Полный текст (8 298 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.
стр. 5111
بكسر الراء أي المعاونة (والنصيحة) والجار والمجرور متعلق بمحذوف أي والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم كما صرح به الطبري في روايته عن كريب عن أبي أسامة بهذا الإسناد (وقد ذهب الميراث) بين المتعاقدين (ويوصي له) بكسر الصاد أي للحليف.
وهذا الحديث سبق في باب: والذين عاقدت أيمانكم في الكفالة.
(سمع أبو أسامة) حماد بن أسامة (إدريس) بن يزيد الأودي (وسمع إدريس طلحة) بن مصرف وفيه التصريح بالتحديث، ولم يثبت هذا إلا في رواية أبي ذر عن المستملي والكشميهني ما في الفرع كأصله، وقال ابن حجر في رواية المستملي وحده وتبعه العيني.
٨ - باب ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يَعْنِي زِنَةَ ذَرَّةٍ
هذا (باب) بالتنوين كذا لأبي ذر وله عن المستملي باب قوله بزيادة قوله مع الإضافة (﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة﴾) [النساء: ٤٠] أي لا ينقص من ثواب أعمالهم ذرة (يعني زنة ذرة) والذرة في الأصل أصغر النمل التي لا وزن لها وقيل ما يرفعه الريح من التراب وقيل كل جزء من أجزاء الهباء في الكوة ذر، ويقال زنتها ربع ورقة نخالة وورقة النخالة وزن ربع خردلة ووزن الخردلة ربع سمسمة، ويقال لا وزن لها.
٤٥٨١ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ أُنَاسًا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «نَعَمْ هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بِالظَّهِيرَةِ ضَوْءٌ لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟» قَالُوا: لَا. قَالَ: «وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ضَوْءٌ لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟» قَالُوا: لَا. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلاَّ كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، فَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ مِنَ الأَصْنَامِ وَالأَنْصَابِ إِلاَّ يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلاَّ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ بَرٌّ أَوْ فَاجِرٌ وَغُبَّرَاتُ أَهْلِ الْكِتَابِ فَيُدْعَى الْيَهُودُ فَيُقَالُ لَهُمْ: مَنْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللَّهِ، فَيُقَالُ لَهُمْ كَذَبْتُمْ، مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ فَمَاذَا تَبْغُونَ؟ فَقَالُوا: عَطِشْنَا رَبَّنَا فَاسْقِنَا فَيُشَارُ أَلَا تَرِدُونَ فَيُحْشَرُونَ إِلَى النَّارِ كَأَنَّهَا سَرَابٌ، يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ ثُمَّ يُدْعَى النَّصَارَى فَيُقَالُ لَهُمْ: مَنْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ الْمَسِيحَ ابْنَ اللَّهِ فَيُقَالُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ فَيُقَالُ لَهُمْ: مَاذَا تَبْغُونَ؟ فَكَذَلِكَ مِثْلَ الأَوَّلِ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلاَّ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ أَتَاهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي أَدْنَى صُورَةٍ مِنَ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا، فَيُقَالُ: مَاذَا تَنْتَظِرُونَ؟ تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، قَالُوا: فَارَقْنَا
стр. 5112
النَّاسَ فِي الدُّنْيَا عَلَى أَفْقَرِ مَا كُنَّا إِلَيْهِمْ، وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ وَنَحْنُ نَنْتَظِرُ رَبَّنَا الَّذِي كُنَّا نَعْبُدُ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: لَا نُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا» مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (محمد بن عبد العزيز) الرملي يعرف بابن الواسطي قال: (حدّثنا) ولأبي ذر أخبرنا (أبو عمر) بضم العين (حفص بن ميسرة) ضدّ الميمنة العقيلي بالضم الصنعاني نزيل عسقلان (عن زيد بن أسلم) العدوي المدني (عن عطاء بن يسار) بالسين المهملة المخففة الهلالي المدني مولى ميمونة (عن أبي سعيد) سعد بن مالك (الخدري رضي الله تعالى عنه أن أناسًا) بضم الهمزة ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر ناسًا بحذفها (في زمن النبي ﷺ قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال النبي ﷺ ¬):
(نعم) ترونه وهذه رؤية الامتحان المميزة بين من عبد الله وبين من عبد غيره لا رؤية الكرامة التي هي ثواب أوليائه في الجنة (هل تضارّون) بضم أوله ورائه مشددة بصيغة المفاعلة أي تضرون أحدًا ولا يضركم لمنازعة ولا مجادلة ولا مضايقة (في رؤية الشمس) ثم أكده بقوله: (بالظهيرة) وهي اشتداد حر الشمس بالنهار في الصيف (ضوء) بالرفع وأعربه في الكواكب بالحر بدلًا مما قبله ولمسلم صحوًا ثم زاده تأكيدًا بقوله: ﴿ليس فيها سحاب قالوا: لا. قال: وهل تضارّون في رؤية القمر ليلة البدر) هي كالظهيرة في الشمس (ضوء) بالرفع أو بالجر كما مر (ليس فيها سحاب قالوا: لا. قال: وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ضوء ليس فيها سحاب قالوا: لا). كذا في حاشية الفرع بالتكرار مصححًا عليه وليس ذلك في اليونينية وهو تكرار لا فائدة فيه ولعله سهو فيما يظهر (قال النبي ﷺ : ما تضارون في رؤية الله يوم القيامة إلاّ كما تضارّون في رؤية أحدهما). والتشبيه الواقع هنا إنما هو في الوضوح وزوال الشك لا في المقابلة والجهة وسائر الأمور العادية عند رؤية المحدثات فالرؤية له تعالى حقيقة لكنا لا نكيفها بل نكل كنه معرفتها إلى علمه تعالى (إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن) أي نادى مناد (تتبع) بسكون المثناة الفوقية ولأبي ذر عن الحموي والكشميهني تتبع بتشديدها وله عن المستملي فتتبع بزيادة فاء مع سكون الفوقية والرفع في كلها ويجوز الجزم بتقدير اللام (كل أمة ما كانت تعبد فلا يبقى من كان يعبد غير الله من الأصنام) جمع صنم ما عبد من دون الله (والأنصاب) جمع نصب حجارة كانت تعبد من دون الله (إلا يتساقطون في النار حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله بر) هو مطيع لربه (أو فاجر) منهمك في المعاصي والفجور (وغبرات أهل الكتاب) بضم الغين المعجمة وتشديد الموحدة المفتوحة بعدها راء بالرفع والجر مع الإضافة فيهما لأبي ذر وبالجر منونًا للأصيلي أي بقايا أهل الكتاب (فيدعى اليهود فيقال لهم: من) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ما (كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير ابن الله. فيقال لهم: كذبتم) في كونه ابن الله ويلزم منه نفي عبادة ابن الله (ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد فماذا تبغون؟) أي تطلبون (فقالوا: عطشنا ربنا) بإسقاط أداة النداء (فاسقنا فيشار) أي إليهم (ألا تردون فيحشرون إلى النار كأنها سراب) بالسين المهملة هو الذي تراه
стр. 5113
نصف النهار في الأرض القفر والقنع المستوي في الحر التشديد لامعًا مثل الماء يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا (يحطم) بكسر الطاء المهملة أي يكسر (بعضها بعضًا) لشدة اتقادها وتلاطم أمواج لهبها (فيتساقطون في النار، ثم يدعى النصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله. فيقال لهم: كذبتم. ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد. فيقال لهم: ماذا تبغون؟ فكذلك مثل الأوّل) أي فقالوا عطشنا ربنا الخ (حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر أو فاجر أتاهم رب العالمين) أي ظهر لهم وأشهدهم رؤيته من غير تكييف ولا حركة ولا انتقال (في أدنى صورة) أي أقرب صفة (من التي رأوه) أي عرفره (فيها) بأنه لا يشبه شيئًا من المحدثات زاد في نسخة أوّل مرة (فيقال): ولأبي ذر فقال: (ماذا تنتظرون تتبع كل أمة ما كانت تعبد. قالوا: فارقنا الناس) الذين زاغوا في الدنيا عن الطاعة (في الدنيا على أفقر) أي أحوج (ما كنا إليهم) في معايشنا ومصالح دنيانا (ولم نصاحبهم) بل قاطعناهم (ونحن ننتظر ربنا الذي كنا نعبد) في الدنيا (فيقول: أنا ربكم فيقولون) زاد مسلم في روايته نعوذ بالله منك (لا نشرك بالله شيئًا مرتين أو ثلاثًا) وإنما قالوا ذلك لأنه تجلى لهم بصفة لم يعرفوها. وقال الخطابي: قيل إنما حجبهم عن تحقيق الرؤية في هذه الكرة من أجل من معهم من المنافقين الذين لا يستحقون الرؤية وهم عن ربهم محجوبون فإذا تميزوا عنهم رفعت الحجب فيقولون عندما يرونه: أنت ربنا.
وبقية مباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في محلها.
٩ - باب ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ الْمُخْتَالُ: وَالْخَتَّالُ وَاحِدٌ.
نَطْمِسَ وُجُوهًا: نُسَوِّيَهَا حَتَّى تَعُودَ كَأَقْفَائِهِمْ. طَمَسَ الْكِتَابَ: مَحَاهُ. سَعِيرًا: وُقُودًا.
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد﴾) استفهام توبيخ أي فكيف حال هؤلاء الكفار أو صنيعهم إذا جئنا من كل أمة بنبيهم يشهد على كفرهم كقوله تعالى: ﴿وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم﴾ [المائدة: ١١٧] فكيف في موضع رفع خبر مبتدأ محذوف والعامل في إذًا هو هذا المقدّر أو في محل نصب بفعل محذوف أي فكيف يكونون أو يصنعون، ويجري فيها الوجهان النصب على التشبيه بالحال كما هو مذهب سيبويه أو على التشبيه بالظرفية كما هو مذهب الأخفش وهو العامل في إذا أيضًا ومن كل أمة متعلق بجئنا والمعنى أنه يؤتى بنبي كل أمة يشهد عليها ولها (﴿وجئنا بك﴾) يا محمد (﴿على هؤلاء شهيدًا﴾) [النساء: ٤١] أي تشهد على صدق هؤلاء الشهداء لحصول علمك بعقائدهم لدلالة كتابك وشرعك على قواعدهم. وقال أبو حيان: الأظهر أنّ هذه الجملة في موضع جر عطفًا على جئنا الأوّل أي فكيف يصنعون في وقت المجيئين.
стр. 5114
(المختال والختال) بفتح الخاء المعجمة والمثناة الفوقية المشددة معناهما (واحد) كذا في رواية الأكثر ولا ينتظم هذا مع المختال لأن المختال هو صاحب الخيلاء والكبر فهو مفتعل من الخيلاء وأما ختال فهو فعال من الختل وهو الخديعة، فلا يمكن أن يكون بمعنى المختال المراد به المتكبر، وللأصيلي والخال بدون الفوقية بدل المختال وصوّبه غير واحد لأنه يطلق على معان فيكون بمعنى الخائل وهو المتكبر. وقال اليونيني: وعند أبي ذر والختال بالخاء والتاء ثالث الحروف في الأصل الذي قابلت به، وأنكر ذلك شيخنا الإمام أبو عبد الله بن مالك قال: والصواب والخال بغير تاء اهـ.
ومراده قوله تعالى: ﴿إن الله لا يحب من كان مختالًا فخورًا﴾ [النساء: ٣٦].
(﴿نطمس وجوهًا﴾) [النساء: ٤٧] أي (نسوّيها حتى تعود كأقفائهم) حقيقة أو هو تمثيل وليس المراد حقيقته حسًّا، وأسند الطبري عن قتادة المراد أن تعود الأوجه في الأقفية يقال (طمس الكتاب) إذا (محاه) ومراده قوله تعالى: ﴿من قبل أن نطمس وجوهًا﴾ فنطمس هنا نصب على الحكاية كما لا يخفى.
وقوله تعالى: ﴿وكفى بجهنم﴾ (﴿سعيرًا﴾) [النساء: ٥٥] أي (وقودًا) ولأبي ذر جهنم سعيرًا وقودًا ولا محل لسياق هذه الآيات هنا فيحتمل أن يكون من النساخ.
٤٥٨٢ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ أَخْبَرَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ يَحْيَى: بَعْضُ الْحَدِيثِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : «اقْرَأْ عَلَيَّ» قُلْتُ آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ قَالَ: «فَإِنِّى أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي» فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى بَلَغْتُ ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ قَالَ: «أَمْسِكْ» فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ.
[الحديث ٤٥٨٢ - أطرافه في: ٥٠٤٩ - ٥٠٥٠ - ٥٠٥٥ - ٥٠٥٦].
وبه قال: (حدّثنا صدقة) بن الفضل المروزي قال: (أخبرنا) ولأبي ذر أخبرني بالإفراد (يحيى) بن سعيد القطان (عن سفيان) الثوري (عن سليمان) بن مهران الأعمش (عن إبراهيم) النخعي (عن عبيدة) بفتح العين وكسر الموحدة ابن عمرو السلماني (عن عبد الله) هو ابن مسعود (قال يحيى) بن سعيد القطان بالإسناد السابق (بعض الحديث عن عمرو بن مرة) بفتح العين ومرة بضم الميم وتشديد الراء الجملي بفتح الجيم والميم أبي عبد الله الكوفي الأعمى أي من رواية الأعمش عن عمرو بن مرة عن إبراهيم كما صرح بذلك في باب البكاء عند قراءة القرآن حيث أخرجه عن مسدد عن يحيى القطان بالإسناد المذكور، وقال بعده قال الأعمش: وبعض الحديث حدّثني عمرو بن مرة عن إبراهيم، والحاصل أن الأعمش سمع الحديث من إبراهيم النخعي وسمع بعضه من عمرو بن مرة عن إبراهيم يعني عن عبيدة عن ابن مسعود أنه (قال: قال لي النبي ﷺ ¬):
стр. 5115
(اقرأ عليّ) زاد في باب: من أحب أن يسمع القرآن من غيره من طريق عمر بن حفص عن أبيه عن الأعمش القرآن وهو يصدق بالبعض (قلت: آقرأ) بمدّ الهمزة (عليك وعليك أنزل؟ قال): (فإني أحب أن أسمعه من غيري).
قال ابن بطال: يحتمل أن يكون أحب أن يسمعه من غيره ليكون عرض القرآن سنة أو ليتدبره ويتفهمه، وذلك أن المستمع أقوى على التدبر ونفسه أخلى وأنشط لذلك من القارئ لاشتغاله بالقراءة وأحكامها وهذا بخلاف قراءته ﷺ على أبي بن كعب فإنه أراد أن يعلمه كيف أداء القراءة ومخارج الحروف.
(فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا﴾ قال) ﵊: (أمسك) وفي باب: البكاء عند قراءة القرآن قال لي: كف أو أمسك على الشك (فإذا عيناه تذوفان) بالذال المعجمة وكسر الراء خبر المبتدأ وهو عيناه وإذا للمفاجأة أي تطلقان دمعهما وبكاؤه ﵊ على المفرطين أو لعظم ما تضمنته الآية من هول المطلع وشدة الأمر أو هو بكاء فرح لا بكاء جزع لأنه تعالى جعل أمته شهداء على سائر الأمم كما قال الشاعر:
طفح السرور عليّ حتى أنه … من عظم ما قد سرّني أبكاني
وهذا الأخير نقله صاحب فتوح الغيب عن الزمخشري.
وفي هذا الحديث ثلاثة من التابعين على نسق واحد، وأخرجه أيضًا في فضائل القرآن وكذلك النسائي.
١٠ - باب قَوْلِهِ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ صَعِيدًا: وَجْهَ الأَرْضِ. وَقَالَ جَابِرٌ كَانَتِ الطَّوَاغِيتُ الَّتِي يَتَحَاكَمُونَ إِلَيْهَا فِي جُهَيْنَةَ وَاحِدٌ وَفِي أَسْلَمَ وَاحِدٌ وَفِي كُلِّ حَيٍّ وَاحِدٌ كُهَّانٌ، يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ. وَقَالَ عُمَرُ: الْجِبْتُ: السِّحْرُ. وَالطَّاغُوتُ: الشَّيْطَانُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْجِبْتُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ شَيْطَانٌ. وَالطَّاغُوتُ: الْكَاهِنُ.
(باب قوله) تعالى، وسقط الباب وتاليه لغير أبي ذر (﴿وإن كنتم مرضى﴾) مرضًا يخاف معه من استعمال الماء أو مرضًا يمنع من الوصول إليه والمرض انحراف مزاج تصدر معه الأفعال غير مستقيمة، والمراد هنا كل ما يخاف منه محذور ولو شيئًا فاحشًا في عضو ظاهر. وعن مجاهد فيما رواه ابن أبي حاتم أن قوله: ﴿وإن كنتم مرضى﴾ نزلت في رجل من الأنصار كان مريضًا فلم يستطع أن يقوم فيتوضأ ولم يكن له خادم يناوله فأتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له فأنزل الله تعالى هذه الآية وهذا مرسل. (﴿أو على سفر﴾) طويل أو قصير لا تجدون فيه الماء والسفر هو الخروج
стр. 5116
عن الوطن، وينبغي أن يكون مباحًا (﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾) [النساء: ٤٣] فأحدث بخروج الخارج من أحد السبيلين وأصل الغائط المطمئن من الأرض وكانت عادة العرب إتيانه للحدث ليسترهم عن أعين الناس فكنوا به عن الخارج تسمية للشيء باسم مكانه.
(صعيدًا) يريد تفسير قوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ قال: (وجه الأرض) بالنصب ولأبي ذر وجه الأرض بالرفع بتقدير هو والمراد بوجه الأرض ظاهرها سواء كان عليها تراب أم لا. ولذا قالت الحنفية لو ضرب المتيمم يده على حجر صلد ومسح أجزاءه.
وقالت الشافعية لا بدّ أن يعلق باليد شيء من التراب لقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ [المائدة: ٦] أي من بعضه وجعل من لابتداء الغاية تعسف إذ لا يفهم من نحو ذلك إلا التبعيض والمسح ببعض الخشب والحجر غير مقصود هذا وأنه وصف بالطيب والأرض الطيبة هي المنبتة وغير الطيبة لا تنبت وغير التراب لا ينبت، والذي لا ينبت لا يكون طيبًا فهو أمر بالتراب فقط. وقال الشافعي وهو القدوة في اللغة وقوله فيها الحجة لا يقع اسم الصعيد إلا على تراب ذي غبار، فأما البطحاء الغليظة والرقيقة فلا يقع عليها اسم الصعيد فإن خالطه تراب أو مدر يكون له غبار كان الذي خالطه هو الصعيد، وقد وافق الشافعي الفراء وأبو عبيد وفي حديث حذيفة عند الدارقطني في سننه وأبي عوانة في صحيحه مرفوعًا "جعلت لي الأرض مسجدًا وترابها لنا طهورًا". وعند مسلم تربتها وهذا مفسر للآية والمفسر يقضي على المجمل.
(وقال جابر) هو ابن عبد الله الأنصاري فيما وصله ابن أبي حاتم في قوله تعالى: ﴿يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت﴾ [النساء: ٦٠] (كانت الطواغيت) بالمثناة جمع طاغوت (التي يتحاكمون إليها) في الجاهلية (في) قبيلة (جهينة) طاغوت (واحد وفي) قبيلة (أسلم) طاغوت (واحد وفي كل حي) من أحياء العرب (واحد) وهي (كهان) بضم الكاف وتشديد الهاء جمع كاهن (ينزل عليهم الشيطان) بالإخبار عن الكائنات في المستقبل (وقال عمر) بن الخطاب مما هو موصول عند عبد بن حميد في قوله تعالى: ﴿يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾ [النساء: ٥١] (الجبت) هو (السحر والطاغوت) هو (الشيطان وقال عكرمة) مولى ابن عباس فيما وصله عد بن حميد أيضًا (الجبت بلسان الحبشة) هو (شيطان والطاغوت) هو (الكاهن) وفيه جواز وقوع المعرّب في القرآن وحمله الشافعي على توارد اللغتين.
٤٥٨٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: هَلَكَتْ قِلَادَةٌ لأَسْمَاءَ فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ فِي طَلَبِهَا رِجَالًا فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، وَلَيْسُوا عَلَى وُضُوءٍ وَلَمْ يَجِدُوا مَاءً فَصَلَّوْا وَهُمْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ يَعْنِي آيَةَ التَّيَمُّمِ ﴿أُولِى الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] ذَوِي الأَمْرِ.
стр. 5117
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (محمد) هو ابن سلام البيكندي كما في رواية أبي ذر في الجهاد وبه جزم الكلاباذي وابن عساكر وغيرهما قال: (أخبرنا عبدة) بفتح العين وسكون الموحدة ابن سليمان الكوفي يقال اسمه عبد الرحمن (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة ﵂¬) أنها (قالت: هلكت) أي ضاعت (قلادة) بكسر القاف كان ثمنها اثني عشر درهمًا (لأسماء) بنت أبي بكر كانت عائشة استعارتها منها وقولها في كتاب التيمم انقطع عقد لي فإضافتها لها إنما ذلك باعتبار حيازتها لذلك واستيلائها لمنفعته (فبعث النبي ﷺ في طلبها رجالًا) هم أسيد بن حضير ومن تبعه (فحضرت الصلاة وليسوا على وضوء ولم يجدوا ماء فصلوا وهم على غير وضوء فأنزل الله تعالى يعني آية التيمم) وسقط لأبي ذر قوله يعني آية، وحينئذٍ على المفعولية.
وهذا الحديث سبق تامًّا في كتاب التيمم.
(أولي الأمر) ولغير أبي ذر باب قوله تعالى: (﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر﴾ ﴿منكم﴾) [النساء: ٥٩] أي (ذوي الأمر) وهم الخلفاء الراشدون ومن سلك طريقهم في رعاية العدل ويدرج فيهم القضاة وأمراء السرية أمر الله تعالى الناس بطاعتهم بعد ما أمرهم بالعدل تنبيهًا على أن وجوب طاعتهم ما داموا على الحق وقيل علماء الشرع لقوله تعالى: ﴿ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذي يستنبطونه منهم﴾ [النساء: ٨٣].
٤٥٨٤ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِى الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ إِذْ بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي سَرِيَّةٍ.
وبه قال: (حدّثنا صدقة بن الفضل) المروزي ولابن السكن فيما ذكره في الفتح حدّثنا سنيد بضم المهملة وفتح النون وبعد التحتية الساكنة دال مهملة بدل صدقة واسم والد سنيد داود المصيصي ضعف أبو حاتم سنيدًا قال: (أخبرنا حجاج بن محمد) المصيصي الأعور (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (عن يعلى بن مسلم) بفتح التحتية وسكون العين وفتح اللام ومسلم بضم الميم وسكون السين المهملة ابن هرمز (عن سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي (عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما) في قوله تعالى: (﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ قال: نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي) القرشي السهمي من قدماء المهاجرين توفي بمصر في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنهما (إذ بعثه النبي ﷺ في سرية) وكانت فيه دعابة أي لعب فنزلوا ببعض الطريق وأوقدوا نارًا يصطلون عليها فقال: عزمت عليكم إلا تواثبتم في هذه النار فلما همَّ بعضهم بذلك قال: أجلسوا إنما كنت أمزح فذكروا ذلك للنبي فقال: "من أمركم بمعصية فلا تطيعوه" رواه ابن سعد.
стр. 5118
وبوّب عليه البخاري فقال: سرية عبد الله بن حذافة السهمي وعلقمة بن مجزز المدلجي ويقال إنها سرية الأنصاري ثم روي عن عليّ قال: بعث النبي ﷺ سرية واستعمل رجلًا من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه فغضب فقال: أليس قد أمركم النبي ﷺ أن تطيعوني؟ قالوا: بلى قال: فاجمعوا لي حطبًا فجمعوا فقال: أوقدوا نارًا فأوقدوها، فقال ادخلوا فهمّوا، وجعل بعضهم يمسك بعضًا ويقولون: فررنا إلى النبي ﷺ من النار فما زالوا حتى خمدت النار فسكن غضبه، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة الطاعة في المعروف واختلاف السياقين يدل على التعدد، لا سيما وعبد الله بن حذافة مهاجري قرشي والذي في حديث عليّ أنصاري، وقد اعترض الداودي على القول بأن الآية نزلت في عبد الله بن حذافة بأنه وهم من غير ابن عباس لأن الآية إن كانت نزلت قبل هذه القصة فكيف يخص عبد الله بن حذافة بالطاعة دون غيره، وإن كانت بعد فإنما قيل لهم إنما الطاعة في المعروف وما قيل لهم لم لم تطيعوه؟.
وأجاب في الفتح بأن المراد من قصة ابن حذافة قوله تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ [النساء: ٥٩] لأن أهل السرية تنازعوا في امتثال ما أمرهم به فالذين هموا أن يطيعوه وقفوا عند امتثال الأمر بالطاعة والذين امتنعوا عارض عندهم الفرار من النار، فناسب أن ينزل في ذلك ما يرشدهم إلى ما يفعلونه عند التنازع وهو الرد إلى الله إلى رسوله.
١١ - باب ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿فلا وربك﴾) أي فوربك ولا مزيدة لتأكيد القسم لا لتظاهر لا في قوله: (﴿لا يؤمنون﴾) لأنها تزاد أيضًا في الإثبات كقوله تعالى: ﴿لا أقسم بهذا البلد﴾ [البلد: ١] قاله في الأنوار كالكشاف وعبارته بعد ذكره نحو ما سبق.
فإن قلت: هلا زعمت أنها زيدت لتظاهر لا في لا يؤمنون قلت: يأبى ذلك استواء النفي والإثبات فيه وذلك قوله تعالى: ﴿فلا أقسم بما تبصرون قومًا لا تبصرون إنه لقول رسول كريم﴾ [الحاقة: ٣٨ - ٤٠] انتهى.
قال في الانتصاف: أراد الزمخشري أنها لما زيدت حيث لا يكون القسم نفيًا دلت على أنها إنما تزاد لتأكيد القسم فجعلت كذلك في النفي والظاهر عندي أنها هنا لتوطئة القسم وهو لم يذكر مانعًا منه إنما ذكر محملًا لغير هذا وذلك لا يأبى مجيئها في النفي على الوجه الآخر من التوطئة على أن دخولها على المثبت فيه نظر فلم تأت في الكتاب العزيز إلا مع القسم بالفعل ﴿لا أقسم بهذا البلد﴾ [البلد: ١] ﴿لا أقسم بيوم القيامة﴾ [القيامة: ١] ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿فلا أقسم بما تبصرون﴾ [الحاقة: ٣٨] ولم يأت إلا في القسم بغير الله وله سرّ يأبى أن يكون هاهنا لتأكيد القسم، وذلك أن المراد بها تعظيم المقسم به في الآيات المذكورة فكأنه بدخولها يقول إعظامي لهذه الأشياء المقسم بها كلا إعظام إذ هي تستوجب فوق ذلك وإنما يذكر هذا لتوهم وقوع عدم تعظيمها فيؤكد بذلك وبفعل القسم
стр. 5119
ظاهرًا، وفي القسم بالله الوهم زائل فلا يحتاج إلى تأكيد فتعين حملها على التوطئة ولا تكاد تجدها في غير الكتاب العزيز داخلة على قسم مثبت أما في النفي فكثير اهـ.
وقيل: إن لا الثانية زائدة والقسم معترض بين حرف النفي والمنفي، وكان التقدير فلا يؤمنون وربك (﴿حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾) [النساء: ٦٥] أي فيما اختلف بينهم واختلط وحتى غاية متعلقة بقوله لا يؤمنون أي ينتفي عنهم الإيمان إلى هذه الغاية وهي تحكيمك وعدم وجدانهم الحرج وتسليمهم لأمرك.
٤٥٨٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: خَاصَمَ الزُّبَيْرُ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ فِي شَرِيجٍ مِنَ الْحَرَّةِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ» فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ فَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ ثُمَّ قَالَ: «اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ، ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ» وَاسْتَوْعَى النَّبِيُّ ﷺ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الْحُكْمِ حِينَ أَحْفَظَهُ الأَنْصَارِيُّ كَانَ أَشَارَ عَلَيْهِمَا بِأَمْرٍ لَهُمَا فِيهِ سَعَةٌ قَالَ الزُّبَيْرُ: فَمَا أَحْسِبُ هَذِهِ الآيَاتِ إِلاَّ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا محمد بن جعفر) هو غندر قال: (أخبرنا معمر) بميمين مفتوحتين بينهما عين مهملة ساكنة ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن عروة) بن الزبير أنه (قال: خاصم الزبير) بن العوّام (رجلًا من الأنصار) هو ثابت بن قيس بن شماس وقيل حميد وقيل حاطب بن أبي بلتعة (في شريج) بفتح الشين المعجمة وكسر الراء آخره جيم مسيل الماء يكون فى الجبل وينزل إلى السهل (من الحرة) بفتح الحاء وتشديد الراء المهملتين خارج المدينة زاد في باب سكر الأنهار من الشرب، فقال الأنصاري سرّح الماء فأبى عليه فاختصما عند النبي ﷺ (فقال النبي ﷺ : اسق يا زبير ثم أرسل الماء) بهمزة قطع مفتوحة في أرسل (إلى جارك) الأنصاري (فقال الأنصاري: يا رسول الله أن كان) بفتح الهمزة أي حكمت له بالتقديم والترجيح لأن كان (ابن عمتك) صفية بنت عبد المطلب، ولأبي ذر عن الكشميهني: آن كان بهمزة مفتوحة ممدودة استفهام إنكاري وله عن الحموي والمستملي وأن كان بواو وفتح الهمزة، ووقع عند الطبري فقال: اعدل يا رسول الله وأن كان ابن عمتك أي من أجل هذا حكمت له عليّ (فتلون وجهه) ﵊ أي تغيّر من الغضب لانتهاك حرمة النبوّة، ولأبوي ذر والوقت: فتلون وجه رسول الله ﷺ (ثم قال: اسق يا زيير ثم احبس الماء) بهمزة وصل فيهما (حتى يرجع) يصير الماء (إلى الجدر) بفتح الجيم وسكون المهملة ما وضع بين شربات النخل كالجدار والمراد به جدران الشربات وهي الحفر التي تحفر في أصول النخل (ثم أرسل الماء إلى جارك) بهمزة قطع في أرسل (واستوعى النبي ﷺ للزبير حقه) أي استوفاه كله كاملًا حتى كأنه
стр. 5120
جمعه في وعاء بحيث لم يترك منه شيئًا (في صريح الحكم حين أحفظه) بالحاء المهملة والفاء والظاء المعجمة أي أغضبه (الأنصاري وكان) ﷺ (أشار عليهما) في أوّل الأمر (بأمر لهما) ولأبي ذر عن الكشميهني له أي للأنصاري (فيه سعة) وهو الصلح على ترك بعض حق الزبير، فلما لم يرض الأنصاري استقصى ﵊ للزبير حقه وحكم له به على الأنصاري.
(قال الزبير: فما أحسب هله الآيات إلا نزلت) وفي باب شرب الأعلى من الأسفل من كتاب الشرب فقال الزبير: والله إن هذه الآية أنزلت (في ذلك ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾) قيل: وكان هذا الرجل يهوديًّا. وعورض بأنه وصف بكونه أنصاريًّا ولو كان يهوديًا لم يوصف بذلك إذ هو وصف مدح ولا يبعد أن يبتلي غير المعصوم بمثل ذلك عند الغضب مما هو من الصفات البشرية.
وفي المفاتح كالبغوي في معالم التنزيل، وروي أنه لما خرجا مرّا على المقداد فقال: لمن كان القضاء؟ قال الأنصاري لابن عمته ولوى شدقيه ففطن له يهودي كان مع المقداد فقال: قاتل الله هؤلاء يشهدون أنه رسول الله ﷺ ثم يتهمونه في قضاء يقضي بينهم، وايم الله لقد أذنبنا ذنبًا مرة في حياة موسى ﵊ فدعانا إلى التوبة فقال: اقتلوا أنفسكم فبلغ قتلانا سبعين ألفًا في طاعة ربنا حتى رضي عنا، فقال ثابت بن قيس بن شماس: إن الله ليعلم مني الصدق ولو أمرني محمد أن أقتل نفسي لفعل.
١٢ - باب ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿فأولئك﴾) أي من أطاع الله والرسول (﴿مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين﴾) [النساء: ٦٩] في الجنة بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضًا، وليس المراد كون الكل في درجة واحدة لأن ذلك يقتضي التسوية في الدرجة بين الفاضل والمفضول وهو غير جائز، والأظهر أن قوله: من النبيين بيان للذين أنعم الله عليهم، وجوّز تعلق من النبيين بيطع أي: ﴿ومن يطع الله والرسول﴾ من النبيين ومن بعدهم ويكون قوله: ﴿فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم﴾ إشارة إلى الملأ الأعلى ثم قال: ﴿وحسن أولئك رفيقًا﴾.
ويبين ذلك قوله ﵊ عند الموت "اللهم ألحقني بالرفيق الأعلى" قاله الراغب، وتعقبه أبو حيان فأفسده معنى وصناعة، أما المعنى فلأن الرسول هنا هو محمد ﷺ وقد أخبر تعالى أنه من يطع الله ورسوله فهو مع من ذكر ولو جعل من النبيين متعلقًا بيطع لكان من النبيين تفسيرًا لمن الشرطية، فيلزم أن يكون في زمانه ﵊ أو بعده أنبياء يطيعونه وهذا غير ممكن لقوله تعالى: ﴿وخاتم النبيين﴾ ولقوله ﵊ "لا نبي بعدي".
стр. 5121
وأما الصناعة؛ فلأن ما قبل الفاء الواقعة جوابًا للشرط لا يعمل فيما بعدها. لو قلت إن تضرب يقم عمرو زيدًا لم يجز، وسقط قوله باب لغير أبي ذر.
٤٥٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ يَمْرَضُ إِلاَّ خُيِّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ»، وَكَانَ فِي شَكْوَاهُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ أَخَذَتْهُ بُحَّةٌ شَدِيدَةٌ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: " ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] " فَعَلِمْتُ أَنَّهُ خُيِّرَ.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن عبد الله بن حوشب) بفتح الحاء المهملة والشين المعجمة بينهما واو ساكنة الطائفي نزيل الكوفة قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين ولأبي ذر عن إبراهيم بن سعد (عن أبيه) سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة رضي الله تعالى عنها) أنها (قالت: سمعت رسول الله ﷺ ¬) ولأبوي ذر والوقت النبي (¬ ﷺ يقول):
(ما من نبي يمرض) بفتح التحتية والراء بينهما ميم ساكنة (إلا خير بين) المقام في (الدنيا و) الرحلة إلى (الآخرة) (وكان في شكواه الذي قبض فيه) ولأبي ذر عن الكشميهني. التي قبض فيها (أخذته بحة شديدة) بضم الموحدة وتشديد الحاء المهملة غلظ صوت وخشونة حلق فسمعته يقول: (﴿مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين﴾ فعلمت أنه) ﷺ (خُير) بضم الخاء المعجمة أي بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة، وهذا معنى قوله في الحديث الآخر: (اللهم الرفيق الأعلى) ثلاثًا.
وقد ذكروا في سبب نزول هذه الآية أن رجلًا من الأنصار جاء إلى النبي ﷺ وهو محزون فقال له النبي ﷺ : "يا فلان ما لي أراك محزونًا"؟ فقال: يا نبي الله شيء فكرت فيه. قال: "وما هو"؟ قال: نحن نغدو عليك ونروح وننظر إلى وجهك ونجالسك غدًا ترفع مع النبيين فلا نصل إليك فلم يرد النبي ﷺ شيئًا فأتاه جبريل بهذه الآية ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا﴾ قال: فبعث إليه النبي ﷺ فبشره. رواه ابن جرير من حديث سعيد بن جبريل مرسلًا.
ورواه الطبراني عن عائشة مرفوعًا بلفظ فقال: يا رسول الله إنك لأحب إليّ من نفسي وأهلي ومالي وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فانظر إليك وإذا ذكرت موتك عرفت أنك ترفع مع النبيين وإني إن دخلت الجنة خشيت أني لا أراك، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى نزل عليه جبريل ﵇ بهذه الآية. وقد سمى الواحدي وغيره الرجل ثوبان. وقد ثبت في غير ما حديث من طرق كثيرة عن جماعة من الصحابة أن رسول الله ﷺ قال: "المرء مع من أحب".
стр. 5122
١٣ - باب قَوْلُهُ: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِيَن مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ) الآيَةَ
(قوله) تعالى: (﴿وما لكم﴾) ولأبي ذر باب بالتنوين في قوله تعالى: ﴿وما لكم﴾ وما مبتدأ ولكم خبره وجملة (﴿لا تقاتلون في سبيل الله﴾) الأظهر أنها في موضع نصب على الحال أي ما لكم غير مقاتلين والعامل في هذه الحال الاستقرار القدر (﴿والمستضعفين﴾) جر على الأظهر بالعطف على سبيل الله أي في سبيل الله وفي خلاص المستضعفين وهم الذين أسلموا بمكة ومنعهم المشركون من الهجرة (﴿من الرجال والنساء﴾) فبقوا بين أظهرهم مستذلين يلقون منهم الأذى الشديد (الآية) كذا لأبي ذر ولغيره بعد قوله: ﴿من الرجال والنساء﴾ إلى ﴿الظالم أهلها﴾ الظالم: صفة للقرية وهي مكة، وأهلها رفع به على الفاعلية وهم كفرة قريش وأل في الظالم موصولة بمعنى التي أي التي ظلم أهلها بالكفر، فالظالم جار علي القرية لفظًا وهو لما بعدها معنى.
٤٥٨٧ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عبيد الله) بضم العين مصغرًا ابن أبي يزيد المكي أنه (قال: سمعت ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما (قال: كنت أنا وأمي) أم الفضل لبابة بنت الحرث الهلالية، (من المستضعفين) في مكة، وزاد أبو ذر من الرجال والنساء والولدان، ومراده حكاية الآية، وإلا فهو من الولدان جمع وليد وهو الصغير وأمه من المستضعفين.
٤٥٨٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ تَلَا ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ. وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ حَصِرَتْ: ضَاقَتْ. تَلْوُوا أَلْسِنَتَكُمْ بِالشَّهَادَةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ الْمُرَاغَمُ: الْمُهَاجَرُ. رَاغَمْتُ: هَاجَرْتُ قَوْمِي. مَوْقُوتًا: مُوَقَّتًا وَقْتَهُ عَلَيْهِمْ.
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي بشين معجمة وحاء مهملة قال: (حدّثنا حماد بن زيد) أي ابن درهم الجهضمي الأزدي (عن أيوب) السختياني (عن ابن أبي مليكة) عبد الله بن عبد الرحمن (أن ابن عباس) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي عن ابن عباس ﵄ (تلا) قرأ قوله تعالى: (﴿إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان﴾ قال: كنت أنا وأمي ممن عذر الله) بالذال المعجمة أي ممن جعلهم الله تعالى من المعذورين المستضعفين.
(ويذكر عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما مما وصله ابن أبي حاتم في تفسيره في قوله تعالى: ﴿حصرت﴾ [النساء: ٩٠] أي (ضاقت) صدورهم وعنه أيضًا مما وصله الطبري في قوله
стр. 5123
تعالى: (﴿وإن﴾ ﴿تلووا﴾) [النساء: ١٣٥] أي (ألسنتكم بالشهادة) أو تعرضوا عنها وسقط قوله تلووا الخ لأبي ذر (وقال غيره) أي غير ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مراغمًا كثيرًا﴾ [النساء: ١٠٠] وسعة (المراغم) بفتح الغين المعجمة هو (المهاجر) بفتح الجيم. قال أبو عبيدة: المراغم والمهاجر واحد تقول: (راغمت) أي (هاجرت قومي). وقال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿كتابًا﴾ (﴿موقوتًا﴾) [النساء: ١٠٣] أي (موقتًا وقته عليهم) ﵎ وسقط قوله موقوتًا الخ لأبي ذر.
١٤ - باب ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَدَّدَهُمْ. فِئَةٌ: جَمَاعَةٌ
(﴿فما لكم﴾) ولأبي ذر باب بالتنوين أي في قوله تعالى: ﴿فما لكم﴾ مبتدأ وخبر (﴿في المنافقين﴾) يجوز تعلقه بما تعلق به الخبر وهو لكم ويجوز تعلقه بمحذوف على أنه حال من (﴿فئتين﴾) والمعنى ما لكم لا تتفقون في شأنهم بل افترقتم في شأنهم بالخلاف في نفاقهم مع ظهوره (﴿والله أركسهم﴾) ردهم في حكم المشركين كما كانوا (﴿بما كسبوا﴾) الباء سببية وما مصدرية أو بمعنى الذي والعائد محذوف على الثاني لا الأوّل وسقط لغير أبوي ذر والوقت بما كسبوا.
(قال ابن عباس) ﵄ مما وصله الطبري في قوله: (﴿أركسهم﴾) أي (بددهم) يعني فرقهم ومزق شملهم وقوله: (فئة) واحد فئتين ومعناه (جماعة) كقوله تعالى: ﴿كم من فئة قليلة﴾ [البقرة: ٢٤٩] ﴿وفئة تقاتل في سبيل الله﴾ [آل عمران: ١٣].
٤٥٨٩ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ رَجَعَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أُحُدٍ وَكَانَ النَّاسُ فِيهِمْ فِرْقَتَيْنِ، فَرِيقٌ يَقُولُ: اقْتُلْهُمْ، وَفَرِيقٌ يَقُولُ: لَا. فَنَزَلَتْ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ وَقَالَ: إِنَّهَا طَيْبَةُ، تَنْفِي الْخَبَثَ كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْفِضَّةِ.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (محمد بن بشار) هو بندار العبدي قال: (حدّثنا غندر) محمد بن جعفر (وعبد الرحمن) بن مهدي (قالا: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عدي) بفتح العين وكسر الدال المهملتين ابن ثابت التابعي (عن عبد الله بن يزيد) الخطمي الصحابي (عن زيد بن ثابت) الأنصاري (رضي الله تعالى عنه) أنه قال في قوله تعالى: (﴿فما لكم في المنافقين فئتين﴾ رجع ناس من أصحاب النبي ﷺ من أحد) وهم عبد الله بن أبيّ المنافق وأتباعه وكانوا ثلاثمائة وبقي النبي ﷺ في سبعمائة (وكان الناس فيهم فرقتين فريق يقول اقتلهم) يا رسول الله فإنهم منافقون
стр. 5124
(وفريق يقول لا) تقتلهم فإنهم تكلموا بكلمة الإسلام (فنزلت: ﴿فما لكم في المنافقين فئتين﴾ وقال): أي النبي ﷺ ، ولأبي ذر: فقال:
(إنها) أي المدينة (طيبة تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة) ولأبي ذر عن الحموي خبث الحديد بدل الفضة، وقيل نزلت في قوم رجعوا إلى مكة وارتدوا وقيل في عبد الله بن أبي المنافق لما تكلم في حديث الإفك وتقاولت الأوس والخزرج بسببه. قال ابن كثير: وهذا غريب وقيل غير ذلك.
٠٠٠٠ - باب ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ أَيْ أَفْشَوْهُ. يَسْتَنْبِطُونَهُ: يَسْتَخْرِجُونَهُ. حَسِيبًا: كَافِيًا. إِلاَّ إِنَاثًا: يَعْنِي الْمَوَاتَ حَجَرًا أَوْ مَدَرًا وَمَا أَشْبَهَهُ. مَرِيدًا: مُتَمَرِّدًا. فَلَيُبَتِّكُنَّ: بَتَّكَهُ قَطَّعَهُ. قِيلًا وَقَوْلًا: وَاحِدٌ. طُبِعَ: خُتِمَ.
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿وإذا جاءهم﴾) أي ضعفاء المؤمنين أو المنافقين (﴿أمر من الأمن﴾) كفتح أو غنيمة (﴿أو الخوف﴾) كقتل وهزيمة عن سرايا رسول الله ﷺ وبعوثه (﴿أذاعوا به﴾ أي أفشوه) بين الناس قبل أن يخبر به الرسول ﷺ فيضعف بذلك قلوب المؤمنين؛ ولو ردّوا ذلك الأمر إلى الرسول وإلى كبار الصحابة العارفين بمصالح الأمور ومفاسدها لعلم تدبير ما أخبروا به الذين (﴿يستنبطونه﴾) [النساء: ٨٣] أي (يستخرجونه) وفيه إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها فيخبر بها ويفشيها وينشرها وقد لا يكون لها صحة. وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا (كفى بالمرء إثمًا أن يحدّث بكل ما سمع) رواه مسلم وسقط التبويب، وقوله: (﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن﴾) لغير أبوي ذر والوقت ولغير أبي ذر لفظة أي من قوله أي أفشوه.
(﴿حسيبًا﴾) يريد قوله تعالى: ﴿إن الله كان على كل شيء حسيبًا﴾ [النساء: ٨٦] أي (كافيًا) وسقط هذا لأبي ذر (﴿إلا إناثًا﴾) يريد قوله تعالى: ﴿إن يدعون من دونه إلا إناثًا﴾ [النساء: ١١٧] أي ما يعبدون من دون الله إلا إناثًا لأن كل من عبد شيئًا فقد دعاه لحاجته وإناثًا (يعني الموات حجرًا أو مدرًا وما أشبهه) قال الحسن: كل شيء لا روح فيه كالحجر والخشبة في إناث، وقد كانوا يسمون أصنامهم بأسماء الإناث فيقولون: اللات والعزى ومناة، وعن الحسن أن لكل قبيلة صنمًا يدعى أنثى بني فلان وذلك لقولهم: هنهن بنات الله أو قولهم الملائكة بنات الله، وإنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى اتخذوا أربابًا وصوروهن صور الجواري وقالوا هؤلاء يشبهن بنات الله الذي نعبده يعنون الملائكة. وعن كعب في الآية قال: مع كل صنم جنية. رواه ابن أبي حاتم وسقط لفظ يعني لغير أبي ذر.
(﴿مريدًا﴾) يريد قوله تعالى: ﴿وإن يدعون﴾ أي ما يدعون بعبادة الأصنام ﴿إلا شيطانًا مريدًا﴾ [النساء: ١١٧] أي (متمردًا) قال قتادة فيما رواه ابن أبي حاتم متمردًا على معصية الله
стр. 5125
تعالى. قال تعالى: ﴿ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان﴾ [يس: ٦٠] وسقط قوله: ﴿مريدًا﴾ متمردًا للكشميهني والحموي.
(﴿فليبتكن﴾) هو من حكاية قول الشيطان في قوله تعالى: ﴿وقال لأتخذنّ من عبادك نصيبًا مفروضًا﴾ [النساء: ١١٨] أي حظًّا مقدرًا معلومًا ﴿ولأضلّنهم﴾ أي عن طريق الحق ﴿ولأمنينّهم﴾ من طول العمر وبلوغ الأمل وتوقع الرحمة للمذنب بغير توبة أو الخروج من النار بالشفاعة ﴿ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام﴾ [النساء: ١١٨، ١١٩] (بتكه) أي (قطعه) وقد كانوا يشقون أذني الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكرًا وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها ولا يردونها عن ماء ولا مرعى.
(﴿قيلًا﴾) يريد قوله تعالى: ﴿ومن أصدق من الله قيلًا﴾ [النساء: ١٢٢] والنصب على التمييز وقيلًا (وقولًا واحد) وقالًا الثلاثة مصادر بمعنى (طبع) بضم الطاء وكسر الموحدة أي (ختم) يريد تفسير قوله تعالى: ﴿طبع الله على قلوبهم﴾ [النحل: ١٥٨] ولم يذكر المؤلّف حديثًا في هذا الباب.
قال الحافظ ابن كثير: فنذكر هنا عند تفسير آية الباب حديث عمر بن الخطاب- ﵁ المتفق عليه حين بلغه أن رسول الله ﷺ طلّق نساءه فجاء من منزله حتى دخل المسجد فوجد الناس يقولون ذلك فلم يصبر حتى استأذن على النبي ﷺ فاستفهمه أطلقت نساءك؟ قال "لا" فقلت الله أكبر وذكر الحديث بطوله: وعند مسلم فقلت: أطلقتهن؟ فقال: "لا" فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي لم يطلق نساءه ونزلت هذه الآية ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ فكنت أنا أستنبط ذلك الأمر.
قال الحافظ ابن حجر: وهذه القصة عند البخاري لكن بدون هذه الزيادة فليست على شرطه فكأنه أشار إليها بهذه الترجمة اهـ.
وظاهر قول المفسرين السابق أن سبب نزول هذه الآية الإخبار عن السرايا والبعوث بالأمن أو الخوف وهو خلاف ما في حديث مسلم.
١٥ - باب ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿ومن يقتل مؤمنًا﴾) حال كونه (﴿متعمدًا فجزاؤه جهنم﴾) [النساء: ٩٣] خبر ومن يقتل ودخلت الفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط وتمام الآية ﴿خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذابًا عظيمًا﴾ [النساء: ٩٣] وهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد. اشتمل على أنواع من العذاب لم تجتمع في غير هذا الذنب العظيم المقرون بالشرك في غير ما آية، ومن ثم قال ابن عباس: إن قاتل المؤمن عمدًا لا تقبل توبته.
стр. 5126
٤٥٩٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ: آيَةٌ اخْتَلَفَ فِيهَا أَهْلُ الْكُوفَةِ، فَرَحَلْتُ فِيهَا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْهَا، فَقَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] هِيَ آخِرُ مَا نَزَلَ وَمَا نَسَخَهَا شَيْءٌ.
وبه قال: (حدّثنا آدم بن أبي إياس) العسقلاني الخراساني الأصل قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا مغيرة بن النعمان) النخعي الكوفي (قال: سمعت سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي (قال: آية اختلف فيها) أي في حكمها (أهل الكوفة) وسقط قوله آية لغير أبوي ذر والوقت (فرحلت فيها) بالراء والحاء المهملة ولأبي ذر فدخلت بالدال والخاء المعجمة أي بعد رحلتي (إلى ابن عباس فسألته عنها؟ فقال: نزلت هده الآية: ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم﴾ هي آخر ما نزل) في هذا الباب (وما نسخها شيء).
وروى أحمد والطبري من طريق يحيى الجابر والنسائي وابن ماجة من طريق عمار الذهبي كلاهما عن سالم بن أبي الجعد قال: كنا عند ابن عباس بعد ما كف بصره فأتاه رجل فناداه: يا عبد الله بن عباس ما ترى في رجل قتل مؤمنًا متعمدًا؟ فقال: ﴿جزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذابًا عظيمًا﴾. قال: أفرأيت إن تاب وعمل صالحًا ثم اهتدى؟ قال ابن عباس: ثكلته أمه وأنى له التوبة والهدى والذي نفسي بيده لقد سمعت نبيكم يقول: ثكلته أمه قاتل مؤمن متعمدًا جاء يوم القيامة آخذ بيمينه تشخب أوداجه، ثم قال: وايم الذي نفسي بيده لقد أنزلت هذه الآية وما نسختها من آية حتى قبض نبيكم ﷺ .
وقد روي هذا عن ابن عباس من طرق كثيرة وقال به جماعة من السلف وهو محمول عند الجمهور على الزجر والتغليظ للدلائل الدالة على خلافه، وإلاّ فكل ذنب ممحوّ بالتوبة وناهيك بمحو الشرك دليلًا فهو في التغليظ كحديث "لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم" وحديث "من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوبًا بين عينيه آيسًا من رحمة الله" وكقوله تعالى: (﴿ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾) [آل عمران: ٩٧] أي لم يحج تغليظًا وتشديدًا، وكل ذلك لا يعارض نصوص الكتاب الدالة على عموم العفو فلا بد من التخصيص بمن لم يتب أو فعله مستحلًا أو الخلود المكث الطويل، فإن الدلائل متظاهرة على أن عصاة المسلمين لا يدوم عذابهم والحق أنه متى صدر عن المؤمن مثل هذا الذنب فمات ولم يتب فحكمه إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه بقدر ما يشاء ثم يخرجه إلى الجنة وفي سنن أبي داود عن أبي مجلز هي جزاؤه فإن شاء الله أن يتجاوز عن جزائه فعل قال الواحدي والأصل أن الله تعالى يجوز أن يخلف الوعيد وإن كان لا يجوز أن يخلف الوعد وبهذا وردت السنة فإذن لا مدخل لذكر التوبة وتركها في الآية ولا يفتقر إخراج المؤمن من النار إلى دليل ولا إلى تخصيص عام ولا إلى تفسير الخلود بالمكث الطويل قاله في فتوح الغيب، وسيكون لنا إن شاء الله عودة إلى البحث في ذلك في سورة الفرقان بعون الله وقوته.
стр. 5127
١٦ - باب ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤] السِّلْمُ وَالسَّلَمُ وَالسَّلَامُ: وَاحِدٌ
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾) [النساء: ٩٤] اللام في لمن للتبليغ، ومن موصولة أو موصوفة وألقى ماضي اللفظ لكنه بمعنى المستقبل أي لمن يلقي لأن النهي لا يكون عما انقضى أي لا تقولوا لمن حياكم بتحية السلام أنه وإنما قالها تعوذًا فتقدموا عليه بالسيف لتأخذوا ماله ولكن كفوا واقبلوا منه ما أظهر لكم (السلم) بكسر السين وسكون اللام وهي قراءة رويس عن عاصم بن أبي النجود (والسلم) بفتحهما من غير ألف وهي قراءة نافع وابن عامر وحمزة وفي الفرع والسلم بسكون اللام بعد فتح وروي عن عاصم الجحدري (والسلام) بفتحهما ثم ألف وهي قراءة الباقين (واحد) أي في المعنى وهو الاستسلام والانقياد واستعمال ذي الألف في التحتية أكثر.
٤٥٩١ - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرو، عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ فَلَحِقَهُ الْمُسْلِمُونَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَقَتَلُوهُ، وَأَخَذُوا غُنَيْمَتَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ تِلْكَ الْغُنَيْمَةُ قَالَ: قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ السَّلَامَ.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) هو ابن دينار (عن عطاء) هو ابن أبي رباح (عن ابن عباس ﵄) في قوله تعالى: (﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا﴾ قال) عطاء: (قال ابن عباس: كان رجل) هو عامر بن الأضبط (في غنيمة له) بضم الغين وفتح النون تصغير غنم (فلحقه المسلمون) وكانوا في سرية (فقال) أي الرجل لهم (السلام عليكم) وعند أحمد والترمذي من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس قالوا: ما سلم علينا إلا ليتعوذ منا (فقتلوه) وكان الذي قتله محلم بن جثامة كما ذكره البغوي في معجم الصحابة وكان أمير السرية أبو قتادة كذا نقله في المقدمة، وكذا رواه ابن إسحاق في المغازي وأحمد من طريقه عن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي بلفظ رسول الله ﷺ في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة ومحلم بن جثامة فأمر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي فسلم علينا فحمل عليه محلم فقتله (وأخذوا غنيمته) وفي رواية سماك وأتوا بغنمه النبي ﷺ (فأنزل الله في ذلك) يعني قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله﴾ ولأبي ذر وذلك (إلى قوله: ﴿عرض الحياة﴾) ولأبي ذر إلى قوله تبتغون عرض الحياة (﴿الدنيا﴾) أي حطامها وهو (تلك الغنيمة).
وروى الثعلبي من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن اسم المقتول مرداس بكسر الميم وسكون الراء وبالمهملتين ابن نهيك بفتح النون وكسر الهاء آخره كاف قبلها تحتية ساكنة من
стр. 5128
أهل فدك، وأن اسم القاتل أسامة بن زيد وأن اسم أمير السرية غالب بن فضالة الكعبي، وأن قوم مرداس لما انهزموا بقي وحده وكان ألجأ غنمه إلى جبل فلما لحقوه قال لا إله إلا الله محمد رسول الله السلام عليكم فقتله أسامة بن زيد فلما رجعوا نزلت الآية. وأخرج عبد بن حميد من طريق قتادة نحوه وكذا الطبري من طريق السدي ولا مانع من التعدد ونزول الآية مرتين.
(قال) عطاء بن أبي رباح: (قرأ ابن عباس) ﵄ (السلام) بألف بعد اللام المفتوحة وهو موصول بالإسناد السابق.
وحديث الباب أخرجه مسلم في آخر كتابه وأبو داود في الحروب والنسائي في السير والتفسير.
١٧ - باب ﴿لَا يَسْتَوِى الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٥]
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ ﴿والمجاهدون في سبيل الله﴾) [النساء: ٩٥] كذا في الفرع وأصله وغيرهما بإسقاط ﴿غير أولي الضرر﴾ وثبت ذلك في بعضها، ولأبي ذر ﴿من المؤمنين﴾ الآية وسقط ما بعد ذلك.
٤٥٩٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ أَنَّهُ رَأَى مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ فِي الْمَسْجِدِ، فَأَقْبَلْتُ حَتَّى جَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَأَخْبَرَنَا أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمْلَى عَلَيْهِ ﴿لَا يَسْتَوِى الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فَجَاءَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَهْوَ يُمِلُّهَا عَلَىَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ لَوْ أَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ لَجَاهَدْتُ وَكَانَ أَعْمَى فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنْ تُرَضَّ فَخِذِي ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿غَيْرَ أُولِى الضَّرَرِ﴾.
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن عبد الله) الأويسي المدني (قال: حدّثني) بالإفراد (إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن صالح بن كيسان) بفتح الكاف التابعي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (سهل بن سعد الساعدي) الصحابي (أنه رأى مروان بن الحكم) بن أبي العاص التابعي (في المسجد) قال: (فأقبلت حتى جلست إلى جنبه فأخبرنا) بفتح الراء (أن زيد بن ثابت أخبره أن رسول الله ﷺ أملى عليه ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ ﴿والمجاهدون في سبيل الله﴾) بدون ﴿غير أولي الضرر﴾ (فجاءه) ﵊ (ابن أم مكتوم) عبد الله أو عمرو واسم أبيه زائدة (وهو) ﷺ (يملها) بضم التحتية وكسر الميم وتشديد اللام أي يلقي الآية (عليّ قال): ولأبي ذر فقال: (يا رسول الله والله لو
стр. 5129
أستطيع الجهاد لجاهدت وكان أعمى، فأنزل الله على رسوله ﷺ وفخذه على فخذي فثقلت عليّ) فخذه من ثقل الوحي (حتى خفت أن ترضّ) بضم الفوقية وفتح الراء وتشديد الضاد المعجمة في الفرع كأصله بفتح التاء وضم الراء أي تدق (فخذي ثم سري) بضم المهملة وتشديد الراء المكسورة انكشف (عنه) وأزيل يقال سروت الثوب وسريته إذا خلعته والتشديد فيه للمبالغة أي أزيل عنه ما نزل به من برحاء الوحي (فأنزل الله ﴿غير أولي الضرر﴾) بالحركات الثلاث في غير بالنصب نافع وابن عامر والكسائي على الاستثناء أو على الحال، وبالرفع ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم على الصفة للقاعدون لأن القاعدون غير معين فهو مثل قوله:
ولقد أمرّ على اللئيم يسبني.
قال الزجاج: غير صفة للقاعدين وإن كان أصلها أن تكون صفة للنكرة. المعنى: لا يستوي القاعدون الذين هم غير أولي الضرر أي الأصحاء والمجاهدون وإن كانوا كلهم مؤمنين، وبالجر في الشاذ على الصفة للمؤمنين أو البدل منه.
وهذا الحديث سبق في الجهاد.
٤٥٩٣ - حَدَّثَنَي حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدًا فَكَتَبَهَا فَجَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَشَكَا ضَرَارَتَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ﴾.
وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) بن الحارث الحوضي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي (عن البراء) بن عازم (رضي الله تعالى عنه) أنه (قال: لما نزلت ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ دعا رسول الله ﷺ زيدًا) هو ابن ثابت كاتب الوحي فأمره بكتابتها (فكتبها فجاء ابن أم مكتوم) الأعمى (فشكا) إلى رسول الله ﷺ (ضرارته) بفتح الضاد المعجمة أي عماه. قال الراغب: الضرر اسم عام لكل ما يضر بالإنسان في بدنه ونفسه وعلى سبيل الكناية عبر عن الأعمى بالضرير (فأنزل الله ﴿غير أولي الضرر﴾).
وسبق هذا الحديث في الجهاد.
٤٥٩٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «ادْعُوا فُلَانًا» فَجَاءَهُ وَمَعَهُ الدَّوَاةُ وَاللَّوْحُ أَوِ الْكَتِفُ فَقَالَ: «اكْتُبْ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وَخَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا ضَرِيرٌ فَنَزَلَتْ مَكَانَهَا ﴿لَا يَسْتَوِى الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِى الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٥].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) الفريابي (عن إسرائيل) بن يونس (عن) جده (أبي
стр. 5130
إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي (عن البراء) بن عازب ﵁ أنه (قال: لما نزلت ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ قال النبي ﷺ ¬):
(ادعوا فلانًا) أي زيد بن ثابت فدعوه (فجاءه ومعه الدواة واللوح أو الكتف) شك من الراوي (فقال: اكتب ولا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ ﴿والمجاهدون في سبيل الله﴾ وخلف النبي ﷺ ابن أم مكتوم) ويجمع بين قوله هنا أن ابن أم مكتوم كان خلف النبي ﷺ وبين قوله في رواية شعبة السابقة دعا زيدًا فكتبها فجاء ابن أم مكتوم بأنه قام من مقامه خلف النبي ﷺ حتى جاء مواجهه فخاطبه (فقال: يا رسول الله أنا ضرير) أي لا أستطيع الجهاد (فنزلت مكانها) أي في مكان الكتابة في الحال قيل قبل أن يجف القلم (﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله﴾) لم يقتصر الراوي هنا على ذكر الكلمة الزائدة وهي غير أولي الضرر كما في السابقة، فيحتمل أن يكون الوحي نزل بإعادة الآية بالزيادة بعد أن نزل بدونها، فحكى الراوي صورة الحال أو نزل بقوله (غير أولي الضرر) فقط وأعاد الراوي الآية من أوّلها حتى يتصل المستثنى بالمستثنى منه قاله ابن التين، وأيد الأخير الحافظ ابن حجر برواية خارجة بن زيد عن أبيه عند أحمد فإن فيها: ثم سري عنه فقال: اقرأ فقرأت عليه (﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾) فقال النبي ﷺ : (﴿غير أولي الضرر﴾) قال زيد فألحقتها فوالله لكأني أنظر إلى ملحقها عند صدع كان في الكتف، وعند الطبراني والبزار وصححه ابن حبان من حديث الفلتان بالفاء واللام والفوقية المفتوحات ابن عاصم فقال النبي ﷺ للكاتب: اكتب غير أولي الضرر.
٤٥٩٥ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَهُمْ ح وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ، أَنَّ مِقْسَمًا مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَخْبَرَهُ ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عَنْ بَدْرٍ وَالْخَارِجُونَ إِلَى بَدْرٍ.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (إبراهيم بن موسى) بن يزيد الفراء الرازي الصغير قال: (أخبرنا هشام) هو ابن يوسف (أن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (أخبرهم ح) لتحويل السند قال المؤلّف:
(وحدّثني) بالإفراد (إسحاق) هو ابن منصور لا ابن راهويه قال: (أخبرنا عبد الرزاق) بن همام قال: (أخبرنا ابن جريج) عبد الملك قال: (أخبرني) بالإفراد (عبد الكريم) الجزري بالجيم والزاي والراء (أن مقسمًا) بكسر الميم وسكون القاف وفتح السين المهملة ابن بجرة بضم الموحدة وسكون الجيم ويقال نجدة بفتح النون وبدال (مولى عبد الله بن الحارث) بن نوفل بن عبد المطلب (أخبره أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أخبره) عن قوله تعالى: (﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾) أي (عن) غزوة (بدر والخارجون إلى بدر) انفرد بإخراجه المؤلّف دون مسلم.
стр. 5131
وأخرجه الترمذي من طريق حجاج عن ابن جريج عن عبد الكريم وزاد لما نزلت غزوة بدر قال عبد الله بن جحش وابن أم مكتوم إنا أعميان يا رسول الله فهل لنا رخصة؟ فنزلت: (﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر﴾) و ﴿فضل الله المجاهدين على القاعدين درجة﴾ فهؤلاء القاعدون غير أولي الضرر فضل الله المجاهدين على القاعدين أجرًا عظيمًا درجات منه على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر، وقال: حسن غريب من هذا الوجه من حديث ابن عباس، ومن قوله: ﴿درجة﴾ الخ مدرج من قول ابن جريج كما بيّنه الطبري، وقال بدل قوله في رواية الترمذي عبد الله بن جحش أبو أحمد بن جحش وهو الصواب واسم أبي أحمد هذا عبد بغير إضافة وهو مشهور بكنيته، والمعنى لا مساواة بين القاعدين من غير عذر وبين المجاهدين وإن كان هذا معلومًا، لكن فائدته كما في الكشاف التذكير بما بينهما من التفاوت العظيم والبون البعيد والتحريك إلى الجهاد، وقوله: إن جملة فضل الله المجاهدين موضحة لما نفى من استواء القاعدين والمجاهدين، والمعنى على القاعدين غير أولي الضرر مع قوله بعد والمفضلون درجة واحدة هم الذين فضلوا على القاعدين الأضراء والمفضلون درجات الذين فضلوا على القاعدين الذين أذن لهم في التخلف اكتفاء بغيرهم لأن الغزو فرض كفاية.
تعقبه في التقريب فقال: فيه نظر لأنه فسر القاعدين بغير أولي الضرر وإنما يستقيم على تفسيره بالأضراء كما في المعالم وقال غيره: ولقائل أن يقول فعلى هذا لم يبق للاستثناء معنى، لأن التقدير وفضل الله المجاهدين على القاعدين إلا أولي الضرر فإنهم ليسوا بمفضلين.
لكن قال في فتوح الغيب: إن قوله فضل الله المجاهدين جملة موضحة الخ المراد منه وما عطف عليه من قوله وفضل الله الثاني كلاهما بيان للجملة الأولى ولا بد من التطابق بين البيان والمبين والمذكور في البيان شيئان وليس في المبين سوى ذكر غير أولي الضرر فالواجب أن يقدر ما يوافقه في قوله: لا يستوي القاعدين أي أولو الضرر غير أولي الضرر وهو من أسلوب الجمع التقديري لدلالة التفضيل على المفضل.
وقال الراغب: إن قيل لِمَ كرر الفضل وأوجب في الأول درجة وفي الثاني درجات وقيدها بقوله منه وأردفها بالمغفرة والرحمة؟ قيل: عنى بالدرجة ما يؤتيه في الدنيا مرة من الغنيمة ومن السرور بالظفر وجميل الذكر وبالدرجات ما يتخوّلهم في الآخرة ونبه بالإفراد في الأول وبالجمع في الثاني على أن ثواب الدنيا في جنب ثواب الآخرة يسير، وقيدها بقوله منه لتعظيمها، وأردفها بالمغفرة والرحمة إيذانًا بالوصول إلى الدرجات بعد الخلاص من التبعات.
قال في فتوح الغيب: والذي تقتضيه البلاغة هذا وبيانه أن قوله فضل الله المجاهدين جملة موضحة لما نفى الاستواء فيه والقاعدون على التقييد السابق من أن المراد به غير الأضراء فحسب، وإنما كرر فضل الله المجاهدين ليناط به من الزيادة ما لم ينط به أولًا فالفضل الأول الظفر والغنيمة والذكر الجميل في الدنيا والثاني المقامات السنية والدرجات العالية والفوز بالرضوان في العقبى، ثم
стр. 5132
قال: هذا تفسير متين موافق للنظم لا تعقيد فيه غير محتاج إلى جعل المجاهدين صنفين كما ينبئ عنه ظاهر الكشاف، ويطابقه سبب النزول ويلائم حديث أنس مرفوعًا: "لقد خلفتم في المدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم" قاله حين رجع من غزوة تبوك ودنا من المدينة، والحديثان يؤذنان بالمساواة بين المجاهدين والأضراء وعليه دلالة مفهوم الصفة والاستثناء في غير أولي الضرر، وكلام الزجاج إلا أولو الضرر فإنهم يساوون المجاهدين يعني في أصل الثواب لا في المضاعفة لأنها تتعلق بالفعل.
١٨ - باب ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧] الآيَةَ
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿إن الذين توفاهم الملائكة﴾) ملك الموت وأعوانه وهم ستة ثلاثة لقبض أرواح المؤمنين وثلاثة للكفار أو المراد ملك الموت وحده وذكر بلفظ الجمع للتعظيم أي توفاهم الملائكة بقبض أرواحهم حال كونهم (﴿ظالمي أنفسهم﴾) ويصلح توفاهم أن يكون للماضي وذكر الفعل لأنه فعل جمع وللاستقبال أي الذين تتوفاهم حذفت التاء الثانية لاجتماع المثلين. قال في فتوح الغيب: إذا حمل على الاستقبال يكون من باب حكاية الحال الماضية (﴿قالوا﴾) أي الملائكة لهم (﴿فيم كنتم﴾) من أمر الدين في فريق المسلمين أو المشركين؟ والسؤال للتوبيخ يعني لِمَ تركتم الجهاد والهجرة والنصرة؟ (﴿قالوا كنا مستضعفين﴾) أي عاجزين (﴿في الأرض﴾) لا نقدر على الخروج من مكة (﴿قالوا﴾) أي الملائكة (﴿ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها﴾ [النساء: ٩٧] الآية). أي إلى المدينة وتخرجوا من بين أظهر المشركين وسقط لأبي ذر قوله: كنا الخ وسقط الباب من أكثر النسخ وثبت في بعضها.
٤٥٩٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ وَغَيْرُهُ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو الأَسْوَدِ، قَالَ: قُطِعَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَعْثٌ فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْبَرْتُهُ فَنَهَانِي عَنْ ذَلِكَ أَشَدَّ النَّهْيِ ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ نَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمَي بِهِ فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ أَوْ يُضْرَبُ فَيُقْتَلُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ. رَوَاهُ اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ.
[الحديث ٤٥٩٦ - طرفه في: ٧٠٨٥].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يزيد المقرئ) بالهمزة أبو عبد الرحمن المكي أصله من البصرة أو الأهواز أقرأ القرآن نيفًا وسبعين سنة وهو من كبار شيوخ البخاري قال: (حدّثنا حيوة) بفتح المهملة وسكون التحتية وفتح الواو ابن شريح بالشين المعجمة المضمومة والراء المفتوحة وبعد
стр. 5133
التحتية الساكنة مهملة أبو زرعة التجيبي بضم الفوقية وكسر الجيم المصري (وغيره) هو ابن لهيعة المصري كما أخرجه الطبراني في الصغير (قالا: حدّثنا محمد بن عبد الرحمن) بن نوفل الأسدي (أبو الأسود) يتيم عروة بن الزبير (قال: قطع على أهل المدينة بعث) بضم القاف وكسر الطاء مبنيًّا للمفعول أي الزموا بإخراج جيش لقتال أهل الشام في خلافة عبد الله بن الزبير على مكة (فاكتتبت فيه) بضم المثناة الفوقية الأولى وكسر الثانية وسكون الموحدة مبنيًّا للمفعول (فلقيت عكرمة مولى ابن عباس فأخبرته) بأني اكتتبت في ذلك البعث (فنهاني عن ذلك أشد النهي ثم قال: أخبرني ابن عباس أن ناسًا من المسلمين) سمى ابن أبي حاتم في تفسيره من طريق ابن جريج عن عكرمة. ومن طريق ابن عيينة عن ابن إسحاق عمرو بن أمية بن خلف والعاص بن منبه بن الحجاج والحارث بن زمعة وأبا قيس بن الفاكه، وعند ابن جريج أبا قيس بن الوليد بن المغيرة، وعند ابن مردويه من طريق أشعث بن سوار عن عكرمة عن ابن عباس الوليد بن عتبة بن ربيعة والعلاء بن أمية بن خلف (كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسول الله ﷺ ¬) ولأبى ذر عن الكشميهني على عهد رسول الله (¬ ﷺ ¬) وفي رواية أشعث المذكورة أنهم خرجوا إلى بدر فلما رأوا قلة المسلمين دخلهم شك وقالوا غرّ هؤلاء دينهم فقتلوا ببدر (يأتي السهم فيرمى به) بضم التحتية وفتح الميم مبنيًّا للمفعول وفي نسخة يرمى بإسقاط الفاء ولأبي ذر: يدمى بالدال بدل الراء (فيصيب أحدهم) نصب على المفعولية (فيقتله أو يضرب فيقتل) بضم حرف المضارعة من الفعلين وفتح ثالثهما. قال في الكواكب الدراري: وغرض عكرمة أن الله ذم من كثر سواد المشركين مع أنهم كانوا لا يريدون بقلوبهم موافقتهم فكذلك أنت لا تكثر سواد هذا الجيش وإن كنت لا تريد موافقتهم لأنهم لا يقاتلون في سبيل الله (فأنزل الله تعالى: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم﴾ الآية) أي بخروجهم مع المشركين وتكثير سوادهم حتى قتلوا معهم.
(رواه) أي الحديث المذكور (الليث) بن سعد مما وصله الإسماعيلي والطبراني في الأوسط من طريق أبي صالح كاتب الليث عن الليث (عن أبي الأسود) عن عكرمة لكن بدون قصة أبي الأسود، وعند الطبراني وابن أبي حاتم من طريق عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان قوم من أهل مكة أسلموا وكانوا يخفون بالإسلام فأخرجهم المشركون معهم يوم بدر فأصيب بعضهم فقال المسلمون: هؤلاء كانوا مسلمين فأكرهوا فاستغفروا لهم فنزلت فكتبوا بها إلى من بقي من المسلمين وأنه لا عذر لهم فخرجوا فلحقهم المشركون ففتنوهم فرجعوا فنزلت: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله﴾ [البقرة: ٨] الآية فكتب إليهم بذلك فخرجوا فلحقوهم فنجا من نجا وقتل من قتل وعن سمرة قال رسول الله ﷺ : "من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله" رواه أبو داود.
١٩ - باب ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٨]
(﴿إلا المستضعفين﴾) وفي بعض النسخ باب بالتنوين أي في قوله تعالى: ﴿إلا المستضعفين﴾
стр. 5134
استثناء من قوله: ﴿فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرًا﴾ فيكون الاستثناء متصلًا كأنه قيل فأولئك في جهنم إلا المستضعفين، والصحيح أنه منقطع لأن الضمير في مأواهم عائد على أن الذين توفاهم وهؤلاء المتوفون إما كفارًا أو عصاة بالتخلف وهم قادرون على الهجرة فلم يندرج فيهم المستضعفون فكان منقطعًا (﴿من الرجال والنساء والولدان﴾) الذين (﴿لا يستطيعون حيلة﴾) في الخروج من مكة لعجزهم وفقرهم (﴿ولا يهتدون سبيلا﴾) [النساء: ٩٨]. ولا معرفة لهم بالمسالك من مكة إلى المدينة. واستشكل إدخال الولدان في جملة المستثنين من أهل الوعيد لأنه يوهم دخول الولدان فيه إذا استطاعوا واهتدوا، وأجيب: بأن العجز متمكن من الولدان لا ينفك عنهم فكانوا خارجين من جملتهم في الوعيد ضرورة فإذا لم يدخلوا فيه لم يخرجوا بالاستثناء.
فإن قلت: فإذا لم يخرجوا بالاستثناء كيف قرنهم في جملة المستثنين؟ أجيب: ليبين أن الرجال والنساء الذين لا يستطيعون صاروا في انتفاء الذنب كالولدان مبالغة لأن المعطوف عليه يكتسب من معنى المعطوف لمشاركتهما في الحكم أو المراد بالولدان العبيد أو البالغون وهو أولى من إرادة المراهقين لعدم توبيخ نحوهم، وكذا هو أولى من حمل البيضاوي ذلك على المبالغة في الأمر باعتبار أنهم على صدد وجوب الهجرة فإنهم إذا بلغوا وقدروا على الهجرة فلا محيص لهم عنها فإن قوّامهم يجب عليهم أن يهاجروا بهم متى أمكنت. قال الطيبي: وعلى هذا المبالغة راجعة إلى وجوب الهجرة وأنها خارجة عن حكم سائر التكاليف حيث أوجبت على من لم يجب عليه شيء.
٤٥٩٧ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ قَالَ: كَانَتْ أُمِّي مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ.
وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي قال: (حدّثنا حماد) هو ابن زيد (عن أيوب) السختياني (عن ابن أبي مليكة) عبد الله (عن ابن عباس ﵄) في قوله تعالى: (﴿إلا المستضعفين﴾ قال: كانت أمي) أي أم الفضل لبابة بنت الحارث (ممن عذر الله) أي ممن جعله الله من المعذورين.
وسبق هذا الحديث في هذه السورة.
٢٠ - باب قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء: ٩٩] الآيَةَ
(باب قوله) تعالى: (﴿فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم﴾) أي يتجاوز عنهم بتركهم الهجرة وعسى من الله واجب لأنه إطماع والله تعالى إذا أطمع عبدًا في شيء أوصله إليه، (الآية) كذا في رواية أبي ذر، ولغيره فعسى الله أن يعفو عنهم وليس هو لفظ القرآن وكان الله عفوًّا غفورًا.
٤٥٩٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الْعِشَاءَ إِذْ قَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» ثُمَّ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ:
стр. 5135
«اللَّهُمَّ نَجِّ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ نَجِّ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ نَجِّ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، اللَّهُمَّ نَجِّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ».
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا شيبان) بن عبد الرحمن النحوي التميمي مولاهم البصري (عن يحيى) بن أبي كثير (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه) أنه (قال: بينا) بغير ميم (النبي ﷺ يصلّي العشاء إذ قال):
(سمع الله لمن حمده)، ثم قال قبل أن يسجد (اللهم نج عياش بن أبي ربيعة) أخا أبي جهل لأمه (اللهم نج سلمة بن هشام) أخا أبي جهل (اللهم نج الوليد بن الوليد) بن المغيرة المخزومي أخا خالد بن الوليد وهؤلاء قوم من أهل مكة أسلموا ففتنتهم قريش وعذبوهم ثم نجوا منهم ببركته ﵊ ثم هاجروا إليه (اللهم نج المستضعفين من المؤمنين) عام بعد خاص ونج بفتح النون وتشديد الجيم ثم دعا على من عوّقهم عن الهجرة فقال: (اللهم اشدد وطأتك) بفتح الواو وسكون الطاء أي عقوبتك (على) كفار قريش أولاد (مضر اللهم اجعلها) أي وطأتك (سنين) أعوامًا مجدبة (كسني يوسف) ﵊ المذكورة في قوله تعالى: ﴿ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد﴾ [يوسف: ٤٨] وأصل السنة سنهة على وزن جبهة فحذفت لامها ونقلت حركتها إلى النون فإذا أضفتها حذفت نون الجمع للإضافة جريًا على اللغة العالية فيه وهو إجراؤه مجرى جمع المذكر السالم لكنه شاذ لأنه غير عاقل ولتغييره مفرده بكسر أوله.
وقد سبق هذا الحديث في باب يهوي بالتكبير حين يسجد وفي أوائل الاستسقاء.
٢١ - باب قوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]
(باب قوله) تعالى: كذا للمستملي بالإضافة ولأبي ذر تنوين باب وحذف تاليه (﴿ولا جناح عليكم﴾) أي لا إثم عليكم (﴿إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم﴾) [النساء: ١٠٢] فيه بيان الرخصة في وضع الأسلحة إن ثقل عليهم حملها بسبب ما يبلهم من مطر أو يضعفهم من مرض وأمرهم مع ذلك بأخذ الحذر لئلا يغفلوا فيهجم عليهم العدوّ، ودلّ ذلك على وجوب الحذر عن جميع المضار المظنونة، ومن ثم علم أن العلاج بالدواء والاحتراز عن الوباء والتحرز عن الجلوس تحت الجدار المائل واجب، وسقط لأبي ذر من قوله: ﴿أو كنتم مرضى﴾ الخ وقال بعد قوله: ﴿من مطر﴾ الآية.
٤٥٩٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يَعْلَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفِ: كَانَ جَرِيحًا.
стр. 5136
وبه قال: (حدّثنا محمد بن مقاتل أبو الحسن) الكسائي نزيل بغداد ثم مكة قال: (أخبرنا حجاج) هو ابن محمد الأعور (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (يعلى) بن مسلم بن هرمز (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما) في قوله تعالى: (﴿إن كان بكم أذي من مطر أو كنتم مرضى﴾ قال) أي ابن عباس (عبد الرحمن بن عوف كان جريحًا) ولأبي ذر: وكان جريحًا أي فنزلت الآية فيه، وعبد الرحمن مبتدأ خبره كان جريحًا والجملة من قول ابن عباس.
وهذا الحديث أخرجه النسائي -رحمه الله تعالى-.
٢٢ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٧]
(باب قوله) كذا للمستملي وسقط ذلك لغيره (﴿ويستفتونك﴾) بالواو ولأبوي الوقت وذر بإسقاطها أي يسألونك الفتوى (﴿في النساء﴾) أي في ميراثهن (﴿قل الله يفتيكم فيهن﴾) وكانت العرب لا تورثهن شيئًا (﴿وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء﴾ [النساء: ١٢٧] موضع ما إما رفع عطفًا على المستكن في يفتيكم العائد عليه تعالى، وجاز ذلك للفصل بالمفعول والجار والمجرور والمتلوّ في الكتاب في معنى اليتامى قوله تعالى: ﴿وإن خفتم ألاّ تقسطوا في اليتامى﴾ [النساء: ٣] باعتبارين مختلفين نحو أغناني زيد وعطاؤه وأعجبني زيد وكرمه، وذلك أن قوله: ﴿الله يفتيكم فيهن﴾ بمنزلة أعجبني زيد جيء به للتوطئة والتمهيد، وقوله: ﴿وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء﴾ بمنزلة وكرمه لأنه المقصود بالذكر أو مبتدأ وفي الكتاب خبره، والمراد به اللوح المحفوظ تعليمًا للمتلوّ عليهم وإن العدل والنصفة في حقوق اليتامى من عظائم الأمور والمخل بها ظالم متهاون بما عظمه الله تعالى أو نصب على تقدير ويبين لكم ما يتلى أو جر بالقسم أي وأقسم بما يتلى عليكم ولا يصح العطف على الضمير المجرور في فيهن من حيث اللفظ والمعنى أما اللفظ فلأنه لا يجوز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار وأما المعنى فلأنه يلزم أن يكون الإفتاء في شأن المتلوّ مع أنه ليس السؤال عنه.
٤٦٠٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ قَالَتْ عَائِشَةُ: هُوَ الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ الْيَتِيمَةُ هُوَ وَلِيُّهَا وَوَارِثُهَا فَأَشْرَكَتْهُ فِي مَالِهِ حَتَّى فِي الْعِذْقِ فَيَرْغَبُ أَنْ يَنْكِحَهَا وَيَكْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا رَجُلًا فَيَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ بِمَا شَرِكَتْهُ، فَيَعْضُلَهَا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ شِقَاقٌ: تَفَاسُدٌ.
стр. 5137
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (عبيد بن إسماعيل) بضم العين مصغرًا أبو محمد القرشي الهباري الكوفي واسمه عبد الله وعبيد لقبه قال: (حدّثنا أبو أسامة) بن حماد وأسامة (قال: حدّثنا هشام بن عروة) وسقط قال لغير أبي ذر (عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوّام، ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد أبي (عن عائشة ﵂) في قوله تعالى: (﴿ويستفتونك في النساء﴾) سقطت الواو لغير أبي ذر. (﴿قل الله يفتيكم فيهن﴾) إلى قوله: (﴿وترغبون أن تنكحوهن﴾) أي في نكاحهن (قالت عائشة): وسقط لغير أبي ذر عائشة (هو الرجل تكون عنده اليتبمة هو وليها) القائم بأمورها (ووارثها فأشركته) بفتح الهمزة والراء ولأبي ذر فتشركه بفتح التاء والراء (في ماله حتى في العذق) بفتح العين وسكون المعجمة أي في النخلة والأصيلي في العذق بكسر العين أي في الكباسة وهي عنقود التمر (فيرغب أن ينكحها) أي عن نكاحها (ويكره أن يزوّجها رجلًا) غيره (فيشركه) أي الرجل الذي يتزوجها (في ماله بما شركته) أي بالذي شركته فيه (فيعضلها) بضم الضاد المعجمة نصب عطفًا على المنصوب السابق، وكذا فيشركها، ويجوز رفعها عطفًا على يرغب ويكره أي يمنعها من التزوّج، وروى ابن أبي حاتم من طريق السدي قال: كان لجابر بنت عم دميمة ولها مال ورثته عن أبيها، وكان جابر يرغب عن نكاحها ولا يُنكحها خشية أن يذهب الزوج بمالها فسأل النبي ﷺ عن ذلك (فنزلت هذه الآية).
وهذا الحديث سبق في باب ﴿وإن خفتم ألاّ تقسطوا في اليتامى﴾ أول هذه السورة.
(﴿وإن امرأة خافت من بعلها﴾) أي زوجها (﴿نشوزًا﴾) بأن يتجافى عنها ويمنعها نفقته ونفسه أو يؤذيها بشتم أو ضرب (﴿أو إعراضًا﴾) [النساء: ١٢٨] بتقليل المحادثة والمؤانسة بسبب طعن في سن أو دمامة أو غيرهما أو امرأة فاعل بفعل مضمر واجب الإضمار وهو من باب الاشتغال والتقدير وإن خافت امرأة خافت ولا يجوز رفعه بالابتداء لأن أداة الشرط لا يليها إلا الفعل عند جمهور البصريين.
(وقال ابن عباس): فيما وصله ابن أبي حاتم ﴿شقاق﴾ يريد قوله تعالى: ﴿إن خفتم شقاق بينهما﴾ [النساء: ٣٥] أي (تفاسد) وأصل الشقاق المخالفة وكون كل واحد من المتخالفين في شق غير صاحبه ومحل ذكر هذه الآية قبل على ما لا يخفى.
٢٣ - باب ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨]
هَوَاهُ فِي الشَّيْءِ يَحْرِصُ عَلَيْهِ. ﴿كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ لَا هِيَ أَيِّمٌ وَلَا ذَاتُ زَوْجٍ ﴿نُشُوزًا﴾: بُغْضًا.
(﴿وأحضرت الأنفس الشح﴾) قال الإمام: المعنى أن الشح جعل كالأمر المجاور للنفوس
اللازم لها يعني أن النفوس مطبوعة على الشح، وهذا معنى قول الكشاف: إن الشح قد جعل
حاضرًا لها لا يغيب عنها أبدًا ولا تنفك عنه يعني أنها مطبوعة عليه، فالمرأة لا تكاد تسمح
بقسمتها وبغير قسمتها والرجل لا تكاد نفسه تسمح بأن يقسم لها وأن يمسكها إذا رغب عنها
стр. 5138
وأحب غيرها، وجملة وأحضرت كقوله: ﴿والصلح خير﴾ اعتراض. قال أبو حيان: كأنه يريد أن قوله: ﴿وإن يتفرقا﴾ معطوف على قوله: ﴿فلا جناح عليهما﴾ فجاءت الجملتان بينهما اعتراضًا، وتعقبه بعضهم فقال فيه نظر فإن بعدهما جملًا أُخر ينبغي أن يقول الزمحشري في الجميع إنها اعتراض ولا يخص ﴿والصلح خير وأحضرت الأنفس﴾ بذلك، وإنما أراد الزمخشري بذلك الاعتراض بين قوله: ﴿وإن امرأة خافت﴾ وقوله: (﴿وأن تحسنوا﴾ [النساء: ١٢٨] فإنهما شرطان متعاطفان ويدل عليه تفسيره بما يفيد هذا المعنى فلينظر من موضعه، وقد فسر المؤلّف الشح بما فسره به ابن عباس مما وصله ابن أبي حاتم حيث قال: (هواه في الشيء يحرص عليه) وقيل: الشح البخل مع الحرص، وقيل الإفراط في الحرص.
(﴿كالمعلقة﴾) يريد: ﴿فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة﴾ [النساء: ١٢٩] قال ابن عباس فيما وصله ابن أبي حاتم: (لا هي أيم) بهمزة مفتوحة وتحتية مشددة مكسورة أي لا زوج لها (ولا ذات زوج) وقال ابن عباس أيضًا مما وصله ابن أبي حاتم أيضًا من طريق علي بن أبي طلحة عنه في قوله: (﴿نشوزًا﴾) أي (بغضًا).
٤٦٠١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ قَالَتِ: الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ الْمَرْأَةُ لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنْهَا يُرِيدُ أَنْ يُفَارِقَهَا فَتَقُولُ: أَجْعَلُكَ مِنْ شَأْنِي فِي حِلٍّ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي ذَلِكَ.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن مقاتل) أبو الحسن المجاور بمكة قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة ﵂) في قوله تعالى: (﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا﴾ قالت: الرجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها) أي في المحبة والمعاشرة والملازمة (يريد أن يفارقها فتقول أجعلك من شأني) من نفقة أو كسوة أو مبيت أو غير ذلك من حقوقي (في حل) أي وتتركني بغير طلاق (فنزلت هذه الآية) زاد أبوا الوقت وذر عن الحموي: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا﴾ الآية. (في ذلك) فإذا تصالح الزوجان على أن تطيب له نفسًا في القسمة أو عن بعضها فلا جناح عليهما كما فعلت سودة بنت زمعة فيما رواه الترمذي عن ابن عباس بلفظ: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله لا تطلقني واجعل يومي لعائشة ففعل ونزلت هذه الآية وقال: حسن غريب. وكان رسول الله ﷺ يقسم لعائشة يومين يومها ويوم سودة وترك سودة في جملة نسائه وفعل ذلك لتتأسى به أمته في مشروعية ذلك وجوازه.
٢٤ - باب ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرَكِ الأَسْفَلِ﴾ [النساء: ١٤٥] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَسْفَلَ: النَّارِ. نَفَقًا: سَرَبًا
(﴿إن المنافقين﴾) وفي نسخة باب بالتنوين أي في قوله تعالى: (﴿إن المنافقين في الدرك
стр. 5139
الأسفل﴾) [النساء: ١٤٥]. زاد أبوا ذر والوقت (﴿من النار﴾ وقال): بالواو ولأبي ذر: قال (ابن عباس): مما وصله ابن أبي حاتم أي (أسفل النار)، وللنار سبع دركات والمنافق في أسفلها. وقال أبو هريرة فيما رواه ابن أبي حاتم: الدرك الأسفل بيوت لها أبواب تطبق عليها فتوقد من فوقهم ومن تحتهم، ولعل ذلك لأجل أنه في أسفل السافلين من درجات الإنسانية، وكيف لا وقد ضم إلى الكفر السخرية بالإسلام وأهله والمنافق هو المظهر للإسلام المبطن للكفر فلذا كان عذابه أشد من الكفار وتسمية غيره بالمنافق كما في الحديث الصحيح (ثلاث من كن فيه كان منافقًا خالصًا) فللتغليظ.
(﴿نفقًا﴾) يريد قوله تعالى في سورة الأنعام: (﴿إن استطعت أن تبتغي نفقًا في الأرض﴾ [الأنعام: ٣٥] قال ابن عباس فيما وصله ابن أبي حاتم أيضًا أي: (سربًا).
٤٦٠٢ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: كُنَّا فِي حَلْقَةِ عَبْدِ اللَّهِ، فَجَاءَ حُذَيْفَةُ حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفَاقُ عَلَى قَوْمٍ خَيْرٍ مِنْكُمْ، قَالَ الأَسْوَدُ: سُبْحَانَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] فَتَبَسَّمَ عَبْدُ اللَّهِ وَجَلَسَ حُذَيْفَةُ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ فَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ فَرَمَانِي بِالْحَصَا فَأَتَيْتُهُ فَقَالَ حُذَيْفَةُ: عَجِبْتُ مِنْ ضَحِكِهِ، وَقَدْ عَرَفَ مَا قُلْتُ لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفَاقُ عَلَى قَوْمٍ كَانُوا خَيْرًا مِنْكُمْ ثُمَّ تَابُوا فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث الكوفي قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران (قال: حدّثني) بالإفراد (إبراهيم) النخعي (عن الأسود) بن يزيد النخعي وهو خال إبراهيم أنه (قال: كنا في حلقة عبد الله) أي ابن مسعود وحلقة بسكون اللام (فجاء حذيفة) بن اليمان (حتى قام علينا فسلم ثم قال: لقد أنزل النفاق على قوم خير منكم). أي ابتلوا به والخيرية باعتبار أنهم كانوا من طبقة الصحابة فهم خير من طبقة التابعين لكن الله تعالى ابتلاهم فارتدوا أو نافقوا فذهبت الخيرية منهم (قال الأسود) بن يزيد متعجبًا من كلام حذيفة: (سبحان الله إن الله) تعالى (يقول: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾ فتبسم عبد الله) بن مسعود متعجبًا من كلام حذيفة وبما قام به من قول الحق وما حذر منه (وجلس حذيفة) بن اليمان (في ناحية المسجد فقام عبد الله) بن مسعود (فتفرق أصحابه) قال الأسود: (فرماني) أي حذيفة بن اليمان (بالحصى) أي ليستدعيني (فأتيته فقال حذيفة: عجبت من ضحكة) أي ضحك عبد الله بن مسعود مقتصرًا عليه أي على الضحك (وقد عرف ما قلت لقد أنزل النفاق على قوم كانوا خيرًا منكم ثم تابوا)، أي رجعوا عن النفاق (فتاب الله عليهم) واستدلّ به كقوله: ﴿إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين﴾ [النساء:١٤٦] على صحة توبة الزنديق وقبولها كما عليه الجمهور.
стр. 5140
وهذا الحديث أخرجه النسائي في التفسير.
٢٥ - باب قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [النساء: ١٦٣]
هذا (باب) بالتنوين (قوله) (﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح﴾) إلى قوله: (﴿ويونس وهارون وسليمان﴾) [النساء: ١٦٣] وسقط لفظ باب لغير أبي ذر وقوله كما أوحينا إلى نوح لغير أبوي ذر والوقت والكاف في كما أوحينا نصب بمصدر محذوف أي إيحاء مثل إيحائنا أو على أنه حال من ذلك المصدر المحذوف وما تحتمل المصدرية فلا تفتقر إلى عائد على الصحيح والموصولية فيكون العائد محذوفًا.
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فيما رواه ابن إسحاق أن سكينًا وعدي بن زيد قالا: يا محمد ما نعلم أن الله أنزل على بشر من شيء من بعد موسى فأنزل الله تعالى في ذلك ﴿إنا أوحينا إليك﴾.
وعن محمد بن كعب القرظي أنزل الله ﴿يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابًا من السماء﴾ إلى قوله: ﴿بهتانًا عظيمًا﴾ [النساء: ١٥٣ - ١٥٦] فلما تلاها عليهم يعني اليهود وأخبرهم بأعمالهم الخبيثة جحدوا كل ما أنزل الله تعالى وقالوا: ﴿ما أنزل الله على بشر من شيء﴾ فقال: ولا على أحد فأنزل الله ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ [الأنعام: ٩١] إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء.
قال ابن كثير وفي هذا الذي قاله محمد بن كعب نظر فإن هذه الآية مكية في سورة الأنعام وهذه الآية التي في النساء مدنية وهي ردّ عليهم لما سألوه ﷺ أن ينزل عليهم كتابًا من السماء قال الله تعالى فقد سألوا موسى أكبر من ذلك ثم ذكر فضائحهم ومعايبهم ثم ذكر أنه أوحى إلى عبده كما أوحى إلى غيره من النبيين فقال مخاطبًا حبيبه وآثر صيغة التعظيم تعظيمًا للموحي والموحى إليه ﴿إنّا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح﴾ أي لك أسوة بالأنبياء السالفة فتأس بهم ﴿وكلاًّ نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك﴾ لأن شأن وحيك كشأن وحيهم، وبدأ بنوح لأنه أوّل نبي قاسى الشدة من الأمة وعطف عليه النبين من بعده وخص منهم إبراهيم إلى داود ﵇ تشريفًا لهم وترك ذكر موسى ليبرزه مع ذكرهم بقوله: ﴿وكلم الله موسى تكليمًا﴾ على نمط أعم من الأوّل لأن قوله: ﴿ورسلًا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلًا لم نقصصهم﴾ من التقسيم الخاص مزيدًا لشرفه واختصاصه بوصف التكليم دونهم أي رسلًا فضلهم واختارهم وآتاهم الآيات البينات والمعجزات القاهرات الباهرات إلى ما لا يحصى، وخص موسى بالتكليم وثلث ذكرهم على أسلوب يجمعهم في وصف عام على جهة المدح والتعظيم سار في غيرهم وهو كونهم مبشرين ومنذرين وجعلهم حجة الله على الخلق طرًا لقطع معاذيرهم فيدخل في هذا القسم كل من دعا إلى
стр. 5141
هدى وبشر وأنذر كالعلماء وظهر من هذا التقرير طبقات الداعين إلى الله بأسرهم قاله في فتوح الغيب.
٤٦٠٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا يَنْبَغِى لأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى».
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن سفيان) الثوري أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (الأعمش) سليمان (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن عبد الله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(ما ينبغي لأحد) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي لعبد بدل قوله لأحد، وسقط لأبي ذر قال: (أن يقول أنا خير من يونس بن متى) بفتح الميم والمثناة الفوقية المشددة مقصورًا اسم أبيه وقيل اسم أمه أي ليس لأحد أن يفضل نفسه على يونس أو ليس لأحد أن يفضلني عليه وهذا منه ﷺ على طريق التواضع فلا يعارض بحديث "أنا سيد ولد آدم" الصادر منه ﷺ على طريق التحدث بالنعمة والإعلام للأمة برفيع منزلته ليعتقدوه أو قال الأوّل قبل أن يعلم الثاني.
٤٦٠٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ حَدَّثَنَا هِلَالٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى فَقَدْ كَذَبَ».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن سنان) بكسر السين وتخفيف النون العوقي بفتح العين المهملة والواو بعدها قاف الباهلي قال: (حدّثنا فليح) بضم الفاء وفتح اللام آخره حاء مهملة مصغرًا ابن سليمان قال: (حدّثنا هلال) هو ابن علي (عن عطاء بن يسار) ضد اليمين (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(من قال أنا خير) يعني نفسه أو النبي ﷺ (من يونس بن متى فقد كذب) لعله قال ذكر زجرًا عن توهم حط مرتبة يونس لما في قوله تعالى: ﴿ولا تكن كصاحب الحوت﴾ [القلم: ٤٨] فقاله سدًّا للذريعة، وهذا هو السبب في تخصيص يونس بالذكر من بين سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وهذا الحديث قد ذكره في أحاديث الأنبياء.
٢٦ - باب ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦]. وَالْكَلَالَةُ: مَنْ لَمْ يَرِثْهُ أَبٌ أَوِ ابْنٌ وَهْوَ مَصْدَرٌ مِنْ تَكَلَّلَهُ النَّسَبُ
هذا (باب) بالتنوين وسقط لغير أبي ذر لفظ باب في قوله تعالى: (﴿يستفتونك﴾) أي في
стр. 5142
الكلالة حذف لدلالة الثاني عليه في قوله: (﴿قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك﴾) أي مات وارتفع امرؤ بالمضمر المفسر بالمذكور (﴿ليس له ولد﴾) أي ابن صفة لامرؤ واستدلّ به من قال ليس من شرط الكلالة انتفاء الوالد بل يكفي انتفاء الولد وهو رواية عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رواها ابن جرير عنه بإسناد صحيح إليه لكن الذي عليه الجمهور من الصحابة والتابعين أنه من لا ولد له ولا والد وهو قول أبي بكر الصديق ﵁ أخرجه ابن أبي شيبة ويدل على ذلك قوله تعالى: (﴿وله أخت فلها نصف ما ترك﴾) ولو كان معها أب لم ترث شيئًا لأنه يحجبها بالإجماع فدلّ على أنه من لا ولد له بنص القرآن ولا والد بالنص عند التأمل أيضًا لأن الأخت لا يفرض لها النصف مع الوالد بل ليس لها ميراث بالكلية والمراد الأخت من الأبوين أو الأب لأنه جعل أخوها عصبة وابن الأم لا يكون عصبة (﴿وهو﴾) أي والمرء (﴿يرثها﴾) أي جميع مال الأخت إن كان الأمر بالعكس (﴿إن لم يكن لها ولد﴾) [النساء: ١٧٦] ذكرًا كان أو أنثى أي ولا والد لأنه لو كان لها والد لم يرث الأخ شيئًا (والكلالة: من لم يرثه أبّ أو ابن) كما مر (وهو) كما قال أبو عبيدة (مصدر من تكلله النسب) أي تعطف النسب عليه وقال في الصحاح ويقال هو مصدر من تكلله النسب أي تطرفه كأنه أخذ طرفيه من جهة الولد والوالد وليس له منهما أحد فسمى بالمصدر اهـ.
وقال غيره، والكلالة في الأصل مصدر بمعنى الكلال وهو ذهاب القوة من الإعياء، وعلى هذا فقول العيني متعقبًا على الحافظ ابن حجر عزوه ما ذكره البخاري من كونه مصدرًا لأبي عبيدة فيه نظر لأن تكلل على وزن تفعل ومصدره تفعل وليس بمصدر بل هو اسم لا يخفى ما فيه وقيل كل ما احتف بالشيء من جوانبه فهو إكليل وبه سميت لأن الوراث يحيطون به من جوانبه وقيل الأب والابن طرفان للرجل فإذا مات ولم يخلفهما فقد مات عن ذهاب طرفيه فسمي ذهاب الطرفين كلالة.
٤٦٠٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، سَمِعْتُ الْبَرَاءَ ﵁ قَالَ: آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَرَاءَةَ وَآخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾.
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي قاضي مكة قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي أنه قال: (سمعت البراء) بن عازب (رضي الله تعالى عنه قال: آخر سورة نزلت) على النبي ﷺ (براءة) بالتنوين (وآخر آية نزلت ﴿يستفتونك﴾) زاد أبو ذر ﴿قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ وقد سبق في البقرة من حديث ابن عباس آخر آية نزلت آية الربا فيحتمل أن يقال آخرية الأولى باعتبار نزول أحكام الميراث والأخرى باعتبار أحكام الربا.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الفرائض وكذا أبو داود والنسائي.
стр. 5143
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
([٥] سورة الْمَائِدَةِ)
وهي مدنية إلا ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة: ٣] فبعرفة عشيتها. قال في الينبوع: ومن نسب هذه السورة إلى عرفة فقدسها بل نزلت بالمدينة سوى الآيات من أوّلها فإنهن نزلن في حجة الوداع وهو على راحلته بعرفة بعد العصر انتهى.
وقد روى الإمام أحمد عن أسماء بنت يزيد قالت: إني لآخذة بزمام العضباء ناقة رسول الله ﷺ إذ نزلت عليه المائدة كلها وكادت من ثقلها تدق عضد الناقة. وعن ابن عمر آخر سورة أنزلت المائدة والفتح، قال الترمذي حسن غريب، وثبتت البسملة بعد قوله المائدة لأبي ذر.
١ - باب
﴿حُرُمٌ﴾ وَاحِدُهَا حَرَامٌ ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقِهِمْ﴾ بِنَقْضِهِمْ ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ﴾ جَعَلَ اللَّهُ ﴿تَبُوءَ﴾ تَحْمِلُ ﴿دَائِرَةٌ﴾ دَوْلَةٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الإِغْرَاءُ: التَّسْلِيطُ. ﴿أُجُورَهُنَّ﴾: مُهُورَهُنَّ الْمُهَيْمِنُ: الأَمِينُ، الْقُرْآنُ أَمِينٌ عَلَى كُلِّ كِتَابٍ قَبْلَهُ، قَالَ سُفْيَانُ: مَا فِي القُرْآنِ آيَةٌ أَشَدُّ عَلَيَّ مِنْ ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أَنزَلَ إِلَيْكُم مِن رَبِّكُمْ﴾. مَخْمَصَةٌ: مَجَاعَةٌ، مَنْ أَحْيَاهَا: يَعْنِي مَنْ حَرَّمَ قَتْلَهَا إِلاَّ بِحَقٍّ حَيِيِّ النَّاسُ مِنْهُ جَمِيعًا. شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا سَبِيلًا وَسُنَّةً، فَإِنْ عُثِرَ ظَهَرَ، الأَوْلَيَانِ: وَاحِدُهُمَا أَوْلَى.
(﴿حرم﴾) يريد قولها ﴿غير محليّ الصيد وأنتم حرم﴾ [المائدة: ١] قال أبو عبيدة (واحدهما حرام) والمعنى وأنتم محرمون وهذه الجملة ساقطة لغير أبوي الوقت وذر.
(﴿فبما نقضهم ميثاقهم﴾) [المائدة: ١٣] قال قتادة وغيره أي (بنقضهم) فما صلة نحو فبما رحمة من الله وهو القول المشهور، وقيل ما اسم نكرة أبدل منها نقضهم على إبدال المعرفة من النكرة أي بسبب نقضهم ميثاق الله وعهده بأن كذبوا الرسل الذين جاؤوا من بعد موسى وكتموا نعت محمد ﷺ بعدناهم من الرحمة أو مسخناهم أو ضربنا عليهم الجزية.
(﴿التي كتب الله﴾) يريد قوله تعالى: ﴿ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم﴾ [المائدة: ٢١] أي التي (جعل الله) لكم وثبت هنا قوله حرم واحدها حرام لأبوي الوقت وذر.
(﴿تبوء﴾) يريد قوله تعالى: ﴿إني أريد أن تبوء بإثمي﴾ [المائدة: ٢٩] معناه (تحمل) كذا فسره مجاهد.
(﴿دائرة﴾) يريد قوله تعالى: ﴿يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة﴾ [المائدة: ٥٢] أي: (دولة) كذا فسره السدي (وقال غيره): قيل هو غير السدي أو غير من فسر السابق وسقط للنسفي وقال
стр. 5144
غيره فلا إشكال (الإغراء) المذكور في قوله تعالى: ﴿فأغرينا بينهم العداوة﴾ [المائدة: ١٤] هو (التسليط) وقيل أغرينا ألقينا.
(أجورهن) يريد ﴿إذا آتيتموهن أجورهن﴾ [المائدة: ٥] (مهورهن) وهذا تفسير أبي عبيدة.
(المهيمن) يريد قوله تعالى: ﴿ومهيمنًا عليه﴾ [المائدة: ٤٨] قال ابن عباس فيما وصله ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طلحة عنه ومهيمنًا عليه قال المهيمن (الأمين القرآن أمين على كل كتاب قبله) وقال ابن جريج: القرآن أمين على الكتب المتقدمة فما وافقه منها فحق وما خالفه منها فهو باطل وقال العوفي عن ابن عباس ومهيمنًا أي حاكمًا على ما قبله من الكتب.
(قال) وفي الفرع وقال: (سفيان) هو الثوري (ما في القرآن آية أشد عليّ من) قوله تعالى: (﴿لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم﴾) [المائدة: ٦٨] لما فيها من التكليف من العمل بأحكامها.
(﴿مخمصة﴾) قال ابن عباس (مجاعة). وقال أيضًا فيما وصله ابن أبي حاتم في قوله تعالى: (﴿من أحياها﴾ يعني من حرّم قتلها إلا بحق حيي الناس منه جميعًا). وقال أيضًا في قوله تعالى: ﴿لكل جعلنا منكم﴾ (﴿شرعة ومنهاجًا﴾) [المائدة: ٤٨] يعني (سبيلًا وسنة) وسقط قوله قال سفيان إلى هنا لغير أبوي ذر والوقت.
(﴿فإن عثر﴾) ﴿على أنهم استحقا إثمًا﴾ [المائدة: ١٠٧] أي (ظهر) وقوله تعالى: ﴿من الذين استحق عليهم الأوليان﴾ [المائدة: ١٠٧] (واحدهما أولى) وهذا ثابت في بعض النسخ ساقط من الفرع وأصله.
٢ - باب ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَخْمَصَةٌ: مَجَاعَةٌ
(باب قوله) تعالى: (﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾) [المائدة: ٣] وزاد غير أبي ذر هنا (وقال ابن عباس مخمصة مجاعة) وقد سبق فلا فائدة في ذكره وسقط باب قوله لغير أبي ذر.
٤٦٠٦ - حَدَّثَنَي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، قَالَتِ الْيَهُودُ: لِعُمَرَ إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ آيَةً لَوْ نَزَلَتْ فِينَا لَاتَّخَذْنَاهَا عِيدًا فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لأَعْلَمُ حَيْثُ أُنْزِلَتْ وَأَيْنَ أُنْزِلَتْ وَأَيْنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أُنْزِلَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ وَإِنَّا وَاللَّهِ بِعَرَفَةَ، قَالَ سُفْيَانُ: وَأَشُكُّ كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَمْ لَا ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشدّدة العبدي البصري أبو بكر بندار قال: (حدّثنا عبد الرحمن) هو ابن مهدي قال: (حدّثنا سفيان) هو الثوري (عن قيس)
стр. 5145
هو ابن مسلم (عن طارق بن شهاب) البجلي الأحمسي الكوفي له رؤية أنه قال: (قالت اليهود) كعب الأحبار قبل أن يسلم ومن معه من اليهود وكان إسلام كعب في خلافة عمر على المشهور (لعمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: (إنكم) معشر المسلمين (تقرؤون آية لو نزلت فينا) معشر اليهود (لاتخذناها عيدًا) نسر فيه لكمال الدين وزاد في الإيمان. قال: أيّ؟ قال: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾ [المائدة: ٣] (فقال عمر: إني لأعلم حيث أنزلت وأين أنزلت) قال في المغني وحيث للمكان اتفاقًا، وقال الأخفش قد ترد للزمان وأين قال في الصحاح هذا قلت أين يزيد فإنما تسأل عن مكانه فتكون حيث هنا للزمان وأين للمكان فلا تكرار، وعند أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي حيث أنزلت وأيّ يوم أنزلت (وأين رسول الله ﷺ حين) ولأبي ذر حيث (أنزلت) زاد أحمد أنزلت (يوم عرفة وإنا) بكسر الهمزة وتشديد النون (والله بعرفة) إشارة إلى المكان، ولمسلم: ورسول الله ﷺ واقف بعرفة.
(قال سفيان) الثوري بالسند السابق: (وأشك كان يوم الجمعة أم لا) سبق في الإيمان من وجه آخر عن قيس بن مسلم الجزم بأنه كان يوم الجمعة (﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾).
وهذا الحديث قد مرّ في كتاب الإيمان.
٣ - باب قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ تَيَمَّمُوا: تَعَمَّدُوا، آمِّينَ: عَامِدِينَ، أَمَّمْتُ وَتَيَمَّمْتُ وَاحِدٌ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَسْتُمْ وَتَمَسُّوهُنَّ وَاللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ. وَالإِفْضَاءُ: النِّكَاحُ
(باب قوله) تعالى: وثبت باب قوله لأبي ذر عن المستملي (﴿فلم تجدوا ماء﴾) معطوف على ما قبله والمعنى أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فطلبتم الماء لتتطهروا به فلم تجدوه بثمن ولا بغيره (﴿فتيمموا صعيدًا﴾) ترابًا (﴿طيبًا﴾) ولعل ذكر الكلام في التيمم ثانيًا لتحقيق شموله للجنب والمحدث حيث ذكر عقيب ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ [المائدة: ٧] فإنه نقل عن عمر وابن مسعود عند ذكر الأولى التخصيص بالمحدث (تيمموا) أي (تعمدوا) وسقط تيمموا تعمدوا لغير المستملي، وقوله تعالى: ﴿ولا آمين البيت الحرام﴾ [المائدة: ٢] أي (عامدين أممت وتيممت واحد) قاله أبو عبيدة (وقال ابن عباس: لمستم وتمسوهن) وفي الفرع ولمستموهن والأوّل هو الذي في أصله (واللاتي دخلتم بهن والإفضاء) الأربعة معناها (النكاح) فالأول وصله إسماعيل القاضي في أحكام القرآن من طريق مجاهد عنه، والثاني وصله ابن المنذر، والثالث ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عنه، والرابع ابن أبي حاتم من طريق بكر بن عبد الله المزني عن ابن عباس.
٤٦٠٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ
стр. 5146
عائشة ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ -أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ- انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْتِمَاسِهِ وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالُوا: أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِالنَّاسِ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ فَقَالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسَ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي وَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلاَّ مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى فَخِذِي فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ فَإِذَا الْعِقْدُ تَحْتَهُ.
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن عبد الرحمن بن القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق (عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ ¬) أنها (قالت: خرجنا مع رسول الله) ولأبي ذر عن النبي (¬ ﷺ في بعض أسفاره) هو غزوة بني المصطلق وكانت سنة ست أو خمس (حتى إذا كنا بالبيداء) بفتح الموحدة والمد (أو بذات الجيش) بفتح الجيم وبعد الياء الساكنة شين معجمة موضعين بين مكة والمدينة والشك من عائشة (انقطع عقد لي) بكسر العين وسكون القاف أي قلادة وإضافته دها باعتبار استيلائها لمنفعته وإلا فهو لأسماء استعارته منها (فأقام رسول الله ﷺ على التماسه وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق) ﵁ وسقط لفظ الصديق لأبي ذر (فقالوا) له: (ألا ترى ما صنعت عائشة أقامت برسول الله ﷺ وبالناس) بحرف الجر (وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذي) بالذال المعجمة (قد نام. فقال): ولأبي ذر وقال: (حبست رسول الله ﷺ و) حبست (الناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء. قالت) ولأبوي ذر والوقت فقالت (عائشة: فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول) قال حبست الناس في قلادة وفي كل مرة تكونين عناء (وجعل يطعنني بيده في خاصرتي) بضم عين يطعنني وقد تفتح (ولا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله ﷺ على فخذي فقام رسول الله ﷺ حين أصبح) ولغير أبوي ذر والوقت فنام حتى أصبح (على غير ماء فأنزل الله آية التيمم) التي بالمائدة. زاد أبو ذر فتيمموا بلفظ الماضي أي تيمم الناس لأجل الآية أو هو أمر على ما هو لفظ القرآن ذكره بيانًا أو بدلًا من آية التيمم أي أنزل الله فتيمموا وفي نسخة فتيممنا (فقال أسيد بن حضير): بضم الحاء وفتح الضاد المعجمة مصغرًا كسابقه الأنصاري الأشهلي (ما هي) أي البركة التي حصلت للمسلمين برخصة التيمم (بأوّل بركتكم يا آل أبي بكر) بل هي مسبوقة بغيرها (قالت) عائشة: (فبعثنا) أي أثرنا (البعير الذي كنت) راكبة (عليه) حالة السير (فإذا العقد تحته).
وهذا الحديث قد سبق في التيمم.
стр. 5147
٤٦٠٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ سَقَطَتْ قِلَادَةٌ لِي بِالْبَيْدَاءِ، وَنَحْنُ دَاخِلُونَ الْمَدِينَةَ، فَأَنَاخَ النَّبِيُّ ﷺ وَنَزَلَ فَثَنَى رَأْسَهُ فِي حَجْرِي رَاقِدًا أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَلَكَزَنِي لَكْزَةً شَدِيدَةً وَقَالَ: حَبَسْتِ النَّاسَ فِي قِلَادَةٍ فَبِي الْمَوْتُ لِمَكَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ أَوْجَعَنِي ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَيْقَظَ وَحَضَرَتِ الصُّبْحُ فَالْتُمِسَ الْمَاءُ فَلَمْ يُوجَدْ فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] الآيَةَ. فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ لَقَدْ بَارَكَ اللَّهُ لِلنَّاسِ فِيكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ مَا أَنْتُمْ إِلاَّ بَرَكَةٌ لَهُمْ.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (يحيى بن سليمان) الجعفي الكوفي نزيل مصر (قال: حدّثني) بالإفراد (ابن وهب) عبد الله (قال أخبرني) بالإفراد (عمرو) بفتح العين ابن الحارث المصري (أن عبد الرحمن بن القاسم حدثه عن أبيه) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق (عن عائشة ﵂) أنها قالت: (سقطت قلادة) بكسر القاف (لي بالبيداء) ليس في هذه الرواية أو بذات الجيش (ونحن داخلون المدينة) الواو للحال (فأناخ النبي ﷺ ¬) راحلته (ونزل) عنها (فثنى رأسه) أي وضعها (في حجري) حال كونه ﵊ (راقدًا. أقبل أبو بكر فلكزني لكزة) بالزاي أي دفعني في صدري بيده دفعة (شديدة وقال: حبست الناس في قلادة فبي الموت لمكان رسول الله ﷺ وقد أوجعني، ثم إن النبي ﷺ استيقظ وحضرت الصبح) أي صلاة الصبح (فالتمس الماء) بالرفع مفعولًا ناب عن الفاعل أي التمس الناس الماء (فلم يوجد فنزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة﴾ الآية. فقال أسيد بن حضير: لقد بارك الله للناس فيكم) أي بسببكم (يا أبي بكر ما أنتم إلا بركة لهم).
٤ - باب قَوْلِهِ: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]
(باب قوله) ، وسقط لفظ باب لغير أبي ذر وقوله للكشميهني والحموي (﴿فاذهب أنت وربك﴾) رفع عطفًا على الفاعل المستتر في اذهب وجاز ذلك للتأكيد بالضمير ويحتمل أنهم أرادوا حقيقة الذهاب على الله لأن مذهب اليهود التجسيم، ويؤيده مقابلة الذهاب بالقعود في قولهم (﴿فقاتلا إنا هاهنا قاعدون﴾) [المائدة: ٢٤] وظاهر الكلام إنهم قالوا ذلك استهانة بالله ورسوله وعدم مبالاة بهما.
وأصل هذا أن موسى ﵇ أمر أن يدخلوا مدينة الجبارين وهي أريحاء فبعث إليهم اثني عشر عينًا من كل سبط منهم عين ليأتوه بخبر القوم فلما دخلوها رأوا أمرًا عظيمًا من هيئتهم وعظمتهم فدخلوا حائطًا لبعضهم، فجاء صاحب الحائط ليجتني الثمار من حائطه فنظر إلى آثارهم
стр. 5148
فتتبعهم فكلما أصاب واحدًا منهم أخذه فجعله في كمه مع الفاكهة حتى التقطهم كلهم فجعلهم في كمه مع الفاكهة، وذهب إلى ملكهم فنثرهم بين يديه فقال الملك: قد رأيتم شأننا فاذهبوا وأخبروا صاحبكم رواه ابن جرير عن عبد الكريم بن الهيثم، حدّثنا إبراهيم بن بشار، حدّثنا سفيان عن أبي سعيد عن عكرمة عن ابن عباس.
قال ابن كثير: وفي هذا الإسناد نظر وقد ذكر كثير من المفسرين أخبارًا من وضع بني إسرائيل في عظمة خلق هؤلاء الجبارين وأنه كان فيهم عوج بن عنق بنت آدم ﵊، وأنه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثين ذراعًا وثلث ذراع تحرير الحساب وهذا شيء يستحيى منه، ثم هو مخالف لما في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال "إن الله خلق آدم طوله ستون ذراعًاً ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن" ثم ذكروا أن عوجًا كان كافرًا وأنه امتنع من ركوب السفينة وأن الطوفان لم يصل إلى ركبته وهذا كذب وافتراء فإن الله تعالى ذكر أن نوحًا دعا على أهل الأرض من الكافرين فقال: ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارًا﴾ [نوح: ٢٦] وقال تعالى: ﴿فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون ثم أغرقنا بعد الباقين﴾ [الشعراء: ١١٩] وقال تعالى ﴿لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم﴾ [هود: ٤٣] وإذا كان ابن نوح غرق فكيف يبقى عوج بن عنق وهو كافر هذا لا يسوغ في عقل ولا في شرع ثم في وجود رجل يقال له عوج بن عنق نظر، والله أعلم اهـ.
٤٦٠٩ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ مُخَارِقٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: شَهِدْتُ مِنَ الْمِقْدَادِ ح وَحَدَّثَنِي حَمْدَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا الأَشْجَعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُخَارِقٍ، عَنْ طَارِقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ الْمِقْدَادُ يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ وَلَكِنِ امْضِ وَنَحْنُ مَعَكَ فَكَأَنَّهُ سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَرَوَاهُ وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُخَارِقٍ، عَنْ طَارِقٍ، أَنَّ الْمِقْدَادَ قَالَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا إسرائيل) بن يونس السبيعي (عن مخارق) بضم الميم وتخفيف الخاء المعجمة آخره قاف ابن عبد الله الأحمسي الكوفي (عن طارق بن شهاب) الأحمسي البجلي الكوفي أنه قال: (سمعت ابن مسعود) عبد الله (﵁ قال: شهدت من المقداد) هو ابن الأسود وكان قد تباه فنسب إليه واسم أبيه عمرو (ح) لتحويل السند.
قال المؤلّف بالسند السابق.
(وحدّثني) بالإفراد (حمدان) هو أحمد (بن عمر) بضم العين البغدادي ليس له في البخاري إلا هذا الموضع قال: (حدّثنا أبو النضر) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة هاشم بن القاسم التميمي الخراساني نزيل بغداد قال: (حدّثنا الأشجع) بالشين المعجمة والجيم والعين المهملة عبيد الله بن
стр. 5149
عبد الرحمن الكوفي (عن سفيان) الثوري (عن مخارق) هو ابن عبد الله (عن طارق) هو ابن شهاب (عن عبد الله) هو ابن مسعود أنه (قال: قال المقداد) هو المعروف بابن الأسود (يوم بدر): ولأبي ذر عن الحموي والمستملي يومئذٍ (يا رسول الله إنّا لا نقول لك) سقط لفظ لك لأبي ذر (كما قالت بنو إسرائيل لموسى فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن امض ونحن معك). وعند أحمد: ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون (فكأنه سرّي عن رسول الله ﷺ ¬) أي أزيل عنه المكروهات كلها.
(ورواه) أي الحديث المذكور (وكيع) هو ابن الجراح الرؤاسي فيما وصله أحمد وإسحاق في مسنديهما عنه (عن سفيان) هو الثوري (عن مخارق عن طارق أن المقداد قال ذلك) القول وهو يا رسول الله إنا لا نقول لك إلخ (للنبي ﷺ ¬). ومراد البخاري أن صورة سياق هذا أنه مرسل بخلاف سياق الأشجع واستظهر لرواية الأشجع الموصلة برواية إسرائيل، وقد وقع قوله ورواه وكيع الخ مقدمًا على قوله حدّثنا أبو نعيم عند أبي ذر مؤخرًا عند غيره. قال في الفتح: وهو أشبه بالصواب، وعند ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه يوم الحديبية حين صدّ المشركون الهدي وحيل بينهم وبين مناسكهم "إني ذاهب بالهدي فناحره عند البيت" فقال المقداد: إنا والله لا نكون كالملأ من بني إسرائيل إذ قالوا لنبيهم: اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا معكم مقاتلون، فلما سمعها أصحاب رسول الله ﷺ تتابعوا على ذلك. قال الحافظ ابن كثير: وهذا إن كان محفوظًا يوم الحديبية فيحتمل أنه كرر هذه المقالة يومئذٍ كما قالها يوم بدر وسقط قوله ذلك لأبي ذر.
٥ - باب ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] الْمُحَارَبَةُ لِلَّهِ: الْكُفْرُ بِهِ
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا﴾) مفعول من أجله أي: يحاربون لأجل الفساد أو حال أي مفسدين (﴿أن يقتلوا﴾) خبر المبتدأ وهو جزاء الذين (﴿أو يصلبوا﴾ -إلى قوله- ﴿أو ينفوا من الأرض﴾) [المائدة: ٣٣] أي من أرض الجناية إلى غيرها. وقال أبو حنيفة بالحبس لأن المحبوس لا يرى أحدًا من أحبابه ولا ينتفع بلذات الدنيا وأو قيل للتخيير أي للإمام أن يفعل بهم أيّ خصلة شاء وهو مروي عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة فيما رواه ابن جرير.
قال شارح البزدوي فيما حكاه الطيبي نظر هذا القائل أن كلمة أو للتخيير حقيقة فيجب العمل بها إلى أن يقوم دليل المجاز ولأن قطع الطريق في ذاته جناية واحدة وهذه الأجزية ذكرت بمقابلتها فيصلح كل واحد جزاء له فيثبت التخيير كما في كفارة اليمين اهـ.
стр. 5150
والجمهور أنها للتنويع. قال إمامنا الشافعي أخبرنا إبراهيم هو ابن أبي يحيى عن صالح مولى التوأمة عن ابن عباس في قطاع الطريق: إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالًا نفوا من الأرض، ورواه ابن أبي شيبة عن عطية عن ابن عباس بنحوه.
وأجاب في فتوح الغيب عما سبق من القول بالتخيير بأنه غير ممكن لأن الجزاء على حسب الجناية ويزداد بزيادتها وينقص بنقصانها قال تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ [الشورى: ٤٠] فيبعد أن يقال عند غلظ الجناية يعاقب بأخف الأنواع وعند خفتها بأغلظها وذلك أن المحاربة تتفاوت أنواعها في صفة الجناية من تخويف أو أخذ مال أو قتل نفس أو جمع بين القتل وأخذ المال، والمذكور في الآية أجزية متفاوتة في معنى التشديد والغلظة فوقع الاستغناء بتلك المقدّمة عن بيان تقسيم الأجزية على أنواع الجناية نصًّا وهذا التقسيم يرجع إلى أصل لهم وهو أن الجملة إذا قوبلت بالجملة ينقسم البعض على البعض اهـ.
واختلف في كيفية الصلب فقيل يصلب حيًّا ثم يطعن في بطنه برمح حتى يموت، وعن الشافعي يقتل أوّلًا ثم يصلّى عليه ثم يصلب وهل يصلب ثلاثة أيام ثم ينزل أو يترك حتى يتهرى ويسيل صديده، وسقط قولها ﴿أن يقتلوا﴾ إلى آخره لأبي ذر وقال بعد قوله تعالى: ﴿فسادًا﴾ الآية.
(المحاربة لله) قال سعيد بن جبير فيما وصله ابن أبي حاتم من طريق ابن لهيعة عن عطاء بن يسار عنه في (الكفر به) تعالى. وقال غيره: هو من باب حذف المضاف أي يحاربون أولياء الله وأولياء رسوله وهم المسلمون ففيه تعظيم لهم، ومنه قوله تعالى: من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالحرب، وأصل الحرب السلب والمحارب يسلب الروح والمال والمراد هنا قطع الطريق وهو أخذ المال مكابرة اعتمادًا على الشوكة وإن كان في مصر.
٤٦١٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَلْمَانُ أَبُو رَجَاءٍ مَوْلَى أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا خَلْفَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَذَكَرُوا وَذَكَرُوا فَقَالُوا: وَقَالُوا قَدْ أَقَادَتْ بِهَا الْخُلَفَاءُ، فَالْتَفَتَ إِلَى أَبِي قِلَابَةَ وَهْوَ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَقَالَ: مَا تَقُولُ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ -أَوْ قَالَ: مَا تَقُولُ يَا أَبَا قِلَابَةَ-؟ قُلْتُ: مَا عَلِمْتُ نَفْسًا حَلَّ قَتْلُهَا فِي الإِسْلَامِ إِلاَّ رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ، أَوْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ فَقَالَ عَنْبَسَةُ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ بِكَذَا وَكَذَا، قُلْتُ إِيَّايَ حَدَّثَ أَنَسٌ قَالَ: قَدِمَ قَوْمٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَكَلَّمُوهُ فَقَالُوا: قَدِ اسْتَوْخَمْنَا هَذِهِ الأَرْضَ فَقَالَ: «هَذِهِ نَعَمٌ، لَنَا تَخْرُجُ فَاخْرُجُوا فِيهَا فَاشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا» فَخَرَجُوا فِيهَا فَشَرِبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا وَاسْتَصَحُّوا وَمَالُوا عَلَى
следующие страницы →