← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21716

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط العلمية

القسطلاني

Полный текст (8 298 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.

стр. 5146

عائشة ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ -أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ- انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْتِمَاسِهِ وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالُوا: أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِالنَّاسِ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ فَقَالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسَ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ: وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي وَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلاَّ مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى فَخِذِي فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ فَإِذَا الْعِقْدُ تَحْتَهُ. وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن عبد الرحمن بن القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق (عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ ¬) أنها (قالت: خرجنا مع رسول الله) ولأبي ذر عن النبي (¬ ﷺ في بعض أسفاره) هو غزوة بني المصطلق وكانت سنة ست أو خمس (حتى إذا كنا بالبيداء) بفتح الموحدة والمد (أو بذات الجيش) بفتح الجيم وبعد الياء الساكنة شين معجمة موضعين بين مكة والمدينة والشك من عائشة (انقطع عقد لي) بكسر العين وسكون القاف أي قلادة وإضافته دها باعتبار استيلائها لمنفعته وإلا فهو لأسماء استعارته منها (فأقام رسول الله ﷺ على التماسه وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق) ﵁ وسقط لفظ الصديق لأبي ذر (فقالوا) له: (ألا ترى ما صنعت عائشة أقامت برسول الله ﷺ وبالناس) بحرف الجر (وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذي) بالذال المعجمة (قد نام. فقال): ولأبي ذر وقال: (حبست رسول الله ﷺ و) حبست (الناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء. قالت) ولأبوي ذر والوقت فقالت (عائشة: فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول) قال حبست الناس في قلادة وفي كل مرة تكونين عناء (وجعل يطعنني بيده في خاصرتي) بضم عين يطعنني وقد تفتح (ولا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله ﷺ على فخذي فقام رسول الله ﷺ حين أصبح) ولغير أبوي ذر والوقت فنام حتى أصبح (على غير ماء فأنزل الله آية التيمم) التي بالمائدة. زاد أبو ذر فتيمموا بلفظ الماضي أي تيمم الناس لأجل الآية أو هو أمر على ما هو لفظ القرآن ذكره بيانًا أو بدلًا من آية التيمم أي أنزل الله فتيمموا وفي نسخة فتيممنا (فقال أسيد بن حضير): بضم الحاء وفتح الضاد المعجمة مصغرًا كسابقه الأنصاري الأشهلي (ما هي) أي البركة التي حصلت للمسلمين برخصة التيمم (بأوّل بركتكم يا آل أبي بكر) بل هي مسبوقة بغيرها (قالت) عائشة: (فبعثنا) أي أثرنا (البعير الذي كنت) راكبة (عليه) حالة السير (فإذا العقد تحته). وهذا الحديث قد سبق في التيمم.

стр. 5147

٤٦٠٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ سَقَطَتْ قِلَادَةٌ لِي بِالْبَيْدَاءِ، وَنَحْنُ دَاخِلُونَ الْمَدِينَةَ، فَأَنَاخَ النَّبِيُّ ﷺ وَنَزَلَ فَثَنَى رَأْسَهُ فِي حَجْرِي رَاقِدًا أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَلَكَزَنِي لَكْزَةً شَدِيدَةً وَقَالَ: حَبَسْتِ النَّاسَ فِي قِلَادَةٍ فَبِي الْمَوْتُ لِمَكَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ أَوْجَعَنِي ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَيْقَظَ وَحَضَرَتِ الصُّبْحُ فَالْتُمِسَ الْمَاءُ فَلَمْ يُوجَدْ فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] الآيَةَ. فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ لَقَدْ بَارَكَ اللَّهُ لِلنَّاسِ فِيكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ مَا أَنْتُمْ إِلاَّ بَرَكَةٌ لَهُمْ. وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (يحيى بن سليمان) الجعفي الكوفي نزيل مصر (قال: حدّثني) بالإفراد (ابن وهب) عبد الله (قال أخبرني) بالإفراد (عمرو) بفتح العين ابن الحارث المصري (أن عبد الرحمن بن القاسم حدثه عن أبيه) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق (عن عائشة ﵂) أنها قالت: (سقطت قلادة) بكسر القاف (لي بالبيداء) ليس في هذه الرواية أو بذات الجيش (ونحن داخلون المدينة) الواو للحال (فأناخ النبي ﷺ ¬) راحلته (ونزل) عنها (فثنى رأسه) أي وضعها (في حجري) حال كونه ﵊ (راقدًا. أقبل أبو بكر فلكزني لكزة) بالزاي أي دفعني في صدري بيده دفعة (شديدة وقال: حبست الناس في قلادة فبي الموت لمكان رسول الله ﷺ وقد أوجعني، ثم إن النبي ﷺ استيقظ وحضرت الصبح) أي صلاة الصبح (فالتمس الماء) بالرفع مفعولًا ناب عن الفاعل أي التمس الناس الماء (فلم يوجد فنزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة﴾ الآية. فقال أسيد بن حضير: لقد بارك الله للناس فيكم) أي بسببكم (يا أبي بكر ما أنتم إلا بركة لهم). ٤ - باب قَوْلِهِ: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] (باب قوله) ، وسقط لفظ باب لغير أبي ذر وقوله للكشميهني والحموي (﴿فاذهب أنت وربك﴾) رفع عطفًا على الفاعل المستتر في اذهب وجاز ذلك للتأكيد بالضمير ويحتمل أنهم أرادوا حقيقة الذهاب على الله لأن مذهب اليهود التجسيم، ويؤيده مقابلة الذهاب بالقعود في قولهم (﴿فقاتلا إنا هاهنا قاعدون﴾) [المائدة: ٢٤] وظاهر الكلام إنهم قالوا ذلك استهانة بالله ورسوله وعدم مبالاة بهما. وأصل هذا أن موسى ﵇ أمر أن يدخلوا مدينة الجبارين وهي أريحاء فبعث إليهم اثني عشر عينًا من كل سبط منهم عين ليأتوه بخبر القوم فلما دخلوها رأوا أمرًا عظيمًا من هيئتهم وعظمتهم فدخلوا حائطًا لبعضهم، فجاء صاحب الحائط ليجتني الثمار من حائطه فنظر إلى آثارهم

стр. 5148

فتتبعهم فكلما أصاب واحدًا منهم أخذه فجعله في كمه مع الفاكهة حتى التقطهم كلهم فجعلهم في كمه مع الفاكهة، وذهب إلى ملكهم فنثرهم بين يديه فقال الملك: قد رأيتم شأننا فاذهبوا وأخبروا صاحبكم رواه ابن جرير عن عبد الكريم بن الهيثم، حدّثنا إبراهيم بن بشار، حدّثنا سفيان عن أبي سعيد عن عكرمة عن ابن عباس. قال ابن كثير: وفي هذا الإسناد نظر وقد ذكر كثير من المفسرين أخبارًا من وضع بني إسرائيل في عظمة خلق هؤلاء الجبارين وأنه كان فيهم عوج بن عنق بنت آدم ﵊، وأنه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثين ذراعًا وثلث ذراع تحرير الحساب وهذا شيء يستحيى منه، ثم هو مخالف لما في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال "إن الله خلق آدم طوله ستون ذراعًاً ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن" ثم ذكروا أن عوجًا كان كافرًا وأنه امتنع من ركوب السفينة وأن الطوفان لم يصل إلى ركبته وهذا كذب وافتراء فإن الله تعالى ذكر أن نوحًا دعا على أهل الأرض من الكافرين فقال: ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارًا﴾ [نوح: ٢٦] وقال تعالى: ﴿فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون ثم أغرقنا بعد الباقين﴾ [الشعراء: ١١٩] وقال تعالى ﴿لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم﴾ [هود: ٤٣] وإذا كان ابن نوح غرق فكيف يبقى عوج بن عنق وهو كافر هذا لا يسوغ في عقل ولا في شرع ثم في وجود رجل يقال له عوج بن عنق نظر، والله أعلم اهـ. ٤٦٠٩ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ مُخَارِقٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: شَهِدْتُ مِنَ الْمِقْدَادِ ح وَحَدَّثَنِي حَمْدَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا الأَشْجَعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُخَارِقٍ، عَنْ طَارِقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ الْمِقْدَادُ يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ وَلَكِنِ امْضِ وَنَحْنُ مَعَكَ فَكَأَنَّهُ سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَرَوَاهُ وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُخَارِقٍ، عَنْ طَارِقٍ، أَنَّ الْمِقْدَادَ قَالَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ . وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا إسرائيل) بن يونس السبيعي (عن مخارق) بضم الميم وتخفيف الخاء المعجمة آخره قاف ابن عبد الله الأحمسي الكوفي (عن طارق بن شهاب) الأحمسي البجلي الكوفي أنه قال: (سمعت ابن مسعود) عبد الله (﵁ قال: شهدت من المقداد) هو ابن الأسود وكان قد تباه فنسب إليه واسم أبيه عمرو (ح) لتحويل السند. قال المؤلّف بالسند السابق. (وحدّثني) بالإفراد (حمدان) هو أحمد (بن عمر) بضم العين البغدادي ليس له في البخاري إلا هذا الموضع قال: (حدّثنا أبو النضر) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة هاشم بن القاسم التميمي الخراساني نزيل بغداد قال: (حدّثنا الأشجع) بالشين المعجمة والجيم والعين المهملة عبيد الله بن

стр. 5149

عبد الرحمن الكوفي (عن سفيان) الثوري (عن مخارق) هو ابن عبد الله (عن طارق) هو ابن شهاب (عن عبد الله) هو ابن مسعود أنه (قال: قال المقداد) هو المعروف بابن الأسود (يوم بدر): ولأبي ذر عن الحموي والمستملي يومئذٍ (يا رسول الله إنّا لا نقول لك) سقط لفظ لك لأبي ذر (كما قالت بنو إسرائيل لموسى فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن امض ونحن معك). وعند أحمد: ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون (فكأنه سرّي عن رسول الله ﷺ ¬) أي أزيل عنه المكروهات كلها. (ورواه) أي الحديث المذكور (وكيع) هو ابن الجراح الرؤاسي فيما وصله أحمد وإسحاق في مسنديهما عنه (عن سفيان) هو الثوري (عن مخارق عن طارق أن المقداد قال ذلك) القول وهو يا رسول الله إنا لا نقول لك إلخ (للنبي ﷺ ¬). ومراد البخاري أن صورة سياق هذا أنه مرسل بخلاف سياق الأشجع واستظهر لرواية الأشجع الموصلة برواية إسرائيل، وقد وقع قوله ورواه وكيع الخ مقدمًا على قوله حدّثنا أبو نعيم عند أبي ذر مؤخرًا عند غيره. قال في الفتح: وهو أشبه بالصواب، وعند ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه يوم الحديبية حين صدّ المشركون الهدي وحيل بينهم وبين مناسكهم "إني ذاهب بالهدي فناحره عند البيت" فقال المقداد: إنا والله لا نكون كالملأ من بني إسرائيل إذ قالوا لنبيهم: اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا معكم مقاتلون، فلما سمعها أصحاب رسول الله ﷺ تتابعوا على ذلك. قال الحافظ ابن كثير: وهذا إن كان محفوظًا يوم الحديبية فيحتمل أنه كرر هذه المقالة يومئذٍ كما قالها يوم بدر وسقط قوله ذلك لأبي ذر. ٥ - باب ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] الْمُحَارَبَةُ لِلَّهِ: الْكُفْرُ بِهِ هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا﴾) مفعول من أجله أي: يحاربون لأجل الفساد أو حال أي مفسدين (﴿أن يقتلوا﴾) خبر المبتدأ وهو جزاء الذين (﴿أو يصلبوا﴾ -إلى قوله- ﴿أو ينفوا من الأرض﴾) [المائدة: ٣٣] أي من أرض الجناية إلى غيرها. وقال أبو حنيفة بالحبس لأن المحبوس لا يرى أحدًا من أحبابه ولا ينتفع بلذات الدنيا وأو قيل للتخيير أي للإمام أن يفعل بهم أيّ خصلة شاء وهو مروي عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة فيما رواه ابن جرير. قال شارح البزدوي فيما حكاه الطيبي نظر هذا القائل أن كلمة أو للتخيير حقيقة فيجب العمل بها إلى أن يقوم دليل المجاز ولأن قطع الطريق في ذاته جناية واحدة وهذه الأجزية ذكرت بمقابلتها فيصلح كل واحد جزاء له فيثبت التخيير كما في كفارة اليمين اهـ.

стр. 5150

والجمهور أنها للتنويع. قال إمامنا الشافعي أخبرنا إبراهيم هو ابن أبي يحيى عن صالح مولى التوأمة عن ابن عباس في قطاع الطريق: إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالًا نفوا من الأرض، ورواه ابن أبي شيبة عن عطية عن ابن عباس بنحوه. وأجاب في فتوح الغيب عما سبق من القول بالتخيير بأنه غير ممكن لأن الجزاء على حسب الجناية ويزداد بزيادتها وينقص بنقصانها قال تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ [الشورى: ٤٠] فيبعد أن يقال عند غلظ الجناية يعاقب بأخف الأنواع وعند خفتها بأغلظها وذلك أن المحاربة تتفاوت أنواعها في صفة الجناية من تخويف أو أخذ مال أو قتل نفس أو جمع بين القتل وأخذ المال، والمذكور في الآية أجزية متفاوتة في معنى التشديد والغلظة فوقع الاستغناء بتلك المقدّمة عن بيان تقسيم الأجزية على أنواع الجناية نصًّا وهذا التقسيم يرجع إلى أصل لهم وهو أن الجملة إذا قوبلت بالجملة ينقسم البعض على البعض اهـ. واختلف في كيفية الصلب فقيل يصلب حيًّا ثم يطعن في بطنه برمح حتى يموت، وعن الشافعي يقتل أوّلًا ثم يصلّى عليه ثم يصلب وهل يصلب ثلاثة أيام ثم ينزل أو يترك حتى يتهرى ويسيل صديده، وسقط قولها ﴿أن يقتلوا﴾ إلى آخره لأبي ذر وقال بعد قوله تعالى: ﴿فسادًا﴾ الآية. (المحاربة لله) قال سعيد بن جبير فيما وصله ابن أبي حاتم من طريق ابن لهيعة عن عطاء بن يسار عنه في (الكفر به) تعالى. وقال غيره: هو من باب حذف المضاف أي يحاربون أولياء الله وأولياء رسوله وهم المسلمون ففيه تعظيم لهم، ومنه قوله تعالى: من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالحرب، وأصل الحرب السلب والمحارب يسلب الروح والمال والمراد هنا قطع الطريق وهو أخذ المال مكابرة اعتمادًا على الشوكة وإن كان في مصر. ٤٦١٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَلْمَانُ أَبُو رَجَاءٍ مَوْلَى أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا خَلْفَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَذَكَرُوا وَذَكَرُوا فَقَالُوا: وَقَالُوا قَدْ أَقَادَتْ بِهَا الْخُلَفَاءُ، فَالْتَفَتَ إِلَى أَبِي قِلَابَةَ وَهْوَ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَقَالَ: مَا تَقُولُ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ -أَوْ قَالَ: مَا تَقُولُ يَا أَبَا قِلَابَةَ-؟ قُلْتُ: مَا عَلِمْتُ نَفْسًا حَلَّ قَتْلُهَا فِي الإِسْلَامِ إِلاَّ رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ، أَوْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ فَقَالَ عَنْبَسَةُ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ بِكَذَا وَكَذَا، قُلْتُ إِيَّايَ حَدَّثَ أَنَسٌ قَالَ: قَدِمَ قَوْمٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَكَلَّمُوهُ فَقَالُوا: قَدِ اسْتَوْخَمْنَا هَذِهِ الأَرْضَ فَقَالَ: «هَذِهِ نَعَمٌ، لَنَا تَخْرُجُ فَاخْرُجُوا فِيهَا فَاشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا» فَخَرَجُوا فِيهَا فَشَرِبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا وَاسْتَصَحُّوا وَمَالُوا عَلَى

стр. 5151

الرَّاعِي فَقَتَلُوهُ، وَاطَّرَدُوا النَّعَمَ فَمَا يُسْتَبْطَأُ مِنْ هَؤُلَاءِ قَتَلُوا النَّفْسَ وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَخَوَّفُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "سُبْحَانَ اللَّهِ" فَقُلْتُ: تَتَّهِمُنِي قَالَ: حَدَّثَنَا بِهَذَا أَنَسٌ قَالَ: وَقَالَ يَا أَهْلَ كَذَا إِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا بِخَيْرٍ مَا أُبْقِىَ هَذَا فِيكُمْ أَوْ مِثْلُ هَذَا. وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا محمد بن عبد الله الأنصاري) أحد شيوخ المؤلّف روى عنه هنا بواسطة قال: (حدّثنا ابن عون) هو عبد الله بن عون بن أرطبان المزني البصري (قال: حدّثني) بالإفراد (سلمان) بفتح السين وسكون اللام مكبرًا ولأبي ذر عن الكشميهني سليمان بضم السين وفتح اللام مصغرًا والصواب الأول كما ذكره ابن طاهر وعبد الغني المقدسي وغيرهما (أبو رجاء مولى أبي قلابة) بكسر القاف عبد الله بن زيد (عن أبي قلابة أنه كان جالسًا خلف عمر بن عبد العزيز) وكان قد أبرز سريره للناس ثم أذن لهم فدخلوا (فذكروا) القسامة لما استشارهم عمر فيها (وذكروا) له شأنها (فقالوا) نقول فيها القود (وقالوا قد أقادت بها الخلفاء) قبلك. وفي المغازي من طريق أيوب والحجاج الصواف عن أبي رجاء فقالوا حق قضى بها رسول الله ﷺ وقضت بها الخلفاء قبلك (فالتفت) عمر رحمة الله عليه (إلى أبي قلابة وهو خلف ظهر. فقال: ما تقول يا عبد الله بن زيد، أو قال ما تقول يا أبا قلابة؟) شك الراوي. زاد في الدّيات من طريق الحجاج عن أبي عثمان عن أبي رجاء فقلت: يا أمير المؤمنين عندك رؤوس الأجناد وأشراف العرب أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل محصن بدمشق أنه قد زنى ولم يروه أكنت ترجمه؟ قال: لا. قلت: أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل بحمص أنه سرق كنت تقطعه ولم يروه؟ قال: لا. (قلت) زاد في الدّيات أيضًا والله (ما علمت نفسًا حلّ قتلها في الإسلام إلا رجل زنى بعد إحصان، أو قتل نفسًا بغير نفس، أو حارب الله ورسوله ﷺ ¬) سقطت التصلية لأبي ذر وزاد في الدّيات وارتد عن الإسلام. (فقال عنبسة) بفتح العين المهملة وسكون النون وفتح الموحدة والسين المهملة ابن سعيد بن العاص بن أمية القرشي الأموي (حدّثنا أنس) هو ابن مالك (بكذا وكذا) يعني بحديث العرنيين قال أبو قلابة (قلت): ولأبي ذر فقلت: (إياي حدث أنس قال: قدم قوم﴾) من عكل أو عرينة ثمانية سنة ست (على النبي ﷺ فكلموه) بعد أن بايعوه على الإسلام (فقالوا: قد استوخمنا هذه الأرض) أي استثقلنا المدينة فلم يوافق هواؤها أبداننا وكانوا قد سقموا (فقال) ﷺ : (هذه نعم) أي إبل (لنا تخرج) لترعى مع إبل الصدقة (فأخرجوا فيها فاشربوا من ألبانها وأبوالها) للتداوي فليس فيه دليل على الإباحة في غير حال الضرورة. وعن ابن عباس مرفوعًا فيما رواه ابن المنذر أن "في أبوال الإبل شفاء للذربة بطونهم" والذرب فساد المعدة فلا دلالة فيه على الطهارة (فخرجوا فيها فشربوا من أبوالها وألبانها واستصحوا) أي حصلت لهم الصحة من ذلك الداء (ومالوا على الراعي) يسار النوبي (فقتلوه واطردوا النعم) بتشديد الطاء أي ساقوها سوقًا شديدًا (فما يستبطأ) بضم أوّله وسكون المهملة وبعد الفوقية موحدة ساكنة فطاء مهملة فهمزة مبنيًا

стр. 5152

للمفعول استفعال من البطء الذي هو نقيض السرعة أي شيء يستبطأ به (من هؤلاء) العكليين. وفي نسخة أخرى فما يستبقي بالقاف بدل الطاء من غير همز أي ما يترك من هؤلاء استفهام فيه معنى التعجب كالسابق (قتلوا النفس وحاربوا الله ورسوله) في رواية حميد عن أنس عند الإمام أحمد وهربوا محاربين (وخوّفوا رسول الله ﷺ فقال): أي عنبسة متعجبًا من أبي قلابة (سبحان الله) قال أبو قلابة (فقلت) لعنبسة (تتهمني) فيما رويته من حديث أنس، وفي الدّيات فقال عنبسة بن سعيد والله أن سمعت كاليوم قط فقلت: أتردّ عليّ حديثي يا عنبسة؟ (قال): لا ولكن جئت بالحديث على وجهه (حدّثنا بهذا أنس قال) أبو قلابة: (وقال) عنبسة: (يا أهل كذا) أي يا أهل الشام لأن وقوع ذلك كان بها وقول الحافظ ابن حجر أنه وقع التصريح به في رواية الدّيات لم أره فلعله سهو (إنكم لن تزالوا بخير ما أبقى الله) بفتح الهمزة والقاف مبنيًّا للفاعل (هذا) أبا قلابة (فيكم ومثل هذا) ولأبي ذر أو وهو شك من الراوي، ولأبي ذر أيضًا عن الحموي والمستملي: ما أبقى مثل هذا فيكم برفع مثل وضم همزة أبقى وكسر قافه وللكشميهني ما أبقى الله مثل هذا فيكم بإظهار الفاعل، وفي نسخة ما بقي بإسقاط الألف، وفي الدّيات والله لا يزال هذا الجند بخير ما عاش هذا الشيخ بين أظهرهم. وهذا الحديث مرّ في الطهارة في أبوال الإبل والمغازي، ويأتي إن شاء الله تعالى بعون الله في الدّيات مع بقية مباحثه. ٦ - باب قَوْلِهِ ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] (باب قوله) تعالى: (﴿والجروح قصاص﴾) [المائدة: ٤٥] أي ذات قصاص فيما يمكن أن يقتص منه، وهذا تعميم بعد التخصيص لأن الله تعالى ذكر النفس والعين والأنف والأذن فخص الأربعة بالذكر، ثم قال والجروح قصاص على سبيل العموم فيما يمكن أن يقتص منه كاليد والرجل، وأما ما لا يمكن ككسر في عظم أو جراحة في بطن يخاف منها التلف فلا قصاص فيه بل فيه الأرش والحكومة وسقط لفظ باب لغير أبي ذر وقوله للكشميهني والحموي. ٤٦١١ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا الْفَزَارِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَسَرَتِ الرُّبَيِّعُ وَهْيَ عَمَّةُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَطَلَبَ الْقَوْمُ الْقِصَاصَ فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْقِصَاصِ. فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: لَا وَاللَّهِ لَا تُكْسَرْ سِنُّهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا أَنَسُ كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ» فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَقَبِلُوا الأَرْشَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ». وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (محمد بن سلام) السلمي مولاهم البخاري البيكندي قال: (أخبرنا الفزاري) بفتح الفاء والزاي وبعد الألف راء مروان بن معاوية بن الحارث (عن حميد) الطويل (عن أنس) هو ابن مالك الأنصاري (رضي الله تعالى عنه) أنه (قال: كسرت الربيع) بضم

стр. 5153

الراء وفتح الموحدة وبعد التحتية المكسورة المشدّدة عين مهملة (وهي عمة أنس بن مالك ثنية جارية من الأنصار) أي شابة غير رقيقة ولم تسم (فطلب القوم) أي قوم الجارية (القصاص) من الربيع (فأتوا النبي ﷺ ¬) ليحكم بينهم (فأمر النبي ﷺ بالقصاص) من الربيع (فقال أنس بن النضر) بالضاد الساكنة (عم أنس بن مالك: لا والله لا تكسر سنها) ولأبي ذر: ثنيتها (يا رسول الله) ليس ردًّا للحكم بل نفي لوقوعه لما كان له عند الله من القرب والثقة بفضل الله تعالى ولطفه أنه لا يخيبه بل يلهمهم العفو (فقال رسول الله ﷺ ¬): (يا أنس كتاب الله القصاص) بالرفع مبتدأ وخبر قال تعالى: ﴿والسن بالسن﴾ إن قلنا شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ (فرضي القوم) فتركوا القصاص عن الربيع (وقبلوا الأرش فقال رسول الله ﷺ إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره) في قسمه. وهذا الحديث قد سبق في باب الصلح في الدّية من كتاب الصلح. ٧ - باب ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿يا أيها الرسول بلغ﴾) جميع (﴿ما أنزل إليك من ربك﴾) [المائدة: ٦٧] إلى كافة الناس مجاهرًا به غير مراقب أحدًا ولا خائف مكروهًا قال مجاهد فيما رواه ابن أبي حاتم: لما نزلت يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك قال: يا رب كيف أصنع وأنا وحدي يجتمعون عليّ؟ فنزلت ﴿وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ أي فإن أهملت شيئًا من ذلك فما بلغت رسالته لأن ترك إبلاغ البعض محبط للباقي لأنه ليس بعضه أولى من بعض وبهذا تظهر المغايرة بين الشرط والجزاء. قال ابن الحاجب: الشرط والجزاء إذا اتحدا كان المراد بالجزاء المبالغة فوضع قوله فما بلغت رسالته موضع أمر عظيم أي: فإن لم تفعل فقد ارتكبت أمرًا عظيمًا. وقال في الانتصاف قال: وإن لم تفعل ولم يقل وإن لم تبلغ ليتغايرًا لفظًا وإن اتحدا معنى وهي أحسن بهجة من تكرار اللفظ الواحد في الشرط والجزاء، وهذا من محاسن علم البيان وقدّر المضاف وهو قوله جميع ما أنزل لأنه صلوات الله وسلامه عليه كان مبلغًا، فعلى هذا فائدة الأمر المبالغة والكمال يعني ربما أتاك الوحي بما تكره أن تبلغه خوفًا من قومك فبلغ الكل ولا تخف. وقال الراغب فيما حكاه الطيبي فإن قيل: كيف قال وإن لم تفعل فما بلغت رسالته وذلك كقولك إن لم تبلغ فما بلغت قيل: معناه وإن لم تبلغ كل ما أنزل إليك تكون في حكم من لم يبلغ شيئًا مما أنزل الله بخلاف ما قالت الشيعة، إنه قد كتم أشياء على سبيل التقية. وعن بعض الصوفية ما يتعلق به مصالح العباد وأمر بإطلاعهم عليه فهو منزه عن كتمانه، وأما ما خص به من الغيب ولم يتعلق به مصالح أمته فله بل عليه كتمانه.

стр. 5154

٤٦١٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كَتَمَ شَيْئًا مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَقَدْ كَذَبَ وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ الآيَةَ. وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) الفريابي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن إسماعيل) هو ابن أبي خالد البجلي الكوفي (عن الشعبي) عامر بن شراحيل (عن مسروق) هو ابن الأجدع (عن عائشة ﵂¬) أنها (قالت: من حدثك أن محمدًا ﷺ كتم شيئًا مما أنزل عليه) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول ولأبي ذر عن الكشميهني مما أنزل الله عليه (فقد كذب والله يقول ﴿يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك﴾ الآية) وسقط لفظ من ربك لغير أبي ذر. وفي الصحيحين عنها: لو كان محمد ﷺ كاتمًا شيئًا لكتم هذه الآية ﴿وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ [الأحزاب: ٣٧] وقد شهدت له أمته بإبلاغ الرسالة وأداء الأمانة واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خطبته يوم حجة الوداع، وقد كان هناك من أصحابه نحو من أربعين ألفًا كما ثبت في صحيح مسلم. وحديث الباب أخرجه المؤلّف هنا مختصرًا وفي مواضع أخر مطولًا، ومسلم في كتاب الإيمان، والترمذي والنسائي في كتاب التفسير من سننهما من طريق عن الشعبي. ٨ - باب قَوْلِهِ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] (باب قوله) (﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾) [المائدة: ٨٩] هو قول المرء بلا قصد لا والله وبلى والله، وهذا مذهب الشافعي، وقيل الحلف على غلبة الظن وهو مذهب أبي حنيفة، وقيل اليمين في الغضب، وقيل في النسيان، وقيل الحلف على ترك المأكل والمشرب والملبس، والصحيح أنه اليمين من غير قصد. ٤٦١٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ سُعَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنِ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ: لَا وَاللَّهِ، وَبَلَى وَاللَّهِ. [الحديث ٤٦١٣ - طرفه في: ٦٦٦٣]. وبه قال: (حدّثنا علي بن سلمة) بفتح اللام اللبقي بفتح اللام والموحدة المخففة وبعد القاف تحتية وللحموي والكشميهني علي بن عبد الله قيل وهو خطأ قال: (حدّثنا مالك بن سعير) بسين مضمومة فعين مفتوحة مهملتين مصغرًا ابن الخمس بكسر الخاء المعجمة وسكون الميم بعدها سين مهملة الكوفي صدوق وضعفه أبو داود، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر في الدعوات وكلاهما قد توبع عليه عنده، وروى له أصحاب السنن قال (حدّثنا هشام عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوّام (عن عائشة ﵂) أنها قالت: (أنزلت هذه الآية ﴿لا يؤاخذكم

стр. 5155

الله باللغو في أيمانكم﴾ في قول الرجل لا والله وبلى والله) أي كل واحدة منهما إذا قالها مفردة لغو فلو قالهما معًا فالأولى لغو والثانية منعقدة لأنها استدراك مقصود قاله الماوردي فيما نقله عنه في الفتح ومباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في الإيمان. ٤٦١٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ أَبَاهَا كَانَ لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينٍ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا أَرَى يَمِينًا أُرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلاَّ قَبِلْتُ رُخْصَةَ اللَّهِ وَفَعَلْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ. [الحديث ٤٦١٤ - أطرافه في: ٦٦٢١]. وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (أحمد بن أبي رجاء) ضد الخوف واسمه عبد الله بن أيوب الحنفي الهروي قال: (حدّثنا النضر) بالضاد المعجمة ابن شميل المازني (عن هشام) أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (أبي) عروة بن الزبير (عن عائشة ﵂ أن أباها) أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه (كان لا يحنث في يمين). وعند ابن حبان كان رسول الله ﷺ إذا حلف على يمين لم يحنث وما في البخاري هو الصحيح كما في الفتح (حتى أنزل الله كفارة اليمين) في القرآن فكفارته إطعام عشرة مساكين الخ (قال أبو بكر: لا أرى) بفتح الهمزة أي لا أعلم (يمينًا أرى) بضم الهمزة أي أظن (غيرها) ولأبي ذر عن الكشميهني أن غيرها (خيرًا منها إلا قبلت رخصة الله وفعلت الذي هو خير) أي وكفرت عن يميني، وعن ابن جريج مما نقله الثعلبي في تفسيره أنها نزلت في أبي بكر حلف أن لا ينفق على مسطح لخوضه في الإفك فعاد إلى مسطح بما كان ينفقه وسقط لغير أبي ذر باب قوله وثبت له والله أعلم. ٩ - باب قوله: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] (باب قوله) : (﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرّموا طيبات ما أحل الله لكم﴾) [المائدة: ٨٧] أي ما طاب ولذ منه، وقد كان النبي ﷺ ، يأكل الدجاج ويحب الحلو أو العسل، وحكي عن الحسن أنه قال لبعض الأولياء لما منع نفسه أكل الدجاج والفالوذج: أترى لعاب النحل بلباب البر بخالص السمن يعيبه مسلم ولما نقل له عن بعضهم أنه لا يأكل الفالوذج ويقول لا أؤدّي شكره قال: أيشرب الماء البارد؟ قيل: نعم. قال: إنه جاهل أن نعمة الله تعالى فيه أكثر من الفالوذخ اهـ. نعم من ترك لذات الدنيا وشهواتها وانقطع إلى الله تعالى متفرغًا لعبادته من غير ضرر نفس ولا تفويت حق ففضيلة لا منع منها بل هو مأمور بها وقد سقط (﴿يا أيها الذين آمنوا﴾) لأبي ذر وثبت لفظ باب له.

стр. 5156

٤٦١٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَيْسَ مَعَنَا نِسَاءٌ فَقُلْنَا: أَلَا نَخْتَصِي؟ فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ فَرَخَّصَ لَنَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ نَتَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [الحديث ٤٦١٥ - طرفاه في: ٥٠٧١ - ٥٠٧٥]. وبه قال: (حدّثنا عمرو بن عون) بفتح العين فيهما السلمي الواسطي نزيل البصرة قال: (حدّثنا خالد) هو ابن عبد الله الطحان (عن إسماعيل) هو ابن أبي خالد (عن قيس) هو ابن أبي حازم (عن عبد الله) هو ابن مسعود (رضي الله تعالى عنه) أنه (قال: كنا نغزو مع النبي ﷺ وليس معنا نساء فقلنا: ألا نختصي) بالخاء المعجمة والصاد المهملة أي ألا نستدعي من يفعل بنا الخصاء أو نعالج ذلك بأنفسنا والخصاء الشق على الأنثيين وانتزاعهما (فنهانا عن ذلك) نهي تحريم لما فيه من تغيير خلق الله وقطع النسل وكفر النعمة لأن خلق الشخص رجلًا من النعم العظيمة وقد يفضي ذلك بفاعله إلى الهلاك، (فرخص لنا بعد ذلك أن نتزوّج المرأة بالثوب) أي إلى أجل وهو نكاح المتعة وليس قوله بالثوب قيدًا فيجوز بغيره مما يتراضيان عليه (ثم قرأ) ابن مسعود (﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾) قال النووي: في استشهاد ابن مسعود بالآية أنه كان يعتقد إباحة المتعة كابن عباس، ولعله لم يكن حينئذٍ بلغه الناسخ ثم بلغه فرجع بعد. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في النكاح وكذا مسلم وأخرجه النسائي في التفسير. ١٠ - باب قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الأَزْلَامُ: الْقِدَاحُ يَقْتَسِمُونَ بِهَا فِي الأُمُورِ، وَالنُّصُبُ: أَنْصَابٌ يَذْبَحُونَ عَلَيْهَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: الزُّلَمُ الْقِدْحُ لَا رِيشَ لَهُ وَهُوَ وَاحِدُ الأَزْلَامِ، وَالإِسْتِقْسَامُ: أَنْ يُجِيلَ الْقِدَاحَ فَإِنْ نَهَتْهُ انْتَهَى وَإِنْ أَمَرَتْهُ فَعَلَ مَا تَأْمُرُهُ. وَيُجِيلُ يُدِيرُ وَقَدْ أَعْلَمُوا الْقِدَاحَ أَعْلَامًا بِضُرُوبٍ يَسْتَقْسِمُونَ بِهَا، وَفَعَلْتُ مِنْهُ قَسَمْتُ وَالْقُسُومُ الْمَصْدَر (باب قوله) جل وعلا (﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس﴾) خبر عن الأشياء المتقدمة وإنما أخبر عن جمع بمفرد لأنه على حذف مضاف أي إنما تعاطي الخمر الخ (﴿من عمل الشيطان﴾) [المائدة: ٩٠] لأنه مسبب من تسويله وتزيينه والظرف في موضع رفع صفة لرجس. (وقال) بالواو ولأبي ذر قال: (ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما مما وصله ابن المنذر من طريق علي بن أبي طلحة عنه (الأزلام) هي (القداح) أي السهام التي (يقتسمون بها في الأمور) في الجاهلية (والنُّصب) ولأبي ذر بإسقاط الواو. والنصب بضم النون والصاد قال ابن عباس مما وصله

стр. 5157

ابن أبي حاتم هي (أنصاب) كانوا ينصبونها (يذبحون عليها) وقال ابن قتيبة حجارة ينصبونها ويذبحون عندها فتنصب عليها دماء الذبائح. (وقال غيره) أي غير ابن عباس (الزلم) بفتحتين هو (القدح) بكسر القاف وسكون الدال وهو السهم الذي (لا ريش له وهو واحد الأزلام) ويقال للسهم أوّل ما يقطع قطع ثم ينحت ويبرى فيسمى بريًا ثم يقوّم فيسمى قدحًا، ثم يراش ويركب نصله فيسمى سهمًا (والاستقسام) هو (أن يجيل) بالجيم (القداح) قيمها (فإن نهته) بأن خرج نهاني ربي (انتهى) وترك (وإن أمرته) بأن خرج أمرني ربي (فعل ما تأمره) زاد أبو ذر به وأن معنى قوله (يجيل) بضم التحتية وكسر الجيم أي (يدير) من الإدارة وكانوا يعطون القيم على إجالتها مائة درهم (وقد أعلموا القداح) وكانت سبعة مستوية موضوعة في جوف الكعبة عند هبل أعظم أصنامهم (أعلامًا) يكتبونها عليها (بضروب) أي بأنواع من الأمور، فعلى واحد أمرني ربي، وعلى الآخر نهاني ربي، وعلى آخر واحد منكم، وعلى آخر من غيركم، وعلى آخر ملصق، وعلى آخر العقل والسابع غفل أي ليس عليه شيء. وكانوا (يستقسمون) أي يطلبون (بها) بيان قسمهم من الأمر الذي يريدونه كسفر أو نكاح أو تجارة أو اختلفوا فيه من نسب أو أمر قتيل أو حمل عقل وهو الدّية أو غير ذلك من الأمور العظيمة، فإن أجالوه على نسب وخرج منكم كان وسطًا فيهم وإن خرج من غيركم كان حلفًا فيهم وإن خرج ملصقًا كان على حاله، وإن اختلفوا في العقل فمن خرج عليه قدحه يحمله وإن خرج الغفل الذي لا علامة عليه أجالوا ثانيًا حتى يخرج المكتوب عليه وقد نهاهم الله عن ذلك وحرمه وسماه فسقًا. ووقع في رواية يستقسمون به بتذكير الضمير أي يستقسمون بذلك الفعل (وفعلت منه قسمت) قال في العمدة: أشار به إلى أن من أراد أن يخبر عن نفسه من لفظ الاستقسام يقول قسمت بضم التاء (والقسوم) بضم القاف على وزن فعول (المصدر). ٤٦١٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَإِنَّ فِي الْمَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ لَخَمْسَةَ أَشْرِبَةٍ مَا فِيهَا شَرَابُ الْعِنَبِ. [الحديث ٤٦١٦ - أطرافه في: ٥٥٧٩]. وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (إسحاق بن إبراهيم) المعروف بابن راهويه قال: (أخبرنا محمد بن بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة ابن الفرافصة أبو عبد الله العبدي الكوفي قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز) بن مروان بن الحكم القرشي الأموي المدني (قال: حدّثني) بالإفراد (نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما) أنه (قال: نزل تحريم الخمر وإن في المدينة) ولأبي ذر لأن بالمدينة بالموحدة بدل في (يومئذٍ) قبل تحريمها (لخمسة أشربة) شراب العسل والتمر والحنطة والشعير والذرة (ما فيها شراب العنب). وهذا الحديث من أفراده.

стр. 5158

٤٦١٧ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، قَالَ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: مَا كَانَ لَنَا خَمْرٌ غَيْرُ فَضِيخِكُمْ هَذَا الَّذِي تُسَمُّونَهُ الْفَضِيخَ، فَإِنِّى لَقَائِمٌ أَسْقِي أَبَا طَلْحَةَ وَفُلَانًا وَفُلَانًا إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: وَهَلْ بَلَغَكُمُ الْخَبَرُ؟ فَقَالُوا: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ، قَالُوا اهْرِقْ هَذِهِ الْقِلَالَ يَا أَنَسُ، قَالَ: فَمَا سَأَلُوا عَنْهَا وَلَا رَاجَعُوهَا بَعْدَ خَبَرِ الرَّجُلِ. وبه قال: (حدّثنا يعقوب بن إبراهيم) الدورقي قال: (حدّثنا ابن علية) بضم العين المهملة وفتح اللام وتشديد التحتية إسماعيل بن إبراهيم وعلية أمه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن صهيب) بضم المهملة وفتح الهاء آخره موحدة مصغرًا البناني البصري (قال: قال أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه ما كان خمر غير فضيخكم) بفتح الفاء وكسر الضاد وبالخاء المعجمتين شراب يتخذ من البسر وحده من غير أن تمسه النار والفضخ الكسر لأن البسر يشدخ ويترك في وعاء حتى يغلي (هذا الذي تسمونه الفضيخ فإني لقائم أسقي أبا طلحة) زيد بن سهل الأنصاري زوج أم أنس (وفلانًا وفلانًا) وقع من تسمية من كان مع أبي طلحة عند مسلم أبو دجانة وسهيل ابن بيضاء وأبو عبيدة وأُبي بن كعب ومعاذ بن جبل وأبو أيوب (إذ جاء رجل) لم يسم (فقال): وفي الفرع قال: (وهل بلغكم الخبر؟ فقالوا: وما ذاك؟ قال: حرمت الخمر) أي حرمها الله تعالى على لسان رسوله ﷺ قالوا: (أهرق) بهمزة مفتوحة فهاء ساكنة فراء مكسورة أمر من أهراق، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: هرق بفتح الهاء وكسر الراء من غير همز وله أيضًا عن الكشميهني أرق بهمزة مفتوحة فراء مكسورة من غير هاء. قال السفاقسي: الجمع بين الهاء والهمزة ليس بجيد لأن الهاء بدل من الهمزة فلا يجمع بينهما. وأجيب: بأنهم قد جمعوا بينهما كما في الصحاح وغيره، وصرح به سيبويه أي صب (هله القلاب يا أنس) بكسر القاف أي الجرار التي لا يقل أحدها إلا القوي من الرجال (قال) أي أنس: (فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل). ففيه قبول خبر الواحد. وهذا الحديث أخرجه مسلم في الأشربة. ٤٦١٨ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: صَبَّحَ أُنَاسٌ غَدَاةَ أُحُدٍ الْخَمْرَ فَقُتِلُوا مِنْ يَوْمِهِمْ جَمِيعًا شُهَدَاءَ وَذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِهَا. وبه قال: (حدّثنا صدقة بن الفضل) المروزي قال: (أخبرنا ابن عيينة) سفيان (عن عمرو) هو ابن دينار (عن جابر) هو ابن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما أنه (قال: صبح أناس) بفتح الصاد وتشديد الموحدة (غداة أُحد) سنة ثلاث (الخمر) وفي الجهاد من طريق علي بن عبد الله المديني اصطبح ناس الخمر يوم أُحد أي شربوه صبوحًا أي بالغداة (فقتلوا من يومهم جميعًا شهداء) وعند الإسماعيلي من طريق القواريري عن سفيان اصطبح قوم الخمر أول النهار

стр. 5159

وقتلوا آخر النهار شهداء (وذلك قبل تحريمها) وزاد البزار في مسنده فقالت اليهود: قد مات بعض الدين قتلوا وهي في بطونهم فأنزل الله تعالى: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾ [المائدة: ٩٣] وفي سياق هذا الحديث غرابة وفي مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص قال: صنع رجل من الأنصار طعامًا فدعانا فشربنا الخمر قبل أن تحرّم حتى سكرنا فتفاخرنا الحديث، وفيه فنزلت ﴿إنما الخمر والميسر﴾ إلى قوله: ﴿فهل أنتم منتهون﴾. وحديث الباب أخرجه البخاري أيضًا في الجهاد والمغازي. ٤٦١٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عِيسَى وَابْنُ إِدْرِيسَ عَنْ أَبِي حَيَّانَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ ﵁ عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ: أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، وَهْيَ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنَ الْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْعَسَلِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ. [الحديث ٤٦١٩ - أطرافه في: ٥٥٨١، ٥٥٨٨، ٥٥٨٩، ٧٣٣٧]. وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه (الحنظلي) قال: (أخبرنا عيسى) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي (وابن إدريس) عبد الله الأودي الكوفي كلاهما (عن أبي حيان) بفتح الحاء المهملة وتشديد التحتية يحيى بن يزيد التيمي (عن الشعبي) عامر بن شراحيل (عن ابن عمر) ﵄ أنه (قال: سمعت عمر ﵁ على منبر النبي ﷺ يقول: أما بعد أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير) وفي هذا بيان حصول الخمر مما ذكر وليس للحصر لخلوّ التركيب عن أداته، ولتعقيبه بقوله (والخمر ما خامر العقل) أي ستره وغطاه كالخمار سواء كان مما ذكر أو من غيره كأنواع الحبوب والنبات كالأفيون والحشيش، ولا تعارض بين قول ابن عمر أوّلًا نزل تحريم الخمر وأن بالمدينة يومئذٍ لخمسة أشربة ما فيها شراب العنب، وبين قول عمر نزل تحريم الخمر وهي من خمسة الخ لأن الأوّل أفاد أن التحريم نزل في حالة لم يكن شراب العنب فيها بالمدينة، والقول الثاني وهو قول عمر لا يقتضي أن شراب العنب كان بالمدينة إذ ذاك بوجه وحيئنذٍ فلا تعارض كما لا يخفى. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الاعتصام والأشربة، ومسلم في آخر الكتاب، وأبو داود في الأشربة وكذا الترمذي والنسائي فيه وفي الوليمة. ١١ - باب ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ هذا (باب) بالتنوين في قوله : (﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح﴾) إثم (﴿فيما طعموا﴾) تقول طعمت الطعام والشراب ومن الشراب والمراد ما لم يحرم عليهم لقوله

стр. 5160

إذا ما اتقوا أي اتقوا المحرم (إلى قوله: ﴿والله يحب المحسنين﴾) وسقط لأبي ذر قوله إلى قوله الخ وقال بعد طعموا الآية وسقط لغيره لفظ باب. ٤٦٢٠ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ الْخَمْرَ الَّتِي أُهْرِيقَتِ الْفَضِيخُ. وَزَادَنِي مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ قَالَ: كُنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ فَنَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ فَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فَانْظُرْ مَا هَذَا الصَّوْتُ قَالَ: فَخَرَجْتُ فَقُلْتُ: هَذَا مُنَادٍ يُنَادِي أَلَا إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، فَقَالَ لِي: اذْهَبْ فَأَهْرِقْهَا، قَالَ: فَجَرَتْ فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: وَكَانَتْ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الْفَضِيخَ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: قُتِلَ قَوْمٌ وَهْيَ فِي بُطُونِهِمْ قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣]. وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي عارم قال: (حدّثنا حماد بن زيد) اسم جدّه درهم الجهضمي قال: (حدّثنا ثابت) هو ابن أسلم البناني (عن أنس ﵁ أن الخمر التي أهريقت) بضم الهمزة وسكون الهاء آخره تاء تأنيث ولأبي ذر هريقت بضم الهاء من غير همزة (الفضيخ) بالضاد والخاء المعجمتين مرفوع خبر أن وهو المتخذ من البسر كما مرّ قريبًا. قال البخاري: (وزادني محمد) هو ابن سلام لا ابن يحيى الذهلي ووهم من قال إنه هو ويؤيده ما في رواية أبي ذر حيث قال، محمد البيكندي: وقد تبين بهذا أن قول صاحب المصابيح تبعًا لما في التنقيح أن القائل زادني هو الفربري ومحمد هو البخاري سهو وظهر أن البخاري سمع هذا الحديث من أبي النعمان مختصرًا ومن محمد بن سلام البيكندي مطوّلًا (عن أبي النعمان قال): أي أنس (كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة) الأنصاري (فنزل تحريم الخمر فأمر) أي النبي ﷺ (مناديًا) قال الحافظ ابن حجر لم أر التصريح باسمه (فنادى) بتحريمها وكان ذلك عام الفتح سنة ثمان لحديث ابن عباس عند أحمد ولفظه: قال سألت ابن عباس عن بيع الخمر فقال: كان لرسول الله ﷺ صديق من ثقيف أو دوس فلقيه يوم الفتح براوية خمر يهديها إليه فقال: يا فلان أما علمت أن الله حرمها؟ فأقبل الرجل على غلامه فقال: بعها. فقال: إن الذي حرم شربها حرم بيعها (فقال أبو طلحة): أي لأنس (أخرج فانظر ما هذا الصوت. قال) أنس: (فخرجت) أي فسمعت ثم عدت إلى أبي طلحة (فقلت) له: (هذا مناد ينادي ألا إن الخمر قد حرمت) حرمها الله على لسان رسوله ﷺ (فقال لي: اذهب فأهرقها) بهمزة مفتوحة فهاء ساكنة مجزوم على الأمر، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فهرقها بفتح الهاء من غير همز وله أيضًا عن الكشميهني فأرقها بهمزة مفتوحة فراء مكسورة (قال): فأرقتها (فجرت) أي سالت (يفي سكك المدينة) أي طرقها (قال) أنس (وكانت خمرهم يومئذٍ الفضيخ فقال بعض القوم: قتل قوم وهي في بطونهم). وعند النسائي والبيهقي من طريق ابن عباس قال نزل تحريم الخمر في ناس شربوا فلما ثملوا عبثوا فلما صحوا جعل بعضهم يرى الأثر بوجه الآخر فنزلت فقال ناس من المتكلفين، وعند

стр. 5161

البزار أن الذين قالوا ذلك كانوا من اليهود، وأفاد في الفتح أن في رواية الإسماعيلي عن ابن ناجية عن أحمد بن عبدة ومحمد بن موسى عن حماد في آخر هذا الحديث قال حماد: فلا أدري هذا يعني قوله فقال بعض القوم الخ في الحديث أي عن أنس أو قاله ثابت أي مرسلًا (قال: فأنزل الله تعالى: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾) والمعنى بيان أنه لا جناح عليهم فيما طعموه إذا ما اتقوا المحارم، والحكم عام وإن اختص السبب فالجناح مرتفع عن كل من يطعم شيئًا من المستلذات إذا اتقى الله فيما حرم عليه منها ودام على الإيمان أو ازداد إيمانًا عند من يقول به. وقال في فتوح الغيب: والمعنى ليس المطلوب من المؤمنين الزهادة عن المستلذات وتحريم الطيبات وإنما المطلوب منهم الترقي في مدارج التقوى والإيمان إلى مراتب الإخلاص ومعارج القدس والكمال وذلك بأن يثبتوا على الاتقاء عن الشرك وعلى الإيمان بما يجب الإيمان به، وعلى الأعمال الصالحة لتحصل الاستقامة التامة فيتمكن بالاستقامة من الترقي إلى مرتبة المشاهدة ومعارج أن تعبد الله كأنك تراه وهو المعنى بقوله وأحسنوا وبها يمنح الزلفى عند الله ويحقه أن الله يحب المحسنين اهـ. وقال غيره: والتفسير باتقاء الشرك لا يلائم صفة الكمال وأن قوله وعملوا الصالحات أي باشروا الأعمال الصالحة واتقوا الخمر والميسر بعد تحريمهما أو داوموا على التقوى والإيمان ثم اتقوا سائر المحرمات أو ثبتوا على التقوى وأحسنوا أعمالهم وأحسنوا إلى الناس بالمواساة معهم في الإنفاق عليهم من الطيبات، وقيل: التقوى عن الكفر والكبائر والصغائر وأضعف ما قيل فيه أنه للتكرار والتأكيد. قال القاضي: ويحتمل أن يكون هذا التكرار باعتبار الأوقات الثلاثة أو باعتبار الحالات الثلاثة استعمال الإنسان التقوى والإيمان بينه وبين نفسه وبينه وبين الناس وبينه وبين الله، ولذلك بدل الإيمان بالإحسان في الكرة الثالثة إشارة إلى ما قاله ﵊ في تفسيره أو باعتبار المراتب الثلاث المبدأ والوسط والمنتهى، أو باعتبار ما يتقى فإنه ينبغي أن يترك المحرمات توقيًا من العذاب والشبهات تحرزًا عن الوقوع في الحرام وبعض المباحات تحفظًا للنفس عن الخسة وتهذيبًا لها عن دنس الطبيعة اهـ. وختم الكلام يشعر بأن من فعل ذلك من المحسنين وأنه يستجلب المحبة الإلهية وسيأتي مزيد لشرح حديث الباب إن شاء الله تعالى في الأشربة. ١٢ - باب قَوْلِهِ: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] (باب قوله) (﴿لا تسألوا﴾) الرسول ﷺ (﴿عن أشياء أن تبد لكم﴾) أي تظهر

стр. 5162

لكم (﴿تسؤكم﴾) [المائدة: ١٠١] والجملة الشرطية وما عطف عليها وهو أن تسألوا عنها صفة لأشياء، ومعنى حين ينزل القرآن أي ما دام النبي ﷺ في الحياة فإنه قد يؤمر بسبب سؤالكم بتكاليف تسوءكم وتتعرضون لشدائد العقاب بالتقصير في أدائها وسقط لفظ باب قوله لغير أبي ذر. ٤٦٢١ - حَدَّثَنَا مُنْذِرُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجَارُودِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خُطْبَةً مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ قَالَ: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» قَالَ: فَغَطَّى أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وُجُوهَهُمْ لَهُمْ خَنِينٌ فَقَالَ رَجُلٌ مَنْ أَبِي؟ قَالَ: فُلَانٌ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. رَوَاهُ النَّضْرُ وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ عَنْ شُعْبَةَ. وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر حدّثني (منذر بن الوليد بن عبد الرحمن الجارودي) بالجيم العبدي البصري قال: (حدّثنا أبي) الوليد قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن موسى بن أنس عن) أبيه (أنس) هو ابن مالك (﵁) أنه (قال: خطب رسول الله ﷺ خطبة ما سمعت مثلها قط) وكان فيما رواه النضر بن شميل عن شعبة عند مسلم قد بلغه عن أصحابه شيء فخطب بسبب ذلك (قال): (لو تعلمون) من عظمة الله وشدّة عقابه بأهل الجرائم وأهوال القيامة (ما أعلم لضحكتم كثيرًا) (قال) أنس (فغطى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم لهم خنين) بالخاء المعجمة للكشميهني أي صوت مرتفع من الأنف بالبكاء مع غنة، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: حنين بالحاء المهملة أي صوت مرتفع بالبكاء من الصدر وهو دون الانتحاب (فقال رجل) هو عبد الله بن حذافة أو قيس بن حذافة أو خارجة بن حذافة وكان يطعن فيه (من أبي؟ قال) ﷺ أبوك (فلان) أي حذافة (فنزلت هذه الآية ﴿لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾). وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الرقاق والاعتصام ومسلم في فضائل النبي ﷺ والترمذي في التفسير والنسائي في الرقائق. (رواه) أي حديث الباب (النضر) بن شميل فيما وصله مسلم (وروح بن عبادة) مما وصله البخاري في الاعتصام كلاهما (عن شعبة) بن الحجاج بإسناده وعند ابن جرير عن قتادة عن أنس أن النبي ﷺ سألوه حتى أحفوه بالمسألة فصعد المنبر فقال: لا تسألوني اليوم عن شيء إلاّ بينته لكم فأشفق الصحابة أن يكون بين يدي أمر قد حضر قال: فجعلت لا ألتفت يمينًا وشمالًا إلاّ وجدت كلاًّ لافًّا رأسه في ثوبه يبكي فأنشأ رجل كان يلاحي فيدعى لغير أبيه فقال: يا نبي الله من أبي؟ قال: "أبوك حذافة" ثم قام عمر فقال: رضينا بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا عائذًا بالله من شر الفتن الحديث.

стр. 5163

٤٦٢٢ - حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ حَدَّثَنَا أَبُو الْجُوَيْرِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ قَوْمٌ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتِهْزَاءً فَيَقُولُ الرَّجُلُ مَنْ أَبِي؟ وَيَقُولُ الرَّجُلُ تَضِلُّ نَاقَتُهُ أَيْنَ نَاقَتِي؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ حَتَّى فَرَغَ مِنَ الآيَةِ كُلِّهَا. وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (الفضل بن سهل) البغدادي (قال: حدّثنا أبو النضر) بإسكان الضاد المعجمة هاشم بن القاسم الخراساني قال: (حدّثنا أبو خيثمة) بفتح الخاء المعجمة والمثلثة بينهما تحتية ساكنة زهير بن معاوية الجعفي الكوفي قال: (حدّثنا أبو الجويرية) بضم الجيم مصغرًا حطان بكسر الحاء وتشديد الطاء المهملتين ابن خفاف بضم الخاء المعجمة وتخفيف الفاء الجرمي بفتح الجيم (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: كان قوم يسألون رسول الله ﷺ استهزاء فيقول الرجل) له ﵊: (من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ حتى فرغ من الآية كلها) سقط إن تبد لكم تسؤكم في رواية أبي ذر. وهذا الحديث من أفراد البخاري، وقيل نزلت في شأن الحج فعن علي لما نزلت ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ [آل عمران: ٩٧] قالوا: يا رسول الله أي كل عام؟ فسكت فقالوا: يا رسول الله أفي كل عام؟ قال "لا، ولو قلت نعم لوجبت" لا فأنزل الله ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ رواه الترمذي وقال حديث غريب. ١٣ - باب ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ ﴿وَإِذْ﴾ هَا هُنَا صِلَةٌ (الْمَائِدَةُ) أَصْلُهَا مَفْعُولَةٌ: كَعِيشَةٍ رَاضِيَةٍ وَتَطْلِيقَةٍ بَائِنَةٍ وَالْمَعْنَى مِيدَ بِهَا صَاحِبُهَا مِنْ خَيْرٍ يُقَالُ: مَادَنِي يَمِيدُنِي، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُتَوَفِّيكَ مُمِيتُكَ. هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام﴾) [المائدة: ١٠٣] ويجوز كون جعل بمعنى سمى فيتعدى لاثنين أحدهما محذوف أي ما سمى الله حيوانًا بحيرة، ومنع أبو حيان كون جعل هنا بمعنى شرع أو وضع أو أمر، وخرج الآية على التصيير وجعل المفعول الثاني محذوفًا أي ما صير الله بحيرة مشروعة. (﴿وإذ قال الله﴾) ﴿يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس﴾ [المائدة: ١١٦] معناه (يقول قال الله) غرضه أن لفظ قال الذي هو ماض بمعنى يقول المضارع لأن الله تعالى إنما يقول هذا القول يوم القيامة توبيخًا للنصارى وتقريعًا، ويؤيده قوله: ﴿هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم﴾ وذلك في القيامة (﴿وإذ﴾ هاهنا صلة) أي زادة لأن إذ للماضي والقول في المستقبل، وقال غيره إذ قد تجيء

стр. 5164

بمعنى إذا كقوله: ﴿ولو ترى إذ فزعوا﴾ [سبأ: ٥١] وقوله: ثم جزاك الله عني إذ جزى … جنات عدن في السماوات العلا وصوّب ابن جرير قول السدي أن هذا كان في الدنيا حين رفع إلى السماء الدنيا. (المائدة) في قوله: ﴿هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء﴾ [المائدة: ١١٢] (أصلها مفعولة)، مراده أن لفظ المائدة وإن كان على لفظ فاعلة فهو بمعنى مفعولة يعني ميمودة لأن ماد أصله ميد قلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها والمفعول منها للمؤنث مميودة (كعيشة راضية) وإن كانت على وزن فاعلة فهي بمعنى مرضية لامتناع وصف المعيشة بكونها راضية وإنما الرضا وصف صاحبها (وتطليقة بائنة) التمثيل بهذه غير واضح لأن لفظ بائنة هنا على أصله بمعنى قاطعة لأن التطليقة البائنة تقطع حكم العقد (والمعنى) من حيث اللغة (ميد بها صاحبها من خير)، يعني امتير بها لأن ماده يميده لغة في ماره يميره من الميرة ومن حيث الاشتقاق (يقال مادني يميدني). من باب فعل يفعل بفتح العين في الماضي وكسرها في المستقبل وقال أبو حاتم المائدة الطعام نفسه والناس يظنونها الخوان. اهـ. لكن قال في الصحاح: المائدة خوان عليه طعام فإذا لم يكن عليه طعام فليس بمائدة وإنما هو خوان. (وقال ابن عباس) ﵄ فيما رواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه في قوله تعالى: ﴿يا عيسى إني﴾ (﴿متوفيك﴾) [آل عمران: ٥٥] معناه (مميتك) وهذه الآية من سورة آل عمران. قيل: وذكرها هنا لمناسبة ﴿فلما توفيتني﴾ وكلاهما في قصة عيسى. ٤٦٢٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: الْبَحِيرَةُ الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّهَا لِلطَّوَاغِيتِ فَلَا يَحْلُبُهَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ وَالسَّائِبَةُ كَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لآلِهَتِهِمْ لَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا شَيْءٌ قَالَ: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الْخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ» وَالْوَصِيلَةُ: النَّاقَةُ الْبِكْرُ تُبَكِّرُ فِي أَوَّلِ نِتَاجِ الإِبِلِ ثُمَّ تُثَنِّى بَعْدُ بِأُنْثَى وَكَانُوا يُسَيِّبُونَهُمْ لِطَوَاغِيتِهِمْ إِنْ وَصَلَتْ إِحْدَاهُمَا بِالأُخْرَى لَيْسَ بَيْنَهُمَا ذَكَرٌ وَالْحَامِ فَحْلُ الإِبِلِ يَضْرِبُ الضِّرَابَ الْمَعْدُودَ فَإِذَا قَضَى ضِرَابَهُ وَدَعُوهُ لِلطَّوَاغِيتِ وَأَعْفَوْهُ مِنَ الْحَمْلِ فَلَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَسَمَّوْهُ الْحَامِيَ. وَقَالَ أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، سَمِعْتُ سَعِيدًا قَالَ: يُخْبِرُهُ بِهَذَا قَالَ: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ نَحْوَهُ. وَرَوَاهُ ابْنُ الْهَادِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ . وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي البصري قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد)

стр. 5165

بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري أبو إسحاق المدني نزيل بغداد (عن صالح بن كيسان) بفتح الكاف المدني مؤدّب ولد عمر بن عبد العزيز (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن سعيد بن المسيب) بن حزن القرشي المخزومي قال ابن المديني لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه أنه (قال: البحيرة التي يمنع درها للطواغيت) أي لبنها لأجل الأصنام (فلا يحلبها أحد من الناس) ذكر أو أنثى، وخص أبو عبيدة المنع بالنساء دون الرجال، وقال غيره: البحيرة فعيلة بمعنى مفعولة واشتقاقها من البحر وهو الشق يقال بحر ناقته إذا شق أذنها، واختلف فيها فقيل: هي الناقة تنتج خمسة أبطن آخرها ذكر فتشق أذنها وتترك فلا تركب ولا تحلب ولا تطرد عن مرعى ولا ماء. (والسائبة) بوزن فاعلة بمعنى مسيبة (كانوا يسيبونها لآلهتهم) لأجلها تذهب حيث شاءت (لا يحمل عليها شيء) ولا تحبس عن مرعى ولا ماء، وذلك أن الرجل كان إذا مرض أو غاب له قريب نذر إن شفاه الله أو مريضه أو قدم غائبه فناقته سائبة فهي بمنزلة البحيرة، وقيل: هي من جميع الأنعام. (قال) أي سعيد بن المسيب بالسند المذكور (وقال أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه (قال رسول الله ﷺ ¬): (رأيت عمرو بن عامر الخزاعي) بضم الخاء المعجمة وتخفيف الزاي، وسبق في باب إذا انفلتت الدابة في الصلاة ورأيت فيها عمرو بن لحيّ بضم اللام وفتح الحاء المهملة. قال الكرماني: عامر اسم ولحيّ لقب أو بالعكس أو أحدهما اسم الجدّ، وقال البرماوي: إنما هو عمرو بن لحيّ اسمه ربيعة بن حارثة بن عمرو اهـ. وعند أحمد من حديث ابن مسعود مرفوعًا: إن أول من سيب السوائب وعبد الأصنام أبو خزاعة عمرو بن عامر، وعند عبد الرزاق من حديث زيد بن أسلم مرفوعًا: عمرو بن لحي أخو بني كعب. قال ابن كثير: فعمرو هذا ابن لحي بن قمعة أحد رؤساء خزاعة الذين ولوا البيت بعد جرهم. وعند ابن جرير عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: لأكتم بن الجون "يا أكتم رأيت عمرو بن لحيّ بن قمعة بن خندف" (يجر قصبه) بضم القاف وسكون الصاد المهملة وبعدها موحدة يعني أمعاءه (في النار كان أوّل من سيب السوائب). قال سعيد بن المسيب: مما هو موقوف مدرج لا مرفوع (والوصيلة) فعيلة بمعنى فاعلة هي (الناقة البكر تبكر) أي تبادر (في أوّل نتاج الإبل) بأنثى (ثم تثنى) بفتح المثلثة وتشديد النون المكسورة (بعد بأنثى) ليس بينهما ذكر (وكانوا يسيبونهم) ولأبي ذر يسيبونها أي الوصيلة (لطواغيتهم) بالمثناة الفوقية من أجل (أن وصلت) بفتح الواو في الفرع كأصله وفي نسخة بضمها (إحداهما) أي إحدى الأنثيين (بـ) الأنثى (الأخرى ليس بينهما ذكر) ويجوز كسر الهمز من أن وصلت وهو الذي في الفرع ولم يضبطها في الأصل، وقيل

стр. 5166

الوصيلة من جنس الغنم فقيل هي الشاة تنتج سبعة أبطن عناقين عناقين فإذا ولدت في آخرها عناقًا وجديًا قيل وصلت أخاها فجرت مجرى السائبة وقيل غير ذلك. (والحام) هو (فحل الإبل يضرب الضراب المعدود) فينتج من صلبه بطن بعد بطن إلى عشرة أبطن (فإذا قضى ضرابه ودعوه) بتخفيف الدال ولأبي ذر ودّعوه بتشديدها (للطواغيت) أي تركوه لأجل الطواغيت (وأعفوه من الحمل فلم يحمل عليه شيء وسموه الحامي) لأنه حمى ظهره وقيل الحام الفحل يولد لولده، وقيل الذي يضرب في إبل الرجل عشر سنين. (وقال أبو اليمان) الحكم بن نافع ولأبي ذر وقال لي أبو اليمان (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة الحمصي (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه قال: (سمعت سعيدًا) يعني ابن المسيب (قال يخبره بهذا) بتحتية مضمومة فحاء معجمة ساكنة فموحدة من الإخبار أي سعيد بن المسيب يخبر الزهري، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي قال: بحيرة بهذا بموحدة مفتوحة فحاء مهملة فتحتية ساكنة إشارة إلى تفسير البحيرة وغيرها كما في رواية إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن الزهري. (قال): أي سعيد بن المسيب (وقال أبو هريرة) ﵁ (سمعت النبي ﷺ نحوه) أي المذكور في الرواية السابقة وهو قوله البحيرة التي يمنع درها للطواغيت. (ورواه) أي الحديث المذكور (ابن الهاد) يزيد بن عبد الله بن أسامة الليثي (عن ابن شهاب) الزهري (عن سعيد) هو ابن المسيب (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه) أنه قال: (سمعت النبي ﷺ ¬) وهذا رواه ابن مردويه من طريق حميد بن خالد المهري عن ابن الهاد ولفظه: رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار وكان أول من سيب السوائب، والسائبة التي كانت تسيب فلا يحمل عليها شيء إلى آخر التفسير المذكور، وقال الحافظ ابن كثير فيما رأيته في تفسيره قال الحاكم: أراد البخاري أن يزيد بن عبد الله بن الهاد رواه عن عبد الوهاب بن بخت عن الزهري كذا حكاه شيخنا أبو الحجاج المزي في الأطراف وسكت ولم ينبه عليه، وفيما قاله الحاكم نظر فإن الإمام أحمد وأبا جعفر بن جرير روياه من حديث الليث بن سعد عن ابن الهاد عن الزهري نفسه والله أعلم. ٤٦٢٤ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْكَرْمَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَرَأَيْتُ عَمْرًا يَجُرُّ قُصْبَهُ وَهْوَ أَوَّلُ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ». وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (محمد بن أبي يعقوب) إسحاق (أبو عبد الله الكرماني) بكسر الكاف وضبطه النووي بفتحها والأول هو المشهور قال: (حدّثنا حسان بن إبراهيم) بن عبد الله الكرماني أبو هشام العنزي بنون مفتوحة بعدها زاي مكسورة قال: (حدّثنا يونس) بن يزيد الأيلي

стр. 5167

(عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن عروة) بن الزبير بن العوّام (أن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ ¬): (رأيت جهنم) حقيقة أو عرض عليه مثالها وكان ذلك في كسوف الشمس (يحطم) بكسر الطاء أي يأكل (بعضها بعضًا ورأيت عمرًا) هو ابن عامر الخزاعي (يجر قصبه) بضم القاف وسكون المهملة أمعاءه أي في النار وسقط للعلم به (وهو أول من سيّب السوائب). وقد سبق هذا الحديث مطوّلًا في أبواب العمل في الصلاة من وجه آخر عن يونس بن يزيد. ١٤ - باب ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧] هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿وكنت عليهم شهيدًا﴾) رقيبًا كالشاهد لم أمكنهم من هذا القول الشنيع وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله﴾ فضلًا عن أن يعتقدوه (﴿ما دمت فيهم فلما توفيتني﴾) أي بالرفع إلى السماء لقوله تعالى: ﴿إني متوفيك ورافعك﴾ [آل عمران: ٥٥] والمتوفى أخذ الشيء وافيًا والموت نوع منه (﴿كنت أنت الرقيب عليهم﴾) المراقب لأحوالهم فتمنع من أردت عصمته بأدلة العقل والآيات التي أنزلت إليهم (﴿وأنت على كل شيء شهيد﴾) [المائدة: ١١٧] مطلع عليه مراقب له. قال في فتوح الغيب: فإن قلت: إذا كان الشهيد بمعنى الرقيب فلمَ عدل عنه إلى الرقيب في قوله تعالى: ﴿كنت أنت الرقيب عليهم﴾ مع أنه ذيل الكلام بقوله: ﴿وأنت على كل شيء شهيد﴾؟ وأجاب: بأنه خولف بين العبارتين ليميز بين الشهيدين والرقيبين فيكون عيسى ﵇ رقيبًا ليس كالرقيب الذي يمنع ويلزم بل هو كالشاهد على المشهود عليه ومنعه بمجرد القول، وأنه تعالى هو الذي يمنع منع إلزام بنصب الأدلة وإنزال البينات وإرسال الرسل، وسقط لأبي ذر قوله: ﴿فلما توفيتني﴾ الخ … وقال بعد قوله: ﴿ما دمت فيهم﴾ الآية. ٤٦٢٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا» ثُمَّ قَالَ: «﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾» إِلَى آخِرِ الآيَةِ. ثُمَّ قَالَ: «أَلَا وَإِنَّ أَوَّلَ الْخَلَائِقِ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، أَلَا وَإِنَّهُ يُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُصَيْحَابِي فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِى مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: كَمَا قَالَ: الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ فَيُقَالُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ».

стр. 5168

وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (أخبرنا المغيرة بن النعمان) النخعي الكوفي (قال: سمعت سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي (عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما) أنه (قال: خطب رسول الله ﷺ فقال): (يا أيها الناس إنكم محشورون) أي مجموعون يوم القيامة (إلى الله) تعالى حال كونكم (حفاة عراة غرلًا) بضم الغين وسكون الراء جمع أغرل وهو الأقلف، والغرلة القلفة التي تقطع من ذكر الصبي. قال ابن عبد البر: يحشر الآدمي عاريًا ولكل من الأعضاء ما كان له يوم ولد فمن قطع له شيء يرد حتى الأقلف. وقال أبو الوفاء بن عقيل: حشفة الأقلف موقاة بالقلفة فلما أزالوها في الدنيا أعادها الله في الآخرة ليذيقها من حلاوة فضله، وسقط لأبي ذر: عراة (ثم قال) ﵊: ولأبي ذر عن الكشميهني ثم قرأ: (﴿كما بدأنا أول خلق نعيده وعدًا علينا إنا كنا فاعلين﴾) [الأنبياء: ١٠٤] (إلى آخر الآية). قال في شرح المشكاة: إن قيل سياق الآية في إثبات الحشر والنشر لأن المعنى نوجدكم عن العدم كما أوجدناكم أولًا عن العدم فكيف يستشهد بها للمعنى المذكور؟ وأجاب: بأن سياق الآية دل على إثبات الحشر وأشارتها على المعنى المراد من الحديث فهو من باب الإدماج. (ثم قال) ﵊: (ألا) بالتخفيف للاستفتاح (وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم) الخليل ﷺ لأنه أول من عري في ذات الله حين أرادوا إلقاءه في النار ولا يلزم من أوليته لذلك تفضيله على نبينا ﷺ لأنا نقول إذا استأثر الله عبدًا بفضيلة على آخر واستأثر المستأثر عليه على المستأثر بتلك الواحدة بغيرها أفضل منها كانت الفضيلة له، فحلة نبينا ﷺ التي يكساها بعد الخليل حلة خضراء وهي حلة الكرامة بقرينة إجلاسه عند ساق العرش فهي أعلى وأكمل فتجبر بنفاستها ما فات من الأولية ولا خفاء بأن منصب الشفاعة حيث لا يؤذن لأحد غير نبينا فيه لم يبق سابقة لأولي السابقة ولا فضيلة لذوي الفضائل إلا أتت عليها وكم له من فضائل مختصة به لم يسبق إليها ولم يشارك فيها (ألا) بالتخفيف أيضًا (وإنه يجاء) بضم الياء وفتح الجيم (برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال) جهة النار (فأقول: يا رب أصيحابي) بضم الهمزة وفتح المهملة مصغرًا والتصغير يدل على التقليل والمراد أنهم تأخروا عن بعض الحقوق وقصروا فيها أو من ارتد من جفاة الأعراب ولأبي ذر عن الكشميهني أصحابي بالتكبير (فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول: كما قال العبد الصالح) عيسى ﷺ : (﴿وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم) وزاد أبو ذر ﴿وأنت على كل شيء شهيد﴾. وهذا موضع الترجمة على ما لا يخفى. (فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ) بالنون لأبي ذر عن الكشميهني مذ (فارقتهم) لم يرد به خواص الصحابة الذين لزموه وعرفوا بصحبته فقد صانهم الله تعالى وعصمهم من ذلك وإنما ارتد قوم من جفاة الأعراب من المؤلّفة قلوبهم ممن لا بصيرة له في الدين.

стр. 5169

وهذا الحديث يأتي إن شاء الله تعالى في الرقاق بعون الله تعالى وقوته. ١٥ - باب قَوْلِهِ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] (باب قوله) : (﴿وإن تعذبهم فإنهم عبادك﴾) أي إن عذبتهم فلا تعذب إلا عبادك ولا اعتراض على المالك فيما يتصرف فيه من ملكه وهم يستحقون ذلك حيث عبدوا غيرك (﴿وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾) [المائدة: ١١٨]. إن قيل: كيف جاز أن يقول وأن تغفر لهم فتعرّض بسؤاله العفو عنهم مع علمه أنه تعالى قد حكم بأنه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة؟ أجيب: بأن هذا ليس بسؤال وإنما هو كلام على طريق إظهار قدرته تعالى على ما يريد وعلى مقتضى حكمه وحكمته، ولذا قال: فإنك أنت العزيز الحكيم تنبيهًا على أنه لا امتناع لأحد من عزته ولا اعتراض في حكمه وحكمته فإن عذبت فعدل وإن غفرت ففضل. قال: أذنبت ذنبًا عظيمًا … وأنت للعفو أهل فإن عفوت ففضل … وإن جزيت فعدل وعدم غفران الشرك مقتضى الوعيد فلا امتناع فيه لذاته وسط قوله: ﴿وإن تغفر لهم﴾ الخ لأبي ذر وقال بعد قوله: ﴿فإنهم عبادك﴾ الآية. ٤٦٢٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ، وَإِنَّ نَاسًا يُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ: كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) العبدي البصري قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: أخبرنا (سفيان) الثوري قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: أخبرنا (المغيرة بن النعمان) النخعي (قال: حدّثني) بالإفراد (سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم (عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (إنكم محشورون) أي يوم القيامة وزاد في الرواية السابقة إلى الله (وإن ناسًا) ولأبي ذر عن الكشميهني وأن رجالًا (يؤخذ بهم ذات الشمال) جهة النار (فأقول كما قال العبد الصالح) عيسى ابن مريم ﷺ : (﴿وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم﴾ -إلى قوله- ﴿العزيز الحكيم﴾). فإن قلت: ما وجه مناسبة العزيز الحكيم بعد التعذيب والمغفرة وبالنظر إلى القسم الآخر الغفور أنسب ظاهرًا؟ أجيب: بأن مجموع الوصفين لمجموع الحكمين كأنه قال: إن تعذبهم فإنهم

стр. 5170

عبادك ولا يفوتك ولا يؤدك تعذيبهم وأن تغفر لهم فإنك أنت الحكيم الذي لا يفعل إلا بمقتضى الحكمة لا بالنظر إلى أنهم يستحقون المغفرة بل باعتبار أن فعلك لا يكون إلا على وجه الصواب. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الرقاق وأحاديث الأنبياء، ومسلم في صفة القيامة، والترمذي في الزهد، والنسائي في الجنائز والتفسير. ([٦] سورة الأنعام) عن ابن عباس فيما رواه الطبراني نزلت سورة الأنعام بمكة ليلًا جملة حرلها سبعون ألف ملك يجأرون حولها بالتسبيح. وروى الحاكم في مستدركه عن جعفر بن عون، حدّثنا إسماعيل بن عبد الرحمن، حدّثنا محمد بن المنكدر عن جابر لما نزلت سورة الأنعام سبح رسول الله ﷺ ثم قال: (لقد شيع هذه السورة ما سدّ الأفق) ثم قال: صحيح على شرط مسلم فإن إسماعيل هو السدي. قال الذهبي: لا والله لم يدرك جعفر السدي وأظن هذا موضوعًا، وعند ابن مردويه عن أنس بن مالك مرفوعًا: نزلت سورة الأنعام معها موكب من الملائكة سدّ ما بين الخافقين لهم زجل بالتسبيح والأرض بهم ترتج ورسول الله ﷺ يقول: سبحان الله الملك العظيم. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [٦]- سورة الأَنْعَامِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِتْنَتَهُمْ مَعْذِرَتَهُمْ مَعْرُوشَاتٍ: مَا يُعْرَشُ مِنَ الْكَرْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، حَمُولَةً: مَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا، وَلَلَبَسْنَا: لَشَبَّهْنَا، يَنْأَوْنَ، يَتَبَاعَدُونَ، تُبْسَلُ: تُفْضَحُ، أُبْسِلُوا: أُفْضِحُوا، بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ: الْبَسْطُ الضَّرْبُ، اسْتَكْثَرْتُمْ: أَضْلَلْتُمْ كَثِيرًا. ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ: جَعَلُوا لِلَّهِ مِنْ ثَمَرَاتِهِمْ وَمَالِهِمْ نَصِيبًا وَلِلشَّيْطَانِ وَالأَوْثَانِ نَصِيبًا. أَكِنَّةً وَاحِدُهَا: كِنَانٌ، أَمَّا اشْتَمَلَتْ يَعْنِي هَلْ تَشْتَمِلُ إِلاَّ عَلَى ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى؟ فَلِمَ تُحَرِّمُونَ بَعْضًا وَتُحِلُّونَ بَعْضًا. مَسْفُوحًا: مُهْرَاقًا، صَدَفَ: أَعْرَضَ. أُبْلِسُوا: أُويِسُوا. وَأُبْسِلُوا: أُسْلِمُوا. سَرْمَدًا: دَائِمًا. اسْتَهْوَتْهُ: أَضَلَّتْهُ. تَمْتَرُونَ: تَشُكُّونَ، وَقْرًا: صَمَمٌ، وَأَمَّا الْوِقْرُ الْحِمْلُ. أَسَاطِيرُ: وَاحِدُهَا أُسْطُورَةٌ وَإِسْطَارَةٌ وَهِيَ التُّرَّهَاتُ، الْبَأْسَاءُ: مِنَ الْبَأْسِ وَيَكُونُ مِنَ الْبُؤْسِ. جَهْرَةً: مُعَايَنَةً، الصُّوَرُ: جَمَاعَةُ صُورَةٍ كَقَوْلِهِ: سُورَةٌ وَسُوَرٌ، مَلَكُوتٌ: مُلْكٌ مِثْلُ رَهَبُوتٍ خَيْرٌ مِنْ رَحَمُوتٍ وَيَقُولُ تُرْهَبُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تُرْحَمَ، جَنَّ: أَظْلَمَ، تَعَالَى: عَلَا، وَإِن تَعْدِلْ: تُقْسِطْ، لَا يُقْبَلْ مِنْهَا فِي ذَلِكَ اليَوْمِ، يُقَالُ: عَلَى اللَّهِ حُسْبَانُهُ أَيْ حِسَابُهُ، وَيُقَالُ حُسْبَانًا: مَرَامِيَ وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ. مُسْتَقَرٌّ: فِي الصُّلْبِ، وَمُسْتَوْدَعٌ: فِي الرَّحِمِ، الْقِنْوُ الْعِذْقُ وَالاِثْنَانِ قِنْوَانِ وَالْجَمَاعَةُ أَيْضًا قِنْوَانٌ مِثْلُ صِنْوٍ وَصِنْوَانٍ. (بسم الله الرحْمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذر.

стр. 5171

(قال ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما فيما وصله ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن عطاء عنه: (﴿ثم لم تكن فتنتهم﴾) [الأنعام: ٢٣] أي (معذرتهم) أي التي يتوهمون أنهم يتخلصون بها، وسقط ﴿ثم لم تكن﴾ لغير أبي ذر، وقال ابن عباس فيما وصله ابن أبي حاتم أيضًا في قوله تعالى: ﴿وهو الذي أنشأ جنات﴾ (﴿معروشات﴾) [الأنعام: ١٤١] أي (ما يعرش من الكرم وغير ذلك) وسقط هذا لأبي ذر. وقال ابن عباس أيضًا فيما وصله ابن أبي حاتم في قوله تعالى: (﴿حمولة﴾) (وفرشًا﴾ [الأنعام: ١٤٢] هي (ما يحمل عليها) كذا في اليونينية يحمل بالتحتية وسقطت في فرعها أي الأثقال وفي قوله: (﴿وللبسنا﴾) ﴿عليهم﴾ [الأنعام: ٩] (لشبهنا) عليهم فيقولون: ما هذا إلا بشر مثلكم، وفي قوله تعالى: (﴿وينأون﴾) [الأنعام: ٢٦] عنه (يتباعدون) عنه أي عن أن يؤمنوا به ﵊ وفي (﴿تبسل﴾) من قوله: ﴿أن تبسل نفس﴾ [الأنعام: ٧] (تفضح) وفي قوله: (﴿أبسلوا﴾) أي (أفضحوا) همزة مضمومة وكسر الضاد المعجمة ولأبي ذر فضحوا بغير همزة وفي قوله تعالى: ﴿والملائكة﴾ (﴿باسطو أيديهم﴾) [الأنعام: ٩٣] (البسط: الضرب) من قوله تعالى: ﴿لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني﴾ [المائدة: ٢٨] وليس البسط الضرب نفسه وفي قوله: ﴿قد﴾ (﴿استكثرتم﴾) أي (أضللتم كثيرًا) منهم وكذلك قال مجاهد والحسن وقتادة: ولأبي ذر وقوله: استكثرتم من الإِنس وسقط لغيره وفي قوله: (﴿ذرأ﴾) ولأبي ذر: ﴿مما ذرأ﴾ (﴿من الحرث﴾) [الأنعام: ١٣٦] قال: (جعلوا لله من ثمراتهم وما لهم نصيبًا وللشيطان والأوثان نصيبًا). وروي أنهم كانوا يصرفون ما عينوه لله إلى الضيفان والمساكين والذي لأوثانهم ينفقونه على سدنتها ثم إن رأوا ما عينوه لله أزكى بذلوه لآلهتهم وإن رأوا ما آلهتهم أزكى تركوه لها حبًّا لها وفي قوله: ﴿مما ذرأ﴾ تنبيه على فرط جهالتهم فإنهم أشركوا الخالق في خلقه جمادًا لا يقدر على شيء ثم رجحوه عليه بأن جعلوا الزاكي له، وسقط لغير أبي ذر لفظ مما من قوله: ﴿مما ذرأ﴾. وقال ابن عباس أيضًا في قوله تعالى: ﴿على قلوبهم﴾ (﴿أكنة﴾) [الأنعام: ٢٥] أن يفقهوه (واحدها كنان) وهو ما يستر الشيء وهذا ثابت لأبي ذر عن المستملي ساقط لغيره وفي قوله: (﴿أما﴾) بإدغام الميم في الأخرى وحذفها من الكتابة ولأبي ذر: أم ما (﴿اشتملت﴾) [الأنعام: ١٤٣] عليه أرحام الأنثيين (يعني هل تشتمل إلا على ذكر أو أنثى فلم تحرمون بعضًا وتحلّون بعضًا) وهو رد عليهم في قولهم: (﴿ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا﴾ ومحرم على أزواجنا. وفي قوله: ﴿أو دمًا﴾ (﴿مسفوحًا﴾) أي (مهراقًا) يعني مصبوبًا كالدم في العروق لا كالكبد والطحال وهذا ثابت للكشميهني ساقط لغيره، وفي قوله: (﴿صدف﴾) أي (أعرض) عن آيات الله، وفي قوله تعالى: (﴿أبلسوا﴾) من قوله تعالى: ﴿فإذا هم مبلسون﴾ أي (أويسوا) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أيسوا بفتح الهمزة وإسقاط الواو مبنيًّا للفاعل من أيس إذا انقطع رجاؤه، وفي قوله: ﴿أبلسوا﴾ بما كسبوا أي (أسلموا) أي إلى الهلاك بسبب أعمالهم القبيحة وعقائدهم الزائغة وقد ذكر هذا قريبًا بغير هذا التفسير وفي قوله في سورة

стр. 5172

القصص (سرمدًا) إلى يوم القيامة أي (دائمًا) قيل وذكره هنا لمناسبة قوله في هذه السورة وجاعل الليل سكنًا. وفي قوله: (﴿استهوته﴾) أي (أضلته) الشياطين، وفي قوله: ﴿ثم أنتم﴾ (﴿تمترون﴾) أي (تشكون) وفي قوله: ﴿وفي آذانهم﴾ (﴿وقر﴾) أي (صم وأما الوقر) بكسر الواو (فإنه الحمل) بكسر الحاء المهملة وسقط لغير أبي ذر فإنه وقوله: (﴿أساطير﴾) الأولين (واحدها أسطورة) بضم الهمزة وسكون السين وضم الطاء (وإسطارة) بكسر الهمزة وفتح الطاء ويعدها ألف (وهي الترهات) بضم الفوقية وتشديد الراء أي الأباطيل وقوله: (﴿البأساء﴾) في قوله: ﴿فأخذناهم بالبأساء﴾ (من البأس) وهو الشدّة (ويكون من البؤس) بالضم وهو ضدّ النعيم وقوله: ﴿أو﴾ (﴿جهرة﴾) أي (معاينة) وقوله: (﴿الصور﴾) بضم الصاد وفتح الواو في قوله: ﴿يوم ينفخ في الصور﴾ أي (جماعة صورة) أي يوم ينفخ فيها فتحيا (كقوله: سورة وسور) بالسين المهملة فيهما. قال ابن كثير: والصحيح أن المراد بالصور القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل ﵇ للأحاديث الواردة فيه، وقوله: (﴿ملكوت﴾) بفتح التاء في اليونينية في قوله تعالى: ﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض﴾ [الأنعام: ٧٥] أي (ملك) وقيل الواو والتاء زائدتان (مثل رهبوت) كذا في نسخة آل ملك بكسر ميم مثل والإضافة لتاليه والذي في اليونينية مثل بفتح الميم والمثلثة وتنوين اللام ورهبوت رفع (خبر من رحموت) أي في الوزن (وتقول: ترهب خير من أن ترحم) ولأبي ذر ملكوت وملك رهبوت رحموت والصواب الأول فإنه فسر ملكوت بملك وأشار إلى أن وزن ملكوت مثل رهبوت ورحموت، ويؤيده قول أبي عبيدة في تفسيره الآية حيث قال أي ملك السماوّات والأرض خرجت مخرج قولهم في المثل رهبوت خير من رحموت أي رهبة خير من رحمة وقوله: ﴿فلما﴾ (﴿جن﴾) ﴿عليه الليل﴾ أي (أظلم) وقوله: (﴿تعالى﴾) ﴿ما يصفون﴾ أي (علا) وهذا ثابت لأبي ذر ساقط لغيره كقوله: (﴿وأن تعدل﴾) كل عدل لا يؤخذ منها أي (تقسط) بضم الفوقية من الأقساط وهو العدل والضمير في أن تعدل يرجع إلى النفس الكافرة المذكورة قبل (﴿لا يقبل منها﴾ في ذلك اليوم) هو يوم القيامة لأن التوبة إنما تنفع في حال الحياة قبل الموت وقوله: وإن تعدل الخ … ثابت لأبي ذر، وفي قوله: ﴿والشمس والقمر حسبانًا﴾ (يقال على الله حسبانه أي حسابه) كشهبان وشهاب أي يجريان بحساب متقن مقدر لا يتغير ولا يضطرب بل كل منهما له منازل يسكنها في الصيف والشتاء فيترتب على ذلك اختلاف الليل والنهار طولًا وقصرًا (ويقال حسبانًا) أي (مرامي) أي سهامًا (ورجومًا للشياطين) وسقط قوله ويقال لأبي ذر. وقوله: (﴿مستقر﴾) في قوله تعالى: ﴿أنشأكم من نفس واحدة فمستقر﴾ [الأنعام: ٩٨] أي (في الصلب ومستودع في الرحم) كذا وقع هنا ومثله قول أي عبيدة مستقر في صلب الأب ومستوع في رحم الأم، وكذا أخرجه عبد بن حميد من حديث محمد ابن الحنفية، وقال معمر عن قتادة عن عبد الرزاق مستقر في الرحم ومستوع في الصلب، وأخرج سعيد بن منصور مثله من حديث ابن عباس بإسناد صحيح، وأخرج عبد الرزاق عن ابن مسعود قال مستقرها في الدنيا ومستودعها في الآخرة، وعند الطبراني من حديثه المستقر الرحم والمستودع الأرض وقوله: القنو

стр. 5173

في قوله: ﴿ومن النخل من طلعها قنوان﴾ [الأنعام: ٩٩] أي (العذق) بكسر العين المهملة وسكون الذال المعجمة آخره قاف وهو العرجون بما فيه من الشماريخ (والاثنان قنوان) بكسر القاف (والجماعة أيضًا قنوان) فيستوي فيه التثنية والجمع. نعم يظهر الفرق بينهما في رواية أبي ذر حيث تكرر عنده صنوان مع كسر نون الأولى ورفع الثانية التي هي نون الجمع الجاري عليها الإعراب تقول في التثنية هذان قنوان بالكسر، وأخذت قنوين في النصب، وضربت بقنوين في الجر فنقلب ألف التثنية فيهما وتقول في الجمع هذه قنوان بالرفع لأنه في حالة الرفع وأخذت قنوانًا بالنصب وضربت بقنوان بالجرّ ولا تتغير فيه الألف والإعراب يجري على النون ويحصل الفرق أيضًا بالإضافة فإن نون التثنية تحذف دون نون الجمع وسقطت قنوان الثانية لغير أبي ذر (مثل صنو وصنوان) في التثنية والجمع والكسر في التثنية والحركات الثلاث في الجمع وهو بكسر الصاد المهملة وسكون النون وأصله أن تطلع نخلتان من عرق واحد، ولأبي ذر: وصنوان بالرفع والتنوين، وهذه التفاسير المذكورة مقدم بعضها على بعض في بعض النسخ ومؤخر في أخرى وساقط في بعضها من بعض. ١ - باب ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو﴾) [الأنعام: ٥٩] المفاتح: جمع مفتح بفتح الميم وهو الخزانة أو جمع مفتح بكسر الميم وهو المفتاح بإثبات الألف وجمعه مفاتيح بياء بعد الألف وقرأ بها ابن السميقع وهو الآلة التي يفتح بها، فعلى الأول يكون المعنى وعنده خزائن الغيب وهذا منقول عن السدي فيما رواه الطبري، وعلى الثاني يكون قد جعل للغيب مفاتيح على طريق الاستعارة لأن المفاتيح هي التي يتوصل بها إلى ما في الخزائن المستوثق منها بالإغلاق فمن علم كيف يفتح بها ويتوصل إلى ما فيها فهو عالم وكذلك هاهنا إن الله تعالى لما كان عالمًا بجميع المعلومات ما غاب منها وما لم يغب عبّر عنه بهذه العبارة إشارة إلى أنه هو المتوصل إلى المغيبات وحده لا يتوصل إليها غيره وهذا هو الفائدة في التعبير بعند، وفيه ردّ على المنجم المخذول الذي يدعي علم الغيب والفلسفي المطرود الذي يزعم أن الله تعالى لا يعلم الجزئيات، وجوّز الواحدي أنه جمع مفتح بفتح الميم على أنه مصدر بمعنى الفتح أي وعنده فتوح الغيب أي يفتح الغيب على من يشاء من عباده ويطلق المفتاح على المحسوس والمعنوي، وفي حديث أنس مما صححه ابن حبان "أن من الناس مفاتح للخير". ٤٦٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَفَاتِحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]».

стр. 5174

وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) بن يحيى القرشي العامري الأويسي قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن سالم بن عبد الله عن أبيه) عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ (أن رسول الله ﷺ قال): (مفاتح الغيب) بوزن مساجد أي خزائن الغيب (خمس) لا يعلمها إلا الله فمن ادّعى علم شيء منها فقد كفر بالقرآن العظيم وذكر خمسًا، وإن كان الغيب لا يتناهى لأن العدد لا ينفي زائدًا عليه أو لأن هذه الخمس هي التي كانوا يدّعون علمها (﴿إن الله عنده علم الساعة﴾) أي علم قيامها فلا يعلم ذلك نبي مرسل ولا ملك مقرب لا يجلبها لوقتها إلا هو ومن ثمّ أنكر الداودي على الطبري دعواه أنه بقي من الدنيا من هجرة المصطفى نصف يوم وهو خمسمائة عام قال: وتقوم الساعة لأن دعواه مخالفة لصريح القرآن والسنّة ويكفي في الردّ عليه أن الأمر وقع بخلاف ما قال فقد مضت خمسمائة سنة ثم ثلاثمائة وزيادة لكن الطبري تمسك بحديث أبي ثعلبة رفعه: "لن تعجز هذه الأمة أن يؤخرها الله نصف يوم". الحديث … أخرجه أبو داود وغيره لكنه ليس صريحًا في أنها لا تؤخر أكثر من ذلك (﴿وينزل الغيث﴾) فلا يعلم وقت إنزاله من غير تقديم ولا تأخير وفي بلد لا يجاوز به إلا هو لكن إذا أمر به علمته ملائكته الموكلون به ومن شاء الله من خلقه (﴿ويعلم ما في الأرحام﴾) مما يريد أن يخلقه أذكر أم أنثى أتام أم ناقص لا أحد سواه لكن إذا أمر بكونه ذكرًا أو أنثى أو شقيًّا أو سعيدًا علمه الملائكة الموكلون بذلك ومن شاء من خلقه (﴿وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا) في دنياها أو أخراها من خير أو شر (﴿وما تدري نفس بأي أرض تموت﴾) أفي بلدها أم في غيرها فليس أحد من الناس يدري أين مضجعه من الأرض أفي بحر أو بر سهل أو جبل (﴿إن الله عليم خبير﴾) [لقمان: ٣٤]. والاستدراك من نفي علم غير البارئ تعالى بوقت إنزال المطر قوّلنا لكن إذا أمر به علمته ملائكته الموكلون به الخ … مستفاد من قوله: علم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا إلا من ارتضى من رسول الآية. ومقتضاه إطلاع الرسول على بعض المغيب والولي تابع للرسول يأخذ عنه، وسقط قوله: ﴿ويعلم ما في الأرحام﴾ الخ لأبي ذر وقال إلى آخر السورة. وهذا الحديث قد سبق في الاستسقاء ويأتي إن شاء الله تعالى في سورة الرعد ولقمان والله المستعان. ٢ - باب قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] يَلْبِسَكُمْ: يَخْلِطَكُمْ مِنَ الاِلْتِبَاسِ. يَلْبِسُوا: يَخْلِطُوا. شِيَعًا: فِرَقًا (باب قوله) تعالى: (﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم﴾) كما فعل بقوم

стр. 5175

نوح ولوط وأصحاب الفيل (﴿أو من تحت أرجلكم﴾) [الأنعام: ٦٥] كما أغرق فرعون وخسف بقارون، وعند ابن مردويه من حديث أبي بن كعب (﴿عذابًا من فوقكم﴾) قال: الرجم (﴿أو من تحت أرجلكم﴾) الخسف. وقيل من فوقكم أكابركم وحكّامكم أو من تحت أرجلكم سفلتكم وعبيدكم، وقيل المراد بالفوق حبس المطر وبالتحت منع الثمرات وسقط لغير أبي ذر: أو من تحت أرجلكم، وقالوا: الآية، وثبت قوله: باب قوله لأبي ذر، وسقط للباقين. (﴿يلبسكم﴾) [الأنعام: ٦٥] في قوله: ﴿أو يلبسكم﴾ أي (يخلطكم من الالتباس يلبسوا يخلطوا) وهذا كاللاحق من قول أبي عبيدة، وقوله: (﴿شيعا﴾) [الأنعام: ٦٥] أي (فرقًا) أي لا تكونوا شيعة واحدة يعني يخلط أمركم خلط اضطراب لا خلط اتفاق يقاتل بعضكم بعضًا. ٤٦٢٨ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ» قَالَ: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قَالَ: «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ» ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَذَا أَهْوَنُ أَوْ هَذَا أَيْسَرُ». [الحديث ٤٦٢٨ - طرفاه في: ٧٣١٣، ٧٤٠٦]. وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل عارم قال: (حدّثنا حماد بن زيد) أي ابن درهم الجهضمي (عن عمرو بن دينار عن جابر) الأنصاري (﵁) أنه (قال: لما نزلت هذه الآية ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم﴾ قال رسول الله ﷺ ¬): (أعوذ بوجهك) بذاتك. وزاد الإسماعيلي من طريق حماد بن زيد عن عمرو الكريم (قال: ﴿أو من تحت أرجلكم﴾) وسقطت قال لأبي ذر (قال) ﵊: (أعوذ بوجهك) زاد الإسماعيلي الكريم أيضًا (﴿أو يلبسكم﴾) يخلطكم في ملاحم القتال (﴿شيعًا ويذيق بعضكم بأس بعض﴾) أي يقاتل بعضكم بعضًا. وقال مجاهد: يعني أهواء متفرقة وهو ما كان فيهم من الفتن والاختلاف. وقال بعضهم: هو ما فيه الناس الآن من الاختلاف والأهواء وسفك الدماء (قال رسول الله ﷺ : هذا أهون) لأن الفتن بين المخلوقين وعذابهم أهون من عذاب الله فابتليت هذه الأمة بالفتن ليكفر بها عنهم (أو) قال: (هذا أيسر) شك الراوي. وعند ابن مردويه من حديث ابن عباس قال رسول الله ﷺ : "دعوت الله أن يرفع عن أمتي أربعًا فرفع عنهم اثنتين وأبى أن يرفع عنهم اثنتين دعوت الله أن يرفع عنهم الرجم من السماء والخسف من الأرض وأن لا يلبسهم شيعًا ولا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع الله عنهم الخسف والرجم، وأبى أن يرفع عنهم الأخريين" فيستفاد منه أن الخسف والرجم لا يقعان في هذه الأمة، لكن روى أحمد من حديث أبيّ بن كعب في هذه الآية قال: هن أربع وكلهن واقع لا محالة فمضت اثنتان بعد وفاة نبيهم بخمس وعشرين سنة ألبسوا شيعًا وذاق بعضهم بأس بعض، وبقيت

стр. 5176

اثنتان واقعتان. لا محالة الخسف والرجم، لكنه أعلّ بأنه مخالف لحديث جابر وغيره، وبأن أبيّ بن كعب لم يدرك سنة خمس وعشرين من الوفاة النبوية فكأن حديثه انتهى عند قوله: لا محالة، والباقي كلام بعض الرواة، وجمع بينهما بأن حديث جابر مقيد بزمان وجود الصحابة وبعد ذلك يجوز وقوعهما، وعند أحمد بإسناد صحيح من حديث صحار بضم الصاد وبالحاء المخففة المهملتين العبدي رفعه: "لا تقوم الساعة حتى يخسف بقبائل" الحديث … ذكره في فتح الباري، وفي حديث ربيعة الجرشي عند ابن أبي خيثمة رفعه: "يكون في أمتي الخسف والقذف والمسخ". وحديث الباب أخرجه المؤلّف أيضًا في التوحيد والنسائي في التفسير. ٣ - باب ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] أي بشرك، وسقط لفظ باب لغير أبي ذر. ٤٦٢٩ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشددة بندار العبدي قال: (حدّثنا ابن أبي عدي) هو محمد واسم أبي عدي إبراهيم البصري (عن شعبة) بن الحجاج (عن سليمان) بن مهران الأعمش (عن إبراهيم) النخعي (عن علقمة) بن قيس (عن عبد الله) بن مسعود (﵁) أنه (قال: لما نزلت ﴿ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾) أي عظيم أي لم يخلطوه بشرك كما سيأتي، واستشكل تصوير خلط الإيمان بالشرك وحمله بعضهم على خلطهما ظاهرًا وباطنًا أي لم ينافقوا؛ أو المراد بالإيمان مجرد التصديق بالصانع وحده فيكون لغويًّا وحينئذ فلا إشكال. (قال أصحابه) ﷺ ورضي الله عنهم: (وأينا لم يظلم) وفي نسخة لأبي ذر عن الحموي: لا يظلم (فنزلت) عقب ذلك (﴿إِن الشرك لظلم عظيم﴾) [لقمان: ١٣] فبيّن أن عموم الظلم المفهوم من الإتيان به نكرة في سياق النفي غير مراد بل هو من العام الذي أريد به الخاص وهو الشرك الذي هو أعلى أنواع الظلم. وهذا الحديث قد سبق في باب الإيمان. ٤ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٦] (باب قوله) جل وعلا: (﴿ويونس ولوطًا﴾) هو ابن هاران ابن أخي إبراهيم الخليل ﵇ (﴿وكلاًّ فضلنا على العالمين﴾) [الأنعام: ٨٦] أي عالمي زمانهم، وتمسك به من قال: إن الأنبياء أفضل من الملائكة لدخولهم في عموم الجمع المحلى.

стр. 5177

٤٦٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا يَنْبَغِى لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى». وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (محمد بن بشار) بندار العبدي قال: (حدّثنا ابن مهدي) عبد الرحمن قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة (عن أبي العالية) رفيع بضم الراء وفتح الفاء وبعد التحتية الساكنة عين مهملة ابن مهران الرياحي أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (ابن عم نبيكم يعني ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (ما ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى) بفتح الميم والفوقية المشددة وضمير المتكلم يحتمل أن يعود إلى كل قائل، أي: لا يقول بعض الجاهلين من المجتهدين في العبادة أو العلم أو غير ذلك من الفضائل فإنه ولو بلغ لم يبلغ درجة النبوة، ويؤيده ما في بعض الروايات ما ينبغي لعبد أن يقول: وقيل يعود إلى الرسول ﷺ أي لا ينبغي لأحد أن يفضلني عليه قاله على سبيل التواضع أو قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم وفيه نظر من جهة معرفة المتقدم تاريخيًّا. ٤٦٣١ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: سَمِعْتُ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى». وبه قال: (حدّثنا آدم بن أبي إياس) بكسر الهمزة وتخفيف التحتية قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (أخبرنا سعد بن إبراهيم) بسكون العين (قال: سمعت حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (ما ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى) فيه الكف عن الخوض في التفضيل بين الأنبياء بالرأي فيوقف عند المروي من ذلك والدلائل متظافرة على تفضيل نبينا ﷺ على جميع الأنبياء، وخص يونس بالذكر خوفًا من توهم حط مرتبته العلية بقصة الحوت. وهذا الحديث قد سبق مرارًا وقد ثبت باب قوله لأبي ذر عن المستملي وسقط لغيره. ٥ - باب قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] (باب قوله) : (﴿أولئك الذين هدى الله﴾) قال الزجاج الأنبياء الذين ذكرهم (﴿فبهداهم اقتده﴾) [الأنعام: ٩٠] الهاء من اقتده للوقف ومن أثبتها في الوصل ساكنة. كالحرمين، والبصري وعاصم أجرى الوصل مجرى الوقف وأشبعها ابن عامر على أنها كناية المصدر أي اقتد اقتداء وحذفها الأخوان على أنها هاء السكت وقياسها في الوصل الحذف.

стр. 5178

وفي هذه الآية دلالة على فضل نبينا ﷺ على سائر الأنبياء لأنه سبحانه أمره بالاقتداء بهداهم، ولا بد من امتثاله لذلك الأمر فوجب أن يجتمع فيه جميع فضائلهم وأخلاقهم المتفرقة، فثبت بهذا أنه ﷺ أفضل الأنبياء وتقديم قوله: ﴿فبهداهم اقتده﴾ يفيد حصر الأمر في هذا الاقتداء وأنه لا هدى غيره، والمراد أصول الدين وهو الذي يستحق أن يسمى الهدى المطلق فإنه لا يقبل النسخ، وكذا في مكارم الأخلاق والصفات الحميدة المشهورة عن كل واحد من هؤلاء الأنبياء ولو أمر بالاقتداء في مشروع تلك الأديان لم يكن دينًا ناسخًا وكان يجب محافظة كتبهم ومراجعتها عند الحاجة وبطلان اللازم بالاتفاق يدل على بطلان الملزوم، وسقط لغير أبي ذر قوله: باب قوله. ٤٦٣٢ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ الأَحْوَلُ أَنَّ مُجَاهِدًا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ أَفِي (ص) سَجْدَةٌ فَقَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ تَلَا: ﴿وَوَهَبْنَا﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ثُمَّ قَالَ: هُوَ مِنْهُمْ. زَادَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَسَهْلُ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ الْعَوَّامِ عَنْ مُجَاهِدٍ، قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: فَقَالَ نَبِيُّكُمْ ﷺ مِمَّنْ أُمِرَ أَنْ يَقْتَدِىَ بِهِمْ. وبه قال: (حدّثني) بالتوحيد (إبراهيم بن موسى) الفراء الرازي الصغير قال: (أخبرنا هشام) هو ابن يوسف الصنعاني (أن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (أخبرهم قال: أخبرني) بالإفراد (سليمان) بن أبي مسلم (الأحول) المكي قيل اسم أبيه عبد الله (أن مجاهدًا) هو ابن جبر بفتح الجيم وسكون الموحدة المخزومي مولاهم المكي الإمام في التفسير (أخبره أنه سأل ابن عباس) ﵄ (أفي) سورة (ص سجدة؟ فقال: نعم، ثم تلا ﴿ووهبنا﴾) زاد أبو ذر: ﴿له إسحاق ويعقوب﴾ (- إلى قوله- ﴿فبهداهم اقتده﴾ ثم قال: هو منهم). أبي داود من الأنبياء المذكورين في هذه الآية. (زاد) على الرواية الماضية (يزيد بن هارون) الواسطي فيما وصله الإسماعيلي (ومحمد بن عبيد) مصغرًا من غير إضافة الطيالسي الكوفي فيما وصله البخاري في سورة ص (وسهل بن يوسف) بسكون الهاء الأنماطي فيما وصله المؤلّف في أحاديث الأنبياء ثلاثتهم (عن العوام) بتشديد الواو ابن حوشب بفتح الحاء المهملة وسكون الواو وفتح المعجمة آخره موحدة (عن مجاهد) المذكور آنفًا أنه قال: (قلت لابن عباس: فقال: نبيكم ﷺ ممن أمر أن يقتدي بهم) أي وقد سجدها داود فسجدها رسول الله ﷺ اقتداء به، واستدلّ بهذا على أن شرع من قبلنا شرع لنا وهي مسألة مشهورة في الأصول. ويأتي هذا الحديث إن شاء الله تعالى في سورة ص بعون الله تعالى وقوته.

стр. 5179

٦ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ [الأنعام: ١٤٦] الآيَةَ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُلَّ ذِى ظُفُرٍ: الْبَعِيرُ وَالنَّعَامَةُ. الْحَوَايَا: الْمَبْعَرُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هَادُوا: صَارُوا يَهُودًا. وَأَمَّا قَوْلُهُ هُدْنَا: تُبْنَا. هَائِدٌ: تَائِبٌ (باب قوله) (﴿وعلى الذين هادوا﴾) أي وعلى اليهود (﴿حرمنا كل ذي ظفر﴾) أي لم يكن منفرج الأصابع مشقوقها. رواه ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس بإسناد حسن وذلك لشؤم ظلمهم لقوله تعالى: ﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم﴾ [النساء: ١٦٠] (﴿ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما﴾ [الأنعام: ١٤٦] (الآية). أي الثروب بالثاء المثلثة المضمومة والراء آخره موحدة وهو شحم قد غشي الكرش والأمعاء رقيق وشحم الكلى وترك البقر والغنم على التحليل لم يحرم منها إلا الشحوم الخاصة، واستثنى من الشحم ما علق بظهورهما أو ما اشتمل على الأمعاء فإنه غير محرم، وهو المراد بقوله: ﴿أو الحوايا﴾ جمع حاوية أو حاوياء كقاصعاء وقواصع أو حوية كسفينة وسفائن. ومن عطف على شحومهما جعل أو بمعنى الواو فهي بمنزلة قولك: لا تطع زيدًا أو عمرًا أو خالدًا أي هؤلاء كلهم أهل أن لا يطاع فلا تطع واحدًا منهم ولا تطع الجماعة، ومثله الحسن أو ابن سيرين أو الشعبي فليس المعنى أني أمرتك بمجالسة واحد منهم بل المعنى كلهم أهل أن يجالس فإن جالست واحدًا منهم فأنت مصيب وإن جالست الجماعة فأنت مصيب. وقال ابن الحاجب: أو في قوله: ﴿ولا تطع منه آثمًا وكفورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] بمعناها وهو أحد الأمرين وإنما جاء التعميم من النهي الذي فيه معنى النفي، لأن المعنى قبل وجود النهي فيهما تطيع آثمًا أو كفورًا أي واحدًا منهما فإذا جاء النهي ورد على ما كان ثابتًا في المعنى، فيصير المعنى ولا تطع أحدًا منهما فيجيء العموم فيهما من جهة النهي الداخل بخلاف الإثبات فإنه قد يفعل أحدهما دون الآخر وهو معنى دقيق، والحاصل أنك إذا عطفت أو الحوايا أو ما اختلط بعظم على شحومهما دخلت الثلاث تحت حكم النفي فيحرم الكل سوى ما استثني منها وإذا عطفت على المستثنى لم يحرم سوى الشحوم وأو على الأول للإباحة وعلى الثاني للتنويع قاله في فتوح الغيب، وسقط في رواية أبي ذر قوله: ﴿ومن البقر﴾ إلى آخره، وقال بعد قوله: ﴿ظفر﴾ إلى قوله: ﴿وإنا لصادقون﴾. (وقال ابن عباس): فيما وصله ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عنه في تفسير قوله: (﴿كل ذي ظفر﴾ البعير والنعامة﴾) ونحوهما (الحوايا المبعر) بفتح الميم وصله ابن جرير عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة وعبد الرزاق عن معمر عن قتادة، وفي رواية أبي الوقت المباعر بالجمع، وكذا قاله سعيد بن جبير فيما أخرجه ابن جرير. وقال: الحوايا جمع حوية وهي ما تحوّى

стр. 5180

واجتمع واستدار من البطن وهو بنات اللبن وهي المباعر وفيها الأمعاء. (وقال غيره): غير ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وعلى الذين هادوا﴾ [الأنعام: ١٤٦] (صاروا يهودًا. وأما قوله) تعالى: إنّا (﴿هدنا﴾) إليك بالأعراف فمعناه (تبنا هائد تائب) كذا نقل ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير، وغيره الخ لأبي ذر. ٤٦٣٣ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، قَالَ عَطَاءٌ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ لَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوهَا» وَقَالَ أَبُو عَاصِمٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ كَتَبَ إِلَىَّ عَطَاءٌ سَمِعْتُ جَابِرًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وبه قال: (حدّثنا عمرو بن خالد) بفتح العين ابن فروخ بن سعيد الحراني التميمي نزيل مصر قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام المصري (عن يزيد بن أبي حبيب) أبي رجاء البصري واسم أبيه سويد أنه قال: (قال عطاء): هو ابن أبي رباح (سمعت جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄) يقول: (سمعت النبي ﷺ ¬) زاد في باب بيع الميتة من كتاب البيع عام الفتح وهو بمكة (قال): (قاتل الله اليهود) أي لعنهم (لما حرم الله عليهم شحومها) أي أكل شحوم الميتة (جملوه) أي أذابوا المذكور واستخرجوا دهنه (ثم باعوه) ولأبي الوقت وأبي ذر عن الكشميهني: جملوها على الأصل (فأكلوها) أي أثمانها. (وقال أبو عاصم) الضحاك النبيل شيخ البخاري مما وصله أحمد (حدّثنا عبد الحميد) بن جعفر الأنصاري قال: (حدّثنا يزيد) بن أبي حبيب قال: (كتب إليّ) بتشديد الياء (عطاء) هو ابن أبي رباح قال: (سمعت جابرًا) هو ابن عبد الله رضي الله تعالى عنهما (عن النبي ﷺ ¬). زاد أبو ذر مثله أي مثل المذكور من الحديث. ٧ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١] (باب قوله) تعالى: (﴿ولا تقربوا الفواحش﴾) الكبائر أو الزنا (﴿ما ظهر منها وما بطن﴾) [الأنعام: ١٥١] في محل نصب بدل اشتمال من الفواحش أي لا تقربوا ظاهرها وباطنها وهو الزنا سرًا أو جهرًا أو عمل الجوارح والنية أو عموم الآثام ولفظ الباب ثابت لأبي ذر. ٤٦٣٤ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ

стр. 5181

﵁ قَالَ: «لَا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ وَلِذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا شَيْءَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللَّهِ لِذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ». قُلْتُ سَمِعْتَهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَرَفَعَهُ قَالَ: نَعَمْ. [الحديث ٤٦٣٤ - أطرافه في: ٤٦٣٧، ٥٢٢٠، ٧٤٠٣]. وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) بضم العين الحوضي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عمرو) بفتح العين بن مرة المرادي الكوفي الأعمى (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن عبد الله) بن مسعود (رضي الله تعالى عنه) أنه (قال: لا أحد أغير من الله) أفعل التفضيل من الغيرة بفتح الغين وهي الأنفة والحمية في حق المخلوق وفي حق الخالق تحريمه ومنعه أن يأتي المؤمن ما حرمه عليه. قال ابن جني: تقول لا أحد أفضل منك برفع أفضل لأنه خبر لا كما يرفع خبر إن وتقول لا غلام لك فإن فصلت بينهما بطل عملها تقول لا لك غلام، فإن وصفت اسم لا كان لك ثلاثة أوجه النصب بغير تنوين وبتنوين والرفع بتنوين، (ولذلك) أي ولأجل غيرته (حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا شيء أحب إليه المدح من الله ولذلك مدح نفسه) بالرفع والنصب في أحب وهو أفعل تفضيل بمعنى المفعول والمدح فاعله نحو: ما رأيت رجلًا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد، ونقل البرماوي كالزركشي أن عبد اللطيف البغدادي استنبط من هذا جواز قول مدحت الله. قال: وليس صريحًا لاحتمال أن يكون المراد أن الله يحب أن يمدح غيره ترغيبًا للعبد في الازدياد مما يقتضي المدح، ولذلك مدح نفسه لا أن المراد يحب أن يمدحه غيره. قال في المصابيح: وما اعترض به الزركشي على عدم الصراحة بإبداء الاحتمال المذكور ليس من قبل نفسه بل ذكره الشيخ بهاء الدين السبكي في أوّل شرح التلخيص اهـ. وهذا الذي قاله عبد اللطيف هو في شرحه على الخطب النباتية وعبارة شرح التلخيص المذكور ومراد عبد اللطيف بقوله قد يطلق المدح على الله تعالى إنك تقول: مدحت الله وما ذكره هو ما فهمه النووي وليس صريحًا لاحتمال أن يكون المراد الخ. قال في المصابح: الظاهر الجواز ولذلك مدح نفسه شاهد صدق على صحته وحبه تعالى المدح ليثيب عليه فينتفع المكلف لا لينتفع هو بالمدح تعالى الله علوًّا كبيرًا. قال عمرو بن مرة (قلت): لأبي وائل هل (سمعته) أي هذا الحديث (من عبد الله) بن مسعود (قال) أبو وائل (نعم). سمعته من عبد الله (قلت ورفعه) عبد الله إلى النبي ﷺ (قال: نعم) رفعه إليه ﷺ . وهذا الحديث أخرجه مسلم في التوبة والنسائي في التفسير والترمذي في الدعوات.

стр. 5182

٨ - باب وَكِيلٌ: حَفِيظٌ وَمُحِيطٌ بِهِ. قُبُلًا: جَمْعُ قَبِيلٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ ضُرُوبٌ لِلْعَذَابِ، كُلُّ ضَرْبٍ مِنْهَا قَبِيلٌ. زُخْرُفَ القَوْلِ: كُلُّ شَيْءٍ حَسَّنْتَهُ وَوَشَّيْتَهُ، وَهُوَ بَاطِلٌ فَهْوَ زُخْرُفٌ. وَحَرْثٌ حِجْرٌ: حَرَامٌ وَكُلُّ مَمْنُوعٍ فَهْوَ حِجْرٌ مَحْجُورٌ وَالْحِجْرُ كُلُّ بِنَاءٍ بَنَيْتَهُ وَيُقَالُ لِلأُنْثَى مِنَ الْخَيْلِ حِجْرٌ وَيُقَالُ لِلْعَقْلِ: حِجْرٌ وَحِجًى وَأَمَّا الْحِجْرُ فَمَوْضِعُ ثَمُودَ، وَمَا حَجَّرْتَ عَلَيْهِ مِنَ الأَرْضِ فَهُوَ حِجْرٌ وَمِنْهُ سُمِّىَ حَطِيمُ الْبَيْتِ حِجْرًا، كَأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ مَحْطُور مِثْلُ قَتِيلٍ مِنْ مَقْتُولٍ وَأَمَّا حَجْرُ الْيَمَامَةِ فَهْوَ مَنْزِلٌ. (﴿وكيل﴾) ولأبي ذر: ووكيل بزيادة واو ومراده تفسير ﴿وهو على كل شيء وكيل﴾ أي (حفيظ ومحيط به). كذا فسره أبو عبيدة. وقوله: ﴿وحشرنا عليهم كل شيء﴾ (﴿قبلًا﴾) [الأنعام: ١١١]. هو (جمع قبيل، والمعنى أنه ضروب للعذاب كل ضرب منها قبيل). قال أبو عبيدة: وحشرنا جمعنا. وقبلًا جمع قبيل أي صنف. وقال مجاهد: قبلًا أفواجًا قبيلًا قبيلًا أي تعرض عليهم كل أمة من الأمم فتخبرهم بصدق الرسل فيما جاؤوهم به ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله. وقال ابن جرير ويحتمل أن يكون القبل جمع قبيل وهو الضمين والكفيل أي وحشرنا عليهم كل شيء كفلاء يكفلون لهم أن الذي نعدهم حق وهو معنى قوله في الآية الأخرى: أو تأتي بالله والملائكة قبيلًا. اهـ. وبالكفيل فسره البيضاوي كالزمخشري والسمرقندي وابن عادل وغيرهم. قال في الفتح: ولم أر من فسره بأصناف العذاب فليحرر. (﴿زخرف القول﴾) [الأنعام: ١١٢] (كل شيء حسنته ووشيته) بتشديد السين المهملة في الأولى والشين المعجمة في الثانية من التوشية أي زينته وكل شيء مبتدأ وتاليه عطف عليه (وهو باطل) جملة حالية (فهو زخرف) خبر المبتدأ ودخلت الفاء فيه لتضمن المبتدأ معنى الشرط وسقط قوله وكيل حفيظ إلى هنا للحموي، وثبت للمستملي والكشميهني. (﴿وحرث حِجْرٌ﴾) [الأنعام: ١٣٨] أي (حرام) والإشارة إلى ما عينوا من الحرث والأنعام للأصنام أو البحيرة ونحوها (وكل ممنوع فهو حجر محجور)، بمعنى مفعول ويطلق على المذكر والمؤنث والواحد والجمع (والحجر: كل بناء بنينه، ويقال للأنثى من الخيل حجر) بغير هاء تأنيث (ويقال: للعقل حجر وحجى) بالحاء المكسورة والجيم (وأما الحجر فموضع ثمود وما حجرت عليه من الأرض فهو حجر، ومنه سمي حطيم البيت) الحرام (حجرًا كأنه مشتق من محطوم مثل قتيل من مقتول، وأما حجر اليمامة) بفتح الحاء (فهو منزل) وسقط قوله وحرث حجر إلى هنا لأبي ذر والنسفيّ. قال في الفتح: وهو أولى.

стр. 5183

٩ - باب قَوْلِهِ: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ [الأنعام: ١٥٠] لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ هَلُمَّ لِلْوَاحِدِ وَالاِثْنَيْنِ وَالْجَمِيعِ (باب قوله) تعالى (﴿هلم شهداءكم﴾) [الأنعام: ١٥٠] (لغة أهل الحجاز هلم للواحد والاثنين والجمع) وأهل نجد يقولون للاثنين هلما، وللجمع هلموا، وللمرأة هلمي، وللنساء هلممن، والمعنى هاتوا شهداءكم وأحضروهم وسقط قوله: باب قوله لغير أبي ذر. ١٠ - باب ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام: ١٥٨] (باب قوله) تعالى (﴿لا ينفع نفسًا إيمانها﴾) [الأنعام: ١٥٨] أي: يوم يأتي بعض آيات ربك كالدخان ودابة الأرض والدجال ويأجوج ومأجوج وحضور الموت ﴿لا ينفع نفسًا إيمانها﴾ إذا صار الأمر عيانًا والإيمان برهانيًا. وقول الزمخشري فلم يفرق كما ترى بين النفس الكافرة إذا آمنت في غير وقت الإيمان وبين النفس التي آمنت في وقته ولم تكسب خيرًا، ومراده بذلك كما في الانتصاف الاستدلال على أن الكافر والعاصي في الخلود سواء حيث سوّى في الآية بينهما في عدم الانتفاع بما يستدر كأنه بعد ظهور الآيات مدفوع بما قاله المحققون أن التقدير: ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسًا إيمانها﴾ أو كسبها في إيمانها حينئذٍ لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا من قبل، فيوافق الآيات والأحاديث المشاهدة بأن مجرد الإيمان ينفع ويورث النجاة ولو بعد حين، وفي الآية لف وأصله: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسًا لم تكن مؤمنة قبل إيمانها بعد ولا نفسًا لم تكسب في إيمانها خيرًا قبل ما تكسبه من الخير بعد، لكن حذف إحدى القرينتين. وحاصله أن الإيمان المجرد قبل كشف قوارع الساعة نافع وأن الإيمان المقارن بالعمل الصالح أنفع وأما بعدها فلا ينفع شيء أصلًا ويأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في كتاب الفتن بعون الله وقوته. ٤٦٣٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا رَآهَا النَّاسُ آمَنَ مَنْ عَلَيْهَا فَذَاكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ». وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدّثنا عبد الواحد) بن زياد قال: (حدّثنا عمارة) بضم العين وتخفيف الميم ابن القعقاع الضبي الكوفي قال: (حدّثنا أبو زرعة) هرم بن عمرو البجلي الكوفي قال: (حدّثنا أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ¬): (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها) غاية لعدم قيام الساعة، ويؤيده ما رواه البيهقي في كتاب البعث والنشور عن الحاكم أبي عبد الله: أن أوّل الآيات ظهور الدجال ثم نزول عيسى، ثم خروج يأجوج ومأجوج، ثم خروج الدابة، ثم طلوع الشمس من مغربها وهو أوّل

стр. 5184

الآيات العظام المؤذنة بتغيير أحوال العالم العلوي، وذلك أن الكفار يسلمون في زمن عيسى، ولو لم ينفع الكفار هيمانهم أيام عيسى لما صار الذين واحدًا فإذا قبض عيسى ﵇ ومن معه من المسلمين رجع أكثرهم إلى الكفر فعند ذلك تطلع الشمس من مغربها (فإذا رآها الناس آمن من عليها) أي من على الأرض (فذاك حين ﴿لا ينفع نفسًا إيمانها﴾ لم تكن آمنت من قبل) أي لا ينفع كافرًا لم يكن آمن قبل طلوعها إيمان بعد الطلوع ولا ينفع مؤمنًا لم يكن عمل صالحًا قبل الطلوع عمل صالح بعد الطلوع، لأن حكم الإيمان والعمل الصالح حينئذٍ حكم من آمن أو عمل عند الغرغرة وذلك لا يفيد شيئًا ما قال تعالى: ﴿فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا﴾ [غافر: ٨٥]. وهذا الحديث أخرجه مسلم في الإيمان وأبو داود في الملاحم والنسائي في الوصايا وابن ماجه في الفتن. ٤٦٣٦ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ وَذَلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا» ثُمَّ قَرَأَ الآيَةَ. وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (إسحاق) هو ابن نصر أبو إبراهيم السعدي كما جزم به خلف أو هو ابن منصور أبو يعقوب المروزي الكوسج كما جزم به أبو مسعود الدمشقي، لكن قال الحافظ ابن حجر: إن الأوّل أقوى قال: (أخبرنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن همام) هو ابن منبه الصنعاني (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬): (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها) وآية ذلك أن تطول الليلة حتى تكون قدر ليلتين. رواه ابن مردويه من حديث حذيفة مرفوعًا (فإذا طلعت) من مغربها (ورآها الناس آمنوا أجمعون وذلك حين ﴿لا ينفع نفسًا إيمانها﴾ ثم قرأ الآية) ولمسلم عن ابن عمر مرفوعًا: "إن أوّل الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها" الحديث. واستشكل بأن طلوع الشمس ليس بأوّل الآيات لأن الدخان والدجال قبله وأجيب: بأن الآيات إما أمارات دالة على قرب قيام الساعة، وإما أمارات دالة على وجود قيام الساعة وحصولها، ومن الأوّل الدخان وخروج الدجال ونحوهما، ومن الثاني طلوع الشمس من مغربها وسمي أوّلًا لأنه مبدأ القسم الثاني. ويأتي إن شاء الله تعالى نبذة من فرائد الفوائد المتعلقة بهذه المباحث في محالها من هذا الكتاب وبالله المستعان وعليه التكلان.

стр. 5185

٧ - سورة الأَعْرَافِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَرِيَاشًا: الْمَالُ ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ فِي الدُّعَاءِ وَفِي غَيْرِهِ: عَفَوْا كَثُرُوا وَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ. الْفَتَّاحُ: الْقَاضِي. افْتَحْ بَيْنَنَا: اقْضِ بَيْنَنَا. نَتَقْنَا الجَبَلَ: رَفَعْنَا. انْبَجَسَتْ: انْفَجَرَتْ. مُتَبَّرٌ: خُسْرَانٌ. آسَى: أَحْزَنُ: تَأْسَ: تَحْزَنْ. وَقَالَ غَيْرُهُ: مَا مَنَعَكَ أَنْ لَا تَسْجُدَ يُقَالُ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ؟ يَخْصِفَانِ: أَخَذَا الْخِصَافَ مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ. يُؤَلِّفَانِ الْوَرَقَ: يَخْصِفَانِ الْوَرَقَ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ. سَوْآتِهِمَا: كِنَايَةٌ عَنْ فَرْجَيْهِمَا. وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ: هُوَ هَا هُنَا إِلَى الْقِيَامَةِ وَالْحِينُ عِنْدَ الْعَرَبِ مِنْ سَاعَةٍ إِلَى مَا لَا يُحْصَى عَدَدُهَا. الرِّيَاشُ وَالرِّيشُ: وَاحِدٌ وَهْوَ مَا ظَهَرَ مِنَ اللِّبَاسِ. قَبِيلُهُ: جِيلُهُ الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ. إِدَّارَكُوا: اجْتَمَعُوا. وَمَشَاقُّ الإِنْسَانِ وَالدَّابَّةِ كُلُّهُمْ يُسَمَّى سُمُومًا وَاحِدُهَا سَمٌّ وَهْيَ عَيْنَاهُ وَمَنْخِرَاهُ وَفَمُهُ وَأُذُنَاهُ وَدُبُرُهُ وَإِحْلِيلُهُ. غَوَاشٍ: مَا غُشُّوا بِهِ. نُشُرًا: مُتَفَرِّقَةً. نَكِدًا: قَلِيلًا. يَغْنَوْا: يَعِيشُوا. حَقِيقٌ: حَقٌّ. اسْتَرْهَبُوهُمْ: مِنَ الرَّهْبَةِ. تَلَقَّفُ: تَلْقَمُ. طَائِرُهُمْ: حَظُّهُمْ. طُوفَانٌ مِنَ السَّيْلِ وَيُقَالُ لِلْمَوْتِ الْكَثِيرِ الطُّوفَانُ. الْقُمَّلُ: الْحُمْنَانُ يُشْبِهُ صِغَارَ الْحَلَمِ. عُرُوشٌ وَعَرِيشٌ: بِنَاءٌ. سُقِطَ كُلُّ مَنْ نَدِمَ: فَقَدْ سُقِطَ فِي يَدِهِ. الأَسْبَاطُ: قَبَائِلُ بَنِي إِسْرَائِيلَ. يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ: يَتَعَدَّوْنَ لَهُ يُجَاوِزُونَ. تَعْدُ: تُجَاوِزْ. شُرَّعًا: شَوَارِعَ. بَئِيسٍ: شَدِيدٍ. أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ: قَعَدَ وَتَقَاعَسَ. سَنَسْتَدْرِجُهُمْ: أَيْ نَأْتِيهِمْ مِنْ مَأْمَنِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾. مِنْ جِنَّةٍ: مِنْ جُنُونٍ. أَيَّانَ مُرْسَاهَا: مَتَى خُرُوجُهَا. فَمَرَّتْ بِهِ: اسْتَمَرَّ بِهَا الْحَمْلُ فَأَتَمَّتْهُ. يَنْزَغَنَّكَ: يَسْتَخِفَّنَّكَ. طَيْفٌ: مُلِمٌ بِهِ لَمَمٌ. وَيُقَالُ طَائِفٌ: وَهْوَ وَاحِدٌ. يَمُدُّونَهُمْ: يُزَيِّنُونَ. وَخِيفَةً: خَوْفًا. وَخُفْيَةً: مِنَ الإِخْفَاءِ. وَالآصَالُ: وَاحِدُهَا أَصِيلٌ مَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ كَقَوْلِكَ: بُكْرَةً، وَأَصِيلًا. ([٧]] سورة الأعراف) مكية إلا ثمان آيات من قوله تعالى: ﴿واسألهم﴾ -إلى قوله- ﴿وإذ نتقنا الجبل﴾ [الأعراف: ١٦٣ - ١٧١] وزاد أبو ذر هنا بسم الله الرحمن الرحيم. (قال ابن عباس) ﵄ فيما وصله ابن جرير من طريق عليّ بن أبي طلحة عنه (ورياشًا) بالجمع وهي قراءة الحسن جمع ريش كشعب وشعاب وقراءة الباقين وريشًا بالإفراد (المال) يقال: قريش أي تموّل. وعند ابن جرير من وجه آخر عن ابن عباس: الرياش اللباس والعيش والنعيم، وقيل: الريش لباس الزينة استعير من ريش الطير بعلاقة الزينة. وعن ابن عباس أيضًا من طريق ابن جريج عن عطاء عنه مما وصله ابن جرير أيضًا في قوله تعالى: (﴿إنه لا يحب المعتدين﴾) [الأعراف: ٥٥] أي (في الدعاء) كالذي يسأل درجة الأنبياء أو
следующие страницы →