فمن لا يتداركه التوفيق وتركه وحرصه لم يزدد إلا حرصًا وتهالكًا على جمع المال قال: وموقع قوله: ويتوب الله على من تاب موقع الرجوع يعني أن ذلك لعسير صعب، ولكن يسير على من يسره الله عليه فحقيق أن لا يكون هذا من كلام البشر بل هو من كلام خالق القوى والقدر اهـ.
وفي الحديث ذم الحرص والشره، ولذا آثر أكثر السلف التقلل من الدنيا والقناعة والرضا باليسير قال البخاري بالسند السابق إليه:
٦٤٤٠ - وَقَالَ لَنَا أَبُو الْوَلِيدِ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أُبَىٍّ قَالَ: كُنَّا نَرَى هَذَا مِنَ الْقُرْآنِ حَتَّى نَزَلَتْ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١].
(وقال لنا أبو الوليد): هشام بن عبد الملك الطيالسي وهذا ظاهره الوصل وليس للتعليق وإن قيل إنه للإجازة أو للمناولة أو للمذاكرة لأن ذلك في حكم الموصول نعم الذي يظهر بالاستقراء من صنيع المؤلف أنه لا يأتي بهذه الصيغة إلا إذا كان المتن ليس على شرطه في أصل موضوع كتابه كأن يكون ظاهره الوقف أو في السند من ليس على شرطه في الاحتجاج قاله في الفتح (حدّثنا حماد بن سلمة) بفتحتين (عن ثابت) البناني (عن أنس عن أبي) بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد التحتية ابن كعب الأنصاري ﵁ أنه (قال: كنا نرى) بفتح النون أي نعتقد ولأبي ذر نرى بضمها أي نظن (هذا) الحديث لو كان لابن آدم واديان من مال لتمنى واديًا ثالثًا كما عند الإِسماعيلي (من القرآن حتى نزلت ﴿ألهاكم التكاثر﴾ [التكاثر: ١] السورة التي هي بمعنى الحديث فيما تضمنه من ذم الحرص على الاستكثار من جمع المال والتقريع بالموت الذي يقطع ذلك ولا بد لكل أحد منه، فلما نزلت هذه السورة وتضمنت معنى ذلك مع الزيادة عليه علموا أن الحديث من كلامه ﷺ وأنه ليس قرآنًا وقيل إنه كان قرانًا فلما نزلت (﴿ألهاكم التكاثر﴾) نسخت تلاوته دون حكمه ومعناه.
١١ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «هَذَا الْمَالُ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ»
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١٤] قَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ إِلاَّ أَنْ نَفْرَحَ بِمَا زَيَّنْتَهُ لَنَا، اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ أَنْ أُنْفِقَهُ فِى حَقِّهِ.
(باب قول النبي ﷺ هَذَا الْمَالُ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ) التاء للمبالغة أو باعتبار أنواع المال أو صف لمحذوف كالبقلة.
(وقال الله) ولأبي ذر وقوله (تعالى: ﴿زين للناس حب الشهوات﴾) المزين هو الله تعالى عند الجمهور للابتلاء لقوله تعالى: ﴿إنّا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً﴾ [الكهف: ٧] وعن الحسن الشيطان، وقد يجمع بين القولين بأن نسبة ذلك إلى الله تعالى لأنه هو الفاعل حقيقة فهو
стр. 7107
الذي أوجد الدنيا وما فيها وجعل القلوب مائلة إليها، وإلى ذلك أشار بالتزيين ليدخل فيه حديث النفس ووسوسة الشيطان فنسبة ذلك إليه تعالى باعتبار الخلق والتقدير إلى الشيطان باعتبار ما أقدره الله تعالى عليه من التسلط على الآدمي بالوسوسة الناشئ عنها حديث النفس وقرأ مجاهد زين للناس مبنيًّا للفاعل حب مفعول به، والفاعل ضمير الله تعالى لتقدّم ذكره الشريف في قوله والله يؤيد بنصره من يشاء أو ضمير الشيطان أضمر وإن لم يجر له ذكر لأنه أصل ذلك فذكر هذه الأشياء مؤذن بذكره وأضاف المصدر لمفعوله في حب الشهوات وهي جمع شهوة بسكون العين فحرّكت في الجمع ولا يجوز التسكين إلا في ضرورة كقوله:
وحملت زفرات الضحى فأطقتها … ومالي بزفرات العشيّ يدان
بتسكين الفاء والشهوة مصدر يراد به اسم المفعول أي المشتهيات فهو من باب رجل عدل حيث جعلت نفس المصدر مبالغة والشهوة ميل النفس إلى الشيء فجعل الأعيان التي ذكرها شهوات مبالغة في كونها مشتهاة كأنه أراد تخسيسها بتسميتها شهوات إذ الشهوة مسترذلة عند الحكماء مذموم من اتبعها شاهد على نفسه بالبهيمية فكأن المقصود من ذكر هذا اللفظ التنفير عنها ولفظ الناس عام دخله حرف التعريف فيفيد الاستغراق، فظاهر اللفظ يقتضى أن هذا المعنى حاصل لجميع الناس والعقل أيضًا يدل عليه لأن كل ما كان لذيذًا ونافعًا فهو مخبوب ومطلوب لذاته والمنافع قسمان جسماني وروحاني فالجسماني حاصل لكل أحد في أوّل الأمر فلا جرم كان الغالب على الخلق هو الميل الشديد إلى اللذات الجسمانية (﴿من النساء﴾) والإماء داخلة فيها (﴿والبنين﴾) جمع ابن وقد يقع في غير هذا الموضع على المذكور والإناث وهنا أريد المذكور لأنهم المشتهون في الطباع والمعدون في الدفاع وقدّم النساء لأن الالتذاذ بهن أكثر والاستئناس بهن أتم والفتنة بهن أشد ولله تعالى في إيجاد حب الزوجة والولد في قلب الإنسان حكمة بالغة لولا هذا الحب لما حصل التوالد والتناسل (﴿والقناطير﴾) جمع قنطار وهو المال الكثير أو سبعون ألف دينار أو سبعة آلاف دينار أو مائة وعشرون رطلاً أو مائة رطل أو ألف ومائتا أوقية (﴿المقنطرة﴾) مفعللة من القنطار وهو للتأكيد كقولهم ألوف مؤلفة ودراهم مدرهمة وقال قتادة: الكثير بعضها فوق بعض وقال: وقيل المدفونة (﴿من الذهب والفضة﴾) وإنما كانا محبوبين لأنهما ثمن الأشياء فمالكهما كالمالك لجميع الأشياء (﴿والخيل المسوّمة﴾) المعلمة أو المرعية من أسام الدابة وسوّمها (﴿والأنعام﴾) جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم (﴿والحرث﴾) مصدر واقع المفعول به فلذلك وحد ولم يجمع كما جمعت أخواته (﴿ذلك﴾) المذكور (﴿متاع الحياة الدنيا﴾) [آل عمران: ١٤] يتمتع به في الدنيا وقد تضمنت هذه الآية الكريمة أنواعًا من الفصاحة والبلاغة منها الإتيان بها مجملة ومنها جعله لها نفس الشهوات مبالغة في التنفير عنها كما مر ومنها البداءة بالأهم فذكر أوّلاً النساء لأنهن أكثر امتزاجًا ومخالطة بالإنسان وهن حبائل الشيطان وقيل فيهن فتنتان وفي البنين فتنة واحدة لأنهن يقطعن الأرحام والصلات بين الأهل غالبًا وهن سبب في جمع المال من حرام وحلال غالبًا والأولاد يجمع لأجلهم المال فلذلك ثنى بهم، ولأنهم فروع منهن وثمرات نشأت
стр. 7108
عنهن، وفي كلامهم المرء مفتون بولده وقدمت على الأموال لأنها أحب إلى المرء من ماله، وأما تقديم المال على الولد في بعض المواضع فإنما ذلك في سياق امتنان وإنعام أو نصرة ومعاونة لأن الرجال تستمال بالأموال، ثم ذكر تمام اللذة وهو المركوب البهيّ من بين سائر الحيوانات ثم أتى بما يحصل به جمال ﴿حين يريحون وحين يسرحون﴾ [النحل: ٦] كما تشهد به الآية الأخرى ثم ذكر ما به قوامهم وحياة بنيتهم وهو الزرع والثمار ومنها الإتيان بلفظ يشعر بشدة حب هذه الأشياء بقوله زين والزينة محبوبة في الطباع ومنها التجنيس في القناطير المقنطرة، ومنها الجمع بين ما يشبه المطابقة في قوله الذهب والفضة لأنهما صارا متقابلين في غالب العرف وغير ذلك وسقط لأبي ذر قوله والقناطير الخ.
(قال) ولأبي ذر وقال (عمر) بن الخطاب ﵁ في الآية المذكورة (اللهم إنّا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينته) بإثبات الضمير ولأبي ذر بما زينت (لنا) في آية زين للناس حب الشهوات ثم لما رأى أن فتنة المال مسلطة على من فتحه الله عليه لتزيين الله تعالى له دعا الله تعالى بقوله (اللهم إني أسألك أن أنفقه في حقه) لأن من أخذ المال من حقه ووضعه في حقه فقد سلم من فتته.
وهذا الأثر وصله الدارقطني في غرائب مالك من طريق إسماعيل بن أبي أويس عم مالك عن يحيى بن سعيد هو الأنصاري أن عمر بن الخطاب أتي بمال من الشرق يقال له نفل كسرى فأمر به فصب وغطي، ثم دعا الناس فاجتمعوا ثم أمر به فكشف عنه فإذا حلي وجوهر ومتاع فبكى عمر ﵁ وحمد الله فقالوا له، ما يبكيك يا أمير المؤمنين هذه غنائم غنمها الله لنا ونزعها من أهلها؟ فقال: ما فتح الله من هذا على قوم إلا سفكوا دماءهم واستحلوا حرمهم. قال: فحدثني زيد بن أسلم أنه بقي من ذلك المال مناطق وخواتم فرفع فقال له عبد الله بن أرقم حتى متى تحبسه لا تقسمه قال: بلى إذا رأيتني فارغًا فآذني به فلما رآه فارغًا بسط شيئًا في حش نخلة ثم جاءه به في مكتل فصبه فكأنه استكثره ثم قال: اللهم أنت قلت ﴿زين للناس حب الشهوات﴾ فتلا الآية حتى فرغ منها ثم قال: لا نستطيع إلا أن نحب ما زينت لنا فقني شره وارزقني أن أنفقه في حقه فما قام حتى ما بقي منه شيء.
٦٤٤١ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِىَّ يَقُولُ: أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِىَّ ﷺ فَأَعْطَانِى ثُمَّ سَأَلْتُهُ، فَأَعْطَانِى ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِى، ثُمَّ قَالَ: «هَذَا الْمَالُ» وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ لِى: «يَا حَكِيمُ إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِى يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى».
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: سمعت
стр. 7109
الزهري) محمد بن مسلم (يقول: أخبرني) بالإفراد (عروة) بن الزبير (وسعيد بن المسيب) كلاهما (عن حكيم بن حزام) بكسر الحاء المهملة وفتح الزاي الأسدي أنه (قال: سألت النبي ﷺ فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم سألته فأعطاني) بتكرير لفظ الإعطاء ثلاثًا (ثم قال) ﷺ :
(إن هذا المال) قال ابن المديني (وربما قال سفيان) بن عيينة (قال) حكيم قال: (لي) رسول الله ﷺ (يا حكيم) بالرفع من غير تنوين منادى مفرد. قال في الفتح: وظاهر السياق أن حكيمًا قال لسفيان: وليس كذلك لأنه لم يدركه فإن بين وفاة حكيم ومولد سفيان نحو الخمسين سنة، وإنما المراد أن سفيان رواه مرة بلفظ ثم قال: أي النبي ﷺ إن هذا المال ومرة بلفظ ثم قال لي: يا حكيم (إن هذا المال) في الرغبة والميل إليه كالفاكهة (خضرة) في المنظر (حلوة) في الذوق (فمن أخذه بطيب نفس) من غير حرص عليه أو بسخاوة نفس المعطي (بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفس) بالشين المعجمة بأن تعرض له بنحو بسط اليد (لم يبارك له فيه وكان كالذي) به الجوع الكاذب (يأكل ولا يشبع) كلما ازداد أكلاً ازداد جوعًا (واليد العليا) بضم العين مقصورًا المنفقة أو المتعففة (خير من اليد السفلى) الآخذة.
والحديث سبق في الوصايا والخمس.
١٢ - باب مَا قَدَّمَ مِنْ مَالِهِ فَهْوَ لَهُ
(باب ما قدم) الإنسان المكلف في حال صحته وحرصه (من ماله) في وجوه الخيرات وأنواع القربات (فهو) خير (له) عند الله من تركه بعد موته.
٦٤٤٢ - حَدَّثَنِى عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنِى أَبِى، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِى إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِىُّ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلاَّ مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ قَالَ: «فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ وَمَالُ وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر بالجمع (عمر بن حفص) قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر بالجمع (أبي) حفص بن غياث قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران (قال: حدثني) بالإفراد (إبراهيم) بن يزيد بن شريك (التيمي) تيم الرباب يكنى أبا أسماء الكوفي العابد الثقة إلا أنه يرسل ويدلس (عن الحارث بن سويد) التيمي الكوفي أنه قال: (قال عبد الله) بن مسعود ﵁: (قال النبي ﷺ : أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله). قال في الفتح: يعني أن الذي يخلفه الإنسان من المال وإن كان هو في الحال منسوبًا إليه فإنه باعتبار انتقاله إلى وارثه يكون منسوبًا للوارث فنسبته للمالك في حياته حقيقة ونسبته للوارث في حياة المورث مجازية ومن بعد موته حقيقة (قالوا: يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه) من مال وارثه (قال) عليه الصلاة
стр. 7110
والسلام: (فإن ماله) الذي يضاف إليه في الحياة (ما قدم) بأن أنفقه في وجوه الخيرات (ومال) بالرفع في اليونينية وغيرها (وارثه ما أخر) بعد موته ولم ينفقه في وجوهه وفيه الحث على تقديم ما يمكن تقديمه من المال في وجوه الميرات وأنواع القربات لينتفع به في الآخرة.
١٣ - باب الْمُكْثِرُونَ هُمُ الْمُقِلُّونَ
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦].
هذا (باب) بالتنوين (المكثرون) من المال (هم المقلون) في الثواب، ولأبي ذر عن الكشميهني: هم الأقلون.
(وقوله تعالى ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون﴾) نوصل إليهم أجور أعمالهم وافية كاملة من غير بخس في الدنيا وهو ما يرزقون فيها من الصحة والرزق وهم الكفار أو المنافقون (﴿أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها﴾) وحبط في الآخرة ما صنعوا أو صنيعهم أي لم يكن لهم ثواب لأنهم لم يريدوا به الآخرة وإنما أرادوا به الدنيا وقد وفى لهم ما أرادوا (﴿وباطل ما كانوا يعملون﴾) [هود: ١٥ - ١٦] أي كان عملهم في نفسه باطلاً لأنه لم يعمل لغرض صحيح والعمل الباطل لا ثواب له وسقط لأبي ذر قوله نوف إليهم الخ وقال: قبلها الآيتين.
٦٤٤٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ أَبِى ذَرٍّ ﵁ قَالَ: خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِى فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِى وَحْدَهُ، وَلَيْسَ مَعَهُ إِنْسَانٌ قَالَ: فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَمْشِىَ مَعَهُ أَحَدٌ قَالَ: فَجَعَلْتُ أَمْشِى فِى ظِلِّ الْقَمَرِ فَالْتَفَتَ فَرَآنِى فَقَالَ: «مَنْ هَذَا»؟ قُلْتُ: أَبُو ذَرٍّ، جَعَلَنِى اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ تَعَالَهْ» قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً فَقَالَ: «إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلاَّ مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا، فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا» قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً فَقَالَ لِى: «اجْلِسْ هَا هُنَا» قَالَ: فَأَجْلَسَنِى فِى قَاعٍ حَوْلَهُ حِجَارَةٌ فَقَالَ لِى: «اجْلِسْ هَا هُنَا حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ» قَالَ: فَانْطَلَقَ فِى الْحَرَّةِ حَتَّى لَا أَرَاهُ فَلَبِثَ عَنِّى فَأَطَالَ اللُّبْثَ، ثُمَّ إِنِّى سَمِعْتُهُ وَهْوَ مُقْبِلٌ وَهْوَ يَقُولُ: «وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى» قَالَ: فَلَمَّا جَاءَ لَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قُلْتُ: يَا نَبِىَّ اللَّهِ ﷺ جَعَلَنِى اللَّهُ فِدَاءَكَ مَنْ تُكَلِّمُ فِى جَانِبِ الْحَرَّةِ؟ مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرْجِعُ إِلَيْكَ شَيْئًا قَالَ: «ذَلِكَ جِبْرِيلُ ﵇ عَرَضَ لِى فِى جَانِبِ الْحَرَّةِ، قَالَ: بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ وَإِنْ سَرَقَ
стр. 7111
وَإِنْ زَنَى؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: قُلْتُ وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟ قَالَ: نَعَمْ. وَإِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ». قَالَ النَّضْرُ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، وَحَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِى ثَابِتٍ، وَالأَعْمَشُ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ بِهَذَا. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: حَدِيثُ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ مُرْسَلٌ لَا يَصِحُّ إِنَّمَا أَرَدْنَا لِلْمَعْرِفَةِ وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ أَبِى ذَرٍّ قِيلَ لأَبِى عَبْدِ اللَّهِ حَدِيثُ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ قَالَ: مُرْسَلٌ أَيْضًا لَا يَصِحُّ، وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ أَبِى ذَرٍّ وَقَالَ: اضْرِبُوا عَلَى حَدِيثِ أَبِى الدَّرْدَاءِ هَذَا إِذَا مَاتَ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ عِنْدَ الْمَوْتِ.
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء البلخي وسقط ابن سعيد لأبي ذر قال: (حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد (عن عبد العزيز بن رفيع) بضم الراء وفتح الفاء بعدها تحتية ساكنة فعين مهملة الأسدي المكي ثم الكوفي من صغار التابعين (عن زيد بن وهب) أبي سليمان الهمداني (عن أبي ذر) جندب بن جنادة الغفاري (﵁) أنه (قال: خرجت ليلة من الليالي فإذا رسول الله ﷺ يمشي وحده وليس) سقط لأبي ذر الواو من وليس (معه إنسان) هو توكيد لقوله وحده (قال: فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد قال) أبو ذر: (فجعلت أمشي في ظل القمر) أي في المكان الذي ليس للقمر فيه ضوء ليختفي شخصه وإنما مشى خلفه لاحتمال أن يطرأ له ﷺ حاجة فيكون قريبًا منه (فالتفت) ﷺ (فرآني فقال):
(من هذا)؟ كأنه رأى شخصه ولم يتميز له (قلت) ولأبي ذر فقلت: أنا (أبو ذر جعلني الله فداءك) بكسر الفاء ممدودًا (قال: يا أبا ذر تعاله) بهاء السكت ولأبي ذر عن الحموي والمستملي تعال بإسقاطها (قال: فمشيت معه) ﷺ (ساعة فقال: إن المكثرين) من المال (هم المقلّون) من الأجر (يوم القيامة إلا من أعطاه الله خيرًا) مالاً (فنفح) بالفاء المخففة بعدها حاء مهملة (فيه) أي أعطى (يمينه وشماله وبين يديه ووراءه وعمل فيه) في المال (خيرًا قال): أبو ذر (فمشيت معه) ﷺ (ساعة فقال لي: اجلس هاهنا قال) أبو ذر: (فأجلسني) ﷺ (في قاع) أرض سهلة مطمئنة انفرجت عنها الجبال (حوله حجارة فقال لي: اجلس هاهنا حتى أرجع إليك قال) أبو ذر: (فانطلق) ﵊ (في الحرّة) بالحاء المهملة المفتوحة والراء المشددة أرض ذات حجارة سود (حتى لا أراه) بفتح الهمزة (فلبث) بكسر الموحدة (عني فأطال الليث) بفتح اللام وضمها (ثم إني سمعته) ﵊ (وهو مقبل) بكسر الموحدة والواو للحال كهي في قوله: (وهو يقول: وإن سرق وإن زنى قال) أبو ذر: (فلما جاء) ﷺ (لم أصبر حتى قلت يا نبي الله جعلني الله فداءك) بالهمز (من تكلم)؟ بضم الفوقية وكسر اللام أنت أو بفتحهما وكذا الميم، أي من تكلم معك (في جانب الحرة ما سمعت أحدًا يرجع) ولأبي ذر عن الكشميهني يردّ (إليك شيئًا؟ قال) ﷺ : (ذلك) باللام ولأبي ذر ذاك بإسقاطها أي الذي سمعته (جبريل ﵇ عرض) أي ظهر (لي: في جانب الحرّة قال) لي (بشّر أمتك أنه من مات) منهم (لا يشرك بالله) (شيئًا دخل الجنة) جواب الشرط (قلت): ولأبي ذر فقلت: (يا جبريل وإن سرق وإن زنى)؟ دخل الجنة (قال)
стр. 7112
جبريل (نعم) أي كان مصيره إلى الجنة وإن ناله عقوبة (قال) ﵊: (قلت) يا جبريل وسقط لأبي ذر قال قلت (وإن سرق وإن زنى؟ قال) جبريل (نعم قلت) يا جبريل (وإن سرق أو زنى؟ قال: نعم) كذا لأبي ذر بتكرير وإن سرق وإن زنى مرتين وللمستملي ثلاثًا، وزاد بعد الثالثة وإن شرب الخمر.
والحديث سبق بزيادة ونقصان في الاستقراض والاستئذان، وأخرجه مسلم في الزكاة والترمذي في الإيمان والنسائي في اليوم والليلة.
(قال النضر) بن شميل (أخبرنا شعبة) بن الحجاج قال: (وحدّثنا) وسقطت لأبي ذر الواو (حبيب بن أبي ثابت والأعمش) سليمان (وعبد العزيز بن رفيع) قالوا: (حدّثنا زيد بن وهب بهذا) الحديث فصرح الثلاثة بالتحديث عن زيد بن وهب فأمن تدليس الأولين على أنه لو روي من رواية شعبة بغير تصريح لأمن فيه من التدليس لأنه كان لا يحدث عن شيوخه إلا بما لا تدليس فيه، ولأبي ذر عن زيد بن وهب وقوله بهذا أي الحديث المذكور، واعترضه الإسماعيلي بأنه ليس في حديث شعبة قصة المكثرين والمقلين، وإنما فيه قصة من مات لا يشرك بالله شيئًا.
وأجيب: بأنه واضح على طريقة أهل الحديث لأن مراده أصل الحديث فإن الحديث المذكور في الأصل مشتمل على ثلاثة أشياء ما يسرني أن لي أُحدًا ذهبًا، وحديث المكثرين والمقلين، ومن مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، فيجوز إطلاق الحديث على كل واحد من الثلاثة إذا أفرد، فقول البخاري بهذا أي بأصل الحديث لا خصوص اللفظ المسوق وتعقبه العيني بأن الإطلاق في موضع التقييد غير جائز، وقوله بهذا أي بأصل الحديث غير سديد لأن الإِشارة بلفظ هذا تكون للحاضر والحاضر هو اللفظ السوق.
(قال أبو عبد الله) البخاري -رحمه الله تعالى-: (حديث أبي صالح) ذكوان الزيات (عن أبي الدرداء) عويمر بن مالك (مرسل لا يصح إنما أردنا) ذكره (للمعرفة) بحاله (والصحيح حديث أبي ذر) قال صاحب التلويح: فيه نظر فإن النسائي أخرجه بسند صحيح على شرط مسلم (قيل لأبي عبد الله) البخاري (حديث عطاء بن يسار) أي المروي عند النسائي من رواية محمد بن أبي حرملة عن عطاء بن يسار (عن أبي الدرداء) بلفظ أنه سمع النبي ﷺ وهو يقص على المنبر يقول: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ [الرحمن: ٤٦] فقلت: إن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ فقال: "وإن زنى وإن سرق" فأعدت فأعاد فقال في الثالثة قال: نعم وإن رغم أنف أبي الدرداء.
(قال) أبو عبد الله البخاري هو (مرسل أيضًا لا يصح والصحيح حديث أبي ذر) لأنه من المسانيد (وقال): أي البخاري (اضربوا على حديث أبي الدرداء) لأنه من المراسيل. قال الحافظ ابن حجر: قد وقع التصريح بسماع عطاء بن يسار له من أبي الدرداء في رواية ابن أبي حاتم في تفسيره والطبراني في معجمه والبيهقي في شعبه، قال البيهقي: حديث أبي الدرداء هذا غير حديث أبي ذر وإن كان فيه بعض معناه (هذا) الحديث المروي عن أبي الدرداء (إذا مات قال: لا إله إلا
стр. 7113
الله عند الموت) مات الميت من باب المجاز باعتبار ما يؤول فإن الميت لا يموت بل الحي هو الذي يموت، وقد سقط قوله قال أبو عبد الله حديث أبي صالح إلى آخر قوله: إذا مات قال: لا إله إلا الله عند الموت لأبي ذر كأكثر الأصول، وذكره الحافظ ابن حجر عقب الحديث الأول من الباب اللاحق قال: وثبت ذلك في نسخة الصغاني.
١٤ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «مَا أُحِبُّ أَنَّ لِى مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا»
(باب قول النبي ﷺ ما أحب أن لي مثل أُحد) ولأبي ذر: أن لي أُحدًا (ذهبًا) وفي فتح الباري باب قول النبي ﷺ : ما يسرني أن عندي مثل أُحد هذا ذهبًا وقال: لم أر لفظ هذا في رواية الأكثر لكنه ثابت في لفظ الخبر الأول.
٦٤٤٤ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ كُنْتُ أَمْشِى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِى حَرَّةِ الْمَدِينَةِ فَاسْتَقْبَلَنَا أُحُدٌ فَقَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ» قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «مَا يَسُرُّنِى أَنَّ عِنْدِى مِثْلَ أُحُدٍ هَذَا ذَهَبًا تَمْضِى عَلَىَّ ثَالِثَةٌ وَعِنْدِى مِنْهُ دِينَارٌ إِلاَّ شَيْئًا أُرْصِدُهُ لِدَيْنٍ إِلاَّ أَنْ أَقُولَ بِهِ فِى عِبَادِ اللَّهِ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ خَلْفِهِ» ثُمَّ مَشَى فَقَالَ: «إِنَّ الأَكْثَرِينَ هُمُ الأَقَلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلاَّ مَنْ قَالَ: هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَاعَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ» ثُمَّ قَالَ لِى: «مَكَانَكَ لَا تَبْرَحْ حَتَّى آتِيَكَ»، ثُمَّ انْطَلَقَ فِى سَوَادِ اللَّيْلِ حَتَّى تَوَارَى، فَسَمِعْتُ صَوْتًا قَدِ ارْتَفَعَ فَتَخَوَّفْتُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَرَضَ لِلنَّبِىِّ ﷺ فَأَرَدْتُ أَنْ آتِيَهُ، فَذَكَرْتُ قَوْلَهُ لِى: «لَا تَبْرَحْ حَتَّى آتِيَكَ» فَلَمْ أَبْرَحْ حَتَّى أَتَانِى قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتًا تَخَوَّفْتُ فَذَكَرْتُ لَهُ فَقَالَ: «وَهَلْ سَمِعْتَهُ»؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «ذَاكَ جِبْرِيلُ أَتَانِى فَقَالَ: مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ».
وبه قال: (حدّثنا الحسن بن ربيع) البوراني بضم الموحدة وسكون الواو وفتح الراء بعد الألف نون البجلي أبو علي الكوفي قال: (حدّثنا أبو الأحوص) سلام بتشديد اللام ابن سليم (عن الأعمش) سليمان (عن زيد بن وهب) الجهني أنه (قال: قال أبو ذر) أبو جندب بن جنادة الغفاري ﵁ (كنت أمشي مع النبي ﷺ في حرة المدينة فاستقبلنا) بفتح اللام (أُحد) الجبل المعروف (فقال) ﷺ :
(يا أبا ذر قلت) ولأبي ذر فقلت (لبيك يا رسول الله قال: ما يسرني أن عندي مثل أُحد هذا ذهبًا تمضي عليّ) بالتشديد ليلة (ثالثة وعندي منه دينار) الواو للحال (إلا شيئًا) استثناء من دينار ولأبي ذر شيء بالرفع (أرصده) بفتح الهمزة وضم الصاد أو بضم الهمزة وكسر الصاد أعده أو أحفظه (لدين) بفتح الدال المهملة صاحبه غير حاضر فيأخذه إذا حضر أو لوفاء دين مؤجل حلّ
стр. 7114
وفيته وللحموي والمستملي لديني (إلا أن أقول به) استثناء بعد استثناء فيفيد الإثبات فيؤخذ منه أن نفي محبة المال مقيدة بعدم الإنفاق فيلزم محبة وجوده مع الإنفاق فما دام الإنفاق مستمرًا لا يكره وجود المال وإذا انتفى الإنفاق ثبتت كراهية وجود المال ولا يلزم كراهية حصول شيء آخر ولو كان قدر أحد أو أكثر مع استمرار الإنفاق قاله في الفتح وقوله أقول به أي أصرفه وأنفقه (في عباد الله) (هكذا وهكذا وهكذا) بالتكرار ثلاثًا صفة لمصدر محذوف أي أشار إشارة مثل هذه الإشارة (عن يمينه وعن شماله ومن خلفه) اقتصر على هذه الثلاثة، وحمل على المبالغة لأن العطية لمن بين يديه هي الأصل وفي الجزء الثالث من البشرانيات من رواية أحمد بن ملاعب عن عمر بن حفص بن غياث عن أبيه إلا أن أقول به هكذا وهكذا وهكذا وهكذا وأرانا بيده فكرر لفظ هكذا أربعًا فعمّ الجهات الأربع (ثم مشى فقال) ولأبي ذر ثم قال (إن الأكثرين) مالاً (هم الأقلون) ثوابًا (يوم القيامة إلاّ من قال) صرف المال في مصرفه (هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله ومن خلفه) وقيل المراد بالأخير الوصية وقيل ليس قيدًا فيه بل قد يقصد الصحيح الإخفاء فيدفع لمن وراءه مالاً يعطي به من هو أمامه (وقليل ما هم) ما زائدة مؤكدة للقلة أو موصوفة ولفظ قليل هو الخبر وهم مبتدأ أو قدم الخبر للمبالغة في الاختصاص (ثم قال) ﷺ (لي) الزم (مكانك لا تبرح) تأكيد (حتى آتيك) غاية للزوم المكان المذكور (ثم انطلق في سواد الليل حتى توارى) غاب شخصه الشريف عني (فسمعت صوتًا قد ارتفع فتخوفت أن يكون قد عرض) ولأبي ذر أن يكون أحد عرض (للنبي ﷺ ¬) بسوء (فأردت أن آتيه فذكرت قوله لي لا تبرح حتى آتيك فلم أبرح) من مكاني (حتى أتاني قلت: يا رسول الله لقد سمعت صوتًا تخوفت) عليك (فذكرت له) ذلك (فقال) ﷺ (وهل سمعته؟ قلت: نعم) يا رسول الله (قال: ذاك) الذي سمعته يخاطبني هو (جبريل أتاني فقال) لي (من مات من أمتك لا يشرك بالله) (شيئًا دخل الجنة) هو جواب الشرط (قلت) يا جبريل (وإن رنى وإن سرق) يدخل الجنة (قال: إن زنى وإن سرق) يدخلها أي إذا تاب عند الموت كما حمله المؤلّف فيما مضى في اللباس، وحمله غيره على أن المراد بدخول الجنة أعمّ من أن يكون ابتداء أو بعد المجازاة على المعصية للجمع بين الأدلة، وفيه ردّ على من زعم من الخوارج والمعتزلة أن صاحب الكبيرة إذا مات من غير توبة يخلّد في النار ولم يتكرر هنا قوله: وإن زنى وإن سرق كما تكرر في الرواية السابقة في الباب قبل هذا، واقتصر على هاتين الكبيرتين لأنهما كالمثالين فيما يتعلق بحق الله وحق العباد وأشار في الرواية السابقة في الباب الذي قبل هذا بقوله: وإن شرب الخمر إلى فحشه لأنه يؤدي إلى خلل في العقل الذي شرف به الإنسان على البهائم.
٦٤٤٥ - حَدَّثَنِى أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، عَنْ يُونُسَ، وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ كَانَ لِى مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا لَسَرَّنِى أَنْ لَا تَمُرَّ عَلَىَّ ثَلَاثُ لَيَالٍ وَعِنْدِى مِنْهُ شَىْءٌ إِلاَّ شَيْئًا أُرْصِدُهُ لِدَيْنٍ».
стр. 7115
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر: حدثني (أحمد بن شبيب) بفتح الشين المعجمة وكسر الموحدة بعدها تحتية ساكنة فموحدة ثانية الحبطي بفتح الحاء المهملة والموحدة وكسر الطاء المهملة نسبة إلى الحبطات من تميم البصري الثقة الصدوق قال: (حدّثنا أبي) شبيب بن سعيد (عن يونس) بن يزيد الأيلي (وقال الليث) بن سعد الإمام فيما وصله الذهلي في الزهريات (حدثني) بالإفراد (يونس) المذكور ومراد المؤلّف بسياق هذا التعليق أن يقوي رواية أحمد بن شبيب فقد ضعفه ابن عبد البر تبعًا لأبي الفتح الأزدي، لكن الأزدي غير مرضي فلا يتبع في ذلك شبيب وثقه ابن المديني (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عبيد الله) بالتصغير (ابن عبد الله بن عتبة) بن مسعود أنه قال (قال أبو هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ ¬):
(لو كان لي مثل أُحد) الجبل (ذهبًا) وجواب لو قوله (لسرني) باللام قبل السين (أن لا تمر عليّ) ولأبي ذر: أن لا تمر بي (ثلاث ليال وعندي منه شيء إلا شيئًا) بالنصب، ولأبي ذر إلا شيء بالرفع فالنصب لأن المستثنى منه مطلق عام والمستثنى مقيد خاص والرفع لأن المستثنى منه في سياق النفي ووقع تفسير الشيء في رواية بالدينار (أرصده) بفتح الهمزة وضم الصاد المهملة أو بضم ثم كسر أي أعدّه (لدين) بفتح الدال وفيه الحث على الإنفاق في وجوه الخيرات، وأنه ﷺ كان في أعلى درجات الزهد في الدنيا بحيث إنه لا يحب أن يبقى في يده شيء من الدنيا إلا لإنفاقه فيمن يستحقه وإما لإرصاده لمن له حق، وإما لتعذر من يقبل ذلك منه لتقييده في رواية همام عن أبي هريرة الآتية إن شاء الله تعالى في كتاب التمني بقوله: أجد من يقبله.
والحديث مضى في الاستقراض.
١٥ - باب الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ
وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَيَحْسِبُونَ أَنَّ مَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ﴾ [المؤمنون: ٥٥] إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٣] قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: لَمْ يَعْمَلُوهَا لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَعْمَلُوهَا.
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (الغنى غنى النفس) بكسر الغين المعجمة مقصورًا سواء كان المتصف به قليل المال أو كثيره.
(وقول الله تعالى) ولأبي ذر وقال الله تعالى (﴿أيحسبون أن ما نمدهم به من مال وبنين﴾) [المومنون: ٥٥] ما بمعنى الذي وخبر أن نسارع لهم في الخيرات والعائد من خبر أن إلى اسمها محذوف تقديره نسارع لهم به، والمعنى أن هذا الإمداد ليس إلا استدراجًا لهم في المعاصي وهم يحسبونه مسارعة لهم في الخيرات ومعالجة بالثواب جزاء على حسن صنيعهم، وهذه الآية حجة على المعتزلة في مسألة الأصلح لأنهم يقولون: إن الله تعالى لا يفعل بأحد من الخلق إلا ما هو أصلح له في الدين وقد أخبر أن ذلك ليس بخير لهم في الدين ولا أصلح، وقوله: بل لا يشعرون استدراك لقوله: أيحسبون أي بل هم أشباه البهائم لا شعور لهم حتى يتأملوا في ذلك
стр. 7116
أنه استدراج (إلى قوله تعالى: ﴿من دون ذلك هم لها عاملون﴾) [المؤمنون: ٦٣] وهذا رأس الآية التاسعة من ابتداء الآية المبتدأ بها هنا، والآيات التي بين الأولى والثانية وبين الأخيرة والتي قبلها معترضة في وصف المؤمنين، وقوله: ﴿مشفقون﴾ [المؤمنون: ٥٧] أي خائفون وقوله: ﴿والذين هم بآيات ربهم﴾ [المؤمنون: ٥٨] أي بكتبه كلها يؤمنون ولا يفرقون، وقوله: ﴿والذين يؤتون ما آتوا﴾ [المؤمنون: ٦٠] أي يعطون ما أعطوا من الزكاة والصدقات وقلوبهم وجلة خائفة أن لا يقبل منهم لتقصيرهم وخبر إن الذين أولئك يسارعون في الخيرات أي يرغبون في الطاعات فيبادرونها والكتاب اللوح المحفوظ أو صحيفة الأعمال وقوله: ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون أي ما يستقبلون من الأعمال كما (قال ابن عيينة) سفيان في تفسيره: (لم يعملوها لا بدّ من أن يعملوها) قبل موتهم لا محالة لتحق عليهم كلمة العذاب، وفي حديث ابن مسعود: فوالذي لا إله غيره إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها.
٦٤٤٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَصِينٍ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ».
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) هو أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي قال: (حدّثنا أبو بكر) هو ابن عياش بالتحتية المشددة آخره شين معجمة راوي قراءة عاصم أحد القراء السبعة قال: (حدّثنا أبو حصين) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين عثمان بن عاصم الأسدي (عن أبي صالح) ذكوان الزيات (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(ليس الغنى عن) سبب (كثرة العرض) بفتح العين والراء وبالضاد المعجمة ما ينتفع به من متع الدنيا سوى النقدين. وقال أبو عبيد: الأمتعة وهي ما سوى الحيوان والعقار وما لا يدخله كيل ولا وزن، وقال في المشارق مما نقله عنه في التنقيح: قال ابن فارس في المقاييس: وذكر هذا الحديث إنما سمعناه بسكون الراء وهو كل ما كان من المال غير نقد وجمعه عروض وأما العرض بفتح الراء فما يصيبه الإنسان من حظه في الدنيا. قال الله تعالى: ﴿تريدون عرض الدنيا﴾ [الأنفال: ٦٧] ﴿وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه﴾ [الأعراف: ١٦٩] اهـ.
أي: ليس الغنى الحقيقي المعتبر كثرة المال لأن كثيرًا ممن وسع عليه في المال لا يقنع بما أوتي فهو يجتهد في الازدياد ولا يبالي من أين يأتيه فكأنه فقير من شدة حرصه. (ولكن) بتشديد النون ولأبي ذر بتخفيفها (الغنى) الحقيقي المعتبر الممدوح (غنى النفس) بما أوتيت وقنعها به ورضاها وعدم حرصها على الازدياد والإلحاح في الطلب لأنها إذا استغنت كفت عن المطامع فعزت وعظمت وحصل لها من الحظوة والنزاهة والشرف والمدح أكثر من الغنى الذي يناله من يكون فقير النفس بحرصه فإنه يورطه في رذائل الأمور وخسائس الأفعال لدناءة همته وبخله ويكثر ذامه من الناس ويصغر قدره عندهم فيكون أحقر من كل حقير، وأذل من كل ذليل، وهو مع ذلك كأنه
стр. 7117
فقير من المال لكونه لم يستغن بما أعطي فكأنه ليس بغني ولو لم يكن في ذلك إلا عدم رضاه بما قضاه الله لكفاه.
فإن قلت: ما وجه مناسبة الآيات للحديث؟ قال في الفتح: لأن خيرية المال ليست بذاته بل بحسب ما يتعلق به وإن كان يسمى خيرًا في الجملة وكذلك صاحب المال الكثير ليس غنيًّا لذاته بل بحسب تصرفه فيه، فإن كان في نفسه غنيًّا لم يتوقف في صرفه في الواجبات والمستحبات من وجوه البر والقربات وإن كان في نفسه فقيرًا أمسكه وامتنع من بذله فيما أمر به خشية من نفاده فهو في الحقيقة فقير صورة، ومعنى وإن كان المال تحت يده لكونه لا ينتفع به لا في الدنيا ولا في الآخرة بل ربما كان وبالاً عليه.
والحديث أخرجه الترمذي في الزهد.
١٦ - باب فَضْلِ الْفَقْرِ
(باب فضل الفقر) سقط لفظ باب لأبي ذر ففضل مرفوع على ما لا يخفى.
٦٤٤٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِى عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِىِّ أَنَّهُ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ: «مَا رَأْيُكَ فِى هَذَا»؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ: هَذَا، وَاللَّهِ حَرِىٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا رَأْيُكَ فِى هَذَا»؟ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا حَرِىٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لَا يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ: أَنْ لَا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا».
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدثني) بالإفراد (عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه) أبي حازم سلمة بن دينار (عن سهل بن سعد) بسكون الهاء والعين (الساعدي) ﵁ (أنه قال: مرّ رجل) لم يسم (على رسول الله ﷺ فقال) ﵊ (لرجل عنده جالس) هو أبو ذر الغفاري كما رواه ابن حبان في صحيحه من طريقه وفي باب الاكفاء في الدين من كتاب النكاح: ما تقولون في هذا؟ وهو خطاب لجماعة فيجمع بأن الخطاب وقع لجماعة منهم أبو ذر ووجه إليه:
(ما رأيك في هذا) الرجل المارّ (فقال) المسؤول هذا (رجل من أشراف الناس هذا والله حري) بفتح الحاء المهملة وكسر الراء وتشديد التحتية جدير أو حقيق وَزْنًا ومعنى (إن خطب) امرأة (أن ينكح) بضم أوله وفتح الكاف أي تجاب خطبته (وإن شفع) في أحد (أن يشفع) بضم أوله وتشديد الفاء المفتوحة تقبل شفاعته (قال) سهل: (فسكت رسول الله) ولأبي ذر النبي (¬ ﷺ ¬) وزاد إبراهيم بن حمزة في روايته في النكاح وإن قال أن يسمع (ثمّ مرّ رجل) قيل هو جعيل بن سراقة
стр. 7118
كما في مسند الفريابي ولأبي ذر عن الكشميهني رجل آخر (فقال له) أي للرجل المسؤول أولاً (رسول الله ﷺ : ما رأيك في هذا)؟ الرجل المارّ (فقال: يا رسول الله هذا رجل من فقراء المسلم بن هذا حري) جدير (إن خطب) امرأة (أن لا ينكح وإن شفع) في أحد (أن لا يشفع) فيه (وإن قال أن لا يسمع لقوله) لفقره (فقال رسول الله ﷺ : هذا) الرجل الفقير (خير من ملء الأرض من مثل هذا) الرجل الغني. زاد أحمد وابن حبان عند الله يوم القيامة، وقوله ملء بكسر الميم وسكون اللام بعدها همزة ومثل بكسر ثم سكون وثبت من في قوله من مثل هذا في رواية أبي ذر عن الكشميهني.
والحديث سبق في النكاح.
٦٤٤٨ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ، قَالَ: عُدْنَا خَبَّابًا فَقَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ نُرِيدُ وَجْهَ اللَّهِ فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأْخُذْ مِنْ أَجْرِهِ مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ نَمِرَةً، فَإِذَا غَطَّيْنَا رَأْسَهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ بَدَا رَأْسُهُ، فَأَمَرَنَا النَّبِىُّ ﷺ أَنْ نُغَطِّىَ رَأْسَهُ وَنَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الإِذْخِرِ، وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهْوَ يَهْدُبُهَا.
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير ونسب إلى أحد أجداده حميد قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان (قال: سمعت أبا وائل) شقيق بن سلمة (قال: عدنا خبابًا) بفتح المعجمة والموحدة المشددة وبعد الألف موحدة أخرى ابن الأرتّ من مرض (فقال: هاجرنا مع النبي ﷺ ¬) إلى المدينة بأمره أو بإذنه، والمراد بالمعية الاشتراك في حكم الهجرة إذ لم يكن معه ﷺ إلا أبو بكر وعامر بن فهيرة (نريد وجه الله) أي ما عنده تعالى من الثواب لا الدنيا (فوقع أجرنا) أي إثابتنا وجزاؤنا (على الله تعالى) فضلاً منه سبحانه (فمنا) من الذين هاجروا (من مضى) مات (لم يأخذ من أجره) من الغنائم لكونه مات قبل الفتوح (شيئًا منهم: مصعب بن عمير قُتل يوم أُحد) شهيدًا قتله عبد الله بن قميئة (وترك نمرة) فلم نجد ما نكفنه به سواها (فإذا غطينا) بها (رأسه بدت) ظهرت (رِجلاه وإذا غطينا) بها (رِجله) بالإفراد والذي في اليونينية رجله بالتثنية (بدا رأسه) لقصرها (فأمرنا النبي ﷺ أن نغطي رأسه) بطرفها (ونجعل على رجليه) بالتثنية وزاد أبو ذر شيئًا (من الإِذخر) بكسر الهمزة وسكون الذال وكسر الخاء المعجمتين النبت الحجازي المعروف، ومن أهل الهجرة من عاش إلى أن فتح عليهم الفتوح وهم أقسام منهم من أعرض عنه وواسى به المحاويج أولاً فأولاً وهم قليل، ومنهم أبو ذر، ومنهم من تبسط في بعض المباح فيما يتعلق بكثرة النساء والسراري والخدم والملابس ونحو ذلك ولم يستكثر وهم كثير، ومنهم ابن عمر، ومنهم من زاد فاستكثر بالتجارة وغيرها مع القيام بالحقوق الواجبة والمندوبة وهم كثير أيضًا منهم عبد الرَّحمن بن عوف، إلى هذين القسمين الأخيرين أشار خباب بقوله (ومنا) أي من المهاجرين (من أينعت) بفتح الهمزة وسكون التحتية وفتح النون
стр. 7119
والعين المهملة انتهت وأدركت (له ثمرته فهو يهدبها) بفتح التحتية وسكون الهاء وكسر الدال المهملة وتضم يقطفها.
وفي الحديث فضيلة مصعب بن عمير وأنه لم ينقص له من ثوابه في الآخرة شيء وقد كان مصعب بمكة في ثروة ونعمة فلما هاجر صار في قلّة.
وهذا الحديث سبق في الجنائز.
٦٤٤٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا سَلْمُ بْنُ زَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اطَّلَعْتُ فِى الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ، وَاطَّلَعْتُ فِى النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ». تَابَعَهُ أَيُّوبُ وَعَوْفٌ وَقَالَ صَخْرٌ وَحَمَّادُ بْنُ نَجِيحٍ عَنْ أَبِى رَجَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا سلم بن زرير) بفتح السين وسكون اللام وزرير بفتح الزاي وكسر الراء الأولى بعدها تحتية ساكنة فراء ثانية بوزن عظيم العطاردي البصري قال: (حدّثنا أبو رجاء) بفتح الراء والجيم المخففة وبالهمزة عمران بن تميم العطاردي (عن عمران بن حصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(اطّلعت في الجنة) بتشديد الطاء أي أشرفت ليلة الإسراء (فرأيت أكثر أهلها الفقراء واطّلعت في النار) أشرفت عليها (فرأيت أكثر أهلها النساء) لما يغلب عليهن من الهوى والميل إلى عاجل زينة الدنيا والإعراض عن الآخرة لنقص عقلهن، والحديث فيه التحريض على ترك التوسع من الدنيا كما أن فيه تحريض النساء على المحافظة على أمر الدين لئلا يدخلن النار.
والحديث قد سبق في باب كفران العشير في أول الكتاب وفي بدء الخلق ويأتي إن شاء الله تعالى في باب صفة الجنة والنار من كتاب الرقاق بعون الله وتوفيقه.
(تابعه) أي تابع أبا رجاء (أيوب) السختياني فيما وصله النسائي (وعوف) بالفاء الأعرابي فيما وصله البخاري في النكاح (وقال صخر): هو ابن جويرة فيما وصله النسائي (وحماد بن نجيح) بفتح النون وكسر الجيم وبعد التحتية الساكنة حاء مهملة الإسكاف البصري فيما وصله النسائي أيضًا (عن أبي رجاء) عمران بن تميم (عن ابن عباس) ﵄.
٦٤٥٠ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمْ يَأْكُلِ النَّبِىُّ ﷺ عَلَى خِوَانٍ حَتَّى مَاتَ، وَمَا أَكَلَ خُبْزًا مُرَقَّقًا حَتَّى مَاتَ.
стр. 7120
وبه قال: (حدّثنا أبو معمر) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة آخره راء هو عبد الله بن محمد بن عمرو بن الحجاج قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد قال: (حدّثنا سعيد بن أبي عروبة) بفتح العين المهملة (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس ﵁) أنه (قال: لم يأكل النبي ﷺ على خوان حتى مات) بكسر الخاء المعجمة هو ما يؤكل عليه الطعام وهو من دأب المترفين وصنع الجبابرة المنعمين لئلا يفتقروا إلى التطأطؤ عند أكل (وما أكل خبزًا مرققًا) ملينًا محسنًا كخبز الحواري (حتى مات) زهدًا في الدنيا وتركًا للتنعيم.
والحديث أخرجه الترمذي في الزهد والنسائي في الوليمة وابن ماجة في الأطعمة.
٦٤٥١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَقَدْ تُوُفِّىَ النَّبِىُّ ﷺ وَمَا فِى رَفِّى مِنْ شَىْءٍ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ، إِلاَّ شَطْرُ شَعِيرٍ فِى رَفٍّ لِى فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَىَّ فَكِلْتُهُ فَفَنِىَ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن أبي شيبة) هو ابن محمد بن أبي شيبة واسمه إبراهيم قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة قال: (حدّثنا هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة ﵂¬) أنها (قالت: لقد توفي النبي ﷺ وما في رفي) بفتح الراء وتشديد الفاء مكسورة خشب يرفع عن الأرض في البيت يوضع فيه ما يراد حفظه قاله عياض، وقال في الصحاح: شبه الطاق في الحائط (من شيء يأكله ذو كبد) شامل لكل حيوان (إلا شطر شعير) بعض شعير أو نصف وسق منه (في رف لي فأكلت منه حتى طال عليّ) بتشديد التحتية (فكلته) بكسر الكاف (ففني).
قال الكرماني، فإن قلت: سبق في البيع كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه، وتعقيب لفظ فني بعد كلته هنا مشعر بأن الكيل سبب عدم البركة. وأجاب: بأن البركة عند البيع وعدمها عند النفقة أو المراد أن يكيله بشرط أن يبقي الباقي مجهولاً، وقال غيره: لأن الكيل عند المبايعة مطلوب من أجل تعلق المتبايعين فلهذا القصد يندب وأما الكيل عند الإنفاق فقد يبعث عليه الشح فلذلك كره، وقال القرطبي: سبب رفع النماء والله أعلم الالتفات بعين الحرص مع معاينة إدرار نعم الله ومواهب كراماته وكثرة بركاته والغفلة عن الشكر عليها والثقة بالذي وهبها والميل إلى الأسباب المعتادة عند مشاهدة خرق العادة، وفي الحديث فضل الفقر من المال واختلف في التفضيل بين الغني والفقير وكثر النزاع في ذلك. وقال الداودي: السؤال أيهما أفضل لا يستقيم لاحتمال أن يكون لأحدهما من العمل الصالح ما ليس للآخر فيكون أفضل وإنما يقع السؤال عنهما إذا استويا بحيث يكون لكل منهما من العمل ما يقاوم به عمل الآخر قال: فعلم أيهما أفضل عند الله، وكذا قال ابن تيمية، لكن قال: إذا استويا في التقوى فهما في الفضل سواء. وقال ابن دقيق العيد: إن حديث أهل الدثور يدل على تفضيل الغني على الفقير لما تضمنه من زيادة الثواب بالقرب المالية إلا أن فسر الأفضل بمعنى الأشرف بالنسبة إلى صفات النفس، فالذي يحصل للنفس من التطهير للأخلاق والرياضة لسوء الطباع بسبب الفقر أشرف فيترجح الفقر، ولهذا المعنى ذهب جمهور
стр. 7121
الصوفية إلى ترجيح الفقير الصابر لأن مدار الطريق على تهذيب النفس ورياضتها وذلك مع الفقر أكثر منه في الغنى. وقال بعضهم: اختلف هل التقلل من المال أفضل ليتفرغ قلبه من الشواغل وينال لذة المناجاة ولا ينهمك في الاكتساب ليستريح من طول الحساب أو التشاغل باكتساب المال أفضل ليستكثر به من التقرب بالبر والصلة والصدقة لما في ذلك من النفع المتعدي. قال: وإذا كان الأمر كذلك فالأفضل ما اختاره النبي ﷺ وجمهور أصحابه من التقلل في الدنيا والبعد عن زهرتها. وقال أحمد بن نصر الداودي: الفقر والغنى محنتان من الله يختبر بهما عباده في الشكر والصبر كما قال تعالى: ﴿إنّا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً﴾ [الكهف: ٧].
١٧ - باب كَيْفَ كَانَ عَيْشُ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ وَتَخَلِّيهِمْ مِنَ الدُّنْيَا
(باب) بالتنوين (كيف كان عيش النبي ﷺ وأصحابه) في حياته (وتخليهم من) التبسط في (الدنيا) وشهواتها وملاذها.
٦٤٥٢ - حَدَّثَنِى أَبُو نُعَيْمٍ بِنَحْوٍ مِنْ نِصْفِ هَذَا الْحَدِيثِ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ، حَدَّثَنَا مُجَاهِدٌ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ: اللَّهِ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِنْ كُنْتُ لأَعْتَمِدُ بِكَبِدِى عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْجُوعِ وَإِنْ كُنْتُ لأَشُدُّ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِى مِنَ الْجُوعِ، وَلَقَدْ قَعَدْتُ يَوْمًا عَلَى طَرِيقِهِمُ الَّذِى يَخْرُجُونَ مِنْهُ، فَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، مَا سَأَلْتُهُ إِلاَّ لِيُشْبِعَنِى فَمَرَّ وَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بِى عُمَرُ فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، مَا سَأَلْتُهُ إِلاَّ لِيُشْبِعَنِى فَمَرَّ فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بِى أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ فَتَبَسَّمَ حِينَ رَآنِى وَعَرَفَ مَا فِى نَفْسِى وَمَا فِى وَجْهِى ثُمَّ قَالَ: «أَبَا هِرٍّ» قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «الْحَقْ» وَمَضَى فَتَبِعْتُهُ فَدَخَلَ فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ لِى فَدَخَلَ فَوَجَدَ لَبَنًا فِى قَدَحٍ فَقَالَ: «مِنْ أَيْنَ هَذَا اللَّبَنُ»؟ قَالُوا: أَهْدَاهُ لَكَ فُلَانٌ أَوْ فُلَانَةُ قَالَ: «أَبَا هِرٍّ» قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «الْحَقْ إِلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ لِى» قَالَ: وَأَهْلُ الصُّفَّةِ أَضْيَافُ الإِسْلَامِ لَا يَأْوُونَ إِلَى أَهْلٍ وَلَا مَالٍ، وَلَا عَلَى أَحَدٍ إِذَا أَتَتْهُ صَدَقَةٌ بَعَثَ بِهَا إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يَتَنَاوَلْ مِنْهَا شَيْئًا وَإِذَا أَتَتْهُ هَدِيَّةٌ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ وَأَصَابَ مِنْهَا وَأَشْرَكَهُمْ فِيهَا، فَسَاءَنِى ذَلِكَ فَقُلْتُ: وَمَا هَذَا اللَّبَنُ فِى أَهْلِ الصُّفَّةِ كُنْتُ أَحَقُّ أَنَا أَنْ أُصِيبَ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ شَرْبَةً أَتَقَوَّى بِهَا فَإِذَا جَاءَ أَمَرَنِى فَكُنْتُ أَنَا أُعْطِيهِمْ وَمَا عَسَى أَنْ يَبْلُغَنِى مِنْ هَذَا اللَّبَنِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ ﷺ بُدٌّ، فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ فَأَقْبَلُوا فَاسْتَأْذَنُوا فَأَذِنَ لَهُمْ، وَأَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ مِنَ الْبَيْتِ قَالَ: «يَا أَبَا هِرٍّ» قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «خُذْ فَأَعْطِهِمْ» قَالَ: فَأَخَذْتُ الْقَدَحَ فَجَعَلْتُ أُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى ثُمَّ يَرُدُّ عَلَىَّ الْقَدَحَ فَأُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى ثُمَّ يَرُدُّ عَلَىَّ الْقَدَحَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَىَّ الْقَدَحَ، حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ رَوِىَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ فَأَخَذَ الْقَدَحَ فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ فَنَظَرَ إِلَىَّ فَتَبَسَّمَ
стр. 7122
فَقَالَ: «أَبَا هِرٍّ»، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «بَقِيتُ أَنَا وَأَنْتَ» قُلْتُ: صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «اقْعُدْ فَاشْرَبْ» فَقَعَدْتُ فَشَرِبْتُ فَقَالَ: «اشْرَبْ» فَشَرِبْتُ فَمَا زَالَ يَقُولُ: «اشْرَبْ» حَتَّى قُلْتُ: لَا وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَجِدُ لَهُ مَسْلَكًا قَالَ: فَأَرِنِى فَأَعْطَيْتُهُ الْقَدَحَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَسَمَّى وَشَرِبَ الْفَضْلَةَ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر بالجمع (أبو نعيم) الفضل بن دكين (بنحو) بالتنوين (من نصف هذا الحديث) قال في التنقيح: هذا الموضع من عقد الكتاب فإنه لم يذكر من حدثه بالنصف الآخر ويمكن أن يقال اعتمد على السند الآخر الذي تقدم له في كتاب الاستئذان اهـ. ويأتي ما في ذلك آخر الكلام على الحديث قال: (حدّثنا عمر بن ذر) بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء ابن زرارة الهمداني بسكون الميم المرهبي الكوفي قال: (حدّثنا مجاهد) هو ابن جبر بفتح الجيم وسكون الموحدة أبو الحجاج المخزومي مولاهم المكي الإمام في التفسير والعلم (أن أبا هريرة) ﵁ (كان يقول: الله) بحذف حرف الجرّ ومد الهمزة وجر الهاء في الفرع كأصله مصححًا عليها. قال في الفتح: كذا للأكثر بالحذف وفي روايتنا بالخفض وعن أبي ذر مما رأيته بهامش الفرع كأصله الهمزة بمنزلة واو القسم اهـ.
وجوّز بعضهم النصب بل قال السفاقسي: إنه رواه به، وقال ابن جني: إذا حذف حرف القسم نصب الاسم بعده بتقدير الفعل ومن العرب من يجر اسم الله وحده مع حذف حرف الجر فيقول الله لأقومن وذلك لكثرة ما يستعملونه، وفي بعض الأصول الله إسقاط الأداة والرفع، وفي رواية روح بن عباد عن عمر بن ذر عند أحمد والله (الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض) أي لألصق بطني بالأرض (من الجوع) أو هو كناية عن سقوطه على الأرض مغشيًا كما صرح به في الأطعمة فلقيت عمر فاستقرأته آية فمشيت غير بعيد فخررت على وجهي من الجهد والجوع (وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع) لتقليل حرارة الجوع ببرد الحجر أو المساعدة على الاعتدال والانتصاب لأن البطن إذا خوى لم يمكن معه الانتصاب فكان أهل الحجاز يأخذون صفائح رقاقًا في طول الكف أو أكبر من الحجارة فيربطها الواحد على بطنهِ وتشد بعصابة فتعدل القامة بعض الاعتدال (ولقد قعدت يومًا على طريقهم) أي النبي ﷺ وبعض أصحابه (الذي يخرجون منه) من منازلهم إلى المسجد (فمرّ أبو بكر) ﵁ (فسألته عن آية من كتاب الله) (ما سألته) عنها (إلا ليشبعني) بالشين المعجمة والموحدة من الإشباع، ولأبي ذر عن الكشميهني إلا ليستتبعني بسين مهملة ساكنة ففوقية مفتوحة فأخرى ساكنة فموحدة مكسورة فعين مهملة مفتوحة فنون مكسورة أي يطلب مني أن أتبعه ليطعمني (فأمر) بي (ولم يفعل) أي الإشباع أو الاستتباع، (ثم مرّ بي عمر) ﵁ (فسألته عن آية من كتاب الله) (ما سألته) عنها (إلا ليشبعني) من الإشباع أو ليستتبعني من الاستتباع كما مر عن الكشميهني (فأمر فلم) بالفاء ولأبي ذر ولم (يفعل، ثم مرّ بي أبو القاسم ﷺ فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي) من
стр. 7123
الجوع والاحتياج إلى ما يسد الرمق (وما في وجهي) من التغير وكأنه عرف من تغير وجهه ما في نفسه، واستدلّ أبو هريرة بتبسمه ﷺ على أنه عرف ما به لأن التبسم يكون للتعجب ولإيناس من يتبسم إليه وحال أبي هريرة لم تكن معجبة فيترجح الحمل على الإيناس قاله في الفتح (ثم قال) ﷺ :
(أبا هر) بإسقاط أداة النداء وكسر الهاء وتشديد الراء رد المؤنث إلى المذكر والمصغر إلى المكبر ولأبي ذر يا أبا هر (قلت لبيك يا رسول الله قال: الحق) بفتح الحاء أي اتبع (ومضى ﵊ فتبعته) ولأبي ذر فاتبعته (فدخل) زاد علي بن مسهر عند الإسماعيلي وابن حبان في صحيحه إلى أهله (فاستأذن) بهمزة وصل وفتح النون بلفظ الماضي في الفرع وغيره، وقال في الفتح: فأستأذن بهمزة بعد الفاء والنون مضمومة فعل المتكلم وعبر عنه بذلك مبالغة في التحقق، وقال العيني على صيغة المتكلم من المضارع ولابن مسهر فاستأذنت (فأذن لي فدخل) كذا الرواية بتكرار دخل قال في الكواكب: الثاني تكرار للأول أو دخل الأول بمعنى أراد الدخول فالاستئذان يكون لنفسه ﷺ ، وقال في الفتح: إما تكرار لوجود الفصل أو التفات ولعلي بن مسهر فدخلت قال في الفتح وهي واضحة: (فوجد) ﷺ في منزله (لبنًا في قدح فقال: من أين هذا اللبن قالوا: أهداه لك فلان أو فلانة) بالشك ولم يقف ابن حجر على اسم من أهداه ولأبي ذر عن الكشميهني أهدته بالتأنيث ثم (قال) ﵊: (أبا هر) إسقاط أداة النداء (قلت لبيك يا رسول الله) ولأبي ذر رسول الله بإسقاط يا (قال: الحق) أي انطلق (إلى أهل الصفة فادعهم لي قال) أي أبو هريرة (وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون إلى) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي على (أهل ولا مال ولا على أحد) تعميم بعد تخصيص شامل للأقارب وغيرهم وعند ابن سعد من مرسل يزيد بن عبد الله بن قسط كان أهل الصفة ناسًا فقراء لا منازل لهم فكانوا ينامون في المسجد لا مأوى لهم غيره (إذا أتته) ﷺ (صدقة بعث بها إليهم) يخصهم بها (ولم يتناول منها شيئًا وإذا أتته هدية أرسل إليهم) ليحضروا عنده (وأصاب منها وأشركهم فيها) لأنه ﷺ كان يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة قال أبو هريرة: (فساءني ذلك) أي قوله ادعهم لي (فقلت) في نفسي هذا قليل (وما هذا اللبن) أي وما قدر هذا اللبن (في أهل الصفة) والواو عاطفة على محذوف تقديره هذا قليل أو نحوه ولعلي بن مسهر وأين يقع هذا اللبن من أهل الصفة وأنا ورسول الله (كنت أحق أنا أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها) زاد روح يومي وليلتي وسقط لأبي ذر لفظ أنا (فإذا جاء) من أمرني بطلبه ولأبي ذر عن الكشميهني جاؤوا (أمرني) ﵊ (فكنت أنا أعطيهم) فكنت عطف على جزاء فإذا جاؤوا فهو بمعنى الاستقبال داخل تحت القول والتقدير عند نفسه قاله في الكواكب وإنما كان أبو هريرة يفعل ذلك لأنه كان يخدم النبي ﷺ (وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن) أي يصل إليّ بعد أن يكتفوا منه وقال: في الكواكب وما عسى أي قائلاً في نفسي وما عسى والظاهر أن كلمة عسى مقحمة (ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ بدّ فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا) في الدخول (فأذن لهم) ﷺ (وأخذوا مجالسهم من البيت) أي
стр. 7124
وجلس كل واحد منهم في المجلس الذي يليق به قال في الفتح ولم أقف على عددهم إذ ذاك (قال) ﵊: (يا أبا هر) بكسر الهاء وتشديد الراء (قلت لبيك يا رسول الله قال: خذ) أي هذا القدح (فأعطهم) بهمزة قطع القدح الذي فيه اللبن (فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل) بضم همزة أعطيه (فيشرب حتى يروى) بفتح الواو (ثم يردّ عليّ القدح فأعطيه الرجل) الذي يليه ولأبي ذر عن الكشميهني ثم أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى ثم يردّ عليّ القدح فيشرب حتى يروى ثم يردّ عليّ القدح بتكرار فيشرب ثلاثًا وسقط قوله حتى يروى ثم يرد عليّ القدح هذه في رواية أبي ذر، وقال في الكواكب فإن قلت: الرجل الثاني معرفة معادة فتكون هي الأول بعينه على القاعدة النحوية لكن المراد غيره. وأجاب؛ أن ذلك حيث لا قرينة ولفظ (حتى انتهيت إلى النبي ﷺ وقد روي القوم كلهم) قرينة المغايرة لأنه يدل على أنه أعطاهم واحدًا بعد واحد إلى أن كان آخرهم النبي ﷺ (فأخذ القدح) وقد بقيت فيه فضلة (فوضعه على يده) الكريمة (فنظر إليّ) بتشديد التحتية (فتبسم) إشارة إلى أنه لم يفته شيء مما كان يظن فواته من اللبن (فقال أبا هر) بحذف أداة النداء ولأبي ذر عن الحموي يا أبا هر (قلت لبيك يا رسول الله قال: بقيت أنا وأنت قلت صدقت يا رسول الله. قال: اقعد فاشرب فقعدت فشربت فقال: اشرب فشربت فما زال يقول اشرب حتى قلت لا والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكًا قال: فأرني فأعطيته القدح فحمد الله) على البركة وظهور المعجزة في اللبن المذكور حيث روي القوم كلهم وأفضلوا (وسمى) الله (وشرب الفضلة) وفي رواية روح فشرب من الفضلة، وفيها كما قال في الفتح إشعار بأنه بقي بعد شربه شيء فإن كانت محفوظة فلعله أعدها لمن بقي بالبيت من أهله ﷺ .
وفي الحديث فوائد كثيرة لا تخفى على المتأمل والله الموفق.
(تنبيه).
قوله في السند: حدّثنا أبو نعيم بنحو من نصف هذا الحديث استشكل من حيث إنه يستلزم أن يكون النصف بلا إسناد غير موصول إذ النصف المذكور مبهم لا يدرى أهو الأول أو الثاني واحتمال كون القدر المسموع له منه هو المذكور في كتاب الاستئذان في باب إذا دعي الرجل فجاء فهل يستأذن بلفظ: حدّثنا أبو نعيم حدّثنا عمر بن ذر وحدّثنا محمد بن مقاتل، أخبرنا عبد الله، أخبرنا عمر بن ذر، أخبرنا مجاهد عن أبي هريرة ﵁ قال: دخلت مع رسول الله ﷺ فوجد لبنًا في قدح فقال: "أبا هريرة الحق أهل الصفة فادعهم إليّ" قال: فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم فدخلوا. عورض بأنه ليس ثلث الحديث ولأربعة فضلاً عن نصفه. وقول الحافظ زين الدين العراقي في نكته على ابن الصلاح أن القدر المذكور في الاستئذان بعض الحديث المذكور في الرقاق هو القول المعتبر المحرر قال: ويكون البخاري حدث به عن أبي نعيم بطريق الوجادة أو الإجازة أو حمله عن شيخ آخر غير أبي نعيم اهـ.
стр. 7125
وقال الحافظ ابن حجر أو سمع بقية الحديث من شيخ سمعه من أبي نعيم اهـ.
٦٤٥٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا قَيْسٌ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدًا يَقُولُ: إِنِّى لأَوَّلُ الْعَرَبِ رَمَى بِسَهْمٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، وَرَأَيْتُنَا نَغْزُو وَمَا لَنَا طَعَامٌ، إِلاَّ وَرَقُ الْحُبْلَةِ، وَهَذَا السَّمُرُ وَإِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ مَا لَهُ خِلْطٌ، ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِى عَلَى الإِسْلَامِ، خِبْتُ إِذًا وَضَلَّ سَعْيِى.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن إسماعيل) بن أبي خالد أنه قال: (حدّثنا قيس) هو ابن أبي حازم (قال: سمعت سعدًا) بسكون العين ابن أبي وقاص ﵁ (يقول: إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله) واللام في الأول للتأكيد (ورأيتنا) بضم التاء الفوقية أي ورأيت أنفسنا (نغزو) في سبيل الله (وما لنا طعام إلا ورق الحبلة) بضم الحاء المهملة وسكون الموحدة مصححًا عليها في الفرع وتضم أيضًا ثمر السلم أو ثمر عامة العضاة وهو بكسر العين المهملة وتخفيف الضاد المعجمة آخره هاء شجر الشوك كالطلح والعوسج (وهذا السمر) بفتح السين المهملة وضم الميم شجره وفي مسلم من حديث عتبة بن غزوان لقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله ﷺ ما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا (وإن أحدنا ليضع) الذي يخرج منه عند التغوط مثل البعر (كما تضع الشاة) زاد الترمذي من طريق بيان عن قيس والبعير (ما له خلط) بكسر الخاء المعجمة وسكون اللام بعدها طاء مهملة لا يختلط بعضه ببعض لجفافه ويبسه بسبب قشف العيش (ثم أصبحت بنو أسد تعزرني) بضم الفوقية وفتح العين المهملة وكسر الزاي المشددة بعدها راء فنون فتحتية تقومني بالتعليم (على) أحكام (الإسلام خبت) من الخيبة وهي الخسران (إذًا) بالتنوين (وضلّ) أي ضاع (سعيي) فيما مضى حيث تعلمني بنو أسد أحكام الدين مع سابقتي في الإسلام وقدم صحبتي وبنو أسد أي ابن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر وكان بنو أسد ممن ارتد بعد النبي ﷺ وتبعوا طليحة بن خويلد الأسدي لما ادّعى النبوّة، ثم قاتلهم خالد بن الوليد في عهد أبي بكر وكسرهم ورجع بقيتهم إلى الإسلام وتاب طليحة وحسن إسلامه وسكن معظمهم الكوفة ثم كانوا ممن شكا سعد بن أبي وقاص وهو أمير الكوفة إلى عمر حتى عزله.
والحديث سبق في فضل سعد وفي الأطعمة، وأخرجه مسلم في آخر الكتاب.
٦٤٥٤ - حَدَّثَنِى عُثْمَانُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنْ طَعَامِ بُرٍّ ثَلَاثَ لَيَالٍ تِبَاعًا حَتَّى قُبِضَ.
وبه قال: (حدثني) ولأبي ذر بالجمع (عثمان) بن أبي شيبة قال: (حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن إبراهيم) النخعي (عن الأسود) بن يزيد النخعي
стр. 7126
(عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: ما شبع آل محمد) وفي رواية الأعمش عن منصور ما شبع رسول الله (¬ ﷺ ¬) بكسر الموحدة من شبع (منذ قدم المدينة من طعام بر) من الإضافة البيانية (ثلاث ليال) بأيامهن (تباعًا) بكسر الفوقية بعدها موحدة متتابعة متوالية (حتى قبض) بضم القاف أي توفي ﷺ ، ولمسلم من رواية عبد الرَّحمن بن عابس عن أبيه عن عائشة ما شبع آل محمد ﷺ من خبز بن مأدوم، ومن رواية عبد الرَّحمن بن يزيد عن الأسود عنها ما شبع آل محمد ﷺ من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قبض وإنما كان يفعل ذلك ﷺ للإِيثار أو لكراهة الشبع وكان يفعل ذلك مع إمكان حصول التوسع له فقد عرض عليه ربه أن يجعل له بطحاء مكة ذهبًا فاختار الجوع يومًا والشبع يومًا للتضرع والشكر.
والحديث سبق في الأطعمة.
٦٤٥٥ - حَدَّثَنِى إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ هُوَ الأَزْرَقُ، عَنْ مِسْعَرِ بْنِ كِدَامٍ، عَنْ هِلَالٍ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا أَكَلَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ أَكْلَتَيْنِ فِى يَوْمٍ إِلاَّ إِحْدَاهُمَا تَمْرٌ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن) البغوي يقال له لؤلؤ قال: (حدثنا إسحاق) بن يوسف بن يعقوب (هو الأزرق) بتقديم الزاي على الراء (عن مسعر بن كدام) بكسر الميم وسكون السين وفتح العين المهملتين بعدها راء وكدام بكسر الكاف بعدها دال مهملة مخففة العامري (عن هلال) هو ابن حميد ولأبي ذر زيادة الوزان الكوفي (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: ما أكل آل محمد) وعند أحمد بن منيع عن إسحاق الأزرق بالسند المذكور ما شبع محمد (¬ ﷺ أكلتين) بفتح الهمزة (في يوم إلا إحداهما تمر) ولأبي ذر تمرًا بالنصب. قال في المصابيح: أما على تقدير إلا كانت إحداهما تمرًا أو إلا جعل إحداهما تمرًا.
والحديث أخرجه مسلم.
٦٤٥٦ - حَدَّثَنِى أَحْمَدُ بْنُ أَبِى رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبِى عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَدَمٍ وَحَشْوُهُ مِنْ لِيفٍ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (أحمد بن رجاء) بفتح الراء والجيم والمد هو أحمد بن عبد الله بن أيوب بن رجاء الهروي ولأبي ذر أحمد بن أبي رجاء قال: (حدّثنا النضر) هو ابن شميل بالشين المعجمة المضمومة مصغرًا (عن هشام) قال: (أخبرني) بالإفراد (أبي) عروة بن الزبير (عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: كان فراش رسول الله ﷺ من آدم) بفتح الهمزة والدال المهملة جلد مدبوغ (وحشوه من ليف) بالواو وسقط لأبي ذر لفظ من فالتالي رفع.
٦٤٥٧ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: كُنَّا نَأْتِى
стр. 7127
أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَخَبَّازُهُ قَائِمٌ، وَقَالَ: كُلُوا فَمَا أَعْلَمُ النَّبِىَّ ﷺ رَأَى رَغِيفًا مُرَقَّقًا حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ وَلَا رَأَى شَاةً سَمِيطًا بِعَيْنِهِ قَطُّ.
وبه قال: (حدّثنا هدبة بن خالد) بضم الهاء وسكون الدال المهملة بعدها موحدة القيسي البصري الحافظ المسند قال: (حدّثنا همام بن يحيى) العوذي الحافظ قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة (قال: كنا نأتي أنس بن مالك) ﵁ (وخبازه) أي يعرف اسمه (قائم) عنده (وقال) أنس: (كلوا فما أعلم النبي ﷺ رأى رغيفًا مرققًا) قال في النهاية مرققًا هو الأرغفة الواسعة الرقيقة (حتى لحق بالله) (ولا رأى شاة سميطًا بعينه قط) بإفراد بعينه والسميط ما نزع صوفه ثم شوي لأنه من مآكل المترفين.
والحديث سبق في الأطعمة.
٦٤٥٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنِى أَبِى عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ يَأْتِى عَلَيْنَا الشَّهْرُ مَا نُوقِدُ فِيهِ نَارًا، إِنَّمَا هُوَ التَّمْرُ وَالْمَاءُ إِلاَّ أَنْ نُؤْتَى بِاللُّحَيْمِ.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر بالإفراد (محمد بن مثنى) بن عبيد أبو موسى العنزي الزمن البصري قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان قال: (حدّثنا هشام) قال: (أخبرني) بالإفراد (أبي) عروة (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: كان يأتي علينا الشهر ما نوقد فيه نارًا إنما) ولأبي ذر وإنما (هو) أي طعامنا (التمر والماء إلا أن نؤتى) بضم نون الجماعة مبنيًّا للمفعول (باللحيم) بضم اللام مصغرًا إشارة إلى قتله وللكشميهني باللحم مكبرًا والحديث من إفراده.
٦٤٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأُوَيْسِىُّ، حَدَّثَنِى ابْنُ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ: ابْنَ أُخْتِى إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِى شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَتْ فِى أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَارٌ، فَقُلْتُ: مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ قَالَتِ: الأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالْمَاءُ، إِلاَّ أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ جِيرَانٌ مِنَ الأَنْصَارِ، كَانَ لَهُمْ مَنَائِحُ وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَبْيَاتِهِمْ فَيَسْقِينَاهُ.
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي) قال: (حدثني) بالإفراد (ابن أبي حازم) عبد العزيز (عن أبيه) أبي حازم سلمة بن دينار (عن يزيد بن رومان) بضم الراء الأسدي مولى آل الزبير بن العوّام (عن عروة) بن الزبير بن العوّام (عن عائشة) ﵂ (أنها قالت لعروة) بن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر أخت عائشة: يا (ابن أختي) بحذف أداة النداء أي يا ابن أختي كما سبق (إن كنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين) والمراد بالهلال الثالث هلال الشهر الثالث وهو يرى عند انقضاء الشهرين وبرؤيته يدخل أول الشهر الثالث وعند ابن سعد في
стр. 7128
رواية سعيد عن أبي هريرة كان يمر برسول الله ﷺ هلال ثم هلال ثم هلال (وما أوقدت) بضم الهمزة وكسر القاف (في أبيات رسول الله ﷺ نار) قال ابن الزبير: (فقلت) لعائشة (ما كان يعيشكم) بضم التحتية وكسر العين المهملة مضارع أعاشه كذا إذا أقام عيشه قال ابن أبي داود وسأله أبوه: ما الذي أعاشك؟ فأجابه أعاشني بعدك واد مبقل آكل من حوذانه وأنسل أي ما كان طعامكم (قالت: الأسودان التمر والماء) نعتتهما نعتًا واحدًا تغليبًا وإذا اقترن الشيئان سميا باسم أشهرهما (إلا أنه) الضمير للشأن (قد كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار) أي أعرف أسماءهم (كان لهم منائح) جمع منيحة بنون وحاء مهملة وهي الناقة (وكانوا يمنحون) يعطون (رسول الله ﷺ من أبياتهم فيسقيناه) أي اللبن الذي يعطونه.
والحديث سبق في الهبة وهو ساقط هنا من رواية أبي ذر.
٦٤٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِى زُرْعَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ ارْزُقْ آلَ مُحَمَّدٍ قُوتًا».
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدثني بالإفراد (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدثني محمد بن فضيل) بضم الفاء وفتح المعجمة مصغرًا (عن أبيه) فضيل بن غزوان الضبي الكوفي (عن عمارة) بضم العين المهملة وتخفيف الميم وبعد الألف راء ابن القعقاع (عن أبي زرعة) هرم بفتح الهاء ابن عمرو بن جرير (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رسول الله) ولأبي ذر النبي (¬ ﷺ ¬):
(اللهم ارزق آل محمد قوتًا) ولمسلم والترمذي والنسائي: اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا. قال في الفتح: وهو المعتمد فإن اللفظ الأول صالح لأن يكون دعاء بطلب القوت في ذلك اليوم وأن يكون طلب لهم القوت دائمًا بخلاف اللفظ الثاني فإنه يعين الاحتمال الثاني وهو الدال على الكفاف وفيه كما قال في الكواكب فضل الكفاف وأخذ البلغة من الدنيا والزهد فيما فوق ذلك رغبة في توفير نعم الآخرة.
والحديث أخرجه مسلم في الزكاة والترمذي في الزهد والنسائي في الرقائق.
١٨ - باب الْقَصْدِ وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَى الْعَمَلِ
(باب) استحباب (القصد) بفتح القاف وسكون الصاد المهملة وهو سلوك الطريق المعتدلة (والمداومة على العمل) الصالح وإن قلّ.
٦٤٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا أَبِى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَشْعَثَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِى قَالَ: سَمِعْتُ مَسْرُوقًا قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ أَىُّ الْعَمَلِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَتِ: الدَّائِمُ، قَالَ: قُلْتُ فَأَىَّ حِينٍ كَانَ يَقُومُ؟ قَالَتْ: كَانَ يَقُومُ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ.
стр. 7129
وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزي قال: (أخبرنا) ولأبي ذر بالإفراد (أبي) عثمان (عن شعبة) بن الحجاج (عن أشعث) بالمعجمة والمثلثة بينهما مهملة مفتوحة (قال: سمعت أبي) أبا الشعثاء سليم بن الأسود المحاربي (قال: سمعت مسروقًا) هو ابن الأجدع (قال: سألت عائشة ﵂ أي العمل كان أحب إلى النبي ﷺ ؟ قالت الدائم) الذي يستمر عليه عامله (قال) مسروق (قلت) لها: (فأي حين) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي في أيّ حين (كان يقوم) ﷺ يصلّي من الليل (قالت: كان يقوم) من النوم (إذا سمع الصارخ) وهو الديك وهو يصرخ نصف الليل غالبًا وقال ابن بطال عند ثلث الليل.
وسبق الحديث في باب من نام عند السحر من كتاب التهجد.
٦٤٦٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِى يَدُومُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ.
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد (عن مالك) الإمام (عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة) ﵂ (أنها قالت: كان أحب العمل إلى رسول الله ﷺ الذي يدوم عليه صاحبه) هو تفسير للحديث الذي سبق.
٦٤٦٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَنْ يُنَجِّىَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ» قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا أَنَا إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِى اللَّهُ بِرَحْمَةٍ سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَاغْدُوا وَرُوحُوا، وَشَىْءٌ مِنَ الدُّلْجَةِ وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا».
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس واسمه عبد الرَّحمن قال: (حدّثنا ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرَّحمن (عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(لن ينجي) بفتح النون وكسر الجيم المشددة لن يخلص (أحدًا منكم عمله) فاعل (قالوا: ولا أنت يا رسول الله. قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله) بالغين المعجمة وبعد الميم دال مهملة أي أن يسترني الله (برحمة) منه والاستثناء منقطع ويحتمل أن يكون متصلاً من قبيل قوله تعالى ﴿لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى﴾ [الدخان: ٥٦] وقال الرافعي في أماليه: كما كان أجر النبي ﷺ في الطاعة أعظم وعمله في العبادة أقوم قيل له ولا أنت أي لا ينجيك عملك مع عظم قدرك فقال لا إلا برحمة الله (سددوا) بالسين المهملة المفتوحة وكسر الدال المهملة الأولى اقصدوا السداد أي الصواب ولمسلم من رواية بسر بن سعيد عن أبي هريرة ولكن سددوا ومعنى الاستدراك أنه قد يفهم من النفي المذكور نفي فائدة العمل فكأنه قيل بل له فائدة وهو أن العمل علامة على وجود الرحمة التي تدخل الجنة فاعملوا واقصدوا بعملكم الصواب وهو اتباع السنة من الإخلاص وغيره ليقبل عملكم فتنزل عليكم الرحمة (وقاربوا) لا تفرطوا فتجهدوا أنفسكم في
стр. 7130
العبادة لئلا يفضي بكم ذلك إلى الملال فتتركوا العمل (واغدوا) بالغين المعجمة الساكنة والدال المهملة سيروا من أول النهار (وروحوا) سيروا من أول النصف الثاني من النهار (وشيء) بالرفع في الفرع كأصله مصححًا عليه وقال: في الفتح وشيئًا بالنصب بفعل محذوف أي افعلوا شيئًا (من الدلجة) بضم الدال المهملة وسكون اللام وتفتح بعدها جيم سير الليل يقال سار دلجة من الليل أي ساعة. (والقصد القصد) بالنصب على الإغراء أي الزموا الطريق الوسط المعتدل (تبلغوا) المنزل الذي هو مقصدكم والقصد الثاني تأكيد وقد شبه التعبدين بالمسافرين لأن العابد كالسافر إلى محل إقامته وهو الجنة وكأنه قال: لا تستوعبوا الأوقات كلها بالسير بل اغتنموا أوقات نشاطكم وهو أول النهار وآخره وبعض الليل وارحموا أنفسكم فيما بينهما لئلا ينقطع بكم والحديث من أفراده.
٦٤٦٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَاعْلَمُوا أَنْ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، وَأَنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ أَدْوَمُهَا إِلَى اللَّهِ وَإِنْ قَلَّ».
وبه قال: (حدّثنا عبد العزير عبد الله) الأويسي قال: (حدّثنا سليمان) بن بلال (عن موسى بن عقبة) بسكون القاف الأسدي المدني (عن أبي سلمة بن عبد الرَّحمن) بن عوف (عن عائشة) ﵂ (أن رسول الله ﷺ قال):
(سددوا) بمهملات (وقاربوا) لا تبلغوا النهاية بل تقربوا منها (واعلموا أن) ولأبي ذر عن الكشميهني أنه (لن يدخل) بضم أوّله من الإِدخال (أحدكم) بالنصب مفعول قوله (عمله الجنة) نصب على الظرفية (وإن أحب الأعمال أدومها إلى الله) (وإن قلّ) أي إن كثر وإن قل والمراد بالدوام المواظبة العرفية وهي الإتيان بذلك في كل شهر أو كل يوم بقدر ما يطلق عليه اسم الداومة عرفًا لا شمول الأزمنة إذ هو غير مقدور.
والحديث أخرجه مسلم في التوبة والنسائي في الرقائق.
٦٤٦٥ - حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: سُئِلَ النَّبِىُّ ﷺ : أَىُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: «أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ، -وَقَالَ-: اكْلَفُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (محمد بن عرعرة) بن البرند قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن سعد بن إبراهيم) بسكون العين ابن عبد الرَّحمن بن عوف الزهري قاضي المدينة (عن) عمه (أبي سلمة) بن عبد الرَّحمن (عن عائشة ﵂ أنها قالت: سئل النبي ﷺ ¬) بضم السين مبنيًّا للمفعول ولم أعرف اسم السائل (أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال):
стр. 7131
(أدومها وإن قلّ). فإن قلت: المسؤول عنه أحب الأعمال وظاهره السؤال عن ذات العمل والجواب ورد بأدوم وهو صفة العمل فلم يتطابقا. أجيب: باحتمال أن يكون هذا السؤال وقع بعد قوله في الحديث السابق في الصلاة والحج وفي بر الوالدين حيث أجاب بالصلاة ثم بالبر الخ، ثم ختم ذلك بأن المداومة على عمل من أعمال البر ولو كان مفضولاً أحب إلى الله من عمل يكون أعظم أجرًا لكن ليس فيه مداومة قاله في الفتح.
(وقال) ﵊ بالسند السابق (اكلفوا) بهمزة وصل وفتح اللام في الفرع وتضم (من الأعمال) كالصلاة والصيام وغيرهما من العبادات ولأبي ذر عن المستملي من العمل (ما تطيقون) ما مصدرية أي قدر طاقتكم أو موصولة أي الذي تطيقونه أي ابلغوا بالعمل غايته التي تطيقونها مع الدوام من غير عجز في المستقبل، ولا ريب أن المديم للعمل ملازم للخدمة فيكثر ترداده إلى باب الطاعة في كل وقت فيجازى بالبر لكثرة تردده فليس هو كمن لازم الخدمة مثلاً ثم انقطع، وأيضًا فإن العامل إذا ترك العمل صار كالمعرض بعد الوصل فيتعرض للذم والجفاء.
٦٤٦٦ - حَدَّثَنِى عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ قُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ كَيْفَ كَانَ عَمَلُ النَّبِيِّ ﷺ ، هَلْ كَانَ يَخُصُّ شَيْئًا مِنَ الأَيَّامِ؟ قَالَتْ: لَا، كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً وَأَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ مَا كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَسْتَطِيعُ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (عثمان بن أبي شيبة) قال: (حدّثنا جرير) بفتح الجيم ابن عبد الحميد (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن إبراهيم) النخعي (عن) خاله (علقمة) بن قيس أنه (قال: سألت أم المؤمنين عائشة) ﵂ (قلت) ولأبي ذر فقلت (يا أم المؤمنين كيف كان عمل النبي ﷺ هل كان يخص شيئًا من الأيام) بعبادة مخصوصة لا يفعل مثلها في غيره (قالت: لا) وهذا لا يعارضه قولها إن أكثر صيامه كان في شعبان لأنه كان يوعك كثيرًا ويكثر السفر فيفطر بعض الأيام التي كان يصومها ولا يتمكن من قضاء ذلك إلا في شعبان فصيامه فيه بحسب الصورة أكثر من صيامه في غيره (كان عمله) ﵊ (ديمة) بكسر الدال المهملة وسكون التحتية أي دائمًا والديمة في الأصل المطر المستمر مع سكون بلا رعد ولا برق ثم استعمل في غيره وأصلها الواو لأنها من الدوام فانقلبت لسكونها وانكسار ما قبلها ياء. وقال في المصابيح: كان عمله ديمة فلا جرم أن سحائب نفعه على الخلق مستمرة بالانصباب بالرحمة عليهم مخصبة لأرض قلوبهم بربيع محبته جزاه الله أحسن ما جزى نبيًّا عن أمته وقد شبهت عمله في دوامه مع الاقتصاد بديمة المطر (وأيكم يستطيع) في العبادة (ما كان النبي ﷺ يستطيع) من الهيئة أو الكيفية من الخشوع والخضوع والإخبات والإخلاص.
والحديث سبق في الصوم.
стр. 7132
٦٤٦٧ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا فَإِنَّهُ لَا يُدْخِلُ أَحَدًا الْجَنَّةَ عَمَلُهُ»، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا أَنَا إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِى اللَّهُ بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ». قَالَ: أَظُنُّهُ عَنْ أَبِى النَّضْرِ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ. وَقَالَ عَفَّانُ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «سَدِّدُوا وَأَبْشِرُوا». وَقَالَ مُجَاهِدٌ: قَوْلاً سَدِيدًا: وَسَدَادًا صِدْقًا.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا محمد بن الزبرقان) بكسر الزاي والراء بينهما موحدة ساكنة وبعد القاف ألف فنون الأهوازي أبو همام وثقه الدارقطني وابن المديني وليس له في البخاري سوى هذا الحديث الواحد وقد توبع فيه قال: (حدّثنا موسى بن عقبة) المدني (عن أبي سلمة بن عبد الرَّحمن) بن عوف (عن عائشة) ﵂ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(سددوا) أي اقصدوا السداد وهو الصواب (وقاربوا) أي اقصدوا الأمور التي لا غلو فيها ولا تقصير (وأبشروا) بالثواب على العمل وإن قل وهمزة أبشروا قطع (فإنه لا يدخل) بضم التحتية وكسر المعجمة (أحد الجنة عمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بمغفرة) منه (ورحمة). قال الرافعي: فيه أن العامل لا ينبغي أن يتكل على عمله في طلب النجاة ونيل الدرجات لأنه إنما عمل بتوفيق الله وإنما ترك المعصية بعصمة الله فكل ذلك بفضله ورحمته.
واستشكل قوله: لن يدخل أحدًا الجنة عمله مع قوله تعالى: ﴿وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون﴾ [الزخرف: ٧٢] وأجيب: بأن أصل الدخول إنما هو برحمة الله واقتسام المنازل فيها بالأعمال فإن درجات الجنة متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال، فإن قلت: قوله تعالى ﴿سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾ [النحل: ٣٢] مصرح بأن دخول الجنة أيضًا بالأعمال أجيب: بأنه لفظ مجمل بينه الحديث والتقدير ادخلوا منازل الجنة وقصورها بما كنتم تعملون، فليس المراد بذلك أصل الدخول، وفي كتاب المواهب اللدنية بالمنح المحمدية مزيد لذلك والله الموفق والمعين.
(قال) علي بن عبد الله المديني: (أظنه عن أبي النضر) بالنون المفتوحة والضاد المعجمة الساكنة سالم بن أبي أمية المدني التيمي (عن أبي سلمة) بن عبد الرَّحمن (عن عائشة) ﵂ وكأن ابن المديني جوز أن يكون موسى بن عقبة لم يسمع هذا الحديث من أبي سلمة وأن بينهما فيه واسطة وهو أبو النضر بخلاف الطريق الأولى فإنها بلا واسطة لكن ظهر من وجه آخر أن لا واسطة ويدل له قوله: ﴿وقال عفان) بن مسلم الصفار أي فيما رواه عنه المؤلّف مذاكرة (حدّثنا
стр. 7133
وهيب) بضم الواو وفتح الهاء ابن خالد (عن موسى بن عقبة) أنه (قال: سمعت أبا سلمة) بن عبد الرَّحمن فصرح وهيب عن موسى بالسماع بقوله سمعت أبا سلمة وهذا هو النكتة في إيراد هذه الرواية المعلقة وهي موصولة عند أحمد في مسنده قال: حدّثنا عفان بسنده (عن عائشة) ﵂ (عن النبي ﷺ ¬) أنه قال: (سددوا وأبشروا) بالجنة. قال ابن حزم: معنى الأمر بالسداد أنه ﵊ أشار بذلك إلى أنه بعث ميسرًا مسهلاً فأمر أمته بأن يقتصدوا في الأمور لأن ذلك يقتضي الاستدامة عادة، وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند ابن حبان أنه ﷺ مرّ على رهط من أصحابه وهم يضحكون فقال: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا" فأتاه جبريل فقال: إن ربك يقول لك لا تقنط عبادي فرجع إليهم فقال: "سددوا وقاربوا" فهذا يحتمل أن يكون سببًا لقوله سددوا الخ.
(وقال مجاهد) هو ابن جبر: (سدادًا) بفتح السين المهملة القول المعتدل الكافي كذا عند الفريابي والطبراني من طريق أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: (﴿قولاً سديدًا﴾ [النساء: ٩] وعند الطبراني عن قتادة سديدًا عدلاً يعني في منطقه وفي عمله وعند ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله (سديدًا) قال: (صدقًا) وهذا ساقط هنا لأبي ذر نعم ثبت في رواية الحموي والكشميهني عقب قوله قال: أظنه عن أبي النضر عن أبي سلمة عن عائشة بلفظ وقال مجاهد قولا سديدًا وسدادًا صدقًا.
٦٤٦٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِىٍّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى لَنَا يَوْمًا الصَّلَاةَ ثُمَّ رَقِىَ الْمِنْبَرَ فَأَشَارَ بِيَدِهِ قِبَلَ قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: «قَدْ أُرِيتُ الآنَ مُنْذُ صَلَّيْتُ لَكُمُ الصَّلَاةَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مُمَثَّلَتَيْنِ فِى قُبُلِ هَذَا الْجِدَارِ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِى الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِى الْخَيْرِ وَالشَّرِّ».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (إبراهيم بن المنذر) الحزامي المدني أحد الأعلام قال: (حدّثنا محمد بن فليح) بضم الفاء آخره مهملة مصغرًا قال: (حدثني) بالإفراد (أبي) فليح بن سليمان (عن هلال بن علي) وهو هلال بن أبي ميمونة (عن أنس بن مالك ﵁ قال): أي هلال (سمعته) أي أنسًا (يقول: إن رسول الله ﷺ صلّى لنا) إمامًا (يومًا للصلاة) أي صلاة الظهر (ثم رقي المنبر) بفتح الراء وكسر القاف أي صعد وَزْنًا ومعنى (فأشار بيده قِبَل قبلة المسجد) بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهتها (فقال):
(قد رأيت) بضم الهمزة (الآن منذ صليت لكم الصلاة الجنة والنار ممثلتين) أي مصورتين (في قبل هذا الجدار) بضم القاف والموحدة أي قدامه ولأبي ذر عن الكشميهني هذا الحائط أي جدار المسجد أو حائطه (فلم أر) يومًا (كاليوم) أي كهذا اليوم (في الخير والشر فلم أر) يومًا (كاليوم في الخير والشر) وكرر فلم أر كاليوم مرتين للتأكيد.
стр. 7134
وفي هذا الحديث تنبيه المصلي على أن يمثل الجنة والنار بين عينيه ليكونا شاغلين له عن الأفكار الحادثة عن تذكر الشيطان ومن مثلهما بين يديه بعثه ذلك على المواظبة على الطاعة والكف عن المعصية، وبهذا تحصل المطابقة بين الحديث والترجمة.
والحديث سبق في باب رفع البصر إلى الإمام من كتاب الصلاة، وأحاديث هذا الباب أكثرها مكرر وفي بعضها زيادة على بعض والله الموفق.
١٩ - باب الرَّجَاءِ مَعَ الْخَوْفِ
وَقَالَ سُفْيَانُ: مَا فِى الْقُرْآنِ آيَةٌ أَشَدُّ عَلَىَّ مِنْ ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨].
(باب) استحباب (الرجاء مع الخوف) فلا يقتصر على أحدهما دون الآخر فربما يفضي الرجاء إلى المكر والخوف إلى القنوط وكل منهما مذموم، وقد روينا عن أبي علي الروذباري أنه قال: الخوف والرجاء كجناحي الطائر إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص، وإذا ذهبا صار الطائر في حد الموت اهـ فمتى استقام العبد في أحواله استقام في سلوكه في طاعاته باعتدال رجائه وخوفه ومتى قصر في طاعاته ضعف رجاؤه ودنا منه الاختلال ومتى قل خوفه وحذره من مفسدات الأعمال تعرض للهلاك ومتى عدم الرجاء والخوف تمكن منه عدوّه وهواه وبعد عن حزب من حفظه ربه وتولاه وبذلك علم وجه الشبه بينهما وبين جناحي الطائر.
وقال بعضهم: المؤمن يتردد بين الخوف والرجاء لخفاء السابقة وذلك لأنه تارة ينظر إلى عيوب نفسه فيخاف وتارة ينظر إلى كرم الله فيرجو وقيل يجب أن يزيد خوف العالم على رجائه لأن خوفه يزجره عن المناهي ويحمله على الأوامر، ويجب أن يعتدل خوف العارف ورجاؤه لأن عينه ممتدة إلى السابقة ورجاء المحب يجب أن يزيد على خوفه لأنه على بساط الجمال والرجاء بالمد وهو تعليق القلب بمحبوب من جلب نفع أو دفع ضرر سيحصل في المستقبل وذلك بأن يغلب على القلب الظن بحصوله في المستقبل، والفرق بينه وبين التمني وهو طلب ما لا مطمع في وقوعه كليت الشباب يعود أن التمني يصاحبه الكسل ولا يسلك صاحبه طريق الجهد والجد في الطاعات وبعكسه صاحب الرجاء فإنه يسلك طريق ذلك فالتمني معلول والرجاء محمود، ومن علامته حسن الطاعة. قال حجة الإسلام: الراجي من بث بذر الإيمان وسقاه بماء الطاعات ونقى القلب من شوك المهلكات وانتظر من فضل الله أن ينجيه من الآفات فأما المنهمك في الشهوات منتظر للمغفرة فاسم المغرور به أليق وعليه أصدق، وأما الخوف فهو فزع القلب من مكروه يناله أو محبوب يفوته وسببه تفكّر العبد في المخلوقات كتفكّره في تقصيره وإهماله وقلة مراقبته لما يرد عليه وكتفكّره فيما ذكره الله في كتابه من إهلاك من خالفه وما أعده له في الآخرة. وقال القشيري: الخوف
стр. 7135
معنى متعلقه في المستقبل لأن العبد إنما يخاف أن يحل به مكروه أو يفوته محبوب ولا يكون هذا إلا لشيء يحصل في المستقبل.
(وقال سفيان) بن عيينة: (ما في القرآن آية أشد عليّ من) قوله تعالى: (﴿لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم﴾) [المائدة: ٦٩] يعني القرآن وذلك لما فيها من التكليف من العمل بأحكامها.
ووجه المناسبة للترجمة أن الآية تدل على أن من لم يعمل بما تضمنه الكتاب الذي أنزل عليه لم تحصل له النجاة ولا ينفعه رجاؤه من غير عمل ما أمر به.
٦٤٦٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِى عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، وَأَرْسَلَ فِى خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً فَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ بِكُلِّ الَّذِى عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ لَمْ يَيْأَسْ مِنَ الْجَنَّةِ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِى عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعَذَابِ لَمْ يَأْمَنْ مِنَ النَّارِ».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) سقط ابن سعيد لأبي ذر قال: (حدّثنا يعقوب بن عبد الرَّحمن) الفارسي المدني نزيل الاسكندرية (عن عمرو بن أبي عمرو) بفتح العين فيهما مولى المطلب التابعي الصغير (عن سعيد بن أبي سعيد) بكسر العين فيهما (المقبري عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول):
(إن الله) (خلق الرحمة) التي يرحم بها عباده (يوم خلقها مائة رحمة) أي مائة نوع أو مائة جزء (فأمسك عنده) تعالى (تسعًا وتسعين رحمة وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة) والرحمة في الأصل بمعنى الرقة الطبيعية والميل الجبلي، وهذا من صفات الآدميين فهو من الباري تعالى مؤوّل، وللمتكلمين في تأويل ما لا تسوغ نسبته إلى الله تعالى على حقيقته اللغوية وجهان: الحمل على الإرادة فيكون من صفات الذات والآخر الحمل على فعل الإكرام فيكون من صفات الأفعال كالرحمة فمنهم من يحملها على إرادة الخير ومنهم من يحملها على فعل الخير، ثم بعد ذلك يتعين أحد التأويلين في بعض السياقات لمانع يمنع من الآخر فهاهنا يتعين تأويل الرحمة بفعل الخير لتكون صفة فعل فتكون حادثة عند الأشعري فيتسلط الخلق عليها، ولا يصح هنا تأويلها بالإرادة لأنها إذ ذاك من صفات الذات فتكون قديمة فيمتنع تعلق الخلق بها ويتعين تأويلها بالإرادة في قوله تعالى: ﴿لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم﴾ [هود: ٤٣] لأنك لو حملتها على الفعل لكانت العصمة بعينها فيكون استثناء الشيء من نفسه وكأنك قلت لا عاصم إلا العاصم فتكون الرحمة الإرادة والعصمة على بابها بمعنى المنع من المكروهات كأنه قال: لا يمنع من المحذور إلا من أراد السلامة.
(فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة) الواسعة (لم ييأس) أي يقنط (من الجنة) بل يحصل له الرجاء فيها لأنه يغطي عليه ما يعلمه من العذاب العظيم، وعبر بالمضارع في قوله يعلم
стр. 7136
دون الماضي إشارة إلى أنه لم يقع له علم ذلك ولا يقع لأنه إذا امتنع في المستقبل كان ممتنعًا فيما مضى وقال الكرماني: لو هنا لانتفاء الثاني، وقال: فلو بالفاء إشارة إلى ترتيب ما بعدها على ما قبلها. واستشكل التركيب في قوله بكل الذي لأن كل إذا أضيفت إلى الموصول كانت إذ ذاك لعموم الأجزاء لا لعموم الأفراد والمراد من سياق الحديث تعميم الأفراد، وأجيب: بأنه وقع في بعض طرقه أن الرحمة قسمت مائة جزء فالتعميم حينئذٍ لعموم الأجزاء في الأصل أو نزلت الأجزاء منزلة الأفراد مبالغة (ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله) (من العذاب لم يأمن من النار).
ومطابقة الحديث للترجمة من جهة أنه اشتمل على الوعد والوعيد المقتضيين للرجاء والخوف.
٢٠ - باب الصَّبْرِ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
وَقَالَ عُمَرُ وَجَدْنَا خَيْرَ عَيْشِنَا بِالصَّبْرِ.
(باب الصبر على محارم الله) والصبر على المواظبة على فعل الواجبات، والصبر حبس النفس على المكروه وعقد اللسان عن الشكوى والمكابدة في تحمله وانتظار الفرج. وقال ذو النون: الصبر التباعد عن المخالفات والسكون عند تجرع غصص البلية وإظهار الغنى مع حلول الفقر بساحات المعيشة، وقال ابن عطاء الله: الصبر الوقوف مع البلاء بحسن الأدب (﴿إنما﴾) ولأبي ذر وقول الله إنما (﴿يوفى الصابرون﴾) على تجرع الغصص واحتمال البلايا في طاعة الله وازدياد الخير (﴿أجرهم بغير حساب﴾) [الزمر: ١٠] قال ابن عباس ﵄: لا يهتدي إليه حساب الحساب ولا يعرف وهو حال من الأجر أي موفرًا وذكر في القرآن في خمسة وتسعين موضعًا. (وقال عمر) بن الخطاب: (وجدنا خير عيشنا بالصبر) ولأبي ذر عن الكشميهني الصبر بإسقاط الخافض والنصب.
وهذا وصله أحمد في كتاب الزهد بسند صحيح عن مجاهد عن عمر.
٦٤٧٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ أَخْبَرَنِى عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أُنَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَسْأَلْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، إِلاَّ أَعْطَاهُ حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُمْ حِينَ نَفِدَ كُلُّ شَىْءٍ أَنْفَقَ بِيَدَيْهِ «مَا يَكُنْ عِنْدِى مِنْ خَيْرٍ، لَا أَدَّخِرْهُ عَنْكُمْ وَإِنَّهُ مَنْ يَسْتَعِفَّ يُعِفُّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَلَنْ تُعْطَوْا عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (عطاء بن يزيد الليثي) سقط الليثي
стр. 7137
لغير أبي ذر (أن أبا سعيد) سعد بن مالك زاد أبو ذر الخدري (أخبره أن أناسًا) بهمزة مضمومة ولأبي ذر: ناسًا بإسقاطها (من الأنصار) قال في الفتح: لم أقف على أسمائهم وقد سبق في الزكاة من طريق مالك عن ابن شهاب الإشارة إلى أن منهم أبا سعيد (سألوا رسول الله ﷺ فلم يسأله) وللحموي والمستملي فلم يسأل (أحد منهم إلا أعطاه حتى نفد ما عنده) بفتح النون وكسر الفاء بعدها دال مهملة فرغ (فقال) ﷺ : (لهم حين نفد كل شيء أنفق) بفتحات (بيديه) بالتثنية ولأبي ذر بيده بالإفراد.
(ما يكن عندي من خير) أي مال (لا أدخره عنكم) بتشديد الدال على الإدغام أي أجعله ذخيرة لغيركم معرضًا عنكم ولأبي ذر ما يكون بالواو فما موصولة وعلى الأولى شرطية (وإنّه من يستعف) بتشديد الفاء يكف عن الحرام والسؤال (يعفه الله) بتشديد الفاء يرزقه الله العفة بأن يعطيه ما يستغني به عن السؤال ويخلق في قلبه الغنى، ولأبي ذر عن الكشميهني مما في الفرع يستعف بسكون العين بعدها فاء خفيفة من الاستعفاء وفي الفتح وتبعه العيني عن الكشميهني يستعفف بزيادة فاء أخرى وكذا هو في اليونينية (ومن يتصبر) يتكلف الصبر (يصبره الله) بالجزم فيهما يرزقه الله الصبر (ومن يستغن) أي يظهر الغنى أو يستغن بالله عمن سواه (يغنه الله) أي يرزقه الغنى عن الناس (ولن تعطوا) بضم الفوقية وسكون العين وفتح الطاء المهملتين (عطاء خيرًا وأوسع من الصبر) لأنه جامع لمكارم الأخلاق على ما لا يخفى.
والحديث سبق في الزكاة وأخرجه مسلم والنسائي.
٦٤٧١ - حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَقُولُ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّى حَتَّى تَرِمَ أَوْ تَنْتَفِخَ قَدَمَاهُ فَيُقَالُ لَهُ: فَيَقُولُ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا»؟.
وبه قال: (حدّثنا خلاد بن يحيى) بن صفوان السلمي الكوفي سكن مكة قال: (حدّثنا مسعر) بكسر الميم وسكون المهملة ابن كدام الكوفي قال: (حدّثنا زياد بن علاقة) بكسر العين المهملة وتخفيف اللام وبالقاف (قال: سمعت المغيرة بن شعبة) ﵁ (يقول: كان النبي ﷺ يصلّي حتى ترم) بكسر الراء وتخفيف الميم من ورم يرم مثل ورث يرث وهو على خلاف القياس وقياسه تورم بفتح الراء وإثبات الواو مثل وجل يوجل (أو تنتفخ قدماه) بالشك من الراوي وهما بمعنى (فيقال له) قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر وفي حديث عائشة أنها قالت لم تصنع هذا وقد غفر الله لك فظهر أن القائل عائشة (فيقول):
(أفلا) أي أأترك قيامي وتهجدي لما غفر لي فلا (أكون عبدًا شكورًا) من أبنية المبالغة.
ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إنه ﷺ صبر على الطاعة حتى تورمت قدماه والصبر يكون على ثلاثة أقسام صبر عن المعصية فلا يرتكبها وصبر على الطاعة حتى يؤديها وصبر على
стр. 7138
البلية فلا يشكو ربه فيها، وعن علي ﵁ من إجلال الله ومعرفة حقه أن لا تشكو وجعك ولا تذكر مصيبتك لغيره، وقيل ذهبت عين الأحنف منذ أربعين سنة ما ذكرها وقال: شقيق البلخي من شكا ما نزل به لغير الله لم يجد لطاعة الله في قلبه حلاوة أبدًا وما أحسن قول ابن عطاء:
سأصبر كي ترضى وأتلف حسرة … وحسبي أن ترضى ويتلفني صبري
والحديث سبق في كتاب التهجد.
٢١ - باب ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]
قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ: مِنْ كُلِّ مَا ضَاقَ عَلَى النَّاسِ.
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿ومن يتوكل على الله﴾) يكل أمره إليه عن طمع غيره وتدبير نفسه (﴿فهو حسبه﴾) [الطلاق: ٣] كافيه في الدارين جميع ما أهمه (قال): ولأبي ذر وقال: (الربيع بن خثيم) بضم الخاء المعجمة وفتح المثلثة وسكون التحتية التابعي الكبير فيما وصله الطبراني وابن أبي حاتم في قوله تعالى ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجًا﴾ [الطلاق: ٢] الآية. قال: (من كل ما ضاق على الناس) وقال العيني: أراد من يتوكل على الله فهو حسبه من كل ما ضاق على الناس.
٦٤٧٢ - حَدَّثَنِى إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ حُصَيْنَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِى سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (إسحاق) هو كما قال الحافظ ابن حجر: ابن منصور قال: وغلط من قال: إنه ابن إبراهيم قال: (حدثنا روح بن عبادة) بفتح الراء في الأول وضم العين وتخفيف الموحدة في الثاني القيسي الحافظ البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (سمعت حصين بن عبد الرَّحمن) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين السلمي الكوفي (قال: كنت قاعدًا عند سعيد بن جبير فقال: عن ابن عباس) ﵄ (أن رسول الله ﷺ قال):
(يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب) زاد في الطب ثم دخل ولم يبين لهم فأفاض القوم، وقالوا نحن الذين آمنا بالله واتبعنا رسوله فنحن هم أو أولادنا الذين ولدوا في الإسلام فإنا ولدنا في الجاهلية فبلغ النبي ﷺ فخرج فقال: (هم الذين لا يسترقون) بسكون الراء أي لا يسترقون مطلقًا أو لا يسترقون برقى الجاهلية (ولا يتطيرون) ولا يتشاءمون بالطيور ونحوها كعادتهم قبل الإسلام (وعلى ربهم يتوكلون) يفوّضون إليه والتوكل هو الاعتماد على الله تعالى وقطع
стр. 7139
النظر عن الأسباب مع تهيئتها، ولهذا قال- ﷺ : "اعقل وتوكل" ويقال هو كلة الأمر كله إلى مالكه والتعويل على وكالته يعني عملاً بقوله تعالى ﴿فاتخذه وكيلاً﴾ [المزمل: ٩] وهو فرض على المكلف قال الله تعالى: ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾ [المائدة: ٢٣] وقضية هذا أن التوكل من لوازم الإيمان فينتفي بانتفائه إذ الإيمان هو التوحيد ومن اعتمد على غير الله لم يوحده بالحقيقة وإن وحده باللسان، وليس المراد من التوكل ترك التسبب والاعتماد على ما يأتي من المخلوقين لأن ذلك قد يجرّ إلى ضد ما يراد من التوكل وقد كان الصحابة يتجرون ويعملون في نخيلهم وهم القدوة وبهم الأسوة.
والحديث سبق في الطب مطوّلاً وفي أحاديث الأنبياء مختصرًا.
٢٢ - باب مَا يُكْرَهُ مِنْ قِيلَ وَقَالَ
(باب ما يكره من قيل وقال) بفتحهما في الفرع كأصله.
٦٤٧٣ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُغِيرَةُ وَفُلَانٌ وَرَجُلٌ ثَالِثٌ أَيْضًا، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ وَرَّادٍ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَى الْمُغِيرَةِ أَنِ اكْتُبْ إِلَىَّ بِحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمُغِيرَةُ أَنِّى سَمِعْتُهُ يَقُولُ عِنْدَ انْصِرَافِهِ مِنَ الصَّلَاةِ: «لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَ: وَكَانَ يَنْهَى عَنْ قِيلَ، وَقَالَ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةِ الْمَالِ، وَمَنْعٍ وَهَاتِ وَعُقُوقِ الأُمَّهَاتِ وَوَأْدِ الْبَنَاتِ. وَعَنْ هُشَيْمٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ وَرَّادًا يُحَدِّثُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الْمُغِيرَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا) وللكشميهني وقال (علي بن مسلم) الطوسي ثم البغدادي قال: (حدّثنا هشيم) بضم الهاء وفتح المعجمة ابن بشير الواسطي قال: (أخبرنا غير واحد منهم مغيرة) بن مقسم بكسر الميم وسكون القاف وفتح المهملة الضبي (وفلان) هو مجالد بن سعيد كما في صحيح ابن خزيمة (ورجل ثالث أيضًا) داود بن أبي هند كما في صحيح ابن حبان أو زكريا بن أبي زائدة أو إسماعيل بن أبي خالد كما في الطبراني من طريق الحسن بن علي بن راشد الواسطي عن هشيم عن مغيرة عن زكريا بن أبي زائدة ومجالد وإسماعيل بن أبي خالد كلهم (عن الشعبي) عامر بن شراحيل (عن وراد) بفتح الواو والراء المشددة وبعد الألف دال مهملة (كاتب المغيرة بن شعبة) ومولاه (أن معاوية) بن أبي سفيان ﵄ (كتب إلى المغيرة) بن شعبة ﵁ (أن اكتب إليّ بحديث سمعته من رسول الله ﷺ قال: فكتب إليه المغيرة) أي أمر المغيرة ورّادًا فقال له: اكتب كما عند ابن حبان (إني) بكسر الهمزة كما في اليونينية (سمعته) ﷺ (يقول عند انصرافه من الصلاة) المكتوبة:
стр. 7140
(لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ثلاث مرات) سقط ثلاث مرات لأبي ذر (قال: وكان) ﷺ (ينهى عن قيل وقال) بفتحهما فعلان ماضيان الأول مجهول وأصل قال: قول بفتحتين تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا وأصل قيل قول بضم القاف وكسر الواو نقلت حركة الواو إلى القاف بعد سلب حركتها ثم قلبت ياء لسكونها وانكسار ما قبلها وهو حكاية أقاويل الناس قال: فلان كذا وفلان كذا، وقيل كذا وكذا، ولأبي ذر قيل وقال بالتنوين فيهما اسمان يقال قال قولاً وقيلاً وقالاً: أي نهى عن الإكثار مما لا فائدة فيه من الكلام. وقال ابن دقيق العيد: الأشهر فيه فتح اللام فيهما على سبيل الحكاية وهو الذي يقتضيه المعنى لأن القيل والقال إذا كانا اسمين كانا بمعنى واحد كالقول فلا يكون في عطف أحدهما على الآخر كبير فائدة بخلاف ما إذا كانا فعلين، وقال في المصابيح: وعلى أنهما اسمان فالفتح للحكاية بل ولا يسوغ ادعاء فعليتهما في هذا التركيب البتة عند المحققين وكيف وحرف الجر الذي هو من خصائص الأسماء قد دخل عليهما وإنما يجوّز فعليتهما في مثل هذا ابن مالك ولم يتابعه عليه أحد من الحذاق (و) نهى عن (كثرة السؤال) عن المسائل التي لا حاجة إليها (وإضاعة المال) في غير محله وحقه (ومنع) أي منع ما شرع إعطاؤه (وهات) أي طلب ما منع أخذه شرعًا (وعقوق الأمهات ووأد البنات) بالهمزة الساكنة دفنهن بالحياة.
والحديث سبق في الصلاة والاعتصام والقدر والدعوات.
(وعن هشيم) الواسطي المذكور بالسند السابق أنه قال: (أخبرنا عبد الملك بن عمير) بضم العين الكوفي (قال: سمعت ورادًا) كاتب المغيرة (يحدث هذا الحديث) السابق (عن المغيرة) بن شعبة (عن النبي ﷺ ¬) وظاهره أنه كلفظ الحديث السابق وكذا هو عند الإسماعيلي.
٢٣ - باب حِفْظِ اللِّسَانِ
وَقَوْلِ النبِيِّ- ﷺ : «وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ: خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨].
(باب) مشروعية (حفظ اللسان) عن النطق بما لا يسوغ شرعًا قال ابن مسعود ﵁: ما شيء أحوج إلى طول سجن من اللسان، وقال بعضهم: اللسان حيّة مسكنها الفم (وقول النبي ﷺ : من كان) وسقط لغير أبي ذر وقول النبي ﷺ وقال ومن كان (يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت) بكسر الميم في اليونينية وتضم أي ليسكت وهذا قد وصله في هذا الباب.
(وقوله) ولأبي ذر وقول الله (تعالى: ﴿ما يلفظ﴾) ابن آدم (﴿من قول﴾) ما يتكلم به وما يرمي به من فيه (﴿إلا لديه رقيب﴾) حافظ (﴿عتيد﴾) [ق: ١٨] حاضر يكتبه لا يترك كلمة ولا حركة وهل يكتب كل شيء ظاهر الآية العموم وقال به الحسن وقتادة: أو إنما يكتب ما فيه ثواب
стр. 7141
أو عقاب، وبه قال ابن عباس: نعم روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية قال: يكتب كل ما يتكلم به من خير أو شر حتى إنه ليكتب قوله أكلت شربت ذهبت جئت رأيت حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله فأقر منه ما كان من خير أو شر وألقى سائره وذلك قوله ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾ [الرعد: ٣٩] وقال الحسن البصري، وتلا هذه الآية ﴿عن اليمين وعن الشمال قعيد﴾ [ق: ١٧] يا ابن آدم بسطت لك صحيفة ووكل بك ملكان كريمان أحدهما عن يمينك والآخر عن شمالك، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيئاتك فاملك ما شئت أقل أو أكثر حتى إذا مت طويت صحيفتك وجعلت في عنقك معك في قبرك حتى تخرج يوم القيامة، فعند ذلك يقول: ﴿وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابًا يلقاه منشورًا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا﴾ [الإسراء: ١٣، ١٤] ثم يقول عدل والله من جعلك حسيب نفسك.
٦٤٧٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى بَكْرٍ الْمُقَدَّمِىُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِىٍّ سَمِعَ أَبَا حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ يَضْمَنْ لِى مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ، وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ».
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدثني بالإفراد (محمد بن أبي بكر المقدمي) بفتح الدال المهملة المشددة نسبة إلى أحد أجداده قال: (حدّثنا عمر بن علي) بضم العين وفتح الميم وهو عم محمد الراوي عنه وعمر مدلس لكنه صرح بالسماع حيث قال: إنه (سمع أبا حازم) بالحاء المهملة والزاي سلمة بن دينار (عن سهل بن سعد) بسكون الهاء والعين فيهما الساعدي ﵁ (عن رسول الله ﷺ ¬) أنه (قال):
(من يضمن لي) بجزم يضمن (ما بين لحييه) بفتح اللام وسكون الحاء الله والتثنية العظمان في جانبي الفم النابت عليهما الأسنان علوًّا وسفلاً والمراد اللسان وما ينطق به (وما بين رجليه) وهو الفرج (أضمن له الجنة) بالجزم على جواب الشرط والمراد بالضمان لازمه وهو أداء الحق أي من أدّى الحق الذي على لسانه من النطق بما يجب عليه أو الصمت عما لا يعنيه وأدى الحق الذي على فرجه من وضعه في الحلال وكفه عن الحرام جازيته بالجنة.
وقال الطيبي: أصل الكلام من يحفظ ما بين لحييه من اللسان والفم مما لا يعنيه من الكلام والطعام يدخل الجنة، وأراد أن يؤكد الوعيد تأكيدًا بليغًا فأبرزه في صورة التمثيل ليشير بأنه واجب الأداء فشبه صورة حفظ المؤمن نفسه بما وجب عليه من أمر النبي ﷺ ونهيه وشبه ما يترتب عليه من الفوز بالجنة، وأنه واجب على الله تعالى بحسب الوعد أداؤه وأن رسول الله ﷺ هو الواسطة والشفيع بينه وبين الله تعالى بصورة شخص له حق واجب الأداء على آخر فيقوم به ضامن يتكفل له بأداء حقه، وأدخل المشبه في جنس صورة المشبه به وجعله
стр. 7142
فردًا من أفراده ثم ترك المشبه به وجعل القرينة الدالة عليه ما يستعمل فيه من الضمان ونحوه في التمثيل: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾ [التوبة: ١١١] اهـ.
وخصّ اللسان والفرج لأنهما أعظم البلاء على الإنسان في الدنيا فمن وقي شرهما وقي أعظم الشر.
والحديث أخرجه أيضًا في المحاربين والترمذي في الزهد وقال حسن صحيح غريب.
٦٤٧٥ - حَدَّثَنِى عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أَوْ لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر بالجمع (عبد العزيز بن عبد الله) العامري الأويسي الفقيه قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين الزهري العوفي أبو إسحاق المدني (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن أبي سلمة) بن عبد الرَّحمن (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت) بضم الميم ليسكت عن الشر (ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره) وفي مسلم فليحسن إلى جاره (ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) أي يزد في إكرامه على ما كان يفعل في عياله.
٦٤٧٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِىُّ، عَنْ أَبِى شُرَيْحٍ الْخُزَاعِىِّ قَالَ: سَمِعَ أُذُنَاىَ وَوَعَاهُ قَلْبِى النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، جَائِزَتُهُ» قِيلَ: مَا جَائِزَتُهُ؟ قَالَ: «يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ» قَالَ: «وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أَوْ لِيَسْكُتْ».
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا ليث) هو ابن سعد الإمام قال: (حدّثنا سعيد المقبري عن أبي شريح) بضم الشين المعجمة وفتح الراء وبعد التحتية الساكنة حاء مهملة خويلد (الخزاعي) بضم الخاء المعجمة وفتح الزاي وبعد الألف عين مهملة مكسورة العدوي ﵁ (قال: سمع أذناي ووعاه قلبي النبي ﷺ يقول):
(الضيافة ثلاثة أيام جائزته) بالرفع في الفرع كأصله. قال في المصابيح: على أنه مبتدأ حذف خبره أي منها جائزته ويكون هذا على رأي من يرى أن الجائزة داخلة في الضيافة لا خارجة عنها، وقال الحافظ ابن حجر ﵀، والإمام العيني كالكرماني: المعنى أعطوا جائزته فإن الرواية بالنصب وإن جاءت بالرفع فالمعنى متوجه عليكم جائزته (قيل) يا رسول الله (ما جائزته؟
стр. 7143
قال) ﷺ : (يوم) أي زمان جائزته يوم (وليلة) ولا بد من تقدير هذا المضاف إذ لا يجوز أن يكون الزمان خبرًا عن الجثة وهذا يدل على أن الجائزة بعد الضيافة وهو أن يقري ثلاثة أيام ثم يعطي ما يجوز به مسافة ثلاثة أيام أو قوله جائزته الخ جملة مستأنفة مبينة الأولى أي بره وإلطافه يوم وليلة وفي اليومين الأخيرين يكون كالقوم يقدم له ما حضر وسبق ما في ذلك (قال) ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت) عن الشر وما يجر إليه.
والحديث سبق في الأدب.
٦٤٧٧ - حَدَّثَنِى إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنِى ابْنُ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ التَّيْمِىِّ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ، مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا يَزِلُّ بِهَا فِى النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر بالجمع (إبراهيم بن حمزة) بالحاء المهملة والزاي الأسدي قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر بالجمع أيضًا (ابن أبي حازم) عبد العزيز بن سلمة بن دينار. قال الحافظ: وقع عند أبي نعيم في المستخرج من طريق إسماعيل القاضي عن إبراهيم بن حمزة شيخ البخاري فيه أن عبد العزيز بن أبي حازم وعبد العزيز بن محمد الدراوردي حدثاه عن يزيد، فيحتمل أن يكون إبراهيم لما حدث به البخاري ذكر عبد العزيز الدراوردي وعلى الأول لا إشكال وعلى الثاني يتوقف الجواز على أن اللفظ للاثنين سواء أو أن المذكور ليس هو لفظ المحذوف، وأن المعنى عليهما متحد تفريعًا على جواز الرواية بالمعنى، ويؤيد الأول أن البخاري أخرج بهذا الإسناد بعينه إلى محمد بن إبراهيم حديثًا جمع فيه بين ابن أبي حازم والدراوردي وهو في باب فضل الصلاة انتهى من الفتح (عن يزيد) من الزيادة ابن عبد الله المعروف بابن الهاد (عن محمد بن إبراهيم) التيمي (عن عيسى بن طلحة بن عبيد الله التيمي) وثبت ابن عبيد الله في رواية أبي ذر (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (سمع رسول الله ﷺ يقول):
(إن العبد ليتكلم) ولأبي ذر يتكلم بإسقاط اللام (بالكلمة) أي بالكلام فهو من إطلاق الكلمة على الكلام (ما يتبين) يتدبر ما (فيها) ولا يتفكر في قبحها وما يترتب عليها ولأبي ذر عن الكشميهني ما يتقي بدل ما يتبين فيها ثابت للحموي والكشميهني (يزل) بفتح التحتية وكسر الزاي بعدها لام مشددة (بها) بتلك الكلمة (في النار أبعد ما بين المشرق). قال في الكواكب: لفظ بين يقتضي دخوله على المتعدد والمشرق متعدد لأن مشرق الصيف غير مشرق الشتاء وبينهما بعد كثير أو اكتفى بأحد المتقابلين عن الآخر مثل ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ [النحل: ٨١] وزاد مسلم والإسماعيلي من رواية بكر بن نصر عن يزيد بن الهاد والمغرب.
стр. 7144
ورجال الإسناد مدنيون وفيه ثلاثة من التابعين في نسق واحد، وأخرجه مسلم في. . . . . (١). . . . . . . والترمذي في الزهد وقال: حسن غريب والنسائي في الرقائق وفي رواية أبي ذر تأخير هذا الحديث عن لاحقه، وسقط الأول وهو حديث عيسى بن طلحة من رواية النسفيّ.
٦٤٧٨ - حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، يَعْنِى ابْنَ دِينَارٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ، لَا يُلْقِى لَهَا بَالاً يَرْفَعُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لَا يُلْقِى لَهَا بَالاً يَهْوِى بِهَا فِى جَهَنَّمَ».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد (عبد الله بن منير) بضم الميم وكسر النون وبعد التحتية الساكنة راء المروزي أنه (سمع أبا النضر) بالضاد المعجمة هاشم بن أبي القاسم التميمي الخراساني قال: (حدّثنا عبد الرَّحمن بن عبد الله يعني ابن دينار) سقط لأبي ذر يعني ابن دينار (عن أبيه) عبد الله (عن أبي صالح) ذكوان السمان (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(إن العبد ليتكلم بالكلمة) بالكلام المفهم المفيد (من رضوان الله) ما يرضي الله (لا يلقي) بضم التحتية وكسر القاف (لها) للكلمة (بالاً) أي قلبًا (يرفع الله) به (بها درجات) كأن يحصل بها دفع مظلمة عن مسلم أو تفريج كربة ولأبي ذر عن الكشميهني يرفعه الله بها درجات (وإن العبد ليتكلم بالكلمة) عند ذي سلطان جائر يريد بها هلاك مسلم أو المراد أنه يتكلم بكلمة خنا أو يعرض بمسلم بكبيرة أو بمجون أو استخفاف بشريعة وإن كان غير معتقد أو غير ذلك (من سخط الله) أي ما لا يرضى الله تعالى به ومن سخط الله حال من الكلمة أو صفة لأن اللام جنسية فلك اعتبار المعنى واعتبار اللفظ والجملة الفعلية إما حال من ضمير العبد المستكن في ليتكلم أو صفة لها بالاعتبارين المذكورين قاله في المصابيح (لا يلقي لها بالاً) أي يتكلم بها على غفلة من غير تثبت ولا تأمل (يهوي) بفتح التحتية وسكون الهاء وكسر الواو (بها في جهنم) قال ابن عبد البر: هي كلمة السوء عند السلطان الجائر، وقال ابن عبد السلام: هي الكلمة التي لا يعرف حسنها من قبحها فيحرم على الإنسان أن يتكلم بما لا يعرف حسنه من قبحه.
٢٤ - باب الْبُكَاءِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ
(باب) فضل (البكاء من خشية الله) .
٦٤٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِى خُبَيْبُ بْنُ
стр. 7145
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ رَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ».
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر بالإفراد (محمد بن بشار) بالشين المعجمة المشددة بندار قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن عبيد الله) بضم العين ابن عمر العمري قال: (حدثني) بالإفراد (خبيب بن عبد الرَّحمن) بضم الخاء المعجمة وفتح الموحدة الأولى الخزرجي عن (حفص بن عاصم) أي ابن عمر بن الخطاب (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(سبعة يظلهم الله) أي في ظله يوم لا ظل إلا ظله، والمراد ظل العرش كما في حديث سلمان عند سعيد بن منصور منهم (رجل ذكر الله) زاد في الزكاة خاليًا وهو يحتمل أن يكون المعنى خاليًا من الناس أو من الالتفات إلى غير الله تعالى وإن كان في ملأ (ففاضت) أي سألت (عيناه) زاد الجوزقي من خشية الله وأسند الفيض إلى العين مع أن الفائض هو الدمع لا العين مبالغة لأنه يدل على أن العين صارت دمعًا فياضًا، واقتصر من الحديث هاهنا على موضع الحاجة منه وقد سبق في الزكاة وغيرها تامًّا، وقد ورد في البكاء أحاديث منها حديث أبي ريحانة مرفوعًا: "حرمت النار على عين بكت من خشية الله" رواه أحمد وصححه الحاكم ورواه النسائي أيضًا. والحديث. . . . . (١). . . . . . . .
٢٥ - باب الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ
(باب) فضل (الخوف من الله) وسبق تعريفه قريبًا.
٦٤٨٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِىٍّ عَنْ حُذَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يُسِئُ الظَّنَّ بِعَمَلِهِ، فَقَالَ لأَهْلِهِ: إِذَا أَنَا مُتُّ فَخُذُونِى فَذَرُّونِى فِى الْبَحْرِ فِى يَوْمٍ صَائِفٍ، فَفَعَلُوا بِهِ فَجَمَعَهُ اللَّهُ ثُمَّ قَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى الَّذِى صَنَعْتَ؟ قَالَ: مَا حَمَلَنِى إِلاَّ مَخَافَتُكَ فَغَفَرَ لَهُ».
وبه قال: (حدّثنا عثمان بن أبي شيبة) هو عثمان بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم العبسي الكوفي قال: (حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد الرازي (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن ربعي) بكسر الراء وسكون الموحدة وكسر العين المهملة وتشديد التحتية ابن حراش بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء وبعد الألف شين معجمة (عن حذيفة) بن اليمان ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):