← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21716

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط العلمية

القسطلاني

Полный текст (8 298 стр.). Показаны 6721–6760 · переход к 6726.

стр. 6721

بإثبات النون على لغة من لم يجزم بها (رددت عليهم) دعاءهم (فيستجاب لي فيهم) لأنه دعاء بحق (ولا يستجاب لهم فيّ) لأنه دعاء بالباطل والظلم، وقوله فيّ بكسر الفاء وتشديد التحتية. والحديث سبق في باب الرفق في الأمر كله. ٦٠٣١ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ قَالَ: أَخْبَرَنِى ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو يَحْيَى هُوَ فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أُسَامَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: لَمْ يَكُنِ النَّبِىُّ ﷺ سَبَّابًا وَلَا فَحَّاشًا وَلَا لَعَّانًا، كَانَ يَقُولُ لأَحَدِنَا عِنْدَ الْمَعْتَبَةِ: «مَا لَهُ تَرِبَ جَبِينُهُ». [الحديث ٦٠٣١ - طرفه في: ٦٠٤٦]. وبه قال: (حدّثنا أصبغ) بن الفرج المصري (قال: أخبرني) بالإفراد (ابن وهب) عبد الله المصري قال: (أخبرنا أبو يحيى فليح بن سليمان) ولأبي ذر هو فليح بن سليمان (عن هلال بن أسامة) هو هلال بن علي وهلال بن أبي ميمون وهو هلال بن أسامة نسب إلى جده (عن أنس بن مالك ﵁) أنه (قال: لم يكن النبي ﷺ سبّابًا) بتشديد الموحدة (ولا فحّاشًا) بتشديد الحاء المهملة (ولا لعّانًا) بتشديد العين ولأبي ذر: ولا فاحشًا بدل فحاشًا المشددة. وفي الكواكب احتمال أن يكون السب يتعلق بالنسب كالقذف والفحش بالحسب واللعن بالآخرة لأنه البعد عن رحمة الله. واستشكل التعبير بصيغة فعال المشددة وهي تقتضي التكثير فهي أخص من فاعل ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم. فإذا قلت: زيد ليس بفحاش أي ليس بكثير الفحش مع جواز أن يكون فاحشًا، وإذا قلت: ليس بفاحش انتفى الفحش من أصله فكيف قال: ولا فحاشًا والنبي ﷺ لم يتصف بشيء مما ذكر أصلاً ولا بقليل ولا كثير؟ أجيب: بأن فعالاً قد لا يراد بهما الكثير كقول طرفة: ولست بحلال التلاع مخافة … ولكن متى يسترفد القوم أرفد لا يريد أنه قد يحل التلاع قليلاً لأن ذلك يدفعه آخر البيت الذي يدل على نفي الحل على كل حال أو هي للنسب أي ليس بذي فحش البتة وكذا باقيها كقول امرئ القيس: وليس بذي رمح فيطعنني به … وليس بذي سيف وليس بنبال أي بذي نبل فينتفي أصل الفحش كما يدل عليه رواية ولا فاحشًا (كان يقول لأحدنا عند المعتبة) بفتح الميم وسكون العين المهملة وفتح المثناة الفوقية وكسرها بعدها موحدة مصدر عتب عليه يعتب عتبًا ومعتبة ومعاتبة قال الخليل: العتاب مخاطبة الإدلال ومذاكرة الموجدة. (ما له) استفهام (ترب جبينه) كلمة جرت على لسان العرب لا يريدون حقيقتها أو دعاء له بالطاعة أي يصلّي فيتترب جبينه أو عليه بأن يسقط على رأسة على الأرض من جهة جبينه وهذه الأخيرة أوجه.

стр. 6722

٦٠٣٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَجُلاً اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ، وَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ النَّبِىُّ ﷺ فِى وَجْهِهِ وَانْبَسَطَ إِلَيْهِ فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ قَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ حِينَ رَأَيْتَ الرَّجُلَ قُلْتَ لَهُ كَذَا وَكَذَا ثُمَّ تَطَلَّقْتَ فِى وَجْهِهِ وَانْبَسَطْتَ إِلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا عَائِشَةُ مَتَى عَهِدْتِنِى فَحَّاشًا؟ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ» [الحديث ٦٠٣٢ - طرفاه في: ٦٠٥٤، ٦١٣١]. وبه قال: (حدّثنا عمرو بن عيسى) بفتح العين وسكون الميم أبو عثمان الضبعيّ البصري ثقة مستقيم الحديث وليس له في البخاري إلا هذا وآخر في الصلاة قال: (حدّثنا محمد بن سواء) بفتح المهملة وتخفيف الواو مهموز ممدود أبو الخطاب السدوسي المكفوف البصري ثقة له في البخاري هذا الحديث وآخر في المناقب قال: (حدّثنا روح بن القاسم) بفتح الراء وسكون الواو أبو غياث التميمي (عن محمد بن المنكدر) بن عبد الله التيمي المدني الحافظ (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة) ﵂ (أن رجلاً) قال عبد الغني بن سعيد في المبهمات هو مخرمة بن نوفل والد المسوّر، وقيل عيينة بن حصن الفزاري وكان يقال له الأحمق المطاع، وفي حواشي نسخة الدمياطي من البخاري بخطه الجزم بأنه مخرمة (استأذن على النبي ﷺ فلما رآه قال): (بئس أخو العشيرة) الجماعة أو القبيلة (وبئس ابن العشيرة) وكان يظهر الإسلام ويخفي الكفر فأراد ﷺ أن يبين حاله وهذا من أعلام النبوّة لأنه ارتدّ بعده ﷺ وجيء به أسيرًا إلى أبي بكر ﵁ (فلما جلس تطلق) بفتح الفوقية والطاء المهملة واللام المشددة بعدها قاف أي انشرح وهشّ (النبي ﷺ في وجهه وانبسط إليه) لما جبل عليه من حسن الخُلق ورجا بذلك تأليفه ليسلم قومه لأنه كان رئيسهم ولم يواجهه بذلك لتقتدي أمته به في اتقاء شر من هو بهذه الصفة ليسلم من شره (فلما انطلق الرجل قالت له عائشة: يا رسول الله حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا) تعني قوله بئس أخو العشيرة إلى آخره (ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه فقال رسول الله ﷺ : يا عائشة متى عهدتني فحاشًا) بالتشديد ولأبي ذر عن الكشميهني فاحشًا بالتخفيف بدل التشديد (إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره) أي قبيح كلامه لأن المذكور كان من جفاة الأعراب، وفيه أن من اطّلع من حال شخص على شيء وخشي أن غيره يغتر بجميل ظاهره فيقع في محذور ما فعليه أن يطلعه على ما يحذر من ذلك قاصدًا نصيحته. وقد استشكل فعله ﷺ مع الرجل بعد ذلك القول. وأجيب: بأنه لم يمدحه ولا أثنى عليه في وجهه فلا مخالفة بينهما، وقد قال الخطابي ﵀: ليس قوله ﷺ في أمته بالأمور التي يضيفها إليهم من المكروه غيبة، وإنما يكون ذلك من بعضهم في بعض اهـ.

стр. 6723

وهذا ينبغي تقييده بما إذا لم يكن لغرض شرعي وإلاّ فلا يكون غيبة بل ينبغي ذكره على ما سبق. والحديث أخرجه البخاري أيضًا ومسلم وأبو داود في الأدب والترمذي في البرّ. ٣٩ - باب حُسْنِ الْخُلُقِ وَالسَّخَاءِ وَمَا يُكْرَهُ مِنَ الْبُخْلِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِى رَمَضَانَ وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ لَمَّا بَلَغَهُ مَبْعَثُ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لأَخِيهِ: ارْكَبْ إِلَى هَذَا الْوَادِى فَاسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ، فَرَجَعَ فَقَالَ: رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الأَخْلَاقِ. (باب حسن الخلق) بضم الخاء المعجمة واللام وتسكن مع فتح المعجمة وهما بمعنى في الأصل لكن خصّ الذي بالفتح بالهيئات والصور المدركة بالبصر وخصّ الذي بالضم بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة. (والسخاء) وهو إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي وبذل ما يقتنى بغير عوض وعطفه على سابقه من عطف الخاص على العام (وما يكره من البخل) وهو منع ما يطلب مما يقتنى وشره ما كان طالبه مستحقًا ولا سيما إن كان من غير مال المسؤول. وقوله: وما يكره من البخل يشير إلى أن بعض ما يطلق عليه اسم البخل قد لا يكون مذمومًا. (وقال ابن عباس) ﵄ مما وصله المؤلّف في الإيمان (كان النبي ﷺ أجود الناس وأجود ما يكون) أي أجود أكوانه ﷺ حاصل (في رمضان) لمجموع ما في بقية الحديث من نزول القرآن والنازل به وهو جبريل والمذاكرة وهي مدارسة القرآن مع الوقت وهو شهر رمضان. (وقال) ولأبي ذر عن الكشميهني وكان (أبو ذر) جندب الغفاري مما وصله المؤلّف بطوله في المبعث النبوي (لما بلغه مبعث النبي ﷺ قال لأخيه) أنيس (اركب إلى هذا الوادي) وادي مكة (فاسمع من قوله) ﷺ فأتى أنيس النبي ﷺ وسمع منه (فرجع) أي ثم رجع فالفاء فصيحة (فقال) لأخيه أبي ذر (رأيته) صلوات الله وسلامهُ عليه (يأمر بمكارم الأخلاق) جمع مكرمة بضم الراء وهي الكرم أي الفضائل والمحاسن. ٦٠٣٣ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، هُوَ ابْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَجْوَدَ النَّاسِ وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ فَاسْتَقْبَلَهُمُ النَّبِىُّ ﷺ قَدْ سَبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ وَهْوَ يَقُولُ: «لَنْ تُرَاعُوا لَنْ تُرَاعُوا» وَهْوَ عَلَى فَرَسٍ لأَبِى طَلْحَةَ عُرْىٍ مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ فِى عُنُقِهِ سَيْفٌ فَقَالَ: «لَقَدْ وَجَدْتُهُ بَحْرًا أَوْ إِنَّهُ لَبَحْرٌ». وبه قال: (حدّثنا عمرو بن عون) الواسطي قال: (حدّثنا حماد هو ابن زيد) أي ابن درهم الإمام أبو إسماعيل الأزدي (عن ثابت) البناني (عن أنس) ﵁ أنه (قال: كان النبي ﷺ أحسن الناس) خلقًا وخُلقًا (وأجود الناس) أي أكثرهم إعطاءً لما يقدر عليه (وأشجع الناس) أي

стр. 6724

أكثرهم إقدامًا إلى العدوّ في الجهاد مع عدم الفرار وحسن الصورة تابع لاعتدال المزاج وهو مستتبع لصفاء النفس الذي به جودة القريحة ونحوها وهذه الثلاث هي أمهات الأخلاق (ولقد فزع) بكسر الزاي أي خاف (أهل المدينة) لما سمعوا صوتًا في الليل أن يهجم عليهم عدوّ (ذات ليلة) لفظ ذات مقحمة (فانطلق الناس قِبل الصوت) أي جهته (فاستقبلهم النبي ﷺ قد سبق الناس إلى الصوت) واستكشف الخبر فلم يجد ما يخاف منه فرجع (وهو يقول): لهم تأنيسًا وتسكينًا لروعهم: (لن تراعوا لن تراعوا) مرتين ولأبي ذر لم تراعوا بالميم فيهما قال الكرماني وغيره: أي لا تراعوا جحد بمعنى النهي أي لا تفزعوا، وقال صاحب المصابيح في قول التنقيح: لم بمعنى لا ومعناه لا تفزعوا لا أعلم أحدًا من النحاة قال بأن لم ترد بمعنى لا الناهية فحرّره (وهو) أي والحال أنه ﷺ (على فرس) اسمه مندوب (لأبي طلحة) زيد بن سهل الأنصاري (عري ما عليه سرج) تفسير لسابقه (في عنقه سيف فقال: لقد وجدته) أي الفرس (بحرًا أو إنه لبحر) أي كالبحر في سعة جريه. والحديث سبق في الجهاد. ٦٠٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا ﵁ يَقُولُ: مَا سُئِلَ النَّبِىُّ ﷺ عَنْ شَىْءٍ قَطُّ فَقَالَ: لَا. وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) العبدي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن ابن المنكدر) محمد أنه (قال: سمعت جابرًا ﵁ يقول: ما سئل النبي ﷺ عن شيء قط) أي ما طلب منه شيء. قال الكرماني: من أقوال الدنيا (فقال: لا) قال الفرزدق: ما قال لا قط إلا في تشهده … لولا التشهد كانت لاءه نعم وعند ابن سعد من مرسل ابن الحنفية إذا سئل فأراد أن يفعل قال: نعم، وإذا لم يرد أن يفعل يسكت ففيه أنه لا ينطق بالرد، بل إن كان عنده وكان الإعطاء سائغًا أعطى وإلاّ سكت. وحديث الباب أخرجه في فضائل النبي ﷺ والترمذي في الشمائل. ٦٠٣٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِى شَقِيقٌ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو يُحَدِّثُنَا إِذْ قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا وَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا». وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث النخعي الكوفي قاضيها قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي (قال: حدثني) بالإفراد (شقيق) هو ابن سلمة (عن مسروق) هو ابن الأجدع أنه (قال: كنا جلوسًا مع عبد الله بن عمرو) بفتح العين ابن العاص ﵁ حال كونه (يحدّثنا إذ قال: لم يكن رسول الله ﷺ فاحشًا) بالطبع (ولا

стр. 6725

متفحشًا) بالتكلف (وإنه) ﵊ (كان يقول): (إن خياركم أحاسنكم) ولأبي ذر عن الكشميهني أحسنكم (أخلاقًا) وفي الرواية السابقة إن من خياركم بإثبات من التبعيضية وهي مرادة هنا، وفي حسن الخلق أحاديث كثيرة يطول إيرادها، واختلف هل حسن الخلق غريزة أو مكتسب واستدلّ للأول بحديث ابن مسعود: إن الله قسّم أخلاقكم كما قسم أرزاقكم. رواه البخاري في الأدب المفرد، وسيكون لنا عودة إلى الإلمام بشيء من مبحث ذلك إن شاء الله تعالى في كتاب القدر بعون الله تعالى وقوته. ٦٠٣٦ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِبُرْدَةٍ فَقَالَ سَهْلٌ لِلْقَوْمِ: أَتَدْرُونَ مَا الْبُرْدَةُ؟ فَقَالَ الْقَوْمُ: هِىَ شَمْلَةٌ فَقَالَ سَهْلٌ: هِىَ شَمْلَةٌ مَنْسُوجَةٌ فِيهَا حَاشِيَتُهَا فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكْسُوكَ هَذِهِ؟ فَأَخَذَهَا النَّبِىُّ ﷺ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا فَلَبِسَهَا فَرَآهَا عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَحْسَنَ هَذِهِ فَاكْسُنِيهَا؟ فَقَالَ: «نَعَمْ» فَلَمَّا قَامَ النَّبِىُّ ﷺ لَامَهُ أَصْحَابُهُ قَالُوا: مَا أَحْسَنْتَ حِينَ رَأَيْتَ النَّبِىَّ ﷺ أَخَذَهَا مُحْتَاجًا إِلَيْهَا ثُمَّ سَأَلْتَهُ إِيَّاهَا وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ لَا يُسْأَلُ شَيْئًا فَيَمْنَعَهُ فَقَالَ: رَجَوْتُ بَرَكَتَهَا حِينَ لَبِسَهَا النَّبِىُّ ﷺ لَعَلِّى أُكَفَّنُ فِيهَا. وبه قال: (حدّثنا سعيد بن أبي مريم) هو سعيد بن الحكم بن محمد بن أبي مريم أبو محمد الجمحي مولاهم البصري قال: (حدّثنا أبو غسان) بفتح الغين المعجمة والسين المهملة المشددة وبعد الألف نون محمد بن مطرف (قال: حدثني) بالإفراد (أبو حازم) سلمة بن دينار (عن سهل بن سعد) الساعدي أنه (قال: جاءت امرأة) قال ابن حجر: لم أعرف اسمها (إلى النبي ﷺ ببردة فقال سهل) ﵁ (للقوم) الحاضرين عنده (أتدرون) بهمزة الاستفهام (ما البردة؟ فقال القوم: هي شملة. فقال سهل: هي شملة منسوجة فيها حاشيتها) أي لم تقطع من ثوب فتكون بلا حاشية أو أنها جديدة لم يقطع هدبها، وفي تفسير البردة بالشملة تجوّز لأن البردة كساء والشملة ما يشتمل به لكن لما أكثر استعمالهم لها أطلقوا عليها اسمها (فقالت: يا رسول الله أكسوك هذه) البردة. (فأخذها النبي ﷺ ¬) منها حال كونه (محتاجًا إليها فلبسها فرآها عليه رجل من الصحابة) قال في المقدمة: هو عبد الرحمن بن عوف رواه الطبراني فيما أفاده المحب الطبري، لكن لم يقف على ذلك في معجم الطبراني بل فيه من مسند مسهل بن سعد نقلاً عن قتيبة أنه سعد بن أبي وقاص (فقال: يا رسول الله ما أحسن هذه) البردة بنصب أحسن على التعجب (فاكسنيها. فقال) ﷺ : (نعم. فلما قام النبي ﷺ لامه أصحابه فقالوا: ما أحسنت) نفي للإحسان والذي خاطبه بذلك منهم سهل بن سعد راوي الحديث كما بينه الطبراني من وجه آخر عنه. قال سهل: فقلت له ما أحسنت (حين رأيت النبي ﷺ أخذها محتاجًا إليها ثم سألته إياها) فيه استعمال ثاني الضميرين منفصلاً على ما قرر في محله من الموضوعات النحوية (وقد عرفت أنه) عليه الصلاة

стр. 6726

والسلام (لا يسأل شيئًا فيمنعه. فقال) الرجل: (رجوت بركتها حين لبسها النبى ﷺ لعلّى أكفّن فيها). والحديث سبق في الجنائز في باب من استعدّ للكفن. ٦٠٣٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ: أَخْبَرَنِى حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ وَيَنْقُصُ الْعَمَلُ، وَيُلْقَى الشُّحُّ، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ» قَالُوا وَمَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: «الْقَتْلُ الْقَتْلُ». وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم (قال: أخبرني) ولأبي ذر حدثني بالإفراد فيهما (حميد بن عبد الرحمن) بضم الحاء مصغرًا الحميري البصري (أن أبا هريرة) ﵁ (قال: قال رسول الله ﷺ ¬): (يتقارب الزمان) نفسه في الشر حتى يشبه أوله آخره أو أحوال الناس في غلبة الفساد عليهم أو المراد قصر أعمار أهله أو تسارع الدول في الانقضاء والقرون إلى الانقراض فيتقارب زمانهم (وينقص العمل) بالطاعات لاشتغال الناس بالدنيا، ولأبي ذر عن الكشميهني وينقص العلم (ويلقى) مبني للمفعول ويطرح (الشح) وهو البخل مع الحرص بيّن الناس أو في قلوبهم (ويكثر الهرج) بفتح الهاء وسكون الراء بعدها جيم (قالوا) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي قال: (وما الهرج؟ قال): هو (القتل) وهو (القتل) بالتكرير مرتين. قال الخطابي: هو بلسان الحبشة. وقال ابن فارس: هو الفتنة والاختلاط. والحديث أخرجه البخاري أيضًا في الفتن ومسلم في القدر وأبو داود في الفتن. ٦٠٣٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، سَمِعَ سَلاَّمَ بْنَ مِسْكِينٍ قَالَ: سَمِعْتُ ثَابِتًا يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ ﵁ قَالَ: خَدَمْتُ النَّبِىَّ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ فَمَا قَالَ لِى أُفٍّ وَلَا لِمَ صَنَعْتَ وَلَا أَلاَّ صَنَعْتَ؟. وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي أنه (سمع سلام بن مسكين) بتشديد اللام النمري بالنون (قال: سمعت ثابتًا) البناني (يقول: حدّثنا أنس ﵁ قال: خدمت النبي ﷺ عشر سنين) استشكل بما في مسلم من طريق إسحاق بن أبي طلحة عن أنس والله لقد خدمته تسع سنين. وأجيب: بأنه خدمه تسع سنين وأشهرًا وحينئذ ففي رواية عشر سنين جبر الكسر وفي رواية تسع ألغاه (فما قال لي أف) بضم الهمزة وكسر الفاء مشددة من غير تنوين، ولأبي ذر بفتحها وفيها أربعون لغة ذكرتها في كتابي الكبير في القراءات الأربعة عشر وهو صوت يدل على التضجر (ولا لم صنعت) كذا وكذا (ولا ألا) بفتح الهمزة وتشديد اللام أي هلا (صنعت)

стр. 6727

كذا وكذا وفيه تنزيه اللسان عن الزجر واستئلاف خاطر الخادم بترك معاتبته وهذا في الأمور المتعلقة بحظ الإنسان أما الأمور الشرعية فلا يتسامح فيها على ما لا يخفى. والحديث أخرجه مسلم. ٤٠ - باب كَيْفَ يَكُونُ الرَّجُلُ فِى أَهْلِهِ؟ هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (كيف يكون) حال (الرجل) إذا كان (في أهله). ٦٠٣٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ مَا كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَصْنَعُ فِى أَهْلِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ فِى مِهْنَةِ أَهْلِهِ، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ. وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) الحوضي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن الحكم) بفتحتين ابن عتيبة بضم العين (عن إبراهيم) النخعي (عن الأسود) بن يزيد أنه (قال: سألت عائشة) ﵂ (ما كان النبي ﷺ يصنع) إذا كان (في أهله؟ قالت: كان في مهنة أهله فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة) بكسر الميم وفتحها وصحح عليه في الفرع وأنكر الأصمعي الكسر أي في خدمة أهله ليقتدى به في التواضع وامتهان النفس. والحديث سبق في أبواب صلاة الجماعة من كتاب الصلاة. ٤١ - باب الْمِقَةِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى (باب المقة) بكسر الميم وفتح القاف المخففة أي المحبة الثابتة. (من الله) تعالى. ٦٠٤٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِى مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ فَيُنَادِى جِبْرِيلُ فِى أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِى أَهْلِ الأَرْضِ». وبه قال: (حدّثنا عمرو بن علي) بفتح العين وسكون الميم ابن بحر الباهلي البصري الصيرفي قال: (حدّثنا أبو عاصم) شيخ البخاري (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (موسى بن عقبة) بضم العين المهملة وإسكان القاف الأسدي مولى آل الزبير الفقيه الإمام في المغازي (عن نافع) مولى ابن عمر (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):

стр. 6728

(إذا أحب الله عبدًا) ولأبي ذر العبد (نادى جبريل: إن الله بحب فلانًا فأحبه) بفتح الهمزة وكسر المهملة بعدها موحدة مشددة مفتوحة وتضم وهو مذهب سيبويه والمحققين على الاتباع للهاء ولأبي ذر فأحببه بسكون المهملة فموحدة مكسورة فأخرى ساكنة بالفك، وفي حديث ثوبان عند أحمد والطبراني في الأوسط فيقول جبريل رحمة الله على فلان وتقول حملة العرش (فيحبه جبريل فينادي جبربل في أهل السماء إن الله يحب فلانًا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في) قلوب (أهل الأرض) فيحبونه ويميلون إليه ويرضون عنه، فمحبة الناس علامة محبة الله لعبده ومحبة الله لعبده إرادة الخير له ومحبة الملائكة استغفارهم له وإرادتهم الخير له لكونه مطيعًا، وسقط لأبي ذر لفظ أهل، وفي حديث ثوبان فينادي جبريل في أهل السماوات السبع ثم يوضع له القبول في الأرض. زاد الطبراني في حديث ثوبان ثم يهبط إلى الأرض، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿إن الدين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودًّا﴾ [مريم: ٩٦]. وحديث الباب سبق في باب ذكر الملائكة من بدء الخلق. ٤٢ - باب الْحُبِّ فِى اللَّهِ (باب الحب في) ذات (الله) من غير أن يشوبه رياء أو هوى. ٦٠٤١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «لَا يَجِدُ أَحَدٌ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ حَتَّى يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ، وَحَتَّى أَنْ يُقْذَفَ فِى النَّارِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ وَحَتَّى يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا». وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة السدوسي (عن أنس بن مالك ﵁) أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬): (لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى يحب المرء) بالنصب (لا يحبه إلا لله) قال الكرماني فإن قلت: الحلاوة إنما هي في المطعومات. وأجاب: بأنه شبه الإيمان بالعسل بجامع ميل القلوب إليهما وأسند إليه ما هو من خواص العسل فهو استعارة بالكناية (وحتى أن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله) أي منه وفصل بين الأحب وكلمة من لأن في الظرف توسعة (وحتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما). قال البيضاوي: إنما جعل هذه الأمور الثلاثة عنوانًا لكمال الإيمان المحصل لتلك اللذة لأنه لا يتم إيمان المرء حتى يتمكن في نفسه أن المنعم والقادر على الإطلاق هو الله تعالى ولا مانح ولا مانع سواه وما عداه وسائط لها، فإن الرسول هو المعطوف الحقيقي الساعي في إصلاح شأنه وإعلاء مكانه، وذلك يقتضي أن يتوجه بشراشره نحوه ولا يحب ما يحبه إلا لكونه وسطًا بينه

стр. 6729

وبينه، فإن تيقن أن جملة ما وعد به وأوعد حق لا يحوم الريب حوله فيتيقن أن الموعود كالواقع وأن الاستقلال بما يؤول إليه الشيء كملابسته فيحسب مجالس الذكر رياض الجنة، وأكل مال اليتيم أكل النار، والعود إلى الكفر الإلقاء في النار فيكره الإلقاء في النار، وثنّى الضمير هنا في قوله سواهما، وردّ على الخطيب: ومن عصاهما فقد غوى وأمره بالإفراد إيماء إلى أن المعتبر هنا هو المجموع المركب من المحبتين لا كل واحدة فإنها وحدها ضائعة لاغية، وأمر الخطيب بالإفراد إشعارًا بأن كل واحد من العصيانين يستقل باستلزام الغواية، فإن قوله: ومن عصى الله ورسوله من حيث إن العطف في تقدير التكرير والأصل فيه استقلال كل من المعطوف والمعطوف عليه في الحكم في قوة قولنا ومن عصى الله فقد غوى ومن عصى الرسول فقد غوى. وقد سبق شيء من ذلك عند ذكر الحديث في باب الإيمان وبالله المستعان. ٤٣ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١] (باب قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرًا منهم﴾ - إلى قوله- ﴿فأولئك هم الظالمون﴾) وسقط قوله ﴿عسى﴾ إلى آخره لأبي ذر، وقال بعد ﴿من قوم﴾ الآية. نهى عن السخرية وهي أن لا ينظر الإنسان إلى أخيه المسلم بعين الإجلال ولا يلتفت إليه ويسقطه عن درجته والقوم الرجال خاصة لأنهم القوّام بأمور النساء وهو في الأصل جمع قائم كصوم وزور في جمع صائم وزائر لكن فعل ليس من أبنية التكسير إلا عند الأخفش نحو: ركب وصحب، واختصاص القوم بالرجال صريح في الآية إذ لو كانت النساء داخلة في قوم لم يقل ولا نساء وحقق ذلك زهير في قوله: وما أدري ولست أخال أدري … أقوم آل حصن أم نساء فاختصاص القوم بالرجال في الآية من عطف ولا نساء على قوم، وفي الشعر من جعل أحد المتساويين يلي الهمزة والآخر يلي أم وتنكير القوم والنساء يحتمل معنيين أن يراد لا يسخر بعض المؤمنين والمؤمنات من بعض، وأن يقصد إفادة الشياع وأن يصير كل جماعة منهم منهية عن السخرية. قال في الانتصاف: لو عرّف المؤمنين فقال: لا يسخر المؤمنون والمؤمنات بعضهم من بعض لعمّ ومراده أن في التنكير يحصل أن كل جماعة منهية على التفصيل وهو واقع. وقال الطيبي: استغراق الجنس أيضًا يراد منه التفصيل. والمعرّف بتعرف العهد الذهني مفيد للتفصيل أيضًا كالنكرة إذ المعنى لا يسخر من هو مسمى بالقوم من قوم مثله. قال ابن جني: مفاد نكرة الجنس مفاد معرفته من حيث كان في كل جزء منه معنى ما في جملته انتهى. وقوله: ﴿عسى أن يكونوا خيرًا منهم﴾ كلام مستأنف ورد مورد جواب المستخبر عن علة النهي وإلاّ فقد كان حقه أن يوصل بما قبله بالفاء، والمعنى وجوب أن يعتقد كل واحد بأن

стр. 6730

المسخور منه ربما كان عند الله خيرًا من الساخر إذ لا اطّلاع للناس إلا على الظواهر ولا علم لهم بالسرائر، والذي يزن عند الله خلوص الضمائر فينبغي أن لا يجترئ أحد على الاستهزاء بمن تقتحمه عينه إذا رآه رثّ الحال أو ذا عاهة في بدنه أو غير لبيق أي غير حاذق في محادثته فلعله أخلص ضميرًا وأنقى قلبًا ممن هو على ضد صفته فيظلم نفسه بتحقير من وقّره الله تعالى. وعن ابن مسعود ﵁: البلاء موكّل بالقول لو سخرت من كلب لخشيت أن أحوّل كلبًا. وقوله: ﴿ولا تلمزوا أنفسكم﴾ فيه وجهان أحدهما: عيب الأخ إلى الأخ فإذا عابه فكأنه عاب نفسه، والثاني: أنه إذا عابه وهو لا يخلو عن عيب فيعيبه به المعاب فيكون هو بمعيبه حاملاً لغيره على عيبه فكأنه هو العائب نفسه، واللمز الطعن والضرب باللسان ﴿ولا تنابزوا﴾ ولا تدعوا ﴿بالألقاب﴾ السيئة التي يساء بها الإنسان ﴿بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان﴾ أي بئس الذكر المرتفع للمؤمنين بسبب ارتكاب هذه الجرائم أن يذكروا بالفسق، وقيل: أن يقول له يا يهودي يا فاسق بعدما آمن وبعد الإيمان استقباح للجمع بين الإيمان وبين الفسق، الذي يحظره الإيمان ﴿ومن لم يتب﴾ عما نهي عنه ﴿فأولئك هم الظالمون﴾ [الحجرات: ١١]. ٦٠٤٢ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ قَالَ: نَهَى النَّبِىُّ ﷺ أَنْ يَضْحَكَ الرَّجُلُ مِمَّا يَخْرُجُ مِنَ الأَنْفُسِ وَقَالَ: «بِمَ يَضْرِبُ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ ضَرْبَ الْفَحْلِ، ثُمَّ لَعَلَّهُ يُعَانِقُهَا» وَقَالَ الثَّوْرِىُّ: وَوُهَيْبٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامٍ «جَلْدَ الْعَبْدِ» وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عبد الله بن زمعة) بفتح الزاي والميم وتسكن والعين المهملة المفتوحة القرشي أنه (قال: نهى النبي ﷺ أن يضحك الرجل مما يخرج من الأنفس) من الضراط لأنه قد يكون بغير الاختيار ولأنه أمر مشترك بين الكل. (وقال): ﷺ (بمَ) ولأبي ذر عن الكشميهني لم باللام بدل الموحدة (يضرب أحدكم امرأته ضرب الفحل) أي كضرب الفحل، ولأبي ذر أو العبد بالشك من الراوي (ثم لعله يعانقها. وقال الثوري) سفيان مما وصله المؤلّف في النكاح (ووهيب) بضم الواو مصغرًا ابن خالد البصري مما وصله أيضًا في التفسير (وأبو معاوية) محمد بن خازم بالمعجمتين بينهما ألف آخره ميم مما وصله أحمد الثلاثة (عن هشام) بن عروة بلفظ (جلد العيد) بدل ضرب الفحل من غير شك. ٦٠٤٣ - حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : بِمِنًى: «أَتَدْرُونَ أَىُّ يَوْمٍ هَذَا»؟ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «فَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ حَرَامٌ، أَفَتَدْرُونَ أَىُّ بَلَدٍ هَذَا»؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «بَلَدٌ حَرَامٌ أَتَدْرُونَ أَىُّ شَهْرٍ هَذَا»؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «شَهْرٌ حَرَام

стр. 6731

قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِى شَهْرِكُمْ هَذَا فِى بَلَدِكُمْ هَذَا». وبه قال: (حدثني) بالإفراد (محمد بن المثنى) العنزي الحافظ قال: (حدّثنا يزيد بن هارون) أبو خالد السلمي الواسطي أحد الأعلام قال: (أخبرنا عاصم بن محمد بن زيد عن أبيه) محمد بن زيد (عن ابن عمر) جدّه (﵄) أنه (قال: قال النبي ﷺ بمنى) في حجة الوداع: (أتدرون أيّ يوم هذا)؟ برفع هذا (قالوا: الله ورسوله أعلم) بذلك (قال: فإن هذا يوم حرام) حرّم الله فيه القتل (أتدرون أي بلد هذا)؟ (قالوا: الله ورسوله أعلم. قال): هو (بلد حرام. أتدرون) ولأبي ذر قال أتدرون (أي شهر هذا)؟ (قالوا: الله ورسوله أعلم. قال) هو (شهر حرام). وليس المراد بالحرام عين اليوم والبلد والشهر وإنما المراد ما يقع فيها من القتال ومراده ﵊ أن يذكرهم حرمة ذلك وتقريرها في نفوسهم ليبني عليه ما أراد تقريره حيث (قال: فإن الله حرّم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة يومكم هذا) يوم النحر (في شهركم هذا) ذي الحجة (في بلدكم هذا) مكة إلا بحقها، والحديث سبق في باب الخطبة أيام منى. ٤٤ - باب مَا يُنْهَى مِنَ السِّبَابِ وَاللَّعْنِ (باب ما ينهى) عنه (من السباب) بكسر السين المهملة وتخفيف الموحدة من باب التفاعل أو بمعنى السب أي من الشتم (واللعن) وهو التبعيد من رحمة الله تعالى. ٦٠٤٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» تَابَعَهُ غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاح (عن منصور) هو ابن المعتمر أنه (قال: سمعت أبا وائل) شقيق بن سلمة (يحدّث عن عبد الله) بن مسعود ﵁ (قال: قال رسول الله ﷺ ¬): (سباب المسلم) مصدر مضاف للمفعول أي شتمه والتكلم في عرضه بما يعيبه ويؤلمه (فسوق) فجور (وقتاله) أي مقاتلته (كفر) وليس المراد حقيقة الكفر المخرج عن الإسلام، وإنما المراد المبالغة في التحذير أو المراد الكفر اللغوي الذي هو الستر كأنه بقتاله له ستر ما له عليه من حق الإعانة وكفّ الأذى أو المراد من قاتل مستحلاًّ. والحديث سبق في باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله من كتاب الإيمان. (تابعه) أي تابع سليمان بن حرب (غندر) فيما وصله أحمد ولأبي ذر محمد بن جعفر بدل قوله غندر (عن شعبة) بن الحجاج.

стр. 6732

٦٠٤٥ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ أَنَّ أَبَا الأَسْوَدِ الدِّيلِىَّ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَرْمِى رَجُلٌ رَجُلاً بِالْفُسُوقِ، وَلَا يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ إِلاَّ ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ». وبه قال: (حدّثنا أبو معمر) بفتح الميمين بينهما مهملة ساكنة عبد الله بن عمرو المنقري المصري قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد (عن الحسين) بن ذكوان المعلم (عن عبد الله بن بريدة) بضم الموحدة وفتح الراء ابن حصيب الأسلمي قاضي مرو قال: (حدثني) بالإفراد (يحيى بن يعمر) بفتح التحتية والميم بينهما مهملة ساكنة (أن أبا الأسود) ظالم بن عمرو (الديلي) بكسر الدال المهملة وسكون التحتية ولأبي ذر الدؤلي بضم الدال بعدها همزة مفتوحة أوّل من تكلم بالنحو (حدّثه عن أبي ذر) جندب بن جنادة (﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول): (لا يرمي رجل رجلاً بالفسوق) كأنه يقول له: يا فاسق (ولا يرميه بالكفر) كأن يقول له: يا كافر (إلا ارتدت عليه) الرمية فيصير فاسقًا أو كافرًا (إن لم يكن صاحبه) المرمي (كذلك) وإن كان موصوفًا بذلك فلا يرتد إليه شيء لكونه صدق فيما قاله فإن قصد بذلك تعييره وشهرته بذلك وأذاه حرم عليه لأنه مأمور بستره وتعليمه وموعظته بالحسنى، فمهما أمكنه ذلك بالرفق حرم عليه فعله بالعنف لأنه قد يكون سببًا لإغوائه وإصراره على ذلك الفعل كما في طبع كثير من الناس من الأنفة لا سيما إن كان الآمر دون المأمور في الدرجة فإن قصد نصحه أو نصح غيره ببيان حاله جاز له ذلك. والحديث أخرجه مسلم في الإيمان. ٦٠٤٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ عَلِىٍّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاحِشًا وَلَا لَعَّانًا وَلَا سَبَّابًا كَانَ يَقُولُ: عِنْدَ الْمَعْتَبَةِ «مَا لَهُ تَرِبَ جَبِينُهُ»؟. وبه قال: (حدّثنا محمد بن سنان) العوفي قال: (حدّثنا فليح بن سليمان) بضم الفاء وفتح اللام بعدها تحتية ساكنة فمهملة العدوي مولاهم المدني قال: (حدّثنا هلال بن علي) وهو هلال بن أبي ميمون وهو هلال بن أسامة نسب إلى جدّه (عن أنس) ﵁ أنه (قال: لم يكن رسول الله ﷺ فاحشًا) بالطبع (ولا لعّانًا ولا سبّابًا) بتشديد العين والموحدة فيهما أي بالتكلف (كان يقول عند المعتبة): بفتح الميم والفوقية عند الموجدة والسخط. (ما له) استفهام (ترب) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: تربت (جبينه) أي لا أصاب خيرًا فهي دعاء عليه أو هي كلمة تقولها العرب لا يريدون بها ذلك.

стр. 6733

والحديث سبق قريبًا. ٦٠٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ أَنَّ ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلَامِ فَهْوَ كَمَا قَالَ، وَلَيْسَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَىْءٍ فِى الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَعَنَ مُؤْمِنًا فَهْوَ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهْوَ كَقَتْلِهِ». وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بندار البصري قال (حدّثنا عثمان بن عمر) بن فارس البصري قال: (حدّثنا علي بن المبارك) الهنائي (عن يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة الإمام أبي نصر اليماني الطائي أحد الأعلام (عن أبي قلابة) بكسر القاف عبد الله بن زيد الجرمي (أن ثابت بن الضحاك) الأنصاري الأشهلي (وكان من أصحاب الشجرة) شجرة الرضوان بالحديبية (حدّثه أن رسول الله ﷺ قال): (من حلف على ملة غير الإسلام) بتنوين ملة فغير صفة وعلى بمعنى الباء، ويحتمل أن يكون التقدير من حلف على شيء بيمين فحذف المجرور وعدى الفعل بعلى بعد حذف الباء، والأوّل أقل في التعبير كأن يقول: إن فعل كذا فهو يهودي أو نصراني كاذبًا (فهو كما قال) الفاء جواب الشرط وهو مبتدأ أو كما يقول في محل الخبر أي فهو كائن كما قال، أو الكاف بمعنى مثل فتكون ما مع ما بعدها في موضع جر بالإضافة أي فهو مثل قوله فتكون ما مصدرية، ويحتمل أن تكون موصولة والعائد محذوف أي فهو كالذي قاله، والمعنى فمثله مثل قوله لأن هذا الكلام محمول على التعليق مثل أن يقول هو يهودي أو نصراني إن كان فعل كذا، والحاصل أنه يحكم عليه بالذي نسبه لنفسه وظاهره أنه يكفر أو هو محمول على من أراد أن يكون متصفًا بذلك إذا وقع المحلوف عليه لأن إرادة الكفر كفر فيكفر في الحال، أو المراد التهديد والمبالغة في الوعيد لا الحكم وإن قصد تبعيد نفسه عن الفعل فليس بيمين ولا يكفر به وإن قال: واللات والعزى وقصد التعظيم واعتقد فيها من التعظيم ما يعتقده في الله كفر وإلاّ فلا. قإل في الروضة: وليقل لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ أي الحديث الصحيح عن أبي هريرة مرفوعًا: من حلف فقال في حلفه اللات والعزى فليقل لا إله إلا الله، ففيه دليل على أنه لا كفارة على من حلف بغير الإسلام بل يأثم وتلزمه التوبة لأنه ﷺ جعل عقوبته في دينه ولم يوجب في ماله شيئًا وإنما أمره بكلمة التوحيد لأن اليمين إنما تكون بالمعبود فإذا حلف باللات والعزى فقد ضاهى الكفار في ذلك فأمره أن يتداركه بكلمة التوحيد قاله البغوي في شرح السنّة. (وليس على ابن آدم نذر) أي ليس عليه وفاء نذر (فيما لا يملك) كأن يقول: إن شفى الله مريضي فعبد فلان حر أو أتصدق بدار زيد أما لو قال نحو: إن شفى الله مريضي فعلّي عتق رقبة

стр. 6734

ولا يملك شيئًا في تلك الحالة، فليس من النذر فيما لا يملك لأنه يقدر عليه في الجملة حالاً أو مالاً فهو يملكه بالقوة، وقوله نذر رفع اسم ليس وعلى ابن آدم في موضع الخبر ويما يتعلق بنذر لأنه مصدر أو يتعلق بصفة لنذر أي نذر ثابت فيما لا يملك ولا يملك جملة في محل صلة ما وما صلتها في محل جر بفي (ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذّب به يوم القيامة) ليكون الجزاء من جنس العمل وإن كان عذاب الآخرة أعظم (ومن لعن مؤمنًا فهو كقتله) في التحريم أو في العقاب أو في الإبعاد لأن اللعن تبعيد من رحمة الله، والقتل تبعيد من الحياة والضمير للمصدر الذي دل عليه الفعل أي: فلعنه كقتله والتقييد بالمؤمن للتشنيع أو للاحتراز عن الكافر إذ لا خلاف في لعن الكافر جملة بلا تعيين، أما لعن العاصي المعين فالمشهور فيه المنع، ونقل ابن العربي الاتفاق عليه (ومن قذف مؤمنًا) رماه (بكفر فهو كقتله) لأن النسبة إلى الكفر الموجب للقتل كالقتل في أن المتسبب للشيء كفاعله. ٦٠٤٨ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِى حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنِى عَدِىُّ بْنُ ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ صُرَدٍ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَغَضِبَ أَحَدُهُمَا فَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى انْتَفَخَ وَجْهُهُ وَتَغَيَّرَ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «إِنِّى لأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ الَّذِى يَجِدُ» فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ فَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ: «تَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ» فَقَالَ: أَتُرَى بِى بَأْسٌ أَمَجْنُونٌ أَنَا اذْهَبْ. وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث الكوفي قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران قال: (حدثني) بالإفراد (عدي بن ثابت) بالمثلثة الأنصاري ثقة لكنه كان قاصّ الشيعة وإمام مسجدهم بالكوفة (قال: سمعت سليمان بن صرد) بضم المهملة وفتح الراء بعدها دال مهملة الخزاعي الكوفي (رجلاً من أصحاب النبي ﷺ ¬) أنه (قال: استبّ رجلان) لم يعرفهما ابن حجر (عند النبي ﷺ فغضب أحدهما فاشتدّ غضبه حتى انتفخ وجهه وتغير) وفي حديث معاذ بن جبل عند أحمد وأصحاب السنن حتى إنه ليخيل أن أنفه ليتمزع (فقال النبي ﷺ ¬): (إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه الذي يجده) من الغضب، وفي حديث معاذ: إني لأعلم كلمة لو يقولها هذا الغضبان لذهب عنه الغضب: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم (فانطلق إليه) أي إلى الذي غضب (الرجل) الذي سمع النبي ﷺ يقول: إني لأعلم الخ. وفي مسلم فقام إلى الرجل رجل ممن سمع النبي ﷺ ، قال في المقدمة لم أعرف اسمه، وقال في الشرح في الرواية المتقدمة فقالوا له فدلت هذه الرواية على أن الذي خاطبه منهم واحد وهو معاذ بن جبل كما بيّنه رواية أبي داود ولفظه قال: فجعل معاذ يأمره فأبى وجعل يزداد غضبًا (فأخبره بقول النبي ﷺ وقال: تعوّذ بالله من الشيطان فقال: أترى) بضم الفوقية أي أتظن (بي بأس) بالرفع مبتدأ خبره بي وهمزة أترى للاستفهام الإنكاري وللأصيلي: أترى بأسًا بالنصب مفعولاً ثانيًا لترى وهو أوجه (أمجنون أنا) أي: وهل بي من جنون (اذهب) خطاب من الرجل للرجل الذي أمره بالتعوّذ

стр. 6735

أي امض في شغلك، فتوهم لعدم معرفته أن الاستعاذة مختصة بالمجانين ولم يعرف أن الغضب من نزغات الشيطان كما في حديث عطية السعدي مرفوعًا عند أبي داود بلفظ: إن الغضب من الشيطان أو لعله كان منافقًا أو كافرًا أو غلب عليه الغضب حتى أخرجه من الاعتدال بحيث قال للناصح له ما قاله. وحديث الباب سبق في باب صفة إبليس وجنوده. ٦٠٤٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ حُمَيْدٍ، قَالَ: قَالَ: أَنَسٌ حَدَّثَنِى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُخْبِرَ النَّاسَ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَإِنَّهَا رُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ فَالْتَمِسُوهَا فِى التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ». وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا بشر بن المفضل) بكسر الموحدة وسكون المعجمة والمفضل بالضاد المعجمة المشددة ابن لاحق الإمام أبو إسماعيل (عن حميد) الطويل وكان طوله في يديه أنه (قال: قال أنس) ﵁ (حدثني) بالإفراد (عبادة بن الصامت) ﵁ (قال: خرج رسول الله ﷺ ليخبر الناس بليلة القدر) أي بتعيينها، ولأبي ذر عن الكشميهني: ليخبر الناس ليلة القدر (فتلاحى) بفتح الحاء المهملة أي تنازع وتخاصم (رجلان من المسلمين) عبد الله بن أبي حدرد وكعب بن مالك كما عند ابن دحية في المسجد (قال النبي ﷺ ¬): (خرجت لأخبركم) بليلة القدر (فتلاحى فلان وفلان وإنها رفعت) من قلبي أي نسيتها (وعسى أن يكون) رفعها (خيرًا لكم) لاستلزامه مزيد الثواب بسبب زيادة الاجتهاد في التماسها. وفي مسلم من حديث أي سعيد في هذه القصة فجاء رجلان يحتقان بتشديد القاف أي يدعي كل منهما أنه المحق معهما الشيطان فنسيتها وقيل؛ رفعت معرفتها للتلاحي. قال الطيبي: لعل مقدر المضاف ذهب إلى أن رفع ليلة القدر مسبوق بوقوعها وحصولها فإذا حصلت لم يكن لرفعها معنى، ويمكن أن يقال إن المراد برفعها أنها شرعت أن تقع، فلما تلاحيا ارتفعت فنزل الشروع منزلة الوقوع ومن ثم عقبه بقوله: ﴿فالتمسوها) أي اطلبوا ليلة القدر (في) الليلة (التاسعة) والعشرين من رمضان (و) في الليلة (السابعة) بالموحدة والعشرين منه (و) في الليلة (الخامسة) والعشرين منه، وقدّم التاسعة بالفوقية على السابعة بالموحدة على ترتيب التدلي. والمطابقة في قوله فتلاحى وهو التنازع والتخاصم كما مرّ وذلك يفضي إلى المساببة غالبًا. والحديث سبق في الإيمان والحج. ٦٠٥٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنِ الْمَعْرُورِ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ

стр. 6736

قَالَ: رَأَيْتُ عَلَيْهِ بُرْدًا وَعَلَى غُلَامِهِ بُرْدًا، فَقُلْتُ لَوْ أَخَذْتَ هَذَا فَلَبِسْتَهُ كَانَتْ حُلَّةً وَأَعْطَيْتَهُ ثَوْبًا آخَرَ فَقَالَ كَانَ بَيْنِى وَبَيْنَ رَجُلٍ كَلَامٌ وَكَانَتْ أُمُّهُ أَعْجَمِيَّةً فَنِلْتُ مِنْهَا فَذَكَرَنِى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لِى: «أَسَابَبْتَ فُلَانًا»؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «أَفَنِلْتَ مِنْ أُمِّهِ»؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ» قُلْتُ: عَلَى حِينِ سَاعَتِى هَذِهِ مِنْ كِبَرِ السِّنِّ قَالَ: «نَعَمْ هُمْ إِخْوَانُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ جَعَلَ اللَّهُ أَخَاهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا يُكَلِّفُهُ مِنَ الْعَمَلِ مَا يَغْلِبُهُ، فَإِنْ كَلَّفَهُ مَا يَغْلِبُهُ فَلْيُعِنْهُ عَلَيْهِ». وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان (عن المعرور) بمهملات. زاد أبو ذر هو ابن سويد (عن أبي ذر) جندب بن جنادة ﵁ (قال): أي المعرور بن سويد (رأيت عليه) أي على أبي ذر (بردًا) بضم الموحدة وسكون الراء (وعلى غلامه بردًا) أيضًا. قال في المقدمة: لم أعرف اسم الغلام، وقال في الفتح في كتاب الإيمان: يحتمل أنه أبو مراوح مولى أبي ذر (فقلت) له (لو أخذت هذا) البرد الذي على غلامك (فلبسته) مع الذي عليك (كانت حلة) إذ الحلة لا تكون إلا من ثوبين (وأعطيته ثوبًا آخر فقال) أبو ذر: (كان بيني وبين رجل) هو بلال المؤذن (كلام وكانت أمه أعجمية فنلت منها) أي تكلمت في عرضها، وفي رواية فقلت له: يا ابن السوداء (فذكرني إلى النبي) عداه بإلى لتضمنه معنى الشكاية، ولأبي ذر عن الكشميهني للنبي (¬ ﷺ فقال): ﷺ (لي): (أساببت فلانًا)؟ بالاستفهام الإنكاري التوبيخي (قلت: نعم قال أفنلت من) عرض (أمه) (قلت: نعم قال: إنك) في نيلك من أمه (امرؤ) رفع خبر إن وعين كلمته تابعة للامها في أحوالها الثلاثة (فيك جاهلية) أي أخلاق أهل الجاهلية والتنوين للتقليل، قال أبو ذر ﵁ (قلت) يا رسول الله في جاهلية (على حين ساعتي هذه من كبر السن) وسقط لفظ حين لأبي ذر الهروي (قال): ﷺ (نعم) وإنما وبخه ﷺ بذلك مع عظم درجته تحذيرًا له أن يفعل مثل ذلك مرة أخرى (هم) الخدم سواء كانوا أرقّاء أو لا (إخوانكم) في الإسلام أو من أولاد آدم (جعلهم الله تحت أيديكم) بالملك والاستئجار (فمن جعل الله أخاه تحت يده) بالإفراد ولأبي ذر يديه (فليطعمه) ندبًا (مما يأكل وليلبسه) كذلك (مما يلبس) فلا يلزمه أن يطعمه ولا يلبسه من طيبات الأطعمة وفاخر اللباس (ولا يكلفه) وجوبًا (من العمل ما يغلبه) أي تعجز طاقته عنه (فإن كلفه) من العمل (ما يغلبه فليعنه عليه). والحديث سبق في الإيمان والعتق. ٤٥ - باب مَا يَجُوزُ مِنْ ذِكْرِ النَّاسِ نَحْوَ قَوْلِهِمُ الطَّوِيلُ وَالْقَصِيرُ وَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ وَمَا لَا يُرَادُ بِهِ شَيْنُ الرَّجُلِ».

стр. 6737

(باب ما يجوز من ذكر) أوصاف (الناس نحو قولهم الطويل والقصير، وقال النبي ﷺ ما يقول ذو اليدين) فذكره باللقب للتعريف، وهذا التعليق طرف من حديث وصله المؤلّف في باب تشبيك الأصابع في المسجد بلفظ: أكما يقول، ولمسلم ما يقول بلفظ الترجمة (و) في جواز (ما لا يراد به شين الرجل) كالأعرج والأعمش بل تمييز عن غيره وإن أراد تنقيصه حرم وإن كان مما يعجب الملقب ولا إطراء فيه مما يدخل في نهي الشرع فهو جائز أو مستحب. ٦٠٥١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ صَلَّى بِنَا النَّبِىُّ ﷺ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِى مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا وَفِى الْقَوْمِ يَوْمَئِذٍ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ فَقَالُوا: قَصُرَتِ الصَّلَاةُ وَفِى الْقَوْمِ رَجُلٌ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَدْعُوهُ ذَا الْيَدَيْنِ فَقَالَ: يَا نَبِىَّ اللَّهِ أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتْ؟ فَقَالَ: «لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تَقْصُرْ» قَالَ: بَلْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «صَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ» فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ ثُمَّ وَضَعَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ. وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) بن الحارث بن سخبرة الحوضي قال: (حدّثنا يزيد بن إبراهيم) التستري أبو سعيد قال: (حدّثنا محمد) هو ابن سيرين (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: صلّى بنا النبي ﷺ ¬) أي أمَّنَا وفي رواية لنا باللام بدل الموحدة (الظهر ركعتين ثم سلّم ثم قام إلى خشبة) وكانت جذعًا من نخل (في مقدّم المسجد ووضع يده) بالإفراد، ولأبي ذر عن الكشميهني يديه (عليها وفي القوم يومئذ أبو بكر وعمر) ﵄ (فهابا أن يكلماه) في سبب تسليمه من الركعتين وروي فهاباه بإثبات المفعول وحذفه فإن يكلماه بدل من ضمير المفعول في هاباه وأن هي المصدرية الناصبة وعلامة النصب في يكلماه حذف النون، والجملة كلها في الحقيقة مفسرة لمعنى قوله: وفي القوم أبو بكر وعمر لأنه لو لم يقل فهاباه لقيل فما منعهما وهما أقرب من غيرهما وأدل عليه ﷺ (وخرج) بلفظ الماضي، وللحموي والمستملي: ويخرج (سرعان الناس) بفتح السين المهملة والراء أوائلهم جمع سريع، وحكى المنذري تجويز كسر السين وسكون الراء عن بعضهم، وحكى ابن سيده عن ثعلب أنه إذا كان السرعان وصفًا في الناس فالتحريك أفصح من التسكين (فقالوا: قصرت الصلاة) بفتح القاف وضم الصاد المهملة مبنيًا للفاعل وبضم القاف وكسر الصاد للمفعول. أي قال بعضهم لبعض لما رأوا من فعله ﷺ وأداة الاستفهام مقدرة (وفي القوم رجل) اسمه الخرباق بكسر الخاء المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة فألف فقاف (وكان النبي ﷺ يدعوه ذا اليدين) لطولهما (فقال: يا نبي الله أنسيت) الركعتين (أم قصرت)؟ بفتح القاف وضم الصاد للفاعل وللمفعول أيضًا (فقال) ﵊: (لم أنس) في ظني (ولم تقصر) بفتح أوّله وضم ثالثه أو مبنيًّا للمفعول وأم حرف عطف

стр. 6738

متصلة لأنها جاءت على شرطها من تقدم الاستفهام والسؤال بأي والجواب بأحد الشيئين المستفهم عنهما أو الأشياء، وجملة لم أنس ولم تقصر محكية بالقول، وجزم أن بحذف الألف وتقصر بالسكون ولما كانت أم هنا المتصلة لم يحسن في الجواب لا أو نعم (قالوا: بل نسيت يا رسول الله) لأنه لما نفى الأمرين وكان قد تقرر عندهم أن السهو غير جائز في الأمور البلاغية جزموا بوقوع النسيان لا القصر، وقوله بل بسكون اللام (قال: صدق ذو اليدين فقام فصلّى ركعتين) بانيًا على ما سبق بعد أن تذكر أنه لم يتمها إذ لم يطل الفصل (ثم سلّم ثم كبّر فسجد) للسهو سجودًا (مثل سجوده أو أطول) منه بالشك من الراوي (ثم رفع رأسه) من السجود (وكبّر ثم وضع) رأسه فكبّر فسجد سجودًا (مثل سجوده أو أطول) منه (ثم رفع رأسه) من السجود (وكبّر). ومطابقة الحديث في قوله يدعوه ذا اليدين لأنه إنما كان يعرف بذلك. والحديث سبق في الصلاة. ٤٦ - باب الْغِيبَةِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] (باب) تحريم (الغيبة) بكسر المعجمة وهي ذكر المسلم غير المعلن بفجوره في غيبته بما يكره ولو بغمز أو بكتابة أو إشارة. قال الثوري: وممن يستعمل التعريض في ذلك كثير من الفقهاء في التصانيف وغيرها كقولهم: قال بعض من يدعي العلم أو بعض من ينسب إلى الصلاح أو نحو ذلك مما يفهم السامع المراد به، ومنه قولهم عند ذكره الله يعافينا ونحوه إلا أن يكون ذلك نصحًا لطالب شيئًا لا يعلم عيبه ونحو ذلك. (وقول الله تعالى) بالجر عطفًا على السابق: ﴿ولا يغتب بعضكم بعضًا﴾ نهي عن الغيبة نهي تحريم اتفاقًا وهل هي من الكبائر أو الصغائر؟ قال النووي في الروضة تبعًا للرافعي: من الصغائر، وتعقب بأن حدّ الكبيرة صادق عليها فهي منها ﴿أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا﴾ تمثيل وتصوير لما يناله المغتاب من عرض المغتاب على أفحش وجه وفيه مبالغات منها الاستفهام التقريري وجعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولاً بالمحبة، ومنها إسناده الفعل إلى أحدكم والإشعار بأن أحدًا من الأحدين لا يحب ذلك، ومنها أنه لم يقتصر على تمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان حتى جعل الإنسان أخًا، ومنها لم يقتصر على لحم الأخ حتى جعله ميتًا. ووجه المناسبة أن إدارة حنكة بالغيبة كالأكل، وعن قتادة كما تكره إن وجدت جيفة مدودة أن تأكل منها كذلك فاكره لحم أخيك وهو حي، وانتصب ميتًا على الحال من اللحم أو من أخيه ولما قرر لهم بأن أحدًا منهم لا يحب أكل جيفة أخيه عقب ذلك بقوله ﴿فكرهتموه﴾ أي فتحققت كراهتكم له باستقامة العقل، فليتحقق أيضًا أن تكرهوا ما هو نظيره من الغيبة باستقامة الدين ﴿واتقوا الله إن الله توّاب رحيم﴾

стр. 6739

[الحجرات: ١٢] التوّاب البليغ في قبول التوبة، والمعنى: واتقوا الله بترك ما أمرتم باجتنابه والندم على ما وجد منكم فإنكم إن اتقيتم تقبل الله توبتكم وأنعم عليكم بثواب المتقين التائبين، وفي حديث أبي هريرة عند أبي يعلى مرفوعًا: من أكل لحم أخيه في الدنيا قرب له لحمه في الآخرة فيقال له كُلْه ميتًا كما أكلته حيًّا. قال: فيأكله ويكلح ويصيح وقال الحافظ ابن كثير: غريب جدًّا، وصح: دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام وسامعها شريكه ما لم ينكرها بلسانه ومع خوفه فبقلبه، وقيل غيبة الخلق إنما تكون بالغيبة عن الحق. عافانا الله من المكاره بمنّه وكرمه، وسقط لأبي ذر قوله: أيحب إلى آخره وقال بعد قوله ﴿بعضًا﴾ الآية. ٦٠٥٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِى كَبِيرٍ أَمَّا هَذَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وَأَمَّا هَذَا فَكَانَ يَمْشِى بِالنَّمِيمَةِ» ثُمَّ دَعَا بِعَسِيبٍ رَطْبٍ فَشَقَّهُ بِاثْنَيْنِ فَغَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا، وَعَلَى هَذَا وَاحِدًا ثُمَّ قَالَ: «لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا». وبه قال: (حدّثنا يحيى) هو ابن موسى الحدّاني بضم الحاء وتشديد الدال المهملتين وبعد الألف نون أو هو ابن جعفر البلخي قال: (حدّثنا وكيع) هو ابن الجراح (عن الأعمش) سليمان بن مهران أنه (قال: سمعت مجاهدًا) هو ابن جبر (يحدّث عن طاوس) اليماني (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: مرّ رسول الله ﷺ على) صاحبي (قبرين) عبر عن صاحبيهما بهما تسمية للحال باسم المحل (فقال): معطوف على مرّ أو على محذوف أي فوقف فقال: (إنهما) أي صاحبي المقبرين ولم يسميا (ليعذبان وما يعذبان في كبير) قال ابن مالك في هنا للتعليل أي لأجل كبير، والنفي يحتمل أن يكون باعتبار اعتقاد المعذبين أو أنه ليس بكبير على النفس بل هو سهل والاحتراز عنه هين أو ليس بأكبر الكبائر، وإن كان كبيرًا فالكبائر تتفاوت، وحينئذ فيه تنبيه على التحرز من ارتكاب غيره والزجر عنه، أو قاله قبل أن يطلع على أنه من الكبائر فلما اطّلع على ذلك قال: بلى إنه لكبير، وقيل غير ذلك مما سبق في الجنائز وغيرها (أما هذا) أي صاحب أحد المقبرين (فكان لا يستتر من بوله) بمثناتين فوقيتين الأولى مفتوحة والثانية مكسورة أي يستنزه بنون ساكنة بعدها زاي ثم هاء كما في مسلم وأبي داود. ووجه دلالة لا يستتر على هذا المعنى أن المستتر عن الشيء يبعد عنه ويحتجب منه فهو مجاز والحمل عليه أولى لأن البول بالنسبة إلى عذاب القبر خصوصية فالحمل على ما يقتضيه الحديث المصرح بهذه الخصوصية أولى. (وأما) صاحب (هذا) القبر الآخر (فكان يمشي) في الناس متصفًا (بالنميمة) بأن ينقل كلام بعضهم لبعض على جهة الإفساد، وقيل النميمة كشف ما يكره كشفه وهذا شامل لما يكرهه المنقول

стр. 6740

عنه أو المنقول إليه أو غيرهما سواء كان بالقول أو الكتابة أو الرمز أو الايماء. فإن قلت: ليس في الحديث ذكر ما ترجم به وهو الغيبة. أجاب السفاقسي: بأن الجامع بينهما ذكر ما يكرهه المقول فيه بظهر الغيب. انتهى. وأشار إلى ما في بعض طرف الحديث بلفظ الغيبة رواه البخاري في الأدب المفرد من حديث جابر وأحمد والطبراني بإسناد صحيح من حديث أبي بكرة ولفظهما: وما يعذبان إلا في الغيبة، وأحمد والطبراني أيضًا من حديث يعلى بن شبابة بلفظ: إن النبي ﷺ مرّ على قبر يعذّب صاحبه فقال: "إن هذا كان يأكل لحوم الناس". (ثم دعا) ﷺ (بعسيب رطب) بفتح العين وكسر السين المهملتين سعف لم ينبت عليه خوص ورطب بفتح الراء وسكون الطاء المهملة (فشقّه باثنين) الباء زائدة في الحال والحال هنا مقدرة كقوله تعالى: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلّقين رؤوسكم﴾ [الفتح: ٢٧]. وعند الدخول لا يكونون محلّقين كما أن العصا عند شقها لا تكون نصفين (فغرس على هذا) القبر نصفًا (واحدًا وعلى هذا) القبر نصفًا (واحدًا ثم قال) ﵊ بعد أن قالوا: لِمَ فعلت هذا يا رسول الله؟ (لعله يخفف) ولأبي ذر أن يخفف (عنهما) العذاب (ما لم ييبسا) وما ظرفية مصدرية أي مدة انتفاء يبسهما فحذف الظرف وخلفه ما وصلتها كما جاء في المصدر الصريح في قولهم: جئتك صلاة العصر وأتيتك قدوم الحاج، فقوله: لم ييبسا في موضع جر لأن التقدير مدة دوام رطوبتهما، فلو جاء الكلام لعله يخفف عنهما ما ييبسان لم يصح المعنى لأن التأقيت يصير مقدرًا بمدة اليبس وليس هو المراد لأن سر ذلك تسبيحهما ما داما رطبين. وسبق الحديث في الطهارة والجنائز مع مباحث غير ما ذكرته هنا فليراجع. ٤٧ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ خَيْرُ دُورِ الأَنْصَارِ (باب قول النبي ﷺ : خير دور الأنصار) أي بنو النجار فحذف الخبر. ٦٠٥٣ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى أُسَيْدٍ السَّاعِدِىِّ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «خَيْرُ دُورِ الأَنْصَارِ بَنُو النَّجَّارِ». وبه قال: (حدّثنا قبيصة) بن عقبة الكوفي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي أسيد) بضم الهمزة وفتح المهملة مالك بن ربيعة الأنصاري (الساعدي) ﵁ أنه قال: (قال النبي ﷺ ¬): (خير دور الأنصار) أي قبائل الأنصار كما قاله ابن قتيبة (بنو النجار) لمسارعتهم إلى الإسلام كما أثنى الله تعالى عليهم بقوله: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار﴾ [التوبة: ١٠٠]. ومناسبة إيراد هذه الترجمة هنا ولم يذكر فيها شيء من الغيبة من جهة أن المفضل عليهم يكرهون ذلك فيستثنى ذلك من عموم قوله: ذكرك أخاك بما يكره إذ محل الزجر إذا لم يترتب عليه

стр. 6741

حكم شرعي، فإن ترتب فلا يكون غيبة ولو كرهه المحدث عنه قاله في الفتح. والحديث سبق في باب فضل دور الأنصار. ٤٨ - باب مَا يَجُوزُ مِنِ اغْتِيَابِ أَهْلِ الْفَسَادِ وَالرِّيَبِ (باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والريب) بكسر الراء وفتح التحتية بعدها موحدة جمع ريبة وهي التهمة. ٦٠٥٤ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، سَمِعْتُ ابْنَ الْمُنْكَدِرِ سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ قَالَتِ: اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «ائْذَنُوا لَهُ بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ، أَوِ ابْنُ الْعَشِيرَةِ» فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الْكَلَامَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْتَ: الَّذِى قُلْتَ، ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ الْكَلَامَ؟ قَالَ: «أَىْ عَائِشَةُ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ، أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ». وبه قال: (حدّثنا صدقة بن الفضل) المروزي الحافظ قال: (أخبرنا ابن عيينة) سفيان قال: (سمعت ابن المنكدر) محمد أو قال: إنه (سمع عروة بن الزبير) بن العوّام (أن عائشة ﵂ أخبرته قالت: استأذن رجل) اسمه عيينة بن حصن الفزاري أو هو مخرمة بن نوفل (على رسول الله ﷺ ¬) في الدخول عليه (فقال): (ائذنوا له بئس أخو العشيرة أو ابن العشيرة) وفي رواية معمر: بئس أخو القوم وابن القوم (فلما دخل ألان له) لما جبل عليه صلوات الله وسلامه عليه (الكلام) استئلافًا وليقتدى به في المداراة، قالت عائشة: (قلت: يا رسول الله قلت الذي قلت) في الرجل من أنه بئس أخو العشيرة (ثم ألنت له الكلام. قال) ﷺ : (أي عائشة إن شر الناس من تركه الناس أو) قال: (ودعه الناس اتقاء فحشه) بفتح الواو والدال المهملة المخففة بمعنى تركه فاللفظان مترادفان فإن قال الجوهري: وقولهم دع ذا أي اتركه وأصله ودع يدع وقد أميت ماضيه لا يقال ودعه على أصله. قال في المصابيح: والحديث يردّ عليه وقد قرئ خارج السبع ودعك بالتخفيف. وقوله: إن شر الناس استئناف كلام كالتعليل لتركه مواجهة عيينة بما ذكره، وقال الزركشي: قد ينازع في تسمية هذا غيبة بل هو نصيحة ليحذر السامع، وإنما لم يواجه المقول فيه بذلك لحسن خُلقه ﷺ ، ولو واجهه بذلك لكان حسنًا لكن حصل القول بدون مواجهة انتهى. وأجيب: بأن المراد أن صورة الغيبة موجودة فيه وإن لم يتناول الغيبة المذمومة شرعًا. والحديث مرّ عن قريب في باب لم يكن النبي ﷺ فاحشًا.

стр. 6742

٤٩ - باب النَّمِيمَةُ مِنَ الْكَبَائِرِ هذا (باب) بالتنوين (النميمة من) الذنوب (الكبائر) وهي نقل مكروه بقصد الإفساد وضابطها كشف ما يكره من شيء بكل ما يفهم وهي أم الفتن، وقد قيل: إن التمام يفسد في ساعة ما لا يفسده الساحر في شهر وعلى سامعها إن جهل كونها نميمة أو نصحًا أن يتوقف حتمًا فإن تبين أنها نميمة فعليه أن لا يصدقه لفسقه بها ثم ينهاه عنها وينصحه ثم يبغضه في الله ما لم يتب ولا يظن بأخيه الغائب سوءًا ويحرم بحثه عنها وحكاية ما نقل إليه كي لا ينتشر التباغض ولم ينم على النمام فيصير نمامًا. قال النووي: وهذا إذا لم يكن في النقل مصلحة شرعية وإلاّ فهو مستحب أو واجب كمن اطّلع من شخص أنه يريد أن يؤذي شخصًا ظلمًا فحذره منه. ٦٠٥٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ النَّبِىُّ ﷺ مِنْ بَعْضِ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِى قُبُورِهِمَا فَقَالَ: «يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِى كَبِيرَةٍ، وَإِنَّهُ لَكَبِيرٌ كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ، وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِى بِالنَّمِيمَةِ» ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ فَكَسَرَهَا بِكِسْرَتَيْنِ أَوْ ثِنْتَيْنِ فَجَعَلَ كِسْرَةً فِى قَبْرِ هَذَا وَكِسْرَةً فِى قَبْرِ هَذَا فَقَالَ: «لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا». وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدثني بالإفراد (ابن سلام) محمد قال: (أخبرنا عبيدة بن حميد) بفتح العين وكسر الموحدة وحميد بالتصغير ابن صهيب (أبو عبد الرحمن) الكوفي (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن مجاهد) هو ابن جبر (عن ابن عباس) ﵄ أنه (قال: خرج النبي ﷺ من بعض حيطان المدينة) أي بساتينها (فسمع صوت إنسانين يعذّبان في قبورهما) على حدّ قوله تعالى: ﴿فقد صغت قلوبكما﴾ [التحريم: ٤] (فقال) ﷺ : (يعذّبان وما يعذّبان في كبيرة) بالتأنيث ولأبي ذر عن الكشميهني في كبير بالتذكير أي لا يعذّبان في أمر يكبر ويشق عليهما الاحتراز عنه ولم يرد أن الأمر فيهما هين في أمر الدين ولذا قال: (وإنه لكبير) قال في النهاية وكيف لا يكون كبيرًا وهما يعذبان فيه (كان أحدهما لا يستتر من البول) أي لا يتنزه منه أو من الاستتار على ظاهره أي لا يحترز من كشف عورته والأول أوجه وإن كان مجازًا كما مرّ (وكان الآخر يمشي بالنميمة) ليفسد بين الناس (ثم دعا) ﷺ (بجريدة) من جريد النخل وهي السعفة التي جرّد عنها الخوص أي قشّر (فكسرها بكسرتين) بكسر الكاف في الثانية (أو اثنتين فجعل كسرة في قبر هذا وكسرة) بكسر الكاف فيهما (في قبر هذا فقال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا). قال النووي -رحمه الله تعالى-، قال العلماء: هو محمول على أنه ﷺ سأل الشفاعة لهما. فأجيب: بالتخفيف عنهما إلى أن ييبسا أو لكون الجريد يسبح ما دام رطبًا وليس لليابس تسبيح. قال تعالى: ﴿وإن من شيء إلاّ يسبح بحمده﴾ [الإسراء: ٤٤] قالوا: معناه وإن من شيء حي إلاّ

стр. 6743

يسبح وحياة كل شيء بحسبه فحياة الخشب ما لم ييبس والحجر ما لم يقطع، وذهب المحققون إلى أنه على عمومه، ثم اختلفوا هل يسبح حقيقة أم فيه دلالة على الصانع فيكون مسبحًا منزهًا بلسان حاله. والمحققون على أنه يسبح حقيقة. قال الله تعالى: ﴿وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾ [البقرة: ٧٤]. وإذا كان العقل لا يحيل التمييز فيها وجاء النص به وجب المصير إليه. والحديث سبق قريبًا. ٥٠ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ النَّمِيمَةِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] وَ ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] يَهْمِزُ وَيَلْمِزُ: يَعِيبُ (باب ما يكره من النميمة) قال في فتح الباري: كأنه أشار إلى أن بعض القول المنقول على جهة الإفساد يجوز إذا كان المقول فيه كافرًا مثلاً كما يجوز التجسس في بلاد الكفار ونقل ما يضرهم. (وقوله تعالى: ﴿هماز مشاء بنميم﴾) [القلم: ١١] (و) قوله تعالى: (﴿ويل لكل همزة لمزة﴾) [الهمزة: ١] قال البخاري -رحمه الله تعالى-: (يهمز ويلمز) أي (يعيب) بالعين المهملة فجعل معناهما واحدًا ولأبي ذر عن الكشميهني: ويغتاب بالغين المعجمة والفوقية بعدها ألف قال في الفتح: وأظنه تصحيفًا. لأبي الوقت: يهمز ويلمز ويعيب واحد. وقال ابن عباس: همزة لمزة طعان مغتاب. وقال الربيع بن أنس: الهمزة يهمزه في وجهه واللمزة من خلفه، وقال قتادة: يهمزه ويلمزه بلسانه وعينه ويأكل لحوم الناس، وقال مجاهد: الهمز بالعين واليد واللمز باللسان. ٦٠٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ حُذَيْفَةَ فَقِيلَ لَهُ إِنَّ رَجُلاً يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى عُثْمَانَ فَقَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ». وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن منصور) هو ابن المعتمر (من إبراهيم) النخعي (من همام) هو ابن الحارث النخعي الكوفي أنه (قال: كنا مع حذيفة) بن اليمان ﵁ (فقيل له إن رجلاً) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه (يرفع الحديث إلى عثمان) بن عفان ﵁ (فقال حذيفة) ولأبي ذر والمستملي: فقال له حذيفة (سمعت النبي ﷺ يقول): (لا يدخل الجنة) دخول الفائزين (قتات) بقاف مفتوحة فمثناتين فوقيتين أولاهما مشددة بينهما ألف في قت الحديث يقته قتًّا والرجل قتات أي نمام. قال ابن الأعرابي: هو الذي يسمع الحديث وينقله، ووقع في رواية أبي وائل عن حذيفة عند مسلم بلفظ نمام. وقال القاضي عياض: القتات والنمام واحد، وفرق بعضهم بأن النمام الذي يحضر القصة وينقلها، والقتات التي يتسمع من

стр. 6744

حديث من لا يعلم به ثم ينقل ما سمعه وهل الغيبة والنميمة متغايران أو لا، والراجح التغاير وإن بينهما عمومًا وخصوصًا من وجه، لأن النميمة نقل حال الشخص لغيره على جهة الإفساد بغير رضاه سواء كان بعلمه أو بغير علمه والغيبة ذكره في غيبته بما يكره فامتازت النميمة بقصد الإفساد، ولا يشترط ذلك في الغيبة وامتازت الغيبة بكونها في غيبة المقول فيه واشتركتا فيما عدا ذلك. والحديث أخرجه مسلم في الإيمان وأبو داود في الأدب والترمذي في البر والنسائي في التفسير. ٥١ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠] (باب قول الله تعالى: ﴿واجتنبوا قول الزور﴾) [الحج: ٣٥] أي الكذب أو البهتان أو شهادة الزور لأنه من أعظم المحرمات وفي الصحيحين من حديث أبي بكرة قوله ﷺ : (ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور) فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت. وعند الإمام أحمد قوله ﵊: (يا أيها الناس عدلت شهادة الزور إشراكًا بالله) ثلاثًا. ثم قرأ ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور﴾ [الحج: ٣٠]. ومناسبة هذه السابقة من جهة أن القول المنقول بالنميمة يكون أعم من الصدق والكذب والكذب فيه أقبح كذا قاله في الفتح. ٦٠٥٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ، عَنِ الْمَقْبُرِىِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» قَالَ أَحْمَدُ: أَفْهَمَنِى رَجُلٌ إِسْنَادَهُ. وبه قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) هو أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي الكوفي قال: (حدّثنا ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن القرشي المدني (عن المقبري) بضم الموحدة سعيد بن أبي سعيد كيسان (عن أبيه) كذا في الفرع كأصله عن أبي ذر وسقط من غيرهما مما رأيته من الأصول (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (من لم يدع) أي من لم يترك (قول الزور والعمل به) أي بمقتضاه من الفواحش وما نهى الله عنه (والجهل فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه) قال التوربشتي: أي لا يبالي بعمله ذلك لأنه أمسك عما أبيح له في غير حين الصوم ولم يمسك عما حرم عليه في سائر الأحايين، وقال الطيبي: لما دل قوله: الصوم لي وأنا أجزي به على شدة اختصاص الصوم به من بين سائر العبادات وأنه مما يبالي ويحتفل به فرع عليه قوله: فليس لله حاجة في أن يترك صاحبه الطعام والشراب، وهو من الاستعارة التمثيلية شبه حالته مع تلك المبالاة والاحتفال بالصوم

стр. 6745

بحالة من افتقر إلى أمر لا غنى له عنه ولا يتقوّم إلاَّ به ثم أدخل في المشبه به واستعمل في المشبه ما كان مستعملاً في المشبه به من لفظ الحاجة مبالغة لكمال الاعتناء والاهتمام. (قال أحمد) بن يونس المذكور لما حدثني ابن أبي ذئب لم أتيقن إسناده من لفظه حتى (أفهمني رجل) كان معي في المجلس (إسناده) وعند أبي داود قال أحمد: فهمت إسناده من ابن أبي ذئب فأفهمني الحديث رجل إلى جنبه أراه ابن أخيه، فمقتضى رواية البخاري أن المتن فهمه أحد من شيخه ولم يفهم الإسناد منه بخلاف رواية أبي داود فمقتضاها أنه فهم متن الحديث من ابن أبي ذئب، وإسناده من الرجل، والحديث سبق في الصوم. ٥٢ - باب مَا قِيلَ فِى ذِى الْوَجْهَيْنِ (باب ما قيل في ذي الوجهين). ٦٠٥٨ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «تَجِدُ مِنْ شَرِّ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ ذَا الْوَجْهَيْنِ، الَّذِى يَأْتِى هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ». وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران قال: (حدّثنا أبو صالح) ذكوان السمان (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬): (تجد من شر الناس) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: من أشر بزيادة الهمزة بلفظ أفعل وهي لغة فصيحة وله عن الكشميهني من شرار بالجمع من غير همز وحمل الناس على العموم أبلغ في الذم من حمله على من ذكر من الطائفتين المتضادتين خاصة، وللإسماعيلي من طريق أبي شهاب عن الأعمش بلفظ من شر خلق الله (يوم القيامة عند الله ذا الوجهين) بنصب ذا مفعول تجد (الذي يأتي هؤلاء) القوم (بوجه وهؤلاء) القوم (بوجه). ويظهر عند كل أنه منهم ومخالف للآخرين مبغض لهم. وعند الإسماعيلي من طريق ابن نمير عن الأعمش الذي يأتي هؤلاء بحديث هؤلاء وهؤلاء بحديث هؤلاء، وإنما كان شر الناس لأن حاله حال المنافق إذ هو يتملق بالباطل ويدخل الفساد بين الناس، نعم لو أتى كل قوم بكلام فيه صلاح واعتذر عن كل قوم للآخرين ونقل ما أمكنه من الجميل وستر القبيح كان محمودًا. والحديث أخرجه في الأحكام. ٥٣ - باب مَنْ أَخْبَرَ صَاحِبَهُ بِمَا يُقَالُ فِيهِ (باب من أخبر صاحبه بما يقال فيه) للنصيحة مع تحري الصدق وتجنب الأذى.

стр. 6746

٦٠٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قِسْمَةً فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: وَاللَّهِ مَا أَرَادَ مُحَمَّدٌ بِهَذَا وَجْهَ اللَّهِ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ فَتَمَعَّرَ وَجْهُهُ وَقَالَ: «رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى لَقَدْ أُوذِىَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ». وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) الفريابي قال: (أخبرنا سفيان) الثوري (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن ابن مسعود) عبد الله (﵁) أنه (قال: قسم رسول الله ﷺ ¬) يوم حنين (قسمة فقال رجل من الأنصار): اسمه كما قال الواقدي: معتب بن قشير المنافق (والله ما أراد محمد بهذا) القسم الذي قسمه (وجه الله) وكان قد أعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة بن حصن مثل ذلك وأعطى أناسًا من أشراف العرب فآثرهم يومئذ في القسمة. قال ابن مسعود (فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته) بما قاله (فتمعر) بالعين المهملة المشددة (وجهه) أي تغير لونه ولأبي ذر عن الكشميهني فتمغر بالغين المعجمة بدل المهملة أي صار بلون المغرة من شدة الغضب المجبول عليه البشر لكنه صلوات الله وسلامه عليه صبر وحلم اقتداءً بالأنبياء قبله امتثالاً لقوله تعالى فبهداهم اقتده (و) لذا (قال) ولأبي ذر فقال: (رحم الله موسى) الكليم (لقد أُوذي بأكثر من هذا) الذي أوذيت به (فصبر) كقول قومه هو آدر ونحوه ومراد البخاري جواز النقل على وجه النصيحة لأنه ﷺ لم ينكر على ابن مسعود نقل ما نقله بل غضب من قول المنقول عنه، ولم ينقل أنه عاقبه لأنه لم يطعن في النبوة، وأيضًا فلا يثبت حكم بشهادة واحد، ويفهم منه أن الكبراء من الخواص قد يعز عليهم ما يقال من الباطل لما في فطر البشر إلا أن أهل الفضل يتلقون ذلك بالصبر الجميل اقتداءً بالسلف ليتأسى بهم الخلف. والحديث سبق في باب ما كان النبي ﷺ يعطي المؤلّفة من الجهاد. ٥٤ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّمَادُحِ (باب حال يكره من التمادح) بين الناس بما فيه الإطراء ومجاوزة الحد. ٦٠٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَبَّاحٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا، حَدَّثَنَا بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى، قَالَ: سَمِعَ النَّبِىُّ ﷺ رَجُلاً يُثْنِى عَلَى رَجُلٍ وَيُطْرِيهِ فِى الْمِدْحَةِ فَقَالَ: «أَهْلَكْتُمْ -أَوْ قَطَعْتُمْ- ظَهْرَ الرَّجُلِ». وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر حدثني (محمد بن صباح) بفتح الصاد المهملة وتشديد الموحدة وبعد الألف حاء مهملة البزار بزاي وبعد الألف راء وفي مسلم أبو جعفر محمد بن الصباح قال: (حدّثنا إسماعيل بن زكريا) الخلقاني بضم الخاء المعجمة وسكون اللام بعدها قاف

стр. 6747

فألف فنون قال: (حدّثنا بريد بن عبد الله) بضم الموحدة وفتح الراء (ابن أبي بردة) بضم الموحدة وسكون الراء (عن) جده (أبي بردة) عامر، ولأبي ذر عن ابن أبي موسى بدل قوله عن أبي بردة (عن) أبيه (أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري ﵁ أنه (قال: سمع النبي ﷺ رجلاً يثني على رجل ويطريه) بضم التحتية وسكون الطاء المهملة ويبالغ (في المدحة) بكسر الميم وزيادة الضمير (فقال) ﷺ : (أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل) حين وصفتموه بما ليس فيه فربما حمله ذلك على العجب والكبر وتضييع العمل وترك الازدياد من الفضل والشك من الراوي والرجلان. قال في الفتح: لم أقف على اسمهما صريحًا، ولكن أخرج أحمد والبخاري في الأدب المفرد من حديث محجن بن الأدرع السلمي قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فذكر حديثًا قال فيه: فدخل المسجد فإذا رجل يصلّي فقال لي: من هذا؟ فأثنيت عليه خيرًا فقال: اسكت لا تسمعه فتهلكه. قال: والذي أثنى عليه محجن يشبه أن يكون هو عبد الله ذا البجادين المزني فقد ذكرت في ترجمته في الصحابة ما يقرب من ذلك. ٦٠٦١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلاً ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَجُلٌ خَيْرًا فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ» يَقُولُهُ مِرَارًا: «إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحًا لَا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ كَذَا وَكَذَا إِنْ كَانَ يُرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ وَحَسِيبُهُ اللَّهُ، وَلَا يُزَكِّى عَلَى اللَّهِ أَحَدًا» قَالَ وُهَيْبٌ: عَنْ خَالِدٍ وَيْلَكَ. وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن خالد) هو ابن مهران الحذاء (عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه) أبي بكرة نفيع (أن رجلاً ذكر) بضم المعجمة (عند النبي ﷺ فأثنى عليه رجل خيرًا فقال النبي ﷺ ¬): (ويحك) كلمة ترحم وتوجع تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها (قطعت عنق صاحبك) أي أهلكته استعارة منقطع العنق الذي هو القتل لاشتراكهما في الهلاك (يقوله) أي يقول ﷺ هذا القول (مرارًا إن كان أحدكم مادحًا) أحدًا (لا محالة) بفتح الميم أي لا بدّ (فليقل أحسب كذا وكذا إن كان يرى) بضم أوّله أي يظن (أنه) أي الممدوح (كذلك وحسيبه الله) بفتح الحاء وكسر، السين المهملتين أي يحاسبه على عمله الذي يعلم حقيقته والجملة اعتراض. وقال شارح المشكاة: هي من تتمة القول والجملة الشرطية حال من فاعل فليقل، والمعنى فليقل أحسب أن فلانًا كذا إن كان يحسب ذلك منه والله يعلم سره لأنه هو الذي يجازيه إن خيرًا فخيرًا وإن شرًا فشرًّا ولا يقل أتيقن ولا أتحقق أنه محسن جازمًا به (ولا يزكي) أحد (على الله أحدًا) منع له الجزم، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: ولا يزكى بفتح الكاف مبنيًّا للمفعول على الله أحد بالرفع نائب الفاعل والمعنى لا يقطع على عاقبة أحد ولا على ما في ضميره لأن ذلك مغيب، وقوله: ولا يزكي خبر معناه النهي أي لا تزكوا أحدًا على الله لأنه أعلم بكم منكم.

стр. 6748

(قال وهيب): بضم الواو وفتح الهاء ابن خالد البصري بالسند السابق (عن خالد: ويلك) بدل ويحك في الرواية السابقة، وويلك كلمة حزن وهلاك، ولأبي ذر فقال: ويلك. والحديث ذكر في الشهادات فيما سبق والله الموفق وبه المستعان. ٥٥ - باب مَنْ أَثْنَى عَلَى أَخِيهِ بِمَا يَعْلَمُ وَقَالَ سَعْدٌ: مَا سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ لأَحَدٍ يَمْشِى عَلَى الأَرْضِ إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلاَّ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ (باب من أثنى على أخيه) المسلم (بما يعلم) من الخير من غير إطراء ولا مبالغة مع الأمن من إعجاب الممدوح وعدم فتنته بذلك. (وقال سعد): هو ابن أبي وقاص مما سبق موصولاً في مناقب عبد الله بن سلام (ما سمعت النبي ﷺ يقول لأحد يمشي على الأرض: إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام) بالتخفيف. واستشكل الحصر بما ثبت من أنه ﷺ بشر العشرة بذلك كما هو معروف وأجيب: بأن سعدًا لم يسمع ذلك منه ﷺ . ٦٠٦٢ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ ذَكَرَ فِى الإِزَارِ مَا ذَكَرَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ إِزَارِى يَسْقُطُ مِنْ أَحَدِ شِقَّيْهِ قَالَ: «إِنَّكَ لَسْتَ مِنْهُمْ». وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا موسى بن عقبة) صاحب المغازي (عن سالم عن أبيه) عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ (أن رسول الله ﷺ حين ذكر في الإزار ما ذكر) حيث قال: من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه (قال أبو بكر) الصديق ﵁: (يا رسول الله إزاري يسقط) أي يسترخي (من أحد شقيه) بكسر الشين المعجمة وفتح القاف مشددة (قال) ﷺ : (إنك لست منهم) أي لست ممن يصنعه خيلاء فمدحه ﷺ بما فيه، والصديق بلا ريب يؤمن منه الإعجاب والكبر، ولا يدخل ذلك في المنع كما لا يخفى فيجوز الثناء على الإنسان بما فيه من الفضل على وجه الإعلام ليقتدى به فيه. والحديث مرّ في اللباس. ٥٦ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِى الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْىِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠] وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣] ﴿ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ [الحج: ٦٠] وَتَرْكِ إِثَارَةِ الشَّرِّ عَلَى مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ.

стр. 6749

(باب قول الله تعالى ﴿إن الله يأمر بالعدل﴾) بالتسوية في الحقوق فيما بينكم وترك الظلم وإيصال كل ذي حق إلى حقه ﴿والإحسان﴾ إلى من أساء إليكم أو الفرض والندب لأن الفرض لا بدّ من أن يقع فيه تفريط فيجبره الندب ﴿وإيتاء ذي القربى﴾ وإعطاء ذي القرابة وهو صلة الرحم ﴿وينهى عن الفحشاء﴾ عن الذنوب المفرطة في القبح ﴿والمنكر﴾ ما تنكر العقول ﴿والبغي﴾ طلب التطوّل بالظلم والكبر ﴿يعظكم﴾ حال أو مستأنف ﴿لعلكم تذكرون﴾ [النحل: ٩٠] أي تتعظون بمواعظ الله، وسقط لأبي ذر ﴿وإيتاء ذي القربى﴾ إلى آخره وقال بعد ﴿والإحسان﴾ الآية. (وقوله) تعالى: (﴿إنما بغيكم على أنفسكم﴾) [يونس: ٢٣] أي ظلمكم يرجع عليكم كقوله تعالى من عمل صالحًا فلنفسه ومن أساء فعليها وقوله : (﴿ثم بغي عليه لينصرنه الله﴾) [الحج: ٦٠] عطف على سابقه أي من جازى بمثل ما فعل به من الظلم ثم ظلم بعد ذلك فحق على الله أن ينصره، ولأبي ذر: ومن بغي بالواو بدل ثم والأولى هي الموافقة للتنزيل فيحتمل أن تكون الواو سبق قلم من المصنف أو ممن بعده، وزاد أبو ذر لفظ: الآية. (وترك إثارة الشر) أي وباب تهييج الشر (على مسلم أو كافر). ٦٠٦٣ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَكَثَ النَّبِىُّ ﷺ كَذَا وَكَذَا يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَأْتِى أَهْلَهُ وَلَا يَأْتِى قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَالَ لِى ذَاتَ يَوْمٍ: «يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ أَفْتَانِى فِى أَمْرٍ اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ، أَتَانِى رَجُلَانِ فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رِجْلَىَّ، وَالآخَرُ عِنْدَ رَأْسِى فَقَالَ الَّذِى عِنْدَ رِجْلَىَّ لِلَّذِى عِنْدَ رَأْسِى: مَا بَالُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ، يَعْنِى مَسْحُورًا، قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ، قَالَ: وَفِيمَ؟ قَالَ: فِى جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ فِى مُشْطٍ وَمُشَاقَةٍ تَحْتَ رَعُوفَةٍ فِى بِئْرِ ذَرْوَانَ»، فَجَاءَ النَّبِىُّ ﷺ فَقَالَ: «هَذِهِ الْبِئْرُ الَّتِى أُرِيتُهَا كَأَنَّ رُءُوسَ نَخْلِهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ، وَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ» فَأَمَرَ بِهِ النَّبِىُّ ﷺ فَأُخْرِجَ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَهَلاَّ تَعْنِى تَنَشَّرْتَ؟ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ شَفَانِى، وَأَمَّا أَنَا فَأَكْرَهُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا» قَالَتْ: وَلَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ رَجُلٌ مِنْ بَنِى زُرَيْقٍ حَلِيفٌ لِيَهُودَ. وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير المكي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوّام (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: مكث النبي ﷺ ¬) بفتح الكاف وضمها (كذا وكذا) وقال العيني: أيامًا. وقال في المصابيح: فسر هذا في النسائي بشهرين وللإسماعيلي مما سبق في الطب أربعين ليلة وعند أحمد ستة أشهر، وفي موطأ مالك بإسناد صحيح سنة وهو المعتمد وهذا في حديث السحر الذي صنعه لبيد بن الأعصم (يخيل إليه أنه يأتي) أي يباشر (أهله ولا يأتي) ولا يباشر (قالت عائشة) رضي الله

стр. 6750

عنها (فقال) ﷺ : (لي ذات يوم) من إضافة المسمى إلى اسمه: (يا عائشة إن الله) (أفتاني في أمر) أي في أمر التخييل (استفتيته فيه أتاني رجلان) هما جبريل وميكائيل كما عند ابن سعد في رواية منقطعة (فجلس أحدهما عند رجلي) بتشديد التحتية على التثنية (والآخر) وهو جبريل (عند رأسي فقال الذي عند رجلي) بالتثنية وهو ميكائيل (للذي عند رأسي: ما بال الرجل) يريد النبي ﷺ وفي الطب: ما وجع الرجل (قال: مطبوب) قال الراوي مما أدرجه (يعني مسحورًا قال): ميكائيل لجبريل (ومن طبه؟ قال: لبيد بن أعصم) وكان ساحرًا منافقًا وفي مسلم أنه كان كافرًا (قال) أي ميكائيل (وفيم)؟ سحره (قال): أي جبريل (في جف طلعة) بضم الجيم وتشديد الفاء مضافًا لطلعة وتنوينها (ذكر) صفة لجف وهو وعاء الطلع (في مشط ومشاطة تحت رعوفة) براء مفتوحة فعين مهملة مضمومة وبعد الواو الساكنة فاء وهو حجر يكون في قعر البئر يقعد عليه المائح بالتحتية ليملأ دلو الماتح كذا نقل عن الحافظ أبي ذر وقيل غير ذلك ما مر (في بئر ذروان) بفتح الذال المعجمة وسكون الراء (فجاء النبي ﷺ ¬) في جماعة من أصحابه (فقال: هذه البئر التي أريتها) بهمزة مضمومة فراء مكسورة (كأن رؤوس نخلها) أي نخل البستان التي هي فيه (رؤوس الشياطين) في قبح منظرها (وكان ماءها نقاعة الحناء) في حمرة لونه ونقاعة بضم النون بعدها قاف والحناء ممدود أي أنه تغير لرداءته أو لما خالطه مما ألقي فيه (فأمر به النبي ﷺ ¬) أي بصورة ما في الجف من المشط والمشاطة وما ربط فيه (فأخرج) من البئر (قالت عائشة) ﵂: (فقلت يا رسول الله فهلا تعني) عائشة (تنشرت) بتشديد الشين المعجمة والنشرة الرقية التي بها حل عقد الرجل عن مباشرة امرأته، ولغير أبي ذر يعني بالتحتية بدل الفوقية (فقال النبي ﷺ : أما الله) بتشديد الميم (فقد شفاني) منه (وأما أنا فأكره أن أثير) بضم الهمزة بعدها مثلثة (على الناس شرًّا) باستخراجه من الجف لئلا يروه فيتعلموه إن أرادوا السحر (قالت) عائشة ﵂ (لبيد بن أعصم رجل من بني زريق حليف) بفتح الحاء المهملة وكسر اللام معاهد (اليهود) ولأبي ذر عن الكشميهني: لليهود بزيادة لام. ومطابقة الآيات المذكورة وترجمة الباب مع الحديث كما هو ملخص من قول الخطابي إن الله تعالى لما نهى عن البغي واعلم أن ضرر البغي إنما هو راجع إلى الباغي وضمن النصر لمن بغي عليه كان حق من بغي عليه أن يشكر الله على إحسانه إليه بأن يعفو عمن بغي عليه وقد امتثل النبي ﷺ ذلك فلم يعاقب الذي كاده بالسحر مع قدرته على ذلك، وقال في الفتح: ويحتمل أن تكون المطابقة من جهة أنه ﷺ ترك استخراج السحر خشية أن يثور على الناس منه شر فسلك مسلك العدل في أن لا يحصل لمن لم يتعاط السحر شيء من أثر الضرر الناشئ عن السحر وسلك مسلك الإحسان في ترك عقوبة الجاني. والحديث سبق في باب السحر من الطب والله الموفق والمعين.

стр. 6751

٥٧ - باب مَا يُنْهَى عَنِ التَّحَاسُدِ وَالتَّدَابُرِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: ٥] (باب ما ينهى عن التحاسد) ولأبي ذر عن الكشميهني من التحاسد المذموم وهو تمني زوال النعمة عن المحسود وتكون للحاسد دونه (و) عن (التدابر) بضم الموحدة بأن يدبر كل واحد عن صاحبه بأن يعطيه دبره وقفاه فيعرض عنه ويهجره. (وقوله تعالى): ولأبي ذر وقول الله تعالى: ﴿ومن شر حاسد إذا حسد﴾ [الفلق: ٥] أي إذا أظهر حسده وعمل بمقتضاه لأنه إذا لم يظهر فلا ضرر يعود منه على من حسده بل هو الضار لنفسه لاغتمامه بسرور غيره وهو الأسف على الخير عند الغير والاستعاذة من هذه مع سابقها بعد الاستعاذة من شر ما خلق إشعار بأن شر هؤلاء أشد، وختم بالحسد ليعلم أنه شرها وهو أول ذنب عصي الله به في السماء من إبليس وفي الأرض من قابيل، وأقوى أسباب الحسد العداوة، ومنها خوفه من تكبر غيره عليه بنعمة فيتمنى زوالها عنه ليقع التساوي بينه وبينه، ومنها حب الرياسة فمتى تفرد بفن وأحب الرياسة وصارت حالته إذا سمع في أقصى العالم بنظيره أحب موته أو زوال تلك النعمة عنه وآفاته كثيرة، وربما حسد عالمًا فأحب خطأه في دين الله وانكشافه أو بطلان علمه بخرس أو مرض فليتأمل ما فيه من مشاركة أعداء الله بسخط قضائه وكراهة ما قسمه لعباده ومحبة زوالها عن أخيه المؤمن ونزول البلاء به. قال بعضهم: الحاسد جاحد لأنه لا يرضى بقضاء الواحد فالعجب من عاقل يسخط ربه بحسد يضره في دينه ودنياه بلا فائدة بل ربما يريد الحاسد زوال نعمة المحسود فتزول عن الحاسد فيزداد المسود نعمة إلى نعمته والحاسد شقاوة على شقاوته. نسأل الله العفو والعافية. ٦٠٦٤ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا». وبه قال: (حدّثنا بشر بن محمد) بكسر الموحدة وسكون المعجمة أبو محمد السختياني المروزي قال: (أخبرنا) ولأبي ذر حدّثنا (عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا معمر) بسكون العين المهملة ابن راشد (عن همام بن منبه) بكسر الموحدة المشددة وتشديد ميم همام بعد فتح (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (إياكم والظن) أي اجتنبوه فلا تتهموا أحدًا بالفاحشة من غير أن يظهر عليه ما يقتضيها (فإن الظن أكذب الحديث) فلا تحكموا بما يقع منه كما يحكم بنفس العلم لأن أوائل الظنون خواطر لا يملك دفعها والمرء إنما يكلف بما يقدر عليه دون ما لا يملكه. واستشكل تسمية الظن كذبًا فإن

стр. 6752

الكذب من صفات الأقوال. وأجيب: بأن المراد عدم مطابقة الواقع سواء كان قولاً أو فعلاً أو المراد ما ينشأ عن الظن فوصف الظن به مجازًا (ولا تحسسوا) بالحاء المهملة (ولا تجسسوا) بالجيم وفي بعض النسخ وهو رواية أبي ذر بتقديم الجيم على الحاء وأصلهما بالتاءين الفوقيتين فحذف من كل منهما إحداهما تخفيفًا. قال الحربي فيما نقله عن السفاقسي: معناهما واحد وهو تطلب الإخبار فالثاني للتأكيد كما قاله ابن الأنباري، وقال الحافظ أبو ذر: بالحاء الطالب لنفسه وبالجيم لغيره، وقيل بالجيم البحث عن عورات الناس وبالحاء استماع حديثهم، وقيل بالجيم البحث عن بواطن الأمور وبالحاء البحث عما يدرك بحاسة العين أو الأذن، وقيل بالجيم الذي يعرف الخبر بتلطف ومنه الجاسوس وبالحاء الذي يطلب الشيء بحاسته كاستراق السمع وإبصار الشيء خفية. نعم لو تعين التجسس طريقًا إلى إنقاذ نفس من الهلاك أو منع من زنا ونحوهما شرع كما لا يخفى (ولا تحاسدوا) بإسقاط إحدى التاءين والتحاسد هو أعم من أن يسعى في إزالة تلك النعمة عن مستحقها أم لا فإن سعى كان باغيًا وإن لم يسع في ذلك ولا أظهره ولا تسبب فيه فإن كان المانع عجزه بحيث لو تمكن فعل فآثم، وإن كان المانع التقوى فقد يعذر لأنه لا يملك دفع الخواطر النفسانية فيكفيه في مجاهدة نفسه عدم العمل والعزم عليه، وفي حديث إسماعيل بن أمية عند عبد الرزاق مرفوعًا: "ثلاث لا يسلم منها أحد الطيرة والظن والحسد" قيل: فما المخرج منهن يا رسول الله؟ قال: "إذا تطيرت فلا ترجع وإذا ظننت فلا تحقق ماذا حسدت فلا تبع" (ولا تدابروا) بحذف إحدى التاءين للتخفيف أي لا تهاجروا فيولي كل واحد منكما دبره لصاحبه حين يراه لأن من أبغض أعرض ومن أعرض ولى دبره بخلاف من أحب (ولا تباغضوا) بحذف إحدى التاءين أي لا تتعاطوا أسباب البغض نعم إذا كان البغض لله (وكونوا) يا (عباد الله إخوانًا) باكتساب ما تصيرون به كإخوان النسب في الشفقة والرحمة والمحبة والمواساة والنصيحة. ٦٠٦٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ: حَدَّثَنِى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ». [الحديث ٦٠٦٥ - طرفه في: ٦٠٧٦]. وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: حدثني) بالإفراد (أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال): (لا تباغضوا) حقيقته أن يقع بين اثنين وقد يكون من واحد وكذا ما بعده وهو قوله (ولا تحاسدوا ولا تدابروا) قيل معناه لا يستأثر أحدكم على الآخر لأن المستأثر يولي دبره حين يستأثر بشيء دون الآخر، وقال إمام الأئمة مالك في موطئه: لا أحسب التدابر إلا الإعراض عن السلام يدبر عنه بوجهه (وكونوا عباد الله إخوانًا) قال في شرح المشكاة: إخوانًا يجوز أن يكون خبرًا بعد خبو وأن يكون بدلاً أو هو الخبر وقوله عباد الله منصوب على الاختصاص بالنداء وهذا الوجه

стр. 6753

أوقع يعني أنتم مستوون في كونكم عبيد الله وملتكم ملة واحدة فالتباغض والتحاسد والتدابر مناف لحالكم، فالواجب عليكم أن تكونوا إخوانًا متواصلين متألفين (ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه) في الإسلام (فوق ثلاثة أيام) تخصيص الأخ بالذكر إشعار بالعلية ومفهومه أنه إن خالف هذه الشريطة وقطع هذه الرابطة جاز هجرانه فوق ثلاثة فإن هجرة أهل الأهواء والبدع دائمة على ممرّ الأوقات ما لم تظهر التوبة والرجوع إلى الحق. ٥٨ - باب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ٢] هذا (باب) بالتنوين وهو ساقط في رواية أي ذر ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن﴾ يقال جنبه الشر إذا أبعده عنه وحقيقته جعله في جانب فيتعدى إلى مفعولين قال الله تعالى: ﴿واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام﴾ [إبراهيم: ٣٥] ومطاوعة اجتنب الشر فنقص مفعولاً والمأمور باجتنابه هو بعض الظن وذلك البعض موصوف بالكثرة ألا ترى إلى قوله: ﴿إن بعض الظن إثم﴾ يستحق صاحبه العقاب. قال الفراء: هو ظنك بأهل الخير سوءًا فأما أهل الفسق فلنا أن نظن فيهم مثل الذي ظهر منهم، ويجوز أن يكون من مجاز الحذف تقديره اجتنبوا كثيرًا من اتباع الظن إن اتباع بعض الظن كذب ﴿ولا تجسسوا﴾ [الحجرات: ٢] أي لا تتبعوا عورات المسلمين ومعايبهم. ٦٠٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا». وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال): (إياكم) كلمة تحذير (والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا) وقد فهم من الآية السابقة. وهذا الحديث الأمر بصون عرض المسلم غاية الصيانة لتقديم النهي عن الخوض فيه بالظن فإن قال: الظان: أبحث لأتحقق قيل له ﴿ولا تجسسوا﴾ فإن قال: تحققته من غير تجسس قيل ﴿ولا يغتب بعضكم بعضًا﴾ (ولا تناجشوا) بالنون بعد الفوقية وبعد الألف جيم فشين معجمة مضمومة من النجش وهو أن يزيد في السلعة وهو لا يريد شراءها بل ليوقع غيره فيها (ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانًا).

стр. 6754

٥٩ - باب مَا يَكُونُ مِنَ الظَّنِّ (باب ما يكون) ولأبي ذر عن الكشميهني ما يجوز (من الظن). ٦٠٦٧ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «مَا أَظُنُّ فُلَانًا وَفُلَانًا يَعْرِفَانِ مِنْ دِينِنَا شَيْئًا». قَالَ اللَّيْثُ: كَانَا رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ. [الحديث ٦٠٦٧ - طرفه في: ٦٠٦٨]. وبه قال: (حدّثنا سعيد بن عفير) بضم العين المهملة وفتح الفاء آخره راء هو سعيد بن كثير بن عفير بن مسلم الأنصاري مولاهم البصري قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد بن عقيل بفتح العين الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: قال النبي ﷺ ¬): (ما أظن فلانًا وفلانًا) قال: الحافظ ابن حجر لم أقف على تسميتهما (يعرفان من ديننا) دين الإسلام (شيئًا) (قال الليث) بن سعد (كانا رجلين من المنافقين) فالظن فيهما ليس من الظن المنهي عنه لأنه في مقام التحذير من مثل من كان حاله كحال الرجلين والنهي إنما هو عن ظن السوء بالمسلم السالم في دينه وعرضه فالنفي في الحديث لظن النفي لا لنفي للظن، وفي الترجمة إثبات الظن فلا تنافي بينه وبين الترجمة. ٦٠٦٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بِهَذَا، وَقَالَتْ: دَخَلَ عَلَىَّ النَّبِىُّ ﷺ يَوْمًا وَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ مَا أَظُنُّ فُلَانًا وَفُلَانًا يَعْرِفَانِ دِينَنَا الَّذِى نَحْنُ عَلَيْهِ». وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) المخزومي المصري قال: (حدثنا الليث) بن سعد (بهذا) الحديث المذكور (و) فيه (قالت) عائشة ﵂ (دخل عليَّ) بتشديد الياء (النبي) رفع فاعل (¬ ﷺ يومًا) نصب على الظرف (وقال): (يا عائشة ما أظن فلانًا وفلانًا) بنفي الظن (يعرفان ديننا الذي نحن علينا) وهو دين الإسلام. ٦٠ - باب سَتْرِ الْمُؤْمِنِ عَلَى نَفْسِهِ (باب ستر المؤمن على نفسه) إذا صدر منه ما يعاب. ٦٠٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ أَخِى ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «كُلُّ أُمَّتِى مُعَافًى، إِلاَّ الْمُجَاهِرِينَ وَإِنَّ مِنَ الْمَجَانَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ

стр. 6755

عَمَلاً، ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ فَيَقُولَ: يَا فُلَانُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ». وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) الأويسي قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن ابن أخي ابن شهاب) محمد بن عبد الله بن مسلم الزهري (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم (عن سالم بن عبد الله) بن عمر بن الخطاب أنه (قال: سمعت أبا هريرة) ﵁ (يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول): (كل أمتي) المسلمون (معافى) بضم الميم وفتح الفاء مقصورًا اسم مفعول من العافية أي يعفى عن ذنبهم ولا يؤاخذون به (إلا المجاهرون) بكسر الهاء إلا المعلنون بالفسق لاستخفافهم بحق الله تعالى ورسوله وصالحي المؤمنين، وفيه ضرب من العناد لهم. وقوله: المجاهرون بالرفع وصحح عليه بالفرع وهو رواية النسفيّ، وشرح عليها ابن بطال والسفاقسي، وأجازه الكوفيون في الاستثناء المنقطع. وقال ابن مالك الأعلى هذا بمعنى لكن المجاهرون بالمعاصي لا يعافون فالمجاهرون مبتدأ والخبر محذوف. قال في المصابيح: هذا الباب الذي فتحه ابن مالك يؤدي إلى جواز الرفع في كل مستثنى من كلام تام موجب مثل قام القوم إلا زيد إذ يكون الواقع بعد إلا مرفوعًا بالابتداء والخبر محذوف وهو مقدر بنفي الحكم السابق وينقلب كل استثناء متصل منقطعًا بهذا الاعتبار ومثله غير مستقيم على ما لا يخفى انتهى. وفي نسخة إلا المجاهرين بالنصب، وعزاها الحافظ ابن حجر لأكثر رواة البخاري ومستخرجي الإسماعيلي وأبي نعيم ومسلم وهو الصواب عند البصريين والمجاهر الذي يظهر معصيته ويكشف ما ستر الله عليه فيحدث به (وإن من المجانة) بفتح الميم والجيم وبعد الألف نون مخففة أي عدم المبالاة بالقول والفعل، ولأبي ذر عن الكشميهني: من المجاهرة بدل المجانة وقد ضبب على المجانة في الفرع. وقال القاضي عياض: إنها تصحيف وإن كان معناها لا يبعد هنا لأن الماجن هو الذي يستهتر في أموره وهو الذي لا يبالي بما قال وما قيل له، وتعقبه في فتح الباري فقال الذي يظهر رجحانه لأن الكلام المذكور بعده لا يرتاب أحد أنه من المجاهرة فليس في إعادة ذكره كبير فائدة، وأما الرواية بلفظ المجانة والمجانة مذمومة شرعًا وعرفًا فيكون الذي يظهر المعصية قد ارتكب محذورين إظهار المعصية وتلبسه بفعل المجان (أن يعمل الرجل بالليل عملاً) أي معصية (ثم يصبح) يدخل في الصباح (وقد) أي والحال أن قد (ستره الله) ولأبي ذر عن الكشميهني: وقد ستره الله عليه (فيقول) لغيره (يا فلان عملت) بضم التاء (البارحة) هي أقرب ليلة مضت من وقت القول وأصلها من برح إذا زال (كذا وكذا) من المعصية (وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه). وفي حديث ابن عمر مرفوعًا عند الحاكم: "اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها فمن ألم بشيء منها فليستتر بستر الله".

стр. 6756

٦٠٧٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِى النَّجْوَى؟ قَالَ: «يَدْنُو أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ فَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا فَيَقُولُ: نَعَمْ. وَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيُقَرِّرُهُ ثُمَّ يَقُولُ: إِنِّى سَتَرْتُ عَلَيْكَ فِى الدُّنْيَا فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ». وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري (عن قتادة عن صفوان بن محرز) بضم الميم وسكون المهملة بعدها راء مكسورة فزاي المازني البصري (أن رجلاً) أي يسم نعم في الطبراني أن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عمر حدثني فذكر الحديث، فيحتمل أن يكون هو الرجل المبهم (سأل ابن عمر) ﵁ (كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى) بالنون والجيم وهي المسارة التي تقع بين الله وبين عبده المؤمن يوم القيامة وأصل ذلك أن يخلو في نجوة من الأرض أو من النجاة وهو أن تنجو بسرك من أن يطلع عليه أحد وأصله المصدر وقد يوصف به فيقال هو نجوى وهم نجوى (قال) ﷺ : (يدنو) أي يقرب (أحدكم من ربه) قرب كرامة وعلو منزلة (حتى يضع كنفه) بفتح الكاف والنون والفاء أي ستره (عليه فيقول) له (عملت كذا وكذا) وفي رواية همام السابقة في المظالم فيقول أتعرف ذنب كذا وكذا (فيقول: نعم، ويقول) له (عملت كذا وكذا فيقول نعم فيقرره) بذنوبه وفي رواية سعيد بن جبير المذكور فيلتفت يمنة ويسرة فيقول لا بأس عليك إنك في ستري لا يطلع على ذنوبك غيري (ثم يقول: إني سترت عليك) سيئاتك (في الدنيا فأنا) بالفاء ولأبي ذر وأنا (أغفرها لك اليوم) زاد همام وسعيد وهشام فيعطى كتاب حسناته. والمراد هنا الذنوب التي بين الله وبين عبده دون مظالم العباد. وسيكون لنا عودة إلى مبحث ذلك مستوفى إن شاء الله تعالى بعون الله في موضعه. واستشكل إيراد هذا الحديث هنا لعدم المطابقة لأن الترجمة لستر المؤمن على نفسه والذي في الحديث ستر الله على المؤمن. وأجيب: بأن ستر الله مستلزم لستر المؤمن على نفسه. والحديث سبق في المظالم والتفسير ويأتي إن شاء الله تعالى في التوحيد بعون الله. ٦١ - باب الْكِبْرِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿ثَانِىَ عِطْفِهِ﴾ [الحج: ٩] مُسْتَكْبِرٌ فِى نَفْسِهِ. عِطْفُهُ: رَقَبَتُهُ (باب) ذم (الكبر) بكسر الكاف وسكون الموحدة وهو ثمرة العجب وقد هلك بهما كثير من العلماء والعباد والزهاد والكبر هو أن يرى نفسه خيرًا من غيره جهلاً بها وبقدر بارئها تعالى وبوعده ووعيده والتكبر منع الحق كمن ينصر باطلاً رياءً وازدراءً لخلق الله فكل معجب أو متكبر بنعمة يأنف ممن هو فقير منها كفرًا للنعمة والرحمة وأنفع شيء لدفعه التفكر في كونه لم يكون شيئًا

стр. 6757

وليس أخس من العدم وحيث صار شيئًا صار جمادًا لا يحس وكان إيجاده من تراب وطين منتن ونطفة بمكان قدّر فأوجد بسمع وبصر وعقل ليعرف به أوصافه وأخرجه تعالى ضعيفًا عاجزًا فرباه وقواه وعلمه إلى منتهاه ويلازمه مع ذلك مستقذرات كالبول والغائط والسقم والعجز لا يملك ضرًّا ولا نفعًا ولا شيئًا، ومع ذلك قد لا يشكر نعمه ولا يذكر عرض قبائحه وتفرده بقبر موحش عن محابه وأحبابه فيصير جيفة والأحداق سالت والألوان حالت والرؤوس تغيرت ومالت مع فتان يأتيه فيقعده يسأله عما كان يعتقده ثم يكشف له من الجنة أو النار مقعده ثم يقاسي أهوال القيامة ثم يصير إلى النار أن لم يرحمه ربه ومن هذه حالته فمن أين يأتيه الكبر، فالكبرياء والعظمة للرب القادر لا للعبد العاجز أشار إليه في قوت الأحياء. (وقال مجاهد): هو ابن جبر فيما وصله الفريابي في قوله تعالى: (﴿ثاني عطفه﴾) [الحج: ٩] أي (مستكبرًا في نفسه عطفه) أي (رقبته) وقال غيره: أي لاويًا عنقه عن طاعة الله كبرًا وخيلاء. ٦٠٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ الْقَيْسِىُّ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ الْخُزَاعِىِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَاعِفٍ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ». وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) أبو عبد الله العبدي قال: (أخبرنا سفيان) الثوري قال: (حدّثنا معبد بن خالد القيسي) الجدلي بجيم ودال مهملة مفتوحتين الكوفي العابد (عن حارثة بن وهب الخزاعي) بتخفيف الزاي ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (ألا) بالتخفيف (أخبركم ﷺ ¬) أغلب (أهل الجنة) هم (كل ضعيف) أي ضعيف الحال لا ضعيف البدن (متضاعف) بألف بعد الضاد وكسر العين أي متواضع، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: متضعف بتشديد العين من غير ألف، ومعنى الكل يستضعفه الناس ويحتقرونه لضعف حاله في الدنيا أو متواضع متذلل خامل الذكر (لو أقسم) ولأبي ذر لو يقسم (على الله) يمينًا طمعًا في كرم الله بإبراره (لأبره) وقيل لو دعاه لأجابه (ألا أخبركم بـ) أغلب (أهل النار) هم (كل عتل) بضم العين المهملة والفوقية وتشديد اللام غليظ جاف (جوّاظ) بفتح الجيم والواو المشددة وبعد الألف معجمة المنوع أو المختال في مشيته (مستكبر) بكسر الموحدة. والحديث سبق في تفسيره سورة ن. ٦٠٧٢ - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: كَانَتِ الأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ. (وقال محمد بن عيسى) بن أبي نجيح المعروف بابن الطباع بمهملة مفتوحة فموحدة مشددة فألف فعين مهملة أبو جعفر البغدادي نزيل أذنة بفتح الهمزة والمعجمة والنون الثقة العالم. قال أبو

стр. 6758

داود: كان يحفظ أربعين ألف حديث، ويشبه أن يكون البخاري أخذ عنه مذاكرة قال: (حدّثنا هشيم) بضم مصغرًا ابن بشير أبو معاوية الواسطي قال: (أخبرنا حميد الطويل) قال: (حدّثنا أنس بن مالك) ﵁ (قال: كانت) ولأبي ذر عن الكشميهني: أن كانت بفتح الهمزة في اليونينية (الأمة) غير الحرّة (من إماء أهل المدينة) أي أيّ أمة كانت (لتأخذ) بلام التأكيد (بيد رسول الله ﷺ فتنطلق به حيث شاءت) من الأمكنة ولو كانت حاجتها خارج المدينة. زاد أحمد في حاجتها وفي أخرى له فيما ينزع يده حتى تذهب به حيث شاءت، والمراد بالأخذ باليد لازمه وهو الانقياد وفيه غاية تواضعه وبراءته من جميع أنواع الكبر ﷺ كثيرًا. ٦٢ - باب الْهِجْرَةِ وَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ» (باب) ذم (الهجرة) بكسر الهاء وسكون الجيم وهي مفارقة كلام أخيه المؤمن مع تلاقيهما واعراض كل واحد منهما عن الآخر عند اجتماعهما لا مفارقة الوطن (وقول رسول الله) ولأبي ذر وقول النبي (¬ ﷺ لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث) ولأبي ذر: ثلاث ليال، وهذا وصله في هذا الباب عن أبي أيوب. ٦٠٧٣ و ٦٠٧٤ و ٦٠٧٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ: حَدَّثَنِى عَوْفُ بْنُ مَالِكِ بْنِ الطُّفَيْلِ هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ وَهْوَ ابْنُ أَخِى عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ لأُمِّهَا أَنَّ عَائِشَةَ حُدِّثَتْ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ قَالَ فِى بَيْعٍ أَوْ عَطَاءٍ أَعْطَتْهُ عَائِشَةُ، وَاللَّهِ لَتَنْتَهِيَنَّ عَائِشَةُ أَوْ لأَحْجُرَنَّ عَلَيْهَا فَقَالَتْ: أَهُوَ قَالَ هَذَا؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَتْ: هُوَ لِلَّهِ عَلَىَّ نَذْرٌ أَنْ لَا أُكَلِّمَ ابْنَ الزُّبَيْرِ أَبَدًا فَاسْتَشْفَعَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إِلَيْهَا حِينَ طَالَتِ الْهِجْرَةُ، فَقَالَتْ: لَا وَاللَّهِ لَا أُشَفِّعُ فِيهِ أَبَدًا، وَلَا أَتَحَنَّثُ إِلَى نَذْرِى فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ كَلَّمَ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، وَهُمَا مِنْ بَنِى زُهْرَةَ وَقَالَ لَهُمَا: أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ لَمَّا أَدْخَلْتُمَانِى عَلَى عَائِشَةَ فَإِنَّهَا لَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَنْذُرَ قَطِيعَتِى فَأَقْبَلَ بِهِ الْمِسْوَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ مُشْتَمِلَيْنِ بِأَرْدِيَتِهِمَا حَتَّى اسْتَأْذَنَا عَلَى عَائِشَةَ فَقَالَا: السَّلَامُ عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، أَنَدْخُلُ؟ قَالَتْ عَائِشَةُ: ادْخُلُوا، قَالُوا: كُلُّنَا قَالَتْ: نَعَمِ ادْخُلُوا كُلُّكُمْ، وَلَا تَعْلَمُ أَنَّ مَعَهُمَا ابْنَ الزُّبَيْرِ، فَلَمَّا دَخَلُوا دَخَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ الْحِجَابَ فَاعْتَنَقَ عَائِشَةَ وَطَفِقَ يُنَاشِدُهَا وَيَبْكِى، وَطَفِقَ الْمِسْوَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ يُنَاشِدَانِهَا إِلاَّ مَا كَلَّمَتْهُ، وَقَبِلَتْ مِنْهُ وَيَقُولَانِ: إِنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عَمَّا قَدْ عَلِمْتِ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَى عَائِشَةَ مِنَ التَّذْكِرَةِ وَالتَّحْرِيجِ طَفِقَتْ تُذَكِّرُهُمَا نَذْرَهَا وَتَبْكِى وَتَقُولُ: إِنِّى نَذَرْتُ، وَالنَّذْرُ شَدِيدٌ فَلَمْ يَزَالَا بِهَا حَتَّى كَلَّمَتِ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَأَعْتَقَتْ فِى نَذْرِهَا ذَلِكَ أَرْبَعِينَ رَقَبَةً، وَكَانَتْ تَذْكُرُ نَذْرَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَتَبْكِى حَتَّى تَبُلَّ دُمُوعُهَا خِمَارَهَا.

стр. 6759

وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: حدثني) بالإفراد (عوف بن مالك بن الطفيل) بالفاء والطفيل بضم الطاء المهملة وفتح الفاء وسكون التحتية بعدها لام (هو ابن الحارث) وسقط لأبي ذر لفظ ابن مالك ولفظ هو ابن الحارث كما في الفرع، وزاد في الفتح والنسفيّ أيضًا، وعند الإسماعيلي من طريق علي بن المديني من رواية صالح بن كيسان عن الزهري حدثني عوف بن الطفيل بن الحارث وفي رواية معمر عنده أيضًا عوف بن الحارث بن الطفيل قال ابن المديني: والصواب عندي وهو المعروف عوف بن الحارث بن الطفيل بن سخبرة (وهو ابن أخي عائشة زوج النبي ﷺ لأمها) أم رومان بنت عامر الكنانية (أن عائشة) ﵂ (حدثت) بضم الحاء المهملة مبنيًّا للمفعول وللأصيلي كما في الفتح حدثته قال: والأوّل أصح ويؤيده أن في رواية الأوزاعي أن عائشة بلغها (أن عبد الله بن الزبير) بن العوّام (قال في بيع أو عطاء أعطته عائشة): وللأوزاعي عند الإسماعيلي في دار لها باعتها فسخط عبد الله بن الزبير ببيع تلك الدار فقال: أما (والله لتنتهين عائشة) عن بيع رباعها (أو لأحجرن عليها) وفي مناقب قريش مما سبق من طريق عروة قال: كانت عائشة لا تمسك شيئًا فما جاءها من رزق الله تصدقت. قال في الفتح: وهذا لا يخالف الذي هنا لأنه يحتمل أن تكون باعت الرباع لتتصدق بثمنها (فقالت) عائشة: (أهو) أي عبد الله (قال هذا) القول؟ (قالوا نعم) قاله (قالت: هو) أي الشأن (لله عليّ نذر أن لا أكلم ابن الزبير أبدًا) وفي رواية الأوزاعي المذكورة بدل قوله أبدًا حتى يفرق الموت بيني وبينه قال السفاقسي قولها أن لا أكلمه تقديره عليّ نذر إن كلمته (فاستشفع ابن الزبير إليها) بالمهاجرين كما في رواية عبد الله بن خالد عند البخاري في الأدب المفرد (حين طالت الهجرة) منها له أن تعفو عنه وتكلمه، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: حتى بدل حين والأول هو الصواب كما قاله في الفتح (فقالت: لا والله لا أشفع فيه أبدًا) بكسر الفاء المشددة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أحدًا بدل أبدًا (ولا أتحنث) بالمثلثة (إلى نذري) أي لا أقبل الشفاعة فيه ولا أتحنث في نذري أي يميني منتهيًا إليه (فلما طال ذلك) من هجرانها (على ابن الزبير كلم المسور بن مخرمة) بكسر الميم وسكون السين المهملة وفتح ميم مخرمة وسكون الخاء المعجمة (وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث) بفتح التحتية وضم المعجمة وبعد الواو مثلثة (وهما من بني زهرة قال لهما: أنشدكما) بفتح الهمزة وضم المعجمة والمهملة أسألكما (بالله لما أدخلتماني على عائشة) بتشديد الميم في الفرع وتخفف وما زائدة وهي بمعنى ألا أي لا أطلب إلا الإدخال عليها ولأبي ذر عن الكشميهني إلا بدل لما (فإنها) أي الحال، ولأبي ذر عن الكشميهني: فإنه أي الشأن (لا يحل لها أن تنذر) بكسر المعجمة وضمها (قطيعتي) أي قطع صلة رحمي لأنه كان ابن أختها وكانت تتولى تربيته غالبًا وللأوزاعي فسألهما أن يشتملا عليه بأرديتهما (فأقبل به المسور وعبد الرحمن مشتملين بأرديتهما حتى استأذنا على عائشة) ﵂ (فقالا: السلام عليك ورحمة الله وبركاته أندخل؟ قالت عائشة: ادخلوا. قالوا: كلنا: قالت: نعم ادخلوا كلكلم و) هي (لا تعلم أن معهما ابن الزبير فلما دخلوا دخل ابن الزبير

стр. 6760

الحجاب فاعتنق عائشة وطفق) بالواو ولأبي ذر فطفق (يناشدها) الله والرحم (ويبكي) وفي رواية الأوزاعي فبكى إليها وبكت إليه وقبلها (وطفق) ولأبي ذر فطفق (المسور وعبد الرحمن يناشدانها إلا ما كلمته وقبلت منه) بسكون الفوقية فيهما وبكسرها بعد سكون سابقها (ويقولان) لها (إن النبي ﷺ نهى عما قد علمت) بكسر اللام وسكون الميم (من الهجرة فإنه) وفي نسخة وإنه بالواو بدل الفاء (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه) المسلم (فوق ثلاث ليال) بأيامها والاعتبار بمضي الثلاث ملفقة فإذا ابتدأت مثلاً من الظهر يوم السبت كان آخرها الظهر يوم الثلاثاء أو يلغى الكسر ويكون أوّلها من ابتداء اليوم أو الليلة لكن الأول أحوط. وقال النووي، قال العلماء: تحرم الهجرة بين المسلمين أكثر من ثلاث ليال بالنص ويباح في الثلاث بالمفهوم وإنما عفي عنه في ذلك لأن الآدمي مجبول على الغضب فسومح بذلك القدر ليرجع ويزول ذلك العارض عنه. (فلما أكثروا على عائشة من التذكرة) أي من التذكير بما جاء في فضل صلة الرحم والعفو وكظم الغيظ (والتحريج) بحاء مهملة آخره جيم أي الوقوع في الحرج لما ورد في القطيعة من النهي (طلّقت تذكرهما) بضم الفوقية وفتح المعجمة وكسر الكاف مشددة (وتبكي) ولأبي ذر: تذكرهما نذرها وتبكي (وتقول) لهما: (إني نذرت) أن لا أكلمه (والنذر شديد فلم يزالا بها حتى كلمت ابن الزبير وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة وكانت تذكر نذرها بعد ذلك فتبكي حتى تبل دموعها خمارها) الذي يستر رأسها وهو بكسر الخاء المعجمة وتخفيف الميم، واختلف في النذر إذا خرج مخرج اليمين مثل إن قال: إن كلمت فلانًا فلله عليّ عتق رقبة، فهذا نذر خرج مخرج اليمين لأنه قصد به منع نفسه عن الفعل، فإذا فعل ذلك وجبت عليه كفارة اليمين كما ذهب إليه الشافعي وأكثر السلف ويسمى نذر اللجاج، وقال المالكية: إنما ينعقد النذر إذا كان في طاعة كللّه عليّ أن أعتق أو أصلي فإن كان في حرام أو مكروه أو مباح فلا، وحينيذٍ فنذر ترك الكلام الصادر من عائشة في حق ابن الزبير ﵄ يفضي إلى التهاجر وهو حرام أو مكروه. وأجيب: بأن عائشة رأت أن ابن الزبير ارتكب بقوله لأحجرن عليها أمرًا عظيمًا لما فيه من تنقيصها ونسبته لها إلى التبذير الموجب لمنعها من التصرف مع ما انضاف إلى ذلك من كونها أم المؤمنين وخالته أخت أمه فكأنها رأت الذي صدر منه نوع عقوق فهو في معنى نهيه ﷺ المسلمين عن كلام كعب بن مالك وصاحبيه لتخلفهم عن غزوة تبوك بغير عذر عقوبة لهم. ٦٠٧٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ». وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي الكلاعي الدمشقي الأصل قال: (أخبرنا مالك) الإمام الأعظم (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن أنس بن مالك) ﵁ سقط لأبي ذر ابن مالك (أن رسول الله ﷺ قال):
следующие страницы →