← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21716

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط العلمية

القسطلاني

Полный текст (8 298 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.

стр. 5076

٤٥٥٦ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأَةٍ قَدْ زَنَيَا فَقَالَ لَهُمْ: «كَيْفَ تَفْعَلُونَ بِمَنْ زَنَى مِنْكُمْ» قَالُوا: نُحَمِّمُهُمَا وَنَضْرِبُهُمَا فَقَالَ: «لَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ الرَّجْمَ» فَقَالُوا: لَا نَجِدُ فِيهَا شَيْئًا فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبْتُمْ ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فَوَضَعَ مِدْرَاسُهَا الَّذِي يُدَرِّسُهَا مِنْهُمْ كَفَّهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، فَطَفِقَ يَقْرَأُ مَا دُونَ يَدِهِ وَمَا وَرَاءَهَا وَلَا يَقْرَأُ آيَةَ الرَّجْمِ فَنَزَعَ يَدَهُ عَنْ آيَةِ الرَّجْمِ فَقَالَ: "مَا هَذِهِ؟ " فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَالُوا: هِيَ آيَةُ الرَّجْمِ فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا قَرِيبًا مِنْ حَيْثُ مَوْضِعُ الْجَنَائِزِ عِنْدَ الْمَسْجِدِ قَالَ: فَرَأَيْتُ صَاحِبَهَا يَجْنَأُ عَلَيْهَا يَقِيهَا الْحِجَارَةَ. وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (إبراهيم بن المنذر) أبو إسحاق الحزامي قال: (حدّثنا أبو ضمرة) بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم أنس بن عياض الليثي قال: (حدّثنا موسى بن عقبة) الإمام في المغازي (عن نافع) مولى ابن عمر (عن عبد الله بن عمر ﵄) سقط لأبي ذر لفظ عبد الله (أن اليهود) يهود خيبر (جاؤوا إلى النبي ﷺ ¬) في ذي القعدة من السنة الرابعة (برجل منهم) لم يسم (وامرأة) اسمها بسرة (قد زنيا) قال النووي: وكانا من أهل العهد (فقال لهم) ﵊: (كيف تفعلون) ولأبي ذر عن الكشميهني كيف تعملون (بمن زنى منكم؟ قالوا: نحممهما) بضم النون وفتح الحاء المهملة وكسر الميم الأولى مشددة من التحميم يعني نسوّد وجوههما بالحمم وهو الفحم (ونضربهما فقال) ﵊ لهم: (لا تجدون في التوراة الرجم؟) على من زنى إذا أحصن (فقالوا: لا نجد فيها شيئًا) وإنما سألهم ﵊ ليلزمهم بما يعتقدونه في كتابهم الموافق لحكم الإسلام إقامة للحجة عليهم لا لتقليدهم ومعرفة الحكم منهم. (فقال لهم عبد الله بن سلام) ﵁ (كذبتم فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كتم صادقين) فإن ذلك موجود فيها لم يغير، واستدلّ به ابن عبد البر على أن التوراة صحيحة بأيديهم ولولا ذلك ما سألهم رسول الله ﷺ عنها ولا دعا بها. وأجيب: بأن سؤاله عنها يدل على صحة جميع ما فيها وإنما يدل على صحة المسؤول عنه منها، وقد علم ﷺ ذلك بوحي أو إخبار من أسلم منهم فأراد بذلك تبكيتهم وإقامة الحجة عليهم في مخالفتهم كتابهم وكذبهم عليه وإخبارهم بما ليس فيه وإنكارهم ما هو فيه فأتوا بالتوراة فنشروها (فوضع) عبد الله بن صوريا (مدراسها) بكسر الميم مفعال من أبنية المبالغة أي صاحب دراسة كتبهم وكان أعلم من بقي من الأحبار بالتوراة وزعم السهيلي أنه أسلم، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: مدارسها بضم الميم على وزن المفاعلة من المدارسة. قال في الفتح: والأول أوجه وهو (الذي يدرسها منهم) بضم التحتية وفتح الدال المهملة

стр. 5077

وتشديد الراء مكسورة وفي نسخة يدرسها بفتح أوله وسكون الدال وضم الراء مخففة (كفه على آية الرجم فطفق) بكسر الفاء أي فجعل (يقرأ) من التوراة (ما دون يده) أي قبلها (وما وراءها ولا يقرأ آية الرجم فنزع) عبد الله بن سلام (يده عن آية الرجم فقال: ما هذه؟ فلما رأوا ذلك) أي اليهود (قالوا): ولأبي ذر عن الكشميهني فلما رأى ذلك أي المدراس قال: (هي آية الرجم فأمر بهما) ﷺ (فرجما) بحكم شرعه (قريبًا من حيث موضع الجنائز) برفع موضع في الفرع كأصله وغيرهما لأن حيث لا تضاف إلى ما بعدها إلا أن يكون جملة (عند المسجد). وفي هذه القصة من حديث جابر عند أبي داود في سننه: أنه شهد عنده ﷺ أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة. قال النووي: فإن صح هذا فإن كان الشهود مسلمين فظاهر، وإن كانوا كفارًا فلا اعتبار بشهادتهم ويتعين أنهما أقرّا بالزنا، فلذا حكم ﵊ برجمهما. (قال) أي ابن عمر (فرأيت صاحبها) أي صاحب المرأة الذي زنى بها (يجنأ) بفتح أوله وسكون الجيم وبعد النون المفتوحة همزة مضمومة أي أكب، ولأبي ذر عن الكشميهني يحني بفتح حرف المضارعة وسكون الحاء المهملة وكسر النون بعدها تحتية أي يميل وينعطف (عليها) حال كونه (يقيها الحجارة). وفي هذا الحديث من الفوائد وجوب حدّ الزنا على الكافر، وبه قال الشافعي وأحمد وأبو حنيفة والجمهور خلافًا لمالك حيث قال: لا حدّ عليه وأنه ليس من شرط الإحصان المقتضي للرجم الإسلام وهو مذهب الشافعي وأحمد خلافًا لمالك وأبي حنيفة حيث قالا: لا يرجم الذمي لأن من شرط الإحصان الإسلام وأن أنكحة الكفار صحيحة وإلاّ لما ثبت إحصانهم وأنهم مخاطبون بالفروع خلافًا للحنفية. وهذا الحديث قد سبق مختصرًا في الجنائز ويأتي إن شاء الله في الحدود. ٧ - باب ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿كنتم خير أمة أُخرجت للناس﴾) [آل عمران: ١١٠]. قيل كان ناقصة على بابها فتصلح للانقطاع نحو: كان زيد قائمًا، وللدوام نحو: ﴿وكان الله غفورًا رحيمًا﴾ فهي بمنزلة لم يزل وهذا بحسب القرائن فقوله: ﴿كنتم خير أمة﴾ لا يدل على أنهم لم يكونوا خيرًا فصاروا خيرًا أو انقطع ذلك عنهم، وقال في الكشاف: كان عبارة عن وجود الشيء في زمان ماض على سبيل الإِبهام وليس فيه دليل على عدم سابق ولا على انقطاع طارئ ومنه قوله تعالى: ﴿وكان الله غفورًا رحيمًا﴾ و ﴿كنتم خير أمة﴾ كأنه قيل وجدتم خير أمة. قال أبو حبان: قوله لم يدل على عدم سابق هذا إذا لم تكن بمعنى صار فإذا كانت بمعنى صار دلت على عدم سابق.

стр. 5078

فإذا قلت: كان زيد عالمًا بمعنى صار زيد عالمًا دلت على أنه انتقل من حالة الجهل إلى حالة العلم؛ وقوله ولا على انقطاع طارئ قد سبق أن الصحيح أنها كسائر الأفعال يدل لفظ المضي منها على الانقطاع، ثم قد يستعمل حيث لا انقطاع، وفرق بين الدلالة والاستعمال ألا ترى أنك تقول هذا اللفظ يدل على العموم ثم قد يستعمل حيث لا يراد العموم بل يزاد الخصوص، وقوله: كأنه قيل وجدتم خير أمة بدل على أنها التامة وأن خبر أمة حال، وقوله: وكان الله غفورًا رحيمًا، لا شك أنها الناقصة فتعارضا. وأجاب أبو العباس الحلبي: بأنه لا تعارض لأن هذا تفسير معنى لا تفسير إعراب، وقيل إن كان هنا تامة بمعنى وجدتم وحينئذ فخير أمة نصب على الحال، وقيل زائدة أي أنتم خير أمة، والخطاب للصحابة وهذا مرجوح أو غلط لأنها لا تزاد أولًا، وقد نقل ابن مالك الاتفاق عليه، وقيل الخطاب لجميع الأمة أي كنتم في علم الله، وقيل في اللوح المحفوظ. وعن ابن عباس فيما رواه أحمد في مسنده والنسائي في سننه والحاكم في مستدركه قال: هم الذين هاجروا مع النبي ﷺ إلى المدينة، والصحيح كما قاله ابن كثير العموم في جميع الأمة كل قرن بحسبه وخير قرونهم الذين بعث فيهم ﷺ ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، وفي سنن ابن ماجه ومستدرك الحاكم وحسنه الترمذي عن معاوية بن حيدة مرفوعًا: أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله . ٤٥٥٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَيْسَرَةَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] قَالَ: خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ تَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ، فِي أَعْنَاقِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الإِسْلَامِ. وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) البيكندي (عن سفيان) الثوري (عن ميسرة) ضد الميمنة ابن عمار الأشجعي (عن أبي هريرة ﵁) في قوله تعالى: (﴿كنتم خير أمة أُخرجت للناس﴾ قال: خير الناس للناس) أي خير بعض الناس لبعضهم أي أنفعهم لهم، وإنما كان كذلك لأنكم (تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام) فهم سبب في إسلامهم وقول الزركشي وغيره قيل ليس هذا التفسير بصحيح ولا معنى لإدخاله في المسند لأنه لم يرفعه ليس بصحيح بل إساءة أدب لا ينبغي ارتكاب مثلها، وقد تقدم من وجه آخر في أواخر الجهاد مرفوعًا بلفظ: عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل يعني الأسارى الذين يقدم بهم أهل الإسلام في الوثاق والأغلال والقيود ثم بعد ذلك يسلمون وتصلح سرائرهم وأعمالهم فيكونون من أهل الجنة. وهذا الحديث أخرجه النسائي في التفسير.

стр. 5079

٨ - باب ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ هذا (باب) بالتنوين وهو ساقط كلفظ باب قبله لغير أبي ذر في قوله تعالى: (﴿إذ همّت طائفتان منكم أن تفشلا﴾) [آل عمران: ٢٢] عامل الظرف اذكر أو هو بدل من إذ غدوت فالعامل فيه العامل في المبدل منه أو الناصب له عليم، والهم: العزم أو هو دونه وذلك أن أول ما يمر بقلب الإنسان يسمى خاطرًا فإذا قوي سمي حديث نفس فإذا قوي سمي همًّا فإذا قوي سمي عزمًا ثم بعده، إما قول أو فعل. ٤٥٥٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ يَقُولُ: فِينَا نَزَلَتْ: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ قَالَ: نَحْنُ الطَّائِفَتَانِ بَنُو حَارِثَةَ، وَبَنُو سَلِمَةَ، وَمَا نُحِبُّ وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: وَمَا يَسُرُّنِي أَنَّهَا لَمْ تُنْزَلْ لِقَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾. وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: قال عمرو) هو ابن دينار (سمعت جابر بن عبد الله ﵄ يقول: فينا نزلت: ﴿إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا﴾ أي تجبنا وتتخلفا عن الرسول ﷺ وتذهبا مع عبد الله بن أبي وكان ذلك في غزوة أُحُد (﴿والله وليهما﴾) أي عاصمهما عن اتباع تلك الخطوة التي ليست عزيمة بل حديث نفس وكيف تكون عزيمة والله تعالى يقول: ﴿والله وليهما﴾ والله تعالى لا يكون ولي من عزم على خذلان رسوله ﷺ ومتابعة عدوّه عبد الله بن أبيّ، ويجوز أن تكون عزيمة كما قال ابن عباس ويكون قوله: ﴿والله وليهما﴾ جملة حالية مقررة للتوبيخ والاستبعاد أي لم وجد منهما الفشل والجبن وتلك العزيمة والحال أن الله بجلاله وعظمته هو الناصر لهما فما لهما يفشلان. (قال): أي جابر (نحن الطائفتان بنو حارثة) وهم من الأوس (وبنو سلمة) بكسر اللام وهم من الخزرج (وما نحب. وقال سفيان) بن عيينة في روايته: (مرة وما يسرني) بدل وما نحب (أنها) أي الآية (لم تنزل لقول الله) تعالى (﴿والله وليهما﴾) ومفهومه أن نزولها سره لما حصل لهم من الشرف وتثبيت الولاية ودلّ ذلك على أنه سرتهم تلك الهمة العارية عن العزم، نعم كلام ابن عباس السابق مبني على التوبيخ وينصره قوله: ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ فإنه يأبى إلا أن يكون تعريضًا وتغليطًا في هذا المقام وكذا قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله لعلكم تشكرون﴾ [آل عمران: ١٢٣] مشتمل على تشديد عظيم يعني: فاتقوا الله في الثبات معه ولا تضعفوا فإن نعمته وهي نعمة الإسلام لا يقابل شكرها إلا ببذل المهج وبفداء الأنفس فاثبتوا معه لعلكم تدركون شكر هذه النعمة، وكل هذه التشديدات لا ترد على حديث النفس، وأما قول جابر نحن بنو سلمة وبنو حارثة وامتيازه إياهما عن الغير فلا يستقيم إلا على العزيمة وقوله: وما يسرني أنها لم تنزل إنما

стр. 5080

يحسن إذا حملته على العزيمة ليفيد المبالغة فهو على أسلوب قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لِمَ أذنت لهم﴾ [التوبة: ٤٣] قاله في فتوح الغيب. وهذا الحديث سبق في المغازي. ٩ - باب ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿ليس لك من الأمر شيء﴾) [آل عمران: ١٢٨]. ٤٥٥٩ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِنَ الْفَجْرِ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا» بَعْدَ مَا يَقُولُ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾. رَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ. وبه قال: (حدّثنا حبان بن موسى) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة السلمي المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (سالم عن أبيه) عبد الله بن عمر ﵄ (أنه سمع رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الآخرة من الفجر) من صلاة الصبح أي بعد أن كسرت رباعيته يوم أُحُد (يقول): (اللهم العن فلانًا وفلانًا وفلانًا) هم صفوان بن أمية، وسهيل بن عمير، والحرث بن هشام كما في حديث مرسل أورده المؤلّف في غزوة أُحُد ووصله أحمد والترمذي وزاد في آخره: فتيب عليهم كلهم وسمى الترمذي في روايته أبا سفيان بن حرب، وفي كتاب ابن أبي شيبة منهم العاصي بن هشام. قال في المقدمة: وهو وهم فإن العاصي قتل قبل ذلك ببدر قال: ونقل السهيلي عن رواية الترمذي فيهم عمرو بن العاص فوهم في نقله (بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد) بإثبات الواو (فأنزل الله: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ إلى قوله: ﴿فإنهم ظالمون﴾) قال في فتوح الغيب: وقوله أي بعد ﴿والله غفور رحيم﴾ تتميم مناد على أن جانب الرحمة راجح على جانب العذاب وفي قوله: ﴿فإنهم ظالمون﴾ تتميم لأمر التعذيب وإدماج لرجحان المغفرة يعني سبب التعذيب كونهم ظالمين إلا فالرحمة مقتضية للغفران. وقال صاحب الأنوار قوله: ﴿يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء﴾ [المائدة: ١٨] صريح في نفي وجوب التعذيب والتقييد بالتوبة وعدمها كالمنافي له ﴿والله غفور رحيم﴾ لعباده فلا تبادر إلى الدعاء عليهم. (رواه) أي الحديث المذكور بالإسناد السابق (إسحاق بن راشد) الحراني (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب وهذا وصله الطبراني في معجمه الكبير.

стр. 5081

٤٥٦٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى أَحَدٍ أَوْ يَدْعُوَ لأَحَدٍ قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ فَرُبَّمَا قَالَ إِذَا قَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ اللَّهُمَّ، أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ وَاجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ» يَجْهَرُ بِذَلِكَ وَكَانَ يَقُولُ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ: «اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا» لأَحْيَاءٍ مِنَ الْعَرَبِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] الآيَةَ. وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري البصري قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن عوف قال: (حدّثنا ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف كلاهما (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد) أي في الصلاة (قنت بعد الركوع فربما قال: إذا قال سمع الله لمن حمده): (اللهم ربنا لك الحمد اللهم أنج الوليد بن الوليد) أخا خالد بن الوليد أسلم وتوفي في حياته ﵇ وهمزة أنج قطع (وسلمة بن هشام) هو ابن عم الذي قبله وأخو أبي جهل وكان من السابقين إلى الإسلام (وعياش بن أبي ربيعة) ابن عم الذي قبله وهو من السابقين أيضًا. وفي الزيادات من حديث الحافظ أبي بكر بن زياد النيسابوري عن جابر رفع ﷺ رأسه من الركعة الأخيرة من صلاة الصبح صبيحة خمس عشرة من رمضان فقال: "اللهم انج" الحديث وفيه فدعا بذلك خمسة عشر يومًا حتى إذا كان صبيحة يوم الفطر ترك الدعاء. (اللهم اشدد وطأتك) بفتح الواو وسكون الطاء المهملة وهمزة مفتوحة أي بأسك (على مضر واجعلها سنين كسني يوسف) بنون واحدة على المشهور حال كونه (يجهر بذلك وكان) ﵊ (يقول: في بعض صلاته في صلاة الفجر) فيه إشارة إلى أنه كان لا يداوم على ذلك (اللهم العن فلانًا وفلانًا لأحياء) قبائل (من العرب) وسماهم في رواية يونس عن الزهري عند مسلم رعلًا وذكوان وعصية (حتى أنزل الله: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ الآية) بالنصب أي اقرأ الآية. واستشكل بأن قصة رعل وذكوان كانت بعد أُحُد ونزول ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ في قصة أُحُد فكيف يتأخر السبب عن النزول؟ وأجاب في الفتح: بأن قوله حتى أنزل الله منقطع من رواية الزهري عمن بلغه كما بين ذلك مسلم في رواية يونس المذكورة فقال هنا قال يعني الزهري، ثم قال بلغنا أنه ترك ذلك لما نزلت قال وهذا البلاغ لا يصح وقصة رعل وذكوان أجنبية عن قصة أُحُد فيحتمل أن قصتهم كانت عقب ذلك وتأخر نزور الآية عن سببها قليلًا، ثم نزلت في جميع ذلك.

стр. 5082

وقد ورد في سبب نزول الآية شيء آخر غير مناف لما سبق في قصة أُحُد فعند مسلم من حديث أن أنس النبي ﷺ كسرت رباعيته يوم أُحُد وشجّ وجهه حتى سال الدم على وجهه فقال: "كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم" وهو يدعوهم إلى ربهم فأنزل الله: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ [آل عمران: ١٢٨] وأورده المؤلّف في المغازي معلمًا بنحوه وطريق الجمع بينه وبين حديث ابن عمر المسوق أول هذا الباب أنه ﷺ دعا على المذكورين بعد ذلك في صلاته فأنزل الله الآية في الأمرين جميعًا فيما وقع له من كسر الرباعية وشج الوجه وفيما نشأ عن ذلك من الدعاء عليهم وذلك كله في أُحُد فعاتبه الله تعالى على تعجيله في القول برفع الفلاح عنهم حيث قال: كيف يفلح قوم أي لن يفلحوا أبدًا فقال الله له: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ أي كيف تستبعد الفلاح وبيد الله أزمة الأمور التي في السماوات والأرض ﴿يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء﴾ [المائدة: ١٨] وليس لك من الأمر إلا التفويض والرضا بما قضى، وسقط لأبي ذر قوله الآية. والحديث رواه النسائي. ١٠ - باب قَوْلِهِ ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ وَهْوَ تَأْنِيثُ آخِرِكُمْ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ فَتْحًا أَوْ شَهَادَةً (باب قوله) تعالي: (﴿والرسول يدعوكم﴾) مبتدأ وخبر في موضع نصب على الحال ودعوة الرسول إلى عباد الله إلي عباد الله يدعوهم إلى ترك الفرار من العدوّ وإلى الرجعة والكرة (﴿في أخراكم﴾) قال البخاري تبعًا لأبي عبيدة: (وهو) أي أخراكم (تأنيث آخركم) بكسر الخاء المعجمة. قال في الفتح والعمدة والتنقيح: فيه نظر لأن أخرى تأنيث آخر بفتح الخاء لا كسرها وزاد في التنقيح أفعل تفضيل كفضلى وأفضل، وتعقبه في المصابيح فقال نظر البخاري أدق من هذا وذلك أنه لو جعل أخرى هنا تأنيثًا لآخر بفتح الخاء لم يكن فيه دلالة على التأخر الوجودي، وذلك لأنه أميتت دلالته على هذا المعنى بحسب العرف وصار إنما يدل على الوجهين بالمغايرة فقط تقول: مررت برجل حسن ورجل آخر أي مغاير للأول وليس المراد تأخره في الوجود عن السابق وكذا مررت بامرأة جميلة وامرأة أخرى والمراد في الآية الدلالة على التأخر فلذلك قال تأنيث آخركم كسر الخاء لتصير أخرى دالة على التأخر كما في قالت أولاهم لأخراهم أي المتقدمة للمتأخرة واستعماله في هذا المعنى موجود في كلامهم بل هو الأصل اهـ. (وقال ابن عباس): مما وصله ابن أبي حاتم في قوله تعالى: (﴿إحدى الحسنيين﴾) [التوبة: ٥٢] أي (فتحًا أو شهادة) ومحل ذكر هذا في سورة براءة على ما لا يخفى واحتمال وقوع إحدى الحسنيين وهي الشهادة وقعت في أُحُد استبعده في العمدة. ٤٥٦١ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الرَّجَّالَةِ يَوْمَ أُحُدٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ، وَأَقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ فَذَاكَ ﴿إِذْ يَدْعُوهُمُ الرَّسُولُ فِي أُخْرَاهُمْ﴾ وَلَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا.

стр. 5083

وبه قال: (حدّثنا عمرو بن خالد) بفتح العين وجدّه فرّوخ الحراني الجزري سكن مصر قال: (حدّثنا زهير) هو ابن معاوية قال: (حدّثنا أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي (قال: سمعت البراء بن عازب ﵄ قال: جعل النبي ﷺ ¬) أميرًا (على الرجالة) بتشديد الجيم خلاف الفارس وكانوا خمسين رجلًا رماة (يوم أُحُد عبد الله بن جبير) بضم الجيم وفتح الموحدة الأنصاري (وأقبلوا) بالواو وفي اليونينية فأقبلوا أي المسلمون حال كونهم (منهزمين) أي بعضهم، وذلك أنهم صاروا ثلاث فرق. فرقة استمروا في الهزيمة إلى قرب المدينة فلم يرجعوا حتى مضى القتال وهم قليل ونزل فيهم: ﴿إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان﴾ [آل عمران: ١٥٥]. وفرقة صاروا حيارى لما سمعوا أن رسول الله ﷺ قتل فصارت غاية الواحد منهم أن يذبّ عن نفسه أو يستمر على بصيرته في القتال إلى أن يقتل وهم أكثر الصحابة. وفرقة ثبتت مع النبي ﷺ ثم تراجع القسم الثاني شيئًا فشيئًا لما عرفوا أنه ﷺ حي (فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم) أي في ساقتهم وجماعتهم الأخرى (ولم يبق مع النبي ﷺ ¬) من أصحابه (غير اثني عشر رجلًا) بسكون الياء، فمن المهاجرين أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسعد بن أبي وقاص وطلحة والزبير وأبو عبيدة وعبد الرحمن بن عوف، ومن الأنصار أسيد بن حضير والحباب بن المنذر والحرث بن الصمة وسعد بن معاذ وأبو دجانة وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح وسهل بن حنيف ذكره الواقدي والبلاذري فهم ستة عشر رجلًا. ١١ - باب قَوْلِهِ: ﴿أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ (باب) بالتنوين (قوله) تعالى، وسقط لفظ قوله للكشميهني والحموي (﴿أمنة نعاسًا﴾) [آل عمران: ١٥٤] أي أنزل الله عليكم بسبب ما أصابكم من الغم الأمن حتى أخذ بكم النعاس. ٤٥٦٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ قَالَ: غَشِيَنَا النُّعَاسُ وَنَحْنُ فِي مَصَافِّنَا يَوْمَ أُحُدٍ قَالَ: فَجَعَلَ سَيْفِي يَسْقُطُ مِنْ يَدِي وَآخُذُهُ وَيَسْقُطُ وَآخُذُهُ. وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثن بالإفراد (إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن أبو يعقوب) البغدادي الملقب بلؤلؤ ابن عم أحمد بن منيع قال: (حدّثنا حسين بن محمد) بضم الحاء ْوفتح السين المروذي المعلم نزل بغداد قال: (حدّثنا شيبان) بن عبد الرحمن التميمي النحوي (عن قتادة) بن دعامة أنه (قال: حدّثنا أنس) هو ابن مالك ﵁ (أن أبا طلحة) بن سهل الأنصاري (قال: غشينا النعاس ونحن في مصافنا) بفتح الميم وتشديد الفاء جمع مصف أي في موقفنا (يوم أُحُد) أمنة لأهل اليقين فينا فينامون من غير خوف جازمين بأن الله سينصر رسوله

стр. 5084

وينجز له مأموله. وعند ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود أنه قال: النعاس في القتال من الله وفي الصلاة من الشيطان (قال: فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ويسقط وآخذه) زاد البيهقي من طريق يونس بن محمد عن شيبان قال: والطائفة الأخرى المنافقون ليس لهم همّ إلا أنفسهم أجبن قوم وأرعبه وأخذله للحق يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية كذبة إنما هم أهل شك وريب في الله رواه بهذه الزيادة قال ابن كثير: وكأنها من كلام قتادة وإنما لم يغش الطائفة الأخرى لأنهم مستغرقون في هم أنفسهم فلا تنزل عليهم السكينة لأنها وارد روحاني لا يتلوّث بهم. ١٢ - باب قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ الْقَرْحُ: الْجِرَاحُ. اسْتَجَابُوا: أَجَابُوا يَسْتَجِيبُ: يُجِيبُُ (باب قوله) تعالى: (﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح﴾) يوم أُحُد ولموصول مجرور صفة للمؤمنين في قوله تعالى: و (﴿إن الله لا يضيع أجر المؤمنين﴾) أو منصوب بأعني أو مبتدأ خبره (﴿للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم﴾) [آل عمران: ١٧٢] من في قوله منهم للتبيين مثل: ﴿وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة﴾ [الفتح: ٢٩] لأنه لو حمل على التبعيض لزم أن لا يكون كلهم محسنين. قال في فتوح الغيب: فالكلام فيه تجريد جرد من الذين استجابوا لله والرسول المحسن المتقي، وسبب نزول هذه الآية أن المشركين لما أصابوا ما أصابوا من المسلمين كروا راجعين إلى بلادهم، فلما بلغوا الروحاء ندموا لم لا تمموا على أهل المدينة وجعلوها الفيصلة وهموا بالرجوع، فبلغ ذلك النبي ﷺ فندب أصحابه إلى الخروج في طلبهم ليرعبهم ويريهم أن فيهم قوة وجلدًا، وقال: لا يخرجن معنا إلا من حضر الوقعة يوم أُحُد سوى جابر بن عبد الله فإنه أذن له فخرج ﷺ مع جماعة حتى بلغوا حمراء الأسد وهي على ثمانية أميال من المدينة وكان بأصحابه القرح فتحاملوا على أنفسهم حتى لا يفوتهم الأجر وألقى الله الرعب في قلوب المشركين فذهبوا فنزلت. وقال البخاري كأبي عبيدة: (القرح) بفتح القاف أي (الجراح) جمع جراحة بالكسر فيهما. (استجابوا) أي (أجابوا) تقول العرب: استجيبك أي أجبتك و (يستجيب) أي (يجيب) وهذا وإن كان في سورة الشورى فأورده هنا استشهادًا لسابقه، ولم يذكر المؤلّف هنا حديثًا ولعله بيّض له، واللائق بالسياق هنا حديث عائشة عند المؤلّف في المغازي الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح إلى آخر الآية. قالت لعروة: يا ابن أختي كان أبواك منهم الزبير وأبو بكر ﵄، فلما أصاب نبي الله ﷺ ما أصاب يوم أُحُد وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا فقال: من يرجع في أثرهم فانتدب منهم سبعون رجلًا فيهم أبو بكر والزبير ﵄.

стр. 5085

وأما حديث ابن مردويه عن عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ : إن كان أبواك من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح أبو بكر والزبير ﵄ فرفعه خطأ محض لمخالفته رواية الثقات من وقفه على عائشة كما سبق، ولأن الزبير ليس هو من آباء عائشة، وإنما قالت لعروة بن الزبير ذلك لأنه ابن أختها أسماء بنت أبي بكر. ١٣ - باب ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ الآيَةَ هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿إن الناس قد جمعوا لكم﴾) [آل عمران: ١٧٣] (الآية). بالنصب بتقدير فعل وسقط لفظ الآية لأبي ذر، وزاد: ﴿فاخشوهم﴾ وزاد أيضًا كما في الفتح: ﴿الذين قال لهم الناس﴾. ٤٥٦٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ أُرَاهُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قَالَهَا: إِبْرَاهِيمُ ﵇ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ ﷺ حِينَ قَالُوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. [الحديث ٤٥٦٣ - طرفه في: ٤٥٦٤]. وبه قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) نسبه لجده واسم أبيه عبد الله التميمي اليربوعي الكوفي قال البخاري: (أراه) بضم الهمزة أي أظنه (قال: حدّثنا أبو بكر) هو شعبة بن عياش بالشين المعجمة القاري. فكأن البخاري شك في شيخ شيخه، وقد رواه الحاكم في مستدركه من طريق أحمد بن يونس عن أبي بكر بن عياش بالجزم من غير تردد (عن أبي حصين) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين عثمان بن عاصم (عن أبي الضحى) مسلم بن صبيح مصغرًا (عن ابن عباس) ﵄ أنه قال: في قوله تعالى: (﴿حسبنا الله ونعم الوكيل﴾ قالها إبراهيم) الخليل ﵇ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا) له ﵊ ﴿إن الناس﴾ أبا سفيان وأصحابه وقال الحافظ أبو ذر كما في هامش اليونينية هو عروة بن مسعود الثقفي ﴿قد جمعوا لكم﴾ يقصدون غزوكم. وكان أبو سفيان نادى عند انصرافه من أُحُد يا محمد موعدنا موسم بدر لقابل إن شئت فقال ﵊: إن شاء الله فلما كان القابل خرج في أهل مكة حتى نزل مرّ الظهران فأنزل الله الرعب في قلبه، وبدا له أن يرجع فمرّ به ركب من عبد قيس ويريدون المدينة للميرة فشرط لهم حمل بعير من زبيب إن ثبطوا المسلمين وقيل لقي نعيم بن مسعود وقد قدم معتمرًا فسأله عن ذلك والتزم له عشرًا من الإِبل فخرج نعيم فوجد المسلمين يتجهزون فقال لهم: إن أتوكم في دياركم فلم يفلت أحد منكم إلا شريد أفترون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم ﴿فاخشوهم﴾ ولا تخرجوا إليهم ﴿فزادهم﴾ أي المقول ﴿إيمانًا﴾ فلم يلتفتوا إليه ولم يضعفوا بل ثبت به يقينهم بالله وأخلصوا النية في الجهاد وفي ذلك دليل على أن الإيمان يزيد وينقص ﴿وقالوا حسبنا الله﴾ عطف على فزادهم والجملة بعد هذا القول نصب به وحسب بمعنى

стр. 5086

اسم الفاعل أي محسبنا بمعنى كافينا ﴿ونعم الوكيل﴾ ونعم الموكول إليه والمخصوص بالمدح محذوف أي الله. وهذا الحديث أخرجه النسائي في التفسير. ٤٥٦٤ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ آخِرَ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ ﴿حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. وبه قال: (حدّثنا مالك بن إسماعيل) أبو غسان النهدي الكوفي قال: (حدّثنا إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي (عن أبي حصين) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين عثمان بن عاصم (عن أبي الضحى) مسلم بن صبيح بضم الصاد وفتح الموحدة (عن ابن عباس) ﵄ أنه (قال: كان آخر قول إبراهيم) الخليل (حين ألقي في النار ﴿حسبي الله ونعم الوكيل﴾) فلما أخلص قلبه لله قال الله تعالى: ﴿يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم﴾ [الأنبياء: ٦٢] وفي حديث أبي هريرة عند ابن مردويه مرفوعًا: إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا: ﴿حسبنا الله ونعم الوكيل﴾. ١٤ - باب ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ كَقَوْلِكَ طَوَّقْتُهُ بِطَوْقٍ هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾) قرئ يحسبن بالياء والتاء وعلى التقديرين المضاف محذوف أي بخل الذين إذا كان الحسبان للنبي ﷺ أو لكل أحد تقديره بخل الذين يبخلون وإذا كان الفاعل الذين فالتقدير بخلهم هو خيرًا لهم (﴿بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به﴾) بيان الشرية أي سيصير عذاب بخلهم لازمًا كالطوق في أعناقهم (﴿يوم القيامة﴾) روي أن حيّة تنهشه من فرقه إلى قدمه وتبقر رأسه (﴿ولله ميراث السماوات والأرض﴾) ما فيهما مما يتوارث ملك له تعالى فما لهؤلاء لا يبخلون بملكه ولا ينفقونه في سبيله والتعبير بالميراث خطاب بما نعلم (﴿والله بما تعملون خبير﴾) [آل عمران: ١٨٠] وسقط لغير أبي ذر من قوله: ﴿هو خيرًا لهم﴾ إلى آخره وقال الآية بالنصب. وقال العوفي عن ابن عباس فيما رواه ابن جرير: نزلت في أهل الكتاب الذين بخلوا بما في أيديهم من الكتب المنزلة أن يبينوها، وقيل في اليهود الذين سئلوا أن يخبروا بصفة محمد ﷺ عندهم فبخلوا بذلك وكتموه فيكون البخل بكتمان العلم، والطوق أن يجعل في رقابهم أطواق النار وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة" رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وحسنه الترمذي وصححه الحاكم.

стр. 5087

(﴿سيطوقون﴾) قال البخاري كأبي عبيدة هو (كقولك طوّقته بطوق) وعند عبد الرزاق وسعيد بن منصور من طريق إبرهيم النخعي بإسناد جيد قال بطوق من النار. ٤٥٦٥ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ، يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ -يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ- يَقُولُ أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ» ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ: «﴿وَلَا يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٨٠])» إلى آخِرِ الآيَةِ. وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (عبد الله بن منير) بضم الميم وبعد النون المكسورة تحتية ساكنة فراء المروزي أنه (سمع أبا النضر) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة هاشم بن القاسم الملقب بقيصر التميمي يقول: (حدّثنا عبد الرحمن هو ابن عبد الله بن دينار عن أبيه عن أبي صالح) ذكوان السمان (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬): (من آتاه الله) بمدّ الهمزة أي أعطاه الله (مالًا فلم يؤدّ زكاته مثل له) بضم الميم مبنيًّا للمفعول أي صوّر له (ماله) الذي لم يؤدّ زكاته (شجاعًا) قال في المصابيح نصب على الحال أي حية (أقرع) لا شعر على رأسه لكثرة سمّه وطول عمره (له زبيبتان) بزاي فموحدتين بينهما تحتية ساكنة نقطتان سوداوان فوق عينيه وهو أخبث ما يكون منها (يطوّقه) بفتح الواو المشدّدة أي يجعل طوقًا في عنقه (يوم القيامة يأخذ بلهزمته)، بكسر اللام والزاي بينهما هاء ساكنة ولأبي ذر والأصيلي بلهزمتيه بالتثنية (يعني بشدقيه) بكسر المعجمة أي فمه (يقول) أي الشجاع له (أنا مالك أنا كنزك) يقول له ذلك تهكمًا ويزيده حسرة (ثم تلا) أي قرأ ﷺ (هذه الآية: ﴿ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله﴾ إلى آخر الآية) سقط لأبي ذر لفظ إلى آخر وقال: الآية. وهذا الحديث سبق في باب إثم مانع الزكاة في كتابه. ١٥ - باب ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ هذا (باب) بالتنوين في قوله: (﴿ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾) يعني اليهود (﴿ومن الذين أشركوا أذى كثيرًا﴾) [آل عمران: ١٨٦] باللسان والفعل من هجاء الرسول ﷺ والطعن في الدين وإغراء الكفرة على المسلمين أخبره تعالى بذلك عند مقدمة المدينة قبل وقعة بدر مسليًا له عما يناله من الأذى. ٤٥٦٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ﵄ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَى قَطِيفَةٍ فَدَكِيَّةٍ

стр. 5088

وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَرَاءَهُ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، قَالَ: حَتَّى مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فَإِذَا فِي الْمَجْلِسِ أَخْلَاطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ وَالْيَهُودِ وَالْمُسْلِمِينَ وَفِي الْمَجْلِسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَلَمَّا غَشِيَتِ الْمَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ، خَمَّرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ ثُمَّ قَالَ: لَا تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا فَسَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمْ ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ أَيُّهَا الْمَرْءُ إِنَّهُ لَا أَحْسَنَ مِمَّا تَقُولُ إِنْ كَانَ حَقًّا فَلَا تُؤْذِينَا بِهِ فِي مَجْلِسِنَا ارْجِعْ إِلَى رَحْلِكَ فَمَنْ جَاءَكَ فَاقْصُصْ عَلَيْهِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ فَاغْشَنَا بِهِ فِي مَجَالِسِنَا فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ فَاسْتَبَّ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْيَهُودُ، حَتَّى كَادُوا يَتَثَاوَرُونَ فَلَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ﷺ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَنُوا ثُمَّ رَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ دَابَّتَهُ فَسَارَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «يَا سَعْدُ أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ أَبُو حُبَابٍ -يُرِيدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ- قَالَ: كَذَا وَكَذَا» قَالَ: سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْفُ عَنْهُ وَاصْفَحْ عَنْهُ فَوَالَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ لَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالْحَقِّ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ لَقَدِ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ الْبُحَيْرَةِ عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ فَيُعَصِّبُونَهُ بِالْعِصَابَةِ، فَلَمَّا أَبَى اللَّهُ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَ اللَّهُ شَرِقَ بِذَلِكَ فَذَلِكَ فَعَلَ بِهِ ما رَأَيْتَ فَعَفَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ يَعْفُونَ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ، وَيَصْبِرُونَ عَلَى الأَذَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦] الآيَةَ وَقَالَ اللَّهُ: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩] إِلَى آخِرِ الآيَةِ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَأَوَّلُ الْعَفْوَ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ حَتَّى أَذِنَ اللَّهُ فِيهِمْ، فَلَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَدْرًا فَقَتَلَ اللَّهُ بِهِ صَنَادِيدَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ قَالَ ابْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَعَبَدَةِ الأَوْثَانِ هَذَا أَمْرٌ قَدْ تَوَجَّهَ فَبَايَعُوا الرَّسُولَ ﷺ عَلَى الإِسْلَامِ فَأَسْلَمُوا. وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه قال: (أخبرني) بالإفراد ولأبي ذر: أخبرنا (عروة بن الزبير) بن العوّام (أن أسامة بن زيد) اسم جده حارثة الكلبي (﵄ أخبره أن رسول الله ﷺ ركب على حمار على قطيفة) بفتح القاف وكسر الطاء المهملة كساء غليظ (فدكية) بفاء فدال مهملة مفتوحتين صفتها منسوبة إلى فدك بلد مشهور على مرحلتين من المدينة (وأردف) بالواو في اليونينية وفي الفرع فأردف (أسامة بن زيد وراءه) حال كونه (يعود سعد بن عبادة) بضم العين وتخفيف الموحدة الأنصاري أحد النقباء (في) منازل (بني الحرث بن الخزرج) وهم قوم سعد (قبل وقعة بدر) ولأبي ذر عن الكشميهني وقيعة بكسر القاف بعدها تحتية ساكنة (قال: حتى مر

стр. 5089

بمجلس فيه عبد الله أُبَيٍّ) بالتنوين (ابن سلول) بألف ورفع ابن صفة لعبد الله لا صفة لأُبي لأن سلول أم عبد الله غير منصرف (وذلك قبل أن يسلم) أي يظهر الإسلام (عبد الله بن أبيّ) ولم يسلم قط (فإذا في المجلس أخلاط) بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة أنواع (من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان) بالجر بدلًا من سابقه (واليهود والمسلمين) بذكر المسلمين أولًا وآخرًا وسقطت الأخيرة من رواية مسلم (وفي المجلس عبد الله بن رواحة) بفتح الراء والواو المخففة والحاء المهملة ابن ثعلبة بن امرئ القيس الخزرجي الأنصاري الشاعر أحد السابقين شهد بدرًا استشهد بمؤتة وكان ثالث الأمراء بها في جمادى الأولى سنة ثمان (فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة) بفتح العين وجيمين خفيفتين أي غبارها وعجاجة رفع فاعل (خمّر) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الميم أي غطى (عبد الله بن أبي أنفه) ولأبي ذر عن الكشميهني وجهه (بردائه ثم قال: لا تغبروا علينا) بالموحدة (فسلم رسول الله ﷺ عليهم) ناويًا المسلمين أو قال السلام على من اتبع الهدى (ثم وقف فنزل) عن الدابة (فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن فقال): بالفاء في اليونينية وفي الفرع وقال بالواو (عبد الله أبي) بالتنوين (ابن سلول) للنبي ﷺ (أيها المرء إنه لا) شيء (أحسن مما تقول) بفتح الهمزة وفتح السين والنون أفعل تفضيل وهو اسم لا وخبرها شيء المقدر ولأبي ذر عن الكشميهني لا أحسن ما تقول بضم الهمزة وكسر السين وضم النون وما بميم واحدة (إن كان حقًّا) شرط قدم جزاؤه (فلا تؤذينا به) بالياء قبل النون ولأبي ذر فلا تؤذنا بحذفها على الأصل في الجزم (في مجلسنا) بالإفراد، ولأبي ذر: في مجالسنا بالجمع (ارجع إلى رحلك) أي إلى منزلك (فمن جاءك فاقصص عليه، فقال عبد الله بن رواحة بلى يا رسول الله فاغشنا به) بهمزة وصل وفتح الشين المعجمة (في مجالسنا فإنا نحب ذلك فاستبّ) بالفاء، ولأبي ذر واستبّ (المسلمون والمشركون واليهود) عطف على المشركين وإن كانوا داخلين فيهم تنبيهًا على زيادة شرهم (حتى كادوا يتثاورون) بالمثلثة أي قاربوا أن يثب بعضهم على بعض فيقتتلوا (فلم يزل النبي ﷺ بخفضهم) بالخاء والضاد المعجمتين يسكنهم (حتى سكنوا) بالنون من السكون، ولأبي ذر عن المستملي، وقال في الفتح عن الكشميهني: حتى سكتوا بالمثناة الفوقية من السكوت (ثم ركب النبي ﷺ دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة فقال له النبي ﷺ ¬): (يا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب) بضم الحاء المهملة وتخفيف الموحدة الأولى (يريد عبد الله بن أُبي قال كذا وكذا. قال سعد بن عبادة: يا رسول الله اعف عنه واصفح عنه فو) الله (الذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الدي أنزل عليك) ولأبي ذر: نزل بإسقاط الهمزة وتشديد الزاي (لقد اصطلح) بدل أو عطف بيان وفي نسخة ولقد اصطلح (أهل هذه البحيرة) بضم الموحدة مصغرًا أي البليدة والمراد المدينة النبوية، ولأبي ذر عن المستملي والكشميهني البحرة بفتح الموحدة وسكون المهملة (على أن يتوّجوه) بتاج الملك (فيعصبونه بالعصابة) أي فيعممونه بعمامة الملوك. وقال في الكواكب: أي يجعلونه رئيسًا لهم ويسوّدونه عليهم، وكان الرئيس معصبًا لما

стр. 5090

يعصب برأيه من الأمر، وقيل كان الرؤساء يعصبون رؤوسهم بعصابة يعرفون بها، وفي بعض النسخ يعصبونه بغير فاء فيكون بدلًا من قوله على أن يتوّجوه والنون ثابتة في فيعصبونه ساقطة من يتوّجوه. قال في المصابيح: ففيه الجمع بين أعمال إن وإهمالها في كلام واحد كما في قوله: أن تقرآن على أسماء ويحكما … مني السلام وأن لا تشعرا أحدا ولأبي ذر وحده: فيعصبوه بالفاء وحذف النون كذا في غير ما نسخة من المقابل على اليونينية المصححة بحضرة إمام النحاة في عصره ابن مالك مع جمع من الحفاظ والأصول المعتمدة. وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: ووقع في غير البخاري فيعصبونه أي بالنون والتقدير فهم يعصبونه أو فإذا هم يعصبونه ولعله لم يقف على رواية الأكثرين بالنون. (فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله شرق) ولأبي ذر أعطاك شرق بفتح الشين المعجمة وبعد الراء المكسورة قاف أي غص ابن أبي (بذلك) الحق الذي أعطاك الله وسقط لفظ الجلالة بعد أعطاك لدلالة الأولى (فذلك) الحق الذي أتيت به (فعل به ما رأيت) من فعله وقوله القبيح (فعفا عنه رسول الله ﷺ ¬)، وكان النبي ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب ما أمرهم الله ويصبرون على الأذى. قال الله تعالى: (﴿ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذىً كثيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦] الآية). هذا حديث آخر أفرده ابن أبي حاتم في تفسيره عن السابق بسند البخاري، وقال في آخره: وكان رسول الله ﷺ يتأوّل في العفو ما أمره الله به حتى أذن الله فيهم فكل من قام بحق أو أمر بمعروف أو نهى عن منكر فلا بدّ أن يؤذى فما له دواء إلا الصبر في الله والاستعانة به والرجوع إليه (وقال الله: ﴿ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردّونكم من بعد إيمانكم كفارًا حسدًا من عند أنفسهم﴾ [البقرة: ١٠٩] إلى آخر الآية) زاد أبو نعيم في مستخرجه من وجه آخر ما تظهر به المناسبة وهو قوله: ﴿فاعفوا واصفحوا﴾ [البقرة: ١٠٩] (وكان النبي ﷺ يتأوّل العفو) ولأبي ذر في العفو (ما أمره الله به حتى أذن الله) له (فيهم) بالقتال فترك العفو عنهم أي بالنسبة للقتال وإلا فكم عفا عن كثير من اليهود والمشركين بالمنّ والفداء وغير ذلك. (فلما غزا رسول الله ﷺ بدرًا فقتل الله به صناديد كفار قريش) بالصاد المهملة أي ساداتهم (قال ابن أُبي) بالتنوين (ابن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان) عطفهم على المشركين من عطف الخاص على العام لأن إيمانهم كان أبعد وضلالهم أشدّ (هذا أمر قد توجه) أي ظهر وجهه (فبايعوا الرسول ﷺ على الإسلام فأسلموا) فبايعوا بفتح التحتية بلفظ الماضي والرسول نصب على المفعولية، ولأبي ذر والأصيلي: فبايعوا بكسرها بلفظ الأمر لرسول الله ﷺ ولما لم يقف العيني كابن حجر على هذه الرواية قال ويحتمل أن يكون بلفظ الأمر. وهذا الحديث أخرجه المؤلّف في الجهاد مختصرًا وفي اللباس والأدب والطبّ والاستئذان ومسلم في المغازي والنسائي في الطب.

стр. 5091

١٦ - باب ﴿لَا يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿لَا يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾) سقط باب لغير أبي ذر والخطاب للنبي ﷺ والمفعول الأوّل الذين يفرحون والثاني بمفازة. ٤٥٦٧ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رِجَالًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْغَزْوِ تَخَلَّفُوا عَنْهُ وَفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اعْتَذَرُوا إِلَيْهِ وَحَلَفُوا وَأَحَبُّوا أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَنَزَلَتْ: ﴿لَا يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران:١٨٨]. وبه قال: (حدّثنا سعيد بن أبي مريم) هو سعيد بن الحكم بن محمد بن أبي مريم الجمحي مولاهم البصري قال: (أخبرنا) ولأبي ذر حدّثنا (محمد بن جعفر) أي ابن أبي كثير المدني (قال: حدّثني) بالإفراد (زيد بن أسلم) العدوي (عن عطاء بن يسار) بتخفيف السين المهملة (عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رجالًا من المنافقين على عهد رسول الله ﷺ كان إذا خرج رسول الله ﷺ إلى الغزو. وتخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم) مصدر ميميّ أي بقعودهم (خلاف رسول الله ﷺ فإذا قدم رسول الله ﷺ ¬) من غزوه إلى المدينة (اعتذوا إليه) عن تخلفهم (وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا فنزلت) آية (﴿لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا﴾) بما فعلوا من التدليس (﴿ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا﴾) وسقط من قوله: (بما أتوا) إلى آخره في رواية غير أبي ذر وقالوا بعد (يفرحون) الآية. وهذا الحديث أخرجه مسلم في التوبة. ٤٥٦٨ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَهُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ مَرْوَانَ قَالَ لِبَوَّابِهِ: اذْهَبْ يَا رَافِعُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْ: لَئِنْ كَانَ كُلُّ امْرِئٍ فَرِحَ بِمَا أُوتِيَ وَأَحَبَّ أَنْ يُحْمَدَ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ مُعَذَّبًا لَنُعَذَّبَنَّ أَجْمَعُونَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَمَا لَكُمْ وَلِهَذِهِ؟ إِنَّمَا دَعَا النَّبِيُّ ﷺ يَهُودَ فَسَأَلَهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَكَتَمُوهُ إِيَّاهُ وَأَخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ فَأَرَوْهُ أَنْ قَدِ اسْتَحْمَدُوا إِلَيْهِ بِمَا أَخْبَرُوهُ عَنْهُ فِيمَا سَأَلَهُمْ وَفَرِحُوا بِمَا أُوتُوا مِنْ كِتْمَانِهِمْ ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ١٨٧] كَذَلِكَ حَتَّى قَوْلِهِ: ﴿يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾. تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. ٠٠٠٠ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا الْحَجَّاجُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ مَرْوَانَ بِهَذَا.

стр. 5092

وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (إبراهيم بن موسى) أبو إسحاق الرازي الفراء قال: (أخبرنا هشام) هو ابن يوسف الصنعاني (أن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (أخبرهم عن ابن أبي مليكة) عبد الله وفي الفرع قال أخبرني بالإفراد ابن أبي مليكة (إن علقمة بن وقاص) الليثي من أجل التابعين بل قيل إن له صحبة (أخبره أن مروان) بن الحكم بن أبي العاص وكان يومئذٍ أميرًا على المدينة من قبل معاوية ثم ولي الخلافة (قال لبوّابه) لما كان عنده أبو سعيد وزيد بن ثابت ورافع بن خديج وقال: يا أبا سعيد أرأيت قول الله تعالى: ﴿لا تحسبن الذين يفرحون﴾ الآية. فقال إن هذا ليس من ذلك إنما ذاك أن ناسًا من المنافقين وفيه فإن كان لهم نصر وفتح حلفوا لهم على سرورهم بذلك ليحمدوهم على فرحهم وسرورهم رواه ابن مردويه فكأن مروان توقف في ذلك وأراد زيادة الاستظهار فقال لبوّابه (اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل) له (لئن كان كل امرئ بما أوتي) بضم الهمزة وكسر الفوقية أي أعطى (وأحب أن يحمد) بضم أوّله مبنيًا للمفعول (بما لم يفعل معذبًا) نصب خبر كان (لنعذبن) بفتح الذال المعجمة المشدّدة (أجمعون) بالواو لأن كلنا يفرح بما أوتي ويحب أن يحمد بما لم يفعل، وفي رواية حجاج بن محمد: أجمعين على الأصل. (فقال ابن عباس) منكرًا عليهم السؤال عن ذلك (وما لكم) ولأبي ذر: ما لكم بإسقاط الواو، ولأبي الوقت: ما لهم بالهاء بدل الكاف (ولهذه) أي وللسؤال عن هذه المسألة (إنما دعا النبي ﷺ يهود) ولأبي ذر يهود بالتنوين (فسألهم عن شيء) قيل عن صفته عندهم بإيضاح (فكتموه إياه وأخبروه) وفي الفرع فأخبروه (بغيره) أي بصفته ﵊ في الجملة (فأروه) بفتح الهمزة والراء (أن قد استحمدوا إليه) بفتح الفوقية مبنيًا للفاعل أي طلبوا أن يحمدهم قال في الأساس استحمد الله إلى خلقه بإحسانه إليهم وإنعامه عليهم (بما أخبروه عنه) على الإجمال (فبما سألهم وفرحوا بما أوتوا) بضم الهمزة وسكون الواو وضم التاء الفوقية أي أعطوا، ولأبي ذر عن المستملي والكشميهني: بما أتوا بفتح الهمزة والفوقية من غير واو أي بما جاؤوا به (من كتمانهم) بكسر الكاف للعلم (ثم قرأ ابن عباس) ﵄ (﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب﴾) أي العلماء (كذلك حتى قوله ﴿يفرحون بما أوتوا﴾) بضم الهمزة ولأبي ذر عن المستملي والكشميهني بما أتوا بلفظ القرآن أي جاؤوا (﴿ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا﴾) من الوفاء بالميثاق وإظهار الحق والإخبار بالصدق. (تابعه) أي تابع هشام بن يوسف (عبد الرزاق) على روايته إياه (عن ابن جريج) عبد الملك فيما وصله الإسماعيلي قال: (حدّثنا ابن مقاتل) محمد المروزي قال: (أخبرنا) ولأبي ذر: حدّثنا (الحجاج) بن محمد المصيصي الأعور (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (ابن أبي مليكة) عبد الله (عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أنه أخبره أن مروان) بن الحكم (بهذا) الحديث ولم يورد متنه ولفظ مسلم أن مروان قال لبوّابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل له، فذكر نحو حديث هشام عن ابن جريج السابق.

стр. 5093

١٧ - باب قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ والنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُِولِي الأَلْبَابِ﴾ (باب قوله) تعالى: (﴿إن في خلق السماوات﴾) من الارتفاع والاتساع وما فيها من الكواكب السيارات والثوابت وغيرها (﴿والأرض﴾) من الانخفاض والكثافة والاتضاع وما فيها من البحار والجبال والقفار والأشجار والنبات والحيوان والمعادن وغيرها (﴿واختلاف الليل والنهار﴾) في الطول والقصر وتعاقبهما (الآيات) لدلالات واضحات على وجود الصانع ووحدته وكمال قدرته، واقتصر على هذه الثلاثة في هذه الآية لأن الاستدلال هو التغير وهذه معرّضة لجملة أنواعه فإنه إنما يكون في ذات الشيء كتغير الليل والنهار أو جزئه كتغير العناصر بتبدل صورتها أو الخارج عنه كتغير الأفلاك بتبدل أوضاعها قاله في الأنوار. وقال في المفاتح ما حاصله: إن السالك إلى الله لا بد له في أوّل الأمر من تكثير الدلائل وبعد كمال العرفان يميل إلى تقليل الدلائل ومن اشتغاله بها كالحجاب له عن استغراق القلب في معرفة الله تعالى، ثم إنه سبحانه حذف هنا الدلائل الأرضية واستبقى الدلائل السماوية لأنها أقهر وأبهر والعجائب فيها أكثر وانتقال القلب منها إلى عظمة الله وكبريائه أشدّ (﴿لأولي الألباب﴾) [آل عمران: ١٩٠] لذوي العقول الصافية الذين يفتحون بصائرهم للنظر والاستدلال والاعتبار لا ينظرون إليها نظر البهائم غافلين عما فيها من عجائب مخلوقاته وغرائب مبتدعاته وسقط لغير أبي ذر قوله واختلاف الليل والنهار إلى آخره وقالوا الآية بعد قوله والأرض. ٤٥٦٩ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً ثُمَّ رَقَدَ فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ قَعَدَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: " ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ " ثُمَّ قَامَ فَتَوَضَّأَ وَاسْتَنَّ فَصَلَّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ. وبه قال: (حدّثنا سعيد بن أبي مريم) قال: (أخبرنا) ولأبي ذر: حدّثنا (محمد بن جعفر) هو ابن أبي كثير (قال: أخبرني) بالإفراد (شريك بن عبد الله بن أبي نمر) بفتح النون وكسر الميم (عن كريب) بضم الكاف وفتح الراء (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: بت عند خالتي ميمونة) ولأبي ذر بت في بيت ميمونة (فتحدّث رسول الله ﷺ مع أهله ساعة ثم رقد فلما كان ثلث الليل الآخر) رفع صفة للثلث وفي كتاب الوتر من طريق مخرمة بن سليمان عن كريب فنام حتى انتصف الليل أو قريبًا منه فلعله قام مرتين (قعد فنظر إلى السماء فقال ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب﴾) العشر الآيات إلى آخرها (ثم قام) ﵊ (فتوضأ) زاد في الوتر فأحسن الوضوء (واستنّ) أي استاك (فصلى

стр. 5094

إحدى عشرة ركعة) وهي أكثر الوتر عند الشافعية كما مرّ في موضعه بمباحثه (ثم أذن بلال) للصبح (فصلّى) النبي ﷺ (ركعتين) سنة الصبح في بيته (ثم خرج) إلى المسجد (فصلّى الصبح) زاد في نسخة بالناس. ١٨ - باب ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿الذين يذكرون الله﴾) في موضع جر نعت لأولي أو خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين يذكرون الله حال كونهم (﴿قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم﴾) أي يداومون على الذكر بألسنتهم وقلوبهم لأن الشخص لا يخلو عن هذه الأحوال، وقيل: يصلون على الهيئات الثلاث حسب طاقتهم لحديث عمران بن حصين المروي في البخاري والترمذي وغيرهما: صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا فإن لم تستطع فعلى جنب. قال في الأنوار وهو حجة للشافعي ﵁ في أن المريض يصلّي مضطجعًا على جنبه الأيمن مستقبلًا بمقاديم بدنه، وقيل الأوّلان في الصلاة والثالثة عند النوم، وقيل إنه القيام بأوامره، والقعود عن زواجره، والاجتناب عن مخالفته (﴿ويتفكّرون في خلق السماوات والأرض﴾) [آل عمران: ١٩١] الفكر هو أعمال الخاطر في الشيء وتردّد القلب فيه وهو قوّة مطرقة للعلم إلى المعلوم والتفكّر جريان تلك القوة بحسب نظر العقل ولا يمكن التفكّر إلا فيما له صورة في القلب ولذا قيل تفكّروا في آلاء الله ولا تتفكّروا في الله إذ كان الله منزها عن أن يوصف بصورة ولذا أخبر تعالى عن هؤلاء بأنهم تفكّروا في خلق السماوات والأرض وما أبدع فيهما من عجائب المصنوعات وغرائب المبدعات ليدلهم ذلك على كمال قدرته ودلائل التوحيد منحصرة في الآفاق والأنفس ودلائل الآفاق أعظم قال الله تعالى: ﴿لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس﴾ [غافر: ٥٧] فلذا أمر بالفكر في خلق السماوات والأرض لأن دلائلهما أعظم فإنه إذا فكر الإنسان في أصغر ورقة من الشجر رأى عرفًا واحدًا ممتدًّا في وسطها تتشعب منه عروق كثيرة إلى الجانبين ثم يتشعب من كل عرق عروق دقيقة ولا يزال كذلك حتى لا يراه الحس فيعلم أن الخالق خلق فيها قوى جاذبة لغذائها من قعر الأرض يتوزع في كل جزء من أجزائها بتقدير العزيز العليم، فإذا تأمل ذلك علم عجزه عن الوقوف على كيفية خلقها وما فيها من العجائب فالفكرة تذهب الغفلة وتحدث للقلب الخشية كما يحدث الماء للزرع النماء وما جليت القلوب بمثل الأحزان ولا استنارت بمثل الفكرة. وقال بعضهم قوله: (﴿ويتفكّرون في خلق السماوات والأرض﴾) هو من جعل الجرم محلاًّ لتعلق المعنى جعل الأجرام محلًا لتعلق الفكر لا لنفس الفكر لأن الفكر قائم بالمتفكر ومنه أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض جعل السماوات والأرض والمخلوقات كلها محلًا لتعلق النظر لا لنفس النظر فإن النظر قائم بالناظر حال فيه ومنه ﴿أولم يتفكّروا في أنفسهم﴾ [الروم: ٨] أي في خلق أنفسهم وهذا كله من مجاز التشبيه وسقط لأبي ذر لفظ باب وقوله ويتفكرون الخ وقال: بعد جنوبهم الآية.

стр. 5095

٤٥٧٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ فَقُلْتُ لأَنْظُرَنَّ إِلَى صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَطُرِحَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وِسَادَةٌ فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي طُولِهَا فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ ثُمَّ قَرَأَ الآيَاتِ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ آلِ عِمْرَانَ حَتَّى خَتَمَ ثُمَّ أَتَى شَنًّا مُعَلَّقًا فَأَخَذَهُ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِي ثُمَّ أَخَذَ بِأُذُنِي فَجَعَلَ يَفْتِلُهَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَوْتَرَ. وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي) بفتح الميم وسكون الهاء وكسر الدال وتشديد التحتية ابن حسان العنبري مولاهم أبو سعيد البصري (عن مالك بن أنس) الإمام الأعظم (عن مخرمة بن سليمان) الأسدي الوالبي بكسر اللام والموحدة المدني (عن كريب) مولى ابن عباس (عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما) أنه (قال: بت عند خالتي ميمونة) أم المؤمنين ﵂ (فقلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله ﷺ فطرحت) بضم الطاء وكسر الراء مبنيًا للمفعول (لرسول الله ﷺ وسادة) رفع مفعول نائب عن الفاعل (فنام رسول الله ﷺ في طولها) أي وابن عباس في عرضها. قال ابن عبد البر: فكان ابن عباس مضطجعًا عند رجل رسول الله ﷺ أو عند رأسه (فجعل يمسح النوم) فيه حذف ذكره في الرواية الأخرى من الوتر فنام حتى انتصف الليل أو قريبًا منه فاستيقظ يمسح النوم أي أثره (عن وجهه ثم قرأ) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فقرأ (الآيات العشر الأواخر من) سورة (آل عمران) التي أولها ﴿إن في خلق السماوات والأرض﴾. (حتى ختم) العشر (ثم أُتي شنّا) بفتح الشين المعجمة وتشديد النون قربة عتقت من الاستعمال ولأبي ذر عن الكشميهني سقاء (معلقًا فأخذه فتوضأ) منه لتجديد الطهارة لا للنوم (ثم قام يصلي). قال ابن عباس: (فقمت فصنعت مثل ما صنع) ﷺ من الوضوء وغيره (ثم جئت فقمت إلى جنبه فوضع يده) زاد في باب الوتر كالرواية الآتية اليمنى (على رأسي ثم أخذ بأذني فجعل يفتلها) بكسر المثناة الفوقية أي يدلكها لينتبه (ثم صلّى ركعتين ثم صلّى ركعتين ثم صلّى ركعتين ثم صلّى ركعتين ثم صلّى ركعتين ثم صلّى ركعتين) ست مرات باثنتي عشرة ركعة (ثم أوتر) بواحد فهي ثلاثة عشرة ركعة يسلم بين كل ركعتين. ١٩ - باب ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [آل عمران: ١٩٢] هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿ربنا﴾) يعني يتفكّرون في خلق السماوات والأرض حال كونهم قائلين ربنا (﴿إنك من تدخل النار فقد أخزيته﴾) أي أهنته وأذللته أو أهلكته أو فضحته وأبلغت في أخزائه والخزى ضرب من الاستخفاف أو انكسار يلحق الإنسان وهو الحياء

стр. 5096

المفرط، وقد تسمك المعتزلة بهذا على أن صاحب الكبيرة غير مؤمن لأنه إذا دخل النار فقد أخزاه الله والمؤمن لا يخزى لقوله تعالى: ﴿يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه﴾ [التحريم: ٨] فوجب أن من يدخل النار لا يكون مؤمنًا. وأجيب: بأن الخزي فسر بوجوه من المعاني فلم لا يجوز أن يراد في كل صورة معنى مثلًا في قوله تعالى: ﴿يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا﴾ أي لا يهلكهم، وفي الأوّل يريد الإهانة. والحاصل أن لفظ الإخزاء مشترك بين الإهلاك والتخجيل واللفظ المشترك لا يمكن حمله في طريق النفي والإثبات على معنييه جميعًا وحينئذٍ يسقط الاستدلال به. (﴿وما للظالمين من أنصار﴾) [آل عمران: ١٩٢] ينصرونهم يوم القيامة ووضع المظهر موضع المضمر للدلالة على أن ظلمهم سبب لإدخالهم النار وانقطاع النصرة عنهم في الخلاص منها، وقول الزمخشري أنه إعلام بأن من يدخل النار فلانًا بشفاعة ولا غيرها بناء على مذهب المعتزلة في نفي الشفاعة أجاب عنه القاضي بأنه لا يلزم من نفي النصرة نفي الشفاعة لأن النصرة دفع بقهر، وسقط لأبي ذر قوله: ﴿وما للظالمين من أنصار﴾. ٤٥٧١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَهْيَ خَالَتُهُ قَالَ: فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدَيْهِ ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الآيَاتِ الْخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي وَأَخَذَ بِأُذُنِي بِيَدِهِ الْيُمْنَي يَفْتِلُهَا فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ. وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا معن بن عيسى) بفتح الميم وسكون العين المهملة ابن يحيى القزاز المدني قال: (حدّثنا مالك) إمام دار الهجرة ولأبي ذر عن مالك (عن مخرمة بن سليمان) الوالبي (عن كريب مولى عبد الله بن عباس أن عبد الله بن عباس) ولأبي ذر مولى ابن عباس أن ابن عباس (أخبره أنه بات عند ميمونة زوج النبي ﷺ وهي خالته) أخت أمه لبابة (قال: فاضطجعت في عرض الوسادة واضطجع رسول الله ﷺ وأهله في طولها فنام رسول الله ﷺ حتى انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل ثم استيقظ رسول الله ﷺ فجعل يمسح النوم) أي أثره (عن وجهه بيديه) بالتثنية (ثم قرأ العشر الآيات الخواتم) جمع خاتمة (من سورة آل عمران، ثم قام إلى شن معلقة) أنث باعتبار القربة (فتوضأ منها) تجديدًا للوضوء لا أن

стр. 5097

وضوءه بطل بالنوم أو أنه ﷺ أحس بحدوث الحدث فتوضأ له كما أنه أحس ببقاء الطهارة حيث استيقظ وصلّى ولم يتوضأ كما روي (فأحسن وضوءه) بأن أتى به تامًّا بمندوباته ولا ينافي التخفيف (ثم قام يصلّي) قال ابن عباس: (فصنعت مثل ما صنع) أجمع أو غالبه (ثم ذهبت فقمت إلى جنبه فوضع رسول الله ﷺ يده اليمنى على رأسي وأخذ بأذني اليمنى) ولغير أبي ذر والأصيلي: وأخذ بأذني بيده اليمنى قال في الفتح: وهو وهم والصواب الأولى (يفتلها) يدلكها أي لينتبه من بقية نومه، ويستحضر أفعال الرسول ﷺ والجملة حالية من الأحوال المقدرة، وفيه أن الفعل القليل غير مبطل للصلاة (فصلّى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين) ست مرات (ثم أوتر) فتتامت صلاته ثلاث عشرة ركعة (ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن) بلال (فقام فصلّى ركعتين خفيفتين) سنة الصبح (ثم خرج) إلى المسجد (فصلّى الصبح) بالناس. وهذه طريق أخرى لحديث ابن عباس وليس فيها إلا تغيير شيخ شيخ البخاري والسياق هنا أتم. ٢٠ - باب ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلإِيمَانِ﴾ الآيَةَ هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: ﴿﴿ربنا إننا سمعنا مناديًا﴾) هو محمد ﷺ قال الله تعالى: ﴿وداعيًا إلى الله﴾ [الأحزاب: ٤٦] وقيل: القرآن لقوله تعالى: ﴿يهدي إلى الرشد﴾ [الجن: ٢] فكأنه يدعو إلى نفسه وسمع إن دخلت على ما يصح أن يسمع نحو سمعت كلامك وقراءتك تعدت لواحد وإن دخلت على ما لا يصح سماعه بأن كان ذاتًا فلا يصح الاقتصار عليه وحده بل لا بد من الدلالة على شيء يسمع نحو سمعت رجلًا يقول كذا، وللنحاة في هذه المسألة قولان. أحدهما: أن تتعدى فيه أيضًا إلى مفعول واحد والجملة الواقعة بعد المنصوب صفة إن كان قبلها نكرة وحال إن كان معرفة. والثاني: قول الفارسي وجماعة تتعدى لاثنين الجملة في محل الثاني منهما، فعلى قول الجمهور يكون منادى في على نصب لأنه صفة لمنصوب قبله وعلى قول الفارسي يكون في محل نصب مفعول ثان. وقال الزمخشري تقول: سمعت رجلًا يقول كذا وسمعت زيدًا يتكلم فتوقع الفعل على الرجل وتحذف المسموع لأنك وصفته بما يسمع أو جعلته حالًا منه فأغناك عن ذكره، ولولا الوصف أو الحال لم يكن منه بد وأن يقال سمعت كلام فلان أو قوله وذكر المنادى مع قوله (﴿ينادي﴾) تفخيم لشأن المنادى ولأنه إذا أطلق ذهب الوهم إلى مناد للحرب أو لإغاثة المكروب وغيرهما واللام في (﴿للإيمان﴾) بمعنى إلى أو بمعنى الباء ومفعول ينادي محذوف أي الناس ويجوز أن لا يزاد مفعول نحو أمات وأحيا (الآية) [آل عمران: ١٩٣] نصب بفعل مقدر مناسب. ٤٥٧٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَهْيَ خَالَتُهُ قَالَ:

стр. 5098

فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ، أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَلَسَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الآيَاتِ الْخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي وَأَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى يَفْتِلُهَا فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ. وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي البغلاني بفتح الموحدة وسكون المعجمة وسقط لأبي ذر ابن سعيد (عن مالك) الإمام (عن مخرمة بن سليمان) الوالبي (عن كريب مولى ابن عباس أن ابن عباس ﵄ أخبره أنه بات عند ميمونة زوج النبي ﷺ وهي خالته قال: فاضطجعت في عرض الوسادة واضطجع رسول الله ﷺ وأهله في طولها فنام رسول الله ﷺ حتى انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل استيقظ) ولأبي ذر ثم استيقظ (رسول الله ﷺ فجعل) ولأبي ذر عن الكشميهني فجلس (يمسح النوم) أي أثره (عن وجهه بيده) بالإفراد (ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران) زاد في بعض طرق الصحيح وهو عند ابن مردويه ولفظ مسلم وكان في دعائه يقول "اللهم اجعل في قلبي نورًا وفي بصري نورًا وفي سمعي نورًا وعن يميني نورًا وعن يساري نورًا وفوقي نورًا وأمامي وخلفي نورًا واجعل لي نورًا". قال كريب وسبع في التابوت: فلقيت بعض ولد العباس فحدثني بهن فذكر عصبي ولحمي ودمي وشعري وبشري، وزاد في أخرى وفي لساني نورًا وفي أخرى واجعلني نورًا وفي أخرى واجعل في نفسي نورًا وكان باعثه على هذا وعلى الصلاة قوله: ﴿إن في خلق السماوات والأرض﴾ إلى قوله: ﴿فقنا عذاب النار﴾ [آل عمران: ١٩١] لأن الفاء الفصيحة تقتضي مقدرًا يرتبط معها تقديره ﴿ربنا ما خلقت هذا باطلًا﴾ [آل عمران: ١٩١] بل خلقته للدلالة على معرفتك ومن عرفك يجب عليه أداء طاعتك واجتناب معصيتك ليفوز بدخول جنتك ويتوقى به من عذاب نارك ونحن قد عرفناك وأدّينا طاعتك واجتنبنا معصيتك فقنًا عذاب النار برحمتك، وتحريره أنه ﷺ لما تفكّر في عجائب الملك والملكوت وعرج إلى عالم الجبروت حتى انتهى إلى سرادقات الجلال فتح لسانه بالذكر ثم اتبع بدنه وروحه بالتأهب والوقوف في مقام التناجي والدعاء ومعنى طلب النور للأعضاء عضوًا عضوًا أن يتجلى بأنوار المعرفة والطاعة ويتعرى عن ظلمة الجهالة والمعصية لأن الإنسان ذو سهو وطغيان أي أنه قد أحاطت به ظلمات الجبلة معتورة عليه من فرقه إلى قدمه والأدخنة الثائرة من نيران الشهوات من جوانبه، ورأى الشيطان يأتيه من الجهات الست بوساوسه وشبهاته ظلمات بعضها فوق بعض فلم ير للتخلص منها مساغًا إلا بأنوار سادة لتلك الجهات فسأل الله أن يمده بها ليستأصل شأفة تلك الظلمات إرشادًا للأمة وتعليمًا لهم قاله في شرح المشكاة.

стр. 5099

(ثم قام) ﵊ (إلى شن معلقة) وفي رواية لمسلم ثم عدل إلى شجب من ماء وهو السقاء الذي اخلق (فتوضأ منها فأحسن وضوءه ثم قام يصلّي. قال ابن عباس: فقمت فصنعت مثل ما صنع ثم ذهبت فقمت إلى جنبه) وفي رواية: فقمت عن يساره فأخذني فجعلني عن يمينه (فوضع رسول الله ﷺ يده اليمنى على رأسي وأخذ بأذني يفتلها فصلّى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين) فهي اثنتا عشرة ركعة (ثم أوتر) بواحدة (ثمَّ اضطجع) زاد في مسلم فنام حتى نفخ وكان إذا نام نفخ (حتى جاءه المؤذن فقام فصلّى ركعتين خفيفتين) سنة الفجر من غير أن يتوضأ (ثم خرج فصلّى) بأصحابه (الصبح). [٤] سورة النِّسَاءِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَسْتَنْكِفُ: يَسْتَكْبِرُ، قِوَامًا: قِوَامُكُمْ مِنْ مَعَايِشِكُمْ لَهُنَّ سَبِيلًا يَعْنِي الرَّجْمَ لِلثَّيِّبِ، وَالْجَلْدَ لِلْبِكْرِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: مَثْنَى وَثُلَاثَ يَعْنِي اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثًا وَأَرْبَعًا وَلَا تُجَاوِزُ الْعَرَبُ رُبَاعَ. [٤] سورة النِّسَاءِ مدنية. زاد أبو ذر: بسم الله الرحمن الرحيم والمستملي والكشميهني. (قال ابن عباس): فيما وصله ابن أبي حاتم بإسناد صحيح من طريق ابن جريج عن عطاء عنه (يستنكف) يريد تفسير قوله تعالى: ﴿ومن يستنكف عن عبادته﴾ [النساء: ١٧٢] معناه (يستكبر) فالعطف للتفسير أي يأنف. وقال ابن عباس أيضًا فيما وصله ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طلحة عنه (قوامًا قوامكم من معايشكم) بكسر القاف وبعدها واو والتلاوة بالياء التحتية إذ مراده ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا﴾ [النساء: ٥] قيل لم يقصد المؤلّف بها التلاوة بل حذف الكلمة القرآنية وأشار إلى تفسيرها، وقد قال أبو عبيدة قيامًا وقوامًا بمنزلة واحدة تقول هذا قوام أمرك وقيامه أي ما يقوم به أمرك، والأصل بالواو فأبدلوها بكسرة القاف ونقل أنها بالواو وقراءة ابن عمر ﵄ وقوله: ﴿أو يجعل الله﴾ (﴿لهن سبيلا﴾) (يعني الرجم للثيب والجلد للبكر) قاله ابن عباس فيما وصله عبد بن حميد بإسناد صحيح وكان الحكم في ابتداء الإسلام أن المرأة إذا زنت وثبت زناها حبست في بيت حتى تموت. (وقال غيره): أي غير ابن عباس ﵄ وسقط قوله وقال غيره لأبي ذر وسقطت الجملة كلها من قوله قال ابن عباس إلى هنا من رواية الحموي (﴿مثنى وثلاث ورباع﴾) [النساء: ٣] قال أبو عبيدة: (يعني اثنتين وثلاثًا وأربعًا ولا تجاوز العرب رباع) اختلف في هذه الألفاظ هل يجوز فيها القياس أو يقتصر فيها على السماع، فذهب البصريون إلى الثاني والكوفيون إلى الأول، والمسموع من ذلك أحد عشر لفظًا أحاد وموحد وثناء ومثنى وثلاث ومثلث ورباع ومربع ومخمس وعشار ومعشر، لكن قال ابن الحاجب: هل يقال خماس ومخمس إلى عشار

стр. 5100

ومعشر؟ فيه خلاف. والأصح أنه لم يثبت وهذا هو الذي اختاره المؤلّف، وجمهور النحاة على منع صرفها، وأجاز الفراء صرفها وإن كان المنع عنده أولى، ومنع الصرف للعدل والوصف لأنها معدولة عن صيغة إلى صيغة وذلك أنها معدولة عن عدد مكرر فإذا قلت: جاء القوم أحاد أو موحد أو ثلاث أو مثلث كان بمنزلة قولك جاؤوا واحدًا واحدًا وثلاثة ثلاثة، ولا يراد بالمعدول عنه التوكيد إنما يراد به تكرير العدد كقوله: علمته الحساب بابًا بابًا أو للعدل والتعريف أو لعدلها عن عدد مكرر وعدلها عن التأنيث أو لتكرار العدل أقوال وقول البخاري يعني اثنتين وثلاثًا وأربعًا ليس معناه ذلك بل معناه المكرر نحو اثنتين اثنتين وإنما تركه اعتمادًا على الشهرة أو أنه عنده ليس بمعنى التكرار. ١ - باب ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿وإن خفتم ألاّ تقسطوا﴾) أن لا تعدلوا من أقسط ولا نافية أي وإن حذرتم عدم الأقساط أي العدل (﴿في اليتامى﴾) [النساء: ٣] وقرئ تقسطوا بفتح التاء من قسط وهو بمعنى جار على المشهور في أن الرباعي بمعنى عدل والثلاثي بمعنى جار وكأن الهمزة فيه للسلب فمعنى أقسط أزال القسط وهو الجور ولا على هذا زائدة ليس إلا وإلا يفسد المعنى كهي في لئلا يعلم وحكى الزجاج أن قسط الثلاثي يستعمل استعمال الرباعي وعلى هذا فتكون لا غير زائدة كهي في الأولى وجواب الشرط في وإن خفتم فانكحوا أو فواحدة وثبت الباب وتاليه لأبي ذر. ٤٥٧٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَجُلًا كَانَتْ لَهُ يَتِيمَةٌ فَنَكَحَهَا وَكَانَ لَهَا عَذْقٌ وَكَانَ يُمْسِكُهَا عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا مِنْ نَفْسِهِ شَيْءٌ فَنَزَلَتْ فِيهِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ أَحْسِبُهُ قَالَ: كَانَتْ شَرِيكَتَهُ فِي ذَلِكَ الْعَذْقِ وَفِي مَالِهِ. وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (إبراهيم بن موسى) الفراء الرازي الصغير قال: (أخبرنا هشام) هو ابن يوسف الصنعاني (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (هشام بن عروة عن أبيه) عن عروة بن الزبير (عن عائشة ﵂ أن رجلًا كانت له) أي عنده (يتيمة) مات أبوها (فنكحها) أي تزوجها (وكان لها عذق) بفتح العين المهملة وسكون الذال المعجمة آخره قاف أي نخلة (وكان) الرجل (يمسكها) أي اليتيمة (عليه) أي لأجله فعلى هنا تعليلية ولأبي ذر عن الكشميهني فيمسكها عليه (ولم يكن لها) لليتيمة (من نفسه شيء فنزلت فيه ﴿وإن خفتم ألاّ تقسطوا في اليتامى﴾) قال هشام بن يوسف (أحسبه) أي عروة (قال: كانت) أي اليتيمة (شريكته) أي الرجل (في ذلك العذق وفي ماله). وقوله: إن رجلًا كانت له يتيمة يوهم أنها نزلت في شخص معين والمعروف عن هشام بن عروة التعميم، ووقع عند

стр. 5101

الإسماعيلي كذلك ولفظه أنزلت في الرجل تكون عنده اليتيمة وكذا في الرواية اللاحقة من طريق ابن شهاب عن عروة، وقضية العذق في التي يرغب عن نكاحها وأما التي يرغب في نكاحها فهي التي يعجبه مالها وجمالها فلا يزوّجها لغيره ويريد أن يتزوجها بدون صداق مثلها. ٤٥٧٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣] فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي هَذِهِ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا تَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ وَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا، فَيُعْطِيَهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ فَنُهُوا عَنْ أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ وَيَبْلُغُوا لَهُنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ فِي الصَّدَاقِ فَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ، قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: وَإِنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ قَالَتْ عَائِشَةُ: وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] رَغْبَةُ أَحَدِكُمْ عَنْ يَتِيمَتِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ الْمَالِ وَالْجَمَالِ قَالَتْ: فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا عَنْ مَنْ رَغِبُوا فِي مَالِهِ وَجَمَالِهِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ، إِلاَّ بِالْقِسْطِ مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ إِذَا كُنَّ قَلِيلَاتِ الْمَالِ وَالْجَمَالِ. وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) الأويسي قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن صالح بن كيسان) بفتح الكاف (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة بن الزبير أنه سأل عائشة) رضي الله تعالى عنها (عن) معنى (قول الله تعالى: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى﴾ فقالت) عائشة له: (يا ابن أختي) أسماء ولأبي الوقت يا ابن أخي (هذه اليتيمة) التي مات أبوها (تكون في حجر وليها) القائم بأمورها (تشركه) بفتح التاء والراء وفي نسخة تشركه بضم ثم كسر (في ماله ويعجبه مالها وجمالها فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط) أن يعدل (في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره) هو معطوف على معمول بغير يعني يريد أن يتزوّجها بغير أن يعطيها مثل ما يعطيها غيره أي ممن يرغب في نكاحها ويدل على ذلك قوله: (فنهوا) بضم النون والهاء (عن أن ينكحوهن) ولأبي ذر عن ذلك أي عن ترك الأقساط (إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا لهن) باللام ولأبي ذر عن الحموي والمستملي بهن (أعلى سنتهن) أي طريقتهن (في الصداق) وعادتهن في ذلك (فأمروا) بالفاء (أن ينكحوا ما طاب) ما حل (لهم من النساء سواهن) أي سوى اليتامى من النساء، وقد تقرر أن ما لا تستعمل في ذوي العقول واستعملها هنا لهن ذهابًا إلى الصفة كأنه قيل النوع الطيب من النساء أي الحلال أو المشتهى والثاني أرجح لاقتضاء المقام ولأن الأمر بالنكاح لا يكون إلا في الحلال فوجب الحمل على شيء آخر أو إجراء لهن مجرى غير العقلاء لنقصان عقلهن كقوله: ﴿أو ما ملكت أيمانهن﴾ [النور: ٣١].

стр. 5102

(قال عروة) بن الزبير بالسند السابق: (قالت عائشة: إن الناس استفتوا رسول الله ﷺ ¬) طلبوا منه الفتيا في أمر النساء (بعد) نزول (هذه الآية) وهي وإن خفتم إلى ورباع (فأنزل الله) تعالى (﴿ويستفتونك في النساء﴾) [النساء: ١٢٧] الآية (قالت عائشة: وقول الله تعالى في آية أخرى: (﴿وترغبون أن تنكحوهن﴾) [النساء: ١٢٧] كذا في رواية صالح وليس ذلك في آية أخرى بل هو في نفس الآية. وعند مسلم والنسائي واللفظ له من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه بهذا الإسناد في هذا الموضع فأنزل الله تعالى: ﴿ويستفتونك في النساء﴾ قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن (﴿وترغبون أن تنكحوهن﴾) فذكر الله أنه يتلى عليكم في الكتاب الآية الأولى وهي قوله: ﴿وإن خفتم ألاّ تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: ٣] قالت عائشة: وقول الله في الآية الأخرى: ﴿وترغبون أن تنكحوهن﴾ قال في الفتح فظهر أنه سقط من رواية البخاري شيء (رغبة أحدكم عن يتيمته) بأن لم يردها (حين تكون) أي اليتيمة (قليلة المال والجمال قالت) عائشة (فنهوا أن ينكحوا عمن رغبوا في ماله وجماله) بفتح التحتية وللأصيلي بضمها وإسقاط عن (في يتامى النساء إلا بالقسط) بالعدل (من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال) فينبغي أن يكون نكاح الغنية الجميلة ونكاح الفقيرة الذميمة على السواء في العدل. وسبق هذا الحديث في الشركة في باب شركة اليتيم. ٢ - باب ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا﴾ وَبِدَارًا: مُبَادَرَةً. أَعْتَدْنَا: أَعْدَدْنَا أَفْعَلْنَا مِنَ الْعَتَادِ هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه قوله تعالى: (﴿ومن كان فقيرًا فليأكل﴾) من مال اليتامى (﴿بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم﴾) بعد بلوغهم وإيناس رشدهم (﴿فأشهدوا عليهم﴾) ندبًا بأنهم قبضوها لئلا يقدموا على الدعوى الكاذبة ولأنه أنفى للتهمة (﴿وكفى بالله﴾) حال كونه (﴿حسيبًا﴾) [النساء: ٦] أي محاسبًا فلا تخالفوا ما أمرتم ولا تتجاوزوا ما حدّ لكم وسقط لفظ الآية لأبي ذر ولغيره ﴿وكفى بالله حسيبًا﴾ وقالوا بعد: ﴿فأشهدوا عليهم﴾ الآية ﴿وبدارًا﴾ ولأبي ذر: بدارًا يريد ﴿ولا تأكلوها إسرافًا وبدارًا﴾ أي (مبادرة) قبل بلوغهم من غير حاجة. (﴿أعتدنا﴾) يريد ﴿أعتدنا لهم عذابًا﴾ [النساء: ١٨] قال أبو عبيدة: أي (أعددنا أفعلنا) ولأبي ذر عن الكشميهني اعتددنا افتعلنا (من العتاد) بفتح العين. ٤٥٧٥ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي مَالِ الْيَتِيمِ إِذَا كَانَ فَقِيرًا أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْهُ مَكَانَ قِيَامِهِ عَلَيْهِ بِمَعْرُوفٍ.

стр. 5103

وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (إسحاق) هو ابن منصور كما جزم به المزي كخلف وقيل هو ابن راهويه قال: (أخبرنا عبد الله بن نمير) بضم النون وفتح الميم قال: (حدّثنا هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة رضي الله تعالى عنها في قوله تعالى: ﴿ومن كان﴾) من الأولياء (﴿غنيًّا﴾) عن مال اليتيم (﴿فليستعفف﴾) عنه ولا يأكل منه شيئًا (﴿ومن كان﴾) منهم (﴿فقيرًا فليأكل بالمعروف﴾) [النساء: ٦] أنها نزلت في (مال اليتيم) ولأبي ذر عن الكشميهني: في والي اليتيم (إذا كان فقيرًا أنه يأكل منه مكان قيامه عليه بمعروف) بقدر حاجته بحيث لا يتجاوز أجرة المثل ولا يردّ إذا أيسر على الصحيح عند الشافعية؛ وقيل يأخذ بالفرض لما روي عن ابن عباس وغيره نظيره، وعن ابن عباس يأكل من ماله بالمعروف حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم، وقيل لا يأكل وإن كان فقيرًا لقوله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا﴾ [النساء: ١٠]. وأجيب: بأنه عام والخاص مقدم عليه لا سيما وفي قيد الظلم إشعار به، ولفظ الاستعفاف والأكل بالمعروف مشعر أيضًا به، وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ فقال: ليس لي مال وليس يتيم فقال: "كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذر ولا متأثل مالًا" رواه أحمد وغيره وقوله غير متأثل أي غير جامع يقال مال مؤثل أي مجموع ذو أصل وأثلة الشيء أصله. ٣ - باب (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه قوله تعالى: (﴿وإذا حضر القسمة﴾) للتركات (﴿أولو القربى واليتامى والمساكين﴾) ممن لا يرث (﴿فارزقوهم منه﴾) [النساء: ٨] من متروك الوالدين والأقربين تطييبًا لقلوبهم وتصدقًا عليهم، وقيل يعود الضمير إلى الميراث، وفي أكثر النسخ وهو في الفرع كأصله والمساكين الآية، وحذف فارزقوهم منه وهو أمر ندب للبلغ من الورثة، وقيل أمر وجوب وكان في ابتداء الإسلام، ثم اختلف في نسخه فقيل بآية المواريث فألحق الله لكل ذي حق حقه وصارت الوصية من ماله يوصي بها لذوي قرابته حيث يشاء. وهذا مذهب جمهور الفقهاء الأئمة الأربعة وأصحابهم وعن ابن عباس أن الآية محكمة غير منسوخة. ٤٥٧٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ الأَشْجَعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ قَالَ: هِيَ مُحْكَمَةٌ وَلَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ. تَابَعَهُ سَعِيدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وبه قال: (حدّثنا أحمد بن حميد) بضم الحاء مصغرًا القرشي الكوفي الطريثيثي بضم الطاء المهملة وراء ومثلثتين مصغرًا صهر عبيد الله بن موسى يلقب بدار أم سلمة لجمعه حديثها وتتبعه له وفي كامل ابن عدي أنه كان له اتصال بأم سلمة زوج السفاح الخليفة فلقب بذلك، وليس له

стр. 5104

في البخاري سوى هذا الحديث قال: (أخبرنا عبيد الله) بن عبد الرحمن (الأشجعي) الكوفي (عن سفيان) الثوري (عن الشيباني) بفتح الشين المعجمة أبي إسحاق سليمان بن أبي سليمان فيروز الكوفي (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما) في قوله تعالى: (﴿وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين﴾) قال: (هي محكمة وليست منسوخة) تفسير للمحكمة (تابعه) أي تابع عكرمة (سعيد) هو ابن جبير (عن ابن عباس) مما وصله في الوصايا بلفظ: إن ناسًا يزعمون أن هذه الآية نسخت ولا والله ما نسخت ولكنها مما تهاون الناس بها هما واليان وال يرث وذلك الذي يرزق ووال لا يرث وذلك الذي يقال له بالمعروف يقول لا أملك لك أن أعطيك، وجاء عن ابن عباس روايات أُخر ضعيفة عند ابن أبي حاتم وابن مردويه أنها منسوخة. ٤ - باب ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ هذا (باب) بالتنوين كذا لأبي ذر وله عن المستملي باب قوله بالإضافة (﴿يوصيكم الله﴾) يأمركم ويفرض لكم (﴿في﴾) شأن ميراث (﴿أولادكم﴾) [النساء: ١١] العدل فإن أهل الجاهلية كانوا يجعلون جميع الميراث للذكور دون الإناث، فأمر الله تعالى بالتسوية بينهم في أصل الميراث وفاوت بين المصنفين فجعل ﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ [النساء: ١١] وذلك لاحتياج الرجل إلى مؤونة النفقة والكلفة واستنبط بعضهم من الآية أن الله تعالى أرحم بخلقه من الوالد بولده حيث وصى الوالدين بأولادهم، وثبت في أولادكم لأبي ذر. ٤٥٧٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ مُنْكَدِرٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: عَادَنِي النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ فِي بَنِي سَلِمَةَ مَاشِيَيْنِ فَوَجَدَنِي النَّبِيُّ ﷺ لَا أَعْقِلُ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهُ ثُمَّ رَشَّ عَلَيَّ فَأَفَقْتُ فَقُلْتُ: مَا تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي مَالِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَنَزَلَتْ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾. وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (إبراهيم بن موسى) التميمي الفراء الرازي الصغير قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: أخبرنا (هشام) هو ابن يوسف الصنعاني (أن ابن جريج) عبد الملك (أخبرهم قال: أخبرني) بالإفراد (ابن منكدر) محمد ولأبي ذر: ابن المنكدر بالتعريف (عن جابر) هو ابن عبد الله الأنصاري (رضي الله تعالى عنه) وعن أبيه أنه (قال: عادني النبي ﷺ وأبو بكر) الصديق رضي الله تعالى عنه من مرض (في بني سلمة) بكسر اللام قوم جابر بطن من الخزرج حال كونهما (ماشيين فوجدني النبي ﷺ لا أعقل) أي لا أفهم، وزاد أبو ذر عن الكشميهني شيئًا وفي الاعتصام فأتاني وقد أغمي عليّ (فدعا بماء فتوضأ منه ثم رش عليّ) أي نفس الماء الذي توضأ به (فأفقت) من الإغماء (فقلت: ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول الله؟) وفي رواية شعبة عن محمد بن المنكدر عند المؤلّف في الطهارة فقلت: يا رسول الله لمن الميراث

стр. 5105

إنما يرثني كلالة (فنزلت: (﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾) كذا لابن جريج قال الدمياطي وهو وهم والذي نزل في جابر: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ [النساء: ١٧٦] كذا رواه شعبة والثوري عن ابن المنكدر ويؤيده ما في بعض طرقه من قول جابر إنما يرثني كلالة والكلالة من لا والد له ولا ولد ولم يكن لجابر حينئذ ولد ولا والد اهـ. وفي مسلم عن عمرو الناقد والنسائي عن محمد بن منصور كلاهما عن ابن عيينة عن ابن المنكدر حتى نزلت عليه آية الميراث ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ وقد ساق البخاري حديث جابر عن قتيبة عن ابن عيينة في أول كتاب الفرائض، وفي آخره حتى نزلت آية الميراث ولم يذكر ما زاده الناقد. قال في الفتح: فأشعر بأن الزيادة عنده مدرجة من كلام ابن عيينة ولم ينفرد ابن جريج بتعيين الآية المذكورة فقد ذكرها ابن عيينة على الاختلاف عنه، والحاصل أن المحفوظ عن ابن المنكدر أنه قال: آية الميراث أو آية الفرائض، فالظاهر أنها يوصيكم الله كما صرح به في رواية ابن جريج ومن تابعه، وأما من قال إنها يستفتونك فعمدته أن جابرًا لم يكن له حينئذ ولد وإنما كان يورث كلالة فكان المناسب لقصته نزول يستفتونك، لكن ليس ذلك بلازم لأن الكلالة اختلف في تفسيرها. فقيل: هي اسم المال الموروث، وقيل اسم الميت، وقيل اسم الإرث فلما لم يتعين تفسيرها بمن لا ولد له ولا والد لم يصح الاستدلال لأن يستفتونك نزلت في آخر الأمر وآية المواريث نزلت قبل ذلك بمدة في ورثة سعد بن الربيع، وكان قتل يوم أُحُد وخلف ابنتين وأمهما وأخاه فأخذ الأخ المال فنزلت. وبه احتج من قال إنها لم تنزل في قصة جابر وإنما نزلت في قصة ابنتي سعد بن الربيع وليس ذلك بلازم إذ لا مانع أن تنزل في الأمرين معًا فقد ظهر أن ابن جريج لم يهم والله أعلم. وهذا الحديث قد سبق في الطهارة. ٥ - باب ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ هذا (باب) بالتنوين كذا لأبي ذر وله عن المستملي باب قوله الإضافة (﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم﴾) [النساء: ١٢] إن لم يكن لهن ولد وارث من بطنها أو من صلب بنيها أو بني بنيها وإن سفل ذكرًا كان أو أنثى منكم أو من غيركم. ٤٥٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ وَرْقَاءَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ وَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ فَنَسَخَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ وَجَعَلَ لِلأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ وَالثُّلُثَ وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ الثُّمُنَ وَالرُّبُعَ وَلِلزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُعَ.

стр. 5106

وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) الفريابي (عن ورقاء) بن عمر اليشكري وقيل الشيباني (عن ابن أبي نجيح) اسمه عبد الله وأبو نجيح بفتح النون وكسر الجيم آخره مهملة اسمه يسار ضد اليمين (عن عطاء) هو ابن أبي رباح (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: كان المال للولد) أي مال الشخص إذا مات لولده (وكانت الوصية للوالدين) واجبة على ما يراه الموصي من المساواة والتفضيل (فنسخ الله من ذلك ما أحب) بآية المواريث (فجعل للذكر) من الأولاد (مثل حظ الأنثيين وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس) إن كان للميت ولد ذكر أو أنثى (والثلث) إن لم يكن له ولد (وجعل للمرأة) أي الزوجة (الثمن) مع الولد (والربع) مع عدمه (وللزوج الشطر) مع عدم الولد (والربع) عند وجوده. وهذا الحديث قد مرّ في الوصايا. ٦ - باب ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ الآيَةَ، وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا تَعْضُلُوهُنَّ: لَا تَقْهَرُوهُنَّ. حُوبًا: إِثْمًا. تَعُولُوا: تَمِيلُوا. نِحْلَةً: النِّحْلَةُ الْمَهْرُ. هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا﴾) أن ترثوا في موضع رفع على الفاعلية بيحل أي لا يحل لكم إرث النساء والنساء مفعول به إما على حذف مضاف أي أن ترثوا أموال النساء والخطاب للأزواج لأنه روي أن الرجل كان إذا لم يكن له في المرأة غرض أمسكها حتى تموت فيرثها أو تفتدي بمالها إن لم تمت، وإما من غير حذف على معنى أن يكن بمعنى الشيء الموروث إن كان الخطاب للأولياء أو لأقرباء الميت كما يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى، وكرها في موضع نصب على الحال من النساء أي ترثوهن كارهات أو مكرهات (﴿ولا تعضلوهن﴾) جزم بلا الناهية أو نصب عطف على أن ترثوا ولا لتأكيد النفي وفي الكلام حذف أي لا تعضلوهن من النكاح إن كان الخطاب للأولياء أو لا تعضلوهن من الطلاق إن كان للأزواج (﴿لتذهبوا ببعض﴾) اللام متعلقة بتعضلوهن والباء للتعدية المرادفة لهمزتها أو للمصاحبة فالجار في محل نصب على الحال ويتعلق بمحذوف أي لتذهبوا مصحوبين ببعض (﴿ما آتيتموهن﴾) [النساء: ١٩] (الآية) وما: موصولة بمعنى الذي أو نكرة موصوفة وعلى التقديرين فالعائد محذوف وسقط ولا تعضلوهن إلى آتيتموهن لغير أبي ذر وقالوا الآية. (ويذكر عن ابن عباس) مما وصله الطبري وابن أبي حاتم ﴿لا تعضلوهن﴾ أي (لا تقهروهن) بالقاف، ولأبي ذر عن الكشميهني: لا تنتهروهن بالنون وقوله تعالى: ﴿إنه كان﴾ (﴿حوبًا﴾) [النساء: ٢] قال ابن عباس فيما وصله ابن أبي حاتم بإسناد صحيح أي (إثمًا) وقوله تعالى: ﴿ذلك أدنى ألاَّ﴾ (﴿تعولوا﴾) [النساء: ٣] قال ابن عباس فيما وصله ابن المنذر أي (تميلوا) من عال يعول إذا مال وجار وفسره الإمام الشافعي بأن لا تكثر عيالكم وردّه جماعة كأبي

стр. 5107

بكر بن داود الرازي والزجاج فقال الزجاج: هذا غلط من جهة المعنى واللفظ، أما الأول فلأن إباحة السراري مع أنها مظنة كثرة العيال كالتزوج وأما اللفظ فلأن مادة عال بمعنى أكثر عياله من ذوات الياء لأنه من العيلة، وأما عال بمعنى حار فمن ذوات الواو فاختلفت المادتان. وقال صاحب النظم قال أوّلًا ألاّ تعدلوا فوجب أن يكون ضده الجور، وأيضًا فقد خالف المفسرين وقد ردّ الناس على هؤلاء، فأمّا قولهم: إن التسري أيضًا تكثر معه العيال مع أنه مباح فممنوع لأن الأمة ليست كالمنكوحة ولذا يعزل عنها بغير إذنها ويؤجرها ويأخذ أجرتها ينفقها عليه وعليها وعلى أولادها ويقال عال الرجل عياله يعولهم أي مانهم بمونهم أي أنفق عليهم، ومنه: ابدأ بنفسك ثم بمن تعول، وحكى ابن الأعرابي عال الرجل يعول أكثر عياله وعال يعيل افتقر وصار له عائلة. والحاصل: أن عال يكون لازمًا ومتعديًا فاللازم يكون بمعنى مال وجار، ومنه عال الميزان وبمعنى كثر عياله وبمعنى تفاقم الأمر، والمضارع من كله يعول وعال الرجل افتقر وعال في الأرض ذهب فيها، والمضارع من هذين يعيل والمتعدي يكون بمعنى أثقل وبمعنى مان من المؤونة وبمعنى غلب ومنه عيل صبري ومضارع هذا كله يعول وبمعنى أعجز يقال عالني الأمر أي أعجزني، ومضارع هذا يعيل والمصدر عيل ومعيل فقد تلخص من هذا أن عال اللازم يكون تارة من ذوات الواو وتارة من ذوات الياء باختلاف المعنى، وكذلك عال المتعدي أيضًا فقد روى الأزهري عن الكسائي قال: عال الرجل إذا افتقر وأعال إذا أكثر عياله. قال: ومن العرب الفصحاء من يقول عال يعول إذا كثر عياله. قال الأزهري: وهذا يقوي قول الشافعي لأن الكسائي لا يحكي عن العرب إلا ما حفظه وضبطه وقول الشافعي نفسه حجة. وحكى البغوي عن أبي حاتم قال: كان الشافعي أعلم بلسان العرب منا ولعله لغة، وعن أبي عمرو الدوري القارئ وكان من أئمة اللغة قال هي لغة حمير. وأما قولهم: إنه خالف المفسرين فليس كذلك فقد روي عن زيد بن أسلم نحو قوله أسنده الدارقطني وذكره الأزهري في كتابه تهذيب اللغة، وأما قولهم: اختلفت المادّتان فليس بصحيح فقد تقدم حكاية ابن الأعرابي عن العرب عال الرجل يعول كثر عياله وحكاية الكسائي والدوري وقرأ طلحة بن مصرف: أن لا تعيلوا بضم تاء المضارعة من أعال أكثر عياله وهي تعضد تفسير الشافعي من حيث المعنى، وقد بسط الإمام فخر الدين العبارة في الرد على أبي بكر الرازي وقال: الطعن لا يصدر إلا عن كثرة الغباوة وقلة المعرفة. وقال الزمخشري بعد أن وجه قول الشافعي بنحو ما سبق وكلام مثله من أعلام العلم وأئمة الشرع ورؤوس المجتهدين حقيق بالجمل على الصحة والسداد وكفى بكتابنا المترجم بكتاب شافي العين من كلام الشافعي شاهدًا بأنه أعلى كعبًا وأطول باعًا في علم كلام العرب من أن يخفى عليه مثل هذا ولكن للعلماء طرقًا وأساليب فمسلك في تفسير هذه الكلمة طريقة الكنايات اهـ.

стр. 5108

وقوله أعلى كعبًا مثل لاطلاعه على علوم العربية وكونه ذا حظ وافر فيها. وقوله تعالى: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن﴾ (﴿نحلة﴾) [النساء: ٤] قال ابن عباس فيما وصله ابن أبي حاتم والطبري (النحلة) ولأبي ذر فالنحلة (المهر) وقيل فريضة مسماة وقيل عطية وهبة وسمي الصداق نحلة من حيث إنه لا يجب في مقابلته غير التمتع دون عوض مالي. ٤٥٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ الشَّيْبَانِيُّ، وَذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ السُّوَائِيُّ وَلَا أَظُنُّهُ ذَكَرَهُ إِلاَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ قَالَ: كَانُوا إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ إِنْ شَاءَ بَعْضُهُمْ تَزَوَّجَهَا وَإِنْ شَاءُوا زَوَّجُوهَا وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يُزَوِّجُوهَا فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي ذَلِكَ. [الحديث ٤٥٧٩ - طرفه في: ٦٩٤٨]. وبه قال: (حدّثنا محمد بن مقاتل) المروزي قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: أخبرنا (أسباط بن محمد) بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وبالموحدة القرشي الكوفي قال: (حدّثنا الشيباني) أبو إسحاق سليمان بن فيروز (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما (قال الشيباني): سليمان (وذكره) أي الحديث (أبو الحسن) اسمه عطاء (السوائي) بضم السين وتخفيف الواو ممدودًا وليس هو مهاجرًا المذكور في باب الإبراد بالظهر لأن ذاك تيمي لا سوائي (ولا أظنه ذكره إلا عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما فيه أن الشيباني له فيه طريقان إحداهما موصولة وهي عكرمة عن ابن عباس، والثانية مشكوك في وصلها وهي أبو الحسن السوائي عن ابن عباس في قوله تعالى: (﴿يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن﴾) قال: (كانوا) أي أهل الجاهلية كما قاله السدي أو أهل المدينة كما قاله الضحاك وقال الواحدي في الجاهلية وأول الإسلام (إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوّجها) إن كانت جميلة بصداقها الأول (وإن شاؤوا زوّجوها) لمن أرادوا وأخذوا صداقها (وإن شاؤوا لم يزوّجوها) بل يحبسونها حتى تموت فيرثونها أو تفتدي نفسها (فهم) بالفاء، ولأبي ذر: وهم (أحق بها من أهلها فنزلت هذه الآية في ذلك). وفي رواية أبي معاوية عن الشيباني عن عكرمة وحده عن ابن عباس في هذا الحديث تخصيص ذلك بمن مات زوجها قبل أن يدخل بها. وعند الطبراني من طريق ابن جريج عن عكرمة أنها نزلت في قضية خاصة قال: نزلت في كبيشة بنت معن بن عاصم بن الأوس وكانت تحت أبي قيس بن الأسلت فتوفي عنها فجنح عليها ابنه فجاءت النبي ﷺ فقالت: يا نبي الله لا أنا ورثت زوجي ولا أنا تركت فأنكح فنزلت الآية. وبإسناد حسن عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال: لما توفي أبو قيس بن

стр. 5109

الأسلت أراد ابنه أن يتزوّج امرأته وكان ذلك لهم في الجاهلية فنزلت هذه الآية. وقال زيد بن أسلم: كان أهل يثرب إذا مات الرجل منهم في الجاهلية ورث امرأته من يرث ماله وإن يعضلها حتى يرثها أو يزوّجها من أراد، وكان أهل تهامة يسيء الرجل صحبة المرأة حتى يطلقها ويشترط عليها أن لا تنكح إلا من أراد حتى تفتدي منه ببعض ما أعطاها فنهى الله تعالى المؤمنين عن ذلك. رواه ابن أبي حاتم. وعن ابن عباس: كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها لجاء رجل فألقى عليها ثوبه كان أحق بها، وعنه من طريق السدّي: إن سبق الوارث فألقى عليها ثوبه كان أحق بها وإن سبقت هي إلى أهلها فهي أحق بنفسها. وحديث الباب أخرجه المؤلّف أيضًا في الإكراه وأبو داود في النكاح والنسائي في التفسير. ٧ - باب ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ الآيَةَ. وَقَالَ مَعْمَرٌ: مَوَالِىَ أَوْلِيَاءَ وَرَثَةً. ﴿عَاقَدَتْ أَيْمَانِكُمْ﴾ هُوَ مَوْلَى الْيَمِينِ وَهْوَ الْحَلِيفُ، وَالْمَوْلَى أَيْضًا ابْنُ الْعَمِّ، وَالْمَوْلَى الْمُنْعِمُ الْمُعْتِقُ، وَالْمَوْلَى الْمُعْتَقُ، وَالْمَوْلَى الْمَلِيكُ، وَالْمَوْلَى مَوْلًى فِي الدِّينِ. هذا (باب) بالتنوين كذا بإثبات الباب لأبي ذر وله عن المستملي باب قوله بالإضافة (﴿ولكل جعلنا موال مما ترك الوالدان والأقربون﴾ الآية) [النساء: ٣٣] زاد أبو ذر والوقت (﴿والذين عاقدت أيمانكم﴾) أي: والذين تحالفتم بالأيمان المؤكدة أنتم وهم فآتوهم نصيبهم من الميراث إن الله كان على كل شيء شهيدًا أي ولكل شيء تركه الوالدان والأقربون عينًا ورّاثًا يأخذونه ومما ترك بيان لكل وفيه أنه فصل بينهما بعامل الموصوف، وإن جعلنا موالي صفة لكل فالتقدير لكل طائفة جعلناهم موالي نصيب مما ترك هؤلاء أو لكل ميت جعلنا ورثة من هذا المتروك، وفيه أيضًا ضعف لخروج الأولاد عنه، وإن جعل التقدير لكل أحد جعلنا موالي فتكون من صلة موالي لأنهم في معنى الورّاث. وفاعل ترك ضمير يعود على كل الوالدان والأقربون بيان الموالي كأنه جواب من سأل عنهم، وسقط لأبي ذر لفظ الآية. (وقال معمر) هو ابن راشد الصنعاني كما قاله الكرماني أو معمر بن المثنى كما قاله ابن حجر (موالي) أي (أولياء ورثة) بنصب الكلمتين تفسيرًا للموالي وثبت لأبي ذر وقال معمر ولأبي ذر والوقت: وقال معمر أولياء موالي بالإضافة نحو شجر الأراك والإضافة للبيان وأولياء ورثة بالإضافة أيضًا (﴿عاقدت أيمانكم﴾ هو مولى اليمين وهو الحلف) يعني أولياء الميت الذين يلون ميراثه يحوزونه على نوعين: ولي بالإرث وهو الوالدان والأقربون، وولى بالموالاة وعقد الولاة وهم الذين عاقدت أيمانكم وثبت أيمانكم لأبي ذر (والمولى أيضًا ابن العم) قاله ابن جرير نقلًا عن العرب،

стр. 5110

وأنشد عليه قول الفضل بن العباس: مهلًا بني عمنا مهلًا موالينا … لا تظهرن لنا ما كان مدفونا (والمولى المنعم المعتق) بكسر التاء الذي أنعم على مرقوقه بالعتق (والمولى المعتق) بفتح التاء الذي كان رقيقًا فمنّ عليه بالعتق (والمولى المليك) لأنه يلي أمور الناس (والمولى مولى في الدين) وقيل غير ذلك مما يطول استقصاؤه. ٤٥٨٠ - حَدَّثَنِي الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ إِدْرِيسَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ قَالَ: وَرَثَةً ﴿وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ كَانَ الْمُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَرِثُ الْمُهَاجِرُ الأَنْصَارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ لِلأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمْ فَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نُسِخَتْ ثُمَّ قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ مِنَ النَّصْرِ وَالرِّفَادَةِ وَالنَّصِيحَةِ وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ وَيُوصِي لَهُ سَمِعَ أَبُو أُسَامَةَ إِدْرِيسَ وَسَمِعَ إِدْرِيسُ طَلْحَةَ. وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (الصلت بن محمد) بفتح الصاد المهملة وسكون اللام آخره مثناة فوقية الخاركي بخاء معجمة البصري قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن إدريس) بن يزيد الأودي (عن طلحة بن مصرف) بفتح الصاد المهملة وكسر الراء اليامي (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما) في قوله تعالى: (﴿ولكل جعلنا موالي﴾) (قال: ورثة) وبه قال قتادة ومجاهد وغيرهما (﴿والذين عاقدت أيمانكم﴾) أي عاقدت ذوو أيمانكم ذوي أيمانهم قال ابن عباس: (كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجر) ولأبوي ذر والوقت: المهاجري بزيادة مثناة تحتية مشددة (الأنصاري دون ذوي رحمه) أي أقربائه (للأخوّة التي آخى النبي ﷺ بينهم) بين المهاجرين والأنصار وهذا كان في ابتداء الإسلام (فلما نزلت ﴿ولكل جعلنا موالي﴾ نسخت) بضم النون مبنيًا للمفعول أي وراثة الحليف بآية ﴿ولكل جعلنا موالي﴾ وروى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: كان الرجل يعاقد الرجل فإذا مات أحدهما ورثه الآخر فأنزل الله : (﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين﴾ [الأحزاب: ٦]. ومن طريق قتادة كان الرجل يعاقد الرجل في الجاهلية فيقول: دمي دمك وترثني وأرثك، فلما جاء الإسلام أمروا أن يؤتوهم نصيبهم من الميراث وهو السدس ثم نسخ ذلك بالميراث فقال: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ وهذا هو المعتمد، ويحتمل أن يكون النسخ وقع مرتين. الأولى حيث كان المعاقد يرث وحده دون العصبة فنزلت (ولكل جعلنا) فصاروا جميعًا يرثون وعلى هذا يتنزل حديث ابن عباس ثم نسخ ذلك بآية الأحزاب وخص الميراث بالعصبة قاله في الفتح. (ثم قال) أي ابن عباس في قوله تعالى: (﴿والذين عاقدت أيمانكم﴾ من النصر والرفادة)

стр. 5111

بكسر الراء أي المعاونة (والنصيحة) والجار والمجرور متعلق بمحذوف أي والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم كما صرح به الطبري في روايته عن كريب عن أبي أسامة بهذا الإسناد (وقد ذهب الميراث) بين المتعاقدين (ويوصي له) بكسر الصاد أي للحليف. وهذا الحديث سبق في باب: والذين عاقدت أيمانكم في الكفالة. (سمع أبو أسامة) حماد بن أسامة (إدريس) بن يزيد الأودي (وسمع إدريس طلحة) بن مصرف وفيه التصريح بالتحديث، ولم يثبت هذا إلا في رواية أبي ذر عن المستملي والكشميهني ما في الفرع كأصله، وقال ابن حجر في رواية المستملي وحده وتبعه العيني. ٨ - باب ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يَعْنِي زِنَةَ ذَرَّةٍ هذا (باب) بالتنوين كذا لأبي ذر وله عن المستملي باب قوله بزيادة قوله مع الإضافة (﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة﴾) [النساء: ٤٠] أي لا ينقص من ثواب أعمالهم ذرة (يعني زنة ذرة) والذرة في الأصل أصغر النمل التي لا وزن لها وقيل ما يرفعه الريح من التراب وقيل كل جزء من أجزاء الهباء في الكوة ذر، ويقال زنتها ربع ورقة نخالة وورقة النخالة وزن ربع خردلة ووزن الخردلة ربع سمسمة، ويقال لا وزن لها. ٤٥٨١ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ أُنَاسًا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «نَعَمْ هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بِالظَّهِيرَةِ ضَوْءٌ لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟» قَالُوا: لَا. قَالَ: «وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ضَوْءٌ لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟» قَالُوا: لَا. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلاَّ كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، فَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ مِنَ الأَصْنَامِ وَالأَنْصَابِ إِلاَّ يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلاَّ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ بَرٌّ أَوْ فَاجِرٌ وَغُبَّرَاتُ أَهْلِ الْكِتَابِ فَيُدْعَى الْيَهُودُ فَيُقَالُ لَهُمْ: مَنْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللَّهِ، فَيُقَالُ لَهُمْ كَذَبْتُمْ، مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ فَمَاذَا تَبْغُونَ؟ فَقَالُوا: عَطِشْنَا رَبَّنَا فَاسْقِنَا فَيُشَارُ أَلَا تَرِدُونَ فَيُحْشَرُونَ إِلَى النَّارِ كَأَنَّهَا سَرَابٌ، يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ ثُمَّ يُدْعَى النَّصَارَى فَيُقَالُ لَهُمْ: مَنْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ الْمَسِيحَ ابْنَ اللَّهِ فَيُقَالُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ فَيُقَالُ لَهُمْ: مَاذَا تَبْغُونَ؟ فَكَذَلِكَ مِثْلَ الأَوَّلِ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلاَّ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ أَتَاهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي أَدْنَى صُورَةٍ مِنَ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا، فَيُقَالُ: مَاذَا تَنْتَظِرُونَ؟ تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، قَالُوا: فَارَقْنَا

стр. 5112

النَّاسَ فِي الدُّنْيَا عَلَى أَفْقَرِ مَا كُنَّا إِلَيْهِمْ، وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ وَنَحْنُ نَنْتَظِرُ رَبَّنَا الَّذِي كُنَّا نَعْبُدُ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: لَا نُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا» مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (محمد بن عبد العزيز) الرملي يعرف بابن الواسطي قال: (حدّثنا) ولأبي ذر أخبرنا (أبو عمر) بضم العين (حفص بن ميسرة) ضدّ الميمنة العقيلي بالضم الصنعاني نزيل عسقلان (عن زيد بن أسلم) العدوي المدني (عن عطاء بن يسار) بالسين المهملة المخففة الهلالي المدني مولى ميمونة (عن أبي سعيد) سعد بن مالك (الخدري رضي الله تعالى عنه أن أناسًا) بضم الهمزة ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر ناسًا بحذفها (في زمن النبي ﷺ قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال النبي ﷺ ¬): (نعم) ترونه وهذه رؤية الامتحان المميزة بين من عبد الله وبين من عبد غيره لا رؤية الكرامة التي هي ثواب أوليائه في الجنة (هل تضارّون) بضم أوله ورائه مشددة بصيغة المفاعلة أي تضرون أحدًا ولا يضركم لمنازعة ولا مجادلة ولا مضايقة (في رؤية الشمس) ثم أكده بقوله: (بالظهيرة) وهي اشتداد حر الشمس بالنهار في الصيف (ضوء) بالرفع وأعربه في الكواكب بالحر بدلًا مما قبله ولمسلم صحوًا ثم زاده تأكيدًا بقوله: ﴿ليس فيها سحاب قالوا: لا. قال: وهل تضارّون في رؤية القمر ليلة البدر) هي كالظهيرة في الشمس (ضوء) بالرفع أو بالجر كما مر (ليس فيها سحاب قالوا: لا. قال: وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ضوء ليس فيها سحاب قالوا: لا). كذا في حاشية الفرع بالتكرار مصححًا عليه وليس ذلك في اليونينية وهو تكرار لا فائدة فيه ولعله سهو فيما يظهر (قال النبي ﷺ : ما تضارون في رؤية الله يوم القيامة إلاّ كما تضارّون في رؤية أحدهما). والتشبيه الواقع هنا إنما هو في الوضوح وزوال الشك لا في المقابلة والجهة وسائر الأمور العادية عند رؤية المحدثات فالرؤية له تعالى حقيقة لكنا لا نكيفها بل نكل كنه معرفتها إلى علمه تعالى (إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن) أي نادى مناد (تتبع) بسكون المثناة الفوقية ولأبي ذر عن الحموي والكشميهني تتبع بتشديدها وله عن المستملي فتتبع بزيادة فاء مع سكون الفوقية والرفع في كلها ويجوز الجزم بتقدير اللام (كل أمة ما كانت تعبد فلا يبقى من كان يعبد غير الله من الأصنام) جمع صنم ما عبد من دون الله (والأنصاب) جمع نصب حجارة كانت تعبد من دون الله (إلا يتساقطون في النار حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله بر) هو مطيع لربه (أو فاجر) منهمك في المعاصي والفجور (وغبرات أهل الكتاب) بضم الغين المعجمة وتشديد الموحدة المفتوحة بعدها راء بالرفع والجر مع الإضافة فيهما لأبي ذر وبالجر منونًا للأصيلي أي بقايا أهل الكتاب (فيدعى اليهود فيقال لهم: من) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ما (كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير ابن الله. فيقال لهم: كذبتم) في كونه ابن الله ويلزم منه نفي عبادة ابن الله (ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد فماذا تبغون؟) أي تطلبون (فقالوا: عطشنا ربنا) بإسقاط أداة النداء (فاسقنا فيشار) أي إليهم (ألا تردون فيحشرون إلى النار كأنها سراب) بالسين المهملة هو الذي تراه

стр. 5113

نصف النهار في الأرض القفر والقنع المستوي في الحر التشديد لامعًا مثل الماء يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا (يحطم) بكسر الطاء المهملة أي يكسر (بعضها بعضًا) لشدة اتقادها وتلاطم أمواج لهبها (فيتساقطون في النار، ثم يدعى النصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله. فيقال لهم: كذبتم. ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد. فيقال لهم: ماذا تبغون؟ فكذلك مثل الأوّل) أي فقالوا عطشنا ربنا الخ (حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر أو فاجر أتاهم رب العالمين) أي ظهر لهم وأشهدهم رؤيته من غير تكييف ولا حركة ولا انتقال (في أدنى صورة) أي أقرب صفة (من التي رأوه) أي عرفره (فيها) بأنه لا يشبه شيئًا من المحدثات زاد في نسخة أوّل مرة (فيقال): ولأبي ذر فقال: (ماذا تنتظرون تتبع كل أمة ما كانت تعبد. قالوا: فارقنا الناس) الذين زاغوا في الدنيا عن الطاعة (في الدنيا على أفقر) أي أحوج (ما كنا إليهم) في معايشنا ومصالح دنيانا (ولم نصاحبهم) بل قاطعناهم (ونحن ننتظر ربنا الذي كنا نعبد) في الدنيا (فيقول: أنا ربكم فيقولون) زاد مسلم في روايته نعوذ بالله منك (لا نشرك بالله شيئًا مرتين أو ثلاثًا) وإنما قالوا ذلك لأنه تجلى لهم بصفة لم يعرفوها. وقال الخطابي: قيل إنما حجبهم عن تحقيق الرؤية في هذه الكرة من أجل من معهم من المنافقين الذين لا يستحقون الرؤية وهم عن ربهم محجوبون فإذا تميزوا عنهم رفعت الحجب فيقولون عندما يرونه: أنت ربنا. وبقية مباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في محلها. ٩ - باب ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ الْمُخْتَالُ: وَالْخَتَّالُ وَاحِدٌ. نَطْمِسَ وُجُوهًا: نُسَوِّيَهَا حَتَّى تَعُودَ كَأَقْفَائِهِمْ. طَمَسَ الْكِتَابَ: مَحَاهُ. سَعِيرًا: وُقُودًا. هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد﴾) استفهام توبيخ أي فكيف حال هؤلاء الكفار أو صنيعهم إذا جئنا من كل أمة بنبيهم يشهد على كفرهم كقوله تعالى: ﴿وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم﴾ [المائدة: ١١٧] فكيف في موضع رفع خبر مبتدأ محذوف والعامل في إذًا هو هذا المقدّر أو في محل نصب بفعل محذوف أي فكيف يكونون أو يصنعون، ويجري فيها الوجهان النصب على التشبيه بالحال كما هو مذهب سيبويه أو على التشبيه بالظرفية كما هو مذهب الأخفش وهو العامل في إذا أيضًا ومن كل أمة متعلق بجئنا والمعنى أنه يؤتى بنبي كل أمة يشهد عليها ولها (﴿وجئنا بك﴾) يا محمد (﴿على هؤلاء شهيدًا﴾) [النساء: ٤١] أي تشهد على صدق هؤلاء الشهداء لحصول علمك بعقائدهم لدلالة كتابك وشرعك على قواعدهم. وقال أبو حيان: الأظهر أنّ هذه الجملة في موضع جر عطفًا على جئنا الأوّل أي فكيف يصنعون في وقت المجيئين.

стр. 5114

(المختال والختال) بفتح الخاء المعجمة والمثناة الفوقية المشددة معناهما (واحد) كذا في رواية الأكثر ولا ينتظم هذا مع المختال لأن المختال هو صاحب الخيلاء والكبر فهو مفتعل من الخيلاء وأما ختال فهو فعال من الختل وهو الخديعة، فلا يمكن أن يكون بمعنى المختال المراد به المتكبر، وللأصيلي والخال بدون الفوقية بدل المختال وصوّبه غير واحد لأنه يطلق على معان فيكون بمعنى الخائل وهو المتكبر. وقال اليونيني: وعند أبي ذر والختال بالخاء والتاء ثالث الحروف في الأصل الذي قابلت به، وأنكر ذلك شيخنا الإمام أبو عبد الله بن مالك قال: والصواب والخال بغير تاء اهـ. ومراده قوله تعالى: ﴿إن الله لا يحب من كان مختالًا فخورًا﴾ [النساء: ٣٦]. (﴿نطمس وجوهًا﴾) [النساء: ٤٧] أي (نسوّيها حتى تعود كأقفائهم) حقيقة أو هو تمثيل وليس المراد حقيقته حسًّا، وأسند الطبري عن قتادة المراد أن تعود الأوجه في الأقفية يقال (طمس الكتاب) إذا (محاه) ومراده قوله تعالى: ﴿من قبل أن نطمس وجوهًا﴾ فنطمس هنا نصب على الحكاية كما لا يخفى. وقوله تعالى: ﴿وكفى بجهنم﴾ (﴿سعيرًا﴾) [النساء: ٥٥] أي (وقودًا) ولأبي ذر جهنم سعيرًا وقودًا ولا محل لسياق هذه الآيات هنا فيحتمل أن يكون من النساخ. ٤٥٨٢ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ أَخْبَرَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ يَحْيَى: بَعْضُ الْحَدِيثِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : «اقْرَأْ عَلَيَّ» قُلْتُ آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ قَالَ: «فَإِنِّى أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي» فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى بَلَغْتُ ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ قَالَ: «أَمْسِكْ» فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ. [الحديث ٤٥٨٢ - أطرافه في: ٥٠٤٩ - ٥٠٥٠ - ٥٠٥٥ - ٥٠٥٦]. وبه قال: (حدّثنا صدقة) بن الفضل المروزي قال: (أخبرنا) ولأبي ذر أخبرني بالإفراد (يحيى) بن سعيد القطان (عن سفيان) الثوري (عن سليمان) بن مهران الأعمش (عن إبراهيم) النخعي (عن عبيدة) بفتح العين وكسر الموحدة ابن عمرو السلماني (عن عبد الله) هو ابن مسعود (قال يحيى) بن سعيد القطان بالإسناد السابق (بعض الحديث عن عمرو بن مرة) بفتح العين ومرة بضم الميم وتشديد الراء الجملي بفتح الجيم والميم أبي عبد الله الكوفي الأعمى أي من رواية الأعمش عن عمرو بن مرة عن إبراهيم كما صرح بذلك في باب البكاء عند قراءة القرآن حيث أخرجه عن مسدد عن يحيى القطان بالإسناد المذكور، وقال بعده قال الأعمش: وبعض الحديث حدّثني عمرو بن مرة عن إبراهيم، والحاصل أن الأعمش سمع الحديث من إبراهيم النخعي وسمع بعضه من عمرو بن مرة عن إبراهيم يعني عن عبيدة عن ابن مسعود أنه (قال: قال لي النبي ﷺ ¬):

стр. 5115

(اقرأ عليّ) زاد في باب: من أحب أن يسمع القرآن من غيره من طريق عمر بن حفص عن أبيه عن الأعمش القرآن وهو يصدق بالبعض (قلت: آقرأ) بمدّ الهمزة (عليك وعليك أنزل؟ قال): (فإني أحب أن أسمعه من غيري). قال ابن بطال: يحتمل أن يكون أحب أن يسمعه من غيره ليكون عرض القرآن سنة أو ليتدبره ويتفهمه، وذلك أن المستمع أقوى على التدبر ونفسه أخلى وأنشط لذلك من القارئ لاشتغاله بالقراءة وأحكامها وهذا بخلاف قراءته ﷺ على أبي بن كعب فإنه أراد أن يعلمه كيف أداء القراءة ومخارج الحروف. (فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا﴾ قال) ﵊: (أمسك) وفي باب: البكاء عند قراءة القرآن قال لي: كف أو أمسك على الشك (فإذا عيناه تذوفان) بالذال المعجمة وكسر الراء خبر المبتدأ وهو عيناه وإذا للمفاجأة أي تطلقان دمعهما وبكاؤه ﵊ على المفرطين أو لعظم ما تضمنته الآية من هول المطلع وشدة الأمر أو هو بكاء فرح لا بكاء جزع لأنه تعالى جعل أمته شهداء على سائر الأمم كما قال الشاعر: طفح السرور عليّ حتى أنه … من عظم ما قد سرّني أبكاني وهذا الأخير نقله صاحب فتوح الغيب عن الزمخشري. وفي هذا الحديث ثلاثة من التابعين على نسق واحد، وأخرجه أيضًا في فضائل القرآن وكذلك النسائي. ١٠ - باب قَوْلِهِ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ صَعِيدًا: وَجْهَ الأَرْضِ. وَقَالَ جَابِرٌ كَانَتِ الطَّوَاغِيتُ الَّتِي يَتَحَاكَمُونَ إِلَيْهَا فِي جُهَيْنَةَ وَاحِدٌ وَفِي أَسْلَمَ وَاحِدٌ وَفِي كُلِّ حَيٍّ وَاحِدٌ كُهَّانٌ، يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ. وَقَالَ عُمَرُ: الْجِبْتُ: السِّحْرُ. وَالطَّاغُوتُ: الشَّيْطَانُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْجِبْتُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ شَيْطَانٌ. وَالطَّاغُوتُ: الْكَاهِنُ. (باب قوله) تعالى، وسقط الباب وتاليه لغير أبي ذر (﴿وإن كنتم مرضى﴾) مرضًا يخاف معه من استعمال الماء أو مرضًا يمنع من الوصول إليه والمرض انحراف مزاج تصدر معه الأفعال غير مستقيمة، والمراد هنا كل ما يخاف منه محذور ولو شيئًا فاحشًا في عضو ظاهر. وعن مجاهد فيما رواه ابن أبي حاتم أن قوله: ﴿وإن كنتم مرضى﴾ نزلت في رجل من الأنصار كان مريضًا فلم يستطع أن يقوم فيتوضأ ولم يكن له خادم يناوله فأتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له فأنزل الله تعالى هذه الآية وهذا مرسل. (﴿أو على سفر﴾) طويل أو قصير لا تجدون فيه الماء والسفر هو الخروج
следующие страницы →