Полный текст (8 298 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.
стр. 5006
المسبب، فإذا انتفى دعوى الندّ انتفى دخول النار، وإذا انتفى دخولها لزم دخول الجنة إذ لا دار بينهما، وأما أصحاب الأعراف فقد عرف استثناؤهم من العموم.
٢٣ - باب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] ﴿عُفِىَ﴾: تُرِكَ
(﴿يا أيها الذين آمنوا﴾) ولأبي ذر: باب بالتنوين (﴿يا أيها الذين آمنوا﴾) ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾) أي بسبب القتلى كقوله: "دخلت امرأة النار في هرة" والقصاص مأخوذ من قصّ الأثر فكأن القاتل سلك طريقًا من القتل يقص أثره فيها ويمشي على سبيله في ذلك، والقتلى جمع قتيل لفظ مؤنث تأنيث الجماعة أي فرض عليكم على التخيير إذا كان القتل عمدًا ظلمًا أن يقتل (﴿الحر بالحر﴾ -إلى قوله- ﴿عذاب أليم﴾) [البقرة: ١٧٨]. وسقط لأبي ذر ﴿الحر بالحر﴾ وقال إلى ﴿أليم﴾.
وقد روى ابن أبي حاتم في سبب نزول هذه الآية أن حيين من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل، وكان بينهم قتل وجراحات حتى قتلوا العبيد والنساء فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا، وكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة والأموال، فحلفوا أن لا يرضوا حتى يقتل الحر منكم بالعبد والذكر بالأنثى فنزلت. واستدلّ بها المالكية والشافعية على أنه لا يقتل الحر بالعبد، لكن قال البيضاوي: لا دلالة فيها على أنه لا يقتل الحر بالعبد والذكر بالأنثى كما لم يدل على عكسه فإن المفهوم إنما يعتبر حيث لم يظهر للتخصيص غرض سوى اختصاص الحكم، وقد بيّنا ما كان الغرض وإنما منع مالك والشافعي قتل الحر بالعبد سواء كان عبده أو عبد غيره لحديث: "لا يقتل حر بعبد" رواه الدارقطني.
وقال الحنفية: آية البقرة منسوخة بآية المائدة. ﴿النفس بالنفس﴾ فالقصاص ثابت بين العبد والحر والذكر والأنثى، ويستدلون بقوله ﵊: "المسلمون تتكافأ دماؤهم" وبأن التفاضل غير معتبر في الأنفس بدليل أن جماعة لو قتلوا واحدًا قتلوا به. وأجيب: بأن دعوى النسخ بآية المائدة غير سائغة لأنه حكاية ما في التوراة فلا ينسخ ما في القرآن. وعن الحسن وغيره لا يقتل الرجل بالمرأة لهذه الآية، وخالفهم الجمهور وهو مذهب الأئمة الأربعة فقالوا: يقتل الذكر بالأنثى والأنثى بالذكر بالإجماع، وحينئذ فما نقله في الكشاف عن الشافعي ومالك أنه لا يقتل الذكر بالأنثى لا عمل عليه (﴿عفي﴾) [البقرة: ١٧٨] أي (ترك) وسقط ذلك في نسخ.
٤٤٩٨ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ الْقِصَاصُ، وَلَمْ تَكُنْ فِيهِمُ الدِّيَةُ. فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِهَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى
стр. 5007
بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] فَالْعَفْوُ أَنْ يَقْبَلَ الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ. ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ يَتَّبِعُ بِالْمَعْرُوفِ وَيُؤَدِّي بِإِحْسَانٍ ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ مِمَّا كُتِبَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ﴿فَمَنِ اعْتَدَي بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قَتَلَ بَعْدَ قَبُولِ الدِّيَةِ.
[الحديث ٤٤٩٨ - طرفه في: ٦٨٨١].
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير بن عيسى المكي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا عمرو) هو ابن دينار (قال: سمعت مجاهدًا) هو ابن جبر المفسر (قال: سمعت ابن عباس ﵄ يقول): كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن فيهم الدّية فقال الله تعالى لهذه الأمة: (﴿كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عُفي له من أخيه شيء﴾) أي شيء من العفو لأن عمّا لازم وفائدته الإشعار بأن بعض العفو كالعفو التام في إسقاط القصاص، وقيل عُفي بمعنى ترك وشيء مفعول به وهو ضعيف إذ لم يثبت عمّا الشيء بمعنى تركه بل أعفاه وعفا يعدى بعن إلى الجاني وإلى الذنب. قال الله تعالى: ﴿عفا الله عنك﴾ [التوبة: ٤٣] وقال: ﴿عفا الله عنها﴾ [المائدة: ١٠١] فإذا عدى به إلى الذنب عدى إلى الجاني باللام كأنه قيل: فمن عفى له عن جنايته من جهة أخيه يعني وليّ الدم، وذكره بلفظ الأخوة الثابتة بينهما من الجنسية والإسلام ليرق له بعطف عليه قاله القاضي في تفسيره (فالعفو أن يقبل) الولي (الدية) من المعفو عنه (في) القتل (العمد ﴿فاتباع بالمعروف وأداء بإحسان﴾ يتبع) بتشديد الفوقية وكسر الموحدة ولأبي ذر يتبع بفتح التحتية وسكون الفوقية وفتح الموحدة أي يطلب ولي المقتول الدّية (بالمعروف) من غير عنف (ويؤدي) المعفو عنه الدّية (بإحسان) من غير مطل ولا بخس.
(﴿ذلك﴾) الحكم المذكور من العفو والدية (﴿تخفيف من ربكم﴾ مما كتب على من كان قبلكم﴾) [البقرة: ١٧٨] لأن أهل التوراة كتب عليهم القصاص فقط وحرم عليهم العفو وأخذ الدّية وأهل الإنجيل العفو، وحرم عليهم القصاص والدية، وخيرت هذه الأمة المحمدية بين الثلاثة: القصاص والدّية والعفو تيسيرًا عليهم وتوسعة (﴿فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم﴾) [البقرة: ١٧٨] أي (قتل) بفتحات (بعد قبول الدية) فله عذاب موجع في الآخرة أو في الدنيا بأن يقتل لا محالة. قال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، عن الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا أعافي رجلًا" وفي رواية "أحدًا قتل بعد أخذه الدّية" يعني لا أقبل منه الدّية بل أقتله.
٤٤٩٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن عبد الله) بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك بن النضر
стр. 5008
(الأنصاري) وسقط ابن عبد الله لأبي ذر قال: (حدّثنا حميد) الطويل (أن أنسًا حدثهم عن النبي ﷺ قال):
(كتاب الله القصاص) برفعهما على أن كتاب الله مبتدأ والقصاص خبره ونصبهما على أن الأول إغراء، والثاني بدل منه، ونصب الأول ورفع الثاني على أنه مبتدأ محذوف الخبر أي اتبعوا كتاب الله ففيه القصاص، والمعنى حكم كتاب الله القصاص ففيه حذف مضاف وهو يشير إلى قوله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾ وقوله: ﴿والسن بالسن﴾ [المائدة: ٤٥] وهو ثلاثي الإسناد مختصر هنا ساقه مطوّلًا في الصلح، وفي هذا الباب بنحوه رباعيًا فقال بالسند إليه:
٤٥٠٠ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بَكْرٍ السَّهْمِيَّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ الرُّبَيِّعَ عَمَّتَهُ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ فَطَلَبُوا إِلَيْهَا الْعَفْوَ، فَأَبَوْا فَعَرَضُوا الأَرْشَ فَأَبَوْا فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَبَوْا إِلاَّ الْقِصَاصَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْقِصَاصِ فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ، لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا أَنَسُ كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ» فَرَضِيَ الْقَوْمُ فَعَفَوْا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ».
(حدّثني) بالإفراد (عبد الله بن منير) بضم الميم وكسر النون وبعد التحتية الساكنة راء أبو عبد الرحمن الزاهد المروزي أنه (سمع عبد الله بن بكر) بسكون الكاف (السهمي) قال: (حدّثنا حميد) الطويل (عن أنس) ﵁ (أن الربيع) بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد التحتية المكسورة بنت النضر (عمته) أي عمة أنس (كسرت ثنية جارية) أي امرأة شابة لا أمة إذ لا قصاص بين الأمة والحرّة (فطلبوا) أي قوم الربيع (إليها العفو) عن الربيع (فأبوا) أي قوم الجارية (فعرضوا) يعني قوم الربيع (الأرش فأبوا) إلا القصاص (فأتوا رسول الله ﷺ ¬) ليقضي بينهم بحكم الله (وأبوا) أي امتنعوا من أخذ الأرش والعفو (إلا القصاص فأمر رسول الله ﷺ بالقصاص) يحتمل أن يكون المراد بالكسر القلع أو كسرًا يمكن المماثلة فيه ليتصور القصاص المأمور به، وإلاّ فلا قصاص في كسر عظم غير منضبط (فقال أنس بن النضر): بفتح النون وسكون الضاد المعجمة عم أنس بن مالك (يا رسول الله أتكسر ثنية الربيع لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها) ردًّا لحكم الشرع بل نفي لوقوعه توقعًا ورجاء من فضل الله تعالى أن يرضي خصمها ويلقي في قلبه العفو عنها (فقال رسول الله ﷺ ¬):
(يا أنس كتاب الله) أي حكم كتاب الله (القصاص) وسقط قوله فقال رسول الله ﷺ إلى آخره من الفرع (فرضي القوم فعفوا) عن الربيع (فقال رسول الله ﷺ : إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرّه) أي جعله بارًّا في قسمه وفعل ما أراده.
стр. 5009
٢٤ - باب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
(باب) ذكر قوله تعالى: (﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام﴾) مصدر صام يصوم صيامًا الأصل صوامًا فأبدلت الواو ياء، والصوم لغة الإمساك وشرعًا الإمساك عن المفطرات الثلاث الأكل والشرب والجماع نهارًا مع النية (﴿كما كتب على الذين عن قبلكم﴾) قيل موضعه نصب نعت مصدر محذوف أي كتب كتبًا وقيل كاف كما في موضع نصب على النعت تقديره كتابًا كما أو صومًا كما أو علي الحال كان الكلام كتب عليكم الصيام مشبهًا ما كتب على الذين من قبلكم، والمعنى كما قيل صومكم كصومهم في عدد الأيام كما روي أن رمضان كتب على النصارى فوقع في برد أو حر شديد فحوّلوه إلى الربيع وزادوا عليه عشرين يومًا كفارة لتحويله فالتشبيه حقيقة. وروى ابن أبي حاتم من حديث ابن عمر مرفوعًا بإسناد فيه مجهول صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم، أو المراد مطلق الصيام دون وقته وقدره، فالتشبيه واقع على نفس الصوم فقط وكان الصوم على آدم ﵊ أيام البيض وعلى قوم موسى عاشوراء فالتشبيه لا يقتضي التسوية من كل وجه (﴿لعلكم تتقون﴾) [البقرة: ١٨٣] لأن الصوم فيه تزكية للبدن وتضييق لمسالك الشيطان.
٤٥٠١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ عَاشُورَاءُ يَصُومُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ قَالَ: مَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَصُمْهُ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن عبيد الله) بضم العين مصغرًا ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر ﵄) أنه (قال: كان عاشوراء يصومه أهل الجاهلية) قريش ولعلهم اقتدوا في ذلك بشرع سبق (فلما نزل رمضان) أي صوم رمضان في شعبان في السنة الثانية من الهجرة (قال) ﵊: (من شاء صامه ومن شاء لم يصمه).
٤٥٠٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ عَاشُورَاءُ يُصَامُ قَبْلَ رَمَضَانَ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ مَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا ابن عيينة) سفيان (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة رضي الله تعالى
стр. 5010
عنها) أنها (قالت: كان عاشوراء يصام قبل رمضان فلما نزل رمضان) أي فرض صومه زاد هنا لغير أبي ذر لفظة قال: (من شاء صام) أي عاشوراء (ومن شاء أفطر).
٤٥٠٣ - حَدَّثَنِي مَحْمُودٌ أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: دَخَلَ عَلَيْهِ الأَشْعَثُ وَهْوَ يَطْعَمُ فَقَالَ: الْيَوْمُ عَاشُورَاءُ فَقَالَ: كَانَ يُصَامُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ رَمَضَانُ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ تُرِكَ فَادْنُ فَكُلْ.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (محمود) هو ابن غيلان قال: (أخبرنا عبيد الله) بضم العين مصغرًا ابن موسى بن باذام الكوفي (عن إسرائيل) بن يونس (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن إبراهيم) النخعي (عن علقمة) بن قيس (عن عبد الله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه (قال: دخل عليه الأشعث) بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وبعد العين المهملة المفتحة مثلثة ابن قيس الكندي، وكان ممن أسلم ثم ارتدّ بعد النبي ﷺ ، ثم رجع إلى الإسلام في خلافة الصديق رضي الله تعالى عنه (وهو يطعم) بفتح أوّله وثالثه أي والحال أن عبد الله كان يأكل (فقال) أي الأشعث: (اليوم عاشوراء) وعند مسلم من رواية عبد الرحمن بن يزيد فقال أي ابن مسعود يا أبا محمد وهي كنية الأشعث ادن إلى الغداء قال أوليس اليوم يوم عاشوراء (فقال) أي ابن مسعود: (كان يصام) يعني عاشوراء (قبل أن ينزل) بضم أوّله وفتح ثالثه لأبي ذر ولغيره بفتح ثم كسر (رمضان فلما نزل رمضان ترك) بضم أوّله مبنيًّا للمفعول أي ترك صومه (فادن) بهمزة الوصل أي فاقرب (فكل).
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الصوم.
٤٥٠٤ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصُومُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ كَانَ رَمَضَانُ الْفَرِيضَةَ وَتُرِكَ عَاشُورَاءُ، فَكَانَ مَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَصُمْهُ.
وبه قال: (حدّثنا) وفي الفرع كأصله حدّثني بالإفراد (محمد بن المثنى) العنزي الزمن البصري قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان قال: (حدّثنا هشام) هو ابن عروة (قال: أخبرني) بالإفراد (أبي) عروة بن الزبير (عن عائشة رضي الله تعالى عنها) أنها (قالت: كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان النبي ﷺ يصومه) زاد في كتاب الصوم في رواية أبوي الوقت وذر وابن عساكر في الجاهلية (فلما قدم المدينة صامه) على عادته (وأمر) الناس (بصيامه، فلما نزل رمضان كان رمضان الفريضة وترك عاشوراء فكان من شاء صامه ومن شاء لم يصمه).
واستدل بهذا على أن صيام عاشوراء كان فريضة قبل نزول رمضان ثم نسخ، لكن في
стр. 5011
حديث معاوية السابق في الصيام سمعت رسول الله ﷺ يقول: "هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه" وهو دليل مشهور ومذهب الشافعية والحنابلة أنه لم يكن فرضًا قط ولا نسخ برمضان وبقية مبحث ذلك سبقت في الصوم.
٢٥ - باب قَوْلِهِ: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وَقَالَ عَطَاءٌ: يُفْطِرُ مِنَ الْمَرَضِ كُلِّهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ الْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ فِي الْمُرْضِعِ وَالْحَامِلِ إِذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا أَوْ وَلَدِهِمَا تُفْطِرَانِ ثُمَّ تَقْضِيَانِ وَأَمَّا الشَّيْخُ الْكَبِيرُ إِذَا لَمْ يُطِقِ الصِّيَامَ فَقَدْ أَطْعَمَ أَنَسٌ بَعْدَ مَا كَبِرَ عَامًا أَوْ عَامَيْنِ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا خُبْزًا وَلَحْمًا وَأَفْطَرَ. قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ يُطِيقُونَهُ وَهْوَ أَكْثَرُ
(باب قوله) وسقط ذلك لغير أبي ذر (﴿أيامًا معدودات﴾) أي مؤقتات بعدد معلوم ونصب أيامًا بعامل مقدر أي صوموا أيامًا، وهذا النصب إما على الظرفية أو المفعول به اتساعًا وقيل نصب بكتب إما على الظرف أو المفعول به، وردّه أبو حيان فقال: أما النصب على الظرفية فإنه محل للفعل والكتابة ليست واقعة في الأيام لكن متعلقها هو الواقع في الأيام وأما على المفعول اتساعًا فإن ذلك مبني على كونه ظرفًا لكتب وتقدم أنه خطأ ومعدودات صفة والمراد به رمضان أو ما وجب صومه قبل وجوبه ونسخ به وهو عاشوراء كما مر (﴿فمن كان منكم مريضًا﴾) مرضًا يضره الصوم ويشق عليه معه (﴿أو على سفر﴾) في موضع نصب عطفًا على خبر كان وأو للتنويع (﴿فعدّة﴾) أي فعليه صوم عدّة أيام المرض أو السفر (﴿من أيام أخر﴾) إن أفطر فحذف الشرط والمضاف والمضاف إليه للعلم به (﴿وعلى الذين يطيقونه﴾) إن أفطروا (﴿فدية طعام مسكين﴾) نصف صاع من بر أو صاع من غيره ثم نسخ ذلك (﴿فمن تطوّع خيرًا﴾) فزاد في الفدية (﴿فهو﴾) أي فالتطوّع (﴿خير له﴾) وله في محل رفع صفة لخير فيتعلق بمحذوف أي خير كائن له (﴿وأن تصوموا﴾) أيها المطيقون وأن مصدرية أي صومكم وهو مرفوع بالابتداء خبره (﴿خير لكم﴾) من الفدية وتطوّع الخير (﴿وإن كنتم تعلمون﴾) (البقرة: ١٨٤] شرط حذف جوابه تقديره اخترتموه أو معناه إن كنتم من أهل العلم أو التدبر علمتم أن الصوم خير لكم.
(وقال عطاء): هو ابن أبي رباح فيما وصله عبد الرزاق (يفطر من المرض كله كما قال الله تعالى) والذي عليه الجمهور أنه يباح الفطر لمرض يضر معه الصوم ضررًا يبيح التيمم وإن طرأ على الصوم ويقض.
(وقال الحسن) البصري فيما وصله عبد بن حميد (وإبراهيم) النخعي فيما وصله عبد بن حميد أيضًا (في المرضع والحامل) بالواو ولأبي ذر: أو الحامل (إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما
стр. 5012
تفطران) ولو كان في المرضع من غيرها (ثم تقضيان). ويجب مع ذلك الفدية في الخوف على الولد أخذًا من آية (وعلى الذين يطيقونه فدية) قال ابن عباس: إنها نسخت إلا في حق الحامل والمرضع. رواه البيهقي عنه لا في الخوف على المس كالمريض فلا فدية عليه.
(وأما الشيخ الكبير إذا لم يطق الصيام) فإنه يفطر وتجب عليه الفدية دون القضاء (فقد أطعم أنس بعد ما كبر) بكسر الموحدة وشق عليه الصوم وكان حينئذٍ في عشرة المائة (عامًا أو عامين) بالشك من الراوي (كل يوم مسكينًا خبرًا ولحمًا وأفطر) وهذا رواه عبد بن حميد من طريق النضر بن أنس عن أنس لكن الواجب لكل يوم فات صومه مد وهو رطل وثلث، وبالكيل المصري نصف قدح من جنس الفطرة فلا يجزئ نحو دقيق وسويق ومثل الكبير المريض الذي لا يطيق الصوم ولا يرجى برؤه للآية السابقة على القول بأنها لم تنسخ أصلًا (قراءة العامة يطيقونه) بكسر الطاء وسكون التحتية من أطاق يطيق كأقام يقيم (وهو أكثر).
٤٥٠٥ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقْرَأُ وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ هُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْمَرْأَةُ الْكَبِيرَةُ، لَا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا فَلْيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (إسحاق) هو ابن راهويه قال: (أخبرنا روح) بفتح الراء وبعد الواو الساكنة حاء مهملة ابن عبادة قال: (حدّثنا زكريا بن إسحاق) المكي قال: (حدّثنا عمرو بن دينار عن عطاء) هو ابن أبي رباح المكي (سمع) ولأبي الوقت أنه سمع (ابن عباس) ﵄ (يقرأ) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي يقول: (وعلى الذين يطوّقونه) بفتح الطاء مخففة وواو مشددة مبنيًا للمفعول من طوّق بفتح أوّله بوزن قطع. قال مجاهد: يتحملونه. وعن عمرو بن دينار فيما رواه النسائي من طريق ابن أبي نجيح يكلفونه أي يكلفون إطاقته، وفي نسخة يطوقونه فلا يطيقونه (﴿فدية طعام مسكين﴾ قال ابن عباس: ليست بمنسوخة هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فليطعمان) كذا في اليونينية باللام وسقطت من الفرع كغيره (مكان كل يوم) أفطراه (مسكينًا) وفيه دليل للشافعي ومن وافقه أن الشيخ الكبير ومن ذكر معه إذا شق عليه الصوم فأفطر فعليه الفدية خلافًا لمالك ومن وافقه، ومن أفطر لكبر ثم قوي على القضاء بعد يقضي ويطعم عند الشافعي وأحمد، وقال الكوفيون: لا إطعام.
٢٦ - باب ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾
(﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾) [البقرة: ١٨٥] "من" يجوز أن تكون شرطية وموصولة، ومنكم في موضع نصب على الحال من المستكنّ في شهد فيتعلق بمحذوف أي كائنًا منكم والشهر نصب على الظرفية، والمراد بشهد وحضر ومفعوله محذوف أي فمن حضر منكم
стр. 5013
المصر في الشهر ولم يكن مسافرًا فليصم فيه، والفاء جواب الشرط أو زائدة في الخبر والهاء نصب على الظرفية كما في الكشاف، وتعقب بأن الفعل لا يتعدى لضمير الظرف إلا بفي إلا أن يتوسع فيه فينصب نصب المفعول به.
٤٥٠٦ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَرَأَ ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ [البقرة: ١٨٤] قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ.
وبه قال: (حدّثنا عياش بن الوليد) بالمثناة التحتية والشين المعجمة الرقام البصري قال: (حدّثنا عبد الأعلى) السامي البصري قال: (حدّثنا عبيد الله) بضم العين مصغرًا ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب (عن نافع عن ابن عمر ﵄ أنه قرأ فدية طعام) بغير تنوين وجر طعام على الإضافة (مساكين) بالجمع وهي رواية أبي ذر، وقراءة نافع وابن ذكوان مقابلة الجمع بالجمع، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكوفيون بالتنوين والرفع على أن فدية مبتدأ خبره في الجار قبله، وطعام بدل من فدية أو عطف بيان وتخصيص فدية بتقديم الجار وإضافتها سوغ الابتداء مسكين بالتوحيد مراعاة لأفراد العموم أي على كل واحد ممن يطيق الصوم.
فإن قلت: أفردوا المسكين والمعنى على الكثرة لأن الذين يطيقوله جمع وكل واحد منهم يلزمه مسكين فكان الوجه أن يجمعوا كما جمع المطيقون. أجيب: بأن الإفراد أحسن لأنه يفهم بالمعنى أن لكل واحد مسكينًا، وقرأ هشام بالتنوين والرفع والجمع.
(قال: هي منسوخة) أي بقوله: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة ١٨٥] فأثبت الله تعالى صيامه على المقيم الصحيح ورخص فيه للمريض والمسافر، وكذا الشيخ الفاني الذي لا يستطيع.
٤٥٠٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِىَ حَتَّى نَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهَا.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ مَاتَ بُكَيْرٌ قَبْلَ يَزِيدَ.
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد الثقفي أبو رجاء البغلاني قال: (حدّثنا بكر بن مضر) بفتح الموحدة وسكون الكاف ومضر بميم مضمومة فضاد معجمة مفتوحة فراء ابن محمد بن حكيم المصري (عن عمرو بن الحرث) بفتح العين ابن يعقوب بن عبد الله مولى قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري المصري أحد الأئمة الأعلام (عن بكير بن عبد الله) بضم الموحدة وفتح الكاف مصغرًا ابن الأشج مولى بني مخزوم المدني نزيل مصر (عن يزيد) بن أبي عبيد الأسلمي (مولى سلمة بن الأكوع عن سلمة) بن الأكوع أنه (قال: لما نزلت ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ كان من أراد أن يفطر ويفتدي) فعل (حتى نزلت الآية التي بعدها) ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾
стр. 5014
(فنسختها) كلها أو بعضها فيكون حكم الإطعام باقيًا على من لم يطق الصوم لكبر، وقال مالك: جميع الإطعام منسوخ لكنه مستحب.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الصوم وكذا أبو داود والترمذي، وأخرجه النسائي في التفسير.
(قال أبو عبد الله) البخاري: (مات بكير) هو ابن عبد الله بن الأشج (قبل) شيخه (يزيد) بن أبي عبيد الأسلمي، وكانت وفاته في سنة عشرين ومائة أو قبلها أو بعدها، وتوفي يزيد سنة ست أو سبع وأربعين ومائة وسقط قوله قال أبو عبد الله الخ في رواية غير المستملي.
٢٧ - باب ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾
(﴿أحلّ﴾) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول أي أحل الله (﴿لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾) عدى الرفث الذي هو كناية عن الجماع بإلى، والأصل أن يتعدى بالباء يقال: أرفث فلان بامرأته لتضمنه معنى الإفضاء. قال تعالى: ﴿وقد أفض بعضكم إلى بعض﴾ [النساء: ٢١] كأنه قال أحل لكم الإفضاء إلى نسائكم بالرفث (﴿هن﴾) أي نساؤكم (﴿لباس لكم وأنتم لباس لهن﴾). قال الزمخشري: لما كان الرجل والمرأة يعتنقان ويشتمل كل واحد منهما على صاحبه في عناقه شبه باللباس المشتمل عليه قال الجعدي:
إذا ما الضجيع ثنى عطفها … تثنت فكانت عليه لباسا
وزاد القاضي لأن كل واحد منهما يستر حال صاحبه ويمنعه من الفجور ونحوه. قال السمرقندي: والجملة استئناف تبين سبب الإحلال وهو قلة الصبر عنهن وصعوبة اجتنابهن لكثرة المخالطة وشدة الملابسة فلذلك رخص في المباشرة (﴿علم الله أنكم كنتم﴾) في موضع رفع خبر لأن (﴿تختانون أنفسكم﴾) تظلمونها بتعريضها للعقاب وتنقيص حظها من الثواب (﴿فتاب عليكم﴾) حين تبتم مما ارتكبتم من المحظور (﴿وعفا عنكم﴾) يحتمل أن يريد عن المعصبة بعينها فيكون تأكيدًا وتأنيسًا زيادة على التوبة، ويحتمل أن يريد عفا عما كان يلزمكم من اجتناب النساء بمعنى تركه لكم كما تقول شيء معفو عنه أي متروك (﴿فالآن﴾) أي: فالوقت الذي كان يحرم عليكم فيه الجماع من الليل (﴿باشروهن﴾) أي جامعوهن (﴿وابتغوا ما كتب الله لكما﴾) [البقرة: ١٨٧] أي اطلبوا ما قدره لكم وأثبته في اللوح المحفوظ من الولد، والمعنى أن المباشر ينبغي أن يكون غرضه الولد فإنه الحكمة من خلق الشهوة وشرع النكاح لإقضاء الوطر قاله في أسرار التنزيل كالكشاف. وقال السمرقندي: ابتغوا بالقرآن ما أبيح لكم فيه وأمرتم به وسقط من
стр. 5015
قوله: ﴿هن لباس لكم﴾ الخ في رواية أبي ذر وقال بعد قوله: ﴿إلى نسائكم﴾ إلى قوله: ﴿وابتغوا ما كتب الله لكم﴾.
٤٥٠٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ ح وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ - رضي الله تعالى عنه - لَمَّا نَزَلَ صَوْمُ رَمَضَانَ كَانُوا لَا يَقْرَبُونَ النِّسَاءَ رَمَضَانَ كُلَّهُ، وَكَانَ رِجَالٌ يَخُونُونَ أَنْفُسَهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧].
وبه قال: (حدّثنا عبيد الله) بضم العين مصغرًا ابن موسى العبسي مولاهم الكوفي (عن إسرائيل) بن يونس (عن) جده (أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي (عن البراء) بن عازب. قال المؤلّف: (وحدّثنا) ولأبي ذر وحدّثني بالإفراد (أحمد بن عثمان) بن حكيم الأودي الكوفي قال: (حدّثنا شريح بن مسلمة) بشين معجمة مضمومة وراء مفتوحة آخره حاء مهملة ومسلمة بفتح الميم واللام الكوفي (قال: حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (إبراهيم بن يوسف عن أبيه) يوسف (عن) جده (أبي إسحاق) أنه (قال: سمعت البراء رضي الله تعالى عنه) قال: (لما نزل صوم رمضان كانوا) أي الصحابة (لا يقربون النساء) أي لا يجامعونهن (رمضان كله) ليلًا ونهارًا. زاد في الصيام عن البراء أيضًا من طريق إسرائيل أنهم كانوا لا يأكلون ولا يشربون إذا ناموا، ومفهوم ذلك أن الأكل والشرب كان مأذونًا فيه ليلًا ما لم يحصل النوم، لكن بقية الأحاديث الواردة في هذا تدل على عدم الفرق فيحمل قوله كانوا لا يقربون النساء على الغالب جمعًا بين الأحاديث (وكان رجال يخونون أنفسهم) فيجامعون ويأكلون ويشربون منهم عمر بن الخطاب وكعب بن مالك وقيس بن صرمة الأنصاري (فأنزل الله تعالى: ﴿علم الله أنّكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم﴾) وسقط قوله: ﴿وعفا عنكم﴾ لأبي ذر وقال بدل ذلك الآية.
٢٨ - باب قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿تَتَّقُونَ﴾. الْعَاكِفُ: الْمُقِيمُ
(باب قوله تعالى) وسقط التبويب وتاليه لغير أبي ذر (﴿وكلوا واشربوا﴾) جميع الليل بعد أن كنتم ممنوعين منهما بعد النوم في رمضان (﴿حتى﴾) أي إلى أن (﴿يتبين لكم الخيط الأبيض﴾) وهو أوّل ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط المدود (﴿من الخيط الأسود﴾) وهو ما يمتد معه من غسق الليل شبههما بخيطين أبيض وأسود (﴿من الفجر﴾) [البقرة: ١٨٧] بيان للخيط
стр. 5016
الأبيض واكتفى به عن بيان الخيط الأسود لدلالته عليه، وبذلك خرجا من الاستعارة إلى التمثيل كما قاله القاضي كالزمخشري.
قال الطيبي: لأن الاستعارة أن يذكر أحد طرفي التشبيه ويراد به الطرف الآخر وهنا الفجر هو المشبه، والخيط الأبيض هو المشبه به ولا يقال بقي الأسود على الاستعارة لترك المشبه لأنه لما كان في الكلام ما يدل عليه فكأنه ملفوظ.
وقال المحقق الكافيحي: تحقيق الكلام في هذا يحتاج إلى تحقيق الفرق بين الكلام التشبيهي والكلام المشتمل على الاستعارة، فالتشبيهي هو الذي يذكر فيه المشبه لفظًا نحو: زيد أسد، أو تقديرًا نحو أسد في مقام الإخبار عن زيد، وأما الكلام الذي يتضمن الاستعارة: فهو الذي يجعل خلوًّا عن ذكر المشبه صالحًا لأن يراد به المشبه به لولا القرينة المانعة عن إرادته، وإذا علم هذا فقوله: ﴿حتى يتبين لكم﴾ إلى آخره فيه مقصدان.
أحدهما: بيان أنه من قبيل التشبيه عند أهل البيان لا من قبيل الاستعارة لما فيه من ذكر المشبه والمشبه به وهما الفجر والخيط الأبيض وغبش الليل، والخيط الأسود على ما مرّ.
الثاني: تحقيق أنه من قبيل الاستعارة لا من باب التشبيه استدلالًا عليه بنص الكتاب وتمسكًا بالسنة وبشهادة فحوى الخطاب.
أما النص؛ فقوله تعالى: ﴿من الفجر﴾ بيان للخيط الأبيض ومعلوم عندك بالضرورة أن البيان مع المبين متحد بالذات مختلف بالاعتبار وإنما يتصور هذا المعنى المجازي على سبيل الاستعارة وإلا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز وليس بمشترك بينهما.
وأما السنة، فقد علم منها أن المراد بياض النهار لا الخيط الأبيض حيث قال ﵊ فيما يأتي: "إنك لعريض القفا بل هو سواد الليل وبياض النهار". وأما قولهم الاستعارة يجب فيها أن يترك ذكر المشبه احترازًا عن فوات المقصود وتبرّيًا عن عود الأمر على موضوعه بالنقص والإبطال، ولئلا يكون الأمر كلا أمر فهو مؤوّل بما لا يذكر المشبه بحيث ينبئ عن التشبيه، فيكون المراد رفع الإيجاب الكلي فيكون أعم من عموم السلب.
وأما فحوى الخطاب فلأن المقام مقام المبالغة والاتحاد حتى اشتبه المراد على بعض الأذهان لا مقام التغاير والتفاوت ومدار الاستعارة حيثما كانت إنما هو على قصد المبالغة ودعوى الاتحاد كما أن مدار التشبيه إنما هو على قصد التغاير والتفاوت والعمدة في الفرق بينهما كمال التمييز بين المقامين بإعطاء كل مقام حقه، ثم إن المختار في نحو زيد أسد هو التفصيل فتارة يكون استعارة بحسب مقتضى المقام، وأخرى يكون تشبيعًا بحسبه أيضًا فيكون هذا جميعًا بين القولين المختلفين.
قال: فعلم من هذا ضعف قول من قال إنه من باب الاستعارة على الإطلاق كما علم منه عدم متانة قول من قال: إنه من باب التشبيه على الإطلاق انتهى.
стр. 5017
"ومن" في (من الخيط) لابتداء الغاية وهي ومجرورها في محل نصب بيتبين وفي (من الفجر) يجوز كونها تبعيضية فتتعلق بـ (يتبين) لأن الخيط الأبيض هو بعض الفجر وأن تتعلق بمحذوف على أنها حال من الضمير في الأبيض أي الخيط الذي هو أبيض كائنًا من الفجر، وعلى هذا يجوز كون من لبيان الجنس كأنه قيل الخيط الأبيض الذي هو الفجر. قال التفتازاني: المعنى على التبعيض حال كون الخيط الأبيض بعضًا من الفجر وعلى البيان حال كونه هو الفجر فأعربه حالًا.
(﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾) إلى غروب الشمس والجار والمجرور يتعلق بالإتمام أو في محل نصب على الحال من الصيام فيتعلق بمحذوف أي كائنًا إلى الليل (﴿ولا تباشروهن﴾) ولا تجامعوهن (﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾) بنية القربة والجملة حالية من فاعل تباشروهن قال الضحاك: كان الرجل إذا اعتكف فخرج من المسجد جامع إن شاء حتى نزلت هذه الآية (إلى قوله: (﴿يتقون﴾) [البقرة: ١٨٧] أي يتقون مخالفة الأوامر والنواهي وسقط ثم أتموا الصيام الخ في رواية أبي ذر وقال: الآية. (العاكف: المقيم) كذا فسره أبو عبيدة وسقط ذلك لغير المستملي.
٤٥٠٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيٍّ قَالَ: أَخَذَ عَدِيٌّ عِقَالًا أَبْيَضَ، وَعِقَالًا أَسْوَدَ حَتَّى كَانَ بَعْضُ اللَّيْلِ نَظَرَ فَلَمْ يَسْتَبِينَا فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلْتُ تَحْتَ وِسَادَتِي قَالَ: «إِنَّ وِسَادَكَ إِذًا لَعَرِيضٌ إنْ كَانَ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ وَالأَسْوَدُ تَحْتَ وِسَادَتِكَ».
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري (عن حصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين ابن عبد الرحمن السلمي الكوفي (عن الشعبي) عامر بن شراحيل (عن عدي) هو ابن حاتم الصحابي رضي الله تعالى عنه أنه (قال: أخذ عدي) بعد نزول آية ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض﴾ (عقالًا) بكسر العين أي خيطًا (أبيض وعقالًا أسود) أي وجعلهما تحت وسادته كما في رواية هشيم عن حصين في الصيام (حتى كان بعض الليل نظر) إليهما (فلم يستبينا) فلم يظهرًا له (فلما أصبح) جاء إلى النبي ﷺ (قال: يا رسول الله جعلت تحت وسادتي) زاد الأصيلي عقالين أي لأستبين بهما الفجر من الليل، ولأبي ذر عن الكشميهني وسادي بإسقاط تاء التأنيث (قال) ﵊:
(إن وسادك) بغير تاء تأنيث (إذًا لعريض إن) بفتح الهمزة (كان الخيط الأبيض والأسود) المذكوران في الآية (تحت وسادتك) بزيادة فوقية بعد الدال، وقول الخطابي كنى بالوسادة عن النوم أي نومك إذا لطويل، ومعنى العريض هنا الواسع الكبير لا خلاف الطويل يدفعه ما في هذا الحديث لأن المشرق والمغرب إذا كانا تحت الوساد لزم عرضه قطعًا.
٤٥١٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ
стр. 5018
﵁ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ أَهُمَا الْخَيْطَانِ؟ قَالَ: «إِنَّكَ لَعَرِيضُ الْقَفَا إِنْ أَبْصَرْتَ الْخَيْطَيْنِ»، ثُمَّ قَالَ: «لَا بَلْ هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء الثقفي وسقط ابن سعيد لأبي ذر قال: (حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد (عن مطرف) بضم الميم وفتح الطاء المهملة وبعد الراء المهملة المشددة المكسورة وفاء ابن طريف الكوفي (عن الشعبي) عامر بن شراحيل (عن عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه) أنه (قال: قلت يا رسول الله ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود) وكان قد وضع عقالين تحت وسادته كما سبق (أما الخيطان؟ قال) ﵊:
(إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين) فسّر الخطابي عرض القفا بالبله والغفلة والبلادة وحيئنذ فهو كناية لإمكان إرادة الحقيقة بل هي أولى لأنه إذا كان وساده عريضًا فقفاه عريض (ثم قال) ﵊: (لا بل هو سواد الليل وبياض النهار).
٤٥١١ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: وَأُنْزِلَتْ ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ وَلَمْ يُنْزَلْ ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ وَكَانَ رِجَالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلَيْهِ الْخَيْطَ الأَبْيَضَ وَالْخَيْطَ الأَسْوَدَ وَلَا يَزَالُ يَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُمَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَهُ ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فَعَلِمُوا أَنَّمَا يَعْنِي اللَّيْلَ مِنَ النَّهَارِ.
وبه قال: (حدّثنا ابن أبي مريم) سعيد بن محمد بن الحكم المصري قال: (حدّثنا أبو غسان) بفتح الغين وتشديد السين المهملة وبعد الألف نون (محمد بن مطرف) بكسر الراء المشددة بلفظ اسم الفاعل المدني قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدثنا (أبو حازم) بالحاء المهملة والزاي سلمة بن دينار (عن سهل بن سعد) بسكون الهاء والعين الساعدي رضي الله تعالى عنه أنه (قال: وأنزلت) بالواو، ولأبي ذر أنزلت بإسقاطها (﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ولم ينزل) بضم أوله وفتح ثالثه ولأبي ذر ينزل بفتح ثم كسر (﴿من الفجر﴾ وكان رجال) بالواو (إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما فأنزل الله بعده) ولأبي ذر بعد بحذف الضمير (﴿من الفجر فعلموا أنما يعني الليل من النهار) للتصريح بذلك. وسقط لفظ من في الفرع كغيره.
وهذا الحديث صريح في نزول ﴿من الفجر﴾ بعد سابقه وحديث عدي مقتضاه اتصاله به.
وأجيب: بالتعدد، وقد مرّ الحديث وسابقه في كتاب الصوم والله تعالى الموفق.
стр. 5019
٢٩ - باب قَوْلِهِ ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩]
(﴿وليس البر﴾) ولأبي ذر باب قوله وليس البر (﴿بأن تأتوا البيوت من ظهورها﴾) إذا أحرمتم (﴿ولكن البر من اتقى﴾) ذلك أو اتقى المحارم والشهوات (﴿وأتوا البيوت من أبوابها﴾) محلّين ومحرمين (﴿واتقوا الله﴾) في تغيير أحكامه والاعتراض على أفعاله (﴿لعلكم تفلحون﴾) [البقرة: ١٨٩]. لكي تظفروا بالهدى والبر ووقع في رواية أبي ذر بعد قوله: (﴿من اتقى﴾) الآية وحذف ما بعدها.
٤٥١٢ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: كَانُوا إِذَا أَحْرَمُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَتَوُا الْبَيْتَ مِنْ ظَهْرِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾.
وبه قال: (حدّثنا عبيد الله بن موسى) بضم العين مصغرًا أبو محمد العبسي مولاهم الكوفي (عن إسرائيل) بن يونس (عن) جده (أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي (عن البراء) بن عازب رضي الله تعالى عنهما أنه (قال: كانوا) أي الأنصار وسائر العرب غير الحمس وهم قريش (إذا أحرموا) بالحج والعمرة (في الجاهلية أتوا البيت من ظهره) من نقب أو فرجة من ورائه لا من بابه (فأنزل الله تعالى: ﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها﴾) وسقطت واو ليس لأبي ذر (﴿ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها﴾) ونقل ابن كثير عن محمد بن كعب قال: كان الرجل إذا اعتكف لم يدخل منزله من باب البيت فأنزل الله تعالى الآية.
٣٠ - باب قَوْلِهِ ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٣٩]
(﴿وقاتلوهم﴾) ولأبي ذر باب قوله: ﴿وقاتلوهم﴾ يعني أهل مكة (﴿حتى لا تكون فتنة﴾) شرك (﴿ويكون الدين لله﴾) خالصًا ليس للشيطان فيه نصيب أو يكون دين الله هو الظاهر العالي على سائر الأديان لحديث الصحيحين "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" (﴿فإن انتهوا﴾) عن الشرك وقتال المؤمنين فكفوا عنهم (﴿فلا عدوان﴾) أي فمن قاتلهم بعد ذلك فهو ظالم ولا عدوان (﴿إلا على الظالمين﴾) [البقرة: ١٩٣]. أو المراد فإن تخلصوا من الظلم وهو الشرك فلا عدوان عليهم بعد ذلك.
٤٥١٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَتَاهُ رَجُلَانِ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَا: إِنَّ النَّاسَ صنعُوا وَأَنْتَ ابْنُ عُمَرَ
стр. 5020
وَصَاحِبُ النَّبِيِّ ﷺ فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَخْرُجَ؟ فَقَالَ: يَمْنَعُنِي أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ دَمَ أَخِي فَقَالَا: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ فَقَالَ: قَاتَلْنَا حَتَّى لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ، وَكَانَ الدِّينُ لِلَّهِ وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِغَيْرِ اللَّهِ.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (محمد بن بشار) بفتح الموحدة وتشديد المعجمة العبدي البصبري قال: (حدّثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي قال: (حدّثنا عبيد الله) بن عمر العمري (عن نافع عن ابن عمر ﵄) أنه (أتاه رجلان) قيل: هما العلاء بن عرار بمهملات الأولى مكسورة، وحباب بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة صاحب الدثنية بفتح المهملة والمثلثة وكسر النون وتشديد التحتية أو نافع بن الأزرق (في فتنة ابن الزبير) عبد الله حين حاصره الحجّاج في آخر سنة ثلاث وسبعين بمكة (فقالا: إن الناس صنعوا) بصاد مهملة ونون مفتوحتين أي صنعوا ما ترى من الاختلاف، ولغير الكشميهني ضيعوا بمعجمة مضمومة فتحتية مشددة مكسورة (وأنت ابن عمر صاحب النبي ﷺ فما يمنعك أن تخرج؟ فقال: يمنعني أن الله حرم دم أخي) المسلم (فقالا): أي الرجلان ولأبي ذر قالا: (ألم يقل الله: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾ فقال) ابن عمر: (قاتلنا) أي على عهد رسول الله ﷺ (حتى لم تكن فتنة) أي شرك (وكان الذين لله وأنتم تريدون أن تقاتلوا) أي على الملك (حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله).
وحاصل هذا أن الرجلين كانا يريان قتال من خالف الإمام وابن عمر لا يرى القتال على الملك.
٤٥١٤ - وَزَادَ عُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي فُلَانٌ وَحَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو الْمَعَافِرِيِّ أَنَّ بُكَيْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَهُ عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تَحُجَّ عَامًا وَتَعْتَمِرَ عَامًا وَتَتْرُكَ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ عَلِمْتَ مَا رَغَّبَ اللَّهُ فِيهِ؟ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: إِيمَانٍ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالصَّلَاةِ الْخَمْسِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَأَدَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، قَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَلَا تَسْمَعُ مَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا التِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ﴾ [الحجرات: ٩٠] ﴿قَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] قَالَ: فَعَلْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ الإِسْلَامُ قَلِيلًا فَكَانَ الرَّجُلُ يُفْتَنُ فِي دِينِهِ إِمَّا قَتَلُوهُ، وَإِمَّا يُعَذِّبُوهُ حَتَّى كَثُرَ الإِسْلَامُ فَلَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ.
(وزاد عثمان بن صالح) السهمي المصري أحد شيوخ المؤلّف على رواية محمد بن بشار (عن ابن وهب) عبد الله المصري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (فلان) قيل هو عبد الله بن لهيعة بفتح اللام وكسر الهاء وبعد التحتية الساكنة عين مهملة قاضي مصر وعالمها ضعفه غير واحد
стр. 5021
(وحيوة بن شريح) بفتح الحاء المهملة وسكون التحتية وفتح الواو وشريح بالشين المعجمة وفتح الراء المصري وهو الأكبر وليس هو الحضرمي (عن بكر بن عمرو المعافري) بفتح الميم وتخفيف العين المهملة وكسر الفاء (أن بكير بن عبد الله) بضم الموحدة وفتح الكاف مصغرًا ابن الأشج (حدثه عن نافع) مولى ابن عمر (أن رجلًا أتى ابن عمر فقال) له: (يا أبا عبد الرحمن ما حملك على أن تحج عامًا وتعتمر عامًا وتترك الجهاد) أي القتال الذي هو كالجهاد (في سبيل الله في الثواب (وقد علمت ما رغب الله فيه؟) ثبتت واو وقد لأبي ذر (قال): أي ابن عمر للرجل (يا ابن أخي بني الإسلام على خمس: إيمان بالله ورسوله والصلوات الخمس وصيام رمضان وأداء الزكاة وحج البيت. قال): أي الرجل (يا أبا عبد الرحمن ألا) بالتخفيف (تسمع ما ذكر الله في كتابه ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾) باغين بعضهم على بعض والجمع باعتبار المعنى لأن كل طائفة جمع (﴿فأصلحوا بينهما) بالصح والدعاء إلى حكم الله (﴿فإن بغت إحداهما﴾) أي تعدت (﴿على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء﴾) أي ترجع (﴿إلى أمر الله﴾) [الحجرات: ٩٥]. وتسمع للحق وتطيعه، وسقط لغير أبي ذر قوله: ﴿فإن بغت إحداهما﴾ إلى آخر قوله: ﴿حتى تفيء﴾.
(﴿قاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾) شرك (قال) ابن عمر: (فعلنا) ذلك (على عهد رسول الله ﷺ ، وكان الإسلام قليلًا فكان الرجل يفتن في دينه) مبني للمفعول (إما قتلوه وإما يعذبوه) بلفظ الماضي في الأول والمضارع في الثاني إشارة إلى استمرار التعذيب بخلاف القتل، وفي الفرع أو يعذبوه، ولأبي ذر: وإما يعذبونه بإثبات النون وهو الصواب لأن إما التي تجزم هي الشرطية وليست هنا شرطية ووجهت الأولى بأن النون قد تحذف لغير ناصب ولا جازم في لغة شهيرة (حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة).
٤٥١٥ - قَالَ: فَمَا قَوْلُكَ فِي عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ قَالَ: أَمَّا عُثْمَانُ فَكَاَنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْهُ. وَأَمَّا أَنْتُمْ فَكَرِهْتُمْ أَنْ تَعْفُوا عَنْهُ وَأَمَّا عَلِيٌّ فَابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَخَتَنُهُ وَأَشَارَ بِيَدِهِ فَقَالَ: هَذَا بَيْتُهُ حَيْثُ تَرَوْنَ.
(قال) الرجل: (فما قولك في علي وعثمان؟) وهذا يشير إلى أن السائل كان في الخوارج فإنهم يوالون الشيخين ويخطئون عثمان وعليًّا، فردّ عليه ابن عمر بذكر مناقبهما ومنزلتهما من النبي ﷺ حيث (قال: أما عثمان) رضي الله تعالى عنه (فكان الله عفا عنه) لما فرّ يوم أحد في كتابه العزيز حيث قال في آل عمران ﴿ولقد عفا عنكم﴾ [آل عمران: ١٥٢] والجلالة رفع اسم كان وخبرها عفا ويجوز نصبها اسم كان التشبيه أخت أن (وأما أنتم فكرهتم أن تعفوا عنه) بمثناة فوقية مع سكون الواو خطابًا للجماعة ولأبي ذر يعفو بالتحتية وفتح الواو أي فكرهتم أن يعفو الله تعالى عنه. (أما عليّ فابن عم رسول الله ﷺ وختنه) بفتح الخاء المعجمة والمثناة الفوقية أي زوج ابنته (وأشار بيده فقال: هذا بيته حيث ترون) أي بين أبيات رسول الله ﷺ يريد بيان قربه وقرابته منه ﷺ منزلًا ومنزلة.
стр. 5022
٣١ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] التَّهْلُكَةُ وَالْهَلَاكُ وَاحِدٌ
(باب قوله) تعالى، وسقط ذلك لغير أبي ذر (﴿وأنفقوا في سبيل الله﴾) في سائر وجوه القربات وخاصة الصرف في قتال الكفار والبذل فيما يقوى به المسلمون على عدوّهم (﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾) بالكف عن الغزو والإنفاق فيه فإنه يقوي العدوّ ويسلطهم على إهلاككم أو المراد الإمساك وحب المال فإنه يؤدي إلى الهلاك المؤبد والباء في بأيديكم زائدة في المفعول به لأن ألقى يتعدى بنفسه قال الله تعالى: ﴿فألقى موسى عصاه﴾ وقيل متعلقة بالفعل غير زائدة والمفعول محذوف أي "ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم" يقال أهلك فلان نفسه بيده إذا تسبب لهلاكها (﴿وأحسنوا﴾) أعمالكم وأخلاقكم أو تفضلوا على المحاويج (﴿إن الله يحب المحسنين﴾) [البقرة: ١٩٥].
(التهلكة والهلاك واحد) مصدران.
٤٥١٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي النَّفَقَةِ.
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر حدّثني (إسحاق) بن راهويه قال: (حدّثنا النضر) بالضاد المعجمة ابن شميل قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن سليمان) بن مهران الأعمش أنه (قال: سمعت أبا وائل) شقيق بن سلمة (عن حذيفة ﴿وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ قال: نزلت في النفقة) قال أبو أيوب الأنصاري: نزلت يعني هذه الآية فينا معشر الأنصار. إنّا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه قلنا فيما بيننا لو أقبلنا على أموالنا فأصلحناها، فأنزل الله هذه الآية الحديث. رواه أبو داود وهذا لفظه والترمذي والنسائي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه والحافظ أبو يعلى في مسنده وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وهو مفسر لقول حذيفة هذا.
٣٢ - باب قَوْلِهِ ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]
(﴿فمن كان منكم﴾) ولأبي ذر باب قوله فمن كان منكم (﴿مريضًا أو به أذى من رأسه﴾) [البقرة: ١٩٦] كجراحة وقمل.
٤٥١٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَعْقِلٍ قَالَ: قَعَدْتُ إِلَى كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ يَعْنِي مَسْجِدَ الْكُوفَةِ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ﴿فِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾، فَقَالَ: حُمِلْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي فَقَالَ: «مَا كُنْتُ
стр. 5023
أُرَى أَنَّ الْجَهْدَ قَدْ بَلَغَ بِكَ هَذَا أَمَا تَجِدُ شَاةً»؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: «صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ طَعَامٍ وَاحْلِقْ رَأْسَكَ» فَنَزَلَتْ فِيَّ خَاصَّةً وَهْيَ لَكُمْ عَامَّةً».
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي أياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عبد الرحمن بن الأصبهاني) أنه (قال: سمعت عبد الله بن معقل) بفتح الميم وسكون العين المهملة وبعد القاف المكسورة لام ابن مقرن المزني الكوفي التابعي (قال: قعدت إلى كعب بن عجرة) بضم العين المهملة وبعد الجيم الساكنة راء مفتوحة أي انتهى قعودي إليه (في هذا المسجد يعني مسجد الكوفة فسألته عن) قوله تعالى: (﴿فدية من صيام﴾ فقال: حملت إلى النبي ﷺ والقمل يتناثر على وجهي) جملة حالية (فقال) ﵊:
(ما كنت أرى) بضم الهمزة أظن (أن الجهد) بفتح الجيم (قد بلغ بك هذا) الذي رأيت (أما تجد شاة قلت: لا) أجدها (قال: صم ثلاثة أيام) بيان لقوله تعالى: ﴿أو صيام﴾ (أو أطعم) بكسر العين (ستة مساكين) بيان لقوله تعالى: ﴿أو صدقة﴾ (لكل مسكين نصف صاع من طعام) بنصب نصف على المفعولية أو رفع مبتدأ مؤخر (وأحلق رأسك) قال ابن عجرة (فنزلت) أي الآية (فيّ) بكسر الفاء وتشديد التحتية (خاصة وهي لكم عامة) بالنصب ولأبي ذر عامة بالرفع.
وهذا الحديث سبق في باب الإطعام من الحج.
٣٣ - باب ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]
(﴿فمن تمتع﴾) ولأبي ذر باب بالتنوين فمن تمتع (﴿بالعمرة إلى الحج﴾) [البقرة: ١٩٦] شامل لمن أحرم بهما أو أحرم بالعمرة أوّلًا فلما فرغ من العمرة أحرم بالحج وهذا هو التمتع الخاص وهو المعروف في كلام الفقهاء والتمتع العام يشمل القسمين.
٤٥١٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عِمْرَانَ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ قَالَ: أُنْزِلَتْ آيَةُ الْمُتْعَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَفَعَلْنَاهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَمْ يُنْزَلْ قُرْآنٌ يُحَرِّمُهُ وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ قَالَ: رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ. قَالَ مُحَمَّدٌ: يُقَالُ إِنَّهُ عُمَرُ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن عمران) بن مسلم (أبي بكر) البصري قال: (حدّثنا أبو رجاء) بالجيم ممدودًا عمران بن ملحان العطاردي البصري (عن عمران بن حصين) بضم الحاء المهملة (¬﵁¬) أنه (قال: أنزلت آية المتعة في كناب الله ففعلناها) أي المتعة (مع رسول الله ﷺ ولم ينزل) بضم أوله وفتح ثالثه (قرآن يحرمه) أي التمتع (ولم ينه) بفتح أوّله ولأبي ذر ولم ينه بضمه، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: فلم ينه الفاء بدل الواو (عنها) أي المتعة فذكر الضمير باعتبار التمتع وأنثه باعتبار المتعة (حتى
стр. 5024
مات) النبي ﷺ (قال رجل): قيل هو عثمان لأنه كان يمنع التمتع (برأيه ما شاء) زاد في نسخة. قال محمد أي البخاري (يقال أنه) أي الرجل (عمر) لأنه كان ينهى عنها ويقول: إن نأخذ بكتاب الله فإنه يأمرنا بالتمام يعني قوله: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦] وفي نفس الأمر لم يكن عمر رضي الله تعالى عنه ينهى عنها محرّمًا لها إنما كان ينهى عنها ليكثر قصد الناس البيت حاجين ومعتمرين. قاله الحافظ عماد الدين بن كثير في تفسيره.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الحج والنسائي في التفسير.
٣٤ - باب ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]
(ليس عليكم جناح) ولأبي ذر باب (﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا﴾) في أن تطلبوا (﴿فضلًا من ربكم﴾) [البقرة: ١٩٨] أي ربحًا في تجارتكم.
٤٥١٩ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَتْ عُكَاظٌ، وَمَجَنَّةُ، وَذُو الْمَجَازِ أَسْوَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَتَأَثَّمُوا أَنْ يَتَّجِرُوا فِي الْمَوَاسِمِ فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (محمد) هو ابن سلام البيكندي (قال: أخبرني) بالإفراد أيضًا ولأبي ذر أخبرنا (ابن عيينة) سفيان (عن عمرو) هو ابن دينار (عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما) أنه (قال: كانت عكاظ) بضم العين المهملة وتخفيف الكاف وبالظاء المعجمة (ومجنة) بفتح الميم والجيم (وذو المجاز) بفتح الميم والجيم وبعد الألف زاي (أسواقًا في الجاهلية) بنصب أسواقًا خبر كان وكانت معايشهم منها ولأبي ذر عن الكشميهني أسواق الجاهلية بحذف الجار وإضافة أسواق للاحقه (فتأثموا) أي تحرج المسلمون (أن يتجروا) بتشديد الفوقية بعد التحتية وبالجيم المكسورة بعدها راء مضمومة من التجارة (في المواسم فنزلت ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا﴾ من ربكم) قال ابن عباس: أي (في مواسم الحج).
وهذا الحديث سبق في باب التجارة أيام المواسم من كتاب الحج.
٣٥ - باب ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]
(باب) (﴿ثم أفيضوا﴾) ارجعوا (﴿من حيث أفاض الناس﴾) [البقرة: ١٩٩] من عرفة لا من المزدلفة.
٤٥٢٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله تعالى عنها - قَالَتْ: كَانَتْ قُرَيْشٌ وَمَنْ دَانَ دِينَهَا يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ الْحُمْسَ، وَكَانَ سَائِرُ الْعَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفَاتٍ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلَامُ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أَنْ يَأْتِيَ عَرَفَاتٍ
стр. 5025
ثُمَّ يَقِفَ بِهَا ثُمَّ يُفِيضَ مِنْهَا فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩].
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا محمد بن خازم) بالخاء والزاي المعجمتين أبو معاوية الضرير قال: (حدّثنا هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة رضي الله تعالى عنها) أنها قالت: (كانت قريش ومن دان دينها) وهو بنو عامر بن صعصعة وثقيف وخزاعة فيما قاله الخطاب (يقفون بالمزدلفة) ولا يخرجون من المحرم إذا وقفوا ويقولون: نحن أهل الله فلا نخرج من حرم الله (وكانوا يسمون الحمس) بضم الحاء المهملة وبعد الميم الساكنة سين مهملة جمع أحمس وهو الشديد الصلب وسموا بذلك لتصلبهم فيما كانوا عليه (وكان سائر العرب) أي باقيهم (يقفون بعرفات لما جاء الإسلام أمر الله) (نبيه ﷺ ¬) سقطت التصلية لأبي ذر (أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها) بنصب الفعلين عطفًا على السابق (فذلك قوله تعالى: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾) سائر العرب غير قريش ومن دان دينهم، وقيل: المراد بالناس إبراهيم وقيل آدم عليهما الصلاة والسلام وقرئ الناس بالكسر أي الناس يريد آدم ﵇ من قوله تعالى: ﴿فنسي﴾ والمعنى أن الإفاضة من عرفة شرع قديم فلا تغيّروه.
وهذا الحديث قد مرّ في الحج.
٤٥٢١ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يَطَوَّفُ الرَّجُلُ بِالْبَيْتِ مَا كَانَ حَلَالًا حَتَّى يُهِلَّ بِالْحَجِّ فَإِذَا رَكِبَ إِلَى عَرَفَةَ فَمَنْ تَيَسَّرَ لَهُ هَدِيَّةٌ مِنَ الإِبِلِ أَوِ الْبَقَرِ أَوِ الْغَنَمِ مَا تَيَسَّرَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ أَيَّ ذَلِكَ شَاءَ غَيْرَ إِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ فَعَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَذَلِكَ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَإِنْ كَانَ آخِرُ يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ ثُمَّ لِيَنْطَلِقْ حَتَّى يَقِفَ بِعَرَفَاتٍ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ يَكُونَ الظَّلَامُ، ثُمَّ لِيَدْفَعُوا مِنْ عَرَفَاتٍ إِذَا أَفَاضُوا مِنْهَا حَتَّى يَبْلُغُوا جَمْعًا الَّذِي يُتَبَرَّرُ فِيهِ ثُمَّ لِيَذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا، أَوْ أَكْثِرُوا التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا، ثُمَّ أَفِيضُوا فَإِنَّ النَّاسَ كَانُوا يُفِيضُونَ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩] حَتَّى تَرْمُوا الْجَمْرَةَ.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (محمد بن أبي بكر) المقدمي البصري قال: (حدّثنا فضيل بن سليمان) بضم الفاء وفتح الضاد في الأوّل وضم السين وفتح اللام من الثاني النمير بالنون مصغرًا البصري قال: (حدّثنا موسى بن عقبة) الإمام في المغازي قال: (أخبرني) بالإفراد (كريب) هو ابن أبي مسلم الهاشمي مولاهم المدني مولى ابن عباس (عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما أنه (قال: تطوف الرجل بالبيت) بفتح المثناة الفوقية والطاء المخففة وضم الواو المشددة مضافًا لتاليه وفي نسخة يطوف بالمثناة التحتية وضم الطاء مخففة الرجل بالرفع على الفاعلية (ما كان حلالًا) أي مقيمًا بمكة أو دخل بعمرة وتحلل منها (حتى يهلّ بالحج، فإذا ركب إلى عرفة فمن تيسر له هدية)
стр. 5026
بكسر الدال وتشديد التحتية، والذي في اليونينية هدية بكسر الدال من غير تشديد على التحتية، وفي نسخة هديه بسكون الدال وتخفيف التحتية آخره هاء (من الإبل أو البقر أو الغنم) وجزاء الشرط قوله: (ما تيسر له من ذلك) أي ففديته ما تيسر أو فعليه ما تيسر أو بدل من الهدي والجزاء بأسره محذوف أي ففديته ذلك أو فليفتد بذلك قاله الكرماني (أيّ ذلك شاء غير إن لم) وللأصيلي غير أنه إن لم (يتيسر له) أي الهدي (فعليه) وجوبًا (ثلاثة أيام) يصومهن (في الحج وذلك قبل يوم عرفة) لأنه يسن للحاج فطره وهذا تقييد من ابن عباس لإطلاق الآية (فإن كان آخر يوم) برفع آخر ولأبي ذر بالنصب (من الأيام الثلاثة يوم عرفة فلا جناح عليه) ولا يجوز صوم شيء منها يوم النحر ولا في أيام التشريق كما سبق في الحج، ولا يجوز تقديمها على الإحرام بالحج لأنها عبادة بدنية فلا تقدم على وقتها (ثم لينطلق) بالجزم بلام الأمر ولأبي ذر عن المستملي ينطلق بحذف اللام (حتى يقف بعرفات من صلاة العصر) عند صيرورة ظل كل شيء مثله أو بعد صلاتها مع الظهر جمع تقديم للسفر (إلى أن يكون الظلام) بغروب الشمس (ثم ليدفعوا من عرفات إذا أفاضوا منها حتى يبلغوا جمعًا) بفتح الجيم وسكون الميم وهو المزدلفة (الذي يبيتون به) صفة لجمعًا وهو من البيات، وللأصيلي وأبي ذر عن الحموي يتبرر بفوقية بعد التحتية المضمومة فموحدة فراءين مهملتين أوّلهما مفتوح مشدّد أي يطلب فيه البر وهو الصواب وعليه اقتصر في الفتح، وفي نسخة يتبرز بزاي معجمة آخره بدل الراء من التبرز وهو الخروج للبراز وهو الفضاء الواسع لأجل قضاء الحاجة (ثم ليذكر الله كثيرًا) بكسر الراء مع الأفراد وفي نسخة ثم ليذكروا الله بضمها مع الجمع (وأكثروا التكبير والتهليل) بالواو المفتوحة من غير همزة قبلها في الفرع وأصله وغيرهما من النسخ المعتمدة التي وقفت عليها. وقال الحافظ ابن حجر: وتبعه العيني أو أكثروا بالشك من الراوي أي: هل قال ثم ليذكر الله وأكثروا التكبير والتهليل (قبل أن تصبحوا ثم أفيضوا فإن الناس كانوا يفيضون)، وقال الله تعالى: (﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله﴾) من تغيير المناسك ونحوه (﴿إن الله غفور رحيم﴾) يغفر ذنب المستغفر وكثيرًا ما يأمر الله بذكره بعد قضاء العبادات (حتى ترموا الجمرة) التي عند العقبة وهو غاية لقوله: ثم أفيضوا، أو لقوله: أكثروا التكبير،
٣٦ - باب ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]
(﴿ومنهم﴾) وفي نسخة باب بالتنوين ومنهم (﴿من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾) [البقرة: ٢٠١] وفي رواية أبي ذر بعد قوله في الدنيا حسنة الآية وسقط ما بعده.
٤٥٢٢ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ».
стр. 5027
٣٧ - باب ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾
[البقرة: ٢٠٤] وَقَالَ عَطَاءٌ: النَّسْلُ: الْحَيَوَانُ
[الحديث ٤٥٢٢ - أطرافه في: ٦٣٨٥].
وبه قال: (حدّثنا أبو معمر) بميمين مفتوحتين بينهما عين ساكنة عبد الله بن عمرو المنقري المقعد قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان العنبري مولاهم التنوري بفتح المثناة وتشديد النون البصري (عن عبد العزيز) بن صهيب البناني بموحدة مضمومة ونونين البصري (عن أنس) رضي الله تعالى عنه أنه (قال: كان النبي ﷺ يقول):
(اللهم ربنا) سقط لفظ ربنا لأبي ذر (﴿آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾) قال ابن كثير: جمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا وصرفت كل شر فإن الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية ورزق واسع وعلم نافع وعمل صالح إلى غير ذلك. وأما الحسنة في الآخرة فأعلى ذلك دخول الجنة وتوابعه من الأمن من الفزع أكبر في العرصات وتيسير الحساب وغير ذلك، وأما النجاة من النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا من اجتناب المحارم والآثام وترك الشبهات.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الدعوات وأبو داود في الصلاة.
(﴿وهو ألد الخصام﴾) [البقرة: ٢٠٤] أي شديد العداوة والجدال للمسلمين وفي نسخة باب وهو ألد الخصام.
(وقال عطاء): هو ابن أبي رباح مما وصله الطبري (النسل) في قوله تعالى: ﴿ويهلك الحرث والنسل﴾ [البقرة: ٢٠٥] (الحيوان).
٤٥٢٣ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ تَرْفَعُهُ أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الأَلَدُّ الْخَصِمُ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا قبيصة) بن عقبة السوائي العامري الكوفي قال: (حدّثنا سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (عن ابن أبي مليكة) عبد الله (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها (ترفعه) إلى النبي ﷺ أنه قال:
(أبغض الرجال إلى الله الألد) بفتح الهمزة واللام وتشديد الدال المهملة (الخصم) بفتح الخاء المعجمة وكسر الصاد المهملة: قال الجوهري: رجل ألد بين اللدد وهو الشديد الخصومة والخصم بكسر الصاد الشديد الخصومة. وقال ابن الأثير: اللدد الخصومة الشديدة. وقال التوربشتي: الأوّل
стр. 5028
ينبئ عن الشدة والثاني عن الكثرة. وقال شارح المشكاة: المعنى أنه شديد في نفسه بليغ في خصومته فلا يلزم منه التكرار قال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿وهو ألد الخصام﴾ [البقرة: ٢٠٤] أي شديد الجدال والعداوة للمسلمين والخصام المخاصمة وإضافة الألدّ بمعنى في أو يجعل الخصام ألد على المبالغة أو الخصام جمع خصم كصعب وصعاب بمعنى وهو أشد الخصوم خصومة.
(وقال عبد الله) هو ابن الوليد العدني (حدّثنا سفيان) هو الثوري كما جزم به المزي فيهما قال: (حدّثني) بالإفراد (ابن جريج) عبد الملك ولأبي ذر: عن ابن جريج (عن ابن أبي مليكة) عبد الله (عن عائشة رضي الله تعالى عنها عن النبي ﷺ ¬) وهذا وصله سفيان الثوري في جامعه، وذكره المؤلّف لتصريحه برفعه إلى رسول الله ﷺ .
٣٨ - باب ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾ -إِلَى- ﴿قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]
(﴿أم حسبتم﴾) وفي نسخة: باب أم حسبتم (﴿أن تدخلوا الجنة﴾) قبل أن تبتلوا قيل أم هي المنقطعة فتقدر ببل والهمزة قيل لإضراب انتقال من أخبار إلى أخبار والهمزة للتقرير والتقدير بل أحسبتم وقيل لمجرد الإضراب من غير تقدير والمعنى: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة قبل أن تبتلوا وتختبروا وتمتحنوا كما فعل بالذين من قبلكم من الأمم ولذا قال: (﴿ولما يأتكم مثل الذين خَلَوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء﴾) وهي الأمراض والأسقام والآلام والمصائب والنوائب. وقال ابن عباس وابن مسعود وغيرهما البأساء: الفقر، وقال ابن عباس: والضراء السقم والواو في ولما للحال والجملة بعدها نصب عليها ولما حرف جزم معناها النفي كلم وفيها توقع ولذا جعل مقابل قد (إلى ﴿قريب﴾) [البقرة: ٢١٤] وفي رواية أبي ذر بعد قوله: ﴿من قبلكم﴾ الآية وحذف ما عدا ذلك.
وعند ابن أبي حاتم في تفسيره أنها نزلت يوم الأحزاب حين أصاب النبي ﷺ بلاء وحصر، وقيل في يوم أُحد، وقيل: نزلت تسلية للمهاجرين حين تركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين.
٤٥٢٤ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يَقُولُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف: ١١٠] خَفِيفَةً ذَهَبَ بِهَا هُنَاكَ وَتَلَا: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]. فَلَقِيتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكُ.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني (إبراهيم بن موسى) بن يزيد الرازي الفراء الصغير قال: (﴿أخبرنا هشام﴾) هو ابن حسان (عن ابن جريج) عبد الملك أنه (قال: سمعت ابن أبي مليكة) عبد الله (يقول: قال ابن عباس ﵄) في قوله تعالى: (﴿حتى إذا استيأس الرسل﴾) ليس في الكلام شيء حتى يكون غاية له فقدروه ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا﴾
стр. 5029
[النحل: ٤٣] فتراخى نصرهم حتى وقيل غير ذلك مما يأتي إن شاء الله تعالى في سورة يوسف ﵊ (﴿وظنوا أنهم قد كذبوا﴾) [يوسف: ١١٠] (خفيفة) ذالها المعجمة وهي قراءة الكوفيين على معنى أنه أعاد الضمير من ظنوا وكذبوا على الرسل أي هم ظنوا أن أنفسهم كذبتم ما حدثتهم به من النصرة كما يقال: صدق رجاؤه وكذب رجاؤه أو أعاد الضميرين على الكفار أي: وظن الكفار أن الرسل قد كذبوا فيما وعدوا به من النصر أو غير ذلك مما يأتي إن شاء الله تعالى في سورة يوسف ﵊.
قال ابن أبي مليكة: (ذهب بها) أي بهذه الآية ابن عباس (هناك) بغير لام في اليونينية أي فهم منها ما فهمه من آية البقرة من الاستبعاد والاستبطاء (وتلا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه) لتناهي الشدة واستطالة المدة بحيث تقطعت حبال الصبر (﴿متى نصر الله﴾) استبطاء لتأخره فقيل لهم: (﴿ألا إن نصر الله قريب﴾) [البقرة: ٢١٤] إسعافًا لهم إلى طلبتهم من عاجل النصر، وهذه الآية كآية سورة يوسف في مجيء النصر بعد اليأس والاستبعاد وفي ذلك إشارة إلى أن الوصول إلى الله تعالى والفوز بالكرامة عنده برفض اللذات ومكابدة الشدائد والرياضات. قال ابن أبي مليكة: (فلقيت عروة بن الزبير فذكرت له ذلك) المذكور من تخفيف ذال كذبوا.
٤٥٢٥ - فَقَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: مَعَاذَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا وَعَدَ اللَّهُ رَسُولَهُ مِنْ شَيْءٍ قَطُّ إِلاَّ عَلِمَ أَنَّهُ كَائِنٌ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، وَلَكِنْ لَمْ يَزَلِ الْبَلَاءُ بِالرُّسُلِ حَتَّى خَافُوا أَنْ يَكُونَ مَنْ مَعَهُمْ يُكَذِّبُونَهُمْ، فَكَانَتْ تَقْرَؤُهَا ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا﴾ مُثَقَّلَةً.
(فقال: قالت عائشة): منكرة على ابن عباس (معاذ الله والله ما وعد الله رسوله من شيء قط إلا علم أنه كائن قبل أن يموت) ظرف للعلم لا للكون (ولكن لم يزل البلاء بالرسل حتى خافوا أن يكون من معهم) من المؤمنين (يكذبونهم) وإنكار عائشة على ابن عباس رضي الله تعالى عنهم إنما هو من جهة أن مراده أن الرسل ظنوا أنهم مكذبون من عند الله لا من عند أنفسهم بقرينة الاستشهاد بآية البقرة، ولا يقال لو كان كما قالت عائشة لقيل وتيقنوا أنهم قد كذبوا لأن تكذيب القوم لهم كان متحققًا لأن تكذيب أتباعهم من المؤمنين كان مظنونًا والمتيقن هو تكذيب من لم يؤمن أصلًا. قاله الكرماني، ويأتي زيادة لذلك في آخر سورة يوسف ﵊ إن شاء الله تعالى (فكانت تقرؤها ﴿وظنوا أنهم قد كذبوا﴾، مثقلة) وهي قراءة الباقين غير الكوفيين على معنى: وظن الرسل أن قومهم قد كذبوهم فيما وعدوهم به من العذاب والنصرة عليهم فأعاد الضميرين على الرسل.
٣٩ - باب ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] الآيَةَ
(باب) قوله تعالى: (﴿نساؤكم حرث لكم﴾) مبتدأ وخبر وجاز الإخبار عن الحرث بالمصدر
стр. 5030
إما للمبالغة أو على حذف مضاف من الأوّل أي وطء نسائكم حرث أي كحرث أو الثاني أي نساؤكم ذوات حرث ولكم في موضع رفع صفة لحرث متعلق بمحذوف، وأفرد الخبر والمبتدأ جمع لأنه مصدر والأفصح فيه الإفراد والتذكير حينئذٍ.
وقال في الكشاف: حرث لكم مواضع حرث لكم، وهذا مجاز شبهن بالمحارث تشبيهًا لما يلقي في أرحامهن من النطف التي منها الغسل بالبذور.
قال في المصابيح: قوله؛ وهذا مجاز قيل باعتبار إطلاق الحرث على مواضع الحرث، وقيل باعتبار تغير حكم الكلمة في الإعراب من جهة حذف المضاف كما في: ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: ٨٢] وقيل باعتبار حمل المشبه به على المشبه بعد حذف الأداة كما في زيد أسد فكثيرًا ما يقال له المجاز وإن لم يكن له استعارة وكأن التجوّز في ظاهر الحكم بأنه هو، ثم أشار إلى أن هذا التشبيه متفرع على تشبيه النطف الملقاة في أرحامهن بالبذور إذ لولا اعتبار ذلك لم يكن بهذا الحسن، وقيل المراد بالمجاز الاستعارة بالكناية لأن في جعل النساء محارث دلالة على أن النطف بذور على ما أشار إليه بقوله تشبيهًا لما يلقى الخ كما تقول: إن هذا الموضع لمفترس الشجعان.
قال المولى سعد الدين التفتازاني: ولا أرى ذلك جاريًا على القانون إلا أن يقال: التقدير نساؤكم حرث لنطفكم ليكون المشبه مصرحًا والمشبه به مكنيًا انتهى. وقد روي عن مقاتل فروج نسائكم مزرعة للولد.
(﴿فأتوا حرثكم﴾) أي فأتوهن كما تأتون المحارث (﴿أنّى شئتم﴾) أي كيف شئتم مستقبلين ومستدبرين إذا كان في صمام واحد، وقيل: أنى بمعنى حيث، وقيل: متى (﴿وقدّموا لأنفسكم﴾) [البقرة: ٢٢٣] (الآية) أي ما يدخر لكم من الثواب وقيل هو طلب الولد وعند ابن جرير عن عطاء. قال: أراه عن ابن عباس ﴿وقدّموا لأنفسكم﴾ قال: يقول بسم الله التسمية عند الجماع، وسقط لأبي ذر قوله: ﴿وقدموا لأنفسكم﴾.
٤٥٢٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ فَأَخَذْتُ عَلَيْهِ يَوْمًا، فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَكَانٍ قَالَ: تَدْرِى فِيمَا أُنْزِلَتْ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: أُنْزِلَتْ فِي كَذَا وَكَذَا ثُمَّ مَضَى.
[الحديث ٤٥٢٦ - أطرافه في: ٤٥٢٧].
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (إسحاق) هو ابن راهويه قال: (أخبرنا النضر بن شميل) بالضاد المعجمة وشميل بضم الشين المعجمة وفتح الميم قال: (أخبرنا ابن عون) بفتح العين المهملة وسكون الواو وبالنون عبد الله الفقيه المشهور (عن نافع) مولى ابن عمر أنه (قال: كان ابن عمر ﵄ إذا قرأ القرآن لم يتكلم) بغير القرآن (حتى يفرغ منه فأخدت عليه يومًا) أي أمسكت المصحف وهو يقرأ عن ظهر قلب، وعند الدارقطني في غرائب مالك من
стр. 5031
رواية عبيد الله بن عمر عن نافع قال: قال لي ابن عمر: أمسك علي المصحف يا نافع (فقرأ سورة البقرة حتى انتهى إلى مكان) هو قوله: ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ (قال: تدري فيما) بألف بعد الميم، ولأبي ذر: فيم (أنزلت) قال نافع: (قلت: لا. قال: أنزلت في كذا وكذا) أي في إتيان النساء في أدبارهن (ثم مضى) أي في قراءته، وقد ساق المؤلّف هذا الحديث مبهمًا لمكان الآية والتفسير.
وقد أخرج إسحاق بن راهويه في مسنده وتفسيره بالإسناد المذكور هنا هذا الحديث بلفظ: حتى انتهى إلى ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم﴾ فقال: تدري فيم أنزلت هذه الآية؟ قلت: لا. قال: نزلت في إتيان النساء في أدبارهن فبين فيه ما أبهم هنا، ثم عطف المؤلّف على قوله أخبرنا النضر بن شميل قوله:
٤٥٢٧ - وَعَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنِي أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ قَالَ: يَأْتِيهَا فِي. رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
(وعن عبد الصمد) هو ابن عبد الوارث التنوري أنه قال: (حدّثني) بالإفراد (أبي) عبد الوارث بن سعيد قال: (حدّثني) بالإفراد أيضًا (أيوب) السختياني (عن نافع عن ابن عمر) ﵄ أنه قال: في قوله تعالى: (﴿فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾) قال: (يأتيها) زوجها (في) بحذف المجرور وهو الظرف أي في الدبر كما وقع التصريح به عند ابن جرير في هذا الحديث من طريق عبد الصمد عن أبيه، قيل: وأسقط المؤلّف ذلك لاستنكاره، وقول الكرماني فيه دليل على جواز حذف المجرور والاكتفاء بالجار، عورض بأن هذا لا يجوز إلا عند بعض النحويين في ضرورة الشعر، وقول الحافظ ابن حجر أنه نوع من أنواع البديع يسمى الاكتفاء ولا بد من نكتة يحسن بسببها استعماله. تعقبه العيني فقال: ليت شعري من قال من أهل صناعة البديع أن حذف المجرور وذكر الجار وحده من أنواع البديع، والاكتفاء إنما يكون في شيئين متضادين يذكر أحدهما ويكتفى به عن الآخر كما في قوله تعالى: ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ [النحل: ٨١] أي والبرد. وأجاب في انتقاض الاعتراض بأن ما ذكره العيني هو أحد أنواع الاكتفاء والنوع الثاني: الاكتفاء ببعض الكلام وحذف باقيه، والثالث: أشذ منه وهو حذف بعض الكلمة. قال: وهذا المعترض لا يدري وينكر على من يدري انتهى.
وفي سراج المريدين أن المؤلّف ترك بياضًا بعد في فقال بعضهم: لأنه لما رأى أحاديث تدل للإباحة كحديث ابن عمر وأخرى تدل للمنع ولم يترجح عنده في ذلك شيء بيض له حتى يثبت عنده الترجيح فاخترمته المنية.
(رواه) أي الحديث (محمد بن يحيى بن سعيد) القطان البصري فيما رواه الطبراني في الأوسط (عن أبيه) يحيى بن سعيد بن فروخ بفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة وسكون الواو ثم
стр. 5032
معجمة (عن عبيد الله) بضم العين ابن عمر (عن نافع عن ابن عمر) ولفظ الطبراني قال: إنما نزلت على رسول الله ﷺ ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ [البقرة: ٢٢٣] رخصة في إتيان الدبر. قال الطبراني: لم يروه عن عبيد الله بن عمر إلاَّ يحيى بن سعيد تفرد به ابنه.
قال في الفتح لم يتفرد به يحيى بن سعيد فقد رواه عبد العزيز الدراوردي عن عبيد الله بن عمر عن نافع أيضًا كما عند الدارقطني في غرائب مالك. ورواه الدارقطني أيضًا في الغرائب من طريق الدراوردي عن مالك عن نافع عن ابن عمر بلفظ: نزلت في رجل من الأنصار أصاب امرأته في دبرها فأعظم الناس ذلك، فنزلت قال فقلت له من دبرها في قبلها. قال: لا إلا في دبرها، لكن قال الحافظ ابن كثير: لا يصح، وقال في الفتح: وتابع نافعًا على روايته زيد بن أسلم عن ابن عمر عند النسائي بإسناد صحيح، وتكلم الأزدي في بعض رواته وردّ عليه ابن عبد البر وأصاب. قال: ورواية ابن عمر لهذا المعنى صحيحة مشهورة من رواية نافع عنه فغير نكير أن يرويها عنه زيد بن أسلم. قال ابن أبي حاتم الرازي: لو كان هذا عند زيد بن أسلم عن ابن عمر لما أولع الناس بنافع، قال ابن كثير: وهذا تعليل منه لهذا الحديث، وقد رواه عن ابن عمر أيضًا ابنه عبد الله كما عند النسائي، وسالم ابنه وسعيد بن يسار كما عند النسائي وابن جرير، ولم يتفرد ابن عمر بذلك بل رواه أيضًا أبو سعيد الخدري كما عند ابن جرير والطحاوي في مشكله بلفظ: إن رجلًا أصاب امرأته في دبرها فأنكر الناس عليه فأنزل الله الآية.
وقد نقل إباحة ذلك عن جماعة من السلف لهذه الأحاديث وظاهر الآية ونسبه ابن شعبان لكثير من الصحابة والتابعين ولإمام الأئمة مالك في روايات كثيرة قال أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن له المشهور عن مالك إباحته وأصحابه ينفون هذه المقالة عنه لقبحها وشناعتها وهي عنه أشهر من أن تندفع بنفيهم عنه انتهى.
لكن روى الخطيب عن مالك من طريق إسرائيل بن روح وقال: سألت مالكًا عن ذلك فقال: ما أنتم قوم عرب هل يكون الحرث إلا موضع الزرع لا تعدوا الفرج. قلت: يا أبا عبد الله إنهم يقولون إنك تقول ذلك. قال: يكذبون عليّ يكذبون عليّ، فالظاهر أن أصحابه المتأخرين اعتمدوا على هذه القصة، ولعل مالكًا رجع عن قوله الأول أو كان يرى العمل على خلاف حديث ابن عمر فلم يعمل به، وإن كانت الرواية فيه صحيحة على قاعدته، ولذا قال بعض المالكية: إن ناقل إباحته عن مالك كاذب مفتر، ونقل عن ابن وهب أنه قال: سألت مالكًا فقلت حكوا عنك أنك تراه. قال: معاذ الله وتلا: ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ قال: ولا يكون الحرث إلا موضع الزرع وإنما نسب هذا الكتاب السر هو كتاب مجهول لا يعتمد عليه. قال القرطبي ومالك أجلّ من أن يكون له كتاب سر، ومذهب الشافعي وأبي حنيفة وصاحبيه وأحمد والجمهور التحريم لورود النهي عن فعله وتعاطيه، ففي حديث خزيمة بن ثابت عند أحمد نهى رسول الله ﷺ أن يأتي الرجل امرأته في دبرها. وحديث ابن عباس عند الترمذي مرفوعًا: لا
стр. 5033
ينظر الله إلى رجل أتى امرأته في دبرها في أحاديث كثيرة يطول ذكرها وحملوا ما ورد عن ابن عمر على أنه يأتيها في قبلها من دبرها. وقد روى النسائي بإسناد صحيح عن أبي النضر أنه قال لنافع: إنه قد أكثر عليك القول أنك تقول عن ابن عمر أنه أفتى أن تؤتى النساء في أدبارهن. قال: كذبوا عليّ، ولكن سأحدثك كيف كان الأمر إن ابن عمر عرض المصحف يومًا وأنا عنده حتى بلغ: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم﴾ [البقرة: ٢٢٣] فقال: يا نافع هل تعلم من أمر هذه الآية؟ قلت: لا. قال: إنّا كنا معشر قريش نحني النساء فلما دخلنا المدينة ونكحنا نساء الأنصار أردنا منهن مثل ما كنا نريد، فإذا هن قد كرهن ذلك وأعظمنه، وكانت نساء الأنصار قد أخذن بحال اليهود إنما يؤتين على جنوبهن فأنزل الله ﴿نساؤكم حرث لكم﴾.
وقد روى أبو جعفر الفريابي عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن ابن عمر مرفوعًا: "سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ويقول ادخلوا النار مع الداخلين. الفاعل والمفعول به وناكح يده وناكح البهيمة وناكح المرأة في دبرها والجامع بين المرأة وابنتها والزاني بحليلة جاره والمؤذي جاره حتى يلعنه".
وأما ما حكاه الطحاوي عن محمد بن عبد الحكم أنه سمع الشافعي يقول: ما صح عن النبي ﷺ في تحليله ولا تحريمه شيء، والقياس أنه حلال فقال أبو نصر بن الصباغ: كان يحلف بالله الذي لا إله إلا هو لقد كذب يعني ابن عبد الحكم على الشافعي في ذلك، فإن الشافعي نص على تحريمه في ستة كتب من كتبه انتهى.
وأما ما ذكره الحاكم في مناقب الشافعي من طريق ابن عبد الحكم أيضًا أنه حكى عن الشافعي مناظرة جرت بينه وبين محمد بن الحسن في ذلك، وأن ابن الحسن احتج عليه بأن الحرث إنما يكون في الفرج فقال له: فيكون ما سوى الفرج محرمًا فالتزمه فقال: أرأيت لو وطئها بين ساقيها أو في أعكانها أي ذلك حرث؟ قال: لا. قال: أفيحرم؟ قال: لا. قال: فكيف تحتج بما لا تقول به فيحتمل كما قال الحاكم أن يكون ألزم محمدًا بطريق المناظرة وأن كان لا يقول بذلك والحجة عنده التحريم غير المسلك الذي سلكه محمد كما يشير إليه كلامه في الأم.
٤٥٢٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، سَمِعْتُ جَابِرًا ﵁ قَالَ: كَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ إِذَا جَامَعَهَا مِنْ وَرَائِهَا جَاءَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ، فَنَزَلَتْ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا سفيان) هو الثوري كما جزم به في الفتح ونقل في العمدة عن المزي أنه ابن عيينة (عن ابن المنكدر) محمد أنه قال: "سمعت جابرًا ﵁ قال: كانت اليهود تقول إذا جامعها من ورائها) لفظ رواية الإسماعيلي من طريق يحيى بن أبي زائدة عن سفيان الثوري باركة مدبرة في فرجها من ورائها. وعند مسلم من طريق
стр. 5034
سفيان بن عيينة عن ابن المنكدر إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قُبلها. ومن طريق أبي حازم عن ابن المنكدر فحملت (جاء الولد أحول فنزلت) تكذيبًا لليهود في زعمهم (﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم﴾) فأباح للرجال أن يتمتعوا بنسائهم كيف شاؤوا أي فأتوهن كما تأتون أرضكم التي تريدون أن تحرثوها من أي جهة شئتم لا يحظر عليكم جهة دون جهة، والمعنى جامعوهن من أي شق أردتم بعد أن يكون المأتي واحدًا وهو موضع الحرث، وهذا من الكنايات اللطيفة والتعريضات المستحسنة قاله الزمخشري.
قال الطيبي: لأنه أبيح لهم أن يأتوها من أي جهة شاؤوا كالأراضي المملوكة، وقيد بالحرث ليشير أن لا يتجاوز البتة موضع البذر، وأن يتجاوز عن مجرد الشهوة فالغرض الأصلي طلب النسل لا قضاء الشهوة.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في النكاح وغيره، والترمذي في التفسير، والنسائي في عشرة النساء، وابن ماجه في النكاح.
٤٠ - باب ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]
(باب ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن﴾) أي انقضت عدتهن (﴿فلا تعضلوهن﴾) لا تمنعوهن (﴿أن ينكحن أزواجهن﴾) [البقرة: ٢٣٢]. والمخاطب بذلك الأولياء لما يأتي إن شاء الله تعالى قريبًا في الباب.
٤٥٢٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ قَالَ: كَانَتْ لِي أُخْتٌ تُخْطَبُ إِلَيَّ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ.
حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنِ الْحَسَنِ، أَنَّ أُخْتَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا فَتَرَكَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَخَطَبَهَا فَأَبَى مَعْقِلٌ فَنَزَلَتْ: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾.
[الحديث ٤٥٢٩ - أطرافه في: ٥١٣٠، ٥٣٣٠، ٥٣٣١].
وبه قال: (حدّثنا عبيد الله بن سعيد) أي ابن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: (حدّثنا أبو عامر) عبد الملك بن عمرو (العقدي) بفتح العين المهملة والقاف قال: (حدّثنا عباد بن راشد) بفتح العين المهملة وتشديد الموحدة التميمي البصري قال: (حدّثنا الحسن) البصري (قال: حدّثني) بالإفراد (معقل بن يسار) بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف ويسار بالسين المهملة مخففة المزني (قال: كانت لي أخت) اسمها جميل بضم الجيم مصغرًا كما عند ابن الكلبي أو ليلى كما عند السهيلي (تخطب إليّ) بضم أوله وفتح ثالثه.
стр. 5035
(وقال إبراهيم) هو ابن طهمان مما وصله المؤلّف في النكاح (عن يونس) هو ابن عبيد بن دينار العبدي (عن الحسن) البصري أنه قال: (حدّثني) بالإفراد (معقل بن يسار) فيه تصريح الحسن بالتحديث عن معقل كالسابق.
وبه قال: (حدّثنا أبو معمر) بسكون العين وفتح الميمين عبد الله المقعد قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد قال: (حدّثنا يونس) بن عبيد (عن الحسن) البصري (أن أخت معقل بن يسار) قيل في اسمها غير ما سبق في هذا الباب فاطمة كما عند ابن إسحاق ويحتمل التعدد بأن يكون لها اسمان ولقب، أو لقبان واسم (طلّقها زوجها) هو ما في أحكام القرآن لإسماعيل القاضي أبو البدّاح بن عاصم، وتعقبه الذهبي بأن أبا البداح تابعي على الصواب والصحبة لأبيه، فيحتمل أن يكون هو الزوج. وجزم بعض المتأخرين فيما قاله الحافظ ابن حجر بأنه البداح بن عاصم وكنيته أبو عمرو قال فإن كان محفوظًا فهو أخو أبي البداح بن عاصم التابعي، وفي كتاب المجاز للشيخ عز الدّين بن عبد السلام أنه عبد الله بن رواحة. (فتركها حتى انقضت عدّتها فخطبها) من وليها أخيها معقل (فأبى) فامتنع (معقل) أن يراجعها له (فنزلت: ﴿فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن﴾) وهذا صريح في نزول هذه الآية في هذه القصة، ولا يمنع ذلك ظاهر الخطاب في السياق للأزواج حيث وقع فيها ﴿وإذا طلقتم النساء﴾ لكن قوله في بقيتها ﴿أن ينكحن أزواجهن﴾ ظاهر في أن العضل يتعلق بالأولياء، وفيه أن المرأة لا تملك أن تزوج نفسها وأنه لا بد في النكاح من ولي إذ لو تمكنت من ذلك لم يكن لعضل الولي معنى، ولا يعارض بإسناد النكاح إليهن لأنه بسبب توقفه على إذنهن. وفي هذه المسألة خلاف يأتي إن شاء الله تعالى بعون الله وقوته محررًا في موضعه من كتاب النكاح.
٤١ - باب ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالمَعْرُوفِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرةْ ٢٣٤] يَعْفُونَ: يَهَبْنَ
(﴿والذين يتوفون﴾) وفي نسخة باب والذين يتوفون أي يموتون (﴿منكم ويذرون﴾) يتركون (﴿أزواجًا يتربصن﴾) بعدهم (﴿بأنفسهن﴾) فلا يتزوجن ولا يخرجن ولا يتزين (﴿أربعة أشهر وعشرًا﴾) من الليالي، ويحتمل أن تكون الحكمة في هذا المقدار أن الجنين في غالب الأمر يتحرك لثلاثة أشهر إن كان ذكرًا ولأربعة إن كان أنثى واعتبر أقصر الأجلين وزيد عليه العشر استظهارًا إذ ربما تضعف حركته في المبادئ فلا يحس بها ولا يخرج عن ذلك إلا المتوفى عنها زوجها وهي حامل فإن عدتها بوضع الحمل ولو لم تمكث بعده سوى لحظة لعموم قوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٤] والأمة فإن عدتها على النصف من عدة الحرة شهران وخمس ليال لأنها لما كانت على النصف من الحرة في الحدّ فكذلك في العدة. وكان
стр. 5036
ابن عباس يرى أن تتربص بأبعد الأجلين من الوضع وأربعة أشهر وعشر للجمع بين الآيتين، وهو مأخذ جيد ومسلك قوي لولا ما ثبتت به السنّة في حديث سبيعة الأسلمية الآتي إن شاء الله تعالى قريبًا بحول الله وقوّته، وتأنيث العشر باعتبار الليالي لأنها غرر المشهور والأيام تبع، ولذلك لا يستعملون التذكير في مثله قط ذهابًا إلى الأيام حتى أنهم يقولون: صمت عشرًا ويشهد له قوله: ﴿إن لبثتم إلا عشرًا﴾ [طه: ١٠٣] و ﴿إن لبثتم إلا يومًا﴾ [طه: ١٥٤] (﴿فإذا بلغن أجلهن﴾) انقضت عدتهن (﴿فلا جناح عليكم﴾) أي فلا إثم عليكم أيها الأولياء أو المسلمون (﴿فيما فعلن في أنفسهن﴾) من التعرض للخطاب والتزين وسائر ما حرم للعدة (﴿بالمعروف﴾) بالوجه الذي لا ينكره الشرع (﴿والله بما تعملون خبير﴾) [البقرة: ٢٣٤] فيجازيكم عليه وسقط قوله: ﴿فإذا بلغن﴾ الخ لغير أبي ذر وقال إلى ﴿بما تعملون خبير﴾.
(يعفون) أي من قوله تعالى: ﴿فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون﴾ [البقرة: ٢٣٤] قال ابن عباس وغيره: (يهبن) من الهبة أي المطلقات فلا يأخذن شيئًا، والصيغة تحتمل التذكير والتأنيث يقال: الرجال يعفون والنساء يعفون. قالوا: وفي الأوّل ضمير والنون علامة الرفع، وفي الثاني لام الفعل والنون ضمير النساء، ولذلك لم يؤثر فيه أن هاهنا ونصب المعطوف وسقط قوله يعفون يهبن لأبي ذر.
٤٥٣٠ - حَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ حَبِيبٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ قَالَ: قَدْ نَسَخَتْهَا الآيَةُ الأُخْرَى، فَلِمَ تَكْتُبُهَا أَوْ تَدَعُهَا قَالَ يَا ابْنَ أَخِي: لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْهُ مِنْ مَكَانِهِ.
[الحديث ٤٥٣٠ - طرفه في: ٤٥٣٦].
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (أمية بن بسطام) بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد التحتية وبسطام بكسر الموحدة وسكون المهملة ابن المنتشر العيشي البصري قال: (حدّثنا يزيد بن زريع) بضم الزاي وفتح الراء مصغرًا (عن حببب) هو في اليونينية بالحاء المهملة هو ابن الشهيد كما صرح به المؤلّف قريبًا، ووقع في الفرع هنا خبيب بالخاء المعجمة المضمومة فالله أعلم أو هو سهو الأزدي الأموي البصري (عن ابن أبي مليكة) عبد الله أنه قال: (قال ابن الزبير) عبد الله: (قلت لعثمان بن عفان ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا﴾) الآية الثانية الصريحة الدلالة على أنه يجب على الذين يتوفون أن يوصوا قبل أن يحتضروا لأزواجهم بأن يمتعن بعدهم حولًا بالسكنى (قال) أي ابن الزبير: (قد نسختها الآية الأخرى) السابقة وهي (﴿يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا﴾ فلم) بكسر اللام وفتح الميم (تكتبها) وقد نسخ حكمها بالأربعة أشهر فما الحكمة في إبقاء رسمها مع زوال حكمها وبقاء رسمها بعد التي نسختها يوهم بقاء حكمها (أو) لم (تدعها) أي تتركها في المصحف والشك من الراوي أي اللفظ قال: وقال في المصابيح: المعنى فلم تكتبها أو فلم لا تدعها فحذف حرف النفي اعتمادًا على فهم المعنى قال: وقد جاء بعد هذا وقال: ندعها
стр. 5037
يا ابن أخي لا أغير شيئًا منه من مكانه انتهى. والاستفهام إنكاري وكأن ابن الزبير ظن أن الذي ينسخ حكمه لا يكتب.
(قال) عثمان رضي الله تعالى عنه مجيبًا له عن استشكاله (يا ابن أخي) قاله على عادة العرب أو نظرًا إلى أخوة الإيمان (لا أغير شيئًا منه من مكانه) إذ هو توقيفي أي فكما وجدتها مثبتة في المصحف بعدها أثبتها حيث وجدتها، وفيه أن ترتيب الآي توقيفي.
٤٥٣١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ قَالَ: كَانَتْ هَذِهِ الْعِدَّةُ تَعْتَدُّ عِنْدَ أَهْلِ زَوْجِهَا وَاجِبٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ قَالَ: جَعَلَ اللَّهُ لَهَا تَمَامَ السَّنَةِ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَصِيَّةً إِنْ شَاءَتْ سَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ وَهْوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ فَالْعِدَّةُ كَمَا هِيَ وَاجِبٌ عَلَيْهَا زَعَمَ ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَقَالَ عَطَاءٌ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ عِدَّتَهَا عِنْدَ أَهْلِهَا فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ وَهْوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ قَالَ عَطَاءٌ: إِنْ شَاءَتِ اعْتَدَّتْ عِنْدَ أَهْلِهِ وَسَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ﴾ قَالَ عَطَاءٌ: ثُمَّ جَاءَ الْمِيرَاثُ فَنَسَخَ السُّكْنَى فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ وَلَا سُكْنَى لَهَا، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا. وَعَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ عِدَّتَهَا فِي أَهْلِهَا فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ نَحْوَهُ.
[الحديث ٤٥٣١ - أطرافه في: ٥٣٤٤].
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر حدّثني (إسحاق) هو ابن راهويه قال: (حدّثنا روح) بفتح الراء ابن عبادة بضم العين وتخفيف الموحدة قال: (حدّثنا شبل) بكسر الشين المعجمة وسكون الموحدة آخره لام ابن عباد بفتح العين وتشديد الموحدة (عن ابن أبي نجيح) عبد الله المكي (عن مجاهد) هو ابن جبر المفسر ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا﴾ قال: كانت هذه العدة) أي المذكورة في قوله تعالى: ﴿يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا﴾ (تعتد عند أهل زوجها واجب فأنزل الله) تعالى: (﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا وصية لأزواجهم﴾) بنصب وصية في قراءة أبي عمرو وابن عامر وحفص وحمزة أي والذين يتوفون منكم يوصون وصية أو ليوصوا وصية أو كتب الله عليهم وصية، أو ألزم الذين يتوفون وصية وبالرفع قرأ الباقون على تقدير ووصية الذين يتوفون أو حكمهم وصية (﴿متاعًا إلى الحول﴾) نصب بلفظ وصية لأنها مصدر منوّن ولا يضرّ تأنيثها بالتاء لبنائها عليه والأصل وصية بمتاع ثم حذف الجر اتساعًا فنصب ما بعده وهذا إذا لم تجعل الوصية منصوبة على المصدر لأن المصدر المؤكد لا يعمل وإنما يجيء ذلك حال رفعها
стр. 5038
أو نصبها على المفعول (﴿غير إخراج﴾) نعت لمتاعًا أو بدل منه أو حال من الزوجات أي غير مخرجات أو حال من الموصين أي غير مخرجين (﴿فإن خرجن﴾) من منزل الأزواج (﴿فلا جناح عليكم﴾) [البقرة: ٢٤٠] أيها الأولياء (﴿فيما فعلن في أنفسهن من معروف﴾) [البقرة: ٢٤٠] مما لم ينكره الشرع، وهذا يدل على أنه لم يكن يجب عليها ملازمة مسكن الزوج والإحداد عليه وإنما كانت مخيرة بين الملازمة وأخذ النفقة وبين الخروج وتركها (قال: جعل الله لها) أي للمعتدة المذكورة في الآية الأولى (تمام السنة سبعة أشهر) ولأبي ذر: بسبعة أشهر (وعشرين ليلة وصية إن شاءت سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت وهو قول الله تعالى: ﴿غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم﴾ فالعدة) وهي أربعة الأشهر والعشرة (كما هي واجب عليها) قال شبل بن عباد (زعم) ابن أبي نجيح (ذلك) المتقدم (عن مجاهد) وهذا يدل على أن مجاهدًا لا يرى نسخ هذه الآية ثم عطف المؤلّف على قوله عن مجاهد قوله.
(وقال: عطاء) هو ابن أبي رباح. قال في الفتح: وهو من رواية ابن أبي نجيح عن عطاء، ووهم من زعم أنه معلق، وتعقبه العيني بأنه لو كان عطفًا لقال وعن عطاء فظاهره التعليق (قال ابن عباس: نسخت هذه الآية عدتها عند أهلها فتعتد حيث شاءت وهو) أي الناسخ (قول الله تعالى ﴿غير إخراج﴾ قال عطاء) مفسرًا لما رواه عن ابن عباس (إن شاءت اعتدت عند أهله) ولأبي ذر عن الكشميهني عند أهلها (وسكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت لقول الله تعالى: ﴿فلا جناح عليكم فيما فعلن﴾) لدلالته على التخيير.
(قال عطاء: ثم جاء الميراث) في قوله تعالى: ﴿ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن﴾ [النساء: ١٢] (فنسخ السكنى) وتركت الوصية (فتعتدّ حيث شاءت ولا سكنى لها).
قال ابن كثير: فهذا القول الذي عوّل عليه مجاهد وعطاء من أن هذه الآية لم تدل على وجوب الاعتداد سنة كما زعمه الجمهور حتى يكون ذلك منسوخًا بأربعة الأشهر والعشر، وإنما دلت على أن ذلك كان من باب الوصية بالزوجات أن يمكّن من السكنى في بيوت أزواجهن بعد وفاتهم حولًا كاملًا إن اخترن ذلك ولهذا قال: ﴿وصية لأزواجهم﴾ أي يوصيكم الله بهن وصية كقوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [النساء: ١١] الآية.
(وعن محمد بن يوسف) الفريابي شيخ المؤلّف وهو معطوف على قوله حدّثنا روح أو علقه المؤلّف عنه وقد وصله أبو نعيم في مستخرجه من طريق محمد بن عبد الملك بن زنجويه عن محمد بن يوسف وهو الفريابي أنه قال: (حدّثنا ورقاء) بن عمرو الخوارزمي (عن ابن أبي نجيح) بفتح النون وكسر الجيم وبعد التحتية الساكنة حاء مهملة عبد الله واسم أبي نجيح يسار (عن مجاهد بهذا. وعن ابن أبي نجيح عن عطاء عن ابن عباس) ﵄ أنه (قال: نسخت هذه الآية عدتها في أهلها فتعتد حيث شاءت لقول الله تعالى: ﴿غير إخراج﴾ نحوه) أي نحو ما روي عن مجاهد فيما سبق.
стр. 5039
٤٥٣٢ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى مَجْلِسٍ فِيهِ عُظْمٌ مِنَ الأَنْصَارِ وَفِيهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى فَذَكَرْتُ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ فِي شَأْنِ سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: وَلَكِنَّ عَمَّهُ كَانَ لَا يَقُولُ ذَلِكَ فَقُلْتُ إِنِّي لَجَرِيءٌ إِنْ كَذَبْتُ عَلَى رَجُلٍ فِي جَانِبِ الْكُوفَةِ وَرَفَعَ صَوْتَهُ، قَالَ: ثُمَّ خَرَجْتُ فَلَقِيتُ مَالِكَ بْنَ عَامِرٍ أَوْ مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ قُلْتُ: كَيْفَ كَانَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَهْيَ حَامِلٌ؟ فَقَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظَ وَلَا تَجْعَلُونَ لَهَا الرُّخْصَةَ؟ فَنَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ الْقُصْرَى بَعْدَ الطُّولَى وَقَالَ أَيُّوبُ: عَنْ مُحَمَّدٍ لَقِيتُ أَبَا عَطِيَّةَ مَالِكَ بْنَ عَامِرٍ.
[الحديث ٤٥٣٢ - طرفه في: ٤٩١٠].
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (حبان) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة ابن موسى المروزي قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: أخبرنا (عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا عبد الله بن عون) بالنون واسم جده ارطبان البصري (عن محمد بن سيرين) أنه (قال: جلست إلى مجلس فيه عظم) بضم العين المهملة وسكون الظاء المعجمة جمع عظيم أي عظماء (من الأنصار وفيهم عبد الرحمن بن أبي ليلى) اسمه يسار الكوفي زاد في سورة الطلاق فذكروا آخر الأجلين (فذكرت حديث عبد الله بن عتبة) بضم العين وسكون الفوقية ابن مسعود الهزلي التابعي ابن أخي عبد الله بن مسعود (في شأن سبيعة بنت الحرث) بضم السين المهملة وفتح الموحدة وفتح العين المهملة مصغر سبعة الأسلمية، وكانت زوج سعد بن خولة فتوفي عنها بمكة فقال لها أبو السنابل بن بعكك: إن أجلك أربعة أشهر وعشر وكانت قد وضعت بعد وفاة زوجها بليال. قيل خمس وعشرون ليلة، وقيل أقل من ذلك فلما قال لها أبو السنابل ذلك أتت النبي ﷺ يأكل فأخبرته فقال لها "قد حللت فانكحي من شئت".
(فقال عبد الرحمن) بن أبي ليلى: (ولكن عمه) نصب بلكن المشددة ولأبي ذر ولكن عمه بتخفيف النون ورفع عمه أي عم عبد الله بن عتبة وهو عبد الله بن مسعود (كان لا يقول ذلك) بل يقول تعتدّ بآخر الأجلين قال محمد بن سيرين (فقلت: إني لجريء) أي ذو جراءة (أن كذبت على رجل في جانب الكوفة) يريد عبد الله بن عتبة وكان سكن الكوفة وتوفي بها زمن عبد الملك بن مروان، ومفهومه وقوع ذلك وعبد الله بن عتبة حيّ (ورفع) ابن سيرين (صوته. قال): أي ابن سيرين (ثم خرجت فلقيت مالك بن عامر) أبا عطية الهمداني (أو مالك بن عوف) بن أبي نضلة صاحب ابن مسعود والشك من الراوي (قلت) له: (كيف كان قول ابن مسعود في) عدّة (المتوفى عنها زوجها وهي حامل)؟ الواو في وهي للحال (فقال) مالك بن عامر أو مالك بن عوف: (قال ابن مسعود: أتجعلون عليها التغليظ) وهو طول زمن عدة الحمل إذا زادت على أربعة أشهر وعشر (ولا تجعلون لها الرخصة) وهي خروجها من العدة إذا وضعت لأقل من أربعة أشهر وعشر (فنزلت) بلام التأكيد لقسم محذوف أي والله لنزلت ولأبي ذر عن المستملي
стр. 5040
أنزلت (سورة النساء القصرى) التي هي سورة الطلاق ومراده منها وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن (بعد الطولى) التي هي سورة البقرة ومراده منها ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا﴾ ومفهوم كلام ابن مسعود أن المتأخر هو الناسخ لكن الجمهور أن لا نسخ بل عموم آية البقرة مخصوص بآية الطلاق، وقد روى أبو داود وابن أبي حاتم من طريق مسروق قال: بلغ ابن مسعود أن عليًّا يقول تعتد آخر الأجلين فقال: من شاء لاعنته أن التي في النساء القصرى أنزلت بعد سورة البقرة ثم قرأ ﴿وأولات الأحمال أجهلن أن يضعن حملهن﴾.
(وقال أيوب) السختياني مما وصله في سورة الطلاق (عن محمد) هو ابن سيرين (لقيت أبا عطية مالك بن عامر) من غير شك.
٤٢ - باب ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]
(باب) قوله تعالى: (﴿حافظوا على الصلوات﴾) بالأداء لوقتها والمداومة عليها وفي فاعل هنا قولان. أحدهما: أنه بمعنى فعل كطارقت النعل وعاقبت اللص ولما ضمن المحافظة معنى المواظبة عدّاها بعلى، والثاني أن فاعل على بابها من كونها بين اثنين فقيل بين العبد وربه كأنه قال: احفظ هذه الصلاة يحفظك الله، وقيل بين العبد والصلاة أي احفظها تحفظك (﴿والصلاة الوسطى﴾) [البقرة: ٢٣٨] ذكر للخاص بعد العام أي الوسطى بينها أو الفضلى منها من قولهم للأفضل الأوسط قاله الزمحشري، وتعقب بأن الذي يقتضيه الظاهر أن تكون الوسطى فعلى مؤنث الأوسط كالفضلى مؤنث الأفضل. قال إعرابي يمدح النبي ﷺ :
يا أوسط الناس طرًّا في مفاخرهم … وأكرم الناس أُمّا برّة وأبا
وقال تعالى: ﴿قال أوسطهم﴾ أي أفضلهم، ومنه يقال فلان واسطة قومه أي أفضلهم وعينهم، وليست من الوسط الذي معناه متوسط بين شيئين لأن فعلى معناها أفعل التفضيل ولا يبنى للتفضيل إلا ما يقبل الزيادة والنقص، والوسط بمعنى العدل والخيار يقبلهما بخلاف المتوسط بين الشيئين فإنه لا يقبلهما فلا يبنى منه أفعل التفضيل.
٤٥٣٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ح:
٠٠٠٠ - حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: هِشَامٌ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَلِيٍّ - رضي الله تعالى عنه - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ: «حَبَسُونَا عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ مَلأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ أَوْ أَجْوَافَهُمْ - شَكَّ يَحْيَى - نَارًا».
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا يزيد)
стр. 5041
من الزيادة ابن هارون الواسطي قال: (أخبرنا هشام) هو ابن حسان القردوسي (عن محمد) هو ابن سيرين (عن عبيدة) بفتح العين وكسر الموحدة السلماني (عن علي رضي الله تعالى عنه) أنه قال: (قال النبى ﷺ ح):
وبه قال: (حدّثني) ولأبي ذر: وحدّثني (عبد الرحمن) بن بشر بن الحكم قال: (حدّثنا يحيى بن سعيد) القطان (قال هشام): هو ابن حسان القردوسي (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثنا هشام قال: حدّثنا (محمد) هو ابن سيرين (عن عبيدة) السلماني (عن علي رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال يوم الخندق):
(حبسونا) أي منعونا (عن) إيقاع (صلاة الوسطى) زاد مسلم: صلاة العصر وإضافة الصلاة إلى الوسطى من إضافة الصفة إلى الموصوف وأجازه الكوفيون (حتى غابت الشمس) زاد مسلم: ثم صلاها بين المغرب والعشاء، ويحتمل أن يكون أخّرها نسيانًا لاشتغاله بأمر العدوّ وكان هذا قبل نزول صلاة الخوف (ملأ الله قبورهم وبيوتهم) أي مكان بيوتهم (أو أجوافهم شك يحيى) بن سعيد القطان (نارًا).
وقد اختلف السلف والخلف في تعيين الصلاة الوسطى. قال الترمذي والبغوي: أكثر علماء الصحابة وغيرهم أنها العصر، وقال الماوردي: إنه قول جمهور التابعين، وحكاه الدمياطي عن عمر وعلي وابن مسعود وأبي أيوب وابن عمرو وسمرة بن جندب وأبي هريرة وأبي سعيد وحفصة وأم حبيبة وأم سلمة وهو مذهب أحمد. وقال ابن المنذر: إنه الصحيح عن أبي حنيفة وصاحبيه، واختاره ابن حبيب من المالكية لحديث عليّ مرفوعًا عند أحمد "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر" وكذا عند مسلم والنسائي وأبي داود كل بلفظ صلاة العصر، وكذا هو في حديث ابن مسعود والبراء بن عازب عند مسلم، وسمرة عند أحمد، وأبي هريرة عند ابن جرير، وأبي مالك الأشعري عند ابن جرير أيضًا، وابن مسعود عند ابن أبي حاتم، وابن حبان في صحيحه، ويؤكد ذلك الأمر بالمحافظة عليها كحديث "من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" واجتماع الملائكة في وقتها.
وروى ابن جرير من طريق هشام بن عروة عن أبيه قال: كان في مصحف عائشة حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر، وفي مصحف حفصة حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر رواه ابن جرير وغيره.
وعورض بأن العطف بالواو في قوله وصلاة العصر يقتضي المغايرة. وأجيب: بأن الواو زائدة أو هو من عطف الصفات لا من عطف الذوات كقوله تعالى: ﴿ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾ [الأحزاب: ٤٠] لكن هي منسوخة التلاوة كما في حديث البراء بن عازب عند مسلم بلفظ: نزلت حافظوا على الصلوات وصلاة العصر فقرأناها على رسول الله ﷺ ما شاء الله ثم نسخها الله وأنزل ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ وقيل: إنها الصبح رواه
стр. 5042
مالك في موطئه بلاغًا عن علي وابن عباس وهو مذهب مالك ونص عليه الشافعي محتجًا بقوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨] والقنوت عنده في صلاة الصبح، وقيل هي الظهر لحديث زيد بن ثابت عند أحمد كان رسول الله ﷺ يصلّي الظهر بالهاجرة ولم يكن يصلّي صلاة أشد على أصحابه منها فنزلت ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ وقال: إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين. ورواه أبو داود في سننه من حديث شعبة وقيل: هي المغرب ففي حديث ابن عباس عند ابن أبي حاتم بإسناد حسن قال، الصلاة الوسطى: هي المغرب واحتج لذلك بأنها معتدلة في عدد الركعات ولا تقصر في السفر، وبأن قبلها صلاتي سر وبعدها صلاتي جهر، وقيل: هي العشاء واختاره الواحدي ونقله القرطبي والسفاقسي واحتج له بأنها بين صلاتين لا تقصران. وقيل: هي واحدة من الخمس لا بعينها وأبهمت فيهن كليلة القدر في الحول أو الشهر أو العشر، واختاره إمام الحرمين وقيل: مجموع الصلوات الخمس رواه ابن أبي حاتم عن ابن عمر.
قال الحافظ ابن كثير: وفي صحته نظر والعجب من اختيار ابن عبد البر له مع اطلاعه وحفظه وأنها لإحدى الكبر إذا اختار مع اطلاعه وحفظه ما لم يقم عليه دليل. وقيل: الصبح والعشاء لما في الصحيح أنهما أثقل الصلاة على المنافقين، وقيل الصبح والعصر لقوّة الأدلة في إن كلاًّ منهما قيل إنه الوسطى فظاهر القرآن الصبح ونص الحديث العصر وقيل غير ذلك. قال ابن كثير: والمدار ومعترك النزاع في الصبح والعصر، وقد بينت السنّة أنها العصر فتعين المصير إليها، وقد جزم الماوردي بأن مذهب الشافعي أنها العصر وإن كان قد نص في الجديد أنها الصبح لصحة الأحاديث أنها العصر لقوله إذا صح الحديث وقلت قولاً فأنا راجع عن قولي وقائل بذلك، لكن قد صمم جماعة من الشافعية أنها الصبح قولا واحدًا.
٤٣ - باب ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ أيْ مُطِيعِينَ
(باب) قوله تعالى: (﴿وقوموا لله﴾) في الصلاة حال كونكم (﴿قانتين﴾ أي مطيعين) كذا فسره ابن مسعود وابن عباس وجماعة من التابعين فيما ذكره ابن أبي حاتم وقيل خاشعين ذليلين مستكنين بين يديه ساكتين. وقال ابن المسيب: المراد به القنوت في الصبح وسقط أي لغير أبي ذر.
٤٥٣٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ يُكَلِّمُ أَحَدُنَا أَخَاهُ فِي حَاجَتِهِ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن إسماعيل بن أبي خالد) الأحمسي مولاهم البجلي (عن الحرث بن شبيل) بضم المعجمة وفتح الموحدة آخره لام مصغرًا (عن أبي عمرو) بفتح العين سعد بن إياس (الشيباني) بفتح الشين
стр. 5043
المخضرم عاش مائة وعشرين سنة (عن زيد بن أرقم) ﵁ أنه (قال: كنا نتكلم في الصلاة) زاد في باب ما ينهى من الكلام في الصلاة في أواخر كتاب الصلاة من طريق عيسى بن يونس عن إسماعيل بن أبي خالد على عهد النبي ﷺ (يكلم أحدنا أخاه) وفي طريق عيسى بن يونس صاحبه بدل أخاه (في حاجته حتى) أي إلى أن (نزلت هده الآية ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين﴾ فأمرنا بالسكوت) عن الكلام الذي لا يتعلق بالصلاة وليس في الصلاة حالة سكوت.
وقد أشكل هذا الحديث من جهة أنه ثبت أن تحريم الكلام في الصلاة كان بمكة قبل الهجرة إلى أرض الحبشة لحديث ابن مسعود: كنا نسلم على النبي ﷺ قبل أن نهاجر إلى الحبشة وهو في الصلاة فيردّ علينا، فلما قدمنا سلمت عليه فلم يردّ في الحديث. وهذه الآية مدنية باتفاق فقيل: وإنما أراد زيد بن أرقم الإخبار عن جنس كلام الناس، واستدلّ على تحريم ذلك بهذه الآية بحسب ما فهمه منها، وقيل أراد أن ذلك وقع بالمدينة بعد الهجرة إليها ويكون ذلك قد أبيح مرتين وحرم مرتين. قال ابن كثير: والأوّل أظهر.
٤٤ - باب ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾
وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ كُرْسِيُّهُ: عِلْمُهُ، يُقَالُ: بَسْطَةً: زِيَادَةً وَفَضْلًا. أَفْرِغْ: أَنْزِلْ، وَلَا يَئُودُهُ: لَا يُثْقِلُهُ، آدَنِي: أَثْقَلَنِي وَالآدُ وَالأَيْدُ: الْقُوَّةُ، السِّنَةُ: نُعَاسٌ، يَتَسَنَّهْ: يَتَغَيَّرْ، فَبُهِتَ: ذَهَبَتْ حُجَّتُهُ، خَاوِيَةٌ: لَا أَنِيسَ فِيهَا: عُرُوشُهَا: أَبْنِيَتُهَا، نُنْشِرُهَا: نُخْرِجُهَا، إِعْصَارٌ: رِيحٌ عَاصِفٌ تَهُبُّ مِنَ الأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ كَعَمُودٍ، فِيهِ نَارٌ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: صَلْدًا لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: وَابِلٌ: مَطَرٌ شَدِيدٌ، الطَّلُّ: النَّدَى وَهَذَا مَثَلُ عَمَلِ الْمُؤْمِنِ. يَتَسَنَّهْ: يَتَغَيَّرْ.
(﴿فإن خفتم﴾) ولأبي ذر باب قوله : (﴿فإن خفتم﴾) أي من عدوّ أو غيره (﴿فرجالًا أو ركبانًا﴾)، نصب على الحال والعامل محذوف تقديره فصلوا رجالًا ورجالًا جمع راجل كقائم وقيام وأو للتقسيم أو الإباحة أو التخيير (﴿فإذا أمِنتم﴾) من العدوّ وزال خوفكم (﴿فاذكروا الله﴾) أي أقيموا صلاتكم كما أمرتكم تامة الركوع والسجود والقيام والقعود (﴿كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾) [البقرة: ٢٣٩] الكاف في كما في موضع نصب نعتًا لمصدر محذوف أو حالًا من ضمير المصدر المحذوف، وما مصدرية أو بمعنى الذي وما لم تكونوا تعلمون مفعول علمكم، والمعنى فصلّوا الصلاة كالصلاة التي علمكم وعبّر الذكر عن الصلاة والتشبيه بين هيئتي الصلاتين الواقعة قبل الخوف وبعده في حالة الأمن، وفي رواية أبي ذر بعد قوله: ﴿فإذا أمنتم﴾ الآية وحذف ما بعد ذلك.
стр. 5044
(وقال ابن جبير): سعيد مما وصله ابن أبي حاتم في تفسير قوله تعالى: ﴿وسع﴾ (﴿كرسيه﴾ [البقرة: ٢٥٥] أي علمه) تسمية للصفة باسم مكان صاحبها ومنه قيل للعلماء الكراسي وقيل يعبر به عن السر قال:
ما لي بأمرك كرسيّ أكاتمه … ولا بكرسيّ علم الله محلوت
وقد يعبر به عن الملك لجلوسه عليه تسمية للحال باسم المحل وهو في الأصل لما يقعد عليه ولا يفضل عن مقعد القاعد، وتفسير ابن جبير هذا فيه إشارة إلى أنه لا كرسي في الحقيقة ولا قاعد، وإنما هو مجاز عن علمه كما في غيره مما سبق. وقال قوم: هو جسم بين يدي العرش ولذلك سمي كرسيًا محيط بالسماوات السبع لحديث أبي ذر الغفاري عند ابن مردويه أن النبي ﷺ قال: "والذي نفسي بيده ما السماوات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وأن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة". وزعم بعض أهل الهيئة من الإسلاميين أن الكرسي هو الفلك الثامن وهو فلك الثوابت الذي فوقه الفلك التاسع وهو الأطلس وسمي الأطلس لكونه غير مكوكب وردّ ذلك عليهم آخرون.
(يقال) في تفسير قوله تعالى: ﴿وزاده﴾ أي طالوت (﴿بسطة﴾) أي (زياة وفضلًا) في العلم والجسم تأهل بهما أن يؤتى الملك وكان رجلًا جسيمًا إذا مدّ الرجل القائم يده ينال رأسه وافر العلم قويًّا على مقاومة العدوّ ومكابدة الحرب.
(﴿أفرغ﴾) يريد قوله تعالى: ﴿ربنا أفرغ﴾ أي (أنزل) ﴿علينا صبرًا﴾ [البقرة: ٢٥٠] على القتال، وسقط لأبي ذر من قوله يقال إلى هنا.
(﴿ولا يؤده﴾) أي (لا يثقله) ﴿حفظهما﴾ يقال (آدني) هذا الأمر أي (أثقلني والآد) بالمد مخففًا كالآل (والأيد) كأنه يشير إلى قول داود: ذا الأيد أي (القوة) وشطب في اليونينية على الألف واللام من قوله القوة.
(السنة) من قوله تعالى: ﴿لا تأخذه سنة﴾ (نعاس) ولأبي ذر النعاس كذا فسره ابن عباس فيما أخرجه ابن أبي حاتم.
وقوله تعالى: ﴿وانظر إلى طعامك وشرابك لم﴾ (﴿يتسنه﴾) [البقرة: ٢٥٩] أي (يتغير) بمرور الزمان وعبر بالإفراد لأن الطعام والشراب كالجنس الواحد أو أعاد الضمير إلى الشراب لأنه أقرب مذكور وثم جملة أخرى حذفت لدلالة هذه عليها أي أنظر إلى طعامك لم يتسنه أو سكت عن تغير الطعام تنبيهًا بالأدنى على الأعلى لأنه إذا لم يتغير الشراب مع سرعة التغير إليه فعدم تغير الطعام أولى.
وقوله تعالى: (﴿فبهت﴾) ﴿الذي كفر﴾ [البقرة: ٢٥٩] وهو نمروذ أي (ذهبت حجته) وقرئ فبهت مبنيًا للفاعل أي فغلب إبراهيم الكافر.
стр. 5045
وقوله تعالى: ﴿أو كالذي مرّ على قرية وهي﴾ (﴿خاوية﴾) أي (لا أنيس فيها) والمارّ عزير كما عند ابن أبي حاتم والقرية القدس وقوله: (﴿عروشها﴾) أي (أبنيتها) ساقطة.
(السنة) هي (نعاس) وقد مرّ، وسقطت هذه لأبي ذر.
وقوله تعالى: ﴿وانظر إلى العظام كيف﴾ (﴿ننشرها﴾) [البقرة: ٢٥٩]. بالراء أي (نخرجها). قال السدي وغيره: تفرقت عظام حماره حوله يمينًا وشمالًا فنظر إليها وهي تلوح من بياضها فبعث الله ريحًا فجمعتها من كل موضع من تلك المحلة ثم ركبت كل عظم في موضعه حتى صار حمارًا قائمًا من عظام لا لحم عليها ثم كساه الله تعالى لحمًا وعصبًا وعروقًا وجلدًا وبعث ملكًا فنفخ في منخري الحمار فنهق بإذن الله تعالى وذلك كله بمرأى من العزير، وسقط لأبي ذر من قوله عروشها الخ.
وقوله تعالى: ﴿فأصابها﴾ (﴿إعصار﴾) [البقرة: ٢٦٦] أي (ريح عاصف تهب من الأرض إلى السماء كعمود فيه نار) أي فتحرق ما في جنته من نخيل وأعناب والمعنى تمثيل حال من يفعل الأفعال الحسنة ويضم إليها ما يحبطها مثل الرياء والإيذاء في الحسرة والأسف إذا كان يوم القيامة واشتدت حاجته إليها وجدها محبطة بحال من هذا شأنه.
(وقال ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما مما وصله ابن جرير في قوله تعالى: ﴿فتركه﴾ (﴿صلدًا﴾) [البقرة: ٢٦٤] أي (ليس عليه شيء) من تراب فكذلك نفقة المرائي والمشرك لا يبقى له ثواب.
(وقال عكرمة): مما وصله عبد بن حميد في قوله تعالى: ﴿أصابها﴾ (﴿وابل﴾) [البقرة: ٢٦٥]. أي (مطر شديد) قطره، و (الطل) في قوله تعالى: ﴿فطل﴾ أي (الندى) وهذا تجوّز منه. والمعروف أن الطل هو المطر الصغير القطر والفاء في ﴿فطل﴾ جواب الشرط ولا بدّ من حذف بعدها لتكمل جملة الجواب أي: فطل يصيبها فالمحذوف الخبر وجاز الابتداء بالنكرة لأنها في جواب الشرط (وهذا مثل عمل المؤمن).
(﴿يتسنه﴾) أي (يتغير) وقد مرّ وسقط لأبي ذر من قوله: وقال ابن عباس إلى آخر قوله يتغير.
٤٥٣٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ - رضي الله تعالى عنهما - كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلَاةِ الْخَوْفِ قَالَ: يَتَقَدَّمُ الإِمَامُ وَطَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ فَيُصَلِّي بِهِمِ الإِمَامُ رَكْعَةً، وَتَكُونُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعَدُوِّ لَمْ يُصَلُّوا فَإِذَا صَلَّوُا الَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً اسْتَأْخَرُوا مَكَانَ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا، وَلَا يُسَلِّمُونَ وَيَتَقَدَّمُ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا فَيُصَلُّونَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ يَنْصَرِفُ الإِمَامُ وَقَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَيَقُومُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ، فَيُصَلُّونَ لأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً بَعْدَ أَنْ يَنْصَرِفَ
следующие страницы →