Полный текст (8 298 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
الاستفهام الذي هو المانع من وقوعه جزاء للشرط، وإما مقحمة فوجودها كالعدم، وإمّا للاستفهام، وعليه فهو جواب لو لكن يقدر في الأولين القول قبل لو كما مرّ، وفي الثالث قبل أما كان أي: لو أن رجلاً أجنب يقال في حقه أما يتيمم، ويجوز على هذا أن يكون جواب لو هو قوله: (فكيف تصنعون) أي مع قولكم لا يتيمم (بهذه الآية) التي (في سورة المائدة) وفي رواية الأكثرين ما كان بإسقاط الهمزة، ولمسلم كيف تصنع بالصلاة؟ وفي رواية قال أي أبو موسى: فكيف؟ وللأصيلي كما في الفتح فما تصنعون بهذه في سورة المائدة؟ وفي الفرع علامة للكشميهني على بهذه وعلى الآية. (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا) وللأصيلي زاد في الفرع وأبي ذر: فإن لم تجدوا وهو مغاير للتلاوة، وقد قيل: إنه كذلك كان في نسخة أبي ذر ثم أصلحه على وفق التلاوة، وهو يؤيد ما في الفرع كما مرّ، وإنما عيّن سورة المائدة لكونها أظهر في مشروعية تيمم الجنب من آية النساء لتقديم حكم الوضوء في المائدة، ولأنها آخر السور نزولاً (فقال عبد الله) بن مسعود: (لو رخص لهم في هذا لأوشكوا) بفتح الهمزة أي لأسرعوا (إذا برد) بفتح الراء وضمها (عليهم الماء أن يتيمموا) أي يقصدوا (الصعيد) وللأصيلي بالصعيد، قال الأعمش (قلت) لشقيق (وإنما) بالواو ولأبي ذر والأصيلي فإنما (كرهتم هذا) أي تيمم الجنب (لذا) أي لأجل تيمم صاحب البرد، وفي رواية حفص بن عمر السابقة فقلت لشقيق فإنما كره عبد الله لهذا. (قال) أي شقيق (ئعم) وهو يرد على البرماوي كالكرماني حيث قال في حديث هذا الباب قلت وهو قول شقيق (فقال) بالفاء، ولابن عساكر قال (أبو موسى ألم تسمع قول عمار لعمر) بن الخطاب ﵄؟ (بعثني رسول الله ﷺ في حاجة) أي في سرية فذهبت (فأجنبت فلم) بالفاء ولأبي الوقت ولم (أجد الماء فتمرغت في الصعيد) وفي رواية في التراب (كما تمرغ الدابة) برفع الغين وحذف إحدى التاءين تخفيفًا كتلظى والكاف للتشبيه وموضعها مع مجرورها نصب على الحال، وأعربها أبو البقاء في قوله تعالى: (كما آمن الناس) [البقرة: ١٣] نعتًا لمصدر محذوف فيقدر تمرّغًا كتمرّغ الدابة، ومذهب سيبويه في هذا كله النصب على الحال من المصدر الفهوم من الفعل المتقدم المحذوف بعد الإضمار على طريق الاتّساع، فيكون التقدير: فتمرغت على هذه الحالة، ولا يكون عنده نعتًا لمصدر محذوف لأنه يؤدي إلى حذف الموصوف في غير المواضع المستثناة. قال عمار: (فدكرت ذلك للنبي- ﷺ فقال: إنما كان يكفيك أن تصنع) بالتراب (هكذا فضرب) بالفاء وللأربعة وضرب (بكفه) بالإفراد وللأصيلي بكفّيه (ضربة) واحدة (على الأرض) وفي غير هذه الطريق ضربتان، وهو الذي رجحه النووي وقال: إنه الأصح المنصوص كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى، (ثم نفضها) تخفيفًا للتراب (ثم مسح بها) أي بالضربة (ظهر كفّه) اليمنى (بشماله أو) مسح (ظهر شماله بكفه) اليمنى بالشك في جميع الروايات. نعم هو في رواية أبي داود من طريق معاوية من غير شك، (ثم مسح بهما) أي بكفيه، ولأبي الوقت وابن عساكر بها أي بالضربة (وجهه) فيه الاكتفاء بضربة واحدة، وتقديم مسح الكف على الوجه والاكتفاء بظهر كف واحدة وعدم مسح الذراعين ومسح الوجه بالتراب المستعمل في الكفّ، ولا يخفى ما في ذلك كله. وقد تعسف الكرماني فأجاب بأن الضربة الواحدة لأحد ظهري الكف، والتقدير: ثم
стр. 597
ضرب ضربة أخرى ثم مسح بما لديه للإجماع على عدم الاكتفاء بمسح إحدى اليدين، فيكون السح الأول ليس لكونه من التيمم بل فعله ﵊ خارجًا عنه لتخفيف التراب اهـ.
وتعقب بأن حديث عمار لم يزد فيه على ضربة، والأصل عدم التقدير، وقد قال به ابن المنذر ونقله عن جمهور العلماء، وإليه ذهب الرافعي وهو مذهب أحمد، وقال النووي: الأصح المنصوص وجوب ضربتين، وأما عدم الترتيب فيتجه على مذهب الحنفية، أما عند الشافعية فواجب نعم لا يشترط ترتيب نقل التراب للعضو في الأصح، بل يستحب لأنه وسيلة، فلو ضرب بيديه دفعة واحدة ومسح بيمينه وجهه وبيساره يمينه جاز لأن الفرض المسح والنقل وسيلة، وقد روى أصحاب السنن أنه ﵊ تيمم فمسح وجهه وذراعيه، والذراع اسم للساعد إلى المرفق. وعن القديم إلى الكوعين لحديث عمار هذا قال في المجموع: وهو الأقوى دليلاً، وفي الكفاية تعيين ترجيحه، وذكر في المحرر كيفية التيمم وجزم في الروضة باستحبابها، فإذا مسح اليمنى وضع بطون أصابع يساره غير الإبهام على ظهور أصابع يمينه غير الإبهام بحيث لا تخرج أنامل اليمنى عن مسحة اليسرى ولا تحازي مسحة اليمنى أطراف أنامل اليسرى ويمرها على ظهر الكف، فإذا بلغ الكوع ضم أطراف أصابعه على حرف الذراع ويمرها إلى المرفق، ثم يدير بطن كفّه إلى بطن الذراع ويمرها عليه وإبهامه مرفوعة، فإذا بلغ الكوع أمرّها على إبهام اليمنى ثم يمسح اليسار باليمنى كذلك، ثم يمسح إحدى الراحتين بالأخرى ويخلل أصابعهما ولم تثبت هذه الكيفية في السنة بل في الكفاية عن الأم أنه يعكس فيجعل بطن راحتيه معًا إلى فوق، ثم يمر الماسحة وهي من تحت لأنه أحفظ للتراب.
(فقال) بالفاء ولأبوي ذر والوقت والأصيلي قال (عبد الله) بن مسعود (ألم تر عمر) بن الخطاب، ولكريمة والأصيلي وهو في متن الفرع من غير عزو أفلم تر عمر (لم يقنع بقول عمار) وعند مسلم من رواية عبد الرحمن بن أبزى: اتق الله يا عمار أي فيما ترويه وتثبت فلعلك نسبت أو اشتبه عليك فإني كنت معك ولا أتذكر شيئًا من هذا (وزاد) بالواو ولأبوي ذر والوقت زاد (يعلى) بن عبيد الطنافسي الحنفي الكوفي مما وصله أحمد وغيره (عن الأعمش عن شقيق قال):
(كنت مع عبد الله) بن مسعود (وأبي موسى) الأشعري (فقال أبو موسى) لعبد الله: (ألم تسمع قول عمار لعمر وإن رسول الله) وللأصيلي إن النبي (¬ ﷺ بعثني أنا وأنت) لا يقال كان الوجه بعثني إياي وإياك لأن أنا ضمير رفع، فكيف وقع تأكيد للضمير المنصوب والمعطوف في حكم المعطوف عليه لأن الضمائر تتقارض فيحمل بعضها على بعض وتجري بينها المناوبة، (فأجنبت فتمعكت بالصعيد فأتينا رسول الله) وللأصيلي النبي (¬ ﷺ فأخبرناه فقال: وإنما كان يكفيك هكذا).
وللكشميهني هذا (ومسح وجهه وكفيه) مسحة (واحدة) أو ضربة واحدة وهو المناسب لقول المؤلف في الترجمة باب التيمم ضربة.
стр. 598
٩ - باب
هذا (باب) بالتنوين من غير ترجمة، ولفظ باب ساقط عند الأصيلي فيكون داخلاً في الترجمة السابقة.
٣٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا عَوْفٌ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ قَالَ حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ الْخُزَاعِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلاً مُعْتَزِلاً لَمْ يُصَلِّ فِي الْقَوْمِ فَقَالَ «يَا فُلَانُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ فِي الْقَوْمِ». فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ. قَالَ «عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ».
وبه قال: (حدّثنا عبدان) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة (قال: أخبرنا عبد الله) بن المبارك (قال: أخبرنا عوف) الأعرابي (عن أبي رجاء) عمران بن ملحان العطاردي (قال): (حدّثنا عمران بن حصبن الخزاعي) ﵁ (أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً معتزلاً) أي منفردًا عن الناس (لم يصل في القوم فقال) ﵊: (يا فلان ما منعك) هو كناية عن علم المذكر فيحتمل أن يكون ﷺ خاطبه باسمه، وكنى عنه الراوي لنسيان اسمه أو لغير ذلك ولابن عساكر ما يمنعك؟ (أن تصلي في القوم) مفعول ثانٍ لمنع أو على إسقاط الخافض أي من أن تصلي ففي محله المذهبان المشهوران هل هو نصب أو جر؟ (فقال: يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء) بالفتح كما مر والمراد عموم النفي إظهارًا لتمام العذر، فكأنه نفي وجود الماء بالكلية. (قال) ﵊: (عليك بالصعيد) المذكور في التنزيل. قال ابن عباس: المراد به التراب ولما صح وترابها طهور تعلق الحكم به، (فإنه يكفيك).
فإن قلت: ما المطابقة بين الترجمة وبين هذا على رواية الأصيلي المسقطة للفظ باب؟ أجيب: بأنه لم يقيد بضربة ولا غيرها وأقله ضربة واحدة، فيدخل في الترجمة من ثم. وفي هذا الحديث التحديث والإخبار والعنعنة وهو مختصر من الحديث السابق في باب الصعيد الطيب.
ولما فرغ المؤلف من ذكر أحكام الطهارة التي هي من شروط الصلاة شرع في بيان الصلاة التي هي المشروطة فقال:
стр. 599
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٨ - كتاب الصلاة
(بسم الله الرحمن الرحيم) وهي ساقطة عند ابن عساكر.
هذا (كتاب الصلاة) أو خذ كتاب الصلاة واشتقاقها من الصلي وهو عرض خشبة معوجّة على نار لتقويمها وبالطبع عوج، فالمصلّي من وهج السطوة بتقويم اعوجاجه ثم يتحقق معراجه، ومن اصطلى بنار الصلاة وزال عوجه لا يدخل النار وهي صلة بين العبد وربّه تعالى، وجامعة لأنواع العبادات النفسانية والبدنية من الطهارة وستر العورة وصرف المال فيهما والتوجّه إلى الكعبة والعكوف على العبادة وإظهار الخشوع بالجوارح وإخلاص النيّة بالقلب ومجاهدة الشيطان ومناجاة الحق وقراءة القرآن والنطق بالشهادتين وكفّ النفس عن الأطيبين وشرع المناجاة فيها سرًّا وجهرًا ليجمع للعبد فيها ذكر السر وذكر العلانية، فالمصلّي في صلاته يذكر الله في ملأ الملائكة ومَن حضر من الموجودين السامعين وهو ما يجهر به من القراءة فيها قال الله في الحديث الثابت عنه: إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وقد يريد بذلك الملائكة المقربين والكروبيين خاصة الذين اختصّهم لحضرته، فلهذا الفضل شرع لهم في الصلاة الجهر بالقراءة والسرّ وهي لغة الدعاء بخير قال الله تعالى: ﴿وصلِّ عليهم﴾ [التوبة: ١٠٣] أي ادع لهم وشرعًا أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم.
١ - باب كَيْفَ فُرِضَتِ الصَّلواتُ فِي الإِسْرَاءِ؟
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ فِي حَدِيثِ هِرَقْلَ فَقَالَ: يَأْمُرُنَا -يَعْنِي النَّبِيَّ- ﷺ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ.
(باب كيف فرضت الصلاة) وللكشميهني والمستملي كيف فرضت الصلوات (في) ليلة (الإسراء) بجسده وروحه ﵊ يقظة إلى السماوات، وقد اختلفوا مع اتفاقهم على أن
стр. 600
فريضة الصلوات كانت ليلة الإسراء في وقته، فقيل: قبل الهجرة بسنة وعليه الأكثرون أو وخمسة أشهر أو ثلاثة أو قبلها بثلاث سنين، وقال الحربي: في سابع عشر ربيع الآخر، وكذا قال النووي في فتاويه، لكن قال في شرح مسلم: ربيع الأول، وقيل: سابع عشر رجب، واختاره الحافظ عبد الغني بن سرور المقدسي.
(وقال ابن عباس) ﵄ فيما وصله المؤلف أوائل الكتاب: (حدّثني) بالإفراد (أبو سفيان) صخر بن حرب (في حديث هرقل) الطويل (فقال) أبو سفيان (يأمرنا يعني النبي ﷺ بالصلاة والصدق والعفاف) وقد أخرجه المؤلّف في أربعة عشر موضعًا، وأخرجه مسلم وأصحاب السُّنن الأربعة إلاّ ابن ماجة.
٣٤٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «فُرِجَ عَنْ سَقْفِ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا فَأَفْرَغَهُ فِي صَدْرِي ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَلَمَّا جِئْتُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ: افْتَحْ. قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ. قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَعِي مُحَمَّدٌ ﷺ . فَقَالَ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَلَمَّا فَتَحَ عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَإِذَا رَجُلٌ قَاعِدٌ عَلَى يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَلَى يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، إِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَسَارِهِ بَكَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالاِبْنِ الصَّالِحِ. قُلْتُ لِجِبْرِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ. وَهَذِهِ الأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ، فَأَهْلُ الْيَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَالأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ، فَإِذَا نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى. حَتَّى عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَقَالَ لِخَازِنِهَا: افْتَحْ. فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُ، فَفَتَحَ». قَالَ أَنَسٌ: فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَوَاتِ آدَمَ وَإِدْرِيسَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَإِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ. قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ ﷺ بِإِدْرِيسَ قَالَ: "مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ، فَقُلْتُ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ. ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ هَذَا مُوسَى. ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا عِيسَى. ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالاِبْنِ الصَّالِحِ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ ﷺ ». قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ الأَنْصَارِيَّ كَانَا يَقُولَانِ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «ثُمَّ عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوًى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلَامِ». قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فَفَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً، فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى فَقَالَ:
стр. 601
مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلَاةً. قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ. فَرَاجَعني فَوَضَعَ شَطْرَهَا. فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى قُلْتُ: وَضَعَ شَطْرَهَا. فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ. فَرَاجَعْتُ، فَوَضَعَ شَطْرَهَا. فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ. فَرَاجَعْتُهُ فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ وَهْيَ خَمْسُونَ، لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ. فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ. فَقُلْتُ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ. ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ، فَإِذَا فِيهَا حَبَايِلُ اللُّؤْلُؤِ، وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ».
[الحديث ٣٤٩ - طرفاه في: ١٦٣٦، ٣٣٤٢].
وبالسند قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة (قال: حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن يونس) بن يزيد (عن ابن شهاب) الزهري (عن أنس بن مالك) وسقط لفظ ابن مالك لابن عساكر (قال):
(كان أبو ذر) ﵁ (يحدّث أن رسول الله ﷺ قال: فرج) بضم الفاء وكسر الراء أي
فتح (عن سقف بيتي) أضافه لنفسه لأن الإضافة تكون بأدنى ملابسه وإلاّ فهو بيت أُم هانئ كما ثبت (وأنا بمكة) جملة حالية اسمية (فنزل جبريل) ﵇ من الوضع المفروج في السقف مبالغة في المفاجأة (ففرج) بفتحات أي شق (صدري) ولأبي ذر عن صدري (ثم غسله بماء زمزم) وإنما اختاره عن غيره من المياه لفضله على غيره من المياه أو لأنه يقوّي القلب، (ثم جاء بطست) بفتح الطاء وسكون السين المهملة وهي مؤنثة وتُذكّر على معنى الإناء (من ذهب) لا يقال فيه استعمال آنية الذهب لأنّا نقول إن ذلك كان قبل التحريم لأنه إنما وقع بالمدينة (ممتلئ) بالجرّ صفة لطست وذكر على معنى الإناء (حكمةً وإيمانًا) بالنصب فيهما على التمييز أي شيئًا يحصل بملابسته الحكمة والإيمان، فأطلقا عليه تسمية للشيء باسم مسبّبه أو هو تمثيل لينكشف بالمحسوس ما هو معقول كمجيء الموت فى هيئة كبش أملح والحكمة كما قاله النووي عبارة عن العلم المتّصف بالأحكام المشتملة على المعرفة بالله تعالى المصحوبة بنفاذ البصيرة وتهذيب النفس وتحقيق الحق والعمل به والصدّ عن اتباع الهوى والباطل، وقيل: هي النبوّة، وقيل: هي الفهم عن الله تعالى. (فأفرغه) أي ما في الطست (في صدري ثم أطبقه) أي الصدر الشريف فختم عليه كما يختم على الوعاء المملوء، فجمع الله تعالى له أجزاء النبوّة وختمها فهو خاتم النبيين وختم عليه فلم يجد عدوّه سبيلاً إليه لأن الشيء المختوم عليه محروس، وإنما فعل به ذلك ليتقوّى على استجلاء الأسماء الحسنى والثبوت في المقام الأسنى كما وقع له ذلك أيضًا في حال صباه لينشأ على أكمل الأخلاق وعند المبعث ليتلقّى الوحي بقلب قوي.
قال ﵇: (ثم أخذ بيدي) جبريل (فعرج) أي صعد (بي إلى السماء الدنيا) ولأبي ذرّ عن الكشميهني وابن عساكر به على الالتفات أو التجريد جرّد من نفسه شخصًا وأشار إليه (فلما
стр. 602
جئت إلى السماء الدنيا) وبينها وبين الأرض خمسمائة عام كما بين كل سماءين إلى السابعة وسقط لفظ الدنيا عند الأربعة. (قال جبريل لخازن السماء) الدنيا: (افتح) أي بابها، أو في رواية شريك عند المؤلّف فضرب بابًا من أبوابها. (قال) الخازن: (مَن هذا) الذي يقرع الباب، (قال: جبريل) ولغير أبي ذر قال: هذا جبريل لم يقال أنا للنهي عنه (قال: هل معك أحد؟ قال: نعم معي محمد ﷺ ، فقال: أرسل إليه) للعروج به وليس السؤال عن أصل رسالته لاشتهارها في الملكوت، ولأبي ذر أأرسل إليه بهمزتين الأولى للاستفهام وهي مفتوحة والأخرى للتعدية وهي مضمومة، وللكشميهني كما في الفتح أو أرسل بواو مفتوحة بين الهمزتين، وفي رواية شريك قال أو قد بعث إليه (قال) جبريل: (نعم) أرسل إليه (فلما فتح) الخازن (علونا السماء الدنيا) ضمير الجمع فيه يدلّ على أنه كان معهما ملائكة آخرون ولعله كان كلما عديا سماء تشيعهما الملائكة حتى يصلا إلى سماء أخرى والدنيا صفة السماء في موضع نصب، (فإذا) بالفاء وللأصيلي وابن عساكر إذا (رجل قاعد على يمينه أسودة) أشخاص جمع سواد كأزمنة جمع زمان (وعلى يساره أسودة إذا نظر قبل) بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهة (يمينه ضحك وإذا نظر قبل) أي جهة (يساره بكى) وللأربعة شماله، (فقال) أي الرجل القاعد: (مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح) أي أصبت رحبًا لا ضيقًا وهي كلمة تُقال عند تأنيس القادم ولم يقل أحد مرحبًا بالنبي الصادق لأن الصلاح شامل لسائر الخصال المحمودة الممدوحة من الصدق وغيره، فقد جمع بين صلاح الأنبياء كأنه قال: مرحبًا بالنبي التامّ في نبوّته والابن البارّ في نبوّته. (قلت لجبريل) ﵇: (مَن هذا؟ قال: هذا آدم) ﵇ (وهذه الأسودة) التي (عن يمينه وشماله نسم بنيه) بفتح النون والسين المهملة جمع نسمة وهي نفس الروح أي أرواح بنيه، (فأهل اليمين منهم أهل الجنة والأسودة التي عن شماله أهل النار). يحتمل أن النار كانت في جهة شماله ويكشف له عنها حتى ينظر إليهم لا أنها في السماء لأن أرواحهم في سجين الأرض السابعة، كما أن الجنة فوق السماء السابعة في جهة يمينه كذلك، (فإذا نظر عن يمينه قبل شماله بكى. حتى عرج بي) جبريل ولابن عساكر به (إلى السماء الثانية فقال لخازنها: افتح. فقال له خازنها مثل ما قال الأول ففتح).
(قال) وفي رواية فقال (أنس) (فذكر) أبو ذر (أنه) أي النبي ﷺ (وجد في السماوات آدم وإدريس وموسى وعيسى وإبراهيم صلوات الله عليهم ولم يثبت) من الاثبات (كيف منازلهم) أي لم يعين أبو ذر لكل نبي سماء (غير أنه ذر أنه وجد آدم في السماء الدنيا وإبراهيم في السماء السادسة) نعم في حديث أنس عن مالك بن صعصعة عند الشيخين أنه وجد آدم في السماء الدنيا كما مرّ وفي الثانية يحيى وعيسى، وفي الثالثة يوسف، وفي الرابعة إدريس، وفي الخامسة هارون، وفي السادسة موسى، وفي السابعة إبراهيم وفيه بحث يأتي في بابه إن شاء الله تعالى. (قال أنس): ظاهره أن أنسًا لم يسمع من أبي ذر هذه القطعة الآتية وهي (فلما مرّ جبريل بالنبي ﷺ ¬) أي مصاحبًا بالنبي (بإدريس) ﵇ يتعلق الجار والمجرور في الموضعين بمرّ إلا أن الباء الأولى للمصاحبة كما مرّ والثانية
стр. 603
للإلصاق أو بمعنى على. (قال) إدريس: (مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح) لم يقل والابن كآدم لأنه لم يكن من آبائه ﷺ ، (فقلت: مَن هذا) يا جبريل؟ (قال) وللأصيلي فقال: (هذا إدريس) ﵇ قال ﵇: (ثم مررت بموسى) ﵇ (فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح) سقط قوله والأخ الصالح في رواية الأربعة كما في الفرع قال ﵇. (قلت) وفي رواية فقلت: (مَن هذا) يا جبريل؟ (قال هذا موسى. ثم مررت بعيسى فقال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح) قال ﵇: (قلت) وفي رواية فقلت: (مَن هذا) يا جبريل؟ (قال: هذا عيسى) وسقطت لفظة هذا عند أبي ذر، وليست ثم هنا على بابها في الترتيب إلاّ أن قيل بتعدّد المعراج لأن الروايات قد اتفقت على أن المرور به كان قبل المرور بموسى. قال ﵇: (ثم مررت بإبراهيم) ﵇ (فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح. قلت: مَن هذا) يا جبريل؟ (قال: هذا إبراهيم ﷺ ¬).
(قال ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (فأخبرني) بالإفراد (ابن حزم) بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري قاضي المدينة وأميرها زمن الوليد، المتوفّى سنة عشرين ومائة عن أربع وثمانين سنة (أن ابن عباس وأبا حبة) بفتح المهملة وتشديد الموحدة على المشهور البدري (الأنصاري) وعند القابسي وأبا حبة بمثناة تحتية وغلط، ورواية أبي بكر بن حزم عن أبي حبة منقطعة لأنه استشهد بأُحُد قبل مولد أبي بكر بدهر، بل قبل مولد أبيه محمد أيضًا، ففي هذه الرواية وهم لأنه إما أن يُراد بابن حزم أبو بكر أو أبوه محمد، فالأول لم يدرك أبا حبة والثاني لم يدركه الزهري إلاّ أن يقال أن أبا بكر رواه عنه مرسلاً إذ قال إن ولم يقل سمعت ولا أخبرني وحينئذ فلا وهم، واختلف في اسم أبي حبة بالموحدة فقيل: عامر بن عبد عمرو بن عمير بن ثابت، وقيل: مالك، وأنكر الواحدي أن يكون في البدريين مَن يكنّى أبا حبّة بالموحدة، قال في الإصابة: وروى عنه أيضًا عمّار بن أبي عمّار وحديثه عنه في مسند ابن أبي شيبة وأحمد، وصحّحه الحاكم وصرّح بسماعه منه، وعلى هذا فهو غير الذي ذكر ابن إسحاق أنه استشهد بأُحد، وله في الطبراني آخر من رواية عبد الله بن عمرو بن عثمان عنه وسنده قوي إلاّ أن عبد الله بن عمرو بن عثمان لم يدركه، قال ابن حزم: (كانا) أي ابن عباس وأبو حبّة (يقولان):
(قال النبي ﷺ : ثم عرج بي) بفتحات أو بضم الأول وكسر الثاني (حتى ظهرت) أي علوت (لمستوى) بواو مفتوحة أي موضع مشرف يستوي عليه وهو المصعد واللام فيه للعلّة أي علت لاستعلاء مستوى، وفي بعض الأصول بمستوى بموحدة بدل اللام (أسمع فيه صريف الأقلام) أي تصويتها حالة كتابة الملائكة ما يقضيه الله تعالى مما تنسخه من اللوح المحفوظ أو ما شاء الله أن يكتب لما أراد الله تعالى من أمره وتدبيره، والله تعالى غنيّ عن الاستذكار بتدوين الكتب إذ علمه محيط بكل شيء. (قال ابن حزم) عن شيخه، (و) قال (أنس بن مالك) عن أبي ذر قال الحافظ ابن حجر: كذا جزم أصحاب الأطراف، ويحتمل أن يكون مرسلاً من جهة ابن حزم ومن رواية أنس بلا واسطة.
стр. 604
(قال النبى ﷺ : ففرض الله) زاد الأصيلي (على أمتي خمسين صلاة) أي في كل يوم وليلة كما عند مسلم من حديث ثابت عن أنس، لكن بلفظ ففرض الله عليّ، وذكر الفرض عليه يستلزم الفرض على أمته وبالعكس إلاّ ما يستثنى من خصائصه، (فرجعت بذلك حتى مررت على موسى) ﵊ (فقال: ما فرض الله لك على أمتك؟ قلت: فرض خمسين صلاة، قال) موسى: (فارجع إلى ربك) أي إلى الموضع الذي ناجيته فيه (فإن أمتك لا تطيق ذلك) سقطت لفظة ذلك في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر (فراجعني) وللأربعة وعزاها في الفتح للكشميهني فراجعت والمعنى واحد (فوضع) أي ربي (شطرها) وفي رواية مالك بن صعصعة فوضع عني عشرًا وفي رواية ثابت فحط عني خمسًا وزاد فيها أن التخفيف كان خمسًا خمسًا، قال الحافظ ابن حجر: وهي زيادة معتمدة يتعيّن حمل ما في الروايات عليها، (فرجعت إلى موسى قلت) وللأصيلي فقلت: (وضع شطرها: فقال) ولأبي ذر والوقت قال: (راجع ربك) وفي رواية راجع إلى ربك (فإن أمتك لا تطيق) ذلك (فراجعت) ربي ولابن عساكر فرجعت (فوضع) عني (شطرها) فيه شيء على تفسير الشطر بالنصف، لأنه يلزم منه أن يكون وضع اثنتي عشرة صلاة ونصف صلاة وهو باطل فتفسيره بجزء منها أولى وأحسن منه الحمل على ما زاده ثابت خمسًا خمسًا كما مرّ، (فرجعت إليه) أي إلى موسى (فقال ارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك فراجعته) تعالى (فقال) جلّ وعلا: (هي خمس) بحسب الفعل (وهي خمسون) بحسب الثواب قال تعالى: ﴿مَن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ [الأنعام: ١٦٠] ولأبي ذر عن المستملي، ونسبها في الفتح لغير أبي ذر هنّ خمس وهنّ خمسون، واستدلّ به على عدم فرضية ما زاد على الخمس كالوتر وفيه جواز النسخ قبل الفعل خلافًا للمعتزلة.
قال ابن المنير: لكن الكل متّفقون على أن النسخ لا يتصوّر قبل البلاغ، وقد جاء به حديث الإسراء فأشكل على الطائفتين. وتعقب بأن الخلاف مأثور نص عليه ابن دقيق العيد في شرح العمدة وغيره.
نعم هو نسخ بالنسبة إلى النبي ﷺ لأنه كلف بذلك قطعًا، ثم نسخ بعد أن بلغه وقبل أن يفعل
فالنسخ في حقه صحيح التصوير. (لا يبدل القول) بمساواة ثواب الخمس الخمسين (لديّ) أو لا يبدّل القضاء المبرم لا المعلق الذي يمحو الله منه ما يشاء ويثبت ما يشاء، وأما مراجعته ﵊ ربه في ذلك فللعلم بأن الأمر الأوّل ليس على وجه القطع والإبرام. قال ﵊: (فرجعت إلى موسى فقال: راجع ربك) وللأصيلي ارجع إلى ربك (فقلت) ولأبي ذر قلت (استحييت) وللأصيلي قد استحييت (من ربي) وجه استحيائه أنه لو سأل الرفع بعد الخمس لكان كأنه قد سأل رفع الخمس بعينها، ولا سيما وقد سمع قوله تعالى: ﴿لا يبدّل القول لديّ﴾ [ق: ٢٩].
(ثم انطلق بي) بفتح الطاء واللام وفي بعض النسخ إسقاط بي والاقتصار ثم انطلق (حتى انتهى بي إلى سدرة المنتهى) وللأربعة إلى السدرة المنتهى وهي في أعلى السماوات، وفي مسلم أنها في السادسة، فيحتمل أن أصلها فيها ومعظمها في السابعة، وسمّيت بالمنتهى لأن علم الملائكة ينتهي إليها ولم يجاوزها أحد إلاّ رسول الله ﷺ ، أو لأنه ينتهي إليها ما يهبط من فوقها وما يصعد من تحتها أو تنتهي إليها أرواح الشهداء أو أرواح المؤمنين فتصلي عليهم الملائكة المقرّبون، (وغشيها ألوان لا
стр. 605
أدري ما هي ثم أُدخلت الجنة فإذا فيها حبائل اللؤلؤ) بحاء مهملة فموحدة وبعد الألف مثناة تحتية ثم لام كذا هنا في جميع الروايات، وضبب عليها في اليونينية ثم ضرب على التضبيب وصحّح على لفظ حبائل ثلاث مرات. قيل: معناه أن فيها عقودًا وقلائد من اللؤلؤ، وردّ بأن الحبائل إنما تكون جمع حبالة أو حبيلة، وذكر غير واحد من الأئمة أنه تصحيف وإنما هي جنابذ كما عند المؤلّف في أحاديث الأنبياء بالجيم والنون وبعد الألف موحدة ثم معجمة جمع جنبذة وهي القبة، (وإذا ترابها المسك) أي تراب الجنة رائحته كرائحة المسك.
ورواة هذا الحديث الستّة ما بين مصري ومدني وفيه رواية صحابي عن صحابي والتحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلّف في الحج مختصرًا وفي بدء الخلق وفي الأنبياء وباب وكلم الله موسى تكليمًا، ومسلم في الإيمان، والترمذي في التفسير، والنسائي في الصلاة.
٣٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ حِينَ فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ.
[الحديث ٣٥٠ - طرفاه في ١٠٩٠، ٣٩٣٥].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك) هو ابن أنس إمام الأئمة (عن صالح بن كيسان) بفتح الكاف (عن عروة بن الزبير) بن العوّام (عن عائشة أُم المؤمنين) ﵂ (قالت):
(فرض الله) أي قدّر الله (الصلاة) الرباعية (حين فرضها) حال كونها (ركعتين ركعتين) بالتكرير لإفادة عموم التثنية لكل صلاة (في الحضر والسفر) زاد ابن إسحاق قال: حدّثني صالح بن كيسان بهذا الإسناد إلاّ المغرب فإنها ثلاث أخرجه أحمد، (فأقرّت صلاة السفر) ركعتين ركعتين (وزيد في صلاة الحضر) لمّا قدِمَ ﵊ المدينة ركعتان ركعتان، وتركت صلاة الصبح لطول القراءة فيها وصلاة المغرب لأنها وتر النهار رواه ابنا خزيمة وحبّان والبيهقي، وقد تمسك بظاهره الحنفية على أن القصر في السفر عزيمة لا رخصة، فلا يجوز الإتمام إذ ظاهر قولها أقرّت يقتضيه.
وأُجيب: بأنه على سبيل الاجتهاد، وهو أيضًا معارض بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عند مسلم: فرضت الصلاة في الحضر أربعًا وفي السفر ركعتين. وفيه نظر يأتي إن شاء الله تعالى في أبواب القصر، وبأن عائشة أتمّت في السفر، والعبرة عندهم برأي الصحابي لا بمرويه أن تؤول الزيادة في قولها: وزيد في صلاة الحضر في عدد الصلوات حتى بلغت خمسًا لا في عدد الركعات، ويكون قولها: فرضت الصلاة ركعتين أي قبل الإسراء فإنها كانت قبل الإسراء صلاة قبل المغرب وصلاة قبل طلوع الشمس، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وسبّح بحمد ربك بالعشي والإبكار﴾ [غافر: ٤٠] ودليلنا كمالك وأحمد قوله تعالى: ﴿فليس عليكم جُناح أن تقصروا من الصلاة﴾ [النساء: ١٠١] لأن نفي الجناح لا يدلّ على العزيمة، والقصر يُنبئ عن تمام سابق. وقوله عليه
стр. 606
الصلاة والسلام: (صدقة تصدّق الله بها عليكم). رواه مسلم. فالمفروض الأربع إلاّ أنه رخص بأداء ركعتين.
وقال الحنفية المفروض ركعتان فقط، وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا أتمّ المسافر يكون الشفع الثاني عندنا فرضًا وعندهم نفلاً.
لنا إن الوقت سبب للأربع والسفر سبب للقصر فيختار أيهما شاء، ولهم قول ابن عباس ﵄: إن الله فرض عليكم على لسان نبيّه ﵊ والصلاة (للمقيم أربعة وللمسافر ركعتين) ويأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في محله في باب التقصير. ورواة هذا الحديث ما بين مصري ومدني، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة، وهو من مراسيل عائشة وهو حجّة.
٢ - باب وُجُوبِ الصَّلَاةِ فِي الثِّيَابِ،
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وَمَنْ صَلَّى مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ
وَيُذْكَرُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَزُرُّهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ». فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ،
وَمَنْ صَلَّى فِي الثَّوْبِ الَّذِي يُجَامِعُ فِيهِ مَا لَمْ يَرَ أَذًى، وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ.
(باب وجوب الصلاة في الثياب) بالجمع على حدّ قولهم: فلان يركب الخيول ويلبس البرود، والمراد ستر العورة، وهو عند الحنفية والشافعية كعامّة الفقهاء وأهل الحديث شرط في صحة الصلاة. نعم الحنفية لا يشترطون الستر عن نفسه، فلو كان محلول الجيب فنظر إلى عورته لا تفسد صلاته، وقال بهرام من المالكية: اختلف هل ستر العورة شرط في الصلاة أم لا؟ فعند ابن عطاء الله: أنه شرط فيها ومن واجباتها مع العلم والقدرة على المعروف من الذهب، وفي القبس المشهور: أنه ليس من شروطها وقال التونسي: هو فرض في نفسه لا من فروضها، وقال إسماعيل وابن بكير والشيخ أبو بكر: هو من سُننها، وفي تهذيب الطالب والمقدمات وتبصرة ابن محرز: اختلف هل ذلك فرض أو سُنة اهـ.
(و) بيان معنى (قول الله تعالى) وللأصيلي وابن عساكر ﴿خذوا زينتكم﴾ أي ثيابكم لمواراة عوراتكم ﴿عند كل مسجد﴾ [الأعراف: ٣١] لطواف أو صلاة، وفيه دليل على وجوب ستر العورة في الصلاة، ففي الأوّل إطلاق اسم الحال على المحل، وفي الثاني إطلاق اسم المحل على الحال بوجود الاتصال الذاتي بين الحال والمحل، وهذا لأن أخذ الزينة نفسها وهي عرض محُال فأُريد محلها وهو الثوب مجازًا، لا يقال سبب نزولها أنهم كانوا يطوفون عُراة، ويقولون لا نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها فنزلت، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهذا عامّ لأنه قال: ﴿عند
стр. 607
كل مسجد﴾ ولم يقل المسجد الحرام فيؤخذ بعمومه (ومَن صلّى ملتحفًا في ثوب واحد) كذا ثبت للمستملي وحده قوله، ومَن صلّى إلخ ساقط عند الأربعة من طريق الحموي والكشميهني.
(ويذكر) بضم أوّله وفتح ثالثه (عن سلمة بن الأكوع أن النبي ﷺ قال: يزرّه) بالمثناة التحتية المفتوحة وتشديد الراء المضمومة أي بأن يجمع بين طرفيه كي لا ترى عورته، وللأصيلي تزره بالمثناة الفوقية، وفي رواية يزرّ بحذف الضمير، (ولو) لم يكن ذلك إلاّ بأن يزره (يشوكه) ويستمسك بها فليفعل، وهذا وصله المؤلّف في تاريخه وأبو داود وابنا خزيمة وحبّان من طريق الدراوردي عن موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة عن سلمة بن الأكوع قلت: يا رسول الله إني رجل أتصيد أفأصلّي في القميص الواحد؟ قال: (نعم زرّه ولو بشوكة) هذا لفظ ابن حبّان. ورواه المؤلف عن إسماعيل بن أبي أُويس عن أبيه عن موسى بن إبراهيم عن أبيه عن سلمة فزاد في الإسناد رجلاً، ورواه أيضًا عن مالك بن إسماعيل عن عطاف بن خالد قال: حدّثنا موسى بن إبراهيم قال: حدّثنا سلمة فصرّح بالتحديث عن موسى وسلمة، فاحتمل أن تكون رواية ابن أبي أُويس من المزيد في متصل الأسانيد، أو كان التصريح في رواية عطاف وهما فهذا وجه قول المؤلّف (في) وللأربعة وفي (إسناده نظر) أو هو من جهة أن موسى هو ابن محمد التيمي المطعون فيه كما قاله ابن القطّان، وتبعه البرماوي وغيره، لكن ردّه الحافظ ابن حجر بأنه نسب في رواية البخاري وغيره مخزوميًا وهو غير التيمي بلا تردّد. نعم وقع عند الطحاوي موسى بن محمد بن إبراهيم، فإن كان محفوظًا فيحتمل على بُعد أن يكونا جميعًا رويا الحديث، وحمله عنهما الدراوردي وإلاّ فذكر محمد فيه شاذّ اهـ. من الفتح.
وحينئذ فمَن صلىّ في ثوب واسع الجيب وهو القدر الذي يدخل فيه الرأس ترى عورته من جيبه في ركوع أو سجود فليزره أو يشدّ وسطه، (ومن) أي وباب من (صلّى في الثوب الذي يجامع فيه) امرأته أو أمته (ما لم يرَ فيه أذًى) أي نجاسة وللمستملي والحموي ما لم يرَ أذًى بإسقاط فيه، (وأمر النبي ﷺ ¬) فيما رواه أبو هريرة في بعث عليّ في حجة أبي بكر مما وصله المؤلف قريبًا لكن بغير تصريح بالأمر (أن لا يطوف بالبيت) الحرام (عريان) وإذا منع التعرّي في الطواف فالصلاة أولى إذ يشترط فيها ما يشترط فيه وزيادة.
٣٥١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الْحُيَّضَ يَوْمَ الْعِيدَيْنِ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَدَعْوَتَهُمْ، وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ عَنْ مُصَلاَّهُنَّ. قَالَتِ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِحْدَانَا لَيْسَ لَهَا جِلْبَابٌ. قَالَ: لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ حَدَّثَنَا عِمْرَانُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ حَدَّثَتْنَا أُمُّ عَطِيَّةَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِهَذَا.
стр. 608
وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلٍ: صَلَّوْا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَاقِدِي أُزْرِهِمْ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ.
وبالسند قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري التبوذكي (قال: حدّثنا يزيد بن إبراهيم) التستري، المتوفى سنة إحدى وستين ومائة (عن محمد) هو ابن سيرين (عن أُم عطية) نسيبة بنت كعب ﵂ (قالت):
(أُمرنا) بضم الهمزة وكسر الميم أي أمرنا رسول الله ﷺ كما عند مسلم (أن نخرج الحُيَّض)
بضم النون وكسر الراء في الأولى وضم المهملة وتشديد المثناة التحتية في الأخرى جمع حائض (يوم العيدين) وللكشميهني والمستملي يوم العيد بالإفراد (و) أن نخرج (ذوات الخدور) بالدال المهملة أي صواحبات الستور (فيشهدن) كلهنّ (جماعة المسلمين ودعوتهم ويعتزل الحيض) منهنّ (عن مصلاّهنّ) أي عن مصلّى النساء اللاتي لسن بحيض، وللمستملي مصلاّهم باليم بدل النون على التغليل، وللكشميهني عن المصلّى بضم الميم وفتح اللام موضع الصلاة. (قالت امرأة: يا رسول الله إحدانا) أي بعضنا مبتدأ خبره قوله (ليس بها جلباب) بكسر الجيم محلفة أي كيف تشهد ولا جلباب لها وذلك بعد نزول الحجاب؟ (قال) ﵊: (لتلبسها) بالجزم (صاحبتها من جلبابها) أي بأن تعيرها جلبابًا من جلابيبها، ووجه مطابقته للترجمة من جهة تأكيد الأمر باللبس حتى بالعارية للخروج إلى صلاة العيد فللصلاة أولى، وإذا وجب ستر العورة للنساء فللرجل كذلك. وهل ستر العورة واجب مطلقًا في الصلاة وغيرها؟ نعم هو واجب مطلقًا عند الشافعية. ورواة هذا الحديث كلهم بصريون.
(وقال عبد الله بن رجاء) بالجيم والمدّ الغداني بضم المعجمة وتخفيف المهملة وبعد الألف نون أي مما وصله الطبراني في الكبير. قال ابن حجر: ووقع عند الأصيلي في عرضه على أبي زيد بمكة حدّثنا عبد الله بن رجاء اهـ.
ولابن عساكر قال محمد أي المؤلف، وقال عبد الله بن رجاء: (حدّثنا عمران) القطان (قال: حدّثنا محمد بن سيرين، قال: حدّثنا أُم عطية) نسيبة فيه تصريح ابن سيرين بتحديث أُم عطية له، وهو يردّ على مَن زعم أن ابن سيرين إنما سمعه من أُخته حفصة عن أُم عطية قالت (سمعت النبي ﷺ بهذا) الحديث السابق.
٣ - باب عَقْدِ الإِزَارِ عَلَى الْقَفَا فِي الصَّلَاةِ
(باب) حكم (عقد) المصليّ (الإزار على القفا) بالقصر أي إزاره على قفاه وهو مؤخر عنقه، والحال أنه داخل (في الصلاة، وقال أبو حازم) بالحاء المهملة والزاي سلمة بن دينار الأعرج الزاهد المدني مما وصله المؤلف في باب الثوب إذا كان ضيفًا (عن سهل) الأنصاري، المتوفى سنة إحدى وتسعين آخر مَن مات من الصحابة بالمدينة، وللأصيلي عن سهل بن سعد (صلّوا) أي الصحابة (مع
стр. 609
النبي ﷺ ¬) حال كونهم (عاقدي أزرهم) بضم الهمزة وسكون الزاي جمع إزار وهو الملحفة (على عواتقهم) فكان أحدهم يعقد إزاره في قفاه، وللكشميهني عاقدو أزرهم بالواو، وحينئذ فيكون خبر مبتدأ محذوف أي صلّوا وهم عاقدوا أزرهم.
٣٥٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: صَلَّى جَابِرٌ فِي إِزَارٍ قَدْ عَقَدَهُ مِنْ قِبَلِ قَفَاهُ وَثِيَابُهُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْمِشْجَبِ. قَالَ لَهُ قَائِلٌ: تُصَلِّي فِي إِزَارٍ وَاحِدٍ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا صَنَعْتُ ذَلِكَ لِيَرَانِي أَحْمَقُ مِثْلُكَ. وَأَيُّنَا كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ؟
[الحديث ٣٥٢ - أطرافه في: ٣٥٣، ٣٦١، ٣٧٠].
وبالسند قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) نسبه إلى جدّه لشهرته به، وإلاَّ فأبوه عبد الله، وتوفي بالكوفة سنة سبع وعشرين ومائتين (قال: حدّثنا عاصم بن محمد) أي ابن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ (قال: حدّثني) بالإفراد (واقد بن محمد) بالقاف المكسورة والدال المهملة القرشي العدوي المدني أخو عاصم بن محمد الراوي عنه، (عن محمد بن المنكدر) التابعي المشهور (قال):
(صلىّ جابر) هو ابن عبد الله الأنصاري (في إزار قد عقده من قبل) بكسر القاف وفتح الموحدة أي من جهة (قفاه وثيابه موضوعة على المشجب) بكسر الميم وسكون الشين المعجمة وفتح الجيم عيدان تضم رؤوسها ويفرج بين قوائمها توضع عليها الثياب وغيرها والجملة اسمية حالية. (قال) وللأربعة فقال (له قائل) هو عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت كما في مسلم (تصلّي في إزار واحد) بهمزة الإنكار المحذوفة (فقال) جابر: (إنما صنعت ذلك) باللام قبل الكاف وللحموي والكشميهني ذاك بإسقاطها، وللمستملي بدلها هذا أي الذي فعله من صلاته وإزاره معقود على قفاه وثيابه موضوعة على المشجب (ليراني أحمق) بالرفع غير منصرف أي جاهل. (مثلك) فينكر عليّ بجهله
فأظهر له جوازه ليقتدي به الجاهل ابتداء، ومثلك بالرفع صفة أحمق لأنها وإن أُضيفت إلى معرفة لا تتعرّف لتوغلها في الإبهام إلاّ إذا أُضيفت لما اشتهر بالمماثلة وهنا ليس كذلك فلذا وقعت صفة للنكرة وهي أحمق. (وأيّنا كان له ثوبان) استفهام يفيد النفي وغرضه أن الفعل كان مقرّرًا (على عهد النبي) وللأصيلي على عهد رسول الله (¬ ﷺ ¬). وحينئذ فلا ينكر، وقد كان الخلاف في منع جواز الصلاة في الثوب الواحد قديمًا، فعن ابن مسعود قال: لا تصليّ في ثوب واحد وإن كان أوسع مما بين السماء والأرض. ورواه ابن أبي شيبة وعامّة الفقهاء على خلافه.
ورواة هذا الحديث ما بين كوفي ومدني، وفي رواية الأخ عن أخيه وهما عاصم وواقد وتابعي عن تابعي وهما واقد ومحمد بن المنكدر، وفيه التحديث والعنعنة والقول.
стр. 610
٣٥٣ - حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ أَبُو مُصْعَبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْمَوَالِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَقَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ.
وبه قال: (حدّثنا مطرف) بضم الميم وفتح الطاء وكسر الراء الهملتين وفي آخره فاء (أبو مصعب) بضم الميم وفتح العين ابن عبد الله بن سليمان الأصم المدني صاحب مالك الإمام (قال: حدّثنا عبد الرحمن بن أبي الموالي) بفتح الميم على وزن الجواري، وفي الفرع الموالِ بغير ياء (عن محمد بن المنكدر قال)
(رأيت جابر بن عبد الله يصلّي في ثوب واحد. وقال: رأيت النبي ﷺ يصلّي في ثوب) أي واحد، وهذا أوقع في النفس وأصرح في الرفع من الطريق السابق، وسقط عند الأصيلي لفظ ابن عبد الله.
٤ - باب الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ مُلْتَحِفًا بِهِ
قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِهِ: الْمُلْتَحِفُ الْمُتَوَشِّحُ، وَهْوَ الْمُخَالِفُ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ، وَهْوَ الاِشْتِمَالُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ. قَالَ: وَقَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: "الْتَحَفَ النَّبِيُّ ﷺ بِثَوْبٍ وَخَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ".
(باب) حكم (الصلاة في الثوب الواحد) حال كون الصليّ (ملتحفًا) أي متغطيًا به. (قال) وللأصيلي. وقال (الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (في حديثه) الذي رواه في الالتحاف مما وصله ابن أبي شيبة في مصنفه عنه عن سالم عن ابن عمر، أو المراد وصله أحمد عنه عن أبي هريرة: (الملتحف المتوشّح وهو المخالف بين طرفيه) أي الثوب (على عاتقيه وهو الاشتمال على منكبيه) أي منكبي التوشّح. قال ابن السكّيت: هو أن يأخذ طرف الثوب الذي ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى، ويأخذ الذي ألقاه على منكبه الأيسر من تحت يده اليمنى ثم يعقد طرفيهما على صدره.
(قال) أي المؤلّف وهذه ساقطة عند أبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر. (قالت) وللأربعة وقالت (أُم هانئ) بالنون والهمزة فاختة بنت أبي طالب: (التحف النبي ﷺ بثوب وخالف) وللأصيلي في ثوب، ولأبي ذر عن الكشميهني بثوب له وخالف (بين طرفيه على عاتقيه) وصله المؤلّف في هذا الباب لكنه لم يقل فيه وخالد. نعم ثبت في مسلم من وجه آخر عن أبي مرّة عنها، وفائدة هذه المخالفة في الثوب كما قال ابن بطّال أن لا ينظر المصلّي إلى عورة نفسه إذا ركع أو أن لا يسقط عند الركوع والسجود.
стр. 611
٣٥٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ قَدْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ.
[الحديث ٣٥٤ - طرفاه في: ٣٥٥، ٣٥٦].
وبه قال: (حدّثنا عبيد الله) بضم العين (ابن موسى) العبسي مولاهم الكوفي (قال: حدّثنا) وفي رواية ابن عساكر أخبرنا (هشام بن عروة) بن الزبير (عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوّام (عن عمر بن أبي سلمة) بفتح اللام وضمّ العين من عمر، واسم أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي ربيب النبي ﷺ وأُمه أُم المؤمنين أُم سلمة، ولد بالحبشة في السنة الثانية، المتوفّى بالمدينة سنة ثلاث وثمانين، ووهم مَن قال أنه قتل بوقعة الجمل نعم شهدها وتوفي بالمدينة في خلافة عبد الملك بن مروان، له في البخاري حديثان:
(أن النبي ﷺ صلّى في ثوب واحد قد خالف بين طرفيه). ورواة هذا الحديث ما بين كوفي ومدني وفيه رواية تابعي عن تابعي عن صحابي وهو سند عالٍ جدًّا، وله حكم الثلاثيات وإن لم يكن على صورتها لأن أعلى ما يقع للمؤلّف يكون بينه وبين الصحابي فيه اثنان، فإن كان الصحابي يرويه عن النبي ﷺ فصورة الثلاثي وإن كان عن صحابي آخر فلا، لكنه من حيث العلوّ واحد لصدق أن بينه وبين الصحابي اثنين، وبالجملة فهو من العلوّ النسبي.
٣٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ قَدْ أَلْقَى طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن المثنى. قال: حدّثنا يحيى) القطان (قال: حدّثنا هشام) عن أبيه عروة بن الزبير (قال: حدّثني) بالإفراد (أبي) عروة (عن عمر بن أبي سلمة) بضم العين.
(أنه رأى النبي ﷺ يصلّي في ثوب واحد في بيت أُمّ سلمة) أُم المؤمنين ظرف ليصلّي (قد ألقى طرفيه) أي طرفي ثوبه (على عاتقيه ﷺ ¬).
إنما أورد المؤلّف هذا الحديث وإن كان أنزل من السابق بدرجة لما وقع فيه من تصريح هشام عن أبيه بأن عمر أخبره، وفي السابق وقع بالعنعنة وتصريح الصحابي بأنه شاهد النبي ﷺ يفعل ما نقل أوْلاً بالصورة المحتملة مع تعيين المكان، وزيادة كون طرفي الثوب على عاتقيه ﷺ .
٣٥٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُشْتَمِلاً بِهِ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ وَاضِعًا طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ.
стр. 612
وبه قال: (حدّثنا عبيد) بضم العين مصغرًا من غير إضافة (ابن إسماعيل) الهباري بفتح الهاء وتشديد الموحدة الكوفي (قال: حدّثنا) ولابن عساكر أخبرنا (أبو أسامة) بضم الهمزة حماد بن أسامة (عن هشام) هو ابن عروة (عن أبيه) عروة بن الزبير (أن عمر بن أبي سلمة) بضمّ العين (أخبره قال):
(رأيت رسول الله) وللأصيلي رأيت النبي (¬ ﷺ يصلّي في ثوب واحد) حال كونه (مشتملاً به) وللمستملى والحموي مشتمل بالجرّ على المجاورة قاله ابن حجر وغيره كالزركشي، وتعقّبه البدر الدماميني فقال: الأولى أن يجعل صفة لثوب ثم أورد سؤالاً فقال: فإن قلت: لو كان لبرز الضمير لجريان الصفة على غير مَن هي له. وأجاب: بأن الكوفيين قاطبة لا يُوجِبون إبرازه عند أمن اللّبس، ووافقهم ابن مالك ومذهبهم في المسألة أقوى واللبس في الحديث مُنتَفٍ اهـ.
ولأبي ذر مشتمل بالرفع خبر مبتدأ محذوف (في بيت أُم سلمة) حال كونه (واضعًا طرفيه) بالتثنية أي الثوب (على عاتقيه) صلوات الله وسلامه عليه وفي بيت ظرف ليصلّي أو للاشتمال أولهما، وفي هذه الطريق النازلة السند أيضًا تصريح هشام عن أبيه بأن عمر أخبره، وفي السابقتين العنعنة وزيادة لفظ الاشتمال.
٣٥٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ. قَالَتْ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟. فَقُلْتُ: أَنَا أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ. فَقَالَ: مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ. فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ ابْنُ أُمِّي أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلاً قَدْ أَجَرْتُهُ فُلَانَ بْنَ هُبَيْرَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ». قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: وَذَاكَ ضُحًى.
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن أبي أُويس) بضم الهمزة وفتح الواو مصغرًّا (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) وفي غير رواية ابن عساكر مالك بن أنس إمام دار الهجرة (عن أبي النضر) بفتح النون وسكون المعجمة سالم بن أبي أمية (مولى عمر بن عبيد الله) بضم العين في الأوّل والثاني، المتوفّى سنة تسع وعشرين ومائة (أن أبا مرّة) بضمّ الميم وتشديد الراء يزيد (مولى أُم هانئ) بالهمزة فاختة (بنت أبي طالب أخبره أنه سمع أُم هانئ بنت أبي طالب) ﵂ حال كونها (تقول):
(ذهبت إلى رسول الله) وللأصيلي إلى النبي (¬ ﷺ عام الفتح) في رمضان سنة ثمان (فوجدته) حال كونه (يغتسل وفاطمة ابنته) ﵂ (تستره) جملة حالية أيضًا (قالت) أم هانئ: (فسلّمت عليه، فقال) ﵊ (مَن هذه؟) قالت: أُم هانئ (فقلت أنا) وللأصيلي قلت (أم
стр. 613
هانئ بنت أبي طالب فقال) ﵊ (مرحبًا بأُم هانئ) بباء الجرّ ولابن عساكر مرحبًا يا أم هانئ بيا النداء أي لقيت رحبًا وسعةً يا أُم هانئ (فلما فرغ) ﵊ (من غسله) بضم الغين (قام فصلّى ثماني ركعات) حال كونه (ملتحفًا في ثوب واحد) بكسر نون ثماني وفتح الياء مفعول فصلّى، ولابن عساكر ثمان بفتح النون من غير ياء (فلما انصرف) ﵊ من صلاته (قلت: يا رسول الله زعم) أي قال أو ادّعى (ابن أُمي) عليّ بن أبي طالب وهي شقيقته أُمهما فاطمة بنت أسد بن هاشم، لكن خصّت الأُم لكونها آكد في القرابة، ولأنها بصدد الشكاية في إخفار ذمتها فذكرت ما بعثها على الشكوى حيث أُصيبت من محل يقتضي أنها لا تصاب منه لما جرت العادة أن الأخوّة من جهة الأمُ أشدّ في اقتضاء الحنان والرعاية من غيرها. نعم في رواية الحموي زعم ابن أبي (أنه قاتل رجلاً) أي عازم على مقاتلة رجل (قد أجرته) بالراء أي أمنته هو (فلان بن هبيرة) بالرفع بتقدير هو كما مرَّ أو بالنصب بدلاً من رجلاً أو من الضمير المنصوب، وهبيرة بضم الهاء وفتح الموحدة ابن أبي وهب بن عمرو المخزومي زوج أُم هانئ ولدت منه أولادًا منهم هانئ الذي كنيت به هرب من مكة عام الفتح لما أسلمت هي ولم يزل مشركًا حتى مات، وترك عندها ولدها منه جعدة وهو ممّن له رؤية ولم تصحّ له صحبة، وابنه المذكور هنا يحتمل أن يكون جعدة هذا، ويحتمل أن يكون من غير أُم هانئ، ونسي الراوي اسمه، لكن قال ابن الجوزي: إن كان المراد بفلان ابنها فهو جعدة، وردّه ابن عبد البرّ وغيره لصغر سنّه إذ ذاك المقتضي لعدم مقاتلته، وحينئذ فلا يحتاج إلى الأمان وبأن عليًّا لا يقصد قتل ابن أُخته فكونه من غيرها أرجح، وجزم ابن هشام في تهذيب السيرة بأن اللذين أجارتهما أُم هانئ هما الحرث بن هشام وزهير بن أبي أُمية المخزوميان، وعند الأزرقي عبد الله بن أبي ربيعة بدل زهير، قال في الفتح: والذي يظهر لي أن في رواية الباب حذفًا كأنه كان فيه فلان ابن عمّ هبيرة فسقط لفظ عمّ أو كان فيه فلان قريب هبيرة، فتغيّر لفظ قريب بلفظ ابن وكلٌّ من: الحرث بن هشام، وزهير بن أبي أمية، وعبد الله بن أبي ربيعة يصحّ وصفه بأنه ابن عمّ هبيرة وقريبه لكون الجميع من بني مخزوم.
(فقال رسول الله) وللأصيلي النبي (¬ ﷺ : قد أجرنا مَن أجرت) أي أمّنّا مَن أمّنت (يا أُم هانئ)
فلا لعليّ قتله (قالت أُم هانئ: وذاك) وللأصيلي وذلك باللام أي صلاته الثمان ركعات (ضحى) أي وقت ضحى أو صلاة ضحى، ويؤيّدها ما في رواية ابن شاهين قالت أُم هانئ: يا رسول الله ما هذه الصلاة؟ قال: الضحى. ورواة هذا الحديث مدنيون، وفيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والإخبار والسّماع والقول.
٣٥٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ سَائِلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَوَ لِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ»؟
[الحديث ٣٥٨ - طرفه في: ٣٦٥].
стр. 614
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: أخبرنا مالك) هو ابن أنس الإمام (عن ابن شهاب) الزهري (عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة) ﵁.
(أن سائلاً) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه لكن ذكر شمس الأئمة السرخسي الحنفيّ في كتابه المبسوط أنه ثوبان (سأل رسول الله ﷺ عن الصلاة في ثوب واحد) ولأبي الوقت في الثوب الواحد بالتعريف (فقال رسول الله ﷺ : أو لكلكم) أي أأنت سائل عن مثل هذا الظاهر ولكلكم (ثوبان) فهو استفهام إنكاري إبطالي. قال الخطابي: لفظه استخبار ومعناه الإخبار عمّا هم عليه من قلّة الثياب، ووقع في ضمنه الفتوى من طريق الفحوى، لأنه إذا لم يكن لكلٍّ ثوبان والصلاة لازمة، فكيف لم يعلموا أن الصلاة في الثوب الواحد الساتر للعورة جائزة، وهذا مذهب الجمهور من الصحابة كابن عباس وعليّ ومعاوية وأنس بن مالك وخالد بن الوليد وأبي هريرة وعائشة وأُم هانئ، ومن التابعين الحسن البصري وابن سيرين والشعبي وابن المسيب وعطاء وأبو حنيفة، ومن الفقهاء أبو يوسف ومحمد والشافعي ومالك وأحمد في رواية وإسحاق بن راهويه.
٥ - باب إِذَا صَلَّى فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فَلْيَجْعَلْ عَلَى عَاتِقَيْهِ
هذا (باب) بالتنوين (إذا صلّى في الثوب الواحد فليجعل) بعضه (على عاتقيه) بالتثنية، ولابن عساكر على عاتقه وهو ما بين المنكبين إلى أصل العنق.
٣٥٩ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ شَىْءٌ».
[الحديث ٣٥٩ - طرفه في: ٣٦٠].
وبالسند قال: (حدّثنا أبو عاصم) الضحاك بن مخلد بفتح الميم البصري النبيل (عن مالك) هو ابن أنس الأصبحي (عن أبي الزناد) بالزاي المكسورة والنون (عن عبد الرحمن) بن هرمز (الأعرج عن أبي هريرة) ﵁ (قال):
(قال النبي) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي رسول الله (¬ ﷺ : لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد) حال كونه (ليس على عاتقيه) بالتثنية، ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر على عاتقه (شيء).
زاد مسلم من طريق ابن عيينة عن أبي الزناد منه شيء، ولا نافية ويصلّي بإثبات الياء وهو خبر بمعنى النهي، وقال ابن الأثير: كذا في الصحيحين بإثبات الياء، وذلك لا يجوز لأنّ حذفها علامة الجزم بلا الناهية، فإن صحّت الرواية فتحمل على أن لا نافية اهـ.
وقد صحّت الرواية بذلك فلا وجه للتردّد، وقد رواه الدارقطني في غرائب مالك لا يصلِّ بغير ياء، ومن طريق عبد الوهاب بن عطاء عن مالك بلفظ: لا يصلين بزيادة نون التوكيد، وهو عند الإسماعيلي بلفظ: نهى رسول الله ﷺ والنهي المذكور ليس محمولاً على التحريم، فقد ثبت
стр. 615
أنه ﷺ صلّى في ثوب واحد كان أحد طرفيه على بعض نسائه وهي نائمة، ومعلوم أن الطرف الذي هو لابسه من الثوب غير متّسع لأن يتّزر به ويفضل منه ما كان على عاتقه قال الخطابي فيما نقلوه عنه، لكن قال في الفتح: إن فيه نظرًا لا يخفى، نعم نقل السبكي وجوبه عن نص الشافعي واختاره، لكن المعروف عن الشافعية خلافه وعن أحمد لا تصحّ صلاة مَن قدر على ذلك فتركه جعله شرطًا وعنه تصحّ ويأثم جعله واجبًا مستقلاً. وفي الحديث التحديث والعنعنة.
٣٦٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: سَمِعْتُهُ -أَوْ كُنْتُ سَأَلْتُهُ- قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَلْيُخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ».
وبه قال: (حدّثنا أيو نعيم) الفضل بن دكين (قال: حدّثنا شيبان) بن عبد الرحمن (عن يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة (عن عكرمة) مولى ابن عباس (قال: سمعته) أي قال يحيى سمعت عكرمة (أو كنت سألته) بالشك أي كنت سمعت منه إما ابتداء أو جواب سؤال لا أدري كيف وقع. (قال) ولابن عساكر فقال أي عكرمة (سمعت أبا هريرة) ﵁ حال كونه (يقول):
(أشهد أنيّ سمعت رسول الله ﷺ يقول: مَن صلّى في ثوب) وللكشميهني في ثوب واحد (فليخالف بين طرفيه) حمل الجمهور الأمر هنا على الاستحباب وأتى بلفظ أشهد تأكيدًا لحفظه وتحقيقًا لاستحضاره.
٦ - باب إِذَا كَانَ الثَّوْبُ ضَيِّقًا
هذا (باب) بالتنوين (إذا كان الثوب ضيقًا) كيف يفعل المصلّي.
٣٦١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فَقَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَجِئْتُ لَيْلَةً لِبَعْضِ أَمْرِي، فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي وَعَلَىَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ فَاشْتَمَلْتُ بِهِ وَصَلَّيْتُ إِلَى جَانِبِهِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: مَا السُّرَى يَا جَابِرُ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِحَاجَتِي. فَلَمَّا فَرَغْتُ قَالَ: مَا هَذَا الاِشْتِمَالُ الَّذِي رَأَيْتُ؟ قُلْتُ: كَانَ ثَوْبٌ -يَعْنِي ضَاقَ- قَالَ: «فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ».
وبالسند قال: (حدّثنا يحيى بن صالح) الوحاظيّ بضم الواو وتخفيف الحاء المهملة وبالظاء المعجمة الحمصي الحافظ الفقيه، المتوفى سنة اثنتين وعشرين ومائتين (قال: حدّثنا فليح بن سليمان) بضم الفاء وفتح اللام آخره حاء مهملة في الأوّل وضمّ السين وفتح اللام في الثاني (عن سعيد بن الحارث) بالثاء المثلثة الأنصاريّ قاضي المدينة (قال):
стр. 616
(سألنا جابر بن عبد الله) الأنصاري (عن الصلاة في الثوب الواحد فقال: خرجت مع النبي ﷺ في بعض أسفاره) في غزوة بواط كما في مسلم (فجئت ليلة) إلى رسول الله ﷺ (لبعض أمري) أي لأجل بعض حوائجي (فوجدته) -صى الله عليه وسلم- (يصلّي وعليّ ثوب واحدة فاشتملت به وصلّيت) منتهيًا (إلى جانبه) أو منضمًا إلى جانبه (فلما انصرف) ﵇ من الصلاة (قال: ما السرى يا جابر) بضم السين والقصر أي ما سبب سيرك في الليل وإنما سأله لعلمه بأن الحامل له على الجيء في الليل أمر أكيد (فأخبرته بحاجتي، فلما فرغت قال) ﵊: (ما هذا الاشتمال الذي رأيت) هو استفهام إنكاري، وقد وقع في مسلم التصريح بسبب الإنكار وهو أن الثوب كان ضيقًا وأنه خالف بين طرفيه وتواقص أي انحنى عليه كأنه عند المخالفة بين طرفي الثوب لم يصر ساترًا فانحنى ليستتر فأعلمه ﵇ بأن محل ذلك ما إذا كان الثوب واسعًا، فأما إذا كان ضيقًا فإنه يجزئه أن يتّزر به لأن القصد الأصلي ستر العورة وهو يحصل بالاتّزار ولا يحتاج إلى التواقص المغاير للاعتدال المأمور به، أو الذي أنكره ﵇ هو اشتمال الصماء وهو أن يخلّل نفسه بثوب ولا يرفع شيئًا من جوانبه ولا يمكنه إخراج يديه إلاّ من أسفله خوفًا من أن تبدو عورته.
قال جابر: (قلت كان) الذي اشتملت به (ثوبًا) واحدًا، ولكريمة وأبي ذر ثوب بالرفع. قال ابن حجر والبرماوي والعيني والزركشي: على أن كان تامّة فلا تحتاج إلى خبر، واعترضه البدر الدماميني فقال الاقتصار على ذلك لا يظهر وأيّ معنى لإخباره بوجود ثوب في الجملة فينبغي أن يقدّر ما يناسب المقام. زاد في فرع اليونينية يعني ضاق (قال) ﵊: (فإن كان) الثوب (واسعًا فالتحف) أي ارتدّ (به) أي بأن يأتزر بأحد طرفيه ويرتدي بالطرف الآخر منه، (وإن كان) الثوب (ضيقًا فاتزر به) بإدغام الهمزة المقلوبة تاء في التاء وهو يردّ على التصريفيين حيث جعلوه خطأ.
٣٦٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلٍ قَالَ: كَانَ رِجَالٌ يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَاقِدِي أُزْرِهِمْ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ كَهَيْئَةِ الصِّبْيَانِ، وَقَالَ لِلنِّسَاءِ: "لَا تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرِّجَالُ جُلُوسًا".
[الحديث ٣٦٢ - طرفاه في: ٨١٤، ١٢١٥].
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (قال: حدّثنا يحيى) القطان (عن سفيان) الثوري لا ابن عيينة (قال: حدّثني) بالإفراد ولأبوي ذر والوقت حدّثنا (أبو حازم) بالحاء المهملة والزاي سلمة بن دينار (عن سهل) الساعدي وللأصيلي عن سهل بن سعد (قال):
(كان رجال) أي بعض الرجال لا كلهم فالتنكير للتبعيض (يصلون مع النبي ﷺ ¬) حال كونهم (عاقدي أزرهم) بضم الهمزة وسكون الزاي ونون عاقدين سقطت للإضافة (على أعناقهم كهيئة الصبيان، وقال) أي النبي ﷺ ، وللكشميهنيّ ويقال وهو أعمّ من أن يكون القائل النبي ﷺ أو من أمره. قال الحافظ ابن حجر: ويغلب على الظن أن القائل بلال (للنساء) اللاتي يصلّين وراء الرجال
стр. 617
(لا ترفعن رؤوسكنّ) من السجود (حتى يستوي الرجال) حال كونهم (جلوسًا) جمع جالس أو مصدر بمعنى جالسين، وإنما قيل لهنّ ذلك لئلا يلمحن عند رفعهنّ من السجود شيئًا من عورات الرجال كما وقع التصريح فيه في حديث أسماء بنت أبي بكر المرويّ عند أحمد وأبي داود بلفظ: فلا ترفع رأسها حتى يرفع الرجال رؤوسهم كراهة أن يرين عورات الرجال. واستنبط منه النهي عن فعل مستحب خشية ارتكاب محذور، لأن متابعة الإمام من غير تأخير مستحبة فنهى عنها لما ذكر وأنه لا يحب الستر من أسفل بخلاف الأعلى. وفي الإسناد التحديث والإخبار والعنعنة.
٧ - باب الصَّلَاةِ فِي الْجُبَّةِ الشَّأْمِيَّةِ
وَقَالَ الْحَسَنُ فِي الثِّيَابِ يَنْسُجُهَا الْمَجُوسِيُّ لَمْ يَرَ بِهَا بَأْسًا، وَقَالَ مَعْمَرٌ: رَأَيْتُ الزُّهْرِيَّ يَلْبَسُ مِنْ ثِيَابِ الْيَمَنِ مَا صُبِغَ بِالْبَوْلِ. وَصَلَّى عَلِيٌّ فِي ثَوْبٍ غَيْرِ مَقْصُورٍ.
(باب الصلاة في الجبّة الشامية) التي ينسجها الكفّار ما لم تتحقق نجاستها. (وقال الحسن) البصري مما وصله أبو نعيم بن حماد في نسخته المشهورة (في الثياب ينسجها المجوسي) بضم سين ينسجها من باب نصر ينصر وبكسرها من باب ضرب يضرب، والأوّل هو الذي في الفرع فقط.
والمجوسي بالياء بلفظ المفرد في رواية الحموي والكشميهني، والمارد الجنس ولغيرهما المجوس بصيغة الجمع والجملة صفة للثياب، لأن الجملة وإن كانت نكرة لكن المعرفة بلام الجنس كالنكرة ومنه قوله:
ولقد أمُرُّ على اللئيم يسبني
(لم ير بها) الحسن (بأسًا) أي قبل أن تغسل، وقد أجازه الشافعي والكوفيون وكره ذلك ابن سيرين كما رواه ابن أبي شيبة. ومطابقة هذا الأثر للترجمة ظاهرة ثم استطرد المؤلّف فقال:
(وقال معمر) بفتح الميمين ابن راشد مما وصله عبد الرزاق في مصنفه (رأيت الزهريّ) محمد بن مسلم بن شهاب (يلبس من ثياب اليمن ما صبغ بالبول) أي بعد أن يغسله أو المراد بول المأكول وهو طاهر عند الزهري، (وصلّى عليّ) وللأصيلي وصلّى عليّ ابن أبي طالب مما رواه ابن سعد (في ثوب) خام (غير مقصور) قبل أن يغسله.
٣٦٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَقَالَ: «يَا مُغِيرَةُ خُذِ الإِدَاوَةَ». فَأَخَذْتُهَا. فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي فَقَضَى حَاجَتَهُ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَأْمِيَّةٌ، فَذَهَبَ لِيُخْرِجَ يَدَهُ مِنْ كُمِّهَا فَضَاقَتْ، فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ أَسْفَلِهَا، فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ فَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ صَلَّى.
وبالسند قال: (حدّثنا يحيى) هو ابن موسى أبو زكريا البلخي المعروف بخت بفتح الخاء المعجمة وتشديد المثناة الفوقية وليس هو يحيى بن معين ولا ابن جعفر البيكندي (قال: حدّثنا أبو
стр. 618
معاوية) محمد بن خازم بالخاء والزاي المعجمتين أو هو أبو معاوية شيبان النحوي وجزم الحافظ ابن حجر بأنه الأوّل (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن مسلم) هو ابن صبيح بضم المهملة العطاردي، أو هو مسلم بن عمران البطين وجزم في فتح الباري بأنه الأوّل أيضًا (عن مسروق) هو ابن الأجدع الهمداني وسمّي به لأنه سرقه سارق في صغره (عن مغيرة بن شعبة) ﵁ (قال):
(كنت مع النبي ﷺ في سفر) سنة تسع في غزوة تبوك (فقال) ولأبي ذر قال: (يا مغيرة خذ
الإداوة) بكسر الهمزة وجمعها أداوي أي المطهرة (فأخذتها فانطلق رسول الله ﷺ حتى توارى) أي غاب وخفي (عني ففض) بالفاء وللأصيلي وقضى (حاجته وعليه جبّة شامية) من نسج الكفّار الفارّين بالشام لأنها إذ ذاك كانت دارهم، (فذهب) ﵊ (ليخرج يده من كمّها فضاقت) أي الجبّة لأن الثياب الشامية كانت حينئذ ضيقة الأكمام (فأخرج) ﵊ (يده من أسفلها فصببت عليه) الماء (فتوضأ وضوءه للصلاة ومسح على خُفّيه ثم صلى). ورواة هذا الحديث ما بين بلخي وكوفي، وفيه التحديث والعنعنة، وأخرجه أيضًا في الجهاد واللباس ومسلم في الطهارة وكذا النسائي وابن ماجة.
٨ - باب كَرَاهِيَةِ التَّعَرِّي فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا
(باب كراهية التعرّي في) نفس (الصلاة) وللكشميهني والحموي زيادة وغيرها أي غير الصلاة.
٣٦٤ - حَدَّثَنَا مَطَرُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَنْقُلُ مَعَهُمُ الْحِجَارَةَ لِلْكَعْبَةِ وَعَلَيْهِ إِزَارُهُ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ عَمُّهُ: يَا ابْنَ أَخِي لَوْ حَلَلْتَ إِزَارَكَ فَجَعَلْتَ عَلَى مَنْكِبَيْكَ دُونَ الْحِجَارَةِ. قَالَ: فَحَلَّهُ فَجَعَلَهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، فَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَمَا رُئِيَ بَعْدَ ذَلِكَ عُرْيَانًا ﷺ .
[الحديث ٣٦٤ - طرفاه في: ١٥٨٣، ٣٨٢٩].
وبالسند قال: (حدّثنا مطر بن الفضل) المروزي (قال: حدّثنا روح) بفتح الراء وسكون الواو ابن عبادة التنيسي (قال: حدّثنا زكريا بن إسحاق) المكّي (قال: حدّثنا عمرو بن دينار) بفتح العين الجمحي (قال): (سمعت جابر بن عبد الله) الأنصاري حال كونه (يحدّث أن رسول الله ﷺ كان ينقل معهم الحجارة) أي مع قريش (للكعبة) أي لبنائها وكان عمره ﵇ إذ ذاك خمسًا وثلاثين سنة، وقيل: كان قبل المبعث بخمس عشرة سنة، وقيل كان عمره خمس عشرة سنة (وعليه إزاره) ولابن عساكر وعليه إزار بغير ضمير والجملة حالية بالواو، وفي بعض الأصول بغير واو (فقال له العباس
стр. 619
عمّه) بالرفع عطف بيان (يا ابن أخي لو حللت إزارك) لكان أسهل عليك أو لو بمعنى التمنّي فلا جواب لها (فجعلت) وللكشميهني فجعلته بالضمير أي الإزار (على منكبيك دون الحجارة) أي تحتها (قال) جابر أو مَن حدّثه (فحلّه) أي حلّ ﵇ الإزار (فجعله على منكبيه فسقط) ﵇ حال كونه (مغشيًّا) بفتح الميم وسكون الغين المعجمة أي مغمى (عليه) أي لانكشاف عورته، لأنه ﵊ كان مجبولاً على أحسن الأخلاق من الحياء الكامل حتى كان أشدّ حياءً من العذراء في خدرها، فلذلك غشي عليه، ورُوِيَ مما هو في غير الصحيحين أن الملك نزل عليه فشدّ عليه إزاره (فما رُئِيَ) بضم الراء فهمزة مكسورة فمثناة تحتية مفتوحة أو بسكر الراء فياء ساكنة فهمزة مفتوحة (بعد ذلك عريانًا) بالنصب على الحال، وعند الإسماعيلي فلم يتعرّ بعد ذلك (¬ ﷺ ¬).
فإن قلت: ما الجمع بين حديث الباب وما ذكره ابن إسحاق من أنه ﷺ تعرّى وهو صغير عند حليمة فلكمه لاكم فلم يعد يتعرّى بعد ذلك؟ أُجيب بأنه إن ثبت حمل النفي فيه على التعرّي لغير ضرورة عادية، والذي في حديث الباب على الضرورة العادية والنفي فيها على الإطلاق أو يتقيد بالضرورة الشرعية كحالة النوم مع الزوجة أحيانًا، واستنبط من الحديث منع بدوّ العورة إلاّ ما رخص من رؤية الزوجات لأزواجهنّ عُراة.
ورواة هذا الحديث ما بين تنيسي ومروزي ومكّي وفيه التحديث والسماع، ورواية جابر له من مراسيل الصحابة لأن ذلك كان قبل البعثة فأما أن يكون سمع ذلك من النبي ﷺ بعد ذلك أو من بعض مَن حضر ذلك من الصحابة، وقد اتفقوا على الاحتجاج بمرسل الصحابي إلاّ ما تفرّد به أبو إسحاق الإسفرايني لكن في السياق ما يستأنس لأخذ ذلك من العباس فلا يكون مرسلاً.
٩ - باب الصَّلَاةِ فِي الْقَمِيصِ وَالسَّرَاوِيلِ وَالتُّبَّانِ وَالْقَبَاءِ
(باب الصلاة في القميص والسراويل والتبّان) بضم المثناة الفوقية وتشديد الموحدة سراويل صغيرة يستر العورة المغلظة فقط (والقباء) بفتح القاف وتخفيف الموحدة مع المدّ والقصر مشتق من القبو وهو الضم والجمع سمّي به لانضمام أطرافه، وأول مَن لبسه سليمان ﵊.
٣٦٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "قَامَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، فَقَالَ: أَوَ كُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ. ثُمَّ سَأَلَ رَجُلٌ عُمَرَ، فَقَالَ: إِذَا وَسَّعَ اللَّهُ فَأَوْسِعُوا: جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ، صَلَّى رَجُلٌ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ، فِي إِزَارٍ وَقَمِيصٍ، فِي إِزَارٍ وَقَبَاءٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَرِدَاءٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَمِيصٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَبَاءٍ، فِي تُبَّانٍ وَقَبَاءٍ، فِي تُبَّانٍ وَقَمِيصٍ، -قَالَ وَأَحْسِبُهُ قَالَ- فِي تُبَّانٍ وَرِدَاءٍ".
وبالسند قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) أبو أيوب (قال: حدّثنا حمّاد بن زيد) أبو إسماعيل (عن أيوب) السختياني (عن محمد) هو ابن سيرين (عن أبي هريرة) ﵁ (قال):
стр. 620
(قام رجل) لم يُسَمَّ (إلى النبي ﷺ فسأله عن الصلاة في الثوب الواحد) أي هل تصحّ أم لا؟ (فقال) ﵇ (أو كلكم) بهمزة الاستفهام الإنكاري الإبطالي وواو العطف وأصل الكلام وأكلكم، لكن قدّم الاستفهام لأن له صدر الكلام أو الواو عاطفة على محذوف بين الهمزة والواو دلّ عليه المعطوف ولا تقديم ولا تأخير، فالتقدير هنا أكلكم يجد ثوبين وكلكم يجد ثوبين والأول أولى والتقديم والتأخير أسهل من الحذف، والمعنى ليس كلكم (يجد ثوبين) فلذا تصحّ الصلاة في الثوب الواحد، (ثم سأل رجل عمر) بن الخطاب ﵁ أنهى عن الصلاة في الثوب الواحد.
والسائل يحتمل أن يكون هو ابن مسعود أو أُبيًّا لأنهما اختلفا في ذلك كما رواه عبد الرزاق فقال أبي: الصلاة في الثوب الواحد لا تكره، وقال ابن مسعود: إنما كان ذلك وفي الثياب قلّة، (فقال) عمر ﵁ مجيبًا للسائل: (إذا وسع الله فأوسعوا) فيه دليل على أن الثوب الواحد كاف وأن الزيادة استحسان (جمع) أي ليجمع (رجل عليه) أي على نفسه (ثيابه صلّى) أي ليصلّ (رجل في إزار) وهو ما يؤتزر به في النصف الأسفل (ورداء) للنصف الأعلى أو (في إزار وقميص) أو (في إزار وقباء) أو (في سراويل ورداء) غير منصرف على وزن مفاعيل، أو (في سرايل وقميص) أو (في سراويل وقباء) أو (في تبّان وقباء) أو (في تبّان وقميص).
(قال) أي أبو هريرة (وأحسبه) أي عمر (قال) أو (في تبّان ورداء) وهذه تسع صور، ولم يجزم أبو هريرة بل ذكره بالحسبان لإمكان أن عمر أهمل ذلك لأنّ التبّان لا يستر العورة كلها بناء على أن الفخذ من العورة، فالستر به حاصل مع القباء ومع القميص، وأما مع الرداء فقد لا يحصل. ورأى أبو هريرة أن انحصار القسمة يقتضي ذكر هذه الصورة والستر قد يحصل بها إذا كان الرداء سابغًا وقدّم ملابس الوسط لأنها محل ستر العورة، وهذه الجملة من قوله جمع إلى هنا من تتمة قول عمر وعبّر بصيغة الماضي ومراده الأمر أي ليجمع وليصل كما مرّ، ومثله في كلام العرب: اتقى الله امرؤ فعل خيرًا يثب عليه أي ليتّق الله وليفعل. وقال ابن المنير: الصحيح أنه كلام في معنى الشرط كأنه قال: إن جمع رجل عليه ثيابه فحسن وحذف أو العاطفة في المواضع التسعة على قول مَن يجوّز ذلك من النحاة، والأصل إثباتها كما قاله ابن مالك. وعورض بأنه لا يتعيّن أن يكون المحذوف حرف عطف، بل يحتمل أن يكون المحذوف فعلاً أي صلّى في إزار وقميص صلى في إزار وقباء وكذا الباقي أي ليجمع عليه ثيابة ليصلِّ إلي كذا، والحمل على هذا أولى لثبوته إجماعًا وحذف حرف العطف بابه الشعر فقط وعند بعض وقوعه في الشعر مختلف فيه أو أنها على سبيل التعداد فلا حاجة للعطف.
وفي هذا الحديث التحديث والعنعنة.
٣٦٦ - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ؟ فَقَالَ: لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا الْبُرْنُسَ وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا وَرْسَ، فَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ».
стр. 621
وَعَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ.
وبه قال: (حدّثنا عاصم بن علي) هو ابن عاصم الواسطي (قال: حدّثنا ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن نسبه إلى جدّه لشُهرته به (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن سالم) هو ابن عبد الله بن عمر (عن ابن عمر) بن الخطاب ﵁ (قال):
(سأل رجل) لم يُسمّ كما في الفتح (رسول الله ﷺ فقال) بالفاء التفسيرية إذ هو نفس سأل
وللأصيلي قال (ما يلبس المحرم: فقال) ﵇: (لا يلبس القميص) بفتح القاف ولا ناهية فتكسر السين أو نافية فتضم (ولا السراويل ولا البرنس) بضم الموحدة والنون ثوب معروف رأسه ملصق فيه أو هو قلنسوة طويلة كان الناس يلبسونها في صدر الإسلام، والسراويل مفرد بلفظ الجمع وجمعه سراويلات (ولا ثوبًا) ويجوز رفعه بتقدير فعل مبني للمفعول أي ولا يلبس ثوب (منه الزعفران) بفتح الزاي والفاء ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر زعفران (ولا ورس) بفتح الواو وسكون الراء آخره سين مهملة نبت أصفر باليمن يصبغ به (فمَن لم يجد النعلين فليلبس الخفّين وليقطعهما حتى يكونا) وللحموي والمستملي حتى يكون بالإفراد أي كل واحد منهما (أسفل من الكعبين) هو إذن في ذلك لا أمر إذ لا يجب على مَن فقد النعلين لبس الخفّين المقطوعين، والمراد هنا من الحديث أن الصلاة تجوز بدون القميص والسراويل وغيرهما من المَخيط لأمر المحرم باجتناب ذلك وهو مأمور بالصلاة.
وفي هذا الحديث التحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلّف أيضًا في اللباس والحج وتأتي بقية مباحثه فيه إن شاء الله تعالى بعون الله ثم عطف المؤلّف قوله.
(وعن نافع) على قوله عن الزهري كما قال الحافظ ابن حجر، وقال البرماوي كالكرماني هو تعليق، ويحتمل أنه عطف على سالم فيكون متصلاً، وتعقبه ابن حجر بأن التجويزات العقلية لا يليق استعمالها في الأمور النقلية، فإن المؤلّف ﵀ أخرج الحديث في آخر كتاب العلم عن آدم عن ابن أبي ذئب فقدّم طريق نافع وعطف عليها طريق الزهري عكس ما هنا، وانتصر العيني رحمه الله تعالى للكرماني رادًّا على ابن حجر بأنه تعليق بالنظر إلى ظاهر الصورة، مع أن الكرماني لم يجزم بذلك، بل قال: ويحتمل أن يكون عطفًا على سالم قال: ولا فرق بين أن يقال عطفًا على سالم أو عطفًا على الزهري، وأجاب ابن حجر في انتقاض الاعتراض بأنه إذا اتّضح المراد فأيّ وجه للنزول وبأن قوله عطفًا على سالم يصير كأن ابن أبي ذئب رواه عن الزهري عن نافع، فهو عند ابن أبي ذئب عن شيخين بالنزول عن الزهري عن سالم، وبالعكس عن نافع وسالم ونافع روياه جميعًا عن ابن عمر، قال: فمَن كان هذا مبلغ فهمه فكيف يليق به التصدّي للردّ على غيره اهـ.
(عن ابن عمر) بن الخطاب ﵁ (عن النبي ﷺ مثله) أي مثل حديث سالم الرضي الله عنه.
стр. 622
١٠ - باب مَا يَسْتُرُ مِنَ الْعَوْرَةِ
(باب ما يستر من العورة) بضم المثناة التحتية وفتح الفوقية ويجوز الفتح والضم وما مصدرية أو موصولة ومن بيانية والعورة السوأة وكل ما يستحيا منه.
٣٦٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَىْءٌ".
[الحديث ٣٦٧ - أطرافه في: ١٩٩١، ٢١٤٤، ٢١٤٧، ٥٨٢٠، ٥٨٢٢، ٦٢٨٤].
وبه قال (حدّثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي البلخيّ (قال: حدّثنا ليث) هو ابن سعد الإمام وللأصيلي وابن عساكر الليث بالتعريف (عن ابن شهاب) الزهري (عن عبيد الله بن عبد الله) بتصغير الأول (ابن عتبة) بن مسعود (عن أبي سعيد الخدري) بالدال المهملة (أنه قال):
(نهى رسول الله ﷺ عن اشتمال الصماء) بالمهملة والمدّ. قال الأصمعي: هو أن يشتمل بالثوب حتى يجلل به جسده لا يرفع منه جانبًا فلا يبقى ما يخرج منه يده اهـ. ومن ثم سميت صمّاء كما قال ابن قتيبة لسدّ المنافذ كلها كالصخرة الصمّاء ليس فيها خرق، فيكون النهي مكروهًا لعدم قدرته على الاستعانة بيديه فيما يعرض له في الصلاة كدفع بعض الهوام، وفي كتاب اللباس عند المؤلّف والصمّاء أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه فيبدو أحد شقّيه وهو موافق لتفسير الفقهاء، وحينئذ فيحرم إن انكشف منه بعض العورة وإلاّ فيكره.
(و) نهى ﵊ أيضًا عن (أن يحتبي الرجل) أو وعن احتباء الرجل بأن يقعد على أليتيه وينصب ساقيه ملتفًا (في ثوب واحد ليس على فرجه منه) أي من الثوب (شيء) أما إذا كان مستور العورة فلا يحرم.
ورواة هذا الحديث ما بين بلخي ومصري ومدني، وفيه التحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلّف أيضًا في اللباس والبيوع، وكذا مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
٣٦٨ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ: عَنِ اللِّمَاسِ وَالنِّبَاذِ، وَأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ".
[الحديث ٣٦٨ - أطرافه في: ٥٨٤، ٥٨٨، ١٩٩٣، ٢١٤٥، ٢١٤٦، ٥٨١٩، ٥٨٢١].
وبه قال: (حدّثنا قبيصة بن عقبة) بفتح القاف في الأوّل وضمّ العين في الثاني وليس عند الأصيلي ابن عقبة (قال: حدّثنا سفيان) الثّوري (عن أبي الزناد) بكسر الزاي وبالنون عبد الله بن
стр. 623
ذكوان (عن الأعرج) هو عبد الرحمن بن هرمز من كبار التابعين (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر (قال):
(نهى النبي ﷺ عن بيعتين) بفتح الموحدة كما في الفرع وهو المشهور على الألسنة لكن الأحسن كسرها لأن المراد به الهيئة كالركبة والجلسة (عن اللماس) بكسر اللام وهو أن يلمس ثوبًا مطويًّا أو في ظلمة ثم يشتريه على أن لا خيار له إذا رآه أيضًا اكتفاء بلمسه عن رؤيته، أو يقول إذا لمسته فقد بعتكه اكتفاء بلمسه عن الصيغة أو يبيعه شيئًا على أنه متى لمسه لزم البيع وانقطع خيار المجلس.
(و) عن (النباذ) بكسر النون والمعجمة آخره وهو أن يجعلا النبذ بيعًا اكتفاء به عن الصيغة، فيقول أحدهما أنبذ إليك ثوبي، بعشرة فيأخذه الآخر، أو يقول بعتك هذا بكذا على أني إذا نبذت إليك لزم البيع وانقطع الخيار والبطلان فيهما لعدم الرؤية أو عدم الصيغة أو للشرط الفاسد. (و) نهى ﵊ أيضًا (أن يشتمل) أي عن اشتمال الثوب كاشتمال الصخرة (الصماء) لكونها مسدودة المنافذ فيعسر أو يتعذّر على المشتمل إخراج يده لما يعرض له في صلاته من دفع بعض الهوام ونحوها، أو لانكشاف عورته على التفسير السابق المعزوّ للفقهاء الموافق لما عند المؤلّف في اللباس كما مرّ ولابن عساكر وأن يشتمر بضم أوّله مبنيًّا للمفعول الصماء بالرفع نائبًا عن الفاعل، (و) نهى (أن يحتبي) بفتح أوّله وكسر الموحدة ولابن عساكر يحتبي بضم أوله وفتح الموحدة (الرجل) أي عن احتباء الرجل القاعد على أليتيه منتصبًا ساقه وقوله الرجل ساقط لابن عساكر ملتفًا (في ثوب واحد) والمطلق هنا في الاحتباء محمول على المقيد في الحديث السابق بقوله ليس على فرجه منه شيء.
وفي هذا الحديث التحديث والعنعنة والقول ورواية تابعي عن صحابي، وهو مما قيل فيه أنه أصح الأسانيد، وأخرجه المؤلّف في الصلاة واللباس، ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه في التجارات واللباس.
٣٦٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: "بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ فِي مُؤَذِّنِينَ يَوْمَ النَّحْرِ تُؤَذِّنُ بِمِنًى أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ. قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: ثُمَّ أَرْدَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةَ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ فِي أَهْلِ مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ: لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ".
[الحديث ٣٦٩ - أطرافه في: ١٦٢٢، ٣١٧٧، ٤٣٦٣، ٤٦٥٥، ٤٦٥٦، ٤٦٥٧].
وبه قال: (حدّثنا إسحاق) هو ابن راهويه أو ابن منصور تردّد فيه لأنهما يرويان عن يعقوب نعم جزم بالأول إمام السُّنَّة وحافظها ابن حجر مستندًا إلى أن في نسخته من طريق أبي ذر إسحاق بن إبراهيم وهو ابن راهويه (قال: حدّثنا) وللأصيلي أخبرنا (يعقوب بن إبراهيم) بن سعد سبط عبد الرحمن بن عوف (قال: حدّثنا ابن أَخي ابن شهاب) هو محمد بن عبد الله بن أخي بن شهاب
стр. 624
محمد بن مسلم (عن عمّه) محمد بن شهاب الزهري (قال: أخبرني) بالإفراد (حميد بن عبد الرحمن) بضم الحاء المهملة وفتح الميم (ابن عوف) التابعي (أن أبا هريرة) ﵁ (قال):
(بعثني أبو بكر) الصديق ﵁ (في تلك الحجة) التي حجّها أبو بكر بالناس قبل حجة الوداع بسنة (في مؤذنين) بكسر الذال والنون أي رهط يؤذنون في الناس (يوم النحر نؤذن) بنون فهمزة (بمنى أن لا يحجّ بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان) بإدغام نون أن في لا يحج، ويحتمل أن تكون تفسيرية فلا نافية ويحجّ ويطوف رفع، أو لا ناهية كما قاله ابن حجر وردّه العيني قال الدماميني: لأن بعده ولا يطوف، ويحتمل أن تكون ناصبة فيحجّ ويطوف نصب والظاهر كما قاله الكرماني أن قوله بعد العام أي بعد خروج هذا العام لا بعد دخوله، لكن قال العيني: ينبغي أن يدخل هذا العام أيضًا بالنظر إلى التعليل اهـ. وللكشميهني ألا لا يحج بتخفيف اللام للاستفهام قبل
حرف النهي.
(قال حميد بن عبد الرحمن) بن عوف التابعي (ثم أردف) أي أرسل (رسول الله ﷺ عليًّا) وراء أبي بكر (فأمره أن يؤذن ببراءة) بالرفع كما في اليونينية على الحكاية، ويجوز الفتح على أنها علم للسورة والكسر مع التنوين أي بسورة براءة والحكمة في تخصيص عليّ بذلك أن براءة تضمنت نقض العهد، وكان من سيرة العرب أن لا يحلّ العقد إلا الذي عقده أو رجل من أهل بيته، وهذا مرسل من تعاليق البخاري أو داخل تحت الإسناد وكذا قوله: (قال أبو هريرة) (فأذن) بتشديد الذال (معنا) بفتح العين وإسكانها (عليّ في أهل منى يوم النحر لا يحجّ بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان) بالرفع في يحج ويطوف فقط، وفيه إبطال ما كانت عليه الجاهلية من الطواف عُراة فستر العورة شرط خلافًا للحنفية لكن يكره عندهم. وفي هذا الحديث رواية التابعي عن التابعي والتحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلّف في الجزية والمغازي والحج والتفسير، ومسلم في الحج، وكذا أبو داود والنسائي.
١١ - باب الصَّلَاةِ بِغَيْرِ رِدَاءٍ
(باب الصلاة بغير رداء).
٣٧٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي الْمَوَالِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ مُلْتَحِفًا بِهِ وَرِدَاؤُهُ مَوْضُوعٌ. فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْنَا: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ تُصَلِّي وَرِدَاؤُكَ مَوْضُوعٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَحْبَبْتُ أَنْ يَرَانِي الْجُهَّالُ مِثْلُكُمْ. رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي هَكَذَا.
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) الأويسي (قال: حدّثنا ابن أبي الموالي) عبد الرحمن (عن محمد بن المنكدر قال):
стр. 625
(دخلت على جابر بن عبد الله وهو يصلّي في ثوب) حال كونه (ملتحفًا به) أي بالثوب ويجوز ملتحف بالجرّ على الجوار أو صفة للثوب. قال الحافظ ابن حجرة: وهو في نسختي عن الحموي والمستملي؟ وفي رواية أبي ذر ملتحف بالرفع خبر مبتدأ محذوف أي هو ملتحف به (ورداؤه موضوع) على الأرض أو على المشجب ونحوه والجملة حالية اسمية، (فلما انصرف) من صلاته (قلنا يا أبا عبد الله) هي كنية جابر (تصليّ ورداؤك موضوع؟ قال: نعم) أي أصليّ وردائي موضوع (أحببت أن يراني الجهّال مثلكم) بالرفع صفة للجهّال وهي وإن كانت لا تتعرف بالإضافة فالموصوف وهو الجهّال قريب من النكرة لأن اللام فيه للجنس، وكون مثل مفردًّا وصف به جمع والتطابق بين الصفة الموصوف في الإفراد والجمع شرط فلأنه بمعنى المثيل على وزن فعيل يستوي فيه المذكر والمؤنث والإفراد والجمع، أو يقال أنه اكتسب الجمعية من المضاف إليه أو هو جنس يطلق على المفرد والمثنى والجمع، ويجوز النصب على الحال. (رأيت النبي ﷺ يصلّي كذا)، وللكشميهني هكذا، وسبب إغلاظ جابر أنه فهم من السائل الإنكار وأنه يحب أن يراه الجهّال ليتنبهوا لإفادة الحكم.
١٢ - باب مَا يُذْكَرُ فِي الْفَخِذِ
وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَرْهَدٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «الْفَخِذُ عَوْرَةٌ». وَقَالَ أَنَسٌ: حَسَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ فَخِذِهِ. وَحَدِيثُ أَنَسٍ أَسْنَدُ، وَحَدِيثُ جَرْهَدٍ أَحْوَطُ، حَتَّى يُخْرَجَ مِنِ اخْتِلَافِهِمْ. وَقَالَ أَبُو مُوسَى: غَطَّى النَّبِيُّ ﷺ رُكْبَتَيْهِ حِينَ دَخَلَ عُثْمَانُ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ عَلَىَّ حَتَّى خِفْتُ أَنْ تُرَضَّ فَخِذِي.
(باب ما يذكر في) حكم (الفخذ) وللكشميهني من الفخذ (ويروى) بضم الياء مبنيًّا للمفعول تعليق بصيغة التمريض ولأبوي ذر والوقت قال أبو عبد الله أي البخاري: ويروي (عن ابن عباس) ﵄ مما وصله أحمد والترمذي بسند فيه أبو يحيى القتات وهو ضعيف، (و) عن (جرهد) بفتح الجيم والهاء الأسلمي مما وصله في الموطأ وحسنه الترمذي وصحّحه ابن حبّان (و) عن (محمد بن جحش) نسبة إلى جدّه لشُهرته به، وإلاّ فاسم أبيه عبد الله الأسدي وهو ابن أخي زينب أُم المؤمنين له ولأبيه صحبة، قال ابن حبّان: سمع من النبي ﷺ ووصل حديثه هذا المؤلّف في تاريخه وأحمد والحاكم. (عن النبي ﷺ : الفخذ عورة. وقال أنس) مما وصله المؤلّف قريبًا وللأصيلي وقال أنس بن مالك (حسر) بالهملات المفتوحة أي كشف (النبي ﷺ عن فخذه، وحديث أنس) ولابن عساكر قال أبو عبد الله أي المؤلّف: وحديث أنس (أسند) أي أقوى وأحسن سندًا من الحديث السابق.
(و) هو (حديث جرهد) وما معه لكن العمل به (أحوط) من حديث أنس أي أكثر احتياطًا في أمر الستر (حتى يخرج) بضم المثناة التحتية وفتح الراء، وفي رواية حتى يخرج بفتح المثناة التحتية
стр. 626
وضمّ الراء كذا في الفرع، وقال الحافظ ابن حجر روايتنا بفتح النون وضم الراء (من اختلافهم) أي العلماء، فقال الجمهور من التابعين وأبو حنيفة ومالك في أصح أقواله، والشافعي وأحمد في أصح روايتيه، وأبو يوسف ومحمد الفخذ عورة. وذهب ابن أبي ذئب وداود وأحمد في إحدى روايتيه والإصطخري من الشافعية وابن حزم إلى أنه ليس بعورة قال في المحلىّ لو كان عورة ما كشفها الله تعالى من رسوله المطهر المعصوم من الناس ولا رآها أن ولا غيره.
(وقال أبو موسى) الأشعري مما هو طرف من حديث موصول عند المؤلّف في مناقب عثمان ﵁: (غطى النبي ﷺ ركبتيه) بالتثنية وفي رواية ركبته (حين دخل عثمان) ﵁ أدبًا معه واستحياء، ولذا قال كما في مسلم والبيهقي ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة، وقد كان ﵊ يفعل مع كل واحد من أصحابه ما هو الغالب عليه، فلما كان الغالب على عثمان ﵁ الحياء عامله بذلك جزاءً وفاقًا، كشف ركبته ﵊ قبل دخول عثمان ﵁ دليل على أنها ليست بعورة مع أن ستر العورة واجب مطلقًا ولو في خلوة إلاّ عن نفسه ويكره نظره سوأتيه ويُباح كشفها لغسل ونحوه خاليًا، وعورة الرجل والصبي والأمة قنة أو مبعضة أو مكاتبة أو مدبرة أو مستولدة، والحرّة عند المحارم عند الشافعية ما بين السرّة والركبة لحديث عورة الرجل ما بين سرّته إلى ركبته ورواه الحرث بن أبي أُسامة، وقيس بالرجل الأمة بجامع مع أن رأس كلٍّ منهما ليس بعورة، وفي السُّنن أن عورتها ما بين معقد إزارها إلى ركبتها، نعم يجب ستر بعض السرّة والركبة ليحصل الستر، وقيل هما عورة، وقيل الركبة دون السرّة لحديث الدارقطني: عورة الرجل ما دون سرّته حتى يجاوز ركبتيه وهو مذهب الحنفية، وعورة الحرّة في الصلاة وعند الأجنبي جميع بدنها إلاّ الوجه والكفّين أي اليدين ظاهرًا وباطنًا إلى الكوعين كما فسّر به ابن عباس قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] والخنثى كالأُنثى، فلو استتر كالرجل بأن اقتصر على ستر ما بين سرّته وركبته وصلّى لم تصحّ صلاته على الأصح في الروضة، والأفقه في المجموع للشك في الستر وصحّح في التحقيق صحتها، وأما في الخلوة فالذي يجب ستره فيها هو العورة الكبرى قاله الإمام، وقال أبو حنيفة في أصحّ الروايتين عنه: قدم المرأة ليس بعورة لأن المرأة مبتلاة بإبداء قدميها في مشيها إذ ربما لا تجد الخفّ.
(وقال زيد بن ثابت) الأنصاري البخاري، كتب الوحي لرسول الله ﷺ ، وجمع القرآن في عهد أبي بكر ﵁، وتعلّم كتاب يهود في نحو نصف شهر، والسريانية في سبعة عشر يومًا بأمره ﵊، وكان من علماء الصحابة. وقال ﵊ (أفرضكم زيد) رواه أحمد بإسناد صحيح، وتوفي سنة اثنتين أو ثلاث أو خمس وأربعين. وقال أبو هريرة حين توفي: مات حبر هذه الأمة، وعسى الله أن يجعل في ابن عباش منه خلفًا.
وتعليقه هذا وصله المؤلّف في تفسير سورة النساء (أنزل الله) تعالى (على رسوله ﷺ ¬) قوله تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ الآية [النساء: ٩٥) (وفخذه) بواو الحال ولأبي ذر عن
стр. 627
الكشميهني فخذه (على فخذي فثقلت) بضم القاف أي فخذه ﵊ (عليّ حتى خفت أن ترضّ) بفتح المثناة الفوقية وتشديد المعجمة أي تكسر (فخذي) نصب بفتح مقدّر، ويجوز ترضّ فخذي بضم المثناة وفتح الراء وفخذي رفع بضمة مقدّرة. قيل: لا وجه لإدخال المؤلّف هذا الحديث هنا لأنه لا دلالة فيه على حكم الفخذ نفيًا ولا إثباتًا.
وأُجيب بالحمل على المسّ من غير حائل لأنه الأصل، وهو يقتضي النفي لأن مسّ العورة بلا حائل حرام كالنظر، وتعقب بأنه لو كان فيه تصريح بعدم الحائل لدلّ على أنه ليس بعورة، وإذ لو كان عورة لما مكّن ﵊ فخذه على فخذ زيد.
٣٧١ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَزَا خَيْبَرَ فَصَلَّيْنَا عِنْدَهَا صَلَاةَ الْغَدَاةِ بِغَلَسٍ، فَرَكِبَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَرَكِبَ أَبُو طَلْحَةَ وَأَنَا رَدِيفُ أَبِي طَلْحَةَ، فَأَجْرَى نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ . ثُمَّ حَسَرَ الإِزَارَ عَنْ فَخِذِهِ حَتَّى إِنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ فَخِذِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ . فَلَمَّا دَخَلَ الْقَرْيَةَ قَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ». قَالَهَا ثَلَاثًا. قَالَ: وَخَرَجَ الْقَوْمُ إِلَى أَعْمَالِهِمْ، فَقَالُوا: مُحَمَّدٌ؟ -قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا- وَالْخَمِيسُ يَعْنِي الْجَيْشَ. قَالَ: فَأَصَبْنَاهَا عَنْوَةً، فَجُمِعَ السَّبْيُ! "فَجَاءَ دِحْيَةُ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَعْطِنِي جَارِيَةً مِنَ السَّبْيِ. قَالَ: اذْهَبْ فَخُذْ جَارِيَةً. فَأَخَذَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَىٍّ. فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَعْطَيْتَ دِحْيَةَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَىٍّ سَيِّدَةَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ، لَا تَصْلُحُ إِلاَّ لَكَ. قَالَ: ادْعُوهُ بِهَا. فَجَاءَ بِهَا. فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: خُذْ جَارِيَةً مِنَ السَّبْيِ غَيْرَهَا. قَالَ: فَأَعْتَقَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَتَزَوَّجَهَا. فَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ: يَا أَبَا حَمْزَةَ مَا أَصْدَقَهَا؟ قَالَ: نَفْسَهَا، أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا. حَتَّى إِذَا كَانَ بِالطَّرِيقِ جَهَّزَتْهَا لَهُ أُمُّ سُلَيْمٍ فَأَهْدَتْهَا لَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَأَصْبَحَ النَّبِيُّ ﷺ عَرُوسًا، فَقَالَ: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَىْءٌ فَلْيَجِئْ بِهِ. وَبَسَطَ نِطَعًا فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالتَّمْرِ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالسَّمْنِ"، قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَدْ ذَكَرَ السَّوِيقَ. قَالَ: فَحَاسُوا حَيْسًا، فَكَانَتْ وَلِيمَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
[الحديث ٣٧١ - أطرافه في: ٦١٠، ٩٤٧، ٢٢٢٨، ٢٢٣٥، ٢٨٨٩، ٢٨٩٣، ٢٩٤٣، ٢٩٤٤، ٢٩٤٥، ٢٩٩١، ٣٠٨٥، ٣٠٨٦، ٣٣٦٧، ٣٦٤٧، ٤٠٨٣، ٤٠٨٤، ٤١٩٧، ٤١٩٨، ٤١٩٩، ٤٢٠٠، ٤٢٠١، ٤٢١١، ٤٢١٢، ٤٢١٣، ٥٠٨٥، ٥١٥٩، ٥١٦٩، ٥٣٨٧، ٥٤٢٥، ٥٥٢٨، ٥٩٦٨، ٦١٨٥، ٦٣٦٣، ٦٣٦٩، ٧٣٣٣].
وبه قال: (حدّثنا يعقوب بن إبراهيم) الدورقي (قال: حدّثنا إسماعيل بن علية) بضم العين المهملة وفتح اللام وتشديد المثناة التحتية مصغرًا وللأصيلِي حدّثني ابن علية وأبوه اسمه إبراهيم بن
стр. 628
سهم البصري (قال: حدّثنا عبد العزيز بن صهيب) بضم الصاد المهملة البناني البصري الأعمى (عن أنس) وللأصيلي عن أنس بن مالك.
(أن رسول الله ﷺ غزا خيبر) على ثمانية برد من المدينة وكانت في جمادى الأولى سنة سبع من الهجرة (فصلّينا عندها) خارجًا عنها (صلاة الغداة) أي الصبح (بغلس) بفتح الغين واللام ظلمة آخر الليل، (فركب نبي الله ﷺ ¬) على حمار مخطوم برسن ليف وتحته الكاف من ليف رواه البيهقي والترمذي وضعّفه، (وركب أبو طلحة) زيد بن سهل الأنصاري، المتوفى سنة اثنتين أو أربع وثلاثين بالمدينة أو بالشام أو في البحر (وأنا رديف أبي طلحة) جملة اسمية حالية. أي قال أنس وأنا رديف أبي طلحة، (فأجرى) من الإجراء (نبي الله ﷺ ¬) مركوبه (في زقاق خيبر) بضم الزاي وبالقافين أي سكة خيبر، (وإن ركبتي لتمسّ فخذ نبيّ الله ﷺ ، ثم حسر الإزار عن فخذه) الشريف عند سوق مركوبه ليتمكّن من ذلك، (حتى أني أنظر إلى بياض فخذ نبي الله ﷺ ¬)، وللكشميهني في الفرع لا نظر بزيادة لام التأكيد وحسر بفتح الحاء والسين المهملتين كما في الفرع وغيره: أي: كشف الإزار. وصوّب ابن حجر هذا الضبط مستدلاً بالتعليق السابق وهو قوله. قال أنس: حسر النبي ﷺ ، وقال الزركشي: حسر بضم أوّله مبنيًّا للمفعول بدليل رواية مسلم فانحسر أي بغير اختياره لضرورة الإجراء، وحينئذ فلا دلالة فيه على كون الفخذ ليس بعورة. وتعقبه في فتح الباري بأنه لا يلزم من وقوعه كذلك في رواية مسلم أن لا يقع عند البخاري على خلافه.
وأُجيب: بأن اللائق بحاله ﵊ أن لا ينسب إليه كشف فخذه قصدًا مع ثبوت قوله ﵊ (الفخذ عورة) ولعلّ أنسًا لما رأى فخذه ﵊ مكشوفًا وكان ﵊ سببًا في ذلك بالإجراء أسند الفعل إليه، وقد مرّ قول المؤلّف وحديث أنس أسند وحديث جرهد أحوط فافهم.
(فلما دخل) ﵊ (القرية) أي خيبر وهو يشعر بأن الزقاق كان خارج القرية (قال: الله أكبر خربت خيبر) أي صارت خرابًا قاله على سبيل الإخبار، فيكون من الإنباء بالمغيبات أو على جهة الدعاء عليهم أي التفاؤل لما رآهم خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم التي هي من آلات الهدم ﴿إنّا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين﴾ بفتح الذال المعجمة (قالها) ﵊ (ثلاثًا. قال) أنس (وخرج القوم إلى) مواضع (أعمالهم) كذا قدّره البرماوي كالكرماني، لكن قال العيني: بل معناه خرج القوم لأعمالهم التي كانوا يعملونها وكلمة (إلى) بمعنى اللام، (فقالوا) هذا (محمد) أو جاء محمد (قال عبد العزيز) بن صهيب الراوي. (وقال بعض أصحابنا) هو محمد بن سيرين كما عند المؤلّف من طريقه أو ثابت البناني كما أخرجه مسلم من طريقه أو غيرهما، (والخميس) بالرفع عطفًا على محمد أو بالنصب على أن الواو بمعنى مع قال عبد العزيز أو من دونه (يعني الجيش) وأشار بهذا إلى أنه لم يسمع والخميس من أنس بل من بعض أصحابه عنه، والحاصل أن عبد العزيز قال: سمعت من أنس قالوا جاء محمد فقط، وقال بعض أصحابه: قالوا محمد
стр. 629
والخميس والتفسير مدرج وسمي بالخميس لأنه خمسة أقسام مقدمة وساقه وقلب وجناحان. (قال: فأصبناها) أي خيبر (عنوة) بفتح العين وسكون النون أي قهرًا في عنف أو صلحًا في رفق ضد، ومن ثم اختلف هل كانت صلحًا أو عنوة أو إجلاءً وصحّح المنذري أن بعضها أُخذ صلحًا وبعضها عنوة وبعضها إجلاء وبهذا يندفع التضادّ بين الآثار، (فجمع السبي) بضم الجيم مبنيًّا للمفعول (فجاء دحية) بكسر الدال وفتحها ولابن عساكر حية الكلبي (فقال: يا نبيّ الله أعطني جارية من السبي قال) ﵊، ولأبوي ذر والوقت فقال: (اذهب فخذ جارية) منه، فذهب (فأخذ صفية) بفتح الصاد المهملة قيل وكان اسمها زينب (بنت حيي) بضم الحاء المهملة وكسرها وفتح المثناة الأولى مخفّفة وتشديد الثانية ابن أخطب من بنات هارون ﵇، المتوفّاة سنة ست وثلاثين أو ست وخمسين، وكانت تحت كنانة بن أبي الحقيق قتل عنها بخيبر، وإنما أذن ﷺ لدحية في أخذ الجارية قبل القسمة لأن له ﵊ صفي المغنم يعطيه لمَن يشاء أو تنفيلاً له من أصل الغنيمة أو من خمس الخمس بعد أن تميز أو قبل على أن يحسب منه إذا تميز أو أذن له في أخذها لتقوّم عليه بعد ذلك وتحسب من سهمه.
(فجاء رجل) لم أعرف اسمه (إلى النبي- ﷺ فقال يا نبي الله أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قريظة) بضم القاف وفتح الراء والظاء المعجمة (والنضير) بفتح النون وكسر الضاد المعجمة الساقطة قبيلتان من يهود خيبر (لا تصلح إلاّ لك) لأنها من بيت النبوّة من ولد هارون ﵇ والرئاسة لأنها من بيت سيد قريظة والنضير مع الجمال العظيم، والنبي ﷺ أكمل الخلق في هذه الأوصاف بل في سائر الأخلاق الحميدة. (قال) ﵊: (ادعوه) أي دحية (بها) أي بصفية فدعوه (فجاء بها فلما نظر إليها النبي ﷺ قال) له: (خذ جارية من السبي غيرها) وارتجعها منه لأنه إنما كان أذن له في جارية من حشو السبي لا من أفضلهنّ، فلما رآه أخذ أنفسهن نسبًا وشرفًا وجمالاً استرجعها لئلا يتميز دحية بها على سائر الجيش، مع أن فيهم مَن هو أفضل منه، وأيضًا لما فيه من انتهاكها مع علو مرتبتها، وربما ترتب على ذلك شقاق أو غيره مما لا يخفى فكان اصطفاؤه لها قاطعًا لهذه المفاسد. وفي فتح الباري نقلاً عن الشافعي في الأُم عن سيرة الواقدي: أنه ﵊ أعطى دحية أُخت كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق زوج صفية أي تطييبًا لخاطره، وفي سيرة ابن سيد الناس أنه أعطاه ابنتي عمّ صفية. (قال: فأعتقها) أي صفية (النبي ﷺ وتزوّجها، فقال له ثابت) البناني (يا أبا حمزة) بالحاء المهملة والزاي كنية أن (ما أصدقها) ﵊ (قال) أنس: أصدقها (نفسها أعتقها) بلا عوض (وتزوّجها) بلا مهر أو أعتقها، وشرط أن ينكحها فلزمها الوفاء أو جعل نفس العتق صداقًا وكلها من خصائصه، وأخذ الإمام أحمد والحسن وابن المسيب وغيرهم بظاهره فجوّزوا ذلك لغيره أيضًا (حتى إذا كان) ﵊ (بالطريق) في سدّ الروحاء على أربعين ميلاً من المدينة أو نحوها (جهزتها له أُم سليم) بضم السين وهي أُم أنس (فأهدتها) أي زفّتها (له) ﵊ (من الليل). قال البرماوي كالكرماني. وفي بعضها أي النسخ أو الروايات فهدتها أي بغير همز وصوّبت لقول الجوهري الهداء مصدر هديت
стр. 630
أنا المرأة إلى زوجها، (فأصبح النبي ﷺ عروسًا) على وزن فعول يستوي فيه الذكر والمؤنث ما داما في إعراسهما وجمعه عرس وجمعها عرائس، (فقال) ﵊: (مَن كان عنده شيء فليجئ به وبسط) بفتحات (نطعًا) بكسر النون وفتح الطاء المهملة، وعليها اقتصر ثعلب في فصيحه، وكذا في الفرع وغيره في الأصول؟ ويجوز فتح النون وسكون الطاء وفتحهما وكسر النون وسكون الطاء.
وقال الزركشي: فيه سبع لغات وجمعه أنطاع ونطوع (فجعل الرجل يجيء بالتمر وجعل الرجل يجيء بالسمن قال) عبد العزيز بن صهيب (وأحسبه) أي أنسًا (قد ذكر السويق) نعم في رواية عبد الوارث الجزم بذكر السويق (قال فحاسوا) بمهملتين أي خلطوا أو اتخذوا (حيسًا) بفتح الحاء والسين المهملتين بينهما مثناة تحتية ساكنة وهو الطعام المتخذ من التمر والإقط والسمن، وربما عوّض بالدقيق عن الأقط، (فكانت) بالفاء. وفي رواية وكانت أي الثلاثة المصنوعة حيسًا (وليمة رسول الله ﷺ ¬) أي طعام عرسه من الولم وهو الجمع، سمي به لاجتماع الزوجين. واستنبط منه مشروعية مطلوبية الوليمة للعرس وأنها بعد الدخول، وجوّز النووي كونها قبله أيضًا، وأن السنة تحصل بغير اللحم ومساعدة الأصحاب بطعام من عندهم.
ورواة هذا الحديث ما بين كوفي وبصري، وفيه التحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلّف في النكاح والمغازي، وأبو داود في الخراج، والنسائي في النكاح والوليمة.
١٣ - باب فِي كَمْ تُصَلِّي الْمَرْأَةُ فِي الثِّيَابِ
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: لَوْ وَارَتْ جَسَدَهَا فِي ثَوْبٍ لأَجَزْتُهُ.
هذا (باب) بالتنوين (في كم) ثوبًا (تصلي المرأة من الثياب) ولغير الأربعة في الثياب وكم لها صدر الكلام فلا يقدح تأخرها عن في الجارّة لأن الجار والمجرور ككلمة واحدة. (وقال عكرمة) مولى ابن عباس مما وصله عبد الرزاق عنه بمعناه (لو وارت) أي سترت المرأة (جسدها في ثوب) واحد (لأجزته) كذا للكشميهني بفتح لام التأكيد والجيم وسكون الزاي، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر جاز.
٣٧٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الْفَجْرَ فَيَشْهَدُ مَعَهُ نِسَاءٌ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ مُتَلَفِّعَاتٍ فِي مُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَرْجِعْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ.
[الحديث ٣٧٢ - أطرافه في: ٥٧٨، ٨٦٧، ٨٧٢].
وبالسند قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع (قال: أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن) ابن شهاب (الزهري: قال: أخبرني) بالإفراد (عروة) بن الزبير (أن عائشة) ﵂ (قالت):
стр. 631
والله (لقد كان رسول الله ﷺ يصلّي الفجر فيشهد) أي فيحضر (معه) وفي رواية فشهد أي
فحضر معه (نساء) جمع امرأة لا واحد له من لفظه (من المؤمنات) حال كونهنّ (متلفعات) بعين مهملة بعد الفاء المشدّدة أي مغطيات الرؤوس والأجساد (في مروطهنّ) جمع مرط بكسر أوّله كساء من خزّ أو صوف أو غيره، أو هي الملحفة أو الإزار أو الثوب الأخضر، وللأصيلي متلفعات بالرفع صفة للنساء، وله في غير الفرع متلفّفات بفاءين. قال ابن حبيب: التلفع أي بالعين لا يكون إلاّ بتغطية الرأس والتلفّف بتغطية الرأس وكشفه، (ثم يرجعن) من المسجد (إلى بيوتهنّ ما يعرفهنّ أحد) أي من الغلس كما عند المؤلّف في المواقيت، وقد اعترض على المؤلّف في استدلاله بهذا الحديث على جواز صلاة المرأة في الثوب الواحد بأن الالتفاع المذكور يحتمل أن يكون فوق ثياب أخرى.
وأجيب: بأنه تمسك بأن الأصل عدم الزيادة على ما أشار إليه على أنه لم يصرّح بشيء إلاّ أن اختياره يؤخذ في العادة من الآثار التي يوردها في الترجمة قاله في الفتح، ورواة هذا الحديث ما بين حمصي ومدني، وفيه التحديث والعنعنة والإخبار ورواية تابعي عن تابعي عن صحابية، وأخرجه المؤلّف في الصلاة، وكذا مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة.
١٤ - باب إِذَا صَلَّى فِي ثَوْبٍ لَهُ أَعْلَامٌ، وَنَظَرَ إِلَى عَلَمِهَا
هذا (باب) بالتنوين (إذا صلّى) الشخص (في ثوب) أي وهو لابس ثوبًا (له أعلام ونظر إلى علمها) أنّث بالنظر إلى الخميصة الآتية إن شاء الله تعالى.
٣٧٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ فَنَظَرَ إِلَى أَعْلَامِهَا نَظْرَةً، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَائْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ. فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلَاتِي». وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى عَلَمِهَا وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ فَأَخَافُ أَنْ تَفْتِنَنِي».
[الحديث ٣٧٣ - طرفاه في: ٧٥٢، ٥٨١٧].
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) نسبه لجدّه لشهرته به وأبوه عبد الله (قال: حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (قال: حدّثنا ابن شهاب) الزهري ولابن عساكر عن ابن شهاب (عن عروة) بن الزبير بن العوّام (عن عائشة) ﵂.
(أن النبي ﷺ صلّى في خميصة) بفتح الحاء المعجمة وكسر الميم وبالصاد المهملة كساء أسود
مربع (لها أعلام) جملة وقعت صفة لخميصة (فنظر) ﵊ (إلى أعلامها نظرة فلما انصرف) من صلاته (قال: اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم) بفتح الجيم وسكون الهاء عامر بن حذيفة العدوي القرشي المدني أسلم يوم الفتح، وتوفي في آخر خلافة معاوية، (وائتوني بأنبجانية أبي
стр. 632
جهم) بفتح الهمزة وسكون النون وكسر الموحدة وتخفيف الجيم وبعد النون ياء نسبة مشدّدة كساء غليظ لا علم له، ويجوز كسر الهمزة وسكون النون وفتح الموحدة وتخفيف المثناة. قال ابن قرقول: نسبة إلى منبج بفتح الميم وكسر الموحدة موضع بالشام، وقيل نسبة إلى موضع يقال له أنبجان. وفي هذه قال ثعلب: يقال كساء أنبجاني وهذا هو الأقرب إلى الصواب في لفظ الحديث اهـ.
(فإنها) أي الخميصة (ألهتني) من لهى بالكسر لا من لها لهوًا إذا لعب أي شغلتني (آنفًا) أي قريبًا (عن صلاتي) وعند مالك في الموطأ. فإني نظرت إلى علمها في الصلاة فكاد يفتنني، وفي التعليق الآتي إن شاء الله تعالى قريبًا فأخاف أن يفتنني فيحمل قوله: ألهتني على قوله كاد فيكون الإطلاق للمبالغة في القرب لا لتحقّق وقوع الإلهاء، ولا يقال أن المعنى شغلتني عن كمال الحضور في صلاتي لأنّا نقول قوله في التعليق الآتي فأخاف أن يفتتي يدلّ على نفي وقوع ذلك، وقد يقال أن له ﵊ حالتين حالة بشرية وحالة يختصّ بها خارجة عن ذلك، فبالنظر إلى الحالة البشرية قال: ألهتني، وبالنظر إلى الحالة الثانية لم يجزم به، بل قال: أخاف ولا يلزم من ذلك الوقوع ونزع الخميصة ليستنّ به في ترك كل شاغل، وليس المراد أن أبا جهم يصلّي في الخميصة لأنه ﵊ لم يكن ليبعث إلى غيره به، يكرهه لنفسه فهو كإهداء الحلّة لعمر ﵁ مع تحريم لباسها عليه لينتفع بها ببيع أو غيره.
واستنبط من الحديث الحثّ على حضور القلب في الصلاة وترك ما يؤدّي إلى شغله، وقد شهد القرآن بالفلاح للمصلّين الخاشعين والفلاح أجمع اسم لسعادة الآخرة وبانتفاء الخشوع ينتفي الفلاح فالمصلّي يناجي ربّه فعظّم في نفسك قدر مناجاته وانظر مَن تناجي وكيف تناجي وبماذا تناجي فاعلم واعمل تسلم.
ورواة هذا الحديث ما بين كوفي ومدنيين، وفيه رواية تابعي عن تابعي عن صحابية والتحديث والعنعنة.
(وقال هشام بن عروة) بن الزبير (عن أبيه) عروة (عن عائشة) ﵂ مما رواه مسلم وغيره بالمعنى. قالت:
(قال النبي ﷺ : كنت أنظر إلى علمها) أي الخميصة (وأنا في الصلاة) جملة حالية (فأخاف أن تفتنني) بفتح المثناة الفوقية وكسر الثانية وبالنونين من باب ضرب يضرب وفي رواية يفتنني بفتح المثناة التحتية في أوّله بدل الفوقية.
стр. 633
١٥ - باب إِنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ مُصَلَّبٍ أَوْ تَصَاوِيرَ هَلْ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؟ وَمَا يُنْهَى عَنْ ذَلِكَ
هذا (باب) بالتنوين (إن صلّى) الشخص حال كونه (في ثوب مصلب) بفتح اللام المشدّدة أي فيه صلبان منقوشة أو منسوجة (أو) في ثوب ذي (تصاوير هل تفسد صلاته) أم لا (وما ينهى عن ذلك) ولابن عساكر في نسخة، وأبي الوقت والأصيلي وما ينهى عنه بالضمير، ولأبي ذر وما ينهى من ذلك بدل عن.
٣٧٤ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ: "كَانَ قِرَامٌ لِعَائِشَةَ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ هَذَا، فَإِنَّهُ لَا تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ فِي صَلَاتِي».
[الحديث ٣٧٤ - طرفه في: ٥٩٥٩].
وبه قال: (حدّثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو) بفتح العين وإسكان الميم (قال: حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد (قال: حدّثنا عبد العزيز بن صهيب عن أنس) وللأصيلي عن أنس بن مالك (قال):
(كان قرام) بكسر القاف وتخفيف الراء ستر رقيق من صور ذو ألوان أو رقم ونقوش (لعائشة) ﵂ (سترت به جانب بيتها فقال النبي ﷺ ¬) لها (أميطي) أمر من أماط يميط أي أزيلي (عنّا قرامك هذا فإنه لا تزال تصاوير) بغير ضمير والهاء في فإنه ضمير الشأن، وفي رواية تصاويره بإضافته إلى الضمير فضمير أنه للثوب (تعرض) بفتح المثناة الفوقية وكسر الراء أي تلوح لي (في صلاتي) ولم يعد الصلاة ولم يقطعها نعم تكره الصلاة حينئذ لما فيه من سبب اشتغال القلب المفوّت للخشوع، ووجه إدخال حديث القرام في الترجمة لأنه إذا نهى عنه في التجمّل كان النهي عن لباسه في الصلاة بطريق الأولى، ويلحق المصلب بالمصوّر لاشتراكهما في كون كلٍّ منهما قد عبد من دون الله، وفي حديث عائشة عند المؤلّف في اللباس قالت: لم يكن رسول الله ﷺ يترك في بيته شيئًا فيه تصليب إلاّ نقضه، وأمره ﷺ بالإماطة في حديث الباب يستلزم النهي عن الاستعمال، واستنبط منه الشافعية كراهة الصور مطلقًا، واستثنى الحنفية من ذلك ما يبسط، وبه قال المالكية وأحمد في رواية.
ورواة هذا الحديث كلهم بصريون وفيه التحديث والعنعنة، وأخرجه في اللباس أيضًا والنسائي.
١٦ - باب مَنْ صَلَّى فِي فَرُّوجِ حَرِيرٍ ثُمَّ نَزَعَهُ
(باب مَن صلّى في فرّوج حرير) بفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة وتخفيفها وآخره جيم وحكي ضمّ أوّله وخفّة الراء على وزن خروج قباء مشقوق من خلفه وهو من لبوس الأعاجم (ثم نزعه).
стр. 634
٣٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: "أُهْدِيَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَرُّوجُ حَرِيرٍ فَلَبِسَهُ فَصَلَّى فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَزَعَهُ نَزْعًا شَدِيدًا كَالْكَارِهِ لَهُ وَقَالَ: لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِينَ".
[الحديث ٣٧٥ - طرفه في: ٥٨٠١].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي (قال: حدّثنا الليث) بن سعد (عن يزيد) ولابن عساكر والأصيلي عن يزيد بن أبي حبيب ولابن عساكر والأصيلي في نسخة هو يزيد بن أبي حبيب (عن أبي الخير) مرثد بفتح الميم والمثلثة اليزني (عن عقبة بن عامر) الجهني ﵁ كان قارئًا فصيحًا شاعرًا كاتبًا وهو أحد مَن جمع القرآن في المصحف وكان مصحفه على غير تأليف مصحف عثمان وشهد صفّين مع معاوية وأمّره على مصر، وتوفي في خلافة معاوية على الصحيح وروى عن النبي ﷺ كثيرًا وله في البخاري أحاديث (قال): (هدي) بضم الهمزة وكسر الدال (إلى النبي) وللأصيلي إلى رسول الله (¬ ﷺ فرُّوج حرير) بالإضافة كثوب خزّ وخاتم فضّة وكان الذي أهداه له أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل (فلبسه) ﵊ قبل تحريم الحرير (فصلّى فيه ثم انصرف) من صلاته، (فنزعه نزعًا شديدًا كالكاره له) وفي حديث جابر بن مسلم: صلّى في قباء ديباج ثم نزعه وقال: نهاني جبريل ﵊، فالنهي سبب نزعه له وذلك ابتداء تحريمه. (وقال) ﷺ لا ينبغي استعمال (هذا) الحرير (للمتّقين) عن الكفر وهم المؤمنون، وعبّر بجمع المذكر ليخرج النساء لأنه حلال لهنّ فإن قلت: يدخلن تغليبًا، أُجيب: بأنهنّ خرجن بدليل آخر قال ﵊: (أحلّ الذهب والحرير لإناث أمتي وحرّم على ذكورها) وقال الترمذي: حسن صحيح. نعم الأصح عند الرافعي تحريم افتراشها إياه لأنه ليس في الفرش ما في اللبس من التزيّن للزوج المطلوب، وصحّح النووي حلّه. قال: وبه قطع العراقيون وغيرهم لإطلاق الحديث السابق، وبه قال أبو حنيفة وكرهه صاحباه، فلو صلّى فيه الرجل أجزأته صلاته لكنه ارتكب حرامًا. وقال الحنفية: تكره وتصح، وقال المالكية: يعيد في الوقت إن وجد ثوبًا غيره، ويأتي إن شاء الله تعالى مزيد لذلك في باب اللباس.
ورواة هذا الحديث كلهم مصريون وفيه التحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلّف في اللباس وكذا مسلم والنسائي في الصلاة.
(باب) حكم (الصلاة في الثوب الأحمر).
١٧ - باب الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الأَحْمَرِ
٣٧٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ، وَرَأَيْتُ بِلَالاً أَخَذَ وَضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَأَيْتُ النَّاسَ يَبْتَدِرُونَ ذَاكَ الْوَضُوءَ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا تَمَسَّحَ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ شَيْئًا أَخَذَ
стр. 635
مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ، ثُمَّ رَأَيْتُ بِلَالاً أَخَذَ عَنَزَةً فَرَكَزَهَا، وَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مُشَمِّرًا صَلَّى إِلَى الْعَنَزَةِ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُّونَ مِنْ بَيْنِ يَدَىِ الْعَنَزَةِ".
وبه قال: (حدّثنا محمد بن عرعرة) بالعينين المهملتين وسكون الراء الأولى (قال: حدّثني) بالإفراد (عمر بن أبي زائدة) بضم العين الكوفي (عن عون بن أبي جحيفة) بضم الجيم وفتح الحاء المهملة وهب بن عبد الله السوائي بضم السين المهملة وتخفيف الواو الكوفي (عن أبيه) أبي جحيفة ﵁ (قال):
(رأيت رسول الله ﷺ ¬) وهو بالأبطح (في قبة حمراء من أدم) بفتح الهمزة والدال جلد (ورأيت
بلالاً أخذ وضوء رسول الله ﷺ ¬) بفتح الواو أي الماء الذي يتوضأ به (ورأيت الناس يبتدرون) أي يتسارعون ويتسابقون إلى (ذاك) بغير لام وللأصيلي وابن عساكر ذلك (الوضوء) تبرّكًا بآثاره الشريفة (فمَن أصاب منه شيئًا تمسح به ومن لم يصب منه شيئًا أخذه من بلل صاحبه) وفي رواية من بلال بفتح الباء وكسرها (ثم رأيت بلالاً أخذ عنزة) بفتح العين المهملة والنون والزاي مثل نصف الرمح أو أكبر لها سنّان كسنّان الرمح، وفي رواية عنزة له (فركّزها، وخرج النبي ﷺ ¬) حال كونه (في حلّة حمراء) بردين إزار ورداء يمانيين منسوجين بخطوط حمر مع الأسود حال كونه (مشمّرًا) ثوبه بكسر الميم الثاني قد كشف شيئًا من ساقيه. قال في مسلم: كأني أنظر إلى بياض ساقيه (صلى) ولمسلم تقدم فصلّى (إلى العنزة بالناس) الظهر (ركعتين، ورأيت الناس والدواب يمرّون بين يدي العنزة)، ولأبي ذر في نسخة من بين يدي العنزة وفيه استعمال المجاز وإلاّ فالعنزة لا يد لها.
ورواة هذا الحديث ما بين بصري وكوفيين، وفى التحديث والعنعنة. والقول، وأخرجه المؤلّف في اللباس وفي الصلاة وكذا أبو داود والترمذي وأخرجه النسائي في الزينة وابن ماجة في الصلاة.
١٨ - باب الصَّلَاةِ فِي السُّطُوحِ وَالْمِنْبَرِ وَالْخَشَبِ
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَلَمْ يَرَ الْحَسَنُ بَأْسًا أَنْ يُصَلَّى عَلَى الْجَمْدِ وَالْقَنَاطِرِ وَإِنْ جَرَى تَحْتَهَا بَوْلٌ أَوْ فَوْقَهَا أَوْ أَمَامَهَا إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ. وَصَلَّى أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى سَققِ الْمَسْجِدِ بِصَلَاةِ الإِمَامِ، وَصَلَّى ابْنُ عُمَرَ عَلَى الثَّلْجِ.
(باب) حكم (الصلاة في السطوح) بضم السين جمع سطح (والمنبر) بكسر الميم وفتح الموحدة (والخشب) بفتحتين أو بضمتين (قال أبو عبد الله) محمد بن إسماعيل البخاري: (ولم ير الحسن) البصري (بأسًا أن يصلّي) بضم الياء وفتح اللام المشددة (على الجمد) بفتح الجيم وضمها وسكون الميم ثم دال مهملة، وللأصيلي فيما ذكره ابن قرقول بفتح الميم، وحكى ابن التين ضمها، لكن قال القاضي عياض: الصواب السكون وهو الماء الجامد من شدة البرد، (والقناطر) وللحموي والمستملي
следующие страницы →