← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21716

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط العلمية

القسطلاني

Полный текст (8 298 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.

стр. 5496

١٠ - باب قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: صَلَاةُ اللَّهِ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَلَائِكَةِ، وَصَلَاةُ الْمَلَائِكَةِ الدُّعَاءُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُصَلُّونَ: يُبَرِّكُونَ. لَنُغْرِيَنَّكَ: لَنُسَلِّطَنَّكَ (باب قوله) ولأبي ذر باب بالتنوين أي في قوله: (﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾) اختلف هل يصلون خبر عن الله وملائكته أو عن الملائكة فقط وخبر الجلالة محذوف لتغاير الصلاتين لأن صلاة الله غير صلاتهم أي أن الله يصلّي وملائكته يصلون إلا أن فيه بحثًا وذلك أنهم نصوا على أنه إذا اختلف مدلولا الخبرين فلا يجوز حذف أحدهما لدلالة الآخر عليه وإن كانا بلفظ واحد فلا تقول زيد ضارب وعمرو يعني وعمرو ضارب في الأرض أي مسافر، وعبّر بصيغة المضارع ليدل على الدوام والاستمرار أي أنه تعالى وجميع ملائكته الذين لا يحصون بالعدّ ولا يحصرون بالحد يصلون عليه، وفيه الاعتناء بشرفه وتعظيم شأنه في الملأ الأعلى (﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه﴾) أي اعتنوا أيها الملأ الأدنى بشرفه وتعظيمه أيضًا فإنكم أولى بذلك وقولوا: اللهم صل عليه (﴿وسلموا تسليمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. وقولوا السلام عليك أيها النبي وأكد السلام بالمصدر. واستشكل بأن الصلاة آكد منه فكيف أكده بالمصدر دونها؟ وأجيب: بأنها مؤكدة بأن وبإعلامه تعالى بأنه يصلي عليه وملائكته ولا كذلك السلام إذ ليس ثمّ ما يقوم مقامه أو أنه لما وقع تقديمها عليه لفظًا وللتقديم مزية في الاهتمام حسن تأكيد السلام لئلا يتوهم قلة الاهتمام به لتأخره، وأضيفت الصلاة إلى الله وملائكته دون السلام وأمر المؤمنون بهما فيحتمل أن يقال: إن السلام لما كان له معنيان التحية والانقياد فأمر به المؤمنون لصحتهما منهم والله وملائكته لا يجوز منهم الانقياد فلم يضف إليهم دفعًا للإيهام كذا أجاب الحافظ ابن حجر والأمر للوجوب في الجملة أو كلما ذكر الحديث "رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل عليّ" رواه البخاري في الأدب والترمذي وحديث عليّ عند الترمذي وقال: حسن غريب صحيح: البخيل من ذكرت عنده فلم يصل عليّ أو في المجلس مرة لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم" رواه الترمذي. أو في العمر مرة واحدة لأن الأمر المطلق لا يقتضي تكرارًا والماهية تحصل بمرة وفي القعود آخر الصلاة بين التشهد والسلام قاله إمامنا الشافعي والإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه وهي الأخيرة وإسحاق بن راهويه ونصه: إذا تركها عمدًا بطلت صلاته أو سهوا رجوت أن تجزئه، وابن الموّاز من المالكية واختاره ابن العرب منهم أيضًا، وألزم العراقي القائل بوجوبها كلما ذكر كالطحاوي أن يقول به في التشهد لتقدم ذكره ﵊ في التشهد وفيه ردّ على من

стр. 5497

زعم أن الشافعي شذ في ذلك كأبي جعفر الطبري والطحاوي وابن المنذر والخطابي كما حكاه القاضي عياض في الشفاء. وفي كتابي المواهب اللدنية بالمنح المحمدية ما يكفي ويشفي وسقط لأبي ذر قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ الخ وقال بعد ﴿على النبي﴾ الآية. وقد انتزع النووي من الآية الجمع بين الصلاة والسلام فلا يفرد أحدهما من الآخر. قال الحافظ ابن كثير: والأولى أن يقال ﷺ تسليمًا. (قال أبو العالية): رفيع بالتصغير ابن مهران الرياحي بكسر الراء بعدها تحتية وبعد الألف حاء مهملة مولاهم البصري أحد أئمة التابعين أدرك الجاهلية، ودخل على أبي بكر وصلى خلف عمر، وحفظ القرآن في خلافته توفي سنة تسعين في شوّال، وقال البخاري سنة ثلاث وتسعين (صلاة الله ثناؤه عليه عند الملائكة وصلاة الملائكة الدعاء) أخرجه ابن أبي حاتم. (قال) ولأبي ذر وقال (ابن عباس) ﵄ (يصلون) أي (يبركون) بتشديد الراء المكسورة أي يدعون له بالبركة. أخرجه الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عنه، ونقل الترمذي عن سفيان الثوري وغير واحد من أهل العلم قالوا: صلاة الرب الرحمة وصلاة الملائكة الاستغفار، وعن الحسن مما رواه ابن أبي حاتم أن بني إسرائيل سألوا موسى هل يصلّي ربك؟ قال: فكان ذلك كبر في صدر موسى فأوحى الله إليه أخبرهم أني أصلي وأن صلاتي أن رحمتي سبقت غضبي وهو في معجمي الطبراني الصغير والأوسط من طريق عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة ﵁ رفعه. قلت: يا جبريل أيصلّي ربك جل ذكره؟ قال: نعم. قلت: ما صلاته؟ قال: سبوح قدوس سبقت رحمتي غضبي. وعن أبي بكر القشيري مما نقله القاضي عياض: الصلاة على النبي ﷺ من الله تشريف وزيادة تكرمة وعلى من دون النبي رحمة. وبهذا التقرير يظهر الفرق بين النبي ﷺ وبين سائر المؤمنين حيث قال تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ [الأحزاب: ٥٦] وقال قبل ذلك في السورة هو الذي يصلّي عليكم وملائكته، ومن المعلوم أن القدر الذي يليق بالنبي ﷺ من ذلك أرفع مما يليق بغيره. (﴿لنغرينك﴾) في قوله تعالى: ﴿والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم﴾ [الأحزاب: ٦٠] أي (لنسلطنك) عليهم بالقتال والإخراج قاله ابن عباس فيما وصله الطبري. ٤٧٩٧ - حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ عَنِ الْحَكَمِ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَّا السَّلَامُ عَلَيْكَ فَقَدْ عَرَفْنَاهُ، فَكَيْفَ الصَّلَاةُ؟ قَالَ: «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».

стр. 5498

وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (سعيد بن يحيى) ولأبي ذر زيادة ابن سعيد أو عثمان الأموي البغدادي قال: (حدّثنا أبي) يحيى قال: (حدّثنا مسعر) بكسر الميم وسكون السين وفتح العين المهملتين آخره راء ابن كدام (عن الحكم) بفتحتين ابن عيينة (عن ابن أبي ليلى) عبد الرحمن (عن كعب بن عجرة ﵁¬) أنه (قيل: يا رسول الله) القائل كعب بن عجرة كما أخرجه ابن مردويه ووقع السؤال أيضًا عن ذلك لبشير بن سعد والد النعمان بن بشير كما في حديث ابن مسعود عند مسلم (أما السلام عليك فقد عرفناه) بما علمتنا من أن نقول في التحيات: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته وقد أمرنا الله في الآية بالصلاة والسلام عليك. وفي الترمذي من طريق يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة قال: لما نزلت: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ الآية. قلنا يا رسول الله قد علمنا السلام (فكيف الصلاة؟) زاد أبو ذر عليك أي علمنا كيف اللفظ به نصلي عليك كما علمتنا السلام، فالمراد بعدم علمهم الصلاة عدم معرفة تأديتها بلفظ لائق به ﵊، ولذا وقع بلفظ كيف التي يسئل بها عن الصفة، وفي حديث أبي مسعود البدري عند الإمام أحمد وأبي داود والنسائي والحاكم أنهم قالوا: يا رسول الله أما السلام فقد عرفناه فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا؟ وبه استدلّ الشافعي على الوجوب في التشهد الأخير كلما مرّ (قال) ﵊: (قولوا اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد) والأمر للوجوب وقال قولوا ولم يقل قل لأن الأمر يقع للكل وإن كان السائل البعض (كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد) فعيل من الحمد بمعنى محمود وهو من تحمد ذاته وصفاته أو المستحق لذلك (مجيد) مبالغة بمعنى ماجد من المجد وهو الشرف (اللهم بارك) من البركة وهي الزيادة من الخير (على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد) ولم يقل في الموضعين على إبراهيم بل قال كما صليت على آل إبراهيم وكما باركت على آل إبراهيم. ٤٧٩٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا التَّسْلِيمُ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ» قَالَ أَبُو صَالِحٍ عَنِ اللَّيْثِ: «عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ». [الحديث ٤٧٩٨ - طرفه في: ٦٣٥٨]. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (قال: حدّثني) بالإفراد (ابن الهاد) عبد الله بن أسامة الليثي (عن عبد الله بن خباب) بخاء معجمة

стр. 5499

مفتوحة فموحدتين الأولى مشددة بينهما ألف الأنصاري (عن أبي سعيد الخدري) ﵁ أنه (قال: قلنا يا رسول الله هذا التسليم) بوزن التكليم أي قد عرفناه (فكيف نصلى عليك؟ قال): (قولوا اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما صليت على آل إبراهيم) وسقط كما صليت على آل إبراهيم (وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم) ذكر إبراهيم وأسقط آل إبراهيم. (قال أبو صالح) عبد الله كاتب الليث (عن الليث) بإسناده المذكور (على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم) يعني أن عبد الله بن يوسف لم يذكر آل إبراهيم عن الليث وذكرها أبو صالح عنه في الحديث المذكور. ٠٠٠٠ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَالدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ يَزِيدَ وَقَالَ: «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ». وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن حمزة) بالحاء المهملة والزاي ابن محمد بن مصعب بن الزبير بن العوّام القرشي الزبيري قال: (حدّثنا ابن أبي حازم) بالحاء المهملة والزاي عبد العزيز واسم أبي حازم سلمة (والدراوردي) عبد العزيز بن محمد كلاهما (عن يزيد) هو ابن الهاد (وقال: كما صليت على إبراهيم) أي كما تقدمت منك الصلاة على إبراهيم فنسأل منك الصلاة على محمد بطريق الأولى لأن الذي يثبت للفاضل يثبت للأفضل بطريق الأولى، وبهذا يحصل الانفصال عن الإيراد المشهور وهو أن من شرط التشبيه أن يكون المشبه به أقوى ومحصل الجواب أن التشبيه ليس من باب إلحاق الكامل بالأكمل بل من باب التهييج ونحوه قاله في الفتح. ويأتي مزيد بحث لذلك إن شاء الله تعالى في كتاب الدعاء بعون الله وقوته ولم يذكر في هذه وعلى آل إبراهيم. (وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم) بإسقاط لفظ على في الآل في الموضعين وإثبات إبراهيم وآله في كما باركت، قيل: أصل آل أهل قلبت الهاء همزة ثم سهلت ولهذا إذا صغر ردّ إلى الأصل فقيل أهيل وقيل أصله أول من آل إذا رجع سمي بذلك من يؤول إلى الشخص ويضاف إليه ويقوّيه أنه لا يضاف إلى معظم فيقال آل القاضي ولا يقال آل الحجام بخلاف أهل، وقد يطلق آل فلان على نفسه وعليه وعلى من يضاف إليه جميعًا وضابطه أنه إذا قيل فعل آل فلان كذا دخل هو فيهم وإن ذكرا معًا فلا وهو كالفقير والمسكين والإيمان والإسلام، ولما اختلفت ألفاظ الحديث في الإتيان بهما معًا وفي إفراد أحدهما كان أولى المحامل أن يحمل على أنه ﷺ قال ذلك كله ويكون بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر،

стр. 5500

ويحتمل أن يكون بعض من اقتصر على آل إبراهيم بدون ذكر إبراهيم رواه بالمعنى بناء على دخول إبراهيم في قوله: آل إبراهيم كما تقدم، ووقع في أحاديث الأنبياء من البخاري في ترجمة إبراهيم ﵇ من طريق عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. وكذا في قوله: كما باركت، وغفل عنه ابن القيم فزعم أن أكثر الأحاديث بل كلها مصرحة بذكر محمد وآل محمد وبذكر آل إبراهيم فقط أو بذكر إبراهيم فقط قال: ولم يجيء في حديث صحيح بلفظ إبراهيم وآل إبراهيم معًا، وإنما أخرجه البيهقي من طريق يحيى بن السباق عن رجل من بني الحارث عن ابن مسعود ويحيى مجهول وشيخه مبهم فهو سند ضعيف، وأخرجه ابن ماجه من وجه آخر قوي لكنه موقوف على ابن مسعود قاله في الفتح. ويأتي إن شاء الله تعالى في كتاب الدعاء مزيد لذلك بعون الله وقوته. ١١ - باب قَوْلِهِ: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ [الأحزاب: ٦٩] (قوله: ﴿لا تكونوا﴾) ولأبي ذر باب بالتنوين أي في قوله تعالى: لا تكونوا (﴿كالذين آذوا موسى﴾) [الأحزاب: ٦٩] أي لا تؤذوا رسول الله ﷺ كما آذى بنو إسرائيل موسى. ٤٧٩٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ وَخِلَاسٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾». وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه قال: (أخبرنا) ولأبي ذر: حدّثنا (روح بن عبادة) بفتح الراء وسكون الواو بعدها حاء مهملة وعبادة بضم العين وتخفيف الموحدة البصري قال: (حدّثنا عوف) هو ابن أبي جميلة عرف بالأعرابي (عن الحسن) هو البصري (ومحمد) هو ابن سيرين (وخلاس) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام وبعد الألف مهملة ابن عمرو الهجري البصري الثلاثة (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬): (إن موسى) ﵊ (كان رجلًا حييًّا) بفتح الحاء المهملة وكسر التحتية الأولى وتشديد الثانية أي كثير الحياء. زاد في أحاديث الأنبياء ستيرًا لا يرى من جلده شيء استحياء منه فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا: ما يستتر موسى هذا التستر إلا بعيب في جلده إما برص وإما أدرة وإما آفة وأن الله تعالى أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى فخلا يومًا وحده فوضع ثيابه على الحجر ثم اغتسل فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها وأن الحجر عدا بثوبه فأخذ موسى عصاه فطلب الحجر فجعل يقول: ثوبي حجر ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عريانًا

стр. 5501

أحسن ما خلق الله وبرأه مما يقولون وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه وطفق بالحجر ضربًا بالعصا فوالله إن بالحجر لندبًا من أثر ضربه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا. (وذلك قوله تعالى): محذرًا أهل المدينة أن يؤذوا رسول الله كما آذى بنو إسرائيل موسى (﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله﴾) فأظهر الله براءته (﴿مما قالوا وكان عند الله وجيهًا﴾) أي كريمًا ذا جاه وما مصدرية أو بمعنى الذي. وسبق في أحاديث الأنبياء أن خلاسًا والحسن لم يسمعا من أبي هريرة. وهذا الحديث ساقه هنا مختصرًا جدًّا وذكره تامًّا في أحاديث الأنبياء.

стр. 5502

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [٣٤] سورة سَبَأ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) يُقَالُ ﴿مُعَاجِزِينَ﴾: مُسَابِقِينَ. ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾: بِفَائِتِينَ. ﴿مُعَاجِزِينَ﴾: مُغَالِبِينَ. ﴿سَبَقُوا﴾: فَاتُوا. ﴿لَا يُعْجِزُونَ﴾: لَا يَفُوتُونَ. ﴿يَسْبِقُونَا﴾: يُعْجِزُونَا. قَوْلُهُ ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾: بِفَائِتِينَ وَمَعْنَى. ﴿مُعَاجِزِينَ﴾: مُغَالِبِينَ. يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُظْهِرَ عَجْزَ صَاحِبِهِ. ﴿مِعْشَارٌ﴾: عُشْرٌ. ﴿الأُكُلُ﴾: الثَّمَرُ. ﴿بَاعِدْ﴾: وَبَعِّدْ: وَاحِدٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿لَا يَعْزُبُ﴾: لَا يَغِيبُ. ﴿الْعَرِمُ﴾: السُّدُّ مَاءٌ أَحْمَرُ أَرْسَلَهُ اللَّهُ فِي السُّدِّ فَشَقَّهُ وَهَدَمَهُ وَحَفَرَ الْوَادِيَ فَارْتَفَعَتَا عَنِ الْجَنْبَيْنِ وَغَابَ عَنْهُمَا الْمَاءُ فَيَبِسَتَا، وَلَمْ يَكُنِ الْمَاءُ الأَحْمَرُ مِنَ السُّدِّ وَلَكِنْ كَانَ عَذَابًا أَرْسَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ شَاءَ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ ﴿الْعَرِمُ﴾: الْمُسَنَّاةُ بِلَحْنِ أَهْلِ الْيَمَنِ. وَقَالَ غَيْرُهُ ﴿الْعَرِمُ﴾: الْوَادِي. (السَّابِغَاتُ) الدُّرُوعُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿وَهَلْ يُجَازَى﴾: يُعَاقَبُ. ﴿أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾: بِطَاعَةِ اللَّهِ. ﴿مَثْنَى وَفُرَادَى﴾: وَاحِدٌ وَاثْنَيْنِ. ﴿التَّنَاوُشُ﴾: الرَّدُّ مِنَ الآخِرَةِ إِلَى الدُّنْيَا. ﴿وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾: مِنْ مَالٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ زَهْرَةٍ. ﴿بِأَشْيَاعِهِمْ﴾: بِأَمْثَالِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. (كَالْجَوَابِ): كَالْجَوْبَةِ مِنَ الأَرْضِ. (الْخَمْطُ): الأَرَاكُ. (وَالأَثَلُ): الطَّرْفَاءُ. (الْعَرِمُ): الشَّدِيدُ. ٣٤ - [سَبَأ] مكية، وقيل: إلا ﴿ويرى الذين أُوتوا العلم﴾ [سبأ: ٥٦] الآية وآيها خمس وخمسون، ولأبي ذر: سورة سبأ. (بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذر كلفظ سورة.

стр. 5503

(يقال ﴿معاجزين﴾) بألف بعد العين وهي قراءة غير ابن كثير وأبي عمرو أي (مسابقين) كي يفوتونا قاله أبو عبيدة. (﴿بمعجزين﴾) في قوله في العنكبوت: ﴿وما أنتم بمعجزين﴾ [العنكبوت: ٢٢] (بفائتين) أخرج ابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن عبد الله بن الزبير نحوه (﴿معاجزين﴾) بالألف أي (مغالبين) كذا وقع لغير أبي ذر وسقط له (﴿معاجزيّ﴾) بالألف وسقوط النون مشدد التحتية أي (مسابقيّ) كذا لأبوي الوقت وذر وابن عساكر وسقط لكريمة والأصيلي (﴿سبقوا﴾) أي في قوله في الأنفال: ﴿ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا﴾ [الأنفال: ٥٩] أي (فأتوا) أنهم (﴿لا يعجزون﴾) أي (لا يفوتون) قاله أبو عبيدة في المجاز. (﴿يسبقونا﴾) في قوله تعالى: ﴿أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا﴾ [العنكبوت: ٤] أي (يعجزونا) بسكون العين (قوله) ولأبي ذر وقوله (﴿بمعجزين﴾) بالقصر وهي قراءة أبي عمرو وابن كثير أي (بفائتين ومعنى ﴿معاجزين﴾) بالألف (مغالبين) كذا وقع مكررًا وسقط لغير أبي ذر (يريد كل واحد منهما أن يظهر عجز صاحبه) يريد أنه من باب المفاعلة بين اثنين. (﴿معشار﴾) في قوله تعالى: ﴿وما بلغوا معشار ما آتيناهم﴾ [سبأ: ٤٥] معناه (عُشر) بنى مفعال من لفظ العشر كالمرباع ولا ثالث لهما من ألفاظ العدد فلا يقال مسداس ولا مخماس. (الأُكل) بضم الكاف في قوله تعالى: ﴿ذواتى أُكل خمط﴾ [سبأ: ١٦] هو (الثمر) ولأبي ذر يقال الأكل الثمرة قال أبو عبيدة: الأكل الجنى بفتح الجيم مقصورًا وهو بمعنى الثمرة. (﴿باعد﴾) بالألف وكسر العين في قوله تعالى: ﴿فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا﴾ [سبأ: ١٩] (وبعّد) بدون ألف وتشديد العين وهذه قراءة أبي عمرو وابن كثير وهشام (واحد) في المعنى إذ كل منهما فعل طلب ومعنى الآية أنهم لما بطروا نعمة ربهم وسألوا انتعالها جازاهم جزاء مَن كفر نِعمه إلى أن صاروا مثلًا فقيل تفرّقوا أيادي سبأ كما قال تعالى: ﴿فجعلناهم أحاديث﴾ [سبأ: ١٩]. (وقال مجاهد): فيما وصله الفريابي فبقوله تعالى: (﴿لا يعزب﴾) أي (لا يغيب) ﴿عنه مثقال ذرة﴾ [سبأ: ٣]. (﴿العرم﴾) في قوله تعالى: ﴿فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم﴾ [سبأ: ١٦] هو (السدّ) بضم السين وفتحها وتشديد الدال المهملتين الذي يحبس الماء بنته بلقيس وذلك أنهم كانوا يقتتلون على ماء واديهم فمرت به فسدّ، ولأبي ذر عن المستملي والكشميهني سيل العرم السدّ وله عن الحموي الشديد بشين معجمة بوزن عظيم السيل (ماء أحمر أرسله في السدّ) ولأبي ذر أرسله الله في السدّ بفتح سين السد فيهما في اليونينية (فشقه وهدمه وحفر الوادي فارتفعتا عن الجنبين) بفتح الجيم والموحدة بينهما نون ساكنة، ولأبي ذر عن الحموي بفتح الجنبتين بفتح الجيم والنون والموحدة

стр. 5504

والفوقية وسكون التحتية وفي نسخة نسبها في الفتح للأكثرين الجنتين بتشديد النون بغير موحدة تثنية جنة. قال الكرماني: فإن قلت: القياس أن يقال ارتفعت الجنتان عن الماء. وأجاب: بأن المراد من الارتفاع الانتقال والزوال يعني ارتفع اسم الجنة عنهما فتقديره ارتفعت الجنتان عن كونهما جنة. قال في الكشاف وتبعه في الأنوار وتسمية البدل جنتين على سبيل المشاكلة. (وغاب عنهما) عن الجنتين (الماء فيبستا) لطغيانهم وكفرهم وإعراضهم عن الشكر (ولم يكن الماء الأحمر من السد) وللمستملي من السيل. (ولكن) ولأبي ذر ولكنه (كان عذابًا أرسله الله عليهم من حيث شاء) قاله مجاهد فيما وصله الفريابي. (وقال عمرو بن شرحبيل): بفتح العين وسكون الميم وشرحبيل بضم الشين المعجمة وفتح الراء وسكون الحاء المهملة بعدها موحدة مكسورة فتحتية ساكنة فلام الهمداني الكوفي فيما وصله سعيد بن منصور (﴿العرم﴾ المسناة) بضم الميم وفتح السين المهملة وتشديد النون وضبطه في اليونينية بضم الميم والهاء من غير ضبط على السين ولا نقط على الهاء وفي آل ملك المسناة بضم الميم وسكون السين ونقط الهاء وضبط في أصل الأصيلي كما قال في الفتح المسناة بفتح الميم وسكون المهملة (بلحن أهل اليمن) بسكون الحاء في الفرع، وقال في المصابيح بفتحها أي بلغتهم وكانت هذه المسناة تحبس على ثلاثة أبواب بعضها فوق بعض ومن دونها بركة ضخمة فيها اثنا عشر مخرجًا على عدّة أنهارهم يفتحونها إذا احتاجوا إلى الماء وإذا استغنوا سدّوها، فإذا جاء المطر اجتمع إليه ماء أودية اليمن فاحتبس السيل من وراء السد فتأمر بلقيس بالباب الأعلى فيفتح فيجري ماؤه في البركة فكانوا يستقون من الأول ثم من الثاني ثم من الثالث الأسفل فلا ينفد الماء حتى يثوب الماء من السنة المقبلة فكانت تقسمه بينهم على ذلك فبقوا على ذلك بعدها مدة فلما طغوا وكفروا سلّط الله عليهم جرذًا يسمى الخُلْد فثقب السدّ من أسفله فغرّق الماء جنانهم وخرب أرضهم. (وقال غيره): غير ابن شرحبيل (﴿العرم﴾) هو (الوادي) الذي فيه الماء وهذا أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عثمان بن عطاء عن أبيه. (السابغات) في قوله تعالى: ﴿أن اعمل سابغات﴾ [سبأ: ١١] هي (الدروع) الكوامل واسعات طِوالًا تسحب في الأرض. ذكر الصفة ويعلم منها الموصوف. (وقال مجاهد) في قوله تعالى: (﴿وهل يجازى﴾) أي (يعاقب) يقال في العقوبة يجازى وفي المثوبة يجزي. قال الفراء المؤمن يجزى ولا يجازى أي يجزى الثواب بعمله ولا يكافأ بسيئاته كذا نقل. (﴿أعظكم بواحدة﴾) أي (بطاعة الله) قاله مجاهد فيما وصله الفريابي. (﴿مثنى وفرادى﴾) أي (واحد واثنين) فإن الازدحام يشوّش الخاطر والمعروف في تفسير مثله

стр. 5505

التكرير أي واحد واحد واثنين اثنين. (﴿التناوش﴾) هو (الرد من الآخرة إلى الدنيا). قال: تمنى أن يؤوب إلى دناه … وليس إلى تناوشها سبيل (﴿وبين ما يشتهون﴾) أي (من مال أو ولد أو زهرة) في الدنيا أو إيمان أو نجاة به. كما فعل (﴿بأشياعهم﴾) أي (بأمثالهم) من كفرة الأمم الدارجة فلم يقبل منهم الإيمان حين اليأس. (وقال ابن عباس): مما تقدم في أحاديث الأنبياء (كالجواب) بغير تحتية ولأبي ذر كالجوابي بإثباتها أي (كالجوبة من الأرض) بفتح الجيم وسكون الواو أي الموضع المطمئن منها هذا لا يستقيم لأن الجوابي جمع جابية كضاربة وضوارب فعينه موحدة فهو مخالف للجوبة من حيث إن عينه واو فلم يرد أن اشتقاقهما واحد والجابية الحوض العظيم سميت بذلك لأنه يجبى إليها الماء أي يجتمع قيل كان يقعد على الجفنة الواحدة ألف رجل يأكلون منها. (الخمط) هو (الأراك) أي الشجر الذي يستاك بقضبانه (والأثل) هو (الطرفاء) قاله ابن عباس فيما وصله ابن أبي حاتم (العرم) أي (الشديد) من العرامة وهي الشراسة والصعوبة وقد مرّ. ١ - باب قَوْلُهُ: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم﴾) [سبأ: ٢٣] قال في الأنوار هذا غاية لمفهوم الكلام من أن ثمّ توقفًا وانتظارًا للإذن أي يتربصون فزعين حتى إذا كشف الفزع عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بالإذن، وقيل الضمير للملائكة وقد تقدم، ذكرهم ضمنًا واختلف في الموصوفين بهذه الصفة فقيل هم الملائكة عند سماع الوحي. (﴿قالوا ماذا قال ربكم﴾) جواب إذا فزع (﴿قالوا﴾) أي المقرّبون من الملائكة كجبريل قال ربنا القول (﴿الحق وهو العلي الكبير﴾ [سبأ: ٢٣]) إشارة إلى أنه الكامل في ذاته وصفاته. ٤٨٠٠ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ، ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ، فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: لِلَّذِي قَالَ: الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ، فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ، وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ». وَوَصَفَ سُفْيَانُ بِكَفِّهِ فَحَرَّفَهَا وَبَدَّدَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ «فَيَسْمَعُ الْكَلِمَةَ فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، ثُمَّ يُلْقِيهَا الآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوِ الْكَاهِنِ، فَرُبَّمَا أَدْرَكَ

стр. 5506

الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا، وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ، فَيُقَالُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، كَذَا وَكَذَا، فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ». وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير المكي قال: (حدّثنا سفيان) هو ابن عيينة قال: (حدّثنا عمرو) هو ابن دينار (قال: سمعت عكرمة يقول: سمعت أبا هريرة) ﵁ (يقول: إن نبي الله ﷺ قال): (إذا قضى الله الأمر في السماء) وفي حديث النواس بن سمعان عند الطبراني مرفوعًا إذا تكلم الله بالوحي (ضربت الملائكة بأجنحتها) حال كونها (خضعانًا) بضم الخاء المعجمة أي خاضعين طائعين وهذا مقام رفيع في العظمة (لقوله) تعالى: (كأنه) أي القول المسموع (سلسلة على صفوان) حجر أملس فيفزعون ويرون أنه من أمر الساعة (فإذا فزع عن قلوبهم قالوا) أي الملائكة بعضهم لبعض (﴿ماذا قال ربكم قالوا﴾) للذي قال يسأل قال الله القول (﴿الحق وهو العلي الكبير﴾ فيسمعها) أي المقالة (مسترق السمع ومسترق السمع) بالإفراد فيهما. واستشكله الزركشي وصوب الجمع في الموضعين، وأجاب في المصابيح بأنه يمكن جعله لمفرد لفظًا دالّ على الجماعة معنى أي فيسمعها فريق مسترق السمع وفريق سترق السمع مبتدأ خبره قوله (هكذا بعضه فوق بعض ووصف) ولابن عساكر وصف بإسقاط الواو ولأبي ذر صفة بهاء الضمير (سفيان) بن عيينة (بكفه فحرفها) بحاء مهملة وراء مشددة ثم فاء (وبدد) أي فرق (بين أصابعه فيسمع) المسترق (الكلمة) من الوحي (فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها) في الفرع يلقيها بجزمة فوق الياء وفي غيره بنصبة (على لسان الساحر أو الكاهن). وعند سعد بن منصور عن سفيان على الساحر والكاهن (فربما أدرك الشهاب) أي المسترق (قبل أن يلقيها) أي المقالة إلى صاحبه (وربما ألقاها قبل أن يدركها) أي الشهاب (فيكذب) الذي تلقاها (معها) مع تلك المقالة (مائة كذبة) بفتح الكاف وسكون الذال المعجمة (فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا فيصدق) بفتح الصاد والدال (بتلك الكلمة التي سمعت من السماء) وسقطت التاء من سمعت لغير أبي ذر والأصيلي وابن عساكر والأولى إثباتها. وسبق الحديث في سورة الحجر، ويأتي إن شاء الله تعالى بقية مباحثه في محله بعون الله وقوّته. ٢ - باب ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ هذا (باب) بالتنوين أي في قوله تعالى: (﴿إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد﴾ [سبأ: ٤٦]) يوم القيامة. ٤٨٠١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ عَمْرِو بْنِ

стр. 5507

مُرَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ الصَّفَا ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: «يَا صَبَاحَاهْ»، فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ قَالُوا: مَا لَكَ؟ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ الْعَدُوَّ يُصَبِّحُكُمْ أَوْ يُمَسِّيكُمْ أَمَا كُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي»؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: «فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ». فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ تَبًّا لَكَ أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١]. وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا محمد بن خازم) بالخاء والزاي المكسورة المعجمتين أبو معاوية الضرير قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان (عن عروة بن مرّة) بضم الميم وتشديد الراء (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: صعد النبي ﷺ الصفا ذات يوم فقال): (يا صباحاه) بسكون الهاء في الفرع مصححًا عليه وفي غيره بضمها. قال أبو السعادات: هذه كلمة يقولها المستغيث وأصلها إذا صاحوا للغارة لأنهم أكثر ما كانوا يُغيرون عند الصباح ويسمون يوم الغارة يوم الصباح فكان القائل يا صباحاه يقول قد غشينا العدوّ، وقيل إن المتقاتلين كانوا إذا جاء الليل يرجعون عن القتال فإذا عاد النهار عاودوه فكأنه يريد بقوله يا صباحاه قد جاء وقت الصباح فتأهبوا للقتال (فاجتمعت إليه قريش. قالوا) ولأبي ذر فقالوا (ما لك؟ قال) ولأبي ذر فقال: (أرأيتم) أي أخبروني (لو أخبرتكم أن العدوّ يصبحكم أو يمسيكم أما) بالتخفيف (كنتم تصدقوني) ولأبي ذر تصدقونني بنونين (قالوا: بلى) نصدقك (قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد) أي قدامه (فقال أبو لهب: تبًّا لك ألهذا جمعتنا فأنزل الله) تعالى (﴿تبت﴾) أي خسرت أو هلكت (﴿يد أبي لهب﴾). وهذا الحديث سبق بالشعراء. [٣٥] سورة الْمَلَائِكَةُ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قَالَ مُجَاهِدٌ: الْقِطْمِيرُ لِفَافَةُ النَّوَاةِ. مُثْقَلَةٌ: مُثَقَّلَةٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْحَرُورُ بِالنَّهَارِ مَعَ الشَّمْسِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْحَرُورُ بِاللَّيْلِ وَالسَّمُومُ بِالنَّهَارِ. وَغَرَابِيبُ سُودٌ أَشَدُّ سَوَادٍ الْغِرْبِيبُ. ([٣٥] سورة الْمَلَائِكَةُ) مكية وآيها خمس وأربعون، ولأبي ذر سورة الملائكة ويس. (بسم الله الرحمن الرحيم) وسقطت البسملة لغير أبي ذر. (قال مجاهد) فيما وصله الفريابي (القطمير) هو (لفافة النواة) وهو مثل في القلة كقوله: وأبوك يخصف نعله متورّكًا … ما يملك المسكين من قطمير

стр. 5508

وقيل: هو القمع، وقيل: ما بين القمع والنواة وسقط لأبي ذر قال مجاهد. (مثقلة) بالتخفيف أي (مثقلة) بالتشديد أي وإن تدع نفس مثقلة بالذنوب نفسًا إلى حملها فحذف المفعول به للعلم به. (وقال غيره) غير مجاهد في قوله: ﴿وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور﴾ [فاطر: ١٩ - ٢١] (الحرور بالنهار مع الشمس) عند شدة حرّها. (وقال ابن عباس) في تفسير الحرور (الحرور بالليل والسموم) بفتح المهملة (بالنهار) ونقله ابن عطية عن رؤبة وقال: ليس بصحيح بل الصحيح ما قاله الفرّاء وذكره في الكشاف الحرور السموم إلا أن السموم بالنهار والحرور فيه وفي الليل. قال في الدر: وهذا عجيب منه كيف يرد على أصحاب اللسان يقول من يأخذ عنهم، وسقط لأبي ذر من قوله مثقلة إلى آخره والسموم بالنهار. ﴿وغرابيب سود﴾ [فاطر: ٢٧] (أشد سوادًا الغربيب) بكسر الغين المعجمة عطف على حمر عطف ذي لون على ذي لون أو عطف على بيض أو على جدد ولم يقل بعد غرابيب سود مختلف ألوانها كما قال ذلك بعد بيض وحمر، لأن الغربيب البالغ في السواد فصار لونًا واحدًا غير متفاوت بخلاف السابق، ولغير أبي ذر الشديد السواد، فغرابيب جمع غربيب وغربيب هو الشديد السواد المتناهي فيه فهو تابع للأسود كقان وناصع ويقق، ومن ثم قال بعضهم: إنه على التقديم والتأخير. يقال: أسود غربيب والبصريون يخرجون هذا وأمثاله على أن الثاني بدل من الأول. قال الجوهري: وتقول هذا أسود غربيب أي شديد السواد وإذا قلت غرابيب سود تجعل السود بدلًا من غرابيب لأن توكيد الألوان لا يتقدم، وما ذكره المؤلّف من هذا التفسير أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة، ولأبي ذر: هنا. وقال مجاهد: يا حسرة على العباد وكان حسرة عليهم استهزاؤهم بالرسل من مثله من الأنعام فكِهون معجبون سورة يس بسم الله الرحمن الرحيم وقال ابن عباس طائركم عند الله مصائبكم ينسلون يخرجون باب بالتنوين ﴿والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم﴾ [يس: ٣٨] فعززنا فشددنا كذا ثبت في الفرع وأصله هنا وسيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى. [٣٦] سورة يس وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿فَعَزَّزْنَا﴾: شَدَّدْنَا. ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾: وَكَانَ حَسْرَةً عَلَيْهِمُ اسْتِهْزَاؤُهُمْ بِالرُّسُلِ. ﴿أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾: لَا يَسْتُرُ ضَوْءُ أَحَدِهِمَا ضَوْءَ الآخَرِ وَلَا يَنْبَغِي لَهُمَا ذَلِكَ. ﴿سَابِقُ النَّهَارِ﴾: يَتَطَالَبَانِ حَثِيثَيْنِ. ﴿نَسْلَخُ﴾: نُخْرِجُ أَحَدَهُمَا مِنَ الآخَرِ وَيَجْرِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾: مِنَ الأَنْعَامِ. ﴿فَكِهُونَ﴾: مُعْجَبُونَ. ﴿جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾: عِنْدَ الْحِسَابِ. وَيُذْكَرُ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿الْمَشْحُونِ﴾: الْمُوقَرُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. ﴿طَائِرُكُمْ﴾: مَصَائِبُكُمْ. ﴿يَنْسِلُونَ﴾: يَخْرُجُونَ.

стр. 5509

﴿مَرْقَدِنَا﴾: مَخْرَجِنَا. ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾: حَفِظْنَاهُ. ﴿مَكَانَتُهُمْ﴾ وَمَكَانُهُمْ: وَاحِدٌ. ([٣٦] سورة يس) مكية وآيها ثلاث وثمانون: (وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي (﴿فعززنا﴾) أي (شددنا) بتشديد الدال الأولى وتسكين الثانية والمفعول محذوف أي فشددناهما بثالث. (﴿يا حسرة على العباد﴾) [يس: ٣٠] و (كان حسرة عليهم) أي في الآخرة (استهزاؤهم بالرسل) أي في الدنيا واستهزاؤهم رفع اسم كان وحسرة خبرها، وهذا أخرجه الفريابي عن مجاهد أيضًا والمعنى هم أحقّاء بأن يتحسر عليهم المتحسّرون أو يتلهف عليهم المتلهفون أو متحسّر عليهم من جهة الملائكة والمؤمنين وأن يكون من قول الله تعالى على سبيل الاستعارة تعظيمًا للأمر وتهويلًا له فيكون كالوارد في حق الله تعالى من الضحك والسخرية ونصب يا حسرة على المصدر والمنادى محذوف أي يا هؤلاء تحسروا حسرة. (﴿أن تدرك القمر﴾) في قوله: ﴿لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر﴾ [يس: ٤٠] أي (لا يستر ضوء أحدهما ضوء الآخر ولا ينبغي لهما ذلك) أي أن يستر أحدهما الآخر لأن لكلٍّ منهما حدًّا لا يعدوه ولا يقصر دونه إلا عند قيام الساعة وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الحسن في قوله لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر قال ذلك ليلة الهلال. (﴿سابق النهار﴾) في قوله: ﴿ولا الليل سابق النهار﴾ [يس: ٤٠] أي (يتطالبان) حال كونهما (حثيثين) فلا فترة بينهما بل كل منهما يعقب الآخر بلا مهلة ولا تراخٍ لأنهما مسخّران يتطالبان طلبًا حثيثًا فلا يجتمعان إلا في وقت قيام الساعة. (﴿نسلخ﴾) أي (نخرج أحدهما من الآخر) قال في اللباب: نسلخ استعارة بديعة شبه انكشاف ظلمة الليل بكشط الجلد من الشاة (ويجري كل واحد منهما) لمستقر إلى أبعد مغربه فلا يتجاوزه ثم يرجع أو المراد بالمستقر يوم القيامة فالجريان في الدنيا غير منقطع. (﴿من مثلها﴾) في قوله تعالى: ﴿وخلقنا لهم من مثله ما يركبون﴾ [يس: ٤٢] أي (من الأنعام) كالإبل فإنها سفائن البر وهذا قول مجاهد وقال ابن عباس السفن وهو أشبه بقوله وإن نشأ نغرقهم لأن الغرق في الماء. (﴿فكهون﴾) في قوله تعالى: ﴿إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون﴾ [يس: ٥٥] بغير ألف بعد الفاء وبها قرأ أبو جعفر أي (معجبون) بفتح الجيم وفي رواية غير أبي ذر فاكهون بالألف وهي قراءة الباقين وبينهما فرق بالمبالغة وعدمها. (﴿جند محضرون﴾) [يس: ٧٥] أي (عند الحساب) قال ابن كثير: يريد أن هذه الأصنام

стр. 5510

محشورة مجموعة يوم القيامة محضرة عند حساب عابديها ليكون ذلك أبلغ في خزيهم وأدل في إقامة الحجة عليهم. (ويذكر) بضم أوّله مبنيًّا للمفعول (عن عكرمة) مولى ابن عباس في قوله تعالى: ﴿في الفلك (المشحون﴾) [يس: ٤١] هو (الموقر) بضم الميم وسكون الواو وبعد القاف المفتوحة راء (وقال ابن عباس) في قوله: (﴿طائركم﴾) أي (مصائبكم) وعنه فيما وصله الطبري أعمالكم أي حظكم من الخير والشر. (﴿ينسلون﴾) [يس: ٥١] أي (يخرجون) قاله ابن عباس فيما وصله ابن أبي حاتم. (﴿مرقدنا﴾) أي (مخرجنا) وقال ابن كثير: يعنون قبورهم التي كانوا في الدنيا يعتقدون أنهم لا يبعثون منها فلما عاينوا ما كذبوه في محشرهم ﴿قالوا يا ويلنا مَن بعثنا من مرقدنا﴾ [يس: ٥٢] اهـ. وقال ابن عباس وقتادة إنما يقولون هذا لأن الله يرفع عنهم العذاب بين النفختين فيرقدون فإذا بعثوا بعد النفخة الأخيرة وعاينوا القيامة دعوا بالويل. (﴿أحصيناه﴾) في قوله: ﴿وكل شيء أحصيناه في إمام مبين﴾ [يس: ١٢] أي (حفظناه) في اللوح المحفوظ. (﴿مكانتهم﴾ ومكانهم واحد) في المعنى ومراده قوله تعالى: ﴿ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم﴾ [يس: ٦٧] والمعنى لو نشاء جعلناهم قردة وخنازير في منازلهم أو حجارة وهم قعود في منازلهم لا أرواح لهم وسقط لأبي ذر من قوله أن تدرك القمر إلى آخر قوله واحد. ١ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ هذا (باب) بالتنوين (قوله: ﴿والشمس تجري لمستقر لها﴾) الواو للعطف على الليل واللام في لمستقر بمعنى إلى والمراد بالمستقر إما الزماني وهو منتهى سيرها وسكون حركتها يوم القيامة حين تكور وينتهي هذا العالم إلى غايته، وإما المكاني وهو ما تحت العرش مما يلي الأرض من ذلك الجانب وهي أينما كانت فهي تحت العرش كجميع المخلوقات لأنه سقفها وليس بكرة كما يزعمه كثير من أهل الهيئة بل هو قبة ذات قوائم تحمله الملائكة، أو المراد غاية ارتفاعها في كبد السماء فإن حركتها إذ ذاك يوجد فيها إبطاء بحيث يظن أن لها هناك وقفة والثاني أنسب بالحديث المسوف في الباب (﴿ذلك﴾) إشارة إلى جري الشمس على هذا التقدير أو إلى المستقر (﴿تقدير العزيز﴾) الغالب بقدرته على كل مقدور (﴿العليم﴾) [يس: ٣٨] المحيط علمه بكل معلوم وسقط باب لغير أبي ذر والآية لأبي ذر ساقطة.

стр. 5511

٤٨٠٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَقَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ أَتَدْرِي أَيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾» [يس: ٣٨]. وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان (عن إبراهيم) بن يزيد (التيمي) الكوفي (عن أبيه) يزيد (عن أبي ذر) جندب الغفاري (﵁) أنه (قال: كنت مع النبي ﷺ في المسجد عند غروب الشمس فقال): (يا أبا ذر أتدري أين تغرب الشمس)؟ استفهام أُريد به الإعلام (قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش) أي تنقاد للباري تعالى انقياد المساجد من المكلفين أو شبّهها بالساجد عند غروبها. قال ابن كثير: والعرش فوق العالم مما يلي رؤوس الناس، فالشمس إذا كانت في قبة الفلك وقت الظهيرة تكون أقرب إلى العرش، فإذا استدارت في فلكها الرابع إلى مقابلة هذا المقام وهو وقت نصف الليل صارت أبعد ما يكون من العرش فحينئذٍ تسجد وتستأذن في الطلوع أي من المشرق على عادتها فيؤذن لها (فذلك قوله تعالى: ﴿والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم﴾). ٤٨٠٣ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ قَالَ: «مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ». وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير قال: (حدّثنا وكيع) بفتح الواو وكسر الكاف ابن الجراح قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران (عن إبراهيم التيمي عن أبيه) يزيد بن شريك (عن أبي ذر) الغفاري ﵁ أنه (قال: سألت النبي ﷺ عن قوله تعالى: ﴿والشمس تجري لمستقر لها﴾ قال) ﵊: (مستقرها تحت العرش). قال الخطابي: يحتمل أن يكون على ظاهره من الاستقرار تحت العرش بحيث لا نحيط به نحن ويحتمل أن يكون المعنى إن علم ما سألت عنه من مستقرها تحت العرش في كتاب كتبت فيه مبادئ أمور العالم ونهايتها وهو اللوح المحفوظ. والحديث أخرجه المؤلّف في مواضع، والنسائي عن إسحاق بن إبراهيم عن أبي نعيم شيخ المؤلّف فيه ولفظه تذهب حتى تنتهي تحت العرش عند ربها، وزاد ثم تستأذن فيؤذن له ويوشك أن تستأذن فلا يؤذن لها وتستشفع وتطلب فإذا كان كذلك قيل لها اطلعي من مكانك فذلك قوله تعالى: ﴿والشمس تجري لمستقر لها﴾.

стр. 5512

[٣٧] سورة الصَّافَّاتِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ. ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾: مِنْ كُلِّ مَكَانٍ. ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾: يُرْمَوْنَ. ﴿وَاصِبٌ﴾: دَائِمٌ. ﴿لَازِبٌ﴾: لَازِمٌ. ﴿تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾: يَعْنِي الْحَقَّ. الْكُفَّارُ تَقُولُهُ لِلشَّيْطَانِ. ﴿غَوْلٌ﴾: وَجَعُ بَطْنٍ. ﴿يُنْزَفُونَ﴾: لَا تَذْهَبُ عُقُولُهُمْ. ﴿قَرِينٌ﴾: شَيْطَانٌ. ﴿يُهْرَعُونَ﴾: كَهَيْئَةِ الْهَرْوَلَةِ. ﴿يَزِفُّونَ﴾: النَّسَلَانُ فِي الْمَشْيِ. ﴿وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾: قَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ، وَأُمَّهَاتُهُمْ بَنَاتُ سَرَوَاتِ الْجِنِّ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾: سَتُحْضَرُ لِلْحِسَابِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾: الْمَلَائِكَةُ. ﴿صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾: سَوَاءِ الْجَحِيمِ، وَوَسَطِ الْجَحِيمِ. ﴿لَشَوْبًا﴾: يُخْلَطُ طَعَامُهُمْ وَيُسَاطُ بِالْحَمِيمِ. ﴿مَدْحُورًا﴾: مَطْرُودًا. ﴿بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ اللُّؤْلُؤُ الْمَكْنُونُ. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ﴾: يُذْكَرُ بِخَيْرٍ. ﴿وَيُقَالُ يَسْتَسْخِرُونَ﴾: يَسْخَرُونَ. ﴿بَعْلًا﴾: رَبًّا. ﴿الأَسْبَابُ﴾: السَّمَاءُ. ([٣٧] سورة الصَّافَّاتِ) مكية وآيها إحدى أو اثنتان وثمانون، ولأبي ذر: سورة والصافات بسم الله الرحمن الرحيم وسقطت البسملة لغير أبي ذر. (وقال مجاهد) في قوله تعالى بسورة سبأ: (﴿ويقذفون﴾) بفتح أوله وكسر ثالثه (﴿بالغيب من مكان بعيد﴾) [سبأ: ٥٣] أي (من كل مكان)، وعند ابن أبي حاتم عنه من مكان بعيد يقولون هو ساحر هو كاهن هو شاعر، وقال مجاهد أيضًا في قوله: (﴿ويقذفون من كل جانب﴾) [الصافات: ٨] بالصافات أي (يرمون) وفي نسخة من كل جانب دحورًا يرمون أي يرمون من كل جانب من جوانب السماء إذا قصدوا صعوده ودحروا علة الطرد أي للدحور فنصبه على أنه مفعول له. ولهم عذاب (﴿واصب﴾) [الصافات: ٩] أي (دائم) وقيل شديد. (﴿لازب﴾) في قوله: ﴿إنّا خلقناهم من طين لازب﴾ [الصافات: ١١] معناه (لازم) بالميم بدل الموحدة ومنه قول النابغة: ولا تحسبون الشر ضربة لازب بالموحدة أي لازم بالميم فهما بمعنى لأنه يلزم اليد أي يلصق بها وقيل بالموحدة اللزج وأكثر أهل اللغة على أن الباء في لازب بدل من الميم وهذا كله ساقط في رواية أبي ذر (تأتوننا عن اليمين يعني الحق) أي الصراط الحق فمن أتاه الشيطان من قبل اليمين أتاه من قبل الدين فلبس عليه الحق، ولأبي ذر عن الكشميهني يعني الجن بالجيم والنون المشدّدة والمراد به بيان المقول لهم

стр. 5513

وهم الشياطين وبالأول تفسير لفظ اليمين واليمين هنا استعارة عن الخيرات والسعادات لأن الجانب الأيمن أفضل من الأيسر إجماعًا، وعن اليمين حال من فاعل تأتوننا، والمراد بها الجارحة عبّر بها عن القوّة وإما الحلف لأن المتعاقدين بالحلف يمسح كلٌّ منهما يمين الآخر فالتقدير على الأول تأتوننا أقوياء وعلى الثاني مقسمين حالفين (الكفار تقوله للشيطان) وفي نسخة للشياطين بالجمع وقد كانوا يحلفون لهم أنهم على الحق. (﴿غول﴾) أي (وجع البطن) وبه قال قتادة، وقال الليث: صداع ﴿ولا هم عنها﴾ (﴿ينزفون﴾) [الصافات: ٤٧] أي (لا تذهب عقولهم) وينزفون بضم أوّله وفتح الزاي من نزف الرجل ثلاثيًّا مبنيًّا للمفعول بمعنى سكر وذهب عقله وقرأ حمزة والكسائي بكسر الزاي من أنزف الرجل إذا ذهب عقله من السكر. (﴿قرين﴾) [الصافات: ٥١] أي (شيطان) أي في الدنيا ينكر البعث ويوبخني على التصديق بالبعث والقيامة وسقط لأبي ذر من قوله (غول) إلى هنا. (﴿يهرعون﴾) في قوله: ﴿فهم على آثارهم يهرعون﴾ [الصافات: ٧٠] (كهيئة الهرولة) والمعنى أنهم يتبعون آباءهم اتباعًا في سرعة كأنهم مزجون على الإسراع على أثرهم فكأنهم بادروا إلى ذلك من غير توقف على نظر وبحث. (﴿يزفون﴾) في قوله: ﴿فأقبلوا إليه يزفون﴾ [الصافات: ٩٤] هو (النسلان) بفتحتين الإسراع (في المشي) مع تقارب الخطا وهو دون السعي. (﴿وبين الجنة نسبًا﴾) في قوله تعالى: ﴿وجعلوا بينه وبين الجنة نسبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] (قال كفار قريش: الملائكة بنات الله) فقال أبو بكر الصديق فمن أمهاتهم؟ فقالوا: (وأمهاتهم بنات سروات الجن) بفتح السين والراء أي بنات خوّاصهم، وعن ابن عباس هم حيّ من الملائكة يقال لهم الجن منهم إبليس، وقيل هم خزان الجنة. قال الإمام فخر الدين: وهذا القول عندي مشكل لأن الله تعالى أبطل قولهم إن الملائكة بنات الله ثم عطف عليه قوله: وجعلوا بينه وبين الجنة نسبًا والعطف يقتضي كون المعطوف مغايرًا للمعطوف عليه فوجب أن يكون المراد من الآية غير ما ذكر، وأما قول مجاهد الملائكة بنات الله الخ فبعيد لأن المصاهرة لا تسمى نسبًا. وحكى ابن جرير الطبري عن العوفي عن ابن عباس قال: زعم أعداء الله أن الله تعالى هو وإبليس أخوان. ذكره ابن كثير، وزاد الإمام فخر الدين: فالله هو الحر الكريم وإبليس هو الأخ الشريد ونسبه لقول بعض الزنادقة وقال: إنه أقرب الأقاويل في هذه الآية. (وقال الله تعالى: ﴿ولقد علمت الجنة أنهم لمحضرون﴾) [الصافات: ١٥٨] أي (ستحضرون) أيها القائلون هذا القول (للحساب) بضم المثناة الفوقية وفتح الضاد المعجمة وسقط

стр. 5514

من قوله (يزفون) إلى قوله (للحساب) لأبي ذر. (وقال ابن عباس) فيما وصله ابن جرير في قوله: (﴿لنحن الصافون﴾) [الصافات: ١٦٥] (الملائكة) والمفعول محذوف أي الصافون أجنحتنا أو أقدامنا، ويحتمل أن لا يراد المفعول أي نحن من أهل هذا الفعل فعلى الأوّل يفيد الحصر أي أنهم الصافون في مواقف العبودية لا غيرهم وقال الكلبي صفوف الملائكة كصفوف الناس في الأرض. (﴿صراط الجحيم﴾) في قوله تعالى: ﴿فاهدوهم إلى صراط الجحيم﴾ [الصافات: ٢٣] أي (سواء الجحيم ووسط الجحيم) بسكون السين وفي اليونينية بفتحها. (﴿لشوبا﴾) أي (يخلط طعامهم ويساط) أي يخل (بالحميم) الماء الحار التشديد فإذا شربوه قطع أمعاءهم. (﴿مدحورًا﴾) بسورة الأعراف أي (مطرودًا) لأن الدحر هو الطرد وسقط من قوله صراط إلى هنا لأبي ذر. (بيض مكنون) قال ابن عباس فيما وصله ابن أبي حاتم (اللؤلؤ المكنون) أي المصون. قال الشماخ: ولو أني أشاء كننت نفسي … إلى بياض بهكنة شموع والشموع: اللعوب والبهكنة الممتلئة. وقال غير ابن عباس: المراد بيض النعام وهو بياض مشوب ببعض صفرة وهو أحسن ألوان الأبدان. وقال ذو الرمة: بياض في ترح صفراء في غنج … كأنها فضة قد مسها ذهب (﴿وتركنا عليه في الآخرين﴾) [الصافات: ٧٨] أي (يذكر بخير) وثناء حسن فيمن بعده من الأنبياء والأمم إلى يوم الدين وسقط لأبي ذر من قوله وتركنا عليه الخ. (﴿ويقال يستسخرون﴾) أي (يسخرون) ومراده قوله تعالى: ﴿وإذا رأوا آية يستسخرون﴾ [الصافات: ١٤] قال ابن عباس: آية يعني انشقاق القمر، وقيل: يستدعي بعضهم من السخرية وسقط ويقال لغير أبي ذر. (﴿بعلًا﴾) في قوله: ﴿أتدعون بعلًا﴾ [الصافات: ١٢٥] أي (ربًّا) بلغة اليمن سمع ابن عباس رجلًا ينشد ضالة فقال آخر أنا بعلها فقال الله أكبر وتلا الآية. (﴿الأسباب﴾) هي (السماء) قاله ابن عباس فيما وصله الطبري وثبت هنا الأسباب السماء لأبي ذر عن الكشميهني.

стр. 5515

١ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ هذا (باب) بالتنوين (قوله) تعالى: (﴿وإن يونس لمن المرسلين﴾) [الصافات: ١٣٩] وسقط باب لغير أبي ذر. ٤٨٠٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَكُونَ خَيْرًا مِنِ ابْنِ مَتَّى». وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) بن جميل بفتح الجيم الثقفي قال: (حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد الضبي (عن الأعمش) سليمان (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن عبد الله) هو ابن مسعود (﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬): (ما ينبغي لأحد أن يكون خيرًا من ابن متى) أي في نفس النبوّة إذ لا تفاضل فيها. نعم بعض النبيين أفضل من بعض كما هو مقرر، ولأبي ذر: من يونس بن متى أي ليس لأحد أن يفضل نفسه عليه أو ليس لأحد أن يفضلني عليه، وفي سورة النساء ما ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى قاله تواضعًا ولا يعارضه تحدّثه بنعمة الله عليه حيث قال: أنا سيد ولد آدم. ٤٨٠٥ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى فَقَدْ كَذَبَ». وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (إبراهيم بن المنذر) القرشي الحزامي قال: (حدّثنا محمد بن فليح) بضم الفاء مصغرًا ابن سليمان الأسلمي المدني قال: (حدّثني) بالإفراد (أبي) فليح (عن هلال بن عليّ) العامري (من بني عامر بن لؤي) بضم اللام وفتح الهمزة وتشديد التحتية المدني (عن عطاء بن يسار) بالتحتية والمهملة المخففة (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (مَن قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب) قاله زجرًا وسدًّا للذريعة من توهّم حطّ مرتبة يونس لما في قوله تعالى: ﴿ولا تكن كصاحب الحوت﴾ [القلم: ٤٨] ونفس النبوة لا تفاضل فيها إذ كلهم فيها على حدٍّ سواء كما مرّ. وسبق هذا الحديث مرات. [٣٨] سورة ص (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).

стр. 5516

([٣٨] سورة صَ) مكية وآيها ست أو ثمان وثمانون، ولأبي ذر سورة ص (بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذر. ٤٨٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْعَوَّامِ قَالَ: سَأَلْتُ مُجَاهِدًا عَنِ السَّجْدَةِ فِي ص قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَسْجُدُ فِيهَا. وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشددة هو بندار العبدي البصري قال: (حدّثنا غندر) محمد بن جعفر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن العوّام) بفتح العين والواو المشددة ابن حوشب بن يزيد الشيباني الواسطي أنه (قال: سأل مجاهدًا عن السجدة في ص. قال: سئل ابن عباس) أي عنها (فقال: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ [الأنعام: ٩٠]) في سورة الأنعام فقال نبيكم ﷺ ممن أمر أن يقتدي بهم أي وقد سجدها داود فسجدها رسول الله ﷺ اقتداء به (وكان ابن عباس يسجد فيها). ٤٨٠٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ عَنِ الْعَوَّامِ قَالَ: سَأَلْتُ مُجَاهِدًا عَنْ سَجْدَةِ ص فَقَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ مِنْ أَيْنَ سَجَدْتَ؟ فَقَالَ: أَوَمَا تَقْرَأُ ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٩٠] فَكَانَ دَاوُدُ مِمَّنْ أُمِرَ نَبِيُّكُمْ ﷺ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ، فَسَجَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . عُجَابٌ عَجِيبٌ. الْقِطُّ: الصَّحِيفَةُ هُوَ هَا هُنَا صَحِيفَةُ الْحَسَنَاتِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي عِزَّةٍ مُعَازِّينَ: ﴿الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾: مِلَّةُ قُرَيْشٍ. الاِخْتِلَاقُ: الْكَذِبُ. ﴿الأَسْبَابُ﴾: طُرُقُ السَّمَاءِ فِي أَبْوَابِهَا. ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ﴾: يَعْنِي قُرَيْشًا. ﴿أُولَئِكَ الأَحْزَابُ﴾: الْقُرُونُ الْمَاضِيَةُ. ﴿فَوَاقٍ﴾: رُجُوعٍ. قِطَّنَا عَذَابَنَا. ﴿اتَّخَذْنَاهُمْ سُخْرِيًّا﴾: أَحَطْنَا بِهِمْ. ﴿أَتْرَابٌ﴾: أَمْثَالٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿الأَيْدُ﴾: الْقُوَّةُ فِي الْعِبَادَةِ. الأَبْصَارُ: الْبَصَرُ فِي أَمْرِ اللَّهِ. ﴿حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾: مِنْ ذِكْرٍ. طَفِقَ ﴿مَسْحًا﴾: يَمْسَحُ أَعْرَافَ الْخَيْلِ وَعَرَاقِيبَهَا. الأَصْفَادِ: الْوَثَاقِ. وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (محمد بن عبد الله) هو الذهلي كما قاله الكلاباذي وابن طاهر ونسبه إلى جده لأن اسم أبيه يحيى أو محمد بن عبد الله بن المبارك المخرّمي قال: (حدّثنا محمد بن عبيد الطنافسي) بفتح الطاء وكسر الفاء (عن العوام) بن حوشب أنه (قال: سألت مجاهدًا عن سجدة ص) ولأبي ذر عن سجدة في ص (فقال: سألت ابن عباس من أين سجدت) أي من أيّ دليل (فقال أو ما تقرأ ﴿ومن ذريته داود وسليمان أُولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٩٠] فكان داود ممن أمر نبيكم ﷺ أن يقتدي به) زاد أبو ذر فسجدها داود ﵇

стр. 5517

(فسجدها رسول الله ﷺ ¬) وهي سجدة شكر عند الشافعية لحديث النسائي سجدها داود توبة ونسجدها شكرًا أي على قبول توبته فتسنّ عند تلاوتها في غير صلاة ولا تدخل فيها. (عُجاب) أي (عجيب) وذلك أن التفرّد بالألوهية خلاف ما عليه آباؤهم مطلقًا وتصوّروه من أن الإله الواحد لا يسع الخلق كلهم. (القط) في قوله تعالى: ﴿وقالوا ربنا عجل لنا قطنا﴾ [ص: ١٦] هو (الصحيفة) مطلقًا لأنها قطعة من القرطاس من قطه إذا قطعه لكنه (هو ها هنا صحيفة الحسنات) قال سعيد بن جبير: يعنون حظنا ونصيبنا من الجنة التي تقول، ولأبي ذر عن الكشميهني صحيفة الحساب بالموحدة آخره بدل الفوقية وإسقاط النون وكسر المهملة أي عجل لنا كتابنا في الدنيا قبل يوم الحساب قالوه على سبيل الاستهزاء لعنهم الله وعند عبد بن حميد من طريق عطاء أن قائل ذلك هو النضر بن الحارث وفيه تفسير آخر يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى. (وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عنه (في عزة) أي (معازين) بضم الميم وبعد العين ألف فزاي مشددة وقال غيره في استكبار عن الحق أي ما كفر من كفر به لخلل وجده فيه بل كفروا به استكبارًا وحمية جاهلية. (﴿الملة الآخرة﴾) في قوله: ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة [ص: ٧] هي (ملة قريش) التي كانت عليها آباؤهم أو دين النصرانية وفي الملة متعلق بسمعنا أي لم يسمع في الملة الآخرة بهذا الذي جئت به أو بمحذوف على أنه حال من هذا أي ما معنا بهذا كائنًا في الملة الآخرة أي لم نسمع من الكهان ولا من أهل الكتب أنه يحدث توحيد الله في الملة الآخرة وهذا من فرط كذبهم. (الاختلاق) في قوله: ﴿إن هذا إلا اختلاق﴾ [ص: ٧] هو (الكذب) المختلق. (﴿الأسباب﴾) في قوله تعالى: ﴿فليرتقوا في الأسباب﴾ [ص: ١٠] هي (طرق السماء في أبوابها) قاله مجاهد وكل ما يوصلك إلى شيء من باب أو طريق فهو سببه وهذا أمر توبيخ وتعجيز أي إن ادّعوا أن عندهم خزائن رحمة ربك أو لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى السماء فليأتوا منها بالوحي إلى مَن يختارون وهذا في غاية التهكّم بهم. (﴿جند﴾) ولأبي ذر قوله: جند (﴿ما هنالك مهزوم﴾) [ص: ١١] قال مجاهد أيضًا فيما وصله الفريابي (يعني قريشًا) وهنالك مشار به إلى موضع التقاول والمحاورة بالكلمات السابقة وهو مكة أي سيهزمون بمكة وهو إخبار بالغيب وصحح الإمام فخر الدين كون ذلك في فتح مكة قال لأن المعنى أنهم جند سيصيرون منهزمين في الموضع الذي ذكروا فيه هذه الكلمات اهـ وهذا معارض بما أخرجه الطبري من طريق سعيد بن قتادة قال وعده الله وهو بمكة أنه سيهزم

стр. 5518

جند المشركين فجاء تأويلها ببدر وهنالك إشارة إلى بدر ومصارعهم وسقط من قوله جند إلى آخر قوله قريشًا لأبي ذر. (أولئك الأحزاب) أي (القرون الماضية) قالَه مجاهد أيضًا أي كانوا أكثر منكم وأشد قوّة وأكثر أموالًا وأولادًا فما دفع ذلك عنهم من عذاب الله من شيء لما جاء أمرُ الله. (﴿فواق﴾) بالرفع لأبي ذر أي (رجوع) هو من أفاق المريض إذا رجع إلى صحته وإفاقة الناقة ساعة يرجع اللبن إلى ضرعها يريد قوله تعالى: ﴿وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق﴾ [ص: ١٥] ولغير أبي ذر فواق رجوع بجرهما وقرأ حمزة والكسائي فواق بضم الفاء وهما لغتان بمعنى واحد وهما الزمان الذي بين حلبتي الحالب. (قطنا) أي (عذابنا) قاله مجاهد وغيره (﴿اتخذناهم سخريًّا﴾) [ص: ٦٣] بضم السين وهي قراءة نافع والكسائي أي (أحطنا بهم) من الإحاطة وقال الدمياطي في حواشيه لعله أخطأناهم وحذف مع ذلك القول الذي هذا تفسيره وهو أم زاغت عنهم الأبصار. اهـ. وعند ابن أبي حاتم من طريق مجاهد أخطأناهم أم هم في النار لا يعلم مكانهم، وقال ابن عطية: المعنى ليسوا معنا أم هم معنا لكن أبصارنا تميل عنهم، وقال ابن كيسان أم كانوا خيرًا منّا ونحن لا نعلم فكأن أبصارنا تزيغ عنهم في الدنيا فلا نعدّهم شيئًا. (﴿أتراب﴾) في قوله تعالى: ﴿وعندهم قاصرات الطرف أتراب﴾ [ص: ٥٢] أي (أمثال) على سن واحد قيل بنات ثلاث وثلاثين سنة واحدها ترب وقيل متواخيات لا يتباغضن ولا يتغايرن. (وقال ابن عباس) فيما وصله الطبري (﴿الأيد﴾) بالرفع في قوله تعالى: ﴿واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أُولي الأيد والأبصار﴾ [ص: ٤٥] هو (القوة في العبادة) والعامة على ثبوت الياء في الأيدي جمع يد وهي إما الجارحة وكُنِّيَ بها عن الأعمال لأن أكثر الأعمال إنما تزاول باليد أو المراد النعمة وقرئ لأيد بغير ياء اجتزاء عنها بالكسرة. (الأبصار) هو (البصر في أمر الله) قاله ابن عباس أيضًا. (﴿حب الخير عن ذكر ربي﴾) [ص: ٣٢] أي (من ذكر) ربي فعن بمعنى من والخير المال الكثير والمراد به الخيل التي شغلته والراء تعاقب اللام ويحتمل أنه سماها خيرًا لتعلق الخير بها قال ﷺ الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والمغنم. (طفق ﴿مسحًا﴾) في قوله تعالى: ﴿فطفق مسحًا بالسوق والأعناق﴾ [ص: ٣٣] أي (يمسح أعراف الخيل وعراقيبها) حبالها ومسحًا نصب بفعل مقدر هو خبر طفق أي طفق بمسح مسحًا.

стр. 5519

(الأصفاد) أي (الوثاق) وسقط هذا لأبي ذر. ٢ - باب قَوْلِهِ: ﴿هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (باب قوله) جل ذكره: (﴿هب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي﴾) أي لا يصلح لأحد أن يسلبنيه وظاهر السياق أنه سأل ملكًا لا يكون لبشر من بعده مثله ليكون معجزة مناسبة لحاله (﴿إنك أنت الوهاب﴾) [ص: ٣٥] المعطي ما تشاء لمن تشاء. ٤٨٠٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ، أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ، فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ. وَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]» قَالَ رَوْحٌ فَرَدَّهُ خَاسِئًا. وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر أخبرنا (روح) بفتح الراء وبعد الواو الساكنة مهملة ابن عبادة (ومحمد بن جعفر) غندر (عن شعبة) بن الحجاج (عن محمد بن زياد) بتخفيف التحتية القرشي الجمحي مولى آل عثمان بن مظعون مدني سكن البصرة (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (إن عفريتًَا) ماردًا (من الجن) بيان له (تفلت عليّ البارحة) نصب على الظرفية أي تعرّض لي فلتة أي بغتة سرعة في أدنى ليلة مضت (أو كلمة نحوها) أي نحو تفلت كقوله في الرواية السابقة في أواخر الصلاة عرض لي فشدّ عليّ (ليقطع) بفعله (عليّ الصلاة فأمكنني الله منه وأردت) بالواو (أن أربطه) بكسر الموحدة (إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم) بالرفع توكيد للضمير المرفوع (فذكرت قول أخي) في النبوّة (سليمان) ﵇ (﴿رب هب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي﴾) لفظ التنزيل رب اغفر لي وهب لي (قال روح) المذكور (فردّه) أي رد ﷺ العفريت حال كونه (خاسئًا) مطرودًا. وهذا الحديث قد سبق في الصلاة في باب الأسير والغريم يربط في المسجد وبدء الخلق. ٣ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ (باب قوله) تعالى: (﴿وما أنا من المتكلفين﴾) [ص: ٨٦] فلا أزيد على ما أمرت به ولا أنقص منه. ٤٨٠٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بن سعيد: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ: عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ

стр. 5520

قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ: اللَّهُ أَعْلَمُ. فَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ اللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنِ الدُّخَانِ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَا قُرَيْشًا إِلَى الإِسْلَامِ، فَأَبْطَؤُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ»، فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ فَحَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى أَكَلُوا الْمَيْتَةَ وَالْجُلُودَ، حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ دُخَانًا مِنَ الْجُوعِ. قَالَ اللَّهُ : ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: ١٠] قَالَ فَدَعَوْا ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ * أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ * إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٠ - ١٥] أَفَيُكْشَفُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ: فَكُشِفَ، ثُمَّ عَادُوا فِي كُفْرِهِمْ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦]. وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) سقط لغير أبي ذر ابن سعيد قال: (حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد (عن الأعمش) سليمان (عن أبي الضحى) مقصور مسلم بن صبيح (عن مسروق) هو ابن الأجدع أنه (قال: دخلنا على عبد الله بن مسعود) ﵁ (قال: يا أيها الناس من علم شيئًا فليقل به، ومَن لم يعلم فليقل الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم الله أعلم قال الله لنبيه ﷺ : ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر﴾) أي جعل على القرآن أو تبليغ الوحي (﴿وما أنا من المتكلفين﴾) وكل من قال شيئًا من تلقاء نفسه فقد تكلف، (وسأحدثكم عن الدخان) المذكور في قوله تعالى: ﴿يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ [الدخان: ١٠] (إن رسول الله ﷺ دعا قريشًا إلى الإسلام فأبطؤوا عليه فقال): (اللهم أعني عليهم بسبع) من السنين (كسبع يوسف) المذكورة في قوله تعالى: ﴿ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد﴾ [يوسف: ٤٨] (فأخذتهم سنة) قحط (فحصت) بالحاء والصاد المهملتين أذهبت وأفنت (كل شيء حتى أكلوا الميتة والجلود) من شدّة الجوع (حتى جعل الرجل يرى بينه وبين السماء دخانًا) لضعف بصره (من الجوع. قال الله : ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين * يغشى الناس﴾) يحيط بهم صفة للدخان (﴿هذا عذاب أليم﴾) في موضع نصب بالقول أي قائلين هذا عذاب أليم (قال: فدعوا) أي قريش (﴿ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون﴾) وعد بالإيمان إن كشف العذاب عنهم (﴿أنى لهم الذكرى﴾) أي كيف يذكرون ويتعظون ويَفُون بما وعدوه من الإيمان عند كشف العذاب (﴿وقد جاءهم رسول مبين﴾) بيّن لهم ما هو أعظم وأدخل في وجوب الادّكار من الآيات والمعجزات (﴿ثم تولوا عنه وقالوا معلم﴾) يعلمه كلام أعجمي لبعض ثقيف وقال آخرون إنه (﴿مجنون إنّا كاشفوا العذاب﴾) بدعاء النبي ﷺ كشفًا (﴿قليلًا﴾) أو

стр. 5521

زمانًا قليلًا (﴿إنكم عائدون﴾) [الدخان: ١٠ - ١٥] إلى الكفر قال ابن مسعود: (أفيكشف) بهمزة الاستفهام وضم الياء مبنيًّا للمفعول (﴿العذاب يوم القيامة﴾؟ قال): أي ابن مسعود ﵁ (فكشف) بضم الكاف مبنيًّا للمفعول أي العذاب عنهم، ولأبي ذر: فكشف بفتحها والفاعل محذوف أي فكشف الله عنهم (ثم عادوا في كفرهم) عقب الكشف (فأخدهم الله يوم) وقعة (بدر. قال الله) ولأبي ذر وقال الله (تعالى) ولأبي ذر (﴿يوم نبطش البطشة الكبرى﴾) يوم بدر ظرف لفعل دلّ عليه (﴿إنّا منتقمون﴾) [الدخان: ١٦] لا لمنتقمون فإن أن تحجزه عنه كذا قاله البيضاوي كالزمخشري وقيل بدل من يوم تأتي أو بإضمار اذكر. وهذا الحديث سبق في سورة الروم. [٣٩] سورة الزُّمَرِ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) وَقَالَ مُجَاهِدٌ. ﴿يَتَّقِي بِوَجْهِهِ﴾: يُجَرُّ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ، وَهْوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَومَ القِيَامَةِ﴾. ﴿ذِي عِوَجٍ﴾: لَبْسٍ. ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾: صَالِحًا؛ مَثَلٌ لآلِهَتِهِمِ الْبَاطِلِ وَالإِلَهِ الْحَقِّ. ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾: بِالأَوْثَانِ. ﴿خَوَّلْنَا﴾: أَعْطَيْنَا. ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾: الْقُرْآنُ. ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾: الْمُؤْمِنُ. يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ: هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتَنِي عَمِلْتُ بِمَا فِيهِ. ﴿مُتَشَاكِسُونَ﴾: الرجل الشَّكِسُ الْعَسِرُ لَا يَرْضَى بِالإِنْصَافِ. ﴿وَرَجُلًا سِلْمًا﴾: وَيُقَالُ ﴿سَالِمًا﴾: صَالِحًا. ﴿اشْمَأَزَّتْ﴾: نَفَرَتْ. ﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾: مِنَ الْفَوْزِ. ﴿حَافِّينَ﴾: أَطَافُوا بِهِ مُطِيفِينَ. ﴿بِحِفَافَيْهِ﴾: بِجَوَانِبِهِ. ﴿مُتَشَابِهًا﴾: لَيْسَ مِنَ الاِشْتِبَاهِ. وَلَكِنْ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي التَّصْدِيقِ. ([٣٩] سورة الزُّمَرِ) مكية إلا ﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم﴾ [الزمر: ٥٣] الآية وآيها خمس أو اثنتان وسبعون، ولأبي ذر سورة الزمر (بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذر. (وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عنه في قوله (﴿يتقي﴾) ولغير أبي ذر: أفمن يتقي (﴿بوجهه﴾) [الزمر: ٢٤] أي (يجر على وجهه في النار) يجر بالجيم المفتوحة مبنيًّا للمفعول وللأصيلي كما في الفتح يخر بالخاء المعجمة المكسورة (وهو قوله تعالى: ﴿أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنًا يوم القيامة﴾) [فصلت: ٤٠] وقال عطاء يرمى به في النار منكوسًا فأول شيء يمس النار منه وجهه وخبر أفمن يتقي بوجهه محذوف تقديره كمن هو آمن منه. (﴿ذي﴾) ولأبي ذر: غير ذي (﴿عوج﴾) [الزمر: ٢٨] أي (لبس) بموحدة ساكنة وقال ابن عباس غير مخلوق. (﴿ورجلًا سلمًا﴾) [الزمر: ٢٩] بفتح اللام من غير ألف مصدر وصف، ولأبي ذر وابن

стр. 5522

عساكر سالمًا بكسرها مع الألف وهي قراءة أبي عمرو وابن كثير اسم فاعل من الثلاثي (لرجل) أي (صالحًا) كذا لأبي ذر عن الحموي والمستملي وفي رواية الكشميهني خالصًا بدل صالحًا ومراده قوله تعالى: ﴿ضرب الله مثلًا رجلًا فيه شركاء متشاكسون﴾ [الزمر: ٢٩] أي متنازعون كلٌّ يدّعي أنه عبده فهم يتجاذبونه حوائجهم وهو متحير في أمره كلما أرضى أحدهم غضب الباقون وإذا احتاج إليهم رده كل واحد إلى الآخر فهو في عذاب دائم ورجلًا سالمًا لرجل واحد لا يملكه غيره فهو يخدمه على سبيل الإخلاص وسيده يعينه على مهماته هذا (مثل لآلهتهم) بمد الهمزة الإله (الباطل والإله الحق) قاله مجاهد فيما وصله الفريابي. (﴿ويخوفونك﴾) يعني قريشًا (﴿بالذين من دونه﴾) [الزمر: ٣٦] أي (بالأوثان) وذلك أنهم قالوا له ﵊ لتكفنّ عن شتم آلهتنا أو لنأمرنّها فلتخبلنّك فنزلت ويخوّفونك رواه عبد الرزاق وسقط لأبي ذر من قوله مثل إلى هنا. (﴿خوّلنا﴾) في قوله تعالى: ﴿ثم خوّلناه نعمة﴾ [الزمر: ٤٩] أي (أعطينا) قاله أبو عبيدة. (﴿والذي جاء بالصدق﴾) أي (القرآن) وفي نسخة القرآن بالرفع بتقدير هو (﴿وصدق به﴾) [الزمر: ٣٣] هو (المؤمن يجيء يوم القيامة) حال كونه (يقول) رب (هذا الذي أعطيتني) يريد القرآن (عملت بما فيه) رواه عبد الرزاق عن ابن عيينة عن منصور وقيل الذي جاء هو الرسول ﵊ والمصدق أبو بكر قاله أبو العالية قال في الأنوار وذلك يقتضي إضمار الذي وهو غير جائز وقوله والذي جاء بالصدق لفظه مفرد ومعناه جمع لأنه أُريد به الجنس فيتناول الرسل والمؤمنين لقوله: ﴿أولئك هم المتقون﴾ [الزمر: ٣٣] فجمع أو الذي صفة لموصوف محذوف بمعنى الجمع أي والفريق أو الفوج ولذلك قال أولئك. (﴿متشاكسون﴾ الرجل الشكس﴾) بكسر الكاف هو (العسر) الذي (لا يرضى بالإنصاف) قال الكسائي يقال شكس يشكس شكوسًا وشكسًا إذا عسر وهو رجل شكس أي عسر وشاكس إذا تعاسر (﴿ورجلًا سلمًا﴾) ويقال (﴿سالمًا﴾ صالحًا) كذا أثبته هنا في الفرع كأصله وقد سبق. (﴿اشمأزت﴾) في قوله: ﴿وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون﴾ [الزمر: ٤٥] قال مجاهد فيما وصله الطبري أي (نفرت) وقال أبو زيد الاشمئزاز الذعر اشمأز فلان ذعر ووزنه افعلل كاقشعرّ قال الزمخشري ولقد تقابل الاستبشار والاشمئزاز إذ كل واحد منهما غاية في بابه لأن الاستبشار أن يمتلئ قلبه سرورًا حتى يظهر ذلك السرور في أسرّة وجهه ويتهلّل والاشمئزاز أن يمتلئ غيظًا وغمًّا حتى يظهر الانقباض في أديم وجهه. (﴿بمفازتهم﴾) مفعلة (من الفوز) أي ينجيهم بفوزهم من النار بأعمالهم الحسنة. وقرأ الأخوان وشعبة بمفازاتهم بالجمع لأن النجاة أنواع والمصادر إذا اختلفت أنواعها جمعت.

стр. 5523

(﴿حافين﴾) في قوله تعالى: ﴿وترى الملائكة حافين من حول العرش﴾ [الزمر: ٧٥] أي (أطافوا به) حال كونهم (مطيفين) دائرين (بحفافيه) بكسر الحاء المهملة مصححًا عليها في الفرع كأصله وكذا قال العيني كفتح الباري والبرماوي والكرماني بكسرها وفاءين مفتوحتين مخففتين بينهما ألف تثنية حفات وفي الناصرية بفتح الحاء أي (بجوانبه) قال الليث حف القوم بسيدهم يحفون حفًّا إذا طافوا به ولأبي ذر عن المستملي بجانبيه بدل بحفافيه وسقط بجوانبه لأبي ذر. (﴿متشابهًا﴾) في قوله تعالى: ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا﴾ [الزمر: ٢٣] (ليس من الاشتباه ولكن يشبه بعضه بعضًا في التصديق) والحسن ليس فيه تناقض ولا اختلاف. ١ - باب قَوْلِهِ: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ هذا (باب) بالتنوين (قوله: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا﴾) في المعاصي (﴿على أنفسهم لا تقنطوا﴾) لا تيأسوا (﴿من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا﴾) الكبائر وغيرها الصادرة عن المؤمنين (﴿إنه هو الغفور﴾) لمن تاب (﴿الرحيم﴾) [الزمر: ٥٣] بعد التوبة لمن أناب، لكن قال القاضي ناصر الدين تقييده بالتوبة خلاف الظاهر وإضافة العباد تخصصه بالمؤمنين كما هو عرف القرآن، وفي الآية من أنواع المعاني والبيان إقباله عليهم ونداؤهم وإضافتهم إليه إضافة تشريف والالتفات من التكلم إلى الغيبة في قوله من رحمة الله وإضافة الرحمة لأجل أسمائه الحسنى وإعادة الظاهر بلفظه في قوله إن الله وإبراز الجملة من قوله: ﴿إنه هو الغفور الرحيم﴾ مؤكدة بأن إعادة الصفتين السابقتين والذين أسرفوا عامّ في جميع المسرفين ويغفر الذنوب جميعًا شامل لكبائرها وصغائرها فتغفر مع التوبة أو بدونها خلافًا للمعتزلة حيث ذهبوا إلى أنه يعفو عن الصغائر قبل التوبة وعن الكبائر بعدها، وجمهور أصحابنا أنه يعفو عن بعض الكبائر مطلقًا ويعذب ببعضها إلا أنه لا علم لنا الآن بشيء من هذين البعضين بعينه. وقال كثير منهم لا نقطع بعفوه عن الكبائر بلا توبة بل نجوّزه واحتج الجمهور بوجهين الأول أن العفو لا يعذب على الذنب مع استحقاق العذاب ولا تقول المعتزلة بذلك الاستحقاق في غير صورة النزاع إذ لا استحقاق بالصغائر أصلًا بالكبائر بعد التوبة فلم يبق إلا الكبائر قبلها فهو يعفو عنها كما ذهبنا إليه الثاني الآيات الدالّة على العفو عن الكبيرة قبل التوبة نحو قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨] فإن ما عدا الشرك داخل فيه ولا يمكن التقييد بالتوبة لأن الكفر معفوّ معها فيلزم تساوي ما نفي عنه الغفران وما أثبت له وذلك مما لا يليق بكلام عاقل فضلًا عن كلام الله تعالى وقوله: ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعًا﴾ [الزمر: ٥٣] عامّ للكل فلا يخرج عنه إلا ما أجمع عليه وسقط قوله: ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعًا﴾ الخ لأبي ذر ولفظ باب لغيره. ٤٨١٠ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ، قَالَ:

стр. 5524

يَعْلَى: إِنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَانُوا قَدْ قَتَلُوا وَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا وَأَكْثَرُوا، فَأَتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ، لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً. فَنَزَلَ ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٨٦]. وَنَزَلَ ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣]. وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (إبراهيم بن موسى) الفراء الرازي الصغير قال: (أخبرنا هشام بن يوسف) الصنعاني (أن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (أخبرهم) قال: (قال يعلى) هو ابن مسلم بن هرمز كما في مسلم (أن سعيد بن جبير أخبره عن ابن عباس ﵄ أن ناسًا من أهل الشرك) سمى الواقدي منهم وحشي بن حرب قاتل حمزة وكذا هو عند الطبراني عن ابن عباس من وجه آخر (كانوا قد قتلوا وأكثروا) من القتل (وزنوا وأكثروا) من الزنا (فأتوا محمدًا ﷺ فقالوا إن الذي تقول وتدعو إليه) من الإسلام (لحسن) وفي نسخة به بدل إليه (لو تخبرنا إن لما) أي للذي (عملنا) من الكبائر (كفارة فنزل ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله﴾) أي حرّم قتلها (﴿إلا بالحق ولا يزنون﴾) [الفرقان: ٦٨] قال في الأنوار نفى عنهم أمهات المعاصي بعد ما أثبت لهم أصول الطاعات إظهار الكمال إيمانهم وإشعارًا بأن الأجر المذكور موعود للجامع بين ذلك وتعريضًا للكفرة بأضداده (ونزل) ولأبي ذر: ونزلت بتاء التأنيث (﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾). وعند الإمام أحمد من حديث ثوبان مرفوعًا: ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية ﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم﴾ إلى آخرها فقال رجل: يا رسول الله فمن أشرك: فسكت النبي ﷺ ثم قال: "إلا ومن أشرك" ثلاث مرات. وعنده أيضًا عن أسماء بنت يزيد قالت سمعته ﷺ يقول: ﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا﴾ ولا يبالي. قال الحسن البصري: انظروا إلى هذا الكرم والجود قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة، ولما أسلم وحشي بن حرب فقال الناس: يا رسول الله إنّا أصبنا ما أصاب وحشي فقال هي للمسلمين عامة. وقال ابن عباس: قد دعا الله إلى توبته مَن قال: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ [النازعات: ٢٤]، وقال ما علمت لكم من إله غيري فمن آيس العباد من التوبة بعد هذا فقد جحد كتاب الله، ولكن إذا تاب الله على العبد تاب. ٢ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (باب قوله: ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾) [الزمر: ٦٧] أي ما عظموه حق عظمته حين أشركوا به غيره وسقط باب لغير أبي ذر.

стр. 5525

٤٨١١ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الأَحْبَارِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا نَجِدُ أَنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلَائِقِ عَلَى إِصْبَعٍ، فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ. فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الْحَبْرِ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]. [الحديث ٤٨١١ - أطرافه في: ٧٤١٤، ٧٤١٥، ٧٤٥١، ٧٥١٣]. وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شيبان) بن عبد الرحمن (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن إبراهيم) النخعي (عن عبيدة) بفتح العين وكسر الموحدة السلماني (عن عبد الله) بن مسعود (﵁) أنه (قال: جاء حبر) بفتح الحاء المهملة (من الأحبار) عالم من علماء اليهود قال الحافظ ابن حجر لم أقف على أسمه (إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد إنّا نجد) أي في التوراة (أن الله يجعل السماوات على إصبع) وفي رواية مسدّد عن يحيى عن سفيان عن منصور في التوحيد أن الله يمسك بدل يجعل (والأرضين على إصبع والشجر على إصبع والماء على إصبع وسائر الخلائق على إصبع) وفي بعض النسخ والماء على إصبع والثرى على إصبع وسقط في بعضها والماء على إصبع (فيقول: أنا الملك) المتفرّد بالملك (فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه) بالجيم والذال المعجمة أي أنيابه وهي الضواحك التي تبدو عند الضحك حال كونه (تصديقًا لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾) وقراءته ﵊ هذه الآية تدل على صحة قول الحبر كضحكة قاله النووي. وفي التوحيد قال يحيى بن سعيد وزاد فيه فضيل بن عياض عن منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله فضحك رسول الله ﷺ تعجبًا مما قاله الحبر وتصديقًا له، ورواه الترمذي وقال حسن صحيح، وعند مسلم تعجبًا مما قاله الحبر وتصديقًا له. وعند ابن خزيمة من رواية إسرائيل عن منصور حتى بدت نواجذه تصديقًا له، وعند الترمذي من حديث ابن عباس قال: مرّ يهودي بالنبي ﷺ فقال: كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله السماوات على ذه والأرضين على ذه والماء على ذه والجبال على ذه وسائر الخلق على ذه وأشار محمد بن الصلت أبو جعفر لخنصره أوّلًا ثم تابع حتى بلغ الإبهام وهذا من شديد الاشتباه، وقد حمله بعضهم على أن اليهود مشبهة ويزعمون فيما أنزل إليهم ألفاظًا تدخل في التشبيه ليس القول بها من مذهب المسلمين، وبهذا قال الخطابي وقال: إنه روى هذا الحديث غير واحد عن عبد الله من طريق عبيدة فلم يذكروا قوله تصديقًا لقول الحبر ولعله من الراوي ظنّ وحسبان، وضحكه ﷺ تعجب من كذب اليهودي، فظن الراوي أن ذلك التعجب تصديق وليس كذلك. وقال أبو العباس القرطبي في المفهم: هذه الزيادة من قول الراوي باطلة لأن النبي ﷺ لا

стр. 5526

يصدّق بالمحال لأن نسبة الأصابع إلى الله تعالى محال، وقوله: ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ أي ما عرفوه حق معرفته ولا ريب أن الصحابة كانوا أعلم بما رووه، وقد قالوا إنه ضحك تصديقًا، وقد ثبت في الحديث الصحيح: "ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن" رواه مسلم. وفي حديث ابن عباس قال رسول الله ﷺ : "أتاني الليلة ربي في أحسن صورة" الحديث. وفيه فوضع يده بين كتفي، وفي رواية معاذ فرأيته وضع كفه بين كتفي فوجدت برد أنامله بين ثديي، فهذه روايات متظافرة على صحة ذكر الأصابع وكيف يطعن في حديث أجمع على إخراجه الشيخان وغيرهما من أئمة النقد والإتقان، لا سيما وقد قال ابن الصلاح ما اتفق عليه الشيخان هو بمنزلة المتواتر وكيف يسمع ﷺ وصف ربه تعالى بما لا يرضاه فيضحك ولم ينكره أشد الإنكار حاشاه الله من ذلك، وإذا تقرر صحة ذلك فهو من المتشابه كغيره كالوجه واليدين والقدم والرجل والجنب في قوله تعالى: ﴿أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله﴾ [الزمر: ٥٦]. واختلف أئمتنا في ذلك هل نؤوّل المشكل أم نفوّض معناه المراد إليه تعالى مع اتفاقهم على أن جعلنا بتفصيله لا يقدح في اعتقادنا المراد منه، والتفويض مذهب السلف وهو أسلم والتأويل مذهب الخلف وهو أعلم أي أحوج إلى مزيد علم فنؤوّل الأصبع هنا بالقدرة إذ إرادة الجارحة مستحيلة، وقد قال الزمخشري في كشافه بعد ذكر نحو حديث الباب إنما ضحك أفصح العرب وتعجب لأنه لم يفهم منه إلا ما يفهمه علماء البيان من غير تصوّر إمساك ولا أصبع ولا هز ولا شيء من ذلك، ولكن فهمه وقع أوّل شيء وآخره على الزبدة والخلاصة التي هي الدلالة على القدرة الباهرة، وأن الأفعال العظام التي تتحير فيها الأذهان ولا تكتنهها الأوهام هينة عليه هوانًا لا يوصل السامع إلى الوقوف عليه إلا إجراء العبارة وفي مثل هذه الطريقة من التخييل، ولا ترى بابًا في علم البيان أدق ولا ألطف من هذا الباب ولا أنفع وأعون على تعاطي تأويل المشتبهات من كلام الله تعالى في القرآن وسائر الكتب السماوية وكلام الأنبياء فإن أكثره وعليته تخييلات قد زلّت فيها أقدام وما أتى الزالّون إلا من قلة عنايتهم بالبحث والتنقير حتى يعلموا أن في عداد العلوم الدقيقة علمًا لو قدّروه حق قدره لما خفي عليهم أن العلوم كلها مفتقرة إليه وعيال عليه إذ لا يحل عقدها الموربة ولا يفك قيودها المكربة إلا هو، وكم آية من آيات التنزيل وحديث من أحاديث الرسول قد ضيم وسيم الخسف بالتأويلات الغثة والوجوه الرثّة لأن مَن تأوّل ليس من هذا العلم في عير ولا نفير ولا يعرف قبيلًا من دبير. وقال ابن فورك: يحتمل أن يكون المراد أصبع بعض مخلوقاته. وسيكون لنا عودة إلى الإلمام بشيء من مبحث هذا الحديث إن شاء الله تعالى بعونه وتوفيقه. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في التوحيد ومسلم في التوبة والترمذي والنسائي في التفسير.

стр. 5527

٣ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (باب قوله) تعالى: (﴿والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة﴾) القبضة بفتح القاف المرة من القبض أطلقت بمعنى القبضة بالضم وهي المقدار المقبوض بالكف تسمية بالمصدر أو بتقدير ذات قبضته (﴿والسماوات مطويات بيمينه﴾) قال ابن عطية اليمين هنا والقبضة عبارة عن القدرة وما اختلج في الصدور من غير ذلك باطل وما ذهب إليه القاضي يعني أبا الطيب من أنها صفات زائدة على صفات الذات قول ضعيف وبحسب ما يختلج في النفوس قال : (﴿سبحانه وتعالى عما يشركون﴾) [الزمر: ٦٧] أي هو منزّه عن جميع ما وصف به المجسمون المشبهون وتأكيد الأرض بالجميع لأن المراد بها الأرضون السبع أو جميع أبعاضها البادية والغائرة وخص ذلك بيوم القيامة ليدل على أنه كما ظهر كمال قدرته في الإيجاد عند عمارة الدنيا يظهر كمال قدرته في الإعدام عند خراب الدنيا وسقط لأبي ذر قوله والسماوات الخ. ٤٨١٢ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يَقْبِضُ اللَّهُ الأَرْضَ، وَيَطْوِي السَّماوَاتِ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ»؟ [الحديث ٤٨١٢ - أطرافه في: ٦٥١٩، ٧٣٨٢، ٧٤١٣]. وبه قال: (حدّثنا سعيد بن عفير) بضم العين المهملة وفتح الفاء مصغرًا نسبه لجدّه لشهرته به واسم أبيه كثير المصري (قال: حدّثني) بالإفراد (الليث) بن سعد الإمام (قال: حدّثني) بالإفراد (عبد الرحمن بن خالد بن مسافر) الفهمي المصري (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (أن أبا هريرة) ﵁: (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول): (يقبض الله الأرض ويطوي السماوات) وفي نسخة السماء "بيمينه" يطلق الطيّ على الأدراج كطيّ القرطاس كما قال الله تعالى: ﴿يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب﴾ [الأنبياء: ١٠٤] وعلى الإفناء تقول العرب طويت فلانًا بسيفي أي أفنيته وقال القاضي عبر عن إفناء الله تعالى هذه المظلة والمقلة ورفعهما من البين إخراجهما من أن يكونا مأوى ومنزلًا لبني آدم بقدرته الباهرة التي تهون عليها الأفعال العظام التي تتضاءل دونها القوى والقدر وتتحير فيها الأفهام والفكر على طريقة التمثيل والتخييل (ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض). ولمسلم من حديث ابن عمر مرفوعًا "يطوي الله السماوات يوم القيامة ثم يأخذهنّ بيده اليمنى ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون ثم يطوي الأرض بشماله ثم يقول أنا الملك"

стр. 5528

الحديث فأضاف طيّ السماوات وقبضها إلى اليمين وطيّ الأرض إلى الشمال تنبيهًا وتخييلًا لما بين المقبوضين من التفاوت والتفاضل. وحديث الباب أخرجه أيضًا في التوحيد. ٤ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (باب قوله) تعالى: (﴿ونفخ في الصور﴾) النفخة الأولى وقرأ الحسن بفتح الواو وجمع صورة وفيه رد على ابن عطية حيث قال إن الصور هنا يتعين أن يكون القرن ولا يجوز أن يكون جمع صورة (﴿فصعق مَن في السماوات ومَن في الأرض﴾) خرّ ميتًا أو مغشيًّا عليه (﴿إلا مَن شاء الله﴾) متصل والمستثنى قيل جبريل وميكائيل وإسرافيل فإنهم يموتون بعد وقيل حملة العرش وقيل رضوان والحور والزبانية وقال الحسن: الباري تعالى فالاستثناء منقطع وفيه نظر من حيث قوله: ﴿مَن في السماوات ومَن في الأرض﴾ فإنه لا يتحيز (﴿ثم نفخ فيه أخرى﴾) هي القائمة مقام الفاعل وهي في الأصل صفة لمصدر محذوف أي نفخة أخرى أو القائم مقامه الجار (﴿فإذا هم قيام﴾) قائمون من قبورهم حال كونهم (﴿ينظرون﴾) [الزمر: ٦٨] البعث أو أمر الله فيهم واختلف في الصعقة فقيل إنها غير الموت لقوله تعالى في موسى: ﴿وخرّ موسى صعقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] وهو لم يمت فهذه النفخة تورث الفزع الشديد وحينئذٍ، فالمراد من نفخ الصعقة ونفخ الفزع واحد وهو المذكور في النمل في قوله تعالى: ﴿ونفخ في الصور ففزع مَن في السماوات ومَن في الأرض﴾ [النمل: ٨٧] وعلى هذا فنفخ الصور مرتان فقط وقيل الصعقة الموت فالمراد بالفزع كيدودة الموت من الفزع وشدة الصوت فالنفخة ثلاث مرات نفخة الفزع المذكورة في النمل ونفخة الصعق ونفخة القيام وسقط باب لغير أبي ذر وله ثم نفخ فيه أخرى إلى آخره. ٤٨١٣ - حَدَّثَنِي الْحَسَنُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ عَامِرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنِّي أَوَّلُ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الآخِرَةِ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى مُتَعَلِّقٌ بِالْعَرْشِ فَلَا أَدْرِي، أَكَذَلِكَ كَانَ أَمْ بَعْدَ النَّفْخَةِ». وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (الحسن) غير منسوب وقد جزم أبو حاتم سهل بن السري الحافظ فيما نقله الكلاباذي بأنه الحسن بن شجاع البلخي الحافظ قال: (حدّثنا إسماعيل بن خليل) الكوفي وهو من مشايخ المؤلّف قال: (أخبرنا عبد الرحيم) بن سليمان الرازي سكن الكوفة (عن زكريا بن أبي زائدة) بن ميمون الهمداني الأعمى الكوفي (عن عامر) هو ابن شراحيل الشعبي (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):

стр. 5529

(إني أوّل) ولأبي ذر من أوّل (مَن يرفع رأسه بعد النفخة الآخرة) بمد الهمزة (فإذا أنا بموسى) ﵇ (متعلق بالعرش فلا أدري أكذلك كان) أي أنه لم يمت عند النفخة الأولى واكتفى بصعقة الطور (أم) أحيي (بعد النفخة) الثانية قبلي وتعلق بالعرش كذا قرره الكرماني وقال الداودي فيما حكاه السفاقسي قوله أكذلك الخ وهم لأن موسى مقبور ومبعوث بعد النفخة فكيف يكون ذلك قبلها اهـ. وأجيب: بأن في حديث أبي هريرة السابق في الأشخاص فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأصعق معهم فأكون أوّل مَن يفيق فإذا موسى باطش جانب العرش فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي أو كان ممن استثنى الله أي فلم يصعق والمراد بالصعق غشي يلحق من سمع صوتًا أو رأى شيئًا ففزع منه وقد وقع التصريح في هذه الرواية بالإفاقة بعد النفخة الثانية. وأما ما وقع في حديث أبي سعيد فإن الناس يصعقون فأكون أول مَن تنشقّ عنه الأرض فيمكن الجمع بأن النفخة الأولى يعقبها الصعق من جميع الخلق أحيائهم وأمواتهم وهو الفزع ما وقع في النمل ففزع مَن في السماوات ومَن في الأرض، ثم يعقب ذلك الفزع للموتى زيادة فيما هم فيه وللأحياء موتًا، ثم ينفخ الثانية للبعث فيفيقون أجمعون فمن كان مقبورًا انشقت عنه الأرض فخرج من قبره ومن ليس بمقبور لا يحتاج إلى ذلك، وقد ثبت أن موسى ممن قبر في الحياة الدنيا كما في مسلم أن النبي ﷺ قال: "مررت على موسى ليلة أُسرِيَ بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلّي في قبره". أخرجه عقب حديث أبي هريرة وأبي سعيد. وقد استشكل كون جميع الخلق يصعقون مع أن الموتى لا إحساس لهم فقيل: المراد أن الذين يصعقون هم الأحياء، وأما الموتى فهم في الاستثناء في قوله: إلا مَن شاء الله أي إلا مَن سبق له الموت قبل ذلك فإنه لا يصعق وإلى هذا جنح القرطبي، ولا يعارضه ما ورد في الحديث أن موسى ممن استثنى الله لأن الأنبياء أحياء عند الله وإن كانوا في صورة الأموات بالنسبة إلى أهل الدنيا. وقال عياض: يحتمل أن يكون المراد صعقة فزع بعد البعث حين تنشق السماء والأرض وتعقبه القرطبي بأنه ﷺ صرح بأنه حين يخرج من قبره يلقى موسى وهو متعلق بالعرش، وهذا إنما هو عند نفخة البعث اهـ. ويرده قوله صريحًا كما تقدم أن الناس يصعقون فأصعق معهم الخ قاله في الفتح. ٤٨١٤ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ»، قَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ قَالَ أَرْبَعُونَ سَنَةً قَالَ أَبَيْتُ قَالَ: أَرْبَعُونَ شَهْرًا: قَالَ أَبَيْتُ، وَيَبْلَى كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الإِنْسَانِ إِلاَّ عَجْبَ ذَنَبِهِ فِيهِ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ. [الحيث ٤٨١٤ - طرفه في: ٤٩٣٥]. وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (عمر بن حفص) بضم العين قال: (حدّثنا)

стр. 5530

ولأبي ذر قال: قال (أبي) حفص بن غياث بن طلق النخعي الكوفي قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران (قال: سمعت أبا صالح) ذكوان السمان (قال سمعت أبا هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (بين النفختين) ولأبي ذر عن الكشميهني ما بين النفختين أي نفخة الإماتة ونفخة البعث (أربعون، قالوا) أي أصحاب أبي هريرة ولم يعرف الحافظ ابن حجر اسم أحد منهم (يا أبا هريرة أربعون يومًا؟ قال) أبو هريرة (أبيت) بموحدة أي امتنعت عن تعيين ذلك (قال) أي السائل (أربعون سنة؟ قال) أبو هريرة: (أبيت. قال) السائل: (أربعون شهرًا؟ قال) أبو هريرة (أبيت) أي امتنعت عن تعيين ذلك لأني لا أدري الأربعين الفاصلة بين النفختين أيام أم سنون أم شهور، وعند ابن مردويه من طريق زيد بن أسلم عن أبي هريرة قال بين النفختين أربعون قالوا أربعون ماذا؟ قال: هكذا سمعت وعنده أيضًا من وجه ضعيف عن ابن عباس قال بين النفختين أربعون سنة، وعند ابن المبارك عن الحسن مرفوعًا بين النفختين أربعون سنة يميت الله تعالى بها كل حيّ والأخرى يحيي الله تعالى بها كل ميت، وقال الحليمي: اتفقت الروايات على أن بين النفختين أربعين سنة، وفي جامع ابن وهب أربعين جمعة وسنده منقطع. (ويبلى) بفتح أوّله أي يفنى (كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه) بفتح العين المهملة وسكون الجيم بعدها موحدة ويقال عجم بالميم أيضًا وهو عظيم لطيف في أصل الصلب وهو رأس العصعص بين الأليتين وعند أبي داود والحاكم وابن أبي الدنيا من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا أنه مثل حبة الخردل ولمسلم من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب (فيه يركب الخلق). ولمسلم أيضًا من طريق همام عن أبي هريرة أن في الإنسان عظمًا لا تأكله الأرض أبدًا فيه يركب يوم القيامة. قال: أي عظم؟ قال: عجب الذنب وهو يرد على المزني حيث قال: إن إلاّ هنا بمعنى الواو أي وعجب الذنب أيضًا يبلى. وقوله: يبلى كل شيء من الإنسان عامّ يخصّ منه الأنبياء لأن الأرض لا تأكل أجسادهم، وقد ألحق ابن عبد البر بهم الشهداء والقرطبي المؤذن المحتسب. [٤٠] سورة الْمُؤْمِنُ قَالَ مُجَاهِدٌ: حم مَجَازُهَا مَجَازُ أَوَائِلِ السُّوَرِ، وَيُقَالُ: بَلْ هُوَ اسْمٌ لِقَوْلِ شُرَيْحِ بْنِ أَبِي أَوْفَى الْعَبْسِيِّ: يُذَكِّرُنِى حَامِيمَ وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ … فَهَلاَّ تَلَا حَامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ ﴿الطَّوْلُ﴾: التَّفَضُّلُ. ﴿دَاخِرِينَ﴾: خَاضِعِينَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿إِلَى النَّجَاةِ﴾: الإِيمَانِ.

стр. 5531

لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ: يَعْنِي الْوَثَنَ. ﴿يُسْجَرُونَ﴾: تُوقَدُ بِهِمِ النَّارُ. ﴿تَمْرَحُونَ﴾: تَبْطَرُونَ. وَكَانَ الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ يُذَكِّرُ النَّارَ، فَقَالَ رَجُلٌ: لِمَ تُقَنِّطُ النَّاسَ؟ قَالَ: وَأَنَا أَقْدِرُ أَنْ أُقَنِّطَ النَّاسَ؟ وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] وَيَقُولُ: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٣] وَلَكِنَّكُمْ تُحِبُّونَ أَنْ تُبَشَّرُوا بِالْجَنَّةِ عَلَى مَسَاوِئِ أَعْمَالِكُمْ. وَإِنَّمَا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ مُبَشِّرًا بِالْجَنَّةِ لِمَنْ أَطَاعَهُ، وَمُنْذِرًا بِالنَّارِ مَنْ عَصَاهُ. ([٤٠] سورة المؤمن) مكية وآيها خمس أو ثمان وثمانون. (قال مجاهد: حم مجازها) أي حم ولأبي ذر والأصيلي سورة المؤمن ولغيرهما حم ولأبي ذر بسم الله الرحمن الرحيم قال البخاري ويقال حم مجازها (مجاز أوائل السور) أي حكمها حكم الأحرف المقطعة في أوائل السور، فكل ما يقال في الم وص يقال في حم. وقد اختلف في هذه الحروف المقطعة التي في أوائل السور على أكثر من ثلاثين قولًا. فقيل هي علم مستور وسر محجوب استأثر الله بعلمه، وقال الصديق لله في كل كتاب سر وسره في القرآن أوائل السور، وعن عليّ لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجّي، وذهب آخرون إلى أن المراد منها معلوم فيقال مما رُوِيَ عن ابن عباس في الم الألف إشارة إلى الأحدية واللام إلى لطفه والميم إلى ملكه، ويقال بعضها يدل على أسماء الذات وبعضها على أسماء الصفات، ويقال في "الم" أنا الله أعلم، وفي "المص" أنا الله أفصل وفي "الر" أنا الله أرى. (ويقال) ولأبي ذر فيقال في حم (بل هو اسم) أي من أسماء القرآن أو اسم للسورة كغيرها من الفواتح واختاره كثير من المحققين (لقول شريح بن أبي أوفى) بإثبات أبي في الفرع كغيره ونسبها في الفتح لرواية القابسي وقال إن ذلك خطأ والصواب إسقاطها فيصير شريح بن أبي أوفى (للعبسي) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة بعدها مهملة، وكان مع علي بن أبي طالب يوم الجمل. وكان على محمد بن طلحة بن عبيد الله عمامة سوداء فقال علي: لا تقتلوا صاحب العمامة السوداء فإنما أخرجه برّه لأبيه فلقيه شريح بن أبي أوفى فأهوى له بالرمح فتلا حم. فقتله فقال شريح: (يذكرني حاميم والرمح شاجر) بالشين المعجمة والجيم والجملة حالية والمعنى والرمح مشتبك مختلط (فهلا) حرف تحضيض (تلا) قرأ (حاميم قبل التقدم) أي إلى الحرب. وقال الكرماني: وجه الاستدلال به هو أنه أعربه ولو لم يكن اسمًا لما دخل عليه الإعراب اهـ. وبذلك قرأ عيسى بن عمر وهي تحتمل وجهين أنها منصوبة بفعل مقدّر أي اقرأ حم ومنعت من الصرف للعلمية والتأنيث أو العلمية وشبه المعجمة لأنه ليس في الأوزان العربية وزن فاعيل بخلاف الأعجمية نحو قابيل وهابيل أو أنها حركة بناء تخفيفًا كأين وكيف قيل كان مراد محمد بن

стр. 5532

طلحة بقوله أذكرك حم قوله تعالى في حم عسق ﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودّة في القربى﴾ [الشورى: ٢٣] كأنه يذكره بقرابته ليكون ذلك دافعًا له عن قتله. (﴿الطول﴾) في قوله تعالى: ﴿شديد العقاب ذي الطول﴾ [غافر: ٣] هو (التفضل). وقال قتادة النعم وأصله الإنعام الذي تطول مدته على صاحبه. (﴿داخرين﴾) في قوله تعالى: ﴿سيدخلون جهنم داخرين﴾ [غافر: ٦٠] قال أبو عبيدة أي (خاضعين) وقال السدي: صاغرين ذليلين. (وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي من طريق ابن أبي نجيح (﴿إلى النجاة﴾) في قوله تعالى: ﴿ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة﴾ [غافر: ٤١] هي (الإيمان) المنجي من النار (ليس له دعوة يعني الوثن) الذي تعبدونه من دون الله تعالى ليست له استجابة دعوة أو ليست له عبادة في الدنيا لأن الوثن لا يدّعي ربوبية ولا يدعو إلى عبادته وفي الآخرة يتبرأ من عابديه (﴿يسجرون﴾) في قوله: ﴿ثم في النار يسجرون﴾ [غافر: ٧٢] أي (توقد بهم النار) قاله مجاهد فيما وصله الفريابي وهو كقوله تعالى: ﴿وقودها الناس والحجارة﴾ [البقرة: ٢٤]. (﴿تمرحون﴾) في قوله تعالى: ﴿ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون﴾ [غافر: ٧٥] أي (تبطرون) وفي قوله: تفرحون وتمرحون التجنيس المحرّف وهو أن يقع الفرق بين اللفظين بحرف. (وكان العلاء بن زياد) العدوي البصري التابعي الزاهد وليس له في البخاري إلا هذا (يذكر) بفتح أوله وتخفيف الكاف ولأبي ذر يذكر بضم أوله وتشديد الكاف مصحّحًا عليها في الفرع كأصله ولم يذكر الحافظ ابن حجر غيرها. وقال في انتقاض الاعتراض: إنها الرواية، واعترض العيني ابن حجر في التشديد وصحّح التخفيف أي يخوف الناس (النار)، فهو على حذف أحد المفعولين (فقال) له (رجل) لم يعرف الحافظ ابن حجر اسمه مستفهمًا (لم تقنط الناس) أي من رحمة الله (قال) ولأبي ذر فقال: (وأنا أقدر أن أقنط الناس والله يقول: (﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾) [الزمر: ٥٣] ويقول: (﴿وأن المسرفين﴾) في الضلالة والطغيان كالإشراك وسفك الدماء (﴿هم أصحاب النار﴾) [غافر: ٤٣] أي مُلازموها (ولكنكم) وللأصيلي ولكن (تحبون أن تبشروا بالجنة) بفتح الموحدة والمعجمة مبنيًّا للمفعول (على مساوي أعمالكم، وإنما بعث الله محمدًا ﷺ مبشرًا بالجنة لمن أطاعه ومنذرًا) بضم الميم وكسر المعجمة وللأصيلي وينذر بلفظ المضارع (بالنار من) ولأبي ذر عن المستملي: لمن (عصاه). ٤٨١٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ مَا صَنَعَ الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ

стр. 5533

اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ فَأَخَذَ بِمَنْكِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَوَى ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ بِمَنْكِبِهِ وَدَفَعَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر: ٢٨]. وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا الوليد بن مسلم) الدمشقي قال: (حدّثنا الأوزاعي) عبد الرحمن (قال: حدّثني) بالإفراد (يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة صالح اليمامي الطائي ولأبي ذر والأصيلي عن يحيى بن أبي كثير قال: (حدّثني) بالإفراد (محمد بن إبراهيم التيمي) نسبة إلى تيم قريش المدني قال: (حدّثني) بالإفراد أيضًا (عروة بن الزبير) بن العوّام أنه (قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص أخبرني بأشد ما صنع المشركون) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: ما صنعه المشركون (برسول الله ﷺ ؟ قال: بينا) بغير ميم (رسول الله ﷺ يصلي بفناء الكعبة) بكسر الفاء (إذ أقبل عقبة بن أبي معيط) الأموي المقتول كافرًا بعد انصرافه ﷺ من بدر بيوم (فأخذ بمنكب رسول الله ﷺ ¬) بفتح الميم وكسر القاف (ولوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقًا) ولأبي ذر: فخنقه به خنقًا والنون من خنقًا ساكنة في الروايتين في اليونينية وفرعها ومكسورة في بعضها (شديدًا، فأقبل أبو بكر) الصديق ﵁ (فأخذ بمنكبه ودفع) عقبة (عن رسول الله ﷺ وقال) وللأصيلي ثم قال أي مستفهمًا استفهامًا إنكاريًا (﴿أتقتلون رجلًا﴾) كراهية (﴿أن يقول ربي الله﴾) أو لأن يقول (﴿وقد جاءكم بالبينات من ربكم﴾) [غافر: ٢٨] جملة حالية. قال جعفر بن محمد: كان أبو بكر خيرًا من مؤمن آل فرعون لأنه كان يكتم إيمانه. وقال أبو بكر جهارًا: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله، وقال غيره: إن أبا بكر أفضل من مؤمن آل فرعون لأن ذلك اقتصر حيث انتصر على اللسان، وأما أبو بكر ﵁ فاتبع اللسان يدًا ونصر بالقول والفعل محمدًا. وهذا الحديث ذكره المؤلّف في مناقب أبي بكر، وفي باب ما لقي النبي ﷺ وأصحابه من المشركين بمكة. [٤١] سورة حم السَّجْدَةِ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) وَقَالَ طَاوُسٌ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿ائْتِيَا طَوْعًا﴾: أَعْطِيَا. ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾: أَعْطَيْنَا. وَقَالَ الْمِنْهَالُ عَنْ سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لاِبْنِ عَبَّاسٍ إِنِّي أَجِدُ فِي الْقُرْآنِ أَشْيَاءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ، قَالَ: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾:. ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾، ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا رَبَّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فَقَدْ كَتَمُوا فِي هَذِهِ الآيَةِ وَقَالَ: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿دَحَاهَا﴾ فَذَكَرَ خَلْقَ السَّمَاءِ قَبْلَ خَلْقِ الأَرْضِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ -إِلَى- ﴿طَائِعِينَ﴾ فَذَكَرَ فِي هَذِهِ خَلْقَ الأَرْضِ قَبْلَ

стр. 5534

السَّمَاءِ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ فَكَأَنَّهُ كَانَ ثُمَّ مَضَى، فَقَالَ: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ فِي النَّفْخَةِ الأُولَى، ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ. ثُمَّ فِي النَّفْخَةِ الآخِرَةِ ﴿أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ﴾ فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لأَهْلِ الإِخْلَاصِ ذُنُوبَهُمْ. وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: تَعَالَوْا نَقُولُ لَمْ نَكُنْ مُشْرِكِينَ، فَخَتَمَ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ فَتَنْطِقُ أَيْدِيهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ عُرِفَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُكْتَمُ حَدِيثًا، وَعِنْدَهُ ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ وَخَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاءَ، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ ثُمَّ دَحَا الأَرْضَ، وَدَحْوُهَا أَنْ أَخْرَجَ مِنْهَا الْمَاءَ وَالْمَرْعَى وَخَلَقَ الْجِبَالَ وَالْجِمَالَ وَالآكَامَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿دَحَاهَا﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ فَجُعِلَتِ الأَرْضُ وَمَا فِيهَا مِنْ شَيْءٍ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَخُلِقَتِ السَّمَوَاتُ فِي يَوْمَيْنِ ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ سَمَّى نَفْسَهُ ذَلِكَ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: أَيْ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا إِلاَّ أَصَابَ بِهِ الَّذِي أَرَادَ فَلَا يَخْتَلِفْ عَلَيْكَ الْقُرْآنُ فَإِنَّ كُلاًّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. ([٤١] سورة حم السجدة) مكية وآيها خمسون وثنتان أو ثلاث أو أربع ولأبي ذر: سورة حم السجدة (بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذر (وقال طاوس) فيما وصله الطبري وابن أبي حاتم بإسناد على شرط المؤلّف (عن ابن عباس ﴿ائتيا طوعًا﴾) زاد أبو ذر والأصيلي ﴿أو كرهًا﴾ أي (أعطيا) بكسر الطاء (﴿قالتا أتينا طائعين﴾) [فصلت: ١١] أي (أعطينا) استشكل هذا التفسير لأن ائتيا وأتينا بالقصر من المجيء فكيف يفسر بالإعطاء وإنما يفسر به نحو قولك آتيت زيدًا مالًا بمد همزة القطع وهمزة ائتيا همزة وصل. وأجيب: بأن ابن عباس ومجاهدًا وابن جبير قرؤوا آتيا قالتا آتينا بالمد فيهما وفيه وجهان. أحدهما: أنه من المؤاتاة وهي الموافقة أي لتوافق كلٍّ منهما الأخرى لما يليق بها وإليه ذهب الرازي والزمخشري فوزن آتيا فاعلًا كقاتلا وآتينا فاعلنا كقاتلنا، والثاني: أنه من الإيتاء بمعنى الإعطاء فوزن آتيا افعلا كأكرما ووزن آتينا أفعلنا ككرمنا، فعلى الأوّل يكون قد حذف مفعولًا، وعلى الثاني مفعولين إذ التقدير أعطيا الطاعة من أنفسكما من أمركما: قالتا أتينا الطاعة وفي مجيء طائعين مجيء جمع المذكرين العقلاء وجهان. أحدهما: أن المراد بآتينا من فيهما من العقلاء وغيرهم فلذا غلب العقلاء على غيرهم. الثاني: أنه لما عاملهما معاملة العقلاء في الإخبار عنهما والأمر لهما جمعهما كجمعهم كقوله رأيتهم لي ساجدين وهل هذه المحاورة حقيقة أو مجاز وإذا كانت مجازًا فهل هو تمثيل أو تخييل خلاف. (وقال المنهال): بكسر الميم وسكون النون ابن عمرو الأسدي مولاهم الكوفي وثّقه ابن معين

стр. 5535

والنسائي وغيرهما (عن سعيد) وللأصيلي عن سعيد بن جبير أنه (قال: قال رجل) هو نافع بن الأزرق الذي صار بعد ذلك رأس الأزارقة من الخوارج (لابن عباس) ﵄ وكان يجالسه بمكة ويسأله ويعارضه (إني أجد في القرآن أشياء مختلف عليّ) لما بين ظواهرها من التدافع زاد عبد الرزاق فقال ابن عباس: ما هو أشك في القرآن؟ قال: ليس بشك ولكنه اختلاف، فقال: هات ما اختلف عليك من ذلك (قال: ﴿فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون﴾) [المؤمنون: ١٠١] وقال: (﴿وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾) [الصافات: ٢٧] فإن بين قوله ولا يتساءلون وبين يتساءلون تدافعًا نفيًا وإثباتًا. وقال تعالى (﴿ولا يكتمون الله حديثًا﴾) [النساء: ٤٢] وقوله: (﴿ربنا﴾) ولأبي ذر والله ربنا (﴿ما كنا مشركين﴾) [الأنعام: ٢٣] (فقد كتموا في هذه الآية) كونهم مشركين وعلم من الأولى أنهم لا يكتمون الله حديثًا (وقال: ﴿أم السماء بناها﴾ إلى قوله) تعالى: (﴿دحاها﴾) [النازعات: ٢٧] (فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض) في هذه الآية (ثم قال) في سورة السجدة: (﴿أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين) -إلى- (﴿طائعين﴾) [فصلت: ٩ - ١١] وللأصيلي وابن عساكر إلى قوله طائعين (فذكر في هذه) الآية (خلق الأرض قبل السماء) وللأصيلي قبل خلق السماء والتدافع ظاهر (وقال تعالى: ﴿وكان الله غفورًا رحيمًا﴾) وقال كان الله (﴿عريزًا حكيمًا﴾) وكان الله (﴿سميعًا بصيرًا﴾ فكأنه كان) موصوفًا بهذه الصفات (ثم مضى) أي تغير عن ذلك (فقال) أي ابن عباس مجيبًا عن ذلك، أما قوله تعالى: (﴿فلا أنساب بينهم﴾) أي (في النفخة الأولى ثم ينفخ في الصور فصعق مَن في السماوات ومَن في الأرض إلا مَن شاء الله فلا أنساب بينهم عند ذلك) تنفعهم لزوال التعاطف والتراحم من فرط الحيرة واستيلاء الدهشة بحيث يفرّ المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه قال: لا نسب اليوم ولا خلة … اتسع الخرق على الراقع وليس المراد قطع النسب (ولا يتساءلون) لاشتغال كلٌّ بنفسه (ثم في النفخة الآخرة ﴿أقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾) فلا تناقض والحاصل أن للقيامة أحوالًا ومواطن ففي موطن يشتد عليهم الخوف فيشغلهم عن التساؤل وفي موطن يفيقون فيتساءلون (وأما قوله) تعالى: (﴿ما كنا مشركين﴾) وقوله تعالى: (﴿ولا يكتمون الله﴾) زاد أبو ذر والأصيلي وابن عساكر حديثًا (فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، وقال المشركون) ولأبي ذر فقال المشركون بالفاء بدل الواو (تعالوا نقول لم نكن مشركين فختم) بضم الخاء المعجمة مبنيًّا للمفعول ولأبي ذر فختم بفتحات مبنيًّا للفاعل (على أفواههم فتنطق أيديهم فعند ذلك) أي عند نطق أيديهم (عرف) بضم العين وكسر الراء وللأصيلي عرفوا بفتحهما والجمع (إن الله لا يكتم حديثًا) بضم أوّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (وعنده ﴿يودّ الذين كفروا﴾ [الحجر: ٢] الآية) إلى ولا يكتمون الله حديثًا والحاصل أنهم يكتمون بألسنتهم فتنطق أيديهم وجوارحهم (وخلق الأرض في) مقدار (يومين) أي غير مدحوّة (ثم خلق السماء ثم استوى إلى السماء فسوّاهن في يومين آخرين ثم دحا الأرض) بعد ذلك في يومين
следующие страницы →