Полный текст (8 298 стр.). Показаны 5706–5745 · переход к 5711.
стр. 5706
يظهر لهم إلا التراب والحجر الكدان فيفتقر الرجل منهم وهو مع ذلك لا يزداد إلا طلبًا حتى يموت.
(﴿سوط عذاب﴾) [الفجر: ١٣] (الذي) ولأبي ذر الذين (عذبوا به) وعن قتادة مما رواه ابن أبي حاتم كل شيء عذب به فهو سوط عذاب.
(﴿أكلًا لمَّا﴾) [الفجر: ١٩] (السفّ) من سففت إلى أسفه سفًّا.
(وجما الكثير) أي يحبون جمع المال وسقط واو جمًّا لأبي ذر.
(وقال مجاهد) في قوله تعالى: ﴿والشفع والوتر﴾ [الفجر: ٣] (كل شيء خلقه) تعالى (فهو شفع السماء شفع) أي للأرض كالذكر والأنثى (﴿والوتر﴾) بفتح الواو وتكسر هو (الله ﵎ وسبق.
(وقال غيره) غير مجاهد (﴿سوط عذاب﴾ كلمة تقولها العرب لكل نوع من العذاب يدخل فيه السوط) قاله الفراء.
(﴿لبالمرصاد﴾) [الفجر: ١٤] (إليه المصير) وقال ابن عباس بحيث يسمع ويرى وقيل يرصد أعمال بني آدم لا يفوته شيء منها.
(﴿تحاضون﴾) بفتح التاء والحاء فألف وبها قرأ الكوفيون أي (تحافظون وتحضون) بغير ألف (تأمرون بإطعامه) المساكين.
(﴿المطمئنة﴾) [الفجر: ٢٧] هي (المصدقة بالثواب) وهي الثابتة على الإيمان (وقال الحسن) البصري فيما وصله ابن أبي حاتم (﴿يا أيها النفس المطمئنة﴾) [الفجر: ٢٧] إذا أراد الله (قبضها اطمأنت إلى الله واطمأن الله إليها) إسناد الاطمئنان إلى الله مجاز يراد به لازمه وغايته من نحو إيصال الخير وفيه المشاكلة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي واطمأن إليه بتذكير الضمير أي إلى الشخص (ورضيت عن الله ورضي الله عنها¬) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي عنه (فأمر) بالفاء ولأبي ذر وأمر (بقبض روحها وأدخلها) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أيضًا وأدخله (الله الجنة وجعله من عباده الصالحين) وقال عطاء النفس المطمئنة هي العارفة بالله التي لا تصبر عن الله طرفة عين.
(وقال غيره) غير الحسن (﴿جابوا﴾) أي (نقبوا) بالتخفيف أي نقبوا الصخر وأصل الجيب القطع مأخوذ (من جيب القميص) أي (قطع له جيب) وكذلك قولهم فلان (يجوب الفلاة) أي (يقطعها) وجيب بفتح الجيم وجر الموحدة بمن والقميص خفض وبكسر الجيم ونصب الموحدة والقميص رفع وسقط لفظ من لأبي ذر.
(﴿لمًّا﴾) في قوله تعالى: (﴿ويأكلون التراث أكلًا لمًّا﴾ (لممته أجمع أتيت على آخره) قاله أبو عبيدة وسبق معناه وسقط لأبي ذر.
стр. 5707
[٩٠] سورة ﴿لَا أُقْسِمُ﴾
وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿بِهَذَا الْبَلَدِ﴾: مَكَّةَ، لَيْسَ عَلَيْكَ مَا عَلَى النَّاسِ فِيهِ مِنَ الإِثْمِ. ﴿وَوَالِدٍ﴾: آدَمَ ﴿وَمَا وَلَدَ﴾. ﴿لُبَدًا﴾: كَثِيرًا. وَالنَّجْدَيْنِ: الْخَيْرُ وَالشَّرُّ. ﴿مَسْغَبَةٍ﴾: مَجَاعَةٍ. ﴿مَتْرَبَةٍ﴾: السَّاقِطُ فِي التُّرَابِ. يُقَالُ: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾: فَلَمْ يَقْتَحِمِ الْعَقَبَةَ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ فَسَّرَ الْعَقَبَةَ فَقَالَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ﴾. ﴿فِي كَبَدٍ﴾: شِدَّةٍ.
([٩٠] سورة ﴿لَا أُقْسِمُ﴾)
مكية وآيها عشرون ولأبي ذر سورة: لا أقسم.
(وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي (﴿بهذا البلد﴾: مكة) ولأبي ذر ﴿وأنت حل بهذا البلد﴾ [البلد: ٢] مكة (ليس عليك ما على الناس فيه من الإثم) أي أنت على الخصوص تستحله دون غيرك لجلالة شأنك كما جاء لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي وأنت على هذا من باب التقديم للاختصاص نحو أنا عرفت وقال الواحدي إن الله تعالى لما ذكر القسم بمكة دل ذلك على عظم قدرها مع كونها حرامًا فوعد نبيه ﷺ أن يحلها له يقاتل فيها وأن يفتحها على يده ويكون فيها حلاًّ والجملة اعتراض بين المقسم به وما عطف عليه.
(﴿ووالد﴾ آدم ﴿وما ولد﴾) [البلد: ٣] أي من الأنبياء والصالحين من ذريته لأن الكافر وإن كان من ذريته لكن لا حرمة له حتى يقسم به أو المراد بوالد إبراهيم وبما ولد محمد ﷺ وما بمعنى من قال في الأنوار وإيثار ما على من لمعنى التعجب كما في قوله تعالى: (﴿والله أعلم بما وضعت﴾ [آل عمران: ٣٦].
(﴿لبدًا﴾) [البلد: ٦] بضم اللام وفتح الموحدة لأبي ذر جمع لبدة كغرفة وغرف وهي قراءة العامة ولغير أبي ذر لبدًا بكسر اللام أي (كثيرًا) من تلبد الشيء إذا اجتمع.
(والنجدين) هما (الخير والشر) قال الزجاج النجدان الطريقان الواضحان والنجد المرتفع من الأرض والمعنى ألم نبين له طريقي الخير والشر وقال ابن عباس النجدين الثديين وهما مما يقسم به العرب تقول أما ونجديها ما فعلت تريد ثديي المرأة لأنهما كالنجدين للبطن.
(﴿مسغبة﴾) [البلد: ١٤] أي (مجاعة) والسغب الجوع.
(﴿متربة﴾) ولأبي ذر برفع الثلاثة أي (الساقط في التراب) ليس له بيت لفقره.
(يقال ﴿فلا اقتحم العقبة﴾) [البلد: ١١، ١٤] (فلم يقتحم العقبة) فلم يجاوزها (في الدنيا) ليأمن (ثم فسر العقبة فقال: ﴿وما أدراك﴾) أي أعلمك (﴿ما العقبة﴾) التي يقتحمها وبين سبب جوازها بقوله (﴿فك رقبة﴾) برفع الكاف على إضمار مبتدأ أي هو فك وخفض رقبة بالإضافة من
стр. 5708
الرق بإعاقتها (﴿أو إطعام﴾) بهمزة مكسورة وألف بعد العين ورفع ميم إطعام منوّنًا وقراءة ابن كثير وأبي عمرو والكسائي فك بفتح الكاف فعلًا ماضيًا رقبة نصب أطعم فعلًا ماضيًا أيضًا (﴿في يوم ذي مسغبة﴾) [البلد: ١١، ١٤] مجاعة وهذا تنبيه على أن النفس لا توافق صاحبها في الإنفاق لوجه الله تعالى البتة فلا بد من التكلف وحمل المشقّة على النفس والذي يوافق النفس الافتخار والمراواة فكأنه تعالى ذكر هذا المثل بإزاء ما قال أهلكت مالًا لبدًا والمراد بيان الإنفاق المفيد وإن ذلك الإنفاق مضرّ قاله صاحب الفرائد فيما حكاه في فتوح الغيب.
(﴿في كبد﴾) [البلد: ٤] أي (شدة) أي شدة خلق وقال ابن عباس في نصب وقيل شدة مكايد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة وهذا ثابت للنسفي وحده.
[٩١] سورة ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿ضُحَاهَا﴾: ضَوْؤُهَا. ﴿إِذَا تَلَاهَا﴾: تَبِعَهَا. ﴿وَطَحَاهَا﴾: دَحَاهَا. ﴿دَسَّاهَا﴾: أَغْوَاهَا. ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾: عَرَّفَهَا الشَّقَاءَ وَالسَّعَادَة. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بِطَغْوَاهَا﴾: بِمَعَاصِيهَا. ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾: عُقْبَى أَحَدٍ.
([٩١] سورة ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾)
مكية وآيها خمس عشرة.
(بسم الله الرحمن الرحيم) ثبت لفظ سورة والبسملة لأبي ذر.
(وقال مجاهد: ﴿ضحاها﴾) أي (ضوءها: ﴿إذا تلاها﴾) أي (تبعها) طالعًا عند غروبها (﴿وطحاها﴾) أي (دحاها).
(﴿دساها﴾) أي (أغواها) وأصله دسسها فكثر الأمثال فأبدل من ثالثها حرف علة.
(﴿فألهمها﴾) أي (عرّفها الشقاء والسعادة) وهذا كله ثابت للنسفي ساقط من الفرع كأصله.
(وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي (﴿بطغواها﴾) أي (بمعاصيها).
(﴿ولا يخاف عقباها﴾) أي (عقبى أحد).
٤٩٤٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَمْعَةَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ وَذَكَرَ النَّاقَةَ وَالَّذِي عَقَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ انْبَعَثَ لَهَا رَجُلٌ عَزِيزٌ عَارِمٌ مَنِيعٌ فِي رَهْطِهِ». مِثْلُ أَبِي زَمْعَةَ. وَذَكَرَ النِّسَاءَ فَقَالَ: «يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ يَجْلِدُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ، فَلَعَلَّهُ يُضَاجِعُهَا مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ». ثُمَّ وَعَظَهُمْ فِي ضَحِكِهِمْ مِنَ الضَّرْطَةِ وَقَالَ: «لِمَ يَضْحَكُ أَحَدُكُمْ مِمَّا يَفْعَلُ»؟ وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مِثْلُ أَبِي زَمْعَةَ عَمِّ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ».
стр. 5709
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدّثنا وهيب) بضم الواو مصغرًا ابن خالد قال: (حدّثنا هشام عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوّام (أنه أخبره عبد الله بن زمعة) بفتح الزاي وسكون الميم وفتحها وبالعين المهملة وأمه قريبة أخت أم سلمة أم المؤمنين ﵄ (أنه سمع النبي ﷺ يخطب) فخطب وذكر ما قصده من الموعظة أو غيرها (وذكر الناقة) المذكورة في هذه السورة وهي ناقة صالح (و) ذكر (الذي عقر) ها وهو قدار بن سالف وهو أحيمر ثمود الذي قال الله تعالى فيه فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر (فقال رسول الله ﷺ ¬):
(﴿إذ انبعث أشقاها﴾ انبعث) قام (لها رجل عزيز) شديد قوي (عارم) بعين وراء مهملتين جبار صعب مفسد خبيث (منيع) قوي ذو منعة (في رهطه) قومه (مثل أبي زمعة) جد عبد الله بن زمعة المذكور في عزته ومنعته في قومه ومات كافرًا بمكة (وذكر) ﵊ في خطبته (النساء) أي ما يتعلق جهن استطرادًا فذكر ما يقع من أزواجهن (فقال: يعمد) بكسر الميم أي يقصد (أحدكم يجلد) ولأبي ذر فيجلد (امرأته جلد العبد فلعله يضاجعها من آخر يومه) أي يجامعها (ثم وعظهم) ﵊ (في ضحكهم). ولأبي ذر عن الكشميهني في ضحك (من الضرطة وقال: لم يضحك أحدكم مما يفعل) وكانوا في الجاهلية إذا وقع ذلك من أحد منهم في مجلس يضحكون فنهاهم عن ذلك.
(وقال أبو معاوية) محمد بن خازم مما وصله إسحاق بن راهويه في مسنده (حدّثنا هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عبد الله بن زمعة) أنه قال (قال النبي ﷺ : مثل أبي زمعة عم الزيير بن العوّام) أي عمه مجازًا لأنه الأسود بن المطلب بن أسد والعوام بن خويلد بن أسد فنزل ابن العم منزلة الأخ فأطلق عليه عما بهذا الاعتبار كذا جزم الدمياطي باسم أبي زمعة هنا وهو المعتمد قاله في فتح الباري.
[٩٢] سورة ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿بِالْحُسْنَى﴾: بِالْخَلَفِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿تَرَدَّى﴾: مَاتَ. ﴿وَتَلَظَّى﴾: تَوَهَّجُ. وَقَرَأَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: تَتَلَظَّى.
([٩٢] سورة ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾)
مكية وآيها إحدى وعشرون.
(بسم الله الرحمن الرحيم) ثبت سورة والبسملة لأبي ذر.
(وقال ابن عباس) فيما وصله ابن أبي حاتم (﴿بالحسنى﴾) ولأبي ذر ﴿وكذب بالحسنى﴾ (بالخلف) أي لم يوقن أن الله سيخلف عليه ما أنفقه في طاعته (وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي (﴿تردى﴾) أي (مات) وقيل تردى في حفرة القبر وقيل في قعر جهنم (﴿وتلظى﴾) أي (توهج)
стр. 5710
وتتوقد (وقرأ عبيد بن عمير) بضم عينهما مصغرين فيما وصله سعيد بن منصور (تتلظى) بتاءين على الأصل.
١ - باب ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾
هذا (باب) بالتنوين أي في قوله تعالى (﴿والنهار إذا تجلى﴾) أي ظهر بزوال ظلمة الليل وثبت باب وما بعده لأبي ذر.
٤٩٤٣ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: دَخَلْتُ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ الشَّأْمَ، فَسَمِعَ بِنَا أَبُو الدَّرْدَاءِ فَأَتَانَا فَقَالَ: أَفِيكُمْ مَنْ يَقْرَأُ؟ فَقُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: فَأَيُّكُمْ أَقْرَأُ؟ فَأَشَارُوا إِلَيَّ، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقَرَأْتُ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَالذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [الليل: ١ - ٣] قَالَ: آنْتَ سَمِعْتَهَا مِنْ فِي صَاحِبِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: وَأَنَا سَمِعْتُهَا مِنْ فِي النَّبِيِّ ﷺ ، وَهَؤُلَاءِ يَأْبَوْنَ عَلَيْنَا.
وبه قال: (حدّثنا قبيصة بن عقبة) السوائي العامري قال: (حدّثنا سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري (عن الأعمش) سليمان (عن إبراهيم) النخعي (عن علقمة) بن قيس أنه (قال: دخلت في نفر من أصحاب عبد الله) يعني ابن مسعود (الشام فسمع بنا أبو الدرداء) عويمر بن مالك (فأتانا فقال: أفيكم) بهمزة الاستفهام الاستخباري (من يقرأ)؟ القرآن (فقلنا: نعم، قال: فأيكم أقرأ)؟ أي أحفظ أو أحسن قراءة قال علقمة (فأشاروا إليّ) بتشديد الياء (فقال: اقرأ فقرأت (﴿والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى﴾) بحذف ﴿وما خلق﴾ وبالخفض (قال) أي أبو الدرداء ولأبي الوقت فقال: (آنت سمعتها) بمد الهمزة (من في صاحبك)؟ عبد الله بن مسعود أي من فمه (قلت: نعم قال) أبو الدرداء (وأنا سمعتها من في النبي) أي من فمه (¬ ﷺ ¬) كذلك (وهؤلاء) يعني أهل الشام (يأبون علينا) بفتح الموحدة ويقولون المتواترة وما خلق الذكر والأنثى.
٢ - باب ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾
هذا (باب) بالتنوين أي في قوله تعالى: (﴿وما خلق الذكر والأنثى﴾) [الليل: ١٣] ثبت باب لأبي ذر.
٤٩٤٤ - حَدَّثَنَا عُمَرُ حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قَدِمَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ فَطَلَبَهُمْ فَوَجَدَهُمْ فَقَالَ: أَيُّكُمْ يَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ؟ قَالَ كُلُّنَا: قَالَ: فَأَيُّكُمْ يَحْفَظُ؟ وَأَشَارُوا إِلَى عَلْقَمَةَ، قَالَ: كَيْفَ سَمِعْتَهُ يَقْرَأُ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ قَالَ عَلْقَمَةُ: ﴿وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى﴾ قَالَ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ هَكَذَا، وَهَؤُلَاءِ يُرِيدُونِي عَلَى أَنْ أَقْرَأَ ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ وَاللَّهِ لَا أُتَابِعُهُمْ.
стр. 5711
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) سقط ابن حفص لغير أبي ذر قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان (عن إبراهيم) النخعي أنه (قال: قدم أصحاب عبد الله) يعني ابن مسعود هم علقمة بن قيس وعبد الرحمن والأسود ابنا يزيد النخعي (على أبي الدرداء) وهذا صورته صورة إرسال لأن إبراهيم لم يحضر القصة لكن في الرواية السابقة عن إبراهيم عن علقمة وحينئذٍ فلا إرسال في هذه الرواية (فطلبهم فوجدهم فقال: أيكم يقرأ على قراءة عبد الله) يعني ابن مسعود (قال) أي علقمة (كلنا) يقرأ على قراءته (قال) أبو الدرداء (فأيكم يحفظ) ولأبي ذر أحفظ (وأشاروا) ولأبي ذر فأشاروا (إلى علقمة) بن قيس (قال) أبو الدرداء: (كيف سمعته)؟ يعني ابن مسعود (يقرأ: ﴿والليل إذا يغشى﴾ قال علقمة: ﴿والذكر والأنثى﴾) بالخفض (قال) أبو الدرداء (أشهد أني سمعت النبي ﷺ يقرأ هكذا وهؤلاء) أي أهل الشام (يريدوني) ولأبي ذر يريدونني (على أن أقرأ ﴿وما خلق الذكر والأنثى﴾ والله لا أتابعهم) على هذه القراءة قال ذلك لما تيقنه من سماع ذلك من رسول الله ﷺ ولعله لم يعلم بنسخه ولم يبلغه مصحف عثمان المجمع عليه المحذوف منه كل منسوخ.
٣ - باب قَوْلُهُ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾
قوله (فأما) ولأبي ذر باب بالتنوين أي في قوله تعالى (﴿فأما من أعطى﴾) الطاعة (﴿واتقى﴾) المعصية.
٤٩٤٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ فِي جَنَازَةٍ، فَقَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ». فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَتَّكِلُ؟ فَقَالَ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ». ثُمَّ قَرَأَ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠].
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن الأعمش) سليمان (عن سعد بن عبيدة) بسكون العين في الأول وضمها في الثاني مصغرًا أبي حمزة بالحاء المهملة والزاي ختن أبي عبد الرحمن السلمي (عن أبي عبد الرحمن السلمي) بضم السين وفتح اللام (عن عليّ) هو ابن أبي طالب (¬﵁¬) أنه (قال: كنا مع النبي ﷺ بقيع الغرقد) مقبرة المدينة منّ الله عليّ بالدفن بها مع خاتمة الإسلام (في جنازة) لم يسم صاحبها (فقال) ﷺ :
(ما منكم من أحد إلا وقد كُتب مقعده من الجنة ومقعده من النار) موضع قعوده منهما كناية عن كونه من أهل الجنة أو النار باستقراره فيها والواو المتوسطة بينهما لا يمكن أن تجري على ظاهرها فإن ما النافية ومن الاستغراقية يقتضيان أن يكون لكل أحد مقعد من النار ومقعد من الجنة فيجب أن يقال إن الواو بمعنى أو وقد ورد بلفظ أو من طريق محمد بن جعفر عن شعبة عن
стр. 5712
الأعمش في الباب الآتي بعد الباب اللاحق (فقالوا: يا رسول الله أفلا نتّكل)؟ أي أفلا نعتمد على كتابنا الذي قدر الله علينا وعند ابن مردويه في تفسيره من طريق جابر أن السائل عن ذلك سراقة بن جعشم وفي مسند أحمد أنه أبو بكر وفي مسند عمر لأبي بكر المروزي والبزار أنه عمر وقيل في الراوي (فقال) ﵊ (اعملوا فكلٌّ ميسر) أي مهيأ لما خلق له ثم قرأ (﴿فأما من أعطى واتقى * وصدّق بالحسنى﴾ -إلى قوله- ﴿للعسرى﴾) [الليل: ٥ - ١٠] وسقط لأبي ذر وصدق الخ وقال بعد قوله: ﴿واتقى﴾ الآية.
٤ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾
هذا (باب قوله: (﴿وصدق بالحسنى﴾) أي بالكلمة الحسنى وهي ما دل على حق ككلمة التوحيد والباب وتاليه ثابتان لأبي ذر.
٠٠٠٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَلِيٍّ، ﵁ قَالَ: كُنَّا قُعُودًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا عبد الواحد) بن زياد البصري قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان (عن سعد بن عبيدة) بالتصغير (عن أبي عبد الرحمن) السلمي (عن عليّ ﵁) أنه (قال: كنا قعودًا عند النبي ﷺ فذكر الحديث) السابق زاد أبو ذر نحوه.
٥ - باب ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾
هذا (باب) بالتنوين أي في قوله جل وعلا (﴿فسنيسره لليسرى﴾) أي للجنة وثبت باب لأبي ذر.
٤٩٤٦ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ فِي جَنَازَةٍ، فَأَخَذَ عُودًا يَنْكُتُ فِي الأَرْضِ فَقَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ، أَوْ مِنَ الْجَنَّةِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَتَّكِلُ؟ قَالَ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٥] الآيَةَ، قَالَ شُعْبَةُ: وَحَدَّثَنِي بِهِ مَنْصُورٌ فَلَمْ أُنْكِرْهُ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ.
وبه قال: (حدّثنا بشر بن خالد) بكسر الموحدة وسكون المعجمة الفرائضي العسكري قال: (أخبرنا) ولأبي ذر حدّثنا (محمد بن جعفر) غندر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن سليمان) الأعمش (عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان في جنازة) لم يسم صاحبها (فأخذ عودًا ينكتُ) بمثناة نوقية يضرب به (في الأرض) فعل المتفكّر في شيء مهمّ (فقال):
стр. 5713
(ما منكم من أحد إلا وقد كُتب مقعده من النار أو من الجنة. قالوا): قيل السائل سراقة وقيل علي الراوي وقيل عمر (يا رسول الله أفلا نتكل) أي نعتمد على كتابنا وندع العمل (قال) ﵊: (اعملوا فكل ميسر) زاد في رواية في الباب اللاحق لما خلق له أما من كان من أهل السعادة فسيصير لعمل السعادة وأما من كان من أهل الشقاوة فسيصير لعمل الشقاوة ثم قرأ (﴿فأما من أعطى واتقى * وصدّق بالحسنى﴾ [الليل: ٥] الآية.
وقال الخطابي: في قولهم ألا نتكل على كتابنا مطالبة منهم بأمر يوجب تعطيل العبودية وروم أن يتخذوا حجة لأنفسهم في ترك العمل فأعلمهم ﷺ بقوله اعملوا فكلٌّ ميسر لما خلق له بأمرين لا يبطل أحدهما بالآخر باطن هو العلامة الموجبة في علم الربوبية وظاهر هو القسمة اللازمة في حق العبودية وهي أمارة مخيلة غير مفيدة حقيقة للعلم ونظيره الرزق المقسوم مع الأمر بالكسب والأجل المضروب في العمر مع المعالجة بالطب فإنك تجد المغيب فيهما علة موجبة والظاهر البادي سببًا مخيلًا وقد اصطلح الناس خاصتهم وعامتهم أن الظاهر فيهما لا يترك لسبب الباطن. قال في فتوح الغيب: تلخيصه عليكم بشأن العبودية وما خلقتم لأجله وأمرتم به وكلوا أمر الربوبية الغيبية إلى صاحبها فلا عليكم بشأنها.
(قال شعبة) بن الحجاج بالإسناد السابق: (وحدّثني به) بالحديث المذكور (منصور) هو ابن المعتمر (فلم أنكره من حديث سليمان) أي الأعمش بل وافق حديثه فما أنكر منه شيئًا.
٦ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾
(باب قوله) : (﴿وأما من بخل﴾) بما أمر به (﴿واستغنى﴾ بشهوات الدنيا) وثبت لأبي ذر باب قوله.
٤٩٤٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ». فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَتَّكِلُ؟ قَالَ: «لَا، اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ». ثُمَّ قَرَأَ: «﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾».
وبه قال: (حدّثتا يحيى) هو ابن موسى البلخي المشهور بخت قال: (حدّثنا وكيع) هو ابن الجراح الرؤاسي بضم الراء وبالهمزة بعدها سين مهملة (عن الأعمش) سليمان (عن سعد بن عبيدة) ختن أبي عبد الرحمن (عن أبي عبد الرحمن) السلمي (عن علي ﵁) وفي اليونينية ﵇ أنه (قال: كنا جلوسًا عند النبي ﷺ ¬) في جنازة في بقيع الغرقد (فقال):
(ما منكم من أحد إلا وقد كُتب مقعده من الجنة ومقعده من النار. فقلنا) ولأبي ذر قلنا: (يا رسول الله أفلا نتكل) أي على كتابنا وندع العمل (قال: لا اعملوا فكلٌّ ميسر) أي لما خلق له (ثم
стр. 5714
قرأ) ﵊ (﴿فأما من أعطى واتقى* وصدّق بالحسنى *فسنيسره لليسرى﴾) فسنهيئه للخلة التي تؤدي إلى يسر (إلى قوله: ﴿فسنيسره للعسرى﴾) للخلة المؤدية للعسر والشدة لدخول النار. قال الطيبي: وأما وجه تأنيث اليسرى والعسرى فإن كان المراد منهما جماعة الأعمال فذلك ظاهر وإن كان المراد عملًا واحدًا فيرجع التأنيث إلى الحالة أو الفعلة ويجوز أن يراد الطريقة اليسرى والعسرى.
٧ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾
قوله: ﴿وكذب﴾ ولأبي ذر (باب) بالتنوين أي في (قوله) جل وعلا: (﴿وكذب بالحسنى﴾).
٤٩٤٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ، وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ، فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، وَمَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ، إِلاَّ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلاَّ قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً». قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ، فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ، فَسَيَصِيرُ إِلَى أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ؟ قَالَ: «أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاءِ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٥] الآيَةَ.
وبه قال: (حدّثنا عثمان بن أبي شيبة) هو ابن محمد بن أبي شيبة ونسبه لجده لشهرته به العبسي الكوفي قال: (حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد الرازي (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي ﵁) أنه (قال: كنا في جنازة) لم يسم صاحبها (في بقيع الغرقد) مقبرة المدينة (فأتانا رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة) بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الصاد المهملة والراء عصا (فنكس) بفتح النون والكاف مشددة بعدها سين مهملة (فجعل ينكت بمخصرته) في الأرض (ثم قال) ﵊:
(ما منكم من أحد وما من نفس منفوسة) مولودة (إلا كتب مكانها) الذي تصير إليه (من الجنة والنار وإلا قد كتبت) ولأبي ذر عن الكشميهني وإلا كتبت بإسقاط قد وله عن الحموي والمستملي أو قد كتبت (شقية أو سعيدة) ولأبي ذر أو قد كتبت سعيدة (قال) ولأبي ذر فقال (رجل: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى أهل السعادة) ولأبي ذر إلى عمل أهل السعادة (ومن كان منا من أهل الشقاء) ولأبي ذر من أهل الشقاوة (فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة) ولأبي ذر أهل الشقاء (قال) ﵊: (أما
стр. 5715
أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاء) ولأبي ذر عن الكشميهني الشقاوة (ثم قرأ) ﵊ (﴿فأما من أعطى واتقى* وصدق بالحسنى﴾ الآية) إلى آخرها.
٨ - باب ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾
هذا (باب) بالتنوين أي في قوله تعالى: (﴿فسنيسره للعسرى﴾) وسقط لغير أبي ذر باب.
٤٩٤٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي جَنَازَةٍ، فَأَخَذَ شَيْئًا فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِهِ الأَرْضَ فَقَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، إِلاَّ وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ، وَمَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟ قَالَ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٥]» الآيَةَ.
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن الأعمش) سليمان أنه (قال: سمعت سعد بن عبيدة) بسكون العين الأولى وضم الثانية (يحدّث عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي ﵁¬) أنه (قال: كان النبي ﷺ جنازة) بالبقيع (فأخد شيئًا فجعل ينكت) بالفوقية (به الأرض) في الرواية السابقة فجعل ينكت بمخصرته في الأرض (فقال):
(ما منكم من أحد إلا وقد) ولأبي ذر إلا قد (كتب مقعده) أي موضع قعوده (من النار ومقعده) موضع قعوده (من الجنة. قالوا: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا) المكتوب في الأزل (وندع العمل) أي نتركه إذ لا فائدة فيه مع سبق القضاء لكل واحد منا بالجنة أو النار (قال) ﵊ مجيبًا لهم (اعملوا فكلٌّ ميسر) مهيأ (لما خلق له أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعاة وأما من كان من أهل الشقاء فييسر لعمل أهل الشقاوة) ولأبي ذر عن الكشميهني فسييسر بسين بعد الفاء بدل الياء وعن الحموي والمستملي الشقاء بالمد وإسقاط الواو والهاء وسقط لأبي ذر لفظ أهل قال المظهري جوابه ﵊ بقوله اعملوا هو من أسلوب الحكيم منعهم ﵊ عن الاتكال وترك العمل وأمرهم بالتزام ما يجب على العبد من امتثال أمر مولاه وعبوديته وتفويض الأمر إليه. قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦] ولا يدخل أحد الجنة بعمله (ثم قرأ) ﵊ (﴿فأما من أعطى واتقى* وصدق بالحسنى﴾ الآية).
وقد ذكر ابن جرير أن هذه الآية نزلت في الصديق ثم روى بسنده إلى عبد الله بن الزبير قال: كان أبو بكر يعتق على الإسلام بمكة وكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن فقال له أبوه أي
стр. 5716
بني أراك تعتق أناسًا ضعافًا فلو أنك تعتق رجالًا جلداء يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك فقال أي أبت إنما أريد ما عند الله قال فحدّثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية أنزلت فيه ﴿فأما من أعطى﴾ إلى آخرها وذكر غير واحد من المفسرين أن قوله تعالى ﴿وسيجنبها الأتقى﴾ [الليل: ١٧] إلى آخرها نزلت فيه أيضًا حتى أن بعضهم حكى إجماع المفسرين عليه ولا شك أنه داخل فيها وأولى لأمة بعمومها ولكنه مقدم الأمة وسابقهم في جميع الأوصاف الحميدة.
[٩٣] سُورَةُ وَالضُّحَى
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿إِذَا سَجَى﴾: اسْتَوَى، وَقَالَ غَيْرُهُ: أَظْلَمَ وَسَكَنَ. ﴿عَائِلًا﴾: ذُو عِيَالٍ.
([٩٣] سُورَةُ وَالضُّحَى)
مكية وآيها إحدى عشرة.
(بسم الله الرحمن الرحيم) ثبت لفظ سورة والبسملة لأبي ذر.
(وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي: (﴿إذا سجى﴾) ولأبي ذر إذا سجا مكتوب بالألف بدل الياء (استوى. وقال غيره) غير مجاهد معناه (أظلم) ولأبي ذر سجا أظلم قاله الفراء وقال الفراء وقال ابن الأعرابي اشتدّ ظلامه (و) قيل (سكن) ومنه سجا البحر يسجو سجوًّا أي سكنت أمواجه وليلة ساجية ساكنة الريح (﴿عائلًا﴾) قال أبو عبيدة: أي (ذو عيال) يقال أعال الرجل أي كثر عياله وعال أي افتقر.
١ - باب قَوْلُهُ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾
هذا (باب قوله: ﴿ما ودعك﴾) ما تركك منذ اختارك (﴿ربك وما قلى﴾) وما أبغضك منذ أحبك وحذف المفعول استغناء بذكره فيما ممبق ومراعاة للفواصل وثبت باب لأبي ذر.
٤٩٥٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُبَ بْنَ سُفْيَانَ ﵁ قَالَ: اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ قَدْ تَرَكَكَ، لَمْ أَرَهُ قَرِبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ١ - ٣].
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) التميمي اليربوعي الكوفي ونسبه لجده واسم أبيه عبد الله قال: (حدّثنا زهير) بضم الزاي مصغرًا ابن معاوية قال: (حدّثنا الأسود بن قيس) العبدي (قال: سمعت جندب بن سفيان) بضم الجيم والدال المهملة وفتحها أيضًا وهو جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي (﵁ قال: اشتكى) مرض (رسول الله ﷺ فلم يقم) للتهجد (ليلتين) وفي
стр. 5717
نسخة ليلة بالإفراد (أو ثلاثًا) بالشك والنصب على الظرفية (فجاءت امرأة) هي العوراء بنت حرب أخت أبي سفيان وهي حمالة الحطب زوج أبي لهب كما عند الحاكم (فقالت) متهكمة: (يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك لم أره قربك) فتح القاف وكسر الراء قربه يقربه بفتح الراء متعديًا ومنه لا تقربوا الصلاة وأما قرب بضمها فهو لازم تقول قرب الشيء إذا دنا وقربته بالكسر أي دنوت منه وهنا متعدٍّ (من ليلتين أو ثلاثًا) نصب وفي نسخة أو ثلاث ولأبي ذر أو ثلاثة خفض بمنذ (فأنزل الله (﴿والضحى﴾) وقت ارتفاع الشمس أو النهار كله (﴿والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى﴾) وقدم الليل على النهار في السورة السابقة باعتبار الأصل والنهار في هذه باعتبار الشرف.
٢ - باب قَوْلُهُ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾
تُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ: مَا تَرَكَكَ رَبُّكَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا تَرَكَكَ وَمَا أَبْغَضَكَ.
(باب قوله: ﴿ما﴾) وللمستملي باب بالتنوين أي في قوله تعالى ما (﴿ودعك ربك وما قلى﴾ تقرأ) ودعك (بالتشديد) في الدال وهي قراءة العامة (وبالتخفيف) وهي قراءة عروة وهشام ابنه وأبي حيوة وابن أبي عبلة وهما (بمعنى واحد) أي (ما تركك ربك. وقال ابن عباس) مما وصله ابن أبي حاتم (ما تركك وما أبغضك).
٤٩٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبًا الْبَجَلِيَّ قَالَتِ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أُرَى صَاحِبَكَ إِلاَّ أَبْطَأَكَ. فَنَزَلَتْ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشدّدة بندار قال: (حدّثنا محمد بن جعفر غندر) ولأبي ذر إسقاط محمد بن جعفر وقال حدّثنا غندر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن الأسود بن قيس) العبدي أنه (قال: سمعت جندبًا البجلي) بفتح الموحدة والجيم يقول (قالت امرأة) هي خديجة أم المؤمنين توجعًا وتأسفًا (يا رسول الله: ما أرى) بضم الهمزة ما أظن ولأبي ذر ما أرى بفتحها (صاحبك) جبريل (إلا أبطأك﴾) أي جعلك بطيئًا في القراءة لأن بطأه في الإقراء بطء في قراءته أو هو من باب حذف حرف الجر وإيصال الفعل به قاله الكرماني (فنزلت ﴿ما ودعك ربك وما قلى﴾).
وهذا الحديث سبق في باب ترك القيام للمريض.
[٩٤] سورة ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لك﴾
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿وِزْرَكَ﴾: فِي الْجَاهِلِيَّةِ. ﴿أَنْقَضَ﴾: أَثْقَلَ.
стр. 5718
﴿مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾: قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ أَيْ مَعَ ذَلِكَ الْعُسْرِ يُسْرًا آخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢]: وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿فَانْصَبْ﴾: فِي حَاجَتِكَ إِلَى رَبِّكَ. وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لك صَدْرَكَ﴾: شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ.
([٩٤] سورة ﴿ألم نشرح لك﴾)
مكية وآيها ثمان.
(بسم الله الرحمن الرحيم) ثبت لفظ لك والبسملة لأبي ذر.
(وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي: (﴿وزرك﴾) أي الكائن (في الجاهلية) من ترك الأفضل والذهاب إلى الفاضل.
(﴿أنقض﴾) أي (أثقل) بمثلثة فقاف فلام كذا في الفرع كأصله وعزاها في الفتح لابن السكن وفي نسخة أتقن وقال القاضي عياض إنها كذا في جميع النسخ بفوقية وبعد القاف نون وهو وهم والصواب الأول وأصله الصوت والنقيض صوت المحامل والرحال بالحاء المهملة (﴿مع العسر يسرًا﴾ قال ابن عيينة) سفيان: (أي مع ذلك العسر يسرًا آخر) لأن النكرة إذا أعيدت نكرة فهي غير الأولى فاليسر هنا اثنان والعسر واحد قال الفراء إذا ذكرت العرب نكرة ثم أعادتها منكرة مثلها صارتا اثنتين كقولك إذا كسبت درهمًا فأنفق درهمًا فإن الثاني غير الأوّل فإذا أعادتها معرفة فهي هي أي نحو قوله تعالى: ﴿كما أرسلنا إلى فرعون رسولًا* فعصى فرعون الرسول﴾ [المزمل: ١٥ - ١٦] وذكر الزجاج نحوه وقال السيد في الأمالي: وإنما كان العسر معرفًا واليسر منكرًا لأن الاسم إذا تكرر منكرًا فالثاني غير الأول كقولك جاءني رجل فقلت لرجل كذا وكذا وكذلك إن كان الأول معرفة والثاني نكرة نحو حضر الرجل فأكرمت رجلًا (كقوله) جل وعلا: (﴿هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين﴾) [التوبة: ٥٢] أي كما ثبت للمؤمنين تعدد الحسنى كذا ثبت لهم تعدد اليسر "ولن يغلب عسر يسرين" رواه سعيد بن منصور وعبد الرزاق من حديث ابن مسعود بلفظه قال: قال رسول الله ﷺ : "لو كان العسر في جحر لدخل عليه اليسر حتى يخرجه ولن يغلب عسر يسرين" ثم قال: ﴿إن مع العسر يسرًا *إن مع العسر يسرًا﴾ [الشرح: ٥ - ٦] وإسناده ضعيف وعن جابر عند ابن مردويه قال: قال رسول الله ﷺ : "أوحي إليّ أن مع العسر يسرًا إن مع العسر يسرًا ولن يغلب عسر يسرين".
(وقال مجاهد) فيما وصله ابن المبارك في الزهد: (﴿فانصب﴾) أي (في حاجتك إلى ربك) وقال ابن عباس: إذا فرغت من الصلاة المكتوبة فانصب إلى ربك في الدعاء وارغب إليه في المسألة.
(ويذكر عن ابن عباس) مما وصله ابن مردويه بإسناد فيه راوٍ ضعيف في قوله تعالى: (﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ شرح الله صدره للإسلام) وقيل ألم نفتح قلبك ونوسعه للإيمان والنبوة والعلم
стр. 5719
والحكمة والاستفهام إذا دخل على النفي قرره فصار المعنى قد شرحنا وسقط لغير أبي ذر لك صدرك.
[٩٥] سورة وَالتِّينِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ التِّينُ وَالزَّيْتُونُ الَّذِي يَأْكُلُ النَّاسُ. يُقَالُ: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ﴾؟ فَمَا الَّذِي يُكَذِّبُكَ بِأَنَّ النَّاسَ يُدَانُونَ بِأَعْمَالِهِمْ؟ كَأَنَّهُ قَالَ: وَمَنْ يَقْدِرُ عَلَى تَكْذِيبِكَ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَاب؟ ِ
([٩٥] سورة وَالتِّينِ)
مكية أو مدنية وآيها ثمان وثبت لفظ سورة لأبي ذر.
(وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي (هو التين والزيتون الذي يأكل الناس) وخصهما بالقسم لأن التين فاكهة طيبة لا فضل لها وغذاء لطيف سريع الهضم ودواء كثير النفع لأنه يلين الطبع ويحلل البلغم ويطهر الكليتين ويزيل رمل المثانة ويفتح سدة الكبد والطحال ويسمن البدن ويقطع البواسير وينفع من النقرس ويشبه فواكه الجنة لأنه بلا عجم ولا يمكث في المعدة ويخرج بطريق الرشح، وأما الزيتون ففاكهة وإدام ودواء وله دهن لطيف كثير المنافع وينبت في الجبال التي ليست فيها دهنية فلما كان فيهما هذه المنافع الدالّة على قدرة خالقهما لا جرم أقسم الله بهما، وعن ابن عباس فيما رواه ابن أبي حاتم مسجد نوح الذي بني على الجودي، وقيل التين مسجد أصحاب الكهف والزيتون مسجد إيلياء.
(يقال: ﴿فما يكذبك﴾) أي (فما الذي يكذبك بأن الناس يدانون بأعمالهم) يجُازون بها ولأبي ذر عن الحموي والمستملي يدالون باللام بدل النون والأول هو الصواب (كأنه قال: ومن يقدر على تكذيبك بالثواب والعقاب) زاد الفراء بعد ما تبين له كيفية خلقه وما استفهامية في محل رفع بالابتداء والخبر الفعل بعدها والمخاطب الرسول وقيل الإنسان على طريقة الالتفات.
١ - باب
٤٩٥٢ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ. أَخْبَرَنِي عَدِيٌّ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي سَفَرٍ فَقَرَأَ فِي الْعِشَاءِ فِي إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ. ﴿تَقْوِيمٍ﴾: الْخَلْقِ.
وبه قال: (حدّثنا حجاج بن منهال) البرساني قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال أخبرني) بالإفراد (عدي) هو ابن ثابت (قال: سمعت البراء) بن عازب (﵁ أن النبي ﷺ كان في سفر فقرأ في) صلاة (العشاء في إحدى الركعتين) في النسائي في الركعة الأولى (بالتين والزيتون) وفي كتاب الصحابة لابن السكن في ترجمة ورقة بن خليفة رجل من أهل اليمامة أنه
стр. 5720
قال: سمعنا بالنبي ﷺ فأتيناه فعرض علينا الإسلام فأسلمنا وأسهم لنا وقرأ في الصلاة بالتين والزيتون إنا أنزلناه في ليلة القدر. قال في الفتح: فيمكن إن كانت في الصلاة التي عين البراء بن عازب أنها العشاء أن يقال قرأ في الأولى بالتين وفي الثانية بالقدر.
(﴿تقويم﴾) قال مجاهد (الخلق) بفتح الخاء وسكون اللام يعني أنه خص الإنسان بانتصاب القامة وحسن الصورة وكل حيوان منكب على وجهه وقوله في أحسن تقويم صفة لمحذوف أي في تقويم أحسن تقويم وسقط لأبي ذر تقويم الخلق.
[٩٦] سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾
وَقَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَتِيقٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: اكْتُبْ فِي الْمُصْحَفِ فِي أَوَّلِ الإِمَامِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَاجْعَلْ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ خَطًّا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿نَادِيَهُ﴾: عَشِيرَتَهُ. ﴿الزَّبَانِيَةَ﴾: الْمَلَائِكَةَ. وَقَالَ مَعْمَرٌ ﴿الرُّجْعَى﴾: الْمَرْجِعُ. ﴿لَنَسْفَعَنْ﴾: لَنَأْخُذَنْ. ﴿وَلَنَسْفَعَنْ﴾: بِالنُّونِ وَهْيَ الْخَفِيفَةُ. ﴿سَفَعْتُ﴾ بِيَدِهِ: أَخَذْتُ.
([٩٦] سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾)
مكية وآيها تسع عشرة.
وقولها (﴿اقرأ باسم ربك﴾) أي اقرأ القرآن مفتتحًا باسمه مستعينًا به وسقط لفظ سورة لغير أبي ذر.
(وقال) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي حدّثنا (فتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا حماد) هو ابن زيد (عن يحيى بن عتيق) الطفاوي بضم الطاء وبالفاء (عن الحسن) البصري (قال: اكتب في المصحف في أوّل الإمام) أول القرآن الذي هو الفاتحة (بسم الله الرحمن الرحيم) فقط (واجعل بين السورتين خطًّا) يكون علامة فاصلة بينهما من غير بسملة وهو مذهب حمزة حيث قرأ بالبسملة أول الفاتحة فقط.
(وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي (﴿ناديه﴾) أي (عشيرته) فليستنصر بهم وأصل النادي المجلس الذي يجمع الناس ولا يسمى ناديًا ما لم يكن فيه أهله.
(﴿الزبانية﴾) أي (الملائكة) وسموا بذلك لأنهم يدفعون أهل النار إليها بشدّة مأخوذ من الزبن وهو الدفع (وقال معمر) أبو عبيدة (﴿الرجعى﴾) هي (المرجع) في الآخرة وفيه تهديد لهذا الإنسان من عاقبة الطغيان وسقط معمر لغير أبي ذر وحينئذٍ فيكون من قول مجاهد والأول أوجه لوجوده عن أبي عبيد (﴿لنسفعن﴾) أي (لنأخذن) بناصيته فلنجرنه إلى النار ولغير أبي ذر قال لنأخذن (﴿ولنسفعن﴾ بالنون وهي الخفيفة) وفي رسم المصحف بالألف (سفعت بيده) بفتح السين والفاء وسكون العين أي (أخذت) قاله أبو عبيدة أيضًا.
стр. 5721
١ - باب
هذا (باب) بالتنوين بدون ترجمة وهو ثابت لأبي ذر.
٤٩٥٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ مَرْوَانَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رِزْمَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو صَالِحٍ سَلْمَوَيْهِ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: كَانَ أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلاَّ جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ فَكَانَ يَلْحَقُ بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ. قَالَ: وَالتَّحَنُّثُ: التَّعَبُّدُ. اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ، قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ، فَيَتَزَوَّدُ بِمِثْلِهَا، حَتَّى فَجِئَهُ الْحَقُّ وَهْوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا أَنَا بِقَارِئٍ. قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّى الْجُهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيِةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجُهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجُهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥]». فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ فَقَالَ: «زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي»، فَزَمَّلُوهُ. حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ. قَالَ لِخَدِيجَةَ: «أَيْ خَدِيجَةُ مَا لِي لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي»؟ فَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ. قَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلاَّ أَبْشِرْ، فَوَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، فَوَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ. وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ. فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ، وَهْوَ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ أَخِي أَبِيهَا، وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ، وَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالْعَرَبِيَّةِ، مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ يَا ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ، قَالَ وَرَقَةُ يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ خَبَرَ مَا رَأَى فَقَالَ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى، لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا. لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا ذَكَرَ حَرْفًا. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ»؟ قَالَ وَرَقَةُ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلاَّ أُوذِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ حَيًّا أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ الْوَحْيُ فَتْرَةً حَتَّى حَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) القرشي المصري ونسبه لجده لشهرته به واسم أبيه عبد الله وسقط ابن بكير لغير أبي ذر قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام المصري (عن عقيل) بضم العين مصغرًا ابن خالد (عن ابن شهاب) الزهري قال المؤلّف:
стр. 5722
(وحدّثني) بالإفراد وسقطت الواو لغير أبي ذر (سعيد بن مروان) بكسر العين أبو عثمان البغدادي نزيل نيسابور قال: (حدّثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة) بكسر الراء وسكون الزاي قال: (أخبرنا أبو صالح) سليمان ولقبه (سلمويه) بفتح السين المهملة واللام وسكنها أبو ذر ابن صالح الليثي المروزي قال: (حدّثني) بالإفراد (عبد الله) بن المبارك (عن يونس بن يزيد) من الزيادة أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (ابن شهاب) الزهري (أن عروة بن الزبير) بن العوّام (أخبره أن عائشة زوج النبي ﷺ ¬) ﵂ (قالت) واللفظ للسند الثاني (كان أول ما بدئ به رسول الله ﷺ ¬) زاد في بدء الوحي من الوحي (الرؤيا الصادقة في النوم) وعائشة لم تدرك ذلك فيحمل على أنها سمعت ذلك منه ﷺ ويؤيده قولها الآتي إن شاء الله تعالى فجاءه الملك فقال اقرأ الخ وفي باب بدء الوحي الرؤيا الصالحة في النوم (فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت) مجيئًا (مثل فلق الصبح) عبر به لأن شمس النبوة قد كانت مبادئ أنوارها الرؤيا إلى أن ظهرت أشعتها وتم نورها (ثم حبب إليه الخلاء) بالمد أي الاختلاء لأن فيه فراغ القلب والانقطاع عن الخلق (فكان يلحق) بفتح الحاء المهملة بعد اللام الساكنة آخره قاف وفي بدء الوحي يخلو ولابن إسحاق يجاور (بغار حراء) بالصرف على إرادة المكان جبل على يسار الذاهب إلى منى (فيتحنث فيه) بالمثلثة بعد النون (قال) عروة أو من دونه من الرواة (والتحنث) هو (التعبد الليالي ذوات العدد) مع أيامهن واقتصر على الليالي لأنهن أنسب للخلوة وزاد عبيد بن عمير عند ابن إسحاق فيطعم من يرد عليه من المساكين وعنده أيضًا أنه كان يعتكف فيه شهر رمضان (قبل أن يرجع إلى أهله) عياله (ويتزوّد لذلك) التعبد أو الخلوة (ثم يرجع إلى خديجة فيتزوّد بمثلها) بالموحدة، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي لمثلها باللام بدل الموحدة والضمير لليالي أو الخلوة أو العبادة أو المرة السابقة ويحتمل أن يكون المراد أنه يتزوّد لمثلها إذا حال الحول وجاء ذلك الشهر الذي جرت عادته أن يخلو فيه قال في الفتح وهذا عندي أظهر (حتى فجئه) بكسر الجيم أي أتاه (الحق) وهو الوحي مفاجأة (وهو في غار حراء) جملة في موضع الحال (فجاءه الملك) جبريل (فقال: اقرأ. فقال رسول الله ﷺ ¬):
(ما أنا بقارئ) ما نافية واسمها أنا وخبرها بقارئ أي ما أحسن أن أقرأ (قال فأخذني) جبريل (فغطني) أي ضمني وعصرني (حتى بلغ مني الجهد) بفتح الجيم والنصب أي بلغ الغط مني الجهد وبضم الجيم والرفع أي بلغ الجهد مبلغه (ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ فأخدني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد) وإنما فعل به ذلك ليفرغه عن النظر إلى أمر الدنيا ويقبل بكليته إلى ما يلقي إليه (ثم أرسلني قال ﴿اقرأ باسم ربك﴾) قال الحافظ ابن حجر لعل الحكمة في تكرير الإقراء الإشارة إلى انحصار الإيمان الذي ينشأ الوحي بسببه في ثلاث القول والعمل والنية وإن الوحي يشتمل على ثلاثة التوحيد والأحكام والقصص وفي تكرير الغط الإشارة إلى الشدائد الثلاث التي وقعت له ﵊ وهي الحصر في الشعب وخروجه في الهجرة وما وقع يوم أُحُد في الإرسالات الثلاث إلى حصول التيسير له عقب الثلاث المذكورة (﴿الذي خلق﴾) الخلائق
стр. 5723
(﴿خلق الإنسان﴾) الجنس (﴿من علق﴾) جمع علقة وهي القطعة اليسيرة من الدم الغليظ (﴿اقرأ وربك الأكرم﴾) الذي لا يوازيه كريم ولا يعادله في الكرم نظير (﴿الذي علم﴾) الخط (﴿بالقلم﴾) قال قتادة القلم نعمة من الله عظيمة لولا ذلك لم يقم دين ولم يصلح عيش (﴿علم الإنسان﴾) من العلوم والخط والصناعات (﴿ما لم يعلم﴾ الآيات) قبل تعليمه وسقط لأبي ذر قوله ﴿الذي علم بالقلم﴾ وقال الآيات إلى قولها ﴿علم الإنسان ما لم يعلم﴾ وهي خمس آيات وتاليها إلى آخرها نزل في أبي جهل وضم إليها (فرجع بها) أي بالآيات الخمس أو بسبب تلك الغطة (رسول الله ﷺ ترجف بوادره) جمع بادرة وهي اللحمة التي بين الكتف والعنق تضطرب عند الفزع ولأبي ذر عن الكشميهني فؤاده أي قلبه (حتى دخل على خديجة فقال: زملوني زملوني) مرتين للحموي والمستملي من التزميل وهو التلفيف وطلب ذلك ليسكن ما حصل له من الرعدة من شدة هول الأمر وثقله (فزملوه) بفتح الميم كما أمرهم (حتى ذهب عنه الروع) بفتح الراء أي الفزع (قال لخديجة: أي خديجة ما لي لقد) ولأبي ذر عن الكشميهني قد (خشيت على نفسي) أن لا أطيق حمل أعباء الوحي لما لقيته عند لقاء الملك (فأخبرها الخبر قالت خديجة) له ﵊: (كلا) أي لا خوف عليك (أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدًا) بالخاء المعجمة والزاي المكسورة وفي مرسل عبيد بن عمير أبشر يا ابن عم واثبت فوالذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة (فوالله إنك لتصل الرحم) أي القرابة (وتصدق الحديث وتحمل الكل) بفتح الكاف وتشديد اللام الضعيف المنقطع واليتيم (وتكسب المعدوم) بفتح التاء وكسر السين تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك (وتقري الضيف) بفتح أوّله من الثلاثي (وتعين على نوائب الحق) حوادثه.
(فانطلقت به خديجة) مصاحبة له (حتى أتت به ورقة بن نوفل) أي ابن أسد (وهو ابن عم خديجة أخي) ولأبي ذر أخو (أبيها) لأنه ورقة بن نوفل بن أسد وهي خديجة بنت خويلد بن أسد (وكان) ورقة (امرأ تنصّر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العربي ويكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب) أي كتابته وذلك لتمكنه في دين النصارى ومعرفته بكتابهم (وكان) ورقة (شيخًا كبيرًا) حال كونه (قد عمي فقالت خديحة: يا عم) ولأبي ذر يا ابن عم (اسمع من ابن أخيك) تعني النبي ﷺ لأن الأب الثالث لورقة هو الأخ للأب الرابع لرسول الله ﷺ أي اسمع منه الذي يقوله. (قال) له ﵊ (ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره النبي ﷺ خبر ما رأى فقال) له (ورقة: هذا الناموس) أي جبريل (الذي أنزل) بضم الهمزة (على موسى) وفي رواية الزبير بن بكار على عيسى وقد سبق في بدء الوحي مبحث ذلك (ليتني) وفي بدء الوحي يا ليتني بأداة النداء (فيها) في مدة النبوّة أو الدعوة (جدعًا) بفتح الجيم والمعجمة أي: ليتني شاب فيها (ليتني أكون حيًّا ذكر) ورقة بعد ذلك (حرفًا) وهي في الرواية الأخرى إذ يخرجك قومك أي من مكة (قال رسول الله ﷺ : أو مخرجي هم) بفتح الواو وتشديد التحتية وهم مبتدأ ومخرجي خبره مقدمًا وقدم الهمزة على العاطف لأن الاستفهام له الصدر نحو أو لم ينظروا والاستفهام للإنكار
стр. 5724
وبقية المباحث سبقت أوّل الكتاب (قال ورقة: نعم لم يأت رجل بما جئت به) من الوحي (إلا أُوذي) بضم الهمزة وكسر الذال المعجمة وفي بدء الوحي إلا عُودِيَ (وإن يدركني) بالجزم بإن الشرطية (يومك) فاعل يدركني أي يوم انتشار نبوّتك (حيًّا أنصرك) بالجزم جواب الشرط (نصرًا مؤزرًا) قومًا بليغًا صفة لنصر المنصوب على المصدرية (ثم لم ينشب ورقة) لم يلبث (أن توفي وفتر الوحي) أي احتبس (فترة حتى حزن رسول الله ﷺ ¬) وللحموي النبي (¬ ﷺ ¬).
زاد في التعبير من طريق معمر عن الزهري فيما بلغنا حزنًا غدًا منه مرارًا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدّى له جبريل فقال: يا محمد إنك رسول الله حقًّا فيسكن لذلك جأشه وتقرّ نفسه فيرجع فإذا طالت عليه فترة الوحي غدًا لمثل ذلك فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك. وهذه الزيادة خاصة برواية معمر والقائل فيما بلغنا الزهري وليس موصولًا. نعم يحتمل أن يكون بلغه بالإسناد المذكور وسقط قوله فيما بلغنا عند ابن مردويه في تفسيره من طريق محمد بن كثير عن معمر.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: والأوّل هو المعتمد، وقوله غدًا بالغين المعجمة من الذهاب غدوة أو بالعين المهملة من العدوة وهو الذهاب بسرعة وأما إرادته ﵊ إلقاء نفسه من رؤوس شواهق الجبال فحزنًا على ما فاته من الأمر الذي بشره به ورقة وحمله القاضي عياض على أنه لما أخرجه من تكذيب من بلغه كقوله تعالى: ﴿لعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفًا﴾ [الكهف: ٦] أو خاف أن الفترة لأمر أو سبب منه فخشي أن يكون عقوبة من ربه ففعل ذلك بنفسه ولم يرد بعد شرع عن ذلك فيعترض به.
وأما ما روى ابن إسحاق عن بعضهم أن النبي ﷺ قال وذكر جواره بحراء قال: فجاءني وأنا نائم فقال: اقرأ وذكر نحو حديث عائشة ﵂ في غطه له وإقرائه ﴿اقرأ باسم ربك﴾ [العلق: ١]. قال: فانصرف عني وهببت من نومي كأنما صوّرت في قلبي ولم يكن أبغض إليّ من شاعر أو مجنون، ثم قلت لا تحدّث عني قريش بهذا أبدًا لأعمدنّ إلى حالق من الجبل فلأطرحنّ نفسي منه فلأقتلنّها. فأجاب عنه القاضي بأنه إنما كان قبل لقائه جبريل وقيل إعلام الله له بالنبوّة وإظهاره واصطفائه بالرسالة. نعم خرّج الطبري من طريق النعمان بن راشد عن ابن شهاب أن ذلك بعد لقاء جبريل فذكر نحو حديث الباب وفيه فقال: يا محمد أنت رسول الله حقًّا. قال: فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق جبل أي علوه. وأجيب: بأن ذلك لضعف قوته عن تحمل ما حمله من أعباء النبوّة وخوفًا مما يحصل له من القيام بها من مباينة الخلق جميعًا كما يطلب الرجل إلى أخيه من غمٍّ يناله في العاجل ما يكون فيه زواله عنه ولو أفضى إلى إهلاك نفسه عاجلًا.
٤٩٥٤ - قَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيَّ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَهْوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ، قَالَ فِي حَدِيثِهِ: «بَيْنَا أَنَا أَمْشِي، سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي
стр. 5725
بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَفَرِقْتُ مِنْهُ فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي». فَدَثَّرُوهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرِّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ٥] قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَهْيَ الأَوْثَانُ الَّتِي كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَعْبُدُونَ، قَالَ ثُمَّ تَتَابَعَ الْوَحْيُ.
(قال محمد بن شهاب) الزهري بالإسناد الأول من السندين المذكورين أول هذا الباب: (فأخبرني) بالإفراد عروة بما سبق وأخبرني (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف وسقط ابن عبد الرحمن لغير أبي ذر (أن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ وهو يحدّث عن فترة الوحي) ولم يدرك جابر زمان القصة وهو محمول على أن يكون سمعه من النبي ﷺ (قال في حديثه):
(بينا) بغير ميم (أنا أمشي سمعت) وفي بدء الوحي إذ سمعت (صوتًا من السماء فرفعت بصري) ولأبي ذر عن الكشميهني رأسي (فإذا الملك الذي جاءني بحراء) هو جبريل ﵇ (جالس على كرسي بين السماء والأرض) وجالس رفع خبر عن الملك (ففرقت) بكسر الراء وسكون القاف أي خفت (منه فرجعت) إلى أهلي بسبب الفرق (فقلت) لهم (زملوني زملوني) مرتين (فدثروه) بالهاء (فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾) عن النجاسة أو قصرها (﴿والرجز فاهجر﴾) دُمْ على هجرها.
(قال أبو سلمة) بن عبد الرحمن بالسند السابق (و) الرجز: (هي الأوثان التي كان أهل الجاهلية يعبدونـ) ـها (قال: ثم تتابع الوحي) وأنّث ضمير الرجز بقوله وهي اعتبارًا بالجنس.
٢ - باب قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾
(قوله) جل وعلا: (﴿خلق﴾) ولأبي ذر باب خلق (﴿الإنسان من علق﴾).
٤٩٥٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ. فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾ [العلق: ١ - ٣].
وبه قال: (حدّثنا ابن بكير) يحيى بن عبد الله المصري قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين بن خالد (عن ابن شهاب) الزهري (عن عروة) بن الزبير (أن عائشة ﵂ قالت: أول) ولأبي ذر عن عائشة أول (ما بدئ به رسول الله ﷺ ¬) أي من الوحي (الرؤيا الصالحة) ولأبي ذر عن الكشميهني الصادقة زاد في رواية في النوم وهي تأكيد وإلاّ فالرؤيا مختصة بالنوم (فجاءه الملك فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾) وسقط السهيلي من هذا الأمر ثبوت البسملة في أول الفاتحة لأن هذا الأمر هو أول شيء نزل من القرآن فأولى مواضع امتثاله أول القرآن.
стр. 5726
٣ - باب قَوْلِهِ: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾
(باب قوله: ﴿اقرأ﴾) ولأبي ذر بالتنوين اقرأ (﴿وربك الأكرم﴾).
٤٩٥٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ ح. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، قَالَ مُحَمَّدُ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ، جَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق: ١ - ٤].
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني الإفراد (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام قال: (أخبرنا معمر) بسكون العين ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (ح) لتحويل السند كما مرّ.
(وقال الليث) بن سعد فيما وصله المؤلّف في بدء الوحي (حدّثني) بالإفراد (عقيل) بضم العين ابن خالد (قال محمد) هو ابن مسلم بن شهاب الزهري (أخبرني) بالإفراد (عروة) بن الزبير (عن عائشة ﵂) أنها قالت: (أول ما بدئ به رسول الله ﷺ الرؤيا الصادقة) بالقاف ولم يقل هنا في النوم ثم (جاءه الملك) جبريل (فقال ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾) الحديث اختصره هنا.
٤ - باب ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾
هذا (باب) بالتنوين أي في قوله تعالى (﴿الذي علم بالقلم﴾) ثبت هذا لأبي ذر.
٤٩٥٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَرَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى خَدِيجَةَ فَقَالَ: «زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي». فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) هو ابن خالد (عن ابن شهاب) الزهري أنه (قال: سمعت عروة) بن الزبير يقول (قالت عائشة ﵂ فرجع النبي ﷺ إلى خديجة فقال: زملوني زملوني) مرتين (فذكر الحديث) كما سبق.
٤ - باب قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾
(باب قوله تعالى: ﴿كلا لئن لم ينته﴾) عما هو عليه من الكفر (﴿لنسفعن بالناصية﴾) لنجرن
стр. 5727
بناصيته إلى النار (﴿ناصية كاذبة خاطئة﴾) بدل من الناصية ووصفها بذلك مجاز وإنما المراد صاحبها وسقط ناصية الخ ولأبي ذر وثبت له لفظ باب.
٥ - باب
٤٩٥٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ أَبُو جَهْلٍ: لَئِنْ رَأَيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ لأَطَأَنَّ عَلَى عُنُقِهِ. فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «لَوْ فَعَلَهُ لأَخَذَتْهُ الْمَلَائِكَةُ». تَابَعَهُ عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ.
وبه قال: (حدّثنا يحيى) قال الكرماني: هو إما ابن موسى وإما ابن جعفر قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام (عن معمر) هو ابن راشد (عن عبد الكريم) بن مالك (الجزري) بالجيم المفتوحة والزاي (عن عكرمة) أنه قال: (قال ابن عباس) ﵄: (قال أبو جهل) عمرو بن هشام ولم يدرك ابن عباس القصة فيحمل على سماعه ذلك منه ﷺ (لئن رأيت محمدًا يصلّي عند الكعبة لأطأن على عنقه فبلغ) ذلك (النبي ﷺ فقال) ﵊:
(لو فعله لأخذته الملائكة) وأخرج النسائي من طريق أبي حازم عن أبي هريرة ﵁ نحو حديث ابن عباس وزاد في آخره فلم يفجأهم منه إلا وهو أي أبو جهل ينكص على عقبيه ويتقي بيده، فقيل له: ما لك؟ قال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهولًا وأجنحة فقال النبي ﷺ : "لو دنا لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا" (تابعه) أي تابع عبد الرزاق فيما وصله عبد العزيز البغوي في منتخب المسند له (عمرو بن خالد) بفتح العين الحراني من شيوخ المؤلّف (عن عبيد الله) بضم العين ابن عمرو بفتح العين الرقي (عن عبد الكريم) الجزري.
[٩٧] سورة ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾
يُقَالُ الْمَطْلَعُ هُوَ الطُّلُوعُ، وَالْمَطْلِعُ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُطْلَعُ مِنْهُ. أَنْزَلْنَاهُ الْهَاءُ كِنَايَةٌ عَنِ الْقُرْآنِ، إنا أَنْزَلْنَاهُ مَخْرَجَ الْجَمِيعِ، وَالْمُنْزِلُ هُوَ اللَّهُ وَالْعَرَبُ تُوَكِّدُ فِعْلَ الْوَاحِدِ فَتَجْعَلُهُ بِلَفْظِ الْجَمِيعِ لِيَكُونَ أَثْبَتَ وَأَوْكَدَ.
([٩٧] سورة ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾)
مكية أو مدنية وآيها خمس ولغير أبي ذر سورة القدر وفي نسخة ﴿إنّا أنزلناه في ليلة القدر﴾ [القدر: ١].
(يقال المطلع) بفتح اللام (هو الطلوع والمطلع) بكسرها وهي قراءة الكسائي (الموضع الذي يطلع منه أنزلناه) ولأبي ذر وقال أنزلناه (الهاء كناية عن القرآن) قال في الأنوار: فخمه بإضماره من غير ذكره شهادة له بالنباهة المغنية عن التصريح كما عظمه بأن أسند إنزاله إليه أي بقوله: ﴿إنا
стр. 5728
أنزلناه) خرج (مخرج الجميع، والمنزل هو الله تعالى. والعرب تؤكد فعل الواحد فتجعله بلفظ الجميع ليكون) ولأبي ذر عن المستملي ليكن (أثبت وأوكد) والنحاة يعبّرون بقولهم المعظم نفسه كما نبه عليه السفاقسي وثبت "إنا" من قوله: ﴿إنّا أنزلناه﴾ لأبي ذر.
[٩٨] سورة ﴿لَمْ يَكُنْ﴾
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). ﴿مُنْفَكِّينَ﴾: زَائِلِينَ. ﴿قَيِّمَةٌ﴾: الْقَائِمَةُ. ﴿دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾: أَضَافَ الدِّينَ إِلَى الْمُؤَنَّثِ.
([٩٨] سورة ﴿لَمْ يَكُنْ﴾)
مكية أو مدنية وآيها ثمان.
(بسم الله الرحمن الرحيم) ثبت لفظ سورة والبسملة لأبي ذر.
(﴿منفكين﴾) [البيّنة: ١] أي (زائلين) أي عمّا هم عليه.
(﴿قيّمة﴾) أي (القائمة. ﴿دين القيّمة﴾ أضاف الدين إلى المؤنث) على تأويل الذين بالملة أو التاء تاء المبالغة كعلامة.
١ - باب
٤٩٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لأُبَيٍّ: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: ١]» قَالَ: وَسَمَّانِي قَالَ: «نَعَمْ. فَبَكَى».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشددة بندار قال: (حدّثنا غندر) محمد بن جعفر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: سمعت قتادة) بن دعامة (عن أنس بن مالك ﵁) أنه قال: (قال النبي ﷺ لأبي) هو ابن كعب:
(إن الله أمرني أن أقرأ عليك ﴿لم يكن الذين كفروا﴾) وعند الترمذي إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن: قال فقرأ عليه: ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب﴾ [البيّنة: ١] وزاد الحاكم من وجه آخر عن زر بن حبيش عن أُبي بن كعب أن النبي ﷺ قرأ عليه لم يكن وقرأ فيها إن الدين عند الله الحنيفية لا اليهودية ولا النصرانية ولا المجوسية من يفعل خيرًا فلن يكفره، وخص أُبَيًّا للتنويه به في أنه أقرأ الصحابة فإذا قرأ عليه ﷺ مع عظيم منزلته كان غيره بطريق لتبع له. وقال الحافظ ابن كثير: وإنما قرأ ﷺ هذه السورة تثبيتًا له وزيادة لإيمانه لأنه كان نكر على ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قراءة شيء من القرآن على خلاف ما أقرأه رسول الله ﷺ فاستقرأهما ﵊ وقال لكلٍّ منهما أصبت. قال أبي: فأخذني الشك فضرب ﵊ في صدره
стр. 5729
قال ففضت عرقًا وكأنما أنظر إلى الله فرقًا وأخبره ﵊ أن جبريل أتاه فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف رواه أحمد والنسائي وأبو داود ومسلم. فلما نزلت هذه السورة قرأها ﵊ قراءة إبلاغ وإنذار لا قراءة تعلم واستذكار.
(قال) أبي له ﵊ (وسماني) لك (قال) ﵊ (نعم. فبكى) أبي فرحًا وسرورًا أو خشوعًا وخوفًا من التقصير في شكر تلك النعمة وعند أبي نعيم في أسماء الصحابة حديث مرفوع لفظه "إن الله ليسمع قراءة ﴿لم يكن الذين كفروا﴾ فيقول أبشر عبدي فوعزتي لأمكنن لك في الجنة حتى ترضى" لكن قال الحافظ عماد الدين: إنه حديث غريب جدًّا.
٢ - باب
٤٩٦٠ - حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأُبَيٍّ: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ». قَالَ أُبَيٌّ: آللَّهُ سَمَّانِي لَكَ. قَالَ: «اللَّهُ سَمَّاكَ». فَجَعَلَ أُبَيٌّ يَبْكِي. قَالَ قَتَادَةُ: فَأُنْبِئْتُ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَيْهِ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البيّنة: ١].
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني (حسان بن حسان) أبو علي المصري (حدّثنا همام) هو ابن يحيى (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس ﵁) أنه (قال: قال النبي ﷺ لأُبي): (إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن) مطلق فيتناول ﴿لم يكن الذين كفروا﴾ غيرها (قال أُبي: آلله) بمدّ الهمزة (سماني لك. قال: الله سماك) زاد الكشميهني لي (فجعل أُبي يبكي. قال قتادة) بن دعامة: (فأنبئت) ظاهره أنه من غير أنس (أنه) ﵊ (قرأ عليه) على أُبي (﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب﴾).
٤٩٦١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ أَبُو جَعْفَرٍ الْمُنَادِي حَدَّثَنَا رَوْحٌ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ لأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُقْرِئَكَ الْقُرْآنَ». قَالَ: آللَّهُ سَمَّانِي لَكَ قَالَ: «نَعَمْ». قَالَ وَقَدْ ذُكِرْتُ عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ قَالَ: «نَعَمْ» فَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (أحمد بن أبي داود أبو جعفر المنادي) بكسر الدال. وعند النسفيّ حدّثنا أبو جعفر المنادي قيل: وهم البخاري في تسميته أحمد وأن اسم أبي جعفر هذا محمد بن عبيد بن يزيد وأبو داود كنية أبيه وأجيب بأن البخاري أعرف باسم شيخه من غيره فليس وهمًا قال: (حدّثنا روح) بفتح الراء وسكون الواو ثم حاء مهملة ابن عبادة قال: (حدّثنا سعيد بن أبي عروبة) بعين مهملة مفتوحة فراء مضمومة وبعد الواو الساكنة موحدة (عن
стр. 5730
قتادة) بن دعامة (عن أنس بن مالك) وسقط ابن مالك لأبي ذر ﵁ (أن نبي الله ﷺ قال لأُبي بن كعب):
(إن الله أمرني أن أقرئك القرآن) أي أعلمك بقراءتي عليك كيف تقرأ فلا منافاة بين قوله أقرأ عيك وأقرئك وقد يقال كان في قراءة أُبي قصور فأمر الله رسوله ﵊ أن يقرئه على التجويد وأن يقرأ عليه ليتعلم منه حسن القراءة وجودتها (قال: آلله سماني لك) استفسره لأنه جوّز أن يكون أمره أن يقرأ على رجل من أمته غير معين فيؤخذ منه الاستثبات في المحتملات (قال: نعم. قال وقد ذكرت عند رب العالمين. قال) ﷺ : (نعم. فذرفت) بفتح المعجمة والراء تساقطت بالدموع (عيناه) وفي الحديث استحباب القراءة على أهل العلم وإن كان القارئ أفضل من المقروء عليه.
فائدة: ذكر العلاّمة حسين بن علي بن طلحة الرجراجي المغربي في الباب السابع عشر من كتابه الفوائد الجميلة في الآيات الجليلة في السور التي تلقى على الحلماء في المناظرة عن النبي ﷺ أنه قال: إن الملائكة المقربين ليقرؤون سورة لم يكن منذ خلق الله السماوات والأرض لا يفترون عن قراءتها كذا قال والعهدة عليه.
[٩٩] سورة ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾
قَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ يُقَالُ: أَوْحَى لَهَا أَوْحَى إِلَيْهَا، وَوَحَى لَهَا وَوَحَى إِلَيْهَا وَاحِدٌ.
([٩٩] سورة ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾)
مصدر مضاف لفاعله أي اضطرابها المقدّر لها عند النفخة الأولى أو الثانية.
(قوله: (﴿فمن﴾) ولأبي ذر سورة إذا زلزلت. بسم الله الرحمن الرحيم باب: ﴿فمن﴾ (﴿يعمل مثقال ذرة﴾) زنة نملة صغيرة (﴿خيرًا يره﴾) [الزلزلة: ٧] جواب الشرط في الموضعين يرَ ثوابه وهي مدنية أو مكية وآيها تسع (يقال: أوحى لها) أي (أوحى إليها ووحى لها ووحى إليها) بغير ألف في الآخرين (واحد) في المعنى فاللام بمعنى إلى وإنما أوثرت على إلى لموافقة الفواصل وقيل اللام بمعنى من أجل والموحى إليه محذوف أي أوحى إلى الملائكة من أجل الأرض، والصواب أن الأمر بالكلام للأرض نفسها وأذن لها أن تخبر عما عمل عليها قيل إن الله تعالى يخلق في الأرض الحياة والنطق حتى تخبر بما أمرها الله تعالى، وهذا مذهب أهل السُّنَّة.
وقال الزجاج: أوحى لها القرار فاستقرت وهذا ساقط للحموي.
٤٩٦٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ: لِرَجُلٍ أَجْرٌ،
стр. 5731
وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ. وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ. فَأَمَّا الَّذِي لَهُ أَجْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَطَالَ لَهَا فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ، فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا ذَلِكَ فِي الْمَرْجِ وَالرَّوْضَةِ كَانَ لَهُ حَسَنَاتٍ. وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ طِيَلَهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ، كَانَتْ آثَارُهَا وَأَرْوَاثُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ، وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِي بِهِ كَانَ ذَلِكَ حَسَنَاتٍ لَهُ، فَهْيَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ أَجْرٌ. وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَتَعَفُّفًا وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَلَا ظُهُورِهَا فَهْيَ لَهُ سِتْرٌ. وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِيَاءً وَنِوَاءً فَهْيَ عَلَى ذَلِكَ وِزْرٌ». فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْحُمُرِ، قَالَ: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ فِيهَا إِلاَّ هَذِهِ الآيَةَ الْفَاذَّةَ الْجَامِعَةَ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ و ٨]».
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن عبد الله) بن أبي أويس المدني قال: (حدّثنا) وبالإفراد لأبي ذر (مالك) الإمام الأعظم (عن زيد بن أسلم) العدوي (عن أبي صالح) ذكوان (السمان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال):
(الخيل لثلاثة، لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر فأما) الرجل (الذي) هي (له أجر فرجل ربطها) للجهاد (في سبيل الله) تعالى (فأطال لها) في الحبل الذي ربطها به حتى تسرح للرعي (في مرج) موضع كلأ وسقط لها لأبي ذر (أو روضة) بالشك (فما أصابت) أي ما أكلت وشربت ومشت (في طيلها ذلك) بكسر الطاء المهملة وفتح التحتية أي حبلها المربوطة فيه (في المرج) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي من المرج (والروضة) بغير ألف قبل الواو (كان له) أي لصاحبها (حسنات) في الآخرة (ولو أنها قطعت طيلها) المذكور (فاستنت) بفتح الفوقية وتشديد النون أي عدت بمرح ونشاط (شرفًا) بفتح المعجمة والراء والفاء (أو شرفين) شوطًا أو شوطين فبعدت عن الموضع الذي ربطها صاحبها فيه ترعى ورعت في غيره (كانت آثارها) بالمثلثة في الأرض بحوافرها عند مشيها (وأرواثها) بالمثلثة (حسنات له) لصاحبها في الآخرة (ولو أنها مرت بنهر) بفتح الهاء وسكونها (فشربت منه) بغير قصد صاحبها (ولم يرد أن يسقي به كان ذلك) أي شربها وإرادته أن يسقيها (حسنات له) في الآخرة (فهي) بالفاء ولأبي ذر وهي (لذلك الرجل) الذي ربطها (أجر).
أما الذي هي له ستر فهو (رجل ربطها تغنيّا) أي استغناء عن الناس (وتعففًا) عن سؤالهم يتردد عليها لحاجاته (ولم ينس حق الله في رقابها) بأن يؤدي زكاة تجارتها (ولا ظهورها) بتأنَّ يركب عليها في سبيل الله (فهي) أي الخيل ولأبي ذر عن الكشميهني فهو أي ذلك الفعل الذي فعله (له ستر) يحجبه عن الفاقة.
(و) أما الذي هي عليه وزر فهو (رجل ربطها فخرًا) أي لأجل الفخر (ورياء) أي إظهارًا للطاعة والباطن بخلافه (ونواء) بكسر النون وفتح الواو ممدودًا أي عداوة زاد في الجهالة لأهل الإسلام (فهي على ذلك) الرجل (وزر فسئل) بالفاء وضم السين مبنيًّا للمجهول والسائل
стр. 5732
صعصعة بن ناجية ولأبي ذر وسئل (رسول الله ﷺ عن الحمر) هل لها حكم الخيل (قال: ما أنزل الله عليّ فيها إلا هذه الآية الفاذة) بالفاء والمعجمة المشددة القليلة المثل المنفردة في معناها (الجامعة) لكل الخيرات والسرور (﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره* ومن يعمل مثقال ذرة شرًّا يره﴾) [الزلزلة: ٧ و ٨] روى الإمام أحمد عن صعصعة بن معاوية عمّ الفرزدق أنه أتى النبي ﷺ فقرأ الآية فقال حسبي لا أبالي أن لا أسمع غيرها.
١ - باب ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾
هذا (باب) بالتنوين أي في قوله جل وعلا (﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾) [الزلزلة: ٨] ثبت لفظ باب لأبي ذر.
٤٩٦٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْحُمُرِ فَقَالَ: «لَمْ يُنْزَلْ عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ إِلاَّ هَذِهِ الآيَةُ الْجَامِعَةُ الْفَاذَّةُ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾».
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن سليمان) الجعفي الكوفي سكن مصر (قال: حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (ابن وهب) عبد الله المصري قال: (أخبرني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن زيد بن أسلم) العدوي (عن أبي صالح) ذكوان (السمان عن أبي هريرة ﵁) أنه قال: (سُئل النبي ﷺ عن الحمر) أي عن صدقة الحمر (فقال):
(لم ينزل) بضم أوله وفتح ثالثه (عليّ فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة) أي المنفردة في معناها فذ الرجل عن أصحابه إذا شدّ عنهم (﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًّا يره﴾). فقال ابن عباس ﵄: ليس مؤمن ولا كافر عمل خيرًا أو شرًّا في الدنيا إلا أراه الله إياه يوم القيامة، فأما المؤمن فيرى حسناته وسيئاته فيغفر الله له سيئاته ويثيبه بحسناته، وأما الكافر فتردّ حسناته تحسيرًا ويعذب بسيئاته. قال في فتوح الغيب: وهذا يساعده النظم والمعنى والأسلوب.
أما النظم فإن قوله: ﴿فمن يعمل﴾ تفصيل لما عقب به من قوله: ﴿يصدر الناس أشتاتًا ليروا أعمالهم﴾ [الزلزلة: ٦] فيجب التوافق والأعمال جمع مضاف يفيد الشمول والاستغراق ويصدر الناس مقيد بقوله (أشتاتًا) فيفيد أنهم على طرائق شتى للنزول في منازلهم من الجنة والنار بحسب أعمالهم المختلفة ومن ثمة كانت الجنة ذات درجات والنار ذات دركات.
وأما المعنى فإنها وردت لبيان الاستقصاء في عرض الأعمال والجزاء عليها لقوله تعالى: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة﴾ [الأنبياء: ٤٧] الآية.
стр. 5733
وأما الأسلوب فإنها من الجوامع الحاوية لفوائد الدين أصلًا وفرعًا.
[١٠٠] سُورَةُ وَالْعَادِيَاتِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ الْكَنُودُ: الْكَفُو. يُقَالُ ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾: رَفَعْنَ بِهِ غُبَارًا. ﴿لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾: مِنْ أَجْلِ حُبِّ الْخَيْرِ. ﴿لَشَدِيدٌ﴾: لَبَخِيلٌ، وَيُقَالُ لِلْبَخِيلِ: شَدِيدٌ. ﴿حُصِّلَ﴾: مُيِّزَ.
([١٠٠] سُورَةُ وَالْعَادِيَاتِ)
مكية أو مدنية وآيها إحدى عشرة والعاديات جمع عادية وهي الجارية بسرعة والمراد الخيل ولأبي ذر سورة والعاديات وله زيادة والقارعة.
(وقال مجاهد): مما وصله الفريابي (الكنود) هو (الكفور) من كند النعمة كنودًا.
(يقال ﴿فأثرن به نقعًا﴾) قال أبو عبيدة أي (رفعن به غبارًا) وقوله ﴿فأثرن﴾ عطف الفعل على الاسم لأن الاسم في تأويل الفعل لوقوعه غير صلة لأل، والضمير في به للصبح أي فأثرن في وقت الصبح غبارًا أو للمكان وإن لم يجر له ذكر لأن الإثارة لا بد لها من مكان وروى البزار والحاكم عن ابن عباس ﵄ قال: بعث رسول الله ﷺ خيلًا فلبث شهرًا لا يأتيه خبرها فنزلت ﴿والعاديات ضبحًا﴾ ضبحت بأرجلها ﴿فالموريات قدحًا﴾ قدحت الحجارة فأورت بحوافرها ﴿فالمغيرات صبحًا﴾ صبحت القوم بغارة ﴿فأثرن به نقعًا﴾ التراب ﴿فوسطن به جمعًا﴾ صبحت القوم جميعًا وفي إسناده ضعف.
(﴿لحب الخير﴾) أي (من أجل حب الخير) فاللام تعليلية أي لأجل حب المال (﴿لشديد﴾) أي (لبخيل) وقيل لقوي مبالغ فيه (ويقال للبخيل شديد) وزاد في الكشاف متشدد قال طرفة:
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي … عقيلة مال الفاحش المتشدد
وقوله: يعتام أي يختار وعقيلة كل شيء أكرمه والفاحش البخيل الذي جاوز الحد في البخل يقول أرى الموت يختار كرام الناس وكرائم الأموال التي يضن بها.
(﴿حُصِّل﴾) أي (ميز) وقيل جمع في الصحف أي أظهر محصلًا مجموعًا كإظهار اللب من القشر.
[١٠١] سورة الْقَارِعَةِ
﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾: كَغَوْغَاءِ الْجَرَادِ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، كَذَلِكَ النَّاسُ يَجُولُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ. ﴿كَالْعِهْنِ﴾: كَأَلْوَانِ الْعِهْنِ وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ كَالصُّوفِ.
стр. 5734
([١٠١] سورة القارعة)
مكية وآيها عشر وسقطت لأبي ذر.
(﴿كالفراش المبثوث﴾) أي (كغوغاء الجراد يركب بعضه بعضًا كذلك الناس) يوم القيامة (يجول بعضهم في بعض) وإنما شبه الناس بذلك عند البعث لأن الفراش إذا ثار لم يتجه لجهة واحدة بك كل واحدة تذهب إلى غير جهة أخرى فدلّ بهذا التشبيه على أن الناس في البعث يفزعون فيذهب كل واحد إلى غير جهة الآخر وقال في الدرّ وفي تشبيه الناس بالفراش مبالغات شتى منها الطيش الذي يلحقهم وانتشارهم في الأرض وركوب بعضهم بعضًا والكثرة والضعف والذلة والمجيء من غير ذهاب والقصد إلى الداعي من كل جهة والتطاير إلى النار (﴿كالعهن﴾) أي (كألوان العهن) أي المختلفة قاله الفراء.
(وقرأ عبد الله) بن مسعود ﵁ (كالصوف) يعني أن الجبال تتفرق أجزاؤها في ذلك اليوم حتى تصير كالصوف المتطاير عند الندف وإذا كان هذا تأثير القارعة في الجبال العظيمة الصلدة فكيف حال الإنسان الضعيف عند سماع صوت القارعة وسقط لأبي ذر كالعهن الخ.
[١٠٢] سورة ﴿أَلْهَاكُمُ﴾
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿التَّكَاثُرُ﴾: مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَوْلَادِ.
[١٠٢] سورة ﴿أَلْهَاكُمُ﴾
مكية أو مدنية وآيها ثمان.
(بسم الله الرحمن الرحيم) ثبتت البسملة لأبي ذر كالسورة.
(وقال ابن عباس) ﵄ فيما وصله ابن المنذر (﴿التكاثر﴾ من الأموال والأولاد) أي شغلكم ذلك عن طاعة الله.
[١٠٣] سورة وَالْعَصْرِ
وَقَالَ يَحْيَى الدَّهْرُ أَقْسَمَ بِهِ.
([١٠٣] سورة وَالْعَصْرِ)
مكية وآيها ثلاث.
(وقال يحيى) بن زياد الفراء العصر هو (الدهر أقسم به) تعالى أي بالدهر لاشتماله على الأعاجيب والعِبر، وقيل التقدير ورب العصر وثبتت البسملة لأبي ذر كالعصر الثاني وسقط له وقال يحيى.
стр. 5735
[١٠٤] سورة ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). ﴿الْحُطَمَةُ﴾: اسْمُ النَّارِ مِثْلُ سَقَرَ وَلَظَى.
([١٠٤] سورة ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾)
مكية وآيها تسع.
والهمزة واللمزة فيما قاله ابن عباس بالنميمة المفرقون بين الأحبّة وقيل الهمزة الذي يعيبك في الغيب واللمزة الذي يعيبك في الوجه.
(بسم الله الرحمن الرحيم) ثبتت البسملة لأبي ذر كالسورة.
(﴿الحطمة﴾ اسم النار مثل سقر ولظى) وقيل اسم للدركة الثالثة منها وسميت حطمة لأنها تحطم العظام وتكسرها والمعنى: (يا أيها الهمزة اللمزة) الذي يأكل لحوم الناس ويكسر من أعراضهم إن وراءك الحطمة التي تأكل لحوم الناس وعظامهم أي وتكسر العظام.
[١٠٥] ﴿أَلَمْ تَرَ﴾
قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: أَلَمْ تَعْلَمْ. قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَبَابِيلَ﴾: مُتَتَابِعَةً مُجْتَمِعَةً. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾: هِيَ سَنْكِ وَكِلْ.
([١٠٥] ﴿أَلَمْ تَرَ﴾)
مكية وآيها خمس وسقط لأبي ذر (﴿ألم تر﴾).
(قال مجاهد: (﴿ألم تر﴾) أي (ألم تعلم) يا محمد وإنما قال ذلك لأنه ﷺ لم يدرك قصة أصحاب الفيل لأن مولده ﵊ في تلك السنة وهو وإن لم يشهدها فقد شاهد آثارها وسمع بالتواتر أخبارها فكأنه رآها وهذا ثابت لأبي ذر عن المستملي وليس هذا من تفسير مجاهد فالصواب إسقاط قوله قال مجاهد.
(قال مجاهد): فيما وصله الفريابي عنه (﴿أبابيل﴾) أي (متتابعة مجتمعة) نعت لطير لأنه اسم جمع قال ابن عباس ﵄ كانت طيرًا لها خراطيم وأكف كأكف الكلاب وقيل غير ذلك وأبابيل قيل لا واحد له كأساطير وقيل واحده أبول كعجول وعجاجيل، وقيل إبال.
(وقال ابن عباس) ﵄ فيما وصله الطبري في قوله تعالى: (﴿من سجيل﴾ هي سنك) بفتح السين المهملة وبعد النون الساكنة كاف مكسورة الحجر (وكل) بكسر الكاف وبعدها لام الطين فارسي معرب، وقيل السجيل الديوان الذي كتب فيه عذاب الكفار والمعنى ترميهم بحجارة من جملة العذاب المكتوب المدوّن مما كتب الله في ذلك الكتاب.
стр. 5736
[١٠٦] سورة ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾
وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿لإِيلَافِ﴾: أَلِفُوا ذَلِكَ فَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ. ﴿وَآمَنَهُمْ﴾: مِنْ كُلِّ عَدُوِّهِمْ فِي حَرَمِهِمْ.
([١٠٦] سورة ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾)
مكية وآيها أربع ولأبي ذر سورة لإيلاف وسقط له لفظ قريش.
(وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي (﴿لإيلاف﴾ ألفوا ذلك) الارتحال (فلا يشق عليهم في الشتاء) إلى اليمن (و) لا في (الصيف) إلى الشام في كل عام فيستعينون بالرحلتين للتجارة على المقام بمكة لخدمة البيت الذي هو فخرهم وفي متعلق هذا اللام أوجه فقيل بسابقها لأن الله تعالى ذكر أهل مكة عظيم نعمته عليهم فيما صنع بالحبشة فجعلهم كعصف مأكولًا ﴿لإيلاف قريش﴾ أي أهلك أصحاب الفيل لتبقى قريش وما ألفوا ويؤيده أنهما في مصحف أُبيّ سورة واحدة وقيل متعلقة بمقدر أي أعجب لنعمتي على قريش، وقيل فليعبدوا وإنما دخلت الفاء لما في الكلام من معنى الشرط أي فإن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لإيلافهم فإنها أظهر نعمة عليهم.
(﴿وآمنهم﴾) أي (من كل عدوّ هم في حرمهم) وقيل آمنهم من الجذام فلا يصيبهم ببلدهم وقيل بمحمد ﷺ .
[١٠٧] سورة ﴿أَرَأَيْتَ﴾
وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ﴿لإِيلَافِ﴾: لِنِعْمَتِي عَلَى قُرَيْشٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿يَدُعُّ﴾: يَدْفَعُ عَنْ حَقِّهِ، يُقَالُ هُوَ مِنْ دَعَعْتُ، يُدَعُّونَ يُدْفَعُونَ. ﴿سَاهُونَ﴾: لَاهُونَ. ﴿وَالْمَاعُونَ﴾: الْمَعْرُوفَ كُلُّهُ. وَقَالَ بَعْضُ الْعَرَبِ ﴿الْمَاعُونُ﴾: الْمَاءُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ أَعْلَاهَا: الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ، وَأَدْنَاهَا عَارِيَّةُ الْمَتَاعِ.
([١٠٧] سورة ﴿أَرَأَيْتَ﴾)
مكية أو مدنية وآيها سبع ولأبي ذر سورة أرأيت.
(وقال ابن عيينة) سفيان فيما ذكره في تفسير (﴿لإيلاف﴾ لنعمتي على قريش) وعند أبي ذر هذا مقدم على سورة أرأيت وهو الصواب إن شاء الله تعالى.
(وقال مجاهد ﴿يدع﴾ يدفع) أي اليتيم (عن حقه يقال: هو من دععت يدعون) أي (يدفعون).
(﴿ساهون﴾) أي (لاهون) عن الصلاة تهاونًا.
(﴿والماعون﴾) هو (المعروف كله) كالقصعة والدلو (وقال بعض العرب) فيما حكاه الفراء
стр. 5737
(﴿الماعون﴾ الماء. وقال عكرمة: أعلاها الزكاة المفروضة وأدناها عارية المتاع).
كالمنخل والغربال والدلو والإبرة.
[١٠٨] سورة ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرِ﴾
([١٠٨] سورة ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرِ﴾)
مكية أو مدنية وآيها ثلاث وثبت لأبي ذر لفظ سورة.
١ - باب وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿شَانِئَكَ﴾: عَدُوَّكَ
(باب وقال ابن عباس) ﵄ فيما وصله ابن مردويه في قوله تعالى: (﴿شانئك﴾) أي (عدوك) وسقط للحموي وقال ابن عباس: فقط.
٤٩٦٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا عُرِجَ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلَى السَّمَاءِ، قَالَ: «أَتَيْتُ عَلَى نَهَرٍ حَافَتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ مُجَوَّفٌ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ قَالَ: هَذَا الْكَوْثَرُ».
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شيبان) بن عبد الرحمن التيمي مولاهم أبو معاوية البصري نزيل الكوفة قال: (حدّثنا) ولأبي ذر أخبرنا (قتادة) بن دعامة (عن أنس ﵁) أنه (قال: لما عرج بالنبي ﷺ إلى السماء قال):
(أتيت على نهر حافتاه) بتخفيف الفاء جانباه (قباب اللؤلؤ مجوّف) ولغير أبي ذر مجوفًا (فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر) زاد البيهقي الذي أعطاك ربك فأهوى الملك بيده فاستخرج من طينه مسكًا أذفر، وأخرجه المؤلّف بهذا في الرقاق من طريق همام عن أبي هريرة ﵁ والكوثر بوزن فوعل من الكثرة وهو وصف مبالغة في المفرط الكثرة.
٤٩٦٥ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الْكَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَ: سَأَلْتُهَا عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] قَالَتْ: نَهَرٌ أُعْطِيَهُ نَبِيُّكُمْ ﷺ ، شَاطِئَاهُ عَلَيْهِ دُرٌّ مُجَوَّفٌ آنِيَتُهُ كَعَدَدِ النُّجُومِ. رَوَاهُ زَكَرِيَّاءُ وَأَبُو الأَحْوَصِ وَمُطَرِّفٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ.
وبه قال: (حدّثنا خالد بن يزيد الكاهلي) أبو الهيثم المقري الكحال قال: (حدّثنا إسرائيل) بن يونس (عن) جده (أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي (عن أبي عبيدة) عامر بن عبد الله بن مسعود ﵁ (عن عائشة) ﵂ (قال): أي أبو عبيدة (سألتها) يعني عائشة (عن قوله تعالى) ولأبي ذر عن قول الله : (﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ قالت): هو (نهر) في الجنة (أُعطيه نبيكم ﷺ ¬) زاد النسائي في بطنان الجنة (شاطئاه) أي جانباه (عليه) أي على الشاطئ. قال البرماوي كالكرماني: والضمير في عليه عائد إلى جنس الشاطئ ولهذا لم يقل عليهما
стр. 5738
قال وفي بعضها شاطئاه در مجوّف (در مجوّف) بفتح الواو ومشددة صفة لدر وخبره الجار والمجرور والجملة خبر المبتدأ الأول الذي هو شاطئاه (آنيته كعدد النجوم رواه) ولأبي ذر ورواه (زكريا) بن أبي زائدة فيما رواه عليّ بن المديني عن يحيى بن زكريا عن أبيه (وأبو الأحوص) سلام بن سليم فيما وصلة أبو بكر بن أبي شيبة بلفظ الكوثر نهر بفناء الجنة شاطئاه درمجوّف وفيه من الأباريق عدد النجوم ولفظ رواية زكريا قريب من هذه (ومطرّف) هو ابن طريف بالطاء المهملة، فيما وصله النسائي، الثلاثة (عن أبي إسحاق) السبيعي
٤٩٦٦ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ فِى الْكَوْثَرِ هُوَ الْخَيْرُ الَّذِى أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ. قَالَ أَبُو بِشْرٍ قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَإِنَّ النَّاسَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَهَرٌ فِى الْجَنَّةِ. فَقَالَ سَعِيدٌ النَّهَرُ الَّذِى فِى الْجَنَّةِ مِنَ الْخَيْرِ الَّذِى أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ
وبه قال (حدثنا يعقوب بن إبراهيم) الدورقي قال (حدثنا هشيم) بضم الهاء مصغرًا الواسطي قال (حدثنا) ولأبي ذر أخبرنا (أبو بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة جعفر بن أبي وحشية الواسطي (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ أنه قال في الكوثر هو الخير الذي أعطاه الله إياه قال أبو بشر) جعفر بالسند السابق (قلت لسعيد بن جبير فإن الناس) كأبي إسحاق وقتادة (يزعمون أنه) أي الكوثر (نهر في الجنة فقال سعيد النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه) وهذا تأويل من سعيد جمع به بين حديثي عائشة وابن عباس ﵃ فلا تنافي بينهما لأن النهر فرد من أفراد الخير الكثير نعم ثبت التصريح بأنه نهر من لفظ النبي ﷺ ففي مسلم من طريق المختار بن فلفل عن أنس ﵁ بينما نحن عند النبي ﷺ إذا أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسماً فقلنا ما أضحكك يا رسول الله قال "نزلت عليَّ سورة فقراً بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ إلى آخرها ثم "قال أتدرون ما الكوثر" قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير فالمصير إليه أولى.
ويأتي إن شاء الله تعالى مزيد بحث لذلك في كتاب الرقاق بعون الله تعالى
واشتملت هذه السورة مع كونها أقصر سور القرآن على معان بديعة وأساليب بليغة إسناد الفعل للمتكلم المعظم نفسه وإيراده بصيغة الماضي تحقيقاً لوقوعه كأتى أمر الله وتأكيد الجملة بان والاتيان بصيغة تدل على مبالغة الكثرة والالتفات من ضمير المتكلم إلى الغائب في قوله لربك.
[١٠٩] سورة قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ
يُقَالُ (لَكُمْ دِينُكُمْ) الْكُفْرُ. (وَلِىَ دِينِ) الإِسْلَامُ وَلَمْ يَقُلْ دِينِى، لأَنَّ الآيَاتِ بِالنُّونِ فَحُذِفَتِ الْيَاءُ كَمَا قَالَ يَهْدِينِ وَيَشْفِينِ. وَقَالَ غَيْرُهُ (لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) الآنَ، وَلَا أُجِيبُكُمْ فِيمَا
стр. 5739
بَقِىَ مِنْ عُمُرِى (وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ). وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا).
([١٠٩] سورة ﴿قل يا أيها الكافرون﴾)
مكية وآيها ست وثبت لفظ سورة لأبي ذر.
(يقال ﴿لكم دينكم﴾) أي (الكفر ﴿ولي دين﴾) أي (الإسلام) وهذا قبل الأمر بالجهاد، وقال في الأنوار لكم دينكم الذي أنتم عليه لا تتركونه ولي دين الذي أنا عليه لا أرفضه فليس فيه إذن في الكفر ولا منع عن الجهاد ليكون منسوخاً بآية القتال اللهم إلا إذا فسر بالمشاركة وتقرير كل من الفريقين على دينه (ولم يقل ديني) بالياء بعد النون (لأن الآيات) التي قبلها (بالنون فحذفت الياء) رعاية لتناسب الفواصل وهو نوع من أنواع البديع (كما قال) فهو (يهدين ويشفين) بحذف الياء فيهما لذلك قاله الفراء.
(وقال غيره) أي غير الفراء وسقط ذا لأبي ذر وهو الصواب لأنه لم يسبق في كلام المصنف عزو فتصويب الحافظ بن حجر ﵀ لإثباته فيه نظر لا يخفى (﴿لا أعبد ما تعبدون﴾ الآن ولا أجيبكم فيما بقي من عمري) أن أعبد ما تعبدون (﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾ وهم الذين قال) الله تعالى (﴿وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً﴾) وما في هذه السورة بمعنى الذي فإن كان المراد بها الأصنام كما في الآية الأولى والثالثة فواضح لأنهم غير عقلاء وما أصلها أن تكون لغير العقلاء وإذا أريد بها الباري تعالى كما في الثانية والرابعة فاستدل به من جوّز وقوعها على أهل العلم ومن منع جعلها مصدرية والتقدير ولا أنتم عابدون عبادتي أي مثل عبادتي وقال أبو مسلم ما في الأوليين بمعنى الذي والمقصود المعبود وما في الأخرى مصدرية أي لا أعبد عبادتكم المبنية على الشك وترك النظر ولا أنتم تعبدون مثل عبادتي المبنية على اليقين والحاصل أنها كلها بمعنى الذي أو مصدرية أو الأوليان بمعنى الذي والأخريان مصدريتان وهل التكرار للتأكيد أم لا.
[١١٠] ﴿سورة إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾
([١١٠] ﴿سورة إذا جاء نصر الله﴾)
مدنية وآيها ثلاث
١ - باب (بسم الله الرحمن الرحيم)
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذر وثبت لفظ سورة له.
٤٩٦٧ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِى الضُّحَى عَنْ
стр. 5740
مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ مَا صَلَّى النَّبِىُّ ﷺ صَلَاةً بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) إِلاَّ يَقُولُ فِيهَا «سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى».
[الحديث ٤٩٦٧ - أطرافه في ٧٩٤، ٨١٧، ٤٢٩٣، ٤٩٦٨]
وبه قال (حدثنا الحسن بن الربيع) بفتح الراء ابن سفيان البلخي الكوفي قال (حدثنا أبو الأحوص) سلام بن سليم (عن الأعمش) سليمان (عن أبي الضحى) مسلم بن صبيح (عن مسروق) هو ابن الأجدع (عن عائشة ﵂¬) أنها (قالت ما صلى النبي ﷺ صلاة بعد أن) نزلت عليه إذا جاء نصر الله والفتح إلا بقول فيها) في الصلاة (سبحانك ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي) هضماً لنفسه واستقصار لعمله أو استغفر لأمته وقدّم التسبيح ثم الحمد على الاستغفار على طريقة النزول من الخالق إلا الخلق.
وهذا الحديث قد سبق في باب التسبيح والدعاء في السجود من كتاب الصلاة.
٢ - باب
٤٩٦٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِى الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِى رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى». يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ.
[الحديث ٤٩٦٨ - أطرافه في ٧٩٤، ٨١٧، ٤٢٩٣، ٤٩٦٧].
وبه قال (حدثنا عثمان بن أبي شيبة) قال (حدثنا جرير) هو ابن عبد الحميد (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن أبي الضحى) مسلم بن صبيح (عن مسروق) هو ابن الأجدع (عن عائشة ﵂¬) أنها (قالت كان رسول الله ﷺ يكثر) أي بعد نزول سورة إذا جاء نصر الله (أن يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي يتأوّل القرآن) يعمل بما أمر به من التسبيح والتحميد والاستغفار فيه في قوله تعالى ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره﴾ في أشرف الأوقات والأحوال
٣ - باب ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾
هذا (باب) بالتنوين أي في قوله تعالى (﴿ورأيت الناس يدخلون في دين الله﴾) أي الإسلام (﴿أفواجاً﴾) جماعات بعد ما كان يدخل فيه واحد واحد وذلك بعد فتح مكة جاء العرب من أقطار الأرض طائعين ونصب أفواجاً على الحال من فاعل يدخلون
وثبت لفظ باب لأبي ذر.
٤٩٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِى ثَابِتٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ ﵁ سَأَلَهُمْ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى (﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾) قَالُوا فَتْحُ الْمَدَائِنِ وَالْقُصُورِ قَالَ مَا تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ أَجَلٌ أَوْ
стр. 5741
مَثَلٌ ضُرِبَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ نُعِيَتْ لَهُ نَفْسُهُ.
[الحديث ٤٩٦٩ - أطرافه في ٣٦٢٧، ٤٢٩٤، ٤٤٣٠، ٤٩٧٠]
قوله ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣]
تَوَّابٌ عَلَى الْعِبَادِ، وَالتَّوَّابُ مِنَ النَّاسِ التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ.
وبه قال (حدثنا عبد الله بن أبي شيبة) أخو عثمان قال (حدثنا عبد الرحمن) بن مهدي (عن سفيان) هو الثوري ولأبي ذر قال حدثنا سفيان (عن حبيب بن أبي ثابت) قيس ويقال هند بن دينار الأسدي مولاهم الكوفي (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس) ﵄ (أن عمر ﵁ سألهم) أي أشياخ بدر كما في الرواية اللاحقة إن شاء الله تعالى (عن قوله تعالى ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ قالوا) أي الأشياخ (فتح المدائن والقصور قال) عمر (ما تقول يا ابن عباس قال) أقول (أجل أو مثل) بالتنوين فيهما (ضرب لمحمد ﷺ نعيت له نفسه) بضم النون وكسر العين مبنياً للمفعول من نعي الميت ينعاه نعياً إذا أذاع موته وأخبر به.
(قوله ﴿فسبح﴾) ولأبي ذر باب بالتنوين أي في قوله تعالى فسبح (﴿بحمد ربك﴾) أي متلبسا بحمده (﴿واستغفره إنه كان تواباً﴾ تواب على العباد) أي رجاع عليهم بالمغفرة وقبول التوبة (والتواب من الناس التائب من الذنب) الذي اقترفه قاله الفراء
٤٩٧٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِى بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِى مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ، فَكَأَنَّ بَعْضَهُمْ وَجَدَ فِى نَفْسِهِ فَقَالَ لِمَ تُدْخِلُ هَذَا مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ فَقَالَ عُمَرُ إِنَّهُ مِنْ حَيْثُ عَلِمْتُمْ. فَدَعَا ذَاتَ يَوْمٍ - فَأَدْخَلَهُ مَعَهُمْ - فَمَا رُئِيتُ أَنَّهُ دَعَانِى يَوْمَئِذٍ إِلاَّ لِيُرِيَهُمْ. قَالَ مَا تَقُولُونَ فِى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) فَقَالَ بَعْضُهُمْ أُمِرْنَا نَحْمَدُ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرُهُ، إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا. وَسَكَتَ بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا فَقَالَ لِى أَكَذَاكَ تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ لَا. قَالَ فَمَا تَقُولُ قُلْتُ هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَهُ لَهُ، قَالَ (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) وَذَلِكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا). فَقَالَ عُمَرُ مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلاَّ مَا تَقُولُ.
[الحديث ٤٩٧٠ - أطرافه في ٣٦٢٧، ٤٢٩٤، ٤٤٣٠، ٤٩٦٩]
وبه قال (حدثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال (حدثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري (عن أبي بشر) جعفر بن أبي وحشية (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس) ﵄ أنه (قال كان عمر) ﵁ (يدخلني) عليه في مجلسه (مع أشياخ بدر) الذين شهدوا وقعتها من المهاجرين والأنصار (فكأن بعضهم) بالهمزة وتشديد النون وهو عبد الرحمن بن عوف أحد العشرة كما صرح به في علامات النبوة (وجد) غضب (في نفسه فقال) لعمر (لم تدخل هذا معنا) أي وعادتك أن تدخل الناس عليك على قدر منازلهم في السابقة (ولنا أبناء مثله) في السن فلم تدخلهم (فقال عمر إنه) أي ابن عباس (من حيث علمتم) من جهة قرابته من رسول الله ﷺ أو من جهة ذكائه وزيادة معرفته، وعند عبد الرزاق: إن له لساناً سؤلاً وقلباً عقولاً، ولأبي ذر عن
стр. 5742
الحموي والمستملي أنه من قد علمتم (فدعا) بحذف ضمير المفعول أي دعا عمر ابن عباس ولأبي ذر عن الكشميهني فدعاه (ذات يوم فأدخله معهم) أي مع الأشياخ وفي غزوة الفتح فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم (فما رئيت) بضم الراء وكسر الهمزة أي ما ظننت ولغير أبي ذر فما ربت بكسر الراء وسكون الموحدة (أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم) مني مثل ما رأى هو مني من العلم. وعند ابن سعد فقال: أما إني سأريكم اليوم ما تعرفون به فضيلته ثم (قال) لهم: (ما تقولون في قوله تعالى) ولأبي ذر: بدل قوله تعالى: (﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ فقال بعضهم: أمرنا نحمد) ولأبي ذر: أن نحمد (الله ونستغفره إذا نصرنا) بضم النون على عدونا (وفتح علينا) وفي الباب السابق قالوا: فتح المدائن والقصور (وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا فقال) عمر (لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له) ولأبي ذر علمه بتشديد اللام وإسقاط الهمزة (قال: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ وذلك علامة أجلك). وعند ابن سعد فهو آيتك في الموت ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا﴾ [النصر: ٣] لأن الأمر بالاستغفار يدل على دنوّ الأجل وكان ﷺ بعد نزولها يكثر من قول سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه. (فقال عمر) لابن عباس ﵄: (ما أعلم منها إلا ما تقول) زاد أحمد فقال عمر: فكيف تلومونني على حب ما ترون؟
[١١١] سورة ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). ﴿تَبَابٌ﴾: خُسْرَانٌ. ﴿تَتْبِيبٌ﴾: تَدْمِيرٌ.
([١١١] سورة ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾)
مكية وآيها خمس وسقط قوله وتب لأبي ذر وثبت له سورة وأسند الفعل لليدين في قوله: (﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾) [المسد: ١] مجازًا لأن أكثر الأفعال تزاول بهما وإن كان المراد جملة المدعوّ عليه وقوله تبت دعاء وتب إخبار أي وقد وقع ما دعي عليه به أو كلاهما دعاء، ويكون في هذا شبه من مجيء العام بعد الخاص لأن اليدين بعض وإن كان حقيقة اليدين غير مرادة قاله في الدر.
وقال الإمام: يجوز أن يراد بالأول هلاك عمله، وبالثاني هلاك نفسه ووجهه أن المرء إنما يسعى لمصلحة نفسه وعمله فأخبر الله تعالى أنه محروم من الأمرين ويوضحه أن قوله: ﴿ما أغنى عنه ماله وما كسب﴾ [المسد: ٢] إشارة إلى هلاك عمله، وقوله: ﴿سيصلى نارًا ذات لهب﴾ [المسد: ٣] إشارة إلى هلاك نفسه.
(بسم الله الرحمن الرحيم) كذا لأبي ذر وسقطت لغيره.
(﴿تباب﴾) في قوله : ﴿وما كيد فرعون إلا في تباب﴾ [فاطر: ٣٧] (خسران).
(﴿تتبيب﴾) في قوله تعالى: ﴿وما زادوهم غير تتبيب﴾ [هود: ١٠١] (تدمير).
стр. 5743
١ - باب
٤٩٧١ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ. خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا فَهَتَفَ، «يَا صَبَاحَاهْ» فَقَالُوا: مَنْ هَذَا؟ فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ: «أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخْبَرْتُكُمْ، أَنَّ خَيْلًا تَخْرُجُ مِنْ سَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ»؟ قَالُوا: مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا. قَالَ: «فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ». قَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ مَا جَمَعْتَنَا إِلاَّ لِهَذَا؟ ثُمَّ قَامَ. فَنَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ وَقَدْ تَبَّ. هَكَذَا قَرَأَهَا الأَعْمَشُ يَوْمَئِذٍ.
وبه قال: (حدّثنا يوسف بن موسى) بن راشد القطان الكوفي قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران قال: (حدثنا عمرو بن مرة) بفتح العين ومرة بضم الميم وتشديد الراء ابن عبد الله الجملي الكوفي (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: لما نزلت ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾) [الشعراء: ٢١٤] (ورهطك منهم المخلصين) تفسير لقوله عشيرتك أو قراءة شاذة قرأها ابن عباس ثم نسخت تلاوتها (خرج رسول الله ﷺ حتى صعد الصفا) بكسر عين صعد (فهتف) أي صاح:
(يا صباحاه) بسكون الهاء في اليونينية كلمة يقولها المستغيث وأصلها إذا صاحوا للغارة لأنهم أكثر ما كانوا يغيرون في الصباح وكأن القائل يا صباحاه يقول قد غشينا الصباح فتأهبوا للعدوّ (فقالوا): يعني قريشًا (من هذا)؟ أي فقيل: هذا محمد (فاجتمعوا إليه فقال) لهم: (أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلًا) أي عسكرًا (تخرج من سفح هذا الجبل) أسفله حيث يسفح فيه الماء (أكنتم مصدقي) أصله مصدقين لي سقطت النون لإضافته إلى ياء المتكلم وأدغمت ياء الجمع في ياء المتكلم (قالوا: ما جربنا عليك كذبًا قال: فإني نذير) منذر (لكم بين يدي عذاب شديد. قال أبو لهب) لعنه الله: (تبًّا لك) نصب على المصدر بإضمار فعل أي ألزمك الله هلاكًا وخسرانًا (ما جمعتنا إلا لهذا) ولأبي ذر عن المستملي ألهذا جمعتنا؟ (ثم قام) صلوات الله وسلامه عليه (فنزلت: (﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾) [المسد: ١] سقط وتب لأبي ذر (وقد تب هكذا قرأها الأعمش يومئذ) وهي تؤيد أنها إخبار بوقوع ما دعي به عليه ولم يدرك ابن عباس هذه القصة.
٢ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾
(باب قوله): ﴿وتب﴾ ولأبي ذر باب بالتنوين أي في قوله : (﴿وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب﴾) [المسد: ٣] ما الأولى نافية أو استفهام إنكار وعلى الثاني تكون منصوبة المحل بما بعدها أي أي شيء أغنى المال وقدمت لأن لها صدر الكلام والثانية بمعنى الذي فالعائد محذوف أو مصدرية أي وكسبه.
стр. 5744
٤٩٧٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى الْبَطْحَاءِ، فَصَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ فَنَادَى: «يَا صَبَاحَاهْ». فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ فَقَالَ: «أَرَأَيْتُمْ إِنْ حَدَّثْتُكُمْ أَنَّ الْعَدُوَّ مُصَبِّحُكُمْ أَوْ مُمَسِّيكُمْ أَكُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي»؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ». فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا تَبًّا لَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ إِلَى آخِرِهَا. قَوْلِهِ: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن سلام) السلمي مولاهم البيكندي قال: (أخبرنا أبو معاوية) محمد بن خازم بالخاء والزاي المعجمتين الضرير قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان (عن عمرو بن مرة) الجملي بفتح الجيم والميم (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس) ﵄ (أن النبي ﷺ خرج إلى البطحاء) مسيل وادي مكة (فصعد إلى الجبل) يعني الصفا ورقي عليه (فنادى):
(يا صباحاه. فاجتمعت إليه قريش فقال: أرأيتم) أي أخبروني (إن حدّثتكم أن العدوّ مصبحكم أو ممسيكم أكنتم تصدقوني)؟ ولأبي ذر: تصدقونني (قالوا: نعم. قال: فإني نذير) منذر (لكم بين يدي عذاب شديد) أي قدامه (فقال أبو لهب) عليه اللعنة: (ألهذا جمعتنا)؟ بهمزة الاستفهام الإنكاري (تبًّا لك) أي ألزمك الله تبًّا وزاد في سورة الشعراء سائر اليوم أي بقيته (فأنزل الله : ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ إلى آخرها) أي خسرت جملته وعادة العرب أن تعبر ببعض الشيء عن كله.
(قوله: ﴿سيصلى﴾) ولأبي ذر باب بالتنوين أي في قوله تعالى: سيصلى (﴿نارًا ذات لهب﴾) أبي تلهب وتوقد.
٤٩٧٣ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا فَنَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾.
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان قال: (حدّثني) بالإفراد (عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄) أنه قال: (قال أبو لهب) لعنه الله لما صعد النبي ﷺ على الصفا واجتمعوا إليه وقال: إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد (تبًّا لك ألهذا) جمعتنا؟ فنزلت (﴿تبت يدا أبي لهب﴾) وزاد أبو ذر إلى آخرها قيل وخص اليد لأنه رمى النبي ﷺ بحجر فأدمى عقبه فلذا ذكرها وإن كان المراد جملة بدنه وذكره بكنيته دون اسمه عبد العزى لأنه لما كان من أهل النار ومآله إلى نار ذات لهب وافقت حاله كنيته فكان جديرًا أن يذكر بها.
стр. 5745
٣ - باب ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةُ الْحَطَبِ﴾
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: حَمَّالَةُ الْحَطَبِ تَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ. ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ يُقَالُ: مِنْ مَسَدٍ لِيفِ الْمُقْلِ وَهْيَ السِّلْسِلَةُ الَّتِي فِي النَّارِ.
(﴿وامرأته﴾) ولأبي ذر باب قوله تعالى: وامرأته أم جميل العوراء بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان بن حرب (﴿حمالة الحطب﴾) الشوك والسعدان تلقيه في طريق النبي ﷺ وأصحابه لتعقرهم بذلك وهو قول ابن عباس.
(وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي (حمالة الحطب تمشي) إلى المشركين (بالنميمة) توقع بها بين النبي ﷺ وبينهم وتلقي العداوة بينهم وتوقد نارها كما توقد النار للحطب فكنى عن ذلك بحملها الحطب.
(﴿في جيدها﴾) عنقها (﴿حبل من مسد﴾ يقال من مسد ليف المقل) وذلك هو الحبل الذي كانت تحتطب به فبينما هي ذات يوم حاملة الحزمة أعيت فقعدت على حجر لتستريح أتاها ملك فجذبها من خلفها فأهلكها (و) قيل (هي السلسلة التي في النار) من حديد درعها سبعون ذراعًا تدخل في فمها وتخرج من دبرها ويكون سائرها في عنقها فتلت من جديد فتلًا محكمًا، وهذه الجملة حال من حمالة الحطب الذي هو نعت لامرأته أو خبر مبتدأ مقدّر.
[١١٢] قَوْلُهُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). يُقَالُ: لَا يُنَوَّنُ ﴿أَحَدٌ﴾ أَيْ وَاحِدٌ.
([١١٢] قَوْلُهُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾)
ولأبي ذر: سورة الصمد وهي مكية أو مدنية وآيها أربع أو خمس.
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذر.
(يقال) هو قول أبي عبيدة في المجاز (لا ينوّن ﴿أحد﴾) في الوصل فيقال أحد الله بحذف التنوين لالتقاء الساكنين ورويت قراءة عن زيد بن علي وأبان بن عثمان والحسن وأبي عمرو في رواية عنه كقوله:
عمرو الذي هشم الثريد لقومه … ورجال مكة مسنتون عجاف
وقوله:
فألفيته غير مستعتب … ولا ذاكر الله إلاّ قليلًا
على إرادة التنوين فحذف لالتقاء الساكنين فبقي الله منصوبًا لا مجرورًا للإضافة وذاكر جرّ
следующие страницы →