← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21716

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط العلمية

القسطلاني

Полный текст (8 298 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.

стр. 4901

(لأبعثن إليكم رجلاً أمينًا حق أمين) فيه توكيد والإضافة فيه نحو أن زيد العالم حق عالم أي عالم حقًا (فاستشرف له الناس) وللأربعة: لها أي للإمارة ورغبوا فيها حرصًا على نيل الصفة المذكورة وهي الأمانة (فبعث أبا عبيدة بن الجراح) إليهم. ٤٣٨٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ، وَأَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ، أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ». وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن خالد) الحذاء البصري (عن أبي قلابة) بكسر القاف وتخفيف اللام عبد الله بن زيد الجرمي (عن أنس) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (لكل أمة أمين) ثقة رضي (وأمين هذه الأمة) المحمدية (أبو عبيدة بن الجراح). وأشار المؤلّف بسياق هذا الحديث هنا إلى أن سبب قوله ﵊ ذلك في أبي عبيدة الحديث السابق. وقد مرّ هذا الحديث في المناقب. ٧٣ - باب قِصَّةُ عُمَانَ وَالْبَحْرَيْنِ (قصة عمان) بضم العين وتخفيف الميم باليمن سميت بعمان بن سبأ (والبحرين) بلد عبد القيس. ٤٣٨٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ سَمِعَ ابْنُ الْمُنْكَدِرِ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ يَقُولُ: قَالَ: لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ قَدْ جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ لَقَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا، وَهَكَذَا ثَلَاثًا». فَلَمْ يَقْدَمْ مَالُ الْبَحْرَيْنِ حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ دَيْنٌ أَوْ عِدَةٌ فَلْيَأْتِنِي قَالَ جَابِرٌ: فَجِئْتُ أَبَا بَكْرٍ فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَوْ قَدْ جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا ثَلَاثًا» قَالَ: فَأَعْطَانِي قَالَ جَابِرٌ: فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ فَسَأَلْتُهُ، فَلَمْ يُعْطِنِي ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَلَمْ يُعْطِنِي ثُمَّ أَتَيْتُهُ الثَّالِثَةَ، فَلَمْ يُعْطِنِي فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ أَتَيْتُكَ فَلَمْ تُعْطِنِي، ثُمَّ أَتَيْتُكَ فَلَمْ تُعْطِنِي، ثُمَّ أَتَيْتُكَ فَلَمْ تُعْطِنِي، فَإِمَّا أَنْ تُعْطِيَنِي وَإِمَّا أَنْ تَبْخَلَ عَنِّي، فَقَالَ: أَقُلْتَ تَبْخَلُ عَنِّي وَأَىُّ دَاءٍ أَدْوَأُ مِنَ الْبُخْلِ قَالَهَا ثَلَاثًا، مَا مَنَعْتُكَ مِنْ مَرَّةٍ إِلاَّ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُعْطِيَكَ. وَعَنْ عَمْرٍو عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: جِئْتُهُ فَقَالَ لِي أَبُو بَكْرٍ عُدَّهَا فَعَدَدْتُهَا فَوَجَدْتُهَا خَمْسَمِائَةٍ فَقَالَ: خُذْ مِثْلَهَا مَرَّتَيْنِ. وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (سمع ابن المنكدر) محمد (جابر بن عبد الله ﵄) بنصب جابر على المفعولية ورفع ابن المنكدر على الفاعلية (يقول: قال لي رسول الله ﷺ ¬):

стр. 4902

(لو جاء مال البحرين لقد أعطيتك هكذا وهكذا ثلاثًا فلم يقدم مال البحرين حتى قبض رسول الله ﷺ ، فلما قدم) مال البحرين من عند العلاء بن الحضرمي (على أبي بكر أمر مناديًا) قيل هو بلال (فنادى: من كان له عند النبي ﷺ دين) كقرض (أو عدة) بكسر العين وتخفيف الدال وعده بها (فليأتني) أوفه (قال جابر: فجئت أبا بكر فأخبرته أن النبي ﷺ قال: لو قد جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا ثلاثًا فقال: فأعطاني. قال جابر: فلقيت أبا بكر بعد ذلك) وفي الخمس في باب ومن الدليل على أن الخمس لنوائب رسول الله ﷺ من طريق علي عن سفيان بن عيينة فأتيته يعني أبا بكر فقلت: إن رسول الله ﷺ قال لي كذا وكذا فحثا لي ثلاثًا، وجعل سفيان يحثو بكفيه جميعًا ثم قال لنا أي سفيان: هكذا قال لنا ابن المنكدر، وقال مرة: فأتيت أبا بكر (فسألته فلم يعطني، ثم أتيته) فسألته (فلم يعطني، ثم أتيته الثالثة فلم يعطني فقلت له: قد أتيتك) وسألتك (فلم تعطني، ثم أتيتك فلم تعطني، ثم أتيتك فلم تعطني فإما أن تعطيني وإما أن تبخل عني) أي من جهتي (فقال) أبو بكر ﵁ يخاطب جابرًا (أقلت) بهمزة الاستفهام الإنكاري (تبخل عني وأي داء أدوأ) بالهمزة في الفرع كأصله (من البخل؟ قالها) أبو بكر (ثلاثًا) لكن في الخمس قال: يعني ابن المنكدر: وأي داء أدوأ من البخل؟ نعم في الحديث في مسند الحميدي. وقال ابن المنكدر في حديثه، قال في الفتح: فظهر بذلك اتصاله إلى أبي بكر (ما منعتك) من العطاء (من مرة إلا وأنا أريد أن أعطيك). (وعن عمرو) هو ابن دينار بالسند السابق مما وصله المؤلّف في باب من تكفل عن ميت دينًا بلفظ: حدّثنا عليّ بن عبد الله، حدّثنا سفيان، حدّثنا عمرو (عن محمد بن علي) قال الحافظ ابن حجر: هو المعروف بالباقر بن زين العابدين بن علي بن الحسين بن علي، ووهم من زعم أن محمد بن علي هو ابن الحنفية أنه قال: (سمعت جابر بن عبد الله) الأنصاري ﵄ (يقول: جئته) يعني أبا بكر ﵁ فقلت له: إن رسول الله ﷺ قال لي كذا وكذا فحثا لي حثية. (فقال لي أبو بكر: عدّها) أي الحثية (فعددتها فوجدتها خمسمائة. فقال: خذ مثلها مرتين). وهذا الحديث قد سبق في باب الكفالة. ٧٤ - باب قُدُومُ الأَشْعَرِيِّينَ وَأَهْلِ الْيَمَنِ وَقَالَ أَبُو مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «هُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ». (باب قدوم الأشعريين) سنة سبع عند فتح خيبر مع أبي موسى (و) بعض (أهل اليمن) وهم رفد حمير سنة الوفود سنة تسع، وليس المراد اجتماعهما في الوفادة، وسقط لفظ باب لأبي ذر فالتالي رفع (وقال أبو موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (عن النبي ﷺ : هم) أي الأشعريون (مني وأنا منهم) هي من الاتصالية ومعنى ذلك المبالغة في اتحاد طريقهما واتفاقهما على طاعة الله تعالى.

стр. 4903

والحديث موصول عند المؤلّف في الشركة. ٤٣٨٤ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَدِمْتُ أَنَا وَأَخِي مِنَ الْيَمَنِ فَمَكَثْنَا حِينًا مَا نُرَى ابْنَ مَسْعُودٍ وَأُمَّهُ إِلاَّ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ مِنْ كَثْرَةِ دُخُولِهِمْ وَلُزُومِهِمْ لَهُ. وبه قال: (حدثني) بالإفراد (عبد الله بن محمد) المسندي (وإسحاق بن نصر) أبو إبراهيم السعدي (قالا: حدّثنا يحيى بن آدم) بن سليمان الكوفي قال: (حدّثنا يحيى بن آدم) بن سليمان الكوفي قال: (حدّثنا ابن أبي زائدة) هو يحيى بن زكريا بن أبي زائدة واسمه ميمون أو خالد الهمداني الكوفي (عن أبيه) زكريا الأعمى الكوفي (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي (عن الأسود بن يزيد) النخعي الكوفي (عن أبي موسى) الأشعري ﵁ أنه (قال: قدمت أنا وأخي) أبو رهم أو أبو بردة (من اليمن) على النبي ﷺ عند فتح خيبر صحبة جعفر بن أبي طالب (فمكثنا حينًا) حال كوننا (ما نرى) بضم النون أي ما نظن (ابن مسعود) عبد الله (وأمه) أم عبد الهذلية (إلا من أهل البيت) النبوي (من كثرة دخولهم) على النبي ﷺ (ولزومهم له). وقد سبق في مناقب ابن مسعود. ٤٣٨٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ زَهْدَمٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ أَبُو مُوسَى أَكْرَمَ هَذَا الْحَيَّ مِنْ جَرْمٍ وَإِنَّا لَجُلُوسٌ عِنْدَهُ، وَهْوَ يَتَغَدَّى دَجَاجًا وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ جَالِسٌ فَدَعَاهُ إِلَى الْغَدَاءِ، فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا فَقَذِرْتُهُ، فَقَالَ: هَلُمَّ فَإِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَأْكُلُهُ فَقَالَ: إِنِّي حَلَفْتُ لَا آكُلُهُ، فَقَالَ: هَلُمَّ أُخْبِرْكَ عَنْ يَمِينِكَ، إِنَّا أَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ نَفَرٌ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ فَاسْتَحْمَلْنَاهُ فَأَبَى أَنْ يَحْمِلَنَا فَاسْتَحْمَلْنَاهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا ثُمَّ لَمْ يَلْبَثِ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أُتِيَ بِنَهْبِ إِبِلٍ فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْدٍ فَلَمَّا قَبَضْنَاهَا قُلْنَا تَغَفَّلْنَا النَّبِيَّ ﷺ يَمِينَهُ لَا نُفْلِحُ بَعْدَهَا أَبَدًا فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ حَلَفْتَ أَنْ لَا تَحْمِلَنَا وَقَدْ حَمَلْتَنَا قَالَ: «أَجَلْ وَلَكِنْ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلاَّ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا». وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا عبد السلام) بن حرب بن سلمة النهدي بالنون الملاي بضم الميم وتخفيف اللام الثقة الحافظ له مناكير (عن أيوب) السختياني (عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد الجرمي (عن زهدم) بفتح الزاي وسكون الهاء بوزن جعفر بن مضرب بالضاد المعجمة وكسر الراء الجرمي بفتح الجيم كالسابق أبي مسلم البصري أنه (قال: لما قدم أبو موسى) قال ابن حجر: أي إلى الكوفة أميرًا عليها في زمن عثمان، ووهم من قال: أراد اليمن لأن زهدمًا لم يكن من أهل اليمن انتهى. والظاهر أنه أراد بالواهم الكرماني ومن تبعه (أكرم هذا

стр. 4904

الحي من جرم) بفتح الجيم وسكون الراء قبيلة مشهورة ينسبون إلى جرم بن ربان براء مفتوحة فموحدة مشددة ابن ثعلبة بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة (وإنا لجلوس عنده وهو يتغدى) بالغين المعجمة والدال المهملة (دجاجًا وفي القوم رجل جالس) لم يسم نعم في رواية عبد الله بن عبد الوهاب عن حماد عن أيوب في الخمس أنه من بني تيم الله أحمر كأنه من الموالي (فدعاه) أبو موسى (إلى الغداء) معه (فقال) الرجل: (إني رأيته) أي الدجاج (يأكل شيئًا) من النجاسة (فقذرته) بفتح القاف وكسر الذال المعجمة أي كرهته واستقذرته (فقال) له أبو موسى: (هلم) أي تعال (فإني رأيت النبي ﷺ يأكله. فقال) الرجل (إني حلفت لا آكله) كذا في اليونينية وفي الفرع وغيره أن لا آكله (فقال) له أبو موسى (هلم أخبرك) بالجزم (عن يمينك) الذي حلفته (إنّا أتينا النبي ﷺ نفر من الأشعريين) ما بين الثلاثة إلى العشرة من الرجال (فاستحملناه) طلبنا منه أن يحملنا وأثقالنا على إبل في غزوة تبوك (فأبى أن يحملنا فاستحملناه فحلف أن لا يحملنا، ثم لم يلبث النبي ﷺ أن أُتي) بضم الهمزة (بنهب إبل) من غنيمة (فأمر لنا بخمس ذود) بالإضافة وفتح الذال المعجمة ما بين الثنتين إلى التسعة من الإبل (فلما قبضناها قلنا: تغفلنا) بالغين المعجمة وتشديد الفاء وسكون اللام (النبي ﷺ يمينه لا نفلح بعدها فأتيته فقلت: يا رسول الله إنك حلفت أن لا تحملنا) بفتح اللام (وقد حملتنا. قال): (أجل) أي نعم حلفت وحملتكم، وزاد في رواية عبد الله بن عبد الوهاب المذكورة: أفنسيت (ولكن لا أحلف على يمين) أي محلوف يمين، ولمسلم أمر بدل يمين (فأرى) بفتح الهمزة (غيرها خيرًا منها) أي من الخصلة المحلوف عليها (إلا أتيت الذي هو خير منها) زاد في الرواية المذكورة وتحللتها. والمطابقة بين الترجمة والحديث ظاهرة. ٤٣٨٦ - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَخْرَةَ جَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ مُحْرِزٍ الْمَازِنِيُّ قال: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ قَالَ: جَاءَتْ بَنُو تَمِيمٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «أَبْشِرُوا يَا بَنِي تَمِيمٍ» فَقَالُوا: أَمَّا إِذْ بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا، فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَاءَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اقْبَلُوا الْبُشْرَى إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ» قَالُوا: قَدْ قَبِلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. وبه قال: (حدثني) بالإفراد (عمرو بن علي) بفتح العين وسكون الميم ابن بحر أبو حفص الباهلي البصري الصيرفي قال: (حدّثنا أبو عاصم) النبيل الضحاك بن مخلد قال: (حدّثنا سفيان) الثوري قال: (حدّثنا أبو صخرة جامع بن شداد) بالمعجمة وتشديد الدال المهملة الأولى المحاربي (قال: حدّثنا صفوان بن محرز) بضم الميم وسكون الحاء المهملة وكسر الراء بعدها زاي (المازني قال: حدّثنا عمران بن حصين قال: جاءت بنو تميم إلى رسول الله ﷺ فقال):

стр. 4905

(أبشروا) بهمزة قطع بالجنة (يا بني تميم فقالوا: أما إذ بشرتنا فأعطنا) من المال (فتغير وجه رسول الله ﷺ فجاء ناس من أهل اليمن) وهم الأشعريون (فقال النبي ﷺ ¬) لهم: (أقبلوا البشرى) يا أهل اليمن (إذ لم يقبلها بنو تميم قالوا: قد قبلنا) ها (يا رسول الله). كذا أورد هذا الحديث هنا مختصرًا. وسبق تامًّا في بدء الخلق ومراده منه هنا قوله: فجاءنا ناس من أهل اليمن. قال في الفتح: واستشكل بأن قدوم وفد بني تميم كان سنة تسع وقدوم الأشعريين كان قبل ذلك عقب فتح خيبر سنة سبع. وأجيب: باحتمال أن يكون طائفة من الأشعريين قدموا بعد ذلك. ٤٣٨٧ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الإِيمَانُ هَا هُنَا -وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْيَمَنِ- وَالْجَفَاءُ وَغِلَظُ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِبِلِ مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ، رَبِيعَةَ، وَمُضَرَ». وبه قال: (حدثني) بالإفراد (عبد الله بن محمد) المسند (الجعفي) قال: (حدّثنا وهب بن جرير) بفتح الجيم ابن حازم قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن إسماعيل بن أبي خالد) الأحمسي مولاهم البجلي (عن قيس بن أبي حازم) البجلي (عن أبي مسعود) عقبة بن عمرو البدري الأنصاري ﵁ (أن النبي ﷺ قال): (الإيمان هاهنا وأشار) بالواو ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فأشار (بيده إلى) جهة (اليمن) أي أهلها لا من ينسب إليها، ولو كان من غير أهلها، وفيه ردّ على من زعم أن المراد بقوله: الإيمان يمان الأنصار لأنهم يمانيو الأصل، لأن في إشارته إلى اليمن ما يدل على أن المراد به أهلها حينئذٍ لا الذين كان أصلهم منها، وسبب الثناء عليهم بذلك إسراعهم إلى الإيمان وحسن قبولهم له: ولا يلزم من ذلك نفيه عن غيرهم كما لا يخفى (والجفاء) بفتح الجيم والفاء ممدود التباعد وعدم الرقة والرحمة (وغلظ القلوب) بكسر الغين المعجمة وفتح اللام بعدها معجمة (في الفدادين) بالفاء والدالين المهملتين الأولى مشددة جمع فدّاد وهو الشديد الصوت (عند أول أذناب الإبل) عند سوقهم لها ذمهم لاشتغالهم بمعالجة ذلك عن أمور دينهم وذلك مقتض لقساوة القلب على ما لا يخفى (من حيث يطلع قرنا الشيطان) اللعين بالتثنية جانبا رأسه لأنه ينتصب في محاذاة مطلع الشمس، فإذا طلعت كانت بين قرنيه (ربيعة ومضر) بالجر بدلاً من الفدّادين غير منصرفين، هما قبيلتان مشهورتان. ومرّ الحديث بأواخر بدء الخلق في باب خير مال المسلم غنم. ٤٣٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ

стр. 4906

أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً وَأَلْيَنُ قُلُوبًا، الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَصْحَابِ الإِبِلِ، وَالسَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ». وَقَالَ غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ سَمِعْتُ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بندار العبدي قال: (حدّثنا ابن أبي عدي) محمد واسم أبي عدي إبراهيم (عن شعبة) بن الحجاج (عن سليمان) الأعمش (عن ذكوان) أبي صالح السمان (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال) يخاطب أصحابه وفيهم الأنصار: (أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبًا). قال الخطابي: وصف الأفئدة بالرقة، والقلوب باللين، لأن الفؤاد غشاء القلب، فإذا رق نفذ القول منه وخلص إلى ما وراءه، وإذا غلظ بعد وصوله إلى داخل فإذا صادف القلب لينًا علق به وتجمع فيه. وقال القاضي البيضاوي: الرقة ضدّ الغلظ، والصفاقة واللين مقابل القسوة فاستعيرت في أحوال القلب، فإذا نبا عن الحق وأعرض عن قبوله ولم يتأثر بالآيات والنذر يوصف بالغلظ، فكأن شغافه صفيق لا ينفذ فيه الحق وجرمه صلب لا يؤثر فيه الوعظ، وإذا كان بعكس ذلك يوصف بالرقة واللين، فكأن حجابه رقيق لا يأبى نفوذ الحق وجوهره لين يتأثر بالنصح، وللطيبي فيه قول آخر يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى، ولما وصفهم بذلك أتبعه بما هو كالنتيجة والغاية فقال ﵊: (الإيمان يمان) مبتدأ وخبر وأصله يمني بياء النسبة فحذفت الياء تخفيًا وعوّض عنها الألف أي الإيمان منسوب إلى أهل اليمن، لأن صفاء القلب ورقته ولين جوهره يؤدّي به إلى عرفان الحق والتصديق به وهو الإيمان والانقياد (والحكمة يمانية) بتخفيف الياء فقلوبهم معادن الإيمان وينابيع الحكمة (والفخر) كالإعجاب بالنفس (والخيلاء) الكبر واحتقار الغير (في أصحاب الإبل والسكينة) المسكنة (والوقار) الخضوع (في أهل الغنم). قال البيضاوي في تخصيص الخيلاء بالصحابي الإبل، والوقار بأهل الغنم ما يدل على أن مخالطة الحيوان ربما تؤثر في النفس وتعدي إليها هيئات وأخلاقًا تناسب طباعها وتلائم أحوالها. (وقال غندر) محمد بن جعفر فيما وصله أحمد (عن شعبة) بن الحجاج (عن سليمان) الأعمش أنه قال: (سمعت ذكوان) الزيات (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) فذكر الحديث السابق وأعاده لتصريح الأعمش بسماعه من ذكوان. ٤٣٨٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْفِتْنَةُ هَا هُنَا هَا هُنَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ».

стр. 4907

وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدثني) بالإفراد (أخي) أبو بكر عبد الحميد (عن سليمان) بن بلال (عن ثور بن زيد) المدني لا الشامي (عن أبي الغيث) بالمعجمة المفتوحة والمثلثة بينهما ياء ساكنة سالم مولى عبد الله بن مطيع (عن أبي هريرة) ﵁ (أن النبي ﷺ قال): (الإيمان يمان والفتنة هاهنا) يعني نحو المشرق (هاهنا يطلع قرن الشيطان) بالإفراد ومرّ ما فيه قريبًا. ٤٣٩٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ أَضْعَفُ قُلُوبًا، وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً، الْفِقْهُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ». وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة قال: (حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال) لأصحابه: (أتاكم أهل اليمن أضعف قلوبًا وأرق أفئدة) قال في شرح المشكاة: يمكن أن يراد بالفؤاد والقلب ما عليه أهل اللغة من كونهما مترادفين فكرّر ليناط به معنى غير المعنى السابق، فإن الرقة مقابلة للغلظ واللين مقابل للشدة والقسوة، فوصف أوّلاً بالرقة ليشير إلى التخلق مع الناس وحسن العشرة مع الأهل والإخوان. قال تعالى: ﴿ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضّوا من حولك﴾ [آل عمران: ١٥٩] وثانيًا باللين ليؤذن بأن الآيات النازلة والدلائل المنصوبة ناجعة فيها وصاحبها مقيم على التعظيم لأمر الله. (الفقه) وهو إدراك الأحكام الشرعية العملية بالاستدلال على أعيانها (يمان والحكمة يمانية) ولأبوي ذر والوقت يمان بلا هاء التأنيث. قال في الفتح: الأظهر أن المراد من ينسب له بالسكنى بل هو المشاهد في كل عصر من أحوال سكان جهة اليمن إذ غالبهم رقاق القلوب والأبدان، وغالب من يوجد من جهة الشمال غلاظ القلوب والأبدان. وعند البزار من حديث ابن عباس بينا رسول الله ﷺ بالمدينة إذ قال: "الله أكبر ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ [النصر: ١] وجاء أهل اليمن نقية قلوبهم حسنة طاعتهم الإيمان يمان والفقه يمان والحكمة يمانية". وعن جبير بن مطعم عنه ﷺ قال: "يطلع عليكم أهل اليمن كأنهم السحاب هم خير أهل الأرض" رواه أحمد والبزار وأبو يعلى. ٤٣٩١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ فَجَاءَ خَبَّابٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَيَسْتَطِيعُ هَؤُلَاءِ الشَّبَابُ أَنْ يَقْرَءُوا كَمَا تَقْرَأُ؟ قَالَ: أَمَا إِنَّكَ لَوْ شِئْتَ أَمَرْتُ بَعْضَهُمْ يَقْرَأُ عَلَيْكَ؟ قَالَ: أَجَلْ. قَالَ: اقْرَأْ يَا عَلْقَمَةُ

стр. 4908

فَقَالَ زَيْدُ بْنُ حُدَيْرٍ أَخُو زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ: أَتَأْمُرُ عَلْقَمَةَ أَنْ يَقْرَأَ وَلَيْسَ بِأَقْرَئِنَا؟ قَالَ: أَمَا إِنَّكَ إِنْ شِئْتَ أَخْبَرْتُكَ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فِي قَوْمِكَ وَقَوْمِهِ فَقَرَأْتُ خَمْسِينَ آيَةً مِنْ سُورَةِ مَرْيَمَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كَيْفَ تَرَى؟ قَالَ: قَدْ أَحْسَنَ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ مَا أَقْرَأُ شَيْئًا إِلاَّ وَهُوَ يَقْرَؤُهُ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى خَبَّابٍ وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ: أَلَمْ يَأْنِ لِهَذَا الْخَاتَمِ أَنْ يُلْقَى؟ قَالَ: أَمَا إِنَّكَ لَنْ تَرَاهُ عَلَىَّ بَعْدَ الْيَوْمِ فَأَلْقَاهُ، رَوَاهُ غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو عبد الله بن عثمان بن جبلة العابد المروزي البصري الأصل (عن أبي حمزة) بالزاي محمد بن ميمون السكري (عن الأعمش) سليمان (عن إبراهيم) النخعي (عن علقمة) بن قيس أنه (قال: كنا جلوسًا مع ابن مسعود فجاء خبّاب) بفتح الخاء المعجمة والموحدة المشددة وبعد الألف موحدة أخرى ابن الأرثّ الصحابي ﵁ (فقال): لابن مسعود مستفهمًا منه (يا أبا عبد الرحمن أيستطيع هؤلاء الشباب أن يقرؤوا كما تقرأ)؟ أنت (قال: أما) بالتخفيف (إنك لو) ولأبي ذر: إن (شئت أمرت) بتاء الخطاب أو التكلم (بعضهم يقرأ عليك) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: فيقرأ بزيادة فاء قبل الياء، وله عن الكشميهني: فقرأ بصيغة الماضي (قال: أجل) أي نعم (قال) ابن مسعود: (اقرأ يا علقمة. فقال زيد بن حدير) بالحاء المضمومة والدال المفتوحة المهملتين مصغرًا (أخو زياد بن حدير) الأسدي التابعي الكبير له رواية في سنن أبي داود (أتأمر علقمة أن يقرأ وليس بأقرئنا؟ قال) ابن مسعود (أما) بالتخفيف (إنك إن شئت أخبرتك بما قال النبي ﷺ في قومك) بني أسد من الذم حيث قال ﵊ فيما سبق في المناقب: إن جهينة وغيرها خير من بني أسد وغطفان (وقومه) النخع من الثناء فيما رواه أحمد والبزار بإسناد حسن عن ابن مسعود قال: شهدت رسول الله ﷺ في يدعو لهذا الحي من النخع ويثني عليهم حتى تمنيت أني رجل منهم. قال علقمة: (فقرأت خمسين أية من سورة مريم، فقال عبد الله) بن مسعود لخباب (كيف ترى؟ قال) خباب (قد أحسن) ولأحمد فقال خباب لعلقمة: أحسنت (قال عبد الله) بن مسعود (ما أقرأ شيئًا إلا هو) أي علقمة (يقرؤه، ثم التفت) عبد الله بن مسعود (إلى خباب وعليه خاتم من ذهب فقال) له: (ألم يأن لها الخاتم أن يلقى) بضم أوله وفتح ثالثه أي يرمى به (قال) خباب: (أما) بالتخفيف (إنك لمن تراه عليّ بعد اليوم فألقاه. رواه غندر) محمد بن جعفر فيما وصله أبو نعيم في مستخرجه (عن شعبة) بن الحجاج أي عن الأعمش بالإسناد السابق، والظاهر أن خبابًا كان يعتقد أن النهي عن خاتم الذهب للتنزيه، فنبهه ابن مسعود على أنه للتحريم. ٧٥ - باب قِصَّةُ دَوْسٍ وَالطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الدَّوْسِيِّ (قصة دوس) بفتح الدال وسكون الواو وبالسين المهملة، (والطفيل بن عمرو) بضم الطاء وفتح الفاء وعمرو بفتح العين (الدوسي) بفتح الدال.

стр. 4909

٤٣٩٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ دَوْسًا قَدْ هَلَكَتْ عَصَتْ، وَأَبَتْ فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْئتِ بِهِمْ». وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن ابن ذكوان) عبد الله أبي عبد الرحمن الإمام المدني المعروف بأبي الزناد (عن عبد الرحمن) بن هرمز (الأعرج عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: جاء الطفيل بن عمرو) الدوسي وكان يقال له ذو النون لأنه كما ذكر هشام بن الكلبي لما أتى النبي ﷺ بعثه إلى قومه فقال: اجعل لي آية. فقال: "اللهم نوّر له" فسطع نور بين عينيه فقال: يا رب إني أخاف أن يقولوا إنه مثلة فتحول إلى طرف سوطه فكان يضيء في الليلة المظلمة (إلى النبي ﷺ فقال) يا رسول الله: (إن دوسًا) القبيلة (قد هلكت عصت وأبت فادع الله عليهم، فقال) ﵊: (اللهم اهدِ دوسًا) للإسلام (وائت بهم) فرجع الطفيل إلى قومه فدعاهم إلى الله، ثم قدم بعد ذلك على رسول الله ﷺ بخيبر، فنزل المدينة بسبعين أو ثمانين بيتًا من دوس قد أسلموا. ٤٣٩٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قُلْتُ فِي الطَّرِيقِ: يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا … عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الْكُفْرِ نَجَّتِ وَأَبَقَ غُلَامٌ لِي فِي الطَّرِيقِ فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَبَايَعْتُهُ فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ إِذْ طَلَعَ الْغُلَامُ فَقَالَ لِي النَّبِيُّ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ هَذَا غُلَامُكَ»؟ فَقُلْتُ: هُوَ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَعْتَقْتُهُ. وبه قال: (حدثني) بالإفراد (محمد بن العلاء) بن كريب أبو كريب الهمداني الكوفي قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي خالد (عن قيس) هو ابن أبي حازم (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: لما قدمت) أي لما أردت القدوم (على النبي ﷺ ¬) أريد الإسلام عام خيبر سنة سبع (قلت في الطريق): (يا ليلة) كذا في جميع الروايات، وقول الكرماني أنه لا بّد من إثبات فاء أو واو في أوله ليصير موزونًا، وتعقب بأن هذا في العروض يسمى الخرم بالخاء المعجمة المفتوحة والراء الساكنة، وهو أن يحذف من أول الجزء حرف من حروف المعاني وما جاز حذفه لا يقال لا بدّ من إثباته قاله في الفتح (من طولها وعنائها) بفتح العين والنون والمدّ تعبها (على أنها من دارة الكفر نجت) والدارة أخص من الدار وقد أكثر استعمالها في أشعار العرب كقول امرئ القيس: ولا سيما يوم بدارة جلجل

стр. 4910

قال أبو هريرة (وأبق غلام لي في الطريق) قال في الفتح: لم أقف على اسمه، وفي رواية محمد بن عبد الله بن نمير عن محمد بن بشر عن إسماعيل بن أبي خالد في العتق: ومعه غلام ضلّ كل واحد منهما عن صاحبه أي: تاه فذهب كل واحد إلى ناحية (فلما قدمت على النبي ﷺ فبايعته) على الإسلام (فبينا) بغير ميم (أنا عنده إذ طلع الغلام فقال لي النبي ﷺ ¬): (يا أبا هريرة هذا غلامك) لعله علمه بإخبار الملك له أو بوصف أبي هريرة له والحمل على الأول أولى. قال أبو هريرة: (فقلت) ولأبي ذر فقال أي أبو هريرة (هو لوجه الله فأعتقته) أي بهذا اللفظ، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: فأعتقه بلفظ الماضي بفتح القاف بغير تاء بعدها. ٧٦ - باب قِصَّةِ وَفْدِ طَيِّئٍ وَحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ (باب قصة وفد طيئ) بفتح الطاء المهملة وتشديد التحتية المكسورة بعدها همزة ابن أدد بن زيد بن يشجب. قيل: وسمي طيئًا لأنه أول من طوى بئرًا أو طوى المناهل وكان اسمه جلهمة (وحديث عدي بن حاتم) أي ابن عبد الله بن سعد بن الحشرج بمهملة ثم معجمة ثم راء ثم جيم بوزن جعفر، ابن امرئ القيس بن عدي الطائي، وسقط لفظ باب ولفظ قصة لأبي ذر. ٤٣٩٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: أَتَيْنَا عُمَرَ فِي وَفْدٍ فَجَعَلَ يَدْعُو رَجُلاً رَجُلاً وَيُسَمِّيهِمْ فَقُلْتُ: أَمَا تَعْرِفُنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: بَلَى، أَسْلَمْتَ إِذْ كَفَرُوا وَأَقْبَلْتَ إِذْ أَدْبَرُوا، وَوَفَيْتَ إِذْ غَدَرُوا، وَعَرَفْتَ إِذْ أَنْكَرُوا، فَقَالَ عَدِيٌّ: فَلَا أُبَالِي إِذًا. وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري قال: (حدّثنا عبد الملك) بن عمير (عن عمرو بن حريث) بفتح العين في الأول وضم الحاء المهملة آخره مثلثة في الثاني المخزومي الصحابي الصغير (عن عدي بن حاتم) بالحاء المهملة ابن عبد الله الطائي وأبوه حاتم الموصوف بالجود أنه (قال: أتينا عمر) بن الخطاب في خلافته (في وفد) بفتح الواو وسكون الفاء بعدها دال مهملة من طيئ (فجعل يدعو رجلاً رجلاً) من طيئ (ويسميهم) بأسمائهم قبل أن يدعوه بل قدمهم عليه، وفي رواية أحمد: أتيت عمر في أناس من قومي فجعل يعرض عني فاستقبلته (فقلت: أما) بتخفيف الميم (تعرفني يا أمير المؤمنين؟ قال: بلى) أعرفك (أسلمت) يا عدي (إذ كفروا، وأقبلت إذ) أي حين (أدبروا، ووفيت) بالتخفيف العهد بالإسلام والصدقة بعد النبي ﷺ (إذ) أي حين (غدروا، وعرفت) الحق (إذ) أي حين (أنكروا. فقال عدي: فلا أبال إذًا) أي إذا كنت تعرف قدري فلا أبالي إذا قدمت عليّ غيري. وقد كان عدي نصرانيًّا وكان سبب إسلامه كما ذكره ابن إسحاق أن خيل النبي ﷺ أصابت أخت عدي، وأن النبي ﷺ منّ عليها فأطلقها بعد أن استعطفته فقالت له: هلك الوالد وغاب الوافد فامنن عليّ منّ الله عليك. قال: ومن وافدك؟ قالت: عدي بن حاتم، قال: الفارّ من الله

стр. 4911

ورسوله؟ قال: فلما قدمت على عديّ أشارت عليه بالقدوم على رسول الله ﷺ فقدم وأسلم. وفي الترمذي: أنه لما قدم قالوا: هذا عدي بن حاتم، وكان النبي ﷺ قال قبل ذلك: "إني لأرجو الله أن يجعل يده في يدي". ٧٧ - باب حَجَّةُ الْوَدَاعِ (باب حجة الوداع) سميت بذلك لأنه ودع الناس فيها وبعدها، وسميت أيضًا بحجة الإسلام لأنه لم يحج من المدينة بعد فرض الحج غيرها، وحجة البلاغ لأنه بلّغ الناس فيها الشرع في الحج قولاً وفعلاً، وحجة التمام والكمال. وسقط لفظ باب لأبي ذر. ٤٣٩٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ قَالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ هَدْيٌ فَلْيُهْلِلْ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا» فَقَدِمْتُ مَعَهُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَشَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ وَدَعِي الْعُمْرَةَ» فَفَعَلْتُ فَلَمَّا قَضَيْنَا الْحَجَّ أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ إِلَى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرْتُ فَقَالَ: «هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ» قَالَتْ: فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ حَلُّوا ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا. وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن عبد الله) الأويسي قال: (حدّثنا مالك) هو ابن أنس إمام الأئمة (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عروة بن الزبير) بن العوّام (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: خرجنا) من المدينة (مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع) لخمس بقين من ذي القعدة (فأهللنا) أي أحرمنا من ذي الحليفة (بعمرة، ثم قال لنا رسول الله ﷺ ¬) بسرف: (من كان عنده هدي فليهلّ) بلام مشددة، ولغير أبي ذر: فليهلل بلامين (بالحج مع العمرة ثم لا يحل) بالرفع في الفرع والنصب في غيره (حتى يحل منهما) من الحج والعمرة (جميعًا) قالت عائشة (فقدمت) بسكون الميم (معه) ﷺ (مكة وأنا حائض ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة) عطف على المنفي السابق على تقدير ولم أسع أو هو على طريق المجاز (فشكوت إلى رسول الله ﷺ ¬) ترك الطواف والسعي بسبب الحيض (فقال: انقضي رأسك) أي حليّ ضفر شعر رأسك (وامتشطي) سرحيه بالمشط (وأهلي) أحرمي (بالحج ودعي العمرة) أي عملها من الطواف والسعي والتقصير لا أنها تدع العمرة نفسها فتكون قارنة كما تأوله الشافعي -رحمه الله تعالى- عليه قالت (ففعلت) بسكون اللام ما ذكر من النقض إلى آخره (فلما قضينا الحج) أي وطهرت يوم النحر

стр. 4912

(أرسلني رسول الله ﷺ مع) أخي (عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق) ﵄ (إلى التنعيم فاعتمرت فقال) ﵊: (هذه) العمرة (مكان عمرتك) برفع مكان خبر هذه أي عوضها أو بالنصب على الظرفية، والأول في الفرع، والثاني في أصله، وفيه بحث تقدم في باب: كيف تهل الحائض؟ (قالت: فطاف الذين أهلّوا بالعمرة بالبيت و) سعوا (بين الصفا والمروة) لأجل العمرة (ثم حلّوا) منها بالحلق أو التقصير (ثم طافوا طوافًا آخر) للحج (بعد أن رجعوا من منى، وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا) لاندراج أفعال العمرة في أفعال الحج خلافًا للحنفية. وهذا الحديث قد مرّ في باب كيف تهلّ الحائض، والغرض منه هنا قوله في حجة الوداع. ٤٣٩٦ - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ فَقَدْ حَلَّ فَقُلْتُ مِنْ أَيْنَ؟ قَالَ: هَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ؟ قَالَ: مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] وَمِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ أَصْحَابَهُ أَنْ يَحِلُّوا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقُلْتُ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْمُعَرَّفِ قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَرَاهُ قَبْلُ وَبَعْدُ. ويه قال: (حدثني) بالإفراد (عمرو بن علي) بفتح العين وسكون الميم ابن بحر الباهلي الصيرفي قال: (حدّثنا يحيى بن سعيد) القطان قال: (حدّثنا ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز قال: (حدثني) بالإفراد (عطاء) أي ابن أبي رباح (عن ابن عباس) ﵄ أنه قال: (اذا طاف) المعتمر مطلقًا قارنًا كان أو ممتعًا (بالبيت) ولم يسع بين الصفا والمروة ولم يحلق ولم يقصر (فقد حلّ) من إحرامه، وهذا مذهب مشهور لابن عباس. قال ابن جريج (فقلت) لعطاء: (من أين قال هذا ابن عباس؟ قال: من قول الله تعالى: ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾ [الحج: ٣٣]. ومن أمر النبي ﷺ أصحابه أن يحلّوا في حجة الوداع) قال ابن جريج: (فقلت) لعطاء: (إنما كان ذلك بعد المعرّف) بتشديد الراء المفتوحة أي الوقوف بعرفة (قال) عطاء: (كان ابن عباس يراه) أي الإحلال (قبل وبعد) بالبناء على الضم فيهما أي قبل الوقوف وبعده. وهذا الحديث أخرجه مسلم في المناسك. ٤٣٩٧ - حَدَّثَنِي بَيَانٌ حَدَّثَنَا النَّضْرُ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ طَارِقًا عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِالْبَطْحَاءِ فَقَالَ: «أَحَجَجْتَ»؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «كَيْفَ أَهْلَلْتَ»؟ قُلْتُ: لَبَّيْكَ بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «طُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حِلَّ» فَطُفْتُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَأَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ قَيْسٍ فَفَلَتْ رَأْسِي. وبه قال: (حدثني) بالإفراد (بيان) بفتح الموحدة والتحتية المخففة آخره نون ابن عمرو وأبو محمد البخاري بالموحدة والخاء المعجمة قال: (حدّثنا النضر) بالنون والضاد المعجمة ابن شميل

стр. 4913

بالشين المعجمة مصغرًا قال: (أخبرنا شعبة) بن الحجاج (عن قيس) هو ابن مسلم أنه (قال: سمعت طارقًا) بالقاف ابن شهاب الأحمسي البجلي الكوفي (عن أبي موسى الأشعري ﵁) أنه (قال: قدمت على النبي ﷺ ¬) حال كونه نازلاً (بالبطحاء) مسيل وادي مكة (فقال): (أحججت)؟ بهمزة الاستفهام الإخباري أي أحرمت بالحج الشامل للأكبر والأصغر (قلت: نعم قال: كيف أهللت)؟ (قلت: لبيك بإهلال كإهلال رسول الله ﷺ قال: طف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حلّ) بكسر الحاء من عمرتك بالحلق أو بالتقصير. قال أبو موسى (فطفت بالبيت وبالصفا والمروة) وفي رواية وبالمروة أي وحلقت أو قصرت (وأتيت امرأة من قيس) لم تسم (ففلّت رأسي) بتخفيف اللام أخرجت القمل منه. والحديث مضى في باب: من أهلّ في زمن النبي ﷺ كإهلاله. ٤٣٩٨ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ أَنَّ حَفْصَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يَحْلِلْنَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَتْ حَفْصَةُ: فَمَا يَمْنَعُكَ؟ فَقَالَ: «لَبَّدْتُ رَأْسِي وَقَلَّدْتُ هَدْيِي فَلَسْتُ أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ هَدْيِي». وبه قال: (حدثني) بالإفراد (إبراهيم بن المندر) القرشي الحزامي قال: (حدّثنا أنس بن عياض) المدني قال: (حدّثنا موسى بن عقبة) الإمام في المغازي (عن نافع) مولى ابن عمر (أن ابن عمر) ﵄ (أخبره أن حفصة) ﵂ (زوج النبي ﷺ أخبرته أن النبي ﷺ أمر أزواجه أن يحللن) بالطواف والسعي والتقصير من العمرة (عام حجة الوداع فقالت حفصة): يا رسول الله (فما يمنعك)؟ أن تحل من عمرتك المضمومة إلى الحج إذ إن أكثر الأحاديث أنه ﷺ كان قارنًا (فقال): إني (لبدت رأسي) أي بنحو الصمغ فلا يدخل فيه قمل (وقلدت هديي) بالتعليق للنعل في عنقه ليعلم (فلست أحل) بفتح الهمزة وكسر المهملة من إحرامي (حتى أنحر هديي) ليس علة في بقائه على إحرامه بل إدخاله العمرة على الحج، ويؤيده قوله في رواية أخرى: حتى أحل من الحج خلافًا للحنفية والحنابلة القائلين بأنه جعل العلة ما ذكر في هذا الحديث، وسبق مزيد لذلك في باب التمتع والإقران. ٤٣٩٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، حَدَّثَنِي شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ اسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَالْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ

стр. 4914

أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ فَهَلْ يَقْضِي أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ». وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر: أخبرنا بالخاء المعجمة والجمع (شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم قال البخاري (وقال محمد بن يوسف) الفريابي (حدّثنا الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو (قال: أخبرني) بالإفراد (ابن شهاب) محمد بن مسلم (عن سليمان بن يسار) بالتحتية والسين المهملة المخففة (عن ابن عباس ﵄ أن امرأة من خثعم) بالخاء المعجمة والمثلثة ولم تسم المرأة (استفتت رسول الله ﷺ في حجة الوداع) يوم النحر (والفضل بن عباس رديف رسول الله ﷺ ¬) راكب خلفه (فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده) أي في الحج كما في الأخرى (أدركت أبي شيخًا كبيرًا) لم يسم ونصبهما على الحال (لا يستطيع أن يستوي على الراحلة) حال أو صفة (فهل يقضي) بفتح الياء أي يجزي أو يكفي عنه (أن أحج عنه؟ قال) ﵊: (نعم) يقضي عنه. وهذا الحديث مرّ في باب الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة. ٤٤٠٠ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ وَهْوَ مُرْدِفٌ أُسَامَةَ عَلَى الْقَصْوَاءِ وَمَعَهُ بِلَالٌ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، حَتَّى أَنَاخَ عِنْدَ الْبَيْتِ ثُمَّ قَالَ لِعُثْمَانَ: «ائْتِنَا بِالْمِفْتَاحِ» فَجَاءَهُ بِالْمِفْتَاحِ فَفَتَحَ لَهُ الْبَابَ فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَأُسَامَةُ وَبِلَالٌ وَعُثْمَانُ ثُمَّ أَغْلَقُوا عَلَيْهِمِ الْبَابَ فَمَكَثَ نَهَارًا طَوِيلاً ثُمَّ خَرَجَ وَابْتَدَرَ النَّاسُ الدُّخُولَ فَسَبَقْتُهُمْ فَوَجَدْتُ بِلَالاً قَائِمًا مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ فَقُلْتُ لَهُ: أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: صَلَّى بَيْنَ ذَيْنِكَ الْعَمُودَيْنِ الْمُقَدَّمَيْنِ، وَكَانَ الْبَيْتُ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ سَطْرَيْنِ صَلَّى بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ مِنَ السَّطْرِ الْمُقَدَّمِ، وَجَعَلَ بَابَ الْبَيْتِ خَلْفَ ظَهْرِهِ، وَاسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الَّذِي يَسْتَقْبِلُكَ حِينَ تَلِجُ الْبَيْتَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ، قَالَ: وَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى؟ وَعِنْدَ الْمَكَانِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَرْمَرَةٌ حَمْرَاءُ. وبه قال: (حدثني) بالإفراد (محمد) هو ابن رافع بن أبي زيد القشيري النيسابوري فيما قاله الغساني أو هو ابن يحيى الذهلي قال: (حدّثنا سريج بن النعمان) بالسين المهملة والجيم أبو الحسن البغدادي شيخ المؤلّف يروى عنه بالواسطة وبغيرها قال: (حدّثنا فليح) بضم الفاء وفتح اللام ابن سليمان (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر ﵄) أنه (قال: أقبل النبي ﷺ عام الفتح وهو) أي والحال أنه (مردف أسامة) وراءه (على القصواء) بفتح القاف وسكون المهملة ممدودًا ناقته ﵊ (ومعه بلال) المؤذن (وعثمان بن طلحة) الحجبي (حتى أناخ) راحلته (عند البيت) الحرام (ثم قال لعثمان): (ائتنا بالمفتاح) أي بمفتاح الكعبة (فجاءه بالمفتاح) ولأبي ذر عن المستملي: بالمفتح بلا ألف

стр. 4915

فيهما، وفي الفرع شطب بالحمرة على الألف في الموضعين (ففتح له الباب، فدخل النبي ﷺ وأسامة) بن زيد (وبلال) المؤذن (وعثمان) بن طلحة الكعبة (ثم أغلقوا عليهم الباب فمكث) بضم الكاف فيها (نهارًا طويلاً ثم خرج) ﵊ منها (وابتدر الناس) بالواو ولأبوي ذر والوقت فابتدر الناس بالفاء بدل الواو (الدخول فسبقتهم) بسكون القاف (فوجدت بلالاً قائمًا من وراء الباب) وسقط لأبي ذر لفظ من (فقلت له): أي لبلال (أين صلّى رسول الله ﷺ ؟ فقال: صلى بين ذينك العمودين المقدمين، وكان البيت) قبل أن يهدم ويبنى في زمن ابن الزبير (على ستة أعمدة سطرين) بالسين المهملة، ولأبي ذر عن المستملي: شطرين بالشين المعجمة (صلى بين العمودين من السطر المقدم) بالسين المهملة (وجعل باب البيت خلف ظهره واستقبل بوجهه) الشريف (الذي يستقبلك) من الجدار (حين تلج) أي تدخل ولأبي ذر عن الحموي والمستملي حتى تلج (البيت) وفي الفرع شطب على حاء حين (بينه وبين الجدار) الذي قبل وجهه قريبًا من ثلاثة أذرع (قال) ابن عمر: (ونسيت أن أسأله) أي بلالاً (كم صلى)؟ ﷺ ثم (وعند المكان الذي صلى فيه مرمرة حمراء) بسكون الراء بين الميمين المفتوحتين واحدة المرمر جنس من الرخام نفيس معروف. وقد استشكل دخول هذا الحديث في باب حجة الوداع للتصريح فيه بأنه كان في الفتح. ٤٤٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ، أَخْبَرَتْهُمَا أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ حَاضَتْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَحَابِسَتُنَا هِيَ»؟ فَقُلْتُ: إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَطَافَتْ بِالْبَيْتِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فَلْتَنْفِرْ». وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه قال: (حدثني) بالإفراد (عروة بن الزبير) بن العوّام (وأبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (أن عائشة زوج النبي ﷺ أخبرتهما أن صفية بنت حيي زوج النبي ﷺ حاضت في حجة الوداع) ليلة النفر بعدما أفاضت (فقال النبي ﷺ ¬) مستفهمًا من عائشة: (أحابستنا هي)؟ عن الرجوع إلى المدينة لأنه ظن أنها لم تطف طواف الإفاضة. قالت عائشة (فقلت: إنها قد أفاضت) إلى مكة (يا رسول الله ﷺ وطافت بالبيت فقال النبي ﷺ : فلتنفر) بكسر الفاء معنا إلى المدينة. والحديث سبق في باب: إذا حاضت بعدما أفاضت من الحج. ٤٤٠٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ بِحَجَّةِ الْوَدَاعِ وَالنَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَلَا نَدْرِي مَا حَجَّةُ الْوَدَاعِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ ذَكَرَ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ فَأَطْنَبَ فِي ذِكْرِهِ وَقَالَ:

стр. 4916

«مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَنْذَرَ أُمَّتَهُ أَنْذَرَهُ نُوحٌ، وَالنَّبِيُّونَ مِنْ بَعْدِهِ وَإِنَّهُ يَخْرُجُ فِيكُمْ فَمَا خَفِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ شَأْنِهِ، فَلَيْسَ يَخْفَى عَلَيْكُمْ أَنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ عَلَى مَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ ثَلَاثًا، إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَإِنَّهُ أَعْوَرُ عَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ». وبه قال: (حدّثنا يحيى بن سليمان) أبو سعيد الجعفي (قال: أخبرني) بالخاء المعجمة والإفراد ولأبي ذر حدثني بالإفراد أيضًا (ابن وهب) عبد الله المصري (قال: حدثني) بالإفراد (عمر بن محمد) بضم العين (أن أباه) محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر (حدثه عن ابن عمر ﵄) أنه (قال: كنا نتحدث بحجة الوداع والنبي ﷺ ¬) الواو للحال (بين أظهرنا ولا) ولأبوي ذر والوقت فلا (ندري ما حجة الوداع) أي هل وداع النبي ﷺ أم غيره حتى توفي ﷺ فعلموا أنه ودّع الناس بوصايا قرب موته (فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر المسيح الدجال فأطنب) أي أتى بالبلاغة (في ذكره) بالذم (وقال): (ما بعث الله من نبي إلا أنذر أمته) وللأصيلي: أنذره أمته (أنذره نوح) قومه (والنبيون من بعده) أي أنذروه أممهم وعين نوحًا لأنه آدم الثاني (وإنه يخرج فيكم) أيها الأمة المحمدية عند قرب الساعة ويدعي الربوبية (فما) شرطية أي إن (خفي عليكم من شأنه) أي بعض شأنه (فليس يخفى عليكم أن ربكم ليس) بفتح همزة أن (على ما ما يخفى عليكم ثلاثًا) وما بدل من ما السابقة أي لا يخفى أنه ليس مما يخفى عليكم (إن ربكم ليس بأعور وإنه) بالواو أي الدجال وللأصيلي وأبي الوقت أنه (أعور عين اليمنى) بإضافة أعور إلى ما بعده من إضافة الموصوف إلى صفته وهذا ظاهر عند الكوفيين وقدره البصريون عين صفحة وجهه اليمنى، ولأبوي ذر والوقت العين اليمنى (كأن عينه عنبة طافية) بالتحتية أي بارزة. ٤٤٠٣ - «أَلَا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ»؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ ثَلَاثًا، وَيْلَكُمْ أَوْ وَيْحَكُمُ انْظُرُوا، لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ». (ألا) بالتخفيف (إن الله حرم عليكم دماءكم) أي أنفسكم (وأموالكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا ألا) بالتخفيف (هل بلغت) ما أرسلت به (قالوا: نعم قال: اللهم اشهد) قال ذلك القول (ثلاثًا. ويلكم أو ويحكم) بالشك من الراوي والأولى كلمة توجع (انظروا لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض) أي لا تكن أفعالكم تشبه أفعال الكفار في ضرب رقاب المسلمين. وقال في شرح المشكاة: وقوله يضرب بعضكم رقاب بعض جملة مستأنفة مبنية لقوله: فلا ترجعوا بعدي كفارًا فينبغي أن يحمل على العموم، وأن يقال: فلا يظلم بعضكم بعضًا فلا تسفكوا دماءكم ولا تهتكوا أعراضكم ولا تستبيحوا أموالكم، ونحوه في الإطلاق وإرادة العموم قوله

стр. 4917

تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا﴾ [النساء: ١٠]. وهذا الحديث أخرجه في الدّيات والأدب والحدود، ومسلم في الإيمان؟ وأبو داود في السنة والنسائي في المحاربة، وابن ماجه في الفتن. ٤٤٠٤ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَزَا تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، وَأَنَّهُ حَجَّ بَعْدَ مَا هَاجَرَ حَجَّةً وَاحِدَةً لَمْ يَحُجَّ بَعْدَهَا حَجَّةَ الْوَدَاعِ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَبِمَكَّةَ أُخْرَى. وبه قال: (حدّثنا عمرو بن خالد) بفتح العين الحراني قال: (حدّثنا زهير) بضم الزاي ابن معاوية قال: (حدّثنا أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي (قال: حدثني) بالإفراد (زيد بن أرقم) ﵁ (أن النبي ﷺ غزا تسع عشرة غزوة وأنه حج بعدما هاجر) إلى المدينة (حجة واحدة لم يحج بعدها) لأنه توفي في أوائل العام التالي (حجة الوداع) بنصب حجة بدلاً من الأولى ويجوز الرفع بتقدير هي. قال أبو إسحاق) السبيعي بالسند المذكور (و) حج (بمكة) حجة (أخرى) قبل أن يهاجر، وهذا يوهم أنه لم يحج قبل الهجرة إلا واحدة وليس كذلك، فالمروي أنه لم يترك وهو بمكة الحج قط. وهذا الحديث مر في أوّل المغازي. ٤٤٠٥ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ جَرِيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِجَرِيرٍ: «اسْتَنْصِتِ النَّاسَ» فَقَالَ: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ». وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) بن الحارث الحوضي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن علي بن مدرك) بضم الميم وكسر الراء النخعي الكوفي من ثقات التابعين (عن أبي زرعة) هرم (بن عمرو بن جرير) البجلي (عن) جده (جرير) ﵁ (أن النبي ﷺ قال في حجة الوداع لجرير): (استنصت الناس) أي أسكتهم (فقال: لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض). قال المظهري: يعني إذا فارقت الدنيا فاثبتوا بعدي على ما أنتم عليه من الإيمان والتقوى، ولا تظلموا أحدًا، ولا تحاربوا المسلمين، ولا تأخذوا أموالهم بالباطل. ٤٤٠٦ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ

стр. 4918

أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الزَّمَانُ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَةِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ، ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ، أَيُّ شَهْرٍ هَذَا»؟ قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ قَالَ: «أَلَيْسَ ذُو الْحِجَّةِ»؟ قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا»؟ قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ قَالَ: «أَلَيْسَ الْبَلْدَةَ»؟ قُلْنَا: بَلَى قَالَ: «فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا»؟ قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ قَالَ: «أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ»؟ قُلْنَا بَلَى، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ» قَالَ: مُحَمَّدٌ وَأَحْسِبُهُ قَالَ: «وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَسَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ أَلَا فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلاَّلاً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يُبَلَّغُهُ أَنْ يَكُونَ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ» فَكَانَ مُحَمَّدٌ إِذَا ذَكَرَهُ يَقُولُ: صَدَقَ مُحَمَّدٌ ثُمَّ قَالَ: - «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ»؟ مَرَّتَيْنِ. وبه قال: (حدثني) بالإفراد (محمد بن المثنى) قال: (حدّثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي قال: (حدّثنا أيوب) السختياني (عن محمد) أي ابن سيرين (عن ابن أبي بكرة) هو عبد الرحمن (عن) أبيه (أبي بكرة) نفيع بن الحارث ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال) يوم النحر في حجة الوداع: (الزمان) هو اسم لقليل الوقت وكثيره وأراد هاهنا السنة (قد استدار) استدارة (كهيئته) كذا في اليونينية وغيرها وفي الفرع كهيئة بهاء بعد فوقية أي مثل حالته (يوم خلق الله السماوات والأرض) وسقطت الجلالة من اليونينية وثبتت في فرعها، فالكاف صفة مصدر محذوف، ودار واستدار بمعنى طاف حول الشيء وإذا عاد إلى الموضع الذي ابتدأ منه، والمعنى أن العرب كانوا يؤخرون المحرم إلى صفر وهو النسيء المذكور في قوله تعالى: ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر﴾ [التوبة: ٣٧] ليقاتلوا فيه ويفعلون ذلك كل سنة بعد سنة فينتقل المحرم من شهر إلى شهر حتى جعلوه في جميع شهور السنة، فلما كانت تلك السنة عاد إلى زمنه المخصوص به قبل ودارت السنة كهيئتها الأولى. (السنة اثنا عشر شهرًا) جملة مبنية للجملة الأولى، والمعنى أن الزمان في انقسامه إلى الأعوام والأعوام إلى الأشهر عاد إلى أصل الحساب، والوضع الذي اختاره الله ووضعه يوم خلق السموات والأرض (منها أربعة حرم ثلاثة) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ثلاث (متواليات ذو القعدة) للقعود عن القتال (وذو الحجة) للحج (والمحرم) لتحريم القتال فيه (و) واحد فرد وهو (رجب مضر) عطف على قوله ثلاثة وأضافه إلى مضر لأنها كانت تحافظ على تحريمه أشد من محافظة سائر العرب ولم يكن يستحله أحد من العرب (الذي بين جمادى) بضم الجيم وفتح الدال (وشعبان) قاله

стр. 4919

تأكيدًا وإزاحة للريب الحادث فيه من النسيء (أي شهر هذا) قال القاضي البيضاوي: يريد به تذكارهم حرمة الشهر وتقريرها في نفوسهم ليبني عليه ما أراد تقريره (قلنا: الله ورسوله أعلم). مراعاة للأدب وتحرزًا عن التقدم بين يدي الله ورسوله وتوقفًا فيما لا يعلم الغرض من السؤال عنه (فسكت) ﷺ (حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال) ﵊: (أليس ذو الحجة) ولأبوي ذر والوقت ذا الحجة بالنصب خبر ليس (قلنا. بلى). يا رسول الله (قال) (فأي بلد هذا) (قلنا: الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليس) هو (البلدة) نصب خبر ليس وبالتأنيث يريد مكة والألف واللام للعهد (قلنا: بلى، قال: فأي يوم هذا)؟ (قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: أليس يوم النحر) (قلنا: بلى. قال: فإن دماءكم وأموالكم) قال التوربشتي: أراد أموال بعضكم على بعض. (قال محمد): هو ابن سيرين (وأحسبه) أي أبا بكرة (قال) في روايته: (وأعراضكم عليكم حرام) أي أنفسكم وأحسابكم فإن العرض يقال للنفس والحسب قاله التوربشتي، وتعقب: بأنه لو كان المراد من الأعراض النفوس لكان تكرارًا لأن ذكر الدماء كاف، إذ المراد بها النفوس. وقال الطيبي: الظاهر أن يراد بالأعراض الأخلاق النفسانية والكلام فيها يحتاج إلى فضل تأمل، فالمراد بالعرض هنا الخلق، والتحقيق ما ذكره ابن الأثير أن العرض موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان في نفسه أو في سلفه، ولما كان موضع العرض النفس قال من قال: العرض النفس إطلاقًا للمحل على الحال، وحين كان المدح نسبة الشخص إلى الأخلاق الحميدة والذم نسبته إلى الذميمة سواء كانت فيه أو لا قال من قال: العرض الخلق إطلاقًا لاسم اللازم على الملزوم، وشبه ذلك في التحريم بيوم النحر وبمكة وبذي الحجة. فقال: (كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا) لأنهم كانوا يعتقدون أنها محرمة أشد التحريم لا يستباح منها شيء، وفي تشبيه هذا مع بيان حرمة الدماء والأموال تأكيد لحرمة تلك الأشياء التي شبه بتحريمها الدماء والأموال. وقال الطيبي: وهذا من تشبيه ما لم تجر به العادة بما جرت به العادة كما في قوله تعالى: ﴿وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة﴾ [الأعراف: ١٧١] إذ كانوا يستبيحون دماءهم وأموالهم في الجاهلية في غير الأشهر المحرم ويحرمونها فيها كأنه قال: إن دماءكم وأموالكم محرمة عليكم أبدًا كحرمة يومكم وشهركم وبلدكم. (وستلقون ربكم) يوم القيامة (فسيسألكم) ولأبي ذر: فيسألكم (عن أعمالكم ألا) بالتخفيف (فلا ترجعوا بعدي ضلالاً) بضم الضاد المعجمة وتشديد اللام الأولى (يضرب بعضكم رقاب بعض ألا) بالتخفيف (ليبلغ الشاهد الغائب) القول المذكور أو جميع الأحكام (فلعل بعض من يبلغه) بفتح الموحدة واللام المشددة (أن يكون أوعى له من بعض من سمعه، فكان محمد) هو ابن سيرين (إذا ذكره يقول: صدق محمد) ولأبي ذر النبي (¬ ﷺ ثم قال) ﷺ : (ألا هل بلغت) قالها (مرتين).

стр. 4920

وسبق هذا الحديث في غير ما موضع. ٤٤٠٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، أَنَّ أُنَاسًا مِنَ الْيَهُودِ قَالُوا: لَوْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينَا لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا فَقَالَ عُمَرُ: أَيَّةُ آيَةٍ؟ فَقَالُوا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لأَعْلَمُ أَيَّ مَكَانٍ أُنْزِلَتْ، أُنْزِلَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ. وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) الفريابي قال: (حدّثنا سفيان) بن سعيد الثوري أحد الأعلام علمًا وزهدًا (عن قيس بن مسلم) الجدلي أبي عمرو الكوفي العابد (عن طارق بن شهاب) البجلي الأحمسي الكوفي قال أبو داود: رأى النبي ﷺ ولم يسمع منه أنه حدث (أن أناسًا من اليهود). وفي باب زيادة الإيمان ونقصانه: أن رجلاً من اليهود، ووقع في تفسير الطبري، ومسند مسدد، والمعجم الأوسط للطبراني أن الرجل هو كعب الأحبار. واستشكل من جهة كون كعب كان أسلم في حياة النبي ﷺ على يد علي، فيحتمل إن ثبت أن يكون الذين سألوا جماعة من اليهود اجتمعوا مع كعب على السؤال وتولى هو السؤال عنهم عن ذلك، ويجوز أن يكون السؤال صدر قبل إسلامه، وقد قال الذهبي في الكاشف: إنه أسلم زمن أبي بكر الصدّيق ﵁. (قالوا) لعمر: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرؤونها (لو نزلت هده الآية فينا) معشر اليهود (لاتخذنا ذلك اليوم عيدا) لنا في كل سنة نعظمه لما حصل فيه من إكمال الدين. (فقال عمر: أية آية؟ فقالوا: (﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾) أي بأن كفيتكم عدوّكم وأظهرتكم عليه كما تقول الملوك: اليوم كمل لنا الملك أي كفينا من كنا نخافه، أو أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكليفكم من تعليم الحلال والحرام والتوقيف على شرائع الإسلام وقوانين القياس (﴿وأتممت عليكم نعمتي﴾) بفتح مكة ودخولها آمنين ظاهرين وهدم منار الجاهلية (﴿ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾) [المائدة: ٣] حال اخترته لكم من بين الأديان وآذنتكم بأنه الدين المرضي وحده، وثبت قوله: ورضيت الخ لأبي ذر. (فقال عمر) ﵁: (إني لأعلم أي مكان أنزلت) فيه (أنزلت ورسول الله ﷺ واقف بعرفة) أي في أخريات النهار، وفي الترمذي من حديث ابن عباس أن يهوديًا سأله عن ذلك فقال: إنها نزلت في يومي عيد يوم جمعة ويوم عرفة. وحديث الباب قد سبق في الإيمان في باب زيادة الإيمان. ٤٤٠٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ

стр. 4921

بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْحَجِّ، فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ أَوْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَلَمْ يَحِلُّوا حَتَّى يَوْمَ النَّحْرِ. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) بن قعنب الحارثي أحد الأعلام (عن مالك) الإمام (عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل) يتيم عروة الأسدي (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة ﵂) أنها (قالت خرجنا مع رسول الله ﷺ ¬) من المدينة في حجة الوداع (فمنا من أهلّ) أحرم (بعمرة، ومنا من أهل بحجة، ومنا من أهلّ بحج وعمرة) قرن بينهما (وأهلّ رسول الله ﷺ بالحج) مفردًا ثم أدخل عليه العمرة لحديث ابن عمر وقال عمرة في حجة، وحديث أنس: ثم أهل بحج وعمرة، ولمسلم من حديث عمران بن حصين جمع بين حجة وعمرة، والمشهور عن المالكية والشافعية أنه ﷺ كان مفردًا، وقد بسط أمامنا الشافعي القول فيه في اختلاف الحديث، ورجح أنه كان أحرم إحرامًا مطلقًا ينتظر ما يؤمر به فنزل عليه الحكم بذلك وهو على الصفا، وصوّب النووي أنه كان قارنًا، ويؤيده أنه لم يعتمر تلك السنة بعد الحج، ولا شك أن القران أفضل من الإفراد الذي لا يعتمر في سنته عندنا، وقد سبق في الحج مزيد لذلك. (فأما من أهلّ بالحج) وحده (أو جمع الحج والعمرة) ابتداء أو أدخل العمرة على الحج كما فعل ﷺ (فلم يحلوا) من إحرامهم (حتى يوم النحر) فنحر هديه. ٠٠٠٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ. وَقَالَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) هو ابن أنس إمام الأئمة عن عبد الرحمن بن نوفل عن عروة بن الزبير عن عائشة الحديث كما سبق (وقال: مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع). حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا مَالِكٌ مِثْلَهُ. وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدّثنا) وفي نسخة: حدثني بالإفراد (مالك مثله) أي مثل الحديث المذكور. ٤٤٠٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: عَادَنِي النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ، أَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بَلَغَ بِي مِنَ الْوَجَعِ مَا تَرَى وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إِلاَّ ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: «لَا» قُلْتُ أَفَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ قَالَ: «لَا» قُلْتُ فَالثُّلُثُ قَالَ: «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَلَسْتَ تُنْفِقُ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا

стр. 4922

وَجْهَ اللَّهِ إِلاَّ أُجِرْتَ بِهَا حَتَّى اللُّقْمَةَ تَجْعَلُهَا فِي فِيّ امْرَأَتِكَ» قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ آأُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي قَالَ: «إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلاً تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ إِلاَّ ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، وَلَعَلَّكَ تُخَلَّفُ حَتَّى تَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ» لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ ابْنُ خَوْلَةَ رَثَى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ. وبه قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) هو أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي قال: (حدّثنا إبراهيم هو ابن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي قال: (حدّثنا ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عامر بن سعد) بسكون العين (عن أبيه) سعد بن أبي وقاص مالك ﵁ أنه (قال: عادني النبي ﷺ في حجة الوداع من وجع أشفيت) بالشين المعجمة والفاء أشرفت (منه على الموت فقلت: يا رسول الله بلغ بي من الوجع ما ترى وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة) هي أم الحكم، ووهم من قال: إنها عائشة لأن عائشة أصغر أولاده، وعاشت إلى أن أدركها مالك بن أنس قاله ابن حجر في المقدمة (فأتصدق بثلثي مالي) استفهام استخباري محذوف الأداة (قال) ﵊: (لا) (قلت أفأتصدق بشطره) بإثبات همزة الاستفهام (قال لا قلت فالثلث؟ قال) ﵊: (الثلث والثلث كثير) بالمثلثة أي بالنسبة إلى ما دونه أو التصدق به كثير أجره (إنك) بكسر الهمزة وبفتحها على التعليل (أن تذر) بفتح الهمزة وبالذال المعجمة أي أن تترك (ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة) بتخفيف اللام أي فقراء (يتكففون) يسألون (الناس) بأكفهم بأن يبسطوها للسؤال (ولست تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها حتى اللقمة تجعلها في فيّ امرأتك) فمها (قلت يا رسول الله آاخلف) بهمزة مفتوحة ممدودة ملحقة في اليونينية ساقطة من فرعها أي أأترك بمكة (بعد أصحابي) المسافرين معه إلى المدينة (قال) ﷺ : (إنك لن تخلف) بأن يطول عمرك (فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة ولعلك تخلف حتى تنتفع بك أقوام) من المسلمين بما يفتحه الله على يديك من بلاد الكفر ويأخذه المسلمون من الغنائم (ويضرّ بك آخرون) من المشركين (اللهم أمض) بهمزة قطع أي أتمم (لأصحاب هجرتهم) التي هاجروها من مكة إلى المدينة (ولا تردهم على أعقابهم) بترك هجرتهم ورجوعهم عن مستقيم حالهم فيخيب قصدهم قال الزهري: (لكن البائس) الذي عليه أثر البؤس من شدة الفقر والحاجة (سعد بن خولة) العامري المهاجري البدري (رثى له) بصيغة الماضي أي حزن لأجله (رسول الله ﷺ أن توفي بمكة) بفتح الهمزة أي لموته بالأرض التي هاجر منها ولا يصح كسرها لأنها تكون شرطية والشرط لما يستقبل وهو كان قد مات. وسبق الحديث في الجنائز والوصايا. ٤٤١٠ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ

стр. 4923

ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَلَقَ رَأْسَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ. وبه قال: (حدثني) بالإفراد (إبراهيم بن المنذر) الحزامي المدني أحد الأعلام قال: (حدّثنا أبو ضمرة) بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم أنس بن عياض قال: (حدّثنا موسى بن عقبة) بسكون القاف الإمام في المغازي (عن نافع أن ابن عمر ﵄ أخبرهم أن النبي ﷺ حلق رأسه في حجة الوداع) والحلاق معمر بن عبد الله بن نضلة بن عوف وعند أحمد أنه استدعى الحلاق فقال له وهو قائم على رأسه بالموسى ونظر إلى وجهه: يا معمر أمكنك رسول الله ﷺ من شحمة أذنه وفي يدك الموسى قال: فقلت أما والله يا رسول الله إن ذلك لمن نعم الله عليّ ومنه. قال: أجل. وفي الصحيحين أنه حلق الشق الأيمن فقسمه بين من يليه ثم قال: احلق الشق الآخر فقال: أين أبو طلحة فأعطاه إياه ولأحمد وقلم ﷺ أظفاره وقسمها بين الناس. ٤٤١١ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ أَخْبَرَهُ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَلَقَ رَأْسَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ. وبه قال: (حدّثنا عبيد الله) بضم العين (ابن سعيد) السرخسي نزيل نيسابور قال: (حدّثنا محمد بن بكر) بفتح الموحدة وسكون الكاف البرساني قال: (حدّثنا ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز قال: (أخبرني) بالإفراد (موسى بن عقبة عن نافع) أنه (أخبره) مولاه (ابن عمر) ﵄ (أن النبي ﷺ حلق رأسه في حجة الوداع) بعد الفراغ من النسك (و) حلق (أناس من أصحابه) أيضًا (وقصر بعضهم). ٤٤١٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ أَقْبَلَ يَسِيرُ عَلَى حِمَارٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ بِمِنًى فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَسَارَ الْحِمَارُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ ثُمَّ نَزَلَ عَنْهُ فَصَفَّ مَعَ النَّاسِ. وبه قال: (حدّثنا يحيى بن قزعة) بفتح القاف والزاي المكي المؤذن قال: (حدّثنا مالك) الإمام (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (وقال الليث) بن سعد الإمام: (حدثني يونس) بن يزيد مما وصله في الزهريات (عن ابن شهاب) أنه قال: (حدثني) بالإفراد (عبد الله) بضم العين (ابن عبد الله) بن عتبة (أن عبد الله بن عباس ﵄) سقط لأبي ذر لفظ عبد الله (أخبره أنه أقبل يسير على حمار ورسول الله ﷺ قائم بمنى في حجة الوداع) سقط قوله بمنى لأبي ذر (يصلي بالناس) زاد في الصلاة إلى غير جدار قال: الشافعي أي إلى غير سترة (فسار الحمار بين يدي بعض الصف ثم نزل عنه) أي عن الحمار (فصف مع الناس) زاد في باب سترة الإمام من كتاب الصلاة فلم ينكر ذلك عليّ أحد.

стр. 4924

٤٤١٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: سُئِلَ أُسَامَةُ وَأَنَا شَاهِدٌ عَنْ سَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّتِهِ فَقَالَ: الْعَنَقَ فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ. وبه قال: (حدّثنا مسدّد) هو ابن مسرهد البصري الحافظ قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن هشام) أنه (قال: حدثني) بالإفراد (أي) عروة بن الزبير (قال: سئل) بضم السين مبنيًّا للمفعول (أسامة) بن زيد (وأنا شاهد عن سير النبي) بسكون ياء سير ولأبوي ذر والوقت رسول الله ﷺ (في حجته) أي في حجة الوداع (فقال: العنق) بفتح العين والنون والقاف ضرب من السير متوسط (فإذا وجد فجوة) بفتح الفاء والواو بينهما جيم ساكنة فرجة (نص) بنون وصاد مهملة مشددة مفتوحتين سار سيرًا شديدًا. ٤٤١٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ، أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) الإمام (عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن عدي بن ثابت) الأنصاري (عن عبد الله بن يزيد الخطمي) بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء المهملة (أن أبا أيوب) خالد بن زيد الأنصاري ﵁ (أخبره أنه صلّى مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع المغرب والعشاء جميعًا) في وقت واحد. ٧٨ - باب غَزْوَةُ تَبُوكَ وَهْيَ غَزْوَةُ الْعُسْرَةِ (باب غزوة تبوك) بفتح الفوقية وتخفيف الموحدة المضمومة موضع بينه وبين الشام إحدى عشرة مرحلة لا ينصرف للتأنيث والعلمية أو بالصرف على إرادة الموضع (وهي غزوة العسرة) بضم العين وسكون السين المهملة لما وقع فيها من العسرة في الماء والظهر والنفقة، وكانت آخر غزواته ﷺ ، وكانت في شهر رجب من سنة تسع قبل حجة الوداع، اتفاقًا فذكرها قبلها خطأ من النساخ وسقط لفظ باب لأبي ذر فما بعده رفع. ٤٤١٥ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: أَرْسَلَنِي أَصْحَابِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَسْأَلُهُ الْحُمْلَانَ لَهُمْ إِذْ هُمْ مَعَهُ فِي جَيْشِ الْعُسْرَةِ، وَهْيَ غَزْوَةُ تَبُوكَ فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّ أَصْحَابِي أَرْسَلُونِي إِلَيْكَ لِتَحْمِلَهُمْ، فَقَالَ: «وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَىْءٍ» وَوَافَقْتُهُ وَهْوَ غَضْبَانُ وَلَا أَشْعُرُ وَرَجَعْتُ حَزِينًا مِنْ مَنْعِ النَّبِيِّ ﷺ وَمِنْ مَخَافَةِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ عَلَيَّ فَرَجَعْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَأَخْبَرْتُهُمُ الَّذِي قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ أَلْبَثْ إِلاَّ سُوَيْعَةً إِذْ سَمِعْتُ بِلَالاً يُنَادِي أَيْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ فَأَجَبْتُهُ فَقَالَ: أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَدْعُوكَ، فَلَمَّا أَتَيْتُهُ قَالَ: «خُذْ هَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ

стр. 4925

وَهَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ لِسِتَّةِ أَبْعِرَةٍ ابْتَاعَهُنَّ حِينَئِذٍ مِنْ سَعْدٍ فَانْطَلِقْ بِهِنَّ إِلَى أَصْحَابِكَ فَقُلْ: إِنَّ اللَّهَ -أَوْ قَالَ- إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ فَارْكَبُوهُنَّ» فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهِمْ بِهِنَّ فَقُلْتُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ، وَلَكِنِّي وَاللَّهِ لَا أَدَعُكُمْ حَتَّى يَنْطَلِقَ مَعِي بَعْضُكُمْ إِلَى مَنْ سَمِعَ مَقَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَا تَظُنُّوا أَنِّي حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا لَمْ يَقُلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا لِي: إِنَّكَ عِنْدَنَا لَمُصَدَّقٌ، وَلَنَفْعَلَنَّ مَا أَحْبَبْتَ فَانْطَلَقَ أَبُو مُوسَى بِنَفَرٍ مِنْهُمْ حَتَّى أَتَوُا الَّذِينَ سَمِعُوا قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْعَهُ إِيَّاهُمْ ثُمَّ إِعْطَاءَهُمْ بَعْدُ فَحَدَّثُوهُمْ بِمِثْلِ مَا حَدَّثَهُمْ بِهِ أَبُو مُوسَى. وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي: حدّثنا (محمد بن العلاء) بن كريب الهمداني الكوفي قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن بريد بن عبد الله) بضم الموحدة وفتح الراء (ابن أبي بردة) بضم الموحدة وسكون الراء (عن) جده (أبي بردة) عامر بن أبي موسى (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (﵁) أنه (قال: أرسلني أصحابي إلى رسول الله ﷺ أسأله الحملان لهم) بضم الحاء المهملة وسكون الميم أي ما يركبون عليه ويحملهم (إذ هم معه في جيش العسرة وهي غزوة تبوك فقلت: يا نبي الله إن أصحابي أرسلوني إليك لتحملهم فقال: والله لا أحملكم على شيء ووافقته) أي صادفته (وهو غضبان ولا أشعر) أي والحال أني لم أكن أعلم غضبه (ورجعت) إلى أصحابي حال كوني (حزينًا من منع النبي ﷺ ¬) أن يحملنا (ومن مخافة أن يكون النبي ﷺ وجد في نفسه) أي غضب (عليّ فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم الذي قال النبي ﷺ فلم ألبث) بفتح الهمزة والموحدة بينهما لام ساكنة آخره مثلثة (إلا سويعة) بضم السين المهملة وفتح الواو مصغرًا ساعة وهي جزء من الزمان أو من أربعة وعشرين جزءًا من اليوم والليلة (إذ سمعت بلالاً ينادي أي عبد الله بن قيس) يعني يا عبد الله، ولأبي ذر: أين عبد الله بن قيس (فأجبته، فقال: أجب رسول الله ﷺ يدعوك فلما أتيته قال): (خذ هذين القرينين) تثنية قرين وهو البعير المقرون بآخر (وهذين القرينين) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي هاتين القرينتين وهاتين القرينتين أي الناقتين (لستة أبعرة) لعله قال: هذين القرينين ثلاثًا فذكر الراوي مرتين اختصارًا، لكن قوله في الرواية الأخرى فأمر لنا بخمس ذود مخالف لما هنا فيحمل على التعدد أو يكون زادهم واحدًا على الخمس والعدد لا ينفي الزائد (ابتاعهن حينئذٍ من سعد) قيل هو ابن عبادة (فانطلِق) بكسر اللام والجزم على الأمر (بهن إلى أصحابك فقل) لهم (إن الله أو قال: إن رسول الله ﷺ يحملكم على هؤلاء) الأبعرة (فاركبوهن) (فانطلقت إليهم بهن) أي إلى أصحابي بالأبعرة (فقلت: إن النبي ﷺ يحملكم على هؤلاء ولكني والله لا أدعكم حتى ينطلق معي بعضكم إلى من سمع مقالة رسول الله ﷺ لا تظنوا أني حدثتكم شيئًا لم يقله رسول الله ﷺ فقالوا لي: إنك عندنا) ولأبي ذر والله إنك عندنا (لمصدق) بفتح الدال المشددة (ولنفعلن ما أحببت) أي الذي أحببته من إرسال أحدنا إلى من سمع (فانطلق أبو موسى بنفر منهم حتى أتوا الذين سمعوا قول رسول الله ﷺ منعه إياهم ثم إعطاءهم بعد

стр. 4926

فحدثوهم بمثل ما حدثهم به أبو موسى). وهذا الحديث أخرجه أيضًا في النذور وكذا مسلم. ٤٤١٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى تَبُوكَ وَاسْتَخْلَفَ عَلِيًّا فَقَالَ: أَتُخَلِّفُنِي فِي الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ؟ قَالَ: «أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلاَّ أَنَّهُ لَيْسَ نَبِيٌّ بَعْدِي». وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ سَمِعْتُ مُصْعَبًا. وبه قال: (حدّثنا مسدد) بالسين المهملة ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن شعبة) بن الحجاج (عن الحكم) بفتح الحاء المهملة والكاف ابن عتيبة بضم العين وفتح الفوقية مصغرًا (عن مصعب بن سعد) بسكون العين (عن أبيه) سعد بن أبي وقاص ﵁ (أن رسول الله ﷺ خرج إلى تبوك) وكان السبب في ذلك ما ذكره ابن سعد في طبقاته وغيره أن المسلمين بلغهم من الأنباط الذين يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة أن الروم جمعت جموعًا، وأجلبت معهم لخم وجذام وغيرهم من متنصرة العرب، فندب النبي ﷺ الناس إلى الخروج وأعلمهم بجهة غزوهم. وعند الطبراني أن عثمان ﵁ كان قد جهز عيرًا إلى الشام فقال: يا رسول الله هذه مائتا بعير بأقتابها وأحلاسها ومائتا أوقية فقال ﵊: "لا يضر عثمان ما عمل بعدها" (واستخلف) على المدينة (عليًّا) ابن عمه ﵁ (فقال: أتخلفني في الصبيان والنساء؟ قال) ﷺ له: (ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من) أخيه (موسى) حين خلفه في قومه بني إسرائيل لما خرج إلى الطور، وقد تمسكت الروافض وسائر فرق الشيعة في أن الخلافة كانت لعلي وأنه وصى له بها، وكفرت الروافض سائر الصحابة بتقديمهم غيره وزاد بعضهم فكفر عليًّا لأنه لم يقم في طلب حقه ولا حجة لهم في الحديث ولا متمسك لهم به لأنه ﷺ إنما قال هذا حين استخلفه على المدينة في غزوة تبوك، ويؤيده أن هارون المشبه به لم يكن خليفة بعد موسى لأنه توفي قبل وفاة موسى بنحو أربعين سنة وبين قوله (إلا أنه ليس نبي) وفي نسخة: لا نبي (بعدي) إذ اتصاله به ليس من جهة النبوّة الاتصال من جهة الخلافة لأنها تلي النبوّة في الرتبة، ثم إنها إما أن تكون في حياته أو بعد مماته فخرج بعد مماته لأن هارون مات قبل موسى، فتعين أن تكون في حياته عند مسيره إلى غزوة تبوك كمسير موسى إلى مناجاة ربه، ولما سار ﵊ إلى تبوك تخلف ابن أبي ومن كان معه وقدم النبي ﷺ ولحقه بها أبو ذر وأبو خيثمة ولحقه بها وفد أذرح ووفد أيلة فصالحهم ﷺ على الجزية، ثم قفل ﷺ من تبوك ولم يلق كيدًا وقدم المدينة في شهر رمضان. وحديث الباب أخرجه مسلم في الفضائل والنسائي في المناقب.

стр. 4927

(وقال أبو داود): سليمان بن داود الطيالسي فيما وصله البيهقي في دلائله وأبو نعيم في مستخرجه (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن الحكم) بن عتيبة أنه قال: (سمعت مصعبًا) فصرح بالسماع بخلاف الأولى فبالعنعنة ولذا أوردها. ٤٤١٧ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً يُخْبِرُ قَالَ: أَخْبَرَنِي صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعُسْرَةَ قَالَ: كَانَ يَعْلَى يَقُولُ: تِلْكَ الْغَزْوَةُ أَوْثَقُ أَعْمَالِي عِنْدِي قَالَ عَطَاءٌ: فَقَالَ صَفْوَانُ: قَالَ يَعْلَى: فَكَانَ لِي أَجِيرٌ فَقَاتَلَ إِنْسَانًا فَعَضَّ أَحَدُهُمَا يَدَ الآخَرِ قَالَ عَطَاءٌ: فَلَقَدْ أَخْبَرَنِي صَفْوَانُ أَيُّهُمَا عَضَّ الآخَرَ، فَنَسِيتُهُ قَالَ: فَانْتَزَعَ الْمَعْضُوضُ يَدَهُ مِنْ فِي الْعَاضِّ فَانْتَزَعَ إِحْدَى ثَنِيَّتَيْهِ، فَأَتَيَا النَّبِيَّ ﷺ فَأَهْدَرَ ثَنِيَّتَهُ قَالَ عَطَاءٌ: وَحَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَفَيَدَعُ يَدَهُ فِي فِيكَ تَقْضَمُهَا كَأَنَّهَا فِي فِي فَحْلٍ يَقْضَمُهَا». وبه قال: (حدّثنا عبيد الله) بضم العين (ابن سعيد) بكسر العين اليشكري قال: (حدّثنا محمد بن بكر) بسكون الكاف بعد فتح الموحدة البرساني قال: (أخبرنا ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (قال: سمعت عطاء) أي ابن أبي رباح (يخبر قال: أخبرني) بالإفراد (صفوان بن يعلى بن أمية عن أبية) يعلى بن أمية أنه (قال: غزوت مع النبي ﷺ العسرة) بسكون السين ولأبي ذر عن الحموي العسيرة بفتحها بعدها تحتية ساكنة (قال: كان يعلى يقول: تلك الغزوة) العسرة (أوثق أعمالي) بالعين المهملة (عندي. قال عطاء) المذكور: (فقال صفوان: قال) أبي (يعلى) بن أمية: (فكان لي أجير) يخدمني بالأجرة لم يسم (فقاتل) الأجير (إنسانًا فعض أحدهما يد الآخر. قال عطاء: فلقد أخبرني صفوان أيهما عضّ الآخر فنسيته) في مسلم أن العاض هو يعلى (قال: فانتزع المعضوض يده من فيّ العاضّ) من فمه (فانتزع إحدى ثنيته) بالتثنية (فأتيا النبي ﷺ فأهدر) ﵊ (ثنيته) بالإفراد لم يوجب له دية ولا قصاصًا (قال) ولأبي ذر فقال: (عطاء وحسبت أنه) أي صفوان (قال: قال النبي ﷺ ¬): (أفيدع) أفيترك (يده في فيك تقضمها) بفتح الضاد المعجمة على اللغة الفصيحة أي تأكلها بأطراف أسنانك والاستفهام للإنكار (كأنها في فيّ فحل) في فم ذكر إبل (يقضمها) بفتح الضاد كما سبق. وهذا الحديث سبق في الإجارة ويأتي إن شاء الله تعالى في كتاب الدّيات بمباحثه بعون الله. ٧٩ - باب حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَقَوْلُ اللَّهِ : ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] (باب حديث كعب بن مالك) سقط لفظ باب في بعض النسخ (وقول الله :

стр. 4928

﴿وعلى الثلاثة﴾) كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية (﴿الذين خلفوا﴾) [التوبة: ١١٨] عن غزوة تبوك. ٤٤١٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ - وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ - قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ قِصَّةِ تَبُوكَ، قَالَ: كَعْبٌ: لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا إِلاَّ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، غَيْرَ أَنِّي كُنْتُ تَخَلَّفْتُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ وَلَمْ يُعَاتِبْ أَحَدًا تَخَلَّفَ عَنْهَا، إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ، حَتَّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ وَلَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الإِسْلَامِ وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ، وَإِنْ كَانَتْ بَدْرٌ أَذْكَرَ فِي النَّاسِ مِنْهَا، كَانَ مِنْ خَبَرِي أَنِّي لَمْ أَكُنْ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ، وَاللَّهِ مَا اجْتَمَعَتْ عِنْدِي قَبْلَهُ رَاحِلَتَانِ قَطُّ حَتَّى جَمَعْتُهُمَا فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ غَزْوَةً إِلاَّ وَرَّى بِغَيْرِهَا حَتَّى كَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ غَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا وَمَفَازًا وَعَدُوًّا كَثِيرًا فَجَلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ فَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِ الَّذِي يُرِيدُ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَثِيرٌ، وَلَا يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ يُرِيدُ الدِّيوَانَ قَالَ كَعْبٌ: فَمَا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَتَغَيَّبَ إِلاَّ ظَنَّ أَنْ سَيَخْفَى لَهُ مَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْيُ اللَّهِ، وَغَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ الْغَزْوَةَ حِينَ طَابَتِ الثِّمَارُ وَالظِّلَالُ وَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ فَطَفِقْتُ أَغْدُو لِكَىْ أَتَجَهَّزَ مَعَهُمْ فَأَرْجِعُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا فَأَقُولُ فِي نَفْسِي أَنَا قَادِرٌ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَتَمَادَى بِي حَتَّى اشْتَدَّ بِالنَّاسِ الْجِدُّ، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جَهَازِي شَيْئًا فَقُلْتُ: أَتَجَهَّزُ بَعْدَهُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ؟ ثُمَّ أَلْحَقُهُمْ فَغَدَوْتُ بَعْدَ أَنْ فَصَلُوا لأَتَجَهَّزَ، فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا ثُمَّ غَدَوْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا فَلَمْ يَزَلْ بِي حَتَّى أَسْرَعُوا وَتَفَارَطَ الْغَزْوُ، وَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ، وَلَيْتَنِي فَعَلْتُ فَلَمْ يُقَدَّرْ لِي ذَلِكَ، فَكُنْتُ إِذَا خَرَجْتُ فِي النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَطُفْتُ فِيهِمْ أَحْزَنَنِي أَنِّي لَا أَرَى إِلاَّ رَجُلاً مَغْمُوصًا عَلَيْهِ النِّفَاقُ -أَوْ رَجُلاً مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ مِنَ الضُّعَفَاءِ- وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَلَغَ تَبُوكَ فَقَالَ وَهْوَ جَالِسٌ فِي الْقَوْمِ بِتَبُوكَ: «مَا فَعَلَ كَعْبٌ». فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ حَبَسَهُ بُرْدَاهُ وَنَظَرُهُ فِي عِطْفَيْهِِ، فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِئْسَ مَا قُلْتَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلاَّ خَيْرًا، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّهُ تَوَجَّهَ قَافِلاً حَضَرَنِي هَمِّي، فَطَفِقْتُ أَتَذَكَّرُ الْكَذِبَ وَأَقُولُ بِمَاذَا أَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ غَدًا، وَاسْتَعَنْتُ عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ ذِي رَأْيٍ مِنْ أَهْلِي، فَلَمَّا قِيلَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَظَلَّ قَادِمًا زَاحَ عَنِّي الْبَاطِلُ وَعَرَفْتُ أَنِّي لَنْ أَخْرُجَ مِنْهُ أَبَدًا بِشَىْءٍ فِيهِ

стр. 4929

كَذِبٌ فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ وَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَادِمًا وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَيَرْكَعُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ جَاءَهُ الْمُخَلَّفُونَ فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ وَيَحْلِفُونَ لَهُ وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلاً فَقَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَانِيَتَهُمْ وَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ، فَجِئْتُهُ فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ ثُمَّ قَالَ: «تَعَالَ» فَجِئْتُ أَمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لِي: «مَا خَلَّفَكَ أَلَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ»؟ فَقُلْتُ: بَلَى، إِنِّي وَاللَّهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا لَرَأَيْتُ أَنْ سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلاً، وَلَكِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَنِّي لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَىَّ وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلَىَّ فِيهِ، إِنِّي لأَرْجُو فِيهِ عَفْوَ اللَّهِ لَا وَاللَّهِ مَا كَانَ لِي مِنْ عُذْرٍ، وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ» فَقُمْتُ وَثَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَاتَّبَعُونِي فَقَالُوا لِي: وَاللَّهِ مَا عَلِمْنَاكَ كُنْتَ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هَذَا، وَلَقَدْ عَجَزْتَ أَنْ لَا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَا اعْتَذَرَ إِلَيْهِ الْمُتَخَلِّفُونَ قَدْ كَانَ كَافِيَكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَكَ، فَوَاللَّهِ مَا زَالُوا يُؤَنِّبُونِي حَتَّى أَرَدْتُ أَنْ أَرْجِعَ فَأُكَذِّبُ نَفْسِي، ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ، هَلْ لَقِيَ هَذَا مَعِي أَحَدٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ رَجُلَانِ قَالَا مِثْلَ مَا قُلْتَ فَقِيلَ لَهُمَا مِثْلُ مَا قِيلَ لَكَ فَقُلْتُ مَنْ هُمَا؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ الْعَمْرِيُّ، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيُّ، فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ قَدْ شَهِدَا بَدْرًا فِيهِمَا إِسْوَةٌ فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ وَتَغَيَّرُوا لَنَا حَتَّى تَنَكَّرَتْ فِي نَفْسِي الأَرْضُ فَمَا هِيَ الَّتِي أَعْرِفُ، فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً فَأَمَّا صَاحِبَاىَ فَاسْتَكَانَا وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا يَبْكِيَانِ، وَأَمَّا أَنَا فَكُنْتُ أَشَبَّ الْقَوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ، فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلَاةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَأَطُوفُ فِي الأَسْوَاقِ، وَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ وَآتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَهْوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَأَقُولُ فِي نَفْسِي هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ عَلَىَّ أَمْ لَا؟ ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ فَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلَاتِي أَقْبَلَ إِلَىَّ، وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي حَتَّى إِذَا طَالَ عَلَىَّ ذَلِكَ مِنْ جَفْوَةِ النَّاسِ مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ وَهْوَ ابْنُ عَمِّي، وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَىَّ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَوَاللَّهِ مَا رَدَّ عَلَىَّ السَّلَامَ فَقُلْتُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُنِي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ فَسَكَتَ فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَفَاضَتْ عَيْنَاىَ وَتَوَلَّيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ الْجِدَارَ، قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي بِسُوقِ الْمَدِينَةِ إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ أَنْبَاطِ أَهْلِ الشَّأْمِ مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ حَتَّى إِذَا جَاءَنِي دَفَعَ إِلَىَّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ فَإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ، وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوَانٍ وَلَا مَضْيَعَةٍ، فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ.

стр. 4930

فَقُلْتُ: لَمَّا قَرَأْتُهَا؟ وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الْبَلَاءِ، فَتَيَمَّمْتُ بِهَا التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهُ بِهَا حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً مِنَ الْخَمْسِينَ إِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَأْتِينِي فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ؟ قَالَ: لَا، بَلِ اعْتَزِلْهَا وَلَا تَقْرَبْهَا، وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَىَّ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقُلْتُ لاِمْرَأَتِي: الْحَقِي بِأَهْلِكِ فَتَكُونِي عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِي هَذَا الأَمْرِ، قَالَ كَعْبٌ: فَجَاءَتِ امْرَأَةُ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ شَيْخٌ ضَائِعٌ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ فَهَلْ تَكْرَهُ أَنْ أَخْدُمَهُ؟ قَالَ: «لَا، وَلَكِنْ لَا يَقْرَبْكِ» قَالَتْ: إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا بِهِ حَرَكَةٌ إِلَى شَىْءٍ، وَاللَّهِ مَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ إِلَى يَوْمِهِ هَذَا، فَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي امْرَأَتِكَ كَمَا أَذِنَ لاِمْرَأَةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ أَنْ تَخْدُمَهُ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَسْتَأْذِنُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَا يُدْرِينِي مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اسْتَأْذَنْتُهُ فِيهَا وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ فَلَبِثْتُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ، حَتَّى كَمَلَتْ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كَلَامِنَا، فَلَمَّا صَلَّيْتُ صَلَاةَ الْفَجْرِ صُبْحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً وَأَنَا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحَالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ قَدْ ضَاقَتْ عَلَىَّ نَفْسِي وَضَاقَتْ عَلَىَّ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أَوْفَى عَلَى جَبَلِ سَلْعٍ بِأَعْلَى صَوْتِهِ، يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ قَالَ: فَخَرَرْتُ سَاجِدًا وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ وَآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا وَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَىَّ مُبَشِّرُونَ وَرَكَضَ إِلَىَّ رَجُلٌ فَرَسًا وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ فَأَوْفَى عَلَى الْجَبَلِ، وَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الْفَرَسِ، فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَىَّ فَكَسَوْتُهُ إِيَّاهُمَا بِبُشْرَاهُ، وَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا وَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا يُهَنُّونِي بِالتَّوْبَةِ، يَقُولُونَ: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ قَالَ كَعْبٌ: حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ فَقَامَ إِلَىَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّانِي وَاللَّهِ مَا قَامَ إِلَىَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ، وَلَا أَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ: «أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ» قَالَ: قُلْتُ أَمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: «لَا، بَلْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ، وَإِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ» قُلْتُ فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا نَجَّانِي بِالصِّدْقِ وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لَا أُحَدِّثَ إِلاَّ صِدْقًا مَا بَقِيتُ، فَوَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَبْلَاهُ اللَّهُ فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي مَا تَعَمَّدْتُ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ

стр. 4931

إِلَى يَوْمِي هَذَا كَذِبًا وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِي اللَّهُ فِيمَا بَقِيتُ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ : ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١١٧] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] فَوَاللَّهِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَىَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطُّ بَعْدَ أَنْ هَدَانِي لِلإِسْلَامِ أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا أَكُونَ كَذَبْتُهُ فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أَنْزَلَ الْوَحْيَ شَرَّ مَا قَالَ لأَحَدٍ، فَقَالَ ﵎: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٥، ٩٦] قَالَ كَعْبٌ: وَكُنَّا تَخَلَّفْنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ عَنْ أَمْرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ حَلَفُوا لَهُ، فَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَأَرْجَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمْرَنَا حَتَّى قَضَى اللَّهُ فِيهِ فَبِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] وَلَيْسَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ مِمَّا خُلِّفْنَا عَنِ الْغَزْوِ إِنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إِيَّانَا وَإِرْجَاؤُهُ أَمْرَنَا عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَبِلَ مِنْهُ. وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة وفتح الكاف (قال: حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد الأيلي بفتح الهمزة بعدها تحتية ساكنة ثم لام (عن ابن شهاب) الزهري (عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب بن مالك) الأنصاري الشاعر (وكان) أي عبد الله (قائد كعب) أبيه (من) بين (بنيه) بفتح الموحدة وكسر النون وسكون التحتية (حين عمي) وكان بنوه أربعة عبد الله وعبد الرحمن ومحمد وعبيد الله ولابن السكن من بيته بالموحدة والتحتية الساكنة والفوقية قال ابن حجر. والصواب الأوّل (قال: سمعت) أبي (كعب بن مالك يحدث) عن حديثه (حين تخلف) مفعول به لا مفعول فيه (عن قصة تبوك) متعلق بقوله يحدث (قال كعب لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك غير أني كنت تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب) بكسر التاء مصححًا عليها في اليونينية مرقومًا عليها علامة أبي ذر في الفرع وأصله أي لم يعاتب الله (أحدًا) ولأبي الوقت وأبي ذر: ولم يعاتب بفتح التاء مبنيًّا للمفعول أحد بالرفع (تخلف عنها) عن غزوة بدر (إنما خرج رسول الله ﷺ ¬) إلى بدر (يريد عير قريش) بكسر العين الإبل التي تحمل الميرة (حتى جمع الله بينهم) أي بين المسلمين (وبين عدوّهم) كفار قريش (على غير ميعاد. ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة) مع الأنصار (حين تواثقنا) بالمثناة ثم المثلثة تعاهدنا وتعاقدنا (على الإسلام) والإيواء والنصرة قبل الهجرة (وما أحب أن لي بها) أي بدلها (مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر) أي أعظم ذكرًا (في الناس منها. كان من خبري أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر) أي مني كما في مسلم (حين تخلفت عنه) ﷺ (في تلك الغزاة) أي في غزوة تبوك (والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله ﷺ يريد غزوة إلا ورّى بغيرها) بفتح الواو والراء المشددة أي أوهم غيرها والتورية أن تذكر لفظًا يحتمل معنيين أحدهما أقرب من الآخر فيوهم إرادة القريب وهو يريد البعيد (حتى كانت تلك الغزوة) أي غزوة تبوك (غزاها رسول الله ﷺ في حر

стр. 4932

شديد واستقبل سفرًا بعيدًا ومفازًا) بفتح الميم والفاء آخره زاي فلاة لا ماء فيها (وعدوًّا كثيرًا) وذلك أن الروم قد جمعت جموعًا كثيرة وهرقل رزق أصحابه لسنة وأجلبت معه لخم وجذام وغسان وقدموا مقدماتهم إلى البلقاء (فجلّى) بالجيم واللام المشددة ويجوز تخفيفها أوضح (للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم) بضم الهمزة وسكون الهاء أي ما يحتاجون إليه في السفر والحرب ولأبي ذر عن الكشميهني أهبة عدوّهم بدل غزوهم (فأخبرهم) صلوات الله وسلامه عليه (بوجهه الذي يريد والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير ولا يجمعهم كتاب) بالتنوين (حافظ) كذلك بالتنوين وفي مسلم بالإضافة قال: الزهري (يريد الديوان). وزاد في رواية معقل يزيدون على عشرة آلاف ولا يجمعهم ديوان حافظ. وفي الإكليل للحاكم من حديث معاذ: أنهم كانوا زيادة على ثلاثين ألفًا، وبهذه العدة جزم ابن إسحاق، وأورده الواقدي بإسناد آخر موصول وزاد: أنه كانت معهم عشرة آلاف فرس، فتحمل رواية معاذ على إرادة عدد الفرسان، ولابن مردويه لا يجمعهم ديوان حافظ وقد نقل عن أبي زرعة الرازي أنهم كانوا في غزوة تبوك أربعين ألفًا ولا تخالف الرواية التي في الإكليل أكثر من ثلاثين ألفًا لاحتمال أن يكون من قال: أربعين ألفًا جبرًا لكسر قاله في الفتح، وتعقبه شيخنا فقال: بل المروي عن أبي زرعة أنهم كانوا سبعين ألفًا. نعم الحصر بالأربعين في حجة الوداع فكأنه سبق قلم أو انتقال نظر. (قال كعب) بن مالك بالإسناد السابق (فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أنه (سيخفى له) لكثرة الجيش (ما لم ينزل) بفتح أوله وكسر ثالثه (فيه وحي الله، وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال) وفي رواية موسى بن عقبة عن ابن شهاب في قيظ شديد في ليالي الخريف والناس خارفون في نخيلهم (وتجهز رسول الله ﷺ والمسلمون معه فطفقت) فأخذت (أغدو) بالغين المعجمة (لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض شيئًا) من جهازي (فأقول في نفسي أنا قادر عليه) متى شئت (فلم يزل يتمادى بي) الحال (حتى اشتد بالناس الجد) بكسر الجيم والرفع فاعلاً وهو الجهد في الشيء والمبالغة فيه، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: حتى اشتد الناس بالرفع على الفاعلية الجد بالنصب على نزع الخافض أو نعت لمصدر محذوف أي اشتد الناس الاشتداد الجدّ (فأصبح رسول الله ﷺ والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئًا) بفتح الجيم (فقلت: أتجهز بعده) ﷺ (بيوم أو يومين ثم ألحقهم فغدوت) بالغين المعجمة (بعد أن فصلوا) بالصاد المهملة (لأتجهز فرجعت ولم أقض شيئًا ثم غدوت ثم رجعت ولم أقض شيئًا فلم يزل بي حتى أسرعوا) ولأبي ذر عن الكشميهني شرعوا بالشين المعجمة. قال الحافظ ابن حجر: وهو تصحيف (وتفارط الغزو) بالفاء والراء والطاء المهملتين أي فات وسبق (وهممت أن أرتحل فأدركهم) بالنصب عطفًا على أتحل (وليتني فعلت) ذلك (فلم يقدر لي ذلك) فيه أن المرء إذا لاحت له فرصة في الطاعة فحقه أن يبادر إليها ولا يسوّف بها لئلا يحرمها. قال كعب: (فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله ﷺ فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلاً مغموصًا) بفتح الميم وسكون العين المعجمة بعدها ميم أخرى مضمومة فواو

стр. 4933

فصاد مهملة (عليه النفاق) أي يظن به النفاق ويتهم به وإني بفتح الهمزة. قال الزركشي: على التعليل. قال في المصابيح: ليس بصحيح إنما هي وصلتها فاعل أحزنني (أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك): (ما فعل كعب فقال رجل من بني سلمة): بكسر اللام وهو عبد الله بن أنيس السلمي بفتح السين واللام كما قال الواقدي قال في الفتح: وهو غير الجهني الصحابيّ المشهور (يا رسول الله حبسه برداه) تثنية برد (ونظره في عطفيه) بكسر العين المهملة والتثنية أي جانبيه كناية عن كونه معجبًا بنفسه ذا زهو وتكبر أو لباسه، أو كنى به عن حسنه وبهجته والعرب تصف الرداء بصفة الحسن وتسميه عطفًا لوقوعه في عطفي الرجل وفي نسخة باليونينية في عطفه بالإفراد. (فقال معاذ بن جبل) ﵁ له (بئس ما قلت والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلاّ خيرًا فسكت رسول الله ﷺ ¬) فبينما هو كذلك رأى رجلاً منتصبًا يزول به السراب فقال رسول الله ﷺ "كن أبا خيثمة" فإذا هو أبو خيثمة سعد بن أبي خيثمة الأنصاري، وعند الطبراني أنه قال: تخلفت عن رسول الله ﷺ فدخلت حائطًا فرأيت عريشًا قد رش بالماء، ورأيت زوجتي فقلت: ما هذا بإنصاف رسول الله ﷺ في السموم والحرّ وأنا في الظل والنعيم فقمت إلى ناضح لي وتمرات وخرجت فلما طلعت على العسكر فرآني الناس فقال النبي ﷺ "كن أبا خيثمة" فجئت فدعا لي. (قال كعب بن مالك: فلما بلغني أنه) ﷺ (توجه قافلاً) أي راجعًا إلى المدينة (حضرني همي فطفقت) أي أخذت (أتذكر الكذب) وعند ابن أبي شيبة وطفقت أعدّ العذر لرسول الله ﷺ إذا جاء وأهيئ الكلام (وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدًا واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل إن رسول الله ﷺ قد أظل قادمًا) أي دنا قدومه (زاح) بالزاي المعجمة وبالحاء المهملة أي زال (عني الباطل وعرفت أني لن أخرج منه أبدًا بشيء فيه كذب فأجمعت صدقه) أي جزمت به وعقدت عليه قصدي ولابن أبي شيبة عرفت أنه لا ينجيني منه إلا الصدق (وأصبح رسول الله ﷺ قادمًا) في رمضان كما قاله ابن سعد (وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين) فركعهما (ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون) الذين خلفهم كسلهم ونفاقهم عن غزوة تبوك (فطفقوا يعتذرون) أي يظهرون العذر (إليه) صلوات الله وسلامه عليه (ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلاً) من منافقي الأنصار قاله الواقدي، وأن المعذرين من الأعراب كانوا أيضًا اثنين وثمانين رجلاً من غفار وغيرهم، وأن عبد الله بن أبي ومن أطاعه من قومه من غير هؤلاء وكانوا عددًا كثيرًا، والبضع بكسر الموحدة وسكون الضاد المعجمة ما بين ثلاث إلى تسع على المشهور، وقيل إلى الخمس، وقيل ما بين الواحد إلى الأربعة، أو من أربع إلى تسع أو سبع وإذا جاوزت لفظ العشر ذهب البضع لا يقال بضع وعشرون أو يقال ذلك وهو مع المذكر بهاء ومع المؤنث بغير هاء بضعة وعشرون رجلاً وبضع وعشرون امرأة ولا يعكس قاله في القاموس.

стр. 4934

(فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم) أي ظواهرهم (وبايعهم واستغفر لهم ووكل) بفتحات مع التخفيف (سرائرهم إلى الله). قال كعب: (فجئته) ﷺ (فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب) بفتح الضاد المعجمة (ثم قال: تعال فجئت أمشي حتى جلست بين يديه) وعند ابن عائذ في مغازيه فأعرض عنه فقال: يا نبي الله لم تعرض عني فوالله ما نافقت ولا ارتبت ولا بدلت (فقال لي: ما خلفك) عن الغزو (ألم تكن قد ابتعت) أي اشتريت (ظهرك) قال: (فقلت: بلى إني والله لو) ولأبي ذر عن الكشميهني والله يا رسول الله لو (جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر ولقد أعطيت جدلاً) بفتح الجيم والدال المهملة فصاحة وقوة كلام بحيث أخرج من عهدة ما ينسب إليّ مما يقبل ولا يرد (ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك) اليوم (حديث صدق تجد) بكسر الجيم أي تغضب (عليّ فيه إنه لأرجو فيه عفو الله) عني (لا والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. فقال رسول الله ﷺ : أما) بتشديد الميم (هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك) ما يشاء (فقمت) فمضيت (وثار رجال) بالمثلثة أي وثبوا (من بني سلمة) بكسر اللام (فاتبعوني) بوصل الهمزة وتشديد الفوقية (فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبًا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر إليه المتخلفون) بالفوقية وكسر اللام المشددة ولأبي ذر المخلفون بإسقاط الفوقية وفتح اللام (قد كان كافيك) بفتح التحتية (ذنبك) أي من ذنبك (استغفار رسول الله ﷺ لك) برفع استغفار بقوله كافيك لأن اسم الفاعل يعمل عمل فعله (فوالله ما زالوا يؤنبونني) بالهمزة المفتوحة فنون مشددة فموحدة مضمومة ونونين أي يلومونني لومًا عنيفًا ولغير أبي ذر يؤنبوني (حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم رجلان قالا مثل ما قلت فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع) بضم الميم وتخفيف الراءين (العمري) بفتح العين المهملة وسكون الميم نسبة إلى بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس (وهلال بن أمية الواقفي) بتقديم القاف على الفاء نسبة إلى بني واقف بن امرئ القيس بن مالك بن الأوس. وعند ابن أبي حاتم من مرسل الحسن أن سبب تخلف الأول أنه كان له حائط حين زها فقال في نفسه: قد غزوت قبلها فلو أقمت عامي هذا فلما تذكر ذنبه قال: اللهم إني أشهدك أني قد تصدقت به في سبيلك. وأن الثاني كان له أهل تفرقوا ثم اجتمعوا فقال: لو أقمت هذا العام عندهم فلما تذكر ذنبه قال: اللهم لك عليّ أن لا أرجع إلى أهلي ولا مالي (فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا فيهما إسوة) بضم الهمزة وكسرها. وقد استشكل بأن أهل السير لم يذكروا واحدًا منهما فيمن شهد بدرًا ولا يعرف ذلك في غير هذا الحديث، وممن جزم بأنهما شهدا بدرًا الأثرم وهو ظاهر صنيع البخاري، وتعقب الأثرم

стр. 4935

ابن الجوزي ونسبه إلى الغلط لكن قال الحافظ ابن حجر: إنه لم يصب. قال: واستدلّ بعض المتأخرين لكونهما لم يشهدا بدرًا بما وقع في قصة حاطب وأن النبي ﷺ لم يهجره ولا عاقبه مع كونه جسّ عليه بل قال لعمر لما هم بقتله: "وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر" فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. قال: وأين ذنب التخلف من ذنب الجس؟ قال في الفتح: وليس ما استدلّ به بواضح لأنه يقتضي أن البدري عنده إذا جنى جناية ولو كبرت لا يعاقب عليها وليس كذلك، فهذا عمر مع كونه المخاطب بقصة حاطب قد جلد قدامة بن مظعون الحد لما شرب الخمر وهو بدري وإنما لم يعاقب ﷺ حاطبًا ولا هجره لأنه قبل عذره في أنه إنما كاتب قريشًا خشية على أهله وولده بخلاف تخلف كعب وصاحبيه فإنهم لم يكن لهم عذر أصلاً. قال كعب: (فمضيت حين ذكروهما لي) أي الرجلين (ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه) بالرفع أي خصوصًا الثلاثة كقولهم: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة قال أبو سعيد السيرافي: إنه مفعول فعل محذوف أي أريد الثلاثة أي أخص الثلاثة، وخالفه الجمهور وقالوا: أي منادى والثلاثة صفة له وإنما أوجبوا ذلك لأنه في الأصل كان كذلك فنقل إلى الاختصاص وكل ما نقل من باب إلى باب فإعرابه بحسب أصله كأفعال التعجب (فاجتتبنا الناس) بفتح الموحدة (وتغيروا لنا حتى تنكرت) أي تغيرت (في نفسي الأرض فما هي) الأرض (التي أعرف) لتوحشها عليّ، وهذا يجده الحزين والمهموم في كل شيء حتى يجده في نفسه. قال السهيلي: وإنما اشتدّ الغضب على من تخلف وإن كان الجهاد فرض كفاية لكنه في حق الأنصار خاصة فرض عين لأنهم بايعوا على ذلك ومصداق ذلك قولهم وهم يحفرون الخندق: نحن الذين بايعوا محمدا … على الجهاد ما بقينا أبدا فكان تخلفهم في هذه الغزوة كبيرة لأنه كالنكث لبيعتهم انتهى. وعند الشافعية وجه أن الجهاد كان فرض عين في زمنه ﷺ (فلبثنا على ذلك خمسين ليلة) استنبط منه جواز الهجران أكثر من ثلاث، وأما النهي عن الهجر فوق ثلاث فمحمول على من لم يكن هجرانه شرعيًا (فأما صاحباي) مرارة وهلال (فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان وأما أنا فكنت أشب القوم) أي أقواهم (وأجلدهم فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف) أي أدور (في الأسواق، ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله ﷺ فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه بردّ السلام عليّ أم لا) إنما لم يجزم بتحريك شفتيه ﵊ بالسلام لأنه لم يكن يديم النظر إليه من الخجل (ثم أصلي قريبًا منه فأسارقه النظر) بالسين المهملة والقاف أي أنظر إليه في خفية (فإذا أقبلت على صلاتي أقبل) ﵊ (إليّ وإذا التفت نحوه أعرض عني حتى إذا طال عليّ ذلك من جفوة الناس) بفتح الجيم وسكون الفاء أي من إعراضهم (مشيت حتى تسوّرت) أي علوت (جدار حائط أبي قتادة) الحارث بن ربعي الأنصاري ﵁ أي بستانه (وهو ابن عمي) لأنه من بني سلمة وليس هو ابن عمه أخي أبيه الأقرب (وأحب الناس إليّ

стр. 4936

فسلمت عليه فوالله ما ردّ عليّ السلام) لعموم النهي عن كلامهم (فقلت: يا أبا قتادة أنشدك) بفتح الهمزة وضم الشين المعجمة أسألك (بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله فسكت فعدت له فنشدته) بفتح المعجمة فسألته بالله كذلك (فسكت فعدت له فنشدته فقال: الله ورسوله أعلم) وليس ذلك تكليمًا لكعب لأنه لم ينو به ذلك لأنه منهي عنه بل أظهر اعتقاده فلو حلف لا يكلم زيدًا فسأله عن شيء فقال: الله أعلم ولم يرد جوابه ولا إسماعه لا يحنث (ففاضت عيناي وتوليت حتى تسوّرت الجدار) للخروج من الحائط. (قال: فبينا) بغير ميم (أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي) بفتح النون والموحدة وكسر الطاء المهملة (من أنباط أهل الشام) بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الموحدة فلاح وكان نصرانيًا ولم يسم (ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول من يدل على كعب بن مالك فطفق الناس يشيرون له) إليّ يعني ولا يتكلمون بقولهم مثلاً هذا كعب مبالغة في هجره والإعراض عنه (حتى إذا جاءني دفع إليّ كتابًا من ملك غسان) بفتح الغين المعجمة وتشديد السين المهملة جبلة بن الأيهم أو هو الحارث بن أبي شمر وعند ابن مردويه فكتب إليّ كتابًا في سرقة من حرير (فإذا فيه: أمّا بعد فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة) بسكون الضاد المعجمة أي حيث يضيع حقك (فالحق بنا) بفتح الحاء المهملة (نواسك) بضم النون وكسر السين المهملة من المواساة (فقلت لما قرأتها) أي الصحيفة المكتوب فيها (وهذا أيضًا من البلاء) وعند ابن أبي شيبة قد طمع فيّ أهل الكفر (فتيممت) أي قصدت (بها التنور) بفتح الفوقية الذي يخبز فيه (فسجرته) بالسين المهملة المفتوحة والجيم أي أوقدته (بها). وهذا يدل على قوّة إيمانه وشدّة محبته لله ورسوله على ما لا يخفى. وعند ابن عائذ: أنه شكا حاله إلى رسول الله ﷺ وقال: ما زال إعراضك عني حتى رغب فيّ أهل الشرك (حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول الله ﷺ ¬) قال الواقدي: هو خزيمة بن ثابت. قال: وهو الرسول إلى مرارة وهلال بذلك، ولأبي ذر: إذا رسول رسول الله ﷺ (يأتيني فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك) عميرة بنت جبير بن صخر بن أمية الأنصارية أم أولاده الثلاثة أو هي زوجته الأخرى خيرة بفتح الخاء المعجمة بعدها تحتية ساكنة (فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا بل اعتزلها) بكسر الزاي مجزوم بالأمر (ولا تقربها) معطوف عليه (وأرسل إلى صاحبيّ) بتشديد الياء (مئل ذلك فقلت لامرأتي: الحقي) بفتح الحاء (بأهلك فتكوني عندهم حتى يقضي الله فيّ هذا الأمر) فلحقت بهم. (قال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أمية) خولة بنت عاصم (رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه؟ قال: لا ولكن لا يقربك) بالجزم على النهي (قالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا) قال كعب: (فقال لي بعض أهلي): قال في الفتح: لم أقف على اسمه. واستشكل هذا مع نهيه ﷺ الناس عن كلام الثلاثة.

стр. 4937

وأجيب: بأنه عبّر عن الإشارة بالقول يعني فلم يقع الكلام اللساني وهو المنهي عنه قاله ابن الملقن. قال في المصابيح: وهذا بناء منه على الوقوف عند اللفظ واطراح جانب المعنى، وإلاّ فليس المقصود بعدم المكالمة عدم النطق باللسان فقط، بل المراد هو وما كان بمثابته من الإشارة المفهمة لما يفهمه القول باللسان، وقد يجاب بأن النهي كان خاصًّا بمن عدا زوجة هلال وغشيانه إياها، وقد أذن لها في خدمته، ومعلوم أنه لا بدّ في ذلك من مخالطة وكلام، فلم يكن النهي شاملاً لكل أحد، وإنما هو شامل لمن لا تدعو حاجة هؤلاء إلى مخالطته وكلامه من زوجة وخادم ونحو ذلك، فلعل الذي قال لكعب من أهله: (لو استأذنت رسول الله ﷺ في امرأتك) لتخدمك (كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه) كان ممن لم يشمله النهي. قال كعب (فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ وما يدريني ما يقول رسول الله ﷺ إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب) قوي على خدمة نفسي (فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت) بفتح الميم (لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله ﷺ عن كلامنا) أيها الثلاثة (فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا فبينا) بغير ميم (أنا جالس على الحال التي) قد (ذكر الله قد ضاقت عليّ نفسي) أي قلبي لا يسعه أنس ولا سرور من فرط الوحشة والغم (وضاقت عليّ الأرض بما رحبت) برحبها أي مع سعتها وهو مثل للحيرة في أمره كأنه لا يجد فيها مكانًا يقرّ فيه قلقًا وجزعًا، وإذا كان هؤلاء لم يأكلوا مالاّ حرامًا ولا سفكوا دمًا حرامًا ولا أفسدوا في الأرض وأصابهم ما أصابهم فكيف بمن واقع الفواحش والكبائر وجواب بينا قوله: (سمعت صوت صارخ أوفى) بالفاء مقصورًا أي أشرف (على جبل سلع) بفتح السين المهملة وسكون اللام (بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر) بهمزة قطع. وعند الواقدي وكان الذي أوفى على سلع أبا بكر الصديق فصاح: قد تاب الله على كعب (قال) كعب: (فخررت ساجدًا) شكرًا لله (وعرفت أن قد جاء فرج وآذن) بالمد أي أعلم (رسول الله ﷺ بتوبة الله علينا حين صلّى صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا)، أيها الثلاثة بتوبة الله علينا (وذهب قبل) بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهة (صاحبيّ) مرارة وهلال (مبشرون) يبشرونهما (وركض إليّ) بتشديد الياء أي استحث (رجل فرسًا) للعدو وعند الواقدي أنه الزبير بن العوّام (وسعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل)، هو حمزة بن عمرو الأسلمي رواه الوقدي. وعند ابن عائذ أن اللذين سعيا أبو بكر وعمر ﵄ لكنه صدره بقوله زعموا (وكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته) هو حمزة الأسلمي (يبشرني نزعت له ثوبي) بتشديد الياء بالتثنية (فكسوته إياهما ببشراه) لي بتوبة الله عليّ (والله ما أملك) من الثياب (غيرهما يومئذ) وقد كان له مال غيرهما كما صرح به فيما يأتي (واستعرت ثوبين) أي من أبي قتادة كما عند الواقدي (فلبستهما وانطلقت إلى رسول الله ﷺ فيتلقاني الناس فوجًا فوجًا) جماعة جماعة (يهنوني) ولأبي ذر: يهنونني (بالتوبة يقولون: لتهنك) بكسر النون (توبة الله عليك. قال كعب: حتى دخلت المسجد فإذا

стр. 4938

رسول الله ﷺ جالس حوله الناس فقام إليّ) بتشديد الياء (طلحة بن عبيد الله) بضم العين أحد العشرة المبشرة بالجنة (يهرول) أي يسير بين المشي والعدو (حتى صافحني وهناني والله ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره) وكانا أخوين آخى النبي ﷺ بينهما كذا قاله البرماوي كغيره، وتعقب بأن الذي ذكره أهل المغازي أنه كان أخا الزبير، لكن كان الزبير أخًا في أخوة المهاجري فهو أخو أخيه (ولا أنساها لطلحة) أي هذه الخصلة وهي بشارته إياي بالتوبة أي لا أزال أذكر إحسانه إليّ بذلك وكنت رهين مسرته (قال كعب: فلما سلّمت على رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ وهو يبرق وجهه من السرور): (أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك) أي سوى يوم إسلامه وهو مستثنى تقديرًا، وإن لم ينطق به أوان يوم توبته مكمل ليوم إسلامه، فيوم إسلامه بداية سعادته، ويوم توبته مكمل لها فهو خير من جميع أيامه وإن كان يوم إسلامه خيرها فيوم توبته المضاف إلى إسلامه خير من يوم إسلامه المجرد عنها (قال) كعب: (قلت أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: لا بل من عند الله) زاد ابن أبي شيبة أنتم صدقتم الله فصدقكم. (وكان رسول الله ﷺ إذا سرّ) بضم السين وتشديد الراء مبنيًّا للمفعول (استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر) قيل: قال قطعة قمر احترازًا من السواد الذي في القمر أو إشارة إلى موضع الاستنارة وهو الجبين الذي فيه يظهر السرور. قالت عائشة: مسرورًا تبرق أسارير وجهه فكان التشبيه وقع على بعض الوجه فناسب أن يشبه ببعض القمر (وكنا نعرف ذلك منه) أي الذي يحصل له من استنارة وجهه عند السرور (فلما جلست بين يديه) ﷺ (قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع) أخرج (من) جميع (مالي صدقة) قال الزركشي وتبعه البرماوي وابن حجر وغيرهما: هي مصدر فيجوز انتصابه بانخلع لأن معنى انخلع أتصدق، ويجوز أن يكون مصدرًا في موضع الحال أي متصدقًا، وتعقبه في المصابيح فقال: لا نسلم أن الصدقة مصدر، وإنما هي اسم لما يتصدق به ومنه قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [التوبة: ١٠٣] وفي الصحاح: الصدقة ما تصدق به على الفقراء فعلى هذا يكون نصبها على الحال من مالي (إلى رسول الله ﷺ ¬) أي صدقة خالصة لله ولرسول الله، فإلى بمعنى اللام، ولأبي ذر إلى رسوله (قال رسول الله ﷺ ¬): له خوفًا عليه من تضرره بالفقر وعدم صبره على الإضافة: (أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك قلت: أمسك سهمي الذي بخيبر فقلت: يا رسول الله إن الله إنما نجاني بالصدق وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقًا ما بقيت) بكسر القاف (فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله) بالموحدة الساكنة أي أنعم عليه (في صدق الحديث منه ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ أحسن مما أبلاني) أي مما أنعم عليّ، وفيه الأفضلية لا نفي المساواة لأنه شاركه في ذلك هلال ومرارة. (ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا كذبًا وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت، وأنزل الله تعالى على رسول الله ﷺ ﴿لقد تاب الله على

стр. 4939

النبي﴾) [التوبة: ٤٣] أي تجاوز عنه إذنه للمنافقين في التخلف كقوله: ﴿عفا الله عنك لِمَ أذنت لهم﴾ [التوبة: ٤٣] (﴿والمهاجرين والأنصار﴾) ثبت لأبي ذر والأنصار وفيه حث للمؤمنين على التوبة وأنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج إلى التوبة والاستغفار حتى النبي ﷺ والمهاجرين والأنصار (إلى قوله: ﴿وكونوا مع الصادقين﴾ [التوية: ١١٧]) في إيمانهم دون المنافقين أو مع الذين لم يتخلفوا (فوالله ما أنعم الله عليّ من نعمة قط بعد أن) ولأبي ذر عن الكشميهني: بعد إذ (هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله ﷺ أن لا كون) أي أن أكون (كذبته) فلا زائدة كقوله تعالى: ﴿ما منعك ألا تسجد﴾ [الأعراف: ١٢] (فأهلك) بكسر اللام والنصب أي فإن أهلك (كما هلك الذين كذبوا فإن الله تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد) أي قال: قولا شرّ ما قال بالإضافة. أي شر القول الكائن لأحد من الناس (فقال ﵎: ﴿سيحلفون بالله لك إذا انقلبتم﴾) إذا رجعتم إليهم من الغزو (إلى قوله: ﴿فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين﴾) [التوبة: ٩٥، ٩٦] أي فإن رضاكم وحدكم لا ينفعهم إذا كان الله ساخطًا عليهم وكانوا عرضة لعاجل عقوبته وأجلها. (قال كعب: وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا له) أن تخلفهم كان لعذر (فبايعهم واستغفر لهم وأرجأ) بالجيم والهمزة آخره أي أخّر (رسول الله ﷺ أمرنا) أيها الثلاثة (حتى قضى الله فيه) بالتوبة (فبذلك قال الله) تعالى: (﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ [التوبة: ١١٨]) بضم الخاء وكسر اللام المشددة وسكون الفاء (عن الغزو وإنما) بالواو ولأبي الوقت ولغيره إنما (هو تخليفه) بالخاء المعجمة (إيانا وإرجاؤه) أي تأخيره (أمرنا عمن حلف له) ﷺ (واعتذر إليه فقبل منه) ﵊ اعتذاره، والمراد على قوله: أنهم حلفوا عن التوبة لا عن الغزو. وقد أخرج المؤلّف -رحمه الله تعالى- حديث غزوة تبوك وتوبة الله على كعب في عشرة مواضع مطوّلاً ومختصرًا، وسبق بعضها، ويأتي منها إن شاء الله تعالى في الاستئذان والأحكام، وأخرجه مسلم في التوبة، وأبو داود في الطلاق وكذا النسائي. ٨٠ - باب نُزُولُ النَّبِيِّ ﷺ الْحِجْرَ (نزول النبي ﷺ الحجر) بكسر الحاء المهملة وسكون الجيم وهي منازل ثمود قوم صالح ﵇ بين المدينة والشام. ٤٤١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لَمَّا مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِالْحِجْرِ قَالَ: «لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ إِلاَّ أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ» ثُمَّ قَنَّعَ رَأْسَهُ وَأَسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى أَجَازَ الْوَادِيَ.

стр. 4940

وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد الجعفي) بضم الجيم وسكون المهملة المسندي بفتح النون قال: (حدثنا عبد الرزاق) بن همام الحافظ أبو بكر الصنعاني قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن سالم) هو ابن عبد الله بن عمر أحد فقهاء التابعين (عن ابن عمر ﵄) أنه (قال: لما مرّ النبي ﷺ بالحجر) ديار ثمود بين المدينة والشام في غزوة تبوك (قال) لأصحابه الذين معه: (لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم) بالكفر (أن يصيبكم) بفتح الهمزة مفعولاً له أي مخافة الإصابة أو لئلا يصيبكم (ما أصابهم) من العذاب (إلا أن تكونوا باكين، ثم قنع) بفتح القاف والنون المشدّدة أي ستر ﷺ (رأسه) بردائه (وأسرع السير حتى أجاز الوادي) بالجيم والزاي أي قطعه. وهذا الحديث سبق في باب قول الله تعالى: ﴿وإلى ثمود أخاهم صالحًا﴾ [الأعراف: ٧٣] من أحاديث الأنبياء. ٤٤٢٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَصْحَابِ الْحِجْرِ: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ، إِلاَّ أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ». وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة مصغرًا قال: (حدّثنا مالك) الإمام (عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵄) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ لأصحاب الحجر): أي عن أصحاب الحجر فاللام بمعنى عن، أو قال عند أصحاب الحجر المعذبين هناك. (لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين) بفتح الذال المعجمة ثمود (إلا أن تكونوا باكين) مخافة (أن يصيبكم مثل ما أصابهم) من العقاب ومثل بالرفع وسقط لأبي ذر. ٨١ - باب هذا (باب) بالتنوين بغير ترجمة. ٤٤٢١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ اللَّيْثِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: ذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ فَقُمْتُ أَسْكُبُ عَلَيْهِ الْمَاءَ لَا أَعْلَمُهُ إِلاَّ قَالَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ، وَذَهَبَ يَغْسِلُ ذِرَاعَيْهِ فَضَاقَ عَلَيْهِ كُمُّ الْجُبَّةِ فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتِ جُبَّتِهِ فَغَسَلَهُمَا ثُمَّ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ. وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير عن الليث) بن سعد الإمام (عن عبد العزيز بن أبي سلمة) هو عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة بفتح اللام الماجشون التيمي مولاهم المدني (عن سعد بن
следующие страницы →