Полный текст (8 298 стр.). Показаны 7071–7110 · переход к 7076.
стр. 7071
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدثني بالإفراد (محمد بن العلاء) أبو كريب الهمداني الحافظ قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن بريد بن عبد الله) بضم الموحدة وفتح الراء (عن) جده (أبي بردة) بضم الموحدة وسكون الراء عامر (عن) أبيه (أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (﵁) أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر) زاد أبو ذر بعد هذه ربه (مثل الحي والميت) بفتح الميم والمثلثة في مثل في الموضعين شبه الذاكر بالحي الذي يزين ظاهره بنور الحياة وإشراقها فيه وبالتصرف التام فيما يريده وباطنه بنور العلم والفهم والإدراك كذلك الذاكر مزين ظاهره بنور العلم والطاعة وباطنه بنور العلم والمعرفة فقلبه مستقر في حظيرة القدس وسره في مخدع الوصل وغير الذاكر عاطل ظاهره وباطل باطنه قاله في شرح المشكاة.
والحديث رواه مسلم عن أبي كريب وهو محمد بن العلاء شيخ البخاري فيه بسنده المذكور بلفظ مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت، وكذا أخرجه الإسماعيلي وابن حبان في صحيحه عن أبي يعلى عن أبي كريب، فلعل البخاري رواه بالمعنى فإن الذي يوصف بالحياة والموت حقيقة هو الساكن لا المسكن فهو من باب ذكر المحل وإرادة الحال.
٦٤٠٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِى الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ قَالَ: فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، قَالَ: فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهْوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ مَا يَقُولُ عِبَادِى؟ قَالُوا: يَقُولُونَ يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ هَلْ رَأَوْنِى؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ لَا وَاللَّهِ، مَا رَأَوْكَ قَالَ: فَيَقُولُ وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِى؟ قَالَ: يَقُولُونَ لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا، قَالَ: يَقُولُ فَمَا يَسْأَلُونِى؟ قَالَ: يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ قَالَ: يَقُولُ وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا قَالَ: يَقُولُ فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا، وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً، قَالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ قَالَ: يَقُولُونَ مِنَ النَّارِ، قَالَ: يَقُولُ وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ لَا وَاللَّهِ مَا رَأَوْهَا قَالَ: يَقُولُ فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً، قَالَ: فَيَقُولُ فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّى قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، قَالَ: يَقُولُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فِيهِمْ فُلَانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ قَالَ: هُمُ الْجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ». رَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ وَلَمْ يَرْفَعْهُ، وَرَوَاهُ سُهَيْلٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
стр. 7072
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) سقط ابن سعيد لأبي ذر قال: (حدّثنا جرير) بفتح الجيم ابن عبد الحميد (عن الأعمش) سليمان (عن أبي صالح) ذكوان (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(إن لله ملائكة) زاد الإِسماعيلي وابن حبان ومسلم فضلاً بسكون الضاد وضم الفاء جمع فاضل كنزل ونازل، وقيل بفتح الفاء وسكون الضاد أي زيادة على الحفظة وغيرهم من المرتبين مع الخلائق لا وظيفة لهم إلا حلق الذكر، وقيل في ضبطها غير ذلك، وهذه اللفظة ليست في صحيح البخاري هنا في جميع الروايات ولمسلم سيارة فضلاً (يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر) ولمسلم من رواية سهيل يبتغون مجالس الذكر (فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله) (تنادوا هلموا) أي تعالوا (إلى حاجتكم قال: فيحفونهم) بفتح التحتية وضم الحاء المهملة يطوفون ويدورون حولهم (بأجنحتهم إلى السماء الدنيا) قال المظهري: الباء للتعدية يعني يديرون أجنحتهم حول الذاكرين، وقال الطيبي: الظاهر أنها للاستعانة كما في قولك: كتبت بالقلم لأن حفهم الذي ينتهي إلى السماء إنما يستقيم بواسطة الأجنحة، ولأبي ذر عن الكشميهني: إلى سماء الدنيا (قال: فيسألهم ربهم وهو أعلم منهم) أي أعلم من الملائكة بحال الذاكرين، ولأبي ذر عن الكشميهني أعلم بهم أي بالذاكرين والجملة حالية. قال في شرح المشكاة: والأحسن أن تكون معترضة أو تتميمًا صيانة عن التوهم وفائدة السؤال مع العلم بالمسؤول التعريض بالملائكة وبقولهم في بني آدم أتجعل فيها من يفسد فيها الخ (ما يقول عبادي؟ قالوا: يقولون) ولأبي ذر قال: تقول أي الملائكة (يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك) يقولون سبحان الله والله أكبر والحمد لله (ويمجدونك) بالجيم وزاد في رواية سهيل ويهللونك وفي حديث البزار عن أنس يعظمون آلاءك ويتلون كتابك ويصلون على نبيك ويسألونك (قال: فيقول) (هل رأوني؟ قال: فيقولون لا والله ما رأوك. قال فيقول) تعالى (كيف)؟ ولغير أبي ذر وكيف (لو رأوني قال: يقولون لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد لك تمجيدًا) وزاد أبو ذر عن الكشميهني وتحميدًا (وأكثر لك تسبيحًا) وزاد الإسماعيلي وأشد لك ذكرًا (قال: يقول فما يسألوني)؟ ولأبي ذر فيقول فما يسألونني بزيادة الفاء والنون (قال: يسألونك الجنة. قال: يقول) تعالى (وهل رأوها؟ قال يقولون لا والله يا رب ما رأوها. قال: يقول) ولأبي ذر فيقول (فكيف لو أنهم رأوها؟ قال: يقولون لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصًا وأشد لها طلبًا وأعظم فيها رغبة قال) تعالى (فممّ يتعوذّون؟ قال يقولون من النار قال يقول) تعالى (وهل رأوها؟ قال: يقولون لا والله ما) ولأبي ذر لا والله يا رب ما (رأوها. قال: يقول) تعالى (فكيف لو رأوها؟ قال يقولون لو رأوها كانوا أشد منها فرارًا وأشد لها مخافة) وهذا كله فيه تقريع للملائكة وتنبيه على أن تسبيح بني آدم وتقديسهم أعلى وأشرف من تقديسهم لحصول هذا في عالم الغيب مع وجود الموانع والصوارف وحصول ذلك للملائكة في عالم الشهادة من غير صارف (قال فيقول) تعالى (فأشهدكم أني قد غفرت لهم) زاد في رواية سهيل وأعطيتهم ما سألوا (قال: يقول ملك من الملائكة فيهم فلان ليس منهم إنما
стр. 7073
جاء لحاجة) وفي رواية سهيل قال: يقولون رب فيهم فلان عبد خطاء إنما مر فجلس معهم وزاد قال وله قد غفرت.
قال في شرح المشكاة قوله، إنما مرّ مشكل لأن إنما توجب حصر ما بعدها في آخر الكلام كما تقول إنما يجيء زيد أو إنما زيد يجيء ولم يصرح هنا غير كلمة واحدة، وكذلك قوله وله قد غفرت يقتضي تقديم الظرف على عامله اختصاص الغفران بالمارّ دون غيره وليس كذلك. وأجاب: بأن في التركيب الأول تقديمًا وتأخيرًا أي إنما فلان مر أي ما فعل فلان إلا المرور والجلوس عقبه يعني ما ذكر الله تعالى، ثم قال فإن قلت: لم لم يجعل الضمير في مر بارزًا ليكون الحصر فيه؟ وأجاب: بأنه لو أريد هذا لوجب الإبراز، ولئن سلم لأدى إلى خلاف المقصود وأن المرور منحصر في فلان لا يتعدى إلى غيره وهو خلف، وفي التركيب الثاني الواو للعطف وهو يقتضي معطوفًا عليه أي قد غفرت لهم وله ثم أتبع غفرت تأكيدًا وتقريرًا.
(قال) تعالى (هم المجلساء لا يشقى بهم جليسهم). وسقط لفظ بهم لأبي ذر يعني أن مجالستهم مؤثرة في الجليس ولمسلم هم القوم لا يشقى بهم جليسهم وتعريف الخبر يدل على الكمال أي هم القوم كل القوم الكاملون فيما هم فيه من السعادة فيكون قوله لا يشقى بهم جليسهم استئنافًا لبيان الموجب، وفي هذه العبارة مبالغة في نفي الشقاء عن جليس الذاكرين، فلو قيل يسعد بهم جليسهم لكان ذلك في غاية الفضل لكن التصريح بنفي الشقاء أبلغ في حصول المقصود رواه أي الحديث المذكور (شعبة) بن الحجاج (عن الأعمش) سليمان بن مهران بسنده المذكور (ولم يرفعه) إلى النبي ﷺ هكذا وصله أحمد (ورواه سهيل) بضم السين وفتح الهاء (عن أبيه) أبي صالح السمان (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) وصله مسلم وأحمد.
٦٧ - باب قَوْلِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ
(باب) فضل (قول لا حول ولا قوّة إلا بالله) في إعرابه ونحوه مما تكررت فيه لا النافية للجنس مع اسمها الوجوه الخمسة المقررة في كتب العربية فتح الأول، وفي الثاني وهو اسم لا الثانية ثلاثة أوجه: الفتح بناء والنصب والرفع إعرابًا فالفتح على أنه ركب مع لا كالأول والرفع على إهمال لا الثانية أو إعمالها عمل ليس والنصب على العطف على على اسم لا الأولى، وإهمال الثانية ورفع الأول فيمتنع النصب في الثاني ويجوز فيه الفتح بناء بإعمال لا الثانية أو الرفع بإهمالها أو إعمالها عمل ليس فهي خمسة فتح الأول والثاني معًا ورفعهما معًا وفتح الأول ورفع الثاني وعكسه وفتح الأول ونصب الثاني.
٦٤٠٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِىُّ، عَنْ أَبِى عُثْمَانَ، عَنْ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ قَالَ: أَخَذَ النَّبِىُّ ﷺ فِى عَقَبَةٍ أَوْ قَالَ: فِى ثَنِيَّةٍ قَالَ: فَلَمَّا عَلَا عَلَيْهَا رَجُلٌ نَادَى فَرَفَعَ صَوْتَهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ قَالَ: وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَغْلَتِهِ قَالَ:
стр. 7074
«فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا» ثُمَّ قَالَ: «يَا أَبَا مُوسَى أَوْ يَا عَبْدَ اللَّهِ: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ مِنْ كَنْزِ الْجَنَّةِ»؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن مقاتل أبو الحسن) المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا سليمان) بن طرخان (التيمي) البصري (عن أبي عثمان) عبد الرَّحمن بن ملّ النهدي (عن أبي موسى الأشعري) ﵁ أنه (قال: أخذ النبي ﷺ ¬) يمشي (في عقبة أو قال: في ثنية) أي عقبة والشك من الراوي في أي اللفظين قال: وسقط لفظ في لأبي ذر (قال) أبو موسى: (فلما علا عليها) على العقبة أو الثنية (رجل نادى فرفع صوته لا إله إلا الله والله أكبر قال) أبو موسى: (ورسول الله ﷺ على بغلته) قال:
(فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا) في إعرابه الوجوه الخمسة في نحو لا حول ولا قوة وزاد في أخرى فإنكم تدعون سميعًا بصيرًا وهو معكم والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته (ثم قال: يا أبا موسى أو) قال: (يا عبد الله) هو اسم أبي موسى (ألا) بالتخفيف (أدلك على كلمة من كنز الجنة)؟ أي كالكنز في كونها ذخيرة نفيسة يتوقع الانتفاع منها قال أبو موسى: (قلت: بلى) يا رسول الله (قال: لا حول ولا قوة إلا بالله).
والحديث سبق في باب الدعاء إذا علا عقبة ويأتي إن شاء الله تعالى بقوة الله ومعونته في كتاب القدر.
٦٨ - باب لِلَّهِ مِائَةُ اسْمٍ غَيْرَ وَاحِدٍ
هذا (باب) بالتنوين (لله مائة اسم غير واحد) بالتذكير ولأبي ذر واحدة بالتأنيث باعتبار معنى التسمية.
٦٤١٠ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَفِظْنَاهُ مِنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رِوَايَةً قَالَ: لِلَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا مِائَةٌ إِلاَّ وَاحِدًا، لَا يَحْفَظُهَا أَحَدٌ إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَهْوَ وَتْرٌ يُحِبُّ الْوَتْرَ.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: حفظناه) أي الحديث (من أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان وفي رواية الحميدي في مسنده عن سفيان حدّثنا أبو الزناد (عن الأعرج) عبد الرَّحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁) حال كونه (رواية) أي عن النبي ﷺ ، وعنه الحميدى قال رسول الله ﷺ . وكذا لمسلم عن عمرو الناقد عن سفيان، وللمؤلّف في التوحيد من رواية شعيب عن أبي الزناد بسنده أن رسول الله ﷺ (قال):
(لله) (تسعة وتسعون اسمًا) بالنصب على التمييز وتسعة مبتدأ قدم خبره (مائة) رفع على البدل (إلا واحدًا) بالتذكير، ولأبي ذر إلا واحدة بالتأنيث. قال ابن بطال: ولا يجوز في
стр. 7075
العربية، ووجهها ابن مالك باعتبار معنى التسمية أو الصفة أو الكلمة، والحكمة في الإتيان بهذه الجملة بعد السابقة أن يتقرر ذلك في نفس السامع جمعًا بين جهتي الإجمال والتفصيل ودفعًا للتصحيف خطأ لاشتباه تسعة وتسعين بسبعة وسبعين. وقال في فتوح الغيب: قوله مائة إلا واحدًا تأكيد وفذلكة لئلا يزاد على ما ورد كقوله تعالى: ﴿تلك عشرة كاملة﴾ [البقرة: ١٩٦] (لا يحفظها) لا يقرؤها (أحد) عن ظهر قلبه والحفظ يستلزم التكرار أي تكرار مجموعها وفي الشروط من أحصاها أي ضبطها أو علمها أو قام بحقها وعمل بمقتضاها بأن يعتبر معانيها فيطالب نفسه بما تضمنته من صفات الربوبية وأحكام العبودية فيتخلق بها (إلا دخل الجنة) ذكر الجزاء بلفظ الماضي تحقيقًا لوقوعه وتنبيهًا على أنه وإن لم يقع فهو في حكم الواقع لأنه كائن لا محالة (وهو) تعالى (وتر) بفتح الواو وكسرها أي فرد ومعناه في حق الله تعالى أنه الواحد الذي لا نظير له في ذاته (يحب الوتر) من كل شيء أو كل وتر شرعه وأثاب عليه. وقال التوربشتي: أي يثيب على العمل الذي أتى به وترًا ويقبله من عامله لما فيه من التنبيه على معاني الفردانية قلبًا ولسانًا وإيمانًا وإخلاصًا ثم إنه أدعى إلى معاني التوحيد.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الدعوات أيضًا وكذا الترمذي لكن من حديث ابن عمر وسردها ثم قال: هذا حديث غريب حدّثنا به غير واحد عن صفوان ولا نعرفه إلا من حديث صفوان وهو ثقة، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة ولا يعلم في كثير من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذه الطريق، وقد روي بإسناد آخر عن أبي هريرة فيه ذكر الأسماء وليس له إسناد صحيح اهـ.
ولم ينفرد به صفوان فأخرجه البيهقي في طريق موسى بن أيوب النصيبي وهو ثقة عن الوليد أيضًا وسرد الترمذي للأسماء معروف محفوظ، وقد أخرج الحديث الطبراني عن أبي زرعة الدمشقي عن صفوان بن صالح فخالف في عدة أسماء فقال: القائم الدائم بدل القابض الباسط والشديد بدل الرشيد والأعلى المحيط مالك يوم الدين بدل الودود المجيد الحكيم، وعند ابن حبان عن الحسن بن سفيان عن صفوان الرافع بدل المانع، وعند ابن خزيمة في رواية صفوان أيضًا الحاكم بدل الحكم والقريب بدل الرقيب والمولى بدل الوال والأحد بدل المغني. وعند البيهقي وابن منده من طريق موسى بن أيوب عن الوليد المغيث بالمعجمة والمثلثة بدل المقيت بالقاف والمثناة، ووقع بين رواية زهير عن موسى بن عقبة عن الأعرج عن أبي هريرة عند أبي الشيخ وابن ماجة وابن أبي عاصم والحاكم وبين رواية صفوان عن الوليد مخالفة في ثلاثة وعشرين اسمًا. فليس في رواية زهير الفتاح القهار الحكم العدل الحسيب الجليل المحصي المقتدر المقدم المؤخر البر المنتقم الغني النافع الصبور البديع الغفار الحفيظ الكبير الواسع الأحد مالك الملك ذو الجلال والإكرام، وذكر بدلها الرب الفرد الكافي القاهر المبين بالموحدة الصادق الجميل البادئ بالدال القديم البارّ بتشديد الراء الوفي البرهان الشديد الواقي بالقاف القدير الحافظ العادل العلي العالم الأحد الأبد الوتر ذو القوّة.
стр. 7076
ولم يقع في شيء من طرف الحديث سرد الأسماء إلا في رواية الوليد بن مسلم عند الترمذي، وفي رواية زهير بن محمد عن موسى بن عقبة عند ابن ماجة والطريقان يرجعان إلى رواية الأعرج وفيها اختلاف شديد في سرد الأسماء والزيادة والنقص.
ووقع سرد الأسماء أيضًا في طريق ثالثة عند الحاكم في مستدركه وجعفر الفريابي في الذكر من طريق عبد العزيز بن الحصين عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، واختلف العلماء في سرد الأسماء هل هو مرفوع أو مدرج في الخبر من بعض الرواة فذهب إلى الأخير جماعة مستدلين بخلو أكثر الروايات عنه مع الاختلاف والاضطراب. قال البيهقي: ويحتمل أن يكون التعيين وقع من بعض الرواة في الطريقين معًا ولذا وقع الاختلاف الشديد بينهما، ولذا ترك الشيخان تخريج التعيين. وقال الترمذي بعد أن أخرجه من طريق الوليد: هذا حديث غريب حدّثنا به غير واحد عن صفوان ولا نعرفه إلا من حديث صفوان وهو ثقة. وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة ولا نعلم في كثير من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذه الطريق، وقد روي بإسناد آخر عن أبي هريرة فيه ذكر الأسماء وليس له سند صحيح. وقال الداودي: ولم يثبت أن النبي ﷺ عين الأسماء المذكورة وليس المراد من الحديث حصر الأسماء في التسعة والتسعين، ففي حديث ابن مسعود عند أحمد وصححه ابن حبان أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به علم الغيب عندك. قال القرطبي: ويدل على عدم الحصر أن أكثرها صفات وصفات الله لا تتناهى وهل الاقتصار على العدد المذكور معقول أو تعبد لا يعقل معناه، وقيل إن أسماءه تعالى مائة استأثر الله تعالى بواحد منها وهو الاسم الأعظم فلم يطلع عليه أحدًا فكأنه قيل مائة لكن واحد منها عند الله وجزم السهيلي بأنها مائة على عدد درج الجنة، والذي يكمل المائة الله. واستدلّ بهذا الحديث على أن الاسم عين المسمى أو غيره وهي مسألة مشهورة سبق القول فيها أول هذا المجموع ويأتي إن شاء الله تعالى مزيد لذلك في محله بعون الله.
واختلف هل الأسماء الحسنى توقيفية بمعنى أنه لا يجوز لأحد أن يشتق من الأفعال الثابتة لله اسمًا إلا إذا ورد نص به في الكتاب والسنة؟ فقال الإمام فخر الدين: المشهور عن أصحابنا أنها توقيفية. وقال القاضي أبو بكر والغزالي الأسماء توقيفية دون الصفات قال: وهذا هو المختار، وقال الشيخ أبو القاسم القشيري في كتاب مفاتيح الحج ومصابيح النهج: أسماء الله تعالى تؤخذ توقيفًا ويراعى فيها الكتاب والسُّنّة والإجماع فكل اسم ورد في هذه الأصول وجب إطلاقه في وصفه تعالى وما لم يرد فيها لا يجوز إطلاقه في وصفه وإن يصح معناه، وقال الزجاج: لا ينبغي لأحد أن يدعوه بما لم يصف به نفسه فيقول يا رحيم لا يا رفيق ويقول يا قوي لا يا جليد، وقال الإمام، قال أصحابنا: كل ما صح معناه جاز إطلاقه عليه فإنه الخالق للأشياء كلها، ولا يجوز أن يقال يا خالق الذئب والقردة وورد وعلم آدم الأسماء كلها وعلمك ما لم تكن تعلم ولا يجوز يا معلم قال: ولا يجوز عندي يا محب وقد ورد: ﴿يحبهم ويحبونه﴾ [المائدة: ٥٤].
стр. 7077
فإن قلت: ما ورد في شرح السنة عن أبي أمية قال: إنه رأى الذي بظهر رسول الله ﷺ فقال: دعني أعالجه فإني طبيب فقال: أنت رفيق والله هو الطبيب هل هو إذن منه ﷺ في تسمية الله تعالى بالطبيب؟ فالجواب: لا لوقوعه مقابلاً لقوله: فإني طبيب مشاكلة وطباقًا للجواب على السؤال كقوله تعالى: ﴿تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك﴾ [المائدة: ١١٦] وهل يجوز تفضيل بعض أسماء الله تعالى على بعض، فمنع من ذلك أبو جعفر الطبري وأبو الحسن الأشعري والقاضي أبو بكر الباقلاني لما يؤدي ذلك إلى اعتقاد نقصان المفضول عن الأفضل وحملوا ما ورد من ذلك على أن المراد بالأعظم العظيم وأن أسماء الله تعالى عظيمة. وقال ابن حبان: الأعظمية الواردة المراد بها مزيد ثواب الداعي بها، وقيل الأعظم كل اسم دعا العبد ربه به مستغرقًا بحيث لا يكون في فكره حالتئذ غير الله فإنه يستجاب له، وقيل الاسم الأعظم ما استأثر الله به وأثبته آخرون معينًا، واختلفوا فيه فقيل: هو لفظة هو نقله الفخر الرازي عن بعض أهل الكشف، وقيل: الله، وقيل الله الرحمن الرحيم، وقيل الرحمن الرحيم الحي القيوم، وقيل الحي القيوم، وقيل الحنان المنان بديع السماوات، والأرض ذو الجلال والإكرام رآه رجل مكتوبًا في الكواكب في السماء، وقيل ذو الجلال والإكرام، وقيل الله لا إله إلا هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًّا أحد، وقيل رب رب، وقيل دعوة ذي النون لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، وقيل هو الله الله الله الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم. نقله الفخر الرازي عن زين العابدين أنه سأل الله أن يعلمه الاسم الأعظم فعلمه في النوم، وقيل هو مخفي في الأسماء الحسنى، وقيل وهو الرابع عشر كلمة التوحيد نقله القاضي عياض اهـ. ملخصًا من الفتح وبالله التوفيق.
٦٩ - باب الْمَوْعِظَةِ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ
(باب الموعظة ساعة بعد ساعة) خوف السآمة.
٦٤١١ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنِى شَقِيقٌ، قَالَ: كُنَّا نَنْتَظِرُ عَبْدَ اللَّهِ إِذْ جَاءَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فَقُلْنَا: أَلَا تَجْلِسُ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَدْخُلُ فَأُخْرِجُ إِلَيْكُمْ صَاحِبَكُمْ وَإِلاَّ جِئْتُ أَنَا فَجَلَسْتُ، فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ وَهْوَ آخِذٌ بِيَدِهِ فَقَامَ عَلَيْنَا فَقَالَ: أَمَا إِنِّى أَخْبَرُ بِمَكَانِكُمْ، وَلَكِنَّهُ يَمْنَعُنِى مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِى الأَيَّامِ كَرَاهِيَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا.
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران قال: (حدثني) بالإفراد (شقيق) أبو وائل بن سلمة (قال: كنا ننتظر عبد الله) يعني ابن مسعود ﵁ (إذ جاء يزيد بن معاوية) العبسي الكوفي التابعي وليس له في الصحيحين ذكر إلا في هذا الموضع (فقلنا) له: (ألا) بالتخفيف (تجلس) يا يزيد (قال: لا ولكن أدخل) منزل ابن مسعود (فأخرج إليكم صاحبكم) عبد الله بن مسعود (وإلاّ) أي وإن لم
стр. 7078
أخرجه (جئت أنا فجلست) معكم، وفي مسلم من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن شقيق فقلنا أعلمه بمكاننا فدخل عليه (فخرج عبد الله) بن مسعود (وهو آخذ بيده) بيد يزيد (فقام علينا فقال): جوابًا لقولهم وددنا أنك لو ذكرتنا كل يوم كما مرّ في العلم (أما) بالتخفيف (إني أخبر) بفتح الهمزة والموحدة (بمكانكم ولكنه يمنعني من الخروج إليكم) للموعظة (أن رسول الله ﷺ كان يتخوّلنا) بالخاء المعجمة يتعهدنا (بالموعظة في الأيام) يعني يذكرنا أيامًا ويتركنا أيامًا (كراهية السآمة علينا) أي أن تقع منا السآمة رفقًا منه ﷺ بنا وحسنًا في التوصل إلى تعليمنا لنأخذ عنه بنشاط فإن التعليم بالتدريج أدعى إلى الثبات وضمن السآمة معنى المشقّة فعداها بعلى والله الموفق.
هذا آخر كتاب الدعاء فرغ منه موّلفه أحمد القسطلاني بعد صلاة العشاء في الليلة المفسر صباحها عن يوم الأربعاء الثامن والعشرين من جمادى الآخرة سنة أربع عشرة وتسعمائة أعانه الله على إتمامه ونفع به والحمد لله وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 7079
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٨١ - كتاب الرقاق
بكسر الراء وبالقافين بينهما ألف جمع رقيق وهو الذي فيه رقة وهي الرحمة ضدّ الغلظة قال في الكواكب: أي كتاب الكلمات المرققة للقلوب، ويقال للكثير الحياء رق وجهه أي استحيا. وقال الراغب: متى كانت الرقة في جسم فضدها الصفاقة كثوب صفيق وثوب رقيق، ومتى كانت في نفس فضدها القسوة كرقيق القلب وقاسيه، وعبّر جماعة منهم النسائي في سننه الكبرى بقولهم: كتاب الرقائق وكذا في نسخة معتمدة من رواية النسفيّ عن البخاري والمعنى واحد، وسميت أحاديث الباب بذلك لأن فيها من الوعظ والتنبيه ما يجعل القلب رقيقًا ويحدث فيه الرقة.
١ - باب مَا جَاءَ فِى الرِّقَاقِ وَأَنْ لَا عَيْشَ إِلاَّ عَيْشُ الآخِرَةِ
(الصحة والفراغ ولا عيش إلا عيش الآخرة) كذا لأبي ذر عن الحموي وسقط عنده عن الكشميهني والمستملي الصحة والفراغ، ولأبي الوقت كما في الفتح: باب لا عيش إلا عيش الآخرة ولكريمة عن الكشميهني (ما جاء في الرقاق وأن لا عيش إلا عيش الآخرة) وزاد في الفرع كأصله باب ما جاء في الرقاق وأن لا عيش إلا عيش الآخرة وفيهما أيضًا باب لا عيش إلا عيش الآخرة.
(بسم الله الرحمن الرحيم) وفي الفتح كاليونينية تقديم البسملة على الكتاب.
٦٤١٢ - حَدَّثَنَا الْمَكِّىُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ هُوَ ابْنُ أَبِى هِنْدٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، الصِّحَّةُ، وَالْفَرَاغُ». قَالَ عَبَّاسٌ الْعَنْبَرِىُّ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِى هِنْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ.
وبه قال: (حدّثنا المكي بن إبراهيم) التميمي البلخي كذا للأكثر بالألف في أوله وهو اسم
стр. 7080
بلفظ النسب وهو من الطبقة العليا من شيوخ البخاري قال: (أخبرنا عبد الله بن سعيد) بكسر العين (هو) أي سعيد (بن أبي هند) الفزاري مولى سمرة بن جندب (عن أبيه) سعيد بن أبي هند (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(نعمتان) تثنية نعمة وهي الحالة الحسنة وقال الإمام فخر الدين المنفعة المفعولة على جهة الإِحسان إلى الغير وزاد الدارمي من نعم الله (مغبون فيهما) أي في النعمتين (كثير من الناس) رفع بالابتداء وخبره مغبون مقدمًا والجملة خبر نعمتان وهما (الصحة) في البدن (والفراغ) من الشواغل بالمعاش المانع له عن العبادة والغبن بفتح الغين المعجمة وسكون الموحدة النقص في البيع وبتحريكها في الرأي أي ضعف الرأي قال في الكواكب: فكأنه قال هذان الأمران إذا لم يستعملا فيما ينبغي فقد غبن صاحبهما فيهما أي باعهما ببخس لا تحمد عاقبته أو ليس له رأي في ذلك البتة فقد يكون الإنسان صحيحًا ولا يكون متفرغًا للعبادة لاشتغاله بالمعاش وبالعكس، فإذا اجتمع الصحة والفراغ وقصر في نيل الفضائل فذلك الغبن كل الغبن لأن الدنيا سوق الأرباح ومزرعة للآخرة وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة، فمن استعمل فراغه وصحته في طاعة مولاه فهو المغبوط ومن استعملهما في معصية الله فهو المغبون لأن الفراغ يعقبه الشغل والصحة يعقبها السقم ولو لم يكن إلا الهرم.
والحديث أخرجه الترمذي في الزهد، والنسائي في الرقائق، وابن ماجة في الرقائق.
(قال عباس) بالموحدة المشددة آخره مهملة ابن عبد العظيم (العنبري) البصري الحافظ أحد شيوخ البخاري (حدّثنا صفوان بن عيسى) الزهري (عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند) ولأبي ذر هو ابن أبي هند (عن أبيه) سعيد السابق أنه (قال: سمعت ابن عباس عن النبي ﷺ مثله) أي مثل الحديث السابق.
ورواه ابن ماجة عن العباس العنبري.
٦٤١٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
«اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلاَّ عَيْشُ الآخِرَهْ … فَأَصْلِحِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ»
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدثني (محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشددة المفتوحتين بندار قال: (حدّثنا غندر) ولأبي ذر محمد بن جعفر بدل قوله غندر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن معاوية بن قرّة) بن أبي إياس المزني (عن أنس) ﵁ (عن النبي) ولأبي ذر عن المستملي أن النبي (¬ ﷺ قال): عند حفر الخندق متمثلاً يقول ابن رواحة:
(اللهم لا عيش إلا عيش الآخره … فأصلح الأنصار والمهاجره)
стр. 7081
بكسر الجيم وسكون الهاء كهاء الآخرة.
٦٤١٤ - حَدَّثَنِى أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِىُّ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِى الْخَنْدَقِ وَهْوَ يَحْفِرُ وَنَحْنُ نَنْقُلُ التُّرَابَ وَيَمُرُّ بِنَا فَقَالَ:
اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلاَّ عَيْشُ الآخِرَهْ … فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ
تَابَعَهُ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (أحمد بن المقدام) بكسر الميم وسكون القاف وبعد الدال المهملة ألف فميم العجلي قال: (حدّثنا الفضيل) بضم الفاء وفتح الضاد مصغرًا (ابن سليمان) النميري بضم النون وفتح الميم بعدها تحتية ساكنة مصغرًا قال: (حدّثنا أبو حازم) بالحاء المهملة والزاي سلمة بن دينار قال: (حدّثنا سهل بن سعد الساعدي) ﵁ (قال: كنا مع رسول الله ﷺ بالخندق) ولغير أبي الوقت في الخندق (وهو يحفر) بكسر الفاء فيه (ونحن ننقل التراب) زاد في مناقب الأنصار على أكتادنا وفسر ثم بما بين الكاهل إلى الظهر (ويمر) ﷺ من المرور ولأبي ذر عن الحموي والمستملي وبصر (بنا فقال):
(اللهم لا عيش إلا عيش الأخره … فاغفر للأنصار والمهاجره)
الرواية الأولى فأصلح الأنصار وهذه فاغفر، وفي أخرى فأكرم، ومطابقته للترجمة ظاهرة وفيه إشارة إلى تحقير عيش الدنيا لما يعرض له من التكدير والتنغيص وسرعة الزوال.
والحديث سبق في مناقب الأنصار.
(تابعه سهل بن سعد عن النبي ﷺ مثله). وهذا ثابت في رواية غير أبي ذر ساقط منها ويحتاج كما قال صاحب التلويح فيما نقله عنه في عمدة الفاري إلى نظر طويل. قال غيره: إنه ليس بموجود في نسخ البخاري قال: فينبغي إسقاطه اهـ.
٢ - باب مَثَلِ الدُّنْيَا فِى الآخِرَةِ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى الأَمْوَالِ وَالأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِى الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠].
(باب مثل الدنيا في الآخرة) الجار والمجرور يتعلق بمحذوف تقديره مثل الدنيا بالنسبة إلى الآخرة وكلمة في بمعنى إلى كقوله تعالى: ﴿فردّوا أيديهم في أفواههم﴾ [إبراهيم: ٩] والخبر
стр. 7082
محذوف تقدير كمثل لا شيء وفي حديث المستورد المروي في مسلم مرفوعًا: ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع. قال الطيبي: أي مثل الدنيا في جنب الآخرة وهو تمثيل على سبيل التقريب وإلاّ فأين المناسبة بين المتناهي وغير المتناهي؟
(وقوله تعالى: ﴿إنما الحياة الدنيا لعب﴾) كعب الصبيان (﴿ولهو﴾) كلهو القيان (﴿وزينة﴾) كزينة النسوان (﴿وتفاخر بينكم﴾) كتفاخر الأقران (﴿وتكاثر﴾) كتكاثر الرهبان (﴿في الأموال والأولاد﴾) أي مباهاة بهما التكاثر ادّعاء الاستكثار (﴿كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرًّا) بعد خضرته (﴿ثم يكون حطامًا﴾) متفتتًا شبه حال الدنيا وسرعة تقضيها مع قلة جدواها بنبات أنبته الغيث فاستوى وقوي وأعجب به الكفار الجاحدون لنعمة الله فيما رزقهم من الغيث والنبات فبعث عليه العاهة فهاج واصفرّ وصار حطامًا عقوبة لهم على جحودهم كما فعل بالصحابي الجنة وصاحب الجنتين، وقيل الكفار الزراع. وقال العماد بن كثير: أي أعجب الزراع نبات ذلك الزرع الذي نبت بالغيث وكما يعجب الزراع ذلك كذلك تعجب الحياة الدنيا الكفار فإنهم أحرص شيء عليها وأميل الناس إليها ثم يهيج فتراه مصفرًّا ثم يكون حطامًا أي يهيج ذلك الزرع فتراه مصفرًّا بعدما كان أخضر نضرًا ثم يصير يبسًا متحطمًا هكذا الحياة الدنيا تكون أولاً شابّة ثم تكتهل ثم تكون عجوزًا شوهاء، والإِنسان كذلك يكون في أول عمره وعنوان شبابه غضًّا طريًّا لين الأعطاف بهيّ المنظر، ثم إنه يشرع في الكهولة فتتغير طباعه ويفقد بعض قواه ثم يكبر فيصير شيخًا كبيرًا ضعيف القوى قليل الحركة يعجز عن المشي اليسير ولما كان هذا المثل دالاًّ على زوال الدنيا وانقضانها والآخرة كائنة لا محالة حذّر من أمرها ورغّب فيما فيها من الخيرات فقال: (﴿وفي الآخرة عذاب شديد﴾) للكفار (﴿ومغفرة من الله ورضوان﴾) للمؤمنين (﴿وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور﴾) [الحديد: ٢٠] لمن ركن إليها واعتمد عليها قال ذو النون المصري: يا معشر المريدين لا تطلبوا الدنيا وإن طلبتموها فلا تحبوها فإن الزاد منها والمقيل في غيرها وسقط من قوله وزينة الخ في رواية أبي ذر وقال عقب قوله ﴿ولهو﴾ إلى قوله ﴿متاع الغرور﴾.
٦٤١٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «مَوْضِعُ سَوْطٍ فِى الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَغَدْوَةٌ فِى سَبِيلِ اللَّهِ -أَوْ رَوْحَةٌ- خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي قال: (حدّثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه) أبي حازم سلمة بن دينار (عن سهل) بفتح السين ابن سعد الساعدي ﵁ أنه (قال: سمعت النبي ﷺ يقول):
(موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها ولغدوة) بلام التأكيد (في سبيل الله) شامل للجهاد وغيره (أو روحة) للتنويع لا للشك (خير من الدنيا وما فيها).
стр. 7083
٣ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «كُنْ فِى الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ»
(باب قول النبي ﷺ : كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) سقط لأبي ذر أو عابر سبيل.
٦٤١٦ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو الْمُنْذِرِ الطُّفَاوِىُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ، حَدَّثَنِى مُجَاهِدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَنْكِبِى فَقَالَ: «كُنْ فِى الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ». وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا محمد بن عبد الرَّحمن أبو المنذر الطفاوي) بضم الطاء المهملة بعدها فاء فألف فواو فتحتية نسبة إلى بني طفاوة أو موضع بالبصرة (عن سليمان الأعمش) سقط سليمان لأبي ذر أنه قال: (حدثني) بالإفراد (مجاهد) هو ابن جبر المفسر (عن عبد الله بن عمر ﵄) سقط عبد الله لأبي ذر أنه (قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي) كسر الكاف والموحدة وتخفيف التحتية مجمع العضد والكتف قال في الفتح: وضبط في بعض الأصول بمنكبي بلفظ التثنية (فقال):
(كن في الدنيا كأنك غريب) قدم بلدًا لا مسكن له فيها يؤويه ولا سكن يسليه خال عن الأهل والعيال والعلائق التي هي سبب الاشتغال عن الخالق ولما شبه الناسك السالك بالغريب الذي ليس له مسكن ترقى وأضرب عنه بقوله (أو عابر سبيل) لأن الغريب قد يسكن في بلاد الغربة ويقيم فيها بخلاف عابر السبيل القاصد للبلد الشاسع وبينه وبينها أودية مردية ومفاوز مهلكة وهو بمرصد من قطاع الطريق فهل له أن يقيم لحظة أو يسكن لمحة، ومن ثم عقبه بقوله:
(وكان ابن عمر) ﵄ (يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء) أي سر دائمًا ولا تفتر عن السير ساعة فإنك إن قصرت في السير انقطعت عن المقصود وهلكت في تلك الأودية هذا معنى المشبه به وأما المشبه فهو قوله (وخذ من) زمن (صحتك لمرضك) وفي رواية ليث بن أبي سليم عن مجاهد عند أحمد والترمذي لسقمك أي سر سيرك القصد في حال صحتك بل لا تقنع به، وزد عليه بقدر قوتك ما دامت فيك قوة بحيث يكون ما بك من تلك الزيادة قائمًا مقام ما لعله يفوت حال المرض والضعف أو اشتغل في الصحة بالطاعة بحيث لو حصل تقصير في المرض لانجبر بذلك وفي قوله (ومن حياتك لموتك) إشارة إلى أخذ نصيب الموت وما يحصل فيه من الفتور من السقم يعني لا تقعد في المرض عن السير كل القعود بل ما أمكنك منه فاجتهد فيه حتى تنتهي إلى لقاء الله وما عنده من الفلاح والنجاح وإلاّ
стр. 7084
خبت وخسرت، وزاد ليث فإنك لا تدري يا عبد الله ما اسمك غدًا أي هل يقال لك شقي أم سعيد؟ أو هل يقال لك حي أو ميت؟
وفي حديث ابن عباس عند الحاكم أن النبي ﷺ قال لرجل وهو يعظه: "اغتنم خمسًا قبل خمس. شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك" فالعاقل إذا أمسى لا ينتظر الصباح وإذا أصبح لا ينتظر المساء بل يظن أن أجلهُ يدركه قبل ذلك فيعمل ما يلقى نفعه بعد موته ويبادر أيام صحته بالعمل الصالح فإن المرض قد يطرأ فيمنع من العمل فيخشى على من فرط من ذلك أن يصل إلى المعاد بغير زاد فمن لم ينتهز الفرصة يندم وما أحسن قول من قال:
إذا هبت رياحك فاغتنمها … فإن لكل خافقة سكون
ولا تغفل عن الإحسان فيها … فما تدري السكون متى يكون
إذا ظفرت يداك فلا تقصر … فإن الدهر عادته يخون
والحديث أخرجه الترمذي.
٤ - باب فِى الأَمَلِ وَطُولِهِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] بِمُزَحْزِحِهِ: بِمُبَاعِدِهِ، وَقَوْلِهِ: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣] وَقَالَ عَلِىٌّ: ارْتَحَلَتِ الدُّنْيَا مُدْبِرَةً، وَارْتَحَلَتِ الآخِرَةُ مُقْبِلَةً، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ، وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابَ وَغَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَلَ ..
(باب) بالتنوين (في الأمل وطوله) بفتح الهمزة والميم وهو الرجاء فيما تحبه النفس من طول عمر وزيادة غنى يقال أمل خيره يأمله أملاً، وكذلك التأميل ومعناه قريب من التمني، وقيل الفرق بينهما أن الأمل ما تقدم سببه والتمني بخلافه، وقيل الأمل إرادة الشخص تحصيل شيء يمكن حصوله فإذا فاته تمناه والرجاء تعليق القلب بمحبوب ليحصل في المستقبل والفرق بين الرجاء والتمني أن التمني يورث صاحبه الكسل ولا يسلك طريق الجهد والجد وبعكسه صاحب الرجاء فالرجاء محمود والتمني معلول كالأمل إلا للعالم في العلم فلولا طول أمله ما صنف ولا ألّف، وفي الأمل سر لطيف لأنه لولا الأمل ما تهنى أحد بعيش ولا طابت نفسه أن يشرع في عمل من أعمال الدنيا، وإنما المذموم منه الاسترسال فيه وعدم الاستعداد لأمر الآخرة.
(وقول الله تعالى) ولأبي ذر وقوله تعالى: (﴿فمن زحزح﴾) بعد (﴿عن النار وأدخل الجنة فقد فاز﴾) ظفر بالخير، وقيل فقد حصل له الفوز المطلق، وقيل الفوز نيل المحبوب والبعد عن المكروه
стр. 7085
(﴿وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور﴾) [آل عمران: ١٨٥] المتاع ما يتمتع به وينتفع والغرور يجوز أن يكون مصدرًا من قولك غررت فلانًا غرورًا شبه الدنيا بالمتاع الذي يدل به على المستام ويغر حتى يشتريه ثم يتبين له فساده ورداءته والشيطان هو المدلس الغرور، وقرأ عبد الله بفتح الغين وفسّر بالشيطان، ويجوز أن يكون فعولاً بمعنى مفعول أي متاع الغرور أي المخدوع وأصل الغرر الخدع. قال سعيد بن جبير: هذا في حق من آثر الدنيا على الآخرة وأما من طلب متاع الدنيا للآخرة فإنها نعم المتاع، وعن الحسن كخضرة النبات ولعب البنات لا حاصل لها فينبغي للإنسان أن يأخذ من هذا المتاع بطاعة الله تعالى ما استطاع (بمزحزحه) أي (بمباعده) بكسر العين يعني أن معنى قوله فمن زحزح بوعد وأصل الزحزحة الإِزالة ومن أزيل عن شيء فقد بوعد منه وهذا ثابت هنا لأبي ذر عن المستملي والكشميهني، وسقط لأبي ذر من قوله ﴿وما الحياة الدنيا﴾ إلى قوله ﴿الغرور﴾.
(وقوله) تعالى (﴿ذرهم﴾) أمر إهانة أي اقطع طمعك من ارعوائهم ودع عنك النهي عما هم عليه بالتذكرة والنصيحة وخلهم (﴿يأكلوا ويتمتعوا﴾) بدنياهم فهي خلاقهم ولا خلاف لهم في الآخرة (﴿ويلههم الأمل﴾) يشغلهم الأمل عن الأخذ بحظهم من الإِيمان والطاعة (﴿فسوف يعلمون﴾) [الحجر: ٣] إذا وردوا القيامة وذاقوا وبال صنيعهم وفيه تنبيه على أن إيثار التلذذ والتنعم وما يؤدي إليه طول الأمل ليس من أخلاق المؤمنين وهذا تهديد ووعيد، وقال بعض العلماء: ذرهم تهديد وسوف يعلمون تهديد آخر فمتى يهنأ العيش بين تهديدين والآية نسختها آية القتال، وسقط لأبي ذر ويلههم الخ وقال بعد قوله: ﴿ويتمتعوا﴾ الآية.
(وقال علي) ﵁ من قوله موقوفًا ولأبي ذر: علي بن أبي طالب (ارتحلت الدنيا) حال كونها (مدبرة وارتحلت الآخرة) حال كونها (مقبلة ولكل واحدة منهما) من الآخرة والدنيا ولأبي ذر عن المستملي منها (بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فإن اليوم عمل). قال في الكواكب فإن قلت: اليوم ليس عملاً بل فيه العمل ولا يمكن تقدير في وإلا وجب نصب عمل. وأجاب: بأنه جعله نفس العمل مبالغة كقولهم أبو حنيفة فقه ونهاره صائم (ولا حساب) فيه (وغدًا حساب) بالرفع (ولا عمل) فيه أي فإنه على أن اسم إن ضمير شأن حذف وهو عندهم قليل أو هو على حذف مضاف إما من الأول وإما من الثاني أي فإن حال اليوم عمل ولا حساب، أو فإن اليوم يوم عمل ولا حساب. وهذا رواه ابن المبارك في الزهد من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد وزبيد الأيامي عن رجل من بني عامر وسمي في رواية لابن أبي شيبة مهاجرًا العامري، وكذا في الحلية لأبي نعيم من طريق أبي مريم عن زبيد عن مهاجر بن عمير قال: قال علي: إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق وأما طول الأمل فينسي الآخرة، ألا وإن الدنيا ارتحلت مدبرة الحديث. وقال بعض الحكماء: مما أخذه من قول عليّ هذا: الدنيا مدبرة والآخرة مقبلة فعجب لمن يقبل على المدبرة ويدبر عن المقبلة.
стр. 7086
٦٤١٧ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ مُنْذِرٍ، عَنْ رَبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: خَطَّ النَّبِىُّ ﷺ خَطًّا مُرَبَّعًا، وَخَطَّ خَطًّا فِى الْوَسَطِ خَارِجًا مِنْهُ، وَخَطَّ خُطُطًا صِغَارًا إِلَى هَذَا الَّذِى فِى الْوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِى فِى الْوَسَطِ، وَقَالَ: «هَذَا الإِنْسَانُ وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ -أَوْ قَدْ أَحَاطَ بِهِ- وَهَذَا الَّذِى هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ وَهَذِهِ الْخُطُطُ الصِّغَارُ الأَعْرَاضُ، فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا، وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا».
وبه قال: (حدّثنا صدقة بن الفضل) المروزي الحافظ قال: (أخبرنا يحيى بن سعيد) القطان وسقط لغير أبي ذر: ابن سعيد (عن سفيان) أنه (قال: حدثني) بالإفراد (أبي) سعيد بن مسروق الثوري (عن منذر) بضم الميم وسكون النون وكسر الذال المعجمة بعدها راء ابن يعلى الثوري الكوفي (عن ربيع بن خثيم) بضم المعجمة وفتح المثلثة وربيع بفتح الراء وكسر الموحدة الثوري (عن عبد الله) بن مسعود (﵁) أنه (قال: خطّ النبي ﷺ خطًّا مربعًا) مستوي الزوايا (وخط خطًّا في الوسط خارجًا منه) أي من الخط المربع (وخط خططًا) بضم الخاء مصححًا عليها
في الفرع وأصله وتكسر وبضم الطاء الأولى وتفتح وهي عن أبي الوقت في نسخة أي خططًا (صغارًا إلى) جانب (هذا) الخط (الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط). وصورته التي يتنزل سياق لفظ الحديث عليها.
(وقال) ﷺ . ولأبي ذر فقال بالفاء بدل الواو:
(هذا الإِنسان) مبتدأ وخبر أي هذا الخط هو الإِنسان على سبيل التمثيل (وهذا أجله محيط به) إشارة إلى المربع (أو) قال ﷺ : (قد أحاط به) بالشك من الراوي (وهذا) الخط المستطيل المنفرد (الذي هو خارج) من وسط الخط المربع (أمله وهذه الخطط) بضم الخاء والطاء الأولى، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي الخطوط (الصغار) أي الشطبات التي في الخط الخارج من وسط المربع من أسفله أو من أسفله وأعلاه (الأعراض) بالعين المهملة والضاد المعجمة أي الآفات العارضة له كمرض أو فقد مال أو غيرهما أو المراد بالخطوط المثال لا عدد مخصوص معين (فإن أخطأه) أي فإن تجاوز عنه (هذا) العرض وسلم منه، ولأبي ذر أخطأ بحذف الضمير وله عن الحموي والمستملي هذه بالتأنيث (نهشه) بالشين المعجمة أصابه وأخذه (هذا وإن أخطأه هذا) العرض (نهشه) أخذه (هذا) العرض الآخر وهو الموت، فمن لم يمت بالسبب مات بالأجل، والحاصل أن الإنسان
стр. 7087
يتعاطى الأمل ويختلجه الأجل دون الأمل، وسقط لأبي الوقت الهاء من أخطأه في الموضعين، وعبّر بالنهش وهو لدغ ذوات السم مبالغة في الأخذ.
والحديث أخرجه الترمذي في الزهد والنسائي في الرقاق وابن ماجة في الزهد.
٦٤١٨ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: خَطَّ النَّبِىُّ ﷺ خُطُوطًا فَقَالَ: «هَذَا الأَمَلُ وَهَذَا أَجَلُهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَهُ الْخَطُّ الأَقْرَبُ».
وبه قال: (حدّثنا مسلم) الفراهيدي بالفاء المفتوحة ابن إبراهيم الحافظ البصري قال: (حدّثنا همام) هو ابن يحيى (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) زيد بن سهل الأنصاري (عن أنس بن مالك) ﵁ أنه (قال: خط النبي ﷺ خطوطًا فقال):
(هذا الأمل) الذي يؤمله الإِنسان (وهذا أجله) والخط الآخر الإِنسان والخطوط الآخر الآفات التي تعرض له (فبينما) بالميم (هو كذلك) طالب لأمله البعيد (إذ جاءه الخط) الأوسط (الأقرب) وهو الأجل المحيط به إذ لا شك أن الخيط المحيط هو أقرب من الخط الخارج عنه، وعند البيهقي في الزهد من وجه آخر عن إسحاق خطّ خطوطًا وخط خطًّا ناحية ثم قال: هل تدرون ما هذا؟ هذا مثل ابن آدم ومثل التمني، وذلك الخط الأمل بينما يؤمل إذ جاءه الموت. وعند الترمذي من رواية حماد بن سلمة عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس عن أنس بلفظ: هذا ابن آدم وهذا أجله ووضع يده عند قفاه ثم بسطها فقال: وثمّ أمله وثمّ أجله أي أن أجله أقرب إليه من أمله.
والحديث أخرجه النسائي في الرقاق.
٥ - باب مَنْ بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً فَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ فِى الْعُمُرِ
لِقَوْلِهِ: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧].
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (من بلغ) من العمر (ستين سنة فقد أعذر الله) (إليه في العمر) وأعذر بالعين المهملة والذال المعجمة والهمزة فيه للإِزالة أي أزال الله عذره فلم يبق له اعتذار كأن يقول: لو مدّ لي في الأجل لفعلت ما أمرت به يقال أعذر إليه إذا بلغه أقصى الغاية في العذر ومكنه منه، إذا لم يكن له عذر في ترك الطاعة مع تمكنه منها بالعمر الذي حصل له فلا ينبغي له حينئذ إلا الاستغفار والطاعة والإقبال على الآخرة بالكلية ونسبة الاعتذار إلى الله مجازية، والمعنى أن الله تعالى لم يترك للعبد سببًا في الاعتذار يتمسك به (لقوله) : (﴿أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر﴾) توبيخ من الله أي فيقول الله تعالى لهم توبيخًا. قال الزجاج: أي أو لم نعمركم العمر الذي يتذكر فيه من تذكر. وقال أبو البركات النسفيّ: يجوز أن تكون ما نكرة موصوفة أي تعميرًا يتذكر فيه من تذكر. وقال ابن الحاجب: ما لا يستقيم أن تكون نافية من
стр. 7088
حيث اللفظ ومن حيث المعنى، أما اللفظ فلأنها يجب قطعها عن نعمركم لأنه لا يجوز أن يكون النفي من معموله، وأيضًا فإن الضمير في فيه يرجع إلى غير مذكور، وأما المعنى فلأن قوله: ﴿أو لم نعمركم﴾ إنما سيق لإثبات التعمير وتوبيخهم على تركهم التذكير فيه، فإذا جعل نفيًا كان فيه إخبار عن نفي تذكر متذكر فيه فظاهره على ذلك نفي التعمير لأنه إذا كان زمانًا لا يتذكر فيه متذكر لزم أن لا يكون تعميرًا وهو خلاف قوله: ﴿أو لم نعمركم﴾ اهـ.
وقوله ﴿أو لم نعمركم﴾ متناول لكل عمر تمكن فيه المكلف من إصلاح شأنه وإن قصر إلا أن التوبيخ في المتطاول أعظم، واختلف في مقدار العمر المراد هنا فعن علي بن الحسين زيد العابدين سبع عشرة سنة. وعن وهب بن منبه أربعون سنة. وقال مسروق: إذا بلغ أحدكم أربعين سنة فليأخذ حذره من الله ، وعن ابن عباس ستون سنة وهو الصحيح كما سيأتي في حديث أبي هريرة أول أحاديث هذا الباب، وعن ابن عباس مما رواه ابن مردويه سبعون سنة، فالإِنسان لا يزال في ازدياد إلى كمال الستين ثم يشرع بعد ذلك في النقص والهرم.
إذا بلغ الفتى ستين عامًّا … فقد ذهب المسرة والهناء
ولما كان هذا هو العمر الذي يعذر الله إلى عباده به ويزيح عنهم العلل كان هذا هو الغالب على أعمار هذه الأمة، فعند أبي يعلى من طريق إبراهيم بن الفضل عن سعيد عن أبي هريرة معترك المنايا ما بين ستين وسبعين، لكن إبراهيم بن الفضل ضعيف، وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا: "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجوز ذلك". رواه الترمذي في كتاب الزهد. (﴿وجاءكم النذير﴾) [فاطر: ٣٧] زاد أبو ذر يعني الشيب وهو مروي عن ابن عباس وغيره. وقال السدي وعبد الرَّحمن بن زيد بن أسلم: المراد به رسول الله ﷺ وهو الصحيح عن قتادة فيكون احتج عليهم بالعمر والرسل.
٦٤١٩ - حَدَّثَنِى عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِىٍّ، عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْغِفَارِىِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً». تَابَعَهُ أَبُو حَازِمٍ وَابْنُ عَجْلَانَ عَنِ الْمَقْبُرِىِّ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر بالجمع (عبد السلام بن مطهر) بضم الميم وفتح الطاء المهملة والهاء المشددة المفتوحة ابن حسام أبو ظفر الأزدي البصري قال: (حدّثنا عمر بن عليّ) بضم العين وفتح الميم ابن عطاء بن مقدّم المقدّمي البصري (عن معن بن محمد) بفتح الميم وسكون العين المهملة (الغفاري) بكسر الغين المعجمة نسبة إلى غفار، وعمر بن علي مدلس وقد رواه عن معن بالعنعنة، لكن أخرج الحديث أحمد بن عبد الرزاق عن معمر عن رجل من بني غفار عن سعيد فصرح فيه بالسماع والمبهم هو معن بن محمد الغفاري (عن سعيد بن أبي سعيد) ذكوان (المقبري) بضم الموحدة نسبة إلى مقبرة بالمدينة كان يسكن عندها وسقط المقبري لأبي ذر (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
стр. 7089
كذا لأبي ذر ولغيره فقال: بفاء قبل القاف.
(أعذر الله إلى امرئ أخّر أجله) أي أطال حياته (حتى بلغه ستين سنة) أي لم يبق فيه موضعًا للاعتذار حيث أمهله إلى طول هذه المدة ولم يعتذر يقال أعذر الرجل إذا بلغ أقصى الغاية في العذر. وقال التوربشتي: ومنه قولهم أعذر من أنذر أي أن بالعذر وأظهره وهو مجاز عن القول فإن العذر لا يتوجه على الله، وإنما يتوجه له على العبيد وحقيقة المعنى فيه أن الله لم يترك شيئًا في الاعتذار يتمسك به، قال ابن بطال: إنما كانت الستون حدًّا لهذا لأنها قريبة من معترك المنايا وهي سن الإنابة والخشوع وترقب المنية فهذا إعذار بعد إعذار لطفًا من الله تعالى بعباده حتى نقلهم من حالة الجهل إلى حالة العلم ثم أعذر إليهم فلم يعاقبهم إلا بعد الحجج الواضحة وإن كانوا فطروا على حب الدنيا وطول الأمل لكنهم أمروا بمجاهدة النفس في ذلك ليمتثلوا ما أمروا به من الطاعة وينزجروا عما نهوا عنه من المعصية، قال بعض الحكماء: الأسنان أربعة سن الطفولية ثم الشباب ثم الكهولة ثم الشيخوخة وهي آخر الأسنان، وغالب ما يكون بين الستين إلى السبعين فحينئذ يظهر ضعف القوة بالنقص والانحطاط فينبغي له الإِقبال على الآخرة بالكلية لاستحالة أن يرجع إلى الحالة الأولى من النشاط والقوّة.
قلت: ورأيت لأبي الفرج بن الجوزي الحافظ جزءًا لطيفًا سماه تنبيه الغمر بمواسم العمر ذكر فيه أنها خمسة: الأول من وقت الولادة إلى زمن البلوغ، والثاني إلى نهاية شبابه خمس وثلاثين، والثالث إلى تمام الخمسين وهو الكهولة قال: وقد يقال له كهل لما قبل ذلك، والرابع إلى تمام السبعين وذلك زمان الشيخوخة، والخاص إلى آخر العمر قال: وقد يتقدم ما ذكرنا من السنين ويتأخر.
(تابعه) أي تابع معن بن محمد (أبو حازم) سلمة بن دينار مما رواه النسائي عن يعقوب بن عبد الرَّحمن عن أبي حازم (و) تابع معنا أيضًا (ابن عجلان) محمد فيما رواه الطبراني في الأوسط عن عبد الرزاق عن معمر عن منصور بن المعتمر عن محمد بن عجلان كلاهما (عن المقبري) أبي سعيد ذكوان عن أبي هريرة بلفظ: من أتت عليه ستون سنة فقد أعذر الله إليه في العمر.
٦٤٢٠ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَزَالُ قَلْبُ الْكَبِيرِ شَابًّا فِى اثْنَتَيْنِ: فِى حُبِّ الدُّنْيَا، وَطُولِ الأَمَلِ». قَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِى يُونُسُ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِى سَعِيدٌ وَأَبُو سَلَمَةَ.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا أبو صفوان عبد الله بن سعيد) الأموي نزل مكة قال: (حدّثنا) ولأبي ذر أخبرنا (يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري
стр. 7090
أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (سعيد بن المسيب أن أبا هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول):
(لا يزال قلب) المرء (الكبير) أي الشيخ (شابًّا) قويًا (في اثنتين) أي خصلتين (في حب الدنيا) المال (و) محبة (طول الأمل) أي العمر كما فسرا في الحديث اللاحق وأشار إلى قوة استحكام حبه للمال أو هو من باب المشاكلة والمطابقة. وقال في المصابيح: فيه إيهام الطباق بين الكبير والشاب والاستعارة في شابًّا والتوشيع في قوله: في اثنتين الخ إذ هو عبارة عن أن يأتي في عجز الكلام بمثنى مفسر بمعطوف ومعطوف عليه كقوله:
إذا أبو قاسم جادت لنا يده … لم يحمد الأجودان البحر والمطر
والحديث أخرجه مسلم في الزكاة والنسائي في الرقائق.
(قال الليث) ولأبي ذر: قال ليث بن سعد الإِمام مما وصله الإِسماعيلي من طريق أبي صالح كاتب الليث عنه (حدثني) بالإفراد (يونس) بن يزيد الأيلي (و) قال (ابن وهب) عبد الله مما وصله مسلم عن حرملة عنه (عن يونس) أيضًا (عن ابن شهاب) الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (سعيد) هو ابن المسيب (وأبو سلمة) بن عبد الرَّحمن بن عوف ولفظ الأول كلفظ حديث الباب إلا أنه قال: المال بدل الدنيا ولفظ الآخر: قلب الشيخ شاب على حب اثنتين طول الحياة وحب المال، وأخرجه البيهقي من وجه آخر عن أبي هريرة وزاد في أوله أن ابن آدم يضعف جسمه وينحل لحمه من الكبر وقلبه شاب.
٦٤٢١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَكْبَرُ ابْنُ آدَمَ وَيَكْبَرُ مَعَهُ اثْنَانِ: حُبُّ الْمَالِ وَطُولُ الْعُمُرِ».
رَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ.
وبه قال: (حدّثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي قال: (حدّثنا هشام) الدستواني قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة (عن أنس بن مالك ﵁) وسقط ابن مالك لغير أبي ذر (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(يكبر ابن آدم) بفتح الموحدة أي يطعن في السن (ويكبر) بفتح الموحدة أيضًا في الفرع فيهما كأصله وتضم أي ويعظم فعبّر عن الكثرة وهي كثرة عدد السنين بالعظم (معه اثنان حب المال وطول العمر) وفي رواية أبي عوانة عن قتادة عند مسلم يهرم ابن آدم ويشب معه اثنان الحرص على المال والحرص على العمر. قال القرطبي: فيه كراهة الحرص على طول العمر وكثرة المال وأن ذلك ليس بمحمود. وقال غيره: الحكمة في التخصيص بهذين الأمرين أن أحب الأشياء إلى ابن آدم نفسه فهو راغب في بقائها فأحب لذلك طول العمر وأحب المال لأنه أعظم
стр. 7091
في دوام الصحة التي ينشأ عنها غالبًا طول العمر فكلما أحس بقرب نفاد ذلك اشتدّ حبه له ورغبته له في دوامه.
والكرى عند الصباح يطيب
والمرء ما عاش ممدود له أمل … لا ينتهي العمر حتى ينتهي الأثر
(رواه) أي الحديث (شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة عن أنس وصله مسلم من رواية محمد بن جعفر عن شعبة بلفظ: سمعت قتادة عن أنس بنحوه، وأخرجه أحمد عن محمد بن جعفر بلفظ: يهرم ابن آدم ويشب معه اثنتان، وأراد المؤلّف بإيراد هذا التعليق دفع توهم الانقطاع فيه لكون قتادة مدلسًا، وقد عنعنه لكن شعبة لا يحدث عن المدلسين إلا بما علم أنه داخل في سماعهم فيستوي في ذلك التصريح والعنعنة بخلاف غيره.
٦ - باب الْعَمَلِ الَّذِى يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ. فِيهِ سَعْدٌ
(باب العمل الذي يبتغى به وجه الله تعالى) بضم التحتية وفتح الغين المعجمة أي يطلب به ذات الله لا الرياء والسمعة (فيه سعد) بسكون العين أي في الباب حديث سعد بن أبي وقاص السابق في الجنائز في باب رثاء النبي- ﷺ سعد بن خولة وفيه فقلت: يا رسول الله أخلف بعد أصحابي؟ قال: "إنك لن تخلف فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلاّ ازددت به درجة".
٦٤٢٢ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، أَخْبَرَنِى مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ وَزَعَمَ مَحْمُودٌ أَنَّهُ عَقَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: وَعَقَلَ مَجَّةً مَجَّهَا مِنْ دَلْوٍ كَانَتْ فِى دَارِهِمْ.
وبه قال: (حدّثنا معاذ بن أسد) المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا معمر) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (محمود بن الربيع) الأنصاري (وزعم محمود أنه) أي قال محمود: إنه (عقل رسول الله ﷺ ¬) بالعين المهملة والقاف المفتوحتين (وقال: وعقل مجة مجها) بفتح الميم والجيم المشددة فيهما (من دلو كانت في دارهم) وسقط لأبي ذر وقال وإنما قال: عقل لأنه كان صغيرًا حين دخل دارهم وشرب ماء ومجّ من ذلك الماء مجّة على وجهه.
٦٤٢٣ - قَالَ: سَمِعْتُ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الأَنْصَارِىَّ ثُمَّ أَحَدَ بَنِى سَالِمٍ قَالَ: غَدَا عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «لَنْ يُوَافِىَ عَبْدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَبْتَغِى بِهِ وَجْهَ اللَّهِ إِلاَّ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ».
(قال: سمعت عتبان بن مالك الأنصاري) بكسر عين عتبان وسكون المثناة الفوقية (ثم أحد بني سالم) بالنصب عطفًا على الأنصاري (قال: غدا) بالغين المعجمة (عليّ) بتشديد التحتية
стр. 7092
(رسول الله ﷺ فقال): بعد دخوله المنزل وصلاته فيه والسؤال أن يتأخر حتى يطعم وسؤاله ﵊ عن مالك بن الدخشن وكلام من وقع في حقه والمراجعة في ذلك.
(لن يوافي) أي لن يأتي (عبد يوم القيامة) حال كونه (يقول: لا إله إلا الله يبتغي به) بالقول ولأبي ذر عن الكشميهني بها بكلمة لا إله إلا الله (وجه الله) أي ذاته المقدسة (إلاّ حرّم الله عليه النار).
٦٤٢٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمْرٍو عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَا لِعَبْدِى الْمُؤْمِنِ عِنْدِى جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا؟ ثُمَّ احْتَسَبَهُ إِلاَّ الْجَنَّةُ».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا يعقوب بن عبد الرَّحمن) الفارسي المدني نزيل الإسكندرية (عن عمرو) بن أبي عمرو بفتح العين وسكون الميم فيهما مولى المطلب (عن سعيد المقبري عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال):
(يقول الله تعالى ما لعبدي المؤمن عندي جزاء) أي ثواب (إذا قبضت صفيه) أي روح صفيه وهو بفتح الصاد وكسر الفاء وتشديد التحتية الحبيب المصافي كالولد والأخ وكل من أحبه الإنسان (من أهل الدنيا ثم احتسبه) أي صبر راجيًا الثواب من الله (إلا الجنة) متعلق بقوله: ما لعبدي المؤمن.
والحديث من أفراده.
٧ - باب مَا يُحْذَرُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَالتَّنَافُسِ فِيهَا
(باب ما يحذر) بضم التحتية وسكون المهملة، ولأبي ذر يحذر بفتح المهملة وتشديد الذال المعجمة (من زهرة الدنيا) بسكون الهاء وفتحها بهجتها ونضارتها وحسنها (و) من (التنافس) أي الرغبة (فيها).
٦٤٢٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِى إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: حَدَّثَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَوْفٍ وَهْوَ حَلِيفٌ لِبَنِى عَامِرِ بْنِ لُؤَىٍّ كَانَ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ يَأْتِى بِجِزْيَتِهَا وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ صَالَحَ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِىِّ فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، فَسَمِعَتِ الأَنْصَارُ بِقُدُومِهِ فَوَافَتْهُ صَلَاةَ الصُّبْحِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ تَعَرَّضُوا لَهُ فَتَبَسَّمَ حِينَ رَآهُمْ وَقَالَ: «أَظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ بِقُدُومِ أَبِى عُبَيْدَةَ، وَأَنَّهُ جَاءَ بِشَىْءٍ»؟ قَالُوا: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ
стр. 7093
قَالَ: «فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُلْهِيَكُمْ كَمَا أَلْهَتْهُمْ».
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن عبد الله) الأويسي (قال: حدثني) بالإفراد (إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة) بضم العين وسكون القاف (عن) عمه (موسى بن عقبة) أنه قال: (قال ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (حدثني) بالإفراد (عروة بن الزبير) بن العوّام (أن المسور بن مخرمة) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة (أخبره أن عمرو بن عوف) بالفاء الأنصاري (وهو حليف) بفتح الحاء المهملة وكسر اللام (لبني عامر بن لؤي كان) عمرو بن عوف (شهد بدرًا مع رسول الله ﷺ أخبره أن رسول الله ﷺ بعث أبا عبيدة بن الجراح) زاد أبو ذر عن الكشميهني إلى البحرين البلد المشهور (يأتي بجزيتها) أي بجزية أهلها (وكان رسول الله ﷺ هو صالح أهل البحرين وأمّر عليهم) بتشديد الميم (العلاء بن الحضرمي) عبد الله بن مالك بن ربيعة وكان من أهل حضرموت سنة تسع من الهجرة (فقدم أبو عبيدة) بن الجراح سنة عشر (بمال من البحرين) وكان مائة ألف وثمانين ألف درهم، وقيل ثمانين ألفًا (فسمعت الأنصار بقدومه فوافته) بفاءين بينهما واو فألف ولأبي ذر عن المستملي والكشميهني فوافت بحذف الضمير وهما من الموافاة ولأبي ذر عن الحموي فوافقت بالقاف بين الفاء والفوقية (صلاة الصبح مع رسول الله ﷺ فلما انصرف) ﵊ (تعرّضوا له فتبسّم رسول الله ﷺ ¬) وثبت رسول الله ﷺ لأبي ذر (حين رآهم وقال):
(أظنكم سمعتم بقدوم أبي عبيدة وأنه جاء بشيء) من الدراهم؟ (قالوا: أجل) نعم (يا رسول الله قال: فأبشروا) بقطع الهمزة وكسر المعجمة (وأمّلوا) بقطع الهمزة وكسر الميم المشددة (ما يسركم فوالله ما الفقر أخشى عليكم) بنصب الفقر بتقدير ما أخشى الفقر وحذف لأن أخشى عليكم مفسر له، ويجوز الرفع بتقدير ضمير أي: ما الفقر أخشاه عليكم. قال في الفتح: والأول هو الراجح. وقال في التنقيح: والرفع ضعيف لأنه يحتاج إلى ضمير يعود عليه وإنما يجوز ذلك في الشعر اهـ.
وتعقبه في المصابيح فقال: ضعف ذلك مذهب كوفي قال في التسهيل: ولا يختص بالشعر خلافًا للكوفيين، وقال في شرح المشكاة: فائدة تقديم المفعول هنا الاهتمام بشأن الفقر لأن الوالد المشفق إذا حضره الموت كان اهتمامه بحال ولده في المال فأعلم ﷺ أصحابه أنه وإن كان لهم في الشفقة عليهم كالأب لكن حاله في أمر المال يخالف حال الوالد، وأنه لا يخشى عليهم الفقر كما يخشاه الوالد، ولكن يخشى عليهم من الغنى الذي هو مطلوب الوالد لولده كما قال:
(ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها) بحذف إحدى التاءين فيهما أي فترغبوا فيها كما رغبوا فيها (وتلهيكم) عن الآخرة (كما ألهتهم) عنها.
стр. 7094
فإن قلت: تقديم المفعول هنا يؤذن بأن الكلام في المفعول لا في الفعل كقولك ما زيدًا ضربت فلا يصح أن يعقب المنفي بإثبات ضده فتقول ولكن أكرمته لأن المقام يأباه إذ الكلام في المفعول هل هو زيد أو عمرو مثلاً لا في الفعل هل هو إكرام أو إهانة والحديث قد وقع في الاستدراك بإثبات هذا الفعل المنفي فقال: ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم الخ فكيف يتأتى هذا؟ فالجواب: أن المنظور إليه في الاستدراك هو المنافسة في الدنيا عند بسطها عليهم فكأنه قال: ما الفقر أخشى عليكم ولكن المنافسة في الدنيا فلم يقع الاستدراك إلا في المفعول كقولك: ما زيدًا ضربت ولكن عمرًا ثم الفعل المثبت ثانيًا ليس ضد الفعل المنفي أو لا يحسب الوضع وإنما اختلفا بالمتعلق فذكره لا يضر لأنه في الحقيقة استدراك بالنسبة إلى المفعول لا إلى الفعل قاله في المصابيح.
والحديث فيه ثلاثة من التابعين على نسق موسى وابن شهاب وعروة وصحابيان المسور وعمرو وكلهم مدنيون، وسبق في الجزية والموادعة مع أهل الذمة.
٦٤٢٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ عَنْ أَبِى الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: «إِنِّى فَرَطُ لَكُمْ، وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ، وَإِنِّى وَاللَّهِ لأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِى الآنَ، وَإِنِّى قَدْ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ -أَوْ مَفَاتِيحَ الأَرْضِ- وَإِنِّى وَاللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِى، وَلَكِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) سقط لأبي ذر: ابن سعيد قال: (حدّثنا الليث) ولأبي ذر: ليث بن سعد (عن يزيد بن أبي حبيب) سويد الأزدي عالم أهل مصر (عن أبي الخير) مرثد بن عبد الله (عن عقبة بن عامر) الجهني ﵁ (أن رسول الله) ولأبي ذر أن النبي (¬ ﷺ خرج يومًا فصلّى على أهل) وقعة (أُحد) الذين استشهدوا بها (صلاته على الميت) أي دعا لهم بدعاء صلاة الميت بعد ثمان سنين (ثم انصرف إلى المنبر) كالمودّع للأحياء والأموات (فقال):
(إني فرطكم) ولأبي ذر فرط لكم بفتح الفاء والراء على الروايتين سابقكم إلى الحوض أهيئه لكم لأن الفارط هو الذي يتقدم الوارد ليصلح له الحياض والدلاء والأرشية وغيرها من أمور الاستقاء (أنا شهيد عليكم) بأعمالكم (وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن) نظرًا حقيقيًا بطريق الكشف (وإني قد أعطيت مفاتيح) بالتحتية بعد الفوقية ولأبي ذر مفاتح (خزائن الأرض أو مفاتيح الأرض) يريد ما فتح على أمته من الملك والخزائن بعده والشك من الراوي (وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا) بالله (بعدي ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فبها) أي في الدنيا ولأبي ذر عن الكشميهني: ولكن أخاف بحذف التحتية من لكني.
والحديث سبق في الجنائز في باب الصلاة على الشهيد.
стр. 7095
٦٤٢٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِى مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ أَكْثَرَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ بَرَكَاتِ الأَرْضِ» قِيلَ: وَمَا بَرَكَاتُ الأَرْضِ؟ قَالَ: «زَهْرَةُ الدُّنْيَا» فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: هَلْ يَأْتِى الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فَصَمَتَ النَّبِىُّ ﷺ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ ثُمَّ جَعَلَ يَمْسَحُ عَنْ جَبِينِهِ فَقَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ»؟ قَالَ أَنَا قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: لَقَدْ حَمِدْنَاهُ حِينَ طَلَعَ ذَلِكَ قَالَ: «لَا يَأْتِى الْخَيْرُ إِلاَّ بِالْخَيْرِ، إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، وَإِنَّ كُلَّ مَا أَنْبَتَ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ حَبَطًا أَوْ يُلِمُّ إِلاَّ آكِلَةَ الْخَضِرَةِ أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتِ الشَّمْسَ فَاجْتَرَّتْ وَثَلَطَتْ وَبَالَتْ، ثُمَّ عَادَتْ فَأَكَلَتْ وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ حُلْوَةٌ مَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ وَوَضَعَهُ فِى حَقِّهِ، فَنِعْمَ الْمَعُونَةُ هُوَ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَانَ الَّذِى يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ».
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن زيد بن أسلم) الفقيه العمري (عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد) ولأبي ذر زيادة الخدري ﵁ أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(إن أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج الله) بضم الياء من الإِخراج (لكم من بركات الأرض قيل): يا رسول الله (وما بركات الأرض؟ قال: زهرة الدنيا) بفتح الزاي وسكون الهاء وزاد هلال وزينتها وهو عطف تفسيري والزهرة مأخوذة من زهرة الشجرة وهو نورها بفتح النون والمراد ما فيها من أنواع المتاع والعين والنبات والزرع وغيرها مما يغتر الناس بحسنه مع قلة بقائه (فقال له رجل): لم أعرف اسمه (هل يأتي الخير الشر)؟ أي هل تصير النعمة عقوبة لأن زهرة الدنيا نعمة من الله فهل تعود هذه النعمة نقمة والاستفهام للإرشاد (فصمت النبي ﷺ حتى ظننا) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي حتى ظننت (أنه ينزل عليه) الوحي (ثم جعل يمسح عن جبينه) العرق من ثقل الوحي (فقال) ﵊: (أين السائل؟ قال: أنا) يا رسول الله (قال أبو سعيد) الخدري: (لقد حمدناه) أي حمدنا الرجل (حين طلع ذلك) أي ظهر ولأبي ذر عن الكشميهني اطلع لذلك وفي رواية هلال وكأنه حمده وظاهره أنهم لاموه أولاً حيث رأوا سكوت النبي ﷺ فظنوا أنه أغضبه ثم حمدوه لما رأوا مسألته سببًا لاستفادة ما قاله النبي ﷺ (قال) ﷺ : (لا يأتي الخير إلا بالخير) وإنما يعرض له الشر بعارض البخل به عمن يستحقه والإسراف في إنفاقه فيما لم يشرع (إن هذا المال خضرة) بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين أي الحياة بالمال أو المعيشة به خضرة في المنظر (حلوة) في الذوق أو المراد التشبيه أي المال كالبقلة الخضرة الحلوة أو أنث باعتبار ما يشتمل عليه المال من زهرة الدنيا أو المراد بالمال هنا الدنيا لأنه من زينتها كما قال تعالى: ﴿المال والبنون زينة الحياة الدنيا﴾ [الكهف: ٤٦] (وإن كل ما أنبت الربيع) أي الجدول وهو النهر الصغير وإسناد الإنبات إليه مجاز إذ المنبت حقيقة هو الله تعالى (يقتل حبطًا) بفتح الحاء المهملة والموحدة والطاء المهملة المنوّنة انتفاخ بطن من كثرة الأكل يقال حبطت الدابة تحبط حبطًا إذا أصابت مرعى طيبًا فأمعنت في الأكل حتى تنتفخ فتموت (أو يلم) بضم التحتية وكسر اللام وتشديد الميم يقرب من الهلاك
стр. 7096
والمعنى يقتل أو يقارب القتل (إلا) بتشديد اللام (آكلة الخضرة) من بهيمة الأنعام وشبه بها لأنها التي ألف المخاطبون أحوالها في سومها ورعيها وما يعرض لها من البشم وغيره وآكلة بمد الهمزة وكسر الكاف والخضرة بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين ضرب من الكلإ تحبه الماشية وتستلذ منه فتستكثر منه. قال في المصابيح: إن الاستثناء منقطع أي لكن آكلة الخضرة لا يقتلها أكل الخضرة ولم يلم بقتلها وإنما قلنا إنه منقطع لفوات شرط الاتصال ضرورة كون الأول غير شامل له على تقدير عدم الثنيا وذلك لأن من فيه تبعيضية فكأنه يقول: إن شيئًا مما ينبت يقتل حبطًا أو يلم وهذا لا يشمل مأكول آكلة الخضرة ظاهرًا لأنه نكرة في سياق الإثبات. نعم في هذا اللفظ الثابت في الطريق المذكورة هنا وهو قوله وإن كل ما أنبت الربيع يقتل حبطًا أو يلم يتأتى جعل الاستثناء متصلاً لدخول المستثنى في عموم المستثنى منه وليس المستثنى في الحقيقة هو الآكلة نفسها وإلاّ كان منقطعًا وإنما المستثنى محذوف تقديره مأكول آكلة الخضرة فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه اهـ.
ولأبي ذر عن الكشميهني: الخضر بغير هاء وله عن الحموي والمستملي الخضرة بضم الخاء وسكون الضاد، وفي بعض النسخ ألا بتخفيف اللام وفتح الهمزة على أنها استفتاحية كأنه قال: ألا انظروا آكلة الخضرة واعتبروا بشأنها (أكلت) ولأبي ذر عن الكشميهني تأكل (حتى إذا امتدت خاصرتاها) بالتثنية أي جنباها أي امتلات شبعًا وعظم جنباها ولأبي ذر عن الكشميهني خاصرتها بالإفراد (استقبلت الشمس) فتحمى فيسهل خروج ما ثقل عليها مما أكلته (فاجترت) بالجيم الساكنة والتاء الفوقية المفتوحة والراء المشددة استرجعت ما أدخلته في كرشها من العلف فمضعته ثانيًا ليزداد نعومة وسهولة لإخراجه (وثلطت) بالمثلثة واللام والطاء المهملة المفتوحات وضبط السفاقسي اللام بالكسر ألقت ما في بطنها من السرقين رقيقًا (وبالت) فارتاحت بما ألقته من السرقين والبول وسلمت من الهلاك (ثم عادت فأكلت) وهذا بخلاف ما لم تتمكن من ذلك فإن الانتفاخ يقتلها سريعًا (وإن هذا المال) في الرغبة والميل إليه وحرص النفوس عليه كالفاكهة خضرة في المنظر (حلوة) في الذوق (من أخذه بحقه ووضعه في حقه) بأن أخرج منه حقه الواجب شرعًا كالزكاة (فنعم المعونة هو) لصاحبه على اكتساب الثواب إن عمل فيه بالحق (ومن أخذه) ولأبي ذر عن الحموي وإن أخذه (بغير حقه) بأن جمعه من الحرام أو من غير احتياج إليه (كان كالذي) والذي في اليونينية حذف الكاف من قوله كالذي (يأكل ولا يشبع) أي كذي الجوع الكاذب بسبب سقم الآخذ ويسمى جوع الكلب كلما ازداد أكلاً ازداد جوعًا وكان مآله إلى الهلاك. قال ابن المنير: في هذا الحديث وجوه من التشبيهات بديعة تشبيه المال ونموّه بالنبات وظهوره وتشبيه المنهمك في الاكتساب والأسباب بالبهائم المنهمكة في الأعشاب وتشبيه الاستكثار منه والادّخار له بالشره في الأكل والامتلاء منه وتشبيه المال مع عظمته في النفوس حتى أدى إلى المبالغة في البخل به بما تطرحه البهيمة من السلح، ففيه إشارة بديعة إلى استقذاره شرعًا وتشبيه القاعد عن جمعه وضمه بالشاة إذا استراحت وحطت جانبها مستقبلة الشمس فإنها من أحسن حالاتها سكونًا وسكينة، وفيه
стр. 7097
إشارة إلى إدراكها لمصالحها وتشبيه موت الجامع المانع بموت البهيمة الغافلة عن دفع ما يضرها وتشبيه المال بالصاحب الذي لا يؤمن أن ينقلب عدوًّا فإن المال من شأنه أن يحرز ويشدّ وثاقه حبًّا له، وذلك يقتضي منعه من مستحقيه فيكون سببًا لعقاب مقتنيه وتشبيه آخذه بغير حق بالذي يأكل ولا يشبع فهي ثمانية.
والحديث سبق في باب الصدقة على اليتامى من كتاب الزكاة.
٦٤٢٨ - حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَمْرَةَ قَالَ: حَدَّثَنِى زَهْدَمُ بْنُ مُضَرِّبٍ قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُكُمْ قَرْنِى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» قَالَ عِمْرَانُ: فَمَا أَدْرِى قَالَ النَّبِىُّ ﷺ بَعْدَ قَوْلِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، «ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة الثقيلة المعروف ببندار قال: (حدّثنا غندر) ولأبي ذر محمد بن جعفر بدل قوله غندر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: سمعت أبا جمرة) بالجيم المفتوحة والميم الساكنة نصر بن عمران الضبعي (قال: حدثني) بالإفراد (زهدم بن مضرب) بفتح الزاي وسكون الهاء بعدها دال مهملة فميم ومضرب بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وكسر الراء المشددة بعدها موحدة (قال: سمعت عمران بن حصين ﵄ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(خيركم قرني) المراد الصحابة (ثم الذين يلونهم) يقربون منهم وهم التابعون وزاد أبو ذر مرتين وزاد الكشميهني والمستملي ثم الذين يلونهم وهم اتباع التابعين وهذه الثالثة ساقطة للحموي (قال عمران) بن الحصين ﵁ بالسند المذكور (فما أدري قال النبي ﷺ بعد قوله): خيركم قرني (مرتين أو ثلاثًا ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون) أي يتحملون الشهادة من غير تحميل أو يؤدونها من غير أن يطلب ذلك منهم (ويخونون ولا يؤتمنون) لخيانتهم الظاهرة (وينذرون) بفتح أوّله وضم المعجمة وكسرها (ولا يفون) بنذرهم ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ولا يوفون بضم التحتية وبعدها واو ساكنة (ويظهر فيهم السمن) بسبب توسعهم في المآكل والمشارب، وعند الترمذي من طريق هلال بن يساف عن عمران بن حصين ثم يجيء قوم يتسمنون ويحبون السمن.
والحديث سبق في الشهادات ومناقب الصحابة.
٦٤٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِى حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِئُ
стр. 7098
مِنْ بَعْدِهِمْ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَتُهُمْ أَيْمَانَهُمْ، وَأَيْمَانُهُمْ شَهَادَتَهُمْ».
وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزي (عن أبي حمزة) بالحاء المهملة وبعد الميم زاي محمد بن ميمون السكري (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي (عن إبراهيم) النخعي (عن عبيدة) بفتح العين وكسر الموحدة ابن قيس السلماني بفتح السين وسكون اللام (عن عبد الله) بن مسعود ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(خير الناس) أهل (قرني ثم الذين يلونهم) يقربون منهم (ثم الذين يلونهم) بالنون في الذين، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ثم الذي بإسقاطها واتفقوا في هذه على إسقاط الثالثة في الرواية السابقة وللكشميهني والمستملي (ثم يجيء من بعدهم قوم تسبق شهادتهم أيمانهم وأيمانهم شهادتهم) بالإفراد فيهما وفتح همزة أيمانهم والمعنى أن ذلك يقع في حالين فيحلفون تارة قبل أن يشهدوا ويشهدون تارة قبل أن يحلفوا حرصًا على ترويج شهادتهم. وقال ابن الجوزي: المراد أنهم لا يتورعون ويستهينون بأمر الشهادة واليمين ولأبي ذر شهاداتهم بالجمع.
والحديث سبق في الشهادات أيضًا.
٦٤٣٠ - حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ خَبَّابًا وَقَدِ اكْتَوَى يَوْمَئِذٍ سَبْعًا فِى بَطْنِهِ وَقَالَ: لَوْلَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِالْمَوْتِ، إِنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ مَضَوْا وَلَمْ تَنْقُصْهُمُ الدُّنْيَا بِشَىْءٍ، وَإِنَّا أَصَبْنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا لَا نَجِدُ لَهُ مَوْضِعًا إِلاَّ التُّرَابَ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (يحيى بن موسى) بن عبد ربه المعروف بخت قال: (حدّثنا وكيع) بفتح الواو وكسر الكاف ابن الجراح قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي خالد الكوفي الحافظ (عن قيس) هو ابن أبي حازم البجلي أنه (قال: سمعت خبابًا) بالخاء المعجمة المفتوحة والموحدة المشددة ابن الأرت (وقد اكتوى يومئذٍ سبعًا في بطنه) من مرض كان به (وقال: لولا أن رسول الله ﷺ نهانا أن ندعو بالموت لدعوت بالموت) على نفسي (إن أصحاب محمد ﷺ مضوا) أي ماتوا (ولم تنقصهم الدنيا بشيء) من أجورهم فلم يستعجلوها فيها بل صارت مدخرة لهم في الآخرة (وإنا أصبنا من الدنيا ما لا نجد له موضعًا) نصرفه فيه (إلا التراب) أي البنيان.
٦٤٣١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنِى قَيْسٌ، قَالَ: أَتَيْتُ خَبَّابًا وَهْوَ يَبْنِى حَائِطًا لَهُ فَقَالَ: إِنَّ أَصْحَابَنَا الَّذِينَ مَضَوْا لَمْ تَنْقُصْهُمُ الدُّنْيَا شَيْئًا وَإِنَّا أَصَبْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ شَيْئًا لَا نَجِدُ لَهُ مَوْضِعًا إِلاَّ التُّرَابَ.
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر: حدثني (محمد بن المثنى) أبو موسى العنزي الحافظ قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن إسماعيل) بن أبي خالد أنه (قال: حدثني) بالإفراد
стр. 7099
(قيس) هو ابن أبي حازم (قال: أتيت خبابًا) أي ابن الأرتّ (وهو يبني حائطًا له فقال: إن أصحابنا) ﵃ (الذين مضوا) درجوا بالوفاة (لم تنقصهم الدنيا شيئًا) قال: في الكواكب أي لم تدخل الدنيا فيهم نقصانًا بوجه من الوجوه أي لم يشتغلوا بجمع المال بحيث يلزم في كمالهم نقصان (وإنا أصبنا من بعدهم شيئًا لا نجد له موضعًا) نصرفه فيه (إلا التراب) ولأبي ذر عن الكشميهني إلا في التراب أي البنيان بقرينة البناء.
٦٤٣٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ خَبَّابٍ ﵁ قَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) بالمثلثة العبدي (عن سفيان) بن عيينة (عن الأعمش) سليمان (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن خباب ﵁) أنه (قال: هاجرنا مع رسول الله) ولأبي ذر مع النبي (¬ ﷺ ¬) وزاد أبو ذر قصه بفتح القاف والصاد المهملة وبعدها ضمير أي قص الراوي الحديث المذكور بتمامه في أول الهجرة إلى المدينة بلفظ: فوقع أجرنا على الله فمنا من مضى لم يأخذ من أجره شيئًا منهم مصعب بن عمير الحديث ويأتي إن شاء الله تعالى قريبًا في باب فضل الفقر بعون الله تعالى.
٨ - باب
قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٥ - ٦] جَمْعُهُ سُعُرٌ. قَالَ مُجَاهِدٌ: الْغَرُورُ الشَّيْطَانُ.
(باب) قول الله تعالى: (﴿يا أيها الناس إن وعد الله) بالبعث والجزاء (﴿حق﴾) كائن (﴿فلا تغرنكم الحياة الدنيا﴾) فلا تخدعنكم الدنيا ولا يذهلنكم التمتع والتلذذ بزهرتها ومنافعها عن العمل للآخرة وطلب ما عند الله (﴿ولا يغرنكم بالله الغرور﴾) وهو الشيطان لأن ذلك ديدنه فإنه يمنيكم الأماني الكاذبة ويقول إن الله غني عن عبادتك وعن تعذيبك (﴿إن الشيطان لكم عدو﴾) ظاهر العداوة وفعل بأبيكم آدم ما فعل وأنتم تعاملونه معاملة من لا علم له بأحواله (﴿فاتخذوه عدوًّا﴾) في عقائدكم وأفعالكم ولا يوجدن منكم إلا ما يدل على معاداته ومغاضبته في سركم وجهركم فهذا هو العدوّ المبين فنسأل الله القوي العزيز أن يجعلنا أعداء الشيطان وأن يرزقنا اتباع كتابه والاقتفاء برسوله ﷺ إنه على ما يشاء قدير ثم لخص سر أمره وخطأ من اتبعه بأن غرضه الذي يؤمه في دعوة شيعته هو أن يوردهم مورد الهلاك بقوله (﴿إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير﴾) [فاطر: ٥ - ٦] والسعير (جمعه سعر) بضمتين وسقط لأبي ذر فلا تغرنكم إلى آخر قوله السعير وقال: بعد قوله ﴿حق﴾ الآية إلى قوله ﴿السعير﴾.
стр. 7100
(قال مجاهد): مما وصله الفريابي في تفسيره عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد (الغرور) بفتح الغين (الشيطان) قال الراغب: غررت فلانًا أصبت غرته ونلت منه ما أريده فالغرة غفلة في يقظة والغرار غفلة مع غفوة وأصل ذلك من الغرّ وهو الأثر الظاهر من الشيء ومنه غرة الفرس وغرار السيف حده وغرّ الثوب أثر كسره وقيل اطوه على غرّه وغرّه كذا غرورًا قال تعالى: ﴿يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم﴾ [الانفطار: ٦] فالغرور كل ما يغر الإنسان من مال وجاه وشهوة وشيطان. وقد فسر بالشيطان إذ هو أخبث الغارين وقرئ بضم الغين وهو مصدر وعن بعضهم الغرور بالضم الأباطيل وثبت قوله. قال مجاهد: الخ للكشميهني وسقط لغيره.
٦٤٣٣ - حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْقُرَشِىِّ أَخْبَرَنِى مُعَاذُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ ابْنَ أَبَانَ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَتَيْتُ عُثْمَانَ بِطَهُورٍ وَهْوَ جَالِسٌ عَلَى الْمَقَاعِدِ، فَتَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ تَوَضَّأَ وَهْوَ فِى هَذَا الْمَجْلِسِ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ مِثْلَ هَذَا الْوُضُوءِ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» قَالَ: وَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «لَا تَغْتَرُّوا».
وبه قال: (حدّثنا سعد بن حفص) بسكون العين الطلحي مولاهم الكوفي المعروف بالضخم قال: (حدّثنا شيبان) بالشين المعجمة ابن عبد الرَّحمن أبو معاوية النحوي (عن يحيى) بن أبي كثير (عن محمد بن إبراهيم) بن الحارث (القرشي) قال: (أخبرني) بالإفراد (معاذ بن عبد الرَّحمن) بن عثمان التيمي (أن ابن أبان) ولأبي ذر: أن حمران بن أبان بضم الحاء المهملة وسكون الميم مولى عثمان بن عفان اشتراه في زمن أبي بكر الصديق (أخبره) أي أخبر معاذ بن عبد الرَّحمن (قال: أتيت عثمان) ولأبي ذر عثمان بن عفان ﵁ (بطهور) بفتح الطاء بماء يتطهر به (وهو جالس على المقاعد) موضع بالمدينة (فتوضأ فأحسن الوضوء ثم قال: رأيت النبي ﷺ توضأ) بلفظ الماضي ولأبي ذر يتوضأ (وهو في هذا المجلس فأحسن الوضوء ثم قال):
(من توضأ) وضوءًا (مثل هذا الوضوء) وسبق في الطهارة بلفظ من توضأ نحو وضوئي هذا ونحو إن قدرت بمعنى قريب فتكون ظرفًا على التوسع في المكان أي قارب فعلي فعله بمعنى أن من قاربته فقد قاربك، وإن قدرت بمعنى مثل كان فيه تجوّز أيضًا لأنه لا يقدر أحد على مثل وضوء النبي ﷺ من كل وجه لا في نيته ولا في إخلاصه ولا في عمله بكمال طهارته واستيعاب غسل أعضائه والنحو لغة القصد، والمثل تقول: هذا نحو زيد أي مثل زيد ومتى قدرتها بمعنى مثل كان نعتًا لمصدر محذوف أي توضأ وضوءًا مثل وضوئي، واختار سيبويه أن تكون حالاً لأن حذف الموصوف دون الصفة لا يجوز إلا في مواضع معدودة وتقدير الحال هنا من محذوف أي توضأ الوضوء مثل وضوئي فإن قدرت نحو بمعنى قريبًا كانت ظرفًا ويكون قربًا مجازيًا وفي ورود الرواية هنا بلفظ مثل رد على نافيها (ثم أتى المسجد فركع ركعتين). ولمسلم من طريق نافع بن جبير عن حمران ثم مشى إلى الصلاة المكتوبة فصلاها مع الناس أو في المسجد وفي رواية هشام بن
стр. 7101
عروة عن أبيه عن حمران عنده أيضًا فيصلّي صلاة وفي أخرى له عنه فيصلّي الصلاة المكتوبة (ثم جلس غفر له ما تقدم من ذنبه) وفي مسلم رواية هشام إلا غفر له ما بينها وبين الصلاة التي تليها أي التي سبقتها. وأصرح منه رواية أي صخر عن حمران عند مسلم أيضًا فيصلّي هذه الصلوات الخمس إلا كانت كفارة لما بينهن (قال) عثمان: (وقال النبي ﷺ : لا تغتروا) لا تحملوا الغفران على عمومه في جميع الذنوب فتسترسلوا في الذنوب اتكالاً على غفرانها بالصلاة فإن الصلاة التي تكفر الذنوب هي المقبولة ولا اطلاع لأحد عليه أو أن المكفر بالصلاة الصغائر فلا تغتروا فتعملوا الكبائر بناء على تكفير الذنوب بالصلاة فإنه خاص بالصغائر.
والمطابقة في قوله لا تغتروا وأخرج الحديث مسلم في الطهارة والنسائي في الصلاة.
٩ - باب ذَهَابِ الصَّالِحِينَ
وَيُقالُ: الذِّهَابُ: المَطَرُ.
(باب ذهاب الصالحين) بالموت (ويقال الذهاب) بكسر المعجمة (المطر) قال في المحكم: والذهبة المطرة الضعيفة وقيل الجود والجمع ذهاب بالكسر قال ذو الرمة يصف روضة:
قرحاء حواء أشراطية وكفت … فيها الذهاب وحفتها البراعيم
والبراعيم رمال فيها دارات تنبت البقل، وقوله: ويقال الذهاب المطر ثابت لأبي ذر عن الحموي فقط.
٦٤٣٤ - حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ بَيَانٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ مِرْدَاسٍ الأَسْلَمِىِّ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ، وَيَبْقَى حُفَالَةٌ كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ -أَوِ التَّمْرِ- لَا يُبَالِيهِمُ اللَّهُ بَالَةً». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يُقَالُ: حُفَالَةٌ وَحُثَالَةٌ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (يحيى بن حماد) الشيباني البصري قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري (عن بيان) بفتح الموحدة والتحتية المخففة ابن بشر بالموحدة المكسورة والمعجمة الساكنة الأحمسي (عن قيس بن أبي حازم) بالمهملة وبعد الألف زاي (عن مرداس) بكسر الميم وسكون الراء وبعد الدال المهملة ألف فسين مهملة ابن مالك (الأسلمي) ممن بايع تحت الشجرة أنه قال: (قال النبي ﷺ ¬):
(يذهب الصالحون) عند الإسماعيلي يقبض الصالحون أي تقبض أرواحهم (الأول فالأول ويبقى حفالة) بضم الحاء المهملة وفتح الفاء مخففة (كحفالة الشعير أو التمر) الرديء من كل أو ما يتساقط من قشورهما أو ما يسقط من الشعير عند الغربلة ويبقى من التمر بعد الأكل وأو للشك أو للتنويع (لا يباليهم الله) بتحتية ساكنة بعد اللام (بالة) بتخفيف اللام أي لا يرفع الله لهم قدرًا ولا يقيم لهم وزنًا وبالة مصدر بالبيت وأصله بالية فحذفت لامه قيل لكراهية ياء قبلها
стр. 7102
كسرة فيما أكثر استعماله، وذلك لكثرة استعمال هذه اللفظة في كل ما لا يحتفل به، لكن قال في المصابيح: لا يحسن التعليل بمجرد هذا ولو أضيف إليه ما قاله بعض المتأخرين من أن المعنى على حذف لام الكلمة فيه لشذوذ فاعله في المصادر فحولوه بالحذف المذكور عن بنية الشذوذ لكان حسنًا.
(وقال أبو عبد الله) البخاري: (يقال حفالة) بالفاء (وحثالة) بالمثلثة بدلها يعني بمعنى واحد وهذا ساقط في رواية أبي ذر واستنبط من الحديث جواز خلوّ الأرض من عالم حتى لا يبقى إلا أهل الجهل صرفًا.
وسبق الحديث في المغازي.
١٠ - باب مَا يُتَّقَى مِنْ فِتْنَةِ الْمَالِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨]
(باب ما يتقى) بضم التحتية وفتح الفوقية المشددة والقاف (من فتنة المال. وقول الله) ولأبي ذر وقوله (تعالى ﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾) [التغابن: ١٥] بلاء ومحنة يوقعون في الإثم والعقوبة ولا بلاء أعظم منهما.
٦٤٣٥ - حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ أَبِى حَصِينٍ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِىَ رَضِىَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (يحيى بن يوسف) الزميّ بكسر الزاي والميم المشددة الخراساني نزيل بغداد ويقال له ابن أبي كريمة فقيل هي كنية أبيه وقيل هو جدّه واسمه كنيته قال: (أخبرنا أبو بكر) هو ابن عياش بالشين المعجمة (عن أبي حصين) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين عثمان بن عاصم (عن أبي صالح) ذكوان الزيات (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رسول الله) ولأبي ذر النبي (¬ ﷺ ¬):
(تعس) بفتح الفوقية وكسر العين المهملة وبعدها سين مهملة أيضًا وتفتح العين هلك (عبد الدينار) وهو طالبه وخادمه والحريص على جمعه وقال: في شرح المشكاة قيل خص العبد بالذكر ليؤذن بانغماسه في محبة الدنيا وشهواتها كالأسير الذي لا يجد خلاصًا (و) تعس عبد (الدرهم و) عبد (القطيفة) الدثار الذي له خمل (و) عبد (الخميصة) بالخاء المعجمة والصاد المهملة المفتوحتين الكساء الأسود المربع (إن أعطي) بضم الهمزة وكسر الطاء (رضي وإن لم يعط لم يرض) قال تعالى: ﴿فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون﴾ [التوبة: ٥٨] وفيه إيذان بشدة الحرص على ذلك وجعله عبدًا لها لشغفه وحرصه فمن كان عبدًا لهواه لم يصدق في حقه
стр. 7103
إياك نعبد ولا يكون من اتصف بذلك صدّيقًا والظاهر أن الجملة تفسير لمعنى عبوديته للدينار والدرهم فلا محل لها من الإعراب.
والحديث سبق في الجهاد في باب الحراسة في الغزو وأخرجه ابن ماجة.
٦٤٣٦ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «لَوْ كَانَ لاِبْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى ثَالِثًا، وَلَا يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلاَّ التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ».
وبه قال: (حدّثنا أبو عاصم) الضحاك بن مخلد النبيل البصري (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (عن عطاء) هو ابن أبي رباح أنه (قال: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: سمعت النبي ﷺ يقول):
(لو كان لابن آدم واديان من مال) تثنية واد وهو معروف وربما اكتفوا بالكسرة عن الياء كما قال:
قرقر قمر الواد بالشاهق
والجمع الأودية على غير قياس كأنه جمع ودي مثل سري وأسرية للنهر. وفي حديث ابن الزبير المذكور هنا لو أن ابن آدم أعطي واديًا من ذهب (لا ينبغي) بالغين المعجمة لطلب (ثالثًا) وفي حديث ابن الزبير أحب إليه ثانيًا (ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب) كناية عن الموت لاستلزامه الامتلاء كأنه قال: لا يشبع من الدنيا حتى يموت (ويتوب الله على من تاب) من المعصية ورجع عنها أي يوفقه للتوبة أو يرجع عليه من التشديد إلى التوفيق أو يرجع عليه بقبوله، والمراد من الحديث ذم الحرص على الدنيا والشره على الازدياد، وأخرجه مسلم في الزكاة.
٦٤٣٧ - حَدَّثَنِى مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَخْلَدٌ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَوْ أَنَّ لاِبْنِ آدَمَ مِثْلَ وَادٍ مَالاً لأَحَبَّ أَنَّ لَهُ إِلَيْهِ مِثْلَهُ، وَلَا يَمْلأُ عَيْنَ ابْنِ آدَمَ إِلاَّ التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ». قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَا أَدْرِى مِنَ الْقُرْآنِ هُوَ أَمْ لَا. قَالَ: وَسَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: ذَلِكَ عَلَى الْمِنْبَرِ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (محمد) هو ابن سلام وفي اليونينية محمد بن المثنى ألحق ابن المثنى بين محمد وبين قوله أخبرنا بكتابة رفيعة (قال: أخبرنا مخلد) بفح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح اللام ابن يزيد من الزيادة الحراني قال: (أخبرنا ابن جريج) عبد الملك (قال: سمعت عطاء) هو ابن أبي رباح (يقول: سمعت ابن عباس) ﵄ (يقول: سمعت رسول الله) ولأبي ذر نبي الله (¬ ﷺ يقول):
стр. 7104
(لو أن لابن آدم مثل واد) بكسر الميم وسكون المثلثة بعدها لام ولأبي ذر عن الكشميهني ملء بحذف المثلثة وزيادة همزة بعد اللام الساكنة قال في الصحاح: هو اسم ما يأخذه الإناء إذا امتلأ (مالاً) وفي حديث زيد بن أرقم عند أحمد من ذهب وفضة (لأحب أن له إليه مثله ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب). قال الطيبي: وقع قوله ولا يملأ الخ موقع التذييل والتقرير للكلام السابق كأنه قيل ولا يشبع من خلق من تراب إلا التراب (وبتوب الله على من تاب) أي يقبل توبة الحريص كما يقبلها من غيره (قال ابن عباس) ﵄: (فلا أدري من القرآن) المنسوخ تلاوته (هو) أي الحديث المذكور (أم لا) ومبحث ذلك يأتي في هذا الباب إن شاء الله تعالى.
(قال) عطاء بالسند السابق (وسمعت ابن الزبير) عبد الله (يقول: ذلك) الحديث باللفظ المذكور بغير زيادة ابن عباس فلا أدري من القرآن هو أم لا. وقال في الكواكب: ويحتمل أن يراد به قول لا أدري أيضًا (على المنبر) بمكة المشرفة.
٦٤٣٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْغَسِيلِ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى الْمِنْبَرِ بِمَكَّةَ فِى خُطْبَتِهِ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «لَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ أُعْطِىَ وَادِيًا مَلأً مِنْ ذَهَبٍ أَحَبَّ إِلَيْهِ ثَانِيًا، وَلَوْ أُعْطِىَ ثَانِيًا أَحَبَّ إِلَيْهِ ثَالِثًا، وَلَا يَسُدُّ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلاَّ التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ».
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا عبد الرَّحمن بن سليمان بن الغسيل) بفتح المعجمة وكسر المهملة أي مغسول الملائكة حين استشهد وهو جنب وهو حنظلة بن أبي عامر الأوسي وهو جد سليمان المذكور لأنه ابن عبد الله بن حنظلة ولعبد الله صحبة وعبد الرَّحمن من صغار التابعين (عن عباس بن سهل بن سعد) بسكون العين والهاء وعباس بالموحدة المشددة آخره مهملة أنه (قال: سمعت ابن الزبير) عبد الله (على المنبر بمكة) ولأبي ذر على منبر مكة (في خطبته يقول: يا أيها الناس إن النبي ﷺ كان يقول):
(لو أن ابن آدم أعطي) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (واديًا ملأ) بفتح الميم وسكون اللام بعدها همزة منونًا ولأبي ذر ملآن (من ذهب أحب إليه ثانيًا ولو أعطي ثانيًا أحب إليه ثالثًا ولا يسدّ جوف) وفي رواية أبي عاصم عن ابن جريج السابقة في هذا الباب ولا يملأ جوف (ابن آدم إلا التراب) قال النووي: معناه أنه لا يزال حريصًا على الدنيا حتى يموت ويمتلئ جوفه من تراب قبره.
وهذا الحديث خرج على حكم غالب بني آدم في الحرص على الدنيا ويؤيده قوله: (ويتوب الله على من تاب) وهو متعلق بما قبله ومعناه أن الله يقبل التوبة من الحرص المذموم وغيره من المذمومات.
стр. 7105
٦٤٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَوْ أَنَّ لاِبْنِ آدَمَ وَادِيًا مِنْ ذَهَبٍ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَادِيَانِ، وَلَنْ يَمْلأَ فَاهُ إِلاَّ التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ».
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) الأويسي قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين المهملة بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن صالح) هو ابن كيسان (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (أنس بن مالك) ﵁ (أن رسول الله) ولأبي ذر أن النبي (¬ ﷺ قال):
(لو أن لابن آدم واديًا من ذهب أحب) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي لأحب (أن يكون له واديان) أي من ذهب (ولن يملأ) ولأبي ذر عن الكشميهني ولا يملأ (فاه) أي فمه (إلا التراب) عبر في الأولى والثالثة بالجوف وفي الثانية بالعين وفي الأخيرة بفاه، وعند الإِسماعيلي من رواية حجاج بن محمد عن ابن جريج بالنفس، وعند أحمد من حديث أبي واقد بالبطن قال في الكواكب: ليس المراد الحقيقة في عضو بعينه بقرينة عدم الانحصار في التراب إذ غيره يملؤه أيضًا بل هو كناية عن الموت لأنه مستلزم للامتلاء فكأنه قال: لا يشبع من الدنيا حتى يموت فالغرض من العبارات كلها واحد وليس فيها إلا التفنن من الكلام اهـ.
قال في الفتح: وهذا يحسن فيما إذا اختلفت مخارج الحديث، وأما إذا اتحدت فهو من تصرف الرواة ثم نسبة الامتلاء للجوف واضحة والبطن بمعناه وأما النفس فعبر بها عن الذات وأطلق الذات وأراد البطن من باب إطلاق الكل وإرادة البعض، ويحتمل أن يكون المراد بالنفس العين وأما النسبة إلى الفم فلكونه طريق الوصول إلى الجوف وأما العين فلأنها الأصل في الطلب لأنه يرى ما يعجبه فيطلبه ليحوزه إليه وخص البطن في أكثر الروايات لأن أكثر ما يطلب المال لتحصيل المستلذات وأكثرها تكرار إلى والشرب. (ويتوب الله على من تاب).
قال في شرح المشكاة: يمكن أن يقال معناه أن بني آدم مجبولون على حب المال والسعي في طلبه وأن لا يشبع منه إلا من عصمه الله تعالى ووفقه لإزالة هذه الجبلة عن نفسه وقليل ما هم فوضع ويتوب الله على من تاب موضعه إشعارًا بأن هذه الجبلة المذكورة فيه مذمومة جارية مجرى الذنب، وأن إزالتها ممكنة، ولكن بتوفيق الله تعالى وتسديده ونحوه قوله تعالى ﴿ومن يوق شُحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ [الحشر: ١٩؛ والتغابن: ١٦] أضاف الشح إلى النفس دلالة على أنه غريزة فيها وبين إزالته بقوله (يوق) ورتب عليه قوله: (﴿فأولئك هم المفلحون﴾).
وهاهنا نكتة دقيقة فإن في ذكر بني آدم تلويحًا إلى أنه مخلوق من التراب ومن طبعه القبض واليبس فيمكن إزالته بأن يمطر الله سبحان وتعالى عليه السحاب من غمائم توفيقه فيثمر حينئذ الخلال الزكية والخصال المرضية والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا
стр. 7106
فمن لا يتداركه التوفيق وتركه وحرصه لم يزدد إلا حرصًا وتهالكًا على جمع المال قال: وموقع قوله: ويتوب الله على من تاب موقع الرجوع يعني أن ذلك لعسير صعب، ولكن يسير على من يسره الله عليه فحقيق أن لا يكون هذا من كلام البشر بل هو من كلام خالق القوى والقدر اهـ.
وفي الحديث ذم الحرص والشره، ولذا آثر أكثر السلف التقلل من الدنيا والقناعة والرضا باليسير قال البخاري بالسند السابق إليه:
٦٤٤٠ - وَقَالَ لَنَا أَبُو الْوَلِيدِ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أُبَىٍّ قَالَ: كُنَّا نَرَى هَذَا مِنَ الْقُرْآنِ حَتَّى نَزَلَتْ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١].
(وقال لنا أبو الوليد): هشام بن عبد الملك الطيالسي وهذا ظاهره الوصل وليس للتعليق وإن قيل إنه للإجازة أو للمناولة أو للمذاكرة لأن ذلك في حكم الموصول نعم الذي يظهر بالاستقراء من صنيع المؤلف أنه لا يأتي بهذه الصيغة إلا إذا كان المتن ليس على شرطه في أصل موضوع كتابه كأن يكون ظاهره الوقف أو في السند من ليس على شرطه في الاحتجاج قاله في الفتح (حدّثنا حماد بن سلمة) بفتحتين (عن ثابت) البناني (عن أنس عن أبي) بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد التحتية ابن كعب الأنصاري ﵁ أنه (قال: كنا نرى) بفتح النون أي نعتقد ولأبي ذر نرى بضمها أي نظن (هذا) الحديث لو كان لابن آدم واديان من مال لتمنى واديًا ثالثًا كما عند الإِسماعيلي (من القرآن حتى نزلت ﴿ألهاكم التكاثر﴾ [التكاثر: ١] السورة التي هي بمعنى الحديث فيما تضمنه من ذم الحرص على الاستكثار من جمع المال والتقريع بالموت الذي يقطع ذلك ولا بد لكل أحد منه، فلما نزلت هذه السورة وتضمنت معنى ذلك مع الزيادة عليه علموا أن الحديث من كلامه ﷺ وأنه ليس قرآنًا وقيل إنه كان قرانًا فلما نزلت (﴿ألهاكم التكاثر﴾) نسخت تلاوته دون حكمه ومعناه.
١١ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «هَذَا الْمَالُ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ»
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١٤] قَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ إِلاَّ أَنْ نَفْرَحَ بِمَا زَيَّنْتَهُ لَنَا، اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ أَنْ أُنْفِقَهُ فِى حَقِّهِ.
(باب قول النبي ﷺ هَذَا الْمَالُ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ) التاء للمبالغة أو باعتبار أنواع المال أو صف لمحذوف كالبقلة.
(وقال الله) ولأبي ذر وقوله (تعالى: ﴿زين للناس حب الشهوات﴾) المزين هو الله تعالى عند الجمهور للابتلاء لقوله تعالى: ﴿إنّا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً﴾ [الكهف: ٧] وعن الحسن الشيطان، وقد يجمع بين القولين بأن نسبة ذلك إلى الله تعالى لأنه هو الفاعل حقيقة فهو
стр. 7107
الذي أوجد الدنيا وما فيها وجعل القلوب مائلة إليها، وإلى ذلك أشار بالتزيين ليدخل فيه حديث النفس ووسوسة الشيطان فنسبة ذلك إليه تعالى باعتبار الخلق والتقدير إلى الشيطان باعتبار ما أقدره الله تعالى عليه من التسلط على الآدمي بالوسوسة الناشئ عنها حديث النفس وقرأ مجاهد زين للناس مبنيًّا للفاعل حب مفعول به، والفاعل ضمير الله تعالى لتقدّم ذكره الشريف في قوله والله يؤيد بنصره من يشاء أو ضمير الشيطان أضمر وإن لم يجر له ذكر لأنه أصل ذلك فذكر هذه الأشياء مؤذن بذكره وأضاف المصدر لمفعوله في حب الشهوات وهي جمع شهوة بسكون العين فحرّكت في الجمع ولا يجوز التسكين إلا في ضرورة كقوله:
وحملت زفرات الضحى فأطقتها … ومالي بزفرات العشيّ يدان
بتسكين الفاء والشهوة مصدر يراد به اسم المفعول أي المشتهيات فهو من باب رجل عدل حيث جعلت نفس المصدر مبالغة والشهوة ميل النفس إلى الشيء فجعل الأعيان التي ذكرها شهوات مبالغة في كونها مشتهاة كأنه أراد تخسيسها بتسميتها شهوات إذ الشهوة مسترذلة عند الحكماء مذموم من اتبعها شاهد على نفسه بالبهيمية فكأن المقصود من ذكر هذا اللفظ التنفير عنها ولفظ الناس عام دخله حرف التعريف فيفيد الاستغراق، فظاهر اللفظ يقتضى أن هذا المعنى حاصل لجميع الناس والعقل أيضًا يدل عليه لأن كل ما كان لذيذًا ونافعًا فهو مخبوب ومطلوب لذاته والمنافع قسمان جسماني وروحاني فالجسماني حاصل لكل أحد في أوّل الأمر فلا جرم كان الغالب على الخلق هو الميل الشديد إلى اللذات الجسمانية (﴿من النساء﴾) والإماء داخلة فيها (﴿والبنين﴾) جمع ابن وقد يقع في غير هذا الموضع على المذكور والإناث وهنا أريد المذكور لأنهم المشتهون في الطباع والمعدون في الدفاع وقدّم النساء لأن الالتذاذ بهن أكثر والاستئناس بهن أتم والفتنة بهن أشد ولله تعالى في إيجاد حب الزوجة والولد في قلب الإنسان حكمة بالغة لولا هذا الحب لما حصل التوالد والتناسل (﴿والقناطير﴾) جمع قنطار وهو المال الكثير أو سبعون ألف دينار أو سبعة آلاف دينار أو مائة وعشرون رطلاً أو مائة رطل أو ألف ومائتا أوقية (﴿المقنطرة﴾) مفعللة من القنطار وهو للتأكيد كقولهم ألوف مؤلفة ودراهم مدرهمة وقال قتادة: الكثير بعضها فوق بعض وقال: وقيل المدفونة (﴿من الذهب والفضة﴾) وإنما كانا محبوبين لأنهما ثمن الأشياء فمالكهما كالمالك لجميع الأشياء (﴿والخيل المسوّمة﴾) المعلمة أو المرعية من أسام الدابة وسوّمها (﴿والأنعام﴾) جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم (﴿والحرث﴾) مصدر واقع المفعول به فلذلك وحد ولم يجمع كما جمعت أخواته (﴿ذلك﴾) المذكور (﴿متاع الحياة الدنيا﴾) [آل عمران: ١٤] يتمتع به في الدنيا وقد تضمنت هذه الآية الكريمة أنواعًا من الفصاحة والبلاغة منها الإتيان بها مجملة ومنها جعله لها نفس الشهوات مبالغة في التنفير عنها كما مر ومنها البداءة بالأهم فذكر أوّلاً النساء لأنهن أكثر امتزاجًا ومخالطة بالإنسان وهن حبائل الشيطان وقيل فيهن فتنتان وفي البنين فتنة واحدة لأنهن يقطعن الأرحام والصلات بين الأهل غالبًا وهن سبب في جمع المال من حرام وحلال غالبًا والأولاد يجمع لأجلهم المال فلذلك ثنى بهم، ولأنهم فروع منهن وثمرات نشأت
стр. 7108
عنهن، وفي كلامهم المرء مفتون بولده وقدمت على الأموال لأنها أحب إلى المرء من ماله، وأما تقديم المال على الولد في بعض المواضع فإنما ذلك في سياق امتنان وإنعام أو نصرة ومعاونة لأن الرجال تستمال بالأموال، ثم ذكر تمام اللذة وهو المركوب البهيّ من بين سائر الحيوانات ثم أتى بما يحصل به جمال ﴿حين يريحون وحين يسرحون﴾ [النحل: ٦] كما تشهد به الآية الأخرى ثم ذكر ما به قوامهم وحياة بنيتهم وهو الزرع والثمار ومنها الإتيان بلفظ يشعر بشدة حب هذه الأشياء بقوله زين والزينة محبوبة في الطباع ومنها التجنيس في القناطير المقنطرة، ومنها الجمع بين ما يشبه المطابقة في قوله الذهب والفضة لأنهما صارا متقابلين في غالب العرف وغير ذلك وسقط لأبي ذر قوله والقناطير الخ.
(قال) ولأبي ذر وقال (عمر) بن الخطاب ﵁ في الآية المذكورة (اللهم إنّا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينته) بإثبات الضمير ولأبي ذر بما زينت (لنا) في آية زين للناس حب الشهوات ثم لما رأى أن فتنة المال مسلطة على من فتحه الله عليه لتزيين الله تعالى له دعا الله تعالى بقوله (اللهم إني أسألك أن أنفقه في حقه) لأن من أخذ المال من حقه ووضعه في حقه فقد سلم من فتته.
وهذا الأثر وصله الدارقطني في غرائب مالك من طريق إسماعيل بن أبي أويس عم مالك عن يحيى بن سعيد هو الأنصاري أن عمر بن الخطاب أتي بمال من الشرق يقال له نفل كسرى فأمر به فصب وغطي، ثم دعا الناس فاجتمعوا ثم أمر به فكشف عنه فإذا حلي وجوهر ومتاع فبكى عمر ﵁ وحمد الله فقالوا له، ما يبكيك يا أمير المؤمنين هذه غنائم غنمها الله لنا ونزعها من أهلها؟ فقال: ما فتح الله من هذا على قوم إلا سفكوا دماءهم واستحلوا حرمهم. قال: فحدثني زيد بن أسلم أنه بقي من ذلك المال مناطق وخواتم فرفع فقال له عبد الله بن أرقم حتى متى تحبسه لا تقسمه قال: بلى إذا رأيتني فارغًا فآذني به فلما رآه فارغًا بسط شيئًا في حش نخلة ثم جاءه به في مكتل فصبه فكأنه استكثره ثم قال: اللهم أنت قلت ﴿زين للناس حب الشهوات﴾ فتلا الآية حتى فرغ منها ثم قال: لا نستطيع إلا أن نحب ما زينت لنا فقني شره وارزقني أن أنفقه في حقه فما قام حتى ما بقي منه شيء.
٦٤٤١ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِىَّ يَقُولُ: أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِىَّ ﷺ فَأَعْطَانِى ثُمَّ سَأَلْتُهُ، فَأَعْطَانِى ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِى، ثُمَّ قَالَ: «هَذَا الْمَالُ» وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ لِى: «يَا حَكِيمُ إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِى يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى».
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: سمعت
стр. 7109
الزهري) محمد بن مسلم (يقول: أخبرني) بالإفراد (عروة) بن الزبير (وسعيد بن المسيب) كلاهما (عن حكيم بن حزام) بكسر الحاء المهملة وفتح الزاي الأسدي أنه (قال: سألت النبي ﷺ فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم سألته فأعطاني) بتكرير لفظ الإعطاء ثلاثًا (ثم قال) ﷺ :
(إن هذا المال) قال ابن المديني (وربما قال سفيان) بن عيينة (قال) حكيم قال: (لي) رسول الله ﷺ (يا حكيم) بالرفع من غير تنوين منادى مفرد. قال في الفتح: وظاهر السياق أن حكيمًا قال لسفيان: وليس كذلك لأنه لم يدركه فإن بين وفاة حكيم ومولد سفيان نحو الخمسين سنة، وإنما المراد أن سفيان رواه مرة بلفظ ثم قال: أي النبي ﷺ إن هذا المال ومرة بلفظ ثم قال لي: يا حكيم (إن هذا المال) في الرغبة والميل إليه كالفاكهة (خضرة) في المنظر (حلوة) في الذوق (فمن أخذه بطيب نفس) من غير حرص عليه أو بسخاوة نفس المعطي (بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفس) بالشين المعجمة بأن تعرض له بنحو بسط اليد (لم يبارك له فيه وكان كالذي) به الجوع الكاذب (يأكل ولا يشبع) كلما ازداد أكلاً ازداد جوعًا (واليد العليا) بضم العين مقصورًا المنفقة أو المتعففة (خير من اليد السفلى) الآخذة.
والحديث سبق في الوصايا والخمس.
١٢ - باب مَا قَدَّمَ مِنْ مَالِهِ فَهْوَ لَهُ
(باب ما قدم) الإنسان المكلف في حال صحته وحرصه (من ماله) في وجوه الخيرات وأنواع القربات (فهو) خير (له) عند الله من تركه بعد موته.
٦٤٤٢ - حَدَّثَنِى عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنِى أَبِى، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِى إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِىُّ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلاَّ مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ قَالَ: «فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ وَمَالُ وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر بالجمع (عمر بن حفص) قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر بالجمع (أبي) حفص بن غياث قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران (قال: حدثني) بالإفراد (إبراهيم) بن يزيد بن شريك (التيمي) تيم الرباب يكنى أبا أسماء الكوفي العابد الثقة إلا أنه يرسل ويدلس (عن الحارث بن سويد) التيمي الكوفي أنه قال: (قال عبد الله) بن مسعود ﵁: (قال النبي ﷺ : أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله). قال في الفتح: يعني أن الذي يخلفه الإنسان من المال وإن كان هو في الحال منسوبًا إليه فإنه باعتبار انتقاله إلى وارثه يكون منسوبًا للوارث فنسبته للمالك في حياته حقيقة ونسبته للوارث في حياة المورث مجازية ومن بعد موته حقيقة (قالوا: يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه) من مال وارثه (قال) عليه الصلاة
стр. 7110
والسلام: (فإن ماله) الذي يضاف إليه في الحياة (ما قدم) بأن أنفقه في وجوه الخيرات (ومال) بالرفع في اليونينية وغيرها (وارثه ما أخر) بعد موته ولم ينفقه في وجوهه وفيه الحث على تقديم ما يمكن تقديمه من المال في وجوه الميرات وأنواع القربات لينتفع به في الآخرة.
١٣ - باب الْمُكْثِرُونَ هُمُ الْمُقِلُّونَ
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦].
هذا (باب) بالتنوين (المكثرون) من المال (هم المقلون) في الثواب، ولأبي ذر عن الكشميهني: هم الأقلون.
(وقوله تعالى ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون﴾) نوصل إليهم أجور أعمالهم وافية كاملة من غير بخس في الدنيا وهو ما يرزقون فيها من الصحة والرزق وهم الكفار أو المنافقون (﴿أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها﴾) وحبط في الآخرة ما صنعوا أو صنيعهم أي لم يكن لهم ثواب لأنهم لم يريدوا به الآخرة وإنما أرادوا به الدنيا وقد وفى لهم ما أرادوا (﴿وباطل ما كانوا يعملون﴾) [هود: ١٥ - ١٦] أي كان عملهم في نفسه باطلاً لأنه لم يعمل لغرض صحيح والعمل الباطل لا ثواب له وسقط لأبي ذر قوله نوف إليهم الخ وقال: قبلها الآيتين.
٦٤٤٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ أَبِى ذَرٍّ ﵁ قَالَ: خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِى فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِى وَحْدَهُ، وَلَيْسَ مَعَهُ إِنْسَانٌ قَالَ: فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَمْشِىَ مَعَهُ أَحَدٌ قَالَ: فَجَعَلْتُ أَمْشِى فِى ظِلِّ الْقَمَرِ فَالْتَفَتَ فَرَآنِى فَقَالَ: «مَنْ هَذَا»؟ قُلْتُ: أَبُو ذَرٍّ، جَعَلَنِى اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ تَعَالَهْ» قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً فَقَالَ: «إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلاَّ مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا، فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا» قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً فَقَالَ لِى: «اجْلِسْ هَا هُنَا» قَالَ: فَأَجْلَسَنِى فِى قَاعٍ حَوْلَهُ حِجَارَةٌ فَقَالَ لِى: «اجْلِسْ هَا هُنَا حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ» قَالَ: فَانْطَلَقَ فِى الْحَرَّةِ حَتَّى لَا أَرَاهُ فَلَبِثَ عَنِّى فَأَطَالَ اللُّبْثَ، ثُمَّ إِنِّى سَمِعْتُهُ وَهْوَ مُقْبِلٌ وَهْوَ يَقُولُ: «وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى» قَالَ: فَلَمَّا جَاءَ لَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قُلْتُ: يَا نَبِىَّ اللَّهِ ﷺ جَعَلَنِى اللَّهُ فِدَاءَكَ مَنْ تُكَلِّمُ فِى جَانِبِ الْحَرَّةِ؟ مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرْجِعُ إِلَيْكَ شَيْئًا قَالَ: «ذَلِكَ جِبْرِيلُ ﵇ عَرَضَ لِى فِى جَانِبِ الْحَرَّةِ، قَالَ: بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ وَإِنْ سَرَقَ
следующие страницы →