Полный текст (8 298 стр.). Показаны 7246–7285 · переход к 7251.
стр. 7246
(أنا فرطكم) بفتح الفاء والراء بعدها طاء مهملة (على الحوض) سابقكم إليه لأصله وأهيئه لكم فهنيئًا لوارديه جعلنا الله منهم بوجهه الكريم من غير عذاب إنه كريم وهاب قال:
٦٥٧٦ - وَحَدَّثَنِى عَمْرُو بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، وَلَيُرْفَعَنَّ رِجَالٌ مِنْكُمْ ثُمَّ لَيُخْتَلَجُنَّ دُونِى، فَأَقُولُ يَا رَبِّ أَصْحَابِى؟ فَيُقَالُ إِنَّكَ لَا تَدْرِى مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ». تَابَعَهُ عَاصِمٌ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ وَقَالَ حُصَيْنٌ: عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(وحدثني) بالإفراد ولأبي ذر بإسقاط الواو (عمرو بن علي) أبو حفص الباهلي الصيرفي الفلاس البصري قال: (حدّثنا محمد بن جعفر) غندر الهذلي مولاهم البصري الحافظ قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن المغيرة) بن مقسم الضبي أنه (قال: سمعت أبا وائل) شقيق بن سلمة (عن عبد الله) بن مسعود (¬﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(أنا فرطكم على الحوض) فيه بشارة عظيمة لهذه الأمة المحمدية زادها الله شرفًا (وليرفعنّ) بفتح اللام وضم التحتية وسكون الراء وفتح الفاء المهملة وتشديد النون ليظهرنّ لي (رجال منكم) حتى أراهم ولأبي ذر وليرفعن معي رجال منكم (ثم ليختلجن دوني) بفتح اللام وضم التحتية وسكون المعجمة وفتح الفوقية واللام وضم الجيم مبنيًّا للمفعول مسندًا إلى ضمير الجماعة مؤكدًا بالنون الثقيلة أي يجتذبون ويقتطعون عني (فأقول يا رب أصحابي) أي من أمتي (فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) من الردة عن الإسلام أو المعاصي (تابعه) أي الأعمش (عاصم) هو ابن أبي النجود الكوفي أحد القراء السبعة (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة عن عبد الله بن مسعود وهذا وصله الحارث بن أبي أسامة في مسنده من طريق سفيان الثوري عن عاصم (وقال حصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين ابن عبد الرَّحمن الواسطي (عن أبي وائل) شقيق (عن حذيفة عن النبي ﷺ ¬) فخالف حصين الأعمش وعاصمًا وهذا وصله مسلم من طريق حصين.
٦٥٧٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ حَدَّثَنِى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَمَامَكُمْ حَوْضٌ كَمَا بَيْنَ جَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ».
وبه قال: (حدّثنا مسدد) بالميم والمهملات ثانيها مشدد ابن مسرهد بن مسربل البصري الحافظ أبو الحسن قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن عبيد الله) بضم العين ابن عمر العمر أنه قال: (حدثني) بالإفراد (نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(أمامكم) بفتح الهمزة قدامكم (حوض) ولأبي ذر عن المستملي والكشميهني حوضي بزيادة
стр. 7247
ياء الإضافة (كما بين جرباء) بفتح الجيم والموحدة بينهما راء ساكنة آخره همزة ممدود في الفرع. وقال أبو عبيد البكري وعياض بالقصر. قال اليونيني: وكذا رأيته في أصل صحيح مقروء من رواية الحافظ أبي ذر ومن رواية الأصيلي اهـ.
وصوّبه النووي في شرح مسلم وقال: إن المد خطأ وهو في البخاري بالمد، وقال الرشاطي: الجرباء على لفظ تأنيث الأجرب قرية بالشام (وأذرح) بفتح الهمزة وسكون الذال المعجمة وضم الراء بعدها حاء مهملة. قال ابن الأثير في نهايته: هما يعني جرباء وأذرح قريتان بالشام بينهما مسيرة ثلاث ليال، وهذا الذي قاله ابن الأثير تعقبه الصلاح العلائي فقال: هذا غلط بل بينهما غلوة سهم وهما معروفتان بين القدس والكرك ولا يصح التقدير بالثلاث بمخالفتها الروايات الآتية، لا سيما وقد قال الحافظ الضياء المقدسي في جزئه في الحوض: إن في سياق لفظها غلطًا لاختصار وقع في سياق الحديث من بعض الرواة، ثم ساقه من حديث أبي هريرة وأخرجه من فوائد عبد الكريم الديرعاقولي بسند حسن إلى أبي هريرة مرفوعًا في ذكر الحوض فقال فيه: عرضه مثل ما بينكم وبين جرباء وأذرح. قال الضياء: فظهر بهذا أنه وقع في حديث ابن عمر حذف تقديره كما بين مقامي وبين جرباء وأذرح فسقط مقامي وبين. وقال العلائي: ثبت المقدر المحذوف عند الدارقطني وغيره بلفظ ما بين المدينة وجرباء وأذرح اهـ.
وقد اختلفت الروايات في ذلك ففي حديث ابن عمرو بفتح العين حوضي مسيرة شهر في هذا الباب، وحديث أنس فيه كما بين أيلة وصنعاء من اليمن، وحديث حارثة بن وهب فيه أيضًا كما بين المدينة وصنعاء، وفي حديث أبي هريرة أبعد من أيلة إلى عدن وهي تسامت صنعاء وكلها متقاربة لأنها كلها نحو شهر أو تزيد أو تنقص، وفي حديث عقبة بن عامر عند أحمد كما بين أيلة إلى الجحفة، وفي حديث جابر كما بين صنعاء إلى المدينة وكلها متقاربة ترجع إلى نحو نصف شهر أو تزيد على ذلك قليلاً أو تنقص، وأقل ما ورد في ذلك عند مسلم قريتان بالشام بينهما مسيرة ثلاثة أيام فقيل في الجمع إن هذه الأقوال صارت على وجه بأنه ﷺ خاطب أهل كل جهة بما يعرفون من المواضع وهو تمثيل وتقريب لكل أحد ممن خاطبه بما يعرفه من تلك الجهات وبأنه ليس في ذكر المسافة القليلة ما يدفع الكثيرة فالأكثر ثابت بالحديث الصحيح فلا معارضة، فأخبر أولاً بالمسافة اليسيرة ثم أعلمه الله بالطويلة فأخبر بما تفضل الله به عليه باتساعه شيئًا فشيئًا فالاعتماد على أطولها. وأما قول بعضهم: الاختلاف إنما هو بالنظر إلى الطول والعرض فمردود بحديث ابن عمرو وزواياه سواء وحديث النواس وغيره طوله وعرضه سواء ومنهم من حمله على السير المسرع والبطيء، لكن في حمله على أقلها وهو الثلاث نظر إذ هو عسر جدًّا لا سيما مع ما سبق والله الموفق.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الفضائل.
٦٥٧٨ - حَدَّثَنِى عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ وَعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ
стр. 7248
سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: الْكَوْثَرُ الْخَيْرُ الْكَثِيرُ الَّذِى أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ قَالَ أَبُو بِشْرٍ: قُلْتُ لِسَعِيدٍ إِنَّ أُنَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَهَرٌ فِى الْجَنَّةِ فَقَالَ سَعِيدٌ: النَّهَرُ الَّذِى فِى الْجَنَّةِ مِنَ الْخَيْرِ الَّذِى أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر بالجمع (عمرو بن محمد) بفتح العين الناقد بالنون والقاف وهو شيخ مسلم بن الحجاج قال: (أخبرنا) وفي اليونينية حدّثنا (هشيم) بضم الهاء وفتح المعجمة ابن بشير بفتح الموحدة وكسر المعجمة بوزن عظيم بن القاسم بن دينار السلمي أبو معاوية بن خازم بالمعجمتين الواسطي حافظ بغداد قال: (أخبرنا أبو بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة جعفر بن أبي وحشية واسمه إياس (وعطاء بن السائب) الكوفي من صغار التابعين صدوق لكنه اختلط آخر عمره وهشيم سمع منه بعد اختلاطه ولذا أخرج المؤلّف هنا مقرونًا بأبي بشر (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: الكوثر الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه) من النبوة والقرآن والخلق الحسن العظيم وكثرة الاتباع والعلم والشفاعة والمقام المحمود وغيرها مما أنعم الله تعالى به عليه (قال أبو بشر) جعفر بن أبي وحشية (قلت) ولأبي ذر فقلت (لسعيد) هو ابن جبير (إن أناسًا) بهمزة مضمومة ولأبي ذر ناسًا بحذفها وسبق في التفسير من ذكر الناس أبو إسحاق وقتادة (يزعمون أنه) أي الكوثر (نهر في الجنة فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه) وهذا كما سبق تأويل من سعيد جمع فيه بين حديثي عائشة وابن عباس فلا تنافي بينهما لأن النهر فرد من أفراد الخير الكثير.
والحديث مرّ في تفسير سورة الكوثر.
٦٥٧٩ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «حَوْضِى مَسِيرَةُ شَهْرٍ مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ، وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ مَنْ شَرِبَ مِنْهَا فَلَا يَظْمَأُ أَبَدًا».
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن أبي مريم) هو سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم الجمحي قال: (حدّثنا نافع بن عمر) بن عبد الله الجمحي المكي الحافظ (عن ابن أبي مليكة) هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة بالتصغير ابن عبد الله بن جدعان ويقال اسم أبي مليكة زهير التيمي المدني أدرك ثلاثين من الصحابة أنه (قال: قال عبد الله بن عمرو) بفتح العين ابن العاصي ﵄ (قال النبي ﷺ ¬):
(حوضي مسيرة شهر) زاد مسلم من هذا الوجه زوايا سواء أي لا يزيد طوله على عرضه وفيه رد على من جمع بين اختلاف الأحاديث في تقدير مسافة الحوض باختلاف العرض والطول كما سبق قريبًا (ماؤه أبيض من اللبن) فيه حجة للكوفيين على إجازة أفعل التفضيل من اللون. وقال البصريون: لا يصاغ منه ولا من غير الثلاثي فقيل لأن اللون الأصل في أفعاله الزيادة على
стр. 7249
ثلاثة، وقيل لأنه خلق ثابت في العادة وإنما يتعجب مما يقبل الزيادة والنقصان فجرت ذلك مجرى الأجسام الثابتة على حال واحد قالوا: وإنما يتوصل إلى التفضيل فيه وفيما زاد على الثلاثي بأفعل مصوغًا من فعل دال على مطلق الرجحان، والزيادة نحو أكبر وأزيد وأرجح وأشد. قال الجوهري تقول: هذا أشد بياضًا من كذا ولا تقل أبيض منه وأهل الكوفة يقولونه ويحتجون يقول الراجز:
جارية في دعها الفضفاض … أبيض من أخت بني أباض
قال المبرد ليس البيت الشاذ بحجة على الأصل المجمع عليه وأما قول الراجز طرفة:
إذا الرجال شتوا واشتد أكلهم … فأنت أبيضهم سربال طباخ
فيحتمل أن لا يكون بمعنى أفعل الذي تصحبه من للمفاضلة، وإنما هو بمنزلة قولك هو أحسنهم وجهًا وأكرمهم أبًا تريد حسنهم وجهًا وكريمهم أبًا فكأنه قال: فأنت مبيضهم سربالاً، فلما أضافه انتصب ما بعده على التمييز وجعل ابن مالك قوله أبيض من المحكوم بشذوذه. وقال النووي: هي لغة وإن كانت قليلة الاستعمال والحديث يدل على صحتها، وفي مسلم من رواية أبي ذر وابن مسعود عند أحمد بلفظ أشد بياضًا من اللبن (وريحه أطيب) ريحًا (من المسك). وزاد مسلم من حديث أبي ذر وثوبان وأحلى من العسل، وزاد أحمد من حديث ابن مسعود وأبرد من الثلج (وكيزاته كنجوم السماء) أي في الإشراق والكثرة ولأحمد من رواية الحسن عن أنس أكثر من عدد نجوم السماء (من شرب) بفتح الشين وكسر الراء (منها) من الكيزان، ولأبي ذر عن الكشميهني: من يشرب بلفظ المضارع والجزم على أن من شرطية ويجوز الرفع على أنها موصولة، ولأبي ذر منه أي من الحوض (فلا يظمأ أبدًا). وعند ابن أبي الدنيا عن النواس بن سمعان أول من يرد عليه من يسقي كل عطشان.
وحديث الباب أخرجه مسلم في الحوض أيضًا.
٦٥٨٠ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ. حَدَّثَنِى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ قَدْرَ حَوْضِى كَمَا بَيْنَ أَيْلَةَ وَصَنْعَاءَ مِنَ الْيَمَنِ، وَإِنَّ فِيهِ مِنَ الأَبَارِيقِ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ».
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن عفير) هو سعيد بن كثير بن عفير بضم العين المهملة وفتح الفاء بعدها تحتية ساكنة فراء المصري قال: (حدثني) بالإفراد (ابن وهب) عبد الله المصري (عن يونس) بن يزيد الأيلي أنه قال: (قال ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (حدثني) بالإفراد (أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال):
(إن قدر حوضي كما بين أيلة) بهمزة مفتوحة فتحتية ساكنة فلام مفتوحة بعدها هاء تأنيث مدينة كانت عامرة بطرف بحر القلزم من طرف الشام وهي الآن خراب يمر بها الحاج من مصر
стр. 7250
فتكون عن شمالهم ويمر بها الحاج من غزة وغيرها فتكون أمامهم وإليها تنسب العقبة المشهورة عند أهل مصر (وصنعاء من اليمن) بفتح الصاد والعين المهملتين بينهما نون ساكنة ممدود والتقييد باليمن يخرج صنعاء الشام (وأن فيه) أي الحوض (من الأباريق كعدد نجوم السماء) فيه أن الزهري سمع أنسًا وهو يرد على من أعلّ الحديث بأنه لم يسمع منه، وقد ذكر ابن أبي عاصم أسماء من رواه عن ابن شهاب عن أنس بلا واسطة فزادوا على عشرة قاله في الحج.
والحديث أخرجه مسلم في فضائل النبي ﷺ .
٦٥٨١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَحَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ فِى الْجَنَّةِ إِذَا أَنَا بِنَهَرٍ حَافَتَاهُ قِبَابُ الدُّرِّ الْمُجَوَّفِ، قُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِى أَعْطَاكَ رَبُّكَ، فَإِذَا طِينُهُ أَوْ طِيبُهُ مِسْكٌ أَذْفَرُ». شَكَّ هُدْبَةُ.
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك قال: (حدّثنا همام) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى ابن يحيى الأزدي (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) قال البخاري: (وحدّثنا) ولأبي ذر: بإسقاط الواو (هدبة بن خالد) بضم الهاء وسكون الدال المهملة وفتح الموحدة القيسي البصري الحافظ المسند هداب قال: (حدّثنا همام) قال: (حدّثنا قتادة) قال: (حدّثنا) ولأبي ذر بالإفراد (أنس بن مالك) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(بينما) بالميم (أنا أسير في الجنة) ليلة الإسراء كما في سورة الكوثر بلفظ عن أنس قال: لما عرج بالنبي ﷺ إلى السماء (إذا أنا بنهر حافتاه) بالحاء المهملة وتخفيف الفاء جانباه (قباب الدر المجوّف) بكسر القاف وتخفيف الموحدة جمع قبة (قلت: ما هذا يا جبريل قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك فإذا طينه) بالنون بعد التحتية (أو طيبه) بالموحدة (مسك أذفر) بالمعجمة الساكنة (شك هدبة) شيخ البخاري هل هو بالنون أو الموحدة. ولم يشك أبو الوليد أنه بالنون وهو المعتمد، وفي المبعث للبيهقي من طريق عبد الله بن مسلم عن أنس بلفظ ترابه مسك.
٦٥٨٢ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيَرِدَنَّ عَلَىَّ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِى الْحَوْضَ حَتَّى عَرَفْتُهُمُ اخْتُلِجُوا دُونِى فَأَقُولُ أَصْحَابِى؟ فَيَقُولُ: لَا تَدْرِى مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ».
وبه قال: (حدّثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي الأزدي مولاهم البصري قال: (حدّثنا وهيب) بضم الواو وفتح الهاء ابن خالد بن عجلان أبو بكر البصري قال: (حدّثنا عبد العزيز) بن صهيب البصري (عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
стр. 7251
(ليردن) باللام المفتوحة للتأكيد وتثقيل النون (عليّ) بتشديد الياء (ناس من أصحابي) من أمتي (الحوض حتى إذا عرفتهم اختلجوا) بسكون الخاء المعجمة وضم الفوقية وكسر اللام وضم الجيم جذبوا (دوني) بالقرب مني (فأقول: أصحابي) بالتكبير ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أصيحابي بالتصغير (فيقول): وله عن الكشميهني أصحابي بالتكبير فيقال: (لا تدري ما أحدثوا بعدك) من المعاصي التي هي سبب الحرمان من الشرب من الحوض.
والحديث أخرجه مسلم في المناقب.
٦٥٨٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ، حَدَّثَنِى أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «إِنِّى فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ مَنْ مَرَّ عَلَىَّ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا، لَيَرِدَنَّ عَلَىَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِى ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِى وَبَيْنَهُمْ».
[الحديث ٦٥٨٣ - طرفه في ٧٠٥٠].
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن أبي مريم) هو سعيد بن الحكم بن محمد بن أبي مريم أبو محمد الجمحي قال: (حدّثنا محمد بن مطرف) بضم الميم وفتح الطاء المهملة وكسر الراء المشددة بعدها فاء أبو غسان الليثي المدني قال: (حدثني) بالإفراد (أبو حازم) سلمة بن دينار (عن سهل بن سعد) الساعدي ﵁ أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(إني) ولأبي ذر عن الكشميهني أنا (فرطكم) بفتحتين (على الحوض) الفرط الذي يتقدم الواردين ليصلح لهم الحياض (من مرّ علي) بتشديد الياء أي من مر به فمكن من شربه فشرب أو من مكن من المرور به (شرب) منه ولأبي ذر يشرب بلفظ المضارع، وزاد ابن أبي عاصم ومن صرف عنه لم يرد أبدًا (ومن شرب) بكسر الراء منه (لم يظمأ) أي يعطش (أبدًا ليردن عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني) ولأبي ذر: ويعرفونني بنونين (ثم يحال) بضم التحتية بعدها حاء مهملة مبنيًّا للمجهول (بيني وبينهم).
٦٥٨٤ - قَالَ أَبُو حَازِمٍ: فَسَمِعَنِى النُّعْمَانُ بْنُ أَبِى عَيَّاشٍ فَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْتَ مِنْ سَهْلٍ فَقُلْتُ: نَعَمْ فَقَالَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ لَسَمِعْتُهُ، وَهْوَ يَزِيدُ فِيهَا فَأَقُولُ: إِنَّهُمْ مِنِّى فَيُقَالُ: «إِنَّكَ لَا تَدْرِى مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِى». وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سُحْقًا: بُعْدًا. يُقَالُ سَحِيقٌ: بَعِيدٌ. وَأَسْحَقَهُ: أَبْعَدَهُ.
[الحديث ٦٥٨٤ - طرفه في: ٧٠٥١].
(قال أبو حازم): سلمة بالسند السابق (فسمعني النعمان بن أبي عياش) بالتحتية والمعجمة آخره الزرقي وأنا أحدث بهذا الحديث (فقال: هكذا سمعت من سهل) استفهام حذفت منه الأداة. قال أبو حازم: (فقلت) له: (نعم. فقال) النعمان: (أشهد على أبي سعيد الخدري) ﵁ وسقط لأبي ذر الخدري (لسمعته) بفتح اللام للتأكيد (وهو يزيد فيها) في هذه المقالة قوله:
стр. 7252
(فأقول: إنهم) أي الذين يحال بيني وبينهم (مني) من أمتي (فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) من المعصية الموجبة لبعدهم عنك (فأقول سحقًا سحقًا) بضم السين وسكون الحاء المهملتين وبالقاف والنصب فيهما على المصدر أي بعدًا بعدًا وكررها ثنتين تأكيدًا (لمن غير عدي) أي دينه لأنه لا يقول في العصاة بغير الكفر سحقًا سحقًا بل يشفع لهم ويهتم بأمرهم كما لا يخفى.
(وقال ابن عباس) فيما وصله ابن أبي حاتم عنه من رواية علي بن أبي طلحة عنه (سحقًا) أي (بعدًا يقال سحيق) أي (بعيد) هو كلام أبي عبيدة في تفسير قوله تعالى ﴿أو تهوي به الريح في مكان سحيق﴾ [الحج: ٣١] (سحاقه وأسحقه أبعده) وهذا ثابت في رواية الكشميهني وهو من كلام أبي عبيدة أيضًا. قال المؤلّف:
٦٥٨٥ - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ الْحَبَطِىُّ، حَدَّثَنَا أَبِى، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَرِدُ عَلَىَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِى فَيُحَلَّئُونَ عَنِ الْحَوْضِ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِى فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا عِلْمَ لَكَ بِمَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ؟ إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمُ الْقَهْقَرَى».
(وقال أحمد بن شبيب بن سعيد): بفتح الشين المعجمة وكسر الموحدة وسكون التحتية بعدها موحدة ثانية (الحبطي) بفتح الحاء المهملة والموحدة وكسر الطاء المهملة نسبة إلى الحبطات من تميم مما وصله أبو عوانة عن أبي زرعة الرازي وأبي الحسن الميموني قالا: حدّثنا أحمد بن شبيب قال: (حدّثنا أبي) شبيب (عن يونس) بن يزيد (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن سعيد بن المسيب) سيد التابعين (عن أبي هريرة) ﵁ (أنه كان يحدث أن رسول الله ﷺ قال):
(يرد عليّ) بتشديد الياء (يوم القيامة رهط) من الرجال ما دون العشرة أو إلى الأربعين (من أصحابي فيجلون) بضم التحتية وسكون الجيم وفتح اللام وسكون الواو أي يصرفون كذا لأبي ذر عن المستملي، وفي رواية الكشميهني فيحلؤون بفتح الحاء المهملة وتشديد اللام بعدها همزة مضمومة فواو أي يطردون (عن الحوض) وحكى السفاقسي عن بعضهم ضبطه بغير همز قال: وهو في الأصل مهموز فكأنه سهله (فأقول يا رب أصحابي) بالتكبير (فيقول) الله تعالى، ولأبي ذر عن الكشميهني فيقال (إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى) فتح القافين بينهما هاء ساكنة والراء مفتوحة مصدر في موضع نصب على المصدرية من غير لفظه كقولك: قعدت جلوسًا ورجعت القهقرى وهو الرجوع إلى خلف فكأنك رجعت الرجوع الذي يعرف بهذا الاسم.
٦٥٨٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: «يَرِدُ عَلَى الْحَوْضِ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِى فَيُحَلَّؤُونَ عَنْهُ، فَأَقُولُ يَا رَبِّ أَصْحَابِى فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا عِلْمَ لَكَ بِمَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ؟
стр. 7253
إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمُ الْقَهْقَرَى». وَقَالَ شُعَيْبٌ: عَنِ الزُّهْرِىِّ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَيُجْلَوْنَ، وَقَالَ عُقَيْلٌ: فَيُحَلَّؤُونَ، وَقَالَ الزُّبَيْدِىُّ: عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِىٍّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى رَافِعٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن صالح) أبو جعفر المصري المعروف بابن الطبراني كان أبوه من أهل طبرستان قال: (حدّثنا ابن وهب) عبد الله قال: (أخبرني) بالإفراد (يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري (عن ابن المسيب) سعيد (أنه كان يحدث عن أصحاب النبي ﷺ ¬) لم يقل عن أبي هريرة كما في الطريق الأولى وحاصله أن ابن وهب وشبيب بن سعيد اتفقا في روايتهما عن يونس عن ابن شهاب عن ابن المسيب ثم اختلفا فقال: شبيب عن أبي هريرة وقال ابن وهب: عن أصحاب النبي ﷺ وهذا لا يضرّ لأن أبا هريرة منهم (أن النبي ﷺ قال):
(يرد عليّ) بتشديد الياء (الحوض رجال من أصحابي فيحلؤون) بالحاء المهملة واللام المشددة والهمزة المضمومة بعدها واو يطردون، ولأبي ذر فيجلون بالجيم والواو الساكنتين بينهما لام مفتوحة يصرفون (عنه فأقول يا رب أصحابي فيقول) الله تعالى (إنك) ولأبي ذر عن الكشميهني إنه (لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى). قال ابن الأثير في نهايته القهقرى المشي إلى خلف من غير أن يعيد وجهه إلى جهة مشيه قيل إنه من باب القهر. وقوله: إنهم كانوا يمشون بعدك القهقرى قال: الأزهري معناه الارتداد عما كانوا عليه وقد قهقر وتقهقر والقهقرى مصدر.
(وقال شعيب) وابن أبي حمزة الحمصي مما وصله الذهلي في الزهريات (عن الزهري) محمد بن مسلم بسنده (كان أبو هريرة) ﵁ (يحدث عن النبي ﷺ ¬) أنه قال: (فيجلون) بكسر الجيم وفتح اللام وسكون الواو من جلاء الوطن. وقال في الفتح: وقيل بالخاء المعجمة المفتوحة بعدها لام ثقيلة وواو ساكنة. قال: وهو تصحيف، والزهري لم يسمع من أبي هريرة بل كان ابن ست أو سبع عند وفاة أبي هريرة. وقال الذهبي: كان الزهري يروي عن أبي هريرة مرسلاً. وقال الحافظ ابن حجر: قوله وقال شعيب عن الزهري يعني بسنده.
(وقال عقيل) بضم العين ابن خالد الأيلي يعني عن الزهري بسنده (فيحلؤون) بفتح الحاء المهملة واللام المشددة والهمز. (وقال الزبيدي) بضم الزاي وفتح الموحدة وكسر الدال المهملة محمد بن الوليد بن عامر أبو الهذيل الشامي الحمصي فيما وصله الدارقطني في الأفراد من رواية عبد الله بن سالم عنه (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن محمد بن علي) أي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي المدني أي جعفر الباقر (عن عبيد الله) بضم العين (ابن أبي رافع) مولى النبي ﷺ ، وكان كاتب عليّ بن أبي طالب واسم أبيه أسلم، وفي الفرع كأصله. مضبب على أبي من قوله أبي رافع
стр. 7254
وهي ثابتة في غيره من الأصول التي وقفت عليها وكتب الرجال وذكر الجياني أن في رواية القابسي والأصيلي عن المقبري عبد الله بفتح العين وسكون الموحدة وهو خطأ (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬).
قال في الكواكب: الزهري روى في هذا الحديث عن أبي هريرة بواسطتين، وفي السابق بلا واسطة، فالظاهر أن روايته عنه في السابق على سبيل التعليق اهـ. وقد مرّ ما فيه والحاصل من رواية عقيل وشعيب المخالفة في بعض الألفاظ وخالف الجميع الزبيدي في السند. قال في الفتح: فيحمل على أنه كان عند الزهري بسندين فإنه حافظ وصاحب حديث ودلت رواية الزبيدي على أن شبيب بن سعيد حفظ فيه أبا هريرة.
٦٥٨٧ - حَدَّثَنِى إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، حَدَّثَنَا أَبِى حَدَّثَنِى هِلَالٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا قَائِمٌ، إِذَا زُمْرَةٌ حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهُمْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْنِى وَبَيْنِهِمْ، فَقَالَ: هَلُمَّ فَقُلْتُ: أَيْنَ؟ قَالَ: إِلَى النَّارِ وَاللَّهِ، قُلْتُ: وَمَا شَأْنُهُمْ؟ قَالَ: إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا بَعْدَكَ عَلَى أَدْبَارِهِمُ الْقَهْقَرَى، ثُمَّ إِذَا زُمْرَةٌ حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهُمْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْنِى وَبَيْنِهِمْ فَقَالَ: هَلُمَّ، قُلْتُ: أَيْنَ؟ قَالَ: إِلَى النَّارِ وَاللَّهِ، قُلْتُ: مَا شَأْنُهُمْ؟ قَالَ: إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا بَعْدَكَ عَلَى أَدْبَارِهِمُ الْقَهْقَرَى، فَلَا أُرَاهُ يَخْلُصُ مِنْهُمْ إِلاَّ مِثْلُ هَمَلِ النَّعَمِ».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (إبراهيم بن المنذر الحزامي) بالحاء المهملة والزاي الأسدي أحد الأعلام وثبت لأبي ذر الحزامي قال: (حدّثنا محمد بن فليح) بضم الفاء آخره حاء مهملة قال: (حدّثنا أبي) فليح بن سليمان العدوي مولاهم المدني قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (هلال) ولأبي ذر هلال بن علي وهو هلال بن أبي ميمونة وهو هلال بن أسامة نسبة لجده (عن عطاء بن يسار) بالتحتية والمهملة المخففة الهلالي أبي محمد المدني مولى ميمونة (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(بينا) بغير ميم (أنا قائم) بالقاف أي على الحوض (فإذا) بالفاء ولأبي ذر عن الحموي والمستملي نائم بالنون إذا بإسقاط الفاء ورواية الكشميهني بالقاف في قائم أوجه ويحتمل أن توجه رواية النون أنه رأى في المنام ما سيقع في الآخرة أي بينا أنا نائم إذا (زمرة) بضم الزاي وسكون الميم أي جماعة (حتى إذا عرفتهم خرج رجل) أي ملك موكل بذلك لم يسم (من بيني وبينهم فقال) لهم: (هلم) أي. تعالوا قال النبي: (فقلت أين) تذهب بهم (قال) الملك اذهب بهم (إلى النار والله) بالخفض بواو القسم قال النبي ﷺ (قلت) له: (وما شأنهم)؟ حتى تذهب بهم إلى النار (قال) الملك (أنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى) مقصور هو الرجوع إلى خلف، وفي العيني الرجوع على الدبر. وحكى أبو عبيد عن أبي عمرو بن العلاء القهقرى الإحصار كذا رواه ابن دريد في المصنف، وفي رواية غير ابن دريد القهقرى قال أبو علي: وهو الصواب، وقيل إنه من
стр. 7255
باب القهر (ثم إذا زمرة) جماعة (حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال) لهم (هلمّ) تعالوا (قلت) له (أين) تذهب بهم (قال إلى النار والله قلت) له (ما شأنهم. قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى) هو رجوع مخصوص كما مر وقيل هو العدو الشديد (فلا أراه) بضم الهمزة فلا أظن أنه (يخلص) بالخاء المعجمة وضم اللام (منهم) بالميم والنون من هؤلاء الذين دنوا من الحوض وكادوا يردونه فصدوا عنه عن النار ولأبي ذر فيهم بالفاء والتحتة (إلا مثل) بضم اللام (همل النعم) بفتح الهاء والميم ضوال الإبل واحدها هامل أو الإبل بلا راع ولا يقال ذلك في الغنم يعني أن الناجي منهم قليل في قلة النعم الضالة وهذا يشعر بأنهم صنفان كفار وعصاة.
٦٥٨٨ - حَدَّثَنِى إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ خُبَيْبٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا بَيْنَ بَيْتِى وَمِنْبَرِى رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِى عَلَى حَوْضِى».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (إبراهيم بن المنذر) الحزامي قال: (حدّثنا أنس بن عياض) الليثي أبو ضمرة المدني (عن عبيد الله) بضم العين ابن عمر العمري (عن خبيب) بضم الخاء المعجمة وفتح الموحدة ولأبي ذر زيادة ابن عبد الرَّحمن (عن حفص بن عاصم) أي ابن عمر بن الخطاب (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال):
(ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة) أي تقتطع منها أو تنقل إليها فتكون من رياضها (ومنبري) الذي في الدنيا يوضع بعينه يوم القيامة (على حوضي) أو أن المراد أن له ﵊ في القيامة منبرًا على حوضه يدعو الناس عليه إلى الحوض.
والحديث سبق في آخر الصلاة وآخر الحج وأخرجه مسلم في الحج.
٦٥٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنِى أَبِى عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكَ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبًا قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ».
وبه قال: (حدّثنا عبدان) لقب عبد الله بن عثمان قال: (أخبرني) بالإفراد (أبي) عثمان بن جبلة بن أبي روّاد (عن شعبة) بن الحجاج (عن عبد الملك) بن عمير الكوفي أنه (قال: سمعت جندبًا) بضم الجيم والدال ابن عبد الله البجلي ﵁ (قال: سمعت النبي ﷺ يقول):
(أنا فرطكم على الحوض) قال في المطالع: الفرط الذي يتقدم الواردين فيهيئ لهم ما يحتاجون إليه وهو في هذه الأحاديث الثواب والشفاعة والنبي يتقدّم أمته ليشفع لهم.
والحديث سبق قريبًا وأخرجه مسلم في فضائل النبي ﷺ .
٦٥٩٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبِى الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ ثُمَّ انْصَرَفَ عَلَى الْمِنْبَرِ
стр. 7256
فَقَالَ: «إِنِّى فَرَطٌ لَكُمْ، وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ، وَإِنِّى وَاللَّهِ لأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِى الآنَ، وَإِنِّى أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ -أَوْ مَفَاتِيحَ الأَرْضِ- وَإِنِّى وَاللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِى، وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا».
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن خالد) بفتح العين الجزري بالجيم والزاي والراء الحراني سكن مصر قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن يزيد) بن أبي حبيب أبي رجاء المصري (عن أبي الخير) مرثد بفتح الميم والمثلثة بينهما راء ساكنة آخره دال مهملة (عن عقبة) بن عامر بن عبس أبي الأسود الجهني (﵁ أن النبي ﷺ خرج يومًا) إلى البقيع (فصلّى على أهل أُحد) الذين استشهدوا في وقعته (صلاته على الميت) أي دعا لهم بدعاء صلاة الميت لا الصلاة على الميت المعهودة (ثم انصرف) فصعد (على المنبر) كالمودع للأحياء والأموات (فقال):
(إني فرط لكم) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فرطكم سابقكم وفيه إشارة إلى قرب وفاته وتقدمه على أصحابه (وأنا شهيد عليكم) أشهد عليكم بأعمالكم تعرض عليّ أعمالكم (وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن) نظرًا حقيقًا كشف لي عنه وقال السفاقسي: النكتة في ذكره عقب التحذير أي في قوله وأنا شهيد عليكم الإشارة إلى تحذيرهم من فعل ما يقتضي إبعادهم عن الحوض (وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض أو مفاتيح الأرض) بالشك من الراوي والمراد ما يفتح على أمته من الملك والكنوز من بعده (وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي) أي ما أخاف على جميعكم الإشراك بل على مجموعهم لأن ذلك قد وقع من بعض (ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها) في الخزائن المذكورة أو في الدنيا كما في مسلم والتنافس الرغبة في الشيء وأصله تتنافسوا فسقطت إحدى التاءين.
والحديث سبق في الجنائز.
٦٥٩١ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَرَمِىُّ بْنُ عُمَارَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ أَنَّهُ سَمِعَ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ وَذَكَرَ الْحَوْضَ فَقَالَ: «كَمَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَصَنْعَاءَ».
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا حرمي بن عمارة) بفتح المهملة والراء وكسر الميم وعمارة بضم العين المهملة وتخفيف الميم وبعد الألف راء أبو روح البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن معبد بن خالد) بفتح الميم والموحدة بينهما عين مهملة ساكنة الجدلي بفتح الجيم والدال المهملة الكوفي (أنه سمع حارثة بن وهب) بالحاء المهملة والمثلثة الخزاعي الصحابي نزيل مكة وهو أخو عبيد الله بضم العين ابن عمر بن الخطاب لأمه ﵃ (يقول: سمعت النبي ﷺ وذكر الحوض فقال): قدره (كما بين المدينة) طيبة (وصنعاء) سبق تقييده بصنعاء اليمن فيحمل هذا المطلق على المقيد.
стр. 7257
٦٥٩٢ - وَزَادَ ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ حَارِثَةَ سَمِعَ النَّبِىَّ ﷺ قَوْلَهُ حَوْضُهُ مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَالْمَدِينَةِ فَقَالَ لَهُ الْمُسْتَوْرِدُ: أَلَمْ تَسْمَعْهُ؟ قَالَ: الأَوَانِى قَالَ: لَا، قَالَ الْمُسْتَوْرِدُ: تُرَى فِيهِ الآنِيَةُ مِثْلَ الْكَوَاكِبِ.
(وزاد ابن أبي عدي) هو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي البصري مما وصله مسلم والإسماعيلي من طريقه (عن شعبة) بن الحجاج (عن معبد بن خالد عن حارثة) بن وهب ﵁ أنه (سمع النبي ﷺ قوله) ولأبي ذر قال: (حوضه ما بين صنعاء والمدينة فقال له المستورد) بوزن المستفعل بكسر الراء ابن شداد بن عمرو القرشي الفهري الصحابي ابن الصحابي ﵄ (ألم تسمعه) ﷺ (قال: الأواني) قال: الكرماني فيه تكون كذا وكذا (قال) حارثة (لا. قال المستورد: ترى) بضم الفوقية وفتح الراء (فيه الآنية مثل الكواكب) كثرة وضياء يعني أنا سمعته قال ذلك وهذا مرفوع وإن لم يصرح به إذ سياقه يدل على رفعه، وفي حديث أحمد من رواية الحسن عن أنس أكثر من عدد نجوم السماء ولمسلم عن ابن عمر فيه أباريق كنجوم السماء.
٦٥٩٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى مَرْيَمَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِى ابْنُ أَبِى مُلَيْكَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِى بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «إِنِّى عَلَى الْحَوْضِ حَتَّى أَنْظُرُ مَنْ يَرِدُ عَلَىَّ مِنْكُمْ، وَسَيُؤْخَذُ نَاسٌ دُونِى فَأَقُولُ: يَا رَبِّ مِنِّى وَمِنْ أُمَّتِى فَيُقَالُ: هَلْ شَعَرْتَ مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ وَاللَّهِ مَا بَرِحُوا يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ»؟ فَكَانَ ابْنُ أَبِى مُلَيْكَةَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَرْجِعَ عَلَى أَعْقَابِنَا أَوْ نُفْتَنَ عَنْ دِينِنَا. أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ: تَرْجِعُونَ عَلَى الْعَقِبِ.
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن أبي مريم) هو سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مريم الجمحي بالولاء أبو محمد المصري (عن نافع بن عمر) بن عبد الله الجمحي المكي أنه (قال: حدثني) بالإفراد (ابن أبي مليكة) عبد الله (عن أسماء بنت أبي بكر ﵄) أنها (قالت: قال النبي ﷺ ¬):
(إني على الحوض) يوم القيامة (حتى أنظر) بالرفع ولأبي ذر بالنصب أي حتى أن أنظر (من يرد عليّ) بتشديد الياء (منكم ويؤخذ ناس من دوني) بالقرب مني (فأقول يا رب مني ومن أمتي فيقال) له: (هل شعرت) هل علمت (ما عملوا بعدك والله ما برحوا) ما زالوا (يرجعون على أعقابهم) مرتدين (فكان ابن أبي مليكة يقول: اللهم إنّا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتن عن ديننا) وقوله: فكان ابن أبي مليكة الخ موصول بالسند، وفيه إشارة إلى أن الرجوع على العقب كناية عن مخالفة الأمر الذي تكون الفتنة بسببه فاستعاذ منهما جميعًا. وقال أبو عبيدة مفسرًا لقوله تعالى (أعقابكم) ولغير أبي ذر أعقابهم بالهاء (تنكصون) أي (ترجعون على العقب) بكسر القاف. قال في التذكرة، قال علماؤنا: كل من ارتد عن دين أو أحدث فيه ما لا يرضاه الله ولم يأذن فيه فهو من المطرودين عن الحوض المبعدين عنه وأشدّهم طردًا من خالف جماعة المسلمين كالخوارج
стр. 7258
على اختلاف فرقها والروافض على تباين ضلالها والمعتزلة على أصناف أهوائها فهؤلاء كلهم مبدلون وكذلك الظلمة المسرفون في الجور والظلم وطمس الحق وقتل أهله وإذلالهم والمعلنون الكبائر المستخفون بالمعاصي، وفي حديث كعب بن عجرة عند الترمذي قال لي رسول الله ﷺ "أعيذك بالله يا كعب بن عجرة من أمراء يكونون من بعدي فمن غشيهم في أبوابهم فصدقهم في كذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه ولا يرد عليّ الحوض، ومن غشي أبوابهم ولم يصدقهم على كذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه وسيرد عليّ الحوض" والحديث.
اللهم لا تمكر بنا عند الخاتمة يا كريم، واجعلنا من الفائزين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، واسقنا من حوض نبينا محمد ﷺ برحمتك يا أرحم الراحمين يا رب العالمين.
стр. 7259
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٨٢ - كتاب القدر
(كتاب القدر) زاد أبو ذر عن المستملي فقال: باب بالتنوين في القدر وهو بفتح القاف والدال المهملة وقد تسكن. قال الراغب فيما رأيته في فتوح الغيب: القدر هو التقدير والقضاء هو التفصيل والقطع فالقضاء أخص من القدر لأن الفصل بين التقدير فالقدر كالأساس والقضاء هو التفصيل والقطع وذكر بعضهم أن القدر بمنزلة المعدّ للكيل والقضاء بمنزلة الكيل، ولهذا لما قال أبو عبيدة لعمر ﵁ لما أراد الفرار من الطاعون بالشأم أتفرّ من القضاء؟ قال: أفرّ من قضاء الله إلى قدر الله تنبيهًا على أن القدر لم يكن قضاء فمرجوّ أن يدفعه الله فإذا قضى فلا مدفع له ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وكان أمرًا مقضيًّا﴾ [مريم: ٢١] ﴿وكان على ربك حتمًا مقضيًّا﴾ [مريم: ٧١] تنبيهًا على أنه صار بحيث لا يمكن تلافيه.
ويذكر أن عبد الله بن طاهر دعا الحسين بن الفضل فقال: أشكل عليّ قوله تعالى: ﴿كل يوم هو في شأن﴾ [الرحمن: ٢٩] وقال النبي ﷺ "جف القلم بما أنت لاقيه". وقال أهل السنة: إن الله تعالى قدّر الأشياء أي علم مقاديرها وأحوالها وأزمانها قبل إيجادها ثم أوجد منها ما سبق في علمه فلا محدث في العالم العلوي والسفلي إلا وهو صادر عن علمه تعالى وقدرته وإرادته دون خلقه، وأن الخلق ليس لهم فيها إلا نوع اكتساب ومحاولة ونسبة وإضافة وأن ذلك كله إنما حصل لهم
بتيسير الله وبقدرة الله وإلهامه لا إله إلا هو ولا خالق غيره كما نص عليه القرآن والسُّنّة.
وقال ابن السمعاني: سبيل معرفة هذا الباب التوقيف من الكتاب والسنة دون محض القياس والعقل فمن عدل عن التوقيف فيه ضل وتاه في بحار الحيرة ولم يبلغ شفاء ولا ما يطمئن به القلب، لأن القدر سرّ من أسرار الله تعالى اختص العليم الخبير به وضرب دونه الأستار وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم لما علمه من الحكمة فلم يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب قيل إن القدر ينكشف لهم إذا دخلوا الجنة ولا ينكشف قبل دخولها.
стр. 7260
١ - باب في القدر
٦٥٩٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَنْبَأَنِى سُلَيْمَانُ الأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ فِى بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعٍ: بِرِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَشَقِىٌّ، أَوْ سَعِيدٌ، فَوَاللَّهِ إِنَّ أَحَدَكُمْ أَوِ الرَّجُلَ يَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا غَيْرُ بَاعٍ أَوْ ذِرَاعٍ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا غَيْرُ ذِرَاعٍ، أَوْ ذِرَاعَيْنِ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا». قَالَ آدَمُ: إِلاَّ ذِرَاعٌ.
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك) الطيالسي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (أنبأني) بالإفراد من الأنباء (سليمان الأعمش) الكوفي (قال: سمعت زيد بن وهب) الجهني أبًا سليمان الكوفي مخضرم (عن عبد الله) بن مسعود ﵁ أنه (قال: حدّثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق) المخبر بالقول الحق (المصدوق) الذي صدقه الله وعده، والجملة كما قال في شرح المشكاة الأولى أن تكون اعتراضية لا حالية ليعم الأحوال كلها وأن يكون من عادته ودأبه ذلك فما أحسن موقعه هنا (قال):
(إن أحدكم) في اليونينية مضبوطة أن بفتح الهمزة وقبلها قال مخرجة مصحح عليها فالله أعلم هل الضبط قبل تخريج قال أم بعده؟ كذا رأيته في الفرع كأصله. وقال أبو البقاء. لا يجوز إلا الفتح لأنه مفعول حدّثنا، فلو كسر لكان منقطعًا عن قوله حدثنا وجزم النووي في شرح مسلم بأنه بالكسر على الحكاية، وحجة أبي البقاء أن الكسر على خلاف الظاهر ولا يجوز العدول عنه إلا لمانع ولو جاز من غير أن يثبت به النقل لجاز في مثل قوله تعالى ﴿أيعدكم أنكم إذا متم﴾ [المؤمنون: ٣٥] وقد اتفق القراء على أنها بالفتح لكن تعقبه الخويي بأن الرواية جاءت بالفتح والكسر فلا معنى للرد قال: ولو لم تجيء به الرواية لما امتنع جوازًا على طريق الرواية بالمعنى. وأجاب عن الآية بأن الوعد مضمون الجملة وليس بخصوص لفظها، فلذلك اتفقوا على الفتح، وأما هنا فالتحديث يجوز أن يكون بلفظه وبمعناه اهـ. من فتح الباري، وهذا مبني على حذف قال وعلى تقدير حذفها في الرواية فهي مقدرة إذ لا يتم المعنى بدونها، ولأبي ذر عن الكشميهني إن خلق أحدكم أي ما يخلق منه أحدكم (يجمع) بضم أوّله وسكون الجيم وفتح الميم أي يحزن (في بطن أمه). قال في النهاية: ويجوز أن يريد بالجمع مكث النطفة في الرحم أي تمكث النطفة في الرحم (أربعين يومًا) تتخمر فيها حتى تتهيأ للخلق.
стр. 7261
وقال القرطبي أبو العباس المراد أن المنيّ يقع في الرحم حين انزعاجه بالقوّة الشهوانية الدافعة مبثوبًا متفرفًا فيجمعه في محل الولادة من الرحم، وفي رواية آدم في التوحيد: إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا أو أربعين ليلة بالشك، وزاد أبو عوانة من رواية وهب بن جرير عن شعبة نطفة بين قوله أحدكم وبين قوله أربعين فبين أن الذي يجمع هو النطفة والنطفة المني فإذا لاقى مني الرجل مني المرأة بالجماع وأراد الله تعالى أن يخلف من ذلك جنينًا هيأ أسباب ذلك لأن في رحم المرأة قوّتين قوّة انبساط عند مني الرجل حتى ينتشر في جسدها وقوّة انقباض بحيث لا يسيل من فرجها مع كونه منكوسًا ومع كون المني ثقيلاً بطبعه، وفي مني الرجل قوّة الفعل، وفي مني المرأة قوّة الانفعال فعند الامتزاج يصير مني الرجل كالأنفحة للبن، وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره من رواية الأعمش عن خيثمة بن عبد الرَّحمن عن ابن مسعود أن النطفة إذا وقعت في الرحم فأراد الله أن يخلق منها بشرًا طارت في جسد المرأة تحت كل ظفر وشعر ثم تمكث أربعين يومًا ثم تنزل دمًا في الرحم. قال في شرح المشكاة: والصحابة أعلم الناس بتفسير ما سمعوه وأحقهم بتأويله وأولاهم بالصدق وأكثرهم احتياطًا فليس لمن بعدهم أن يردّ عليهم اهـ.
وفيه أن ابتداء جمعه من ابتداء الأربعين، وعند أبي عوانة اثنتان وأربعون، وعند الفريابي من طريق محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن الحارث خمسة وأربعين ليلة. (ثم يكون علقة) دمًا غليظًا جامدًا تحوّل من النطفة البيضاء إلى العلقة الحمراء وسمي بذلك للرطوبة التي فيه وتعلقه ما مرّ به (مثل ذلك) الزمان وهو الأربعون (ثم يكون) يصير (مضغة) بضم الميم وسكون المعجمة قطعة لحم قدر ما يمضع (مثل ذلك) الزمان وهو أربعون (ثم) في الطور الرابع حين يتكامل بنيانه وتتشكل أعضاؤه (يبعث الله ملكًا) موكلاً بالرحم، وعند الفريابي من رواية أبي الزبير أتى ملك الأرحام ولأبي ذر عن الكشميهني يبعث بضم أوّله مبنيًّا للمفعول إليه ملك لتصويره وتخليقه وكتابة ما يتعلق به فينفخ فيه الروح كما أمر بذلك، وفي حديث علي عند ابن أبي حاتم إذا تمت النطفة أربعة أشهر بعث الله إليها ملكًا فينفخ فيها الروح وإسناد النفخ إلى الملك مجاز عقلي لأن ذلك من أفعال الله كالخلق (فيؤمر بأربع) بالتذكير، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: بأربعة والمعدود إذا أبهم جاز تذكيره وتأنيثه أي يؤمر بكتابة أربعة أشياء من أحوال الجنين (برزقه) أي غذائه حلالاً أو حرامًا قليلاً أو كثيرًا وكل ما ساقه الله تعالى إليه فيتناول العلم ونحوه (وأجله) طويل أو قصير (وشقي) باعتبار ما يختم له (أو سعيد) كذلك وكل من اللفظين مرفوع مصحح عليه بالفرع كأصله خبر مبتدأ محذوف ويجوز الجر، وتعقب العيني الرفع فقال ليس كذلك لأنه معطوف على المجرور السابق، وقال في شرح المشكاة: كان حق الظاهر أن يقول تكتب سعادته وشقاوته فعدل عن ذلك لأن الكلام مسوق إليهما والتفصيل وارد عليهما.
(فوالله إن أحدكم أو الرجل) بالشك من الراوي (يعمل بعمل أهل النار) من المعاصي والباء
стр. 7262
في بعمل زائدة للتأكيد أي يعمل عمل أهل النار أو ضمن معنى يعمل معنى يتلبس أن يتلبس بعمل أهل النار (حتى ما يكون) نصب بحتى وما نافية غير مانعة لها من العمل وجوز بعضهم كون حتى ابتدائية فيكون رفع وهو الذي في اليونينية (بينه وبينها غير باع أو ذراع) برفع غير (فيسبق عليه) ما تضمنه (الكتاب) بفاء التعقيب المقتضية لعدم المهلة وضمن يسبق معنى يغلب وعليه في موضع نصب على الحال أي يسبق المكتوب واقعًا عليه (فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) والمعنى أنه يتعارض عمله في اقتضاء الشقاوة والمكتوب في اقتضاء السعادة فيتحقق مقتضى المكتوب فعبر عن ذلك بالسبق لأن السابق يحصل مراده دون المسبوق (وإن الرجل) ولم يقل وإن أحدكم أو الرجل على الشك كما سبق (ليعمل) بلام التأكيد (بعمل أهل الجنة) من الطاعات (حتى ما يكون بينه وبينها) أي الجنة (غير ذراع) برفع غير (أو ذراعين) ولأبي ذر أو باع بدل ذراعين والباع قدر مد اليدين "فيسبق عليه الكتاب" أي مكتوب الله وهو القضاء الأزلي (فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها قال) ولأبوي ذر والوقت وقال (آدم) بن أبي إياس مما وصله في التوحيد (إلا ذراع) فلم يشك، ولأبي ذر عن المستملي والحموي: إلا باع بدل ذراع والتعبير بالذراع تمثيل بقرب حاله من الموت فيحال بينه وبين المقصود بمقدار ذراع أو باع من المسافة وضابط ذلك الحسي الغرغرة التي جعلت علامة لعدم قبول التوبة، وقد ذكر في هذا الحديث أهل الخير صرفًا إلى الموت لا الذين خلطوا وماتوا على الإسلام فلم يقصد تعميم أحوال المكلفين بل أورده لبيان أن الاعتبار بالخاتمة ختم الله أعمالنا بالصالحات بمنه وكرمه.
وفي مسلم من حديث أبي هريرة: إن الرجل ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل النار ثم يختم له بعمل أهل الجنة، وعند أحمد من وجه آخر عن أبي هريرة سبعين سنة، وعنده أيضًا عن عائشة مرفوعًا: إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة وهو مكتوب في الكتاب الأول من أهل النار فإذا كان قبل موته تحوّل فعمل عمل أهل النار فمات فدخلها الحديث، وفيه أن في التقدير الأعمال ما هو سابق ولاحق فالسابق ما في علم الله تعالى واللاحق ما يقدر على الجنين في بطن أمه كما في هذا الحديث وهذا هو الذي يقبل النسخ.
٦٥٩٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَكَّلَ اللَّهُ بِالرَّحِمِ مَلَكًا فَيَقُولُ: أَىْ رَبِّ نُطْفَةٌ؟ أَىْ رَبِّ عَلَقَةٌ؟ أَىْ رَبِّ مُضْغَةٌ؟ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْضِىَ خَلْقَهَا قَالَ: أَىْ رَبِّ ذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى أَشَقِىٌّ أَمْ سَعِيدٌ، فَمَا الرِّزْقُ فَمَا الأَجَلُ؟ فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِى بَطْنِ أُمِّهِ».
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الإمام أبو أيوب الواشحي البصري قاضي مكة قال: (حدّثنا حماد) هو ابن زيد (عن عبيد الله) بضم العين (ابن أبي بكر بن أنس عن) جده (أنس بن مالك ﵁) سقط لأبي ذر ابن أنس وابن مالك (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
стр. 7263
(وكل الله) بتشديد الكاف (بالرحم ملكًا) وفي الحديث السابق ثم يبعث الله ملكًا (فيقول) عند نزول النطفة في الرحم التماسًا لإتمام الخلقة (أي) بسكون الياء أي يا (رب) هذه (نطفة أي رب) هذه (علقة أي رب) هذه (مضغة) ويجوز النصب فيها على إضمار فعل أي خلقت أو صار، والمراد أنه يقول كل كلمة من ذلك الوقت الذي يصير فيه كذلك، فبين قوله أي رب نطفة وقوله علقة أربعون يومًا كقوله يا رب مضغة لا في وقت واحد إذ لا تكون النطفة علقة مضعة في ساعة واحدة.
وحديث ابن مسعود السابق يدل على أن الجنين يتقلب في مائة وعشرين يومًا في ثلاثة أطوار كل طور منها في أربعين ثم بعد تكملتها ينفخ فيه الروح، وقد ذكر الله تعالى هذه الأطوار الثلاثة من غير تقييد بمدة في سورة الحج، وزاد في سورة المؤمنين بعد المضعة ﴿فخلقنا المضعة عظامًا فكسونا العظام لحمًا﴾ [المؤمنون: ١٤] الآية ويؤخذ منها، ومن حديث الياب أن تصير المضعة عظامًا بعد نفخ الروح.
(فإذا أراد الله) (أن يقضي خلقها) أي يأذن فيها أو يتمها (قال: أي) ولأبوي ذر والوقت يا (رب ذكر) ولأبي ذر أذكر (أم أنثى) وفي حديث حذيفة بن أسيد عند مسلم إذا مر بالنطفة ثلاث وأربعون وفي نسخة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكًا فصوّرها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها ثم قال: أذكر أم أنثى فيقضي ربك ما يشاء ويكتب الملك، وعند الفريابي عن حذيفة بن أسيد إذا وقعت النطفة في الرحم ثم استقرت أربعين ليلة قال: فيجيء ملك الرحم فيدخل فيصور له عظمه ولحمه وشعره وبشره وسمعه وبصره ثم يقول: أي رب ذكر أو أنثى الحديث وهذا كما قال عياض: ليس على ظاهره لأن التصوير إنما يقع في آخر الأربعين الثالثة، فالمعنى في قوله فصوّرها كتب الله ذلك ثم يفعله بعد بدليل قوله بعد ذلك أذكر أم أنثى (أشقي أم سعيد فما الرزق فما الأجل فيكتب) بصيغة المبني للمفعول أي فيكتب الملك (كذلك) المذكور من الشقاء والسعادة والرزق والأوجل على جبهته أو رأسه مثلاً وهو (في بطن أمه).
وفي الحديث أن خلق السمع والبصر يقع والجنين في بطن أمه وهو محمول جزمًا على الأعضاء ثم على القوة الباصرة والسامعة لأنها مودعة فيهما وأما الإدراك، فالذي يترجح أنه يتوقف على زوال الحجاب المانع. وقال المظهري إن الله تعالى يحوّل الإنسان في بطن أمه حالة بعد حالة مع أنه تعالى قادر على أن يخلقه في لمحة وذلك أن في التحويل فوائد وعبرًا منها أنه لو خلقه دفعة لشق على الأم لأنها ما تكن معتادة لذلك فجعل أولاً نطفة لتعتاد بها مدة ثم علقة مدة وهلم جرا إلى الولادة ومنها إظهار قدرة الله تعالى ونعمته ليعبدوه ويشكروا له حيث قلبهم من تلك الأطوار إلى كونهم إنسانًا حسن الصورة متحليًا العقل والشهامة متزينًا بالفهم والفطانة، ومنها إرشاد الناس وتنبيههم على كمال قدرته على الحشر والنشر لأن من قدر على خلق الإنسان من ماء مهين ثم من علقة
стр. 7264
ومضعة مهيأة لنفخ الروح فيه يقدر على صيرورته ترابًا ونفخ الروح فيه وحشره في المحشر للحساب والجزاء.
٢ - باب جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣].
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ: لِى النَّبِىُّ ﷺ : «جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ».
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿لَهَا سَابِقُونَ﴾ سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعَادَةُ.
هذا (باب) بالتنوين في فرع اليونينية كهي قال الحافظ ابن حجر: خبر مبتدأ محذوف أي هذا باب وتعقبه العيني فقال: هذا قول من لم يمس شيئًا من الإعراب والتنوين يكون في المعرب ولفظ باب هنا مفرد فكيف ينون والتقدير هذا باب يذكر فيه (جف القلم على علم الله) . وأجاب في انتقاض الاعتراض بأن الكرماني قد جوز في كل ما لم يكن مضافًا التنوين والجزم على قصد السكون لأنه للتعداد، وقد أكثر المصنفون من الفقهاء والعلماء حتى النحاة وغيرهم في تصانيفهم ذكر باب بغير إضافة، وكذا ذكر فصل وفرع وتنبيه ونحو ذلك وكله يحتاج إلى تقدير، وقول الشارح باب هو بالتنوين لا يستلزم نفي التقدير، وقد سلم العيني هذا المقدر فقال في باب المحاربين باب بالتنوين لا يكون إلا بالتقدير، لأن المعرب هو جزء المركب والمفرد وحده لا ينون انتهى.
وجفاف القلم كناية عن الفراغ من الكتابة فهو كما قال الطيبي: من إطلاق اللازم على الملزوم لأن الفراغ من الكتابة يستلزم جفاف القلم عن مداده مخاطبة لنا بما نعهد، وقوله على علمه أي حكمه لأن معلومه لا بدّ أن يقع فعلمه بمعلومه يستلزم الحكم بوقوعه.
وفي حديث عبد الله بن عمر عند أحمد وصححه ابن حبان من طريق عبد الله بن الديلمي عنه مرفوعًا: إن الله خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه من نوره يومئذٍ اهتدى، ومن أخطأه ضل، فلذلك أقول جف القلم على علم الله، والقائل أقول هو عبد الله بن عمر كما عند أحمد وابن حبان من طريق أخرى عن ابن الديلمي، ويذكر أن عبد الله بن طاهر أمير خراسان للمأمون سأل الحسين بن الفضل عن قوله تعالى: ﴿كل يوم هو في شأن﴾ [الرحمن: ٢٩] وقوله ﷺ : جف القلم فقال هي شؤون يبديها لا شؤون يبتديها فقام إليها وقبل رأسه.
(وقوله) تعالى: (﴿وأضله الله على علم﴾) [الجاثية: ٢٣] حال من الجلالة أي كائنًا على علم منه أو حال من المفعول أي أضله وهو عالم وهذا أشنع له فعلى الأول المعنى أضله الله تعالى على علمه في الأزل وهو حكمه عند ظهوره وعلى الثاني أضله بعد أن أعلمه وبين له فلم يقبل.
стр. 7265
(وقال أبو هريرة) ﵁ مما وصله المؤلّف في أوائل النكاح (قال لي النبي ﷺ : جف القلم بما أنت لاق) وعند الطبراني من حديث ابن عباس: واعلم أن القلم قد جف بما هو كائن، وفي حديث الحسن بن علي عند الفريابي رفع الكتاب وجف القلم.
(قال): ولأبي ذر وقال (ابن عباس) ﵄ في تفسير قوله تعالى (﴿لها سابقون﴾) من قوله تعالى: ﴿أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون﴾ [المؤمنون: ٦١] مما وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه أي (سبقت لهم السعادة) أي يرغبون في الطاعات فيبادرونها بما سبق لهم من السعادة بتقدير الله. قال الكرماني: فإن قلت: تفسير ابن عباس يدل على أن السعادة سابقة والآية على أن السعادة مسبوقة. وأجاب: بأن معنى الآية أنهم سبقوا لأجل السعادة لا أنهم سبقوا السعادة.
٦٥٩٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ الرِّشْكُ، قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ يُحَدِّثُ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُعْرَفُ أَهْلُ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: فَلِمَ يَعْمَلُ الْعَامِلُونَ؟ قَالَ: «كُلٌّ يَعْمَلُ لِمَا خُلِقَ لَهُ أَوْ لِمَا يُسِّرَ لَهُ».
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا يزيد) من الزيادة (الرشك) بكسر الراء وسكون المعجمة والكاف رفع صفة ليزيد لقب به قيل لكبر لحيته وهو بالفارسية ويقال إنه بلغ من طول لحيته إلى أن دخلت فيها عقرب ومكثت ثلاثة أيام لا يدري بها، ورجح في الفتح قول أبي حاتم الرازي أنه كان غيورًا فقيل له: ارشك بالفارسية فمضى عليه الرشك. وقال الكرماني: هو بالفارسية القمل الصغير الملتصق بأصول شعر اللحية (قال: سمعت مطرف بن عبد الله) بكسر الراء المشددة (ابن الشخير) بكسر الشين والخاء المشددة المعجمتين (يحدث عن عمران بن حصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين (قال: قال رجل) هو عمران بن حصين كما بينه مسدد في مسنده: (يا رسول الله أيعرف) بفتخ الهمزة وضم التحتية وفتح الراء (أهل الجنة من أهل النار) أي أيميز ويفرق بينهما بحسب قضاء الله وقدره (قال) ﷺ :
(نعم قال) عمران: يا رسول الله (فلم يعمل العاملون) أي إذا سبق القلم بذلك فلا يحتاج العامل إلى العمل لأنه سيصير إلى ما قدر له (قال) ﷺ : (كل يعمل لما) للذي (خلق له) بضم الخاء وكسر اللام (ولما) بالواو المفتوحة وفي الفتح أو لما (يسر له) بضم أوله وكسر السين المهملة المشددة، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: ييسر له بتحتيتين وفتح السين، فعلى المكلف أن يدأب في الأعمال الصالحة فإن عمله أمارة إلى ما يؤول إليه أمره غالبًا وربك يفعل ما يشاء، فالعبد ملكه يتصرف فيه بما شاء لا يسأل عما يفعل لا إله إلا هو عليه توكلت وبوجهه الكريم أستجير من عذابه الأليم، وأسأله جنات النعيم إنه الجواد الرحيم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
стр. 7266
وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في التوحيد ومسلم في القدر وأبو داود في السنة والنسائي في التفسير.
٣ - باب اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ
هذا (باب) التنوين (الله أعلم بما كانوا) أي أولاد المشركين (عاملين).
٦٥٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِى بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سُئِلَ النَّبِىُّ ﷺ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بندار العبدي قال: (حدّثنا غندر) محمد بن جعفر (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي بشر) بكسر الباء الموحدة وسكون المعجمة جعفر بن أبي وحشية إياس اليشكري الواسطي (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس) ﵄ أنه (قال: سئل النبي ﷺ ¬) بضم السين وكسر الهمزة (عن أولاد المشركين) أي أيدخلون الجنة (فقال):
(الله أعلم بما كانوا عاملين) فيه إشعار بالتوقف أي أنه علم أنهم لا يعملون ما يقتضي تعذيبهم ضرورة أنهم غير مكلفين، وقيل: قال ذلك قبل أن يعلم أنهم من أهل الجنة، وفي حديث عائشة عند أبي داود وأحمد أنها قالت قلت: يا رسول الله ذراريّ المسلمين الحديث. وعند عبد الرزاق بسند فيه ضعيف عن عائشة أيضًا سألت خديجة النبي ﷺ عن أولاد المشركين ففيه التصريح بالسائل.
والحديث سبق في الجنائز.
٦٥٩٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: وَأَخْبَرَنِى عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَرَارِىِّ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ».
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) نسب لجده واسم أبيه عبد الله المخزومي مولاهم المصري قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه (قال: وأخبرني) بالإفراد والعطف على محذوف كأنه حدث قبل ذلك بشيء ثم قال: وأخبرني (عطاء بن يزيد) الليثي (أنه سمع أبا هريرة) ﵁ (يقول: سئل رسول الله ﷺ عن ذراريّ المشركين) بفتح الذال المعجمة والراء وبعد الألف راء أخرى مكسورة وتشديد التحتية وتخفف أي أولادهم الذين لم يبلغوا الحلم (فقال) ﷺ :
(الله أعلم بما كانوا عاملين) أي إن الله يعلم ما لا يكون أن لو كان كيف يكون فأحرى أن
стр. 7267
يعلم ما يكون وما قدره وقضاه في كونه، وهذا يقوي مذهب أهل السنّة أن القدر هو علم الله وغيبه الذي استأثر فلم يطلع عليه أحدًا من خلقه.
٦٥٩٩ - حَدَّثَنِى إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ، كَمَا تُنْتِجُونَ الْبَهِيمَةَ هَلْ تَجِدُونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا»؟. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ وَهْوَ صَغِيرٌ قَالَ: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (إسحاق) ولأبي ذر إسحاق بن إبراهيم. قال في فتح الباري: هو ابن راهويه واعترضه العيني فقال: جوّز الكلاباذي أن يكون ابن إبراهيم بن نصر السعدي وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي وإسحاق بن إبراهيم الكوسج، فالجزم بأنه ابن راهويه من أين؟ وأجاب في انتقاض الاعتراض: بأنه من القرينة الظاهرة في قوله أخبرنا فإنه لا يقول حدّثنا كما أن إسحاق بن منصور الكوسج يقول حدّثنا ولا يقول أخبرنا وهذا يعرف بالاستقراء قال: (أخبرنا عبد الرزاق) بن همام قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن همام) بفتح الميم المشددة ابن منبه (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(ما من مولود إلا يولد على الفطرة) الإسلامية ففيه القابلية للدين الحق فلو ترك وطبعه لما اختار دينًا غيره، وما من مولود مبتدأ ويولد خبره لأن من الاستغراقية في سياق النفي تفيد العموم كقولك: ما أحد خير منك والتقدير هنا ما من مولود يولد على أمر من الأمور إلا على الفطرة (فأبواه يهوّدانه) يجعلانه يهوديًّا إذا كانا من اليهود (وينصرانه) يجعلانه نصرانيًّا إذا كانا من النصارى والفاء في فأبواه للتعقيب أو للتسبب أي إذا تقرر ذلك فمن تغير كان بسبب أبوه (كما) حال من الضمير المنصوب في يهودانه مثلاً أي يهودان المولود بعد أن خلق على الفطرة كما (تنتجون البهيمة) سليمة بضم الفوقية الأولى وكسر الثانية بينهما نون ساكنة وضم الجيم من الإنتاج يقال أنتجت الناقة إذا أعنتها على النتاج. وقال في المغرب: نتج الناقة ينتجها نتجًا إذا ولى نتاجها حتى وضعت فهو ناتج وهو للبهائم كالقابلة للنساء أو كما صفة مصدر محذوف أي يغيرانه تغييرًا مثل تغييرهم البهيمة السليمة فيهودانه وينصرانه تنازعًا في كما على التقديرين (هل تجدون فيها) في البهيمة (من جدعاء) بفتح الجيم وسكون الدال المهملة والمد مقطوعة الأطراف أو أحدها في موضع الحال على التقديرين أي بهيمة سليمة مقولاً في حقها هذا القول، وفيه نوع من التأكيد يعني أن كل من نظر إليها قال هذا القول لسلامتها (حتى تكونوا أنتم تجدعونها) بفتح الفوقية والدال المهملة بينهما جيم ساكنة أي تقطعون أطرافها أو شيئًا منها وشبه بالمحسوس المشاهد ليفيد أن ظهوره بلغ في الكشف والبيان مبلغ هذا المحسوس المشاهد، ومحصله أن العالم إما عالم الغيب أو عالم الشهادة، فإذا نزل الحديث على عالم الغيب أشكل معناه وإذا صرف إلى عالم الشهادة سهل تعاطيه فإذا نظر الناظر إلى المولود نفسه من غير اعتبار عالم الغيب وأنه ولد على الفطرة من الاستعداد للمعرفة وقبول الحق
стр. 7268
والتأبي عن الباطل والتمييز بين الخطأ والصواب حكم أنه لو ترك على ما هو عليه ولم يعتوره من الخارج ما يصد استمر على ما هو عليه من الفطرة السليمة، وانظر قتل الخضر الغلام إذ كان باعتبار النظر إلى عالم الغيب، وإنكار موسى عليه كان باعتبار عالم الشهادة، وظاهر الشرع فلما اعتذر الخضر بالعلم الخفي الغائب أمسك موسى ﵇ عن الإنكار فلا عبرة بالإيمان الفطري في أحكام الدنيا وإنما يعتبر الإيمان الشرعي المكتسب بالإرادة والفعل اهـ. ملخصًا من شرح المشكاة.
(قالوا: يا رسول الله أفرأيت) أي أخبرنا من إطلاق السبب على المسبب لأن مشاهدة الأشياء طريق إلى الإخبار عنها والهمزة فيه مقررة أي قد رأيت ذلك فأخبرنا (من يموت وهو صغير)؟ لم يبلغ الحلم أيدخل الجنة (قال) ﷺ :
(الله أعلم بما كانوا عاملين). قال البيضاوي: فيه إشارة إلى أن الثواب والعقاب لا لأجل الأعمال وإلاّ لزم أن يكون ذراري المسلمين والكافرين لا من أهل الجنة ولا من أهل النار بل الموجب لهما اللطف الرباني والخذلان الإلهي المقدر لهما في الأزل، فالأولى فيهما التوقف وعدم الجزم بشيء فإن أعمالهم موكولة إلى علم الله فيما يعود إلى أمر الآخرة من الثواب والعقاب. وقال النووي: أجمع من يعتبر به من علماء المسلمين أن من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة لأنه ليس مكلفًا وتوقف فيهم بعض من لا يعتد به لحديث عائشة في مسلم أنه ﷺ دعي لجنازة صبي من الأنصار فقلت: طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه فقال: أو غير ذلك يا عائشة إن الله خلق للجنة أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وأجابوا عن هذا بأنه لعله ﷺ نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير أن يكون عندها دليل قاطع أو أنه ﷺ قال هذا قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة، وأما أطفال المشركين ففيهم ثلاثة مذاهب: فالأكثرون على أنهم في النار، وتوقفت طائفة، والثالث وهو الصحيح أنهم من أهل الجنة.
والحديث سبق في الجنائز وفيه أو يمجسانه وأخرجه مسلم في القدر والله الموفق.
٤ - باب ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾
هذا (باب) بالتنوين في اليونينية أي في قوله تعالى (﴿وكان أمر الله﴾) الذي يريد أن يكوّنه (﴿قدرًا مقدورًا﴾) [الأحزاب: ٣٨] قضاء مقضيًا وحكمًا مبتوتًا لا محيد عنه فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
٦٦٠١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا، وَلْتَنْكِحْ فَإِنَّ لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا».
стр. 7269
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرَّحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(لا تسأل المرأة) في باب الشروط التي لا تحل في النكاح من كتابه لا يحل لامرأة تسأل (طلاق أختها) من نسب أو رضاع أو دين أو في البشرية فيعم لكن عند ابن حبان عن أبي هريرة لا تسأل المرأة طلاق أختها فإن المسلمة أخت المسلمة (لتستفرغ صحفتها) تجعلها فارغة لتفوز بحظها (ولتنكح) بإسكان اللام والجزم أي ولتنكح هذه المرأة من خطبها. وقال الطيبي: ولتنكح عطف على لتستفرغ وكلاهما علة للنهي أي لا تسأل طلاق أختها لتستفرغ صحفتها وتنكح زوجها نهى المرأة أن تسأل الرجل طلاق زوجته لينكحها ويصير لها من نفقته ومعاشرته ما كان للمطلقة فعبر عن ذلك باستفراغ الصحفة مجازًا ولتنكح الزوج المذكور من غير أن تشترط طلاق التي قبلها (فإن لها) للتي تسأل طلاق أختها (ما قدر لها) أي لن يعدو ذلك ما قسم لها ولن تستزيد به شيئًا. وقال أبو عمر بن عبد البر: هذا الحديث من أحسن أحاديث القدر عند أهل العلم لما دل عليه من أن الزوج لو أجابها وطلق من تظن أنها تزاحمها في رزقها فإنه لا يحصل لها من ذلك إلا ما كتب الله لها سواء أجابها أم لم يجبها.
والحديث سبق في النكاح.
٦٦٠٢ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِى عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَهُ رَسُولُ إِحْدَى بَنَاتِهِ وَعِنْدَهُ سَعْدٌ وَأُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ وَمُعَاذٌ أَنَّ ابْنَهَا يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَبَعَثَ إِلَيْهَا لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلِلَّهِ مَا أَعْطَى كُلٌّ بِأَجَلٍ فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ».
وبه قال: (حدّثنا مالك بن إسماعيل) أبو غسان النهدي الحافظ قال: (حدّثنا إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق (عن عاصم) هو ابن سليمان الأحول (عن أبي عثمان) عبد الرَّحمن النهدي (عن أسامة) بن زيد بن حارثة ﵁ أنه (قال: كنت عند النبي ﷺ إذ جاءه رسول إحدى بناته) هي زينب كما عند ابن أبي شيبة ولم يسم الرسول (وعنده سعد) هو ابن عبادة (وأبي بن كعب ومعاذ) هو ابن جبل (أن ابنها) علي بن أبي العاص بن الربيع (يجود بنفسه) أي في سياق الموت.
واستشكل كونه علي بن أبي العاص مع قوله في آخر الحديث كما في الجنائز فرفع إلى رسول الله ﷺ الصبي بأن المذكور عاش إلى أن ناهز الحلم فلا يقال فيه صبي عرفًا، فيحتمل أن يكون عبد الله بن عثمان بن عفان من رقية بنت النبي ﷺ فعند البلاذري في الأنساب أنه لما توفي وضعه النبي ﷺ في حجره وقال: إنما يرحم الله من عباده الرحماء أو هو محسن كما عند البزار من حديث أبي هريرة لما ثقل ابن لفاطمة فبعثت إلى النبي ﷺ فذكر نحو حديث الباب وقيل غير ذلك مما سبق في الجنائز.
стр. 7270
(فبعث) ﷺ (إليها) يقرئها السلام ويقول (لله ما أخذ ولله ما أعطى) أي الذي أراد أن يأخذه هو الذي كان أعطاه فإن أخذه أخذ ما هو له أو ما مصدرية أي لله الأخذ والإِعطاء (كل بأجل فلتصبر ولتحتسب) يجوز أن يكون أمرًا للغائب المؤنث أو الحاضر على قراءة من قرأ فبذلك فلتفرحوا بالمثناة الفوقية على الخطاب وهي قراءة رويس. قال الزمخشري وهي الأصل والقياس، وقال أبو حيان: إنها لغة قليلة يعني أن القياس أن يؤمر المخاطب بصيغة افعل وبهذا الأصل قرأ أبي فافرحوا موافقة لمصحفه وهذه قاعدة كلية وهي أن الأمر باللام يكثر في الغائب والمخاطب المبني للمفعول مثال الأول ليقم زيد وكالآية الكريمة، ومثال الثاني لتعن بحاجتي لا إن كان مبنيًّا للفاعل كقراءة روش هذه بل الكثير في هذا النوع الأمر بصيغة افعل نحو: قم يا زيد وقوموا وكذلك يضعف الأمر باللام للمتكلم وحده أو ومعه غيره نحو: لأقم تأمر نفسك بالقيام، ومثال الثاني لنقم أي نحن وكذلك النهي، والمراد بالاحتساب أن تجعل الولد في حسابه لله فتقول: إنّا لله وإنّا إليه راجعون وهو معنى قوله السابق: لله ما أخذ ولله ما أعطى.
٦٦٠٣ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ: أَخْبَرَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَيْرِيزٍ الْجُمَحِىُّ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ جَاءَ رَجُلٌ مِنِ الأَنْصَارِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نُصِيبُ سَبْيًا وَنُحِبُّ الْمَالَ كَيْفَ تَرَى فِى الْعَزْلِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَوَ إِنَّكُمْ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا، فَإِنَّهُ لَيْسَتْ نَسَمَةٌ كَتَبَ اللَّهُ أَنْ تَخْرُجَ إِلاَّ هِىَ كَائِنَةٌ».
وبه قال: (حدّثنا حبان بن موسى) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (حدّثنا) وفي اليونينية أخبرنا (يونس) بن يزيد الأيلي (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عبد الله بن محيريز) بضم الميم وفتح الحاء المهملة وسكون التحتية بعدها راء فتحتية أخرى فزاي (الجمحي) بضم الجيم وفتح الميم وكسر الحاء المهملة بعدها تحتية مشددة (أن) بفتح الهمزة (أبا سعيد الخدري) ﵁ (أخبره أنه بينما) بالميم ولأبي ذر عن الكشميهني بينا (هو جالس عند النبي ﷺ جاء رجل من الأنصار) هو أبو صرمة بن قيس أو هو أبو سعيد كما عند المصنف في المغازي أو مجري بن عمرو الضمري كما عند ابن منده في المعرفة (فقال: يا رسول الله إنّا نصيب) في المغازي (سببًا) أي جواري مسبيات (ونحب المال كيف ترى في العزل)؟ وهو أن يجامع فإذا قارب الإنزال نزع وأنزل خارج الفرج وهو مكروه عندنا لأنه طريق إلى قطع النسل، ولذا ورد العزل الوأد الخفي قال: أصحابنا لا يحرم في مملوكته ولا زوجته الأمة سواء رضيت أم لا لأن عليه ضررًا في مملوكته بأن يصيرها أم ولد لا يجوز بيعها وفي زوجته الرقيقة يصير ولده رقيقًا تبعًا لأمه، أما زوجته الحرّة فإن أذنت فيه لم يحرم وإلا فوجهان أصحهما لا يحرم (فقال رسول الله ﷺ ¬):
(أو إنكم) بفتح الواو وكسر الهمزة بعدها (تفعلون) ولأبي ذر لتفعلون (ذلك) العزل (لا
стр. 7271
عليكم أن لا تفعلوا) ولأبي ذر أن تفعلوا أي لا بأس عليكم أن تفعلوا ولا مزيدة فيجوز العزل أو غير زائدة فهو نهي عنه وقال لا لما سألوه وقوله عليكم أن لا تفعلوا كلام مستأنف مؤكد له (فإنه ليست نسمة) بفتح النون والمهملة والميم نفس (كتب الله) أي قدر (أن تخرج) من العدم إلى الوجود (إلا هي كائنة).
٦٦٠٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: لَقَدْ خَطَبَنَا النَّبِىُّ ﷺ خُطْبَةً مَا تَرَكَ فِيهَا شَيْئًا إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلاَّ ذَكَرَهُ عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ، إِنْ كُنْتُ لأَرَى الشَّىْءَ قَدْ نَسِيتُ فَأَعْرِفُ مَا يَعْرِفُ الرَّجُلُ إِذَا غَابَ عَنْهُ فَرَآهُ فَعَرَفَهُ.
وبه قال: (حدّثنا موسى بن مسعود) أبو حذيفة النهدي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن حذيفة) بن اليمان (﵁) أنه (قال: لقد خطبنا النبي ﷺ خطبة ما ترك فيها) في الخطبة (شيئًا) هو كائن من الأمور المقدرة (إلى قيام الساعة إلا ذكره علمه من علمه وجهله من جهله). ولمسلم من رواية جرير عن الأعمش حفظه من حفظه ونسيه من نسيه (إن كنت) هي المخففة من الثقيلة (لأرى الشيء قد نسيت) بفتح همزة لأرى وحذف المفعول من نسيت ولأبي ذر عن الكشميهني نسيته ثم أتذكره (فأعرف) ولأبي ذر فأعرفه (ما) وفي نسخة كما (يعرف الرجل) أي الرجل فحذف المفعول وفي رواية بإثباته (إذا غاب عنه فرآه فعرفه). وعند الإسماعيلي من رواية محمد بن يوسف عن سفيان كما يعرف الرجل وجه الرجل غاب عنه ثم رآه فعرفه أي الذي كان غاب عنه فنسي صورته ثم إذا رآه عرفه.
والحديث أخرجه مسلم في العتق وأبو داود. . . . . (١). . . . . . ..
٦٦٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ عَنْ أَبِى حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِىِّ، عَنْ عَلِىٍّ ﵁ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَمَعَهُ عُودٌ يَنْكُتُ فِى الأَرْضِ وَقَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ قَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ أَوْ مِنَ الْجَنَّةِ» فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَلَا نَتَّكِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لَا اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾» [الليل: ٥] الآيَةَ.
وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة العتكي المروزي (عن أبي حمزة) بالحاء المهملة والزاي محمد بن ميمون السكري (عن الأعمش) سليمان (عن سعد بن عبيدة) стр. 7272
بضم العين وبسكونها في الأول السلمي الكوفي (عن) ضمرة (أبي عبد الرَّحمن) عبد الله بن حبيب التابعي الكبير (السلمي) بضم السين وفتح اللام (عن علي ﵁) أنه (قال: كنا جلوسًا مع النبي ﷺ ¬) وفي الجنائز في موعظة المحدث عند القبر من طريق منصور عن سعد بن عبيدة كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله (ومعه عود ينكت) بفتح التحتية وسكون النون وبعد الكاف المضمومة مثناة فوقية أي يضرب به (في الأرض) كما هي عادة من يتفكر في شيء يهمه (وقال) بالواو وسقطت لأبي ذر وفي الجنائز ثم قال:
(ما منكم من أحد) وزاد في رواية منصور ما من نفس منفوسة (إلا قد كتب مقعده) موضع قعوده (من النار أو من الجنة) فأو للتنويع أو بمعنى الواو ويؤيده رواية منصور إلا كتب مكانها من الجنة والنار وفي رواية سفيان إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار وفي حديث ابن عمر عند المؤلّف الدلالة على أن لكل أحد مقعدين (فقال رجل من القوم) في مسلم أنه سراقة بن مالك بن جعشم (ألا) بالتخفيف (نتكل) أي نعتمد زاد منصور على كتابنا وندع العمل (يا رسول الله؟ قال) ﷺ : (لا) تتركوا العمل بل (اعملوا) امتثالاً لأمر المولى وعبودية له ولقوله تعالى ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦] (فكل ميسر) بفتح السين المشدّدة زاد في رواية شعبة عن الأعمش السابقة في سورة الليل لما خلق له (ثم قرأ) ﷺ (﴿فأما من أعطى واتقى﴾ [الليل: ٥] الآية).
قال الخطابي ﵀: إن قول الصحابي هذا مطالبة بأمر يوجب تعطيل العبودية فلم يرخص له ﷺ لأن إخبار الرسول ﷺ عن سابق الكتاب إخبار عن غيب علم الله تعالى فيهم وهو حجة، عليهم، فرام أن يتخذه حجة لنفسه في ترك العمل فأعلمه ﷺ أن هاهنا أمرين محكمين لا يعطل أحدهما بالآخر: باطن وهو الحكمة الموجبة في حكم الربوبية، وظاهر وهو السمة اللازمة في حق العبودية وهي أمارة ومخيلة غير مفيدة حقيقة العلم، ويشبه أن يكون والله أعلم إنما عوملوا بهذه المعاملة وتعبدوا بهذا التعبد ليتعلق خوفهم رجاؤهم بالباطن وذلك من صفة الإيمان وبين ﷺ أن كلاًّ ميسر لما خلق له وأن عمله في العاجل دليل مصيره في الآجل، وهذه الأمور في حكم الظاهر ومن وراءه ذلك حكم الله تعالى وهو الحكيم الخبير لا يسأل عما يفعل واطلب نظيره من الرزق المقسوم مع الأمر بالكسب، ومن الأجل المضروب مع المعالجة بالطب المأمور بها.
والحديث سبق في باب موعظة المحدث عند القبر من الجنائز ولما كان ظاهر هذا الحديث يقتضي اعتبار العمل الظاهر أردفه بما يدل على أن الاعتبار بالخاتمة فقال:
٥ - باب الْعَمَلُ بِالْخَوَاتِيمِ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (العمل بالخواتيم) جمع خاتمة.
стр. 7273
٦٦٠٦ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرَجُلٍ مِمَّنْ مَعَهُ يَدَّعِى الإِسْلَامَ: «هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ». فَلَمَّا حَضَرَ الْقِتَالُ قَاتَلَ الرَّجُلُ مِنْ أَشَدِّ الْقِتَالِ، وَكَثُرَتْ بِهِ الْجِرَاحُ فَأَثْبَتَتْهُ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ الَّذِى تَحَدَّثْتَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ قَدْ قَاتَلَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ أَشَدِّ الْقِتَالِ، فَكَثُرَتْ بِهِ الْجِرَاحُ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ» فَكَادَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ يَرْتَابُ فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ إِذْ وَجَدَ الرَّجُلُ أَلَمَ الْجِرَاحِ فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى كِنَانَتِهِ فَانْتَزَعَ مِنْهَا سَهْمًا فَانْتَحَرَ بِهَا، فَاشْتَدَّ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَدَّقَ اللَّهُ حَدِيثَكَ، قَدِ انْتَحَرَ فُلَانٌ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا بِلَالُ قُمْ فَأَذِّنْ، لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ مُؤْمِنٌ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ».
وبه قال: (حدّثنا حبان بن موسى) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: شهدنا مع رسول الله ﷺ خيبر) أي فتح معظمها لأنه لم يحضر وقعتها (فقال رسول الله ﷺ لرجل) عن رجل منافق (ممن معه يدعي الإسلام) اسمه قزمان بضم القاف وسكون الزاي الظفري بفتح المعجمة والفاء.
(هذا من أهل النار) لنفاقه أو لأنه سيرتد ويقتل نفسه مستحلاًّ لذلك (فلما حضر القتال) لم يضبط اللام في اليونينية نعم ضبطها في المغازي بالرفع مصححًا عليها وهو على الفاعلية ويجوز النصب على المفعولية أي فلما حضر الرجل القتال (قاتل الرجل من أشد القتال) ولفظ من ساقط في المغازي (وكثرت) بالواو وضم المثلثة ولأبي ذر عن المستملي فكثرت (به الجراح) بكسر الجيم (فأثبتته) فأثخنته وجعلته ساكنًا غير متحرّك (فجاء رجل من أصحاب النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت الذي) ولأبي ذر أرأيت الرجل الذي (تحدّثت) بفتح الفوقية والدال بعدها مثلثة ساكنة ففوقية ولأبي ذر عن الكشميهني تحدث بضم الفوقية وكسر الدال وإسقاط الفوقية بعد المثلثة (إنه من أهل النار قاتل في سبيل الله) (من أشد القتال فكثرت به الجراح فقال النبي ﷺ : أما) بفتح الهمزة وتخفيف الميم (إنه من أهل النار فكاد) أي قارب (بعض المسلمين يرتاب) يشك فيما قاله ﷺ (فبينما) بالميم (هو على ذلك إذ وجد الرجل) قزمان المذكور (ألم الجراح فأهوى بيده إلى كنانته فانتزع منها سهمًا) نشابة (فانتحر) نحر (بها) نفسه (فاشتد) أسرع (رجال من المسلمين) المشي (إلى رسول الله ﷺ فقالوا يا رسول الله صدّق الله حديثك قد انتحر فلان) الذي قلت إنه من أهل النار (فقتل نفسه فقال رسول الله ﷺ : يا بلال قم فأذن) بتشديد المعجمة المكسورة أي أعلم الناس أنه (لا يدخل الجنة، إلا مؤمن وإن الله ليؤيد) بلام التأكيد
стр. 7274
(هذا الدين بالرجل الفاجر) ال للجنس فيعم كل فاجر أو المراد الرجل الذي قتل نفسه وهو قزمان.
والحديث سبق في الجهاد.
٦٦٠٧ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ حَدَّثَنِى أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَعْظَمِ الْمُسْلِمِينَ غَنَاءً عَنِ الْمُسْلِمِينَ فِى غَزْوَةٍ غَزَاهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَظَرَ النَّبِىُّ ﷺ فَقَالَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا» فَاتَّبَعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ وَهْوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، حَتَّى جُرِحَ فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَجَعَلَ ذُبَابَةَ سَيْفِهِ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ بَيْنِ كَتِفَيْهِ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مُسْرِعًا فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ: «وَمَا ذَاكَ»؟ قَالَ: قُلْتَ لِفُلَانٍ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلَيْهِ» وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِنَا غَنَاءً عَنِ الْمُسْلِمِينَ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ عَلَى ذَلِكَ فَلَمَّا جُرِحَ اسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ».
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن أبي مريم) هو سعيد بن الحكم بن محمد بن أبي مريم أبو محمد الجمحي مولاهم قال: (حدّثنا أبو غسان) بفتح الغين المعجمة والسين المهملة المشدّدة وبعد الألف نون محمد بن مطرف الليثي قال: (حدثني) بالإفراد (أبو حازم) سلمة بن دينار (عن سهل) ولأبي ذر زيادة ابن سعد الأنصاري ﵁ (أن رجلاً) اسمه قزمان (من أعظم المسلمين غناء) بفتح الغين المعجمة والنون والمد يقال أغنى عنه أي أجزأ وناب (عن المسلمين في غزوة غزاها مع النبي ﷺ ¬) هي غزوة خيبر (فنظر النبي ﷺ ¬) إليه (فقال):
(من أحب أن ينظر إلى الرجل) ولأبي ذر إلى رجل (من أهل النار فلينظر إلى هذا) الرجل أي قزمان (فاتبعه رجل من القوم) اسمه أكثم بن أبي الجون الخزاعي (وهو) أي الرجل (على تلك الحال من أشد الناس على المشركين) قتالاً (حتى جرح فاستعجل الموت فجعل ذبابة سيفه) طرفه (بين ثدييه) بالتثنية (حتى خرج) السيف (من بين كتفيه) واستشكل قوله هنا فجعل ذبابة سيفه مع قوله في السابق أنه نحر نفسه بالسهم، فقيل بالتعدد وإنهما قصتان متغايرتان في موطنين لرجلين أو إنهما قصة واحدة ونحر نفسه بهما معًا (فأقبل الرجل) أكثم بن أبي الجون (إلى النبي ﷺ مسرعًا فقال: أشهد أنك رسول الله ﷺ فقال) ﷺ (وما ذاك؟ قال: قلت) بفتح التاء (لفلان) أي عن فلان (من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إليه وكان من أعظمنا غناء عن المسلمين فعرفت أنه لا يموت على ذلك فلما جرح استعجل الموت فقتل نفسه، فقال النبي ﷺ عند ذلك: إن العبد ليعمل عمل أهل النار وإنه من أهل الجنة وبعمل عمل أهل الجنة وإنه من أهل النار وإنما الأعمال) أي اعتبار الأعمال (بالخواتيم).
стр. 7275
والحديث مر في الجهاد.
٦ - باب إِلْقَاءِ النَّذْرِ الْعَبْدَ إِلَى الْقَدَرِ
(باب إلقاء النذر العبد إلى القدر) بنصب العبد على أنه مفعول بالمصدر المضاف إلى الفاعل ولأبي ذر الحموي والمستملي: إلقاء العبد النذر بالرفع على أنه فاعل بالمصدر المضاف إلى المفعول.
٦٦٠٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَهَى النَّبِىُّ ﷺ عَنِ النَّذْرِ قَالَ: «إِنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئًا وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ».
[الحديث ٦٦٠٨ - طرفاه في: ٦٦٩٢، ٦٦٩٣].
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن عبد الله بن مرة) الهمداني الخارقي بمعجمة وراء مكسورة وفاء الكوفي (عن ابن عمر ﵄) أنه (قال: نهى النبي ﷺ ¬) نهي تنزيه لا تحريم (عن النذر) أي عن عقد النذر أو التزام النذر (قال) ولأبي الوقت وقال:
(إنه لا يردّ شيئًا) أي من القدر، ولمسلم: لا تنذروا فإن النذر لا يغني من القدر شيئًا والمعنى لا تنذروا على أنكم تصرفون به ما قدر عليكم أو تدركون به شيئًا لم يقدره الله لكم (إنما) وللكشميهني وإنما (يستخرج به) بالنذر (من البخيل) لأنه لا يتصدق إلا بعوض يستوفيه أوّلاً، والنذر قد يوافق القدر فيخرج من البخيل ما لولاه لم يكن يريد أن يخرجه، وفي قوله يستخرج دلالة على وجوب الوفاء به.
واستشكل كونه نهى عن النذر مع وجوب الوفاء به عند الحصول. وأجيب: بأن المنهي عنه النذر الذي يعتقد أنه يغني عن القدر بنفسه كما زعموا وكم من جماعة يعتقدون ذلك لما شاهدوا من غالب الأحوال حصول المطالب بالنذر وأما إذا نذر واعتقد أن الله تعالى هو الضار والنافع، والنذر كالوسائل والذرائع فالوفاء به طاعة وهو غير منهي عنه.
والحديث أخرجه أيضًا في الأيمان والنذور، ومسلم وأبو داود والنسائي في النذور، وابن ماجة في الكفارات.
٦٦٠٩ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَأْتِى ابْنَ آدَمَ النَّذْرُ بِشَىْءٍ لَمْ يَكُنْ قَدْ قَدَّرْتُهُ، وَلَكِنْ يُلْقِيهِ الْقَدَرُ وَقَدْ قَدَّرْتُهُ لَهُ أَسْتَخْرِجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ».
[الحديث ٦٦٠٩ - طرفه في: ٦٦٩٤].
وبه قال: (حدّثنا بشر بن محمد) بكسر الموحدة وسكون المعجمة السختياني أبو محمد المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن همام بن منبه)
стр. 7276
بكسر الموحدة المشددة (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(لا يأت ابن آدم النذر بشيء لم يكن قد قدرته) صفة لقوله بشيء ويأت بغير تحتية بعد الفوقية في الفرع على الوصل كقوله تعالى ﴿سندع الزبانية﴾ [العلق: ١٨] بغير واو وفي غيره بإثباتها على الأصل وهو من أتى بمعنى جاء يتعدى لواحد بخلاف آتي (ولكن) بالتخفيف (يلقيه) من الإلقاء (القدر) أي إلى النذر، ولا مطابقة بين هذا وبين الترجمة كما لا يخفى، فالظاهر كما قاله في الكواكب أن الترجمة مقلوبة إذ القدر هو الذي يلقي بالحقيقة إلى النذر كما في الحديث، فكان الأولى أن يقول يلقيه القدر بالقاف إلى النذر بالنون ليطابق الحديث. وأجاب بأنهما صادقان إذ الذي يلقي بالحقيقة هو القدر وهو الموصل، وبالظاهر هو النذر، نعم في رواية الكشميهني في متن الحديث مما ذكره في الفتح يلقيه النذر بالنون والذال المعجمة وبها تحصل المطابقة ونسبة الإلقاء إلى النذر مجازية وسوّغ ذلك كونه سببًا إلى الإلقاء فنسب الإلقاء إليه (وقد قدرته له أستخرج) بلفظ المتكلم من المضارع (به من البخيل) الباء في به باء الآلة قاله ابن فرحون في إعراب العمدة والحديث من أفراده.
٧ - باب لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ
(باب) بغير تنوين في الفرع كأصله للإضافة إلى قوله (لا حول ولا قوّة إلا بالله) وقال في الفتح: بالتنوين.
٦٦١٠ - حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِى عُثْمَانَ النَّهْدِىِّ، عَنْ أَبِى مُوسَى، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِى غَزَاةٍ، فَجَعَلْنَا لَا نَصْعَدُ شَرَفًا وَلَا نَعْلُو شَرَفًا، وَلَا نَهْبِطُ فِى وَادٍ إِلاَّ رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا بِالتَّكْبِيرِ قَالَ: فَدَنَا مِنَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا»، ثُمَّ قَالَ: «يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَةً هِىَ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ؟ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (محمد بن مقاتل أبو الحسن) الكسائي نزيل بغداد ثم مكة قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا خالد الحذاء) بالحاء المهملة والذال المعجمة (عن أبي عثمان) عبد الرَّحمن بن مل (النهدي) بفتح النون وسكون الهاء (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري ﵁ أنه (قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزاة) هي غزوة خيبر كما سبق في المغازي (فجعلنا لا نصعد شرفًا) بفتح الشين المعجمة والراء والفاء موضعًا عاليًا (ولا نعلو شرفًا ولا نهبط في واد إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير قال) أبو موسى (فدنا) أي قرب (منا رسول الله ﷺ فقال):
стр. 7277
(يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم) بهمزة وصل وفتح الموحدة وضم العين المهملة ارفقوا بأنفسكم واخفضوا أصواتكم (فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا). قال الكرماني وتبعه العيني: أصمًّا ولعله باعتبار التناسب وأطلق على التنكير دعاء لأنه بمعنى النداء إذ الذاكر يريد إسماع من ذكره والشهادة له (إنما تدعون سميعًا بصيرًا ثم قال) ﷺ لأبي موسى: (يا عبد الله بن قيس ألا) بالتخفيف (أعلمك كلمة) من باب إطلاق الكلمة على الكلام (هي من كنوز الجنة) أي من ذخائر الجنة وقال النووي أي إن قولها يحصل ثوابًا نفيسًا يدخر لصاحبه في الجنة (لا حول ولا قوّة إلا بالله) أي لا تحوّل للعبد عن معصية الله إلا بعصمة الله ولا قوّة له على طاعة الله إلا بتوفيق الله فهي كما قال النووي كلمة استسلام وتفويض يشير إلى أن العبد لا يملك لنفسه شيئًا وأنه لا قدرة له على دفع ضرر ولا قوّة له على جلب خير إلا بقدر الله تعالى وإرادته.
والحديث أخرجه في آخر كتاب الدعوات.
٨ - باب الْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ
عَاصِمٌ: مَانِعٌ. قَالَ مُجَاهِدٌ: سُدًا عَنِ الْحَقِّ يَتَرَدَّدُونَ فِى الضَّلَالَةِ. دَسَّاهَا: أَغْوَاهَا.
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه قوله ﷺ (المعصوم من عصم الله) بإسقاط ضمير المفعول (عاصم) في قوله تعالى ﴿لا عاصم اليوم﴾ [هود: ٤٣] أي (مانع) كذا فسره عكرمة فيما أخرجه الطبري من طريق الحكم بن أبان عنه.
(قال مجاهد): هو ابن جبر (سدّا) بألف بعد الدال المنوّنة أي من غير تشديد في الفرع كأصله وقال في الفتح بالتشديد والألف أي (عن الحق يترددون في الضلالة) وهذا وصله ابن أبي حاتم من طريق ورقاء عن ابن أبي نجيح عنه في قوله تعالى ﴿وجعلنا من بين أيديهم سدّا﴾ [يس: ٩] قال: عن الحق، ووصله عبد بن حميد من طريق شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى ﴿وجعلنا من بين أيديهم سدًّا﴾ قال: عن الحق وقد يترددون، ورأيته في بعض النسخ سدي بتحتية بعد الدال مخففًا وعليها شرح الكرماني قال في الفتح: فزعم الكرماني أنه وقع هنا أيحسب الإنسان أن يترك سدى أي مهملاً مترددًا في الضلالة ولم أر في شيء من نسخ البخاري إلا اللفظ الذي أوردته ولم أر في شيء من التفاسير التي تساق بالأسانيد لمجاهد في قوله ﴿أيحسب الإنسان أن يترك سدى﴾ [القيامة: ٣٦] كلامًا ولم أر في قوله في الضلالة في شيء من المنقول بالسند عن مجاهد اهـ.
وتعقبه العينى فقال: هذا الكلام ينقض آخره أوله لأنه قال أولاً: ورأيته في بعض نسخ البخاري سدى بتخفيف الدال ثم قال: ولم أر في شيء من نسخ البخاري إلا الذي أوردته، ومع هذا فإنه لم يطلع على جميع النسخ إذ لم يطلع إلا على النسخ التي في مدينته، وأما النسخ
стр. 7278
التي في كرمان وبلخ وخراسان فلا وأجاب في انتقاض الاعتراض بأن الذي نفى رؤيته قول الكرماني قوله وقال: ﴿أيحسب الإنسان أن يترك سدى﴾ [القيامة: ٣٦] أي مهملاً مترددًا في الضلالة، وأما الذي ذكر أنه رآه في بعض النسخ فهو مجرد لفظ سدي بالتخفيف وبالتحتية آخره فأين التناقض.
﴿دساها﴾ من قوله تعالى: ﴿وقد خاب من دساها﴾ [الشمس: ١٠] قال مجاهد فيما رواه الفريابي عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عنه (أغواها) قال:
وأنت الذي دسست عمرًا فأصبحت … حلائله منه أرامل ضيعا
وأصلها دسسها من التدسيس فكثرت الأمثال فأبدل من ثالثها حرف علة والتدسية الإخفاء يعني أخفى الفجور، وقال ابن الأعرابي ﴿وقد خاب من دساها﴾ أي دس نفسه في جملة الصالحين وليس منهم.
٦٦١١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ: حَدَّثَنِى أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا اسْتُخْلِفَ خَلِيفَةٌ إِلاَّ لَهُ بِطَانَتَانِ، بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْخَيْرِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ».
[الحديث ٦٦١١ - طرفه في: ٧١٩٨].
وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو لقب عبد الله بن عثمان المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا يونس) بن يزيد الأيلي (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه (قال: حدثني) بالإفراد (أبو سلمة) بن عبد الرَّحمن بن عوف (عن أبي سعيد الخدري) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(ما استخلف) بضم الفوقية وسكون المعجمة وكسر اللام (خليفة إلا له بطانتان بطانة) بكسر بطانة فيهما اسم جنس يشمل الواحد والجماعة وبطانة الرجل خاصته الذين يباطنهم في الأمور ولا يظهر غيرهم عليها مشتقة من البطن والباطن دون الظاهر، وهذا كما استعاروا الشعار والدثار في ذلك ويقال بطن فلان بفلان بطونا وبطانة وقال:
أولئك خلصاني نعم وبطانتي … وهم عيبتي من دون كل قريب
فبطانة (تأمره بالخير وتحضه عليه وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه) بضم الحاء المهملة والضاد المعجمة (والمعصوم من عصم الله) بإسقاط ضمير المفعول أي من عصمه الله بأن حماه من الوقوع في الهلاك أو ما يجر إليه.
والحدث أخرجه المؤلّف أيضًا في الأحكام والنسائي في البيعة والسير.
стр. 7279
٩ - باب ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥]
﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦].
﴿وَلَا يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٧].
وَقَالَ مَنْصُورُ بْنُ النُّعْمَانِ: عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَحِرْمٌ بِالْحَبَشِيَّةِ وَجَبَ.
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه قوله تعالى (﴿وحرام﴾) ولأبوي الوقت وذر وابن عساكر وحرم بكسر الحاء وسكون الراء وهي قراءة أبي بكر وحمزة والكسائي وهما لغتان كالحل والحلال وَزْنًا وضده معنى أي وممتنع (﴿على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون﴾) قال في الكشاف: استعير الحرام الممتنع وجوده، ومنه قوله تعالى ﴿إن الله حرمهما على الكافرين﴾ [الأعراف: ٥٥] أي منعهما منهم وأبى أن يكونا لهم، ومعنى أهلكناها عزمنا على إهلاكها أو قدرنا إهلاكها، ومعنى الرجوع الرجوع من الكفر إلى الإسلام والإنابة، ومجاز الآية أن قومًا عزم الله على إهلاكهم غير متصوّر أن يرجعوا وينيبوا إلى أن تقوم القيامة فحينئذٍ يرجعون اهـ.
والظاهر كما قال بعضهم: إن المعنى وحرام على قرية أهلكناها عدم رجوعهم إلينا في القيامة، فتكون الآية واردة في تقرير أمر البعث والتفخيم لشأنه وهذا يتعين المصير إليه لأوجه:
أحدها: أنه ليس فيه مخالفة للأصول بخلاف غيره مما يدعى فيه زيادة لا وكونه في طائفة مخصوصة وكون حرام معنى ممتنع أو بمعنى واجب كما قيل في قوله:
وإن حرامًا لا أرى الدهر باكيًا … على شجره إلا بكيت على عمرو
الثاني: أن سياق الآية قبلها وبعدها وارد في أمر البعث وهو قوله ﴿كل إلينا راجعون﴾ [الأنبياء: ٩٣] وقوله: حتى إذا فتحت.
الثالث: أن حملها على الرجوع إلى الدنيا لا كبير فائدة فإنه معلوم عند المخاطبين من الموافقين والمخالفين وحملها على الرجوع إلى القيامة أكثر فائدة فإن الكفار ينكرونه فأكد وفخم تهديدًا لهم وزجرًا وقوله تعالى في سورة هود: (﴿إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن﴾) [هود: ٣٦] إقناط من إيمانهم وأنه غير متوقع، وقوله تعالى: (﴿ولا يلدوا إلا فاجرًا كفارًا﴾) [نوح: ٢٧] إلا من بلغ فجر وكفر وإنما قال ذلك لأن الله أخبره إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ودخول ذلك في أبواب القدر ظاهر فإنه يقتضي سبق علم بما يقع من العبد.
(وقال منصور بن النعمان) اليشكري بفتح التحتية وسكون الشين المعجمة وضم الكاف البصري، وفي حاشية الفرع كأصله صوابه منصور بن المعتمر قال: وفي حاشية أصل أبي ذر صوابه منصور بن النعمان وكذا في أصل الأصيلي وابن عساكر وقال الحافظ ابن حجر: وقد زعم
стр. 7280
بعض المتأخرين أن الصواب منصور بن المعتمر والعلم عند الله (عن عكرمة عن ابن عباس) ﵄ (وحرم) بكسر الحاء وسكون الراء (بالحبشية) أي (وجب) أخرجه عبد بن حميد من طريق عطاء عن عكرمة عنه.
٦٦١٢ - حَدَّثَنِى مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِى، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ وَيُكَذِّبُهُ». وَقَالَ شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبوي ذر والوقت بالجمع (محمود بن غيلان) بفتح الغين المعجمة وسكون التحتية أبو حامد المروزي الحافظ قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن ابن طاوس) عبد الله (عن أبيه) طاوس (عن ابن عباس) ﵄ أنه (قال: ما رأيت شيئًا أشبه باللمم) بفتح اللام والميم الأولى وأصل ما قل وصغر ومنه اللمم وهو المس من الجنون وألم بالمكان قلّ لبثه فيه، وألم بالطعام قلّ أكله منه، وقال أبو العباس: أصل اللمم أن يلم بالشيء من غير أن يرتكبه يقال ألم بكذا إذا قاربه ولم يخالطه وقال جرير:
بنفسي من تجنبه عزيز … عليّ ومن زيارته لمام
وقال آخر:
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا … تجد حطبًا جزلاً ونارًا تأججا
واللمم: صغار الذنوب أي ما رأيت شيئًا أشبه بصغار الذنوب (مما قال أبو هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(إن الله) (كتب على ابن آدم حظه) نصيبه (من الزنا) بالقصر ومن بيانية (أدرك) أصاب (ذلك) المكتوب عليه (لا محالة) بفتح الميم والحاء المهملة لا بدّ له منه لأن ما كتبه الله لا بد أن يقع وكتب يحتمل أن يراد به أثبت أي أثبت فيه الشهوة والميل إلى النساء وخلق فيه العينين والأذن والقلب وهي التي تجد لذة الزنا، ويحتمل أن يراد به قدّر أي قدّر في الأزل أن يجري على ابن آدم الزنا فإذا قدّر في الأزل أدرك ذلك لا محالة (فزنا العين النظر) إلى ما لا يحل للناظر (وزنا اللسان المنطق) بميم مفتوحة فنون ساكنة فطاء مهملة مكسورة ولأبي ذر عن الكشميهني النطق بلا ميم وضم النون وسكون الطاء. وقال ابن مسعود: العينان تزنيان بالنظر، والشفتان تزنيان وزناهما التقبيل، واليدان تزنيان وزناهما اللمس، والرجلان تزنيان وزناهما المشي (والنفس تمنى) فعل مضارع أصله تتمنى حذفت منه إحدى التاءين (وتشتهي والفرج يصدق ذلك) النظر والتمني بأن
стр. 7281
يقع في الزنا بالوطء (ويكذبه) بأن يمتنع من ذلك خوفًا من ربه تعالى، ولأبي ذر: أو يكذبه وسمى ما ذكر من نظر العين وغيره زنا لأنها مقدمات له مؤذنة بوقوعه ونسب التصديق والتكذيب للفرج لأنه منشؤه ومكانه. وقال في شرح المشكاة: شبه صورة حالة الإنسان من إرسال الطرف الذي هو رائد القلب إلى النظر إلى المحارم وإصغائه بالأذن إلى السماع ثم انبعاث القلب إلى الاشتهاء والتمني ثم استدعائه منه، فصار ما يشتهي ويتمنى باستعمال الرجلين في المشي واليدين في البطش والفرج في تحقيق مشتهاه، فإذا مضى الإنسان على ما استدعاه القلب حقق متمناه فإذا امتنع من ذلك خيبه فيه بحال رجل يخبره صاحبه بما يزينه له ويغويه عليه فهو إما يصدقه ويمضي على ما أراده منه أو يكذبه، ثم استعمل في حال المشبه ما كان مستعملاً في جانب المشبه به من التصديق والتكذيب ليكون قرينة للتمثيل أو الإسناد في قوله: والفرج يصدق ذلك ويكذبه مجازي لأن الحقيقي هو أن يسند للإنسان فأسند إلى الفرج لأنه مصدر الفعل والسبب القوي.
(وقال شبابة): بفتح الشين المعجمة والموحدتين بينهما ألف مع التخفيف ابن سوّار بفتح المهملة والواو المشددة (حدّثنا ورقاء) بفتح الواو والقاف بينهما راء ساكنة آخره همزة ممدود ابن عمر أبو بشر الحافظ (عن ابن طاوس) عبد الله (عن أبيه) طاوس (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) قال في الفتح: كأن طاوسًا سمع من ابن عباس عن أبي هريرة، أو سمعه من أبي هريرة بعد أن سمعه من ابن عباس. قال: ولم أقف على رواية شبابة هذه موصولة.
ومطابقة الحديث للترجمة من جهة أن الزنا ودواعيه مكتوبة مقدرة على العبد غير خارجة عن سابق القدر.
١٠ - باب ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِى أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]
(باب) قوله تعالى: (﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك) ليلة المعراج (﴿إلا فتنة للناس﴾) [الإسراء: ٦٠] أي اختبارًا وامتحانًا، ولذا ارتد من استعظم ذلك وبه تعلق من قال: كان الإسراء في المنام، ومن قال: كان في اليقظة فسر الرؤيا بالرؤية، وإنما سماها رؤيا على قول المكذبين حيث قالوا: لعلها رؤيا رأيتها استبعادًا منهم لها ويمكن أن يكون هاهنا من باب المشاكلة أو هي أنه سيدخل مكة والفتنة الصد بالحديبية أو أراه مصارع القوم بوقعة بدر في منامه فكان يقول حين ورد ماء بدر والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم وهو يومئ إلى الأرض ويقول: هذا مصرع فلان.
٦٦١٣ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِى أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ قَالَ: هِىَ رُؤْيَا عَيْنٍ أُرِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِىَ بِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالَ: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِى الْقُرْآنِ﴾ قَالَ: هِىَ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ.
стр. 7282
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) بضم الحاء المهملة وفتح الميم عبد الله بن الزبير قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا عمرو) بفتح العين ابن دينار (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس ﵄) أنه قال في تفسير قوله تعالى: (﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾ [الإسراء: ٦٠] (قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ¬) بضم الهمزة وكسر الراء من الإراءة (ليلة أسري به) أي في طريقه (إلى بيت المقدس) هذا من البخاري كما في اليونينية وغيرها كما عند سعيد بن منصور (قال) ابن عباس (والشجرة الملعونة في القرآن قال: هي شجرة الزقوم).
فإن قلت: ليس في القرآن ذكر لعن شجرة الزقوم. أجيب: بأن المعنى والشجرة الملعون آكلوها وهم الكفرة لأنه قال: ﴿فإنهم لآكلون منها فمالؤون منها البطون﴾ [الصافات: ٦٦] فوصفت بلعن أهلها على المجاز، ولأن العرب تقول لكل طعام مكروه وضار ملعون، ولأن اللعن هو الإبعاد من الرحمة وهي في أصل الجحيم في أبعد مكان من الرحمة.
ومطابقة الحديث لما ترجم له خفية، لكن قال السفاقسي: وجه دخول هذا الحديث في كتاب القدر الإشارة إلى أن الله قدر على المشركين التكذيب لرؤيا نبيه الصادق فكان ذلك زيادة في طغيانهم حيث قالوا: كيف يسير إلى بيت المقدس في ليلة واحدة ثم يرجع فيها، وكذلك جعل الشجرة الملعونة زيادة في طغيانهم حيث قالوا: كيف يكون في النار شجرة والنار تحرق الشجر؟ والجواب عن شبهتهم أن الله خلق الشجرة المذكورة من جوهر لا تأكله النار كخزنتها وحياتها وعقاربها وأحوال الآخرة لا تقاس بأحوال الدنيا.
والحديث مرّ في تفسير سورة الإسراء وأخرجه الترمذي والنسائي في التفسير.
١١ - باب تَحَاجَّ آدَمُ وَمُوسَى عِنْدَ اللَّهِ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (تحاج) بفتح الفوقية والمهملة وتشديد الجيم وأصله تحاجج بجيمين أدغمت أولاهما في الأخرى (آدم وموسى) عليهما الصلاة والسلام (عند الله والعندية للاختصاص والتشريف لا عندية مكان كما لا يخفى.
٦٦١٤ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَفِظْنَاهُ مِنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى فَقَالَ لَهُ مُوسَى: يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُونَا خَيَّبْتَنَا وَأَخْرَجْتَنَا مِنَ الْجَنَّةِ، قَالَ لَهُ آدَمُ: يَا مُوسَى اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلَامِهِ وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ، أَتَلُومُنِى عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَ اللَّهُ عَلَىَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِى بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟ فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى ثَلَاثًا». قَالَ سُفْيَانُ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ.
وبه قال: (حدّثنا عليّ بن عبد الله) المديني قال (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: حفظناه) أي الحديث (من عمرو) بفتح العين ابن دينار وعند الحميدي في مسنده عن سفيان حدّثنا عمرو بن
стр. 7283
دينار (عن طاوس) هو ابن كيسان الإمام أبو عبد الرَّحمن أنه قال: (سمعت أبا هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(احتج آدم وموسى) صلّى الله عليهما وسلم أي تحاجا وتناظرا وفي رواية همام عند مسلم تحاج كما في الترجمة وهي أوضح (فقال له): أي لآدم (موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا) أي أوقعتنا في الخيبة وهي الحرمان (وأخرجتنا) أي كنت سببًا لإخراجنا (من الجنة) دار النعيم والخلود إلى دار البؤس والفناء والجملة مبنية للسابقة ومفسرة لما أجمل (قال له) لموسى (آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه) أي جعلك خالصًا صافيًا عن شائبة ما لا يليق بك وقوله بكلامه فيه تلميح إلى قوله: ﴿وكلم الله موسى تكليمًا﴾ [النساء: ١٦٤] وقوله: ﴿تلك الرسل فضلنا﴾ [البقرة: ٢٥٣] الآية (وخط لك) ألواح التوراة (بيده) بقدرته (أتلومني على أمر قدّر الله عليّ) بتشديد الياء وحذف ضمير المفعول ولأبي ذر عن الكشميهني قدّره الله عليّ (قبل أن يخلقني بأربعين سنة) أي ما بين قوله تعالى: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ [البقرة: ٣٠] إلى نفخ الروح فيه أو هي مدة لبثه طينًا إلى أن نفخت فيه الروح، ففيه مسلم أن بين تصويره طينًا ونفخ الروح فيه كان أربعين سنة أو المراد إظهاره للملائكة، وفي رواية أبي صالح السمان عند الترمذي وابن خزيمة من طريق الأعمش فتلومني على شيء كتبه الله عليّ قبل خلقي، وفي حديث أبي سعيد عند البزار: أتلومني على أمر قدّره الله تعالى عليّ قبل أن يخلق السماوات والأرض وجمع بحمل المقيد بالأربعين على ما يتعلق بالكتابة والآخر على ما يتعلق بالعلم (فحج آدم) بالرفع على الفاعلية (موسى) نصب مفعولاً (فحج آدم موسى) قالها (ثلاثًا) والملفوظ به هنا ثنتان أي غلبه بالحجة بأن ألزمه أن ما صدر عنه لم يكن هو مستقلاًّ به متمكنًا من تركه، بل كان قدرًا من الله تعالى لا بدّ من إمضائه، والجملة مقررة لما سبق وتأكيد له وتثبيت للأنفس على توطين هذا الاعتقاد أي أن الله أثبته في أمّ الكتاب قبل كوني، وحكم بأنه كائن لا محالة فكيف تغفل عن العلم السابق وتذكر الكسب الذي هو السبب وتنسى الأصل الذي هو القدر وأنت من المصطفين الأخيار الذين يشاهدون سرّ الله تعالى من وراء الأستار، وهذه المحاجة لم تكن في عالم الأسباب الذي لا يجوز فيه قطع النظر عن الوسائط والاكتساب، وإنما كانت في العالم العلوي عند ملتقى الأرواح واللوم وإنما يتوجه على المكلف ما دام في دار التكليف أما بعدها فأمره إلى الله تعالى لا سيما وقد وقع ذلك بعد أن تاب الله عليه، فلذا عدل إلى الاحتجاج بالقدر السابق فالتائب لا يلام على ما تيب عليه منه ولا سيما إذا انتقل عن دار التكليف.
واختلف في وقت هذه المحاجة فقيل يحتمل أنه في زمان موسى فأحيا الله له آدم معجزة له فكلمه، أو كشف له عن قبره فتحدثا، أو أراه الله روحه كما أري النبي ﷺ ليلة المعراج أرواح الأنبياء، أو أراه الله له في المنام ورؤيا الأنبياء وحي، أو كان ذلك بعد وفاة موسى فالتقيا في البرزخ أول ما مات موسى فالتقت أرواحهما في السماء. وبذلك جزم ابن عبد البر والقابسي أو أن ذلك لم يقع بعد وإنما يقع في الآخرة والتعبير عنه في الحديث بلفظ الماضي لتحقق وقوعه.
стр. 7284
والحديث أخرجه مسلم في القدر أيضًا وأبو داود في السنة والنسائي في التفسير وابن ماجة في السنة أيضًا.
(قال سفيان) بن عيينة ولأبي الوقت، وقال سفيان بواو العطف على قوله حفظناه من عمرو فهو موصول (حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرَّحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ مثله) أي مثل الحديث السابق.
١٢ - باب لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى اللَّهُ
هذا (باب) بالتنوين (لا مانع لما أعطى الله).
٦٦١٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ أَبِى لُبَابَةَ، عَنْ وَرَّادٍ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ اكْتُبْ إِلَىَّ مَا سَمِعْتَ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ خَلْفَ الصَّلَاةِ، فَأَمْلَى عَلَىَّ الْمُغِيرَةُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ خَلْفَ الصَّلَاةِ: «لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِىَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ». وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِى عَبْدَةُ أَنَّ وَرَّادًا أَخْبَرَهُ بِهَذَا، ثُمَّ وَفَدْتُ بَعْدُ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَسَمِعْتُهُ يَأْمُرُ النَّاسَ بِذَلِكَ الْقَوْلِ.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن سنان) بكسر السين المهملة وتخفيف النون العوقي قال: (حدّثنا فليح) بضم الفاء عبد الملك بن سليمان قال: (حدّثنا عبدة) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة (ابن أبي لبابة) بضم اللام وتخفيف الموحدة الأسدي الكوفي سكن دمشق (عن وراد) بفتح الواو والراء المشددة (مولى المغيرة بن شعبة) وكاتبه أنه (قال: كتب معاوية) بن أبي سفيان (إلى المغيرة) بن شعبة (اكتب إلي) بتشديد الياء (ما) ولأبي ذر بما (سمعت النبي ﷺ يقول: خلف الصلاة) المكتوبة (فأملى عليّ المغيرة) بفتح الهمزة واللام بينهما ميم ساكنة وعلي بتشديد الياء (قال: سمعت النبي ﷺ يقول: خلف الصلاة) المكتوبة:
(لا إله إلا الله وحده لا شريك له) ذكره بعد استفادة الحصر من الذي قبله وهو لا إله إلا الله تأكيد مع ما فيه من تكثير حسنات الذاكر (اللهم لا مانع لما أعطيت) أي لما أردت إعطاءه وإلا فبعد الإعطاء من كل أحد لا مانع له إذ الواقع لا يرتفع (ولا معطي لما منعت) ما موصول وجملة أعطيت صلتها والعائد محذوف أي لما أعطيته. وقال في العدة: ولا مانع اسم نكرة مبني مع لا وخبر لا الاستقرار المتعلق به المجرور أو الخبر محذوف وجوبًا على لغة بني تميم ووافقهم كثير من الحجازيين فيتعلق حرف الجر بمانع، قيل فيجب نصبه وتنوينه لأنه مطوّل والرواية على بنائه من غير تنوين فيحتمل له بأن يعلق بخبر لمانع محذوف أي لا مانع لنا لما أعطيت فيتعلق بالكون المقدر لا بمانع ما قيل في قوله تعالى ﴿لا غالب لكم اليوم﴾ [الأنفال: ٤٨]. ويحتمل أن يكون أصله
стр. 7285
لا مانعًا بالتنوين ثم حذف التنوين بعد أن أبدل منه ألف ثم حذفت الألف فصار على صورة المبني، ويجوز أن يكون لما أعطيت في محل صفة لمانع والخبر محذوف، ويحتمل أن يقدر لا مانع لما أعطيت يمنع فيتعلق بيمنع ويكون يمنع خبر لا على إحدى اللغتين، واختار الزمخشري في قوله تعالى: ﴿لا تثريب عليكم اليوم﴾ [يوسف: ٩٢] إن اليوم معمول بتثريب، وردّ عليه أبو حيان لأجل الفصل بين المصدر ومعموله بعليكم وهو إما خبر أو صفة وأيًّا ما كان فلا يجوز وكان يلزم تنوين تثريب (ولا ينفع ذا الجد منك الجد) بفتح الجيم فيهما على المشهور ومنك يتعلق بينفع أي لا ينفع صاحب الحظ من نزول عذابك حظه وإنما ينفعه عمله الصالح. وقال في الكواكب: ومن هي البدلية أي المحظوظ لا ينفعه بذلك أي بدل طاعتك.
والحديث سبق في الصلاة والدعوات.
(وقال ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز فيما وصله الإمام أحمد ومسلم (أخبرني) بالإفراد (عبدة) بن أبي لبابة (أن ورادًا) مولى المغيرة (أخبره بهذا) الحديث قال عبدة (ثم وفدت) بالفاء من الوفود (بعد إلى معاوية) لما كان بالشام (فسمعته يأمر الناس بذلك القول) وهو لا إله إلا الله إلى آخره، ومراد المؤلّف من سياق هذا التعليق التصريح بأن ورادًا أخبر به عبدة لأنه رواه في الرواية السابقة بالعنعنة.
١٣ - باب مَنْ تَعَوَّذَ بِاللَّهِ مِنْ دَرَكِ الشَّقَاءِ وَسُوءِ الْقَضَاءِ. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾
(باب من تعوذ بالله من درك الشقاء وسوء القضاء)، وقوله تعالى (﴿قل أعوذ برب الفلق﴾) أي الصبح أو الخلق أو هو واد في جهنم أوجب فيها (﴿من شر ما خلق﴾) [الفلق: ١] الشيطان خاصة لأن الله تعالى لم يخلق خلقًا أشر منه، وقيل جهنم وما خلق فيها، وقيل عام أي من شر كل ذي شر خلقه الله وما موصولة والعائد محذوف أو مصدرية ويكون الخلق بمعنى المخلوق، وقرأ بعض المعتزلة الذين يرون أن الله لم يخلق الشر من شر بالتنوين ما خلق على النفي وهي قراءة مردودة مبنية على مذهب باطل، وهذه السورة دالة على أن الله تعالى خالق كل شيء ففيها الرد على من زعم أن العبد يخلق فعل نفسه لأنه لو كان السوء المأمور بالاستعاذة منه مخلوقًا لفاعله لما كان للاستعاذة بالله منه معنى لأنه لا يصح التعوذ إلا بمن قدر على إزالة ما استعيذ به منه.
٦٦١٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُمَىٍّ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ الْقَضَاءِ وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ».
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن سمي) بضم
следующие страницы →