Полный текст (8 298 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.
стр. 3781
(فقال رسول الله ﷺ : قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ) أي أمّنا من أمنتيه أو أن أمانك لذلك الرجل كأماننا له فلا يصح لعليّ قتله.
وفيه جواز أمان المرأة وإن من أمنته حرم قتله، وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد. وعن سحنون وابن الماجشون: هو إلى الإمام إن أجازه جاز وإن ردّه ردّ. وقال في المصابيح لقائل أن يقول: إن كانت الإجارة منها يعني من أم هانئ نافذة فقد فات الأمر ونفذ الحكم فلا يوافق قوله ﵊ قد أجرنا من أجرتِ لأنه يكون تحصيلاً للحاصل، فهذا يدل على أنه ﷺ هو الذي أجار ولولا تنفيذه لما نفذ جوارها. وهل تنفيذ الجوار على القول بأنه موقوف إجارة مؤتنفة أو لا؟ هي قاعدة اختلف فيها كتنفيذ الورثة وصية المورث بما زاد عن الثلث، فقيل ابتداء عطية منهم فيشترط شروط العطية من الجوز وغيره، وقيل لا يشترط ذلك والتنفيذ ليس ابتداء عطية، وانظر ما في أمان الآحاد من المسلمين إذا عقدوه لأهل مدينة عظيمة مثل أن تؤمن امرأة أهل القسطنطينية هل يجب على الإمام تنفيذ ذلك أو إنما ينفذ تأمينهم للآحاد؟ يبحث فيه عن النص غير أن المتأخرين أجازوا للآحاد إعطاء الأمان، وقالوا مطلقًا ومقيدًا قبل الفتح وبعده هكذا في الصبح الصادع.
(قالت أم هانئ: وذلك) ولابن عساكر: وذاك (ضحى).
وهذا الحديث قد سبق في باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفًا به في أوائل كتاب الصلاة.
١٠ - باب ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَجِوَارُهُمْ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ
هذا (باب) بالتنوين (ذمة المسلمين وجوارهم واحدة) خبر المبتدأ الذي هو ذمة المسلمين وجوارهم عطف عليه والمعنى أن كل من عقد أمانًا لأحد من أهل الحرب جاز أمانه على جميع المسلمين دنيا كان أو شريفًا عبدًا أو حرًّا رجلاً أو امرأة، واتفق مالك والشافعي على جواز أمان العبد قاتل أو لم يقاتل، وأجازه أبو حنيفة وأبو يوسف إن كان قاتل، وسقط من بعض النسخ لفظ وجوارهم (يسعى بها) أي بذمة المسلمين يعني أمانهم (أدناهم) أي أقلهم عددًا فيدخل فيه الواحد والمرأة لا العبد عند أبي حنيفة إلا إن قاتل فيدخل كما مرّ.
٣١٧٢ - حَدَّثَني مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "خَطَبَنَا عَلِيٌّ فَقَالَ: مَا عِنْدَنَا كِتَابٌ نَقْرَؤُهُ إِلاَّ كِتَابُ اللَّهِ وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، فَقَالَ: فِيهَا الْجِرَاحَاتُ وَأَسْنَانُ الإِبِلِ، وَالْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى كَذَا، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى فِيهَا مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، وَمَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ مِثْلُ ذَلِكَ. وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ مِثْلُ ذَلِكَ".
стр. 3782
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (محمد) هو ابن سلام كما قاله ابن السكن قال: (أخبرنا) ولأبي ذر: حدّثنا (وكيع) هو ابن الجراح (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن إبراهيم التيمي عن أبيه) يزيد بن شريك التيمي تيم الرباب أنه (قال: خطبنا عليّ) هو ابن أبي طالب (فقال: ما عندنا كتاب) في أحكام الشريعة (نقرؤه) بضم الهمزة (إلا كتاب الله) زاد أبو ذر: تعالى (وما في هذه الصحيفة؟ فقال: فيها الجراحات) أي أحكامها (وأسنان الإبل) أي إبل الدّيات مغلظة ومخففة (والمدينة حرام) يحرم صيدها ونحوه (ما بين عير) بفتح العين المهملة وبعد التحتية الساكنة راء منوّنة جبل (إلى كذا) قيل جبل أُحُد (فمن أحدث فيها) في المدينة (حدثًا) بفتح الحاء والدال المثلثة أمرًا منكرًا ليس معروفًا في السنة ولأبي ذر عن الحموي: حدثه (أو آوى فيها محدثًا) بمدّ آوى في اللازم والمتعدي جميعًا لكن القصر في اللازم والمدّ في المتعدي أشهر ومحدثًا بكسر الدال أي صاحب الحدث الذي جاء ببدعة في الدين أو بدل سنة (فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) والمراد باللعنة البعد عن رحمة الله والجنة أول الأمر بخلاف الكفار فإنها البعد عنهما كل البعد أولاً وآخرًا (لا يقبل منه صرف ولا عدل)، أي فريضة ولا نفل وقيل غير ذلك ولأبي ذر عن الحموي والمستملي لا يقبل الله صرفًا ولا عدلاً (ومن تولى) أي اتخذ أولياء أو موالي (غير مواليه فعليه مثل ذلك). الذي على من أحدث فيها (وذمة المسلمين واحدة)، وهذا مناسب لصدر الترجمة، وأما قوله فيها يسعى بذمتهم أدناهم فأشار به إلى ما في طريق سفيان عن الأعمش في باب: إثم من عاهد ثم غدر من ذكرها ثم، وعند الإمام أحمد وعند ابن ماجه عن ابن عباس مرفوعًا: المسلمون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم يسعى بذمتهم أدناهم (فمن أخفر مسلمًا) بهمزة مفتوحة فحاء معجمة ساكنة وبعد الفاء المفتوحة راء أي فمن نقض عهد مسلم (فعليه مثل ذلك) الوعيد المذكور في حق من أحدث في المدينة حدثًا.
وهذا الحديث قد سبق في باب حرم المدينة.
١١ - باب إِذَا قَالُوا صَبَأْنَا وَلَمْ يُحْسِنُوا أَسْلَمْنَا
هذا (باب) بالتنوين (إذا قالوا) أي المشركون حين يقاتلون (صبأنا) بهمزة ساكنة (ولم يحسنوا) أن يقولوا (أسلمنا) جريًا منهم على لغتهم.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: "فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ".
وَقَالَ عُمَرُ: إِذَا قَالَ مَتْرَسْ فَقَدْ آمَنَهُ، إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الأَلْسِنَةَ كُلَّهَا. وَقَالَ: تَكَلَّمْ. لَا بَأْسَ.
(وقال ابن عمر) ﵄ مما أخرجه مطوّلاً موصولاً في غزوة الفتح (فجعل خالد) هو ابن الوليد لما بعثه ﵊ إلى بني هدبة فقالوا: صبأنا وأرادوا أسلمنا فلم يقبل ذلك وجعل (يقتل) منهم على ظاهر اللفظ (فقال النبي ﷺ ¬): لما بلغه ذلك (أبرأ إليك) ولابن
стр. 3783
عساكر: اللهم إني أبرأ إليك (مما صنع خالد) وهذا يدل على أنه يكتفي من كل قوم بما يعرف من لغتهم وقد عذر ﵇ خالدًا في اجتهاده ولذلك لم يقدمنه.
(وقال عمر) ﵁ مما وصله عبد الرزاق (إذا قال مترس) بفتح الميم وسكون الفوقية وبعد الراء المفتوحة سين مهملة ساكنة، ولابن عساكر: مترس بكسر الميم، ولأبي ذر: مترس بكسر الميم وتشديد الفوقية المفتوحة وكسر الراء كذا في الفرع وأصله وضبطه في الفتح والعمدة والمصابيح والتنقيح مترس بفتح الميم وتشديد الفوقية المفتوحة وإسكان الراء وهي كلمة فارسية معناها لا تخف لأن م كلمة نفي عندهم وترس بمعنى الخوف (فقد آمنه) بمدّ الهمزة (إن الله يعلم الألسنة كلها. وقال): ولأبي ذر: أو قال أي عمر ﵁ للهرمزان حين أتوا به إليه واستعجم (تكلم. لا بأس) عليك فكان ذلك تأمينًا من عمر ﵁. وهذا وصله ابن أبي شيبة ويعقوب بن أبي سفيان في تاريخه بإسناد صحيح عن أنس، وهذا الباب ثابت في رواية الحموي والمستملي.
١٢ - باب الْمُوَادَعَةِ وَالْمُصَالَحَةِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ بِالْمَالِ وَغَيْرِهِ، وَإِثْمِ مَنْ لَمْ يَفِ بِالْعَهْدِ وَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ -جنحوا: طلبوا السلم- ﴿فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١] الآيَةَ
(باب الموادعة) وهي المسالمة على ترك الحرب والأذى (والمصالحة مع المشركين بالمال وغيره) كالأسرى (وإثم من لم يفِ) ولأبي ذر عن الكشميهني: يوفِ بضم التحتية ثم زيادة واو ساكنة وتخفيف الفاء (بالعهد وقوله) تعالى: (﴿وإن جنحوا للسلم﴾) وسقط قوله وقوله لأبي ذر وزاد جنحوا طلبوا السلم بفتح السين فيهما وهو من قول المؤلّف (﴿فأجنح لها﴾) [الأنفال: ٦١]. وقال أبو عبيدة: السلم والسلم واحد وهو الصلح وقيل بالفتح الصلح وبالكسر الإسلام زاد ابن عساكر وتوكل على الله إنه هو السميع العليم. وفي رواية غيره وأبي ذر بعد قوله: ﴿فاجنح لها﴾ الآية.
٣١٧٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا بِشْرٌ هُوَ ابْنُ الْمُفَضَّلِ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ: "انْطَلَقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ زَيْدٍ إِلَى خَيْبَرَ، وَهْيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ، فَتَفَرَّقَا، فَأَتَى مُحَيِّصَةُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ وَهْوَ يَتَشَحَّطُ فِي دَمٍ قَتِيلاً، فَدَفَنَهُ، ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةُ وَحُوَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ: كَبِّرْ كَبِّرْ -وَهْوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ- فَسَكَتَ، فَتَكَلَّمَا، فَقَالَ: أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ -أَوْ صَاحِبَكُمْ- قَالُوا: وَكَيْفَ نَحْلِفُ وَلَمْ نَشْهَدْ وَلَمْ نَرَ -قَالَ: فَتُبْرِئكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ. فَقَالُوا: كَيْفَ نَأْخُذُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ؟ فَعَقَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ".
стр. 3784
وبه قال: (حدّثنا مسدّد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة (هو ابن المفضل) بفتح الضاد المعجمة المشددة ابن لاحق البصري قال: (حدّثنا يحيى) هو ابن سعيد الأنصاري (عن بشير بن يسار) بضم الموحدة وفتح الشين المعجمة مصغرًا ويسار بتحتية وسين مهملة مخففة المدني مولى الأنصار (عن سهل بن أبي حثمة) بفتح السين المهملة وسكون الهاء وحثمة بفتح الحاء المهملة وسكون المثلثة وفتح الميم واسمه عبد الله الأنصاري المدني أنه (انطلق عبد الله بن سهل) الحارثي (ومحيصة بن مسعود بن زيد) بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد التحتية وفتح الصاد المهملة الأنصاري المدني، وقيل الصواب ابن كعب بدل زيد (إلى خيبر) في أصحاب لهما يمتارون تمرًا (وهي يومئذ صُلح فتفرقا) أي ابن سهل ومحيصة (فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل) فوجده في عين قد كسرت عنقه وطرح فيها (وهو يتشحط) بالشين المعجمة والحاء المهملة أي يضطرب (فيدم) حال كونه (قتيلاً) ولأبي ذر عن الكشميهني في دمه بالضمير (فدفنه ثم قدم المدينة فانطلق عبد الرحمن بن سهل) أخو عبد الله بن سهل (ومحيصة و) أخوه (حويصة ابنا مسعود إلى النبي ﷺ ¬) ليخبروه بذلك (فذهب عبد الرحمن يتكلم فقال) ﵊ له:
(كبر كبر) بالجزم على الأمر وكرره للمبالغة أي قدم الأسن يتكلم (وهو) أي عبد الرحمن (أحدث القوم) سنًا (فسكت فتكلما) أي محيصة وحويصة بقضية قتل عبد الله (فقال) ﵊: (أتحلفون) أطلق الخطاب للثلاثة بعرض اليمين عليهم ومراده من يختص به وهو أخوه لأنه كان معلومًا عندهم أن اليمين مختص بالوارث، وإنما أمر أن يتكلم أكبر لأنه لم يكن المراد بكلامه حقيقة الدعوى لأنه لا حق لابني العم فيها، بل المراد سماع الصورة الواقعة وكيفيتها ويحتمل أن يكون عبد الرحمن وكّل الأكبر أو أمره بتوكيله فيها (وتستحقون قاتلكم) ولأبي ذر دم قاتلكم (أو صاحبكم) بالنصب أو بالجر على رواية أبي ذر. قال النووي: المعنى يثبت حقكم على من حلفتم عليه وذلك الحق أعم من أن يكون قصاصًا أو دية (قالوا: وكيف نحلف ولم نشهد) قتله (ولم نر؟) من قتله (قال) ﵊: (فتبرئكم) بسكون الموحدة في الفرع أي تبرأ إليكم (يهود) من دعواكم (بخمسين) أي يمينًا (فقالوا: كيف نأخذ أيمان قوم كفار؟) قال الخطابي: بدأ ﵊ بالمدعين في اليمين فلما نكلوا ردّها على المدعى عليهم فلم يرضوا بأيمانهم (فعقله) أي أدّى ديته (النبي ﷺ من عنده) من خالص ماله أو من بيت المال لأنه عاقلة المسلمين ووليّ أمرهم وفيه أن حكم القسامة مخالف لسائر الدعاوى من جهة أن اليمين على المدعي وأنها خمسون يمينًا واللوث هنا هو العداوة الظاهرة بين المسلمين واليهود.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الصلح والأدب والدّيات والأحكام ومسلم في الحدود وأبو داود والترمذي وابن ماجه في الدّيات والنسائي في القضاء والقسامة.
стр. 3785
١٣ - باب فَضْلِ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ
(باب فضل الوفاء بالعهد).
٣١٧٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ "أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ كَانُوا تِجَارًا بِالشَّأْمِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي مَادَّ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا سُفْيَانَ فِي كُفَّارِ قُرَيْشٍ".
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة مصغرًا قال: (حدثنا الليث) بن سعد الإمام (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله بن عتبة) بن مسعود (أن عبد الله بن عباس أخبره أن أبا سفيان) صخر (بن حرب) ولأبي ذر وابن عساكر ابن حرب بن أمية (أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش كانوا تجارًا) بكسر الفوقية وتخفيف الجيم نحو صاحب وصحاب ويجوز ضم الفوقية وتشديد الجيم (بالشام) متعلق بتجارًا أو بكانوا أو بوصف آخر لركب (في المدّة التي مادّ فيها) بتخفيف الدال ضبطه في اليونينية هنا وفي غيرها مادّ بالمدّ والتشديد وهو فعل ماض من المفاعلة يقال مادّ الغريمان إذا اتفقا على أجل للدين وضربا له زمانًا، وهذه المدّة هي المدّة التي هادن (رسول الله ﷺ أبا سفيان في كفار قريش) سنة ست من الهجرة.
ودلالة الحديث على الترجمة من بقية الحديث حيث قال في مدح رسول الله ﷺ : وكذلك الرسل لا تغدر، وقال ابن بطال: أشار البخاري بهذا إلى أن الغدر عند كل أمة قبيح مذموم وليس هو من صفات الرسل، وهذا طرف من حديث أبي سفيان السابق في أول الكتاب.
١٤ - باب هَلْ يُعْفَى عَنِ الذِّمِّيِّ إِذَا سَحَرَ؟
هذا (باب) بالتنوين وسقط لفظ باب لأبي ذر (هل يعفى عن الذميّ إذا سحر؟).
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ: "عَنِ ابْنِ شِهَابٍ سُئِلَ: أَعَلَى مَنْ سَحَرَ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ قَتْلٌ؟ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ صُنِعَ لَهُ ذَلِكَ فَلَمْ يَقْتُلْ مَنْ صَنَعَهُ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ".
(وقال ابن وهب): عبد الله مما وصله في جامعه (أخبرني) بالإفراد (يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري أنه (سئل) بضم السين مبنيًّا للمفعول (أعلى من سحر من أهل العهد قتل؟ قال): أي ابن شهاب مجيبًا للسائل (بلغنا أن رسول الله ﷺ قد صنع له ذلك) السحر (فلم يقتل من صنعه وكان) الذي صنعه (من أهل الكتاب) ممن له عهد. قال ابن بطال: ولا حجة لابن
стр. 3786
شهاب في هذا لأنه ﵊ كان لا ينتقم لنفسه، ولأن السحر لم يضره في شيء من أمور الوحي ولا في بدنه وإنما كان اعتراه شيء من التخيل.
٣١٧٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُحِرَ حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ صَنَعَ شَيْئًا وَلَمْ يَصْنَعْهُ".
[الحديث ٣١٧٥ - أطرافه في: ٢٢٦٨، ٥٧٦٣، ٥٧٦٥، ٥٧٦٦، ٦٠٦٣، ٦٣٩١].
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (محمد بن المثنى) العنزي الزمن قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد الأنصاري قال: (حدّثنا هشام، قال: حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (أبي) عروة بن الزبير بن العوّام (عن عائشة) ﵂ (أن النبي ﷺ سحر) بضم أوّله مبنيًّا للمفعول والذي سحره لبيد بن الأعصم اليهودي في مشط ومشاطة ودسها في بئر ذروان (حتى كان) ﵊ (يخيل إليه أنه صنع شيئًا ولم يصنعه).
ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إنه عفا عن اليهودي الذي سحره. وقال في فتح الباري: أشار بالترجمة إلى ما وقع في بقية القصة أي وهي قوله يا عائشة أعلمت أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجليّ فقال الذي عند رأسي للآخر: ما بال الرجل؟ قال: مطبوب. قال: ومن طبّه؟ قال: لبيد بن الأعصم. قال: وفيم؟ قال: في مشط ومشاقة. قال: وأين؟ قال: في جف طلعة ذكر تحت راعوفة في بئر ذروان. قالت عائشة ﵂: فأتى النبي ﷺ البئر حتى استخرجه فقال: هذه البئر التي أريتها. قال: فاستخرج فقلت: أفلا أي تنشرت. فقال: أما والله قد شفاني وأنا أكره أن أثير على أحد من الناس شرًّا.
١٥ - باب مَا يُحْذَرُ مِنَ الْغَدْرِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٦٢] الآيَةَ
(باب ما يحذر) بسكون الحاء المهملة ولأبي ذر يحذر بفتح الحاء وتشديد الذال المعجمة (من الغدْر. وقوله تعالى). ولأبي ذر: وقول الله تعالى: (﴿وإن يريدوا أن يخدعوك﴾) أي وإن يرد الكفار بالصلح خديعة ليتقوّوا ويستعدّوا (﴿فإن حسبك الله﴾) [الأنفال: ٦٢]. أي كافيك وحده (الآية) أي إلى آخرها، ولابن عساكر: ﴿فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره﴾ إلى قوله: ﴿عزيز حكيم﴾.
٣١٧٦ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ زَبْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ بُسْرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا إِدْرِيسَ قَالَ: سَمِعْتُ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: "أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ -وَهْوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ- فَقَالَ: اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ: مَوْتِي، ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ مُوتَانٌ يَأْخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاصِ الْغَنَمِ، ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ الْمَالِ حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ
стр. 3787
مِائَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ سَاخِطًا، ثُمَّ فِتْنَةٌ لَا يَبْقَى بَيْتٌ مِنَ الْعَرَبِ إِلاَّ دَخَلَتْهُ، ثُمَّ هُدْنَةٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الأَصْفَرِ فَيَغْدِرُونَ، فَيَأْتُونَكُمْ تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايَةً، تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا".
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير قال: (حدّثنا الوليد بن مسلم) أبو العباس القرشي قال: (حدّثنا عبد الله بن العلاء بن زبر) بفتح الزاي وسكون الموحدة وبالراء الربعيّ بفتح الراء والموحدة وكسر العين المهملة (قال: سمعت بسر بن عبيد الله) بضم الموحدة وسكون المهملة وعبيد الله بضم العين مصغرًا الحضرمي (أنه سمع أبا إدريس) عائذ الله الخولانيّ (قال: سمعت عوف بن مالك) الأشجعي (قال: أتيت النبي ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم) جلد مدبوغ وسقط لفظة "من" لأبي ذر وابن عساكر (فقال):
(أعدد ستًّا) من العلامات (بين يدي الساعة) لقيامها أو لظهور أشراطها المقتربة منها (موتى ثم فتح بيت المقدس ثم موتان) بضم الميم وسكون الواو آخره نون منوّنة الموت أو الكثير الوقوع والمراد به الطاعون ولابن السكن موتتان بلفظ الثثنية. قال في الفتح: وحينئذٍ فهو بفتح الميم قيل ولا وجه له هنا (يأخذ) الموتان (فيكم كقعاص الغنم) بضم القاف بعدها عين مهملة فألف فصاد مهملة داء يأخذ الدواب فيسيل من أنوفها شيء فتموت فجأة. ويقال: إن هذه الآية ظهرت في طاعون عمواس في خلافة عمر ومات منه سبعون ألفًا في ثلاثة أيام وكان ذلك بعد فتح بيت المقدس (ثم استفاضة المال) أي كثرته ووقع ذلك في خلافة عثمان ﵁ عند فتح تلك الفتوح العظيمة (حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطًا) استقلالاً لذلك المبلغ وتحقيرًا له (ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته) أولها قتل عثمان ﵁ (ثم هدنة) بضم الهاء وسكون الدال المهملة بعدها نون صلح على ترك القتال بعد التحرك فيه (تكون بينكم وبين بني الأصفر) وهم الروم (فيغدرون) بكسر الدال المهملة (فيأتونكم تحت ثمانين غاية) بغين معجمة فألف فتحتية أي راية. قال الجواليقي: لأنها غاية المتبع إذا وقفت وقف وإذا مشت تبعها (تحت كل غاية اثنا عشر ألفًا) فجملة ذلك تسعمائة ألف وستون ألف رجل، وعند بعضهم فيما حكاه ابن الجوزي غابة في الموضعين بموحدة بدل التحتية وهي الأجمة فشبه كثرة الرماح بالأجمة. وفي حديث ذي مخبر بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الموحدة عند أبي داود في نحو هذا الحديث راية بدل غاية وفي أوله: ستصالحون الروم صلحًا أمنًا ثم تغزون أنتم وهم فتنصرون ثم تنزلون مرجًا فيرفع رجل من أهل الصليب فيقول: غلب الصليب فيغضب رجل من المسلمين فيقوم إليه فيدفع فعند ذلك تغدر الروم ويجتمعون للملحمة فيأتون فذكره. وعند ابن ماجه مرفوعًا من حديث أبي هريرة: "إذا وقعت الملاحم بعث الله بعثًا من الموالي يؤيد الله بهم الدين". وله من حديث معاذ بن جبل مرفوعًا: "الملحمة الكبرى وفتح القسطنطينية وخروج الدجال في سبعة أشهر". وله من حديث عبد الله بن بسر رفعه: "بين الملحمة وفتح المدينة ست سنين ويخرج الدجال في السابعة" وإسناده أصح من إسناد حديث معاذ.
стр. 3788
ورواة حديث الباب كلهم شاميون إلا شيخ المؤلّف فمكيّ.
١٦ - باب كَيْفَ يُنْبَذُ إِلَى أَهْلِ الْعَهْدِ؟ وَقَوْلُ اللهِ : ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] الآيَةَ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (كيف ينبذ) بضم أوله وآخره معجمة مبنيًا للمفعول أي يطرح (إلى أهل العهد وقوله) ولأبي ذر وقول الله سبحانه: (﴿وإما تخافن﴾) يا محمد (﴿من قوم﴾) معاهدين (﴿خيانة﴾) نقض عهد بإمارات تلوح لك (﴿فانبذ إليهم﴾) فاطرح إليهم عهدهم (﴿على سواء﴾) [الأنفال: ٥٨]. على عدل وطريق قصد في العهد ولا تناجزهم الحرب فإنه يكون خيانة منك أو على سواء في الخوف أو العلم بنقض العهد وهو في موضع الحال من النابذ على الوجه الأول أي بانيًا على طريق سويّ أو منه أو من المنبوذ إليهم أو منهما على غيره (الآية). وسقطت هذه اللفظة لابن عساكر وأبي ذر.
٣١٧٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: "بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ ﵁ فِيمَنْ يُؤَذِّنُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى: لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ. وَيَوْمُ الْحَجِّ الأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ، وَإِنَّمَا قِيلَ: "الأَكْبَرُ" مِنْ أَجْلِ قَوْلِ النَّاسِ "الْحَجُّ الأَصْغَرُ" فَنَبَذَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى النَّاسِ فِي ذَلِكَ الْعَامِ، فَلَمْ يَحُجَّ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ الَّذِي حَجَّ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ مُشْرِكٌ".
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه قال: (أخبرنا) ولأبي ذر: أخبرني (حميد بن عبد الرحمن) أي ابن عوف (أن أبا هريرة ﵁ قال: بعثني أبو بكر ﵁) في الحجة والتي أمره ﷺ قبل حجة الوداع (فيمن يؤذن يوم النحر بمنى لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ويوم الحج أكبر) هو (يوم النحر) هذا قول مالك وجماعة. وقال في المصابيح: لا دليل في الحديث المذكور على أن وقوف أبي بكر في ذى الحجة، وإنما يريد بيوم الحج ويوم النحر من الشهر الذي وقف فيه فيصدق، وإن كان وقف في ذي القعدة لأنهم كانوا يقفون وينحرون فيه فلا يدل قوله يوم الحج الأكبر على أنه كان في ذي الحجة والصحيح أنه كان في ذي القعدة (وإنما قيل الأكبر من أجل قول الناس الحج الأصغر) عن العمرة (فنبد) أي طرح (أبو بكر إلى الناس) عهدهم (في ذلك العام فلم يحج عام حجة الوداع الذي حج فيه النبي ﷺ مشرك).
وموضع الترجمة قوله: فنبذ أبو بكر إلى الناس على ما لا يخفى، وسبق هذا الحديث في باب لا يطوف بالبيت عريان.
стр. 3789
١٧ - باب إِثْمِ مَنْ عَاهَدَ ثُمَّ غَدَرَ وَقَوْل اللهِ: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٥٦]
(باب إثم من عاهد ثم غدر) بأن نقض العهد (وقوله) بالجر عطفًا على سابقه ولأبي ذر: وقول الله (﴿الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة﴾) قال البيضاوي: هم يهود قريظة عاهدهم رسول الله ﷺ أن لا يمالؤوا عليه فأعانوا المشركين بالسلاح وقالوا: نسينا، ثم عاهدهم فنكثوا ومالؤوهم عليه يوم الخندق وركب كعب بن الأشرف إلى مكة فحالفهم ومن لتضمين المعاهدة معنى الأخذ والمراد بالمرة مرة المعاهدة أو المحاربة (﴿وهم لا يتقون﴾) [الأنفال: ٥٦]. سبة الغدر، ولأبي ذر بعد قوله: ﴿في كل مرة﴾ الآية فأسقط ما بعدها.
٣١٧٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَرْبَعُ خِلَالٍ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا: مَنْ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ. وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ. وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي البغلاني قال: (حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد بن قرط بضم القاف وسكون الراء (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي (عن عبد الله بن مرة) بضم الميم وتشديد الراء الهمداني بسكون الميم الكوفي التابعي (عن مسروق) أبي عائشة بن الأجدع بالجيم والدال والعين المهملتين التابعي الكوفي (عن عبد الله بن عمرو) أي ابن العاص (﵄) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(أربع خلال) جمع خلة وهي الخصلة (من كنّ فيه كان منافقًا خالصًا. من إذا حدّث كذب)، فأخبر بخلاف الواقع والشرطية خبر المبتدأ الذي هو أربع خلال (وإذا وعد) بخير في المستقبل (أخلف)، فلم يفِ (وإذا عاهد غدر) وهذا موضع الترجمة (وإذا خاصم فجر). قال البيضاوي: يحتمل أن يكون هذا خاصًّا بأبناء زمانه ﵊ علم بنور الوحي بواطن أحوالهم وميز بين من آمن به صدقًا ومن أذعن له نفاقًا فأراد تعريف أصحابه حالهم ليكونوا على حذر منهم ولم يصرح بأسمائهم لأنه علم أن منهم من سيتوب فلم يفضحهم بين الناس ولأن عدم التعيين أوقع في النصيحة وأجلب للدعوة إلى الإيمان وأبعد عن النفور والمخاصمة، ويحتمل أن يكون عامًا لينزجر الكل عن هذه الخصال على آكد وجه إيذانًا بأنها طلائع النفاق الذي هو أسمج القبائح كأنه كفر مموّه باستهزاء وخداع مع رب الأرباب ومسبب الأسباب فعلم من ذلك أنها منافية لحال المسلمين فينبغي للمسلم أن لا يرتع حولها فإن من يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ويحتمل أن يكون المراد بالمنافق العرفي وهو من يخالف سره علنه مطلقًا، ويشهد له قوله: (ومن
стр. 3790
كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها). لأن الخصال التي تتم بها المخالفة بين السر والعلن لا تزيد على هذا فإذا نقصت منها واحدة نقص الكمال اهـ.
فمن ندر ذلك منه ليس داخلاً في ذلك والكذب أقبحها ولذلك علل الله عذابهم به في قوله: ﴿ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون﴾ [البقرة: ١٠]. ولم يقل بما كانوا يصنعون من النفاق.
وهذا الحديث سبق في باب الإيمان.
٣١٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: "مَا كَتَبْنَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلاَّ الْقُرْآنَ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : الْمَدِينَةُ حَرَامٌ مَا بَيْنَ عَائِرٍ إِلَى كَذَا، فَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ عَدْلٌ وَلَا صَرْفٌ. وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ. وَمَنْ وَالَى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ".
وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) بالمثلثة العبدي البصري قال: (أخبرنا سفيان) الثوري (عن الأعمش) سليمان (عن إبراهيم التيمي عن أبيه) يزيد بن شريك التيمي (عن علي ﵁) أنه (قال: ما كتبنا عن النبي ﷺ إلاَّ القرآن وما في هذه الصحيفة).
فإن قلت: إن (ما) و (إلاَّ) يفيدان الحصر عند علماء المعاني فيفيد التركيب أن عليًّا ﵁ ما كتب شيئًا غير القرآن وما في هذه الصحيفة. فالجواب: إن في مسند الإمام أحمد أن عليًّا قال: ما عهد إليّ رسول الله ﷺ شيئًا خاصة دون الناس إلا شيئًا سمعته منه فهو في صحيفتي في قراب سيفي قال: يزالوا به حتى أخرج الصحيفة.
(قال النبي ﷺ : المدينة حرام) كحرم مكة لا يحل صيدها ونحو ذلك (ما بين عائر) بالمدّ جبل معروف (إلى كذا)، وفي رواية ما بين عير وثور وفي أخرى بين عير وأُحُد، ورجحت هذه بأن أُحدًا بالمدينة وثورًا بمكة بل صرح بعضهم بتغليط الراوي وحمله بعضهم على أن المراد أنه حرم من المدينة قدر ما بين عير وثور من مكة أو حرم المدينة تحريمًا مثل تحريم ما بين عير وثور بمكة على حذف مضاف (فمن أحدث حدثًا) منكرًا ليس بمعروف (أو آوى محدثًا) بهمزة ممدودة ومحدثًا بكسر الدال أي نصر جانيًا وآواه وأجاره من خصمه وحال بينه وبين أن يقتص منه ويجوز فتح الدال وهو الأمر المبتدع نفسه ويكون بمعنى الإيواء الرضا به والصبر عليه فإذا رضي بالبدعة وأقرّ فاعلها ولم ينكرها فقد آواه (فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه عدل ولا صرف). فريضة ولا نفل أو شفاعة ولا فدية (وذمة المسلمين واحدة) أي عهدهم لأنها يذم متعاطيها على
стр. 3791
إضاعتها (يسعى بها) أي يتولاها ويذهب بها (أدناهم) أي أقلهم عددًا، فإذا أمن أحد من المسلمين كافرًا وأعطاه ذمته لم يكن لأحد نقضه (فمن أخفر مسلمًا) بهمزة مفتوحة فخاء ساكنة معجمة يقال خفرت الرجل أجرته وحفظته وأخفرت الرجل إذا نقضت عهده وذمامه، والهمزة فيه للإزالة أي أزلت خفارته كأشكيته إذا أزلت شكواه (فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل، ومن والى قومًا) أي اتخذهم أولياء (بغير إذن مواليه) ظاهره يوهم أنه شرط وليس شرطًا لأنه لا يجوز له إذا أذنوا له أن يوالي غيرهم إنما هو بمعنى التوكيد لتحريمه والتنبيه على بطلانه والإرشاد إلى السبب فيه لأنه إذا استأذن أولياءه في موالاة غيرهم منعوه، والمعنى إن سولت له نفسه ذلك فليستأذنهم فإنهم يمنعونه (فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل).
وهذا الحديث مرّ في باب ذمة المسلمين وجوارهم والغرض منه هنا كما قال ابن حجر: فمن أخفر مسلمًا أي نقض عهده كما مرّ. وقال العيني: يمكن أن تؤخذ المطابقة من قوله فمن أحدث حدثًا الخ … لأن في إحداث الحدث وإيواء المحدث والموالاة بغير إذن مواليه معنى الغدر فلذا استحق هؤلاء اللعنة اهـ.
٣١٨٠ - قَالَ أَبُو مُوسَى حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا لَمْ تَجْتَبُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا؟ فَقِيلَ لَهُ: وَكَيْفَ تَرَى ذَلِكَ كَائِنًا يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: إِيْ وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ، عَنْ قَوْلِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ. قَالُوا: عَمَّ ذَاكَ؟ قَالَ: تُنْتَهَكُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ ﷺ ، فَيَشُدُّ اللَّهُ قُلُوبَ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَيَمْنَعُونَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ".
(قال أبو موسى) هو محمد بن المثنى شيخ المؤلّف مما وصله أبو نعيم في المستخرج ولأبي ذر قال أي البخاري وقال أبو موسى، وقال في الفتح: ووقع في بعض نسخ البخاري حدّثنا أبو موسى قال: والأول هو الصحيح وبه جزم الإسماعيلي وأبو نعيم وغيرهما قال: (حدّثنا هاشم بن القاسم) أبو النضر التميمي قال: (حدّثنا إسحاق بن سعيد عن أبيه) سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: كيف أنتم إذا لم تجتبوا) بجيم ساكنة ففوقية ثانية مفتوحة فموحدة من الجباية أي لم تأخذوا من الجزية والخراج (دينارًا ولا درهمًا؟ فقيل له: وكيف ترى ذلك كائنًا يا أبا هريرة؟ قال: إي) بكسر الهمزة وسكون التحتية (والذي نفس أبي هريرة بيده عن قول الصادق المصدوق). الذي لم يقل له إلا الصدق يعني أن جبريل مثلاً لم يخبره إلا بالصدق (قالوا: عم ذلك؟ قال: تنتهك) بضم الفوقية وسكون النون وفتح الفوقية الأخرى والكاف (ذمة الله وذمة رسوله ﷺ ¬) أي يتناول ما لا يحل من الجور والظلم (فيشدّ الله بالشين المعجمة المضمومة والدال المهملة (قلوب أهل الذمة فيمنعون ما في أيديهم) أي من الجزية.
стр. 3792
وفي هذا الحديث التوصية بأهل الذمة لما في الجزية التي تؤخذ منهم من نفع المسلمين، وفيه التحذير من ظلمهم وأنه متى وقع ذلك نقضوا العهد فلم يجتب المسلمون منهم شيئًا فتضيق أحوالهم.
١٨ - باب
هذا (باب) بالتنوين بغير ترجمة.
٣١٨١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الأَعْمَشَ قَالَ: "سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ: شَهِدْتَ صِفِّينَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَسَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ يَقُولُ: اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ، رَأَيْتُنِي يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ وَلَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ أَمْرَ النَّبِيِّ ﷺ لَرَدَدْتُهُ، وَمَا وَضَعْنَا أَسْيَافَنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا لأَمْرٍ يُفْظِعُنَا إِلاَّ أَسْهَلْنَ بِنَا إِلَى أَمْرٍ نَعْرِفُهُ غَيْرِ أَمْرِنَا هَذَا".
[الحديث ٣١٨١ - أطرافه في: ٣١٨٢، ٤١٨٩، ٤٨٤٤، ٧٣٠٨].
وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو عبد الله بن عثمان قال: (أخبرنا أبو حمزة) بالحاء المهملة والزاي محمد بن ميمون السكري المروزي (قال: سمعت الأعمش) سليمان (قال: سألت أبا وائل) شقيق بن سلمة (شهدت صفين) بكسر الصاد المهملة والفاء المشددة غير منصرف اسم موضع على الفرات وقع فيه الحرب بين معاوية وعلي (قال: نعم. فسمعت سهل بن حنيف) بضم الحاء وفتح النون مصغرًا (يقول): وقد كانوا يتهمونه بالتقصير في القتال يوم صفين (اتهموا رأيكم) في هذا القتال يعظ الفريقين فإنما تقاتلون في الإسلام إخوانكم باجتهاد اجتهدتموه (رأيتني) أي رأيت نفسي (يوم أبي جندل) بفتح الجيم وسكون النون العاصي بن سهيل لما جاء إلى النبي ﷺ يوم الحديبية من مكة مسلمًا وهو يجر قيوده وكان قد عذب في الله فقال أبوه يا محمد أول ما أقاضيك عليه فردّ عليه أبا جندل وكان ردّه على المسلمين أشق عليهم من سائر ما جرى عليهم (ولو) بالواو ولأبي ذر فلو (أستطيع أن أردّ أمر النبي ﷺ ¬) يوم الحديبية (لرددته) وقاتلت قريشًا قتالاً لا مزيد عليه، فأعلمهم بأنه ﷺ كان قد تثبت يوم الحديبية في القتال إبقاء على المسلمين وصونًا للدماء هذا وهو بمرصاد الوحي وعلى يقين الحق نصًّا بغير اجتهاد ولا ظن فكيف لا تثبت في قتال الفتنة ومظنة المحنة وعدم القطع واليقين (وما وضعنا أسيافنا على عواتقنا) في الله (لأمر يفظعنا) يثقل علينا ويشق (إلا أسهلن بنا) الضمير عائد على الأسياف السابق ذكرها أي أدنتنا (إلى أمر) سهل (نعرفه) فأدخلتنا فيه (غير أمرنا هذا) يعني أمر الفتنة التي وقعت بين المسلمين فإنها مشكلة حيث جلت المصيبة بقتل المسلمين.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الاعتصام والخمس والتفسير ومسلم في المغازي والنسائي في التفسير.
стр. 3793
٣١٨٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِيهِ حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو وَائِلٍ قَالَ: "كُنَّا بِصِفِّينَ، فَقَامَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ، فَإِنَّا كُنَّا مَعَ النبي ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَلَوْ نَرَى قِتَالاً لَقَاتَلْنَا، فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ؟ فَقَالَ: بَلَى. فَقَالَ: أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَعَلام نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا؟ أَنَرْجِعُ وَلَا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ فَقَالَ: ياَ بْنَ الْخَطَّابِ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللَّهُ أَبَدًا. فَانْطَلَقَ عُمَرُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللَّهُ أَبَدًا. فَنَزَلَتْ سُورَةُ الْفَتْحِ، فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عُمَرَ إِلَى آخِرِهَا. فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَفَتْحٌ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ".
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا يحيى بن آدم) الكوفي مولى بني أمية قال: (حدّثنا يزيد بن عبد العزيز) من الزيادة (عن أبيه) عبد العزيز بن سياه بكسر المهملة وتخفيف التحتية آخره هاء وصلاً ووقفًا قال: (حدّثنا حبيب بن أبي ثابت) واسمه دينار الكوفي (قال: حدّثني) بالإفراد (أبو وائل) شقيق بن سلمة (قال: كنا بصفين فقام سهل بن حنيف فقال): لما رأى من أصحاب علّي ﵁ كراهة التحكيم (أيها الناس اتهموا أنفسكم) فيما أداه اجتهاد كل طائفة منكم من مقاتلة الأخرى (فإنا كنا مع النبي ﷺ يوم الحديبية ولو نرى قتالاً لقاتلنا فجاء عمر بن الخطاب) ﵁ (فقال: يا رسول الله ألسنا على الحق وهم) أي قريش (على الباطل؟) ولابن عساكر وأبي ذر عن الحموي والمستملي وهم على باطل فقال:
(بلى فقال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى. قال: فعلى ما) بألف بعد الميم ولأبي ذر: فعلام بإسقاطها (نعطي الدنية) بفتح الدال وكسر النون وتشديد التحتية أي النقيصة (في ديننا أنرجع ولما) ولأبي ذر وابن عساكر: ولم (يحكم الله بيننا وبينهم؟) ولم يكن سؤال عمر- ﵁ وكلامه المذكور شكًّا بل طلبًا لكشف ما خفي عليه (فقال) ﵊: (ابن الخطاب) بحذف أداة النداء، ولأبي ذر: يا ابن الخطاب (إني رسول الله) زاد في الشروط ولست أعصيه أي إنما أفعل هذا بوحي ولست أفعله برأي (ولن يضيعني الله أبدًا فانطلق عمر إلى أبي بكر) ﵄ (فقال له مثل ما قال للنبي ﷺ . فقال) أبو بكر مجيبًا له: (إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبدًا) وفيه فضيلة الصديق وغزارة علمه على ما يخفى (فنزلت سورة الفتح) والمراد بالفتح صلح الحديبية (فقرأها رسول الله ﷺ على عمر إلى آخرها فقال): ولأبي ذر قال (عمر: يا رسول الله أو فتح هو؟) بواو مفتوحة بعد همزة الاستفهام (قال) ﵊: (نعم). والحاصل أن سهلاً أعلم أهل صفين بما جرى يوم الحديبية من كراهة أكثر الناس ومع ذلك فقد أعقب خيرًا كثيرًا وظهر أن رأى النبي ﷺ في الصلح أتم وأحمد من رأيهم في المناجزة. وهذا الحديث قد سبق.
стр. 3794
٣١٨٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا حَاتِمٌ بن إسماعيلَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَسْمَاءَ بنت أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: "قَدِمَتْ عَلَىَّ أُمِّي وَهْيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ إِذْ عَاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمُدَّتِهِمْ مَعَ أَبِيهَا، فَاسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَىَّ وَهْيَ رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، صِلِيهَا".
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي قال: (حدّثنا حاتم) بالحاء المهملة وكسر الفوقية ولأبي ذر حاتم بن إسماعيل أي الكوفي (عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن أسماء ابنة) ولأبي ذر وابن عساكر: بنت (أبي بكر ﵄) أنها (قالت: قدمت عليّ أمي) قتيلة بنت الحرث بن مدرك كما قاله الزبير بن بكار (وهي مشركة) جملة حالية (في عهد قريش إذ عاهدوا رسول الله ﷺ ¬) يوم الحديبية (ومدتهم) التي كانت معينة للصلح بينهم وبينه ﵊ (مع أبيها) الحرث المذكور (فاستفتت) أي قال عروة: فاستفتت أسماء (رسول الله ﷺ فقالت): ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: فاستفتيت بزيادة تحتية بين الفوقيتين رسول الله ﷺ فقلت (يا رسول الله إن أمي قدمت عليّ وهي راغبة) في أن تأخذ مني بعض المال أو راغبة في الإسلام (أفأصلها؟) بهمزة الاستفهام ولأبي ذر: فأصلها بحذفها (قال) ﵊:
(نعم صليها) فيه جواز صلة الرحم الكافر. وتعلق هذا الحديث بما سبق من حيث إن عدم الغدر اقتضى جواز صلة القريب ولو كان على غير دينه. قاله في العمدة.
وهذا الحديث قد سبق في باب: الهدية للمشركين من كتاب الهبة.
١٩ - باب الْمُصَالَحَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ وَقْتٍ مَعْلُومٍ
(باب المصالحة) مع المشركين (على) مدة (ثلاثة أيام أو وقت معلوم).
٣١٨٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي الْبَرَاءُ ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَعْتَمِرَ أَرْسَلَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ يَسْتَأْذِنُهُمْ لِيَدْخُلَ مَكَّةَ، فَاشْتَرَطُوا عَلَيْهِ أَنْ لَا يُقِيمَ بِهَا إِلاَّ ثَلَاثَ لَيَالٍ، وَلَا يَدْخُلَهَا إِلاَّ بِجُلُبَّانِ السِّلَاحِ، وَلَا يَدْعُوَ مِنْهُمْ أَحَدًا. قَالَ: فَأَخَذَ يَكْتُبُ الشَّرْطَ بَيْنَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَكَتَبَ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالُوا: لَوْ عَلِمْنَا أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ لَمْ نَمْنَعْكَ وَلَبَايَعْنَاكَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. فَقَالَ: أَنَا وَاللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَنَا وَاللَّهِ رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: وَكَانَ لَا يَكْتُبُ، قَالَ فَقَالَ لِعَلِيٍّ امْحُ رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ عَلِيٌّ: وَاللَّهِ لَا أَمْحَاهُ أَبَدًا. قَالَ: فَأَرِنِيهِ، قَالَ: فَأَرَاهُ إِيَّاهُ، فَمَحَاهُ
стр. 3795
النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ وَمَضَتِ الأَيَّامُ أَتَوْا عَلِيًّا فَقَالُوا: مُرْ صَاحِبَكَ فَلْيَرْتَحِلْ. فَذَكَرَ ذَلِكَ عليٌّ ﵁ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: نَعَمْ. فَارْتَحَلَ".
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن عثمان بن حكيم) أبو عبد الله الأزدي الكوفي قال: (حدّثنا) بالجمع، ولأبي ذر: حدّثني (شريح بن مسلمة) بضم الشين المعجمة وفتح الراء وسكون التحتية آخره حاء مهملة ومسلمة بفتح الميم واللام الكوفي قال: (حدّثنا إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق) الكوفي (قال: حدّثني) بالإفراد (أبي) يوسف (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي (قال: حدّثني) بالإفراد (البراء) بن عازب (﵁ أن النبي) وفي نسخة: أن رسول الله (¬ ﷺ لما أراد أن يعتمر) في ذي القعدة يوم الحديبية (أرسل إلى أهل مكة يستأذنهم ليدخل مكة فاشترطوا عليه أن لا يقيم بها) إذا دخلها في العام المقبل (إلا ثلاث ليال) بأيامها وهذا موضع الترجمة. (ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح) بضم الجيم واللام وتشديد الموحدة شبه الجراب من الأدم يوضع فيه السيف مغمودًا (ولا يدعو منهم أحدًا) وفي الصلح: وأن لا يخرج من أهلها بأحد إن أراد أن يتبعه وأن لا يمنع أحدًا من أصحابه إن أراد أن يقيم بها (قال: فأخذ يكتب الشرط بينهم عليّ بن أبي طالب فكتب: هذا)، إشارة إلى ما في الذهن مبتدأ خبره قوله (ما قاضى عليه محمد رسول الله. فقالوا: لو علمنا أنك رسول الله لم نمنعك) عن البيت (ولبايعناك) بالموحدة بعد اللام ولابن عساكر وأبي ذر عن الكشميهي: ولتابعناك بالفوقية بدل الموحدة وبعد الألف موحدة أخرى بدل التحتية، (ولكن اكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله (قال) ﵊:
(أنا والله محمد بن عبد الله، وأنا والله رسول الله قال: وكان) ﵊ (لا يكتب. قال: فقال لعليّ امح رسول الله فقال عليّ: والله لا أمحاه أبدًا) لغة في أمحوه بالواو (قال) ﵊: (فأرنيه قال: فأراه إياه فمحاه النبي ﷺ بيده فلما دخل) ﵊ مكة في العام المقبل (ومضى) ولأبي ذر عن الكشميهني ومضت (الأيام) الثلاثة التي اشترطوا عليه أن لا يقيم أكثر منها (أتوا عليّا فقالوا: مُرْ صاحبك) أي النبي ﷺ (فليرتحل) فقد مضى الأجل (فذكر ذلك لرسول الله) ولأبي ذر وابن عساكر ذلك عليّ ﵁ لرسول الله (¬ ﷺ فقال: نعم ثم ارتحل) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فارتحل.
وهذا الحديث قد مرّ في باب: كيف يكتب الصلح من كتاب الصلح.
٢٠ - باب الْمُوَادَعَةِ مِنْ غَيْرِ وَقْتٍ، وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ»
(باب الموادعة) أي المصالحة والمتاركة (من غير) تعيين (وقت. وقول النبي ﷺ ¬) لأهل خيبر (أقركم ما) ولأبي ذر: على ما (أقركم الله به) سقط لأبي ذر وابن عساكر لفظة به.
стр. 3796
وهذا طرف من حديث ابن عمر سبق موصولاً في باب إذا قال رب الأرض أقرك ما أقرك الله وليس في أمر المهادنة حدّ معلوم وإنما ذلك راجع إلى رأي الإمام والله أعلم.
٢١ - باب طَرْحِ جِيَفِ الْمُشْرِكِينَ فِي الْبِئْرِ، وَلَا يُؤْخَذُ لَهُمْ ثَمَنٌ
(باب) جواز (طرح جيف المشركين في البئر، ولا يؤخذ لهم) أي لجيفهم (ثمن) ذكر ابن إسحاق في مغازيه أن المشركين سألوا النبي ﷺ أن يبيعهم جسد نوفل بن عبد الله بن المغيرة وكان قد اقتحم الخندق فقال النبي ﷺ : لا حاجة لنا بثمنه ولا جسده. قال ابن هشام: بلغنا عن الزهري أنهم بذلوا فيه عشرة آلاف.
٣١٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: "بَيْنَا النبيُّ ﷺ سَاجِدٌ وَحَوْلَهُ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِذْ جَاءَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ بِسَلَى جَزُورٍ فَقَذَفَهُ عَلَى ظَهْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ حَتَّى جَاءَتْ فَاطِمَةُ ﵍ فَأَخَذَتْ مِنْ ظَهْرِهِ وَدَعَتْ عَلَى مَنْ صَنَعَ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اللَّهُمَّ عَلَيْكَ الْمَلأَ مِنْ قُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَعُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ -أَوْ أُبَىَّ بْنَ خَلَفٍ- فَلَقَدْ رَأَيْتُهُمْ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ فَأُلْقُوا فِي بِئْرٍ، غَيْرَ أُمَيَّةَ -أَوْ أُبَىٍّ- فَإِنَّهُ كَانَ رَجُلاً ضَخْمًا، فَلَمَّا جَرُّوهُ تَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهُ قَبْلَ أَنْ يُلْقَى فِي الْبِئْرِ".
وبه قال: (حدّثنا عبدان بن عثمان) وللحموي والمستملي عبد الله بن عثمان وهو اسم عبدان (قال: أخبرني) بالإفراد (أبي) عثمان بن جبلة (عن شعبة) بن الحجاج (عن أبي إسحاق) السبيعي (عن عمرو بن ميمون) بفتح العين الكوفي الأودي (عن عبد الله) أي ابن مسعود (¬﵁¬) أنه (قال: بينا) بغير ميم (رسول الله) ولأبي ذر: النبي (¬ ﷺ ساجد) أي عند الكعبة (وحوله ناس من قريش المشركين) ولأبي ذر وابن عساكر: من المشركين (إذ جاء عقبة) بحذف ضمير النصب ولأبي ذر: إذ جاءه عقبة (بن أبي معيط بسلى جزور) بفتح السين المهملة وتخفيف اللام مقصورًا وهي اللفافة التي يكون فيها الولد في بطن الناقة، والجزور بفتح الجيم وضم الزاي بمعنى المفعول أي المنحور من الابل (فقذفه) بالفاء قبل القاف ولأبي ذر: وقذفه أي طرحه (على ظهر النبي ﷺ فلم يرفع رأسه حتى جاءت فاطمة) بنته ﵍ فأخذت) ذلك السلى (من ظهره ودعت على مَن صنع ذلك. فقال النبي ﷺ ¬):
(اللّهم) ولأبي ذر فقال: اللهم (عليك الملأ) نصب بنزع الخافض أي خذ الجماعة (من) كفار (قريش) وأهلكهم ثم فصل ما أجمل فقال (اللهم عليك أبا جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وعقبة بن أبي معيط وأمية بن خلف أو أبيّ بن خلف) قال عبد الله: (فلقد رأيتهم
стр. 3797
قتلوا يوم بدر) والمراد أنه رأى أكثرهم لأن ابن أبي معيط إنما حمل أسيرًا وقتله النبي ﷺ بعد انصرافه من بدر على ثلاثة أميال مما يلي المدينة (فأُلقوا في بئر) تحقيرًا لهم ولئلا يتأذى الناس برائحتهم (غير أمية) بن خلف (أو) غير (أبيّ فإنه كان رجلاً ضخمًا فلما جرّوه) براء واحدة بعدها واو ساكنة (تقطعت أوصاله قبل أن يُلقى في البئر).
٢٢ - باب إِثْمِ الْغَادِرِ لِلْبَرِّ وَالْفَاجِرِ
(باب إثم الغادر) الذي يواعد على أمر ولا يفي به (للبرّ والفاجر) أي سواء كان من برّ لفاجر أو برّ أو من فاجر لبرّ أو فاجر.
٣١٨٦ - ٣١٨٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -وَعَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ أَحَدُهُمَا يُنْصَبُ -وَقَالَ الآخَرُ: يُرَى- يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ».
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن سليمان) بن مهران (الأعمش) الكوفي (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن عبد الله) أي ابن مسعود (وعن ثابت) قال في الفتح: قائل ذلك هو شعبة بينه مسلم في روايته من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة عن ثابت (عن أنس) كلاهما (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(لكل غادر لواء) أي: علم (يوم القيامة قال أحدهما) أي أحد الراويين (بنصب) أي اللواء (وقال الآخر: يُرى يوم القيامة يعرف به). ولمسلم من طريق غندر عن شبعة يقال: هذه غدرة فلان.
٣١٨٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ بن زَيد عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: "سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يُنْصَبُ يوم القيامة بِغَدْرَتِهِ".
[الحديث ٣١٨٨ - أطرافه في: ٦١٧٧، ٦١٧٨، ٦٩٦٦، ٧١١١].
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي قال: (حدّثنا حماد) ولأبي ذر: حماد بن زيد (عن أيوب) السختياني (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر ﵄) أنه (قال: سمعت النبي ﷺ يقول):
(لكل غادر لواء ينصب) زاد أبو ذر: يوم القيامة (لغدرته) باللام وفتح الغين المعجمة أي لأجل غدرته في الدنيا أو بقدرها، ولأبي ذر وابن عساكر: بغدرته بالموحدة بدل اللام أي بسبب غدرته والمراد شهرته في القيامة بصفة الغدر ليذمه أهل الموقف وفيه غلظ تحريم الغدر لا سيما من صاحب الولاية العامة لأن غدره يتعدى ضرره وقيل المراد نهي الرعية عن الغدر بالإمام فلا تخرج عليه.
стр. 3798
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الفتن ومسلم في المغازي.
٣١٨٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: لَا هِجْرَةَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا. وَقَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَهْوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهْوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ: لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهُ. فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلاَّ الإِذْخِرَ، فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ. قَالَ: إِلاَّ الإِذْخِرَ".
وبه قال: (حدّثنا عليّ بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد (عن منصور) هو ابن المعتمر السلمي الكوفي (عن مجاهد) بن جبر الإمام في التفسير (عن طاوس) هو ابن كيسان اليماني (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة):
(لا هجرة) من مكة إلى المدينة بعد الفتح لأن مكة صارت دار إسلام (ولكن) لكم طريق في تحصيل الفضائل وهو (جهاد) في سبيل الله (ونية) في كل شيء من الخير (وإذا استنفرتم فانفروا) بكسر الفاء أي إذا طلبكم الإمام للخروج إلى الجهاد فاخرجوا.
(وقال) ﵊: (يوم فتح مكة: وإن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض) ولم يحرمه الناس (فهو حرام بحرمة الله) زاد أبو ذر في رواية الكشميهني: إلى يوم القيامة (وأنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي) القتال فيه (إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد) بالرفع ويجوز الجزم أي لا يقطع (شوكه) غير المؤذي والتعبير بالشوك يدل على منع قطع سائر الأشجار بالطريق الأولى (ولا ينفر صيده) فإن نفره عصى (ولا يلتقط) أحد (لقطته إلا من عرفها) أبدًا ولا يتملكها فخالفت لقطة سائر البلاد بهذا (ولا يختلى) بضم أوله وسكون المعجمة أي لا يجز (خلاه) مقصور حشيشة الرطب (فقال العباس: يا رسول الله إلاَّ الإذخر؟) النبت الذكي الرائحة المعروف (فإنه لقينهم) حدادهم وصائغهم (ولبيوتهم) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: وبيوتهم أي لسقف بيوتهم جيلاً بعد جيل (قال) ﵊: (إلاَّ الإذخر). وهذا محمول على أنه أوحي إليه ﷺ في الحال باستثناء الإذخر وتخصيصه من العموم أو أوحي إليه قبل ذلك أنه إن طلب أحد استثناء شيء فاستثن أو أنه اجتهد في الجميع قاله النووي.
وهذا الحديث قد سبق في العلم والحج وغيرهما.
وهذا آخر كتاب الجهاد نجزت كتابته على يد مؤلفه في ثامن عشر جمادى الآخرة سنة تسع وتسعمائة أعاننا الله تعالى على التكميل وجعله خالصًا لوجهه ونفع به جيلاً بعد جيل بمنّه وكرمه آمين.
стр. 3799
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٥٩ - كتاب بدء الخلق
سقطت البسملة لأبي ذر.
(كتاب بدء الخلق) قال في القاموس: بدأ به كمنع ابتدأ والشيء فعله ابتداء كابتدأه وأبدأه والله الخلق خلقهم والخلق بمعنى المخلوق، ورقم في اليونينية رقم علامة أبي ذر عن المستملي بثبوت كتاب بدء الخلق. وقال العيني كالحافظ ابن حجر: وقع في رواية النسفي ذكر بدء الخلق بدل كتاب بدء الخلق.
١ - باب مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ﴾ [الروم: ٢٧] قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ وَالْحَسَنُ كُلٌّ عَلَيْهِ هَيِّنٌ. هَيْنٌ وَهَيِّنٌ: مِثْلُ لَيْنٍ وَلَيِّنٍ، وَمَيْتٍ وَمَيِّتٍ، وَضَيْقٍ وَضَيِّقٍ. ﴿أَفَعَيِينَا﴾: أَفَأَعْيَا عَلَيْنَا. حِينَ أَنْشَأَكُمْ وَأَنْشَأَ خَلْقَكُمْ. ﴿لُغُوبٌ﴾: النَّصَبُ. ﴿أَطْوَارًا﴾: طَوْرًا كَذَا، وَطَوْرًا كَذَا، عَدَا طَوْرَهُ: أَىْ قَدْرَهُ
(ما جاء) ولأبي ذر باب: ما جاء (في قول الله تعالى: ﴿وهو الذي يبدأ الخلق﴾) أي المخلوق (﴿ثم يعيده﴾) بعد الإهلاك ثانيًا للبعث (﴿وهو أهون عليه﴾) [الروم: ٢٧]. أي الإعادة أسهل عليه من الأصل بالإضافة إلى قدركم والقياس على أصولكم وإلا فهما عليه سواء لا تفاوت عنده سبحانه بين الإبداء والإعادة وتذكير هو لأهون وسقط لغير أبي ذر وهو أهون عليه.
(قال) ولأبي ذر: وقال (الربيع) بفتح الراء (ابن خثيم) بضم الخاء المعجمة وفتح المثلثة وسكون التحتية الثوري الكوفي التابعي مما وصله الطبري أيضًا من طريق منذر الثوري عنه (و) قال (الحسن) البصريّ مما وصله الطبري أيضًا من طريق قتادة عنه (كل عليه هين) بتشديد الياء (هين) بسكونها ولأبي ذر: وهين بالواو مع التخفيف أيضًا (وهين) بالتشديد يريد أنهما لغتان كما
стр. 3800
جاء في ألفاظ أخر وهي (مثل لين ولين، وميت وميت، وضيق وضيق) ثم أشار المؤلّف إلى قوله تعالى: (﴿أفعيينا﴾) [ق: ١٥]. بالخلق الأول أي (أفأعيا علينا حين أنشأكم وأنشأ خلقكم) أي ما أعجزنا الخلق الأول حين أنشأناكم وأنشأنا خلقكم حتى نعجز عن الإعادة من عيي بالأمر إذا لم يهتد لوجه علمه والهمزة فيه للإنكار وعدل عن التكلم في قوله أنشأكم إلى الغيبة التفاتًا. قال الكرماني: والظاهر أن لفظ حين أنشأكم إشارة إلى آية أخرى مستقلة وأنشأ خلقكم إلى تفسيره وهو قوله تعالى: ﴿إذ أنشأكم من الأرض﴾ [النجم: ٣٢]. فنقله البخاري بالمعنى حيث قال: حين أنشأكم بدل إذ أنشأكم أو هو محذوف في اللفظ واستغنى بالمفسر عن المفسر.
(﴿لغوب﴾) [ق: ٣٨]. (النصب) يشير إلى قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسّنا من لغوب﴾ [ق: ٣٨]. من تعب ولا نصب ولا إعياء وهو ردّ لما زعمت اليهود من أنه تعالى بدأ خلق العالم يوم الأحد وفرغ منه يوم الجمعة واستراح يوم السبت واستلقى على العرش تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا.
وقد أجمع علماء الإسلام قاطبة على أن الله تعالى خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام كما دل عليه القرآن. نعم اختلفوا في هذه الأيام أهي كأيامنا هذه أو كل يوم كألف سنة على قولين والجمهور على أنها كأيامنا هذه.
وعن ابن عباس ومجاهد والضحاك وكعب أن كل يوم كألف سنة مما تعدون. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. وحكى ابن جرير في أول الأيام ثلاثة أقوال: فروي عن محمد بن إسحاق أنه قال: يقول أهل التوراة ابتدأ الله الخلق يوم الأحد ويقول أهل الإنجيل ابتدأ الله الخلق يوم الاثنين، ونقول نحن المسلمون فيما انتهى إلينا عن رسول الله ﷺ ابتدأ الله الخلق يوم السبت، ويشهد له حديث أبي هريرة خلق الله التربة يوم السبت والقول بأنه الأحد رواه ابن جرير عن السدي عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن جماعة من الصحابة وهو نص التوراة، ومال إليه طائفة آخرون وهو أشبه بلفظ الأحد فبهذا كمل الخلق في ستة أيام فكان آخرهن الجمعة فاتخذه المسلمون عيدهم في الأسبوع.
(﴿أطوارًا﴾) [نوح: ١٤]. أشار إلى قوله تعالى: ﴿وقد خلقكم أطوارًا﴾ أي (طورًا كذا، وطورًا كذا). مرتين أي خلقهم تارات إذ خلقهم أولاً عناصر ثم مركبات ثم أخلاطًا ثم نطفًا ثم علقًا ثم مضغًا ثم عظامًا ولحومًا ثم أنشأهم خلقًا آخر فإنه يدل على أنه يمكن أن يعيدهم تارة أخرى ويقال فلان (عدا طوره أي قدره) أي: جاوزه وسقط لابن عساكر لفظة (أي).
٣١٩٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ قَالَ: "جَاءَ نَفَرٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا بَنِي تَمِيمٍ أَبْشِرُوا. فقَالُوا: بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا. فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ. فَجَاءَهُ أَهْلُ الْيَمَنِ، فَقَالَ: يَا أَهْلَ الْيَمَنِ اقْبَلُوا
стр. 3801
الْبُشْرَى إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ. قَالُوا: قَبِلْنَا. فَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ يُحَدِّثُ بَدْءَ الْخَلْقِ وَالْعَرْشِ. فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا عِمْرَانُ رَاحِلَتُكَ تَفَلَّتَتْ. لَيْتَنِي لَمْ أَقُمْ".
[الحديث ٣١٩٠ - أطرافه في: ٣١٩١، ٤٣٦٥، ٤٣٨٦، ٧٤١٨].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) بالمثلثة العبدي قال: (أخبرنا سفيان) الثوري (عن جامع بن شداد) بالمعجمة وتشديد الدال المهملة الأولى أبي صخر المحاربي (عن صفوان بن محرز) بضم الميم وسكون الحاء المهملة وكسر الراء بعدها زاي المازني البصري (عن عمران بن الحصين) بضم أوله (﵄) أنه (قال: جاء نفر) عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة سنة تسع (من بني تميم إلى النبى ﷺ فقال):
(يا بني تميم أبشروا). بهمزة قطع بما يقتضي دخول الجنة وذلك حيث عرّفهم أصول العقائد التي هي المبدأ والمعاد وما بينهما ولما لم يكن جل اهتمامهم إلاّ بشأن الدنيا والاستعطاء (قالوا): ولأبي ذر: فقالوا (بشرتنا) وإنما جئنا للاستعطاء (فأعطنا) من المال قيل من القائلين الأقرع بن حابس وإن فيه بعض أخلاق البادية والفاء فصيحة (فتغير وجهه) ﵇ أسفًا عليهم كيف آثروا الدنيا أو لكونه لم يكن عنده ما يعطيهم فيتألفهم به (فجاءه أهل اليمن)، وهم الأشعريون قوم أبي موسى (فقال) ﵊: (يا أهل اليمن أقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم قالوا: قبلنا) ها (فأخذ) أي شرع (النبي ﷺ يحدّث بدء الخلق) نصب بنزع الخافض (والعرش. فجاء رجل) لم يسم (فقال: يا عمران) يعني ابن حصين (راحلتك) بالرفع على الابتداء، ولابن عساكر وأبي الوقت: إن راحلتك (تفلتت) بالفاء أي تشرّدت قال عمران (ليتني لم أقم) من مجلس رسول الله ﷺ حتى لم يفتني سماع كلامه.
وهذا الحديث أخرجه في المغازي وبدء الخلق والتوحيد والترمذي في المناقب والنسائي في التفسير.
٣١٩١ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا جَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ قَالَ: "دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَقَلْتُ نَاقَتِي بِالْبَابِ. فَأَتَاهُ نَاسٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ فَقَالَ: اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا بَنِي تَمِيمٍ. قَالُوا: قَدْ بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا (مَرَّتَيْنِ). ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ: اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا أَهْلَ الْيَمَنِ إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ. قَالُوا: قَدْ قَبِلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالُوا: جِئْنَاكَ نَسْأَلُكَ عَنْ هَذَا الأَمْرِ. قَالَ: كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَىْءٌ غَيْرُهُ. وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ. وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَىْءٍ. وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ. فَنَادَى مُنَادٍ: ذَهَبَتْ نَاقَتُكَ يَا ابْنَ الْحُصَيْنِ. فَانْطَلَقْتُ فَإِذَا هِيَ يَقْطَعُ دُونَهَا السَّرَابُ. فَوَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ تَرَكْتُهَا".
стр. 3802
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص بن غياث) بضم العين قال: (حدّثنا أبي) حفص النخعي الكوفي قاضي بغداد أوثق أصحاب الأعمش قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران قال: (حدّثنا جامع بن شداد) المحاربي (عن صفوان بن محرز) بضم الميم المازني (أنه حدثه عن عمران بن حصين ﵄) أنه (قال: دخلت على النبي ﷺ وعقلت ناقتي بالباب فأتاه ناس من بني تميم فقال) ﵊ لهم:
(اقبلوا البشرى يا بني تميم) أي أقبلوا مني ما يقتضي أن تبشروا بالجنة من التفقه في الدين (قالوا: قد بشرتنا) للتفقه (فأعطنا مرتين) أي من المال (ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن) وهم الأشعريون وسقط قوله أهل لأبي ذر (فقال) ﵊ لهم: (اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم) ولأبي ذر: إن لم (يقبلها بنو تميم قالوا): قد (قبلنا) ها (يا رسول الله. قالوا: جئناك) بكاف الخطاب مرقومًا عليها علامة الكشميهني وفي الفتح حذفها له وإثباتها لغيره (نسألك) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: لنسألك (عن هذا الأمر) كأنهم سألوه عن أحوال هذا العالم (قال) ﵊ مجيبًا لهم: (كان الله) في الأزل منفردًا متوحدًا (ولم يكن شيء غيره) وهذا مذهب الأخفش فإنه جوز دخول الواو في خبر كان وأخواتها نحو كان زيد وأبوه قائم على جعل الجملة خبرًا مع الواو أو ولم يكن شيء غيره حال أي كان الله حال كونه لم يكن شيء غيره، وأما ما وقع في بعض الكتب في هذا الحديث كان الله ولا شيء معه وهو الآن على ما عليه كان. فقال ابن تيمية: هذه زيادة ليست في شيء من كتب الحديث (وكان عرشه على الماء).
استشكل بأن الجملة الأولى تدل على عدم من سواه والثانية على وجود العرش والماء فالثانية مناقضة للأولى. وأجيب: بأن الواو في وكان بمعنى ثم فليس الثانية من تمام الأولى بل مستقلة بنفسها وكان فيهما بحسب مدخولها ففي الأولى بمعنى الكون الأزلي، وفي الثانية بمعنى الحدوث بعد العدم.
وعند الإمام أحمد عن أبي رزين لقيط بن عامر العقيلي أنه قال: يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ قال: "في عماء ما فوقه هواء ثم خلق عرشه على الماء".
ورواه عن يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة به ولفظه: أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه وباقيه سواء. وأخرجه الترمذي عن أحمد بن منيع وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن الصباح ثلاثتهم عن يزيد بن هارون. وقال الترمذي: حسن.
وفي كتاب صفة العرش للحافظ محمد بن عثمان بن أبي شيبة عن بعض السلف أن العرش مخلوق من ياقوتة حمراء بعد ما بين قطريه مسيرة خمسين ألف سنة واتساعه خمسون ألف سنة وبعدما بين العرش إلى الأرض السابعة مسيرة خمسين ألف سنة، وقد ذهب طائفة من أهل الكلام إلى أن العرش فلك مستدير من جميع جوانبه محيط بالعالم من كل جهة وربما سموه الفلك التاسع والفلك الأطلس. قال ابن كثير: وهذا ليس بجيد لأنه قد ثبت في الشرع أن له قوائم تحمله الملائكة
стр. 3803
والفلك لا يكون له قوائم ولا يحمل وأيضًا فإن العرش في اللغة عبارة عن السرير الذي للملك وليس هو فلك والقرآن إنما نزل بلغة العرب فهو سرير ذو قوائم تحمله الملائكة وكالقبة على العالم وهو سقف المخلوقات اهـ.
وأشار بقوله: "وكان عرشه على الماء" إلى أنهما كانا مبدأ العالم لكونهما خلقا قبل كل شيء.
وفي حديث أبي رزين العقيلي مرفوعًا عند الإمام أحمد وصححه الترمذي أن الماء خلق قبل العرش وعن ابن عباس كان الماء على متن الريح.
وعند الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه والحاكم وصححه من حديث أبي هريرة قلت: يا رسول الله إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرّت عيني أنبئني عن كل شيء. قال: "كل شيء خلق من الماء"، وهذا يدل على أن الماء أصل لجميع المخلوقات ومادّتها وأن جميع المخلوقات خلقت منه.
وروى ابن جرير وغيره عن ابن عباس أن الله كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئًا غير ما خلق قبل الماء فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانًا فارتفع فوق الماء فسما عليه فسمي سماء ثم أيبس الماء فجعله أرضًا واحدة ثم فتقها فجعلها سبع أرضين ثم استوى إلى السماء وهي دخان فكان ذلك الدخان من نفس الماء حين تنفس ثم جعلها سماء واحدة ثم فتقها فجعلها سبع سماوات. وقال الله تعالى: ﴿والله خلق كل دابة من ماء﴾ [النور: ٤٥]. وقول من قال إن المراد بالماء النطفة التي يخلق منها الحيوانات بعيد لوجهين.
أحدهما: أن النطفة لا تسمى ماء مطلقًا بل مقيدًا كقوله: ﴿خُلِقَ من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب﴾ [الطارق: ٦]. والثاني: أن من الحيوانات ما يتولد من غير نطفة كدود الخل والفاكهة فليس كل حيوان مخلوقًا من نطفة، فدلّ القرآن على أن كل ما يدب وكل ما فيه حياة من الماء ولا ينافي هذا قوله: ﴿والجان خلقناه من قبل من نار السموم﴾ [الحجر: ٢٧]. وقوله ﵊: "خلقت الملائكة من نور" فقد دلّ ما سبق أن أصل النور والنار الماء ولا يستنكر خلق النار من الماء بانحداره يصير بخارًا والبخار ينقلب هواء والهواء ينقلب نارًا.
(وكتب) أي قدر (في) محل (الذكر) وهو اللوح المحفوظ (كل شيء) من الكائنات (وخلق السماوات والأرض فنادى مناد) لم يسم (ذهبت ناقتك يا ابن الحصين فانطلقت) خلفها (فإذا هي يقطع دونها السراب) رفع على الفاعلية وهو بالمهملة الذي تراه نصف النهار كأنه ماء والمعنى فإذا هي يحول بيني وبين رؤيتها السراب (فوالله لوددت) بكسر الدال الأولى (أني كنت تركتها) ولم أقم لأنه قام قبل أن يكمل رسول الله ﷺ حديثه فتأسف على ما فاته من ذلك.
٣١٩٢ - وَرَوَى عِيسَى عَنْ رَقَبَةَ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: "سَمِعْتُ عُمَرَ ﵁ يَقُولُ: قَامَ فِينَا النَّبِيُّ ﷺ مَقَامًا، فَأَخْبَرَنَا عَنْ بَدْءِ الْخَلْقِ حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنَازِلَهُمْ وَأَهْلُ النَّارِ مَنَازِلَهُمْ، حَفِظَ ذَلِكَ مَنْ حَفِظَهُ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ".
стр. 3804
(وروى) ولابن عساكر ورواه (عيسى) هو ابن موسى البخاري بالموحدة والخاء المعجمة التيمي الملقب بغنجار بغين معجمة مضمومة فنون ساكنة فجيم وبعد الألف راء لاحمرار خدّيه المتوفى سنة سبع أو ست وثمانين ومائة وليس له في البخاري إلا هذا الموضع (عن رقبة) بفتح الراء والقاف والموحدة ابن مصقلة بالصاد المهملة والقاف العبدي الكوفي كذا للأكثر وسقط منه رجل بين عيسى ورقبة وهو أبو حمزة محمد بن ميمون السكري كما جزم به أبو مسعود.
وقال الطرقي: سقط أبو حمزة من كتاب الفربري وثبت في رواية حماد بن شاكر ولا يعرف لعيسى عن رقبة نفسه شيء، وقد وصله الطبراني من طريق عيسى عن أبي حمزة عن رقبة (عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب) الأحمسي الكوفي أنه (قال: سمعت عمر) بن الخطاب (﵁ يقول: قام فينا النبي ﷺ مقامًا) يعني على المنبر (فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم).
قال الطيبي: حتى غاية أخبرنا أي أخبرنا مبتدئًا من بدء الخلق حتى انتهى إلى دخول أهل الجنة الجنة ووضع الماضي موضع المضارع للتحقق المستفاد من قول الصادق الأمين ودلّ ذلك على أنه أخبر بجميع أحوال المخلوقات منذ ابتدأت إلى أن تفنى إلى أن تبعث، وهذا من خوارق العادات ففيه تيسير القول الكثير في الزمن القليل.
وفي حديث أبي زيد الأنصاري عند أحمد ومسلم قال: صلّى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر ثم نزل فصلّى بنا الظهر ثم صعد المنبر فخطبنا ثم العصر كذلك حتى غابت الشمس، فحدّثنا بما كان وما هو كائن فبين في هذا المقام المذكور زمانًا ومكانًا في حديث عمر ﵁، وأنه كان على المنبر من أول النهار إلى أن غابت الشمس. (حفظ ذلك من حفظه ونسيه) ولأبي ذر: أو نسيه (من نسيه).
٣١٩٣ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي أَحْمَدَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ اللهُ تَعَالَى: يَشْتُمنِي ابْنُ آدَمَ. وَمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتِمَنِي وَيُكَذِّبنِي وَمَا يَنْبَغِي لَهُ. أَمَّا شَتْمُهُ فَقَوْلُهُ: إِنَّ لِي وَلَدًا. وَأَمَّا تَكْذِيبُهُ فَقَوْلُهُ: لَيْسَ يُعِيدُنِي كَمَا بَدَأَنِي".
[الحديث ٣١٩٣ - طرفاه في: ٤٩٧٤، ٤٩٧٥].
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولغير أبي ذر: حدّثني (عبد الله بن أبي شيبة) هو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة واسم أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي (عن أبي أحمد) محمد بن عبد الله الزبيري الأزدي (عن سفيان) الثوري (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رسول الله) ولغير أبي ذر قال النبي (¬ ﷺ ¬):
(أراه) بضم الهمزة أظنه (يقول الله) (شتمني) بلفظ الماضي ولابن عساكر بلفظ
стр. 3805
المضارع ولأبي ذر بدل قوله: أراه الخ … (قال الله تعالى: يشتمني ابن آدم) بلفظ المضارع المفتوح
الأول وكسر التاء والشتم الوصف بما يقتضي النقص (وما ينبغي له أن يشتمني ويكذبني وما ينبغي له). أن يكذبني (أما شتمه فقوله: أن لي ولدًا) لاستلزامه الإمكان المستدعي للحدوث وذلك غاية النقص في حق الباري تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا. (وأما تكذيبه فقوله: ليس يعيدني كما بدأني) وهذا قول منكري البعث من عباد الأوثان وهو موضع الترجمة وهو من الأحاديث الآلهيات.
٣١٩٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ، فَهْوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي».
[الحديث ٣١٩٤ - أطرافه في: ٧٤٠٤، ٧٤١٢، ٧٤٥٣، ٧٥٥٣، ٧٥٥٤].
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) سقط ابن سعيد لأبي ذر قال: (حدّثنا مغيرة بن عبد الرحمن القرشي عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(لما قضى الله الخلق) أي خلقه كقوله تعالى: ﴿فقضاهن سبع سماوات﴾ [فصلت: ١٢]. أو أوجد جنسه. وقال ابن عرفة: قضاء الشيء إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه (كتب) أي أمر القلم أن يكتب (في كتابه فهو عنده) أي فعلم ذلك عنده (فوق العرش): مكنونًا عن سائر الخلائق مرفوعًا عن حيز الإدراك ولا تعلق لهذا بما يقع في النفوس من تصوّر المكانية تعالى الله عن صفات المحدثات فإنه المباين عن جميع خلقه المتسلط على كل شيء بقهره وقدرته (إن رحمتي) بكسر الهمزة حكاية لمضمون الكتاب وتفتح بدلاً من كتب (غلبت) وفي رواية شعيب عن أبي الزناد في التوحيد تغلب (غضبي) والمراد من الغضب لازمه وهو إرادة إيصال العذاب إلى من يقع عليه الغضب لأن السبق والغلبة باعتبار التعلق أي تعلق الرحمة غالب سابق على تعلق الغضب لأن الرحمة مقتضى ذاته المقدسة، وأما الغضب فإنه متوقف على سابقة عمل من العبد الحادث.
وقال التوربشتي: وفي سبق الرحمة بيان أن قسط الخلق منها أكثر من قسطهم من الغضب وأنها تنالهم من غير استحقاق وأن الغضب لا ينالهم إلا باستحقاق ألا ترى أن الرحمة تشمل الإنسان جنينًا ورضيعًا وفطيمًا وناشئًا من غير أن يصدر منه شيء من الطاعة ولا يلحقه الغضب إلا بعد أن يصدر عنه من المخالفات ما يستحق ذلك.
وقال في المصابيح: الغضب إرادة العقاب والرحمة إرادة الثواب والصفات لا توصف بالغلبة ولا يسبق بعضها بعضًا، لكن جاء هذا على الاستعارة ولا يمتنع أن تجعل الرحمة والغضب من صفات الفعل لا الذات فالرحمة هي الثواب والإحسان، والغضب هو الانتقام والعقاب، فتكون الغلبة على بابها أي أن رحمتي أكثر من غضبي فتأمله.
стр. 3806
وقال الطيبي: وهو على وزان قوله تعالى: ﴿كتب على نفسه الرحمة﴾ [الأنعام: ١٢]. أي أوجب وعدًا أن يرحمهم قطعًا بخلاف ما يترتب عليه مقتضى الغضب والعقاب فإن الله تعالى كريم يتجاوز بفضله وأنشد:
وإني إذا أوعدته أو وعدته … لمخلف إبعادي ومنجز موعدي
وفي هذا الحديث تقدم خلق العرش على القلم الذي كتب المقادير وهو مذهب الجمهور، ويؤيده قول أهل اليمن في الحديث السابق لرسول الله ﷺ : جئنا نسألك عن هذا الأمر فقال:
"كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء".
وقد روى الطبراني في صفة اللوح من حديث ابن عباس مرفوعًا: إن الله خلق لوحًا محفوظًا من درة بيضاء صفحاتها من ياقوتة حمراء قلمه نور وكتابته نور لله في كل يوم ستون وثلاثمائة لحظة يخلق ويرزق ويميت ويحيي ويعز ويذل ويفعل ما شاء.
وعند ابن إسحاق عن ابن عباس أيضًا قال: في صدر اللوح المحفوظ لا إله إلاّ الله وحده دينه الإسلام ومحمد عبده ورسوله فمن آمن بالله وصدق بوعده واتبع رسله أدخله الجنة. قال: اللوح لوح من درّة بيضاء طوله ما بين السماء والأرض وعرضه ما بين المشرق والمغرب وحافتاه الدر والياقوت ودفتاه ياقوتة حمراء وقلمه نور وأعلاه معقود بالعرش وأصله في حجر ملك.
وقال أنس بن مالك وغيره من السلف: اللوح المحفوظ في جبهة إسرافيل. وقال مقاتل: هو عن يمين العرش.
وحديث الباب أخرجه مسلم في التوبة والنسائي في النعوت.
٢ - باب مَا جَاءَ فِي سَبْعِ أَرَضِينَ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]. ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾: السَّمَاءُ. ﴿سَمْكَهَا﴾: بِنَاءَهَا. ﴿الْحُبُكُ﴾: اسْتِوَاؤُهَا وَحُسْنُهَا. ﴿وَأَذِنَتْ﴾: سَمِعَتْ وَأَطَاعَتْ. ﴿وَأَلْقَتْ﴾: أَخْرَجَتْ مَا فِيهَا مِنَ الْمَوْتَى، ﴿وَتَخَلَّتْ﴾ عَنْهُمْ. ﴿طَحَاهَا﴾ أَي دَحَاهَا. ﴿بالسَّاهِرَةُ﴾: وَجْهُ الأَرْضِ، كَانَ فِيهَا الْحَيَوَانُ نَوْمُهُمْ وَسَهَرُهُمْ.
(باب ما جاء في) وصف (سبع أرضين) بفتح الراء (وقول الله تعالى): بالجر عطفًا على السابق، ولأبي ذر وابن عساكر سبحانه بدل قوله تعالى: (﴿الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن﴾) في العدد، وفيه دلالة على أن بعضها فوق بعض كالسماوات. وعن بعض المتكلمين أن المثلية في العدد خاصة وأن السبع متجاورة. وقال ابن كثير: ومن حمل ذلك على سبع
стр. 3807
أقاليم فقد أبعد النجعة وخالف القرآن، واختلف هل أهل هذه الأرضين يشاهدون السماء ويستمدون الضوء منها؟ فقيل: يشاهدونها من كل جانب من أرضهم ويستمدون الضوء منها، وهذا قول من جعل الأرض مبسوطة وقيل لا وإنما خلق الله تعالى لهم ضياء يشاهدونه وهذا قول من جعل الأرض كرة (﴿يتنزل الأمر بينهن﴾) بالوحي من السماء السابعة إلى الأرض السفلى (﴿لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا﴾) [الطلاق: ١٢] علة لخلق أو ليتنزل وهو يدل على كمال قدرته وعلمه.
وقال ابن جرير: حدّثنا عمرو بن قيس ومحمد بن مثنى قالا: حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي الضحى عن ابن عباس في هذه الآية قال: في كل أرض مثل إبراهيم ونحو ما على الأرض من الخلق هكذا أخرجه مختصرًا وإسناده صحيح.
وأخرجه الحاكم والبيهقي من طريق عطاء بن السائب عن أبي الضحى مطوّلاً وأوله أي سبع أرضين في كل أرض آدم كآدمكم ونوح كنوحكم إبراهيم كإبراهيمكم وعيسى كعيساكم ونبيّ كنبيكم. قال البيهقي: إسناده صحيح إلا أنه شاذّ بمرة لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعًا اهـ.
ففيه أنه لا يلزم من صحة الإسناد صحة المتن كما هو معروف عند أهل هذا الشأن، فقد يصح الإسناد ويكون في المتن شذوذ أو علة تقدح في صحته، ومثل هذا لا يثبت بالحديث الضعيف. وقال في البداية وهذا محمول إن صح نقله على أن ابن عباس أخذه من الإسرائيليات اهـ.
وعلى تقدير ثبوته يحتمل أن يكون المعنى ثم من يقتدى به مسمى بهذه الأسماء وهم رسل الرسل الذين يبلغون الجن عن أنبياء الله ويسمى كلٍّ منهم باسم النبي الذي يبلغ عنه.
وقال الإمام أحمد: حدّثنا شريح، حدّثنا الحكم بن عبد الملك عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ مرّت سحابة فقال: "أتدرون ما هذه؟ " قال: قلنا الله ورسوله أعلم. قال-: "العنان وروايا الأرض" الحديث. وفيه: ثم قال: "أتدرون ما هذه تحتكم؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: "أرض أتدرون ما تحتها؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: "أرض أخرى" قال: "أتدرون كم بينهما؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: "مسيرة خمسمائة عام حتى عدّ سبع أرضين". رواه الترمذي عن عبد بن حميد وغير واحد عن يونس بن محمد المؤدب عن شيبان بن عبد الرحمن عن قتادة قال: حدث الحسن عن أبي هريرة وذكره إلا أنه ذكر أن بُعد ما بين كل أرضين خمسمائة عام. ثم قال: هذا حديث غريب من هذا الوجه. ويروى عن أيوب ويونس بن عبيد وعلي بن زيد أنهم قالوا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة. ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره من حديث أبي جعفر الرازي عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة فذكر مثل لفظ الترمذي. ورواه ابن جرير في تفسيره عن بسر بن زيد عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة مرسلاً، ولعله
стр. 3808
أشبه. ورواه البزار والبيهقي من حديث أبي ذر الغفاري عن النبي ﷺ بنحوه. قال في البداية: ولا يصح إسناده اهـ.
وحكى صاحب مناهج الفكر عن أصحاب الآثار مما نقله عن أهل الكتاب أن الله تعالى لما أراد أن يخلق المكانين خلق جوهرة ذكروا من طولها وعرضها ما لا تعجز القدرة عن إيجاده، ولا يسع الموحد إلاّ التمسك بعرى اعتقاده. ثم نظر إليها نظر هيبة فانماعت وعلا عليها من شدة الخوف زبد ودخان فخلق من الزبد الأرض ومن الدخان السماء ثم فتقها سبعًا بعد أن كانت رتقًا وفسروا بهذا قوله تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان﴾ [فصلت: ١١]. واختلف أهل الآثار والقدماء في اللون المرئي للسماء هل هو أصلي أو عرضيّ؟ فذهب الآثاريون إلى أنه أصلي لحديث: "ما أظلت الخضراء ولا أقلّت الغبراء". وزعم رواة الأخبار أن الأرض على ماء، والماء على صخرة، والصخرة على سنام ثور، والثور على كمكم، والكمكم على ظهر حوت، والحوت على الريح، والريح على حجاب ظلمة، والظلمة على الثرى، والى الثرى انتهى علم الخلائق.
وحكى ابن عبد البر في كتاب القصد والأمم إلى معرفة أنساب الأمم: أن مقدار المعمور من الأرض مائة وعشرون سنة تسعون ليأجوج ومأجوج، واثنا عشر للسودان، وثمانية للروم، وثلاثة للعرب، وسبعة لسائر الأمم اهـ.
وقد خلق الله الأرض قبل السماء كما قال تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات﴾ [البقرة: ٢٩]. وقال تعالى: ﴿أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين﴾ [فصلت: ٩، ١٠]. ثم قال: ﴿وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدّر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين﴾ أي تتمة أربعة أيام كقولك: سرت من البصرة إلى بغداد في عشر، وإلى الكوفة في خمس عشرة، ثم استوى إلى السماء أي قصد نحوها وهي دخان فقال لها وللأرض: ﴿ائتيا طوعًا أو كرهًا قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات في يومين﴾ [فصلت: ١١، ١٢]. وأما قوله: (﴿أنتم أشدّ خلقًا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ذلك دحاها﴾ [النازعات: ٢٧ - ٣٠]. فأجيب عنه بأن الدحي غير الخلق وهذا بعد خلق السماء.
وبقية مباحث هذا تأتي إن شاء الله تعالى في تفسير حم السجدة بعون الله وقوته.
وعند الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: "خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء. وبثّ الدواب فيها يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل". وهكذا رواه مسلم، لكن اختلف فيه على ابن جريج وقد تكلم فيه فقال البخاري في تاريخه، وقال بعضهم عن كعب الأحبار وهو أصح يعني أنه مما سمعه أبو هريرة وتلقاه عن كعب فوهم بعض الرواة فجعله مرفوعًا. وفي متنه غرابة شديدة فمن ذلك أنه ليس فيه ذكر خلق السماوات وفيه ذكر خلق
стр. 3809
الأرض وما فيها في سبعة أيام وهذا خلاف القرآن لأن الأرض خلقت في أربعة أيام ثم خلقت السماوات في يومين، ووقع في رواية أبي ذر بعد قوله: ﴿ومن الأرض مثلهن﴾ الآية فحذف بقيتها.
(﴿والسقف﴾) بالجر عطفًا على المجرور السابق بواو القسم وهو قوله: ﴿والطور المرفوع﴾ [الطور: ٥]. صفة السقف وهو (السماء) وهذا تفسير مجاهد كما أخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم وغيرهما من طريق ابن أبي نجيح عنهما واختاره ابن جريج، واستدلّ سفيان بقوله تعالى: ﴿وجعلنا السماء سقفًا محفوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢]. وقال الربع بن أنس: هو العرش يعني أنه سقف لجميع المخلوقات.
(﴿سمكها﴾) [النازعات: ٢٨]. بفتح السين المهملة وسكون الميم أراد به قوله تعالى: ﴿رفع سمكها﴾ أي (بناها) بالمد وهذا تفسير ابن عباس كما أخرجه ابن أبي حاتم وزاد في رواية غير أبي ذر وابن عساكر كان فيها حيوان.
(﴿الحبك﴾) [الذاريات: ٧]. ولأبي ذر وابن عساكر والحبك يريد قوله تعالى: ﴿والسماء ذات الحبك﴾ أي (استواؤها وحسنها) قاله ابن عباس كما أخرجه ابن أبي حاتم. وقال الحسن: حبكت بالنجوم عن ابن عباس أيضًا كما نقله ابن كثير من حسنها أنها مرتفعة شفافة صفيقة شديدة البناء متسعة الأرجاء أنيقة البهاء مكللة بالنجوم الثوابت والسيّارات موشحة بالشمس والقمر والكواكب الزاهرات.
وعند الطبري عن عبد الله بن عمرو أن المراد بالسماء هنا السابعة. (﴿وأذنت﴾) يشير إلى قوله تعالى: ﴿إذا السماء انشقت وأذنت﴾ [الانشقاق: ١]. قال ابن عباس من طريق الضحاك أي (سمعت و) من طريق سعيد بن جبير عنه (أطاعت) رواهما ابن أبي حاتم (﴿وألقت﴾) [الانشقاق: ٤]. أي (أخرجت ما فيها من الموتى ﴿وتخلت﴾ عنهم) قاله مجاهد وغيره. (﴿طحاها﴾) [الشمس: ٦]. قال مجاهد فيما أخرجه عبد بن حميد (دحاها) أي بسطها. (﴿الساهرة﴾) [النازعات: ١٤]. ولأبي ذر: بالساهرة. قال عكرمة فيما أخرجه ابن أبي حاتم (وجه الأرض)، وقال مجاهد: كانوا بأسفلها فأخرجوا إلى أعلاها. وقال ابن عباس: الأرض كلها (كان فيها الحيوان نومهم وسهرهم). وقيل: المراد أرض القيامة، وعن سهل بن سعد الساعدي أرض بيضاء عفراء. وقال الربيع بن أنس: فإذا هم بالساهرة. يقول الله تعالى: ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض﴾ [إبراهيم: ٤٨]. فهي لا تعدّ من هذه الأرض وهي أرض لم يعمل عليها خطيئة ولم يهرق عليها دم.
٣١٩٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَرثِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ -وَكَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُنَاسٍ خُصُومَةٌ فِي أَرْضٍ، فَدَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَذَكَرَ لَهَا ذَلِكَ- فَقَالَتْ: يَا أَبَا سَلَمَةَ اجْتَنِبِ الأَرْضَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ».
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (أخبرنا) ولابن عساكر: حدّثنا (ابن علية)
стр. 3810
بضم العين المهملة وفتح اللام وتشديد التحتية اسم أم إسماعيل بن إبراهيم (عن عليّ بن المبارك) الهنائي بضم الهاء وتخفيف النون ممدودًا أنه قال: (حدّثنا يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة الطائي مولاهم (عن محمد بن إبراهيم بن الحرث) بن خالد التيمي المدني (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف واسمه عبد الله أو إسماعيل (وكانت بينه وبين أناس) بهمزة مضمومة ولابن عساكر: وبين ناس بحذفها ولم يقف الحافظ ابن حجر على أسمائهم لكن في مسلم: وكان بينه وبين قومه (خصومة في أرض فدخل على عائشة) ﵂ (فذكر لها ذلك) بلام قبل الكاف ولأبي ذر: ذاك بإسقاطها (فقالت: يا أبا سلمة اجتنب الأرض) فلا تغصب منها شيئًا (فإن رسول الله ﷺ قال):
(من ظلم قيد شبر) بكسر القاف أي قدر شبر أي من الأرض (طوّقه) بضم الطاء المهملة وكسر الواو المشددة وبالقاف (من سبع أرضين) بفتح الراء أي يوم القيامة ففيه التنصيص على أن الأرضين سبع وهو المراد بالترجمة.
وهذا الحديث قد سبق في باب إثم من ظلم شيئًا من الأرض من كتاب المظالم.
٣١٩٦ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قال: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنَ الأَرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ».
وبه قال: (حدّثنا بشر بن محمد) بكسر الموحدة وسكون المعجمة المروزي (قال: أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي (عن موسى بن عقبة) صاحب المغازي (عن سالم عن أبيه) عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(من أخذ شيئًا) قلّ أو كثر (من الأرض بغير حقه خسف به) أي بالآخذ غصبًا تلك الأرض المغصوبة (يوم القيامة إلى سبع أرضين) فتصير له كالطوق في عنقه بعد أن يطوّله الله تعالى، أو أن هذه الصفات تتنوع لصاحب هذه الجناية على حسب قوّة هذه المفسدة وضعفها فيعذب بعضهم بهذا وبعضهم بهذا.
٣١٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الزَّمَانُ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ. السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ -ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ- وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن المثنى) العنزي الزمن قال: (حدّثنا عبد الوهاب) الثقفي قال: (حدّثنا أيوب) السختياني (عن محمد بن سيرين عن ابن أبي بكرة) عبد الرحمن (عن) أبيه (أبي
стр. 3811
بكرة) نفيع بن الحرث الثقفي (﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(الزمان) قال التوربشتي: اسم لقليل الوقت وكثيره وأراد به هاهنا السنة (قد استداره) أي الله ولأبي الوقت: استدار بحذف الضمير يعني عاد إلى زمنه المخصوص (كهيئته) الهيئة صورة الشيء وشكله وحالته والكاف صفة مصدر محذوف أي استدار استدارة مثل حالته والذي في اليونينية قال: الزمان قد استدار كهيئته (يوم خلق) الله (السماوات والأرض) ولأبي ذر: كهيئة بحذف الضمير يوم خلق الله بذكر الفاعل لا إله إلا هو ولابن عساكر والأرضين بالجمع (السنة اثنا عشر شهرًا) جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولى، وأراد أن الزمان في انقسامه إلى الأعوام والأشهر عاد إلى أصل الحساب والوضع الذي ابتدأ منه وذلك أن العرب كانوا إذا جاء شهر حرام وهم محاربون أحلوه وحرموا مكانه شهرًا آخر حتى رفضوا خصوص الأشهر واعتبروا مجرد العدد وهو النسيء المذكور في قوله تعالى: (﴿إنما النسيء﴾) أي تأخير حرمة الشهر إلى آخر ﴿زيادة في الكفر﴾ [التوبة: ٣٧]. لأنه تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرمه فهو كفر آخر ضموه إلى كفرهم، قيل: أولى من أحدث ذلك جنادة بن عوف الكناني كان يقوم على جمل في الموسم فينادي: إن آلهتكم قد أحلت لكم المحرم فأحلوه، ثم ينادي في القابل: إن آلهتكم قد حرمت عليكم المحلل فحرّموه يفعل ذلك كل سنة بعد سنة فينتقل المحرم من شهر إلى شهر حتى جعلوه في جميع شهور السنة، فلما كانت تلك السنة عاد إلى زمنه المخصوص به قبل ودارت السنة كهيئتها الأولى، فاقتضى الدوران أن يكون الحج في ذي الحجة كما شرعه الله تعالى، وقول الزمخشري: وقد وافقت حجة الوداع ذا الحجة وكانت حجة أبي بكر قبلها في ذي القعدة قاله مجاهد. وفيه نظر إذ كيف تصح حجة أبي بكر وقد وقعت في ذي القعدة وأنى هذا وقد قال الله تعالى: ﴿وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر﴾ [التوبة: ٣] الآية. وإنما نودي بذلك في حجة أبي بكر فلو لم تكن في ذي الحجة لما قال تعالى: ﴿يوم الحج الأكبر﴾ قاله ابن كثير. ونقل الحافظ ابن حجر أن يوسف بن عبد الملك زعم في كتابه تفضيل الأزمنة أن هذه المقالة صدرت من النبي ﷺ في شهر مارس وهو آذار بالرومية وهو برمهات بالقبطية.
(منها) أي من السنة (أربعة حرم: ثلاثة) ولابن عساكر ثلاث بحذف التاء لأن الشهر الذي هو واحد الأشهر بمعنى الليالي فاعتبر لذلك تأنيثه (متواليات) هي (ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر) عطف على ثلاث لا على والمحرم وأضافه إلى مضر لأنها كانت تحافظ على تحريمه أشد من محافظة سائر العرب ولم يكن يستحله أحد من العرب (الذي بين جمادى وشعبان) ذكره تأكيدًا وإزاحة للريب الحادث فيه من النسيء، وقيل: الأشبه أنه تأسيس وذلك أنهم كما مرّ كانوا يؤخرون الشهر من موضعه إلى شهر آخر فينتقل عن وقته الحقيقي، فقال ﷺ : "رجب مضر الذي بين جمادى وشعبان لا رجب الذي هو عندكم وقد أنسأتموه". قيل: والحكمة في جعل المحرم أول السنة ليحصل الابتداء بشهر حرام والختم بشهر حرام والتوسط بشهر حرام وهو رجب وأما توالي شهرين في الآخر فلإرادة تعضيد الختام والأعمال بخواتيمها.
стр. 3812
وأما مطابقة الحديث للترجمة فقال العيني: تتأتى بالتعسف لأن الأحاديث المذكورة فيها التصريح بسبع أرضين وهنا المذكور لفظ الأرض فقط ولكن المراد منه سبع أرضين أيضًا اهـ.
ولا تعسف، فقد سبق في هذا الحديث هنا أن رواية ابن عساكر والأرضين بالجمع قال الحافظ ابن كثير: ومراد البخاري بذكر هذا الحديث هنا تقرير معنى قوله تعالى: ﴿الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن﴾ [الطلاق: ١٢]. أي في العدد كما أن عدة الشهور الآن اثنا عشر شهرًا مطابقة لعدة الشهور عند الله في كتابه الأول فهذه مطابقة في الزمان كما أن تلك مطابقة في المكان.
فائدة:
السنة مشتملة على ثلاثمائة وأربعة وخمسين يومًا وسدس يوم كذا ذكره صاحب المهذّب من الشافعية في الطلاق قالوا: لأن شهرًا منها ثلاثون، وشهرًا تسع وعشرون إلا ذا الحجة فإنه تسع وعشرون يومًا وخمس يوم وسدس يوم، واستشكله بعضهم وقال: لا أدري ما وجه زيادة الخمس والسدس! وصحح بعضهم أن السنة الهلالية ثلاثمائة وخمسة وخمسون يومًا وبه جزم ابن دحية في كتاب التنوير وذلك مقدار قطع البروج الاثني عشر التي ذكرها الله تعالى في كتابه، وسمي العام عامًا لأن الشمس عامت فيه حتى قطعت جملة الفلك لأنها تقطع الفلك كله في السنة مرة وتقطع في كل شهر برجًا من البروج الاثني عشر. قال تعالى: ﴿وكلٌّ في فلك يسبحون﴾ [يس: ٤٠]. وفرق بعضهم بين السنة والعام بأن العام من أول المحرم إلى آخر ذي الحجة والسنة من كل يوم إلى مثله من القابلة. نقله ابن الخباز في شرح اللمع له.
وهذا الحديث يأتي بأتم من هذا في حجة الوداع آخر المغازي إن شاء الله تعالى وبالله المستعان.
٣١٩٨ - حَدَّثَنا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَن سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: "أَنَّهُ خَاصَمَتْهُ أَرْوَى -فِي حَقٍّ زَعَمَتْ أَنَّهُ انْتَقَصَهُ لَهَا- إِلَى مَرْوَانَ، فَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أَنْتَقِصُ مِنْ حَقِّهَا شَيْئًا؟ أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلْمًا فَإِنَّهُ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ". قَالَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ لِي سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ: "دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ … ".
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر وابن عساكر حدّثنا (عبيد بن إسماعيل) بضم العين مصغرًا واسمه في الأصل عبد الله الهباريّ القرشيّ الكوفي قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوّام (عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل) بضم النون وفتح الفاء العدوي أحد العشرة المبشرة ﵃ (أنه خاصمته أروى) بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الواو مقصورًا بنت أبي أوس بالسين المهملة (في حق زعمت أنه انتقصه لها)
стр. 3813
وكان أرضًا (إلى مروان) بن الحكم وكان يومئذ متولي المدينة (فقال سعيد: أنا أنتقص من حقها شيئًا أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول):
(من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا فإنه يطوّقه) بفتح الواو المشددة مبنيًا للمفعول أي يصير كالطوق في عنقه (يوم القيامة من سبع أرضين) فيعظم قدر عنقه حتى يسع ذلك كما جاء في غلظ جلد الكافر وعظم ضرسه وقد ترك سعيد الحق لأروى ودعا عليها فقال: اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها واجعل قبرها في دارها فتقبل الله دعوته فعميت ومرت على بئر في الدار فوقعت فيها فكانت قبرها.
(قال ابن أبي الزناد) عبد الرحمن بن عبد الله (عن هشام عن أبيه) عروة (قال: قال لي سعيد بن زيد: دخلت على النبي ﷺ ¬) وفي هذا التعليق بيان لقاء عروة سعيدًا والتصريح بسماعه منه الحديث المذكور، ففي هذه الأحاديث إثبات سبع أرضين والمراد أن كل واحدة فوق الأخرى، وفي حديث أبي هريرة عند أحمد مرفوعًا: أن بين كل أرض والتي تليها خمسمائة عام.
٣ - باب فِي النُّجُومِ
هذا (باب) بالتنوين (في) ما جاء في (النجوم).
وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك: ٥] خَلَقَ هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلَاثٍ: جَعَلَهَا زِينَةً لِلسَّمَاءِ، وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ، وَعَلَامَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا، فَمَنْ تَأَوَّلَ فِيهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ أَخْطَأَ وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ وَتَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿هَشِيمًا﴾ مُتَغَيِّرًا. وَالأَبُّ: مَا يَأْكُلُ الأَنْعَامُ. والأَنَامُ الْخَلْقُ. بَرْزَخٌ: حَاجِبٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿أَلْفَافًا﴾: مُلْتَفَّةً. وَالْغُلْبُ: الْمُلْتَفَّةُ: فِرَاشًا: مِهَادًا. كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾، ﴿نَكِدًا﴾: قَلِيلاً.
(وقال قتادة): فيما وصله عبد بن حميد (﴿ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح﴾) [الملك: ٥] (خلق هذه النجوم لثلاث جعلها زينة للسماء). تضيء بالليل إضاءة السرج (ورجومًا للشياطين) الضمير في قوله تعالى: (﴿وجعلناها﴾) يعود على جنس المصابيح لا على عينها لأنه لا يرمى بالكواكب التي في السماء بل بشهب من دونها وقد تكون مستمدّة منها (وعلامات يهتدى بها)، كما قال تعالى: (﴿وبالنجم هم يهتدون﴾) [النحل: ١٦]. (فمن تأول بغير ذلك) وللحموي والمستملي: فمن تأول فيها بغير ذلك أي من علم أحكام ما تدل عليه حركاتها ومقارناتها في سيرها وإن ذلك يدل على حوادث أرضية فقد (أخطأ وأضاع نصيبه وتكلف ما لا علم له به). لأن أكثر ذلك حدس وظنون كاذبة ودعاوى باطلة وقد جرى المؤلّف على عادته في ذكر تفسير آيات استطرادًا للفائدة، فقال.
стр. 3814
(وقال): بالواو ولأبي ذر: قال (ابن عباس: ﴿هشيمًا﴾) [الكهف: ٤٥]. أي (متغيرًا) كما ذكره إسماعيل بن أبي زياد في تفسيره وقال أبو عبيدة: هشيمًا أي يابسًا متفتتًا (والأبّ ما يأكل الأنعام) أي ولا يأكله الناس (والأنام الخلق) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وسقطت الواو من والأنام لغير أبي ذر (برزخ) قال ابن عباس فيما وصله ابن أبي حاتم (حاجب) بالموحدة في آخره ولابن عساكر وأبي ذر عن المستملي والكشميهني حاجز بالزاي بدل الموحدة.
(وقال مجاهد): هو ابن جبر فيما وصله عبد بن حميد في قوله تعالى: (﴿وجنات﴾) (﴿ألفافًا﴾) [النبأ: ١٦] أي (ملتفة) أي بعضها على بعض (والغلب: الملتفة): يريد وحدائق غلبًا قاله مجاهد أيضًا:
(فراشًا) في قوله تعالى: ﴿جعل لكم الأرض فراشًا﴾ [البقرة: ٢٢] كما قال قتادة فيما وصله الطبري (﴿مهادًا﴾ كقوله) تعالى: (﴿ولكم في الأرض مستقر﴾) [البقرة: ٣٦] أي موضع قرار أو هو بمعنى المهاد. (﴿نكدًا﴾) [الأعراف: ٥٨]. من قوله: والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا. قال السدي فيما أخرجه ابن أبي حاتم (قليلاً).
٤ - باب صِفَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ ﴿بِحُسْبَانٍ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: كَحُسْبَانِ الرَّحَى، وَقَالَ غَيْرُهُ: بِحِسَابٍ وَمَنَازِلَ لَا يَعْدُوَانِهَا. حُسْبَانٌ: جَمَاعَةُ الحِسَابٍ، مِثْلُ شِهَابٍ وَشُهْبَانٍ. ضُحَاهَا: ضَوْؤُهَا. أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ: لَا يَسْتُرُ ضَوْءُ أَحَدِهِمَا ضَوْءَ الآخَرِ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُمَا ذَلِكَ. سَابِقُ النَّهَارِ: يَتَطَالَبَانِ حَثِيثَينِ. نَسْلَخُ: نُخْرِجُ أَحَدَهُمَا مِنَ الآخَرِ، وَنُجْرِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: وَاهِيَةٌ: وَهْيُهَا تَشَقُّقُهَا. أَرْجَائِهَا: مَا لَمْ يَنْشَقَّ مِنْهَا، فَهوَ عَلَى حَافَتَيْها كَقَوْلِكَ: عَلَى أَرْجَاءِ الْبِئْرِ. أَغْطَشَ وَجَنَّ: أَظْلَمَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: كُوِّرَتْ تُكَوَّرُ حَتَّى يَذْهَبَ ضَوْؤُهَا. وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ: أَي جَمَعَ مِنْ دَابَّةٍ. اتَّسَقَ: اسْتَوَى. بُرُوجًا: مَنَازِلَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ. فالْحَرُورُ بِالنَّهَارِ مَعَ الشَّمْسِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَرُؤْبَةُ: الْحَرُورُ بِاللَّيْلِ، وَالسَّمُومُ بِالنَّهَارِ. يُقَالُ: يُولِجُ يُكَوِّرُ وَلِيجَةً، كُلُّ شَىْءٍ أَدْخَلْتُهُ فِي شَىْءٍ.
(باب) تفسير (صفة الشمس والقمر ﴿بحسبان﴾) [الرحمن: ٥]. (قال مجاهد): فيما وصله الفريابي في تفسيره من طريق ابن أبي نجيح عنه (كحسبان الرحى) أي يجريان على حسب الحركة المرحوية ووضعها. (وقال غيره): مما وصله عبد بن حميد من طريق أبي مالك الغفاري (بحساب ومنازل لا يعدوانها). أي لا يجاوزان المنازل (حسبان: جماعة الحساب) بالتعريف لأبوي ذر والوقت (مثل شهاب وشهبان). وهذا قول أبي عبيدة في المجاز والمعنى يجريان متعاقبين بحساب معلوم
стр. 3815
مقدر في بروجهما ومنازلهما وتتسق أمور الكائنات السفلية وتختلف الفصول والأوقات وتعلم السنون والحساب.
(ضحاها) في قوله: ﴿والشمس وضحاها﴾ [الشمس: ١]. قال مجاهد فيما وصله عبد بن حميد (ضؤوها) أي: إذا أشرقت (أن تدرك القمر)، يريد ﴿لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر﴾ [يس: ٤٠]. قال مجاهد فيما وصله الفريابي في تفسيره (لا يستر ضوء أحدهما ضوء الآخر، ولا ينبغي لهما) أي لا يصح لهما (ذلك). وقال عكرمة، لكل منهما سلطان فلا ينبغي للشمس أن تطلع بالليل ولا يستقيم لوقوع التدبير على المعاقبة، وما ألطف قول ابن الجوزي وقد وصف منافع أثر الشمس في العالم على سبيل التذكير والتعريف بصنع الله الحكيم اللطيف حيث قال: تبرز الشمس بالنهار في حلة الشعاع لانتفاع البصر فإذا ذهب النهار نشرت رداءها المعصفر ونزلت عن الأشهب فركبت الأصفر فهي تستر بالليل لسكون الخلق وتظهر بالنهار لمعايشهم، فتارة تبعد ليرطب الجوّ وينعقد الغيم ويبرد الهواء ويبرز النبات، وتارة تقرب ليجف الحب وينضج الثمر.
وقوله: (سابق النهار) يريد قوله تعالى: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس: ٤٠]. قال مجاهد فيما وصله الفريابي أيضًا (يتطالبان حثيثان) أي سريعان ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر حثيثين بالنصب بالياء أي فلا تسبق آية الليل آية النهار وهما النيران (نسلخ): أي (نخرج أحدهما من الآخر)، قال ابن كثير: والمعنى في هذا أنه لا فترة بين الليل والنهار بل كل منهما يعقب الآخر بلا مهلة ولا تراخ لأنهما مسخران دائبين يتطالبان طلبًا حثيثًا. وقال في الانتصاف: يؤخذ من قوله تعالى: ﴿ولا الليل سابق النهار﴾ أن النهار تابع لليل إذ جعل الشمس التي هي آية النهار غير مدركة للقمر الذي هو آية الليل فنفى الإدراك الذي يمكن أن يقع وهو يستدعي تقدم القمر وتبعية الشمس، فإنه لا يقال أدرك السابق اللاحق لكن يقال: أدرك اللاحق السابق، فالليل إذًا متبوع والنهار تابع.
فإن قيل: فالآية مصرحة بأن الليل لا يسبق النهار. فجوابه: أنه مشترك الإلزام إذ الأقسام المحتملة ثلاثة إما تبعية النهار لليل كمذهب الفقهاء أو عكسه وهو منقول عن طائفة من النحاة واجتماعهما، فهذا القسم الثالث منفي بالاتفاق فلم يبق إلا تبعية النهار لليل وعكسه والسؤال وارد عليهما لا سيما من قال: إن النهار سابق الليل يلزم من طريق البلاغة أن يقول ولا الليل يدرك النهار فإن المتأخر إذا نفي إدراكه كان أبلغ من نفي سبقيته مع أنه ناء عن قوله: ﴿لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر﴾ [يس: ٤٠]. نأيًا ظاهرًا فالتحقيق أن المنفي السبقية الموجبة لتراخي النهار عن الليل وتخلل زمن آخر بينهما فيثبت التعاقب، وحينئذ يكون القول بسبق الليل مخالفًا لصدر الآية. فإن عدم الإدراك الدال على التأخر والتبعية وبين السبق بونًا بعيدًا ولو كان تابعًا متأخرًا لكان حريًّا أن يوصف بعدم الإدراك ولا يبلغ به عدم السبق فتقدم الليل على النهار مطابق لصدر الآية صريحًا ولعجزها بتأويل حسن اهـ.
стр. 3816
ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ينسلخ يخرج بلفظ المضارع فيهما ويخرج بالتحتية المفتوحة وضم الراء.
(ويجري) بضم أوله وكسر ثالثه (كل واحد منهما). أي من الليل والنهار في فلك، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: ويجري كل منهما بفتح أول يجري وكسر رائه وكل بالرفع منوّنًا.
(واهية): يشير إلى قوله تعالى: ﴿فهي يومئذ واهية﴾ [الحاقة: ١٦]. قال الفراء (وهيها) بسكون الهاء (تشققها). وقوله والملك على (أرجائها) أي (ما لم ينشق منها، فهي) أي الملائكة (على حافتيه) بالتثنية ولأبي ذر فهو أي الملك ولابن عساكر فهم جمع باعتبار الجنس وللكشميهني على حافتيها أي السماء وعن سعيد بن جبير على حافات الدنيا (كقولك: على أرجاء البئر) والأرجاء جمع رجا بالقصر، وقوله تعالى: (﴿اغطش﴾) [النازعات: ٢٩]. ليلها (﴿و﴾) قوله: (﴿فلما﴾ ﴿جنَّ﴾) [الأنعام: ٧٦] عليه الليل أي (أظلم)، فيهما ونقل تفسير الأول به عن قتادة فيما أخرجه عبد بن حميد والثاني عن أبي عبيدة.
(وقال الحسن) البصري فيما وصله ابن أبي حاتم في قوله تعالى: ﴿إذا الشمس﴾ (﴿كورت﴾) [التكوير: ١] (تكوّر) بفتح الواو المشددة (حتى يذهب ضؤوها) وأخرج الطبري عن ابن عباس ﴿كورت﴾ أي أظلمت. وعن مجاهد اضمحلت. والتكوير في الأصل الجمع وحينئذ فالمراد أنها تلف ويرمى بها فيذهب ضوءها قاله ابن كثير في تفسيره.
(﴿والليل وما وسق﴾) [الانشقاق: ١٧]. ولابن عساكر يقال: وسق أي (جمع من دابة) وزاد قتادة ونجم وقال عكرمة ما ساق من ظلمة. (اتسق) يريد قوله تعالى: ﴿والقمر إذا اتسق﴾ [الانشقاق: ١٨] أي (استوى) وقوله تعالى: ﴿جعل في السماء﴾ ﴿بروجًا﴾ [الفرقان: ٦١]. أي (منازل الشمس والقمر) وهي اثنا عشر، وقيل هي قصور في السماء للحرس، وقيل هي الكواكب العظام.
(﴿الحرور﴾) ولأبي ذر فالحرور بالفاء يريد قوله تعالى: ﴿ولا الظل ولا الحرور﴾ [فاطر: ٢١]. فسره بأنه يكون (بالنهار مع الشمس). قاله أبو عبيدة. (وقال ابن عباس الحرور): ولأبي ذر وابن عساكر وقال ابن عباس ورؤبة بضم الراء وسكون الهمزة وفتح الموحدة ابن العجاج: الحرور (بالليل، والسموم بالنهار) وتفسير رؤبة ذكره أبو عبيدة عنه في المجاز (يقال: يولج) أي (يكوّر) بالراء أي يلف النهار في الليل (وليجة)، يريد قوله تعالى: ﴿ولا المؤمنين وليجة﴾ [التوبة: ١٦]. وفسره بقوله (كل شيء أدخلته في شيء) هو قول أبي عبيدة وزاد بعد قوله في شيء ليس منه فهو وليجة والمعنى لا تتخذوا وليًّا ليس من المسلمين.
٣١٩٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: "قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَبِي ذَرٍّ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ: أتَدْرِي أَيْنَ
стр. 3817
تَذْهَبُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَسْتَأْذِنَ فَيُؤْذَنَ لَهَا، وَيُوشِكُ أَنْ تَسْجُدَ فَلَا يُقْبَلَ مِنْهَا، وَتَسْتَأْذِنَ فَلَا يُؤْذَنَ لَهَا، فيُقَالُ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا. فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨] ".
[الحديث ٣١٩٩ - أطرافه في: ٤٨٠٢، ٤٨٠٣، ٧٤٢٤، ٧٤٣٣].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) قال: (حدّثنا سفيان بن الأعمش) سليمان بن مهران (عن إبراهيم التيمي عن أبيه) يزيد من الزيادة ابن شريك بن طارق التيمي الكوفي (عن أبي ذر) جندب بن جنادة (﵁) أنه (قال: قال النبي ﷺ لأبي ذر حين غربت الشمس):
(تدري) بحذف همزة الاستفهام والغرض منه إعلامه بذلك، ولأبي ذر: أتدري (أين تذهب) زاد في التوحيد: هذه (قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش) منقادة لله تعالى انقياد الساجد من المكلفين أو تشبيهًا لها بالساجد عند غروبها.
قال ابن الجوزي: ربما أشكل هذا الحديث على بعض الناس من حيث إنّا نراها تغيب في الأرض، وفي القرآن العظيم أنها تغيب في عين حمئة أي ذات حمأة أي طين فأين هي من العرش؟ والجواب: أن الأرضين السبع في ضرب المثال كقطب رحى والعرش لعظم ذاته بمثابة الرحى فأينما سجدت الشمس سجدت تحت العرش وذلك مستقرها. وقال ابن العربي: أنكر قوم سجودها وهو صحيح ممكن لا يحيله العقل وتأوّله قوم على التسخير الدائم ولا مانع أن تخرج عن مجراها فتسجد ثم ترجع اهـ.
وتعقبه في الفتح: بأنه إن أراد بالخروج الوقوف فواضح وإلاّ فلا دليل على الخروج. قال ابن كثير: وقد حكى ابن حزم وابن المناوي وغير واحد من العلماء الإجماع على أن السماوات كرية مستديرة، واستدلّ لذلك بقوله: ﴿في فلك يسبحون﴾ [يس: ٤٠] قال الحسن، يدورون. وقال ابن عباس: في فلكة مثل فلكة المغزل، ولا تعارض بين هذا وبين الحديث وليس فيه أن الشمس تصعد إلى فوق السماوات حتى تسجد تحت العرش بل هي تغرب عن أعيننا وهي مستمرة في فلكها الذي هي فيه وهو الرابع فيما قاله غير واحد من علماء التسيير وليس في الشرع ما ينفيه، بل في الحس وهو الكسوفات ما يدل عليه ويقتضيه. فإذا ذهبت فيه حتى تتوسطه وهو وقت نصب الليل مثلاً في اعتدال الزمان فإنها تكون أبعد ما تكون تحت العرش لأنها تغيب من جهة وجه العالم، وهذا محل سجودها كما يناسبها كما أنها أقرب ما تكون من العرش وقت الزوال من جهتنا فإذا كانت في محل سجودها (فتستأذن) عطف على المنصوب السابق بحتى في الطلوع من المشرق على عادتها (فيؤذن لها)، فتبدو من جهة المشرق وهي مع ذلك كارهة لعصاة بني آدم أن تطلع عليهم وهو يدل على أنها تعقل كسجودها (ويوشك) بكسر المعجمة أي يقرب (أن تسجد فلا يقبل منها)، أي لا يؤذن لها أن تسجد (وتستأذن) في المسير إلى مطلعها (فلا يؤذن لها، يقال)
стр. 3818
ولأبي ذر عن الكشميهني فيقال (لها: ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك) أي قوله فإنها تذهب الخ … (قوله تعالى: ﴿والشمس تجري لمستقر لها﴾) [يس: ٣٨] لحد معين ينتهي إليه دورها فشبه بمستقر المسافر إذا قطع مسيره أو لكبد السماء فإن حركتها فيه يوجد فيها ابطاء يظن أن لها هناك وقفة. وقال ابن عباس: لا تبلغ مستقرها حتى ترجع إلى منازلها وقيل إلى انتهاء أمرها عند خراب العالم، وقيل لحدّ لها من مسيرها كل يوم في مرأى عيوننا وهو المغرب، وقيل منتهى أمرها لكل يوم من المشارق والمغارب فإن لها في دورها ثلاثمائة وستين مشرقًا ومغربًا تطلع كل يوم من مطلع وتغرب من مغرب ثم لا تعود إليهما إلى العام القابل (﴿ذلك﴾) الجري على هذا التقدير والحساب الدقيق الذي يكل الفطن عن إحصائه (﴿تقدير العزيز﴾) الغالب بقدرته على كل مقدور (﴿العليم﴾) [يس: ٣٨] المحيط علمه بكل معلوم، وظاهر هذا أنها تجري في كل يوم وليلة بنفسها كقوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿وكُل في فلك يسبحون﴾ [يس: ٤٠] أي يدورون وهو مغاير لقول أصحاب الهيئة أن الشمس مرصعة في الفلك إذ مقتضاه أن الذي يسير هو الفلك وهذا منهم على طريق الحدس والتخمين فلا عبرة به.
وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في التفسير والتوحيد ومسلم في الإيمان وأبو داود في الحروب والترمذي في الفتن والتفسير والنسائي في التفسير.
٣٢٠٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ الدَّانَاجُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ مُكَوَّرَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا عبد العزيز بن المختار) قال: (حدّثنا عبد الله) بن فيروز (الداناج) بدال مهملة وبعد الألف نون مخففة فألف فجيم معرب داناه ومعناه بالفارسية العالم وهو تابعي صغير بصري (قال: حدّثني) بالإفراد (أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬): أنه (قال):
(الشمس والقمر مكوّران) بتشديد الواو المفتوحة مطويان ذاهبا الضوء. وزاد البزار وابن أبي شيبة في مصنفه والإسماعيلي في مستخرجه في النار (يوم القيامة). لأنهما عبدا من دون الله وليس المراد من تكويرهما فيها تعذيبهما بذلك لكنه زيادة تبكيت لمن كان يعبدهما في الدنيا ليعلموا أن عبادتهم لهما كانت باطلة.
٣٢٠١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ كَانَ يُخْبِرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا».
стр. 3819
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن سليمان) بن يحيى أبو سعيد الجعفي الكوفي (قال: حدّثني) بالإفراد (ابن وهب) عبد الله المصري (قال: أخبرني) بالإفراد (عمرو) بفتح العين ابن الحرث المصري (أن عبد الرحمن بن القاسم حدّثه عن أبيه) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵃ (عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان يخبر عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(إن الشمس والقمر لا يخسفان) بفتح أوله على أنه لازم وسكون الخاء المعجمة وكسر السين المهملة ويجوز ضم أوله على أنه متعدّ أي لا يذهب الله نورهما (لموت أحد) من العظماء (ولا لحياته)، لم يقل أحد أن الكسوف لحياة أحد فذكر ذلك إنما هو تتميم للتقسيم أو لدفع توهم من يقول لا يلزم من نفي كونه سببًا للفقد أن لا يكون سببًا للإيجاد فعم ﵊ النفي لدفع هذا التوهم، وهذا القول صدر منه ﷺ لما مات ابنه إبراهيم وقال الناس: إنما كسفت لموته إبطالاً لما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من تأثيرهما (ولكنهما) أي خسوفهما (آيتان) ولأبي ذر آية بالإفراد (من آيات الله)، الدالة على وحدانيته وعظيم قدرته (فإذا رأيتموهما) بالتثنية أي كسوف كل واحد منهما على انفراده ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فإذا رأيتموه أي الكسوف (فصلّوا). أي صلاة الكسوف. وحكمة الكسوف أن الله تعالى لما أجرى في سابق علمه أن الكواكب تعبد من دونه وخاصة النيرين قضى عليهما بالخسوف والكسوف وجعلهما لها بمنزلة الحتوف وصير ذلك دلالة على أنهما مع إشراق نورهما وما يظهر من حسن آثارهما مأموران مقهوران في مصالح العباد مسيران، وفي يوم القيامة مكوّران، فعبدة الشمس زعمت أنها ملك من الملائكة له نفس وعقل ومنها نور الكواكب وضياء العالم وهي ملك الفلك، فلذا يستحق التعظيم والسجود. ومن سنتهم إذا نظروا إلى الشمس قد أشرقت سجدوا لها وقالوا: ما أحسنك من نور لا تقدر الأبصار أن تمتدّ بالنظر إليك فلك المجد والتسبيح وإياك نطلب وإليك نسعى لندرك السكنى بقربك إلى غير ذلك مما نقل عنهم من الخرافات. فسبحان من حجبهم عن رؤية الحقائق وحاد بهم عن متون الطرائق، فجهلوا أن صفات المخلوق تباين صفات الخالق، وأن العبادة لا يستحقها إلا من هو للحب والنوى فالق.
وأما مطابقة الحديث للترجمة فمن حيث إن الكسوف والخسوف العارضين لهما من صفاتهما وقد مرّ هذا الحديث في أبواب كسوف الشمس من كتاب الصلاة.
٣٢٠٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ».
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس) هو إسماعيل بن عبد الله بن عبد الله المدني وسقط ابن أبي أويس لأبي ذر قال: (حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن زيد بن أسلم) العدوي
стр. 3820
(عن عطاء بن يسار) بالسين المهملة المخففة (عن عبد الله بن عباس ﵄) أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬) يوم مات ابنه إبراهيم:
(إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله)، علامتان يخوّف بهما عباده (لا يخسفان) بالخاء المعجمة مع فتح أوله (لموت أحد ولا لحياته)، لأنهما خلقان مسخران ليس لهما سلطان في غيرهما ولا قدرة لهما على الدفع عن أنفسهما (فإذا رأيتم ذلك) الخسوف (فاذكروا الله). وفي حديث أبي بكرة عند المؤلّف في باب: الصلاة في كسوف الشمس فصلوا وادعوا حتى يكشف ما بكم.
٣٢٠٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ قَامَ فَكَبَّرَ وَقَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَقَامَ كَمَا هُوَ فَقَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً وَهْيَ أَدْنَى مِنَ الْقِرَاءَةِ الأُولَى، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً وَهْيَ أَدْنَى مِنَ الرَّكْعَةِ الأُولَى، ثُمَّ سَجَدَ سُجُودًا طَوِيلاً، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ سَلَّمَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ: إِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ".
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير بضم الموحدة وفتح الكاف مصغرًا قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد بن عقيل بفتح العين الأيلي بفتح الهمزة وسكون التحتية (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة) بن الزبير (أن عائشة ﵂ أخبرته أن رسول الله ﷺ يوم خسفت الشمس) بفتح الخاء المعجمة والسين والفاء (قام) في المسجد لا الصحراء لخوف الفوات بالانجلاء (فكبّر) تكبيرة الإحرام بعد أن صف الناس وراءه (وقرأ قراءة طويلة) نحوًا من سورة البقرة (ثم ركع ركوعًا طويلاً) مسبحًا فيه قدر مائة آية من البقرة (ثم رفع رأسه) من الركوع (فقال سمع الله لمن حمده وقام كما هو) لم يسجد (فقرأ قراءة طويلة) في قيامه (وهي أدنى من القراءة الأولى) نحوًا من سورة آل عمران (ثم ركع ركوعًا طويلاً وهي) أي هذه الركعة (أدنى من الركعة الأولى) مسبحًا فيه قدر ثمانين آية. وفي الفرع تضبيب على قوله وهي وبأعلاه رقم أبي ذر وابن عساكر مصححًا عليهما، (ثم سجد سجودًا طويلاً) مسبحًا فيه قدر مائة آية (ثم فعل في الركعة الآخرة) بمد الهمزة من غير ياء بعد الخاء (مثل ذلك) الذي فعله في الركعة الأولى، لكن القراءة في أولها كالنساء وفي ثانيها المائدة (ثم سلم. وقد تجلت الشمس) بمثناة فوقية وفتح الجيم وتشديد اللام أي صفت. (فخطب الناس فقال) في الخطبة (في كسوف الشمس والقمر):
(إنهما آيتان من آيات الله لا يخسفان) بفتح أوله وكسر ثالثه (لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما) بالتثنية أي كسوف الشمس والقمر، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: رأيتموها بالإفراد
следующие страницы →