← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21716

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط العلمية

القسطلاني

Полный текст (8 298 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.

стр. 6056

صريح في أنه لم يطأها أصلًا لا مرة ولا فوقها فيحمل قولها إلا هنة واحدة على أن معناه فلم يرد أن يقرب مني بقصد الوطء إلا مرة واحدة انتهى. نعم إذا قلنا المراد فلم تصل منه إلى شيء تريده من الوطء التام أي لارتخائه وعدم قدرته انتظم الكلام (فأحل) بحذف همزة الاستفهام ولأبي ذر أفأحلّ (لزوجي الأول) رفاعة (فقال رسول الله ﷺ ¬): (لا تحلين لزوجك الأول حتى يذوق الآخر) عبد الرحمن بن الزبير (عسيلتك وتذوقي) ولأبي ذر أو تذوقي (عسيلته) شبه ﵊ لذة الجماع بذوق العسل فاستعار لها ذوقًا، والعمل على هذا عند عامة أهل العلم من الصحابة وغيرهم أنه إذا طلق ثلاثًا لا تحل له حتى تنكح غيره ويصيبها الثاني ولا تحل بإصابة شبهة ولا ملك يمين، وكان ابن المنذر يقول: في الحديث دلالة على أن الثاني إن واقعها وهي نائمة أو مغمى عليها لا تحسّ باللذة أنها لا تحلّ للأول لأن الذوق أن تحس باللذة، وعامة أهل العلم على أنها تحل، قال النووي: اتفقوا على أن تغييب الحشفة في قبلها كافٍ في ذلك من غير إنزال وشرط الحسن الإنزال لقوله: حتى تذوقي عسيلته وهي النطفة انتهى. ٨ - باب ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: مخاطبًا لنبيه ﷺ (﴿لم تحرم ما أحل الله لك﴾) [التحريم: ١]. ٥٢٦٦ - حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ صَبَّاحٍ سَمِعَ الرَّبِيعَ بْنَ نَافِعٍ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِذَا حَرَّمَ امْرَأَتَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَقَالَ لَكُمْ: ﴿فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (الحسن بن صباح) بالصاد المهملة والموحدة المشدّدة المفتوحتين البزار بالزاي وبعد الألف راء الواسطي نزل بغداد وثقه الجمهور وليّنه النسائي قليلًا أنه (سمع الربيع بن نافع) الحلبي نزل طرطوس وهو أبو توبة بالمثناة الفوقية وبعد الواو الساكنة موحدة مشهور بكنيته أكثر من اسمه قال: (حدّثنا معاوية) بن سلام بتشديد اللام (عن يحيى بن أبي كثير) الإمام أبي نصر اليماني أحد الأعلام (عن يعلى بن حكيم) الثقفي (من سعيد بن جبير) الوالبي مولاهم أحد الأعلام (أنه أخبره أنه سمع ابن عباس) ﵄ (يقول: إذا حرم) الرجل (امرأته) أي عينها (ليس بشيء) أي ليس بطلاق لأن الأعيان لا توصف بذلك ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ليست أي الكلمة وهي قوله: أنت عليّ حرام المنوي بها عينها بطلاق. (وقال) ابن عباس مستدلًا على ما ذهب (لكم): ولأبي ذر وابن عساكر: لقد كان لكم (﴿في رسول الله أسوة﴾) بضم الهمزة وكسرها قدوة (﴿حسنة﴾) [الأحزاب: ٢١] وأشار بذلك

стр. 6057

إلى قصة مارية وفي حديث أنس عند النسائي بسند صحيح أن النبي ﷺ كانت له أمة يطؤها فلم تزل به حفصة وعائشة حتى حرمها فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحلّ الله لك﴾ [التحريم: ١] قال في الفتح: وهذا أصح طرق هذا السبب. نعم إذا أراد تحريم عينها كره وعليه كفارة يمين في الحال وإن لم يطأها وليس ذلك يمينًا لأن اليمين إنما تنعقد بأسماء الله وصفاته. وروى النسائي عن سعيد بن جبير أن رجلًا سأل ابن عباس فقال: إني جعلت امرأتي عليّ حرامًا. فقال: كذبت ليست عليك حرامًا ثم تلا: ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك﴾. ٥٢٦٧ - حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَبَّاحٍ حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: زَعَمَ عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ وَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلًا، فَتَوَاصَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ أَنَّ أَيَّتَنَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ فَلْتَقُلْ: إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ. فَقَالَ: «لَا، بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ، وَلَنْ أَعُودَ لَهُ»، فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ -إِلَى- ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ﴾ [التحريم: ٣] لِقَوْلِهِ: «بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا». وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (الحسن بن محمد بن الصباح) ولأبي ذر صباح الزعفراني الفقيه قال: (حدّثنا حجاج) هو ابن محمد الأعور (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز أنه قال (قال: زعم عطاء) هو ابن أبي رباح (أنه سمع عبيد بن عمير) بضم العين فيهما مصغرين الليثي المكي والزعم المراد به القول (يقول: سمعت عائشة ﵂) تقول (إن النبي ﷺ كان يمكث عند زينب ابنة) ولأبي ذر بنت (جحش) ﵂ (ويشرب عندها عسلًا فتواصيت) بالصاد المهملة (أنا وحفصة) بنت عمر (أنّ أيّتنا) ولأبي ذر وابن عساكر أن أيّتنا بفتح الهمزة وتخفيف النون والرفع (دخل عليها النبي ﷺ فلتقل) له: (إني لأجد منك ريح مغافير أكلت مغافير) بالغين المعجمة والفاء بعدها تحتية ساكنة جمع مغفور بضم أوله. قال في القاموس: والمغافر والمغافير المغاثير يعني بالمثلثة بدل الفاء الواحد مغفر كمنبر ومغفر ومغفور بضمهما ومغفار ومغفير بكسرهما. وقال في مادة غ ث ر والمغثر كمنبر شيء ينضحه الثمام والعشر والرمث كالعسل الجمع مغاثير وأغثر الرمث سأل منه وتمغثر اجتناه انتهى. وقال ابن قتيبة: هو صمغ حلو له رائحة كريهة وذكر البخاري أنه شبيه بالصمغ يكون في الرمث بكسر الراء وسكون الميم بعدها مثلثة من الشجر التي ترعاها الإبل. وأكلت استفهام محذوف الأداة. (فدخل) ﷺ (على إحداهما) قال ابن حجر: لم أقف على تعيينها وأظنها حفصة (فقالت له ذلك) القول الذي تواصيا عليه أكلت مغافير (فقال: لا) لم آكل مغافير (بل شربت عسلًا) ولأبي

стр. 6058

ذر لا بأس شربت عسلًا (عند زينب بنت جحش ولن أعود له) للشرب وزاد في رواية هشام بن يوسف في تفسير سورة التحريم، وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدًا (فنزلت: ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك﴾ -إلى-) قوله تعالى: (﴿إن تتوبا إلى الله﴾) أي (لعائشة وحفصة) وعند ابن عساكر هنا باب إن تتوبا إلى الله يعني لعائشة وحفصة (﴿وإذ أسرّ النبي إلى بعض أزواجه حديثًا﴾ لقوله: بل شربت عسلًا). قال في الفتح: هذا القدر أي وإذ أسرّ النبي إلى آخره بقية الحديث وكنت أظنه من ترجمة البخاري حتى وجدته مذكورًا في آخر الحديث عند مسلم قال: وكان المعنى، وأما المراد بقوله تعالى: ﴿وإذ أسرّ النبي إلى بعض أزواجه حديثًا﴾ [التحريم: ٣] فهو لأجل قوله: بل شربت عسلًا. ٥٢٦٨ - حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ الْعَسَلَ وَالْحَلْوَاءَ، وَكَانَ إِذَا انْصَرَفَ مِنَ الْعَصْرِ دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ فَيَدْنُو مِنْ إِحْدَاهُنَّ، فَدَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ فَاحْتَبَسَ أَكْثَرَ مَا كَانَ يَحْتَبِسُ، فَغِرْتُ، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ فَقِيلَ لِي، أَهْدَتْ لَهَا امْرَأَةٌ مِنْ قَوْمِهَا عُكَّةً مِنْ عَسَلٍ، فَسَقَتِ النَّبِيَّ ﷺ مِنْهُ شَرْبَةً، فَقُلْتُ: أَمَا وَاللَّهِ لَنَحْتَالَنَّ لَهُ، فَقُلْتُ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ إِنَّهُ سَيَدْنُو مِنْكِ، فَإِذَا دَنَا مِنْكِ، فَقُولِي: أَكَلْتَ مَغَافِيرَ، فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ لَا فَقُولِي لَهُ مَا هَذِهِ الرِّيحُ الَّتِي أَجِدُ مِنْكَ؟ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ، فَقُولِي لَهُ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ، وَسَأَقُولُ ذَلِكَ. وَقُولِي أَنْتِ يَا صَفِيَّةُ ذَاكِ. قَالَتْ: تَقُولُ سَوْدَةُ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلاَّ أَنْ قَامَ عَلَى الْبَابِ فَأَرَدْتُ أَنْ أُبَادِيَهُ بِمَا أَمَرْتِنِي بِهِ فَرَقًا مِنْكِ. فَلَمَّا دَنَا مِنْهَا قَالَتْ لَهُ سَوْدَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ قَالَ: «لَا». قَالَتْ فَمَا هَذِهِ الرِّيحُ الَّتِي أَجِدُ مِنْكَ؟ قَالَ: «سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ». فَقَالَتْ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ. فَلَمَّا دَارَ إِلَيَّ قُلْتُ لَهُ نَحْوَ ذَلِكَ. فَلَمَّا دَارَ إِلَى صَفِيَّةَ قَالَتْ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ. فَلَمَّا دَارَ إِلَى حَفْصَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا أَسْقِيكَ مِنْهُ؟ قَالَ: «لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ». قَالَتْ: تَقُولُ سَوْدَةُ وَاللَّهِ لَقَدْ حَرَمْنَاهُ قُلْتُ لَهَا: اسْكُتِي. وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (فروة بن أبي المغراء) بالفاء المفتوحة والراء الساكنة والمغراء بفتح الميم والراء بينهما غين ساكنة ممدود البيكندي الكوفي قال: (حدّثنا علي بن مسهر) الكوفي الحافظ (عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوّام (عن عائشة ﵂¬) أنها (قالت: كان رسول الله ﷺ يحب العسل والحلواء) بالهمز والمد ولأبي ذر والحلوى بالقصر. قال في القاموس: والحلواء وتقصر، وعند الثعالبي في فقه اللغة: أن حلوى النبي ﷺ التي كان يحبها هي المجيع بالجيم بوزن عظيم قال: في القاموس: تمر يعجن بلبن وليس هذا من عطف العامّ على الخاصّ وإنما العامّ الذي يدخل فيه بضم أوّله (وكان) ﷺ (إذا انصرف من

стр. 6059

العصر) أي من صلاة والعصر (دخل على نسائه فيدنو) أي يقرب (من إحداهن) بأن يقبّلها ويباشرها من غير جماع كما في رواية أخرى، وفي رواية حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن عبد بن حميد أن ذلك إذا انصرف من صلاة الفجر، لكنها كما في الفتح رواية شاذّة وعلى تسليمها، فيحتمل أن الذي كان يفعله أوّل النهار سلام ودعاء محض والذي في آخره معه جلوس ومحادثة (فدخل على حفصة بنت عمر فاحتبس) فأقام عندها (أكثر ما كان يحتبس فغرت فسألت عن ذلك فقيل لي) في حديث ابن عباس أن عائشة قالت لجويرية حبشية عندها يقال لها: خضراء: إذا دخل على حفصة فادخلي عليها فانظري ماذا يصنع فقالت: (أهدت لها) أي لحفصة (امرأة من قومها) لم أعرف اسمها (عكة من عسل) سقط الجار لأبي ذر، وزاد ابن عباس من الطائف (فسقت النبي ﷺ منه شربة) وفي الرواية السابقة من هذا الباب أن شرب العسل كان عند زينب بنت جحش، وفي هذه عند حفصة. وقد قدّمنا أن رواية ابن عباس عند ابن مردويه أنه كان عند سودة، وأن عائشة وحفصة هما اللتان تواطأتا كما في رواية عبيد بن عمير المروية أوّل هذا الباب وإن اختلفتا في صاحبة العسل وحمله على التعدّد إذ لا يمتنع تعدّد السبب للشيء الواحد، أو رواية عبيد أثبت لموافقة ابن عباس لها على أن المتظاهرتين حفصة وعائشة على ما تقدّم في التفسير، فلو كانت حفصة صاحبة العسل لم تقرن في المظاهرة بعائشة لكن يمكن تعدّد القصة التي في شرب العسل وتحريمه واختصاص النزول بالقصة التي فيها أن عائشة وحفصة هما المتظاهرتان، ويمكن أن تكون القصة التي وقع فيها الشرب عند حفصة كانت سابقة، والراجح أيضًا أن صاحبة العسل زينب لا سودة لأن طريق عبيد أثبت من طريق ابن أبي مليكة، ويؤيده أن في الهبة أن نساء النبي ﷺ كنّ حزبين: عائشة وسودة وحفصة وصفية في حزب، وزينب بنت جحش وأُم سلمة والباقيات في حزب، ولذا غارت عائشة منها لكونها من غير حزبها، وممن ذهب إلى الترجيح عياض فقال: رواية عبيد بن عمير أولى لموافقتها ظاهر القرآن لأن فيه ﴿وإن تظاهرا عليه﴾ [التحريم: ٤] فهما ثنتان لا أكثر قال: فكأن الأسماء انقلبت على راوي الرواية الأخرى، لكن اعترضه الكرماني فقال: متى جوّزنا هذا ارتفع الوثوق بأكثر الروايات وفي تفسير السدّي أن شرب العسل كان عند أُم سلمة أخرجه الطبري وغيره وهو مرجوح لإرساله وشذوذه انتهى ملخصًا من الفتح. قالت عائشة: (فقلت أما) بفتح الهمزة وتخفيف الميم (والله لنحتالن له) أي لأجله (فقلت لسودة بنت زمعة أنه) ﷺ (سيدنو) أي يقرب (منك فإذا دنا منك فقولي) له: (أكلت مغافير فإنه سيقول لك لا فقولي له ما هذه الريح التي أجد منك) وسقط لفظ منك لأبي ذر (فإنه سيقول لك سقتني حفصة شربة عسل فقولي له جرست) بفتح الجيم والراء والسين المهملة أي رعت (نحله) أي نحل هذا العسل الذي شربته (العرفط) بضم العين المهملة والفاء بينهما راء ساكنة آخره مهملة الشجر الذي صمغه المغافير (وسأقول) أنا له (ذلك وقولي) له (أنت يا صفية) بنت حيي (ذاك) بكسر الكاف بلا لام ولأبي ذر ذلك أي قولي الكلام الذي علمته لسودة زاد يزيد بن رومان عن ابن عباس وكان رسول الله ﷺ أشد عليه أن توجد منه ريح كريهة لأنه يأتيه المَلَك (قالت) عائشة

стр. 6060

(تقول سودة) لي (فوالله ما هو إلا أن قام) ﷺ (على الباب فأردت أن أُبادئه) بالموحدة من المبادأة بالهمز ولابن عساكر أناديه بالنون بدل الموحدة (بما أمرتني به) من أن أقول له أكلت مغافير (فرقا) بفتح الفاء والراء خوفًا (منك، فلما دنا) ﵊ (منها قالت له سودة: يا رسول الله أكلت مغافير؟ قال): (لا) ما أكلتها (قالت) له: (فما هذه الريح التي أجد) ها (منك؟ قال) ﵊: (سقتني حفصة شربة عسل) وسقط لابن عساكر عسل (فقالت) سودة (جرست) رعت (نحله العرفط) شجر المغافير وقالت عائشة: (فلما دار إليّ) بتشديد الياء (قلت له) ﵊ وسقط لأبي ذر له (نحو ذلك) القول الذي قلت لسودة أن تقوله له (فلما دار إلى صفية قالت له مثل ذلك) عبّر بقوله نحو ذلك في إسناد القول لعائشة وبقوله مثل ذلك في إسناده لصفية لأن عائشة لما كانت المبتكرة لذلك عبّرت عنه بأي لفظ أرادت، وأما صفية فإنها مأمورة يقول ذلك فليس لها أن تتصرف فيه، ولكن وقع التعبير بلفظ مثل في الموضعين في رواية أبي أسامة فيحتمل أن يكون ذلك من تصرف الرواة (فلما دار إلى حفصة) في اليوم الآخر (قالت) له: (يا رسول الله: ألا) بالتخفيف (أسقيك منه)؟ من العسل (قال: لا حاجة لي فيه) لما وقع من توارد النسوة الثلاث على أنه نشأت له من شربه ريح كريهة فتركه حسمًا للمادّة (قالت) عائشة: (تقول سودة والله لقد حرمناه) بتخفيف الراء معناه ﷺ من العسل. قالت عائشة: (قلت لها) أي لسودة (اسكتي) لئلا يفشو ذلك فيظهر ما دبّرته لحفصة وهذا منها على مقتضى طبيعة النساء في الغيرة وليس بكبيرة بل صغيرة معفوّ عنها مكفّرة. ٩ - باب لَا طَلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ، وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: جَعَلَ اللَّهُ الطَّلَاقَ بَعْدَ النِّكَاحِ. وَيُرْوَى فِي ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ وَأَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ وَعَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ وَشُرَيْحٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالْقَاسِمِ وَسَالِمٍ وَطَاوُسٍ وَالْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ وَعَطَاءٍ وَعَامِرِ بْنِ سَعْدٍ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَنَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَمُجَاهِدٍ وَالْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَمْرِو بْنِ هَرِمٍ وَالشَّعْبِيِّ أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ. هذا (باب) بالتنوين (لا طلاق قبل النكاح) فلو قال لأجنبية: إن تزوّجتك فأنت طالق فلغو للحديث المروي عند أبي داود. وقال الترمذي: حسن صحيح لا طلاق إلا بعد نكاح، وللحاكم من رواية جابر: لا طلاق لمن لا يملك، وقال: صحيح على شرطهما أي لا طلاق واقع (وقول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات﴾) أي تزوّجتم والنكاح هو الوطء في الأصل

стр. 6061

وتسمية العقد نكاحًا لملابسته له من حيث إنه طريق له كتسمية الخمر إثمًا لأنها سببه ولم يرد لفظ النكاح في القرآن إلا في معنى العقد لأنه في معنى الوطء من باب التصريح به ومن آداب القرآن الكناية عنه (﴿ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدّة تعتدّونها فمتعوهن وسرحوهن سراحًا جميلًا﴾) [الأحزاب: ٤٩] ولا تمسكوهن ضرارًا وسقط لأبي ذر قوله باب إلى آخر قوله وقول الله تعالى وثبت عنده: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ لكن قال الحافظ ابن حجر: إن لفظ الباب أيضًا ثابت عنده وذكر الآية إلى قوله: ﴿من عدّة﴾ وحذف الباقي وقال: الآية. قلت وكذا هو ثابت في اليونينية. (وقال ابن عباس) ﵄ فيما أخرجه أحمد: (جعل الله الطلاق بعد النكاح) وروى ابن خزيمة والبيهقي من طريقه عن سعيد بن جبير سئل ابن عباس عن الرجل يقول: إن تزوّجت فلانة فهي طالق فقال: ليس بشيء إنما الطلاق لما ملك، قالوا: فابن مسعود كان يقول: إذا وقت وقتًا فهو كما قال، قال: يرحم الله أبا عبد الرحمن لو كان كما قال لقال الله: إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن. (ويروى) ولابن عساكر وروي (في ذلك) أي في أن لا طلاق قبل النكاح (عن علي) ﵁ فيما رواه عبد الرزاق برجال ثقات من طريق الحسن البصري قال: سأل رجل عليًّا قال: قلت إن تزوّجت فلانة فهي طالق فقال عليّ: ليس بشيء لكن الحسن لم يسمع من علي، وقد روي مرفوعًا فيما أخرجه البيهقي وأبو داود عن علي قال: حفظت من رسول الله ﷺ لا طلاق إلا من بعد نكاح ولا يتم بعد احتلام (و) عن (سعيد بن المسيب) فيما رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن جريج بلفظ أخبرني عبد الكريم الجزري أنه سأل سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح عن طلاق الرجل ما لم ينكح فكلهم قال لا طلاق قبل أن ينكح إن سماها وإن لم يسمها (و) عن (عروة بن الزبير) بن العوّام مما رواه سعيد بن منصور بسند صحيح حدّثنا حماد بن زيد عن هشام بن عروة أن أباه كان يقول كل طلاق أو عتق قبل الملك فهو باطل (و) عن (أبي بكر بن عبد الرحمن) بن الحارث بن هشام (وعبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله بن عتبة) بن مسعود فيما رواه يعقوب بن سفيان والبيهقي من طريقه من رواية ابن الهاد عن المنذر بن علي بن الحكم أن ابن أخيه خطب ابنة عمه فتشاجروا في بعض الأمر فقال الفتى: هي طالق إن نكحتها حتى أكل الغضيض قال: والغضيض طلع النخل الذكر ثم ندموا على ما كان من الأمر، فقال المنذر: أنا آتيكم بالبيان من ذلك فانطلق إلى سعيد بن المسيب فذكر له، فقال ابن المسيب: ليس عليه شيء طلق ما لا يملك قال: ثم إني سألت عروة بن الزبير فقال مثل ذلك، ثم سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن فقال مثل ذلك، ثم سألت أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال: مثل ذلك، ثم سألت عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود فقال مثل ذلك، ثم سألت عمر بن عبد العزيز فقال: هل سألت أحدًا؟ قلت: نعم فسماهم قال: ثم رجعت إلى القوم فأخبرتهم.

стр. 6062

(و) عن (أبان بن عثمان) لكن قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على إسناد إليه بذلك (و) عن (عليّ بن حسين) المشهور بزين العابدين مما أخرجه في الغيلانيات بلفظ لا طلاق إلا بعد نكاح. (و) عن (شريح) القاضي فيما رواه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة من طريق سعيد بن جبير عنه قال: لا طلاق قبل نكاح وسنده صحيح. (و) عن (سعيد بن جبير) مما رواه ابن أبي شيبة أنه قال في الرجل يقول يوم أتزوج فلانة فهي طالق قال: ليس بشيء إنما الطلاق بعد النكاح، ورواه الدارقطني مرفوعًا من طريق أبي هاشم الرماني عن سعيد بن جبير عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه سئل عن رجل قال: يوم أتزوّج فلانة فهي طالق فقال: طلّق ما لا يملك. وفي سنده أبو خالد الواسطي وهو واهٍ. (و) عن (القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصدّيق (وسالم) وهو ابن عبد الله بن عمر مما رواه أبو عبيد في كتاب النكاح له عن هشيم ويزيد بن هارون كلاهما عن يحيى بن سعيد قال: كان القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وعمر بن عبد العزيز لا يرون الطلاق قبل النكاح وهذا إسناد صحيح وقد سقط لأبي ذر قوله والقاسم وسالم. (و) عن (طاوس) مما أخرجه عبد الرزاق عن معمر قال: كتب الوليد بن يزيد إلى أمراء الأمصار أن يكتبوا إليه بالطلاق قبل النكاح، وكان قد ابتلي بذلك فكتب إلى عامله باليمن فدعا ابن طاوس وإسماعيل بن شروس وسماك بن الفضل فأخبرهم ابن طاوس عن أبيه وإسماعيل بن شروس عن عطاء وسماك بن الفضل عن وهب بن منبّه أنهم قالوا: لا طلاق قبل النكاح. قال سماك من عنده: إنما النكاح عقدة تعقد والطلاق يحلّها فكيف تحل عقدة قبل أن تعقد؟. (و) عن (الحسن) فيما رواه عبد الرزاق بلفظ: لا طلاق قبل النكاح ولا عتق قبل الملك. (و) عن (عكرمة) فيما رواه الأثرم عن الفضل بن دكين عن سويد بن نجيح قال: سألت عكرمة مولى ابن عباس قلت رجل قالوا له تزوّج فلانة قال هي يوم أتزوّجها طالق كذا وكذا. قال: إنما الطلاق بعد النكاح. (و) عن (عطاء) مما رواه الطبراني في الأوسط عنه عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: "لا طلاق إلا بعد نكاح ولا عتق إلا بعد ملك". (و) عن (عامر بن سعد) هو البجلي الكوفي التابعي كما قاله في الفتح وجزم الكرماني أنه ابن سعد بن أبي وقاص قال ابن حجر: وفيه نظر، وتعقبه العيني بأن صاحب رجال الصحيحين لم يذكر عامر بن سعد البجلي فالظاهر أنه ابن أبي وقاص ولم يقف على إسناد هذا الأثر. (و) عن (جابر بن زيد) أبي الشعثاء البصري مما رواه سعيد بن منصور وفي رواية أبي ذر هنا وسالم أي ابن عبد الله بن عمر وقد سبق.

стр. 6063

(و) عن (نافع بن جبير) أي ابن مطعم (ومحمد بن كعب) القرظي مما وصله ابن أبي شيبة عنهما أنهما قالا: لا طلاق إلا بعد نكاح. (و) عن (سليمان بن يسار) مما وصله سعيد بن منصور (و) عن (مجاهد) مما وصله ابن أبي شيبة عن الحسن بن الرماح سألت سعيد بن المسيب ومجاهد وعطاء عن رجل قال: يوم أتزوج فلانة فهي طالق فكلهم قال ليس بشيء، وزاد سعيد أيكون سيل قبل مطر. (و) عن (القاسم بن عبد الرحمن) بن عبد الله بن مسعود مما رواه ابن أبي شيبة بلفظ لا طلاق إلا بعد نكاح. (و) عن (عمرو بن هرم) بفتح العين في الأوّل والهاء وكسر الراء والصرف في الثاني الأزدي من أتباع التابعين مما قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على مقالته موصولة إلا في كلام بعض الشرّاح أن أبا عبيد أخرجه من طريقه. (و) عن (الشعبي) عامر بن شراحيل (إنها لا تطلق) لكن رواه وكيع في مصنفه عن الشعبي قال: إن قال كل امرأة أتزوّجها فهي طالق فليس بشيء فإذا وقت لزمه، وقال الكرماني: ومقصود البخاري من تعداد هذه الجماعة الثلاثة والعشرين من الفقهاء الأفاضل الأشعار بأنه يكاد أن يكون إجماعًا على أنه لا تطلق المرأة قبل النكاح. وقال في الفتح: وقد تجوّز البخاري في نسبه جميع من ذكر عنهم إلى القول بعدم الوقوع مطلقًا مع أن بعضهم يفصل وبعضهم يختلف عليه ولعل ذلك هو النكتة بتصديره النقل عنهم بصيغة التمريض، والمسألة من الخلافيات الشهيرة وللعلماء فيها مذاهب الوقوع مطلقًا وعدم الوقوع مطلقًا، والتفصيل بين ما إذا عمّم أو عين والجمهور وهو قول الشافعي على عدم الوقوع. نعم حكى ابن الرفعة في كفايته عن أمالي أبي الفرج وكتاب الحناطي أن منهم من أثبت وقوع الطلاق، قال: واعلم أن بعض الشارحين للمسألة استدلّ بقوله ﷺ : "لا طلاق قبل النكاح" مقتصرًا على ذلك وهو غير كافٍ لأن من قال بوقوع الطلاق يقول بموجبه فإنه يقول الطلاق إنما يقع بعد النكاح انتهى. وأبو حنيفة وأصحابه بالوقوع مطلقًا لأن التعليق بالشرط يمين فلا تتوقف صحته على وجود ملك المحل كاليمين بالله تعالى وهذا لأن اليمين تصرف من الحالف في ذمة نفسه لأنه يوجب البرّ على نفسه والمحلوف به ليس بطلاق لأنه لا يكون طلاقًا إلا بعد الوصول إلى المحل وعند ذلك الملك واجب، وقال بالتفصيل جمهور المالكية فإن سمى امرأة أو طائفة أو قبيلة أو مكانًا أو زمانًا يمكن أن يعيش إليه لزمه واحترزوا بذلك عما لو قال: إلى مائتي سنة لا يلزمه شيء. وقال الشيخ خليل في توضيحه: ولو قال لأجنبية إن دخلت الدار فأنت طالق، فلا شيء عليه لعدم عصمتها، ولو قال إن تزوّجتك فأنت طالق فالمشهور اعتباره. وروى ابن وهب عن مالك أنه لا يلزمه قال في الاستذكار وروي على نحو هذا القول أحاديث إلا أنها عند أهل الحديث معلولة ومنهم من

стр. 6064

يصحّح بعضها وأحسنها ما خرّج قاسم قال رسول الله ﷺ : "لا طلاق إلا بعد نكاح" ولأبي داود: لا طلاق إلا فيما يملك. قال البخاري: وهو أصح شيء في الطلاق قبل النكاح. وأجيب عنها: بأنّا نقول بموجبها لأن الذي دلّ عليه الحديث إنما هو انتفاء وقوع الطلاق قبل النكاح ونحن نقول به ومحل النزاع إنما هو التزام الطلاق. ١٠ - باب إِذَا قَالَ: لاِمْرَأَتِهِ وَهْوَ مُكْرَهٌ: هَذِهِ أُخْتِي، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِسَارَةَ هَذِهِ أُخْتِي، وَذَلِكَ فِي ذَاتِ اللَّهِ » هذا (باب) بالتنوين (إذا قال لامرأته وهو) أي والحال أنه (مكره هذه أختي فلا شيء عليه) من طلاق ولا ظهار (قال النبي ﷺ قال إبراهيم) الخليل ﷺ (لسارة) زوجته أم إسحاق لما طلبها ذلك الجبار وخاف أن يقتله (هذه أختي وذلك في ذات الله وكان من شأنهم أن لا يقربوا الخلية إلا بخطبة ورضا بخلاف المتزوّجة فكانوا يغتصبونها من زوجها إذا أحبوا ذلك. ١١ - باب الطَّلَاقِ فِي الإِغْلَاقِ وَالْكُرْهِ وَالسَّكْرَانِ وَالْمَجْنُونِ وَأَمْرِهِمَا وَالْغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ فِي الطَّلَاقِ وَالشِّرْكِ وَغَيْرِهِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» وَتَلَا الشَّعْبِيُّ ﴿لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ وَمَا لَا يَجُوزُ مَنْ إِقْرَارِ الْمُوَسْوِسِ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلَّذِي أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ: «أَبِكَ جُنُونٌ»؟ وَقَالَ عَلِيٌّ: بَقَرَ حَمْزَةُ خَوَاصِرَ شَارِفَيَّ فَطَفِقَ النَّبِيُّ ﷺ يَلُومُ حَمْزَةَ، فَإِذَا حَمْزَةُ قَدْ ثَمِلَ مُحْمَرَّةٌ عَيْنَاهُ. ثُمَّ قَالَ حَمْزَةُ: هَلْ أَنْتُمْ إِلاَّ عَبِيدٌ لأَبِي؟ فَعَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ قَدْ ثَمِلَ، فَخَرَجَ وَخَرَجْنَا مَعَهُ. وَقَالَ عُثْمَانُ لَيْسَ لِمَجْنُونٍ وَلَا لِسَكْرَانَ طَلَاقٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: طَلَاقُ السَّكْرَانِ وَالْمُسْتَكْرَهِ لَيْسَ بِجَائِزٍ. وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: لَا يَجُوزُ طَلَاقُ الْمُوَسْوِسِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: إِذَا بَدَا بِالطَّلَاقِ فَلَهُ شَرْطُهُ. وَقَالَ نَافِعٌ: طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ إِنْ خَرَجَتْ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنْ خَرَجَتْ فَقَدْ بُتَّتْ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِيمَنْ قَالَ: إِنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ: يُسْأَلُ عَمَّا قَالَ وَعَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبُهُ حِينَ حَلَفَ بِتِلْكَ الْيَمِينِ، فَإِنْ سَمَّى أَجَلًا وَعَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبُهُ حِينَ حَلَفَ جُعِلَ ذَلِكَ فِي دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنْ قَالَ لَا حَاجَةَ لِي فِيكِ نِيَّتُهُ. وَطَلَاقُ كُلِّ قَوْمٍ بِلِسَانِهِمْ وَقَالَ قَتَادَةُ: إِذَا قَالَ: إِذَا حَمَلْتِ

стр. 6065

فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا يَغْشَاهَا عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ مَرَّةً، فَإِنِ اسْتَبَانَ حَمْلُهَا فَقَدْ بَانَتْ وَقَالَ الْحَسَنُ: إِذَا قَالَ الْحَقِي بِأَهْلِكِ نِيَّتُهُ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ الطَّلَاقُ عَنْ وَطَرٍ، وَالْعَتَاقُ مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: إِنْ قَالَ مَا أَنْتِ بِامْرَأَتِي نِيَّتُهُ، وَإِنْ نَوَى طَلَاقًا فَهْوَ مَا نَوَى وَقَالَ عَلِيٌّ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الْقَلَمَ رُفِعَ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ وَعَنِ الصَّبِىِّ حَتَّى يُدْرِكَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ. وَقَالَ عَلِيٌّ: وَكُلُّ الطَّلَاقِ جَائِزٌ إِلاَّ طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ. (باب) بيان حكم (الطلاق في الإغلاق) بكسر الهمزة وسكون الغين المعجمة آخره قاف وهو الإكراه وسمي به لأن المكره كأنه يغلق عليه الباب ويضيق عليه حتى يطلق، وقيل العمل في الغضب وتمسك بهذا التفسير بعض متأخري الحنابلة القائلين، بأن الطلاق في الغضب لا يقع ولم يوجد عن أحد من متقدّميهم لكن ردّ هذا التفسير المطرزي والفارسي بأن طلاق الناس غالبًا إنما هو في حال الغضب ولو جاز عدم وقوع طلاق الغضبان لكان لكل أحد أن يقول كنت غضبان فلا يقع عليّ طلاق (و) حكم (المكره) بضم الميم وفتح الراء وفي اليونينية والكره بغير ميم وضم الكاف وسكون الراء (و) حكم (السكران و) حكم (المجنون وأمرهما) هل هو واحد أو مختلف (و) حكم (الغلط والنسيان) الواقعين (في الطلاق و) حكم (الشرك) إذا وقع من المكلّف ما يقتضيه غلطًا أو نسيانًا هل يحكم به أم لا وإذا كان لا يحكم عليه به فالطلاق كذلك (وغيره) أي غير الشرك مما هو دونه أو غير ما ذكر نحو الخطأ وسبق اللسان والهزل. وحكى ابن الملقن أن في بعض النسخ والشك بدل والشرك. قال الزركشي: وهو أليق. وقال ابن بطال: وهو الصواب لكن قال الحافظ ابن حجر: إنه لم يرها في شيء من النسخ التي وقف عليها، (لقول النبي ﷺ : الأعمال بالنية) بالإفراد (ولكل امرئ ما نوى) فإنما يعتبر ما ذكر من الإكراه وغيره مما سبق بالنية وإنما يتوجه على العاقل المختار العامد الذاكر. (وتلا الشعبي) عامر بن شراحيل قرأ قوله تعالى مستدلاًّ لعدم وقوع طلاق المخطئ والناسيّ: (﴿لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾) [البقرة: ٢٨٦] وهذا وصله هنا ابن السري الصغير في فوائده (و) بيان (ما لا يجوز من إقرار الموسوس) بسينين مهملتين وفتح الواو الأولى وكسر الثانية. (وقال النبي ﷺ : للذي أقرّ على نفسه) بالزنا (أبك جنون) فقال: لا، الحديث الآتي إن شاء الله تعالى في الحدود بمباحثه بعون الله وفضله. (وقال عليّ) ﵁: (بقر) بالموحدة والقاف المخففة شق (حمزة) بن عبد المطلب (خواصر شارفيَّ) بفتح الفاء وتشديد التحتية تثنية شارف الناقة المسنة (فطفق) شرع أو جعل

стр. 6066

(النبي ﷺ يلوم حمزة) على فعله ذلك (فإذا حمزة قد ثمل) بفتح المثلثة وكسر الميم سكر مبتدأ وخبر (محمرة عيناه) خبر بعد خبر (ثم قال حمزة) ﵁: (هل) ولأبي ذر وابن عساكر وهل (أنتم إلا عبيد لأبي فعرف النبي ﷺ أنه قد ثمل، فخرج) ﷺ من عند حمزة (وخرجنا معه) أي ولم يؤاخذه فتمسك به من قال بعدم مؤاخذة السكران بما يقع منه حال سكره من طلاق وغيره. وقد سبق هذا الحديث موصولًا في غزوة بدر من المغازي. (وقال عثمان) بن عفان ﵁: (ليس لمجنون ولا لسكران طلاق) وصله ابن أبي شيبة. (وقال ابن عباس) ﵄ مما وصله سعيد بن منصور وابن أبي شيبة بمعناه: (طلاق السكران والمستكره ليس بجائز) أي ليس بواقع إذ لا عقل للسكران المغلوب على عقله ولا اختيار للمستكره. (وقال عقبة بن عامر) الجهني (لا يجوز) أي لا يقع (طلاق الموسوس) لأن الوسوسة حديث النفس ولا مؤاخذة بما يقع في حديث النفس. (وقال عطاء) هو ابن أبي رباح مما سبق في الشروط في الطلاق (إذا) أراد أن يطلق و (بدأ بالطلاق) قبل الشروط بأن قال أنت طالق إن دخلت الدار (فله شرطه) كما في العكس بأن يقول إن دخلت الدار فأنت طالق فلا يلزم تقديم الشرط على الإطلاق بل يصح سابقًا ولاحقًا وإن قال ابتداء من غير ذكر شرط مقتصرًا عليه فأنت طالق وقال: أردت الشرط فسبق لساني إلى الجزاء لم يقبل منه ظاهرًا لأنه متّهم وقد خاطبها بصريح الطلاق والفاء تُزاد في غير الشرط وإن قال: إن دخلت الدار أنت طالق بحذف الفاء فهو تعليق. (وقال نافع) مولى ابن عمر لابن عمر: إذا (طلق رجل امرأته البتة) نصب على المصدر أي طلاقًا بائنًا (إن خرجت) أي من الدار ما حكمه (فقال ابن عمر) ﵄: (إن خرجت) أي من الدار (فقد بتّت منه) بضم الموحدة وتشديد الفوقية الأولى أي انقطعت منه فلا رجعة له فيها ولأبي ذر إن خرجت فقد بنت بموحدة مكسورة فنون ساكنة ففوقية مكسورة (وإن لم تخرج) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي وإن لم تخرجي منها (فليس بشيء) لعدم وجود الشرط. (وقال الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (فيمن قال: إن لم أفعل كذا وكذا فامرأتي طالق ثلاثًا يسأل عما قال وعقد عليه قلبه حين حلف بتلك اليمين فإن سمي أجلًا أراد وعقد عليه قلبه حين حلف جعل) بضم الجيم وكسر العين (ذلك في دينه وأمانته) أي يدين فيما بينه وبين الله تعالى، قال في الفتح: أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري مختصرًا ولفظه في الرجلين يحلفان بالطلاق والعتاق على أمر يختلفان فيه ولم تقم على واحد منهما بيّنة على قوله قال: يدينان ويحملان من ذلك ما تحملا.

стр. 6067

(وقال إبراهيم) النخعي (إن قال) لامرأته (لا حاجة لي فيك) تعتبر (نيته) فإن نوى الطلاق طلقت وإلاّ فلا رواه ابن أبي شيبة (وطلاق كل قوم بلسانهم) عجميًّا أو غيره وهذا وصله ابن أبي شيبة أيضًا. وقال في الروضة: ترجمة لفظ الطلاق بالعجمية وسائر اللغات صريح على المذهب لشهرة استعمالها في معناها عند أهل تلك اللغات كشهرة العربية عند أهلها وقيل وجهان ثانيهما أنها كناية. (وقال قتادة) بن دعامة مما وصله ابن أبي شيبة (إذا قال) الرجل لامرأته (إذا حملت فأنت طالق ثلاثًا، يغشاها) أي يجامعها (عند كل طهر مرة) واحدة (فإن استبان) ظهر (حملها فقد بانت) طلقت (منه) ثلاثًا وهو قول الجمهور، وقال المالكية: يحنث بالوطء من بعد التعليق استبان بها حمل أم لا. رواه ابن القاسم لأن الحمل موقوف على سبب والسبب بيد الحالف إن شاء أوقعه وإن شاء لم يوقعه وهو الوطء، واختلف بعد الوطء فقال في المدونة: يعجل عليه الطلاق بأثر الوطء. وقال ابن الماجشون: لا يعجل عليه وينتظر ثم يطؤها في كل طهر مرة، وقال أشهب: لا شيء عليه حتى يكون ما شرط، وقال ابن يونس: فوجه قول ابن القاسم أنه إذا وطئها صار حملها مشكوكًا فيه فيعجل الطلاق لأن كل من شك هل حنث أم لا فهو حانث، ووجه قول أشهب أن من أصله أنه لا يطلق إلا على من علق على آت لا بدّ منه، ووجه قول ابن الماجشون أنه لا يحصل الحمل من كل وطء فوجب أن لا تطلق عليه حتى يختبر أمر هذا الوطء ويمسك عن وطئها إذ لا يدري هل حملت منه أم لا، وسقط لأبي ذر لفظ منه وهذا وصله ابن أبي شيبة. (وقال الحسن) البصري فيما وصله عبد الرزاق (إذا قال) لامرأته: (الحقي) بكسر أوّله وفتح ثالثه وقيل عكسه (بأهلك نيته) إن نوى الطلاق وقع وإلاّ فلا. (وقال ابن عباس) ﵄ (الطلاق عن وطر) بفتحتين حاجة فلا يطلق الرجل إلا عند الحاجة كالنشوز (والعتاق ما أريد به وجه الله) فهو مطلوب دائمًا. (وقال الزهري) محمد بن مسلم (إن قال) لامرأته: (ما أنت بامرأتي) تعتبر (نيته وإن نوى طلاقًا فهو ما نوى) وهذا وصله ابن أبي شيبة عن عبد الأعلى عن معمر عن الزهري وكذا من طريق قتادة لكنه قال: إذا وجهها به وأراد الطلاق فواحدة وقال الحنفية: إذا قال لست لي بامرأة وما أنا لك بزوج ونوى الطلاق يقع عند أبي حنيفة. وقال صاحباه: لا لأن نفي النكاح ليس بطلاق بل كذب فهو كقوله: والله لم أتزوجك والله ما أنت لي بامرأة. وقال المالكية: إن قال لامرأته لست لي بامرأة أو ما أنت لي بامرأة أو لم أتزوجك فلا شيء عليه في ذلك إلا أن ينوي به الطلاق. (وقال علي) ﵁ فيما وصله البغوي في الجعديات عن علي بن الجعد عن شعبة عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس أن عمر أُتي بمجنونة قد زنت وهي حبلى فأراد أن يرجمها فقال له علي: (ألم تعلم) ولأبي ذر عن الكشميهني ألم تر (أن القلم رفع) وفي الجعديات أما

стр. 6068

بلغك أن القلم قد وضع (عن ثلاثة عن المجنون حتى يفيق) من جنونه (وعن الصبي حتى يدرك) الحلم (وعن النائم حتى يستيقظ) من نومه. ورواه جرير بن حازم عن الأعمش فصرّح فيه بالرفع أخرجه أبو داود وابن حبان من طريقه، وأخرجه النسائي من وجهين آخرين عن أبي ظبيان عن علي مرفوعًا وموقوفًا ورجح الموقوف على المرفوع، وقد أخذ بمقتضى هذا الحديث الجمهور فشرطوا في المطلق ولو بالتعليق أن يكون مكلفًا فلا يصح من غيره. (وقال علي) ﵁ فيما وصله البغوي في الجعديات أيضًا (وكل الطلاق) ولأبي ذر وكل طلاق (جائز إلا طلاق المعتوه) بفتح الميم وسكون العين المهملة وضم الفوقية وبعد الواو هاء، وفيه حديث مرفوع عند الترمذي من حديث أبي هريرة مرفوعًا "كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه المغلوب على عقله" لكنه من رواية عطاء بن عجلان وهو ضعيف جدًّا. والمعتوه كالمجنون في نقص العقل فمنه الطفل والمجنون والسكران، وقيل: المعتوه القليل الفهم المختلط الكلام الفاسد التدبير فهو كالمجنون لكنه لا يضرب ولا يشتم بخلاف المجنون، والعاقل من يستقيم كلامه وأفعاله إلا نادرًا، والمجنون ضدّه والمعتوه من يكون ذلك منه على السواء، وهذا يؤدّي إلى أن لا يحكم على أحد بالعته، والقول بأنه القليل الفهم إلى آخره أولى، وقيل من يفعل فعل المجانين عن قصد مع ظهور الفساد والمجنون بلا قصد والعاقل خلافهما وقد يفعل فعل المجانين على ظن الصلاح أحيانًا، وقد علم أن التصرفات لا تنفذ إلا ممن له أهلية التصرف ومدارها العقل والبلوغ خصوصًا ما هو دائر بين الضرر والنفع خصوصًا ما لا يحل إلا لانتفاء مصلحة ضده القائم كالطلاق فإنه يستدعي تمام العقل ليحكم به التمييز في ذلك الأمر ولم يكفّ عقل الصبي العاقل لأنه لم يبلغ الاعتدال بخلاف ما هو حسن لذاته بحيث لا يقبل حسنه السقوط وهو الإيمان حتى صحّ من الصبي العاقل، ولو فرض لبعض الصبيان المراهقين عقل جيد لا يعتبر في التصرفات لأن المدار البلوغ لانضباطه فتعلق به الحكم، وبهذا يبعد ما نقل عن ابن المسيب أنه إذا عقل الصبي الطلاق جاز طلاقه، وعن ابن عمر جواز طلاق الصبي ومراده العاقل، ومثله عن الإمام أحمد والله أعلم بصحة هذه النقول قاله الشيخ كمال الدين بن الهمام -رحمه الله تعالى-. وعن ابن عباس عند ابن أبي شيبة لا يجوز طلاق الصبي، وسبق في هذا الباب قول عثمان ليس لمجنون ولا لسكران طلاق وزيادة ابن عباس المستكره، وفي مسألة السكران خلاف عالٍ بين التابعين ومن بعدهم فقال بوقوعه من التابعين سعيد بن المسيب وعطاء والحسن البصري وإبراهيم النخعي وابن سيرين ومجاهد، بل قال به من الصحابة عثمان وابن عباس كما مرّ، وبه قال مالك والشافعي وأحمد، في رواية مشهورة عنه والحنفية فيصح منه مع أنه غير مكلف تغليظًا عليه ولأن صحته من قبيل ربط الأحكام بالأسباب كما قاله الغزالي في المستصفى، وأجاب عن قوله تعالى: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ [النساء: ٤٣] الذي استند إليه الجويني وغيره في تكليف السكران، لأن المراد به هو في أوائل السكر وهو المنتشي لبقاء عقله وانتفاء تكليف السكران لانتفاء الفهم الذي هو شرط التكليف، والمراد بالسكران الذي يصح طلاقه ونكاحه ونحوهما مَن زال

стр. 6069

عقله بما أثم به من شرب مُسكِر متعد بشربه. وقال ابن الهمام: وكونه زوال عقله بسبب هو معصية لا أثر له وإلا صحّت ردّته ولا تصح قلنا لما خاطبه الشرع في سكره بالأمر والنهي بحكم فرعي عرفنا أنه اعتبره كقائم العقل تشديدًا عليه في الأحكام الفرعية، وعقلنا أن ذلك يناسب كونه تسبب في زوال عقله بسبب محظور وهو مختار فيه، وعلى هذا اتفق فتاوى مشايخ المذهبين من الشافعية والحنفية بوقوع طلاق من غاب عقله بأكل الحشيشة وهي المسماة بورق القنب لفتواهم بحرمتها بعد أن اختلفوا فيها فأفتى المزني بحرمتها وأفتى أسد بن عمرو بحلّها لأن المتقدمين لم يتكلموا فيها بشيء لعدم ظهور شأنها فيهم فلما ظهر من أمرها من الفساد كثير وفشا، عاد مشايخ المذهبين إلى حرمتها وأفتوا بوقوع الطلاق ممن زال عقله بها إذا استعملها مختارًا أما إذا أكره على شرب مسكر ولم يعلم أنه مسكر فلا يقع طلاقه لعدم تعدّيه والرجوع في معرفة السكر إلى العرف، ولو قال: إنما شربت الخمر مكرهًا وثم قرينة أو لم أعلم أن ما شربته مسكر صدّق بيمينه قاله الأذرعي، وأما المكره فعند الشافعية لا يصح طلاقه لحديث: وما استكرهوا عليه، وحديث لا طلاق في إغلاق أي إكراه رواه أبو داود والحاكم، وصحح إسناده وحدّ الإكراه أن يهدّد المكره قادر على الإكراه بولاية أو تغلب عاجلًا ظلمًا وعجز المكره عن دفعه بهرب وغيره كاستغاثة بغيره وظنه أنه إن امتنع من فعل ما أكره عليه حقق ما هدده به ويحصل بتخويف بمحذور كضرب شديد أو إتلاف مال، ويختلف باختلاف طبقات الناس وأحوالهم فلا يحصل الإكراه بالتخويف بالعقوبة الآجلة كقوله: لأضربنك غدًا ولا بالتخويف المستحق كقوله لمن له عليه قصاص طلقها وإلاّ اقتصصت منك، فإن ظهر من المكره قرينة اختيار منه للطلاق كأن أكره على ثلاث من الطلقات أو على صريح أو تعليق أو طلاق مبهمة فخالف بأن وحّد أو ثنى أو كنى أو نجز أو طلق معينة وقع الطلاق وقال الحنفية: يقع طلاق المكره لأن المكره مختار في التكلم اختيارًا كاملًا في السبب إلا أنه غير راضٍ بالحكم لأنه عرف الشرّين فاختار أهونهما عليه. ٥٢٦٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ». وَقَالَ قَتَادَةُ: إِذَا طَلَّقَ فِي نَفْسِهِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ. وبه قال: (حدّثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي قال: (حدّثنا هشام) الدستوائي قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة (عن زرارة بن أوفى) العامري قاضي البصرة (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (إن الله تجاوز عن أمتي ما حدّثت به أنفسها) بالنصب على المفعولية يقال: حدّثت نفسي بكذا أو بالرفع على الفاعلية يقال: حدّثتني نفسي بكذا (ما لم تعمل) في العمليات (أو تتكلم) في القوليات (وقال قتادة) فيما وصله عبد الرزاق (إذا طلق) امرأته سرًّا (في نفسه فليس) طلاق ذلك (بشيء).

стр. 6070

٥٢٧٠ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهْوَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ إِنَّهُ قَدْ زَنَى فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَتَنَحَّى لِشِقِّهِ الَّذِي أَعْرَضَ فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ فَدَعَاهُ فَقَالَ: «هَلْ بِكَ جُنُونٌ؟ هَلْ أُحْصِنْتَ»؟ قَالَ: نَعَمْ فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُرْجَمَ بِالْمُصَلَّى فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ جَمَزَ حَتَّى أُدْرِكَ بِالْحَرَّةِ فَقُتِلَ. [الحديث ٥٢٧٠ - أطرافه في: ٥٢٧٢، ٦٨١٤، ٦٨١٦، ٦٨٢٠، ٦٨٢٦، ٧١٦٨]. وبه قال: (حدّثنا أصبغ) بن الفرج بالجيم المصري قال: (أخبرنا) بالجمع ولأبي ذر أخبرني (ابن وهب) عبد الله المصري (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو سلمة بن عبد الرحمن) ثبت ابن عبد الرحمن في رواية أبي ذر (عن جابر) هو ابن عبد الله الأنصاري ﵄ (أن رجلًا من أسلم) اسمه ماعز بكسر العين المهملة بعدها زاي ابن مالك الأسلمي (أتى النبي ﷺ وهو في المسجد فقال: إنه قد زنى فأعرض) ﷺ (فتنحى) بالحاء المهملة المشددة قصد (لشقه) بكسر الشين المعجمة (الذي أعرض) عنه بوجهه الكريم إلى جهته (فشهد على نفسه أربع شهادات) أي أقرّ على نفسه أربع مرات بأنه زنى، وسقط لفظ شهادات لابن عساكر (فدعاه) النبي ﷺ (فقال) له: (هل بك جنون)؟ وهذا هو الغرض من هذا الحديث إذ مقتضاه أنه لو كان مجنونًا ما كان يعمل بإقراره والمراد هل كان بك جنون أو هل تجنّ تارة وتفيق أخرى لأنه لما خاطبه كان مفيقًا أو الخطاب له والاستفهام للحاضرين (هل أحصنت)؟ بفتح الهمزة والصاد المهملة أو بضم الهمزة وكسر الصاد هل تزوجت قط (قال: نعم) تزوجت (فأمر به) ﷺ (أن يرجم بالمصلى) بفتح اللام المشددة التي كان يصلّي فيها العيد (فلما أذلقته) بفتح الهمزة وسكون الذال المعجمة وفتح اللام والقاف وسكون الفوقية أصابته (الحجارة) بحدّها وآلمته (جمز) بالجيم والميم والزاي المفتوحات أسرع هاربًا من القتل (حتى أدرك) بضم الهمزة وكسر الراء (بالحرة) بالحاء المهملة والراء المشددة المفتوحتين أرض ذات حجارة سود خارج المدينة (فقتل) بصيغة المجهول. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في المحاربين ومسلم في الحدود وكذا أبو داود والترمذي وأخرجه النسائي في الجنائز. ٥٢٧١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ فِي الْمَسْجِدِ فَنَادَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الآَخِرَ قَدْ زَنَى، يَعْنِي نَفْسَهُ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَتَنَحَّى لِشِقِّ وَجْهِهِ الَّذِي أَعْرَضَ قِبَلَهُ. فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الآَخِرَ قَدْ زَنَى، فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَتَنَحَّى لِشِقِّ وَجْهِهِ الَّذِي أَعْرَضَ قِبَلَهُ. فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ: فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَتَنَحَّى لَهُ الرَّابِعَةَ فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ

стр. 6071

دَعَاهُ فَقَالَ «هَلْ بِكَ جُنُونٌ»؟ قَالَ: لَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ» وَكَانَ قَدْ أُحْصِنَ. [الحديث ٥٢٧١ - أطرافه في: ٦٨١٥، ٦٨٢٥، ٧١٦٧]. وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (وسعيد بن المسيب أن أبا هريرة) ﵁ (قال: أتى رجل من أسلم) اسمه ماعز وأسلم قبيلة (رسول الله ﷺ وهو في المسجد) الواو للحال (فناداه فقال: يا رسول الله إن الآخر) بفتح الهمزة المقصورة وكسر الخاء المعجمة قال عياض: ومدّ الهمزة خطأ وكذا فتح الخاء أي المتأخر عن السعادة المدبر أو الأرذل أو اللئيم (قد زنى يعني نفسه فأعرض) ﷺ (عنه فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قبله) بكسر القاف وفتح الموحدة جهته قال الخطابي: تنحّى تفعّل من نحا إذا قصد أي قصد الجهة التي إليها وجهه ونحا نحوها (فقال: يا رسول الله إن الآخر قد زنى فأعرض عنه فتنحى لشق وجهه الذي) ولابن عساكر لشقه الذي (أعرض قبله فقال له ذلك): إن الآخر قد زنى (فأعرض عنه فتنحى) الرجل (له الرابعة فلما شهد على نفسه) بالزنا (أربع شهادات دعاه فقال) له: (هل بك جنون)؟ قال النووي: إنما قال هل بك جنون ليحقق حاله فإن الغالب أن الإنسان لا يصرّ على إقرار ما يقتضي هلاكه، وفيه إشارة إلى أن إقرار المجنون باطل (قال: لا) ما بي جنون (فقال النبي ﷺ : اذهبوا به) الباء للتعدية أو للحال أي اذهبوا مصاحبين له (فارجموه. وكان قد أحصن) بضم الهمزة وكسر الصاد. ٥٢٧٢ - وَعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيَّ قَالَ: كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّى بِالْمَدِينَةِ فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ، جَمَزَ حَتَّى أَدْرَكْنَاهُ بِالْحَرَّةِ فَرَجَمْنَاهُ حَتَّى مَاتَ. (وعن الزهري) عطف على قوله في السند السابق شعيب عن الزهري إلى آخره أنه (قال: أخبرني) بالإفراد، ولأبي ذر وابن عساكر: فأخبرني بالفاء والإفراد (من سمع جابر بن عبد الله الأنصاري) أبهم الراوي عنه فيحتمل أنه أبو سلمة الذي روى عنه أولًا وأن يكون غيره روى عنه (قال: كنت فيمن رجمه فرجمناه بالمصلى بالمدينة) فيه تقديم وتأخير أي فرجمناه بالمصلى فكنت فيمن رجمه أو يقدر فكنت فيمن أراد حضور رجمه فرجمناه (فلما أذلقته الحجارة) أي أقلقته وأوجعته وجواب لما قوله (جمز) أسرع هاربًا من القتل (حتى أدركناه بالحرة فرجمناه حتى مات) وزاد أبو داود والحاكم في حديث نعيم أنه ﷺ قال: "هلاّ تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه"، وهو حجة للشافعي ومن وافقه أن الهارب من الرجم إذا كان بالإقرار يكف عنه في الحال فإن رجع سقط عنه الحد وإلا حُدَّ.

стр. 6072

وحديث الباب هذا أخرجه مسلم في الحدود والنسائي في الرجم. ١٢ - باب الْخُلْعِ، وَكَيْفَ الطَّلَاقُ فِيهِ؟ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَن لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ وَأَجَازَ عُمَرُ الْخُلْعَ دُونَ السُّلْطَانِ. وَأَجَازَ عُثْمَانُ الْخُلْعَ دُونَ عِقَاصِ رَأْسِهَا. وَقَالَ طَاوُسٌ: ﴿إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ فِيمَا افْتَرَضَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فِي الْعِشْرَةِ وَالصُّحْبَةِ، وَلَمْ يَقُلْ قَوْلَ السُّفَهَاءِ لَا يَحِلُّ حَتَّى تَقُولَ: لَا أَغْتَسِلُ لَكَ مِنْ جَنَابَةٍ. (باب الخلع) بضم الخاء المعجمة وسكون اللام مأخوذ من الخلع بفتح الخاء وهو النزع سمي به لأن كلاًّ من الزوجين لباس الآخر في المعنى. قال تعالى: ﴿هنّ لباس لكم وأنتم لباس لهن﴾ [البقرة: ١٨٧] فكأنه بمفارقة الآخر نزع لباسه وضم مصدره تفرقة بين الحسي والمعنويّ. (وكيف الطلاق فيه) أي حكمه هل يقع بمجرده أو بذكر الطلاق باللفظ أو بالنية خلاف وتعريف الخلع فراق زوج يصح طلاقه لزوجته بعوض يحصل لجهة الزوج بلفظ طلاق وخلع والمراد ما يشملهما وغيرهما من ألفاظ الطلاق والخلع صريحًا وكناية كالفراق والإبانة والمفاداة وخرج بجهة الزوج تعليق طلاقها بالبراءة عما لها على غيره فيقع الطلاق في ذلك رجعيًّا فإن وقع بلفظ الخلع ولم ينوِ به طلاقًا فالأظهر أنه طلاق ينقص العدد، وكذا إن وقع بلفظ الطلاق مقرونًا بالنية، وقد نص في الإملاء أنه من صرائح الطلاق، وفي قول إنه فسخ وليس بطلاق لأنه فراق حصل بمعاوضة فأشبه ما لو اشترى زوجته، ونص عليه في القديم وصح عن ابن عباس فيما أخرجه عبد الرزاق وهو مشهور مذهب الإمام أحمد لحديث الدارقطني عن طاوس عن ابن عباس الخلع فرقة وليس بطلاق أما إذا نوى به الطلاق فهو طلاق قطعًا عملًا بنيته فإن لم ينوِ به طلاقًا لا تقع به فرقة أصلًا كما نص عليه في الأم وقوّاه السبكي، فإن وقع الخلع بمسمى صحيح لزم أو بمسمى فاسد كخمر وجب مهر المثل. (وقول الله تعالى): بالجر عطفًا على الخلع المضاف إليه الباب ولأبي ذر: وقوله : (﴿ولا يحل لكم﴾) أيها الأزواج أو الحكام لأنهم الآمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم فكأنهم الآخذون والمؤتون (﴿أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا﴾) مما أعطيتموهن من المهور (﴿إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله﴾) [البقرة: ٢٢٩] أي إلا أن يعلم الزوجان ترك إقامة حدود الله فيما يلزمهما من مواجب الزوجية لما يحدث من نشوز المرأة وسوء خلقها وسياق الآية إلى حدود الله لأبي ذر ولغيره إلى قوله شيئًا ثم قال: إلى قوله: ﴿الظالمون﴾ [البقرة: ٢٢٩] وتمام المراد من الآية في قوله: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ [البقرة: ٢٢٩] أي لا جناح على الرجل فيما أخذ ولا عليها فيما افتدت به نفسها واختلعت من بذل ما أوتيت من المهر وفيه مشروعية الخلع وقد أجمع عليه العلماء خلافًا لبكر بن عبد الله المزني التابعي، فإنه قال بعدم حل أخذ شيء من الزوجة

стр. 6073

عوضًا عن فراقها محتجًّا بقوله تعالى: ﴿فلا تأخذوا منه شيئًا﴾ [النساء: ٢٠] فأورد عليه ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت﴾ [البقرة: ٢٢٩] فأجاب بأنها منسوخة بآية النساء وأجيب بقوله تعالى في سورة النساء أيضًا ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا فكلوه﴾ [النساء: ٤] وبقوله تعالى فيها: ﴿فلا جناح عليهما أن يصلحا﴾ [النساء: ١٢٨] الآية، وقد انعقد الإجماع بعده على اعتباره وأن آية النساء مخصوصة بآية البقرة وبآيتي النساء الأُخريين، وقد تمسك بالشرط من قوله تعالى: ﴿فإن خفتم﴾ من منع الخلع إلا إن حصل الشقاق بين الزوجين معًا والجمهور على الجواز على الصداق وغيره، ولو كان أكثر منه لكن تكره الزيادة عليه كما في الإحياء، وعند الدارقطني عن عطاء أن النبي ﷺ قال: لا يأخذ الرجل من المختلعة أكثر مما أعطاها ويصح في حالتي الشقاق والوفاق فذكر الخوف في قوله: ﴿إلا أن يخافا﴾ جري على الغالب ولا يكره عند الشقاق أو عند كراهتها له لسوء خلقه أو دينه أو عند خوف تقصير منها في حقه أو عند حلفه بالطلاق الثلاث من مدخول بها على فعل ما لا بدّ له من فعله وإن أكرهها بالضرب ونحوه على الخلع فاختلعت لم يصح للإكراه ووقع الطلاق، رجعيًّا إن لم يسمّ المال فإن سماه أو قال طلقتك بكذا وضربها لتقبل فقبلت، لم يقع الطلاق لأنها لم تقبل مختارة والله أعلم. (وأجاز عمر) ﵁ (الخلع دون) حضور (السلطان) الإمام الأعظم أو نائبه أو بغير إذنه وصله ابن أبي شيبة في مصنفه، ولفظه كما قرأته فيه: أُتي بشر بن مروان في خلع كان بين رجل وامرأته فلم يجزه فقال له عبد الله بن شهاب الخولاني شهدت عمر بن الخطاب أُتي بخلع كان بين رجل وامرأته فأجازه، قال في الفتح: وأراد البخاري بإيراد ذلك الإشارة إلى ما أخرجه سعيد بن منصور عن الحسن البصري قال: لا يجوز الخلع دون السلطان ولفظ ابن أبي شيبة قال هو عند السلطان واستدلّ له أبو عبيد بقوله تعالى: ﴿فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله﴾ [البقرة: ٢٢٩] وبقوله تعالى: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما﴾ [النساء: ٣٥] قال: فجعل الخوف لغير الزوجين ولم يقل فإن خافا قال: فالمراد الولاية وردّه النحّاس بأنه قول لا يساعده الإعراب ولا اللفظ ولا المعنى، وإذا كان الطلاق جائزًا دون الحاكم فكذلك الخلع وأما الآية فجرت على الغالب كما مرّ. (وأجاز عثمان) ﵁ (الخلع) ببذل كل ما تملك (دون عقاص رأسها) بكسر العين وفتح القاف آخره صاد مهملة الخيط الذي تعقص به أطراف رأسها. وهذا وصله أبو القاسم بن بشران في أماليه عن الربيع بنت معوذ قالت: اختلعت من زوجي بما دون عقاص رأسي فأجاز ذلك عثمان، وأخرجه البيهقي وقال في آخره: فدفعت إليه كل شيء حتى غلقت الباب بيني وبينه وعند ابن سعد فقال عثمان: يعني لزوج الربيع خذ كل شيء حتى عقاص رأسها. (وقال طاوس) فيما وصله عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرني ابن طاوس وقلت له:

стр. 6074

ما كان أبوك يقول في الفداء؟ قال: كان يقول ما قال الله تعالى: (﴿إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله﴾) أي (فيما افترض لكل واحد منهما على صاحبه في العشرة والصحبة) قال ابن طاوس: (ولم يقل) أي طاوس (قول السفهاء): القائلين أنه (لا يحلّ) الخلع (حتى تقول) الزوجة (لا أغتسل لك من جنابة) تريد منعه من وطئها فتكون حينئذٍ ناشزًا، بل أجازه إذا لم تقم بما افترض عليها لزوجها في العشرة والصحبة ولعله أشار إلى نحو ما روي عن الحسن في الآية، قال ذلك في الخلع إذا قالت لا أغتسل لك من جنابة رواه ابن أبي شيبة. وعن الشعبي فيما أخرجه سعيد بن منصور أن امرأة قالت لزوجها: لا أطيع لك أمرًا ولا أبرّ لك قسمًا ولا أغتسل لك من جنابة، قال: إذا كرهته فليأخذ منها وليخلّ عنها. ٥٢٧٣ - حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ جَمِيلٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتُبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ»؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً». قَالَ أَبُو عَبْدُ اللهِ لَا يُتَابَعُ فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. [الحديث ٥٢٧٣ - أطرافه في: ٥٢٧٤، ٥٢٧٥، ٥٢٧٦، ٥٢٧٧]. وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني (أزهر بن جميل) بفتح الجيم أبو محمد البصري لم يخرج عنه المؤلّف سوى هذا قال: (حدّثنا عبد الوهاب) بن عبد الحميد (الثقفيّ) بالمثلثة قال: (حدّثنا خالد) الحذاء (عن عكرمة عن ابن عباس) ﵄ (أن امرأة ثابت بن قيس) الأنصاري جميلة بنت أُبيّ ابن سلول الآتي ذكرها في هذا الباب مع اختلاف يذكر إن شاء الله تعالى، (أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعتب) بضم الفوقية وكسرها من العتاب وهو كما في القاموس وغيره الخطاب بالإدلال قال في الفتح: وفي رواية ما أعيب (عليه) بكسر العين وتحتية ساكنة بعدها (في خلق) بضم الخاء واللام (ولا دين) أي لا أريد فراقه لسوء خلقه ولا لنقصان دينه (ولكني أكره الكفر في الإسلام) أي إن أقمت عنده ربما أقع فيما يقتضي الكفر لا أنه يحملها عليه (فقال رسول الله ﷺ ¬) لها: (أتردِّين عليه حديقته) أي بستانه وكان أصدقها إياها (قالت: نعم) أردها عليه (قال رسول الله ﷺ ¬): لثابت زوجها (أقبل الحديقة وطلقها تطليقة) أمر إرشاد وإصلاح لا إيجاب (قال أبو عبد الله) المؤلّف: (لا يتابع) أزهر بن جميل (فيه) أي في الحديث (عن ابن عباس) لأن غيره أرسله ولم يذكر ابن عباس ومراده كما في الفتح خصوص طريق خالد الحذاء عن عكرمة وقوله: قال أبو عبد الله إلى آخره ثابت في رواية المستملي والكشميهني فقط. ٥٢٧٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ أُخْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ بِهَذَا وَقَالَ: «تَرُدِّينَ حَدِيقَتَهُ» قَالَتْ: نَعَمْ فَرَدَّتْهَا وَأَمَرَهُ يُطَلِّقْهَا. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ

стр. 6075

طَهْمَانَ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَطَلِّقْهَا. وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (إسحاق) بن شاهين (الواسطي) قال: (حدّثنا خالد) الطحان (عن خالد الحذاء) بالذال المعجمة المشددة والمد (عن عكرمة) مرسلًا لم يذكر ابن عباس (أن) جميلة (أخت عبد الله بن أبي) رأس المنافقين وظاهره أنها بنت أبي (بهذا) الحديث (وقال) لها ﷺ مستفهمًا: (تردِّين) عليه (حديقته؟ قالت: نعم) أردّها عليه (وأمره) ﵊ (يطلقها) بالجزم، وأورد المؤلّف هذا المرسل تقوية لقوله لا يتابع فيه عن ابن عباس مع التعريف بأن امرأة ثابت أخت عبد الله بن أبي على ما لا يخفى. (وقال إبراهيم بن طهمان) بفتح الطاء المهملة وسكون الهاء الهروي فيما وصله الإسماعيلي (عن خالد) الحذاء (عن عكرمة) مرسلًا أيضًا (عن النبي ﷺ و) قال فيه (طلقها) بالجزم الحديث كما مرّ. ٥٢٧٥ - وَعَنِ ابْنِ أَبِي تَمِيمَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَا أَعْتُبُ عَلَى ثَابِتٍ فِي دِينٍ، وَلَا خُلُقٍ وَلَكِنِّي لَا أُطِيقُهُ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ». قَالَتْ: نَعَمْ. (وعن ابن أبي تميمة) أي وقال ابن طهمان، عن أيوب، ولأبي ذر وابن عساكر: وعن أيوب بن أبي تميمة أي السختياني (عن عكرمة عن ابن عباس) ﵄ (أنه قال: جاءت امرأة ثابت بن قيس) الخزرجي (إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله أني لا أعتب على ثابت) زوجي (في دين ولا خلق) ظاهره أنه لم يصنع بها شيئًا يقتضي الشكوى منه بسببه، لكن في رواية النسائي من حديث الربيع بنت معوذ أنه كسر يدها فلعلها أرادت وإن كان سيئ الخلق لكنها ما تعيبه بذلك بل بشيء غيره. وعند ابن ماجة من حديث عمرو بن شعيب عن جده أنه كان رجلًا دميمًا وفي رواية معمر بن سليمان عن فضيل عن أبي جرير عن عكرمة عن ابن عباس أول خلع كان في الإسلام امرأة ثابت بن قيس أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله لا يجتمع رأسي ورأس ثابت أبدًا إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدة فإذا هو أشدهم سوادًا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجهًا فقال: "أتردين عليه حديقته"؟ قالت: نعم وإن شاء زدته ففرق بينهما، والحاصل أنها لم تشك سوء خلقه ولا دينه بل مما ذكرت من سوء خلقته الموجب لبغضها له بحيث لا تطيق عشرته كما قالت (ولكني) ولأبي ذر عن المستملي ولكن (لا أطيقه) لكراهتي له بسبب ما ذكر وعند ابن ماجة لا أطيقه بغضًا (فقال رسول الله ﷺ ¬) لها: (فتردين) بالفاء العاطفة على مقدر (عليه حديقته قالت: نعم) زاد في حديث عمر: فقال ثابت: أيطيب ذلك يا رسول الله؟ قال: (نعم) ورواية ابن طهمان هذه وصلها الإسماعيلي.

стр. 6076

٥٢٧٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْمُخَرِّمِيُّ حَدَّثَنَا قُرَادٌ أَبُو نُوحٍ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَنْقِمُ عَلَى ثَابِتٍ فِي دِينٍ وَلَا خُلُقٍ، إِلاَّ أَنِّي أَخَافُ الْكُفْرَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ»؟ قَالَتْ: نَعَمْ فَرَدَّتْ عَلَيْهِ وَأَمَرَهُ فَفَارَقَهَا. وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (محمد بن عبد الله بن المبارك المخرّمي) بضم الميم وفتح الخاء المعجمة وكسر الراء المشددة الحافظ قاضي حلوان قال: (حدّثنا قراد) بضم القاف وفتح الراء المخففة لقب عبد الرحمن بن غزوان وكنيته (أبو نوح) من كبار الحفاظ له ما ينكر لكنهم وثقوه وليس له في البخاري سوى هذا الموضع قال: (حدّثنا جرير بن حازم) بالحاء المهملة والزاي (عن أيوب) السختياني (عن عكرمة عن ابن عباس ﵄) أنه (قال جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شماس) بفتح الشين المعجمة والميم المشدّدة وبعد الألف سين مهملة وسقط ابن شماس لابن عساكر (إلى النبي) ولأبي ذر إلى رسول الله (¬ ﷺ ، فقالت: يا رسول الله ما أنقم على ثابت في دين ولا خلق إلا أني أخاف الكفر) إن أقمت عنده لعلها تعني أنها لشدّة كراهتها له تكفر العشرة في تقصيرها لحقه وغير ذلك مما يتوقع من الشابة الجميلة المبغضة لزوجها أو خشيت أن تحملها شدّة كراهتها له على إظهار الكفر لينفسخ نكاحها منه (فقال رسول الله ﷺ ¬): (فتردين عليه حديقته) ولأبي ذر وابن عساكر تردّين استفهام محذوف الأداة وفي حديث عمر: وكان تزوّجها على حديقة نخل (قالت: نعم فردّتـ) ـها (عليه وأمره) ﷺ بفراقها (ففارقها) ولم يكن أمره ﷺ بفراقها أمر إيجاب وإلزام بالطلاق بل أمر إرشاد إلى ما هو الأصوب. ٥٢٧٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ جَمِيلَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وبه قال: (حدّثنا سليمان) بن حرب الواشحي قال: (حدّثنا حماد) هو ابن زيد (عن أيوب) السختياني (عن عكرمة) مرسلًا (أن جميلة، فذكر الحديث) كما مرّ واختلف فيه على أيوب فاتفق ابن طهمان وجرير على الوصل وخالفهما حماد فقال عن أيوب عن عكرمة مرسلًا ولم تسمّ امرأة ثابت إلا في هذه الرواية. نعم قال في الثانية: "إن أخت عبد الله بن أبي، ويؤيده ما عند ابن ماجة والبيهقي من رواية قتادة عن عكرمة عن ابن عباس أن جميلة بنت سلول جاءت الحديث، واختلف في سلول هل هي أم أبي أو امرأته! وعند النسائي والطبراني من حديث الربيع بنت معوّذ أن ثابت بن قيس ضرب امرأته فكسر يدها وهي جميلة بنت عبد الله بن أبي فأتى أخوها يشتكي إلى رسول الله ﷺ ، وقال ابن سعد أيضًا: جميلة بنت عبد الله بن أبي، وعند الدارقطني والبيهقي بسند قوي عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أن ثابت بن قيس بن شماس كانت عنده زينب بنت عبد الله بن أبي ابن سلول الحديث، فيحتمل أن يكون اسمها زينب ولقبها جميلة وإن لم يعمل

стр. 6077

بهذا الاحتمال فالموصول المعتضد يقول أهل النسب أن اسمها جميلة أصح، وبه جزم الدمياطي، وقال: إنها كانت أخت عبد الله بن عبد الله بن أبي شقيقته، أمهما خولة بنت المنذر بن حرام قال: وما وقع في البخاري من أنها بنت أبي وهم. وأجيب: بأن الذي وقع في البخاري أنها أخت عبد الله بن أبي وهي أخت عبد الله بلا شك من نسب أخوها في هذه الرواية إلى جدّه كما نسبت هي في رواية قتادة إلى جدّتها سلول، وروي في اسم امرأة ثابت أنها مريم المغالية، رواه النسائي وابن ماجة بفتح الميم وتخفيف الغين المعجمة نسبة إلى مغالة امرأة من الخزرج ولدت لعمرو بن مالك بن النجار ولده عديًّا فبنو عدي بن النجار يعرفون كلهم ببني مغالة، وقيل اسمها حبيبة بنت سهل أخرجه مالك في الموطأ وأصحاب السنن وصححه ابنا خزيمة وحبان فيحمل على التعدّد وأنهما قصتان وقعتا لامرأتين لشهرة الخبرين وصحة الطريقين واختلاف السياقين، وعند البزار من حديث عمر أن أول مختلعة في الإسلام حبيبة بنت سهل كانت تحت ثابت بن قيس ومقتضاه أن ثابتًا تزوّج حبيبة قبل جميلة. وذكر أبو بكر بن دريد في أماليه أن أوّل خلع كان في الدنيا أن عامر بن الظرب بفتح الظاء المعجمة وكسر الراء ثم موحدة زوّج ابنته من ابن أخيه عامر بن الحارث بن الظرب، فلما دخلت عليه نفرت منه فشكا إلى أبيها فقال: لا أجمع عليك فراق أهلك ومالك، وقد خلعتها منك بما أعطيتها، قال: فزعم العلماء أن هذا كان أوّل خلع في العرب انتهى ملخصًا من الفتح. ١٣ - باب الشِّقَاقِ، وَهَلْ يُشِيرُ بِالْخُلْعِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ؟ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ الآيَةَ (باب الشقاق) بكسر المعجمة (وهل يشير) الحكم أو الولي أو الحاكم إذا ترافعا إليه (بالخلع عند الضرورة) في ذلك ولابن عساكر عند الضرر أي الحاصل لأحد الزوجين أو لهما معًا. (وقوله تعالى) ولأبي ذر وقول الله ولابن عساكر وفي قوله: (﴿وإن خفتم شقاق بينهما﴾) أصله شقاقًا بينهما فأضيف الشقاق إلى الظرف على سبيل الاتساع كقوله تعالى: ﴿بل مكر الليل والنهار﴾ [سبأ: ٣٣] أصله بل مكر في الليل والنهار والشقاق العداوة والخلاف لأن كلاًّ منهما يفعل ما يشق على صاحبه أو يميل إلى شق أي ناحية غير شق صاحبه والضمير للزوجين ولم يجر لهما ذكر لذكر ما يدل عليهما وهو الرجال والنساء (﴿فابعثوا حكمًا من أهله﴾) رجلًا يصلح للحكومة والإصلاح بينهما (﴿وحكمًا من أهلها﴾) [النساء: ٣٥] (الآية) وإنما كان بعث الحكمين من أهلهما لأن الأقارب أعرف ببواطن الأحوال وأطلب للإصلاح ونفوس الزوجين أسكن إليهما فيبرزان ما في ضمائرهما من الحب والبغض وإرادة الصحبة والفرقة ويخلو كل حكم منهما بصاحبه أي موكله ويفهم مراده ولا يخفى حكم عن حكم شيئًا إذا اجتمعا وهما وكيلان لهما لا حاكمان لأن الحال قد يؤدّي إلى الفراق والبضع حق الزوج والمال حق الزوجة وهما رشيدان فلا يولى عليهما في حقهما فيوكل هو حكمه في الطلاق أو الخلع وتوكل هي حكمها في بذل العوض

стр. 6078

وقبول الطلاق به ويفرقان بينهما إن رأياه صوابًا، وقال المالكية: إذا اتفق الحكمان على الفرقة ينفذ من غير توكيل ولا إذن من الزوجين واقتصر في رواية أبي ذر على قوله: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما﴾ وقال: بعدها الآية وزاد في غير رواية ابن عساكر فقال: إلى قوله: ﴿خبيرًا﴾. ٥٢٧٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ بَنِي الْمُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُوا فِي أَنْ يَنْكِحَ عَلِيٌّ ابْنَتَهُمْ، فَلَا آذَنُ». وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن ابن أبي مليكة) هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي مليكة واسمه زهير المكي (عن المسور بن مخرمة الزهري) وسقط لغير أبي ذر الزهري أنه (قال: سمعت النبي ﷺ يقول): (إن بني المغيرة) في باب ذبّ الرجل عن ابنته في الغيرة من كتاب النكاح إن بني هشام بن المغيرة (استأذنوا) وفي رواية استأذنوني (في أن ينكح) بفتح أوله من نكح (علي) أي ابن أبي طالب (ابنتهم) جميلة أو جويرية أو العوراء بنت أبي جهل (فلا آذن) زاد في الباب المذكور: "إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم فإنما هي بضعة مني يريبني ما أرابها ويؤذيني ما آذاها". وفي رواية الزهري في الخمس: وأنا أتخوف أن تفتن في دينها. واستشكل وجه المطابقة بين الحديث والترجمة. وأجاب في الكواكب فأجاد بأن كون فاطمة ما كانت ترضى بذلك فكان الشقاق بينها وبين علي متوقعًا، فأراد النبي ﷺ دفع وقوعه بمنع عليّ من ذلك بطريق الإيماء والإشارة وقيل غير ذلك مما فيه من تكلف وتعسف. وهذا الحديث قد مرّ. ١٤ - باب لَا يَكُونُ بَيْعُ الأَمَةِ طَلَاقًا هذا (باب) بالتنوين (لا يكون بيع الأمة) المزوجة (طلاقًا) عند الجمهور ولأبي ذر عن المستملي طلاقها. ٥٢٧٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ: إِحْدَى السُّنَنِ أَنَّهَا أُعْتِقَتْ فَخُيِّرَتْ فِي زَوْجِهَا، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْبُرْمَةُ تَفُورُ بِلَحْمٍ، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ خُبْزٌ وَأُدْمٌ مِنْ أُدْمِ الْبَيْتِ، فَقَالَ: «أَلَمْ أَرَ الْبُرْمَةَ فِيهَا لَحْمٌ»؟ قَالُوا: بَلَى. وَلَكِنْ ذَلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، قَالَ: عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ. وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن عبد الله) الأويسي قال: (حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام

стр. 6079

(عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن) فقيه المدينة صاحب الرأي (عن القاسم بن محمد) أي ابن أبي بكر الصديق (عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ ¬) أنها (قالت: كان في بريرة) بفتح الموحدة وكسر الراء بعدها تحتية ساكنة فراء أخرى بوزن فعيلة من البرير وهو ثمر الأراك قيل اسم أبيها صفوان وإن له صحبة، وقيل إنها كانت نبطية، وقيل: قبطية (ثلاث سنن) بضم السين وفتح النون الأولى، قال في الكواكب: أي علم بسببها ثلاثة أحكام من الشريعة. (إحدى السُّنن) الثلاث (أنها أعتقت) بضم الهمزة وكسر التاء الفوقية وسقط لابن عساكر الهمزة من أعتقت (فخيرت) بضم الخاء (في) فسخ نكاح (زوجها) مغيث أو تدوم عنده في عصمته وفي رواية الدارقطني من طريق أبان بن صالح عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي ﷺ قال لبريرة: "اذهبي فقد عتق معك بضعك" وزاد ابن سعد من طريق الشعبي مرسلًا: فاختاري. وهذا موضع الترجمة لأنها لو طلقت بمجرد البيع لم يكن للتخيير فائدة وهذا قول الجمهور، وقال ابن مسعود وابن عباس وأُبي بن كعب فيما أخرجه ابن أبي شيبة بأسانيد فيها انقطاع يكون بيعها طلاقًا، وكذا قال سعيد بن المسيب والحسن ومجاهد فيما روي بأسانيد صحيحة، وأخرجه سعيد بن منصور بسند صحيح عن ابن عباس واحتجوا لذلك بظاهر قوله تعالى: ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: ٢٤] واحتج بحديث الباب ومن حيث النظر أنه عقد على منفعة فلا يبطله بيع الرقبة كما في العين المؤجرة والآية نزلت في المسبيات فهي المراد بملك اليمين على ما ثبت في الصحيح من سبب نزولها. (و) الثانية من السنن (قال) فيها (رسول الله ﷺ ¬) لما أرادت عائشة أن تثشريها، فقال أهلها: ويكون ولاؤها لنا: (الولاء لمن أعتق) وفي رواية إنما الولاء لمن أعتق بصيغة الحصر. (و) الثالثة من السنن (دخل رسول الله ﷺ ¬) حجرة عائشة ﵂ (والبرمة تفور) بالفاء (بلحم فقرب إليه خبز وأدم من أدم البيت) بضم القاف مبنيًّا للمفعول وخبز مفعول ناب عن الفاعل وأدم بضم الهمزة وسكون المهملة عطف عليه (فقال) رسول الله ﷺ : (ألم أرَ البرمة) ولابن عساكر برمة (فيها لحم؟ قالوا: بلى ولكن ذاك لحم تصدّق به على بريرة) بضم التاء الفوقية والصاد (وأنت لا تأكل الصدقة قال) ﷺ : (هو عليها صدقة ولنا هدية) أي حيث أهدته بريرة لنا لأن الصدقة يسوغ للفقير التصرف فيها بالبيع وغيره كتصرف سائر الملاك في أملاكهم ومفهومه أن التحريم إنما هو على الصفة لا على العين. ١٥ - باب خِيَارِ الأَمَةِ تَحْتَ الْعَبْدِ (باب خيار الأمة) إذا عتقت وهي (تحت العبد) أو المبعض قبل الدخول أو بعده ومفهومه أن الأمة إذا كانت تحت حر فعتقت لم يكن لها خيار.

стр. 6080

وهذا مذهب الشافعية، والمالكية، والجمهور لتضررها بالمقام تحته من جهة أنها تتعيّر به لأن العبد غير مكافئ للحرة في أكثر الأحكام فإذا عتقت ثبت لها الخيار من البقاء في عصمته أو المفارقة لأنها في وقت العقد عليها لم تكن من أهل الاختيار وأجيب بأن الكفاءة إنما تعتبر في الابتداء لا في البقاء. وقال الحنفية: يثبت لها الخيار إذا عتقت سواء كانت تحت حر أم عبد لأنها عند التزويج لم يكن لها رأي لاتفاقهم على أن لمولاها أن يزوّجها بغير رضاها، فإذا عتقت تجدّد لها حال لم يكن قبل ذلك. وأجيب: بأن ذلك لو كان مؤثرًا لثبت الخيار للبكر إذا زوّجها أبوها ثم بلغت رشيدة وليس كذلك، فكذلك الأمة تحت الحر فإنه لم يحدث لها بالعتق حال ترتفع به عن الحرّ ومنشأ الخلاف الاختلاف في ترجيح إحدى الروايتين المتعارضتين في زوج بريرة هل كان حين أعتقت حرًّا أو عبدًا، وفي ترجيح المعنى المعلل به، ففي حديث الباب وغيره من الصحيحين من حديث ابن عباس أنه كان عبدًا ولم تختلف الروايات عنه وتمسك الحنفية بحديث عائشة المروي في الصحيحين والسُّنن الأربعة، وقال الترمذي: حسن صحيح. قال الشيخ كمال الدين بن الهمام: والترجيح يقتضي في حديث عائشة ترجيج أنه كان حرًّا وذلك أن رواة هذا الحديث عن عائشة ثلاثة الأسود وعروة والقاسم، فأما الأسود فلم يختلف فيه عن عائشة أنه كان حرًّا وأما عروة فعنه روايتان صحيحتان إحداهما أنه كان حرًّا والأخرى بالشك ووجه آخر من الترجيح مطلق لا يختص بالمروي فيه عن عائشة وهو أن رواية خيرها ﷺ ، وكان زوجها عبدًا، يحتمل كون الواو فيه للعطف لا للحال، وحاصله أنه إخبار بالأمرين وكونه اتّصف بالرق لا يستلزم كون ذلك كان حال عتقها، هذا بعد احتمال أن يراد العبد العتيق مجازًا باعتبار ما كان وهو شائع في العرف، والذي لا مردّ له من الترجيح أن رواية كان حرًّا أنص من كان عبدًا وثبت زيادة فهي أولى وأيضًا فهي مثبتة وتلك كانت نافية للعلم بأنه كان حالته الأصلية الرقّ والنافي هو المبقيها والمثبت هو المخرج عنها انتهى. وحديث الأسود كما في الفتح اختلف فيه على راويه هل هو من قول الأسود أو رواه عن عائشة أو هو قول غيره قال إبراهيم بن أبي طالب أحد حفّاظ الحديث وهو من أقران مسلم فيما أخرجه البيهقي عنه: خالف الأسود الناس في زوج بريرة، وقال الإمام أحمد: إنما يصح أنه كان حرًّا عن الأسود وحده وصح عن ابن عباس وغيره أنه كان عبدًا، ورواه علماء المدينة، وإذا روى علماء المدينة شيئًا وعملوا به فهو أصحّ شيء وإذا عتقت الأمة تحت الحرّ فعقدها المتفق على صحته لا يفسخ بأمر مختلف فيه. ٥٢٨٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ وَهَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَأَيْتُهُ عَبْدًا، يَعْنِي زَوْجَ بَرِيرَةَ. [الحديث ٥٢٨٠ - أطرافه في: ٥٢٨١، ٥٢٨٢، ٥٢٨٣]. وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (وهمام) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى ابن يحيى البصري كلاهما (عن قتادة) بن دعامة (عن عكرمة عن

стр. 6081

ابن عباس) ﵄ أنه (قال: رأيته عبدًا يعني) مغيثًا (زوج بريرة) تمسك به بعض الحنفية فقال: إنه لا يدل على أنه كان عبدًا حين أعتقت بريرة فلا يتم الاستدلال به والاختلاف وقع في صفتين لا يجتمعان في حالة واحدة فنجعلهما في حالتين فنقول: كان عبدًا في حالة حرًّا في أخرى، فبالضرورة تكون إحدى الحالتين متأخرة عن الأخرى، وقد علم أن الرقّ تعقبه الحرية لا العكس، وحينئذٍ فثبت أنه كان حرًّا في الوقت الذي خيرت فيه وعبدًا قبل ذلك، وتعقب بأن محل طريق الجمع المذكور إذا تساوت الروايتان في القوة أما في التفرد في مقابلة الاجتماع فتكون الرواية المنفردة شاذة والشاذ مردود ولهذا لم يعتبر الجمهور طريق الجمع بين الروايتين مع قولهم: إنه لا يصار إلى الترجيح مع إمكان الجمع والذي يتحصل من كلام محقّقيهم، وقد أكثر منه الشافعي وأتباعه أن محل الجمع إذا لم يظهر الغلط في إحدى الروايتين، ومنهم من شرط التساوي في القوة. وعند الترمذي أنه كان عبدًا أسود يوم أعتقت وهذا يردّ قول من قال: كان عبدًا قبل العتق حرًّا بعده. وقد أخرج المؤلّف هذا الحديث مختصرًا من هذا الوجه بلفظ شعبة، وزاد الإسماعيلي من طريق عبد الصمد عن شعبة رأيته يبكي وأما لفظ همام، فأخرجه أبو داود من طريق عفان عنه بلفظ أن زوج بريرة كان عبدًا أسود يسمى مغيثًا فخيرها النبي ﷺ وأمرها أن تعتد، وقال أحمد: عدّة الحرة. ٥٢٨١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ذَاكَ مُغِيثٌ عَبْدُ بَنِي فُلَانٍ -يَعْنِي زَوْجَ بَرِيرَةَ- كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتْبَعُهَا فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ يَبْكِي عَلَيْهَا. وبه قال: (حدّثنا عبد الأعلى بن حماد) النرسي الباهلي مولاهم البصري قال: (حدّثنا وهيب) بضم الواو ابن خالد قال: (حدّثنا أيوب) السختياني ولابن عساكر عن أيوب (عن عكرمة عن ابن عباس) ﵄ أنه (قال: ذاك مغيث) بضم الميم وكسر الغين المعجمة وسكون التحتية بعدها مثلثة (عبد بني فلان) وعند الترمذي كان عبدًا أسود لبني المغيرة (يعني زوج بريرة كأني أنظر إليه يتبعها) بسكون الفوقية وفتح الموحدة (في سكك المدينة) بكسر السين المهملة أزقتها حال كونه (يبكي عليها) لما اختارت فراقه. ٥٢٨٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا أَسْوَدَ يُقَالُ لَهُ مُغِيثٌ، عَبْدًا لِبَنِي فُلَانٍ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ وَرَاءَهَا فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ. وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) البغلاني قال: (حدّثنا عبد الوهاب) الثقفي (عن أيوب) السختياني (عن عكرمة عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: كان زوج بريرة عبدًا أسود يقال

стр. 6082

له مغيث) بضم الميم وكسر المعجمة وبعد التحتية مثلثة كما مر وعند العسكري بفتح العين المهملة وتشديد التحتية آخره موحدة قال في الفتح: والأوّل أثبت وبه جزم ابن ماكولا وغيره وكان (عبدًا لبني فلان) وعند سعيد بن منصور وكان عبدًا لآل المغيرة من بني مخزوم (كأني أنظر إليه يطوف وراءها في سكك المدينة) وليس في هذه الرواية قوله في الأولى يبكي عليها وليس فيما ساقه في هذا الباب تصريح بالتخيير الذي ترجم له، لكنه جرى على عادته من الإشارة إلى ما في بعض طرق الحديث الذي يسوقه في الباب، وظاهر صنيعه يقتضي ترجيح رواية مَن روى أنه كان عبدًا كما جزم به في أوائل النكاح حيث قال: باب الحرة تحت العبد وساق الحديث. وأما ما ساقه في الفرائض عن حفص بن عمر عن شعبة وزاد في آخره قال الحكم وكان زوجها حرًّا ثم أورد بعده طريق منصور عن إبراهيم عن الأسود أن عائشة الحديث، وزاد فيه وخيرت فاختارت نفسها وقالت: لو أعطاني كذا وكذا ما كنت معه قال الأسود: وكان زوجها حرًّا، فقال البخاري: قول الأسود منقطع، وقول ابن عباس رأيته عبدًا أصح، وقال في الذي قبله في قول الحكم نحو ذلك، وقد قال الدارقطني في العلل: لم يختلف على عروة عن عائشة أنه كان عبدًا، وكذا قال جعفر بن محمد بن علي عن أبيه عن عائشة وأبو الأسود وأسامة بن زيد عن القاسم. وأما ما أخرجه القاسم بن أصبغ في تصنيفه وابن حزم من طريقه. قال: أخبرنا أحمد بن يزيد المعلم، وحدّثنا موسى بن معاوية عن جرير عن هشام عن أبيه عن عائشة كان زوج بريرة حرًّا فهو وهم من موسى أو من أحمد فإن الحفاظ من أصحاب هشام ثم أصحاب جرير قالوا: كان عبدًا منهم إسحاق بن راهويه رواه النسائي، وعثمان بن أبي شيبة رواه أبو داود، وعلي بن حجر رواه الترمذي، وأصله عند مسلم وأحال به على رواية أبي أسامة عن هشام وفيها أنه كان عبدًا ولم يختلف على ابن عباس في أنه كان عبدًا وجزم به الترمذي عن ابن عمر، وحديثه عند الشافعي والدارقطني وغيرهما. وأخرج النسائي بسند صحيح من حديث صفية بنت عبيد قالت: كان زوج بريرة عبدًا، وقال النووي: ويؤيد ذلك قول عائشة كان عبدًا ولو كان حرًّا لم يخيرها فأخبرت وهي صاحبة القصة بأنه كان عبدًا ثم علّلت بقولها ولو كان حرًّا لم يخيرها ومثل هذا لا يكاد أحد يقوله إلا توقيفًا انتهى ملخصًا من الفتح. ١٦ - باب شَفَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي زَوْجِ بَرِيرَةَ (باب شفاعة النبي ﷺ في زوج بريرة) لترجع إلى عصمته. ٥٢٨٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا يُقَالُ لَهُ مُغِيثٌ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا يَبْكِي وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ،

стр. 6083

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَبَّاسٍ: «يَا عَبَّاسُ أَلَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ، وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثًا». فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَوْ رَاجَعْتِيهِ». قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَأْمُرُنِي قَالَ: «إِنَّمَا أَنَا أَشْفَعُ». قَالَتْ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ. وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (محمد) هو ابن سلام البيكندي قال: (أخبرنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي قال: (حدّثنا خالد) الحذاء (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس) ﵄ (أن زوج بريرة كان عبدًا يقال له مغيث كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته) يترضاها لتختاره (فقال النبي- ﷺ لعباس) عمه: (يا عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة ومن بغض بريرة مغيثًا) لأن الغالب أن المحب لا يكون إلا حبيبًا. وعند سعيد بن منصور أن العباس كان كلم النبي ﷺ أن يطلب إليها في ذلك، وفي مسند الإمام أحمد أن مغيثًا توسل بالعباس في سؤال النبي ﷺ في ذلك، وظاهره أن قصة بريرة كانت متأخرة في السنة التاسعة أو العاشرة لأن العباس إنما سكن المدينة بعد رجوعهم من غزوة الطائف وذلك أواخر سنة ثمان، ويدل له أيضًا قول ابن عباس أنه شاهد ذلك وهو إنما قدم المدينة مع أبويه وهذا يردّ قول من قال إنها كانت قبل الإفك، وجوّز الشيخ تقي الدين السبكي أن بريرة كانت تخدم عائشة قبل شرائها أو اشترتها وأخّرت عتقها إلى ما بعد الفتح أو دام حزن زوجها عليها مدة طويلة أو حصل لها الفسخ وطلب أن تردّه بعقد جديد (فقال النبي ﷺ ¬) لها (لو راجعتيه) بمثناة تحتية بعد الفوقية في الفرع مصححًا عليها وقال الحافظ ابن حجر، وتبعه العيني بمثناة واحدة قال: ووقع في رواية ابن ماجة لو راجعتيه بإثبات تحتية ساكنة بعد المثناة وهي لغة ضعيفة، وتعقبه العيني فقال: إن صحّ هذا في الرواية فهي لغة فصيحة لأنها صادرة من أفصح الخلق انتهى. والذي في اليونينية بحذف التحتية مصححًا عليه. (قالت): ولابن عساكر فقالت: (يا رسول الله، تأمرني) بذلك؟ (قال): لا (إنما أنا أشفع) فيه لا على سبيل الحتم فلا يجب عليك وسقط لابن عساكر لفظ أنا (قالت): ولأبي ذر فقالت (لا) ولأبي ذر وابن عساكر: فلا (حاجة لي فيه). وفي هذا الحديث جواز الشفاعة من الحاكم عند الخصم في خصمه إذا ظهر حقه وإشارته عليه بالصلح أو الترك وحب المسلم للمسلمة وإن أفرط فيه ما لم يأت محرمًا وغير ذلك من فرائد الفوائد حتى قيل إنها تزيد على الأربعمائة. ١٧ - باب هذا (باب) بالتنوين من غير ترجمة. ٥٢٨٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ أن

стр. 6084

عَائِشَةَ أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ فَأَبَى مَوَالِيهَا إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطُوا الْوَلَاءَ، فَذَكَرَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». وَأُتِىَ النَّبِيُّ ﷺ بِلَحْمٍ، فَقِيلَ: إِنَّ هَذَا مَا تُصُدِّقَ عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَالَ: «هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ». وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن رجاء) الغداني البصري قال: (أخبرنا شعبة) بن الحجاج (عن الحكم) بفتحتين ابن عتيبة بضم العين المهملة وفتح الفوقية وسكون التحتية بعدها موحدة (عن إبراهيم) النخعي (عن الأسود) بن يزيد (أن عائشة) ﵂ (أرادت أن تشتري بريرة فأبى مواليها) ملاكها الذين باعوها (إلا أن يشترطوا الولاء) عليها لهم (فذكرت) عائشة (للنبي) ولأبي ذر وابن عساكر فذكرت ذلك للنبي (¬ ﷺ فقال) لها: (اشتريها وأعتقيها فإنما الولاء) على العتيق (لمن أعتق) لا لمن اشترط شرطًا ليس في كتاب الله (وأتي النبي ﷺ ¬) بضم همزة أُتي (بلحم فقيل) له ﵊: (إن هذا ما تصدق على) بضم الفوقية والصاد ولأبي ذر تصدق به على (بريرة فقال) ﵊: (هو لها) لبريرة (صدقة ولنا هدية) حيث أهدته لنا. وهذا الحديث صورته صورة الإرسال حيث قال الأسود: إن عائشة، لكن المؤلّف في كفارة الإيمان ذكره عن سليمان بن حرب عن شعبة فقال: فيه عن الأسود عن عائشة. ٠٠٠٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ وَزَادَ فَخُيِّرَتْ مِنْ زَوْجِهَا. وبه قال: (حدّثنا آدم) بن إياس قال: (حدّثنا شعبة) بسنده السابق (وزاد) فقال: (فخيرت) بضم الخاء وكسر التحتية المشددة (من زوجها) كذا أورده مختصرًا لم يذكر لفظه وذكره في الزكاة عن آدم بهذا الإسناد فلم يذكر هذه أي قوله فخيرت من زوجها، وأخرجه البيهقي من وجه آخر عن آدم شيخ البخاري فيه فجعل ذلك من قول إبراهيم ولفظه في آخره قال الحكم، وقال إبراهيم: وكان زوجها حرًّا فخيرت من زوجها. قال في الفتح، بعد سياقه لما مرّ: فظهر أن هذه الزيادة مدرجة وحذفها في الزكاة لذلك، وإنما أوردها هنا مشيرًا إلى أن أصل التخيير في قصة بريرة ثابت من طريق أخرى. ١٨ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ (باب قول الله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات﴾) أي لا تتزوّجوهن (﴿حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم﴾) [البقرة: ٢٢١] ولو كان الحال أن المشركة تعجبكم وتحبونها لجمالها ومالها. روى البغوي في تفسيره أن سبب نزولها أن مرثد بن أبي مرثد الغنوي بعثه رسول الله ﷺ إلى مكة ليخرج منها ناسًا من المسلمين سرًّا فلما قدمها سمعت امرأة مشركة يقال لها عناق، وكانت جليلة في الجاهلية فأتته وقالت: يا أبا مرثد ألا تخلو؟ فقال لها: ويحك يا

стр. 6085

عناق إن الإسلام قد حال بيننا وبين ذلك، قالت: فهل لك أن تتزوج بي؟ قال: نعم ولكن ارجع إلى رسول الله ﷺ فأستأمره فقالت: أبي تتبرم ثم استغاثت عليه فضربوه ضربًا شديدًا ثم خلوا سبيله فلما قضى حاجته بمكة وانصرف إلى رسول الله ﷺ فأعلمه الذي كان من أمره وأمر عناق وقال: يا رسول الله أيحل لي أن أتزوّجها؟ فأنزل الله تعالى الآية. ٥٢٨٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ نِكَاحِ النَّصْرَانِيَّةِ وَالْيَهُودِيَّةِ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْمُشْرِكَاتِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا أَعْلَمُ مِنَ الإِشْرَاكِ شَيْئًا أَكْبَرَ مِنْ أَنْ تَقُولَ الْمَرْأَةُ رَبُّهَا عِيسَى، وَهْوَ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ. وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا ليث) ولأبي ذر الليث هو ابن سعد الإمام (عن نافع أن ابن عمر) ﵄ (كان إذا سئل عن نكاح النصرانية واليهودية قال: إن الله حرّم المشركات على المؤمنين ولا أعلم من الإشراك شيئًا أكبر) بالموحدة، ولأبي ذر وابن عساكر: أكثر بالمثلثة بدل الموحدة (من أن تقول المرأة ربها عيسى) إشارة إلى قول النصارى المسيح ابن الله واليهود عزير ابن الله (وهو) أي عيسى (عبد من عباد الله) وهذا مصير من ابن عمر إلى استمرار حكم عموم آية البقرة السابقة ولعله كان يرى أن آية المائدة منسوخة، وبه جزم إبراهيم الحربي والجمهور على أن عموم آية البقرة خص بآية المائدة وهي قوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ [المائدة: ٥] أي التوراة والإنجيل وعن بعض السلف أن المراد بالمشركات عبدة الأوثان والمجوس، وقد قيل إن القائل من اليهود والنصارى العزير ابن الله والمسيح ابن الله طائفتان انقرضوا لا كلهم ويهود ديار مصر مصرحون بالتنزيه عن ذلك وبالتوحيد، وروى ابن المنذر أن ابن عمر شذ بذلك فقال: لا يحفظ عن أحد من الأوائل أنه حرم ذلك، لكن روى ابن أبي شيبة بسند حسن عن عطاء كراهية نكاح اليهودية والنصرانية وروي عن عمر أنه كان يأمر بالتنزه عنهن من غير أن يحرمهن لخلطة الكافرة وخوف الفتنة على الولد لأنه في صغره ألزم لأمه، ومثله قول مالك ﵀ تصير تشرب الخمر وهو يقبل ويضاجع لا لعدم الحل، ويدل على الحل تزوج بعض الصحابة منهم وخطبة بعضهم فمن المتزوّجين: حذيفة وطلحة وكعب بن مالك، وقد خطب المغيرة بن شعبة هند ابنة النعمان بن المنذر وكانت تنصرت وديرها باقٍ إلى اليوم بظاهر الكوفة وكانت قد عميت فأبت وقالت: أي رغبة لشيخ أعور في عجوز عمياء ولكن أردت أن تفخر بنكاحي فتقول: تزوّجت بنت النعمان بن المنذر. فقال: صدقت وأنشد: أدركت ما منيت نفسي خاليًا … لله درك يا ابنة النعمان فلقد رددت على المغيرة ذهنه … إن الملوك ذكية الأذهان في أبيات. والأئمة الأربعة على حل الكتابية الحرة وعلى المنع من غير أهل الكتابين من المجوس وإن

стр. 6086

كان لهم شبهة كتاب إذ لا كتاب بأيديهم، وكذا المتمسكون بصحف شيث وإدريس وإبراهيم وزبور داود لأنها لم تنزل بنظم يدرس ويتلى، وإنما أوحى إليهم معانيها وسائر الكفار كعبدة الشمس والقمر والصور والنجوم والمعطلة والزنادقة والباطنية، وفرق القفال بين الكتابية وغيرها بأن غيرها اجتمع فيه نقصان الكفر في الحال وفساد الدين في الأصل، والكتابية فيها نقص واحد وهو كفرها في الحال، وشرط أصحابنا الشافعية في حل نكاح الكتابية في إسرائيلية أن لا يعلم دخول أوّل آبائها في ذلك الدين بعد بعثة تنسخه وهي بعثة عيسى أو نبينا وذلك بأن علم دخوله فيه قبلها أو شك وإن علم دخوله فيه بعد تحريفه أو بعد بعثة لا تنسخه كبعثة من بين موسى وعيسى لشرف نسبهم بخلاف ما إذا علم دخوله فيه بعدها لسقوط فضيلته بها فإن لم تكن الكتابية إسرائيلية فالأظهر حلّها إن علم دخول أول آبائها في ذلك الدين قبل نسخه وتحريفه أو بعد تحريفه إن تجنبوا المحرّف. ١٩ - باب نِكَاحِ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْمُشْرِكَاتِ وَعِدَّتِهِنَّ (باب) حكم (نكاح من أسلم من المشركات و) حكم (عدّتهن). ٥٢٨٦ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى مَنْزِلَتَيْنِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ، كَانُوا مُشْرِكِي أَهْلِ حَرْبٍ يُقَاتِلُهُمْ وَيُقَاتِلُونَهُ، وَمُشْرِكِي أَهْلِ عَهْدٍ لَا يُقَاتِلُهُمْ وَلَا يُقَاتِلُونَهُ. وَكَانَ إِذَا هَاجَرَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَمْ تُخْطَبْ حَتَّى تَحِيضَ وَتَطْهُرَ، فَإِذَا طَهُرَتْ حَلَّ لَهَا النِّكَاحُ، فَإِنْ هَاجَرَ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ رُدَّتْ إِلَيْهِ، وَإِنْ هَاجَرَ عَبْدٌ مِنْهُمْ أَوْ أَمَةٌ فَهُمَا حُرَّانِ، وَلَهُمَا مَا لِلْمُهَاجِرِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ. مِثْلَ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ. وَإِنْ هَاجَرَ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ أَهْلِ الْعَهْدِ لَمْ يُرَدُّوا وَرُدَّتْ أَثْمَانُهُمْ. وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (إبراهيم بن موسى) الفراء الرازي الصغير قال: (أخبرنا هشام) أبو عبد الرحمن بن يوسف الصنعاني (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (وقال عطاء): قال الحافظ ابن حجر: معطوف على محذوف كأنه كان في جملة أحاديث حدّث بها ابن جريج عن عطاء ثم قال: وقال عطاء أي الخراساني: (عن ابن عباس) ﵄ (كان المشركون على منزلتين من النبي ﷺ و) من (المؤمنين) الأولى (كانوا مشركي أهل حرب يقاتلهم) النبي ﷺ (ويقاتلونه و) الثانية كانوا (مشركي أهل عهد) ولابن عساكر: عقد بالقاف بدل عهد بالهاء (لا يقاتلهم) صلوات الله عليه وسلامه (ولا يقاتلونه، وكان) بالواو ولأبي ذر فكان (إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب) إلى المدينة مسلمة (لم تخطب) بضم أوله وفتح الطاء مبنيًّا للمفعول (حتى تحيض) ثلاث حيض (وتطهر) لأنها صارت بإسلامها وهجرتها من الحرائر، وقال الحنفية: إذا خرجت المرأة إلينا مهاجرة وقعت الفرقة اتفاقًا وهل عليها عدّة فيها خلاف. عند أبي حنيفة:

стр. 6087

لا. فتتزوج في الحال إلا أن تكون حاملًا لا على وجه العدّة بل ليرتفع المانع بالوضع، وعند أبي يوسف ومحمد عليها العدّة، ووجه قول أبي حنيفة إن العدّة إنما وجبت إظهارًا لحظر النكاح المتقدم ولا حظر لملك الحربيّ بل أسقطه الشرع بالآية في المهاجرات ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ [الممتحنة: ١٠] جمع كافرة فلو شرطنا العدّة لزم التمسك بعقدة نكاحهن في حال كفرهن (فإذا طهرت) بضم الهاء (حلّ له النكاح فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح) تتزوج غيره (ردّت إليه) بالنكاح الأول (وإن هاجر عبد منهم) من أهل الحرب (أو أمة فهما حرّان ولهما ما للمهاجرين) من مكة إلى المدينة من تمام الإسلام والحرية. (ثم ذكر) عطاء (من) قصة (أهل العهد مثل حديث مجاهد) وهو قوله (وإن هاجر عبدًا وأمة للمشركين أهل العهد لم يردّوا) إليهم (وردت أثمانهم) إليهم وهذا من باب فداء أسرى المسلمين ولم يجز تملّكهم لارتفاع علة الاسترقاق التي هي الكفر فيهم. ٥٢٨٧ - وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَتْ قَرِيبَةُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَطَلَّقَهَا. فَتَزَوَّجَهَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَكَانَتْ أُمُّ الْحَكَمِ ابْنَةُ أَبِي سُفْيَانَ تَحْتَ عِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ الْفِهْرِيِّ فَطَلَّقَهَا فَتَزَوَّجَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ الثَّقَفِيُّ. (وقال عطاء) بالإسناد السابق: (عن ابن عباس) ﵄: (كانت قريبة) بضم القاف مصغرًا لأبي ذر وابن عساكر ولغيرهما تريبة بفتح القاف وكسر الراء وكذا ضبطه الدمياطي، وفي القاموس الوجهان وعبارته بالتصغير وقد تفتح (بنت) ولأبي ذر ابنة (أبي أمية) بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم أخت أم سلمة زوج النبي ﷺ (عند عمر بن الخطاب) ﵁ (فطلقها فتزوّجها معاوية بن أبي سفيان) وظاهر هذا كما في الفتح أنها لم تكن أسلمت في هذا الوقت وهو ما بين عمرة الحديبية وفتح مكة وفيه نظر، فقد ثبت بسند صحيح عند النسائي ما يقتضي أنها هاجرت قديمًا لكن يحتمل أنها جاءت إلى المدينة زائرة لأختها قبل أن تسلم أو كانت مقيمة عند زوجها عمر على دينها قبل أن تنزل الآية، لكن هذا يردّه ما روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري لما نزلت ﴿ولا تمسمكوا بعصم الكوافر﴾ [الممتحنة: ١٠] فذكر القصة وفيها فطلّق عمر امرأتين كانتا له بمكة، فهذا يردّ أنها كانت مقيمة ولا يردّ أنها جاءت زائرة ويحتمل أن يكون لأم سلمة أختان كلٌّ منهما تسمى قريبة تقدم إسلام إحداهما وتأخر إسلام الأخرى وهي المذكورة هنا، ويؤيده أن عند ابن سعد في طبقاته قريبة الصغرى بنت أبي أمية أخت أم سلمة تزوّجها عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق. (وكانت أم الحكم ابنة) ولأبي ذر بنت (أبي سفيان) أخت معاوية وأم حبيبة لأبيها (تحت عياض بن غنم) بفتح الغين المعجمة وسكون النون (الفهر) بكسر الفاء وسكون الهاء (فطلقها) حينئذٍ (فتزوّجها عبد الله بن عثمان الثقفي) بالمثلثة. واستشكل ترك ردّ النساء إلى أهل مكة مع وقوع الصلح بينهم وبين المسلمين في الحديبية على أن من جاء منهم إلى المسلمين ردوه ومن جاء من المسلمين إليهم لم يردوه. وأجيب: بأن حكم النساء منسوخ بآية ﴿يا

стр. 6088

أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات﴾ إذ فيها ﴿فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هنّ حِلٌّ لهم﴾ ثم قال: ﴿ذلكم حكم الله يحكم بينكم﴾ [الممتحنة: ١٠] أي في الصلح واستثناء النساء منه والأمر بهذا كله هو حكم الله بين خلقه والله عليم بما يصلح عباده، أو أن النساء لم يدخلن في أصل الصلح، ويؤيده ما في بعض طرق الحديث على أن لا يأتيك منا رجل إلا رددته إذ مفهومه عدم دخول النساء. ٢٠ - باب إِذَا أَسْلَمَتِ الْمُشْرِكَةُ أَوِ النَّصْرَانِيَّةُ تَحْتَ الذِّمِّيِّ أَوِ الْحَرْبِيِّ وَقَالَ عَبْدُ الْوَارِثِ: عَنْ خَالِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذَا أَسْلَمَتِ النَّصْرَانِيَّةُ قَبْلَ زَوْجِهَا بِسَاعَةٍ حَرُمَتْ عَلَيْهِ. وَقَالَ دَاوُدُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الصَّائِغِ سُئِلَ عَطَاءٌ عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ أَسْلَمَتْ ثُمَّ أَسْلَمَ زَوْجُهَا فِي الْعِدَّةِ أَهِيَ امْرَأَتُهُ؟ قَالَ: لَا، إِلاَّ أَنْ تَشَاءَ هِيَ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ وَصَدَاقٍ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِذَا أَسْلَمَ فِي الْعِدَّةِ يَتَزَوَّجُهَا، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ فِي مَجُوسِيَّيْنِ أَسْلَمَاهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا، وَإِذَا سَبَقَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ وَأَبَى الآخَرُ بَانَتْ لَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهَا، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ قُلْتُ لِعَطَاءٍ: امْرَأَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ جَاءَتْ إِلَى الْمُسْلِمِينَ أَيُعَاوَضُ زَوْجُهَا مِنْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ قَالَ: لَا إِنَّمَا كَانَ ذَاكَ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ أَهْلِ الْعَهْدِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هَذَا كُلُّهُ فِي صُلْحٍ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ. وهذا (باب) بالتنوين (إذا أسلمت المشركة) كوثنية (أو النصرانية) أو اليهودية (تحت الذمي أو الحربي) قبل أن يسلم هل تحصل الفرقة بينهما بمجرّد إسلامها أو يثبت لها الخيار أو يوقف في العدّة، فإن أسلم استمرّ النكاح وإلا وقعت الفرقة بينهما. قال الشافعية: إذا أسلم مشرك ولو غير كتابي كوثني ومجوسي وتحته حرة كتابية تحل له ابتداء استمر نكاحه لجواز نكاح المسلم لها أو كان تحته حرّة غير كتابية كوثنية وكتابية لا تحل له ابتداء وتخلفت عنه بأن لم تسلم معه أو أسلمت هي وتخلّف هو فإن كان قبل الدخول تنجزت الفرقة أو بعده وأسلم الآخر في العدّة استمر نكاحه، وإلا فالفرقة من الإسلام، والفرقة فيما ذكر فسخ لا طلاق ولو أسلما معًا قبل الدخول أو بعده استمرّ نكاحهما لتساويهما في الإسلام والمعية في الإسلام بآخر لفظ لأن به يحصل الإسلام لا بأوّله ولا بأثنائه، وقد جنح البخاري إلى أن الفرقة بمجرّد الإسلام وشرع يستدل لذلك فقال: (وقال عبد الوارث) بن سعيد (عن خالد) الحذاء (عن عكرمة عن ابن عباس) ﵄ (إذا أسلمت النصرانية قبل زوجها بساعة حرمت عليه). سواء دخل عليها أم لا وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة عن عباد بن العوّام عن خالد الحذاء بنحوه. (وقال داود) بن أبي الفرات بالفاء المضمومة والراء المخففة (عن إبراهيم) بن ميمون (الصائغ) المروزي أنه قال: (سئل عطاء) هو ابن أبي رباح (عن امرأة من أهل العهد) أي الذمة (أسلمت ثم

стр. 6089

أسلم زوجها) بعدها وهي (في العدة أهي امرأته؟ قال: لا. إلا أن تشاء هي بنكاح جديد وصداق) جديد أيضًا لأن الإسلام فرّق بينهما، وهذا وصله ابن أبي شيبة من وجه آخر عن عطاء بمعناه. (وقال مجاهد): هو ابن جبر فيما وصله الطبري من طريق ابن أبي نجيح عنه (إذا) أسلمت الزوجة ثم (أسلم) الزوج وهي (في العدة يتزوجها) ثم استدلّ المؤلّف لتقوية قول عطاء المذكور هنا بقوله (وقال الله تعالّى: ﴿لا هنّ حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾) [الممتحنة: ١٠] أي: لا حل بين المؤمنة والمشرك لوقوع الفرقة بينهما بخروجها مسلمة. (وقال الحسن) البصري ولابن عساكر باب بالتنوين وقال الحسن (وقتادة) بن دعامة فيما أخرجه ابن أبي شيبة (في مجوسيين) امرأة وزوجها (أسلماهما على نكاحهما، وإذا) بالواو ولأبي ذر فإذا (سبق أحدهما صاحبه) بالإسلام (وأبى الآخر) أن يسلم (بانت) منه وحينئذٍ (لا سبيل له عليها) إلا بخطبة. (وقال ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز فيما وصله عبد الرزاق: (قلت لعطاء امرأة من المشركين جاءت إلى المسلمين أيعاوض) بفتح الواو مبنيًّا للمفعول من المعاوضة ولأبي ذر وابن عساكر أيعاض بإسقاط الواو من العوض أي أيعطى (زوجها) المشرك (منها) عوض صداقها (لقوله تعالى: ﴿وآتوهم ما أنفقوا﴾) [الممتحنة: ١٠] المفسر بأعطوا أزواجهن مثل ما دفعوا إليهن من المهور (قال) عطاء (لا) يعاوض (إنما كان ذلك) المذكور في الآية من الإعطاء (بين النبي ﷺ وبين أهل العهد) من المشركين حين انعقد العهد بينهم عليه وأما اليوم فلا. (وقال) بالواو ولابن عساكر بإسقاطها (مجاهد) فيما وصله ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نجيح عنه في قوله تعالى: ﴿واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا﴾ [الممتحنة: ١٠] من ذهب من أزواج المسلمين إلى الكفار فليعطهم الكفار صداقهن وليمسكوهن ومن ذهب من أزواج الكفار إلى أصحاب محمد ﷺ فكذلك (هذا كله في صلح) كان (بين النبي ﷺ وبين قريش) ثم انقطع ذلك يوم الفتح. ٥٢٨٨ - حَدَّثَنَا يحيى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: كَانَتِ الْمُؤْمِنَاتُ إِذَا هَاجَرْنَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَمْتَحِنُهُنَّ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتنحة: ١٠] إِلَى آخِرِ الآيَةِ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا الشَّرْطِ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ فَقَدْ أَقَرَّ بِالْمِحْنَةِ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَقْرَرْنَ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِنَّ قَالَ لَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «انْطَلِقْنَ فَقَدْ بَايَعْتُكُنَّ لَا وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ، غَيْرَ أَنَّهُ بَايَعَهُنَّ بِالْكَلَامِ، وَاللَّهِ مَا أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى النِّسَاءِ إِلاَّ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ، يَقُولُ لَهُنَّ إِذَا أَخَذَ عَلَيْهِنَّ: «قَدْ بَايَعْتُكُنَّ» [كَلَامًا].

стр. 6090

وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن عبد الله بن بكير المخزومي المصري وسقط لغير أبي ذر لفظ يحيى قال: (حدثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين ابن خالد الأموي الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري ولفظ رواية عقيل هذه سبق أول الشروط (وقال إبراهيم بن المنذر): فيما وصله الذهلي في الزهريات (حدّثني) بالإفراد (ابن وهب) عبد الله قال: (حدّثني) بالإفراد أيضًا ولابن عساكر حدّثنا (يونس) بن يزيد الأيلي واللفظ لرواية يونس (قال ابن شهاب) الزهري: (أخبرني) بالتوحيد (عروة بن الزبير) بن العوّام (أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: كانت) ولابن عساكر كان (المؤمنات إذا هاجرن) من مكة (إلى النبي ﷺ ¬) قبل عام الفتح (يمتحنهن) يختبرهن فيما يتعلق بالإيمان فيما يرجع إلى الظاهر (بقول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات﴾) نصب على الحال (﴿فامتحنوهن﴾ إلى آخر الآية). وقوله إلى آخر الآية ساقط لابن عساكر. (قالت عائشة): بالإسناد السابق (فمن أقرّ بهذا الشرط) المذكور في آية الممتحنة وهو أن لا يشركن بالله إلى آخره (من المؤمنات) وعند الطبري من طريق العوفي عن ابن عباس قال: كان امتحانهن أن يشهدن أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله (فقد أقرّ بالمحنة) أي الامتحان الذي هو الإقرار بما ذكر (فكان رسول الله ﷺ إذا أقررن بذلك من قولهن، قال لهن رسول الله ﷺ ¬): (انطلقن فقد) أقررتن و (بايعتكن لا والله ما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة) في المبايعة (قط غير أنه بايعهن بالكلام والله ما أخذ رسول الله ﷺ على النساء إلا بما أمره الله يقول لهن إذا أخذ عليهن) عهد المبايعة (قد بايعتكن) على أن لا تشركن بالله شيئًا إلى آخره (كلامًا) من غير أن يضرب يده على يدهن كما كان يبايع الرجال. ٢١ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا﴾ رَجَعُوا ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦ و ٢٢٧] (باب قول الله تعالى: ﴿للذين يؤلون﴾) يقسمون وهي قراءة ابن عباس ﵄ ومن في (﴿من نسائهم﴾) متعلق بالجار والمجرور أي للذين كما تقول: لك مني نصرة ولك مني معونة أي للمولين من نسائهم (﴿تربص أربعة أشهر﴾) أي استقر للمولين ترقب أربعة أشهر لا بيؤلون لأن آلى يعدّى بعلى يقال: آلى فلان على امرأته، ويجوز أن يقال عدّي بمن لما في هذا القاسم من معنى البعد فكأنه قيل يبعدون من نسائهم مولين، وتربص مبتدأ خبره للذين، وآلى أصله أألى فأبدلت الثانية ألفًا لسكونها وانفتاح ما قبلها نحو آمن وإضافة التربص اللاحقة من إضافة المصدر لمفعوله على الاتساع في الظرف حتى صار مفعولًا به، وكان الإيلاء في الجاهلية طلاقًا فغيّر الشرع حكمه وخصّه بالحلف على الامتناع من وطء الزوجة مطلقًا أو أكثر من أربعة أشهر وهو

стр. 6091

حرام لما فيه من منع حق الزوجة في الوطء وأركانه حالف ومحلوف به ومحلوف عليه ومدة وصيغة وزوجة. فالحالف شرطه زوج مكلف مختار يتصور منه الجماع فلا يصح من أجنبي كسيد ولا من غير مكلف إلا السكران ولا من مكره ولا ممن لم يتصور منه الجماع كمجبوب. وشرطه في المحلوف به كونه اسمًا أو صفة الله تعالى كقوله: والله أو والرحمن لا أطؤك أو كونه التزام ما يلزم بنذر أو تعليق طلاق أو عتق كقوله: إن وطئتك فللّه عليّ صلاة أو حج أو صوم أو عتق، أو إن وطئتك فضُرّتك طالق أو فعبدي حر. وشرطه في المحلوف عليه ترك وطء شرعي فلا إيلاء بحلفه على امتناعه من تمتعه بها بغير وطء. وفي المدة زيادة على أربعة أشهر بأن يطلق كأن يقول والله لا أطؤك أو يؤبد كقوله: والله لا أطؤك أبدًا أو يقيد بزيادة على أربعة أشهر كقوله: والله لا أطؤك خمسة أشهر أو يقيد بمستبعد الحصول فيها كقوله: والله لا أطؤك حتى ينزل عيسى ابن مريم ﵊، أو حتى أموت، فلو قيد بالأربعة أو نقص عنها لا يكون إيلاء بل مجرد حلف لأن المرأة تصبر عن الزوج أربعة أشهر وبعدها يفنى صبرها أو يقل. وفي الصيغة لفظ يشعر بالإيلاء إما صريح كتغييب حشفة الرجل بفرج وجماع كقوله: والله لا أغيب حشفتي بفرجك أو لا أطؤك أو كناية كملامسة ومباضعة كقوله، والله لا ألامسك أو لا أباضعك. وفي الزوجة تصوّر وطء فلا يصح من رتقاء وقرناء (﴿فإن فاؤوا﴾) أي (رجعوا) إلى الوطء عن الإصرار بتركه (﴿فإن الله غفور رحيم﴾) حيث شرع الكفارة (﴿وإن عزموا الطلاق﴾) بترك الفيء (﴿فإن الله سميع﴾) لإيلائه (﴿عليم﴾) [البقرة: ٢٢٦ و ٢٢٧] بنيته وهو وعيد على إصرارهم وتركهم الفيئة، والمعنى عند إمامنا الشافعي رحمة الله عليه فإن فاؤوا وإن عزموا بعد مضيّ المدة لأن الفاء للتعقيب فيكون الفيء قبل مضيّ المدة وبعدها وعند مضيها يوقف إلى أن يفيء أو يطلق، وعبارته كما في المعرفة للبيهقي ظاهر كتاب الله يدل على أنه له أربعة أشهر ومن كانت له أربعة أشهر أجلًا له فلا سبيل عليه فيها حتى تنقضي الأربعة الأشهر كما لو أجلتني أربعة أشهر لم يكن لك أخذ حقك مني حتى تنقضي الأربعة الأشهر، ودل على أن عليه إذا مضت الأربعة الأشهر واحدًا من حكمين إما أن يفيء أو يطلق فقلنا بهذا وقلنا لا يلزمه طلاق بمضيّ أربعة أشهر حتى يحدث فيئة أو طلاقًا. قال: والفيئة الجماع إلا من عذر انتهى. وعند الحنفية الفيء في المدة لا غير، وأجاب الشيخ كمال الدين: بأن الفاء لتعقيب المعنى في الزمان في عطف المفرد كجاء زيد فعمرو وتدخل الجمل لتفصيل مجمل قبلها وغيره، فإن كانت

стр. 6092

للأوّل نحو: ﴿فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة﴾ [النساء: ١٥٣] ﴿ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي﴾ [هود: ٤٥] ونحو: توضأ فغسل وجهه ويديه ورجليه ومسح رأسه فلا تفيد ذلك التعقيب بل التعقيب الذكري بأن ذكر التفصيل بعد الإجمال وإن كانت لغيره، فكالأول كجاء زيد فقام عمرو، فكلٌّ من التعقيبين جائز الإرادة في الآية المعنوي بالنسبة إلى الايلاء، فإن فاؤوا بعد الإيلاء والذكري فإنه لما ذكر تعالى أن لهم من نسائهم أن يتربصوا أربعة أشهر من غير بينونة مع عدم الوطء كان موضع تفصيل الحال في الأمرين فقوله تعالى: ﴿فإن فاؤوا﴾ إلى قوله: ﴿سميع عليم﴾ واقع لهذا الغرض فيصح كون المراد فإن فاؤوا أي رجعوا عما استمروا عليه بالوطء في المدة المعدة تعقيبًا على الإيلاء التعقيب الذكري أو بعدها تعقيبًا على التربص فإن الله غفور رحيم لما حدث منهم من اليمين على الظلم وعقد القلب انتهى. وسياق الآية كله لابن عساكر، وقال في الفتح، لكريمة ولغيرهما بعد قوله: ﴿تربص أربعة أشهر﴾ إلى قوله: ﴿سميع عليم﴾ لكنه في الفرع رقم عليه علامة السقوط لأبي ذر. ٥٢٨٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ أَخِيهِ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: آلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ، وَكَانَتِ انْفَكَّتْ رِجْلُهُ، فَأَقَامَ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ ثُمَّ نَزَلَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آلَيْتَ شَهْرًا، فَقَالَ: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ». وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس) ابن أخت إمام دار الهجرة مالك بن أنس (عن أخيه) عبد الحميد بن أبي أويس (عن سليمان) بن بلال (عن حميد الطويل أنه سمع أنس بن مالك) ﵁ وسقط لابن عساكر ابن مالك (يقول: آلى) بمد الهمز حلف (رسول الله ﷺ ¬) أي شهرًا (من نسائه). وفي حديث ابن عباس أقسم أن لا يدخل عليهن شهرًا، وعند الترمذي برجال موثقين عن مسروق عن عائشة قالت: آلى رسول الله ﷺ من نسائه وحرّم فجعل الحرام حلالًا، لكن رجح الترمذي إرساله على وصله، وقد يتمسك بقوله فيه حرم من ادّعى أنه ﷺ امتنع من جماعهن وبه جزم ابن بطال وجماعة لكنه مردود بأن المراد بالتحريم تحريم شرب العسل أو تحريم وطء مارية. قال في الفتح: ولم أقف على نقل صريح أنه ﷺ امتنع من جماع نسائه وليس هذا من الإيلاء المقرر كما مرّ، ولذا استشكل إيراد المصنف لهذا الحديث هنا إذ إنه ليس من هذا الباب وقوّى ذلك ما أبداه البلقيني في تدريبه بأن الإيلاء المعقود له الباب حرام يأثم به من علم حاله فلا تجوز نسبته إلى النبي ﷺ . وأجيب: بأنه مبني على اشتراط ترك الجماع فيه، وقد روي عن حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة عدم اشتراط ترك الجماع. (وكانت انفكت رجله) ﷺ (فأقام في مشربة) بفتح الميم وسكون الشين المعجمة وضم الراء بعدها موحدة في غرفة (له تسعًا وعشرين) ليلة (ثم نزل) من الغرفة ودخل على أزواجه (فقالوا: يا رسول الله آليت) حلفت (شهرًا) ولأبي ذر عن الكشميهني ألبثت بهمزة الاستفهام وبعد اللام موحدة مكسورة فمثلثة ففوقية من الليث (فقال) ﷺ :

стр. 6093

(الشهر) المعهود (تسع وعشرون). ٥٢٩٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ يَقُولُ فِي الإِيلَاءِ الَّذِي سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى: لَا يَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدَ الأَجَلِ إِلاَّ أَنْ يُمْسِكَ بِالْمَعْرُوفِ أَوْ يَعْزِمَ بِالطَّلَاقِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ . وَقَالَ لِي إِسْمَاعِيلُ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، يُوقَفُ حَتَّى يُطَلِّقَ وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ حَتَّى يُطَلِّقَ. وَيُذْكَرُ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَعَائِشَةَ وَاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ . وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن نافع) مولى ابن عمر (أن ابن عمر ﵄ كان يقول في الإيلاء الذي سمى الله تعالى) في الآية السابقة (لا يحل لأحد بعد الأجل إلا أن يمسك بالمعروف) بأن يطأ (أو يعزم بالطلاق) ولأبي ذر وابن عساكر: الطلاق بإسقاط الجار (كما أمر الله بقوله: ﴿وإن عزموا الطلاق﴾ [البقرة: ٢٢٧] فإن امتنع من الفيئة والطلاق طلق عليه القاضي نيابة عنه على الأظهر والثاني لا يطلق عليه لأن الطلاق في الآية مضاف إليه بل يكرهه ليفيء أو يطلق، وقال الحنفية: إن فاء بالجماع قبل انقضاء المدة استمرت عصمته وإن مضت المدة وقع الطلاق بنفس مضي المدة قال المؤلّف: (وقال لي إسماعيل) بن أبي أويس المذكور (حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن نافع عن ابن عمر) ﵄ أنه قال: (إذا مضت أربعة أشهر) من حين الإيلاء (يوقف) الحكم والكشميهني يوقفه (حتى) يفيء أو (يطلق) بنفسه (ولا يقع عليه الطلاق) بانقضاء المدة (حتى يطلق) هو (ويذكر) بضم أوّله وفتح الكاف (ذلك) المذكور من الوقف حتى يطلق (عن عثمان) فيما وصله الشافعي وابن أبي شيبة من طريق طاوس عنه لكن في سماع طاوس من عثمان نظر نعم ورد ما يعضده إلا أنه جاء عن عثمان خلافه عند عبد الرزاق والدارقطني (وعلي) فيما وصله الشافعي وابن أبي شيبة بسند صحيح (وأبي الدرداء) فيما وصله ابن أبي شيبة وإسماعيل القاضي بسند صحيح إن ثبت سماع سعيد بن المسيب من أبي الدرداء (وعائشة) فيما أخرجه سعيد بن منصور بسند صحيح (واثني عشر رجلًا من أصحاب النبي ﷺ ¬) فيما أخرجه المؤلّف في تاريخه وهو قول مالك والشافعي وأحمد وسائر أصحاب الحديث. وأجاب الشيخ كمال الدين عن حديثي الباب بما أخرجه ابن أبي شيبة قال: حدّثنا أبو معاوية عن الأعمش عن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وابن عمر قالا: إذا آلى فلم يفيء حتى مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة قال: ورجال هذا السند كلهم أخرج لهم الشيخان فهم رجال الصحيح فينتهض معارضًا ولم يبق إلا قول من قال بأن أصح الحديث ما في الصحيحين ثم ما كان على شرطهما إلى آخر ما عرف. قال: وهذا تحكم محض لأنه إذا كان الفرض أن المروي

стр. 6094

على نفس الشرط المعتبر عندهما فلم يفته إلا كونه لم يكتب في خصوص أوراق معينة ولا أثر لذلك وقول البخاري أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر لم يوافق عليه فقد قال غيره غيره، وقال المحققون: إن ذلك يتعذر الحكم به وإنما يمكن بالنسبة إلى صحاب وبلد فيقال أصحها عن ابن عمر: مالك عن نافع عنه، وعن أبي هريرة: الزهري عن سعيد بن المسيب عنه، وأصح أسانيد الشاميين الأوزاعي عن حسان بن عطية عن الصحابة ونحو ذلك وأحسن من هذا الوقوف عن اقتحام هذه فإن في خصوص الموارد ما قد يلزم الوقوف عن ذلك. نعم قد يكون الراوي المعين أكثر ملازمة لمعين من غيره فيصير أدرى بحديثه وأحفظ له منه على معنى أنه أكثر إحاطة بأفراد متونه وأعلم بعادته في تحديثه وعند تدليسه إن كان وبقصده عند إبهامه وإرساله ممن لم يلازمه تلك الملازمة أما في فرد معين فرض أن غيره ممن هو مثله في ملكة النفس والضبط أو أرفع سمعه منه فأتقنه وحافظ عليه كما حافظ على سائر محفوظاته، ويكون ذلك مقدمًا عليه في روايته بمعارضة فما هو إلا محض تحكم فإن بعد هذا الفرض لم تبق زيادة الآخر إلا بالملازمة وأثرها الذي يزيد به على الآخر إنما هو بالنسبة إلى مجموع متونه لا بالنسبة إلى خصوص متن انتهى. وقد سبق ما احتجّ به الإمام الشافعي من ظاهر الآية مع قول أكثر الصحابة والترجيح يقع بالأكثر مع موافقة ظاهر القرآن وقد نقل ابن المنذر عن بعض الأئمة قال: لم نجد في شيء من الأدلة أن العزيمة على الطلاق تكون طلاقًا ولو جاز لكان العزم على الفيء يكون فيئًا ولا قائل به، وليس في شيء من اللغة أن اليمين التي لا ينوى بها الطلاق تقتضي طلاقًا والعطف بالفاء على الأربعة الأشهر يدل على أن التخيير بعد مضي المدة وحينئذٍ فلا يتجه وقوع الطلاق بمجرد مضي المدة والجواب السابق عن ذلك وإن كان بديعًا لكنه لا يخلو عن شيء من التعسف، ولئن سلمنا انتهاض حديث ابن أبي شيبة السابق لحديثي الباب فيبقى النظر في هل يستدل بذلك والآية أظهر في الدلالة لنا على ما لا يخفى. ٢٢ - باب حُكْمِ الْمَفْقُودِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ إِذَا فُقِدَ فِي الصَّفِّ عِنْدَ الْقِتَالِ تَرَبَّصُ امْرَأَتُهُ سَنَةً. وَاشْتَرَى ابْنُ مَسْعُودٍ جَارِيَةً وَالْتَمَسَ صَاحِبَهَا سَنَةً فَلَمْ يَجِدْهُ وَفُقِدَ، فَأَخَذَ يُعْطِي الدِّرْهَمَ وَالدِّرْهَمَيْنِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ عَنْ فُلَانٍ فإن أبى فلان فَلي وَعَلَيَّ، وَقَالَ: هَكَذَا فَافْعَلُوا بِاللُّقَطَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي الأَسِيرِ يُعْلَمُ مَكَانُهُ: لَا تَتَزَوَّجُ امْرَأَتُهُ وَلَا يُقْسَمُ مَالُهُ، فَإِذَا انْقَطَعَ خَبَرُهُ فَسُنَّتُهُ سُنَّةُ الْمَفْقُودِ. (باب حكم المفقود في أهله وماله. وقال ابن المسيب): سعيد مما وصله عبد الرزاق (إذا فقد) الرجل (في الصف عند القتال) في سبيل الله (تربص) بفتح الفوقية وضم الصاد المهملة أصله

стр. 6095

تتربص فحذفت إحدى التاءين يعني تنتظر (امرأته سنة) إلى هذا ذهب مالك لكنه فرق بين ما إذا وقع القتال بدار الحرب أو دار الإسلام. (واشترى ابن مسعود) عبد الله فيما وصله سفيان بن عيينة في جامعه وسعيد بن منصور (جارية) بسبعمائة درهم (والتمس) بالواو أي طلب ولأبي ذر وابن عساكر فالتمس (صاحبها سنة) ليدفع له ثمنها إذ غاب عنه (فلم يجده) وللكشميهني فلم يوجد (وفقد) بضم الفاء وكسر القاف فخرج بها إلى المساكن (فأخذ يعطي) هم من ثمنها (الدرهم والدرهمين وقال: اللهم) تقبله (عن فلان) صاحبها (فإن أبى) بالموحدة امتنع كذا للكشميهني ولغيره فإن أتى بالفوقية بدل الموحدة أي فإن جاء (فلان فلي) الثواب (وعلي) أن أقضيه ثمنها (وقال) أي ابن مسعود: (هكذا فافعلوا) ولأبي ذر افعلوا إسقاط الفاء (باللقطة) بعد تعريفها. (وقال ابن عباس) فيما وصله سعيد بن منصور (نحوه) أي نحو قول ابن مسعود وهذا المذكور من قوله واشترى إلى آخره ثابت في رواية المستملي والكشميهني. (وقال الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب مما وصله ابن أبي شيبة (في الأسير) في أرض العدو (يعلم مكانه لا تتزوج) بتاءين ولابن عساكر تزوج (امرأته ولا يقسم ماله فإذا انقطع خبره فسنّته سنة الفقود) فحكمه حكم المفقود، ومذهب الزهري في امرأة المفقود التربص أربع سنين، ومذهب الشافعية إن قامت بيّنة بموته أو حكم قاض به بمضي مدة من ولادته لا يعيش فوقها ظنًّا قسمت تركته حينئذٍ ثم تعتدّ زوجته. ٥٢٩٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ ضَالَّةِ الْغَنَمِ فَقَالَ: «خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ». وَسُئِلَ عَنْ ضَالَّةِ الإِبِلِ، فَغَضِبَ وَاحْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ وَقَالَ: «مَا لَكَ وَلَهَا، مَعَهَا الْحِذَاءُ وَالسِّقَاءُ، تَشْرَبُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا». وَسُئِلَ عَنِ اللُّقَطَةِ. فَقَالَ: «اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا وَعَرِّفْهَا سَنَةً. فَإِنْ جَاءَ مَنْ يَعْرِفُهَا، وَإِلاَّ فَاخْلِطْهَا بِمَالِكَ». قَالَ سُفْيَانُ: فَلَقِيتُ رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَلَمْ أَحْفَظْ عَنْهُ شَيْئًا غَيْرَ هَذَا فَقُلْتُ: أَرَأَيْتَ حَدِيثَ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ فِي أَمْرِ الضَّالَّةِ هُوَ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ يَحْيَى: وَيَقُولُ رَبِيعَةُ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ سُفْيَانُ: فَلَقِيتُ رَبِيعَةَ فَقُلْتُ لَهُ. وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن يزيد) من الزيادة (مولى المنبعث) بضم الميم وسكون النون وفتح الموحدة وكسر العين المهملة بعدها مثلثة التابعي (أن النبي- ﷺ سئل) بضم السين وكسر الهمزة (عن ضالة الغنم فقال) ولابن عساكر قال:
следующие страницы →