Полный текст (8 298 стр.). Показаны 6686–6725 · переход к 6691.
стр. 6686
٥٩٨٥ - حَدَّثَنِى إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِى رِزْقِهِ وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِى أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (إبراهيم بن المنذر) الحزامي المدني أحد الأعلام قال: (حدّثنا محمد بن معن) بفتح الميم وسكون العين المهملة بعدها نون الغفاري (قال: حدثني) بالإفراد (أبي) معن بن محمد بن معن بن نضلة الغفاري (عن سعيد بن أبي سعيد) كيسان المقبري (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول):
(من سرّه أن يبسط في رزقه) بضم التحتية وسكون الموحدة وفتح السين المهملة (وأن ينسأ) بضم أوله وسكون ثانيه آخره همزة من النسأ وهو التأخير أي يؤخّر (له في أثره) أي أجله وسمي به لأنه يتبع العمر وأصله من أثر مشيه في الأرض فإن من مات لا يبقى له حركة فلا يبقى لأقدامه في الأرض أثر (فليصل رحمه) يقال: وصل رحمه يصلها وصلاً وصلة كأنه بالإحسان إليهم وصل ما بينه وبينهم من علاقة القرابة والزيادة في العمر بالبركة فيه بسبب التوفيق في الطاعات وعمارة أوقاته بما ينفعه في الآخرة وصيانتها عن الضياع في غير ذلك، أو المراد بقاء ذكره الجميل بعده كالعلم النافع ينتفع به والصدقة الجارية والولد الصالح فكأنه بسبب ذلك لم يمت ومنه قول الخليل ﵊ ﴿واجعل لي لسان صدق في الآخرين﴾ [الشعراء: ٨٤].
وفي المعجم الصغير للطبراني عن أبي الدرداء قال: ذكر عند رسول الله ﷺ من وصل رحمه أنسئ له في أجله فقال: ليس زيادة في عمره قال الله تعالى: ﴿فإذا جاء أجلهم﴾ [النحل: ٦١] الآية. ولكن الرجل يكون له الذرية الصالحة يدعون له من بعده أو المراد بالنسبة إلى ما يظهر للملائكة في اللوح المحفوظ أن عمره ستون سنة إلا أن يصل رحمه فإن وصلها زيد له أربعون سنة، وقد علم الله بما سيقع من ذلك وهو من معنى قوله تعالى: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾ [الرعد: ٣٩] فبالنسبة إلى علم الله وما سبق به قدرته لا زيادة بل هي مستحيلة وبالنسبة إلى ما ظهر للمخلوقين تتصور الزيادة وهو مراد الحديث.
وقال الكلبي والضحاك في الآية: إن الذي يمحوه ويثبته ما يصعد به الحفظة مكتوبًا على بني آدم فيأمر الله فيه أن يثبت ما فيه ثواب وعقاب ويمحي ما لا ثواب فيه ولا عقاب كقوله: أكلت شربت ودخلت ونحوها من الكلام.
وهذا باب واسع المجال لأن علم الله تعالى لا نفاد له ومعلوماته سبحانه لا نهاية لها وكل يوم هو في شأن، ومن ثم كادت أقوال المفسرين فيه لا تحصر قال الإمام: يزيل ما يشاء ويثبت ما يشاء من حكمته ولا يطلع على غيبه أحدًا فهو المنفرد بالحكم والمستقل بالإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة والإغناء والإفقار وغير ذلك، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوًّا كبيرًا.
стр. 6687
٥٩٨٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِى رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِى أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ».
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) المخزومي المصري اسم أبيه عبد الله ونسبه إلى جده قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين ابن خالد (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (أنس بن مالك) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال):
(من أحب أن يبسط له في رزقه و) أن (ينسأ) أي يؤخر (له في أثره) أي في أجله (فليصل رحمه).
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الأدب والله أعلم.
١٣ - باب مَنْ وَصَلَ وَصَلَهُ اللَّهُ
هذا (باب) بالتنوين (من وصل) رحمه (وصله الله) بأن يتعطف عليه بفضله.
٥٩٨٧ - حَدَّثَنِى بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِى مُزَرِّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَمِّى سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ قَالَتِ الرَّحِمُ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ قَالَ: نَعَمْ أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَهْوَ لَكِ» قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِى الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾» [محمد: ٢٢].
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: بالجمع (بشر بن محمد) المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا معاوية بن أبي مزرّد) بضم الميم وفتح الزاي وتشديد الراء المكسورة بعدها دال مهملة عبد الرحمن مولى هاشم المدني (قال: سمعت عمي سعيد بن يسار) بالتحتية والمهملة المخففة أبا الحباب بضم الحاء المهملة وموحدتين بينهما ألف المدني اختلف في ولائه لمن هو (يحدث عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ قال):
(إن الله) (خلق الخلق) جميعهم أو المكلفين ويحتمل أن يكون بعد خلق السماوات والأرض وإبرازها في الوجود أو بعد خلقها كتبًا في اللوح المحفوظ أو بعد انتهاء خلق أرواح بني آدم عند قوله تعالى: ﴿ألست بربكم﴾ [الأعراف: ١٧٢] لما أخرجهم من صلب آدم مثل الذر (حتى إذا فرغ من خلقه) أي قضاهُ وأتمه ونحو ذلك مما يشهد بأنه مجاز. قال الزجاج: الفراغ في اللغة على ضربين. أحدهما: الفراغ من شغل، والآخر القصد لشيء تقول: قد فرغت مما كنت فيه أي قد زال شغلي به، وتقول: سأتفرغ لفلان أي سأجعله قصدي. قال الطيبي في حاشيته على الكشاف: فهو
стр. 6688
محمول على مجرد القصد فهو كناية عن التوفر على النكاية ثم استعيرت هذه العبارة للخالق ﷻ وعز شأنه لذلك المعنى، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿سنفرغ لكم﴾ [الرحمن: ٣١] مستعار من قول الرجل لمن يتهدد سأفرغ لك، والوجه الآخر منزل على الفراغ من الشغل لكن على سبيل التمثيل شبه تدبيره تعالى أمر الآخرة من الأخذ في الجزاء وإيصال الثواب والعقاب إلى المكلفين بعد تدبيره تعالى لأمر الدنيا بالأمر والنهي والإماتة والإحياء والمنع والعطاء، وأنه لا يشغله شأن عن شأن بحال من إذا كان في شغل يشغله عن شغل آخر إذا فرغ من ذلك الشغل شرع في آخر، وقد ألّم به صاحب المفتاح حيث قال: الفراغ الخلاص من المهامّ، والله تعالى لا يشغله شأن عن شأن وقع مستعارًا للأخذ في الجزاء وحده وهو المراد من قوله وفع ذلك فراغًا إلى طريق المثل.
(قالت الرحم) بلسان الحال أو بلسان المقال وعلى الثاني هل يخلق الله فيها حياة وعقلاً، وحمله القاضي عياض على المجاز وأنه من ضرب المثل، لكن في حديث عبد الله بن عمر وعند أحمد أنها تكلمت بلسان طلق ذلق، وزاد في سورة القتال: قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن وهو استعارة أيضًا سبق ذكرها في السورة المذكورة، وزاد أيضًا في السورة فقال: مه. فقالت (هذا مقام العائذ) أي قيامي هذا قيام المستجير (بك من القطيعة قال) الله تعالى (نعم أما) بتخفيف الميم (ترضين أن أصل من وصلك) بأن أتعطف عليه وأرحمه (وأقطع من قطعك) فلا أرحمه (قالت: بلى يا رب) رضيت ولأبي ذر بلى وربي (قال) تعالى (فهو) أي قوله أصل من وصلك إلى آخره (لك) بكسر الكاف. قال أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : فاقرأوا إن شئتم ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم﴾) [محمد: ٢٢].
وهذا الحديث مر في تفسير سورة القتال.
٥٩٨٨ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الرَّحِمَ سُجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ اللَّهُ: مَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ».
وبه قال: (حدّثنا خالد بن مخلد) بفتح الميم واللام بينهما خاء معجمة ساكنة آخره دال مهملة أبو الهيثم البجلي الكوفي القطواني بفتح القاف والطاء المهملة قال: (حدّثنا سليمان) بن بلال أبو محمد مولى الصديق قال: (حدّثنا عبد الله بن دينار) المدني (عن أبي صالح) ذكوان السمان (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(إن الرحم شجنة من الرحمن) بكسر الشين المعجمة مصححًا عليها في الفرع وسكون الجيم بعدها نون ويجوز فتح الأول وضمه. قال في الفتح: رواية ولغة وأصله عروق الشجر المشتبكة والشجن بالتحريك واحد الشجون وهي طرق الأودية، ويقال الحديث شجون أي يدخل بعضه في
стр. 6689
بعض، وسقط قوله: "إن" لأبي ذر فالرحم رفع، وقوله من الرحمن أي اشتق اسمها من اسم الرحمن فلها به علقة. وعند النسائي من حديث عبد الرحمن بن عوف مرفوعًا "أنا الرحمن خلقت الرحم بيدي وشققت لها اسمًا من اسمي" والمعنى أنها أثر من آثار الرحمة مشتبكة بها فالقاطع لها منقطع من رحمة الله وليس المعنى أنها من ذات الله تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا (فقال الله) تعالى: زاد الإسماعيلي لها والفاء عطف على محذوف أي فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة فقال الله تعالى: "من وصلك وصلته ومن قطعك قطعته". قال ابن أبي جمرة: الوصل من الله كناية عن عظيم إحسانه وإنما خاطب الناس بما يفهمونه ولما كان أعظم ما يعطيه المحبوب لمحبه الوصال وهو القرب منه وإسعافه بما يريد، وكانت حقيقة ذلك مستحيلة في حق الله تعالى عرف أن ذلك كناية عن عظيم إحسانه لعبده. قال: وكذا القول في القطع وهو كناية عن حرمانه الإحسان.
وهذا الحديث من أفراده.
٥٩٨٩ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِى مُزَرِّدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الرَّحِمُ شِجْنَةٌ فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعْتُهُ».
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن أبي مريم) هو سعيد بن سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مريم الجمحي مولاهم البصري قال: (حدّثنا سليمان بن بلال) مولى الصديق (قال: أخبرني) بالإفراد (معاوية بن أبي مزرد) عبد الرحمن السابق في هذا الباب (عن يزيد بن رومان) مولى الزبير المدني القاريّ (عن عروة) بن الزبير بن العوّام (عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ ¬) سقط قوله زوج النبي إلى آخره لأبي ذر (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(الرحم شجنة) بكسر الشين ولأبي ذر ضمها مصححًا عليهما في الفرع ولم يقل هنا من الرحمن لأن ذلك معلوم من الرواية السابقة (فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته) وفي ذلك تعظيم أمر الرحم وأن صلتها مندوب إليها وأن قطعها من الكبائر لورود الوعيد الشديد فيه.
١٤ - باب يَبُلُّ الرَّحِمَ بِبَلَالِهَا
(باب) بالتنوين (يبل) الشخص المكلف (الرحم) ولأبي ذر: قبل بضم الفوقية وفتح الموحدة الرحم (ببلالها) بكسر الموحدة الأولى وفتح الثانية وكسرها والبلال بمعنى البلل وهو النداوة وأطلق ذلك على الصلة كما أطلق اليبس على القطيعة.
٥٩٩٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِى خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِى حَازِمٍ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ جِهَارًا غَيْرَ سِرٍّ يَقُولُ: «إِنَّ آلَ أَبِى»، قَالَ: عَمْرٌو فِى كِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ: «بَيَاضٌ لَيْسُوا بِأَوْلِيَائِى إِنَّمَا وَلِيِّىَ اللَّهُ
стр. 6690
وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ». زَادَ عَنْبَسَةُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ عَنْ بَيَانٍ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ «وَلَكِنْ لَهُمْ رَحِمٌ أَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا» يَعْنِى أَصِلُهَا بِصِلَتِهَا. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: بِبِلاهَا كَذَا وَقَعَ وَبِبِلَاهَا أَجْوَدُ وَأَصَحُّ وَبِِبِلَاهَا لَا أَعْرِفُ لَهُ وَجْهًا،
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدثني بالإفراد (عمرو بن عباس) بفتح العين وسكون الميم وعباس بالموحدة والمهملة أبو عثمان الباهلي البصري قال: (حدّثنا محمد بن جعفر) غندر البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن إسماعيل بن أبي خالد) سعد البجلي الكوفي (عن قيس بن أبي حازم) عوف البجلي (أن عمرو بن العاص) ﵁ (قال: سمعت النبي ﷺ جهارًا) يتعلق بالمفعول أي كان المسموع في حال الجهر أو بالفاعل أي أقول ذلك جهارًا (غير سرّ) تأكيد لرفع توهم أنه جهر به مرة وأخفاه أخرى (يقول):
(إن آل أبي) بحذف ما يضاف إلى أداة الكنية ولأبي ذر عن المستملي أبي فلان كناية عن اسم علم وجزم الدمياطي في حواشيه بأن المراد آل أبي العاص بن أمية، وفي سراج المريدين لابن العربي آل أبي طالب، وأيّده في الفتح بأنه في مستخرج أبي نعيم من طريق الفضل بن الموفق عن عنبسة بن عبد الواحد بسند البخاري عن بيان بن بشر عن قيس بن أبي حازم عن عمرو بن العاص رفعه "إن لبني أبي طالب رحمًا" الحديث.
(قال عمرو): هو ابن عباس شيخ البخاري فيه (في كتاب محمد بن جعفر) يعني غندرًا شيخ عمرو فيه (بياض) بالرفع على الصواب أي موضع أبيض بغير كتابة وضعف الجر إذ يكون المعنى في كتاب محمد بن جعفر أن آل أبي بياض لأنه لا يعرف في العرب قبيلة يقال لها أبو بياض فضلاً عن قريش، وسياق الحديث يشعر بأنهم من قبيلته ﷺ وهي قريش (ليسوا بأوليائي). قال في الفتح: وفي نسخة من رواية أبي ذر بأولياء، والمراد كما قال السفاقسي: من لم يسلم منهم فهو من إطلاق الكل وإرادة البعض، وحمله الخطابي على ولاية القرب والاختصاص لا ولاية الدين (إنما وليي الله) بتشديد الياء مضافًا لياء المتكلم المفتوحة (وصالح المؤمنين) من صلح منهم أي من أحسن وعمل صالحًا وقيل من برئ من النفاق، وقيل الصحابة وهو واحد أريد به الجمع كقولك لا تقتل هذا الصالح من الناس تريد الجنس، وقيل أصله صالحو فحذفت الواو من الخط موافقة للفظ. وقال في شرح المشكاة: المعنى لا أوالي أحدًا بالقرابة وإنما أحب الله لما له من الحق الواجب على العباد وأحب صالح المؤمنين لوجه الله وأوالي من أوالي بالإيمان والصلاح سواء كان من ذوي رحمي أم لا، ولكن أراعي لذوي الرحم حقهم بصلة الرحم.
(زاد عنبسة بن عبد الواحد) بفتح العين المهملة والموحدة بينهما نون ساكنة والسين مهملة مفتوحة وهو موثق عندهم وليس له في البخاري إلا هذا الحديث كان يعد من الإبدال (عن بيان) بالموحدة المفتوحة وتخفيف التحتية وبعد الألف نون ابن بشر بالشين المعجمة الأحمسي (عن قيس) هو ابن حازم (عن عمرو بن العاص) ﵁ أنه (قال: سمعت النبي ﷺ : ولكن لهم)
стр. 6691
أي لآل أبي (رحم) قرابة (أبلها) بفتح الهمزة وضم الموحدة وتشديد اللام المضمومة (ببلالها). قال في شرح المشكاة فيه مبالغة بما عرف، واشتهر شبه الرحم بأرض إذا بلت بالماء حق بلالها أزهرت وأثمرت ورئي في أثمارها أثر النضارة وأثمرت المحبة والصفاء، وإذا تركت بغير سقي يبست وأجدبت فلم تثمر إلا العداوة والقطيعة (يعني أصلها بصلتها). وهذا التفسير سقط من رواية النسفيّ ولأبي ذر ببلائها بعد اللام ألف همزة.
(قال أبو عبد الله). أي البخاري (ببلاها) أي بغير لام ثانية (كذا وقع وببلالها) أي بإثبات اللام (أجود وأصح وببلاها لا أعرف له وجهًا). قال في الكواكب: يحتمل أن يقال وجهه أن البلا جاء بمعنى المعروف والنعمة، وحيث كان الرحم مصرفها أضيف إليها بهذه الملابسة فكأنه قال: أبلها بمعروفها اللائق بها والله أعلم.
وهذا الحديث أخرجه في الإيمان.
١٥ - باب لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (ليس الواصل) التعريف كما نبه عليه في الكواكب للجنس أي ليس حقيقة الواصل (بالمكافئ) صاحبه بمثل ما فعله إذ ذاك نوع معاوضة.
٥٩٩١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، وَالْحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو، وَفِطْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَقَالَ سُفْيَانُ: لَمْ يَرْفَعْهُ الأَعْمَشُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَرَفَعَهُ حَسَنٌ وَفِطْرٌ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنِ الْوَاصِلُ الَّذِى إِذَا قَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) بالمثلثة العبدي البصري قال: (أخبرنا سفيان) الثوري (عن الأعمش) سليمان بن مهران (والحسن بن عمرو) بفتح الحاء والعين الفقيمي بضم الفاء وفتح القاف (وفطر) بكسر الفاء وسكون الطاء المهملة بعدها راء ابن خليفة الحناط بالحاء المهملة والنون المشددة وبعد الألف طاء مهملة المخزومي مولاهم الثلاثة (عن مجاهد) هو ابن جبر (عن عبد الله بن عمرو) بفتح العين ابن العاص ﵁ (قال سفيان) الثوري بالسند السابق: (لم يرفعه) أي الحديث (الأعمش) سليمان (إلى النبي ﷺ ورفعه الحسن وفطر) المذكوران (عن النبي ﷺ ¬) قال في الفتح: وهذا هو المحفوظ عن الثوري أنه (قال: ليس الواصل بالمكافئ) أي الذي يعطي لغيره نظير ما أعطاه ذلك الغير (ولكن الواصل) بتخفيف نون لكن مصححًا عليه في الفرع (الذي إذا قطعت) بفتحات، ولأبي ذر: قطعت بضم أوّله وكسر ثانيه مبنيًا للمجهول (رحمه وصلها) أي الذي إذا منع أعطى، والحاصل ثلاثة مواصل ومكافئ وقاطع، فالواصل من يتفضل ولا يتفضل عليه والمكافئ الذي لا يزيد في الإعطاء على ما يأخذ والقاطع الذي يتفضل عليه ولا يتفضل.
стр. 6692
والحديث أخرجه أبو داود في الزكاة والترمذي في البر.
١٦ - باب مَنْ وَصَلَ رَحِمَهُ فِى الشِّرْكِ ثُمَّ أَسْلَمَ
(باب من وصل رحمه في الشرك ثم أسلم) بعد هل يثاب عليه.
٥٩٩٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ: أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ أُمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِى الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ صِلَةٍ وَعَتَاقَةٍ وَصَدَقَةٍ هَلْ لِى فِيهَا مِنْ أَجْرٍ؟ قَالَ حَكِيمٌ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْرٍ». وَيُقَالُ أَيْضًا عَنْ أَبِى الْيَمَانِ أَتَحَنَّثُ؟ وَقَالَ مَعْمَرٌ وَصَالِحٌ وَابْنُ الْمُسَافِرِ: أَتَحَنَّثُ؟ وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: التَّحَنُّثُ: التَّبَرُّرُ، وَتَابَعَهُمْ هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ.
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة بن الزبير) بن العوّام (أن حكيم بن حزام) بكسر الحاء المهملة وفتح الزاي ابن خويلد الأسدي ﵁ (أخبره أنه قال: يا رسول الله أرأيت أمورًا) أي أخبرني عن أمور (كنت أتحنث) بفتح الهمزة والنون المشددة المفتوحتين آخره مثلثة أتعبد (بها في الجاهلية من صلة) للرحم (وعتاقة) للرقيق (وصدقة هل لي) ولأبي ذر: هل كان لي (فيها من أجر)؟ وسقط حرف الجر لأبي ذر (قال حكيم: قال رسول الله ﷺ ¬):
(أسلمت) أي يا حكيم (على ما سلف) منك في أيام الجاهلية (من خير).
قال المؤلّف: (ويقال أيضًا عن أبي اليمان) الحكم بن نافع (أتحنت) بالمثناة الفوقية بدل المثلثة ولضعف المثناة عبّر بصيغة التمريض. قال في المقدمة: وهي رواية أبي زرعة الدمشقي عن أبي اليمان، وعند المؤلّف في باب شراء المملوك الحربي من كتاب الزكاة عن أبي اليمان بلفظ أتحنث أو أتحنت بالشك. قال في الفتح: وكأنه سمعه منه بالوجهين، لكن قال السفاقسي: بالمثناة لا أعلم له وجهًا.
(وقال: معمر) هو ابن راشد فيما وصله المؤلّف في باب من تصدق في الشرك ثم أسلم من كتاب الزكاة (وصالح) وهو ابن كيسان مما وصله مسلم (وابن المسافر) بالألف واللام والمشهور حذفهما وهو عبد الرحمن بن خالد بن مسافر الفهمي المصري أمير مصر فيما وصله الطبراني في الأوسط من طريق الليث بن سعد عنه (أتحنت) بالمثناة الفوقية أيضًا وهي مصحح عليها في الفرع (وقال ابن إسحاق) في السيرة النبوية (التحنث) بالمثلثة (التبرر) بالفوقية والموحدة والراءين أولاهما مضمومة مشددة من البر (وتابعهم) أي تابع هؤلاء المذكورين، ولأبي ذر: وتابعه بالإفراد أي تابع ابن إسحاق (هشام عن أبيه) عروة على خصوص تفسير التحنث بالتبرر وحينئذٍ فرواية الإفراد أرجح، ووصل هذه المؤلّف في العتق من طريق أبي أسامة عنه.
стр. 6693
١٧ - باب مَنْ تَرَكَ صَبِيَّةَ غَيْرِهِ حَتَّى تَلْعَبَ بِهِ، أَوْ قَبَّلَهَا أَوْ مَازَحَهَا
(باب من ترك صبية غيره حتى) أي إلى أن (تلعب به) أي ببعض جسده (أو قبلها) للشفقة (أو مازحها) أي مزح معها قصدًا لتأنيسها والممازحة المداعبة.
٥٩٩٣ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أُمِّ خَالِدٍ بِنْتِ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَتْ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَبِى وَعَلَىَّ قَمِيصٌ أَصْفَرُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «سَنَهْ سَنَهْ» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَهْىَ بِالْحَبَشِيَّةِ حَسَنَةٌ، قَالَتْ: فَذَهَبْتُ أَلْعَبُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ فَزَجَرَنِى أَبِى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «دَعْهَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَبْلِى وَأَخْلِقِى، ثُمَّ أَبْلِى وَأَخْلِقِى، ثُمَّ أَبْلِى وَأَخْلِقِى». قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَبَقِيَتْ حَتَّى ذَكَرَ يَعْنِى مِنْ بَقَائِهَا.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدثني بالإفراد (حبان) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة ابن موسى أبو محمد السلمي المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي (عن خالد بن سعيد) بكسر العين (عن أبيه) سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص القرشي الأموي (عن أم خالد) واسمها أمة (بنت خالد بن سعيد) ﵂ أنها (قالت: أتيت رسول الله ﷺ مع أبي) هو خالد بن سعيد (وعليّ قميص أصفر فقال رسول الله ﷺ ¬):
(سنه سنه) بالسين المهملة والنون المخففة المفتوحتين آخره ساكنة وذكرها مرتين (قال عبد الله) بن المبارك بالسند السابق (وهي) أي سنه (بـ) اللغة (الحبشية حسنة. قالت) أم خالد (فذهبت ألعب بخاتم النبوّة) الذي بين كتفيه ﷺ (فزبرني) بالزاي والموحدة المخففة والراء المفتوحات ثم النون المكسورة أي نهرني وزجرني ومنعني (أبي) من ذلك ثم (قال رسول الله ﷺ دعها) أي اتركها (ثم قال: رسول الله ﷺ أبلي) بفتح المرّة وسكون الموحدة وكسر اللام (وأخلقي) بفتح الهمزة وسكون المعجمة وكسر اللام والقاف أمر بالإبلاء أي البسي إلى أن يصير خلقًا باليًا. وفي رواية واخلفي بضم اللام وبالفاء بدل القاف ونسبها في المصابيح لأبي ذر أي واكتسي خلفه يقال خلف الله لك وأخلف (ثم) قال ﵊: (أبلي وأخلقي ثم) قال: (أبلي وأخلقي) كررها ثلاثًا.
(قال عبد الله) بن المبارك بالسند السابق: (فبقيت) أم خالد (حتى ذكر) الراوي زمنًا طويلاً، ولأبي ذر عن الكشميهني: فبقي أي القميص دهرًا، ونسبها في الفتح لأبي علي بن السكن، لكنه قال: ذكر دهرًا بدل فبقي، وفي المصابيح ذكر بضم الذال المعجمة وكسر الكاف بعدها راء مبنيًّا للمفعول أي عمرت حتى طال عمرها بدعاء النبي ﷺ . وقال في الكواكب: المعنى حتى صار القميص شيئًا مذكورًا عند الناس لخروج بقائه عن العادة. قال في الفتح: وكأنه أي صاحب الكواكب قرأ ذكر بضم أوله لكنه لم يقع عندنا في الرواية إلا بالفتح وتعقبه العيني بأن المعنى على ذكر مبنيًّا للمفعول وإلا فلو كان مبنيًّا للفاعل فما يكون فاعله اهـ.
стр. 6694
وفي رواية الكشميهني حتى دكن دهرًا بالدال المهملة بدل المعجمة آخره نون بدل الراء والكاف مفتوحة في الفرع وضبطه في الفتح بكسر الكاف أي صار أسود. (يعني من بقائها) من بقاء أم خالد أو الخميصة زمانًا طويًلا.
ومطابقة الترجمة في قولها فذهبت ألعب. قال السفاقسي: ليس في حديث الباب للتقبيل ذكر فيحتمل أن يكون لما لم ينهها عن مس جسده صار كالتقبيل كذا قال فليتأمل.
هذا الحديث سبق في الجهاد وهجرة الحبشة واللباس.
١٨ - باب رَحْمَةِ الْوَلَدِ وَتَقْبِيلِهِ وَمُعَانَقَتِهِ وَقَالَ ثَابِتٌ: عَنْ أَنَسٍ أَخَذَ النَّبِىُّ ﷺ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ
(باب) ذكر (رحمة الولد) أي رحمة الوالد ولده (و) ذكر (تقبيله ومعانقته. وقال ثابت): هو ابن أسلم البناني فيما وصله المؤلّف في الجنائز (عن أنس) ﵁ (أخذ النبي ﷺ ¬) ولده (إبراهيم) ﵁ (فقبله وشمه) وهذا التعليق ساقط للمستملي كما في الفرع. وقال في الفتح: ساقط لأبي ذر عن الكشميهني.
٥٩٩٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مَهْدِىٌّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى يَعْقُوبَ، عَنِ ابْنِ أَبِى نُعْمٍ قَالَ: كُنْتُ شَاهِدًا لاِبْنِ عُمَرَ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ دَمِ الْبَعُوضِ فَقَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ قَالَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا يَسْأَلُنِى عَنْ دَمِ الْبَعُوضِ، وَقَدْ قَتَلُوا ابْنَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «هُمَا رَيْحَانَتَايَ مِنَ الدُّنْيَا».
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) أبو سلمة التبوذكي قال: (حدّثنا مهدي) بفتح الميم وسكون الهاء ابن ميمون الأزدي قال: (حدّثنا ابن أبي يعقوب) هو محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب الضبي البصري (عن ابن أبي نعم) بضم النون وسكون العين المهملة عبد الرحمن ولا يعرف اسم أبيه أنه (قال: كنت شاهدًا لابن عمر) ﵁ أي حاضرًا عنده (وسأله رجل) قال الحافظ ابن حجر: لم أعرفه (عن دم البعوض) زاد جرير بن حازم عن محمد بن أبي يعقوب عند الترمذي يصيب الجسد. وفي المناقب من البخاري سمعت عبد الله بن عمر وسأله عن المحرم قال شعبة: أحسبه يقتل الذباب. قال الكرماني: فلعله سأل عنهما معًا، وقال في الفتح: وأطلق الراوي الذباب على البعوض لقرب شبهه منه وإن كان في البعوض معنى زائد أي ما يلزم المحرم إذا قتله (فقال) له ابن عمر: (ممن) أي من أيّ البلاد (أنت؟ فقال) الرجل: (من أهل العراق. قال) ابن عمر لمن حضره: (انظروا إلى هذا يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن) ابنة (النبي ﷺ ¬) الحسين بن علي (وسمعت النبي ﷺ يقول):
стр. 6695
(هما) أي الحسن والحسين ﵄ (ريحانتاي) بالتثنية ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ريحاني ولأبي ذر أيضًا عن الكشميهني ريحانتي بزيادة تاء التأنيث أي هما من رزق الله الذي رزقنيه (من الدنيا) أو أراد بالريحان المشموم أي أنهما مما أكرمني الله وحباني به لأن الأولاد يشمون ويقبلون فكأنهم من جملة الرياحين.
٥٩٩٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ: حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى بَكْرٍ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ حَدَّثَتْهُ قَالَتْ: جَاءَتْنِى امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ تَسْأَلُنِى فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِى غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَعْطَيْتُهَا فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ فَدَخَلَ النَّبِىُّ ﷺ فَحَدَّثْتُهُ فَقَالَ: «مَنْ يَلِى مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ شَيْئًا فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة الحافظ أبو بشر الحمصي مولى بني أمية (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه (قال: حدثني) بالإفراد (عبد الله بن أبي بكر) أي ابن محمد بن عمرو بن حزم (أن عروة بن الزبير) بن العوّام (أخبره أن عائشة) ﵂ (زوج النبي ﷺ حدثته قالت: جاءتني امرأة معها) ولأبي ذر ومعها (ابنتان) لها قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على أسمائهن (تسألني فلم تجد عندي غير تمرة واحدة فأعطيتها) إياها (فقسمتها) بسكون المثناة الفوقية (بين ابنتيها). وفي رواية مسلم من طريق عراك بن مالك عن عائشة فأطعمتها ثلاث تمرات فأعطت كل واحدة منهما تمرة ورفعت تمرة إلى فيها لتأكلها فاستطعمتها ابنتاها فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها فيحتمل في طريق الجمع أن قولها في حديث عروة فلم تجد عندي غيرها أي في أول الحال سوى واحدة فأعطيتها، ثم وجدت اثنتين أو لم تجد عندي غير واحدة أخصها بها أو يحمل على التعدد (ثم قامت فخرجت) من عندي (فدخل) عليّ (النبي ﷺ فحدثته) بخبرها (فقال) ﵊:
(من يلي) بالتحتية المفتوحة من الولاية (من هذه البنات شيئًا) ولأبي ذر عن الكشميهني من بلي بموحدة مضمومة من الابتلاء من هذه البنات بشيء. قال في شرح المشكاة: وهذه إشارة إلى جنسهن. وقال في فتح الباري: واختلف في المراد بالابتلاء هل هو نفس وجودهن أو ابتلي بما يصدر منهن وهل هو على العموم في البنات، أو المراد من اتصف منهن بالحاجة إلى ما يفعل به. وقال النووي: إنما سماهن ابتلاء لأن الناس يكرهونهن في العادة قال تعالى: ﴿وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودًا وهو كظيم﴾ [النحل: ٥٨] (فأحسن إليهن) فيه إشعار بأن المراد من قوله من هذه أكثر من واحدة فالإشارة للجنس كما مرّ، وفي حديث ابن عباس عند الطبراني فقال رجل من الأعراب: واثنتين؟ فقال: واثنتين. وفي حديث أبي هريرة قلنا. وواحدة؟ قال: وواحدة. وزاد ابن ماجة "وأطعمهن وسقاهن وكساهن" وفي الطبراني من حديث ابن عباس "فأنفق عليهن وزوّجهن وأحسن أدبهن" وفي رواية عبد الحميد "فصبر عليهن" (كن له سترًا) أي
стр. 6696
حجابًا (من النار) وفيه تأكيد حقوق البنات لما فيهن من الضعف غالبًا عن القيام بمصالح أنفسهن بخلاف المذكور والحديث أخرجه مسلم في الأدب والترمذي في البر.
٥٩٩٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِىُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو قَتَادَةَ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِىُّ ﷺ وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِى الْعَاصِ عَلَى عَاتِقِهِ فَصَلَّى، فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَ، وَإِذَا رَفَعَ رَفَعَهَا.
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام قال: (حدّثنا سعيد) هو ابن أبي سعيد كيسان (المقبري) بضم الموحدة قال: (حدّثنا عمر بن سليم) بفتح العين وضم السين الأنصاري قال: (حدّثنا أبو قتادة) الحارث بن ربعي الأنصاري (قال: خرج علينا النبي ﷺ وأمامه) بضم الهمزة وتخفيف الميم (بنت أبي العاص) بن الربيع الأموي وهي ابنة زينب بنت النبي ﷺ (على عاتقه فصلّى) فرضًا وفي سنن أبي داود الظهر أو العصر، وفي المعجم الكبير للطبراني صلاة الصبح (فإذا ركع وضع) بحذف المفعول، ولأبي ذر عن الكشميهني: وضعها أي بالأرض خشية أي تسقط (وإذا رفع) رأسه من الركوع (رفعها) من الأرض، وفي أبواب سترة المصلي من أوائل الصلاة فإذا سجد وضعها ولا منافاة بينه وبين رواية الباب بل يحمل على أنه كان يفعل ذلك في الركوع والسجود، ولأي داود من طريق المقبري عن عمرو بن سليم حتى إذا أراد أن يركع أخذها فوضعها ثم ركع وسجد حتى إذا فرغ من سجوده وقام أخذها فردها في مكانها وهذا صريح في أن الحمل والوضع كان منه لا منها. ومناسبة الحديث لما ترجم به من فعله ﷺ مع أمامة من الحمل المقتضي للشفقة والرحمة لابنة ابنته والحديث سبق في باب من حمل جارية صغيرة من كتاب الصلاة.
٥٩٩٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَسَنَ بْنَ عَلِىٍّ وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِىُّ جَالِسًا فَقَالَ الأَقْرَعُ: إِنَّ لِى عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه قال: (حدّثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (أن أبا هريرة ﵁ قال: قبّل رسول الله ﷺ الحسن بن علي) بفتح الحاء ابن بنته فاطمة ﵃ (وعنده الأقرع بن حابس التميمي) حال كونه (جالسًا) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر جالس بالرفع وكان الأقرع من المؤلّفة وحسن إسلامه والواو في وعنده للحال (فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبّلت منهم أحدًا فنظر إليه رسول الله ﷺ ثم قال):
стр. 6697
(من لا يرحم لا يُرحم) بفتح التحتية في الأوّل وضمها في الثاني والرفع والجزم في اللفظين فالرفع على الخبر. قال القاضي عياض: وعليه أكثر الرواة والجزم على أن من شرطية، لكن قال السهيلي: حمله على الخبر أشبه بسياق الكلام لأنه مردود على قول الرجل إن لي عشرة من الولد أي الذي يفعل هذا الفعل لا يرحم، ولو جعلت من شرطية لانقطع الكلام عما قبله بعض الانقطاع لأن الشرط وجوابه كلام مستأنف، ولأن الشرط إذا كان بعده فعل منفي فأكثر ما ورد منفيًا بلم لا بلا كقوله تعالى: ﴿ومن لم يؤمن بالله﴾ الفتح: ١٣] ﴿ومن لم يتب﴾ [الحجرات: ١١] وإن كان الآخر جائزًا كقول زهير.
ومن لا يظلم الناس يظلم اهـ.
وتعقبه صاحب المصابيح فقال: تعليله انقطاع الكلام عما قبله على تقدير كون من شرطية بأن الشرط وجوابه كلام مستأنف غير ظاهر، فإن الجملة مستأنفة سواء جعلت من موصولة أو شرطية وتقديره الذي يفعل هذا الفعل ويتأتى مثله على أن من شرطية أي من يفعل هذا الفعل فلا ينقطع الكلام ويصير مرتبطًا بما قبله ارتباطًا ظاهرًا.
والرحمة من الخلق التعطف والرقة، وهذا لا يجوز على الله تعالى ومن الله تعالى الرضا عمن رحمه لأن من رق له القلب فقد رضي عنه أو الإنعام أو إرادة الخير لأن الملك إذا عطف على رعيته ورق لهم أصابهم بمعروفه وإنعامه، والحاصل أن الأولى على الحقيقة والثانية على المجاز. وقوله: من لا يرحم يشمل جميع أصناف الخلق فيرحم البر والفاجر والناطق والبهم والوحش والطير.
وفي الحديث أن تقبيل الولد وغيره من المحارم وغيرهم إنما يكون للشفقة والرحمة لا للذة والشهوة وكذا الضم والشم والمعانقة، والحديث من أفراده.
٥٩٩٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَ أَعْرَابِىٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) الفريابي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن هشام عن) أبيه (عروة) بن الزبير (عن عائشة ﵂) أنها قالت: (جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ¬) قال الحافظ: يحتمل أن يكون هو الأقرع بن حابس ووقع مثل ذلك لعيينة بن حصن أخرجه أبو يعلى الموصلي بسند رجاله ثقات، وفي كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني بإسناده عن أبي هريرة أن قيس بن عاصم دخل على النبي- ﷺ وذكر قصة شبيهة بلفظ حديث عائشة ويحتمل التعدد. (فقال: تقبلون) بحذف أداة الاستفهام وللكشميهني أتقبلون (الصبيان فما نقبلهم) وعند مسلم فقال: نعم قال: لكنا ما نقبل (فقال النبي ﷺ ¬):
стр. 6698
(أو أملك لك) بفتح الواو والهمزة الأولى للاستفهام والواو للعطف على مقدّر بعد الهمزة نحو أو مخرجي هم (أن نزع الله من قلبك الرحمة) بفتح الهمزة مفعول أملك أي لا أقدر أن أجعل الرحمة في قلبك بعد أن نزعها الله منه. وقال الأشرف فيما نقله في شرح المشكاة: يروى أن بفتح الهمزة فهي مصدرية ويقدّر مضاف أي لا أملك لك دفع نزع الله من قلبك الرحمة. وقال الشيخ نور الدين البجيري: ويحتمل أن يكون مفعول أملك محذوفًا وأن نزع في موضع نصب على المفعول لأجله على أنه تعليل للنفي المستفاد من الاستفهام الإنكاري الإبطالي، والتقدير لا أملك وضع الرحمة في قلبك لأن نزعها الله منه أي انتفى ملكي لذلك لنزع الله إياها من قلبك اهـ.
ويروى بكسر الهمزة شرطًا وجزاؤه محذوف وهو من جنس ما قبله أي إن نزع الله من قلبك الرحمة لا أملك ردها لك لكن قال الحافظ ابن حجر إنها بفتح الهمزة في الروايات كلها اهـ.
وقول صاحب التنقيح والهمزة أي في أو أملك للاستفهام التوبيخي أي لا أملك لك، تعقبه في المصابيح بأنها لو كانت للتوبيخ لاقتضت وقوع ما بعدها لا نفيه أي نحو ﴿أتعبدون ما تنحتون﴾ [الصافات: ٩٥] ﴿أغير الله تدعون﴾ [الأنعام: ٤٠] وإنما هي هنا للإنكار الإبطالي المقتضي أن يكون ما بعدها غير واقع وأن مدعيه كاذب نحو: ﴿أفاصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثًا﴾ [الإسراء: ٤٠] ﴿فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون﴾ [الصافات: ١٤٩] والمعنى هنا لا أملك لك جعل الرحمة فيك بعد أن نزعها الله من قلبك. وهذا الحديث من أفراده.
٥٩٩٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِى زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سَبْىٌ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْىِ قَدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِى إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِى السَّبْىِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ فَقَالَ لَنَا النَّبِىُّ ﷺ : «أَتَرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِى النَّارِ»؟ قُلْنَا لَا وَهْىَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ فَقَالَ: «اللَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا».
وبه قال: (حدّثنا ابن أبي مريم) هو سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم قال: (حدّثنا أبو غسان) بفتح. الغين المعجمة والسين المهملة المشددة محمد بن مطرف قال: (حدثني) بالإفراد (زيد بن أسلم عن أبيه) أسلم مولى عمر (عن عمر بن الخطاب ﵁) أنه (قال قدم على النبي ﷺ سبي) من هوازن، وللكشميهني قدم بضم الفاف على صيغة المجهول بسبي بزيادة الجار (فإذا امرأة من السبي) أي يعرف ابن حجر اسمها (تحلب) بسكون الحاء المهملة وضم اللام (ثديها) بالإفراد والنصب مفعول، وفي نسخة قد تحلب، ولأبي ذر عن الكشميهني: قد تحلب بفتح الحاء واللام مشددة ثديها بالإفراد والرفع فاعل أي سأل منه اللبن ومنه سمي الحليب لتحلبه. وقال في فتح الباري: أي تهيأ لأن يحلب قال: ولغير الكشميهني ثدييها بالتثنية (تسقي) بفوقية مفتوحة وسكون المهملة وكسر القاف. قال الحافظ ابن حجر: وللكشميهني بسقي بموحدة مكسورة بل
стр. 6699
الفوقية وفتح المهملة وسكون القاف وتنوين التحتية قال: وللباقين تسعى بفتح العين المهملة من السعي أي تمشي بسرعة تطلب ولدها الذي فقدته (إذا وجدت صبيًّا في السبي أخذته) أي فأرضعته ليخف عنها اللبن لكونها تضررت باجتماعه فوجدت ابنها فأخذته (فألصقته ببطنها وأرضعته) ولم يقف الحافظ ابن حجر على اسم ولدها. وقال العيني: إذا وجدت كلمة إذ ظرف، ويجوز أن تكون بدل اشتمال من امرأة قال: وفي بعض النسخ إذا أي بالإلف، لكن قال الحافظ ابن حجر: قوله إذا أي بالألف كذا للجميع (فقال لنا النبي ﷺ ¬):
(أترون) بضم الفوقية أي أتظنون (هذه) المرأة (طارحة ولدها) هذا (في النار قلنا لا) تطرحه (وهي تقدر على أن لا تطرحه) أي لا تطرحه مكرهة أبدًا (فقال) ﷺ : (لله) بفتح اللام للتأكيد وللإسماعيلي والله لله (أرحم بعباده) المؤمنين (من هذه) المرأة (بولدها). هذا وحكى الشيخ ابن أبي جمرة احتمال تعميمه حتى في الحيوانات، والحديث أخرجه مسلم في التوبة.
١٩ - باب جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (جعل الرحمة مائة جزء) ولأبي ذر: في مائة جزء.
٦٠٠٠ - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ البَهْرانِيُّ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا، وَأَنْزَلَ فِى الأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ حَتَّى تَرْفَعَ الْفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ».
وبه قال: (حدّثنا الحكم) بفتحتين، ولأبي ذر: أبو اليمان الحكم (بن نافع البهراني) بفتح الموحدة وسكون الهاء نسبة إلى قبيلة من قضاعة ينتهي نسبهم إلى بهر بن عمرو بن الحاف بن قضاعة وهذه اللفظة ثابتة في رواية أبي ذر قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم قال: (أخبرنا سعيد بن المسيب) بفتح التحتية المشددة ابن حزن الإمام أبو محمد المخزومي أحد الأعلام وسيد التابعين (أن أبا هريرة) ﵁ (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول):
(جعل الله الرحمة مائة جزء). وفي حديث سلمان عند مسلم: إن الله خلق مائة رحمة يوم خلق السماوات والأرض كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض الحديث. وخلق أي اخترع وأوجد بقوله كل رحمة طباق إلى آخره التعظيم والتكثير، ولأبي ذر في مائة جزء بزيادة في. قال في الكواكب: هي ظرفية يتم المعنى بدونها أو متعلقة بمحذوف وفيه نوع مبالغة حيث جعلها مظروفًا لها يعني بحيث لا يفوت منها شيء ورحمة الله غير متناهية لا مائة ولا مائتان لكنها عبارة عن القدرة المتعلقة بإيصال الخير والقدرة صفة واحدة والتعلق غير متناه فحصره في مائة في سبيل
стр. 6700
التمثيل تسهيلاً للفهم وتقليلاً لما عندنا وتكثيرًا لما عنده ، وهل المراد بالمائة التكثير والمبالغة أو الحقيقة، فيحتمل أن تكون مناسبة لعدد درج الجنة والجنة هي على الرحمة فكانت كل رحمة بإزاء درجة، وقد ثبت أنه لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله فمن نالته منها رحمة واحدة كان أدنى أهل الجنة منزلة وأعلاهم من حصلت له جميع الأنواع من الرحمة (فأمسك) تعالى (عنده تسعة وتسعين جزءًا) ولمسلم من رواية عطاء عن أبي هريرة وأخّر عنده تسعة وتسعين رحمة (وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا) القياس وأنزل إلى الأرض لكن حروف الجرّ يقوم بعضها مقام بعض أو فيه تضمين فعل، والغرض منه المبالغة يعني أنزل رحمة واحدة منتشرة في جميع الأرض، وفي رواية عطاء أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم (فمن ذلك الجزء تتراحم الخلق) بالراء والحاء المهملة (حتى ترفع الفرس حافرها) هو كالظلف للشاة (عن ولدها خشية أن تصيبه) أي خشية الإصابة. وفي رواية عطاء: فبها يتعاطفون وبها يتراحمون وبها يعطف الوحش على ولده، وفي حديث سلمان: فبها تعطف الوالدة على ولدها والوحش والطير بعضها على بعض، وزاد أنه يكملها يوم القيامة مائة رحمة بالرحمة التي في الدنيا.
وهذا الحديث أخرجه مسلم.
٢٠ - باب قَتْلِ الْوَلَدِ خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَهُ
(باب قتل الولد) أي قتل الرجل ولده (خشية أن يأكل معه) ولأبي ذر عن المستملي والكشميهني: باب التنوين أي الذنب أعظم.
٦٠٠١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَىُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهْوَ خَلَقَكَ» ثُمَّ قَالَ: أَىُّ؟ قَالَ: «أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَكَ» قَالَ: ثُمَّ أَىُّ؟ قَالَ: «أَنْ تُزَانِىَ حَلِيلَةَ جَارِكَ» وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) بالمثلثة العبدي قال: (أخبرنا سفيان) الثوري (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن عمرو بن شرحبيل) بفتح العين وشرحبيل بضم الشين المعجمة وفتح الراء وسكون الحاء المهملة وكسر الموحدة وبعد التحتية الساكنة لام بالصرف وعدمه في اليونينية الهمداني (عن عبد الله) بن مسعود ﵁ أنه (قال: قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال ﷺ ¬):
(أن تجعل لله ندًّا) بكسر النون وتشديد الدال المهملة منوّنة أي شريكًا والند المثل ولا يقال إلا للمثل المخالف المنادد (وهو) أي والحال أنه (خلقك ثم قال): أي ابن مسعود ولأبي ذر قلت ثم (أي؟ قال) ﵊: (أن تقتل ولدك خشية أن يأكل) ولأبي ذر عن الكشميهني: أن
стр. 6701
يطعم (معك) (قال) ابن مسعود (ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة) بالحاء المهملة أي زوجة (جارك) لأن فيه إساءة على من يستحق الإحسان (وأنزل الله تعالى تصديق قول النبي ﷺ ¬) في سورة الفرقان: (﴿والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر﴾) [الفرقان: ٦٨] أي لا يشركون. زاد أبو ذر الآية.
وهذا الحديث سبق في تفسير سورة الفرقان من كتاب التفسير.
٢١ - باب وَضْعِ الصَّبِىِّ فِى الْحِجْرِ
(باب وضع الصبي في الحجر) شفقة وتعطفًا عليه، وسقط لأبي ذر لفظ باب فالتالي رفع.
٦٠٠٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبِى عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ وَضَعَ صَبِيًّا فِى حِجْرِهِ يُحَنِّكُهُ فَبَالَ عَلَيْهِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدثني بالإفراد (محمد بن المثنى) أبو موسى العنزي قال: (حدّثنا يحيى بن سعيد) القطان (عن هشام) أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (أبي) عروة بن الزبير (عن عائشة) ﵂ (أن النبي ﷺ وضع صبيًّا) هو عبد الله بن الزبير كما عند الدارقطني أو الحسين بن علي كما عند الحاكم (في حجره) بفتح الحاء المهملة وكسرها وسكون الجيم حال كونه (يحنكه) بأن ذلك حنكه بتمرة بعد أن مضغها (فبال) الصبي (عليه) أي على ثوبه (فدعا) ﷺ (بماء فأتبعه) أي أتبع البول بالماء.
وهذا الحديث قد سبق في باب بول الصبيان من كتاب الطهارة.
٢٢ - باب وَضْعِ الصَّبِىِّ عَلَى الْفَخِذِ
(باب وضع الصبي على الفخذ).
٦٠٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَارِمٌ حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا تَمِيمَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِى عُثْمَانَ النَّهْدِىِّ يُحَدِّثُهُ أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْخُذُنِى فَيُقْعِدُنِى عَلَى فَخِذِهِ وَيُقْعِدُ الْحَسَنَ عَلَى فَخِذِهِ الأُخْرَى ثُمَّ يَضُمُّهُمَا ثُمَّ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمَا فَإِنِّى أَرْحَمُهُمَا».
وَعَنْ عَلِىٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ أَبِى عُثْمَانَ، قَالَ التَّيْمِىُّ: فَوَقَعَ فِى قَلْبِى مِنْهُ شَىْءٌ، قُلْتُ: حَدَّثْتُ بِهِ كَذَا وَكَذَا، فَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ أَبِى عُثْمَانَ فَنَظَرْتُ فَوَجَدْتُهُ عِنْدِى مَكْتُوبًا فِيمَا سَمِعْتُ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد لأبي ذر ولغيره بالجمع (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا عارم) بالعين المهملة وبعد الألف راء مكسورة فميم محمد بن الفضل السدوسي وهو من
стр. 6702
مشايخ المؤلّف روى عنه هنا بالواسطة قال: (حدّثنا المعتمر بن سليمان يحدث عن أبيه) سليمان بن طرخان التيمي أنه (قال: سمعت أبا تميمة) بفتح الفوقية طريف بفتح المهملة وكسر الراء آخره فاء ابن مجالد بالجيم الهجيمي بضم الهاء وفتح الجيم (يحدث عن أبي عثمان) عبد الرحمن بن مل (النهدي) بفتح النون وسكون الهاء (يحدثه) أي يحدث أبا تميمة (أبو عثمان) النهدي (عن أسامة بن زيد ﵄) أنه قال: (كان رسول الله ﷺ يأخذني فيقعدني على فخذه) بالمعجمتين (ويقعد الحسن) بن علي (على فخذه الأخرى) بالتأنيث، ولأبي ذر: الآخر بالتذكير. واستشكل بأن أسامة أسنّ من الحسن بكثير لأنه ﷺ أمره على جيش عند وفاته الشريفة وكان عمره فيما قيل عشرين سنة حينئذٍ وكان سن الحسن إذ ذاك ثمان سنين. وأجيب: باحتمال أن يكون أقعد أسامة على فخذه لنحو مرض أصابه فمرّضه بنفسه الشريفة لمزيد محبته له، وجاء الحسن فأقعده على الآخر أو أن إقعادهما ليس في وقت واحد أو عبّر عن إقعاده بحذاء فخذه لينظر في مرضه بقوله فيقعدني على فخذه مبالغة في شدة قربه منه (ثم يضمهما ثم يقول):
(اللهم ارحمهما) بسكون الميم على الجزم أي صل خيرك إليهما (فإني أرحمهما) بضم الميم أي أرق لهما وأتعطف عليهما.
والحديث سبق في فضائل أسامة وفضائل الحسن.
(و) به قال: البخاري (عن علي) هو ابن المديني أنه (قال: حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان قال: (حدّثنا سليمان) بن طرخان (عن أبي عثمان) عبد الرحمن بن مل (قال التيمي) سليمان بن طرخان أبو المعتمر بالسند السابق (فوقع) أي لما حدثني به أبو تميمة وقع (في قلبي منه شيء) من شك هل سمعته من أبي تميمة عن أبي عثمان النهدي أو سمعته من أبي عثمان بغير واسطة (قلت) في نفسي (حدثت) بفتح الحاء والدال كذا في الفرع وأصله وفي نسخة حدثت بضم أوله وكسر ثانيه (به) بهذا الحديث (كذا وكذا) أي كثيرًا (فلم أسمعه من أبي عثمان) النهدي (فنظرت) في كتابي (فوجدته) أي الحديث (عندي مكتوبًا) فيه (فيما سمعت) منه فزال الشك من عندي أي اعتمادًا على خطه وإن لم يتذكر، وهذا هو الراجح في الرواية. قال في فتح الباري فكأنه سمعه من أبي تميمة عن أبي عثمان، ثم لقي أبا عثمان فسمعه منه أو كان سمعه من أبي عثمان فثبته فيه أبو تميمة.
٢٣ - باب حُسْنُ الْعَهْدِ مِنَ الإِيمَانِ
هذا (باب) بالتنوين (حسن العهد) وهو كما قال في النهاية الحفاظ ورعاية الحرمة أو حفظ الشيء ومراعاته حالاً بعد حال كما قال الراغب (من الإيمان) أي من كماله.
٦٠٠٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ وَلَقَدْ هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ
стр. 6703
يَتَزَوَّجَنِى بِثَلَاثِ سِنِينَ لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَبُّهُ أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ فِى الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، وَإِنْ كَانَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ ثُمَّ يُهْدِى فِى خُلَّتِهَا مِنْهَا.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدثني (عبيد بن إسماعيل) الهباري قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: ما غرت) ما نافية (على امرأة ما غرت) موصولة أي الذي غرت (على) أي من (خديجة) ﵂ (ولقد هلكت قبل أن يتزوجني) ﷺ (بثلاث سنين لما) أي لأجل ما (كنت أسمعه يذكرها) ومن أحب شيئًا أكثر من ذكره (ولقد أمره ربه) (أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب) من لؤلؤ مجوّف (وإن كان) مخففة من الثقيلة أي وإنه كان (رسول الله ﷺ ¬) وسقط ما بعد كان لأبي ذر (ليذبح الشاة) بلام التأكيد (ثم يهدي) بضم التحتية (في خلتها منها) أي من الشاة المذبوحة وزاد في فضل خديجة ما يسعهن، ولمسلم ثم يهديها إلى خلائلها وفي الصحاح الخلة الخليل يستوي فيه المذكر والمؤنث لأنه في الأصل مصدر قولك فلان خليل بين الخلة. والحاصل أن ما كان من المصادر اسمًا يستوي فيه المذكر والمؤنث والمفرد وغيره، وجوز بعضهم أن يكون هذا من حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أي ثم يهدي إلى أهل خلتها.
فإن قلت: ما وجه المطابقة بين الحديث والترجمة؟ أجيب: بأن لفظ الترجمة ورد في حديث عائشة عند الحاكم والبيهقي في الشعب من طريق صالح بن رستم عن ابن أبي مليكة عن عائشة قالت: جاءت عجوز إلى النبي ﷺ فقال: كيف أنتم حالكم كيف كنتم بعدنا؟ قالت: بخير بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فلما خرجت قلت: يا رسول الله تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال فقال: يا عائشة إنها كانت تأتينا زمان خديجة وإن حسن العهد من الإيمان، فاكتفى البخاري بالإشارة على عادته تشحيذًا للأذهان تغمده الله تعالى بالرحمة والرضوان.
٢٤ - باب فَضْلِ مَنْ يَعُولُ يَتِيمًا
(باب فضل من يعولُ يتيمًا) أي يربيه ويقوم بمصالحه من قوت وكسوة وغيرهما.
٦٠٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنِى عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِى حَازِمٍ قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِى الْجَنَّةِ هَكَذَا»، وَقَالَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن عبد الوهاب) الحجبي البصري (قال: حدثني) بالإفراد (عبد العزيز بن أبي حازم) بالحاء المهملة والزاي (قال: حدثني) بالإفراد أيضًا (أبي) أبو حازم سلمة بن دينار (قال: سمعت سهل بن سعد) الساعدي (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(أنا وكافل اليتيم) القائم بمصالحه (في الجنة هكذا وقال): أي أشار (بإصبعيه) بالتثنية
стр. 6704
(السبابة) بالموحدتين بينهما ألف والأولى مشددة ولأبي ذر عن الكشميهني السباحة بالحاء بدل الموحدة الثانية التي يشار بها في تشهد الصلاة وسميت بالسبابة أيضًا لأنه يسب بها الشيطان حينئذٍ (والوسطى) زاد في اللعان وفرج بينهما أي بين السبابة والوسطى قال ابن حجر: وفيه إشارة إلى أن بين درجة النبي ﷺ وكافل اليتيم قدر تفاوت ما بين السبابة والوسطى وهو نظير قوله "بعثت أنا والساعة كهاتين".
والحديث سبق في الطلاق، وأخرجه أيضًا أبو داود والترمذي.
٢٥ - باب السَّاعِى عَلَى الأَرْمَلَةِ
(باب) فضل (الساعي على الأرملة) بفتح الميم.
٦٠٠٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِى مَالِكٌ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «السَّاعِى عَلَى الأَرْمَلَةِ، وَالْمِسْكِينِ، كَالْمُجَاهِدِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ -أَوْ كَالَّذِى يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ».
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن عبد الله) بن أبي أويس (قال: حدثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن صفوان بن سليم) بضم السين وفتح اللام مولى حميد بن عبد الرحمن المدني التابعي (يرفعه إلى النبي ﷺ ¬). قال في الكواكب: هذا مرسل لأن صفوان تابعي لكن لما قال يرفعه إلى النبي ﷺ صار مسندًا مجهولاً لأنه لم يذكر شيخه فيها ما للنسيان أو لغرض آخر ولا قدح بسببه (قال):
(الساعي على الأرملة) التي لا زوج لها سواء تزوجت قبل ذلك أم لا أو هي التي فارقها زوجها غنية كانت أو فقيرة وقال ابن قتيبة: سميت بذلك لما يحصل لها من الإرمال وهو الفقر وذهاب الزاد بفقد الزوج (والمسكين) والساعي هو الكاسب لهما العامل لمؤنتهما قاله النووي. قال في شرح المشكاة وإنما كان معنى الساعي على الأرملة ما قاله لأنه ﷺ عدّاه بعلى مضمنًا فيه معنى الإنفاق. وقوله (كالمجاهد في سبيل الله) أي في الأجر (أو كالذي يصوم النهار ويقوم الليل) متهجدًا والشك من الراوي وتعيينه يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى.
٠٠٠٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِى مَالِكٌ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِىِّ، عَنْ أَبِى الْغَيْثِ مَوْلَى ابْنِ مُطِيعٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .. مِثْلَهُ.
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن عبد الله الأويسي (قال: حدثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن ثور بن زيد) بالمثلثة وزيد من الزيادة (الديلي) بكسر الدال المهملة وسكون التحتية بغير همز وكسر اللام المدني (عن أبي الغيث) بالمعجمة والمثلثة سالم (مولى) عبد الله (بن مطيع عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ مثله) أي مثل الحديث السابق.
стр. 6705
٢٦ - باب السَّاعِى عَلَى الْمِسْكِينِ
(باب) فضل (الساعي على المسكين) أي لأجل المسكين وهو الكاسب.
٦٠٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِى الْغَيْثِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «السَّاعِى عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ، كَالْمُجَاهِدِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ»، وَأَحْسِبُهُ قَالَ: يَشُكُّ الْقَعْنَبِىُّ: «كَالْقَائِمِ لَا يَفْتُرُ وَكَالصَّائِمِ لَا يُفْطِرُ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي قال: (حدّثنا مالك) إمام الأئمة ابن أنس الأصبحي (عن ثور بن زيد) الديلي (عن أبي الغيث) سالم (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬) ولأبي ذر النبي (¬ ﷺ ¬):
(الساعي) الذي يذهب ويجيء في تحصيل ما ينفقه (على) المرأة (الأرملة) بفتح الميم التي لا زوج لها (والمسكين) في الثواب (كالمجاهد في سبيل الله) تعالى. قال عبد الله القعنبي: (وأحسبه) أي أحسب مالكًا (قال: يشك القعنبي) جملة معترضة بين القول ومقوله وهو قوله (كالقائم) الليل مجتهدًا (لا يفتر) أي لا يضعف عن التهجد (وكالصائم) النهار (لا يفطر) كقولهم نهاره صائم وليله قائم يريدون الديمومة. والألف واللام في قوله كالقائم وكالصائم غير معرفين ولذا وصف كل واحد بجملة فعلية بعده كقوله:
ولقد أمر على اللئيم يسبني
٢٧ - باب رَحْمَةِ النَّاسِ وَالْبَهَائِمِ
(باب رحمة الناس بالبهائم) كذا في الفرع وفي أصله وغيره الشراح بالواو بدل الموحدة وهو ظاهر من الأحاديث المسوقة في الباب وليس فيها ما يدل للأوّل.
٦٠٠٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ أَبِى سُلَيْمَانَ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ: أَتَيْنَا النَّبِىَّ ﷺ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً فَظَنَّ أَنَّا اشْتَقْنَا أَهْلَنَا وَسَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا فِى أَهْلِنَا فَأَخْبَرْنَاهُ، وَكَانَ رَفِيقًا رَحِيمًا فَقَالَ «ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِى أُصَلِّى وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ».
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا إسماعيل) بن إبراهيم يعرف بأمه علية قال: (حدّثنا أيوب) بن أبي تميمة السختياني (عن أبي قلابة) بكسر القاف عبد الله بن زيد الجرمي (عن أبي سليمان مالك بن الحويرث) الليثي نزيل البصرة أنه (قال: أتينا النبي ﷺ ونحن شببة) جمع شاب مثل كتبة وكاتب (متقاربون) في السن (فأقمنا عنده عشرين ليلة فظن) عليه
стр. 6706
الصلاة والسلام (أنّا اشتقنا أهلنا) ولأبي ذر: إلى أهلينا بزيادة حرف الجرّ والتحتية الساكنة بعد اللام (وسألنا) بفتح اللام (عمن تركنا في أهلنا) ولأبي ذر في أهلينا (فأخبرناه) بذلك (وكان رفيقًا) بالفاء ثم القاف من الرفق، ولأبي ذر عن الكشميهني رقيقًا بقافين من الرقة (رحيمًا فقال) لهم: (ارجعوا إلى أهليكم) من المجموع النادرة حيث يجمع على الأهلين والأهلات والأهالي (فعلموهم) أي الشرع (ومروهم) بالمأمورات أو علموهم الصلاة وأمروهم بها (وصلوا كما رأيتموني أصلي وإذا) بالواو ولأبي ذر فإذا (حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم ثم ليؤمكم) ولأبي ذر وليؤمكم بالواو بدل ثم (أكبركم) سنًّا.
والحديث قد مرّ في باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة من كتاب الصلاة.
٦٠٠٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِى مَالِكٌ، عَنْ سُمَىٍّ مَوْلَى أَبِى بَكْرٍ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِى بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِى كَانَ بَلَغَ بِى، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ»، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّ لَنَا فِى الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟ فَقَالَ، «فِى كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ».
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدثني) بالإفراد (مالك) إمام دار الهجرة (عن سميّ) بضم السين وفتح الميم وتشديد التحتية (مولى أبي بكر) أي ابن عبد الرحمن المخزومي (عن أبي صالح) ذكوان (السمان عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال):
(بينما) بالميم (رجل) أي يسم (يمشي بطريق اشتد) ولأبي ذر واشتد (عليه العطش فوجد بئرًا فنزل فيها فشرب ثم خرج) منها (فإذا كلب يلهث) بالمثلثة يخرج لسانه من العطش (يأكل الثرى) بالمثلثة التراب الندي (من العطش) الشديد الذي أصابه (فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب) بالنصب على المفعولية (من العطش مثل الذي كان بلغ بي فنزل البئر فملأ خفه ثم أمسكه بفيه) أي بفمه (فسقى الكلب فشكر الله) (له) ذلك أي جازاه عليه (فغفر له قالوا: يا رسول الله وإن لنا في) سقي (البهائم أجرًا؟ فقال) ﷺ (في) ولأبي ذر عن الكشمهني نعم في (كل ذات كبد رطبة) أي في سقي كل حيوان (أجر) والرطوبة كناية عن الحياة.
وهذا الحديث سبق في باب فضل سقي الماء من الشرب.
٦٠١٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى صَلَاةٍ وَقُمْنَا مَعَهُ فَقَالَ أَعْرَابِىٌّ وَهْوَ فِى
стр. 6707
الصَّلَاةِ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِى وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا، فَلَمَّا سَلَّمَ النَّبِىُّ ﷺ قَالَ لِلأَعْرَابِىِّ: «لَقَدْ حَجَّرْتَ وَاسِعًا» يُرِيدُ رَحْمَةَ اللَّهِ.
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (أن أبا هريرة) ﵁ (قال: قام رسول الله ﷺ في صلاة وقمنا معه فقال أعرابي) قيل هو الخويصرة وقيل الأقرع بن حابس (وهو في الصلاة: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا فلما سلم النبي ﷺ ¬) من الصلاة (قال للأعرابي):
(لقد حجرت) بفتح المهملة وتشديد الجيم وسكون الراء ضيقت (واسعًا) وخصصت ما هو عام (يريد) ﵊ (رحمةَ الله) التي وسعت كل شيء.
والحديث من إفراده.
٦٠١١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا، عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِى تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى».
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا زكريا) بن أبي زائدة (عن عامر) هو الشعبي أنه (قال: سمعته يقول: سمعت النعمان بن بشير) الأنصاري ﵁ (يقول: قال رسول الله ﷺ ¬):
(ترى المؤمنين في تراحمهم) بأن يرحم بعضهم بعضًا بأخوة الإسلام لا بسبب آخر (وتوادّهم) بتشديد الدال وأصله بدالين فأدغمت الأولى في الثانية أي تواصلهم الجالب للمحبة كالتزاور والتهادي (وتعاطفهم) بأن يعين بعضهم بعضًا كما يعطف طرف الثوب عليه ليقويه (كمثل الجسد) بالنسبة إلى جميع أعضائه ومثل بفتحتين (إذا اشتكى عضوًا) منه (تداعى له سائر جسده) دعا بعضه بعضًا إلى المشاركة (بالسهر) لأن لم يمنع النوم (والحمى) لأن فقد النوم يثيرها، والحاصل أن مثل الجسد في كونه إذا اشتكى بعضه اشتكى كله كالشجرة إذا ضرب غصن من أغصانها اهتزت الأغصان كلها بالتحرك والاضطراب وفيه جواز التشبيه وضرب الأمثال لتقريب المعاني للأفهام.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الأدب أيضًا.
٦٠١٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ غَرَسَ غَرْسًا فَأَكَلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ أَوْ دَابَّةٌ إِلاَّ كَانَ لَهُ صَدَقَةً».
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري
стр. 6708
(عن قتادة) بن دعامة (عن أنس بن مالك) ﵁ سقط لأبي ذر ابن مالك (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(ما من مسلم غرس غرسًا فأكل) بلفظ الماضي كغرس ولأبي ذر عن الكشميهني يأكل (منه إنسان أو دابة) من عطف العام على الخاص إن كان المراد ما دب على الأرض أو من عطف الجنس على الجنس إن كان المراد الدابة المعروفة (إلا كان له صدقة) ولأبي ذر له به صدقة وإن لم يقصد ذلك عينًا.
والحديث سبق في المزارعة.
٦٠١٣ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قَالَ: حَدَّثَنِى زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ».
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران (قال: حدثني) بالإفراد (زيد بن وهب) أبو سليمان الهمداني (قال: سمعت جرير بن عبد الله) البجلي (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(من لا يرحم) الخلق من مؤمن وكافر وبهائم مملوكة وغيرها كأن يتعاهدهم بالإطعام والسقي والتخفيف في الحمل وترك التعدي بالضرب في الدنيا (لا يرحم) في الآخرة ويرحم الأولى للفاعل والثانية للمفعول، وعند الطبراني: من لا يرحم من في الأرض لا يرحمه من في السماء. وقال ابن أبي جمرة: يحتمل أن يكون المعنى من لا يرحم نفسه بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه لا يرحمه الله لأنه ليس له عنده عهد فتكون الرحمة الأولى بمعنى الأعمال والثانية بمعنى الجزاء أي لا يثاب إلا من عمل صالحًا، وفي إطلاق رحمة العباد في مقابلة رحمة الله نوع مشاكلة ويرحم مرفوع على أن من موصولة والجزم على تضمنها معنى الشرط.
وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في التوحيد ومسلم في فضائله ﷺ .
٢٨ - باب الْوَصَاءَةِ بِالْجَارِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿مُخْتَالاً فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦]
(باب) وفي نسخة كتاب (الوصاءة بالجار) بفتح الواو والصاد المهملة المخففة بعدها همزة ممدودًا لغة في الوصية وكذا الوصاية بإبدال الهمزة ياء وفي نسخة كتاب البر والصلة (وقول الله تعالى: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وبالوالدين إحسانًا﴾) وأحسنوا بهما إحسانًا (إلى قوله: ﴿مختالاً) تياهًا جهولاً يتكبر عن إكرام أقاربه وأصحابه ومماليكه فلا يلتفت إليهم (﴿فخورًا﴾)
стр. 6709
[النساء: ٣٦] يفخر على عباد الله بما أعطاه من أنواع نعمه، وسقط لأبي ذر قوله إلى قوله ﴿مختالاً فخورًا﴾ وقال بعد قوله ﴿إحسانًا﴾ الآية، والمراد من الآية ما فيها من الإحسان بالجار والجار ذي القربى الذي قرب جواره والجار الجنب الذي بعد جواره أو الجار الأوّل القريب والنسب والآخر الأجنبي.
٦٠١٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِى أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا زَالَ يُوصِينِى جِبْرِيلُ بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ».
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: حدثني) بالإفراد (مالك) هو ابن أنس الإمام (عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو بكر بن محمد) أي ابن عمرو بن حزم (عن عمرة) بنت عبد الرحمن (عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(ما زال جبريل) ﵇ (يوصيني بالجار) مسلمًا كان أو كافرًا عابدًا أو فاسقًا صديقًا أو عدوًّا غريبًا أو بلديًّا ضارًّا أو نافعًا قريبًا أو أجنبيًّا قريب الدار أو بعيدها (حتى ظننت أنه سيورثه) أي أنه يأمرني عن الله بتوريث الجار من جاره بأن يجعله مشاركًا في المال مع الأقارب بسهم يعطاه، وفي البخاري من حديث جابر بلفظ "حتى ظننت أنه يجعل له ميراثًا". وفي حديث جابر عند الطبراني رفعه: الجيران ثلاثة.
جار له حق وهو المشرك له حق الجوار.
وجار له حقان وهو المسلم له حق الجوار وحق الإسلام.
وجار له ثلاثة حقوق جار مسلم له رحم له حق الجوار والإسلام والرحم.
وحديث الباب أخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجة في الأدب والترمذي في البر.
٦٠١٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِى بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن منهال) التميمي البصري الحافظ قال: (حدّثنا يزيد بن زريع) أبو معاوية البصري قال: (حدّثنا عمر بن محمد) بضم العين (عن أبيه) محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب (عن ابن عمر) جده (﵄) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(ما زال جبربل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) ويحصل امتثال الوصية بإيصال ضروب الإحسان إليه بحسب الطاقة كالهدية والسلام وطلاقة الوجه عند لقائه وتفقد حاله ومعاونته فيما يحتاج إليه، وكف أسباب الأذى عنه على اختلاف أنواعه حسية كانت أو معنوية.
стр. 6710
٢٩ - باب إِثْمِ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَايِقَهُ يُوبِقْهُنَّ: يُهْلِكْهُنَّ. مَوْبِقًا: مَهْلِكًا
(باب إثم من لا يأمن جاره بوائقه) بموحدة فواو مفتوحتين وبعد الألف تحتية مكسورة فقاف فهاء جمع بائقة وهي الغائلة أي لا يأمن جاره غوائله وشره (يوبقهن) من قوله تعالى: (﴿أو يوبقهن بما كسبوا﴾ [الشورى: ٣٤] قال أبو عبيد (يهلكهن. موبقًا) من قوله تعالى: (﴿وجعلنا بينهم موبقًا﴾ [الكهف: ٥٢] (مهلكًا) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
٦٠١٦ - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِى شُرَيْحٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: «وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ» قِيلَ وَمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الَّذِى لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَايِقَهُ» تَابَعَهُ شَبَابَةُ وَأَسَدُ بْنُ مُوسَى. وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ الأَسْوَدِ: وَعُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ وَشُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ أَبِى ذِئْبٍ عَنِ الْمَقْبُرِىِّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ.
وبه قال: (حدّثنا عاصم بن علي) الواسطي قال: (حدّثنا ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن (عن سعيد) المقبري (عن أبي شريح) بضم المعجمة وفتح الراء آخره حاء مهملة خويلد الخزاعي الصحابي ﵁ (أن النبي ﷺ قال):
(والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن) بالتكرار ثلاثًا أي إيمانًا كاملاً أو هو في حق المستحل أو أنه لا يجازى مجازاة المؤمن فيدخل الجنة من أوّل وهلة مثلاً أو أنه خرج مخرج الزجر والتغليظ (قيل: ومن يا رسول الله)؟ أي ومن الذي لا يؤمن والواو في ومن عطف على مقدر أي سمعنا قولك وما سمعنا من هو أو الواو زائدة أو استئنافية. قال في الفتح: ولأحمد من حديث ابن مسعود أنه السائل عن ذلك قال: وذكره المنذري في ترغيبه بلفظ: قالوا يا رسول الله لقد خاب وخسر من هو؟ وعزاه للبخاري وحده وما رأيته فيه بهذه الزيادة ولا ذكرها الحميدي في الجمع (قال) ﷺ : (الذي لا يأمن جاره بوائقه) بفتح التحتية من يأمن وفيه مع قوله لا يؤمن بالضم جناس التحريف والأول من الإيمان والثاني من الأمان وفي تكرير القسم ثلاثًا تأكيد حق الجار والحديث من إفراده.
(تابعه) أي تابع عاصم بن علي (شبابة) بفتح المعجمة وبموحدتين بينهما ألف مخففًا ابن سوار بفتح المهملة والواو وبعد الألف راء الفزاري في روايته عن ابن أبي ذئب مما وصله الإسماعيلي الأموي أسد السنة في روايته عن ابن أبي ذئب أيضًا (و) تابعه أيضًا (أسد بن موسى) مما أخرجه الطبراني في مكارم الأخلاق (وقال حميد بن الأسود) بضم الحاء المهملة مصغرًا الكرابيسي وهذه الرواية قال في المقدمة: لم أرها (و) قال (عثمان بن عمر) بضم العين ابن فارس البصري مما وصله أحمد في مسنده عنه (وأبو بكر بن عياش) بالتحتية والمعجمة القاري راوي عاصم (وشعيب بن إسحاق) الدمشقي قال الحافظ ابن حجر لم أرها الأربعة (عن ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن
стр. 6711
(عن المقبري) بضم الموحدة سعيد (عن أبي هريرة) ﵁، وقد اختلف أصحاب ابن أبي ذئب في صحابي هذا الحديث فقال سعيد المقبري وشبابة وأسد بن موسى عن أبي شريح. وقال الأربعة حميد وعثمان وابن عياش وشعيب عن أبي هريرة، فقال أحمد فيما روي عنه: من سمع من ابن أبي ذئب ببغداد يقول عن أبي شريح، ومن سمع منه بالمدينة يقول أبو هريرة. وصنيع البخاري يقتضي تصحيح الوجهين.
٣٠ - باب لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (لا تحقرن) بكسر القاف (جارة لجارتها).
٦٠١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ هُوَ الْمَقْبُرِىُّ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَقُولُ: «يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) الدمشقي ثم التنيسي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام قال: (حدّثنا سعيد هو المقبري) بضم الموحدة وسقطت لفظة هو لأبي ذر (عن أبيه) كيسان (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: كان النبي ﷺ يقول):
(يا نساء) الأنفس (المسلمات) من إضافة الموصوف إلى صفته أو تقديره يا فاضلات المسلمات كما يقال هؤلاء رجال القوم أي ساداتهم وأفاضلهم (لا تحقرن جارة) أن تهدي (لجارتها) شيئًا (ولو) أنها تهدي لها (فرسن شاة) بكسر الفاء والسين المهملة بينهما راء وهو ما فوق حافرها وهو كالقدم للإنسان أي ولو كان المهدي مما لا ينتفع به غالبًا ولتهد ما تيسر وإن كان قليلاً إذ هو خير من العدم، وخص النهي بالنساء لأنهن مواد المودة والبغضاء ولأنهن أسرع انفعالاً في كل منهما. وهذا الحديث أخرجه مسلم في الزكاة.
٣١ - باب مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ
هذا (باب) بالتنوين (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره).
٦٠١٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِى حَصِينٍ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء البلخي وسقط لأبي ذر ابن سعيد قال: (حدّثنا أبو الأحوص) سلام بتشديد اللام ابن سليم الكوفي (عن أبي حصين) بفتح الحاء وكسر الصاد
стр. 6712
المهملتين عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي (عن أبي صالح) ذكوان السمان (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(من كان يؤمن بالله) الذي خلقه إيمانًا كاملاً (واليوم الآخر) الذي إليه معاده وفيه مجازاته بعمله (فلا يؤذ جاره) فيه مع سابقه الأمر بحفظ الجار وإيصال الخير إليه وكف أسباب الضرر عنه. قال في بهجة النفوس: وإذا كان هذا في حق الجار مع الحائل بين الشخص وبينه فينبغي له أن يراعي حق الملكين الحافظين اللذين ليس بينه وبينهما جدار ولا حائل فلا يؤذيهما بإيقاع المخالفات في مرور الساعات، فقد جاء أنهما يسران بوقوع الحسنات ويحزنان بوقوع السيئات فينبغي مراعاة جانبهما وحفظ خواطرهما بالتكثير من عمل الطاعة والمواظبة على اجتناب المعصية فهما أولى برعاية الحق من كثير من الجيران (ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه). قال الداودي فيما نقله عنه في المصابيح يعني يزيد في إكرامه على ما كان يفعل في عياله، وقال في الكواكب: الأمر بالإكرام يختلف بحسب المقامات فربما يكون فرض عين أو فرض كفاية وأقله أنه من باب مكارم الأخلاق (ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا) ليغنم (أو ليصمت) بضم الميم وقد تكسر أي ليسكت عن الشر ليسلم إذ آفات اللسان كثيرة فاحفظ لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك، وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم. قال ابن مسعود: ما شيء أحوج إلى طول سجن من لسان، ولبعضهما: اللسان حية مسكنها الفم.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الإيمان وابن ماجة في الفتن.
٦٠١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِى سَعِيدٌ الْمَقْبُرِىُّ، عَنْ أَبِى شُرَيْحٍ الْعَدَوِىِّ قَالَ: سَمِعَتْ أُذُنَاىَ، وَأَبْصَرَتْ عَيْنَاىَ حِينَ تَكَلَّمَ النَّبِىُّ ﷺ فَقَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ» قَالَ: وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهْوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أَوْ لِيَصْمُتْ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي الكلاعي الحافظ قال: (حدثنا الليث) بن سعد الإمام (قال: حدثني) بالإفراد (سعيد المقبري عن أبي شريح) بضم المعجمة وفتح الراء آخره مهملة خويلد (العدوي) الخزاعي الكعبي الصحابيّ ﵁ (قال: سمعت أذناي وأبصرت عيناي حين تكلم النبي ﷺ ¬) وفائدة قوله سمعت وأبصرت التوكيد (فقال):
(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره) وفي مسلم من حديث أبي هريرة فليحسن إلى جاره (ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته) نصب مفعول ثان ليكرم لأنه في معنى الإعطاء أو بنزع الخافض أي بجائزته والجائزة العطاء (قيل: وما جائزته يا رسول الله؟
стр. 6713
فقال): جائزته (يوم وليلة) وجاز وقوع الزمان خبرًا عن الجثة إما باعتبار أن له حكم الظرف وإما مضاف مقدر أي زمان جائزته يوم وليلة (والضيافة ثلاثة أيام) باليوم الأول أو ثلاثة بعده والأول أشبه قال الخطابي: أي يتكلف له يومًا وليلة فيتحفه ويزيده في البر على ما يحضره في سائر الأيام وفي اليومين الأخيرين يقدم له ما حضر فإذا مضت الثلاثة فقد قضى حقه (فما كان) من البر (وراء ذلك) المذكور من الثلاثة (فهو صدقة عليه) وفي التعبير بالصدقة تنفير عنه لأن كثيرًا من الناس يأنفون غالبًا من أكل الصدقة وفي مسلم الضيافة ثلاثة أيام وجائزته يوم وليلة وهو يدل على المغايرة أي قدر ما يجوز به المسافر ما يكفيه يومًا وليلة أو أن قوله وجائزته بيان لحالة أخرى وهو أن المسافر تارة يقيم عند من ينزل عليه فهذا لا يزاد على الثلاثة وتارة لا يقيم فهذا يعطي ما يجوز به قدر كفايته يومًا وليلة ومنه حديث أجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، وسيكون لنا عودة إن شاء الله تعالى بعونه وقوّته إلى بقية مباحث هذا في باب إكرام الضيف. (ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت) بضم الميم. وقال الطوفي: بكسرها سمعناه وهو القياس كضرب يضرب يعني أن المرء إذا أراد أن يتكلم فليتفكّر قبل كلامه فإن علم أنه لا يترتب عليه مفسدة ولا يجرّ إلى محرم ولا مكروه فليتكلم وإن كان مباحًا فالسلامة في السكوت لئلا يجر المباح إلى محرم أو مكروه وقد اشتمل هذا الحديث من الطريقين على أمور ثلاثة تجمع مكارم الأخلاق الفعلية والقولية أما الأوّلان فمن الفعلية وأولهما يرجع إلى الأمر بالتخلي عن الرذيلة والثاني يرجع إلى الأمر بالتحلي بالفضيلة والحاصل أن من كان كامل الإيمان فهو متصف بالشفقة على خلق الله قولاً بالخير أو سكوتًا عن الشر أو فعلاً لما ينفع أو تركًا لما يضر.
٣٢ - باب حَقِّ الْجِوَارِ فِى قُرْبِ الأَبْوَابِ
(باب حق الجوار في قرب الأبواب) فمن كان أقرب كان الحق له.
٦٠٢٠ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبُو عِمْرَانَ قَالَ: سَمِعْتُ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِى جَارَيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِى قَالَ: «إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا».
وبه قال: (حدّثنا حجاج بن منهال) الأنماطي البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو عمران) عبد الملك الجوني بفتح الجيم وسكون الواو بعدها نون البصري (قال: سمعت طلحة) بن عبد الله بن عثمان بن عبيد الله التيمي القرشي (عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: قلت يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي)؟ بضم الهمزة من الإِهداء (قال) ﷺ :
(إلى أقربهما منك بابًا) نصب على التمييز أي أشدهما قربًا لأنه يرى ما يدخل بيت جاره من هدية وغيرها فيتشوّف لها بخلاف الأبعد وروي عن عليّ من سمع النداء فهو جار، وعن عائشة
стр. 6714
حق الجوار أربعون دارًا من كل جانب وعن كعب بن مالك عند الطبراني بسند ضعيف مرفوعًا: ألا إن أربعين دارًا جار.
وحديث الباب سبق في الشفعة.
٣٣ - باب كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (كل معروف) يفعله الإنسان أو يقوله من الخير مما ندب إليه الشارع أو نهى عنه يكتب له به (صدقة).
٦٠٢١ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ».
وبه قال: (حدّثنا علي بن عياش) بالتحتية والمعجمة الحمصي قال: (حدّثنا أبو غسان) بفتح الغين المعجمة والسين المهملة المشددة المفتوحتين وبعد الألف نون محمد بن مطرف بكسر الراء المشددة (قال: حدثني) بالإفراد (محمد بن المنكدر) بضم الميم وسكون النون وفتح الكاف وكسر الدال بعدها راء ابن عبد الله التيمي المدني الحافظ (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(كل معروف صدقة) وزاد الدارقطني والحاكم من طريق عبد الحميد بن الحسن الهلالي عن ابن المنكدر "وما أنفق الرجل على أهله كتب له به صدقة وما وقى المرء به عرضه فهو صدقة" وأخرجه البخاري في الأدب المفرد من طريق ابن المنكدر عن أبيه وزاد: ومن المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق وأن تكفئ من دلوك في إناء أخيك ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري، لكن قال شيخنا الحافظ السخاوي: الذي رأيته في الأدب المفرد إنما هو من طريق أبي غسان الذي أخرجه في الصحيح من جهته ولفظهما سواء. نعم هو في مسند أحمد من طريق ابن المنكدر باللفظ المشار إليه اهـ.
وحديث الباب من أفراد البخاري، وأخرجه مسلم من حديث حذيفة والله أعلم.
٦٠٢٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى بُرْدَةَ بْنِ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ» قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: «فَيَعْمَلُ بِيَدَيْهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ» قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَوْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: «فَيُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ» قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ قَالَ: «فَيَأْمُرُ بِالْخَيْرِ أَوْ قَالَ: بِالْمَعْرُوفِ» قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: «فَيُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ فَإِنَّهُ لَهُ صَدَقَةٌ».
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا سعيد بن
стр. 6715
أبي بردة) بضم الموحدة وسكون الراء عامر (بن أبي موسى) عبد الله بن قيس (الأشعري) سقط لفظ الأشعري لأبي ذر (عن أبيه) أي بردة (عن جده) أبي موسى أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(على كل مسلم) في مكارم الأخلاق (صدقة) وليس ذلك فرضًا إجماعًا (قالوا: فإن لم يجد)؟ ما يتصدق به (قال) ﷺ : (فيعمل بيديه) بالتثنية (فينفع نفسه) بما يكسبه من صناعة وتجارة ونحوهما بإنفاقه عليها ومن تلزمه نفقته ويستغني بذلك عن ذل السؤال لغيره (ويتصدق) فينفع غيره ويؤجر وقوله فيعمل فينفع ويتصدق بالرفع في الثلاثة خبر بمعنى الأمر قاله ابن مالك (قالوا: فإن لم يستطع) أي بأن عجز عن ذلك (أو لم يفعل)؟ ذلك كسلاً والشك من الراوي. (قال) ﷺ : (فيعين) بالقول أو الفعل أو بهما (ذا الحاجة الملهوف) أي المظلوم المستغيث يقال: لهف الرجل إذا ظلم أو المحزون المكروب (قالوا: فإن لم يفعل)؟ ذلك عجرًا أو كسلاً (قال) ﷺ : (فيأمر) ولأبي ذر فليأمر (بالخير أو قال بالمعروف) بالشك من الراوي أيضًا (قال: فإن لم يفعل؟ قال) ﵊: (فيمسك) ولأبي ذر فليمسك (عن الشر فإنه) أي الإمساك عنه (له صدقة) يثاب عليها وتمسك به من قال: إن الترك عمل وكسب للعبد خلافًا لمن قال: إنه ليس بعمل.
وسيكون لنا عودة إن شاء الله تعالى بقوّته وعونه إلى بقية مباحث ذلك في الرقاق، وسبق الحديث في الزكاة.
٣٤ - باب طِيبِ الْكَلَامِ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ»
(باب طيب الكلام. وقال أبو هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ : الكلمة الطيبة صدقة) كإعطاء المال لأن إعطاءه يفرح به قلب من يعطاه ويذهب ما في قلبه وكذلك الكلمة الطيبة كما قال ابن بطال، وهذا التعليق طرف من حديث وصله المؤلّف في الصلح والجهاد.
٦٠٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِى عَمْرٌو، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: ذَكَرَ النَّبِىُّ ﷺ : النَّارَ فَتَعَوَّذَ مِنْهَا وَأَشَاحَ بِوَجْهِهِ ثُمَّ ذَكَرَ النَّارَ فَتَعَوَّذَ مِنْهَا وَأَشَاحَ بِوَجْهِهِ، -، قَالَ شُعْبَةُ: أَمَّا مَرَّتَيْنِ فَلَا أَشُكُّ ثُمَّ قَالَ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ».
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: أخبرني) بالإفراد (عمرو) بفتح العين ابن مرة (عن خيثمة) بفتح الخاء المعجمة وبعد التحتية الساكنة مثلثة مفتوحة ابن عبد الرحمن (عن عدي بن حاتم) بالحاء المهملة الطائي أنه (قال: ذكر النبي ﷺ النار فتعوّذ منها) تعليمًا لأمته (وأشاح) بهمزة مفتوحة وشين معجمة بعدها ألف أي أعرض (بوجهه) فعل الحذر من الشيء الكاره له كأنه ﷺ كان يراها ويحذر وهجها فينحّي وجهه
стр. 6716
الكريم عنها (ثم ذكر النار فتعوّذ منها وأشاح بوجهه. قال شعبة) بن الحجاج بالسند السابق: (أما مرتين فلا أشك) وأما ثلاث مرات فأشك وأما بفتح الهمزة (ثم قال) ﷺ :
(اتقوا النار ولو بشق تمرة) بكسر الشين المعجمة نصف تمرة (فإن لم يجد) أحدكم شق تمرة والذي في اليونينية تجد بالفوقية (فبكلمة طيبة) وذكر الإفراد بعد الجمع من باب الالتفات.
والحديث سبق في صفة النار.
٣٥ - باب الرِّفْقِ فِى الأَمْرِ كُلِّهِ
(باب) فضل (الرفق) بكسر الراء لين الجانب والأخذ بالأسهل (في الأمر كله).
٦٠٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: دَخَلَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَفَهِمْتُهَا فَقُلْتُ: وَعَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَهْلاً يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِى الأَمْرِ كُلِّهِ» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَدْ قُلْتُ وَعَلَيْكُمْ».
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) الأويسي قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن صالح) هو ابن كيسان (عن ابن شهاب) الزهري (عن عروة بن الزبير) بن العوّام (أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ ¬) سقط قوله زوج النبي إلى آخره لأبي ذر (قالت: دخل رهط من اليهود) هو من الرجال ما دون العشرة (على رسول الله ﷺ فقالوا: السام) بالمهملة وتخفيف أم الموت (عليكم. قالت عائشة) ﵂ (ففهمتها فقلت) لهم (وعليكم السام واللعنة) سقطت الواو لأبي ذر (قالت: فقال رسول الله ﷺ ¬) ولأبي ذر النبي (¬ ﷺ ¬):
(مهلاً) بفتح الميم وسكون الهاء منصوب على المصدرية يستوي فيه الواحد فأكثر والمذكر والمؤنث أي تأني وارفقي (يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله) ولمسلم من حديث أبي شريح بن هانئ عنها أن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شأنه (فقلت: يا رسول الله ولم تسمع ما قالوا)؟ ولأبي ذر: أولم بهمزة الاستفهام وواو العطف (قال رسول الله ﷺ : قد قلت) لهم (وعليكم) بواو العطف الساقطة لأبي ذر، واستشكل بأن العطف يقتضي التشريك وهو غير جائز. وأجيب: بأن المشاركة في الموت أي نحن وأنتم كلنا نموت أو أن الواو للاستئناف لا للعطف أو تقديره وأقول عليكم ما تستحقونه، وإنما اختار هذه الصيغة لتكون أبعد عن الإيحاش وأقرب إلى الرفق.
والحديث أخرجه مسلم في الاستئذان والنسائي في التفسير وفي اليوم والليلة.
стр. 6717
٦٠٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِى الْمَسْجِدِ فَقَامُوا إِلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لا تُزْرِمُوهُ» ثُمَّ دَعَا بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَصُبَّ عَلَيْهِ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن عبد الوهاب) أو محمد الحجبي البصري قال: (حدّثنا حماد بن زيد) أي ابن درهم (عن ثابت) هو ابن أسلم البناني ولأبي ذر قال: حدّثنا ثابت (عن أنس بن مالك) ﵁ وسقط لأبي ذر ابن مالك (أن أعرابيًّا بال في المسجد فقاموا) أي الصحابة (إليه) لينالوا منه ضربًا أو غيره (فقال رسول الله ﷺ ¬) لهم:
(لا تزرموه) بضم الفوقية وسكون المعجمة وكسر الراء وضم الميم أي لا تقطعوا عليه بوله (ثم دعا) ﷺ (بدلو من ماء فصب عليه) بضم الصاد المهملة أي محل البول.
وسبق الحديث في باب ترك النبي ﷺ والناس الأعرابي حتى فرغ من بوله في المسجد في كتاب الطهارة.
٣٦ - باب تَعَاوُنِ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا
(باب) فضل (تعاون المؤمنين بعضهم بعضًا) بجرّ بعضهم بدلاً من المؤمنين بدل بعض من كل ويجوز الضم أيضًا، وقول الكرماني بعضًا نصب بنزع الخافض أي للبعض، وتعقبه العيني بأن الأوجه أن يكون مفعول المصدر المضاف إلى فاعله وهو لفظ التعاون لأن المصدر يعمل عمل فعله.
٦٠٢٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، بُرَيْدِ بْنِ أَبِى بُرْدَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِى جَدِّى أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَبِى مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ.
وَكَانَ النَّبِىُّ ﷺ جَالِسًا إِذْ جَاءَ رَجُلٌ يَسْأَلُ أَوْ طَالِبُ حَاجَةٍ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: «اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا، وَلْيَقْضِ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ»
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) الفريابي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن أبي بردة) بضم الموحدة وسكون الراء (بريد) بن عبد الله (بن أبي بردة) نسبه لجده واسم أبيه عبد الله وسقط لأبي ذر بردة الأولى (قال: أخبرني) بالإفراد (جدي أبو بردة) عامر (عن أبيه أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(المؤمن) أي بعض المؤمن (للمؤمن كالبنيان) فالألف واللام في المؤمن للجنس (يشدّ بعضه بعضًا) بيان لوجه التشبيه كقوله (ثم شبك بين أصابعه) أي شدًّا مثل هذا الشد (وكان النبي ﷺ جالسًا إذ جاء رجل يسأل أو طالب حاجة) بالإضافة ولأبي ذر أو طالب بالتنوين حاجة نصب
стр. 6718
مفعول والشك من الراوي وإذ بسكون الذال المعجمة في الفرع وفيه وفي اليونينية بغير رقم إذا بألف، وقال في الفتح: كذا أي بالألف في النسخ من رواية محمد الفريابي عن سفيان الثوري وفي تركيبه قلق ولعله كان الأصل كان إذا كان جالسًا إذا جاءه رجل فحذف اختصارًا أو سقط من الراوي لفظ إذا كان على أنني تتبعت ألفاظ الحديث من الطرق فلم أره في شيء منها بلفظ جالسًا، وتعقبه العيني بأنه لا قلق في التركيب أصلاً قال: وآفة هذا من ظن أن جالسًا خبر كان وليس كذلك، وإنما خبر كان قوله أقبل علينا وجالساً حال، وعند أبي نعيم من رواية إسحاق بن زريق عن الفريابي كان رسول اللهّ ﷺ إذا جاءه السائل أو طالب الحاجة (أقبل علينا بوجهه) الشريف (فقال: اشفعوا) في قضاء حاجة السائل أو الطالب (فلتؤجروا) بسكون اللام في الفرع. وقال في الكواكب: الفاء للسببية التي ينصب بعدها الفعل المضارع واللام بالكسر بمعنى كي وجاز اجتماعهما لأنهما لأمر واحد أو هي زائدة على مذهب الأخفش كزيادتها في قوله قوموا فلأصلي لكم أي اشفعوا كي تؤجروا، ويحتمل أن تكون اللام لام الأمر والمأمور به التعرض للأجر بالشفاعة فكأنه قال: اشفعوا تتعرضوا بذلك للأجر وتكسر هذه اللام على أصل لام الأمر ويجوز تسكينها تخفيفًا لأجل الحركة التي قبلها، ولكريمة مما في الفتح تؤجروا والجزم بحذف النون على جواب الأمر المتضمن معنى الشرط وهو واضح، وللنسائي: اشفعوا تشفعوا (وليقض الله) بسكون اللام في الفرع، قال في الفتح: كذا في هذه الرواية باللام، وقال القرطبي: لا يصح أن تكون لام الأمر لأن الله لا يؤمر ولا لام كي لأنه ثبت في الرواية بغير ياء، ويحتمل أن تكون بمعنى الدعاء أي: اللهم اقض أو الأمر هنا بمعنى الخبر أي إن عرض المحتاج حاجة عليّ فاشفعوا له إليّ فإنكم إذا شفعتم حصل لكم الأجر سواء قبلت شفاعتكم أو لا، ويجري الله (على لسان نبيه ما شاء) من موجبات قضاء الحاجة أو عدمها.
والحديث أخرجه النسائي.
٣٧ - باب
قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: ٨٥] كِفْلٌ: نَصِيبٌ. قَالَ أَبُو مُوسَى كِفْلَيْنِ: أَجْرَيْنِ بِالْحَبَشِيَّةِ.
(باب قول الله تعالى ﴿من يشفع شفاعة حسنة﴾) وهي التي روعي بها حق مسلم ودفع بها عنه شر أو جلب إليه خير وابتغي وجه الله ولم يؤخذ عليها رشوة وكانت في أمر جائز لا في حدّ من حدود الله ولا في حق من الحقوق ﴿يكن له نصيب منها﴾ من ثواب الشفاعة ﴿ومن يشفع شفاعة سيئة﴾ هي خلاف الشفاعة الحسنة ﴿يكن له كفل منها﴾ نصيب قال في اللباب: الظاهر أن من فى قوله هنا منها سببية أي كفل بسببها ونصيب بسببها ويجوز أن تكون ابتدائية ﴿وكان الله على
стр. 6719
كل شيء مقيتًا﴾ [النساء: ٨٥] مقتدرًا من أقات على الشيء اقتدر عليه أو حفيظًا من القوت لأنه يمسك النفس ويحفظها وسقط قوله: ﴿ومن يشفع شفاعة سيئة﴾ إلى آخره لأبي ذر.
(كفل) أي (نصيب) قاله أبو عبيدة زاد غيره إلا أن استعماله في الشر أكثر عكس النصيب وإن كان قد استعمل الكفل في الخير (قال أبو موسى): عبد الله بن قيس الأشعري مما وصله ابن أبي حاتم (كفلين) من قوله تعالى: ﴿يؤتكم كفلين من رحمته﴾ [الحديد: ٢٨] أي (أجرين بـ) ـاللغة (الحبشية) الموافقة للعربية وأراد البخاري أن الكفل يطلق على النصيب وعلى الأجر. قال ابن عادل: ولغلبة استعمال الكفل في الشر واستعمال النصيب في الأجر غاير بينهما في هذه الآية الكريمة إذ أتى بالكفل مع السيئة والنصيب مع الحسنة.
٦٠٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَتَاهُ السَّائِلُ أَوْ صَاحِبُ الْحَاجَةِ قَالَ: «اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا، وَلْيَقْضِ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مَا شَاءَ».
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدثني بالإفراد (محمد بن العلاء) بن كريب الهمداني الكوفي قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن بريد) أبي بردة بن عبد الله (عن) جده (أبي بردة) عامر (عن) أبيه (أبي موسى) عبد الله الأشعري ﵁ (عن النبي ﷺ أنه كان إذا أتاه السائل أو صاحب الحاجة) ولأبي ذر عن الكشميهني أو صاحب حاجة (قال) لمن حضره من أصحابه:
(اشفعوا) في حاجته إليّ (فلتؤجروا) بسبب شفاعتكم (وليقض الله) وللحموي والمستملي ويقضي الله بغير لام وإثبات الياء التحتية (على لسان رسوله) ﷺ (ما شاء) وفيه الحث على الشفاعة إلى الكبير في كشف كربة ومعونة ضعيف على مقصد مأذون فيه من الشرع.
٣٨ - باب لَمْ يَكُنِ النَّبِىُّ ﷺ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (لم يكن النبي ﷺ فاحشًا) بالطبع (ولا متفحشًا) بالتكلف أي لا ذاتيًا ولا عرضيًّا.
٦٠٢٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ، سَمِعْتُ مَسْرُوقًا قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ح حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو حِينَ قَدِمَ مَعَ مُعَاوِيَةَ إِلَى الْكُوفَةِ فَذَكَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا، وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ مِنْ أَخْيَرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ خُلُقًا».
стр. 6720
وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) الحوضي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن سليمان) بن مهران الأعمش أنه قال: (سمعت أبا وائل) شقيق بن سلمة يقول: (سمعت مسروقًا) أي ابن الأجدع (قال: قال عبد الله بن عمرو) بفتح العين ابن العاص (ح).
قال المؤلّف: (وحدّثنا) بالواو ولأبي ذر (قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد (عن الأعمش) سليمان (عن شقيق بن سلمة) أبي وائل (عن مسروق) هو ابن الأجدع أنه (قال: دخلنا على عبد الله بن عمرو) هو ابن العاص ﵄ (حين قدم مع معاوية) بن أبي سفيان ﵁ (إلى الكوفة) سنة إحدى وأربعين (فذكر رسول الله ﷺ فقال: لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا) بتشديد الحاء المهملة والفحش: كل ما خرج عن مقداره حتى يستقبح ويكون في القول والفعل والصفة يقال: طويل فاحش إذا أفرط في الطول لكن استعماله في القول أكثر (وقال) عبد الله بن عمرو (قال رسول الله ﷺ ¬):
(إن من أخيركم) بإثبات الهمزة بوزن أفضلكم على الأصل إلا أنهم تركوه غالبًا فيها وفي شر، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي من خيركم (أحسنكم خلقًا) بضمتين والروايتان بمعنى يقال فلان خير من فلان أي أفضل منه. وقال في الفتح: ووقع في بعضها بلفظ متفاحشًا والخلق ملكة تصدر بها الأفعال بسهولة من غير تفكّر، والحديث مضى في باب صفة النبي ﷺ .
٦٠٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ يَهُودَ أَتَوُا النَّبِىَّ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: عَلَيْكُمْ وَلَعَنَكُمُ اللَّهُ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، قَالَ: «مَهْلاً يَا عَائِشَةُ عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ وَالْفُحْشَ» قَالَتْ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: «أَوَلَمْ تَسْمَعِى مَا قُلْتُ؟ رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ فَيُسْتَجَابُ لِى فِيهِمْ وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِىَّ».
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر بالإفراد (محمد بن سلام) البيكندي قال: (أخبرنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي (عن أيوب) السختياني (عن عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة ﵂ أن يهودًا أتوا النبي) ولأبي ذر: أتوا رسول الله (¬ ﷺ فقالوا: السام) أي الموت (عليكم) وكان قتادة يرويه بالمد من السآمة وهي الملل أي تسأمون دينكم وقيل كانوا يعنون أماتكم الله الساعة (فقالت عائشة) ﵂ (عليكم) السام (ولعنكم الله وغضب الله عليكم قال): ﷺ
(مهلاً) بفتح الميم وسكون الهاء (يا عائشة عليك بالرفق وإياك والعنف) بتثليث العين والضم أكثر وسكون النون وهو ضد الرفق (والفحش) التكلم بالقبيح (قالت): يا رسول الله (أو لم تسمع ما قالوا؟ قال): ﷺ (أو لم تسمعي ما قلت) لهم؟ قال في المصابيح: وفي بعض النسخ أو لم تسمعين
стр. 6721
بإثبات النون على لغة من لم يجزم بها (رددت عليهم) دعاءهم (فيستجاب لي فيهم) لأنه دعاء بحق (ولا يستجاب لهم فيّ) لأنه دعاء بالباطل والظلم، وقوله فيّ بكسر الفاء وتشديد التحتية.
والحديث سبق في باب الرفق في الأمر كله.
٦٠٣١ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ قَالَ: أَخْبَرَنِى ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو يَحْيَى هُوَ فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أُسَامَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: لَمْ يَكُنِ النَّبِىُّ ﷺ سَبَّابًا وَلَا فَحَّاشًا وَلَا لَعَّانًا، كَانَ يَقُولُ لأَحَدِنَا عِنْدَ الْمَعْتَبَةِ: «مَا لَهُ تَرِبَ جَبِينُهُ».
[الحديث ٦٠٣١ - طرفه في: ٦٠٤٦].
وبه قال: (حدّثنا أصبغ) بن الفرج المصري (قال: أخبرني) بالإفراد (ابن وهب) عبد الله المصري قال: (أخبرنا أبو يحيى فليح بن سليمان) ولأبي ذر هو فليح بن سليمان (عن هلال بن أسامة) هو هلال بن علي وهلال بن أبي ميمون وهو هلال بن أسامة نسب إلى جده (عن أنس بن مالك ﵁) أنه (قال: لم يكن النبي ﷺ سبّابًا) بتشديد الموحدة (ولا فحّاشًا) بتشديد الحاء المهملة (ولا لعّانًا) بتشديد العين ولأبي ذر: ولا فاحشًا بدل فحاشًا المشددة. وفي الكواكب احتمال أن يكون السب يتعلق بالنسب كالقذف والفحش بالحسب واللعن بالآخرة لأنه البعد عن رحمة الله.
واستشكل التعبير بصيغة فعال المشددة وهي تقتضي التكثير فهي أخص من فاعل ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم. فإذا قلت: زيد ليس بفحاش أي ليس بكثير الفحش مع جواز أن يكون فاحشًا، وإذا قلت: ليس بفاحش انتفى الفحش من أصله فكيف قال: ولا فحاشًا والنبي ﷺ لم يتصف بشيء مما ذكر أصلاً ولا بقليل ولا كثير؟ أجيب: بأن فعالاً قد لا يراد بهما الكثير كقول طرفة:
ولست بحلال التلاع مخافة … ولكن متى يسترفد القوم أرفد
لا يريد أنه قد يحل التلاع قليلاً لأن ذلك يدفعه آخر البيت الذي يدل على نفي الحل على كل حال أو هي للنسب أي ليس بذي فحش البتة وكذا باقيها كقول امرئ القيس:
وليس بذي رمح فيطعنني به … وليس بذي سيف وليس بنبال
أي بذي نبل فينتفي أصل الفحش كما يدل عليه رواية ولا فاحشًا (كان يقول لأحدنا عند المعتبة) بفتح الميم وسكون العين المهملة وفتح المثناة الفوقية وكسرها بعدها موحدة مصدر عتب عليه يعتب عتبًا ومعتبة ومعاتبة قال الخليل: العتاب مخاطبة الإدلال ومذاكرة الموجدة.
(ما له) استفهام (ترب جبينه) كلمة جرت على لسان العرب لا يريدون حقيقتها أو دعاء له بالطاعة أي يصلّي فيتترب جبينه أو عليه بأن يسقط على رأسة على الأرض من جهة جبينه وهذه الأخيرة أوجه.
стр. 6722
٦٠٣٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَجُلاً اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ، وَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ النَّبِىُّ ﷺ فِى وَجْهِهِ وَانْبَسَطَ إِلَيْهِ فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ قَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ حِينَ رَأَيْتَ الرَّجُلَ قُلْتَ لَهُ كَذَا وَكَذَا ثُمَّ تَطَلَّقْتَ فِى وَجْهِهِ وَانْبَسَطْتَ إِلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا عَائِشَةُ مَتَى عَهِدْتِنِى فَحَّاشًا؟ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ»
[الحديث ٦٠٣٢ - طرفاه في: ٦٠٥٤، ٦١٣١].
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن عيسى) بفتح العين وسكون الميم أبو عثمان الضبعيّ البصري ثقة مستقيم الحديث وليس له في البخاري إلا هذا وآخر في الصلاة قال: (حدّثنا محمد بن سواء) بفتح المهملة وتخفيف الواو مهموز ممدود أبو الخطاب السدوسي المكفوف البصري ثقة له في البخاري هذا الحديث وآخر في المناقب قال: (حدّثنا روح بن القاسم) بفتح الراء وسكون الواو أبو غياث التميمي (عن محمد بن المنكدر) بن عبد الله التيمي المدني الحافظ (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة) ﵂ (أن رجلاً) قال عبد الغني بن سعيد في المبهمات هو مخرمة بن نوفل والد المسوّر، وقيل عيينة بن حصن الفزاري وكان يقال له الأحمق المطاع، وفي حواشي نسخة الدمياطي من البخاري بخطه الجزم بأنه مخرمة (استأذن على النبي ﷺ فلما رآه قال):
(بئس أخو العشيرة) الجماعة أو القبيلة (وبئس ابن العشيرة) وكان يظهر الإسلام ويخفي الكفر فأراد ﷺ أن يبين حاله وهذا من أعلام النبوّة لأنه ارتدّ بعده ﷺ وجيء به أسيرًا إلى أبي بكر ﵁ (فلما جلس تطلق) بفتح الفوقية والطاء المهملة واللام المشددة بعدها قاف أي انشرح وهشّ (النبي ﷺ في وجهه وانبسط إليه) لما جبل عليه من حسن الخُلق ورجا بذلك تأليفه ليسلم قومه لأنه كان رئيسهم ولم يواجهه بذلك لتقتدي أمته به في اتقاء شر من هو بهذه الصفة ليسلم من شره (فلما انطلق الرجل قالت له عائشة: يا رسول الله حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا) تعني قوله بئس أخو العشيرة إلى آخره (ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه فقال رسول الله ﷺ : يا عائشة متى عهدتني فحاشًا) بالتشديد ولأبي ذر عن الكشميهني فاحشًا بالتخفيف بدل التشديد (إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره) أي قبيح كلامه لأن المذكور كان من جفاة الأعراب، وفيه أن من اطّلع من حال شخص على شيء وخشي أن غيره يغتر بجميل ظاهره فيقع في محذور ما فعليه أن يطلعه على ما يحذر من ذلك قاصدًا نصيحته.
وقد استشكل فعله ﷺ مع الرجل بعد ذلك القول. وأجيب: بأنه لم يمدحه ولا أثنى عليه في وجهه فلا مخالفة بينهما، وقد قال الخطابي ﵀: ليس قوله ﷺ في أمته بالأمور التي يضيفها إليهم من المكروه غيبة، وإنما يكون ذلك من بعضهم في بعض اهـ.
стр. 6723
وهذا ينبغي تقييده بما إذا لم يكن لغرض شرعي وإلاّ فلا يكون غيبة بل ينبغي ذكره على ما سبق. والحديث أخرجه البخاري أيضًا ومسلم وأبو داود في الأدب والترمذي في البرّ.
٣٩ - باب حُسْنِ الْخُلُقِ وَالسَّخَاءِ وَمَا يُكْرَهُ مِنَ الْبُخْلِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِى رَمَضَانَ وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ لَمَّا بَلَغَهُ مَبْعَثُ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لأَخِيهِ: ارْكَبْ إِلَى هَذَا الْوَادِى فَاسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ، فَرَجَعَ فَقَالَ: رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الأَخْلَاقِ.
(باب حسن الخلق) بضم الخاء المعجمة واللام وتسكن مع فتح المعجمة وهما بمعنى في الأصل لكن خصّ الذي بالفتح بالهيئات والصور المدركة بالبصر وخصّ الذي بالضم بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة. (والسخاء) وهو إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي وبذل ما يقتنى بغير عوض وعطفه على سابقه من عطف الخاص على العام (وما يكره من البخل) وهو منع ما يطلب مما يقتنى وشره ما كان طالبه مستحقًا ولا سيما إن كان من غير مال المسؤول. وقوله: وما يكره من البخل يشير إلى أن بعض ما يطلق عليه اسم البخل قد لا يكون مذمومًا.
(وقال ابن عباس) ﵄ مما وصله المؤلّف في الإيمان (كان النبي ﷺ أجود الناس وأجود ما يكون) أي أجود أكوانه ﷺ حاصل (في رمضان) لمجموع ما في بقية الحديث من نزول القرآن والنازل به وهو جبريل والمذاكرة وهي مدارسة القرآن مع الوقت وهو شهر رمضان.
(وقال) ولأبي ذر عن الكشميهني وكان (أبو ذر) جندب الغفاري مما وصله المؤلّف بطوله في المبعث النبوي (لما بلغه مبعث النبي ﷺ قال لأخيه) أنيس (اركب إلى هذا الوادي) وادي مكة (فاسمع من قوله) ﷺ فأتى أنيس النبي ﷺ وسمع منه (فرجع) أي ثم رجع فالفاء فصيحة (فقال) لأخيه أبي ذر (رأيته) صلوات الله وسلامهُ عليه (يأمر بمكارم الأخلاق) جمع مكرمة بضم الراء وهي الكرم أي الفضائل والمحاسن.
٦٠٣٣ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، هُوَ ابْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَجْوَدَ النَّاسِ وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ فَاسْتَقْبَلَهُمُ النَّبِىُّ ﷺ قَدْ سَبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ وَهْوَ يَقُولُ: «لَنْ تُرَاعُوا لَنْ تُرَاعُوا» وَهْوَ عَلَى فَرَسٍ لأَبِى طَلْحَةَ عُرْىٍ مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ فِى عُنُقِهِ سَيْفٌ فَقَالَ: «لَقَدْ وَجَدْتُهُ بَحْرًا أَوْ إِنَّهُ لَبَحْرٌ».
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن عون) الواسطي قال: (حدّثنا حماد هو ابن زيد) أي ابن درهم الإمام أبو إسماعيل الأزدي (عن ثابت) البناني (عن أنس) ﵁ أنه (قال: كان النبي ﷺ أحسن الناس) خلقًا وخُلقًا (وأجود الناس) أي أكثرهم إعطاءً لما يقدر عليه (وأشجع الناس) أي
стр. 6724
أكثرهم إقدامًا إلى العدوّ في الجهاد مع عدم الفرار وحسن الصورة تابع لاعتدال المزاج وهو مستتبع لصفاء النفس الذي به جودة القريحة ونحوها وهذه الثلاث هي أمهات الأخلاق (ولقد فزع) بكسر الزاي أي خاف (أهل المدينة) لما سمعوا صوتًا في الليل أن يهجم عليهم عدوّ (ذات ليلة) لفظ ذات مقحمة (فانطلق الناس قِبل الصوت) أي جهته (فاستقبلهم النبي ﷺ قد سبق الناس إلى الصوت) واستكشف الخبر فلم يجد ما يخاف منه فرجع (وهو يقول): لهم تأنيسًا وتسكينًا لروعهم:
(لن تراعوا لن تراعوا) مرتين ولأبي ذر لم تراعوا بالميم فيهما قال الكرماني وغيره: أي لا تراعوا جحد بمعنى النهي أي لا تفزعوا، وقال صاحب المصابيح في قول التنقيح: لم بمعنى لا ومعناه لا تفزعوا لا أعلم أحدًا من النحاة قال بأن لم ترد بمعنى لا الناهية فحرّره (وهو) أي والحال أنه ﷺ (على فرس) اسمه مندوب (لأبي طلحة) زيد بن سهل الأنصاري (عري ما عليه سرج) تفسير لسابقه (في عنقه سيف فقال: لقد وجدته) أي الفرس (بحرًا أو إنه لبحر) أي كالبحر في سعة جريه.
والحديث سبق في الجهاد.
٦٠٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا ﵁ يَقُولُ: مَا سُئِلَ النَّبِىُّ ﷺ عَنْ شَىْءٍ قَطُّ فَقَالَ: لَا.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) العبدي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن ابن المنكدر) محمد أنه (قال: سمعت جابرًا ﵁ يقول: ما سئل النبي ﷺ عن شيء قط) أي ما طلب منه شيء. قال الكرماني: من أقوال الدنيا (فقال: لا) قال الفرزدق:
ما قال لا قط إلا في تشهده … لولا التشهد كانت لاءه نعم
وعند ابن سعد من مرسل ابن الحنفية إذا سئل فأراد أن يفعل قال: نعم، وإذا لم يرد أن يفعل يسكت ففيه أنه لا ينطق بالرد، بل إن كان عنده وكان الإعطاء سائغًا أعطى وإلاّ سكت.
وحديث الباب أخرجه في فضائل النبي ﷺ والترمذي في الشمائل.
٦٠٣٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِى شَقِيقٌ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو يُحَدِّثُنَا إِذْ قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا وَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا».
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث النخعي الكوفي قاضيها قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي (قال: حدثني) بالإفراد (شقيق) هو ابن سلمة (عن مسروق) هو ابن الأجدع أنه (قال: كنا جلوسًا مع عبد الله بن عمرو) بفتح العين ابن العاص ﵁ حال كونه (يحدّثنا إذ قال: لم يكن رسول الله ﷺ فاحشًا) بالطبع (ولا
стр. 6725
متفحشًا) بالتكلف (وإنه) ﵊ (كان يقول):
(إن خياركم أحاسنكم) ولأبي ذر عن الكشميهني أحسنكم (أخلاقًا) وفي الرواية السابقة إن من خياركم بإثبات من التبعيضية وهي مرادة هنا، وفي حسن الخلق أحاديث كثيرة يطول إيرادها، واختلف هل حسن الخلق غريزة أو مكتسب واستدلّ للأول بحديث ابن مسعود: إن الله قسّم أخلاقكم كما قسم أرزاقكم. رواه البخاري في الأدب المفرد، وسيكون لنا عودة إلى الإلمام بشيء من مبحث ذلك إن شاء الله تعالى في كتاب القدر بعون الله تعالى وقوته.
٦٠٣٦ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِبُرْدَةٍ فَقَالَ سَهْلٌ لِلْقَوْمِ: أَتَدْرُونَ مَا الْبُرْدَةُ؟ فَقَالَ الْقَوْمُ: هِىَ شَمْلَةٌ فَقَالَ سَهْلٌ: هِىَ شَمْلَةٌ مَنْسُوجَةٌ فِيهَا حَاشِيَتُهَا فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكْسُوكَ هَذِهِ؟ فَأَخَذَهَا النَّبِىُّ ﷺ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا فَلَبِسَهَا فَرَآهَا عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَحْسَنَ هَذِهِ فَاكْسُنِيهَا؟ فَقَالَ: «نَعَمْ» فَلَمَّا قَامَ النَّبِىُّ ﷺ لَامَهُ أَصْحَابُهُ قَالُوا: مَا أَحْسَنْتَ حِينَ رَأَيْتَ النَّبِىَّ ﷺ أَخَذَهَا مُحْتَاجًا إِلَيْهَا ثُمَّ سَأَلْتَهُ إِيَّاهَا وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ لَا يُسْأَلُ شَيْئًا فَيَمْنَعَهُ فَقَالَ: رَجَوْتُ بَرَكَتَهَا حِينَ لَبِسَهَا النَّبِىُّ ﷺ لَعَلِّى أُكَفَّنُ فِيهَا.
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن أبي مريم) هو سعيد بن الحكم بن محمد بن أبي مريم أبو محمد الجمحي مولاهم البصري قال: (حدّثنا أبو غسان) بفتح الغين المعجمة والسين المهملة المشددة وبعد الألف نون محمد بن مطرف (قال: حدثني) بالإفراد (أبو حازم) سلمة بن دينار (عن سهل بن سعد) الساعدي أنه (قال: جاءت امرأة) قال ابن حجر: لم أعرف اسمها (إلى النبي ﷺ ببردة فقال سهل) ﵁ (للقوم) الحاضرين عنده (أتدرون) بهمزة الاستفهام (ما البردة؟ فقال القوم: هي شملة. فقال سهل: هي شملة منسوجة فيها حاشيتها) أي لم تقطع من ثوب فتكون بلا حاشية أو أنها جديدة لم يقطع هدبها، وفي تفسير البردة بالشملة تجوّز لأن البردة كساء والشملة ما يشتمل به لكن لما أكثر استعمالهم لها أطلقوا عليها اسمها (فقالت: يا رسول الله أكسوك هذه) البردة. (فأخذها النبي ﷺ ¬) منها حال كونه (محتاجًا إليها فلبسها فرآها عليه رجل من الصحابة) قال في المقدمة: هو عبد الرحمن بن عوف رواه الطبراني فيما أفاده المحب الطبري، لكن لم يقف على ذلك في معجم الطبراني بل فيه من مسند مسهل بن سعد نقلاً عن قتيبة أنه سعد بن أبي وقاص (فقال: يا رسول الله ما أحسن هذه) البردة بنصب أحسن على التعجب (فاكسنيها. فقال) ﷺ :
(نعم. فلما قام النبي ﷺ لامه أصحابه فقالوا: ما أحسنت) نفي للإحسان والذي خاطبه بذلك منهم سهل بن سعد راوي الحديث كما بينه الطبراني من وجه آخر عنه. قال سهل: فقلت له ما أحسنت (حين رأيت النبي ﷺ أخذها محتاجًا إليها ثم سألته إياها) فيه استعمال ثاني الضميرين منفصلاً على ما قرر في محله من الموضوعات النحوية (وقد عرفت أنه) عليه الصلاة
следующие страницы →