. 3364
الفاعل (فأومأت) بهمزة بعد الميم أشارت (برأسها) نعم (فجيء به) أي باليهودي الذي أشارت إليه (فلم يزل) بفتح الأوّل والثاني (حتى اعترف) بأنه الراض (فأمر النبي ﷺ فرضّ رأسه بالحجارة) وفي رواية موسى بن إسماعيل التبوذكي في الأشخاص بين حجرين قال في الروضة لو أعتقل لسانه صحّت وصيته بالإشارة والكتابة.
٦ - باب لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ
هذا (باب) بالتنوين (لا وصية لوارث) ولو بدون الثلث إن كانت ممن لا وارث له غير الموصى له وإلاّ فموقوفة على إجازة بقية الورثة لحديث البيهقي وغيره من رواية عطاء عن ابن عباس لا وصية لوارث إلا أن تجيز الورثة. قال الذهبي: إنه صالح الإسناد، لكن قال البيهقي: إن عطاء غير قوي ورواه أبو داود والترمذي وغيرهما من حديث أبي أمامة بلفظ: إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث، وفي إسناده إسماعيل بن عياش وقد قوّى حديثه عن الشاميين جماعة: منهم الإمام أحمد والبخاري وهذا من روايته عن شرحبيل بن مسلم وهو شامي ثقة، وصرّح في روايته بالتحديث عند الترمذي وقال الترمذي حديث حسن وقد ورد من طرق بأسانيد لا يخلو واحد منها عن مقال لكن مجموعها يقتضي أن له أصلاً بل جنح الإمام الشافعي في الأم إلى أن متنه متواتر لكن نازع الفخر الرازي في ذلك.
٢٧٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ وَرْقَاءَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ، وَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ، فَنَسَخَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، وَجَعَلَ لِلأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ، وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ الثُّمُنَ وَالرُّبْعَ، وَلِلزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُعَ".
[الحديث ٢٧٤٧ - طرفاه في: ٤٥٧٨، ٦٧٣٩].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) الفريابي (عن ورقاء) بفتح الواو وسكون الراء وبالقاف ممدودًا ابن عمر بن كليب أبي بشر اليشكري (عن ابن أبي نجيح) بفتح النون وكسر الجيم وبعد التحتية الساكنة حاء مهملة عبد الله (عن عطاء) هو ابن أبي رباح (عن ابن عباس ﵄¬) أنه (قال: كان المال) المخلف عن الميت (للولد) ميراثًا (وكانت الوصية) في أوّل الإسلام واجبة (للوالدين) على ما يراه الموصي من المساواة والتفضيل (فنسخ الله من ذلك ما أحب) بآية الفرائض (فجعل للذكر مثل حظ الأنُثين) لفضله (وجعل للأبوبن) مع الولد (لكل واحد منهما السدس وجعل للمرأة) مع وجود الولد (الثمن و) عند عدمه (الربع وللزوج) عند عدم الولد (الشطر) أي النصف (و) عند وجوده (الربع). واحتج بحديث: لا وصية لوارث من قال بعدم صحتها للوارث مطلقًا ولو أجاز الورثة وبه قال المزني وداود، واحتجّ الجمهور بالزيادة المتقدمة وهي قوله إلا أن تجيز الورثة وبأن المنع إنما كان في الأصل لحق الورثة فإذا أجازوه لم يمتنع ولا أثر للإجازة والردّ من الورثة
стр. 3365
للوصية قبل موت الموصي فلو أجازوا قبله فلهم الرد بعده وبالعكس إذ لا حق قبله لهم ولا للموصي له فلا أثر للإجازة إلا بعد موته، ولو قبل القسمة والعبرة في كونه وارثًا أو غير وارث بيوم الموت فلو أوصى لغير وارث كأخ مع وجود ابن فصار وارثًا بأن مات الابن قبل موت الموصي أو معه فوصية لوارث فتبطل إن لم يكن وارث غيره وإلاّ فتوقف على الإجازة، ولو أوصى لوارث كاخ فصار غير وارث بأن حدث للموصي ابن صحت فيما يخرج من الثلث والزائد عليه يتوقف على إجازة الوارث.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الوصايا والتفسير.
٧ - باب الصَّدَقَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ
(باب) فضل (الصدقة عند الموت) وإن كانت عند الصحة أفضل.
٢٧٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ حَرِيصٌ، تَأْمُلُ الْغِنَى وَتَخْشَى الْفَقْرَ، وَلَا تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ".
وبه قال: (حدّثنا محمد بن العلاء) بن كريب الهمداني الكوفي قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن سفيان) الثوري (عن عمارة) بضم العين وتخفيف الميم ابن القعقاع بن شبرمة الضبي الكوفي (عن أبي زرعة) اسمه هرم وقيل غير ذلك ابن عمرو البجلي (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رجل) لم يسم (للنبي ﷺ أي الصدقة أفضل؟ قال): أفضلها (أن تصدق) بتشديد الصاد والدال المهملتين في محل رفع خبر المبتدأ المحذوف (وأنت صحيح) جملة حالية "حريص". وفي رواية موسى بن إسماعيل عن عبد الواحد بن زياد في الزكاة وأنت شحيح بدل حريص حال كونك (تأمل الغنى) بسكون الهمزة وضم الميم تطمع فيه (وتخشى الفقر ولا تمهل) بالجزم بلا الناهية ولأبي ذرّ: ولا تمهل أصله تتمهل فحذفت إحدى التاءين تخفيفًا (حتى إذا بلغت) الروح أي قاربت (الحلقوم) بضم الحاء المهملة مجرى النفس عند الغرغرة: "قلت لفلان كذا ولفلان كذا"، مرتين كناية عن الموصى له والموصى به فيهما (وقد كان لفلان) أي وقد صار ما أوصى به للوارث فيبطله إن شاء إذا زاد على الثلث أو أوصى به لوارث آخر، ويحتمل أن يراد بالثلاثة من يوصى له وإنما أدخل كان في الأخير إشارة إلى تقدير القدر له. وفي الحديث أن التصدق في الصحة ثم في الحياة أفضل من صدقته مريضًا وبعد الموت، وفي الترمذي بإسناد حسن وصححه ابن حبان عن أبي الدرداء مرفوعًا "مثل الذي يعتق ويتصدق عند موته مثل الذي يهدي إذا شبع" وعن بعض السلف أنه قال في بعض أهل الترفه: يعصون الله في أموالهم مرتين يبخلون بها
стр. 3366
وهي في أيديهم يعني في الحياة ويسرفون فيها إذا خرجت عن أيديهم يعني بعد الموت فإن الشيطان ربما زين لهم الحيف في الوصية.
٨ - باب قَوْلِ اللَّهِ : ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]
وَيُذْكَرُ أَنَّ شُرَيْحًا وَعُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَطَاوُسًا وَعَطَاءً وَابْنَ أُذَيْنَةَ أَجَازُوا إِقْرَارَ الْمَرِيضِ بِدَيْنٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ أَحَقُّ مَا تَصَدَّقَ بِهِ الرَّجُلُ آخِرَ يَوْمٍ مِنَ الدُّنْيَا وَأَوَّلَ يَوْمٍ مِنَ الآخِرَةِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ وَالْحَكَمُ: إِذَا أَبْرَأَ الْوَارِثَ مِنَ الدَّيْنِ بَرِئَ. وَأَوْصَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ أَنْ لَا تُكْشَفَ امْرَأَتُهُ الْفَزَارِيَّةُ عَمَّا أُغْلِقَ عَلَيْهِ بَابُهَا. وَقَالَ الْحَسَنُ إِذَا قَالَ لِمَمْلُوكِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ: كُنْتُ أَعْتَقْتُكَ جَازَ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إِذَا قَالَتِ الْمَرْأَةُ عِنْدَ مَوْتِهَا: إِنَّ زَوْجِي قَضَانِي وَقَبَضْتُ مِنْهُ جَازَ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَا يَجُوزُ إِقْرَارُهُ لِسُوءِ الظَّنِّ بِهِ لِلْوَرَثَةِ. ثُمَّ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: يَجُوزُ إِقْرَارُهُ بِالْوَدِيعَةِ وَالْبِضَاعَةِ وَالْمُضَارَبَةِ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ". وَلَا يَحِلُّ مَالُ الْمُسْلِمِينَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «آيَةُ الْمُنَافِقِ إِذَا ائتُمِنَ خَانَ». وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] فَلَمْ يَخُصَّ وَارِثًا وَلَا غَيْرَهُ. فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(باب قول الله تعالى) ولأبي ذر: : (﴿من بعد وصية يوصي بها أو دين﴾) [النساء: ١١] قال البيضاوي كالزمخشري متعلق بما تقدمه من قسمة المواريث كلها أي هذه الأنصباء للورثة من بعد ما كان من وصية أو دين، وإنما قال بأو التي للإباحة دون الواو للدلالة على أنهما متساويان في الوجوب مقدّمان على القسمة مجموعين ومنفردين، وقدّم الوصية على الدين وهي متأخرة في الحكم لأنها مشبهة بالميراث شاقة على الورثة مندوب إليها والدين إنما يكون على النذور، وقال غيرهما تجوّز بالوصية عن المال الموصى به والتقدير من بعد أداء وصية أو إخراج وصية، وقد تكون الوصية مصدرًا كالفريضة وتكون من مجاز التعبير بالقول عن المقول فيه لأن الوصية قول.
وأجاب ابن الحاجب عن تقدم الوصية على الدين وإن كان الدين أقوى وتقدمته الوجه بأن حكم أو في كلام العرب والقرآن حكم الاستثناء في أن ما بعدها يرفع ما قبلها بدليل: تقاتلونهم أو يسلمون فإن الإسلام رافع للمقاتلة، وكأنه قال تقاتلونهم إلا أن يسلموا أو إن لم يسلموا فكذلك هذه الآية فكأنه قال: من بعد وصية يوصي بها إلا أن يكون دين فلا تقدم.
(ويذكر) بضم أوله وفتح ثالثه (أن شريحًا) القاضي فيما وصله ابن أبي شيبة بإسناد فيه جابر الجعفي وهو ضعيف (وعمر بن عبد العزيز) مما لم يقف الحافظ ابن حجر على من وصله (وطاوسًا) مما وصله ابن أبي شيبة بإسناد فيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف أيضًا (وعطاء) هو ابن أبي رباح مما
стр. 3367
وصله ابن أبي شيبة أيضًا (وابن أُذينة) بضم الهمزة وفتح الذال المعجمة وبعد التحتية الساكنة نون عبد الرحمن قاضي البصرة التابعي الثقة مما وصله ابن أبي شيبة أيضًا بإسناد رجاله ثقات (أجازوا إقرار المريض بدين).
(وقال الحسن) البصري مما وصله الدارمي (أحق ما تصدق به الرجل) على وزن تفعل بصيغة الماضي (آخر يوم) أي في آخر يوم (من الدنيا) ويجوز رفع آخر خبرًا لأحق (وأوّل يوم من الآخرة) بنصب أوّل عطفًا على السابق ويجوز الرفع كما مر في آخر. وقال العيني كالكرماني ما يصدق بالبناء للمفعول من التصديق. قال الكرماني: وهو المناسب للمقام أي أن إقرار المريض في مرض موته حقيق بأن يصدق به ويحكم بإنفاذه.
(وقال إبراهيم) النخعي (والحكم) بن عتيبة فيما وصله ابن أبي شيبة عنهما (إذا أبرأ) أي المريض (الوارث من الدين برئ وأوصى رافع بن خديج) بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة آخره جيم الأوسي الأنصاري مما لم يقف عليه الحافظ ابن حجر موصولاً (أن لا تكشف امرأته) بضم المثناة الفوقية وفتح الشين المعجمة مبنيًّا للمفعول وامرأته رفع نائب عن الفاعل وسقط امرأته للكشميهني (الفزارية) بفتح الفاء والزاي وبعد الألف راء (عما أغلق عليه بابها) رفع نائب عن الفاعل وأغلق مبني للمفعول، وللحموي والمستملي: عن مال أغلق عليها. قال العيني: والظاهر أن المراد أن المرأة بعد موت زوجها لا يتعرض لها فإن جميع ما في بيته لها وإن لم يشهد لها زوجها بذلك، وإنما يحتاح إلى الإشهاد والإقرار إذا علم أنه تزوّجها فقيرة وأن ما في بيتها من متاع الرجال وبه قال مالك انتهى.
(وقال الحسن) البصري مما لم يقف عليه الحافظ ابن حجر مطولاً (إذا قال لمملوكه عند الموت
كنت أعتقتك جاز) وعتق وخالفه الجمهور فقالوا لا يعتق إلا من الثلث. (وقال الشعبي): عامر بن شراحيل (إذا قالت المرأة عند موتها إن زوجي قضاني) أدّاني حقي (وقبضت) ذلك (منه جاز) إقرارها.
(وقال بعض الناس): قيل المراد السادة الحنفية (لا يجوز إقراره) أي المريض لبعض الورثة السوء الظن به) أي بهذا الإقرار (للورثة) ولأبي ذر عن الحموي بسوء الموحدة بدل اللام. قال العيني: لم يعلل الحنفية عدم جواز إقرار المريض لبعض الورثة بهذه العبارة بل لأنه ضرر لبقية الورثة، ومذهب المالكية كأبي حنيفة إذا اتهم وهو اختيار الروياني من الشافعية والأظهر عندهم أنه يقبل مطلقًا كالأجنبي لعموم أدلة الإقرار لأنه انتهى إلى حالة يصدق فيها الكذوب ويتوب فيها الفاجر فالظاهر أنه لا يقر إلا بتحقيق (ثم استحسن) أي بعض الناس (فقال: يجوز إقراره) أي المريض (بالوديعة والبضاعة والمضاربة) والفرق بين هذه والدين أن مبني الإقرار بالدين على اللزوم ومبني الإقرار بهذه على الأمانة وبين اللزوم والأمانة فرق ظاهر قاله العيني.
(وقد قال النبي ﷺ ¬) (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث) أي أكذب في الحديث من غيره
стр. 3368
لأن الصدق والكذب يوصف بهما القول لا الظن وهذا طرف من حديث وصله المؤلّف في الأدب وساقه هنا لقصد الردّ على من أساء الظن بالمريض فمنع تصرّفه وهذا مبني على تعليل بعض الناس بسوء الظن وقد علّلوا بخلافه كما مر (ولا يحل مال المسلمين) أي المقر لهم من الورثة (لقول النبي ﷺ ¬) السابق موصولاً في كتاب الإيمان من حديث أبي هريرة (آية المنافق إذا ائتمن خان).
قال الكرماني فإن قلت: ما وجه دلالته عليه؟ قلت: إذا وجب ترك الخيانة وجب الإقرار بما عليه فإذا أقرّ فلا بدّ من اعتبار إقراره وإلاّ لم يكن لإيجاب الإقرار فائدة.
(وقال الله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها﴾ [النساء: ٥٨] فلم يخصّ وارثًا ولا غيره) أي لم يفرّق بين الوارث وغيره في ترك الخيانة ووجوب أداء الأمانة إليه فيصح الإقرار للوارث أو غيره قاله الكرماني، ونازع العيني البخاري في الاستدلال بهذه الآية لما ذكره بأنه على تقدير تسليم اشتغال ذمّة المريض بشيء في نفس الأمر لا يكون إلاّ دينًا مضمونًا فلا يطلق عليه الأمانة قال فلا يصح الاستدلال بالآية الكريمة على ذلك على أن يكون الدين في ذمته (فيه) أي في قوله آية المنافق إذا ائتمن خان (عبد الله بن عمرو) بفتح العين (عن النبي ﷺ ¬) ولفظه "أربع من كنّ فيه كان منافقًا خالصًا" وفيه "وإذا ائتمن خان" وقد سبق في كتاب الإيمان.
٢٧٤٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ».
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن داود أبو الربيع) الزهراني العتكي قال: (حدّثنا إسماعيل بن جعفر) الزرقي مولاهم المدني قال: (حدّثنا نافع بن مالك بن عامر أبو سهيل) بضم السين مصغرًا الأصبحي (عن أبيه) مالك (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(آية) (المنافق) أي علامته (ثلاث) فإن قلت: القياس جمع آية ليطابق ثلاث. أجيب: بأن الثلاث اسم جمع ولفظه مفرد على أن التقدير آية المنافق معدودة بالثلاث، وسقط لفظ ثلاث لأبي ذر (إذا حدّث) في كل شيء (كذب وإذا ائتمن) أمانة (خان) فيها (وإذا وعد) بخير في المستقبل (أخلف) فلم يفِ.
٩ - باب تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]
وَيُذْكَرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ. وَقَوْلِهِ : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] فَأَدَاءُ الأَمَانَةِ أَحَقُّ مِنْ تَطَوُّعِ الْوَصِيَّةِ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا
стр. 3369
صَدَقَةَ إِلاَّ عَنْ ظَهْرِ غِنًى». وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يُوصِي الْعَبْدُ إِلاَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الْعَبْدُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ».
وهذا الحديث قد سبق في كتاب الإيمان. (باب تأويل قول الله) ولأبي ذر قوله تعالى (﴿من بعد وصية﴾ توصون) ولأبي ذر يوصي (﴿بها أو دين﴾) أي بيان المراد بتقديم الوصية في الذكر على الدين مع أن الدين هو المقدم في الأداء. قال ابن كثير: أجمع العلماء سلفًا وخلفًا أن الدين مقدّم على الوصية وبعده الوصية ثم الميراث وذلك عند إمعان النظر يفهم من فحوى الآية.
(ويذكر أن النبي ﷺ قضى بالدين قبل الوصية). رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن عليّ بن أبي طالب بلفظ قال: إنكم تقرؤون من بعد وصية يوصي بها أو دين وإن رسول الله ﷺ قضى بالدين قبل الوصية الحديث. وفيه الحرث الأعور تكلم فيه، لكن قال الترمذي إن العمل عليه عند أهل العلم، وقد قال السهيلي: قدمت الوصية في الذكر لأنها تقع على سبيل البرّ والصلة بخلاف الدين لأنه يقع قهرًا فكانت الوصية أفضل فاستحقت البداءة، وقيل الوصية تؤخذ بغير عوض فهي أشق على الورثة من الدين وفيها مظنة التفريط فكانت أهم فقدمت وقد نازع بعضهم في إطلاق كون الوصية مقدمة على الدين في الآية لأنه ليس فيها صيغة ترتيب بل المراد أن المواريث إنما تقع بعد قضاء الدين وإنفاذ الوصية وأتى بأو التي للإباحة وهي كقولك جالس الحسن أو ابن سيرين أي لك مجالسة كلٌّ منهما اجتمعا أو افترقا.
(وقوله) بالجر عطفًا على سابقه وزاد أبو ذر: (﴿إن الله يأمركم أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها﴾) [النساء: ٥٨] خطاب يعمّ المكلفين والأمانات وإن نزلت يوم الفتح في عثمان بن طلحة لما أغلق باب الكعبة وأبى أن يدفع المفتاح ليدخل فيها فلوى عليّ يده وأخذه منه فأمر الله تعالى رسوله ﷺ أن يردّه عليه (فأداء الأمانة) الذي هو واجب (أحق من تطوّع الوصية، وقال النبي ﷺ ¬) فيما وصله في كتاب الزكاة (لا صدقة) كاملة (إلا عن ظهر غنى) لفظ ظهر مقحم والمديون ليس بغني فالوصية التي لها حكم الصدقة تعتبر بعد الدين قاله الكرماني. (وقال ابن عباس) ﵄ مما وصله ابن أبي شيبة (لا يوصي العبد إلا بإذن أهله) أي سيده (وقال النبي ﷺ ¬) مما سبق موصولاً في باب كراهية التطاول على الرقيق من كتاب العتق (العبد راع في مال سيده).
٢٧٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ ﵁ قَالَ: "سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ قَالَ لِي: يَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرٌ حُلْوٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى. قَالَ حَكِيمٌ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَا أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا. فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَدْعُو حَكِيمًا لِيُعْطِيَهُ الْعَطَاءَ فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا. ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ
стр. 3370
دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَأْبَى أَنْ يَقْبَلَهُ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، إِنِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ الَّذِي قَسَمَ اللَّهُ لَهُ مِنْ هَذَا الْفَىْءِ فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَهُ. فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى تُوُفِّيَ ﵀".
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) البيكندي بكسر الموحدة وفتح الكاف قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: أخبرنا (الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير) بن العوّام (أن حكيم بن حزام ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ فأعطاني ثم سألته فأعطاني) بتكرير الإعطاء مرتين (ثم قال لي):
(يا حكيم إن هذا المال) في الرغبة والميل إليه كالفاكهة (خضر) في المنظر (حلو) في الذوق وذكر الخبر هنا وأنّثه في الزكاة وتقدم توجيهه ثم (فمن أخذه بسخاوة نفس) من غير حرص عليه أو بسخاوة نفس المعطي (بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفس) بكسر الهمزة وسكون الشين المعجمة مكتسبًا له بطلب النفس وحرصها عليه وتطلعها إليه (لم يبارك له فيه) أي للآخذ في المأخوذ (وكان كالذي يأكل ولا يشبع) أي كذي الجوع الكاذب بسبب علة من غلبة خلط سوداوي أو آفة ويسمى جوع الكلب كلما ازداد أكلاً ازداد جوعًا (واليد العليا) المنفقة (خير من اليد السفلى) المنفق عليها (قال حكيم: فقلت يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدًا) بفتح الهمزة وتقديم الراء الساكنة على الزاي آخره همزة مضمومة أي لا آخذ من أحد (بعدك شيئًا) من ماله (حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر) الصديق ﵁ (يدعو حكيمًا ليعطيه العطاء فيأبى أن يقبل منه شيئًا) خوف الاعتياد فتتجاوز به نفسه إلى ما لا يريده (ثم إن عمر) بن الخطاب ﵁ (دعا) بحذف الضمير ولأبي ذر عن المستملي دعاه أي حكيمًا (ليعطيه فيأبى) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي فأبى بلفظ الماضي (أن يقبله فقال) أي عمر (يا معشر المسلمين إني أعرض عليه حقه الذي قسم الله له من هذا الفيء فيأبى) بلفظ المضارع ولأبي ذر: فأبى (أن يأخذه فلم يرزأ حكيم أحدًا من الناس بعد النبي ﷺ حتى توفي ﵀ لعشر سنين من إمارة معاوية مبالغة في الاحتراز ولم يظهر لي وجه المطابقة، وما ذكروه لا يخلو من تعسف كبير، فالله أعلم.
وهذا الحديث قد سبق في الزكاة.
٢٧٥١ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّخْتِيَانِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، قَالَ: وَأحْسِبُ أَنْ قَدْ قَالَ: وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ».
стр. 3371
وبه قال: (حدّثنا بشر بن محمد) بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة (السختياني) بفتح السين المهملة وكسر الفوقية المروزي وسقط لأبي ذر: السختياني، قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا يونس) بن يزيد الأيلي (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (سالم عن ابن عمر) عبد الله (عن أبيه ﵄) أنه (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول):
(كلكم راعٍ) حافظ ملتزم صلاح ما قام عليه وما هو تحت نظره (ومسؤول) في الآخرة (عن رعيته والإمام راع) فيمن ولي عليهم (ومسؤول) في الآخرة (عن رعيته والرجل راع في أهله) زوجته وعياله (ومسؤول) في الآخرة (عن رعيته والمرأة في بيت زوجها راعية) بحسن تدبيرها في المعيشة والنصح له والأمانة في ماله وحفظ عياله وأضيافه ونفسها (ومسؤولة عن رعيتها والخادم في مال سيده راع) بحفظه والقيام بخدمته (ومسؤول عن رعيته) (قال) ابن عمر (وحسبت) بلفظ الماضي ولأبي ذر وأحسب (أن قد قال): ﵊ (والرجل راعٍ في مال أبيه) يحفظه ويدبر مصلحته، وفي كتاب الجمعة: ومسؤول عن رعيته وحذفه هنا للعلم به.
١٠ - باب إِذَا وَقَفَ أَوْ أَوْصَى لأَقَارِبِهِ، وَمَنِ الأَقَارِبُ؟
وَقَالَ ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ: "قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَبِي طَلْحَةَ: اجْعَلْهَا لِفُقَرَاءِ أَقَارِبِك. فَجَعَلَهَا لِحَسَّانَ وَأُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ" وَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ ثُمَامَةَ عَنْ أَنَسٍ مِثْلَ حَدِيثِ ثَابِتٍ: "قَالَ اجْعَلْهَا لِفُقَرَاءِ قَرَابَتِكَ، قَالَ أَنَسٌ: فَجَعَلَهَا لِحَسَّانَ وَأُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ وَكَانَا أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنِّي". وَكَانَ قَرَابَةُ حَسَّانَ وَأُبَىٍّ مِنْ أَبِي طَلْحَةَ وَاسْمُهُ زَيْدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ الأَسْوَدِ بْنِ حَرَامِ بْنِ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ حَرَامٍ، فَيَجْتَمِعَانِ إِلَى حَرَامٍ وَهْوَ الأَبُ الثَّالِثُ، وَحَرَامُ بْنُ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، فَهْوَ يُجَامِعُ حَسَّانُ وأَبَا طَلْحَةَ وَأُبَىٌّ إِلَى سِتَّةِ آبَاءٍ إِلَى عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ، وَهْوَ أُبَىُّ بْنُ كَعْبِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، فَعَمْرُو بْنُ مَالِكٍ يَجْمَعُ حَسَّانَ وَأَبَا طَلْحَةَ وَأُبَيًّا. وَقَالَ بَعْضُهْمْ: إِذَا أَوْصَى لِقَرَابَتِهِ فَهْوَ إِلَى آبَائِهِ فِي الإِسْلَامِ.
هذا (باب) بالتنوين (إذا وقف) شخص (أو أوصى لأقاربه ومن الأقارب) استفهام، وقد اختلف في ذلك، فقال الشافعية: لو أوصى لأقارب نفسه لم ندخل ورثته بقرينة الشرع لأن الوارث لا يوصى له عادة وقيل يدخلون لوقوع الاسم عليهم ثم يبطل نصيبهم لعدم إجازتهم لأنفسهم ويصح الباقي لغيرهم ويدخل في الوصية لأقارب زيد ورحمه الوارث وغيره والقريب والبعيد والمسلم والكافر والذكر والأنثى والخنثى والفقير والغني لشمول الاسم لهم، ويستوي في الوصية للأقارب قرابة الأب والأم، ولو كان الموصي عربيًّا لشمول الاسم، وقيل لا تدخل قرابة الأم إن كان الموصي
стр. 3372
عربيًّا لأن العرب لا تعدّها قرابة ولا تفتخر بها، وهذا ما صححه في المنهاج كأصله، لكن قال الرافعي في شرحيه: الأقوى الدخول وصححه في أصل الروضة وإن أوصى لأقرب أقارب زيد دخل الأبوان والأولاد كما يدخل غيرهم عند عدمهم لأن أقربهم هو المنفرد بزيادة القرابة وهؤلاء كذلك وإن لم يطلق عليهم أقارب عرفًا. وقال أحمد كالشافعية إلا أنه أخرج الكافر، وقال أبو حنيفة: القرابة كل ذي رحم محرم من قبل الأب أو الأم ولكن يبدأ بقرابة الأب قبل الأم، وقال أبو يوسف ومحمد: من جمعهم أب منذ الهجرة من قبل أبي أو أم من غير تفصيل، زاد زفر: ويقدم من قرب وهو رواية عن أبي حنيفة أيضًا وأقل من يدفع له ثلاثة وعند محمد اثنان وعند أبي يوسف واحد ولا يصرف للأغنياء عندهم إلا أن يشترط ذلك، وقال مالك: يختص بالعصبية سواء كان يرثه أم لا ويبدأ بفقرائهم حتى يغنوا ثم يعطي الأغنياء.
(وقال ثابت) مما أخرجه مسلم (عن أنس) ﵁ (قال النبي ﷺ لأبي طلحة) زيد بن سهل الأنصاري الخزرجي مشهور بكنيته لما نزلت هذه الآية ﴿لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبون﴾ [آل عمران: ٩٢] قال أبو طلحة: أرى ربنا يسألنا من أموالنا فأشهدك يا رسول الله أني جعلت أرضي بيرحاء لله قال: فقال رسول الله ﷺ : (اجعلها) أي بيرحاء، ولأبي ذر: اجعله (لفقراء أقاربك) (فجعلها لحسان) هو ابن ثابت شاعر رسول الله ﷺ (وأبي بن كعب) وكانا من بني أعمامه فيه أن الصدقة على الأقارب أفضل من الأجانب إذا كانوا محتاجين غير ورثة ولو أوصى لفقراء أقاربه لم يعط مكفي بنفقة قريب أو زوج ولو أوصى لجماعة من أقرب أقارب زيد فلا بدّ من الصرف إلى ثلاثة من الأقربين.
(وقال الأنصاري) محمد بن عبد الله بن المثنى مما وصله المؤلّف في تفسير سورة آل عمران مختصرًا (حدّثني) بالإفراد (أبي) عبد الله بن أنس (عن) عمه (ثمامة) بضم المثلثة وتخفيف الميم ابن عبد الله بن أنس (عن) جدّه (أنس مثل) ولأبي ذر: بمثل (حديث ثابت) السابق قريبًا (قال: اجعلها لفقراء قرابتك قال أنس فجعلها) أبو طلحة (لحسان وأُبيّ بن كعب وكانا أقرب إليه مني) زاد في تفسير سورة آل عمران في غير رواية أبي ذر ولم يجعل لي منها شيئًا، ولأبي ذر: هنا عن الحموي والمستملي إليه أقرب مني بالتقديم والتأخير. قال البخاري أو شيخه وهو الصواب كما وقع التصريح به في سُنن أبي داود (وكان قرابة حسان وأُبيّ) بن كعب (من أبي طلحة واسمه) أي أبي طلحة (زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة) بفتح الميم وتخفيف النون وإضافة زيد إلى مناة وليس بين زيد، ومناة لفظ ابن لأنه اسم مركب منهما قاله الكرماني، وحرام بحاء وراء مهملتين وعمرو بفتح العين كالآتي (ابن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار) لأنه اختتن بالقدوم وأو ضرب وجه رجل بقدوم فنجره فقيل له النجار (وحسان بن ثابت بن المنذر بن حرام) بمهملتين (فيجتمعان) أي أبو طلحة وحسان (إلى حرام وهو الأب الثالث) لهما فهو جد أبيهما (وحرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار فهو) بالفاء ولأبي ذر: وهو أي حرام بن عمرو (يجامع
стр. 3373
حسان وأبا طلحة) على ما لا يخفى والذي في اليونينية حسان بالرفع مصححًا عليه وقد تبين أن قوله وحرام ابن عمرو مسوق لفائدة كونه يجامعهما نعم ما بعد ذلك إلى النجار مستغنى عنه بما سبق فليتأمل.
(وأُبيّ) بالرفع جملة مستأنفة أي وأبي يجامعهما (إلى ستة أباء) من آبائه (إلى عمرو بن مالك) ويوضح ذلك ما زاده في رواية أبي ذر عن المستملي والكشميهني حيث قال (وهو أُبيّ بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار فعمرو بن مالك) الجدّ السادس لأُبي بن كعب السابع للآخرين (يجمع) الثلاثة (حسان وأبا طلحة وأُبيًّا) هذا ما ظهر لي من شرح ذلك مع ما فيه من التكرار، وإنما يستقيم على ثبوت الواو قبل أبا طلحة من قوله فهو يجامع حسان أبا طلحة لكني لم أرها ثابتة في شيء من النسخ التي وقفت عليها. نعم في الفرع كشط في موضعها يشبه أنها كانت ثابتة ثم أُزيلت وأصلحت النصبة التي على حسان بضمة علامة للرفع وصحح عليها، وحينئذٍ فيكون قوله هو ضمير الشأن مبتدأ خبره الجملة الفعلية، وحسان رفع على الفاعلية أي حسان يجامع أبا طلحة في حرام وأبي بالرفع جملة مستأنفة أو عطف على حسان أي وأبي يجامع أبا طلحة إلى ستة آباء، ثم رأيت الواو بعد حسان قبل أبا طلحة ثابتة في بعض النسخ وفي نسخة حسان بالرفع أيضًا ونصب تالييه والضمير للشأن أي حسان يجامع أبا طلحة إلى حرام ويجامع أُبيًّا إلى ستة آباء وجوّز رفع الثلاثة.
قال ابن الدماميني كالزركشي: وهو صواب أيضًا انتهى أي حسان وأبو طلحة وأبي يجامع كلٌّ منهما الآخر، وإنما كان حسان وأُبيّ أقرب إلى أبي طلحة من أنس لأن الذي يجمع أبا طلحة وأنسًا النجار لأن أنسًا هو ابن مالك بن النضر بفتح النون وسكون الضاد المعجمة ابن ضمضم بفتح الضادين المعجمتين ابن زيد بن حرام بمهملتين ابن عامر بن غنم بفتح الغين المعجمة وسكون النون ابن عدي بن النجار وأبو طلحة وأُبيّ بن كعب كما مرّ من بني مالك بن النجار، فلذا كان أُبيّ بن كعب أقرب إلى أبي طلحة من أنس وقول الكرماني وتبعه العيني إنما كانا أقرب إليه منه لأنهما يبلغان إلى عمرو بن مالك بواسطة ستة أنفس وأنس يبلغ إليه بواسطة اثني عشر نفسًا، ثم ساقا نسبه إلى عدي فقالا ابن عمرو بن مالك بن النجار فيه نظر لأن عديًّا المذكور في نسب أنس هو أخو مالك والد عمرو فلا اجتماع لهم فيه، ولئن سلمنا ثبوت عمرو بن مالك في هذا كما ذكرا فأنس إنما يبلغ إليه بتسعة أنفس لا باثني عشر فليتأمل.
(وقال بعضهم) أراد به أبا يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة (إذا أوصى لقرابته فهو إلى آبائه) الذين كانوا (في الإسلام).
٢٧٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا ﵁ قَالَ: "قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَبِي طَلْحَةَ: أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا بين الأَقْرَبِينَ، فقَالَ أَبُو
стр. 3374
طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ". وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُنَادِي: يَا بَنِي فِهْرٍ، يَا بَنِي عَدِيٍّ، لِبُطُونِ قُرَيْشٍ". وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: "لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) سقط ابن أبي طلحة لأبي ذر (أنه سمع أنسًا ﵁ قال: قال النبي ﷺ لأبي طلحة): (أرى أن تجعلها في الأقربين) اختصره هنا، ولفظه في باب الزكاة على الأقارب من كتاب الزكاة أنه سمع أنس بن مالك ﵁ يقول: كان أبو طلحة ﵁ أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل وكان أحب أمواله إليه بيرحاء وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب. قال أنس: فلما أنزلت هذه الآية ﴿لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبون﴾ قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن الله ﵎ يقول: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ وإن أحب أموالي إليّ بيرحاء وإنها صدقة لله أرجو برّها وذخرها عند الله فضعها يا رسول الله حيث أراك الله قال فقال رسول الله ﷺ : "بخ ذلك مال رابح ذلك مال رابح وقد سمعت ما قلت إني أرى أن تجعلها في الأقربين" (قال) ولأبي ذر فقال (أبو طلحة: أفعل يا رسول الله فقسمها) أي بيرحاء (أبو طلحة في أقاربه وبني عمه) هو من عطف الخاص على العام.
(وقال ابن عباس) ﵄ مما وصله في مناقب قريش وتفسير سورة الشعراء (لما نزلت: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ [الشعراء: ٢١٤] جعل النبي ﷺ ينادي) (يا بني فهر) بكسر الفاء وسكون الهاء (يا بني عدى) (لبطون قريش) زاد في سورة تبّت بعد قوله عشيرتك الأقربين ورهطك منهم المخلصين، وهذه الزيادة كما قال القرطبي كانت قرآنًا فنسخت، وزاد أيضًا في تفسير الشعراء بعدها صعد النبي ﷺ على الصفا، وهذا يدل على أن هذا الحديث مرسل، وبه جزم الإسماعيلي لأن ابن عباس كان حينئذٍ إما لم يولد وإما طفلاً، لكن روى الطبراني من حديث أبي أمامة أنه ﷺ جمع بني هاشم ونساءه وأهله وفيه فقال: "يا عائشة بنت أبي بكر يا حفصة بنت عمر يا أم سلمة" فهذا إن ثبت كما قاله في الفتح يدل على التعدد لأن القصة الأولى وقعت بمكة لتصريحه في الشعراء بأنه صعد الصفا ولم تكن عائشة وحفصة وأم سلمة عنده من أزواجه إلا بالمدينة فتكون متأخرة عن الأولى فيحضر ابن عباس ذلك، ويحمل قوله جعل أي بعد ذلك لا أنه وقع على الفور.
(وقال أبو هريرة) ﵁ (لما نزلت: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ قال النبي ﷺ ¬): (يا معشر قريش) وهذا طرف من حديث وصله في الباب اللاحق.
стр. 3375
١١ - باب هَلْ يَدْخُلُ النِّسَاءُ وَالْوَلَدُ فِي الأَقَارِبِ؟
هذا (باب) بالتنوين (هل يدخل النساء والولد في الأقارب) إذا أوصى لهم.
٢٧٥٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا- اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا".
تَابَعَهُ أَصْبَغُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ.
[الحديث ٢٧٥٣ - طرفاه في: ٣٥٢٧، ٤٧٧١].
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (قال: أخبرني) بالإفراد (سعيد بن المسيب وأبو سلمة) عبد الله أو إسماعيل (بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني (أن أبا هريرة ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ حين أنزل الله ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ أي الأقرب فالأقرب منهم فإن الاهتمام بشأنهم أهم.
وهذا الحديث من مرسل أبي هريرة لأن إسلامه إنما كان بالمدينة. نعم إن قلنا بالتعدّد المفهوم من حديث أبي أمامة عند الطبراني حيث قال: يا عائشة إلخ انتفى كونه مرسلاً، ويحمل على أن أبا هريرة حضر القصة بالمدينة كما مرّ في الباب السابق.
(قال): ﵊ (يا معشر قريش -أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم) من الله بأن تخلصوها من العذاب بإسلامكم (لا أغني) لا أدفع (عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئًا يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا ويا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمد ﷺ سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئًا) سقطت التصلية بعد قوله بنت محمد من نسخة وثبتت في أخرى بعد عمة رسول الله ﷺ وعباس وصفية وفاطمة بالبناء على الضم، وقول الزركشي يجوز في عباس الرفع والنصب وكذا في يا صفية عمة وكذا يا فاطمة بنت. قال في المصابيح: يريد بالرفع والنصب الضم والفتح إذ مثله من المناديات مبني على الضم وفتح للإتباع أو للتركيب على الخلاف.
والمطابقة بين الحديث والترجمة في قوله: يا صفية ويا فاطمة ففيه دلالة على دخول النساء في
стр. 3376
الأقارب وكذا الفروع وعلى عدم التخصيص بمن يرث ولا بمن كان مسلمًا قاله في الفتح، لكن مذهبنا كأبي حنيفة أنه لا يدخل في الوصية للأقارب الأبوان والأولاد ويدخل الأجداد لأن الوالد والولد لا يعرفان بالقرب في العرف بل القريب من ينتمي بواسطة فتدخل الأحفاد والأجداد، وقيل لا يدخل أحد من الأصول والفروع، وقيل يدخل الجميع وبه قطع المتولي.
(تابعه) أي تابع أبا اليمان (أصبغ) بن الفرج (عن ابن وهب) عبد الله (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري، وهذه المتابعة أخرجها مسلم.
١٢ - باب هَلْ يَنْتَفِعُ الْوَاقِفُ بِوَقْفِهِ؟
وَقَدِ اشْتَرَطَ عُمَرُ ﵁: لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا. وَقَدْ يَلِي الْوَاقِفُ وَغَيْرُهُ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ جَعَلَ بَدَنَةً أَوْ شَيْئًا لِلَّهِ فَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا كَمَا يَنْتَفِعُ غَيْرُهُ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ.
هذا (باب) بالتنوين (هل ينتفع الواقف بوقفه)؟ إذا وقفه على نفسه ثم على غيره أو شرط لنفسه جزءًا معينًا أو يجعل للناظر على وقفه شيئًا ويكون هو الناظر، والصحيح من مذهب الشافعية بطلان الوقف على النفس وهو المنصوص، ولو وقف على الفقراء وشرط أن يقضي من غلة الوقف زكاته وديونه فهذا وقف على نفسه ففيه الخلاف، وكذا لو شرط أن يأكل من ثماره أو ينتفع به ولو استبقى الواقف لنفسه التولية وشرط أجره وقلنا لا يجوز أن يقف على نفسه فالأرجح جوازه، ولو وقف على الفقراء ثم صار فقيرًا ففي جواز أخذه وجهان: إذا قلنا لا يقف على نفسه لأنه لم يقصد نفسه وقد وجدت الصفة والأصح الجواز ورجح الغزالي المنع لأن مطلقه ينصرف إلى غيره.
(وقد اشترط عمر) بن الخطاب (﵁) في تحبيسه أرضه التي بخيبر المسماة بثمغ السابق موصولاً في آخر الشروط (لا جُناح) لا إثم (على من وليه) ولي التحدث إليه (أن يأكل) زاد أبو ذر عن الكشميهني منها بالتأنيث أي من الأرض المحبسة.
قال البخاري تفقّهًا منه: (وقد يلي الواقف) التحدث على وقفه (و) قد يليه (غيره) واستنبط منه أن للواقف أن يشترط لنفسه جزءًا من ريع الموقوف لأن عمر شرط لمن ولي وقفه أن يأكل منه ولم يستثن إن كان هو الواقف أو غيره فدلّ على صحة الشرط، وإذا جاز في المبهم الذي لم يعينه كان فيما يعينه أجوز، وقال المالكية: لا تكون ولاية النظر للواقف. قال ابن بطال سدًّا للذريعة: لئلا يصير كأنه وقف على نفسه أو يطول العهد فينسى الواقف فيتصرف فيه لنفسه أو يموت فيتصرف فيه ورثته، واستنبط بعضهم من هذا صحة الوقف على النفس وهو قول أبي يوسف، وقال المرداوي من الحنابلة في تنفيحه: ولا يصح على نفسه ويصرف على من بعده في الحال وعنه يصح واختاره جماعة
стр. 3377
وعليه العمل وهو أظهر، وإن وقف على غيره واستثنى كل الغلة أو بعضها له أو لولده مدّة حياته نصًّا أو مدة معينه أو استثنى الأكل أو الانتفاع لأهله أو يطعم صديقه صح فلو مات في أثناء المدة كان لورثته، ثم قوّى المؤلّف ما احتج به من قصة عمر بقوله: (وكذلك من) ولأبي ذر وكذلك كل من (جعل بدنة أو شيئًا لله) على سبيل العموم كالمسلمين (فله أن ينتفع بها) بتلك العين التي جعلها لله (كما ينتفع غيره) من المسلمين بناء على أن المخاطب يدخل في عموم خطابه (وإن لم يشترط) لنفسه ذلك في أصل الوقف ومن ذلك انتفاعه بكتاب وقفه على المسلمين.
٢٧٥٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ لَهُ: ارْكَبْهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا بَدَنَةٌ، قَالَ -فِي الثَّالِثَةِ أَوِ في الرَّابِعَةِ- ارْكَبْهَا وَيْلَكَ -أَوْ وَيْحَكَ".
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) سقط ولأبي ذر ابن سعيد قال: (حدّثنا أبو عوانة الوضاح اليشكري (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ رأى رجلاً) لم يعرف اسمه (يسوق بدنة فقال له) ﵊:
(اركبها) (فقال) الرجل: (يا رسول الله إنها بدنة) أي هدي (فقال) ﵊ (في الثالثة أو الرابعة) ولأبي ذر: أو في الرابعة (اركبها ويلك) كلمة عذاب (أو) قال (ويحك) كلمة رحمة أو هما بمعنى واحد والشك في الموضعين من الراوي.
٢٧٥٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ: ارْكَبْهَا، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا بَدَنَةٌ، قَالَ: ارْكَبْهَا وَيْلَكَ. فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ".
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدّثنا) وفي نسخة حدّثني بالإفراد (مالك) الإمام الأعظم (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يسوق بدنة) هديًا (فقال) له ﵊:
(اركبها) (قال: يا رسول الله إنها بدنة) هدي (قال) (اركبها ويلك في الثانية أو في الثالثة) واحتج بذلك من أجاز الوقف على النفس لأنه أجاز له الانتفاع بما أهداه بعد خروجه عن ملكه بغير شرط فجوازه بالشرط أحرى، والحديث سبق في الحج.
١٣ - باب إِذَا وَقَفَ شَيْئًا قبلَ أن يَدْفَعْهُ إِلَى غَيْرِهِ فَهُوَ جَائِزٌ
لأَنَّ عُمَرَ ﵁ أَوْقَفَ فَقَالَ: لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ، وَلَمْ يَخُصَّ إِنْ وَلِيَهُ عُمَرُ أَوْ غَيْرُهُ.
стр. 3378
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَبِي طَلْحَةَ: «أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ، فَقَالَ: أَفْعَلُ، فَقَسَمَهَا فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ".
هذا (باب) بالتنوين (إذا وقف) شخص (شيئًا فلم يدفعه) ولأبي ذر: قبل أن يدفعه (إلى غيره فهو جائز) أي صحيح، (لأن عمر ﵁ أوقف) بهمزة قبل الواو لغة شاذة في وقف بإسقاطها أرضه التي بخيبر (وقال): ولأبي ذر فقال: (لا جناح على من وليه) أي الوقف (أن يأكل) من ريعه (ولم يخص وإن وليه عمر أو غيره) ولم يأمره ﷺ بإخراجه من يده فكان تقريره لذلك دالاًّ على صحة الوقف وإن لم يقبضه الموقوف عليه قاله في الفتح، واشترط المالكية لصحة الوقف خروجه عن يد واقفه وأن يقبضه الموقوف عليه وبه قال محمد بن الحسن.
(قال) ولأبي ذر: وقال (النبي ﷺ ¬) مما سبق موصولاً من طريق إسحاق بن أبي طلحة (لأبي طلحة (أرى أن تجعلها في الأقربين) (فقال) أبو طلحة (أفعل فقسمها في أقاربه وبني عمه) واستشكل الداوديّ الاستدلال بهذا على صحة الوقف قبل القبض بأنه حمل للشيء على ضدّه وتمثيله بغير جنسه فإنه دفع صدقته إلى أُبيّ بن كعب وحسان. وأجاب ابن المنير: بأن أبا طلحة أطلق صدقة أرضه وفوّض إلى النبي ﷺ مصرفها فلما قال له: أرى أن تجعلها في الأقربين ففوّض له قسمتها بينهم صار كأنه أقرّها في يده بعد أن مضت الصدقة اهـ.
وقد وقع التصريح في الحديث كما سيأتي إن شاء الله تعالى بأن أبا طلحة هو الذي تولى قسمتها. قال في الفتح: وبذلك يتم الجواب اهـ.
وقرأت في المعرفة للبيهقي في ترجمة تمام الحبس بالكلام دون القبض. قال الشافعي: ولم يزل عمر بن الخطاب المتصدق بأمر النبي ﷺ يلي فيما بلغنا صدقته حتى قبضه الله، ولم يزل عليّ بن أبي طالب يلي صدقته حتى لقي الله، ولم تزل فاطمة ﵂ تلي صدقتها حتى لقيت الله أخبرنا بذلك أهل العلم من ولد عليّ وفاطمة وعمر ومواليهم، ولقد حفظت الصدقات عن عدد كثير من المهاجرين والأنصار، ولقد حكى لي عدد كثير من أولادهم وأهليهم أنهم لم يزالوا يلون صدقاتهم حتى ماتوا ينقل ذلك العامّة منهم عن العامّة لا يختلفون فيه، وإن أكثر ما عندنا بالمدينة ومكة من الصدقات لكما وصفت لم يزل يتصدق بها المسلمون من السلف يلونها حتى ماتوا.
١٤ - باب إِذَا قَالَ: دَارِي صَدَقَةٌ لِلَّهِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ لِلْفُقَرَاءِ أَوْ غَيْرِهِمْ فَهُوَ جَائِزٌ، وَيُعْطِيهَا لِلأَقْرَبِينَ أَوْ حَيْثُ أَرَادَ
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَبِي طَلْحَةَ حِينَ قَالَ أَحَبُّ أَمْوَالِي إِلَىَّ بَيْرَحَاءَ وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ، فَأَجَازَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجُوزُ حَتَّى يُبَيِّنَ لِمَنْ، وَالأَوَّلُ أَصَحُّ.
стр. 3379
هذا (باب) بالتنوين (إذا قال) شخص: (داري صدقة لله) (و) الحال أنه (لم يبين) هل هي (للفقراء أو غيرهم فهو جائز) أي تتم قبل تعيين جهة مصرفها (ويضعها) بعد ذلك (في الأقربين) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: ويعطيها للأقربين (أو حيث أراد. قال النبي ﷺ لأبي طلحة حين قال: أحب أموالي إليّ بيرحاء)، بكسر الموحدة وفتحها وسكون الياء من غير همز وفتح الراء وضمها آخره همزة مصروف وغير مصروف ولأبي ذر بيرحا بكسر الموحدة وسكون التحتية من غير همز وضم الراء آخره ألف من غير همز وفيها وجوه أخرى سبقت (وإنها صدقة لله) ولم يعين المتصدّق عليه ولا المتصدق فيه. قال المؤلّف تفقّهًا: (فأجاز النبي ﷺ ذلك). الوقف من غير تعيين، (وقال بعضهم: لا يجوز) هذا الوقف المطلق (حتى يبين) واقفه (لمن) يصرف وهذا أحد قولي الشافعي، لكن قال بعض الشافعية: إن قال وقفته وأطلق فهو محل الخلاف، وإن قال وقفته لله خرج عن ملكه جزمًا واستدلّ بقصة أما طلحة (والأول) القائل بالجواز (أصح).
١٥ - باب إِذَا قَالَ أَرْضِي أَوْ بُسْتَانِي صَدَقَةٌ لله عَنْ أُمِّي فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ لِمَنْ ذَلِكَ
هذا (باب) بالتنوين (إذا قال) شخص (أرضي أو بستاني صدقة) زاد أبو ذر: لله (عن أمّي فهو جائز وإن لم يبين لمن ذلك) الموقوف للفقراء أو غيرهم فهي كالترجمة السابقة إلا أنه عين في هذه المتصدق عنه.
٢٧٥٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَعْلَى أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَةَ يَقُولُ: أَنْبَأَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: "أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ﵁ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهْوَ غَائِبٌ عَنْهَا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا، أَيَنْفَعُهَا شَىْءٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِي الْمِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا".
[الحديث ٢٧٥٦ - طرفاه في: ٢٧٦٢، ٢٧٧٠].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن سلام) وسقط لغير أبي ذر ابن سلام قال: (أخبرنا مخلد بن يزيد) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح اللام ويزيد من الزيادة قال: (أخبرنا ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (قال: أخبرني) بالإفراد (يعلى) هو ابن مسلم المكي البصري الأصل كما سماه عبد الرزاق في روايته عن ابن جريج عنه (أنه سمع عكرمة) مولى ابن عباس (يقول: أنبأنا) من الإنباء ويستعمله المتأخرون في الإجازة المجرّدة (ابن عباس ﵄ أن سعد بن عبادة) الأنصاري سيد الخزرج (﵁ توفيت أمه) عمرة بنت مسعود وقيل سعد بن قيس بن عمرو الأنصارية الخزرجية سنة خمس (وهو غائب عنها) مع النبي ﷺ في غزوة دومة الجندل، وكانت أسلمت وبايعت كما عند ابن سعد والجملة الاسمية حالية (فقال): سعد (يا رسول الله إن أمي
стр. 3380
توفيت وأنا غائب عنها أينفعها) عند الله (شيء إن تصدّقت به)؟ أي بشيء وهمزة إن مكسورة (عنها؟ قال): (¬ ﷺ ¬):
(نعم) ينفعها عند الله (قال): سعد (فإني أشهدك أن حائطي) بستاني (المخراف) بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة آخره فاء عطف بيان لحائطي اسم له أو وصف أي المثمر (صدقة عليها) ولأبي ذر عن الكشميهني: عنها وهو أصح.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الوصايا.
١٦ - باب إِذَا تَصَدَّقَ أَوْ وَقَفَ بَعْضَ رَقِيقِهِ أَوْ دَوَابِّهِ فَهُوَ جَائِزٌ
هذا (باب) بالتنوين (إذا تصدق) شخص (أو وقف) بألف قبل الواو لغة شاذة ولأبي ذر: أو وقف (بعض ماله أو بعض رقيقه أو) بعض (دوابه فهو جائز) إذا كان غير مريض لكن يستحب أن يبقي لنفسه منه ما يعيش به خوف الحاجة، وقوله أو بعض رقيقه من عطف الخاص على العام.
٢٧٥٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ ﵁: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ ، قَالَ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ. قُلْتُ: أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ".
[الحديث ٢٧٥٧ - أطرافه في: ٢٩٤٧، ٢٩٤٨، ٢٩٤٩، ٢٩٥٠، ٣٠٨٨، ٣٥٥٦، ٣٨٨٩، ٣٩٥١، ٤٤١٨، ٤٦٧٣، ٤٦٧٦، ٤٦٧٧، ٤٦٧٨، ٦٢٥٥، ٦٦٩٠، ٧٢٢٥].
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة مصغرًا قال (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب أن) أباه (عبد الله بن كعب قال: سمعت) أبي (كعب بن مالك ﵁ يقول): أي حين تخلف عن غزوة تبوك وتيب عليه (قلت يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع) أي أن أخرج (من مالي) بالكلية (صدقة) بالنصب مفعولاً له أي لأجل التصدّق أو حالاً بمعنى متصدقًا (إلى الله وإلى رسوله ﷺ قال): ﵊:
(أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك) من إنفاقه كله لئلا تتضرر بالفقر وعدم الصبر على الإضاقة. قال كعب (قلت) يا رسول الله (فإني أمسك سهمي الذي بخيبر). واستدلّ به على كراهة التصدق بجميع المال وجواز وقف المنقول، ومطابقته للترجمة ظاهرة وقد ساقه هنا مختصرًا كما في باب: لا صدقة إلا عن ظهر غنى وبتمامه في المغازي.
стр. 3381
١٧ - باب مَنْ تَصَدَّقَ إِلَى وَكِيلِهِ ثُمَّ رَدَّ الْوَكِيلُ إِلَيْهِ
٢٧٥٨ - وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ لَا أَعْلَمُهُ إِلاَّ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ جَاءَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ اللَّهُ ﵎ فِي كِتَابِهِ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَىَّ بِيرُحَاءَ -قَالَ وَكَانَتْ حَدِيقَةً كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَسْتَظِلُّ بِهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا- فَهِيَ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ أَرْجُو بِرَّهُ وَذُخْرَهُ، فَضَعْهَا أَىْ رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بَخْ يَا أَبَا طَلْحَةَ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ قَبِلْنَاهُ مِنْكَ وَرَدَدْنَاهُ عَلَيْكَ، فَاجْعَلْهُ فِي الأَقْرَبِينَ. فَتَصَدَّقَ بِهِ أَبُو طَلْحَةَ عَلَى ذَوِي رَحِمِهِ. قَالَ وَكَانَ مِنْهُمْ أُبَىٌّ وَحَسَّانُ. قَالَ: وَبَاعَ حَسَّانُ حِصَّتَهُ مِنْهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ فَقِيلَ لَهُ: تَبِيعُ صَدَقَةَ أَبِي طَلْحَةَ؟ فَقَالَ: أَلَا أَبِيعُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ بِصَاعٍ مِنْ دَرَاهِمَ؟ قَالَ: وَكَانَتْ تِلْكَ الْحَدِيقَةُ فِي مَوْضِعِ قَصْرِ بَنِي حُدَيْلَةَ الَّذِي بَنَاهُ مُعَاوِيَةُ".
(باب من تصدق إلى) وللكشميهني: على (وكيله ثم ردّ الوكيل) الصدقة (إليه) أي إلى الموكل.
(وقال إسماعيل) كذا ثبت في أصل أبي ذر من غير أن ينسبه، وجزم أبو نعيم في مستخرجه أنه ابن جعفر، وأسنده الدمياطي في أصله بخطه فقال: حدّثنا إسماعيل. قال الحافظ ابن حجر: فإن كان محفوظًا تعين أنه ابن أبي أويس، وبه جزم المزي قال: (أخبرني) بالإفراد (عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة) الماجشون واسم أبي سلمة دينار (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) زيد بن سهل الأنصاري (لا أعلمه إلا عن أنس ﵁) وجزم به ابن عبد البر في تمهيده والظاهر كما في الفتح أن الذي قال لا أعلمه إلا عن أنس البخاري أنه (قال: لما نزلت: ﴿لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبون﴾ [آل عمران: ٩٢]. جاء أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ ¬) زاد ابن عبد البر ورسول الله ﷺ على المنبر (فقال: يا رسول الله يقول الله تعالى في كتابه: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ وإن أحب أموالي إليّ بيرحاء) بكسر الموحدة وسكون التحتية وضم الراء آخره همزة غير منصرف وفيها لغات أخرى سبقت (قال: وكانت) أي بيرحاء (حديقة كان رسول الله ﷺ يدخلها ويستظل فيها ويشرب من مائها) جملة معترضة بين قوله: وإن أحب أموالي إليّ بيرحاء وبين قوله: (فهي إلى الله وإلى رسوله ﷺ ¬) أي خالصة لله ولرسوله (أرجو برّه وذخره) بالذال المضمومة والخاء الساكنة المعجمتين (فضعها أي رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله ﷺ ¬):
(بخ يا أبا طلحة) بفتح الموحدة وسكون الخاء المعجمة من غير تكرار كلمة تقال عند المدح والرضا بذلك الشيء (ذلك مال رابح) بالموحدة أي يربح صاحبه فيه في الآخرة (قبلناه) أي المال
стр. 3382
(منك ورددناه عليك فاجعله في الأقربين) (فتصدق به أبو طلحة على ذوي رحمه) الشامل لقرابة الأب والأم بلا خلاف في العرب والعجم.
(قال): أنس (وكان منهم أُبيّ) هو ابن كعب (وحسان) هو ابن ثابت (قال) أنس (وباع حسان حصته منه) من ذلك المال المتصدق به (من معاوية) بن أبي سفيان قيل إنما باعها لأن أبا طلحة لم يقفها بل ملكهم إياها إذ لا يسوغ بيع الموقوف، وحينئذٍ فكيف يستدل به لمسائل الوقف؟ وأجانب الكرماني بأن التصدق على المعين تمليك له. قال العيني: وفيه نظر لا يخفى. وأجاب آخر: بأن أبا طلحة حين وقفها شرط جواز بيعهم عند الاحتياج فإن الوقف بهذا الشرط قال بعضهم: بجوازه والله أعلم.
(فقيل له): لحسان (تبيع صدقة أبي طلحة)؟ بحذف همزة الاستفهام (فقال: ألا أبيع صاعًا من تمر بصاع من دراهم) في الفتح عن أخبار المدينة لمحمد بن الحسن المخزومي من طريق أبي بكر بن حزم أن ثمن حصة حسان مائة ألف درهم قبضها من معاوية بن أبي سفيان (قال: وكانت تلك الحديقة) المتصدق بها (في موضع قصر بني جديلة) بجيم مفتوحة فدال مهملة مكسورة كذا في الفرع وأصله وضبب عليه، والصواب أنه بالحاء المضمومة وفتح الدال المهملتين كما ذكره الأئمة الحفّاظ أبو نصر وأبو علي الغساني والقاضي عياض بطن من الأنصار وهم بنو معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار وجديلة أمهم وإليهم ينسب القصر المذكور (الذي بناه معاوية) بن أبي سفيان لما اشترى حصة حسان ليكون حصنًا له لما كانوا يتحدثون به بينهم مما وقع لبني أمية، وكان الذي تولى بناءه لمعاوية الطفيل بن أُبيّ بن كعب قاله عمر بن شبة في أخبار المدينة وأبو غسان المدني وغيرهما وليس هو معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار كما ذكره الكرماني. قاله في الفتح.
وهذا الباب وحديثه سقط من أكثر الأصول وثبتا في رواية الكشميهني فقط. نعم ثبتت الترجمة وبعض الحديث للحموي إلى قوله: مما تحبون.
ومطابقته للترجمة في قوله: قبلناه منك ورددناه عليك فهو شبيه بما ترجم به.
١٨ - باب قَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾
(باب قول الله تعالى) ولأبي ذر: (﴿وإذا حضر القسمة﴾) قسمة الميراث (﴿أولو القربى﴾) ممن ليس بوارث (﴿واليتامى والمساكين فارزقوهم منه﴾) [النساء: ٨]. ارضخوا لهم من التَرِكة نصيبًا قبل القسمة، وكان ذلك واجبًا في ابتداء الإسلام لأن أنفسهم تتشوّف إلى شيء من ذلك إذا رأوا هذا يأخذ وهذا يأخذ وهم آيسون لا يعطون شيئًا فأمر الله تعالى برأفته ورحمته أن يرضخ لهم شيء
стр. 3383
من الوسط إحسانًا إليهم وجبرًا لقلوبهم، ثم نسخ ذلك بآية المواريث وهذا مذهب الجمهور، وقالت طائفة: هي محكمة وليست بمنسوخة.
٢٧٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "إِنَّ نَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نُسِخَتْ، وَلَا وَاللَّهِ مَا نُسِخَتْ، وَلَكِنَّهَا مِمَّا تَهَاوَنَ النَّاسُ، هُمَا وَالِيَانِ: وَالٍ يَرِثُ وَذَاكَ الَّذِي يَرْزُقُ، وَوَالٍ لَا يَرِثُ فَذَاكَ الَّذِي يَقُولُ بِالْمَعْرُوفِ، يَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ أَنْ أُعْطِيَكَ".
[الحديث ٢٧٥٩ - طرفه في: ٤٥٧٦].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن الفضل أبو النعمان) وفي نسخة: حدّثنا أبو النعمان محمد بن الفضل بالتقديم والتأخير قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري (عن أبي بشر) بكسر وسكون المعجمة جعفر بن أبي وحشية واسم أبي وحشية إياس اليشكري البصري (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄) أنه (قال): موقوفًا. عليه (إن ناسًا يزعمون) منهم عائشة (إن هذه الآية) وإذا حضر القسمة إلى آخرها (نسخت) بضم النون وكسر السين بآية المواريث (ولا والله ما نسخت) بل هي محكمة فيعطى الحاضر ممن ذكر من التَرِكَة (ولكنها) أي قضية الآية (مما تهاون الناس) فيها ولم يعملوا بها (هما) أي المتصرفان في التَّرِكَة والمتوليان أمرها (واليان والٍ يرث) المال كالعصبة مثلاً (وذاك) بغير لام ولأبي ذر: وذلك (الذي يرزق) يرضخ الحاضرين من أُولي القربى واليتامى والمساكين (ووالٍ لا يرث) كوليّ اليتيم (فذاك) ولأبي ذر: فذلك (الذي يقول بالمعروف يقول: لا أملك لك أن أعطك) شيئًا منه إنما هو لليتيم ولو كان لي منه شيء لأعطيتك وسقط قوله لك في رواية المستملي.
١٩ - باب مَا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ يُتَوَفَّى فَجْأَةً أَنْ يَتَصَدَّقُوا عَنْهُ، وَقَضَاءِ النُّذُورِ عَنِ الْمَيِّتِ
(باب ما يستحب لمن يتوفى) بضم أوّله وفتح تالييه، ولأبي ذر: توفي بحذف التحتية وضم الفوقية والواو وكسر الفاء مات (فجأة) بفتح الفاء وسكون الجيم من غير مدّ، ولأبي ذر: فجاءة بضم الفاء وفتح الجيم مخففة ممدودًا بغتة (أن يتصدقوا) أهله أو أصحابه (عنه و) استحباب (قضاء النذور) بالمعجمة والجمع (عن الميت) الذي مات وعليه نذور.
٢٧٦٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: "أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسَهَا، وَأُرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، تَصَدَّقْ عَنْهَا".
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أُويس (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام الأعظم (عن هشام) ولأبي ذر: زيادة ابن عروة (عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة ﵂ أن رجلاً) هو
стр. 3384
سعد بن عبادة (قال للنبي ﷺ إن أمي) عمرة بنت مسعود (افتلتت) بالفاء الساكنة والفوقية المضمومة وكسر اللام مبنيًّا للمفعول (نفسها) بالنصب مفعول ثانٍ أي افتلتها الله نفسها، ولأبي ذر: نفسها بالرفع مفعول ناب عن الفاعل أي أخذت نفسها فلتة والنفس هنا الروح أي ماتت بغتة دون تقدّم مرض ولا سبب (وأراها) بضم الهمزة أي أظنها لعلمي بحرصها على الخير (لو تكلمت تصدقت أفأتصدق عنها؟ قال): ﵊:
(نعم تصدق عنها). بجزم تصدق على الأمر. وعند النسائي قلت: فأيّ الصدقة؟ قال: "سقي الماء" وفيه دلالة على أن الصدقة تنفع الميت.
وهذا الحديث أخرجه النسائي في الوصايا.
٢٧٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: "أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ﵁ اسْتَفْتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ، فَقَالَ: اقْضِهِ عَنْهَا".
[الحديث ٢٧٦١ - طرفاه في: ٦٦٩٨، ٦٩٥٩].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عبيد الله بن عبد الله) بضم عين الأول مصغرًا العمري (عن ابن عباس ﵄ أن سعد بن عبادة ﵁ استفتى رسول الله ﷺ فقال: إن أمي) عمرة (ماتت وعليها نذر) لم تقضه (فقال):
(اقضه عنها) وفي رواية سليمان بن كثير عند النسائي: أفيجزي عنها أن أعتق؟ قال: "أعتق عن أمك".
٢٠ - باب الإِشْهَادِ فِي الْوَقْفِ وَالصَّدَقَةِ
٢٧٦٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَعْلَى أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ: "أَنْبَأَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ﵁-أَخَا بَنِي سَاعِدَةَ- تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهْوَ غَائِبٌ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا، فَهَلْ يَنْفَعُهَا شَىْءٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِي الْمِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا".
(باب الإشهاد في الوقف والصدقة).
وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن موسى) الفراء الرازي الصغير قال: (أخبرنا هشام بن يوسف) الصنعاني (أن ابن جريج) عبد الملك (أخبرهم قال: أخبرني) بالإفراد (يعلى) بن مسلم المكي البصري
стр. 3385
الأصل (أنه سمع عكرمة مولى ابن عباس يقول: أنبأنا) أي أخبرنا (ابن عباس أن سعد بن عبادة ﵁ أخًا بني ساعدة) أي واحدًا منهم أي أنه أنصاري ساعدي (توفيت أمه) عمرة (وهو غائب) زاد أبو ذر: عنها أي مع النبي ﷺ في غزوة دومة الجندل سنة خمس (فأتى) سعد (النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن أمي توفيت وأنا غائب عنها فهل ينفعها شيء إن تصدقت به) أي بشيء (عنها؟ قال): ﵊:
(نعم) ينفعها (قال: فإني أشهدك أن حائطي) بستاني (المخراف) بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة آخره فاء اسم للبستان أو وصف له أي المثمر، وسمي بذلك لما يخرف منه أي يجنى من التمرة تقول: شجرة مخراف ومثمار قاله الخطابي، وفي رواية عبد الرزاق المخرف بغير ألف. (صدقة عليها) أي مصروفة على مصلحتها، وسقط قوله من قوله قال فإني أشهدك للحموي والكشميهني.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: أشهدك أن حائطي صدقة وألحق الوقف بالصدقة وعورض بأن قوله أشهدك يحتمل إرادة الإشهاد المعتبر أو الإعلام واستدلّ له المهلب بقوله تعالى: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ [البقرة: ٢٨٢] الآية. لأنه إذا أمر بالإشهاد في البيع الذي له عوض فلأن يشرع في الوقف الذي لا عوض له أولى.
وهذا الحديث سبق قبل ثلاثة أبواب.
٢١ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا * وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ١٢ - ١٣].
(باب قول الله تعالى) ولأبي ذر: بدل قوله تعالى: (﴿وآتوا﴾) وأعطوا (﴿اليتامى أموالهم﴾) إليهم إذا بلغوا الحلم كاملة موفرة (﴿ولا تتبدلوا الخبيث﴾) من أموالهم الحرام عليكم (﴿بالطيب﴾) الحلال من أموالكم، وقال سعيد بن جبير والزهري: لا تعطوا هزيلاً وتأخذوا سمينًا، وقال السدي؛ كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم ويجعل مكانها الشاة المهزولة ويقول: شاة بشاة، ويأخذ الدراهم الجيدة ويطرح مكانها الزائف ويقول: درهم بدرهم فنهوا عن ذلك (﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾) أي مع أموالكم (﴿إنه﴾) أي أكل أموالهم (﴿كان حوبًا﴾) إثمًا (﴿كبيرًا﴾) عظيمًا (﴿وإن خفتم ألاّ تقسطوا﴾) أن لا تعدلوا (﴿في﴾) نكاح (﴿اليتامى فانكحوا ما طاب﴾) حلّ (﴿لكم من النساء﴾) [النساء: ٢، ٣] سواهن، وفي رواية أبي ذر: بعد قوله ﴿إلى أموالكم﴾ إلى قوله: ﴿فانكحوا ما طاب لكم﴾.
стр. 3386
٢٧٦٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: "كَانَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ ﵂: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ قَالَتْ: هِيَ الْيَتِيمَةُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا، فَيَرْغَبُ فِي جَمَالِهَا وَمَالِهَا، وَيُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِأَدْنَى مِنْ سُنَّةِ نِسَائِهَا، فَنُهُوا عَنْ نِكَاحِهِنَّ إِلاَّ أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ فِي إِكْمَالِ الصَّدَاقِ، وَأُمِرُوا بِنِكَاحِ مَنْ سِوَاهُنَّ مِنَ النِّسَاءِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: ثُمَّ اسْتَفْتَى النَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] قَالَتْ: فَبَيَّنَ اللَّهُ فِي هَذِهِ أَنَّ الْيَتِيمَةَ إِذَا كَانَتْ ذَاتَ جَمَالٍ وَمَالٍ رَغِبُوا فِي نِكَاحِهَا وَلَمْ يُلْحِقُوهَا بِسُنَّتِهَا بِإِكْمَالِ الصَّدَاقِ، فَإِذَا كَانَتْ مَرْغُوبَةً عَنْهَا فِي قِلَّةِ الْمَالِ وَالْجَمَالِ تَرَكُوهَا وَالْتَمَسُوا غَيْرَهَا مِنَ النِّسَاءِ. قَالَ فَكَمَا يَتْرُكُونَهَا حِينَ يَرْغَبُونَ عَنْهَا فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَنْكِحُوهَا إِذَا رَغِبُوا فِيهَا إِلاَّ أَنْ يُقْسِطُوا لَهَا الأَوْفَى مِنَ الصَّدَاقِ وَيُعْطُوهَا حَقَّهَا".
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: كان عروة بن الزبير) بن العوّام (يحدّث أنه سأل عائشة ﵂) عن هذه الآية (﴿وإن﴾) ولأبي ذر: فإن بالفاء بدل الواو لفظ التلاوة (﴿خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾) [النساء: ٣]. سقط قوله: ﴿من النساء﴾ لأبي ذر. (قال) أي عروة مخبرًا عن عائشة ولأبي ذر عن المستملي قالت عائشة: (هي اليتيمة في حجر وليها) الذي يلي مالها (فيرغب في جمالها ومالها ويريد أن يتزوجها بأدنى من سنة نسائها) أي بأقل من مهر مثلها من قراباتها (فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا) أي يعدلوا (لهنّ في إكمال الصداق) بيان للإلحاق بسنّتها (وأمر بنكاح من سواهن) سوى اليتامى (من النساء. قالت عائشة: ثم استفتى الناس رسول الله ﷺ بعد) أي بعد نزول قوله تعالى: ﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى﴾ الآية (فأنزل الله : ﴿ويستفتونك﴾) أي يطلبون منك الفتوى ولأبي ذر: يستفتونك بحذف الواو (﴿في النساء قل الله يفتيكم فيهن﴾) [النساء: ١٢٧]. (قالت) عائشة (فبيّن الله) (في هذه) ولأبي ذر: في هذه الآية (أن اليتيمة إذا كانت ذات جمال ومال رغبوا في نكاحها ولم) وللكشميهني: أو لم (يلحقوها بسنّتها) بمهر مثلها من قراباتها (بكمال الصداق فإذا كانت) أي اليتيمة (مرغوبة عنها في قلة المال والجمال تركوها والتمسوا غيرها من النساء قال فكما يتركونها حين يرغبون عنها) لقلة مالها وجمالها (فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها) لمالها وجمالها (إلاّ أن يقسطوا لها) لذات الجمال والمال المرغوب فيها (الأوفى من الصداق ويعطوها حقها) كاملاً.
وهذا الحديث سبق في باب شركة اليتيم وأهل الميراث، وتأتي إن شاء الله تعالى بقية مباحثه في التفسير وغيره.
стр. 3387
٢٢ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا * لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٦ و ٧] حَسِيبًا يَعْنِي كَافِيًا.
(باب قول الله تعالى) ولأبي ذر: (﴿وابتلوا اليتامى﴾) أي اختبروهم في عقولهم وأديانهم وحفظهم أموالهم (﴿حتى إذا بلغوا النكاح﴾) يعني الحلم بأن يروا في منامهم ما ينزل به الماء الدافق أو يستكملوا خمس عشرة سنة (﴿فإن آنستم﴾) أبصرتم (﴿منهم رشدًا﴾) أي صلاحًا في دينهم وحفظًا لأمواله (﴿فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها﴾) يا معاشر الأولياء والأوصياء (﴿إسرافًا﴾) بغير حق (﴿وبدارًا﴾) ومبادرة وانتصبا على الحال أي مسرفين ومبادرين (﴿أن يكبروا﴾) أي حذارًا من أن يكبروا أي يبلغوا فيلزمكم تسليم المال إليهم ثم بيّن ما يحل لهم فقال: (﴿ومن كان غنيًا فليستعفف﴾) فليمتنع عن مال اليتيم فلا يرزؤه قليلاً ولا كثيرًا (﴿ومن كان فقيرًا﴾) إلى مال اليتيم وهو يحفظه ويتعهده (﴿فليأكل بالمعروف﴾) بأجرة عمله (﴿فإذا دفعتم﴾) أيها الأوصياء (﴿إليهم﴾) إلى اليتامى (﴿أموالهم فأشهدوا عليهم﴾) بعد بلوغهم الحلم وإيناس الرشد، والأمر للندب خوف الإنكار (﴿وكفى بالله حسيبًا للرجال نصيب﴾) حظ (﴿مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصبب مما ترك الوالدان والأقربون مما قلّ منه﴾) من المال (﴿أو كثر﴾) أي الجميع فيه سواء في حكم الله يستوون في أصل الوراثة وإن تفاوتوا بحسب ما فرض الله لكلٍّ منهم بما يدلي به إلى الميت من قرابة أو زوج أو ولاء فإنه لحُمة كلُحمة النسب (﴿نصيبًا مفروضًا﴾) أي مقدّرًا. [النساء: ٦ و ٧]. وقال المؤلّف مفسرًا لقوله: (حسيبًا يعني كافيًا﴾) وسقط لأبي ذر لفظة يعني وقال غيره: محاسبًا ومجازيًّا وشاهدًا به، وقد كان المشركون لا يورثون النساء ولا الصغار شيئًا فأنزل الله ذلك إبطالاً لفعلهم ثم بيّن تعالى مقادير ما لكلٍّ بقوله : ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأُنثيين﴾ [النساء: ١١] إلى آخرها. وسياق ﴿وابتلوا اليتامى﴾ إلى آخر قوله: ﴿مفروضًا﴾ ثابت في رواية الأصيلي وكريمة. وقال أبو ذر في روايته بعد قوله: ﴿فادفعوا إليهم أموالهم﴾ إلى قوله: ﴿مما قلّ منه أو كثر نصيبًا مفروضًا﴾ كذا في الفرع. وقال في الفتح بعد قوله رشدًا.
باب وَمَا لِلْوَصِيِّ أَنْ يَعْمَلَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ وَمَا يَأْكُلُ مِنْهُ بِقَدْرِ عُمَالَتِهِ
(باب وما للوصي) سقط لأبي ذر لفظ باب ولفظ ما فصار وللوصي (أن يعمل في مال اليتيم وما يأكل منه بقدر عمالته) بضم العين وتخفيف الميم أي بقدر حق سعيه وأجرة مثله، ومذهب
стр. 3388
الشافعية أن يأخذ أقل الأمرين من أجرته ونفقته ولا يجب ردّه على الصحيح، وقال سعيد بن جبير ومجاهد: إذا أكل ثم أيسر قضى. وعن ابن عباس إن كان ذهبًا أو فضة لم يجز له أن يأخذ منه شيئًا إلا على سبيل القرض وإن كان غير ذلك جاز بقدر الحاجة.
٢٧٦٤ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بن الأشعَثِ حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ "أَنَّ عُمَرَ تَصَدَّقَ بِمَالٍ لَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -وَكَانَ يُقَالُ لَهُ ثَمْغٌ، وَكَانَ نَخْلاً- فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي اسْتَفَدْتُ مَالاً وَهُوَ عِنْدِي نَفِيسٌ فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ، وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ. فَتَصَدَّقَ بِهِ عُمَرُ، فَصَدَقَتُهُ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَفِي الرِّقَابِ وَالْمَسَاكِينِ وَالضَّيْفِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَلِذِي الْقُرْبَى، وَلَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ يُوكِلَ صَدِيقَهُ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ بِهِ".
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (هارون بن الأشعث) بالشين المعجمة والعين المهملة والمثلثة الهمداني الكوفي ثم البخاري ولم يخرج عنه المؤلّف سوى هذا. وسقط لغير أبي ذر ابن الأشعث قال: (حدّثنا أبو سعيد) بكسر العين عبد الرحمن بن عبد الله الحافظ (مولى بني هاشم) قال: (حدّثنا صخر بن جويرية) بصاد مهملة مفتوحة فخاء معجمة ساكنة وجويرية بالجيم مصغرًا البصري (عن نافع عن ابن عمر ﵄ أن) أباه (عمر) بن الخطاب (تصدّق بمال له) أي بأرض له فهو من إطلاق العام على الخاص (على عهد رسول الله ﷺ ¬) أي زمنه (وكان يقال له) للمال (ثمغ) بمثلثة مفتوحة فميم ساكنة فغين معجمة، وحكى المنذري فتح الميم أرض تلقاء المدينة كانت لعمر (وكان نخلاً فقال عمر: يا رسول الله إني استنفدت مالاً وهو عندي نفيس) أي جيد (فأردت أن أتصدق به، فقال النبي ﷺ ¬):
(تصدق بأصله) بالجزم على الأمر (لا يباع ولا يوهب ولا يورث) هذا حكم الوقف ويخرج به التمليك المحض (ولكن ينفق ثمره فتصدّق به عمر فصدقته ذلك) المذكور ولأبي ذر عن الكشميهني تلك (في سبيل الله) الغزاة الذين لا رزق لهم في الفيء (وفي الرقاب) وفي الصرف في فكّ الرقاب (والمساكين) الذين لا يملكون ما يقع موقعًا من كفايتهم (والضيف) الذي ينزل بالقوم للقرى (وابن السببل) المسافر (ولذي القربى) الشامل لجهة الأب والأم (ولا جناح) أي ولا إثم (على من وليه) ولي التحدّث إليه (أن يأكل منه بالمعروف) بقدر أجرة عمله (أو يؤكل صديقه) بضم الياء وكسر الكاف وصديقه نصب به أي يطعم صديقه منه حال كونه (غير متموّل به) أي بالمال الذي تصدّق به عمر وهو الأرض. قاله الكرماني.
ومطابقة الحديث للترجمة من جهة أن المقصود جواز أخذ الأجرة من مال اليتيم لقول عمر: ولا جناح على من وليه أن يأكل منه بالمعروف.
стр. 3389
٢٧٦٥ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ، وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ فِي وَالِي الْيَتِيمِ أَنْ يُصِيبَ مِنْ مَالِهِ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا بِقَدْرِ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ".
وبه قال: (حدّثنا عبيد بن إسماعيل) بضم العين مصغرًا وكان اسمه عبد الله بالتكبير مع الإضافة الهباري القرشي الكوفي قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوّام (عن عائشة ﵂) في قوله تعالى: (﴿ومن كان غنيًّا﴾) من الأوصياء (﴿فليستعفف﴾) عن مال اليتيم ولا يأكل منه شيئًا (﴿ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف﴾) [النساء: ٦]. بقدر أجرة عمله (قالت) أي عائشة (أنزلت في والي اليتيم) ولأبي ذر عن المستملي في مال اليتيم (أن يصيب من ماله إذا كان) الوالي (محتاجًا بقدر ماله) بكسر اللام في الموضعين أي مال اليتيم (بالمعروف) بيان له ولأبي ذر عن الحموي والكشميهني: أن يصيبوا أي الأولياء.
وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا.
٢٣ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠].
(باب قول الله تعالى): ولأبي ذر: (﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا﴾) حرامًا بغير حق (﴿إنما يأكلون في بطونهم نارًا﴾) أي ما يجر إلى النار فكأنه نار في الحقيقة ((وسيصلون سعيرًا﴾) [النساء: ١٠]. نارًا ذات لهب أي يقاسون شدتها وحرّها.
وفي حديث الإسراء المروي عند ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري قلنا يا رسول الله ما رأيت ليلة اسري بك؟ قال: "انطلق بي إلى خلق من خلق الله رجال كل رجل له مشفر كمشفر البعير موكل بهم رجال يفكون لحي أحدهم ثم يجاء بصخرة من نار فتقذف في في أحدهم حتى تخرج من أسفله وله جؤار وصراخ. قلت يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا".
٢٧٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الْمَدَنِيِّ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ».
[الحديث ٢٧٦٦ - طرفاه في: ٥٧٦٤، ٦٨٥٧].
стр. 3390
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) القرشي الأويسي (قال: حدّثني) بالإفراد (سليمان بن بلال) أبو أيوب القرشي التميمي (عن ثور بن زيد المدني) وسقط المدني لأبي ذر (عن أبي الغيث) مرادف المطر واسمه سالم مولى ابن مطيع القرشي (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(اجتنبوا السبع الموبقات) أي المهلكات (قالوا يا رسول الله وما هن؟ قال): أحدها (الشرك بالله)، بأن يتخذ معه إله غيره (و) الثاني (السحر)، وهو لغة صرف الشيء عن وجهه وتأتي مباحثه إن شاء الله تعالى في كتاب الطب بعون الله وقوّته (و) الثالث (قتل النفس التي حرّم الله) قتلها (إلا بالحق، و) الرابع (أكل الربا)، وهو لغة الزيادة (و) الخامس (أكل مال اليتيم)، الذي مات أبوه وهو دون البلوغ (و) السادس (التولّي يوم الزحف) أي الفرار عن القتال يوم ازدحام الطائفتين (و) السابع (قذف المحصنات) بفتح الصاد اسم مفعول اللاتي أحصنهن الله تعالى وحفظهن من الزنا (المؤمنات) احترز به عن قذف الكافرات (الغافلات). بالغين المعجمة والفاء أي عما نسب إليهن من الزنا والتنصيص على عدد لا ينافي أزيد منه في غير هذا الحديث كالزنا بحليلة الجار وعقوق الوالدين واليمين الغموس وغير ذلك مما سيأتي إن شاء الله تعالى بعون الله وفضله.
وهذا الحديث رواته كلهم مدنيون، وأخرجه أيضًا في الطب والمحاربين، ومسلم في الإيمان، وأبو داود في الوصايا، والنسائي فيه وفي التفسير.
٢٤ - باب
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. لأَعْنَتَكُمْ: لأَحْرَجَكُمْ وَضَيَّقَ عَلَيْكُمْ. وَعَنَتْ: خَضَعَتْ.
(باب قول الله تعالى: (﴿ويسألونك﴾) وسقط لأبي ذر لفظ قول الله تعالى والواو من ويسألونك (﴿عن اليتامى﴾) قال ابن عباس فيما رواه ابن جرير بسنده وأبو داود والنسائي والحاكم: لما نزلت: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ [الأنعام: ١٥٢] و ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا﴾ [النساء: ١٠] الآية. انطلق: من كان عنده يتيم يعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه لرسول الله ﷺ ، فأنزل تعالى ﴿ويسألونك عن اليتامى﴾ (﴿قل إصلاح لهم﴾) أي الإصلاح لأموالهم من غير أجرة ولا عوض (﴿خير﴾) أعظم أجرًا (﴿وإن تخالطوهم﴾) تشاركوهم في أموالهم وتخلطوها بأموالكم فتصيبوا من أموالهم عوضًا من قيامكم بأمورهم (﴿فإخوانكم﴾) فهم إخوانكم والإخوان يعين بعضهم بعضًا ويصيب بعضهم من مال بعض (﴿والله يعلم المفسد﴾) لأموالهم (﴿من المصلح﴾) لها يعني الذي يقصد بالمخالطة الخيانة وإفساد مال اليتيم وأكله بغير حق
стр. 3391
من الذي يقصد الإصلاح (﴿ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز) في ملكه (﴿حكيم﴾) [البقرة: ٢٢٠] فيما أمر به.
قال البخاري مفسّرًا لقوله تعالى: (لأعنتكم) أي: (لأحرجكم وضيق عليكم) وسقط لفظ عليكم من اليونينية وثبت في فرعها، وهذا تفسير ابن عباس فيما أخرجه ابن المنذر وزاد ولكنه وسع ويسر (وعنت) أي: (خضعت). كذا أورده المؤلّف وعورض بأنه لا تعلق له بلأعنتكم لأنه من العنوّ بضم العين المهملة والنون وتشديد الواو وليس هو من العنت في شيء، وأجيب: بأنه أوردها استطرادًا.
٢٧٦٧ - وَقَالَ لَنَا سُلَيْمَانُ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: مَا رَدَّ ابْنُ عُمَرَ عَلَى أَحَدٍ وَصِيَّةً. وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ أَحَبَّ الأَشْيَاءِ إِلَيْهِ فِي مَالِ الْيَتِيمِ أَنْ يَجْتَمِعَ إِلَيْهِ نُصَحَاؤُهُ وَأَوْلِيَاؤُهُ فَيَنْظُرُوا الَّذِي هُوَ خَيْرٌ لَهُ. وَكَانَ طَاوُسٌ إِذَا سُئِلَ عَنْ شَىْءٍ مِنْ أَمْرِ الْيَتَامَى قَرَأَ: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾. وَقَالَ عَطَاءٌ فِي يَتَامَى الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ: يُنْفِقُ الْوَلِيُّ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ بِقَدْرِهِ مِنْ حِصَّتِهِ.
قال البخاري: (وقال لنا سليمان) بن حرب الواشحي (حدّثنا حماد) أبو أسامة بن أسامة (عن أيوب) السختياني (عن نافع) مولى ابن عمر أنه (قال: ما ردّ ابن عمر على أحد وصيته) يبتغي بذلك الأجر لحديث "أنا وكافل اليتيم كهاتين" نعم يكره الدخول في الوصايا عند خشية التهمة أو الضعف عن القيام بحقها. وقول سليمان هذا قال ابن حجر: إنه موصول، وقال الكرماني وقال بلفظ قال لأنه لم يذكره على سبيل النقل والتحمل، وتعقب العيني ابن حجر فقال: كيف يكون موصولاً وليس فيه لفظ من الألفاظ الدالة على الاتصال من التحديث والإخبار والسماع والعنعنة؟ فالذي قاله الكرماني هو الأظهر.
(وكان ابن سيرين) محمد (أحب الأشياه إليه في مال اليتيم) بنصب أحب، ولأبي ذر: أحب بالرفع مبتدأ وخبره (أن يجتمع إليه) وسقط لفظ إليه عند أبي ذر ولأبي ذر عن الكشميهني أن يخرج إليه (نصحاؤه) بضم النون جمع ناصح (وأولياؤه فينظروا الذي هو خير له) وفي الأصل المقروء على الميدومي فينظرون بالنون أي فهم ينظرون وهذا التعليق. قال ابن حجر: لم أقف عليه موصولاً.
(وكان طاوس) هو ابن كيسان اليماني مما وصله سفيان بن عيينة في تفسيره (إذا سئل عن شيء من أمر اليتامى قرأ) قوله تعالى: (﴿والله يعلم المفسد﴾) لأموال اليتامى (﴿من المصلح﴾) لها.
(وقال عطاء): هو ابن أبي رباح مما وصله ابن أبي شيبة (في يتامى الصغير والكبير) بالجر فيهما على البدل مما قبلهما ولأبي ذر الصغير والكبير بالرفع أي الوضيع والشريف (ينفق الولي) ولأبي ذر عن المستملي الوالي (على كل إنسان) منهما (بقدره) بقدر الإنسان اللائق بحاله (من حصته).
стр. 3392
٢٥ - باب اسْتِخْدَامِ الْيَتِيمِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ إِذَا كَانَ صَلَاحًا لَهُ. وَنَظَرِ الأُمِّ أو زَوْجِهَا لِلْيَتِيمِ
(باب) حكم (استخدام اليتيم في السفر والحضر إذا كان) الاستخدام (صلاحًا له) فيهما (و) حكم (نظر الأم أو) نظر (زوجها لليتيم) وإن لم يكونا وصيّين.
٢٧٦٨ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ، فَأَخَذَ أَبُو طَلْحَةَ بِيَدِي فَانْطَلَقَ بِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَنَسًا غُلَامٌ كَيِّسٌ فَلْيَخْدُمْكَ، قَالَ: فَخَدَمْتُهُ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، مَا قَالَ لِي لِشَىْءٍ صَنَعْتُهُ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا هَكَذَا؟ وَلَا لِشَىْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا هَكَذَا"؟
[الحديث ٢٧٦٨ - طرفاه في: ٦٠٣٨، ٦٩١١].
وبه قال: (حدّثنا يعقوب بن إبراهيم بن كثير) بالمثلثة الدورقي قال: (حدّثنا ابن علية) بضم العين المهملة وفتح اللام وتشديد التحتية اسم أم إسماعيل بن إبراهيم قال: (حدّثنا عبد العزيز) بن صهيب (عن أنس ﵁) أنه (قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة ليس له خادم فأخذ أبو طلحة) زيد بن سهل الأنصاري زوج أم سليم والدة أنس (بيدي فانطلق بي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن أنسًا غلام كيِّس) بفتح اللام وبعد التحتية المشددة المكسورة سين مهملة عاقل أو غير أحمق (فليخدمك) بسكون اللام والجزم على الأمر (قال) أنس: (فخدمته) ﵊ (في السفر والحضر ما قال لي لشيء صنعته لم صنعت هذا هكذا ولا لشيء لم أصنعه لِمَ لَمْ تصنع هذا هكذا)؟ وهذا من محاسن أخلاقه العظيمة.
ومطابقة الحديث للترجمة في السفر والحضر من قوله فخدمته في السفر والحضر وفي قوله ونظر الأم من جهة أن أبا طلحة لم يفعل ذلك إلا بعد رضا أم سليم، وفي قوله وزوجها من قوله فأخذ أبو طلحة بيدي إلى آخره.
ورواة الحديث كلهم بصريون وأخرجه البخاري أيضًا في الدّيات ومسلم في فضائل النبي ﷺ .
٢٦ - باب إِذَا وَقَفَ أَرْضًا وَلَمْ يُبَيِّنِ الْحُدُودَ فَهْوَ جَائِزٌ، وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ
هذا (باب) بالتنوين (إذا وقف) شخص (أرضًا و) الحال أنه (لم يبين الحدود) التي لها (فهو جائز) إذا كانت الأرض مشهورة متميزة بحيث لا تلتبس بغيرها (وكذلك الصدقة) أي الوقف بلفظ الصدقة.
стр. 3393
٢٧٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الأَنْصَار بِالْمَدِينَةِ مَالاً مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أَحَبُّ مَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرَحَاءَ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قَامَ أَبُو طَلْحَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَىَّ بِيرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ، فَقَالَ: بَخْ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ -أَوْ رَايِحٌ-، شَكَّ ابْنُ مَسْلَمَةَ -وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ. قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَفِي بَنِي عَمِّهِ".
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ «رَايِحٌ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) الإمام (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاري (أنه سمع أنس بن مالك ﵁ يقول: كان أبو طلحة) الأنصاري (أكثر أنصاري) أي أكثر كل واحد من الأنصار. قال الكرماني: إذا أريد التفضيل أضيف إلى المفرد النكرة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أكثر الأنصار (بالمدينة مالاً) نصب على التمييز (من نخل) حرف الجر للبيان (وكان أحب ماله إليه بيرحاء) بفتح الموحدة وكسرها وسكون التحتية وضم الراء وفتحها آخره همزة مصروف وغير مصروف، وعند أبي ذر بالقصر من غير همز. قال في المشارق: ورواية الأندلسيين والمغاربة بضم الراء في الرفع وفتحها في النصب وكسرها في الجر مع الإضافة إلى حاء وحاء على لفظ الحاء من حروف المعجم، وكذا وجدته بخط الأصيلي. قال الباجي: وأنكر أبو ذر الضم والإعراب في الراء وقال إنما هي بفتح الراء في كل حال. قال الباجي: وعليه أدركت أهل العلم بالمشرق وقال لي أبو عبد الله الصوري إنما هي بفتح الباء والراء في كل حال واختلف في حاء هل هي اسم رجل أو امرأة أو مكان أضيفت إليه البئر أو كلمة زجر للإبل فكأن الإبل كانت ترعى هناك وتزجر بهذه اللفظة فأضيفت البئر إلى اللفظة المذكورة (مستقبلة المسجد، وكان النبي ﷺ يدخلها) زاد عبد العزيز ويستظل فيها (ويشرب من ماء فيها طيب قال أنس: فلما نزلت ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ [آل عمران: ٩٢] قام أبو طلحة فقال: يا رسول الله إن الله) (يقول ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ وإن أحب أموالي إليّ بيرحاء) بفتح الموحدة وكسرها وسكون التحتية وفتح الراء وضمها آخره همزة مصروف ولأبي ذر غير مصروف (وإنها صدقة لله أرجو برّها وذخرها عند الله فضعها حيث أراك الله فقال) ﵊:
(بخ) بفتح الموحدة وسكون المعجمة من غير تكرير ومعناه تفخيم الأمر والأعجاب به (ذلك مال رابح) بالموحدة (أو رايح) بالتحتية (شك ابن مسلمة) عبد الله القعنبي (وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين قال) ولأبي ذر فقال (أبو طلحة أفعل ذلك يا رسول الله) بضم لام
стр. 3394
أفعل على أنه من قول أبي طلحة وسقط لأبي ذر لفظة ذلك (فقسمها أبو طلحة في أقاربه وفي بني عمه) وفي رواية ثابت السابقة فجعلها لحسان وأبي، وفي رواية الماجشون السابقة أيضًا فجعلها أبو طلحة في ذوي رحمه وكان منهم حسان وأُبي بن كعب وهو يدل على أنه أعطى غيرهما أيضًا وسقط لأبي ذر لفظة من قوله وفي بني عمه.
(وقال إسماعيل) هو ابن أبي أويس فيما وصله في التفسير (وعبد الله بن يوسف) هو التنيسي فيما وصله في الزكاة (ويحييان بن يحيى) بن بكير أبو زكريا التميمي الحنظلي فيما وصله في الوكالة الثلاثة في روايتهم (عن مالك) الإمام (رايح). بالمثناة التحتية.
٢٧٧٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: "أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنَّ أُمَّهُ تُوُفِّيَتْ أَيَنْفَعُهَا إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّ لِي مِخْرَافًا، فَأَنَا أُشْهِدُكَ أَنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ به عَنْهَا".
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (محمد بن عبد الرحيم) المشهور بصاعقة قال: (أخبرنا روح بن عبادة) بفتح الراء وعبادة بضم العين وتخفيف الموحدة ابن العلاء البصري قال: (حدّثنا زكريا بن إسحاق) المكي الثقة (قال: حدّثني) بالإفراد (عمرو بن دينار عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس ﵄ أن رجلاً) هو سعد بن عبادة (قال لرسول الله ﷺ إن أمه توفيت) زاد في رواية يعلى بن مسلم عن عكرمة وهو غائب عنها (أينفعها إن تصدقت عنها؟ قال) ﵊:
(نعم) ينفعها (قال) سعد (فإن لي مخرافًا) بالألف قال الدمياطي وصوابه مخرفًا بحذفها وهو البستان (وأشهدك) ولأبي ذر: فأنا أشهدك (أني قد تصدقت عنها) ولأبي ذر به عنها.
٢٧ - باب إِذَا وْقَفَ جَمَاعَةٌ أَرْضًا مُشَاعًا فَهْوَ جَائِزٌ
٢٧٧١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: "أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا، قَالُوا: لَا وَاللَّهِ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلاَّ إِلَى اللَّهِ".
هذا (باب) بالتنوين (إذا أوقف) بالألف وهي لغية ولأبي ذر وقف (جماعة أرضًا) شركة (مشاعًا فهو جائز).
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد التنوري (عن أبي التياح) بفتح المثناتين الفوقية والتحتية المشددتين وبعد الألف حاء مهملة يزيد بن حميد الضبعي
стр. 3395
(عن أنس ﵁) أنه (قال: أمر النبي ﷺ ببناء المسجد) المدني وزاد في الصلاة فأرسل إلى ملأ من بني النجار (فقال):
(يا بني النجار ثامنوني) بالمثلثة ساوموني (بحائطكم) ببستانكم (هذا قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله) أي لا نطلب ثمنه من أحد لكنه مصروف إلى الله فالاستثناء منقطع أو معناه لا نطلب ثمنه مصروفًا إلا إلى الله أو منتهيًا إلا إلى الله فالاستثناء متصل قاله الكرماني، وقال في الفتح: ظاهره أنهم تصدقوا بالأرض لله فقبل النبي ﷺ -ذلك ففيه دليل لما ترجم له كذا قال فليتأمل فإنه ليس فيه تصريح بقبوله ﵊ ذلك منهم، وإنما أرادوا وقفه حيث قالوا لا نطلب ثمنه إلا إلى الله ولم يبيّن لهم ﵊ أن هذا الذي قصدوه باطل، وعند ابن سعد في الطبقات عن الواقدي أنه ﷺ اشتراه بعشرة دنانير دفعها عنه أبو بكر الصديق لأنه كان ليتيمين لم يقبله من بني النجار إلا بالثمن، فالمطابقة كما قال في الفتح من جهة تقريره ﵊ لقول بني النجار وعدم إنكاره عليهم فلو كان وقف المشاع لا يجوز لأنكر عليهم وبيّن لهم الحكم.
وهذا الحديث قد سبق في باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية في أوائل الصلاة.
٢٨ - باب الْوَقْفِ كَيْفَ يُكْتَبُ؟
(باب الوقف كيف يكتب)؟ ولأبي ذر: الوقف وكيف بالواو وباب بغير تنوين مضاف لتاليه كذا في الفرع وأصله.
٢٧٧٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "أَصَابَ عُمَرُ بِخَيْبَرَ أَرْضًا، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أَصَبْتُ أَرْضًا لَمْ أُصِبْ مَالاً قَطُّ أَنْفَسَ مِنْهُ، فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي بِهِ؟ قَالَ: إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا. فَتَصَدَّقَ عُمَرُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ فِي الْفُقَرَاءِ وَالْقُرْبَى وَالرِّقَابِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالضَّيْفِ وَابْنِ السَّبِيلِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ".
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (قال: حدّثنا يزيد بن زريع) من الزيادة وزريع بتقديم الزاي على الراء مصغرًا وزاد أبو داود بشر بن المفضل ويحيى بن القطان قال الثلاثة: (حدّثنا ابن عون) عبد الله (عن نافع عن ابن عمر ﵄) أنه (قال: أصاب عمر بخيبر أرضًا) وعند أحمد من رواية أيوب أن عمر أصاب أرضًا من يهود بني حارثة يقال لها ثمغ (فأتى النبي ﷺ فقال): إني (أصبت أرضًا لم أصب مالاً قطّ أنفس) أي أجود (منه) قال الداودي: سمي نفيسًا لأنه يأخذ بالنفس، وعند النسائي أنه قال للنبي ﷺ كان لي مائة رأس فاشتريت بها مائة سهم من خيبر من أهلها. قال الحافظ ابن حجر: فيحتمل أن تكون ثمغ من جملة أراضي خيبر وأن مقدارها كان
стр. 3396
مائة سهم من السهام التي قسمها النبي ﷺ بين من شهد خيبر وهذه المائة سهم غير المائة سهم التي كانت لعمر بخيبر التي حصلها من جزئه من الغنيمة وغيرها، وكانت قصة عمر هذه فيما ذكره ابن شبة بإسناد ضعيف عن محمد بن كعب سنة سبع من الهجرة، وقال البكري في المعجم "ثمغ" موضع تلقاء المدينة كان فيه مال لعمر بن الخطاب فخرج إليه يومًا ففاتته صلاة العصر فقال: شغلتني ثمغ عن الصلاة أشهدكم أنها صدقة (فكيف تأمرني) أن أفعل (به)؟ من أفعال البر والتقرب إلى الله تعالى (قال) ﵊:
(إن شئت حبست أصلها) بتشديد الموحدة للمبالغة ولهذا كان صريحًا في الوقف، لاقتضائه بحسب الغلبة استعمالاً الحبس على الدوام وحقيقة الوقف تحبيس مال يمكنه الانتفاع به مع بقاء عينه يقطع تصرف الواقف وغيره في رقبته ليصرف ريعه في جهة خير تقربًا إلى الله تعالى (وتصدقت بها).
أي بالأرض المحبسة فهو صريح بنفسه أو إذا قيد بقرينة أو الضمير راجع إلى الثمرة والغلة وحينئذٍ فالصدقة على بابها لا على معنى التحبيس لكنه يكون على حذف مضاف أي وتصدقت بثمرتها وبريعها أو بغلتها وبه جزم القرطبي (فتصدق عمر) أي بها (أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث) زاد الدارقطني من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع حبيس ما دامت السماوات والأرض، وظاهره أن الشرط من كلام عمر، لكن سبق في باب قول الله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح﴾ [النساء: ٦] وما للوصي أن يعمل في مال اليتيم من طريق صخر بن جويرية عن نافع فقال النبي ﷺ : "تصدق بأصله لا يباع ولا يورث ولكن ينفق ثمره" فتصدق به عمر أي كما أمره ﷺ (في الفقراء) الذين لا مال لهم ولا كسب يقع موقعًا من حاجتهم (والقربى) أي الأقارب، والمراد قربى الواقف لأنه الأحق بصدقة قريبه، ويحتمل على بعد أن يراد قربى النبي ﷺ كما في الغنيمة (والرقاب) أي في عتقها بأن يشتري من غلتها رقابًا فيعتقون (وفي سبيل الله) أي في الجهاد وهو أعم من الغزاة ومن شراء آلات الحرب وغير ذلك (والضيف) وهو من نزل بقوم يريد القرى (وابن السبيل) المسافر أو مريد السفر وأطلق عليه ابن السبيل لشدة ملازمته للسبيل وهي الطريق ولو بالقصد (لا جناح) لا إثم (على من وليها أن يأكل منها بالمعروف) أي بالأمر الذي يتعارفه الناس بينهم ولا ينسبون فاعله لإفراط فيه ولا تفريط (أو يطعم) وفي رواية صخر المذكورة أو يؤكل (صديقًا) له حال كونه (غير متمؤل فيه). أي غير متخذ منها وإلاّ أي ملكًا، والمراد أنه لا يتملك شيئًا من رقابها. وزاد الترمذي من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن علية عن ابن عون حدّثني به رجل أنه قرأها في قطعة أديم أحمر غير متأثل مالاً. قال ابن علية: وأنا قرأتها عند ابن عبيد الله بن عمر فكان فيه غير متأثل مالاً.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: إن شئت حبست أصلها إلخ إذ فيه شروط تكتب كلها في كتاب الوقف.
стр. 3397
وقد كتب عمر ﵁ كتاب وقفه هذا بخط معيقيب كما رواه أبو داود من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري بلفظ قال: نسخها لي عبد الحميد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب بسم الله الرحمن الرحيم؛ هذا ما كتب عبد الله عمر بن الخطاب في ثمغ فقصّ من خبره نحو حديث نافع فقال: غير متأثل مالاً فما عفى عنه من ثمره فهو للسائل والمحروم وساق القصة قال: فإن شاء ولي ثمغ اشترى من ثمره رقيقًا لعمله.
وكتب معيقيب وشهد عبد الله بن الأرقم بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المؤمنين إن حدث به حدث أن ثمغًا وصرمة ابن الأكوع والعبد الذي فيه والمائة سهم الذي بخيبر ورقيقه الذي فيه والمائة التي أطعمه محمد ﷺ بالوادي تليه حفصة ما عاشت ثم يليه ذو الرأي من أهلها أن لا يباع ولا يشترى ينفقه حيث رأى من السائل والمحروم وذي القربى ولا حرج على من وليه إن أكل أو آكل أو اشترى رقيقًا منه وآكل الثانية بالمدّ أي أطعم ووصفه بأمير المؤمنين يشعر بأنه كتبه في زمن خلافته، وقد كان معيقيب كاتبه إذ ذاك.
وحديث الباب يقتضي أن الوقف كان في زمنه ﷺ فيكون وقفه حينئذٍ باللفظ وكتب بعد، وقد قال الشافعي فيما قرأته في كتاب المعرفة للبيهقي: ولم يحبس أهل الجاهلية فيما علمته دارًا ولا أرضًا تبررًا بحبسها وإنما حبس أهل الإسلام اهـ.
وعند أحمد عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال: أول صدقة كانت أي موقوفة في الإسلام صدقة عمر.
تنبيه:
أكثر الرواة عن نافع ثم عن ابن عون جعلوا هذا الحديث من مسند ابن عمر كما ساقه المؤلّف، وأخرجه مسلم والنسائي من رواية سفيان الثوري من مسند عمر والمشهور الأول قاله في الفتح، وقد سبق في باب الشروط في الوقف، وفي باب قول الله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى﴾ وبعضه في باب إذا وقف شيئًا فلم يدفعه إلى غيره.
٢٩ - باب الْوَقْفِ لِلْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ وَالضَّيْفِ
٢٧٧٣ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ عُمَرَ ﵁ وَجَدَ مَالاً بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ قَالَ: إِنْ شِئْتَ تَصَدَّقْتَ بِهَا فَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَذِي الْقُرْبَى وَالضَّيْفِ".
(باب) جواز (الوقف للغني والفقير والضيف).
стр. 3398
وبه قال: (حدّثنا أبو عاصم) الضحاك بن مخلد المشهور بالنبيل قال: (حدثنا ابن عون) بالنون عبد الله (عن نافع عن ابن عمر أن) أباه (عمر ﵁ وجد مالاً بخيبر) وهو اسم جامع لما يملك من ذهب وفضة وحيوان وأرض وغراس وبناء وغيرها وربما استعمل خاصًّا كما في حديث: نهى عن إضاعة المال، وأكثر ما يطلق عند العرب على الإبل لأنها كانت أكثر أموالهم (فأتى) عمر (النبي ﷺ فأخبره) أي فقال كما في الرواية السابقة أصبت أرضًا لم أصب مالاً قط أنفس منه فكيف تأمرني به (قال):
(إن شئت تصدقت بها). بالأرض لا تباع ولا توهب ولا تورث (فتصدّق بها) عمر كما قال له ﵊ (في الففراء والمساكين وذي القربى) الشامل للغني والفقير (والضيف) سواء كان محتاجًا أو غير محتاج.
٣٠ - باب وَقْفِ الأَرْضِ لِلْمَسْجِدِ
٢٧٧٤ - حَدَّثَنَي إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ "لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ أَمَرَ بِالْمَسْجِدِ وَقَالَ: يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا، فَقَالُوا: لَا وَاللَّهِ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلاَّ إِلَى اللَّهِ.
(باب) جواز (وقف الأرض للمسجد) أي لأجل أن يبنى عليها المسجد.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (إسحاق) غير منسوب وللأصيلي كما في الفتح ابن منصور وهو الكوسج قال: (حدّثنا) ولأبي ذر أخبرنا (عبد الصمد قال: سمعت أبي) عبد الوارث بن سعيد العنبري مولاهم التنوري بفتح الفوقية وتشديد النون البصري قال: (حدّثنا أبو التياح) بفتح المثناتين الفوقية والتحتية آخره مهملة يزيد بن حميد الضبعي (قال: حدّثني) بالإفراد (أنس بن مالك ﵁) قال: (لما قدم رسول الله ﷺ المدينة) مهاجرًا (أمر بالمسجد) ولأبي ذر عن الكشميهني: أمر ببناء المسجد (وقال): (يا بني النجار ثامنوني) بالمثلثة أي ساوموني (بحائطكم هذا) ولأبي ذر حائطكم بحذف حرف الخفض فينصب (قالوا) ولأبي ذر فقالوا (لا والله، لا نطلب ثمنه إلا إلى الله) أي من الله، وقد اختلف فيما إذا بنى صورة المسجد ولم يصرح بانيه بالوقف والجمهور لا يثبت إلا إن صرّح به، وعن الحنفية إن أذن للجماعة بالصلاة فيه ثبت والله أعلم.
٣١ - باب وَقْفِ الدَّوَابِّ وَالْكُرَاعِ وَالْعُرُوضِ وَالصَّامِتِ
قَالَ الزُّهْرِيُّ فِيمَنْ جَعَلَ أَلْفَ دِينَارٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدَفَعَهَا إِلَى غُلَامٍ لَهُ تَاجِرٍ يَتْجُرُ بِهَا، وَجَعَلَ رِبْحَهُ صَدَقَةً لِلْمَسَاكِينِ وَالأَقْرَبِينَ، هَلْ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ رِبْحِ ذَلِكَ الأَلْفِ شَيْئًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَعَلَ رِبْحَهَا صَدَقَةً فِي الْمَسَاكِينِ؟ قَالَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا.
стр. 3399
(باب وقف الدواب والكراع) بضم الكاف وتخفيف الراء الخيل من عطف الخاص على العام (والعروض) بضم العين جمع عرض بسكون الراء وهو المتاع لا نقد فيه (والصامت) ضد الناطق أي النقدين الذهب والفضة.
(قال) ولأبي ذر: وقال (الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب مما أخرجه عنه ابن وهب في موطئه (فيمن جعل ألف دينار في سبيل الله ودفعها إلى غلام له تاجر يتجر بها) بفتح التحتية وسكون الفوقية وضم الجيم وتكسر (وجعل ربحه) أي ربح المال المتجر به (صدقة للمساكن والأقربين هل للرجل) الجاعل (أن يأكل من ربح ذلك الألف شيئًا) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: تلك الألف بالتأنيث وهو ظاهر ووجه التذكير باعتبار اللفظ (وإن لم يكن جعل ريحها صدقة) شرط على سبيل المبالغة يعني هل له أن يأكل وإن لم يجعل ربحها صدقة (في المساكين؟ قال) الزهري: (ليس له أن يأكل منها) وإن لم يجعل.
٢٧٧٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: "أَنَّ عُمَرَ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ لَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَعْطَاهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَهُ فَحَمَلَ عَلَيْهَا رَجُلاً، فَأُخْبِرَ عُمَرُ أَنَّهُ قَدْ وَقَفَهَا يَبِيعُهَا، فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبْتَاعَهَا، فَقَالَ: لَا تَبْتَعْهَا وَلَا تَرْجِعَنَّ فِي صَدَقَتِكَ".
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان قال: (حدّثنا عبيد الله) بضم العين مصغرًا ابن عمر العمري (قال: حدّثني) بالإفراد (نافع عن ابن عمر ﵄ أن) أباه (عمر حمل على فرس له في سبيل الله) فيه حذف المفعول أي حمل رجلاً على فرس، والمعنى أنه وهبه إياه وجعله مركوبًا له ليقاتل عليه في سبيل الله (أعطاها رسول الله) برفع رسول وفي اليونينية بالنصب (¬ ﷺ له ليحمل عليها رجلاً) ولأبي ذر فحمل أي عمر عليها (فأخبر عمر) عن الرجل (أنه قد وقفها) بفتح القاف مخففة (يبيعها فسأل رسول الله ﷺ أن يبتاعها) من الرجل (فقال) ﵊ له:
(لا تبتعها) بسكون العين مجزومًا على النهي للتنزيه، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: لا تبتاعها بألف قبل العين ورفعها (ولا ترجعن) بنون التأكيد الثقيلة (في صدقتك).
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: حمل على فرس في سبيل الله. قال العيني: وفيه نظر لأنه إنما تصدق به على الرجل من غير أن يقفه، ويدل لذلك أنه أراد بيعه ولم ينكر عليه ذلك ولو كان حمل تحبيس لم يبع إلا أن يحمل على أنه انتهى إلى حال لا ينتفع به فيما حبس عليه لكن ليس في اللفظ ما يشعر به، ويدل لذلك أيضًا قوله: ولا تعد في صدقتك ولو كان تحبيسًا ووقفًا لعلل به دون الهبة.
وهذا الحديث قد سبق في كتاب الهبة.
стр. 3400
٣٢ - باب نَفَقَةِ الْقَيِّمِ لِلْوَقْفِ
٢٧٧٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَقْتَسِمْ وَرَثَتِي دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، مَا تَرَكْتُ -بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمؤُونَةِ عَامِلِي- فَهْوَ صَدَقَةٌ».
[الحديث ٢٧٧٦ - طرفاه في: ٣٠٩٦، ٦٧٢٩].
(باب نفقة القيم للوقف) ولأبي ذر عن الحموي: نفقة بقية الوقف. قال في الفتح: والأول أظهر لأن المراد أجرة القيم وهو العامل على الوقف.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال):
(لا يقتسم) بالجزم على النهي، ولأبي ذر: لا يقتسم بالرفع على الخبر (ورثتي دينارًا) زاد أبو ذر عن الكشميهني ولا درهمًا وتوجيه الرفع أنه ﷺ لم يترك مالاً يورث عنه، وأما النهي فعلى تقدير أن يخلف شيئًا فنهاهم عن قسمته إن اتفق أنه يخلفه وسماهم ورثة مجازًا وإلا فقد قال: إنّا معاشر الأنبياء لا نورث (ما تركت بعد نفقة نسائي) احتج له ابن عيينة فيما قاله الخطابي بأنهن في معنى المعتدات لأنهن لا يجوز لهن أن ينكحن أبدًا فجرت لهن النفقة وتركت حجرهن لهن يسكنها (ومؤونة عاملي فهو صدقة) بالجر عطفًا على نفقة نسائي وهو القيم على الأرض أو الخليفة بعده ﵊ ففيه دليل على مشروعية أجرة العامل على الوقف.
وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في الفرائض ومسلم في المغازي وأبو داود في الخراج.
٢٧٧٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: "أَنَّ عُمَرَ اشْتَرَطَ فِي وَقْفِهِ أَنْ يَأْكُلَ مَنْ وَلِيَهُ وَيُؤكِلَ صَدِيقَهُ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ مَالاً".
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء البغلاني قال: (حدّثنا حماد) هو ابن زيد بن درهم (عن أيوب) السختياني (عن نافع عن ابن عمر ﵄) (أن) أباه (عمر اشترط في وقفه) الأرض التي أصابها بخيبر (أن يأكل من وليه) أي الوقف (ويؤكل) أي يطعم (صديقه) منه حال كونه (غير متموّل) أي متخذ منه (مالاً).
وهذا الحديث قد سبق قريبًا، ومطابقته للترجمة هنا في قوله: اشترط إلخ.
следующие страницы →