Полный текст (8 298 стр.). Показаны 5461–5500 · переход к 5466.
стр. 5461
٢ - باب ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ [القصص: ٨٥]
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: ﴿إن الذي فرض عليك القرآن﴾ [القصص: ٨٥] أحكامه وفرائضه أو تلاوته وتبليغه وزاد الأصيلي الآية، وزاد في نسخة: (﴿لرادّك﴾) أي بعد الموت إلى معاد وتنكيره للتعظيم كأنه قال: معاد وأي معاد أي ليس لغيرك من البشر مثله وهو المقام المحمود الذي وعدك أن يبعثك فيه أو مكة كما في الحديث الآتي في الباب إن شاء الله تعالى يوم فتحها، وكان ذلك المعاد له شأن عظيم لاستيلائه ﵊ عليها وقهره لأهلها وإظهاره عز الإسلام، وسقط الباب وتاليه لغير أبي ذر.
٤٧٧٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا يَعْلَى حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الْعُصْفُرِيُّ. عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾: إِلَى مَكَّةَ.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن مقاتل) المروزي المجاور بمكة قال: (أخبرنا يعلى) بفتح التحتية واللام بينهما عين مهملة ساكنة ابن عبيد الطنافسي قال: (حدّثنا سفيان) بن دينار (العصفري) بضم العين وسكون الصاد المهملتين وضم الفاء وكسر الراء الكوفي التمار (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس) ﵄ أنه قال: في قوله تعالى: (﴿لرادّك إلى معاد﴾) [القصص: ٨٥] (إلى مكة). ولغير الأصيلي قال إلى مكة، وعن الحسن إلى يوم القيامة، وقيل إلى الجنة، وعند ابن أبي حاتم عن الضحاك لما خرج النبي ﷺ يعني في الهجرة فبلغ الجحفة اشتاق إلى مكة فأنزل الله عليه: ﴿إن الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد﴾ إلى مكة. قال الحافظ ابن كثير: وهذا من كلام الضحاك يقتضي أن هذه الآية مدنية وإن كان مجموع السورة مكيًّا والله أعلم.
[٢٩] سورة الْعَنْكَبُوتِ
قَالَ مُجَاهِدٌ ﴿مُسْتَبْصِرِينَ﴾: ضَلَلَةً. وَقَالَ غَيْرُهُ الحَيَوَانُ وَالحَيُّ وَاحِدٌ. ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾: عَلِمَ اللَّهُ ذَلِكَ، إِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ فَلِيَمِيزَ اللَّهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ﴾. ﴿أَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾: أَوْزَارًا مَعَ أَوْزَارِهِمْ.
([٢٩] سورة الْعَنْكَبُوتِ)
مكية وهي تسع وستون آية ولأبي ذر: سورة العنكبوت بسم الله الرحمن الرحيم.
(قال) ولأبي ذر وقال (مجاهد): فيما وصله ابن أبي حاتم فيقوله: (﴿مستبصرين﴾) من قوله: ﴿فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين﴾ [العنكبوت: ٣٨] أي (ضللة) يحسبون أنهم على هدى وهم على الباطل والمعنى أنهم كانوا عند أهلهم مستبصرين، وفي نسخة ضلالة بألف بين
стр. 5462
اللامين، وعند ابن أبي حاتم عن قتادة: كانوا مستبصرين في ضلالتهم معجبين بها، وقال في الأنوار: أي متمكنين من النظر والاستبصار ولكنهم لم يفعلوا.
(وقال غيره): غير مجاهد في قوله: ﴿وإن الدار الآخرة لهي الحيوان﴾ [العنكبوت: ٦٤].
(الحيوان والحي واحد) في المعنى وهو قول أبي عبيدة، والمعنى: لهي دار الحياة الحقيقة الدائمة الباقية لامتناع طريان الموت عليها أو هي في ذاتها حياة للمبالغة؛ والحي بفتح الحاء في الفرع وغيره مما وقفت عليه، وقال في المصابيح: بكسرها مصدر حيّ مثل عيّ في منطقة عيًّا، قال: وعند ابن السكن والأصيلي الحيوان والحياة واحد والمعنى لا يختلف، وقد سقط لغير أبي ذر والأصيلي الحيوان والحي واحد وثبت لهما في الفرع مثله.
(﴿فليعلمن الله﴾) [العنكبوت: ٣] أي (علم الله ذلك) في الأزل القديم فصيغة المضي في فليعلمن الله (إنما هي بمنزلة فليميز الله) بفتح الياء التحتية وكسر الميم (كقوله) : ﴿ليميز الله الخبيث﴾ [الأنفال: ٣٧] زاد أبو ذر: (﴿من الطيب﴾) لما بين العلم والتمييز من الملازمة قاله الكرماني.
(﴿أثقالًا مع أثقالهم﴾) [العنكبوت: ١٣] أي (أوزارًا مع أوزارهم) بسبب إضلالهم لهم لقوله ﵊: "من سنّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من وزره شيء" أي وليحملن أوزار أعمالهم التي عملوها بأنفسهم وأوزارًا مثل أوزار من أضلوا مع أوزارهم وسقط لغير الأصيلي أوزارًا مع.
[٣٠] سورة الرُّومِ
﴿فَلَا يَرْبُو﴾ مَنْ أَعْطَى يَبْتَغِي أَفْضَلَ فَلَا أَجْرَ لَهُ فِيهَا. قَالَ مُجَاهِدٌ ﴿يُحْبَرُونَ﴾: يُنَعَّمُونَ. ﴿يَمْهَدُونَ﴾: يُسَوُّونَ الْمَضَاجِعَ. ﴿الْوَدْقُ﴾ الْمَطَرُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فِي الآلِهَةِ، وَفِيهِ تَخَافُونَهُمْ أَنْ يَرِثُوكُمْ كَمَا يَرِثُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا يَصَّدَّعُونَ: يَتَفَرَّقُونَ. فَاصْدَعْ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ضُعْفٌ وَضَعْفٌ لُغَتَانِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ (السُّوأَى): الإِسَاءَةُ جَزَاءُ الْمُسِيئِينَ.
([٣٠] سورة الرُّومِ)
وفي نسخة: سورة ألم غلبت الروم وهي مكية إلا قوله (فسبحان الله) وهي ستون آية أو تسع وخمسون ولأبي ذر: سورة الروم بسم الله الرحمن الرحيم.
(﴿فلا يربو﴾) [الروم: ٣٩] أي (من أعطى يبتغي) من الذي أعطاه (أفضل) أي أكثر من عطيته (فلا أجر له فيها) ولا وزر، وللأصيلي: فلا يربو عند الله من أعطى عطية يبتغي أفضل منه أي مما أعطى فلا أجر له فيها وهذا وصله الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وقال ابن عباس: الربا اثنان فربا لا يفلح وربا لا بأس به وهو هدية الرجل يريد أضعافها ثم تلا هذه الآية،
стр. 5463
وقد كان هذا حرامًا على النبي ﷺ خاصة كما قال تعالى: ﴿ولا تمنن تستكثر﴾ أي لا تعط وتطلب أكثر مما أعطيت.
(قال مجاهد) فيما وصله الفريابي (يحبرون) في قوله تعالى: ﴿فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون﴾ [الروم: ١٥] أي (ينعمون) والروضة الجنة ونكرها للتعظيم وقال هنا يحبرون بصيغة الفعل ولم يقل محبورون ليدل على التجدد.
(يمهدون) في قوله تعالى: ﴿ومن عمل صالحًا فلأنفسهم يمهدون﴾ [الروم: ٤٤] أي (يسوّون المضاجع) ويوطوّونها في القبور أو في الجنة.
(الودق) في قوله: ﴿فترى الودق﴾ [الروم: ٤٨] هو (المطر) قاله مجاهد أيضًا فيما وصله الفريابي.
(قال ابن عباس) في قوله تعالى: ﴿هل لكم مما ملكت أيمانكم﴾ [الروم: ٢٨] المسبوق بقوله جل وعلا ﴿ضرب لكم مثلًا من أنفسكم﴾ نزل (في الآلهة) التي كانوا يعبدونها من دون الله (وفيه) تعالى والمعنى أخذ مثلًا وانتزعه من أقرب شيء إليكم وهو أنفسكم ثم بين المثل فقال: ﴿هل لكم مما ملكت أيمانكم﴾ أي من مماليككم من شركاء فيما رزقناكم من المال وغيره وجواب الاستفهام الذي بمعنى النفي قوله: فأنتم فيه سواء (﴿تخافونهم﴾) أي تخافون أيها السادة مماليككم (أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضًا) والمراد نفي الثلاثة الشركة والاستواء وخوفهم إياهم فإذا لم يجز أن يكون مماليككم شركاء مع جواز صيرورتهم مثلكم من جميع الوجوه فكيف أن أشركوا مع الله غيره.
(﴿يصدعون﴾) [الروم: ٤٣] أصله يتصدّعون أدغمت التاء بعد قلبها صادًا في الصاد ومعناه (يتفرقون) أي فريق في الجنة وفريق في السعير.
(فاصدع) في قوله: ﴿فاصدع بما تؤمر﴾ [الحج: ٩٤] أي افرق وامضه قاله أبو عبيدة.
(وقال غيره) غير ابن عباس (﴿ضعف﴾) بضم المعجمة (وضعف) بفتحها (لغتان) بمعنى واحد قرئ بهما في قوله تعالى: ﴿الله الذي خلقكم من ضعف﴾ [الروم: ٥٤] والفتح قراءة عاصم وحمزة وهو لغة تميم والضم لغة قريش، وقيل بالضم في الجسد وبالفتح في العقل أي خلقكم من ماء ذي ضعف وهو النطفة ثم جعل من بعد ضعف الطفولية قوّة الشبيبة ثم جعل من بعد قوّة ضعفًا هرمًا وشيبة والشيبة تمام الضعف والتنكير مع التكرير لأن اللاحق ليس عين السابق.
(وقال مجاهد ﴿السوأى﴾) في قوله: ﴿ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى﴾ [الروم: ١٠] (الإساءة جزاء المسيئين) وصله الفريابي.
стр. 5464
٤٧٧٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، وَالأَعْمَشُ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يُحَدِّثُ فِي كِنْدَةَ، فَقَالَ: يَجِيءُ دُخَانٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَأْخُذُ بِأَسْمَاعِ الْمُنَافِقِينَ وَأَبْصَارِهِمْ يَأْخُذُ الْمُؤْمِنَ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ، فَفَزِعْنَا. فَأَتَيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ وَكَانَ مُتَّكِئًا، فَغَضِبَ فَجَلَسَ فَقَالَ: مَنْ عَلِمَ فَلْيَقُلْ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ: اللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ: لَا أَعْلَمُ فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ: لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ وَإِنَّ قُرَيْشًا أَبْطَؤُوا عَنِ الإِسْلَامِ، فَدَعَا عَلَيْهِمِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ»، فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَتَّى هَلَكُوا فِيهَا وَأَكَلُوا الْمَيْتَةَ، وَالْعِظَامَ، وَيَرَى الرَّجُلُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ، فَجَاءَهُ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، جِئْتَ تَأْمُرُنَا بِصِلَةِ الرَّحِمِ، وَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا، فَادْعُ اللَّهَ. فَقَرَأَ ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٠] أَفَيُكْشَفُ عَنْهُمْ عَذَابُ الآخِرَةِ، إِذَا جَاءَ ثُمَّ عَادُوا إِلَى كُفْرِهِمْ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان: ١٦] يَوْمَ بَدْرٍ ﴿وَلِزَامًا﴾ يَوْمَ بَدْرٍ ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ -إِلَى- ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ وَالرُّومُ قَدْ مَضَى.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) العبدي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري ولأبي ذر عن سفيان قال: (حدّثنا منصور) هو ابن المعتمر (والأعمش) هو سليمان كلاهما (عن أبي الضحى) مسلم بن صبيح (عن مسروق) هو ابن الأجدع أنه (قال: بينما) بميم (رجل) قال الحافظ ابن حجر لم أقف على اسمه (يحدث فيك كندة) بكسر الكاف وسكون النون (فقال: يجيء دخان) بتخفيف المعجمة (يوم القيامة فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم يأخذ المؤمن كهيئة الزكام) بنصب المؤمن على المفعولية (ففزعنا) بكسر الزاي وسكون العين المهملة من الفزع (فأتيت ابن مسعود) عبد الله فأخبرته بالذي قاله الرجل (وكان متكئًا فغضب) لذلك (فجلس فقال: من علم فليقل) ما يعلمه إذا سئل (ومن لم يعلم فليقل الله أعلم فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم لا أعلم) لأن تمييز المعلوم من المجهول نوع من العلم وليس المراد أن عدم العلم يكون علمًا ولأبي ذر الله أعلم بدل قوله لا أعلم وللأصيلي بدلها لا علم لي به (فإن الله) تعالى (قال لنبيه ﷺ ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين﴾) [ص: ٨٦] والقول فيما لا يعلم قسم من التكلف وفيه تعريض بالرجل القائل يجيء دخان الخ وإنكار عليه ثم بين قصة الدخان فقال (وإن قريشًا أبطؤوا عن الإسلام) أي تأخروا عنه (فدعا عليهم النبي ﷺ فقال):
(اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف) الصديق ﵊ التي أخبر الله عنها في التنزيل بقوله ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد، وسقط: اللهم لأبي ذر (فأخذتهم سنة) بفتح السين قحط وهم بمكة (حتى هلكوا فيها وأكلوا الميتة والعظام ويرى الرجل ما بين السماء والأرض كهيئة الدخان) من ضعف بصره بسبب الجوع (فجاءه) ﵊ (أبو سفيان)
стр. 5465
صخر بن حرب بمكة أو المدينة (فقال: يا محمد جئت تأمرنا) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر تأمر بحذف ضمير النصب (بصلة الرحم وإن قومك) ذوي رحمك (قد هلكوا) من الجدب والجوع بدعائك عليهم (فادع الله) لهم بأن يكشف عنهم فإن كشف آمنوا (فقرأ) ﵊ (﴿فارتقب﴾) أي انتظر (﴿يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾) أي بين واضح يراه كل أحد -إلى قوله- (﴿عائدون﴾) [الدخان: ١٥] أي إلى الكفر أو إلى العذاب قال ابن مسعود (أفيكشف) بهمزة الاستفهام وضم الياء مبنيًا للمفعول (عنهم عذاب الآخرة إذا جاء) وللأصيلي فتكشف بمثناة فوقية مفتوحة وفتح الكاف وتشديد المعجمة عنهم العذاب أي رفع القحط بدعاء النبي ﷺ ، كشفًا قليلًا أو زمانًا قليلًا (ثم عادوا إلى كفرهم) غب الكشف (فذلك قوله تعالى: ﴿بوم نبطش البطشة الكبرى﴾) [الدخان: ١٦] (يوم بدر) ظرف يريد القتل فيه وهذا الذي قاله ابن مسعود وافقه عليه جماعة كمجاهد وأبي العالية وإبراهيم النخعي والضحاك وعطية العوفي واختاره ابن جرير لكن أخرج ابن أبي حاتم عن الحارث عن علي بن أبي طالب قال: لم تمض آية الدخان بعد يأخذ المؤمن كهيئة الزكام وينفخ الكافر حتى ينقدّ.
وأخرج أيضًا عن عبد الله بن أبي مليكة قال: غدوت على ابن عباس ذات يوم فقال: ما نمت الليلة حتى أصبحت قلت لم؟ قال قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب فخشيت أن يكون الدخان قد طرق فما نمت حتى أصبحت. قال الحافظ ابن كثير: وإسناده صحيح إلى ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن ووافقه عليه جماعة من الصحابة والتابعين مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان مما فيه دلالة ظاهرة على أن الدخان من الآيات المنتظرة وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾) أي بين واضح وعلى ما فسر به ابن مسعود إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجهد وكذا قوله: ﴿يغشى الناس﴾ [الدخان: ١١] أي يعمهم ولو كان خيالًا يخص مشركي مكة لما قيل يغشى الناس وأما قوله: ﴿إنّا كاشفو العذاب﴾ [الدخان: ١٥] أي: ولو كشفنا عنكم العذاب ورجعناكم إلى الدنيا لعدتم إلى ما كنتم فيه من الكفر والتكذيب كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا﴾ [المؤمنون: ٧٥] ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وقال آخرون لم يمض الدخان بعد بل هو من أمارات الساعة.
وفي حديث حذيفة بن أسيد الغفاري عن النبي ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات طلوع الشمس من مغربها والدخان والدابة وخروج يأجوج ومأجوج وخروج عيسى والدجال وثلاثة خسوف، خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب ونار تخرج من قعر عدن تحشر الناس تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا" انفرد بإخراجه مسلم.
(﴿ولزامًا﴾) هو الأسر (يوم بدر) أيضًا.
(﴿الم * غلبت الروم﴾) أي غلبت فارس الروم (﴿إلى سيغلبون﴾) أي الروم سيغلبون فارس، وهذا علم من أعلام نبوّة نبينا ﷺ لما فيه من الإخبار بالغيب (والروم قد مضى) أي غلبهم لفارس
стр. 5466
فإنه قد وقع يوم الحديبية وفي آخر سورة الدخان قال عبد الله يعني ابن مسعود خمس قد مضين اللزام والروم والبطشة والقمر والدخان وسقط لأبي ذر قوله: ﴿الم * غلبت الروم﴾ الخ.
وهذا الحديث قد سبق في باب إذا استشفع المشركون بالمسلمين عند القحط من كتاب الاستسقاء، ويأتي بقية مباحثه في سورة الدخان إن شاء الله تعالى بعون الله وقوته.
١ - باب ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾: لِدِينِ اللَّهِ ﴿خَلْقُ الأَوَّلِينَ﴾: دِينُ الأَوَّلِينَ. وَالْفِطْرَةُ: الإِسْلَامُ
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿لا تبديل لخلق الله﴾) [الروم: ٣٠] أي (لدين الله) قاله إبراهيم النخعي فيما أخرجه عنه الطبري فهو خبر بمعنى النهي أي لا تبدلوا دين الله.
(﴿خلق الأوّلين﴾) أي (دين الأوّلين) ساقه شاهد التفسير الأوّل (والفطرة) في قوله: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ [الروم: ٣٠] هي (الإسلام) قاله عكرمة فيما وصله الطبري وسقط لفظ باب لغير أبي ذر.
٤٧٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟ ثُمَّ يَقُولُ: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾».
وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو لقب عبد الله بن عثمان المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا يونس) بن يزيد الأيلي (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (أن أبا هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(ما من مولود إلا يولد على الفطرة) قيل يعني العهد الذي أخذه عليهم بقوله: ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] وكل مولود في العالم على ذلك الإقرار وهي الحنيفية التي وقعت الخلقة عليها وإن عبد غيره ولكن لا عبرة بالإيمان الفطري إنما المعتبر الإيمان الشرعي المأمور به. وقال ابن المبارك معنى الحديث أن كل مولود يولد على فطرته أي خلقته التي جبل عليها في علم الله من السعادة والشقاوة فكل منهم صائر في العاقبة إلى ما فطر عليها وعامل في الدنيا بالعمل المشاكل لها، فمن أمارات الشقاء أن يولد بين يهوديين أو نصرانيين أو مجوسيين فيحملانه لشقائه على اعتقاد دينهما، وقيل المعنى أن كل مولود يولد في مبدأ الخلقة على الجبلة السليمة والطبع المتهيئ لقبول الدين فلو ترك عليها لاستمرّ على لزومها لكن تطرأ على بعضهم الأديان الفاسدة كما قال: (فأبواه
стр. 5467
يهوّدانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج) بضم أوّله وفتح ثالثه على صيغة المبني للمفعول أي تلد (البهيمة بهيمة جمعاء) بفتح الجيم وسكون الميم ممدودًا تامة الأعضاء (هل تحسون فيها من جدعاء) بفتح الجيم وسكون المهملة ممدودًا مقطوعة الأذن أو الأنف أي لا جدع فيها من أصل الخلقة إنما يجدعها أهلها بعد ذلك فكذلك المولود يولد على الفطرة ثم يتغير بعد.
ونقل في المصابيح عن القاضي أبي بكر بن العربي أن معنى قوله: فأبواه الخ أنه ملحق بهما في الأحكام من تحريم الصلاة عليه ومن ضرب الجزية عليه إلى غير ذلك ولولا أنه ولد على فراشهما لمنع من ذلك كله قال ولم يرد أنهما يجعلانه يهوديًا أو نصرانيًّا إذ لا قدرة لهما على أن يفعلا فيه الاعتقاد أصلًا. اهـ.
فليتأمل.
(ثم يقول) أي أبو هريرة مستشهدًا لما ذكر (﴿فطرة الله﴾) أي خلقته نصب على الإغراء (﴿التي فطر الناس عليها﴾) أي خلقهم عليها وهي قبولهم للحق (﴿لا تبديل لخلق الله﴾) أي ما ينبغي أن يبدل أو خبر بمعنى النهي (﴿ذلك الدين القيم﴾) الذي لا عوج فيه.
وهذا الحديث سبق في باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه من كتاب الجنائز.
[٣١] سورة لُقْمَانَ
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
([٣١] لقمان)
مكية قيل إلا آية ﴿الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة﴾ لأن وجوبهما بالمدينة وضعف لأنه لا ينافي شرعيتهما بمكة وآيها أربع وثلاثون ولأبي ذر سورة لقمان.
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذر ولقمان اسم أعجمي، والجمهور على أنه كان حكيمًا ولم يكن نبيًّا، ومما ذكر من حكمته أنه أمر بأن يذبح شاة ويأتي بأطيب مضغتين منها فأتى باللسان والقلب ثم بعد أيام أمر بأن يأتي بأخبث مضغتين منها فأتي بهما أيضًا فسئل عن ذلك فقال: هما أطيب شيء إذا طابا وأخبثه إذا خبثا.
(﴿لا تشرك بالله﴾) أي مع الله (﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾) [لقمان: ١٣] بدأ في وعظ ابنه بالأهم وهو منعه من الإشراك وإنما كان ظلمًا لأنه وضع النفس المكرمة الشريفة في عبادة الخسيس فوضع العبادة في غير موضعها.
٤٧٧٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]
стр. 5468
شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَلْبِسْ إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّهُ لَيْسَ بِذَاكَ، أَلَا تَسْمَعُ إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ لاِبْنِهِ ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) البغلاني الثقفي قال: (حدّثنا جرير) بفتح الجيم ابن عبد الحميد (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن إبراهيم) النخعي (عن علقمة) بن قيس النخعي (عن عبد الله) بن مسعود (¬﵁¬) أنه (قال: لما نزلت هده الآية) التي بالأنعام (﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾) [الأنعام: ٨٢] أي بشرك فلم ينافقوا (شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا أينا لم يلبس) بفتح أوّله وكسر الموحدة أي لم يخلط (إيمانه بظلم فقال رسول الله ﷺ ¬):
(إنه ليس بذاك) ولأبي ذر ليس بذلك (ألا تسمع) برفع العين من غيروا و (إلى قول لقمان لابنه إن الشرك لظلم عظيم) فعموم الظلم المستفاد من التعبير بالنكرة في سياق النفي غير مقصود بل هو من العام الذي أريد به الخاص وهو هنا الشرك كما مر في باب ظلم دون ظلم من كتاب الإيمان وفي سورة الأنعام مع مزيد لذلك وغيره وسقط قوله لابنه في رواية أبي ذر.
٢ - باب قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]
(باب قوله) (﴿إن الله عنده علم الساعة﴾) [لقمان: ٣٤] علم وقت قيامها.
٤٧٧٧ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : كَانَ يَوْمًا بَارِزًا لِلنَّاسِ، إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ يَمْشِي، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: «الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَلِقَائِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الآخِرِ» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الإِسْلَامُ؟ قَالَ: «الإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ، وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ». قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: «الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ، كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: «مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَلَكِنْ سَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا: إِذَا وَلَدَتِ الْمَرْأَةُ رَبَّتَهَا فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا كَانَ الْحُفَاةُ الْعُرَاةُ رُؤُوسَ النَّاسِ فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، فِي خَمْسٍ لا يَعْلَمُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ ثُمَّ انْصَرَفَ الرَّجُلُ فَقَالَ: رُدُّوا عَلَيَّ. فَأَخَذُوا لِيَرُدُّوا فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَقَالَ: «هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ».
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (إسحاق) بن إبرهيم المعروف بابن راهويه (عن جرير) هو ابن عبد الحميد (عن أبي حيان) بفتح الحاء المهملة وتشديد التحتية يحيى بن سعيد الكوفي (عن أبي زرعة) هرم بن عمرو بن جرير البجلي (عن أبي هريرة ﵁ أن
стр. 5469
رسول الله ﷺ كان يومًا بارزًا) ظاهرًا (للناس إذ أتاه رجل) ملك في صورة رجل وهو جبريل ﵇ ولأبي ذر عن الكشميهني إذ جاءه رجل (يمشي فقال: يا رسول الله ما الإيمان) أي ما متعلقاته (قال) ﵊:
(الإيمان أن تؤمن بالله) أي تصدق بوجوده وبصفاته الواجبة (وملائكته) ولأبي ذر والأصيلي زيادة وكتبه بأن تصدق بأنها كلامه تعالى وأن ما اشتملت عليه حق لا ريب فيه (ورسله) بأنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله (ولقائه) برؤيته تعالى في الآخرة (وتؤمن) أي أن تصدق أيضًا (بالبعث الآخر) بكسر الخاء أي من القبور وما بعده وأعاد تؤمن لأنه إيمان بما سيوجد وما سبق إيمان بالموجود نوعان (قال) أي جبريل: (يا رسول الله ما الإسلام؟ قال) ﵊: (الإسلام أن تعبد الله) أي تطيعه (ولا تشرك به شيئًا وتقيم الصلاة) المكتوبة (وتؤتي الزكاة المفروضة).
قال في المصابيح: لم يقيد الصلاة بالمكتوبة وإنما قيد الزكاة مع أنها إنما تطلق على المفروضة بخلاف الصلاة فتأمل السر في ذلك انتهى.
وقد سبق في كتاب الإيمان أن تقييد الزكاة بالمفروضة احتراز عن صدقة التطوع فإنها زكاة لغوية أو من المعجلة.
وفي رواية مسلم: تقيم الصلاة المكتوبة وتؤتي الزكاة المفروضة (وتصوم رمضان) زاد في رواية كهمس وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا فلعل راوي حديث الباب نسيه (قال) أي جبريل: (يا رسول الله ما الإحسان؟) المتكرر في القرآن المترتب عليه الأجر وقال الخطابي المراد بالإحسان هنا الإخلاص وهو شرط في صحة الإيمان والإسلام معًا لأن من تلفظ من غير نيّة إخلاص لم يكن محسنًا (قال) ﵊: (الإحسان أن تعبد الله) أي عبادتك الله حال كونك في عبادتك له (كأنك تراه) في إخلاص العبادة لوجهه الكريم ومجانبة الشرك الخفي (فإن لم تكن تراه) فلا تغفل واستمر على إحسان العبادة (فإنه يراك) وهذا تنزل من مقام المكاشفة إلى مقام المراقبة (قال) جبريل: (يا رسول الله متى الساعة؟) أي قيامها وسميت الساعة لوقوعها بغتة أو لسرعة حسابها (قال) النبي ﷺ : (ما المسؤول منها بأعلم من السائل) ما نافية يعني لست أنا أعلم منك يا جبريل بعلم وقت قيام الساعة (ولكن سأحدثك عن أشراطها) علاماتها السابقة عليها وذلك (إذا ولدت المرأة) وفي رواية أبي ذر الأمة (ربتها) بتاء التأنيث على معنى النسمة ليشمل الذكر والأنثى كناية عن كثرة السبي فيستولد الناس أماءهم فيكون الولد كالسيد لأمه لأن ملك الأمة راجع في التقدير إلى الولد (فذاك من أشراطها) لأن كثرة السبي والتسري دليل على استعلاء الدين واستيلاء المسلمين وهو من الأمارات لأن قوّته وبلوغ أمره غايته وذلك منذر بالتراجع والانحطاط المنذر بأن القيامة ستقوم (وإذا كان الحفاة العراة رؤوس الناس) إشارة إلى استيلائهم على الأمر وتملكهم البلاد بالقهر والمعنى أن الأذلة من الناس ينقلبون أعزة ملوك
стр. 5470
الأرض (فذاك من أشراطها) واكتفى باثنتين من الأشراط مع التعبير بالجمع لحصول المقصود بهما في ذلك وعلم وقتها داخل (في) جملة (خمس) من الغيب وحذف متعلق الجار سائغ شائع ويجوز أن يتعلق بأعلم أي ما المسؤول عنها بأعلم في خمس أي في علم الخمس أي لا ينبغي لأحد أن يسأل أحدًا في علم الخمس لأنهن (لا يعلمهن إلا الله) وفيه إشارة إلى إبطال الكهانة والنجامة وما شاكلهما وإرشاد للأمة وتحذير لهم عن إتيان من يدعي علم الغيب ولأبي ذر عن الحموي والكشميهني وخمس لا يعلمهن إلا الله بواو العطف بدل الجار (﴿إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث﴾) في وقته المقدر له والمحل المعين له في علمه (﴿ويعلم ما في الأرحام﴾) أذكر أم أنثى.
قال في شرح المشكاة فإن قيل: أليس إخباره ﷺ عن أمارات الساعة من قبيل قوله: ﴿وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا﴾ [لقمان: ٣٤]. وأجاب: بأنه إذا أظهر بعض المرتضين من عباده بعض ما كشف له من الغيوب لمصلحة ما لا يكون إخبارًا بالغيب بل يكون تبليغًا له قال الله تعالى: ﴿فلا يظهر على غيبه أحدًا إلا من ارتضى من رسول﴾ [الجن: ٢٦] وفائدة بيان الأمارات أن يتأهب المكلف إلى المعاد بزاد التقوى (ثم انصرف الرجل) جبريل.
(فقال) النبي ﷺ للحاضرين من أصحابه: (ردوا عليّ) بتشديد الياء أي الرجل (فأخذوا ليردوا) بحذف ضمير المفعول للعلم به (فلم يروا شيئًا) لا عينًا ولا أثرًا (فقال) ﵊: (هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم) أي قواعد دينهم وإسناد التعليم إليه وإن كان سائلًا لأنه كان سببًا في التعليم.
وهذا الحديث قد سبق في كتاب الإيمان.
٤٧٧٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾» [لقمان: ٣٤].
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي الوقت: حدّثني الإفراد (يحيى بن سليمان) الجعفي الكوفي نزيل مصر (قال: حدّثني) بالإفراد (ابن وهب) عبد الله المصري (قال: حدّثني) بالإفراد أيضًا (عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر) بن الخطاب المدني نزيل عسقلان (أن أباه) محمد بن زيد (حدثه أن) جده (عبد الله بن عمر) بن الخطاب (﵄ قال: قال النبي ﷺ ¬):
(مفاتح) بوزن مصابيح ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر مفتاح (الغيب) بوزن مصباح أي خزائن الغيب (خمس ثم قرأ) ﵊ (﴿إن الله عنده علم الساعة﴾) الآية إلى آخرها كذا ساقه هنا مختصرًا وتامًّا في الاستسقاء والرعد والأنعام.
стр. 5471
[٣٢] سورة السَّجْدَةِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿مَهِينٍ﴾: ضَعِيفٍ، نُطْفَةُ الرَّجُلِ. ﴿ضَلَلْنَا﴾: هَلَكْنَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿الْجُرُزُ﴾: الَّتِي لَا تُمْطَرُ إِلاَّ مَطَرًا لَا يُغْنِى عَنْهَا شَيْئًا. ﴿يَهْدِ﴾: يُبَيِّنُ.
([٣٢] سورة السَّجْدَةِ)
ولأبي ذر: سورة السجدة بسم الله الرحمن الرحيم وسقطت البسملة لغير أبي ذر.
(وقال مجاهد) فيما وصله ابن أبي حاتم (﴿مهين﴾) في قوله تعالى: ﴿ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين﴾ [السجدة: ٨] معناه (ضعيف) وهو (نطفة الرجل).
وقال مجاهد أيضًا فيما وصله الفريابي (﴿ضللنا﴾) في قوله: ﴿وقالوا أئذا ضللنا في الأرض﴾ [السجدة: ١٠] أي (هلكنا) في الأرض وصرنا ترابًا.
(وقال ابن عباس) فيما وصله الطبري في قوله تعالى: ﴿أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجزر﴾ [السجدة: ٢٧] (الجزر) هي (التي لا تمطر) ولأبي ذر والأصيلي لم تمطر (إلا مطرًا لا يغني عنها شيئًا) وقيل اليابسة الغليظة التي لا نبات فيها والجزر هو القطع فكأنها المقطوع عنها الماء والنبات.
(﴿نهد﴾) أي (نبين) بالنون فيهما ولأبوي ذر والوقت يهد يبين بالمثناة التحتية فيهما ومراده تفسير ﴿أو لم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون﴾ [السجدة: ٢٦].
١ - باب قَوْلِهِ ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ [السجدة: ١٧]
(باب قوله) تعالى: (﴿فلم تعلم نفسٌ ما أخفيَ لهم﴾) [السجدة: ١٧] زاد أبو ذر من قرّة أعين أي مما تقرّ به عيونهم وما في أخفي موصولة ونفس نكرة في سياق النفي فتعم جميع الأنفس أي لا يعلم الذي أخفاه الله لهم لا ملك مقرّب ولا نبي مرسل قال بعضهم: أخفوا أعمالهم فأخفى الله ثوابهم.
٤٧٧٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ ﵎: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ اللَّهُ مِثْلَهُ قِيلَ لِسُفْيَانَ رِوَايَةً؟ قَالَ: فَأَيُّ شَيْءٍ؟ قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَرَأَ أَبُو هُرَيْرَةَ قُرَّاتِ.
стр. 5472
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ ¬) أنه (قال):
(قال الله ﵎ ولأبي ذر بدل ﵎ (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت).
قال في شرح المشكاة: ما هنا إما موصولة أو موصوفة وعين وقعت في سياق النفي فأفاد الاستغراق والمعنى ما رأت العيون لهن ولا عين واحدة منهن والأسلوب من باب قوله تعالى: ﴿ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع﴾ [غافر: ١٨] يحتمل نفي الرؤية والعين معًا أو نفي الرؤية فحسب أي لا رؤية ولا عين أو لا رؤية وعلى الأوّل الغرض منه نفي العين وإنما ضمت إليه الرؤية ليؤذن بأن انتفاء الموصوف أمر محقق لا نزاع فيه وبلغ في تحققه إلى أن صار كالشاهد على نفي الصفة وعكسه ومثله قوله:
(ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) من باب قوله تعالى: ﴿يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم﴾ [غافر: ٥٢] أي لا قلب ولا خطور أو لا خطور فعلى الأوّل ليس لهم قلب يخطر فجعل انتفاء الصفة دليلًا على انتفاء الذات أي إذا لم نحصل ثمرة القلب وهو الأخطار قد قلب كقوله تعالى: ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع﴾ [ق: ٣٧] وخص البشر هنا دون القرينتين السابقتين لأنهم الذين ينتفعون بما أعدّ لهم ويهتمون لشأنه ببالهم بخلاف الملائكة.
(قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين﴾) [السجدة: ١٧] والحديث كالتفصيل لهذه الآية لأنها نفت العلم وهو نفي طرق حصوله وقد ذكره المصنف في صفة الجنة من كتاب بدء الخلق.
(وحدّثنا سفيان) هو موصول كسابقه وللأصيلي وابن عساكر قال: علي يعني ابن المديني وحدّثنا سفيان ولأبي ذر حدّثنا علي قال: حدّثنا سفيان يعني ابن عيينة قال: (حدّثنا أبو الزناد) عبد الله (عن الأعرج) عبد الرحمن (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: قال الله مثله) أي مثل ما في الحديث السابق.
(قيل لسفيان) بن عيينة (رواية) أي تروي رواية عن النبي ﷺ أم من اجتهادك (قال فأي شيء)؟ لولا الرواية كنت أقول؟
(قال) ولأبي ذر وابن عساكر وقال: (أبو معاوية) محمد بن خازن الضرير فيما وصله أبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن له (عن الأعمش) سليمان (عن أبي صالح) ذكوان السمان أنه قال: (قرأ أبو هريرة قرأت) جمعًا بالألف والتاء لاختلاف أنواعها وهي قراءة الأعمش والقرة
стр. 5473
مصدر وحقه أن لا يجمع لأن المصدر اسم جنس والأجناس أبعد شيء عن الجمعية لكن جعلت القرة هنا نوعًا فجاز جمعها كقوله هناك أحزان وحسن لفظ الجمع إضافة القرات إلى لفظ الأعين ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر زيادة أعين.
٤٧٨٠ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ الأَعْمَشِ. حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، ذُخْرًا بَلْهَ مَا أُطْلِعْتُمْ عَلَيْهِ». ثُمَّ قَرَأَ: " ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ".
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (إسحاق بن نصر) هو إسحاق بن إبراهيم بن نصر البخاري قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن الأعمش) سليمان أنه قال: (حدّثنا أبو صالح) ذكوان السمان (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه قال:
(يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين) في الجنة (ما لا عين رأت ولا أُذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) وفي حديث المغيرة بن شعبة عند مسلم مرفوعًا: قال موسى ﵇: يا رب ما أدنى أهل الجنة منزلة الحديث إلى أن قال فأعلاهم منزلة. قال: الذين أردت غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر (ذخرًا) بضم الذال وسكون الخاء المعجمتين كذا في الفرع. وقال: في الصحاح في فصل الذال المعجمة ذخرت الشيء أذخره ذخرًا وكذلك أذخرته وهو افتعلت، وقول الحافظ ابن حجر بضم المهملة وسكون المعجمة سهو أو سبق قلم، وقال الكرماني: وذخرًا منصوب متعلق بأعددت وقال في الفتح أي جعلت ذلك لهم مدخورًا (بله ما أطلعتم عليه) بضم الهمزة وكسر اللام ولأبي الوقت ما أطلعتهم بفتح الهمزة واللام وزيادة هاء بعد التاء وقوله بله بفتح الموحدة وسكون اللام وفتح الهاء وللأربعة من بله بزيادة من الجارة وجر بله بها كذا في الفرع المعتمد المقابل على أصل اليونيني المحرر بحضرة إمام العربية أبي عبد الله بن مالك وكذا رأيته في أصل اليونيني المذكور وحينئذٍ فينظر في قول الصغاني اتفق جميع نسخ الصحيح على من بله والصواب إسقاط كلمة من وقول ابن التين أن بله ضبط مع من بالفتح والكسر هو حكاية ما وجده فلا يمنع ما ذكرته من الفتح مع عدم الجار والكسر مع ثبوته فأما الفتح فقال الجوهري، وبله كلمة مبنية على الفتح مثل كيف ومعناها دع وأنشد قول كعب بن مالك يصف السيوف:
تذر الجماجم ضاحيا هاماتها … بله الأكف كأنها لم تخلق
قال في المغني: وقد روي بالأوجه الثلاثة: قال شارحه: ومعنى بله الأكف على رواية النصب دع الأكف فأمرها سهل وعلى رواية الجر كترك الأكف منفصلة، وعلى الرفع فكيف الأكف التي يوصل إليها بسهولة.
стр. 5474
وأما وجه الفتح مع ثبوت من فقال الرضى: إذا كانت بله بمعنى كيف جاز أن تدخله من حكى أبو زيد أن فلانًا لا يطيق حمل الفهر فمن بله أن يأتي بالصخرة أي كيف ومن أين قال في المصابيح وعليه تتخرج هذه الرواية فتكون بمعنى كيف التي يقصد بها الاستبعاد وما مصدرية وهي مع صلتها في محل رفع على الابتداء والخبر من بله والضمير المجرور بعلى عائد على الذخر أي كيف ومن أين اطلاعكم على ما ادّخرته لعبادي الصالحين فإنه أمر عظيم قلما تتسع عقول البشر لإدراكه والإحاطة به. قال: وهذا أحسن ما يقال في هذا المحل: اهـ.
وأما الجر فوجه بأن بله بمعنى غير والكسرة التي على الهاء حينئذٍ إعرابية قال في الفتح وهو أي كون بله بمعنى غير أوضح التوجيهات لخصوص سياق حديث الباب حيث وقع فيه ولا خطر على قلب بشر ذخرًا من بله ما اطلعتم عليه وذلك بين لمن تأمله اهـ.
وقال أبو السعادات في نهايته بله اسم من أسماء الأفعال بمعنى دع واترك تقول بله زيدًا وقد توضع موضع المصدر وتضاف فتقول بله زيد أي نترك زيد وقوله: ما اطلعتم عليه يحتمل أن يكون منصوب المحل ومجرور على التقديرين، والمعنى دع ما اطلعتم عليه من نعيم الجنة وعرفتموه من لذاتها اهـ. زاد الخطابي فإنه سهل يسير في جنب ما ادّخرته لهم.
(ثم قرأ) ﵊: (﴿فلا تعلم نفسٌ ما أُخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾) جزاء مفعول له أي أخفي للجزاء فإن إخفاءه لعلوّ شأنه أو مصدر مؤكد لمعنى الجملة قبله أي جرّوا جزاء، وقول الزمخشري فحسم أطماع المتمنين يعني بقوله ﴿جزاء بما كانوا يعملون﴾ نزعة اعتزالية، ومراده بالمتمنين أهل السنة القائلين بأن المؤمن العاصي موعود بالجنة لا بد له منها وفاء بعهده تعالى لأنه وعده بها ووعده حق وجعل العمل كالسبب للوعد فعبر به في قوله: (﴿جزاء بما كانوا يعملون﴾) عنه لصدق الوعد في النفوس وتصويره بصورة المستحق بالعمل كالأجرة من مجاز التشبيه وعند أبي ذر تقديم حدّثني إسحاق بن نصر إلى آخر يعملون على قوله قال أبو معاوية عن الأعمش.
وهذا الحديث من أفراده.
[٣٣] سورة الأَحْزَابِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿صَيَاصِيهِمْ﴾ قُصُورِهِمْ. ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦].
١ - باب
([٣٣] الأَحْزَابِ)
مدنية وهي ثلاث وسبعون آية ولأبي ذر وابن عساكر: سورة الأحزاب بسم الله الرحمن الرحيم وسقطت البسملة لغيرهما كلفظ السورة نعم ثبتت للنسفي لهما.
стр. 5475
(وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عنه في قوله: (﴿صياصيهم﴾) هي (قصورهم) وحصونهم جمع صيصة يقال لكل ما يمتنع به ويتحصن صيصة ومنه قيل لقرن الثور ولشوكة الديك صيصة والصياصي أيضًا شوكة الحاكة وتتخذ من حديد. قال دريد بن الصمة:
كوقع الصياصي في النسيج الممدد
(﴿النبي أولى بالمؤمنين﴾) في الأمور كلها (﴿من أنفسهم﴾) [الأحزاب: ٦] من بعضهم ببعض في نفوذ حكمه ووجوب طاعته عليهم وقال ابن عباس ﵄ وعطاء يعني إذا دعاهم ﷺ ودعتهم أنفسهم إلى شيء كانت طاعة النبي ﷺ أولى بهم من طاعة أنفسهم اهـ.
وإنما كان ذلك لأنه لا يأمرهم ولا يرضى منهم إلا بما فيه صلاحهم ونجاحهم بخلاف النفس وقوله النبي الخ ثابت في رواية أبي ذر فقط.
٤٧٨١ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلاَّ وَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ تَرَكَ مَالًا فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا، فَإِنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضِيَاعًا فَلْيَأْتِنِي وَأَنَا مَوْلَاهُ».
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: بالجمع (إبراهيم بن المنذر) القرشي الحزامي قال: (حدّثنا محمد بن فليح) بضم الفاء وفتح اللام آخره حاء مهملة مصغرًا قال: (حدّثنا أبي) فليح بن سليمان الخزاعي الأسلمي (عن هلال بن علي) العامري المدني وقد ينسب إلى جده أسامة (عن عبد الرحمن بن أبي عمرة) بفتح العين وسكون الميم الأنصاري النجاري بالجيم قيل: ولد في عهده ﷺ وقال ابن أبي حاتم وليست له صحبة (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به) أي أحقهم به (في) كل شيء من أمور (الدنيا والآخرة) وسقط لأبي ذر لفظ الناس (اقرؤوا إن شئتم) قوله : (﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾) استنبط من الآية أنه لو قصده ﵊ ظالم وجب على الحاضر من المؤمنين أن يبذل نفسه دونه ولم يذكر ﵊ ما له من الحق عند نزول هذه الآية بل ذكر ما عليه فقال (فأيما مؤمن ترك مالًا) أي أو حقًّا من الحقوق بعد وفاته (فليرثه عصبته من كانوا)، وهم عصبة بنفسه وهو من له ولاء وكل ذكر نسيب يدلى للميت بلا واسطة أو بتوسط محض المذكور وعصبة بغيره وهو كل ذات نصف معها ذكر يعصبها وعصبة مع غيره وهو أخت فأكثر لغير أم معها بنت أو بنت ابن فأكثر (فإن ترك دينًا) عليه لأحد (أو ضياعًا) بفتح الضاد المعجمة عيالًا ضائعون لا شيء لهم ولا قيم (فليأتني) كل من رب الدين أوفه والضائع من العيال أكفله
стр. 5476
(وأنا) بالواو ولأبوي الوقت وذر فأنا (مولاه) أي وليس الميت أتولى عنه أموره.
وهذا الحديث قد سبق في باب الصلاة على من ترك دينًا من الاستقراض.
٢ - باب ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللهِ﴾ [الأحزاب: ٥]
هذا (باب) بالتنوين في قوله جل وعلا (﴿ادعوهم﴾) انسبوهم (﴿لآبائهم﴾) أي الذين ولدوهم (﴿هو أقسط عند الله﴾) [الأحزاب: ٥] أي أعدل تعليل لسابقه وسقط هو أقسط عند الله لغير أبوي الوقت وذر وباب لغير أبي ذر.
٤٧٨٢ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، مَا كُنَّا نَدْعُوهُ إِلاَّ زَيْدَ ابْنَ مُحَمَّدٍ، حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾.
وبه قال: (حدّثنا معلى بن أسد) بضم الميم وفتح العين المهملة واللام المشددة العمي أبو الهيثم البصري قال: (حدّثنا عبد العزيز بن المختار) الدباغ البصري مولى حفصة بنت سيرين قال: (حدّثنا موسى بن عقبة) الإمام في المغازي مولى آل الزبير بن العوّام (قال حدّثني) بالإفراد (سالم عن) أبيه (عبد الله بن عمرو ﵄ أن زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ ما كنا ندعوه إلا زيدًا بن محمد) لأنه ﷺ كان تبناه قبل النبوّة (حتى نزل القرآن ﴿ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله﴾) فأمر بردّ نسبهم إلى آبائهم في الحقيقة ونسخ ما كان في ابتداء الإسلام من جواز ادّعاء الأبناء الأجانب.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الفضائل والترمذي في التفسير والمناقب والنسائي في التفسير.
٣ - باب: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣] نَحْبَهُ: عَهْدَ. أَقْطَارِهَا: جَوَانِبُهَا. الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا: لأَعْطَوْهَا
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿فمنهم﴾) من الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه أي من الثبات مع الرسول والمقاتلة لإعلاء الدين (﴿من قضى نحبه﴾) يعني حمزة وأصحابه (﴿ومنهم من ينتظر﴾) الشهادة كعثمان وطلحة ينتظرون أحد أمرين إما الشهادة أو النصر (﴿وما بدلوا﴾) العهد ولا غيروه (﴿تبديلًا﴾) [الأحزاب: ٢٣] شيئًا من التبديل بخلاف المنافقين فإنهم قالوا لا نولي الأدبار وبدلوا قولهم وولوا أدبارهم (﴿نحبه﴾) أي (عهده) والمعنى ومنهم من فرغ من نذره ووفى بعهده فصبر على الجهاد وقاتل حتى قتل والنحب النذر فاستعير للموت لأنه كنذر
لازم في رقبة كل حيوان.
стр. 5477
(﴿أقطارها﴾) في قوله تعالى: ﴿ولو دخلت عليهم من أقطارها﴾ [الأحزاب: ١٤] هي (جوانبها) ثم سئلوا (﴿الفتنة لآتوها﴾) أي (لأعطوها) والمعنى ولو دخل عليهم المدينة أو البيوت من جوانبها ثم سئلوا الردّة ومقاتلة المسلمين لأعطوها ولم يمتنعوا وسقط لفظ باب لغير أبي ذر.
٤٧٨٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ ثُمَامَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: نُرَى هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَنَسِ بْنِ النَّضْرِ ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣].
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشددة بندار العبدي البصري قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (محمد بن عبد الله الأنصاري قال: حدّثني) بالإفراد (أبي) عبد الله (عن) عمه (ثمامة) بضم المثلثة وتخفيف الميمين ابن عبد الله بن أنس (عن) جده (أنس بن مالك ﵁) أنه (قال: نرى) بضم النون أي نظن أن (هذه الآية نزلت في أنس بن النضر) بالنون المفتوحة والضاد المعجمة الساكنة ابن ضمضم الأنصاري (﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾) وكان قتل يوم أُحد.
٤٧٨٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: لَمَّا نَسَخْنَا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ، فَقَدْتُ آيَةً مِنْ سُورَةِ الأَحْزَابِ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَؤُهَا لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ إِلاَّ مَعَ خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ الَّذِي جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهَادَتَهُ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾.
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (خارجة بن زيد بن ثابت) الأنصاري (أن) أباه (زيد بن ثابت قال: لما نسخنا الصحف) التي كانت عند حفصة (في المصاحف) بأمر عثمان ﵁ (فقدت) بفتح الفاء والقاف (آية من سورة الأحزاب كنت أسمع) ولأبوي ذر والوقت عن المستملي: كنت كثيرًا أسمع (رسول الله ﷺ يقرؤها لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة) أي ابن ثابت (الأنصاري الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته شهادة رجلين) خصوصية له وهي قوله تعالى: (﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾) لا يقال إن ثبوتها كان بطريق الآحاد والقرآن إنما يثبت بالتواتر لأنها كانت متواترة عندهم، ولذا قال: كنت أسمع النبي ﷺ يقرؤها، وقد قال عمر: أشهد لقد سمعتها من رسول الله، وعن أبيّ بن كعب وهلال بن أمية وغيره مثله.
وهذا الحديث قد سبق في أوائل الجهاد في باب قوله: ﴿من المؤمنين رجال﴾.
стр. 5478
٤ - باب قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨] وَقَالَ مَعْمَرٌ التَّبَرُّجُ: أَنْ تُخْرِجَ مَحَاسِنَهَا. سُنَّةَ اللَّهِ اسْتَنَّهَا: جَعَلَهَا
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (قوله: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا﴾) السعة والتنعم فيها وذلك أنهن سألنه من عرض الدنيا وطلبن منه زيادة في النفقة وآذينه بغيرة بعضهن (﴿وزينتها﴾) أي زخارفها (﴿فتعالين أمتعكن﴾) متعة الطلاق (﴿وأسرحكن سراحًا جميلًا)﴾ [الأحزاب: ٢٨] أطلقكنّ طلاق السنة من غير إضرار، وفي قوله: (﴿فتعالين أمتعكن وأسرحكن﴾) إشعار بأنها لو اختارت واحدة الفراق لا يكون طلاقًا. وقوله: ﴿أمتعكن وأسرحكن﴾ جزم جواب الشرط وما بين الشرط وجزائه معترض ولا يضر دخول الفاء جملة الاعتراض أو الجواب قوله: "فتعالين" و"أمتعكن" جواب لهذا الأمر، وسقط لأبي ذر: وأسرحكن الخ وقال بعد أمتعكن الآية.
(وقال معمر) بفتح الميمين وسكون العين المهملة بينهما ابن المثنى أبو عبد الله التيمي مولاهم البصري النحوي. وقال الحافظ ابن حجر: وتوهم مغلطاي ومن قلده أنه معمر بن راشد فنسب هذا إلى تخريج عبد الرزاق في تفسيره عن معمر ولا وجود لذلك في كتاب عبد الرزاق وإنما أخرج عن معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في هذه الآية قال: كانت المرأة تخرج تتمشى بين الرجال فذلك تبرج الجاهلية اهـ.
وتعقبه العيني فقال: لم يقل مغلطاي ابن راشد وإنما قال: هذا رواه عبد الرزاق عن معمر ولم يقل أيضًا في تفسيره حتى يشنع عليه بأنه لم يوجد في تفسيره وعبد الرزاق له تآليف أخر غير تفسيره وحيث أطلق معمرًا يحتمل أحد المعمرين اهـ.
وأجاب الحافظ ابن حجر في كتابه الانتقاض فقال: هذا اعتذار واهٍ فإن عبد الرزاق لا رواية له عن معمر بن المثنى وتآليف عبد الرزاق ليس فيها شيء يشرح الألفاظ إلا التفسير، وهذا تفسيره موجود ليس فيه هذا اهـ. وسقط وقال معمر لغير أبي ذر.
(﴿التبرج﴾) في قوله تعالى: ﴿ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى﴾ [الأحزاب: ٣٣] هو (أن تخرج) المرأة (محاسنها) للرجال. وقال مجاهد وقتادة: التبرج التكسر والتغنج وقيل التبختر وتبرج الجاهلية مصدر تشبيهي أي مثل تبرج والجاهلية الأولى ما بين آدم ونوح أو الزمان الذي ولد فيه الخليل إبراهيم كانت المرأة تلبس درعًا من اللؤلؤ فتمشي وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال أو ما بين نوح وإدريس وكانت ألف سنة والجاهلية الأخرى ما بين عيسى ونبينا ﷺ وقيل الجاهلية الأولى الكفر قبل الإسلام والجاهلية الأخرى جاهلية الفسوق في الإسلام.
стр. 5479
(﴿سنة الله﴾) في قوله تعالى: ﴿سنة الله في الذين خلوا من قبل﴾ [الأحزاب: ٣٨] أي (استنها جعلها) قاله أبو عبيدة وقال: جعلها سنّة اهـ.
والمعنى: أن سنة الله في الأنبياء الماضين أن لا يؤاخذهم بما أحل لهم. وقال الكلبي ومقاتل: أراد داود حين جمع بينه وبين تلك المرأة وكذلك محمد ﷺ وزينب.
٤٧٨٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَهَا حِينَ أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُخَيِّرَ أَزْوَاجَهُ، فَبَدَأَ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلَا عَلَيْكِ أَنْ تَسْتَعْجِلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ»، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ. قَالَتْ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ﴾» إِلَى تَمَامِ الآيَتَيْنِ فَقُلْتُ لَهُ: فَفِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ.
[الحديث ٤٧٨٥ - طرفه في: ٤٧٨٦]
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أخبرته أن رسول الله ﷺ جاءها حين أمر الله) بإسقاط ضمير المفعول ولأبي ذر أمره الله (أن يخيّر أزواجه) بين الدنيا والآخرة أو بين الإقامة والطلاق قال الماوردي الأشبه يقول الشافعي الثاني وهو الصحيح. وقال القرطبي: والنافع الجمع بين القولين لأن أحد الأمرين ملزوم بالآخر وكأنهن خيرن بين الدنيا فيطلقهن وبين الآخرة فيمسكهن (فبدأ بي رسول الله ﷺ ¬) في التخيير قبلهن (فقال):
(إني ذاكرٌ لكِ أمرًا، فلا عليك أن تستعجلي) أي لا يلزمك الاستعجال ولأبي ذر أن لا تستعجلي أي لا بأس عليك في التأني وعدم العجلة (حتى تستأمري أبويك) أي تطلبي منهما المشورة.
وفي حديث جابر عند مسلم: حتى تستشيري أبويك. وعند أحمد: إني عارض عليك أمرًا فلا تفتاتي فيه بشيء حتى تعرضيه على أبويك أبي بكر وأم رومان وهو يرد على من زعم أن أم رومان ماتت سنة ست من الهجرة فإن التخيير كان في سنة تسع قالوا: وإنما أمرها ﵇ باستشارتهما خشية أن يحملها صغر السن على اختيار الفراق فإذا استشارت أبويها أرشداها لما فيه المصلحة. ولذا لما فهمت عائشة ذلك قالت:
(وقد علم) ﵇ (أن أبوي) بالتشديد (لم يكونا يأمراني بفراقه. قالت: ثم قال) ﵇: (إن الله قال: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك﴾ إلى تمام الآيتين) [الأحزاب: ٢٨، ٢٩] وهو قوله فإن الله أعدّ للمحسنات منكنّ أجرًا عظيمًا وهل كان هذا التخيير واجبًا عليه ﷺ ولا ريب أن القول واجب عليه لأنه إبلاغ للرسالة لقوله تعالى: (﴿قل﴾) وأما التخيير؛ (فقلت له) عليه
стр. 5480
السلام: (ففي أي هذا) ولأبي ذر عن المستملي ففي أي شيء (أستأمر أبوي فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة) زاد محمد بن عمرو عند أحمد والطبراني، ولا أوامر أبوي أبا بكر، وأم رومان فضحك وأي اسم معرب يستفهم به نحو ﴿فبأي حديث بعده يؤمنون﴾ [المرسلات: ٥٠] ﴿وأيكم زادته هذه إيمانًا﴾ [التوبة: ١٢٤].
وحديث الباب أخرجه المؤلّف أيضًا في الطلاق وكذا مسلم، وأخرجه النسائي في النكاح والطلاق والترمذي في التفسير.
٥ - باب قَوْلِهِ [تعالى]: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٩] وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٢٩] الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ
(باب قوله) تعالى: (﴿وإن كنتن تردن الله ورسوله﴾) رضا الله ورسوله (﴿والدار الآخرة﴾) نعيم الجنة (﴿فإن الله أعد للمحسنات منكنّ أجرًا عظيمًا﴾) [الأحزاب: ٢٩] ثوابًا جزيلًا في الجنة تستحقر دونه الدنيا وزينتها ومن للبيان لأنهن كلهن كن محسنات وسقط باب قوله لغير أبي ذر.
(وقال قتادة) فيما وصله ابن أبي حاتم في قوله تعالى: (﴿واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة﴾) [الأحزاب: ٣٤] هما (القرآن والسنة) لف ونشر مرتب ولأبوي ذر والوقت من آيات الله القرآن والحكمة السنة. قال في الأنوار: وهو تذكير بما أنعم عليهن حيث جعلهن أهل بيت النبوّة ومهبط الوحي وما شهدن من برحاء الوحي مما يوجب قوّة الإيمان والحرص على الطاعة حثًا على الانتهاء والائتمار فيما كلفن.
وَقَالَ اللَّيْثُ:
٤٧٨٦ - حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ بَدَأَ بِي فَقَالَ: «إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ». قَالَتْ: وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ. قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ -إِلَى- ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾» قَالَتْ فَقُلْتُ: فَفِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ. قَالَتْ: ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ مَا فَعَلْتُ تَابَعَهُ. مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَأَبُو سُفْيَانَ الْمَعْمَرِىُّ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ.
стр. 5481
(وقال الليث) بن سعد الإمام فيما وصله الذهلي عن أبي صالح عنه (حدّثني) بالإفراد (يونس) بن يزيد (عن ابن شهاب) الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت لما أمر رسول الله ﷺ ¬) أمر وجوب (بتخيير أزواجه) وكن يومئذ تسع نسوة خمسة من قريش عائشة بنت أبي بكر وحفصة بنت عمر وأم حبيبة بنت أبي سفيان وسودة بنت زمعة وأم سلمة بنت أبي أمية وصفية بنت حيي بن أخطب الخيبرية وميمونة بنت الحارث الهلالية وزينب بنت جحش الأسدية وجويرية بنت الحارث المصطلقة (بدأ بي) إنما بدأ بها ﵂ على غيرها من أزواجه ﷺ لفضلها كما قاله النووي أو لأنها كانت السبب في التخيير لأنها طلبت منه ثوبًا فأمره الله بالتخيير رواه ابن مردويه من طريق الحسن عن عائشة لكن الحسن لم يسمع من عائشة فهو مرسل (فقال):
(إني ذاكرٌ لكِ أمرًا، فلا عليك أن لا تعجلي) بفتح الجيم وإسقاط السين أي لا بأس عليك في عدم العجلة (حتى تستأمري أبويك) فيه وزاد في رواية عمرة عن عائشة عند الطبري والطحاوي وخشي رسول الله ﷺ حداثتي لأن الصغر مظنة لنقص الرأي، فإذا استشارت أبويها أوضحا لها ما فيه المصلحة (قالت: وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه قالت: ثم قال) ﵊: (إن الله جل ثناؤه) ولأبي ذر (قال: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها -إلى- أجرًا عظيمًا﴾) فيه أن سبب التخيير سؤالهن ﵅ منه ﵊ الدنيا وزينتها فقيل أنهن اجتمعن يومًا فقلن نريد ما تريد النساء من الحلي، وطلبت أم سلمة سترًا معلمًا، وميمونة حلة يمانية، وزينب ثوبًا مخططًا، وأم حبيبة ثوبًا سحوليًّا وسألته كل واحدة منهن شيئًا.
قال النقاش: إلا عائشة وآلمن قلبه ﵇ بمطالبتهن له بتوسعة الحال فأنزل الله التخيير لئلا يكون لأحد منهن منّة عليه في الصبر على ما اختاره ﵊ من خشونة العيش.
وعند الإمام أحمد ﵁ من حديث جابر: أقبل أبو بكر ﵁ يستأذن على رسول الله ﷺ والناس ببابه جلوس والنبي ﷺ جالس فلم يؤذن له، ثم أقبل عمر فاستأذن فلم يؤذن له، ثم أذن لأبي بكر وعمر فدخلا والنبي ﷺ جالس وحوله نساؤه وهو ساكت فقال عمر: لأكلمن رسول الله- ﷺ لعله يضحك فقال عمر: يا رسول الله لو رأيت ابنة زيد امرأة عمر سألتني النفقة آنفًا فوجأت عنقها، فضحك النبي ﷺ حتى بدا ناجذه وقال: هن حولي يسألنني النفقة، فقام أبو بكر إلى عائشة ليضربها وقام عمر إلى حفصة كلاهما يقولان تسألان النبي ﷺ ما ليس عنده، فنهاهما رسول الله ﷺ فقلن نساؤه والله لا نسأل رسول الله ﷺ بعد هذا المجلس ما ليس عنده قال: وأنزل الله الخيار فبدأ بعائشة. ورواه مسلم منفردًا به دون البخاري وزاد: ثم اعتزلهن شهرًا أو تسعًا وعشرين ثم نزلت عليه هذه الآية: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك إلى عظيمًا﴾ قال فبدأ بعائشة.
стр. 5482
وسبق في المظالم من طريق عقيل عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور عن ابن عباس عن عمر في قصة المرأتين اللتين تظاهرتا الحديث بطوله وفيه: فاعتزل النبي ﷺ من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة: وكان قد قال ما أنا بداخل عليهن شهرًا من شدّة موجدته حين عاتبه الله فلما مضت تسع وعشرون دخل على عائشة فبدأ بها فقالت له عائشة: إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهرًا وإنا أصبحنا لتسع وعشرين ليلة أعدّها عدًا فقال النبي ﷺ : "الشهر تسع وعشرون" وكان ذلك الشهر تسعًا وعشرين. قالت عائشة: فأنزل الله آية التخيير فبدأ بي أول امرأة.
قال في الفتح: فاتفق الحديثان على أن آية التخيير نزلت عقب فراغ الشهر الذي اعتزلهن فيه، لكن اختلفا في سبب الاعتزال ويمكن الجمع بأن يكونا جميعًا سبب الاعتزال فإن قصة المتظاهرتين خاصة بهما وقصة سؤال النفقة عامة في جميع النسوة ومناسبة آية التخيير بقصة سؤال النفقة أليق منها بقصة المتظاهرتين اهـ.
(قالت) عائشة: (فقلت ففي أي) الأمرين من (هذا) الذي ذكرته (أستأمر أبوي فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة) وهذا يدل على كمال عقلها وصحة رأيها مع صغر سنها (قالت: ثم فعل أزواج النبي ﷺ مثل ما فعلت) من اختيار الله ورسوله والدار الآخرة بعد أن خيرهن (تابعه) أي تابع الليث (موسى بن أعين) بفتح الهمزة والتحتية بينهما عين ساكنة الجزري بالجيم والزاي والراء الحراني فيما وصله النسائي (عن معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (وقال، عبد الرزاق) بن همام فيما وصله مسلم وابن ماجة (وأبو سفيان) محمد بن حميد السكري (المعمري) بفتح الميمين بينهما عين ساكنة مما وصله الذهلي في الزهريات (عن معمر) هو ابن راشد (عن الزهري عن عروة) بن الزبير (عن عائشة). وفيه إشارة إلى ما وقع من الاختلاف على الزهري في الواسطة بينه وبين عائشة في هذه القصة، ولعل الحديث كان عند الزهري عنهما فحدث به تارة عن هذا وتارة عن هذا، وإلى هذا جنح الترمذي، وقد رواه عقيل وشعيب عن الزهري عن عائشة بغير واسطة ولو اختارت المخيرة نفسها وقعت طلقة رجعية عندنا وبائنة عند الحنفية. وفي هذا المبحث زيادة تأتي إن شاء الله تعالى في الطلاق بعون الله وقوّته.
٦ - باب قَوْلُهُ: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (قوله) مخاطبًا لنبيه صلوات الله وسلامه عليه في قصة زينب وزيد (﴿وتخفي في نفسك ما الله مبديه﴾) وهو نكاح زينب إن طلقها زيد أو إرادة طلاقها أو إخبار الله إياه أنها ستصير زوجته كما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق السدي لفظ: بلغنا أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش: وكانت أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ ،
стр. 5483
وكان رسول الله ﷺ أراد أن يزوّجها زيد بن حارثة مولاه فكرهت ذلك ثم إنها رضيت بما صنع رسول الله ﷺ فزوجها إياه ثم أعلم الله نبيه بعد أنها من أزواجه فكان يستحي أن يأمره بطلاقها.
وعنده من طريق علي بن زيد عن علي بن الحسين بن علي قال: أعلم الله نبيه أن زينب ستكون من أزواجه قبل أن يتزوّجها فلما أتاه زيد يشكوها إليه وقال له: اتق الله وأمسك عليك زوجك قال الله: إني قد أخبرتك إني مزوجكها وتخفي في نفسك ما الله مبديه، لكن في الثاني علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف.
(﴿وتخشى الناس﴾) أي تعييرهم إياك به والواو عطف على تقول أي وإذ تجمع بين قولك كذا وإخفاء كذا وخشية الناس (﴿والله أحق أن تخشاه﴾) [الأحزاب: ٣٧] وحده إن كان فيه ما يخشى والواو للحال وسقط قوله باب لغير أبي ذر.
٤٧٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ.
[الحديث ٤٧٨٧ - طرفه في: ٧٤٢٠].
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي الوقت: حدّثني بالإفراد (محمد بن عبد الرحيم) صاعقة قال: (حدّثنا معلى بن منصور) الرازي نزيل بغداد (عن حماد بن زيد) اسم جده درهم الأزدي الجهضمي البصري قال: (حدّثنا ثابت) البناني (عن أنس بن مالك ﵁ أن هذه الآية (﴿وتخفي في نفسك ما الله مبديه﴾ نزلت في شأن زينب ابنة جحش) ولأبي ذر بنت جحش بإسقاط الألف (وزيد بن حارثة) كذا اقتصر على هذا القدر من هذه القصة هنا.
وأخرجه بأتم من هذا في باب: وكان عرشه على الماء من كتاب التوحيد من وجه آخر على حماد بن زيد عن ثابت عن أنس قال: جاء زيد بن حارثة يشكو فجعل النبي ﷺ يقول: اتق الله وأمسك عليك زوجك. قالت عائشة: لو كان رسول الله ﷺ كاتمًا شيئًا لكتم هذه الآية. قال: فكانت زينب تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات.
وعن ثابت: ﴿وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس﴾ [الأحزاب: ٣٧] نزلت في شأن زينب وزيد بن حارثة وذكر ابن جرير وابن أبي حاتم هنا آثارًا لا ينبغي إيرادها وما ذكرته فيه مقنع والله يهدينا إلى سواء السبيل بمنّه وكرمه.
٧ - باب قَوْلِهِ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تُرْجِي: تُؤَخِّرُ. أَرْجِهُ: أَخِّرْهُ
(باب قوله) : (﴿ترجي﴾) تؤخر (﴿من تشاء منهن﴾) من الواهبات (﴿وتؤوي﴾) وتضم (﴿إليك من تشاء﴾)، منهن (﴿ومن ابتغيت﴾) ومن طلبت (﴿ممن عزلت﴾) رددت أنت
стр. 5484
منهن فيه بالخيار إن شئت عدت فيه فآويته (﴿فلا جناح عليك﴾) [الأحزاب: ٥١] في شيء من ذلك. قال عامر الشعبي: كن نساء وهبن أنفسهن له ﷺ فدخل ببعض وأوجأ بعضًا منهن أم شريك وهذا شاذ والمحفوظ أنه لم يدخل بأحد من الواهبات ما سيأتي قريبًا في هذا الباب إن شاء الله تعالى، أو المراد بالإرجاء والإيواء القسم وعدمه لأزواجه أي إن شئت تقسم لهن أو لبعضهن وتقدم من شئت وتؤخر من شئت وتجامع من شئت وتترك من شئت، كذا روي عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وغيرهم، وذلك لأنه ﷺ بالنسبة إلى أمته نسبة السيد المطاع إلى عبده، ومن ثم قال جماعة من الفقهاء من الشافعية وغيرهم لم يكن القسم واجبًا عليه صلوات الله وسلامه عليه، وقد قال أبو رزين وابن زيد نزلت الآية عقب آية التخيير ففوّض الله تعالى أمرهن إليه يفعل فيهن ما يشاء من قسم وتفضيل بعض في النفقة وغيرها فرضين بذلك واخترنه على هذا الشرط ﵁ ومع ذلك قسم اختيارًا منه لا على سبيل الوجوب وسوى بينهن وعدل فيهن كذلك.
وحديث الباب الأوّل يقتضي إن الآية نزلت في الواهبات، والثاني في أزواجه، واختار ابن جرير أن الآية عامة في الواهبات واللاتي عنده وهو اختيار حسن جامع للأحاديث.
(وقال ابن عباس) فيما وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه (ترجي) أي (تؤخر) وقوله: (أرجه) في الأعراف والشعراء أي (أخره) وذكره استطرادًا وهو من تفسير ابن عباس فيما رواه ابن أبي حاتم.
٤٧٨٨ - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ هِشَامٌ: حَدَّثَنَا عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أَغَارُ عَلَى اللاَّتِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَقُولُ: أَتَهَبُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا؟ فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ قُلْتُ: مَا أُرَى رَبَّكَ إِلاَّ يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ.
[الحديث ٤٧٨٨ - طرفه: ٥١١٣].
وبه قال: (حدّثنا زكريا بن يحيى) أبو السكين الطائي الكوفي قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة: (قال هشام) هو ابن عروة (حدّثنا) قال في الفتح فيه تقديم المخبر على الصيغة وهو جائز وتقديره قال: حدّثنا هشام (عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوّام (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ ¬) كذا روي بالغين المعجمة من الغيرة وهي الحمية والأنفة. وعند الإسماعيلي من طريق محمد بن بشر عن هشام كانت تعير اللاتي وهبن أنفسهن بعين مهملة وتشديد التحتية (وأقول: أتهب المرأة نفسها) وظاهر قوله وهبن أن الواهبة أكثر من واحدة منهن خولة بنت حكيم وأم شريك وفاطمة بنت شريح وزينب بنت خزيمة كما سيأتي في النكاح إن شاء الله تعالى الكلام على ذلك. وفي حديث سماك عن عكرمة
стр. 5485
عن ابن عباس عند الطبري بإسناد حسن لم يكن عند رسول الله ﷺ امرأة وهبت نفسها له، والمراد أنه لم يدخل بواحدة ممن وهبن أنفسهن له وإن كان مباحًا له لأنه راجع إلى إرادته (فلما أنزل الله تعالى ﴿ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك﴾ قلت ما أرى): بضم الهمزة أي ما أظن (ربك إلا يسارع في هواك) أي إلا موجدًا لك مرادك بلا تأخير.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في النكاح والنسائي فيه وفي عشرة النساء والتفسير.
٤٧٨٩ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ عَنْ مُعَاذَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَسْتَأْذِنُ فِي يَوْمِ الْمَرْأَةِ مِنَّا بَعْدَ أَنْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ فَقُلْتُ لَهَا: مَا كُنْتِ تَقُولِينَ؟ قَالَتْ كُنْتُ أَقُولُ لَهُ: إِنْ كَانَ ذَاكَ إِلَيَّ فَإِنِّي لَا أُرِيدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ أُوثِرَ عَلَيْكَ أَحَدًا. تَابَعَهُ عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ سَمِعَ عَاصِمًا.
وبه قال: (حدّثنا حبان بن موسى) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة السلمي المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا عاصم) هو ابن سليمان (الأحول) البصري (عن معاذة) بنت عبد الله العدوية (عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يستأذن في يوم المرأة منا) بإضافة يوم إلى المرأة أي يوم نوبتها إذا أراد أن يتوجه إلى الأخرى (بعد أن أنزلت هذه الآية ﴿ترجي من نشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك﴾) قالت معاذة: (فقلت لها) أي لعائشة مستفهمة: (ما كنت تقولين؟) له ﵊ (قالت: كنت أقول له إن كان ذاك) الاستئذان (إليّ فإني لا أريد يا رسول الله أن أؤثر عليك أحدًا) وظاهره أنه ﵊ لم يرجئ أحدًا منهن وهو قول الزهري فيما أخرجه ابن أبي حاتم ما أعلم أنه أرجى أحدًا من نسائه. (وتابعه) أي تابع عبد الله بن المبارك (عباد بن عباد) بفتح العين والموحدة المشددة فيهما أبو معاوية المهلبي فيما وصله ابن مردويه في تفسيره فقال: إنه (سمع عاصمًا) الأحول.
والحديث أخرجه مسلم في الطلاق وأبو داود في النكاح والنسائي في عشرة النساء.
٨ - باب قَوْلِهِ:
﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ
стр. 5486
ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ يُقَالُ إِنَاهُ: إِدْرَاكُهُ أَنَى يَأْنِى أَنَاةً. ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ إِذَا وَصَفْتَ صِفَةَ الْمُؤَنَّثِ قُلْتَ قَرِيبَةً، وَإِذَا جَعَلْتَهُ ظَرْفًا وَبَدَلًا وَلَمْ تُرِدِ الصِّفَةَ نَزَعْتَ الْهَاءَ مِنَ الْمُؤَنَّثِ، وَكَذَلِكَ لَفْظُهَا فِي الْوَاحِدِ وَالاِثْنَيْنِ وَالْجَمِيعِ لِلذَّكَرِ وَالأُنْثَى.
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (قوله: ﴿لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم﴾) أي إلا مصحوبين بالإذن فهي في موضع الحال أو إلا بسبب الإذن لكم فأسقط باء السبب وقال القاضي كالزمخشري إلا وقت أن يؤذن لكم ورده أبو حيان بأن النحاة نصوا على أن المصدرية لا تقع موقع الظرف لا يجوز آتيك أن يصيح الديك وإن جاز ذلك في المصدر الصريح نحو آتيك صياح الديك (﴿إلى طعام﴾) متعلق بيؤذن لأنه بمعنى إلا أن تدعوا إلى طعام (﴿غير ناظرين إناه﴾) نصب على الحال فعند الزمخشري العامل فيه يؤذن وعند غيره مقدر أي ادخلوا غير ناظرين إدراكه أو وقت نضجه والمعنى لا ترقبوا الطعام ذا طبخ حتى إذا قارب الاستواء تعرضتم للدخول فإن هذا مما يكرهه الله ويذمه قال ابن كثير وهذا دليل على تحريم التطفيل وقد صنف الخطيب البغدادي كتابًا في ذم الطفيليين ذكر فيه من أخبارهم ما يطول إيراده وأمال حمزة والكسائي أناه لأنه مصدر أنى الطعام إذا أدرك (﴿ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا﴾) تفرقوا واخرجوا من منزله ولا تمكثوا والآية إما تقديم أي لا تدخلوا إلى طعام إلا أن يؤذن لكم أولًا والثاني أولى لأن الأصل عدم التقديم وحينئذ فالإذن مشروط بكونه إلى طعام فلو أذن لأحد أن يدخل بيوته لغير الطعام أو لبث بعد الطعام لحاجة لا يجوز لكنا نقول الآية خطاب لقوم كانوا يتحينون طعام رسول الله ﷺ فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه فهي مخصوصة بهم وبأمثالهم فيجوز ولا يشترط التصريح بالإذن بل يكفي العلم بالرضا كما يشعر به قوله إلا أن يؤذن لكم حيث لم يبين الفاعل مع قوله أو صديقكم (﴿ولا مستأنسين لحديث﴾) نصب عطفًا على غير أي لا تدخلوها غير ناظرين ولا مستأنسين أو حال مقدرة أي لا تدخلوا هاجمين ولا مستأنسين أو جر عطفًا على ناظرين أي غير ناظرين وغير مستأنسين واللام في لحديث للعلة أي لأجل أن يحدث بعضكم بعضًا والمعنى ولا طالبين الأنس للحديث وكانوا يجلسون بعد الطعام يتحدثون طويلًا فنهوا عنه (﴿إن ذلكم﴾) الانتظار والاستئناس (﴿كان يؤذي النبي﴾) لتضييق المنزل عليه وعلى أهله وإشغاله فيما لا يعنيه (﴿فيستحيي منكم﴾) أي من إخراجكم فهو من تقدير المضاف بدليل قوله: (﴿والله لا يستحيي من الحق﴾) أي أن إخراجكم حق فينبغي أن لا يترك حياء ولهذا نهاكم وزجركم عنه قال في الكشاف وهذا أدب أدّب الله به الثقلاء وقال السمرقندي في الآية حفظ الأدب وتعليم الرجل إذا كان ضيفًا لا يجعل نفسه ثقيلًا بل إذا كل ينبغي أن يخرج (﴿وإذا سألتموهن متاعًا﴾) حاجة (فاسألوهن) المتاع (﴿من وراء حجاب﴾) أي ستر (﴿ذلكم﴾) أي الذي شرعته لكم من الحجاب (﴿أطهر لقلوبكم وقلوبهن﴾) من الريب لأن العين روزنة القلب فإذا لم تر العين لا يشتهي القلب فهو عند عدم الرؤية أطهر وعدم الفتنة حينئذٍ أظهر وهذه آية الحجاب وهي مما وافق تنزيلها قول عمر كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى (﴿وما كان لكم﴾) وما صح لكم (﴿أن تؤذوا رسول الله﴾) أن
стр. 5487
تفعلوا شيئًا يكرهه (﴿ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا﴾) [الأحزاب: ٥٣] بعد وفاته أو فراقه تعظيمًا له وإيجابًا لحرمته.
وفي حديث عكرمة عن ابن عباس مما رواه ابن أبي حاتم أن الآية نزلت في رجل همّ أن يتزوج بعض نساء النبي ﷺ بعده قال رجل لسفيان: أهي عائشة؟ قال قد ذكروا ذاك، وكذا قال مقاتل وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وذكر بسنده عن السدي أن الذي عزم على ذلك طلحة بن عبيد الله ﵁ حتى نزل التنبيه على تحريم ذلك (﴿إن ذلكم﴾) أي إيذاءه ونكاح نسائه (﴿كان عند الله﴾) ذنبًا (﴿عظيمًا﴾) وسقط لأبي ذر قوله: غير ناظرين إناه الخ وقال بعد قوله: (إلى طعام) إلى قوله: (إن ذلكم كان عند الله عظيمًا يقال إناه) قال أبو عبيدة أي (إدراكه) وبلوغه ويقال (أنى) بفتح الهمزة والنون (يأنى) بسكون الهمزة وفتح النون (أناة) بفتح الهمزة والنون من غير همز آخره هاء تأنيث مقصور ولابن عساكر إناء بهمزة من غير هاء تأنيث وزاد أبو ذر: فهو آن.
(﴿لعل الساعة تكون قريبًا﴾) [الأحزاب: ٦٣] القياس أن يقول قريبة بالتاء وأجاب المؤلّف عنه بأنك (إذا وصفت صفة المؤنث قلت قريبة) بالتاء (وإذا جعلته ظرفًا) قال الكرماني: أي اسمًا زمانيًا وعبارة أبي عبيدة مجازه مجاز الظرف (وبدلًا) أي عن الصفة يعني جعلته اسمًا مكان الصفة (ولم ترد الصفة نزعت الهاء من المؤنث) فقلت قريبًا (وكذلك لفظها) أي لفظ الكلمة المذكورة إذا لم ترد الصفة يستوي (في) لفظها (الواحد والاثنين والجميع للذكر والأنثى) بغير هاء وبغير جمع وبغير تثنية. وقال في الدر الظاهر أن لعل تعلق ما يعلق التمني وقريبًا خبر كان على حذف موصوف أي شيئًا قريبًا وقيل التقدير قيام الساعة فروعيت الساعة في تأنيث تكون وروعي المضاف المحذوف في تذكير قريبًا، وقيل قريبًا أكثر استعماله استعمال الظروف فهو هنا ظرف في موضع الخبر وسقط لأبوي ذر والوقت وابن عساكر لفظ الواحد وقال العيني كابن حجر وسقط لغير أبي ذر والنسفيّ قوله: لعل الساعة الخ وصوب لأنه ساقه في غير محله لتقديمه على الأحاديث المسوقة في معنى قوله لا تدخلوا بيوت النبي إلى آخرها.
٤٧٩٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ ﵁: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَابِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الْحِجَابِ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (عن يحيى) هو ابن سعيد القطان ولأبي ذر حدّثنا يحيى (عن حميد) الطويل (عن أنس) ﵁ أنه (قال: قال عمر) بن الخطاب (﵁: قلت: يا رسول الله يدخل عليك) في بيوتك (البر والفاجر) هو الفاسق وهو مقابل البر (فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فأنزل الله) تعالى (آية الحجاب﴾) وهذا طرف من حديث ذكره في باب ما جاء في القبلة من كتاب الصلاة وسورة البقرة أوله: وافقت ربي في ثلاث وقد تحصل من
стр. 5488
جملة الأخبار لعمر من الموافقات خمسة عشر تسع لفظيات وأربع معنويات واثنتان في التوراة فأما اللفظيات فمقام إبراهيم حيث قال: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت والحجاب وأسارى بدر حيث شاوره ﷺ فيهم فقال: يا رسول الله هؤلاء أئمة الكفر فاضرب أعناقهم فهوى رسول الله ﷺ ما قاله الصديق من إطلاقهم وأخذ الفداء فنزلت ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى﴾ [الأنفال: ٦٧] رواه مسلم وغيره وقوله لأمهات المؤمنين: لتكففن عن رسول الله ﷺ أو ليبدلنه الله أزواجًا خيرًا منكنّ فنزلت أخرجه أبو حاتم وغيره، وقوله لما اعتزل ﵊ نساءه في المشربة يا رسول الله: إن كنت طلقت نساءك فإن الله معك وجبريل وأنا وأبو بكر والمؤمنون فأنزل الله ﴿وإن تظاهرا عليه﴾ الآية، وأخذه بثوب النبي ﷺ لما قام يصلّي على عبد الله بن أبي ومنعه من الصلاة عليه فأنزل الله ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا﴾ [التوبة: ٨٤] أخرجاه ولما نزل ﴿إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ قال ﵊: فلأزيدن على السبعين فأخذ في الاستغفار لهم فقال عمر: يا رسول الله والله لا يغفر الله لهم أبدًا استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم، فنزلت ﴿سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم﴾ أخرجه في الفضائل ولما نزل قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين﴾ إلى قوله: ﴿أنشأناه خلقًا آخر﴾ قال عمر: تبارك الله أحسن الخالقين رواه الواحدي في أسباب النزول.
وفي رواية فقال النبي ﷺ : تزيد في القرآن يا عمر فنزل جبريل بها وقال إنها تمام الآية خرجها السجاوندي في تفسيره، ولما استشاره ﵊ في عائشة حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فقال عمر: يا رسول الله من زوجكها. قال الله تعالى، قال: أفتظن أن ربك دلس عليك فيها ﴿سبحانك هذا بهتان عظيم﴾ فأنزلها الله تعالى ذكره صاحب الرياض عن رجل من الأنصار.
وأما المعنويات فروى ابن السمان في الموافقة أن عمر قال لليهود: أنشدكم بالله هل تجدون وصف محمد ﷺ في كتابكم؟ قالوا: نعم. قال: فما يمنعكم من اتباعه؟ قالوا: إن الله لم يبعث رسولًا إلا كان له من الملائكة كفيل وإن جبريل هو الذي يكفل محمدًا وهو عدوّنا من الملائكة وميكائيل سلمنا فلو كان هو الذي يأتيه لاتبعناه قال عمر فإني أشهد أنه ما كان ميكائيل ليعادي سلم جبريل وما كان جبريل ليسالم عدوّ ميكائيل فنزل ﴿قل من كان عدوًا لجبريل﴾ إلى قوله: ﴿عدوّ للكافرين﴾ [البقرة: ٩٧].
وعند القلعي أن عمر كان حريصًا على تحريم الخمر وكان يقول: اللهم بين لنا في الخمر فإنها تذهب المال والعقل فنزل ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾ [البقرة: ٢١٩] الآية. فتلاها عليه ﵊ فلم ير فيها بيانًا فقال: اللهم بين لنا فيها بيانًا شافيًا فنزل ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ [النساء: ٤٣] فتلاها عليه، ﵊ فلم ير
стр. 5489
فيها بيانًا شافيًا فقال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا فنزل ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر﴾ [المائدة: ٩٠] الآية. فتلاها عليه ﵊ فقال عمر عند ذلك: انتهينا يا رب انتهينا، وذكر الواحدي إنها نزلت في عمر ومعاذ ونفر من الأنصار، وعن ابن عباس أنه ﷺ أرسل غلامًا من الأنصار إلى عمر بن الخطاب وقت الظهيرة ليدعوه فدخل فرأى عمر على حالة كره عمر رؤيته عليها فقال: يا رسول الله وددت لو أن الله أمرنا ونهانا في حال الاستئذان فنزلت ﴿يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم﴾ [النور: ٥٨] الآية رواه أبو الفرج وصاحب الفضائل، وقال بعد قوله: فدخل عليه وكان نائمًا وقد انكشف بعض جسده فقال: اللهم حرم الدخول علينا في وقت نومنا فنزلت ولما نزل قوله تعالى: ﴿ثلة من الأوّلين وقليل من الآخرين﴾ [الواقعة: ١٣] بكى عمر وقال: يا رسول الله وقليل من الآخرين آمنا برسول الله ﷺ وصدقناه ومن ينجو منا قليل، فأنزل الله تعالى: ﴿ثلة من الأوّلين وثلة من الآخرين﴾ [الواقعة: ٣٩، ٤٠] فدعاه رسول الله ﷺ ، وقال قد أنزل الله فيما قلت.
وأما موافقته لما في التوراة فعن طارق بن شهاب جاء رجل يهودي إلى عمر بن الخطاب فقال: أرأيت قوله تعالى: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من رَبكُم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدّت للمتقين﴾ [آل عمران: ١٣٣] فأين النار؟ فقال لأصحاب النبي ﷺ : أجيبوه فلم يكن عندهم منها شيء فقال عمر: أرأيت النهار إذا جاء أليس يملأ السماوات والأرض؟ قال: بلى. قال: فأين الليل؟ قال: حيث شاء الله . قال عمر: فالنار حيث شاء الله . قال اليهودي: والذي نفسك بيده يا أمير المؤمنين إنها لفي كتاب الله المنزل كما قلت أخرجه الخلعي وابن السمان في الموافقة. وروي أن كعب الأحبار قال يومًا عند عمر بن الخطاب: ويل لملك الأرض من ملك السماء. فقال عمر: إلا من حاسب نفسه، فقال كعب: والذي نفسي بيده إنها لتابعتها في كتاب الله فخرّ عمر ساجدًا لله. اهـ.
ملخصًا من مناقب عمر من الرياض وزاد بعضهم آية الصيام في حل الرفث ﴿ونساؤكم حرث لكم﴾ [البقرة: ٢٢٣] و ﴿لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾ [النساء: ٦٥] إذ أفتى بقتل ونسخ الرسم لآية قد نزلت في الرجم وفي الأذان.
٤٧٩١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ، حَدَّثَنَا أَبُو مِجْلَزٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْنَبَ ابْنَةَ جَحْشٍ، دَعَا الْقَوْمَ فَطَعِمُوا ثُمَّ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ، وَإِذَا هُوَ كَأَنَّهُ يَتَهَيَّأُ لِلْقِيَامِ، فَلَمْ يَقُومُوا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَامَ، فَلَمَّا قَامَ قَامَ مَنْ قَامَ وَقَعَدَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ لِيَدْخُلَ فَإِذَا الْقَوْمُ جُلُوسٌ، ثُمَّ إِنَّهُمْ قَامُوا، فَانْطَلَقْتُ فَجِئْتُ فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّهُمْ قَدِ انْطَلَقُوا فَجَاءَ حَتَّى دَخَلَ، فَذَهَبْتُ أَدْخُلُ فَأَلْقَى الْحِجَابَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾
стр. 5490
[الأحزاب: ٥٣] الآيَةَ.
[الحديث ٤٧٩١ - أطرافه في: ٤٧٩٢، ٤٧٩٣، ٤٧٩٤، ٥١٥٤، ٥١٦٣، ٥١٦٦، ٥١٦٨، ٥١٧٠، ٥١٧١، ٥٤٦٦، ٦٢٢٨، ٦٢٢٩، ٦٢٧١، ٧٤٢١].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن عبد الله الرقاشي) بفتح الراء والقاف المشدّدة وبعد الألف معجمة فتحتية نسبة لرقاش بنت ضبيعة قال: (حدّثنا معتمر بن سليمان قال سمعت أبي) سليمان بن طرخان (يقول: حدّثنا أبو مجلز) بكسر الميم وسكون الجيم وبعد اللام المفتوحة زاي لاحق بن حميد (عن أنس بن مالك ﵁¬) أنه (قال: لما تزوج رسول الله ﷺ زينب ابنة جحش) سنة ثلاث أو خمس أو غير ذلك ولأبي ذر بنت بإسقاط الألف (دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون) فأطالوا الجلوس (وإذا هو) ﵊ (كأنه يتهيّأ للقيام) ليفطنوا لمراده فيقوموا لقيامه (فلم يقوموا) وكان ﵊ يستحي أن يقول لهم قوموا (فلما رأى ذلك قام) لكي يقوموا ويخرجوا (فلما قام من قام وقعد ثلاثة نفر) لم يسموا يتحدثون في البيت وخرج ﵊ (فجاء النبي ﷺ ليدخل) على زينب (فإذا القوم جلوس) في بيتها فرجع ﵊ (ثم أنهم قاموا) فخرجوا (فانطلقت فجئت فأخبرت النبي ﷺ أنهم قد انطلقوا فجاء) ﵊ (حتى دخل فذهبت أدخل فألقى الحجاب) أي الستر (بيني وبينه فأنزل الله) تعالى (﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي﴾ الآية) [الأحزاب: ٥٣] بعد خروج القوم.
٤٧٩٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِهَذِهِ الآيَةِ آيَةِ الْحِجَابِ: لَمَّا أُهْدِيَتْ زَيْنَبُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَتْ مَعَهُ فِي الْبَيْتِ، صَنَعَ طَعَامًا وَدَعَا الْقَوْمَ، فَقَعَدُوا يَتَحَدَّثُونَ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْرُجُ ثُمَّ يَرْجِعُ، وَهُمْ قُعُودٌ يَتَحَدَّثُونَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ فَضُرِبَ الْحِجَابُ، وَقَامَ الْقَوْمُ.
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي قاضي مكة قال: (حدّثنا حماد بن زيد) اسم جده درهم (عن أيوب) السختياني (عن أبي قلابة) بكسر القاف عبد الله الجرمي أنه قال: (قال أنس بن مالك) ﵁ (أنا أعلم الناس بهذه الآية آية الحجاب) بخفض آية الحجاب بدلًا من سابقتها (لما أهديت زينب بنت جحش ﵂) وزفت (إلى رسول الله) ولأبي ذر إلى النبي (¬ ﷺ ¬) وسقط لغير أبي ذر بنت جحش ﵂ (كانت معه في البيت صنع طعامًا ودعا القوم فقعد ويتحدثون) بعد أن أكلوا (فجعل النبي ﷺ يخرج) لكي يخرجوا (ثم يرجع) لبيت زينب (وهم قعود يتحدثون فأنزل الله تعالى) قبل خروجهم (﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه﴾ -إلى قوله- ﴿من وراء حجاب﴾) وسقط لأبي ذر ﴿إلى
стр. 5491
طعام غير ناظرين إناه﴾ (فضرب الحجاب) بضم الضاد مبنيًّا للمفعول (وقام القوم).
٤٧٩٣ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: بُنِيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِزَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ بِخُبْزٍ وَلَحْمٍ، فَأُرْسِلْتُ عَلَى الطَّعَامِ دَاعِيًا فَيَجِيءُ قَوْمٌ فَيَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ فَيَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ، فَدَعَوْتُ حَتَّى مَا أَجِدُ أَحَدًا أَدْعُو، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا أَجِدُ أَحَدًا أَدْعُوهُ، قَالَ: ارْفَعُوا طَعَامَكُمْ وَبَقِيَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ يَتَحَدَّثُونَ فِي الْبَيْتِ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَانْطَلَقَ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ فَقَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَهْلَ الْبَيْتِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ». فَقَالَتْ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، كَيْفَ وَجَدْتَ أَهْلَكَ، بَارَكَ اللَّهُ لَكَ. فَتَقَرَّى حُجَرَ نِسَائِهِ كُلِّهِنَّ، يَقُولُ لَهُنَّ كَمَا يَقُولُ لِعَائِشَةَ، وَيَقُلْنَ لَهُ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ. ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ فَإِذَا ثَلَاثَةُ رَهْطٍ فِي الْبَيْتِ يَتَحَدَّثُونَ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ شَدِيدَ الْحَيَاءِ فَخَرَجَ مُنْطَلِقًا نَحْوَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، فَمَا أَدْرِي آخْبَرْتُهُ أَوْ أُخْبِرَ أَنَّ الْقَوْمَ خَرَجُوا، فَرَجَعَ حَتَّى إِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي أُسْكُفَّةِ الْبَابِ دَاخِلَةً وَأُخْرَى خَارِجَةً أَرْخَى السِّتْرَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَأُنْزِلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ.
وبه قال: (حدّثنا أبو معمر) بميمين مفتوحتين بينهما عين مهملة ساكنة عبد الله بن عمرو المقعد قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد التنوري البصري قال: (حدّثنا عبد العزيز بن صهيب) البناني البصري (عن أنس ﵁) أنه (قال: بني) بضم الموحدة وكسر النون أي دخل (على النبي ﷺ بزينب ابنة) ولأبي ذر بنت (جحش بخبز ولحم فأرسلت) بضم الهمزة وكسر السين وسكون اللام مبنيًّا للمفعول أي أرسلني النبي ﷺ (على الطعام) حال كوني (داعيًا) القوم للأكل منه (فيجيء قوم فيأكلون ويخرجون ثم يجيء قوم فيأكلون ويخرجون فدعوت) القوم (حتى ما أجد أحدًا أدعو) بحذف ضمير المفعول (فقلت: يا نبي الله ما أجد أحدًا أدعوه) بإثبات ضمير النصب ولأبوي ذر والوقت أدعو بحذفه (قال) ﵊ ولابن عساكر فقال:
(ارفعوا طعامكم) ولأبي ذر والأصيلي فارفعوا بالفاء (وبقي ثلاثة رهط) لم يسموا (يتحدثون في البيت فخرج النبي ﷺ ¬) ليخرجوا (فانطلق إلى حجرة عائشة) ﵂ (فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله) وفي نسخة أبي ذر: رحمت الله بالتاء المجرورة كالتالية (فقالت) عائشة (وعليك السلام) وسقط لأبي ذر السلام (ورحمة الله. كيف وجدت أهلك) تريد زينب (بارك الله لك. فتقرى) بفتح الفوقية والقاف والراء المشددة مقصورًا من غير همز أي تتبع (حجر نسائه كلهن) بالجر تأكيد لنسائه (يقول لهن كما يقول لعائشة ويقلن) ولأبي ذر فيقلن الله كما قالت عائشة) ﵁ قالت عائشة:
(ثم رجع النبي ﷺ فإذا ثلاثة رهط في البيت يتحدثون وكان النبي ﷺ شديد الحياء) ولذا لم يواجههم بالأمر بالخروج بل تشاغل بالسلام على أمهات المؤمنين ليفطنوا لمراده (فخرج منطلقًا نحو حجرة عائشة) ففطنوا لمراده فخرجوا (فما أدري آخبرته) بمد الهمزة في الفرع كأصله (أو أخبر)
стр. 5492
بضم الهمزة مبنيًا للمفعول والشك من أنس (أن القوم خرجوا فرجع) ﵊ (حتى إذا وضع رجله) الشريفة (في أسكفة الباب) بضم الهمزة وسكون المهملة وضم الكاف وتشديد الفاء مفتوحة العتبة التي يوطأ عليها (داخلة) وفي نسخة داخله بهاء الضمير للباب (وأخرى خارجة) ولأبي ذر والأخرى بالتعريف خارجة بضمير الباب (أرخى الستر بيني وبينه وأنزلت آية الحجاب) بعد قيام القوم.
٤٧٩٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أَوْلَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ بَنَى بِزَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ فَأَشْبَعَ النَّاسَ خُبْزًا وَلَحْمًا ثُمَّ خَرَجَ إِلَى حُجَرِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ صَبِيحَةَ بِنَائِهِ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِنَّ وَيَدْعُو لَهُنَّ، وَيُسَلِّمْنَ عَلَيْهِ وَيَدْعُونَ لَهُ. فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ رَأَى رَجُلَيْنِ جَرَى بِهِمَا الْحَدِيثُ، فَلَمَّا رَآهُمَا رَجَعَ عَنْ بَيْتِهِ، فَلَمَّا رَأَى الرَّجُلَانِ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ رَجَعَ عَنْ بَيْتِهِ وَثَبَا مُسْرِعَيْنِ، فَمَا أَدْرِي أَنَا أَخْبَرْتُهُ بِخُرُوجِهِمَا أَمْ أُخْبِرَ، فَرَجَعَ حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ وَأَرْخَى السِّتْرَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَأُنْزِلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ سَمِعَ أَنَسًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن منصور) المروزي قال: (أخبرنا عبد الله بن بكر) بفتح الموحدة وسون الكاف (السهمي) الباهلي البصري قال: (حدّثنا حميد) الطويل (عن أنس ﵁) أنه (قال: أولم رسول الله ﷺ حين بنى بزينب ابنة) ولأبي ذر بنت (جحش فأشبع الناس خبزًا ولحمًا ثم خرج) ﵊ والقوم جالسون يتحدثون بعد أن أكلوا (إلى حجر أمهات المؤمنين كما كان يصنع) ﵊ (صبيحة بنائه) أي صباحًا بعد ليلة الزفاف (فيسلم عليهن ويدعو لهن ويسلمن عليه ويدعون له) ولأبي ذر فيسلم عليهن ويسلمن عليه ويدعو لهن ويدعون له (فلما رجع إلى بيته رأى رجلين جرى بهما الحديث) في السابق فإذا ثلاثة. وأجاب البرماوي كالكرماني بأن مفهوم العدد لا اعتبار له والمحادثة كانت بينهما والثالث ساكن، وقال في الفتح: كان أحد الثلاثة فطن لمراد الرسول فخرج وبقي الاثنان (فلما رآهما رجع عن بيته فلما رأى الرجلان نبي الله ﷺ رجع عن بيته) وفهما مراده (وثبا مسرعين) قال أنس: (فما أدري أنا أخبرته بخروجهما أم أخبر فرجع) ﵊ (حتى دخل البيت وأرخى الستر بيني وبينه وأنزلت آية الحجاب) ظاهره كالسابق نزول الآية بعد قيام القوم إلا الثانية فقبله فأول بأنها نزلت حال قيامهم أي أنزلها الله وقد قاموا.
(وقال ابن أبي مريم) هو سعيد بن محمد بين الحكم بن أبي مريم المصري ولأبي ذر إبراهيم ابن أبي مريم شيخ المؤلّف وذكر إبراهيم غلط فاحش (أخبرنا يحيى) بن أيوب الغافقي المصري قال: (حدّثني) بالإفراد (حميد) الطويل أنه (سمع أنسًا) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) صرح حميد بالسماع من أنس فعنعنته غير مؤثرة.
стр. 5493
٤٧٩٥ - حَدَّثَنِي زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ خَرَجَتْ سَوْدَةُ بَعْدَ مَا ضُرِبَ الْحِجَابُ لِحَاجَتِهَا، وَكَانَتِ امْرَأَةً جَسِيمَةً لَا تَخْفَى عَلَى مَنْ يَعْرِفُهَا، فَرَآهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: يَا سَوْدَةُ أَمَا وَاللَّهِ مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا، فَانْظُرِي كَيْفَ تَخْرُجِينَ. قَالَتْ: فَانْكَفَأَتْ رَاجِعَةً وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِي، وَإِنَّهُ لَيَتَعَشَّى وَفِي يَدِهِ عَرْقٌ، فَدَخَلَتْ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي خَرَجْتُ لِبَعْضِ حَاجَتِي، فَقَالَ لِي عُمَرُ كَذَا وَكَذَا: قَالَتْ: فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ، ثُمَّ رُفِعَ عَنْهُ وَإِنَّ الْعَرْقَ فِي يَدِهِ مَا وَضَعَهُ فَقَالَ: «إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَاجَتِكُنَّ».
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (زكريا بن يحيى) بن صالح البلخي الحافظ قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: خرجت سودة) بنت زمعة أم المؤمنين ﵂ (بعد ما ضرب الحجاب لحاجتها) بضم الضاد المعجمة مبنيًّا للمفعول (وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها فرآها عمر بن الخطاب) ﵁ (فقال: يا سودة أما) بفتح الهمزة وتخفيف الميم وبعدها ألف حرف استفتاح ولأبي ذر أم بحذف الألف (والله ما تخفين علينا فانظر كيف تخرجين) ولعله قصد المبالغة في احتجاب أمهات المؤمنين بحيث لا يبدين أشخاصهن أصلًا ولو كن مستترات (قالت: فانكفأت) بالهمزة أي انقلبت حال كونها (راجعة ورسول الله ﷺ في بيتي وأنه) بالواو ولأبي ذر فإنه (ليتعشى وفي يده) ولأبوي ذر والوقت في يده بإسقاط الواو (عرق) بفتح العين وسكون الراء ثم قاف العظم الذي عليه اللحم (فدخلت فقالت: يا رسول الله إني خرجت لبعض حاجتي فقال لي عمر كذا وكذا قالت): أي عائشة (فأوحى الله إليه) ولأبي ذر فأوحي إليه بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (ثم رفع عنه) ما كان فيه من الشدة بسبب نزول الوحّي (وإن العرق) بفتح العين وسكون الراء (في يده ما وضعه) والجملة حالية (فقال: إنه) أي أن الشأن (قد أذن) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (لكنّ أن تخرجن لحاجتكن) دفعًا للمشقة ورفعًا للحرج، وفيه تنبيه على أن المراد بالحجاب التستر حتى لا يبدو من جسدهن شيء لا حجب أشخاصهن في البيوت والمراد بالحاجة البراز كما وقع في الوضوء من تفسير هشام بن عروة وقال الكرماني وتبعه البرماوي فإن قلت: قال ها هنا أنه كان بعد ما ضرب الحجاب، وقال في كتاب الوضوء في باب خروج النساء إلى البراز أنه قبل الحجاب قلت لعله وقع مرتين اهـ.
ومراده أن خروج سودة للبراز وقول عمر لها ما ذكر وقع مرتين لا وقوع الحجاب، وقول الحافظ ابن حجر عقب جواب الكرماني، قلت: بل المراد بالحجاب الأول غير الحجاب الثاني وذكره العيني وأقره فيه نظر إذ ليس في الحديث ما يدل لذلك بل ولا أعلم أحدًا قال بتعدّد الحجاب. نعم يحتمل أن يكون مراده الحجاب الثاني بالنظر لإرادة عمر ﵁ أن يحتجبن في البيوت فلا يبدين أشخاصهن فوقع الإذن لهن في الخروج لحاجتهن دفعًا للمشقة كما صرح هو به في الفتح وليس المراد نزول الحجاب مرتين على نوعين، وأما قوله أيضًا تقدم في كتاب الطهارة
стр. 5494
من طريق هشام بن عروة عن أبيه ما يخالف ظاهر رواية الزهري هذه عن عروة يعني رواية هذا الباب فليس كذلك فإن رواية هذا الباب إنما هي من طريق هشام بن عروة عن أبيه والسابقة المصرحة بالقبلية من طريق الزهري عن عروة فلعلّه سبق قلم.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله بعد ما ضرب الحجاب.
٩ - باب قَوْلِهِ: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا * لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [الأحزاب: ٥٤، ٥٥]
(وقوله) تعالى يخاطب من أضمر نكاح عائشة بعده ﷺ : (﴿إن تبدوا﴾) ولأبي ذر باب بالتنوين في قوله: إن تبدوا (﴿شيئًا﴾) تظهروا شيئًا من تزوّج أمهات المؤمنين على ألسنتكم (﴿أو تخفوه﴾) في صدوركم (﴿فإن الله كان بكل شيء عليمًا﴾) لا تخفى عليه خافية يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ولما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب أو نحن أيضًا نكلمهن من وراء حجاب فأنزل الله تعالى: (﴿لا جناح﴾) لا إثم (﴿عليهن في﴾) أن لا يحتجبن من (﴿آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن﴾) يعني النساء المؤمنات لا الكتابيات (﴿ولا ما ملكت أيمانهن﴾) من العبيد والإماء. وقال سعيد بن المسيب مما رواه ابن أبي حاتم إنما يعني به الإماء فقط وإنما لم يذكر العم والخال لأنهما بمنزلة الوالدين ولذلك سمى العم أبًا في قوله: ﴿وإله آبائك إبراهيم إسماعيل وإسحاق﴾، وقال عكرمة والشعبي فيما رواه ابن جرير عنه لأنهما ينعتانها لأبنائهما وكرها أن تضع خمارها عند خالها وعمها. (﴿واتقين الله﴾) عطف على محذوف أي امتثلن ما أمرتن واتقين الله أن يراكن غير هؤلاء (﴿إن الله على كل شيء شهيدًا﴾) [الأحزاب: ٥٤، ٥٥] أي إنه تعالى شاهد عند اختلاء بعضكم ببعض فخلوتكم مثل ملئكم بشهادة الله فاتقوه فإنه شهيد على كل شيء فراقبوا الرقيب وسقط لأبي ذر من قوله: (﴿بكل شيء عليمًا﴾ إلى قوله: ﴿على كل شيء شهيدًا﴾ وقال بعده قوله: ﴿كان﴾ إلى قوله: ﴿شهيدًا﴾ وسقط لفظ باب لغيره.
٤٧٩٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتِ: اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ أَفْلَحُ أَخُو أَبِي الْقُعَيْسِ، بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ فَقُلْتُ: لَا آذَنُ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ فِيهِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَإِنَّ أَخَاهُ أَبَا الْقُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي الْقُعَيْسِ، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ اسْتَأْذَنَ، فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ حَتَّى أَسْتَأْذِنَكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَمَا مَنَعَكِ أَنْ تَأْذَنِين عَمُّكِ؟» قُلْتُ يَا
стр. 5495
رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي الْقُعَيْسِ، فَقَالَ: «ائْذَنِي لَهُ فَإِنَّهُ عَمُّكِ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ» قَالَ عُرْوَةُ: فَلِذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: حَرِّمُوا مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا تُحَرِّمُونَ مِنَ النَّسَبِ.
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه قال: (حدّثني) بالإفراد (عروة بن الزبير) بن العوّام (أن عائشة ﵂ قالت: استأذن عليّ) بتشديد الياء أي طلب الإذن في الدخول عليّ (أفلح) بفتح الهمزة وسكون الفاء وبعد اللام المفتوحة حاء مهملة (أخو أبي القعيس) بضم القاف وفتح العين المهملة وبعد التحتية الساكنة مهملة واسمه وائل الأشعري (بعد ما أنزل الحجاب) آخر سنة خمس (فقلت: لا آذن له) بالمد ليس في اليونينية لفظ والله بعد فقلت (حتى أستأذن فيه النبي ﷺ فإن أخاه أبا القعيس ليس هو) الذي (أرضعني ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس، فدخل عليّ النبي ﷺ فقلت له: يا رسول الله) سقط لفظ له لأبي ذر (إن أفلح أخا أبي القعيس استأذن) أي في الدخول عليّ (فأبيت أن آذن) بالمد وزاد أبو ذر له (حتى أستأذنك، فقال النبي) وفي نسخة فقال رسول الله (¬ ﷺ ¬):
(وما منعك أن تأذنين) بالرفع بثبوت النون كقراءة: أن يتم الرضاعة شاذة بالرفع على إهمال أن الناصبة حملًا على ما أختها لاشتراكهما في المصدرية قاله البصريون ولم يجعلوها المخففة من الثقيلة لأنه لم يفصل بينها وبين الجملة الفعلية بعدها أو أن ما قبلها ليس بفعل علم ويقين، وقال الكوفيون هي المخففة من الثقيلة وشذ وقوعها موقع الناصبة كما شذ وقوع الناصبة موقعها، ولأبي ذر والأصيلي: أن تأذني بحذف النون للنصب (عمك) بالنصب على المفعولية أو بالرفع أي هو عمك (قلت: يا رسول الله إن الرجل ليس هو أرضعني ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس فقال): ﵊ (ائذني له فإنه عمك تربت يمينك) كلمة تقولها العرب ولا يريدون حقيقتها إذ معناها افتقرت يمينك وقيل المعنى ضعف عقلك إذا قلت هذا أو تربت يمينك إن لم تفعلي.
(قال عروة) بن الزبير بالسند المذكور (فلذلك) الذي قاله ﵊ (كانت عائشة تقول: حرموا من الرضاعة ما يحرمون من النسب) بالنون ولأبي ذر: ما تحرموا بحذفها من غير ناصب وهو لغة فصيحة كعكسه وقد اجتمع في هذا الحديث الأمران، وقال في فتح الباري: ومطابقة الآيتين للترجمة من قوله: (﴿لا جناح عليهن في آبائهن﴾) لأن ذلك من جملة الآيتين، وقوله في الحديث: ائذني له فإنه عمك مع قوله في الحديث الآخر: "العم صنو الأب" وبهذا يندفع اعتراض من زعم أنه ليس في الحديث مطابقة للترجمة أصلًا وكأن البخاري رمز بإيراد هذا الحديث إلى الردّ على من كره للمرأة أن تضع خمارها عند عمها أو خالها كما ذكرته عن عكرمة والشعبي فيما سبق هنا قريبًا، وهذا من دقائق ما ترجم به البخاري ﵀.
وهذا الحديث قد سبق في الشهادات.
стр. 5496
١٠ - باب قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]
قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: صَلَاةُ اللَّهِ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَلَائِكَةِ، وَصَلَاةُ الْمَلَائِكَةِ الدُّعَاءُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُصَلُّونَ: يُبَرِّكُونَ. لَنُغْرِيَنَّكَ: لَنُسَلِّطَنَّكَ
(باب قوله) ولأبي ذر باب بالتنوين أي في قوله: (﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾) اختلف هل يصلون خبر عن الله وملائكته أو عن الملائكة فقط وخبر الجلالة محذوف لتغاير الصلاتين لأن صلاة الله غير صلاتهم أي أن الله يصلّي وملائكته يصلون إلا أن فيه بحثًا وذلك أنهم نصوا على أنه إذا اختلف مدلولا الخبرين فلا يجوز حذف أحدهما لدلالة الآخر عليه وإن كانا بلفظ واحد فلا تقول زيد ضارب وعمرو يعني وعمرو ضارب في الأرض أي مسافر، وعبّر بصيغة المضارع ليدل على الدوام والاستمرار أي أنه تعالى وجميع ملائكته الذين لا يحصون بالعدّ ولا يحصرون بالحد يصلون عليه، وفيه الاعتناء بشرفه وتعظيم شأنه في الملأ الأعلى (﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه﴾) أي اعتنوا أيها الملأ الأدنى بشرفه وتعظيمه أيضًا فإنكم أولى بذلك وقولوا: اللهم صل عليه (﴿وسلموا تسليمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. وقولوا السلام عليك أيها النبي وأكد السلام بالمصدر.
واستشكل بأن الصلاة آكد منه فكيف أكده بالمصدر دونها؟ وأجيب: بأنها مؤكدة بأن وبإعلامه تعالى بأنه يصلي عليه وملائكته ولا كذلك السلام إذ ليس ثمّ ما يقوم مقامه أو أنه لما وقع تقديمها عليه لفظًا وللتقديم مزية في الاهتمام حسن تأكيد السلام لئلا يتوهم قلة الاهتمام به لتأخره، وأضيفت الصلاة إلى الله وملائكته دون السلام وأمر المؤمنون بهما فيحتمل أن يقال: إن السلام لما كان له معنيان التحية والانقياد فأمر به المؤمنون لصحتهما منهم والله وملائكته لا يجوز منهم الانقياد فلم يضف إليهم دفعًا للإيهام كذا أجاب الحافظ ابن حجر والأمر للوجوب في الجملة أو كلما ذكر الحديث "رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل عليّ" رواه البخاري في الأدب والترمذي وحديث عليّ عند الترمذي وقال: حسن غريب صحيح: البخيل من ذكرت عنده فلم يصل عليّ أو في المجلس مرة لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم" رواه الترمذي. أو في العمر مرة واحدة لأن الأمر المطلق لا يقتضي تكرارًا والماهية تحصل بمرة وفي القعود آخر الصلاة بين التشهد والسلام قاله إمامنا الشافعي والإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه وهي الأخيرة وإسحاق بن راهويه ونصه: إذا تركها عمدًا بطلت صلاته أو سهوا رجوت أن تجزئه، وابن الموّاز من المالكية واختاره ابن العرب منهم أيضًا، وألزم العراقي القائل بوجوبها كلما ذكر كالطحاوي أن يقول به في التشهد لتقدم ذكره ﵊ في التشهد وفيه ردّ على من
стр. 5497
زعم أن الشافعي شذ في ذلك كأبي جعفر الطبري والطحاوي وابن المنذر والخطابي كما حكاه القاضي عياض في الشفاء.
وفي كتابي المواهب اللدنية بالمنح المحمدية ما يكفي ويشفي وسقط لأبي ذر قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ الخ وقال بعد ﴿على النبي﴾ الآية. وقد انتزع النووي من الآية الجمع بين الصلاة والسلام فلا يفرد أحدهما من الآخر. قال الحافظ ابن كثير: والأولى أن يقال ﷺ تسليمًا.
(قال أبو العالية): رفيع بالتصغير ابن مهران الرياحي بكسر الراء بعدها تحتية وبعد الألف حاء مهملة مولاهم البصري أحد أئمة التابعين أدرك الجاهلية، ودخل على أبي بكر وصلى خلف عمر، وحفظ القرآن في خلافته توفي سنة تسعين في شوّال، وقال البخاري سنة ثلاث وتسعين (صلاة الله ثناؤه عليه عند الملائكة وصلاة الملائكة الدعاء) أخرجه ابن أبي حاتم.
(قال) ولأبي ذر وقال (ابن عباس) ﵄ (يصلون) أي (يبركون) بتشديد الراء المكسورة أي يدعون له بالبركة. أخرجه الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عنه، ونقل الترمذي عن سفيان الثوري وغير واحد من أهل العلم قالوا: صلاة الرب الرحمة وصلاة الملائكة الاستغفار، وعن الحسن مما رواه ابن أبي حاتم أن بني إسرائيل سألوا موسى هل يصلّي ربك؟ قال: فكان ذلك كبر في صدر موسى فأوحى الله إليه أخبرهم أني أصلي وأن صلاتي أن رحمتي سبقت غضبي وهو في معجمي الطبراني الصغير والأوسط من طريق عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة ﵁ رفعه. قلت: يا جبريل أيصلّي ربك جل ذكره؟ قال: نعم. قلت: ما صلاته؟ قال: سبوح قدوس سبقت رحمتي غضبي.
وعن أبي بكر القشيري مما نقله القاضي عياض: الصلاة على النبي ﷺ من الله تشريف وزيادة تكرمة وعلى من دون النبي رحمة. وبهذا التقرير يظهر الفرق بين النبي ﷺ وبين سائر المؤمنين حيث قال تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ [الأحزاب: ٥٦] وقال قبل ذلك في السورة هو الذي يصلّي عليكم وملائكته، ومن المعلوم أن القدر الذي يليق بالنبي ﷺ من ذلك أرفع مما يليق بغيره.
(﴿لنغرينك﴾) في قوله تعالى: ﴿والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم﴾ [الأحزاب: ٦٠] أي (لنسلطنك) عليهم بالقتال والإخراج قاله ابن عباس فيما وصله الطبري.
٤٧٩٧ - حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ عَنِ الْحَكَمِ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَّا السَّلَامُ عَلَيْكَ فَقَدْ عَرَفْنَاهُ، فَكَيْفَ الصَّلَاةُ؟ قَالَ: «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
стр. 5498
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (سعيد بن يحيى) ولأبي ذر زيادة ابن سعيد أو عثمان الأموي البغدادي قال: (حدّثنا أبي) يحيى قال: (حدّثنا مسعر) بكسر الميم وسكون السين وفتح العين المهملتين آخره راء ابن كدام (عن الحكم) بفتحتين ابن عيينة (عن ابن أبي ليلى) عبد الرحمن (عن كعب بن عجرة ﵁¬) أنه (قيل: يا رسول الله) القائل كعب بن عجرة كما أخرجه ابن مردويه ووقع السؤال أيضًا عن ذلك لبشير بن سعد والد النعمان بن بشير كما في حديث ابن مسعود عند مسلم (أما السلام عليك فقد عرفناه) بما علمتنا من أن نقول في التحيات: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته وقد أمرنا الله في الآية بالصلاة والسلام عليك. وفي الترمذي من طريق يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة قال: لما نزلت: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ الآية. قلنا يا رسول الله قد علمنا السلام (فكيف الصلاة؟) زاد أبو ذر عليك أي علمنا كيف اللفظ به نصلي عليك كما علمتنا السلام، فالمراد بعدم علمهم الصلاة عدم معرفة تأديتها بلفظ لائق به ﵊، ولذا وقع بلفظ كيف التي يسئل بها عن الصفة، وفي حديث أبي مسعود البدري عند الإمام أحمد وأبي داود والنسائي والحاكم أنهم قالوا: يا رسول الله أما السلام فقد عرفناه فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا؟ وبه استدلّ الشافعي على الوجوب في التشهد الأخير كلما مرّ (قال) ﵊:
(قولوا اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد) والأمر للوجوب وقال قولوا ولم يقل قل لأن الأمر يقع للكل وإن كان السائل البعض (كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد) فعيل من الحمد بمعنى محمود وهو من تحمد ذاته وصفاته أو المستحق لذلك (مجيد) مبالغة بمعنى ماجد من المجد وهو الشرف (اللهم بارك) من البركة وهي الزيادة من الخير (على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد) ولم يقل في الموضعين على إبراهيم بل قال كما صليت على آل إبراهيم وكما باركت على آل إبراهيم.
٤٧٩٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا التَّسْلِيمُ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ» قَالَ أَبُو صَالِحٍ عَنِ اللَّيْثِ: «عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ».
[الحديث ٤٧٩٨ - طرفه في: ٦٣٥٨].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (قال: حدّثني) بالإفراد (ابن الهاد) عبد الله بن أسامة الليثي (عن عبد الله بن خباب) بخاء معجمة
стр. 5499
مفتوحة فموحدتين الأولى مشددة بينهما ألف الأنصاري (عن أبي سعيد الخدري) ﵁ أنه (قال: قلنا يا رسول الله هذا التسليم) بوزن التكليم أي قد عرفناه (فكيف نصلى عليك؟ قال):
(قولوا اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما صليت على آل إبراهيم) وسقط كما صليت على آل إبراهيم (وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم) ذكر إبراهيم وأسقط آل إبراهيم.
(قال أبو صالح) عبد الله كاتب الليث (عن الليث) بإسناده المذكور (على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم) يعني أن عبد الله بن يوسف لم يذكر آل إبراهيم عن الليث وذكرها أبو صالح عنه في الحديث المذكور.
٠٠٠٠ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَالدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ يَزِيدَ وَقَالَ: «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ».
وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن حمزة) بالحاء المهملة والزاي ابن محمد بن مصعب بن الزبير بن العوّام القرشي الزبيري قال: (حدّثنا ابن أبي حازم) بالحاء المهملة والزاي عبد العزيز واسم أبي حازم سلمة (والدراوردي) عبد العزيز بن محمد كلاهما (عن يزيد) هو ابن الهاد (وقال: كما صليت على إبراهيم) أي كما تقدمت منك الصلاة على إبراهيم فنسأل منك الصلاة على محمد بطريق الأولى لأن الذي يثبت للفاضل يثبت للأفضل بطريق الأولى، وبهذا يحصل الانفصال عن الإيراد المشهور وهو أن من شرط التشبيه أن يكون المشبه به أقوى ومحصل الجواب أن التشبيه ليس من باب إلحاق الكامل بالأكمل بل من باب التهييج ونحوه قاله في الفتح. ويأتي مزيد بحث لذلك إن شاء الله تعالى في كتاب الدعاء بعون الله وقوته ولم يذكر في هذه وعلى آل إبراهيم.
(وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم) بإسقاط لفظ على في الآل في الموضعين وإثبات إبراهيم وآله في كما باركت، قيل: أصل آل أهل قلبت الهاء همزة ثم سهلت ولهذا إذا صغر ردّ إلى الأصل فقيل أهيل وقيل أصله أول من آل إذا رجع سمي بذلك من يؤول إلى الشخص ويضاف إليه ويقوّيه أنه لا يضاف إلى معظم فيقال آل القاضي ولا يقال آل الحجام بخلاف أهل، وقد يطلق آل فلان على نفسه وعليه وعلى من يضاف إليه جميعًا وضابطه أنه إذا قيل فعل آل فلان كذا دخل هو فيهم وإن ذكرا معًا فلا وهو كالفقير والمسكين والإيمان والإسلام، ولما اختلفت ألفاظ الحديث في الإتيان بهما معًا وفي إفراد أحدهما كان أولى المحامل أن يحمل على أنه ﷺ قال ذلك كله ويكون بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر،
стр. 5500
ويحتمل أن يكون بعض من اقتصر على آل إبراهيم بدون ذكر إبراهيم رواه بالمعنى بناء على دخول إبراهيم في قوله: آل إبراهيم كما تقدم، ووقع في أحاديث الأنبياء من البخاري في ترجمة إبراهيم ﵇ من طريق عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. وكذا في قوله: كما باركت، وغفل عنه ابن القيم فزعم أن أكثر الأحاديث بل كلها مصرحة بذكر محمد وآل محمد وبذكر آل إبراهيم فقط أو بذكر إبراهيم فقط قال: ولم يجيء في حديث صحيح بلفظ إبراهيم وآل إبراهيم معًا، وإنما أخرجه البيهقي من طريق يحيى بن السباق عن رجل من بني الحارث عن ابن مسعود ويحيى مجهول وشيخه مبهم فهو سند ضعيف، وأخرجه ابن ماجه من وجه آخر قوي لكنه موقوف على ابن مسعود قاله في الفتح.
ويأتي إن شاء الله تعالى في كتاب الدعاء مزيد لذلك بعون الله وقوته.
١١ - باب قَوْلِهِ: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ [الأحزاب: ٦٩]
(قوله: ﴿لا تكونوا﴾) ولأبي ذر باب بالتنوين أي في قوله تعالى: لا تكونوا (﴿كالذين آذوا موسى﴾) [الأحزاب: ٦٩] أي لا تؤذوا رسول الله ﷺ كما آذى بنو إسرائيل موسى.
٤٧٩٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ وَخِلَاسٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾».
وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه قال: (أخبرنا) ولأبي ذر: حدّثنا (روح بن عبادة) بفتح الراء وسكون الواو بعدها حاء مهملة وعبادة بضم العين وتخفيف الموحدة البصري قال: (حدّثنا عوف) هو ابن أبي جميلة عرف بالأعرابي (عن الحسن) هو البصري (ومحمد) هو ابن سيرين (وخلاس) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام وبعد الألف مهملة ابن عمرو الهجري البصري الثلاثة (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(إن موسى) ﵊ (كان رجلًا حييًّا) بفتح الحاء المهملة وكسر التحتية الأولى وتشديد الثانية أي كثير الحياء. زاد في أحاديث الأنبياء ستيرًا لا يرى من جلده شيء استحياء منه فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا: ما يستتر موسى هذا التستر إلا بعيب في جلده إما برص وإما أدرة وإما آفة وأن الله تعالى أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى فخلا يومًا وحده فوضع ثيابه على الحجر ثم اغتسل فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها وأن الحجر عدا بثوبه فأخذ موسى عصاه فطلب الحجر فجعل يقول: ثوبي حجر ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عريانًا
следующие страницы →