يقع في الزنا بالوطء (ويكذبه) بأن يمتنع من ذلك خوفًا من ربه تعالى، ولأبي ذر: أو يكذبه وسمى ما ذكر من نظر العين وغيره زنا لأنها مقدمات له مؤذنة بوقوعه ونسب التصديق والتكذيب للفرج لأنه منشؤه ومكانه. وقال في شرح المشكاة: شبه صورة حالة الإنسان من إرسال الطرف الذي هو رائد القلب إلى النظر إلى المحارم وإصغائه بالأذن إلى السماع ثم انبعاث القلب إلى الاشتهاء والتمني ثم استدعائه منه، فصار ما يشتهي ويتمنى باستعمال الرجلين في المشي واليدين في البطش والفرج في تحقيق مشتهاه، فإذا مضى الإنسان على ما استدعاه القلب حقق متمناه فإذا امتنع من ذلك خيبه فيه بحال رجل يخبره صاحبه بما يزينه له ويغويه عليه فهو إما يصدقه ويمضي على ما أراده منه أو يكذبه، ثم استعمل في حال المشبه ما كان مستعملاً في جانب المشبه به من التصديق والتكذيب ليكون قرينة للتمثيل أو الإسناد في قوله: والفرج يصدق ذلك ويكذبه مجازي لأن الحقيقي هو أن يسند للإنسان فأسند إلى الفرج لأنه مصدر الفعل والسبب القوي.
(وقال شبابة): بفتح الشين المعجمة والموحدتين بينهما ألف مع التخفيف ابن سوّار بفتح المهملة والواو المشددة (حدّثنا ورقاء) بفتح الواو والقاف بينهما راء ساكنة آخره همزة ممدود ابن عمر أبو بشر الحافظ (عن ابن طاوس) عبد الله (عن أبيه) طاوس (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) قال في الفتح: كأن طاوسًا سمع من ابن عباس عن أبي هريرة، أو سمعه من أبي هريرة بعد أن سمعه من ابن عباس. قال: ولم أقف على رواية شبابة هذه موصولة.
ومطابقة الحديث للترجمة من جهة أن الزنا ودواعيه مكتوبة مقدرة على العبد غير خارجة عن سابق القدر.
١٠ - باب ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِى أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]
(باب) قوله تعالى: (﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك) ليلة المعراج (﴿إلا فتنة للناس﴾) [الإسراء: ٦٠] أي اختبارًا وامتحانًا، ولذا ارتد من استعظم ذلك وبه تعلق من قال: كان الإسراء في المنام، ومن قال: كان في اليقظة فسر الرؤيا بالرؤية، وإنما سماها رؤيا على قول المكذبين حيث قالوا: لعلها رؤيا رأيتها استبعادًا منهم لها ويمكن أن يكون هاهنا من باب المشاكلة أو هي أنه سيدخل مكة والفتنة الصد بالحديبية أو أراه مصارع القوم بوقعة بدر في منامه فكان يقول حين ورد ماء بدر والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم وهو يومئ إلى الأرض ويقول: هذا مصرع فلان.
٦٦١٣ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِى أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ قَالَ: هِىَ رُؤْيَا عَيْنٍ أُرِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِىَ بِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالَ: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِى الْقُرْآنِ﴾ قَالَ: هِىَ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ.
стр. 7282
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) بضم الحاء المهملة وفتح الميم عبد الله بن الزبير قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا عمرو) بفتح العين ابن دينار (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس ﵄) أنه قال في تفسير قوله تعالى: (﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾ [الإسراء: ٦٠] (قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ¬) بضم الهمزة وكسر الراء من الإراءة (ليلة أسري به) أي في طريقه (إلى بيت المقدس) هذا من البخاري كما في اليونينية وغيرها كما عند سعيد بن منصور (قال) ابن عباس (والشجرة الملعونة في القرآن قال: هي شجرة الزقوم).
فإن قلت: ليس في القرآن ذكر لعن شجرة الزقوم. أجيب: بأن المعنى والشجرة الملعون آكلوها وهم الكفرة لأنه قال: ﴿فإنهم لآكلون منها فمالؤون منها البطون﴾ [الصافات: ٦٦] فوصفت بلعن أهلها على المجاز، ولأن العرب تقول لكل طعام مكروه وضار ملعون، ولأن اللعن هو الإبعاد من الرحمة وهي في أصل الجحيم في أبعد مكان من الرحمة.
ومطابقة الحديث لما ترجم له خفية، لكن قال السفاقسي: وجه دخول هذا الحديث في كتاب القدر الإشارة إلى أن الله قدر على المشركين التكذيب لرؤيا نبيه الصادق فكان ذلك زيادة في طغيانهم حيث قالوا: كيف يسير إلى بيت المقدس في ليلة واحدة ثم يرجع فيها، وكذلك جعل الشجرة الملعونة زيادة في طغيانهم حيث قالوا: كيف يكون في النار شجرة والنار تحرق الشجر؟ والجواب عن شبهتهم أن الله خلق الشجرة المذكورة من جوهر لا تأكله النار كخزنتها وحياتها وعقاربها وأحوال الآخرة لا تقاس بأحوال الدنيا.
والحديث مرّ في تفسير سورة الإسراء وأخرجه الترمذي والنسائي في التفسير.
١١ - باب تَحَاجَّ آدَمُ وَمُوسَى عِنْدَ اللَّهِ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (تحاج) بفتح الفوقية والمهملة وتشديد الجيم وأصله تحاجج بجيمين أدغمت أولاهما في الأخرى (آدم وموسى) عليهما الصلاة والسلام (عند الله والعندية للاختصاص والتشريف لا عندية مكان كما لا يخفى.
٦٦١٤ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَفِظْنَاهُ مِنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى فَقَالَ لَهُ مُوسَى: يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُونَا خَيَّبْتَنَا وَأَخْرَجْتَنَا مِنَ الْجَنَّةِ، قَالَ لَهُ آدَمُ: يَا مُوسَى اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلَامِهِ وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ، أَتَلُومُنِى عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَ اللَّهُ عَلَىَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِى بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟ فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى ثَلَاثًا». قَالَ سُفْيَانُ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ.
وبه قال: (حدّثنا عليّ بن عبد الله) المديني قال (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: حفظناه) أي الحديث (من عمرو) بفتح العين ابن دينار وعند الحميدي في مسنده عن سفيان حدّثنا عمرو بن
стр. 7283
دينار (عن طاوس) هو ابن كيسان الإمام أبو عبد الرَّحمن أنه قال: (سمعت أبا هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(احتج آدم وموسى) صلّى الله عليهما وسلم أي تحاجا وتناظرا وفي رواية همام عند مسلم تحاج كما في الترجمة وهي أوضح (فقال له): أي لآدم (موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا) أي أوقعتنا في الخيبة وهي الحرمان (وأخرجتنا) أي كنت سببًا لإخراجنا (من الجنة) دار النعيم والخلود إلى دار البؤس والفناء والجملة مبنية للسابقة ومفسرة لما أجمل (قال له) لموسى (آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه) أي جعلك خالصًا صافيًا عن شائبة ما لا يليق بك وقوله بكلامه فيه تلميح إلى قوله: ﴿وكلم الله موسى تكليمًا﴾ [النساء: ١٦٤] وقوله: ﴿تلك الرسل فضلنا﴾ [البقرة: ٢٥٣] الآية (وخط لك) ألواح التوراة (بيده) بقدرته (أتلومني على أمر قدّر الله عليّ) بتشديد الياء وحذف ضمير المفعول ولأبي ذر عن الكشميهني قدّره الله عليّ (قبل أن يخلقني بأربعين سنة) أي ما بين قوله تعالى: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ [البقرة: ٣٠] إلى نفخ الروح فيه أو هي مدة لبثه طينًا إلى أن نفخت فيه الروح، ففيه مسلم أن بين تصويره طينًا ونفخ الروح فيه كان أربعين سنة أو المراد إظهاره للملائكة، وفي رواية أبي صالح السمان عند الترمذي وابن خزيمة من طريق الأعمش فتلومني على شيء كتبه الله عليّ قبل خلقي، وفي حديث أبي سعيد عند البزار: أتلومني على أمر قدّره الله تعالى عليّ قبل أن يخلق السماوات والأرض وجمع بحمل المقيد بالأربعين على ما يتعلق بالكتابة والآخر على ما يتعلق بالعلم (فحج آدم) بالرفع على الفاعلية (موسى) نصب مفعولاً (فحج آدم موسى) قالها (ثلاثًا) والملفوظ به هنا ثنتان أي غلبه بالحجة بأن ألزمه أن ما صدر عنه لم يكن هو مستقلاًّ به متمكنًا من تركه، بل كان قدرًا من الله تعالى لا بدّ من إمضائه، والجملة مقررة لما سبق وتأكيد له وتثبيت للأنفس على توطين هذا الاعتقاد أي أن الله أثبته في أمّ الكتاب قبل كوني، وحكم بأنه كائن لا محالة فكيف تغفل عن العلم السابق وتذكر الكسب الذي هو السبب وتنسى الأصل الذي هو القدر وأنت من المصطفين الأخيار الذين يشاهدون سرّ الله تعالى من وراء الأستار، وهذه المحاجة لم تكن في عالم الأسباب الذي لا يجوز فيه قطع النظر عن الوسائط والاكتساب، وإنما كانت في العالم العلوي عند ملتقى الأرواح واللوم وإنما يتوجه على المكلف ما دام في دار التكليف أما بعدها فأمره إلى الله تعالى لا سيما وقد وقع ذلك بعد أن تاب الله عليه، فلذا عدل إلى الاحتجاج بالقدر السابق فالتائب لا يلام على ما تيب عليه منه ولا سيما إذا انتقل عن دار التكليف.
واختلف في وقت هذه المحاجة فقيل يحتمل أنه في زمان موسى فأحيا الله له آدم معجزة له فكلمه، أو كشف له عن قبره فتحدثا، أو أراه الله روحه كما أري النبي ﷺ ليلة المعراج أرواح الأنبياء، أو أراه الله له في المنام ورؤيا الأنبياء وحي، أو كان ذلك بعد وفاة موسى فالتقيا في البرزخ أول ما مات موسى فالتقت أرواحهما في السماء. وبذلك جزم ابن عبد البر والقابسي أو أن ذلك لم يقع بعد وإنما يقع في الآخرة والتعبير عنه في الحديث بلفظ الماضي لتحقق وقوعه.
стр. 7284
والحديث أخرجه مسلم في القدر أيضًا وأبو داود في السنة والنسائي في التفسير وابن ماجة في السنة أيضًا.
(قال سفيان) بن عيينة ولأبي الوقت، وقال سفيان بواو العطف على قوله حفظناه من عمرو فهو موصول (حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرَّحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ مثله) أي مثل الحديث السابق.
١٢ - باب لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى اللَّهُ
هذا (باب) بالتنوين (لا مانع لما أعطى الله).
٦٦١٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ أَبِى لُبَابَةَ، عَنْ وَرَّادٍ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ اكْتُبْ إِلَىَّ مَا سَمِعْتَ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ خَلْفَ الصَّلَاةِ، فَأَمْلَى عَلَىَّ الْمُغِيرَةُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ خَلْفَ الصَّلَاةِ: «لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِىَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ». وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِى عَبْدَةُ أَنَّ وَرَّادًا أَخْبَرَهُ بِهَذَا، ثُمَّ وَفَدْتُ بَعْدُ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَسَمِعْتُهُ يَأْمُرُ النَّاسَ بِذَلِكَ الْقَوْلِ.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن سنان) بكسر السين المهملة وتخفيف النون العوقي قال: (حدّثنا فليح) بضم الفاء عبد الملك بن سليمان قال: (حدّثنا عبدة) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة (ابن أبي لبابة) بضم اللام وتخفيف الموحدة الأسدي الكوفي سكن دمشق (عن وراد) بفتح الواو والراء المشددة (مولى المغيرة بن شعبة) وكاتبه أنه (قال: كتب معاوية) بن أبي سفيان (إلى المغيرة) بن شعبة (اكتب إلي) بتشديد الياء (ما) ولأبي ذر بما (سمعت النبي ﷺ يقول: خلف الصلاة) المكتوبة (فأملى عليّ المغيرة) بفتح الهمزة واللام بينهما ميم ساكنة وعلي بتشديد الياء (قال: سمعت النبي ﷺ يقول: خلف الصلاة) المكتوبة:
(لا إله إلا الله وحده لا شريك له) ذكره بعد استفادة الحصر من الذي قبله وهو لا إله إلا الله تأكيد مع ما فيه من تكثير حسنات الذاكر (اللهم لا مانع لما أعطيت) أي لما أردت إعطاءه وإلا فبعد الإعطاء من كل أحد لا مانع له إذ الواقع لا يرتفع (ولا معطي لما منعت) ما موصول وجملة أعطيت صلتها والعائد محذوف أي لما أعطيته. وقال في العدة: ولا مانع اسم نكرة مبني مع لا وخبر لا الاستقرار المتعلق به المجرور أو الخبر محذوف وجوبًا على لغة بني تميم ووافقهم كثير من الحجازيين فيتعلق حرف الجر بمانع، قيل فيجب نصبه وتنوينه لأنه مطوّل والرواية على بنائه من غير تنوين فيحتمل له بأن يعلق بخبر لمانع محذوف أي لا مانع لنا لما أعطيت فيتعلق بالكون المقدر لا بمانع ما قيل في قوله تعالى ﴿لا غالب لكم اليوم﴾ [الأنفال: ٤٨]. ويحتمل أن يكون أصله
стр. 7285
لا مانعًا بالتنوين ثم حذف التنوين بعد أن أبدل منه ألف ثم حذفت الألف فصار على صورة المبني، ويجوز أن يكون لما أعطيت في محل صفة لمانع والخبر محذوف، ويحتمل أن يقدر لا مانع لما أعطيت يمنع فيتعلق بيمنع ويكون يمنع خبر لا على إحدى اللغتين، واختار الزمخشري في قوله تعالى: ﴿لا تثريب عليكم اليوم﴾ [يوسف: ٩٢] إن اليوم معمول بتثريب، وردّ عليه أبو حيان لأجل الفصل بين المصدر ومعموله بعليكم وهو إما خبر أو صفة وأيًّا ما كان فلا يجوز وكان يلزم تنوين تثريب (ولا ينفع ذا الجد منك الجد) بفتح الجيم فيهما على المشهور ومنك يتعلق بينفع أي لا ينفع صاحب الحظ من نزول عذابك حظه وإنما ينفعه عمله الصالح. وقال في الكواكب: ومن هي البدلية أي المحظوظ لا ينفعه بذلك أي بدل طاعتك.
والحديث سبق في الصلاة والدعوات.
(وقال ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز فيما وصله الإمام أحمد ومسلم (أخبرني) بالإفراد (عبدة) بن أبي لبابة (أن ورادًا) مولى المغيرة (أخبره بهذا) الحديث قال عبدة (ثم وفدت) بالفاء من الوفود (بعد إلى معاوية) لما كان بالشام (فسمعته يأمر الناس بذلك القول) وهو لا إله إلا الله إلى آخره، ومراد المؤلّف من سياق هذا التعليق التصريح بأن ورادًا أخبر به عبدة لأنه رواه في الرواية السابقة بالعنعنة.
١٣ - باب مَنْ تَعَوَّذَ بِاللَّهِ مِنْ دَرَكِ الشَّقَاءِ وَسُوءِ الْقَضَاءِ. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾
(باب من تعوذ بالله من درك الشقاء وسوء القضاء)، وقوله تعالى (﴿قل أعوذ برب الفلق﴾) أي الصبح أو الخلق أو هو واد في جهنم أوجب فيها (﴿من شر ما خلق﴾) [الفلق: ١] الشيطان خاصة لأن الله تعالى لم يخلق خلقًا أشر منه، وقيل جهنم وما خلق فيها، وقيل عام أي من شر كل ذي شر خلقه الله وما موصولة والعائد محذوف أو مصدرية ويكون الخلق بمعنى المخلوق، وقرأ بعض المعتزلة الذين يرون أن الله لم يخلق الشر من شر بالتنوين ما خلق على النفي وهي قراءة مردودة مبنية على مذهب باطل، وهذه السورة دالة على أن الله تعالى خالق كل شيء ففيها الرد على من زعم أن العبد يخلق فعل نفسه لأنه لو كان السوء المأمور بالاستعاذة منه مخلوقًا لفاعله لما كان للاستعاذة بالله منه معنى لأنه لا يصح التعوذ إلا بمن قدر على إزالة ما استعيذ به منه.
٦٦١٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُمَىٍّ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ الْقَضَاءِ وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ».
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن سمي) بضم
стр. 7286
السين المهملة وفتح الميم وتشديد التحتية مولى أبي بكر المخزومي (عن أبي صالح) ذكوان السمان (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(تعوذوا بالله من جهد البلاء) بفتح الجيم وسكون الهاء الحالة التي يختار عليها الموت أو قلة المال وكثرة العيال (ودرك الشقاء) بفتح الدال المهملة والراء اللحاق، والشقاء بفتح الشين المعجمة والقاف ممدودًا الشدة والعسر (وسوء القضاء) أي المقضي (وشماتة الأعداء) وهو فرح العدوّ ببلية تنزل بمن يعاديه.
والحديث سبق في باب التعوّذ من جهد البلاء من كتاب الدعوات.
١٤ - باب يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿يحول بين المرء وقلبه﴾) [الأنفال: ٢٤] قال الواحدي: حكاية عن ابن عباس والضحاك يحول بين المرء الكافر وطاعته ويحول بين المطيع ومعصيته، فالسعيد من أسعده الله، والشقي من أضله الله والقلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء. وقال السدي: يحول بين الإنسان وقلبه فلا يستطيع أن يؤمن ولا أن يكفر إلا بإذنه.
٦٦١٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَثِيرًا مِمَّا كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَحْلِفُ: «لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ».
[الحديث ٦٦١٧ - طرفاه في: ٦٦٢٨، ٧٣٩١].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن مقاتل أبو الحسن) المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا موسى بن عقبة) بضم العين وسكون القاف (عن سالم عن) أبيه (عبد الله) بن عمر ﵄ أنه (قال: كثيرًا) نصب صفة لمصدر محذوف أي يحلف حلفًا كثيرًا (ما كان النبي ﷺ يحلف) أي يريد أن يحلف من ألفاظ الحلف (لا) أفعل أو لا أترك (و) حتى (مقلب القلوب) وهو الله . قال في الفتح: وكان البخاري أشار إلى تفسير الحيلولة التي في الآية بالتقلب الذي في الحديث أشار إلى ذلك الراغب، وقال: المراد أنه يلقي في قلب الإنسان ما يصرفه عن مراده لحكمة تقتضي ذلك وحقيقة القلوب لا تتقلب، فالمراد تقلب أعراضها وأحوالها من الإرادة وغيرها. وقال ابن بطال: الآية نص في أن الله تعالى خلق الكفر والإيمان وأنه يحول بين قلب الكافر وبين الإيمان الذي أمره به فلا يكسبه إن لم يقدره عليه بل أقدره على ضده وهو الكفر، وكذا في المؤمن بعكسه فتضمنت الآية أنه خالق جميع أفعال العبد خيرها وشرها وهو معنى قوله: مقلب القلوب لأن معناه تقليب قلب العبد عن إيثار الإيمان إلى إيثار الكفر وعكسه، وكل فعل لله عدل فيمن أضله وخذله لأنه لم يمنعهم حقًّا وجب لهم عليه اهـ.
стр. 7287
والحديث أخرجه أيضًا في التوحيد والأيمان والنذور والترمذي في الإيمان والنسائي في. . . . . (١). . . . . . . وابن ماجة في الكفارات.
٦٦١٨ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ حَفْصٍ، وَبِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ لاِبْنِ صَيَّادٍ: «خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا» قَالَ: الدُّخُّ قَالَ: «اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ» قَالَ عُمَرُ: ائْذَنْ لِى فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، قَالَ: «دَعْهُ إِنْ يَكُنْ هُوَ فَلَا تُطِيقُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ فَلَا خَيْرَ لَكَ فِى قَتْلِهِ».
وبه قال: (حدّثنا علي بن حفص) المروزي (وبشر بن محمد) بكسر الموحدة وسكون المعجمة السختياني المروزي (قالا: أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا معمر) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن سالم) هو ابن عمر (عن ابن عمر ﵄) أنه (قال: قال النبي ﷺ لابن صياد) صاف (خبأت لك خبيئًا) بفتح المعجمة وكسر الموحدة بعدها تحتية ساكنة، ولأبي ذر خبأ بسكون الموحدة من غير تحتية (قال) ابن صياد هو (الدخ) بضم الدال المهملة والخاء المعجمة المشددة أراد أن يقول: الدخان فلم يستطع أن يقول ذلك تامًّا على عادة الكهان من اختطاف بعض الكلمات من أوليائهم من الجن (قال) النبي ﷺ له خطاب زجر وإهانة (اخسأ) بالخاء المعجمة والهمزة الساكنة بينهما سين مهملة مفتوحة أي اسكت صاغرًا مطرودًا (فلن تعدو قدرك) بالعين المهملة (قال عمر) بن الخطاب ﵁ يا رسول الله (ائذن لي فأضرب عنقه قال) ﷺ (دعه) اتركه (إن يكن هو) الدجال (فلا تطيقه) لأنه إن كان سبق في علم الله تعالى أنه يخرج ويفعل ما يفعل فإنه الله تعالى لا يقدرك على قتل من سبق في علمه أنه سيحيا إلى أن يفعل ما يفعل، إذ لو أقدرك على ذلك لكان فيه انقلاب علمه والله تعالى منزه عن ذلك قاله ابن بطال. وفي الجنائز فلن تسلط عليه بالجزم على لغة من يجزم بلن (وإن لم يكن هو فلا خير لك في قتله) ويكن هو بالضمير المنفصل في الموضعين، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: يكنه بالضمير المتصل واختار الأول ابن مالك في التسهيل، والثاني في الخلاصة. فعلى الأولى لفظ هو تأكيد للضمير المستتر وكان تامة وقول الزركشي في التنقيح أن يكنه استدلّ به ابن مالك على اتصال الضمير إذا وقع خبرًا لكان لكن في رواية إن يكن هو فلا دليل فيه تعقبه في المصابيح فقال: هذا من أعجب ما يسمع كيف تكون الرواية الثانية مقتضية لعدم الدليل في الرواية الأولى، والفرض أن الضمير المنفصل المرفوع في الثانية تأكيد للضمير المستكن في يكن وهو اسم كان وخبرها محذوف أي إن يكن هو الدجال والضمير المتصل في الرواية الأخرى خبر كان فبهذا وقع الاستدلال في محل النزاع وهو هل الأولى في خبر كان إذا وقع ضميرًا أن يكون متصلاً أو
стр. 7288
منفصلاً. فهذا الحديث شاهد لاختيار الاتصال، وأما إن يكن هو فليست من محل النزاع في شيء إذ ليس الضمير فيها خبر كان قطعًا.
والحديث سبق في باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلّى عليه من كتاب الجنائز.
١٥ - باب ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١]: قَضَى. قَالَ مُجَاهِدٌ: بِفَاتِنِينَ بِمُضِلِّينَ إِلاَّ مَنْ كَتَبَ اللَّهُ أَنَّهُ يَصْلَى الْجَحِيمَ ﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأَعلى: ٣] قَدَّرَ الشَّقَاءَ وَالسَّعَادَةَ وَهَدَى الأَنْعَامَ لِمَرَاتِعِهَا
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه قوله تعالى (﴿قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا﴾) [التوبة: ٥١] أي (قضى) لنا من خير أو شر كما قدر في الأزل وكتب في اللوح المحفوظ، ولنا مفيدة معنى الاختصاص كأنه قيل لن يصيبنا إلا ما اختصنًا الله بإثباته وإيجابه. وقال الراغب: عبّر بقوله لنا ولم يعبر بقوله علينا تنبيهًا على أن الذي يصيبنا نعده نعمة لا نقمة.
(قال مجاهد) في تفسير قوله تعالى: ﴿ما أنتم عليه﴾ (﴿بقانتين﴾) [الصافات: ١٦٢] أي ما أنتم (بمضلين إلا من كتب الله) عليه في السابقة (أنه يصلّى الجحيم) أي يدخل النار وهذا وصله عبد بن حميد بمعناه.
وقال مجاهد أيضًا في تفسير قوله تعالى: ﴿والذي﴾ (﴿قدر فهدى﴾) [الأعلى: ٣] أي (قدر الشقاء والسعادة وهدى الأنعام لمراتعها) وهذا وصله الفريابي عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وقيل قدر أقواتهم وأرزاقهم وهداهم لمعائهم إن كانوا أناسًا ولمراعيهم إن كانوا وحشًا، وعن ابن عباس والسدي ومقاتل والكلبي في قوله ﴿فهدى﴾ قال: عرف خلقه كيف يأتي الذكر الأنثى كما قال في طه ﴿أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ [طه: ٥٠] أي الذكر للأنثى: وقال عطاء: جعل لكل دابة ما يصلحها وهداها له، وقيل: قدر فهدى قدر لكل حيوان ما يصلحه فهداه إليه وعرفه وجه الانتفاع به، يقال: إن الأفعى إذا أتت عليها ألف سنة عميت وقد ألهمها الله تعالى أن مسح العينين بورق الرازيانج الغض يرد إليها بصرها فربما كانت في برية بينها وبين الريف مسيرة أيام فتطوي تلك المسافة على طولها وعماها حتى تهجم في بعض البساتين على الرازيانج لا تخطئها فتحك به عينها فترجع باصرة بإذن الله تعالى وهدايات الإنسان إلى مصالحه من أغذيته وأدويته وأمور دنياه ودينه والهامات البهائم والطيور وهوام الأرض أمر ثابت واسع فسبحان ربي الأعلى وبحمده.
٦٦١٩ - حَدَّثَنِى إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِى الْفُرَاتِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الطَّاعُونِ فَقَالَ: «كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ فَجَعَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً
стр. 7289
لِلْمُؤْمِنِينَ، مَا مِنْ عَبْدٍ يَكُونُ فِى بَلَدٍ يَكُونُ فِيهِ وَيَمْكُثُ فِيهِ لَا يَخْرُجُ مِنَ الْبَلَدِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ إِلاَّ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه (الحنظلي) بفتح الحاء المهملة والظاء المعجمة بينهما نون ساكنة نسبة إلى حنظلة بن مالك قال: (أخبرنا النضر) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة ابن شميل بضم الشين المعجمة قال: (حدّثنا داود بن أبي الفرات) بضم الفاء وتخفيف الراء وبعد الألف فوقية المروزي ثم البصري واسم أي الفرات عمرو (عن عبد الله بن بريدة) بضم الموحدة وفتح الراء الأسلمي قاضي مرو (عن يحيى بن يعمر) بفتح التحتية والميم والعين المهملة ساكنة قاضي مرو أيضًا (أن عائشة ﵂ أخبرته أنها سألت رسول الله ﷺ عن الطاعون) وهو بثر مؤلمة جدًّا تخرج من الآباط والمراق غالبًا مع اسوداد حواليه وخفقان في القلب (فقال) ﷺ :
(كان) أي الطاعون (عذابًا يبعثه الله) (على من يشاء) من عباده (فجعله الله رحمة للمؤمنين) أي سبب الرحمة لهم لتضمنه مثل أجر الشهداء (ما من عبد يكون في بلد) بفتح اللام وفي نسخة باليونينية بلدة بسكونها وهاء تأنيث آخره (يكون فيه) في البلد أو فيها (ويمكث فيه) أو فيها (لا) ولأبي ذر عن الكشميهني فلا (يخرج من البلدة) أو البلد حال كونه (صابرًا) على ما يصيبه (محتسبًا) أجره عند الله (يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له) وقدره في الأزل (إلا كان له مثل أجر شهيد) وإن لم يصبه طعن، وهذا هو المراد من الحديث هنا وقد سبق في كتاب الطب.
١٦ - باب ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣] ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِى لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر: ٥٧]
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه قوله تعالى: (﴿وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾) [الأعراف: ٤٣] اللام في لنهتدي لتوكيد النفي وأن وما في حيزها في محل رفع بالابتداء والخبر محذوف وجواب لولا مدلول عليه بقوله وما كنا تقديره لولا هدايته لنا موجودة لشقينا أو ما كنا مهتدين، وقد دلت على أن المهتدي من هداه الله وأن من لم يهده الله لم يهتد ومذهب المعتزلة أن كل ما فعل الله في حق الأنبياء والأولياء من أنواع الهداية والإرشاد فقد فعله في حق جميع الكفار والفساق، وإنما حصل الامتياز بين المؤمن والكافر والمحق والمبطل بسعي نفسه واختيار نفسه فكان يجب عليه أن يحمد نفسه لأنه هو الذي حصل لنفسه الإيمان وهو الذي أوصل نفسه إلى درجات الجنة وخلصها من دركات النيران فلما لم يحمد نفسه البتة إنما حمد الله تعالى فقط علمنا أن الهادي ليس إلا الله تعالى، وقوله تعالى: (﴿لو أن الله هداني﴾) أعطاني الهداية (﴿لكنت من المتقين﴾) [الزمر: ٥٧] من الذين يتقون الشرك.
стр. 7290
قال الشيخ أبو منصور -رحمه الله تعالى-: وهذا الكافر أعرف بالهداية من المعتزلة وكذا أولئك الكفرة الذين قالوا لأتباعهم: لو هدانا الله لهديناكم يقولون لو وفقنا الله للهداية وأعطانا الهدى لدعوناكم إليه، ولكن علم منا اختيار الضلالة والغواية فخذلنا ولم يوفقنا والمعتزلة يقولون: بل هداهم وأعطاهم التوفيق لكنهم لم يهتدوا، والحاصل أن عند الله لطفًا من أعطى ذلك اهتدى وهو التوفيق والعصمة ومن لم يعطه ضل وغوى، وكان استيجابه العذاب وتضييعه الحق بعدما تمكن من تحصيله لذلك. والحاصل من مذهب أهل السنة أن الله تعالى أقدر العباد على اكتساب ما أراد منهم من إيمان وكفر وأن ذلك ليس بخلق للعباد كما زعمت القدرية.
٦٦٢٠ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ هُوَ ابْنُ حَازِمٍ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ يَنْقُلُ مَعَنَا التُّرَابَ وَهْوَ يَقُولُ:
وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا … وَلَا صُمْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا … وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
وَالْمُشْرِكُونَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا … إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا
وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي قال: (أخبرنا جرير) بفتح الجيم (هو ابن حازم) بالحاء المهملة والزاي (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي (عن البراء بن عازب) ﵄ أنه (قال: رأيت النبي ﷺ يوم الخندق ينقل معنا التراب) من حفر الخندق (وهو يقول) رجزًا من كلام عبد الله بن رواحة.
(والله لولا الله ما اهتدينا).
وهذا موضع الترجمة.
(ولا صمنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا).
(وثبت الأقدام إن لاقينا) العدوّ (والمشركون قد بغوا علينا) أي ظلموا (إذا أرادوا فتنة أبينا) بالموحدة أي الفرار.
والحديث أخرجه في الجهاد.
стр. 7291
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٨٣ - كتاب الأيمان والنذور
(كتاب الأيمان) بفتح الهمزة جميع يمين واليمين خلاف اليسار وأطلقت على الحلف لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كل يمين صاحبه، وقيل لحفظها المحلوف عليه كحفظ اليمين وتسمى ألية وحلفًا، وفي الشرع تحقيق الأمر المحتمل أو توكيده بذكر اسم من أسماء الله تعالى أو صفة من صفاته. هذا إن قصد اليمين الموجبة للكفارة وإلاّ فيزاد أو ما أقيم مقامه ليدخل نحو الحلف بالطلاق أو العتق وهو ما فيه حث أو منع أو تصديق، وخرج بالتحقيق لغو اليمين بأن سبق لسانه إلى ما لم يقصده بها أو إلى لفظها كقوله في حال غضبه أو صلة كلام لا والله تارة وبلى والله أخرى، وبالمحتمل غيره كقوله: والله لأموتن أو لا أصعد إلى السماء فليس بيمين لامتناع الحنث فيه بذاته بخلاف والله لأصعدن السماء فإنه يمين تلزم به الكفارة حالاً (و) كتاب (النذور) جمع نذر وهو مصدر نذر بفتح الذال المعجمة ينذر بضمها وكسرها والنذر في اللغة الوعد بخير أو شر وشرعًا التزام قربة غير لازمة بأصل الشرع، وزاد بعضهم مقصودة، وقيل إيجاب ما ليس بواجب لحدوث أمر، ومنهم من قال: إن يلزم نفسه بشيء تبرعًا من عبادة أو صدقة أو نحوهما. وأما قوله ﷺ : من نذر أن يعصي الله فلا يعصه فإنما سماه نذرًا باعتبار الصورة كما قال في الخمر وبائعها مع بطلان البيع، ولذا قال في الحديث الآخر: لا نذر في معصية.
١ - باب
قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِى أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩].
стр. 7292
(قول الله تعالى) بالرفع وفي نسخة باب قول الله تعالى: (﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾) مصدر لغًا يلغو لغوًا والباء فيه متعلقة بيؤاخذكم ومعناها السببية، واللغو الساقط الذي لا يعتد به من كلام وغيره ولغو اليمين الساقط الذي لا يعتد به في الأيمان. قال: إمامنا الشافعي وغيره: هو قول الرجل في عرض حديثه لا والله وبلى والله من غير قصد لها، وقيل هو أن يحلف على شيء يرى أنه صادق ثم يظهر أنه خلاف ذلك، وبه قال أبو حنيفة: والمعنى لا يعاقبكم بلغو اليمين الذي يحلفه أحدكم (﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾) أي بتعقيدكم الأيمان وهو توثيقها، والمعنى ولكن يؤاخذكم بما عقدتم إذا حنثتم فحذف وقت المؤاخذة لأنه كان معلومًا عندهم أو بنكث ما عقدتم فحذف المضاف (﴿فكفارته﴾) أي فكفارة الحنث الدال عليه سياق الكلام وإن لم يجر له ذكر، أو فكفارة نكثه فتكون ما موصولة اسمية وهو على حذف مضاف كما قدره الزمخشري والكفارة الفعلة التي من شأنها أن تستر الخطيئة (﴿إطعام عشرة مساكين﴾) إطعام مصدر مضاف لمفعوله، وهو أن يملك كل واحد منهم مدًّا من حب من غالب قوت بلده (﴿من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم﴾) عطف على إطعام، والمراد ما يسمى كسوة مما يعتاد لبسه كعرقية ومنديل ولو ملبوسًا لم تذهب قوّته ولو لم يصلح للمدفوع إليه كقميص صغير وعمامته وإزاره وسراويله الكبير وكحرير لرجل لا نحو خف مما لا يسمى كسوة كدرع من حديد ونحوه (﴿أو تحرير رقبة﴾) عطف على إطعام وهو مصدر مضاف لمفعوله أي أو إعتاق رقبة مؤمنة بلا عيب يخل بالعمل والكسب وأو للتخيير (﴿فمن لم يجد﴾) إحدى الثلاث أو كان غير رشيد (﴿فصيام ثلاثة أيام﴾) ولو مفرّقة (﴿ذلك﴾) المذكور (﴿كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾) وحنثتم (﴿واحفظوا أيمانكم﴾) فبرّوا فيها ولا تحنثوا إذا لم يكن الحنث خيرًا أو فلا تحلفوا أصلاً (﴿كذلك﴾) مثل ذلك البيان (﴿يبين الله لكم آياته﴾) أعلام شريعته وأحكامه (﴿لعلكم تشكرون﴾) [المائدة: ٨٩] نعمته فيها يعلمكم ويسهل عليكم المخرج منه، وسقط لأبي ذر قوله ﴿ولكن يؤاخذكم﴾ الخ وقال: الآية إلى قوله ﴿لعلكم تشكرون﴾.
٦٦٢١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ لَمْ يَكُنْ يَحْنَثُ فِى يَمِينٍ قَطُّ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ وَقَالَ: لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتُ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلاَّ أَتَيْتُ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِى.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن مقاتل) بكسر الفوقية (أبو الحسن) المروزي المجاور قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوّام (عن عائشة) ﵂ (أن أبا بكر) الصديق ﵁ (لم يكن يحنث) أي لم يكن من شأنه أن يحنث (في يمين قط) سبق في تفسير المائدة حديث ابن حبان كان رسول الله ﷺ إذا حلف على يمين لم يحنث فرفعه إلى النبي ﷺ ، وذكره الترمذي في العلل المفرد وقال: سألت محمدًا يعني البخاري عنه فقال: هذا خطأ، والصحيح كان أبو بكر وكذلك رواه سفيان ووكيع عن
стр. 7293
هشام بن عروة (حتى أنزل الله) في كتابه العزيز (كفارة اليمين) أي آيتها وهي قوله تعالى: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين﴾ [المائدة: ٨٩] إلى آخرها (وقال: لا أحلف على يمين) أي محلوف يمين فسماه يمينًا مجازًا للملابسة بينهما، والمراد ما شأنه أن يكون محلوفًا عليه وإلاّ هو قبل اليمين ليس محلوفًا عليه فيكون من مجاز الاستعارة، وفي مسلم لا أحلف على أمر (فرأيت غيرها خيرًا منها) الرؤية هنا علمية وغيرها مفعولها الأوّل وخيرًا الثاني، ومنها متعلق بخيرًا وأعاد الضمير مؤنفثًا مع كون المحلوف مذكرًا باعتبار المذكور لفظًا وهو اليمين، والمعنى لا أحلف على أمر فيظهر لي بالعلم أو بغلبة الظن أن غير المحلوف عليه خير منه (إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني) عن حكمها وما يترتب عليها من الإثم. قيل هذا قاله الصديق ﵁ لما حلف لا ينفع مسطح بن أثاثة بنافعة بعدما قال في عائشة ما قال، وأنزل الله براءتها وطابت نفوس المؤمنين وتاب الله على من كان خاض في حديث الإفك وأنزل الله تعالى ﴿ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة﴾ [النور: ٢٢] الآية أي لا يحلف أولو الفضل منكم أن لا يصلوا قراباتهم المساكين المهاجرين فرجع الصديق إلى مسطح ما كان يصله به من النفقة.
والحديث من أفراده.
٦٦٢٢ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ لَا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا وَإِنْ أُوتِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَأْتِ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ».
[الحديث ٦٦٢٢ - أطرافه في: ٦٦٧٧، ٧١٤٦، ٧١٤٧].
وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان محمد بن الفضل) عارم السدوسي قال: (حدّثنا جرير بن حازم) الأزدي قال: (حدّثنا الحسن) البصري قال: (حدّثنا عبد الرَّحمن بن سمرة) بفتح السين المهملة والراء بينهما ميم مضمومة ابن حبيب، وقيل كان اسمه عبد كلال فغيره النبي ﷺ . قال البخاري له: صحبة وكان إسلامه يوم الفتح وشهد غزوة تبوك وافتتح سجستان وغيرها في خلافة عثمان ثم نزل البصرة وليس له في البخاري إلا هذا الحديث ﵁ أنه (قال: قال) لي (النبي ﷺ ¬):
(يا عبد الرَّحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة) بكسر الهمزة مصدر أمر ولا ناهية، وتسأل مجزوم بالنهي والإمارة مفعول به والفاعل مستتر يعود على عبد الرَّحمن وكسرت اللام لالتقاء الساكنين أي لا تسأل الولاية (فإنك إن أوتيتها) الفاء للعطف (عن مسألة) وجواب الشرط قوله (وكلت إليها) بضم الواو وكسر الكاف وسكون اللام يقال وكله إلى نفسه وكلاً ووكولاً وهذا الأمر موكول إليّ ومنه قول النابغة:
كليني لهمّ يا أميمة ناصب … وليل أقاسيه بطيء الكواكب
стр. 7294
أي أن الإمارة أمر شاق لا يخرج عن عهدتها إلا أفراد من الرجال فلا تسألها عن تشوّف نفس فإنك إن سألتها تركت معها فلا يعينك الله عليها وحينئذٍ فلا يكون فيه كفاية لها ومن كان هذا شأنه لا يولى (وإن أوتيتها من) ولأبي ذر عن الكشميهني وإنك إن أوتيتها عن (غير مسألة أعنت عليها) وعن يحتمل أن تكون بمعنى الباء أي بمسألة أي بسبب مسألة قال امرؤ القيس:
تصدّ وتبدي عن أسيل وتتقي … بناظرة من وحش وجرة مطفل
أي بأسيل (وإذا حلفت على) محلوف (يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فكفّر عن يمنيك وائت الذي هو خير) ظاهره تقديم التكفير على إتيان المحلوف عليه والرواية السابقة تأخيره، ومذهب إمامنا الشافعي ومالك والجمهور جواز التقديم على الحنث لكن يستحب كونه بعده، واستثنى الشافعي التكفير بالصوم لأنه عبادة بدنية فلا تقدم قبل وقتها كصوم رمضان، واستثنى بعض أصحابه حنث المعصية كأن حلف لا يزني لما في التقديم من الإعانة على المعصية والجمهور على الإجزاء لأن اليمين لا يحرم ولا يحلل، ومنع أبو حنيفة وأصحابه وأشهب من المالكية التقديم. لنا قوله فكفر عن يمينك وائت الذي هو خير.
فإن قيل: الواو لا تدل على الترتيب. أجيب: برواية أبي داود والنسائي فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير. فإن قلت: ما مناسبة هذه الجملة للسابقة؟ أجيب: بأن الممتنع من الإمارة قد يؤدي به الحال إلى الحلف على عدم القبول مع كون المصلحة في ولايته.
والحديث أخرجه البخاري أيضًا في الأحكام وفي الكفارات، ومسلم في الأيمان، وأبو داود في الخراج، والترمذي في الأيمان، وأخرج النسائي قصة الإمارة في القضاء والسير وقصة اليمين في الأيمان.
٦٦٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ فِى رَهْطٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ أَسْتَحْمِلُهُ فَقَالَ: «وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ، وَمَا عِنْدِى مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ» قَالَ: ثُمَّ لَبِثْنَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ نَلْبَثَ ثُمَّ أُتِىَ بِثَلَاثِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى فَحَمَلَنَا عَلَيْهَا، فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قُلْنَا: أَوْ قَالَ: بَعْضُنَا، وَاللَّهِ لَا يُبَارَكُ لَنَا أَتَيْنَا النَّبِىَّ ﷺ نَسْتَحْمِلُهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا ثُمَّ حَمَلَنَا، فَارْجِعُوا بِنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَنُذَكِّرُهُ فَأَتَيْنَاهُ فَقَالَ: «مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ، بَلِ اللَّهُ حَمَلَكُمْ وَإِنِّى وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلاَّ كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِى وَأَتَيْتُ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ، أَوْ أَتَيْتُ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِى».
وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد عارم بن الفضل قال: (حدّثنا حماد بن زيد) أي ابن درهم الأزدي الأزرق أحد الأعلام (عن غيلان بن جرير) بفتح الغين المعجمة وسكون التحتية وفتح جيم جرير الأزدي البصري من صغار التابعين (عن أبي بردة) بضم الموحدة اسمه الحارث أو
стр. 7295
عامر (عن أبيه) أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري أنه (قال: أتيت النبي ﷺ في رهط) رجال دون العشرة (من الأشعريين) جمع أشعري نسبة إلى الأشعر بن ادد بن يشجب، وقيل له الأشعر لأن أمه ولدته أشعر (أستحمله) أي أطلب منه ما يحملنا من الإبل ويحمل أثقالنا لأجل غزوة تبوك (فقال) ﷺ :
(والله لا أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه قال) أبو موسى: (ثم لبثنا ما شاء الله أن نلبث ثم أتي) بضم الهمزة أي النبي ﷺ (بثلاث ذود) بفتح الذال المعجمة وسكون الواو بعدها دال مهملة ما بين الثلاث إلى العشر. وقال أبو عبيد: هي من الإناث فلذا قال: بثلاث ذود ولم يقل بثلاثة ذود (غر الذرى) بضم الغين المعجمة وتشديد الراء جمع أغر وهو الأبيض الحسن والذرى بضم الذال المعجمة وفتح الراء جمع ذروة بالكسر والضم وذروة كل شيء أعلاه والمراد هنا الأسنمة (فحملنا) بفتح الفاء والحاء والميم واللام (عليها فلما انطلقنا قلنا أو قال بعضنا والله لا يبارك لنا) فيها (أتينا النبي ﷺ نستحمله فحلف أن لا يحملنا ثم حملنا) بفتح اللام (فارجعوا بنا إلى النبي ﷺ فنذكره) بضم النون وكسر الكاف مشددة بيمينه (فأتيناه) فذكرنا له (فقال: ما أنا حملتكم بل الله) (حملكم) أي إنما أعطيتكم من مال الله أو بأمر الله لأنه كان يعطي بالوحي (وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير) منها (أو أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني) أي لا أحلف على موجب يمين لأن اليمين توجبه والموجب هو الذي انعقد عليه الحلف وخبر إن جملة لا أحلف وجواب القسم محذوف سد مسد خبر إن، ويحتمل أن يكون لا أحلف جواب القسم، وخبر إن القسم، وجوابه إن شاء الله جملة معترضة لا محل لها وقدم استثناء المشيئة وكان موضعه عقب جواب القسم، وذلك أن جواب القسم جاء بلا وعقبه الاستثناء بإلاّ فلو تأخر استثناء المشيئة حتى يجيء الكلام والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير إن شاء الله لاحتمل أن يرجع إلى قوله أتيت أو إلى قوله هو خير، فلما قدّمه انتفى هذا التخيل، وأيضًا ففي تقديمه اهتمام به لأنه استثناء مأمور به شرعًا، وينبغي أن يبادر بالمأمور به والتعليق بالمشيئة هنا الظاهر أنه للتبرك، وإلاّ فحقيقته ترفع القسم المقصود هنا لتأكيد الحكم وتقرير وهل يحكم على اليمين المقيدة بتعليق المشيئة إذا قصد بها التعليق أنها منعقدة أو لم تنعقد أصلاً فيه خلاف لأصحابنا. وقوله: أو أتيت إما شك من الراوي في تقديم أتيت على كفرت والعكس، وإما تنويع من الشارع ﷺ إشارة إلى جواز تقديم الكفارة على الحنث وتأخيرها.
والحديث أخرجه البخاري أيضًا في كفارات الأيمان، وسبق مطوّلاً في كتاب الخمس، وأخرجه مسلم في الأيمان وكذا أبو داود والنسائي وأخرجه ابن ماجة في الكفارات.
٦٦٢٤ - حَدَّثَنِى إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
стр. 7296
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (إسحاق بن إبراهيم) هو ابن راهويه كما جزم به أبو نعيم في مستخرجه أو هو ابن نصر قال: (أخبرنا عبد الرزاق) بن همام بن نافع أحد الأعلام قال: (أخبرنا معمر) بفتح الميمين ابن راشد (عن همام بن منبه) الصنعاني أنه (قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة) ﵁ ولأبي ذر به أبو هريرة (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(نحن الآخرون) المتأخرون وجودًا في الدنيا (السابقون) الأمم (يوم القيامة) حسابًا ودخولاً للجنة.
٦٦٢٥ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَاللَّهِ لأَنْ يَلِجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِى أَهْلِهِ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يُعْطِىَ كَفَّارَتَهُ الَّتِى افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ».
(فقال) بالفاء، ولأبي ذر عن الكشميهني: وقال (رسول الله ﷺ : والله لأن) بفتح اللام وهي لتأكيد القسم (يلج) بفتح التحتية واللام والجيم المشددة من اللجاج وهو الإصرار على الشيء مطلقًا أي لأن يتمادى (أحدكم بيمينه) الذي حلفه (في) أمر بسبب (أهله) وهم يتضررون بعدم حنثه ولم يكن معصية (آثم له) بفتح الهمزة الممدودة والمثلثة أشد إثمًا للحالف المتمادي (عند الله من أن) يحنث و (يعطي كفارته التي افترضـ) ـها (الله) (عليه) فينبغي له أن يحنث ويفعل ذلك ويكفر فإن تورع عن ارتكاب الحنث خشية الإثم أخطأ بإدامة الضرر على أهله لأن الإثم في اللجاج أكثر منه في الحنث على زعمه أو توهمه.
وقال ابن المنير: وهذا من جوامع الكلم وبدائعه، ووجهه أنه إنما تحرجوا من الحنث والحلف بعد الوعد المؤكد باليمين، وكان القياس يقتضي أن يقال لجاج أحدكم آثم له من الحنث، ولكن النبي ﷺ عدل عن ذلك إلى ما هو لازم الحنث وهو الكفارة لأن المقابلة بينها وبين اللجاج أفحم للخصم وأدل على سوء نظر المتنطع الذي اعتقد أنه تحرج من الإِثم، وإنما تحرج من الطاعة والصدقة والإحسان وكلها تجتمع في الكفارة ولهذا عظم شأنها بقوله التي افترض الله عليه، وإذا صح أن الكفارة خير له ومن لوازمها الحنث صح أن الحنث خير له، ولأن يلج أحدكم بيمينه في أهله أي لأن يصمم أحدكم في قطيعة أهله ورحمة بسبب يمينه التي حلفها على ترك برهم آثم له عند الله من كذا انتهى.
وفي هذا الحديث أن الحنث في اليمين أفضل من التمادي إذا كان في الحنث مصلحة ويختلف باختلاف حكم المحلوف عليه، فإن حلف على ارتكاب معصية كترك واجب عيني وفعل حرام عصى بحلفه ولزمه حنث وكفارة إذا لم يكن له طريق سواه، وإلاّ فلا كما لو حلف لا ينفق على زوجته فإن له طريقًا بأن يعطيها من صداقها أو يقرضها ثم يبرئها لأن الغرض حاصل مع بقاء التعظيم وإن حلف على ترك مباح أو فعله كدخول دار وأكل طعام ولبس ثوب سن ترك حنثه لما فيه من تعظيم اسم الله نعم إن تعلق بتركه أو عله غرض ديني كأن حلف أن لا يمس طيبًا ولا
стр. 7297
يلبس ناعمًا فقيل: يمين مكروهة، وقيل: يمين طاعة اتباعًا للسلف في خشونة العيش، وقيل: يختلف باختلاف أحوال الناس وقصودهم وفراغهم. قال الرافعي والنووي: وهو الأصوب وإذا حلف على ترك مندوب كسنة ظهر أو فعل مكروه كالالتفات في الصلاة سنّ حنثه وعليه الكفارة أو على فعل مندوب أو ترك مكروه كره حنثه وعليه بالحنث كفارة.
ومناسبة الحديث لما ترجم له في قوله: لأن يلج الخ، وقوله: نحن الآخرون السابقون يوم القيامة طرف من حديث سبق من غير هذا الوجه عن أبي هريرة في أول كتاب الجمعة، وقد كرر البخاري هذا القدر في بعض الأحاديث التي أخرجها من صحيفة همام من رواية معمر عنه وهو أول حديث في النسخة، وكان همام يعطف عليه بقية الأحاديث بقوله وقال رسول الله ﷺ :
٦٦٢٦ - حَدَّثَنِى إِسْحَاقُ يَعْنِى ابْنَ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنِ اسْتَلَجَّ فِى أَهْلِهِ بِيَمِينٍ، فَهْوَ أَعْظَمُ إِثْمًا لِيَبَرَّ» يَعْنِى الْكَفَّارَةَ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (إسحاق يعني ابن إبراهيم) وسقط لأبي ذر يعني ابن إبراهيم: وقال في الفتح: جزم أبو علي الغساني بأنه ابن منصور وصنيع أبي نعيم في مستخرجه يقتضي أنه إسحاق بن إبراهيم المذكور قبله. وقال العيني: وأما النسخة التي فيها يعني ابن إبراهيم فما أزالت الإبهام لأن في مشايخ البخاري إسحاق بن إبراهيم بن نصر وإسحاق بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن وإسحاق بن إبراهيم الصوّاف وإسحاق بن إبراهيم المعروف بابن راهويه فالصواب أنه ابن منصور قال: (حدّثنا يحيى بن صالح) الوحاظي بتخفيف الحاء المهملة وبعد الألف ظاء مشالة معجمة، وقد حدث عنه البخاري بلا واسطة في كتاب الصلاة وبواسطة في كتاب الحج وغيره قال: (حدّثنا معاوية) بن سلام بتشديد اللام الحبشي الأسود (عن يحيى) بن أبي كثير بالمثلثة (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(من استلج) بسين مهملة ساكنة ففوقية ثم لام مفتوحتين ثم جيم مشدّدة استفعل من اللجاج أي من استدام (في أهله بيمين) حلفه في أمر يتعلق بهم يضرهم به (فهو) أي استدامته على اليمين مع تضرر أهله (أعظم إثمًا) من حنثه (ليبر) بكسر اللام وفتح التحتية بعدها موحدة فراء مشددة واللام للأمر بلفظ أمر الغائب من البرّ أي ليترك اللجاج ويفعل المحلوف عليه ويبر (يعني) بالبر (الكفارة) عن اليمين الذي حلفه ويفعل المحلوف عليه إذ الإضرار بالأهل أعظم إثمًا من حنث اليمين، وذكر الأهل في الحديثين خرج مخرج الغالب وإلاّ فالحكم يتناول غير الأهل إذا وجدت العلة، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: ليس بفتح اللام وسكون التحتية بعدها سين مهملة تغني الكفارة بضم الفوقية وسكون الغين المعجمة بعدها نون مكسورة، والكفارة رفع أي أن الكفارة لا تغني عن ذلك وهو خلاف المراد، فالأولى أوضح. وقيل في توجيه هذه الأخيرة أن المفضل عليه
стр. 7298
محذوف، والمعنى أن الاستلجاج أعظم إثمًا من الحنث، والجملة استئنافية، المراد أن ذلك الإثم لا تغني عنه كفارة. وقال ابن حزم: لا جائز أن يحمل على اليمين الغموس لأن الحالف بها لا يسمى مستلجًا في أهله بل صورته أن يحلف أن يحسن إلى أهله ولا يضرهم، ثم يريد أن يحنث ويلج في ذلك فيضرهم ولا يحسن إليهم ويكفر عن يمينه فهذا مستلج بيمينه في أهله آثم، ومعنى قوله لا تغني الكفارة أن الكفارة لا تحبط عنه إثم إساءته إلى أهله ولو كانت واجبة عليه، وإنما هي متعلقة باليمين التي حلفها. قال ابن الجوزي: قوله ليس تغني الكفارة كأنه أشار به إلى أن إثمه في قصده أن لا يبر ولا يفعل الخير فلو كفر لم ترفع الكفارة سبق ذلك القصد.
٢ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «وَايْمُ اللَّهِ»
(باب قول النبي ﷺ ¬) في يمينه (وايم الله) من ألفاظ القسم كقوله لعمر الله وعهد الله وهو مرفوع بالابتداء وخبره محذوف أي قسمي أو يميني أو لازم لي وفيها لغات كثيرة وتفتح همزتها وتكسر وهمزتها همزة وصل وقد تقطع ونحاة الكوفة يقولون إنها جمع يمين وغيرهم يقولون هي اسم موضوع للقسم. وقال المالكية والحنفية: إنها يمين، وقال الشافعية: إن نوى اليمين انعقد وإن نوى غير اليمين لم ينقعد يمينًا وإن أطلق فوجهان أصحهما لا ينقعد، وعن أحمد روايتان أصحهما الانعقاد، وحكى الغزالي في معناها وجهين: أحدهما أنه كقوله بالله، والثاني وهو الراجح أنه كقوله: أحلف بالله.
٦٦٢٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْثًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَطَعَنَ بَعْضُ النَّاسِ فِى إِمْرَتِهِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «إِنْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِى إِمْرَتِهِ، فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِى إِمْرَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ، وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلإِمَارَةِ، وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَىَّ، وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَىَّ بَعْدَهُ».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء البلخي (عن إسماعيل بن جعفر) وفي نسخة باليونينية: حدّثنا إسماعيل بن جعفر المدني (عن عبد الله بن دينار) المدني (عن ابن عمر ﵄) أنه (قال: بعث رسول الله ﷺ بعثًا) وهو البعث الذي أمر بتجهيزه عند موته ﷺ وأنفذه أبو بكر ﵁ بعده (وأمّر عليهم) بتشديد الميم جعل عليهم أميرًا (أسامة بن زيد فطعن بعض الناس في إمرته) بكسر الهمزة وسكون الميم، ولأبي ذر عن الكشميهني في إمارته وكان أشدهم في ذلك كلامًا عياش بن أبي ربيعة المخزومي فقال: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين وكان فيهم أبو بكر وعمر فسمع عمر ذلك فأخبر النبي ﷺ بذلك (فقام رسول الله ﷺ فقال):
(إن كنتم تطعنون في إمرته) بضم العين وفتحها في الفرع كأصله قيل وهما لغتان (فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه) زيد بن حارثة (من قبل) في غزوة مؤتة (وايم الله) أي أحلف بالله (إن كان)
стр. 7299
زيد (لخليقًا) بفتح اللام والخاء المعجمة وبالقاف لجديرًا (للإمارة) بكسر الهمزة (وإن كان لمن أحب الناس إليّ) بتشديد الياء (وإن هذا) أسامة ابنه (لمن أحب الناس إلي بعده).
والحديث سبق في مناقب زيد.
٣ - باب كَيْفَ كَانَتْ يَمِينُ النَّبِيِّ ﷺ -؟
وَقَالَ سَعْدٌ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ». وَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ : لَا هَا اللَّهِ إِذًا يُقَالُ وَاللَّهِ وَبِاللَّهِ وَتَاللَّهِ.
هذا (باب) بالتنوين (كيف كانت يمين النبي ﷺ ¬) التي كان يواظب على القسم بها أو يكثر.
(وقال سعد) بسكون العين ابن أبي وقاص مما وصله المؤلّف في مناقب عمر ﵁ (قال النبي ﷺ ¬) أيها يا ابن الخطاب (والذي نفسي بيده) أي قدرته وتصريفه: (ما لقيك الشيطان سالكًا فجًّا قط إلا سلك فجًّا غير فجك).
(وقال أبو قتادة) الحارث بن ربعي الأنصاري مما سبق موصولاً في باب من لم يخمس الأسلاب من كتاب الخمس (قال أبو بكر) ﵁ (عند النبي ﷺ ¬) عام حنين (لاها الله) بالوصل أي لا والله (إذًا) بالتنوين جواب وجزاء أي لا والله إذا صدق لا يكون كذا، وتمامه لا يعمد يعني النبي ﷺ إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله ﷺ فيعطيك سلبه فقال النبي ﷺ : صدق فاعطه الحديث، وسبق في الباب المذكور قال البخاري: (يقال والله) بالواو (وبالله) بالموحدة (وتالله) بالفوقية يريد أنها حروف قسم فالأولان يدخلان على كل ما يقسم به والثالث لا يدخل إلا على الجلالة الشريفة. نعم سمع شاذًا ترب الكعبة وتالرحمن. ونقل الماوردي أن أصل حروف القسم الواو ثم الموحدة ثم المثناة، ونقل ابن الصباغ عن أهل اللغة أن الموحدة هي الأصل وأن الواو بدل منها وأن المثناة بدل من الواو، وقوّاه ابن الرفعة بأن الباء تعمل في الضمير بخلاف الواو، ولو قال الله مثلاً بتثليث آخره أو تسكينه لأفعلن كذا فكناية إن نوى بها اليمين فيمين وإلاّ فلا واللحن لا يمنع الانعقاد، ولو قال: أقسمت أو قسم أو حلفت أو أحلف بالله لأفعلن كذا فيمين لأنه عرف الشرع. قال تعالى: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم﴾ [الأنعام: ١٠٩] إلا إن نوى خبرًا ماضيًا في صيغة الماضي أو مستقبلاً في المضارع فلا يكون يمينًا لاحتمال ما نواه.
٦٦٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَتْ يَمِينُ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) بن واقد الفريابي (عن سفيان) الثوري (عن موسى بن عقبة) بضم العين وسكون القاف (عن سالم عن ابن عمر) ﵄ أنه (قال: كانت يمين
стр. 7300
النبي ﷺ ¬) التي يحلف بها (لا ومقلب القلوب) بالإعراض والأحوال. قال الراغب: تقليب الله القلوب والأبصار صرفها عن رأي إلى رأي والتقليب الصرف وسمي قلب الإنسان لكثرة تقلبه ويعبر بالقلب عن المعاني التي تختص به من الروح والعلم والشجاعة. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: القلب جزء من البدن خلقه الله وجعله للإنسان محل العلم والكلام وغير ذلك من الصفات الباطنة وجعل ظاهر البدن محل التصرفات الفعلية والقولية ووكل به ملكًا يأمره بالخير وشيطانًا يأمره بالشر فالعقل بنوره يهديه والهوى بظلمته يغويه والقضاء والقدر مسيطر على الكل والقلب يتقلب بين الخواطر الحسنة والسيئة والمحفوظ من حفظه الله تعالى، وقد تمسك بهذا الحديث من أوجب الكفارة على من حلف بصفة من صفات الله تعالى فحنث ولا نزاع في أصل ذلك، وإنما اختلف في أي صفة تنعقد بها اليمين، والتحقيق أنها مختصة بالصفة التي لا يشاركه فيها غيره كمقلب القلوب.
والحديث سبق في باب: يحول بين المرء وقلبه.
٦٦٢٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وَإِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ».
وبه قال: (حدّثنا موسى) بن إسماعيل أبو سلمة التبوذكي قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري (عن عبد الملك) بن عمير الكوفي (عن جابر بن سمرة) بفتح المهملة وضم الميم ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(إذا هلك) أي مات (قيصر) وهو هرقل ملك الروم (فلا قيصر بعده) يملك مثل ما ملك (وإذا هلك) أي مات (كسرى) أنوشروان بن هرمز ملك الفرس (فلا كسرى بعده والذي نفسي بيده) أي بقدرته يصرفها كيف يشاء أو الذي أعبده وهذا موضع الترجمة (لتنفقن كنوزهما في سبيل الله) وفيه علم من أعلام النبوة إذ وقع كما أخبر ﷺ .
والحديث سبق في الجهاد.
٦٦٣٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (سعيد بن المسيب أن أبا هريرة) ﵁ (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
стр. 7301
(إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده) في العراق (وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده) في الشام وهذا قاله ﷺ تطييبًا لقلوب أصحابه من قريش وتبشيرًا لهم بأن ملكهما سيزول عن الإقليمين المذكورين لأنهم كانوا يأتونهما للتجارة، فلما أسلموا خافوا انقطاع سفرهم إليها فأما كسرى فقد مزق الله ملكه بدعائه ﷺ لما مزق كتابه ولم يبق له بقية وزال ملكه من جميع الأرض، وأما قيصر فإنه لما ورد عليه كتاب النبي ﷺ أكرمه ووضعه في المسك فدعا له ﷺ أن يثبت الله ملكه فثبت ملكه في الروم وانقطع عن الشام (والذي نفس محمد بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله) بفتح قاف تنفقن أي مالهما المدفون أو الذي جمع وادخر، وقد وقع ذلك كما أخبر الصادق ﷺ .
وقال أهل التاريخ: كان في القصر الأبيض لكسرى ثلاثة آلاف ألف ألف ألف ثلاث مرّات غير أن رستم لما مرّ منهزمًا حمل معه نصف ما كان في بيوت الأموال وترك النصف فنقله المسلمون فأصاب الفارس اثني عشر ألفًا.
والحديث سبق في علامات النبوّة.
٦٦٣١ - حَدَّثَنِى مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (محمد) هو ابن سلام قال: (أخبرنا عبدة) بفتح المهملة وسكون الموحدة وبعد المهملة هاء تأنيث ابن سليمان (عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال):
(يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم) من أمور الآخرة وشدّة أهوالها وما أعدّ في النار لمن دخلها وما في الجنة من الثواب (لبكيتم) لذلك بكاء (كثيرًا ولضحكتم) ضحكًا (قليلاً) جواب القسم السادّ مسدّ جواب لو لبكيتم الخ وفيه كما في الفتح دلالة على اختصاصه ﷺ بمعارف بصري وقلبية قد يطلع الله تعالى غيره عليها من المخلصين من أمته، لكن بطريق الإجمال وأما تفاصيلها فمما اختص به ﷺ فجمع الله له بين علم اليقين وعين اليقين مع الخشية القلبية استحضار العظمة الإلهية على وجه لم يكن لغيره زاده الله تعالى شرفًا.
فإن قلت: الخطاب إما أن يكون للمؤمنين خاصة أو عامًّا فإن كان الأول فليس ثمة ما يوجب تقليل الضحك وتكثير البكاء لأن المؤمن وإن دخل النار فعاقبته الجنة لا محالة مخلدًا فيها فمدة ما يوجب البكاء بالنسبة إلى ما يوجب الضحك والسرور نسبة شيء يسير إلى شيء لا يتناهى، وذلك يوجب العكس، وإن كان الثاني فليس للكافر ما يوجب الضحك أصلاً. أجيب: بأن الخطاب للمؤمنين وخرج في مقام ترجيح الخوف على الرجاء إخافة على الخاتمة.
والحديث سبق في الرقاق.
стр. 7302
٦٦٣٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِى ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى حَيْوَةُ، حَدَّثَنِى أَبُو عَقِيلٍ زُهْرَةُ بْنُ مَعْبَدٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَدَّهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ هِشَامٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ، إِلاَّ مِنْ نَفْسِى فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ لَهُ: «لَا وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ»، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الآنَ وَاللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ نَفْسِى فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «الآنَ يَا عُمَرُ».
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن سليمان) الجعفي قال: (حدثني) بالإفراد (ابن وهب) عبد الله قال: (أخبرني) بالإفراد (حيوة) بفتح الحاء المهملة والواو بينهما تحتية ساكنة آخره هاء تأنيث ابن شريح قال: (حدثني) بالإفراد (أبو عقيل) بفتح العين وكسر القاف (زهرة بن معبد) بضم الزاي وسكون الهاء بعدها راء مفتوحة ومعبد بفتح الميم والموحدة بينهما عين مهملة ساكنة (أنه سمع جده عبد الله بن هشام) ﵁ القرشي التيمي له ولأبيه صحبة. قال البغوي: سكن المدينة (قال: كنا مع النبي ﷺ وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب) ﵁ (فقال له عمر: يا رسول الله) والله (لأنت أحب إليّ) بتشديد الياء واللام لتأكيد القسم المقدر (من كل شيء إلا من نفسي) ذكر حبه لنفسه بحسب الطبع (فقال النبي ﷺ له: لا) يكمل إيمانك (والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك فقال له) ﷺ (عمر) ﵁ لما علم أن النبي ﷺ هو السبب في نجاة نفسه من الهلكات (فإنه الآن والله) يا رسول الله (لأنت أحب إليّ من نفسي) فأخبر بما اقتضاه الاختيار بسبب توسط الأسباب (فقال النبي ﷺ ¬) له: (الآن) عرفت فنطقت بما يجب عليك (ياعمر).
وهذا الحديث ذكره في مناقب عمر بعين هذا السند لكنه اقتصر منه على قوله: وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقط، وهو مما انفرد البخاري بإخراجه.
٦٦٣٣ و ٦٦٣٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِى مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَقَالَ الآخَرُ وَهْوَ أَفْقَهُهُمَا: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَائْذَنْ لِى أَنْ أَتَكَلَّمَ قَالَ: «تَكَلَّمْ» قَالَ: إِنَّ ابْنِى كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، قَالَ مَالِكٌ: وَالْعَسِيفُ: الأَجِيرُ، زَنَى بِامْرَأَتِهِ فَأَخْبَرُونِى أَنَّ عَلَى ابْنِى الرَّجْمَ فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَجَارِيَةٍ، ثُمَّ إِنِّى سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِى أَنَّ مَا عَلَى ابْنِى جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَإِنَّمَا الرَّجْمُ عَلَى امْرَأَتِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَمَا وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ، أَمَّا غَنَمُكَ وَجَارِيَتُكَ فَرَدٌّ عَلَيْكَ» وَجَلَدَ ابْنَهُ مِائَةً وَغَرَّبَهُ عَامًا وَأُمِرَ أُنَيْسٌ الأَسْلَمِىُّ أَنْ يَأْتِىَ امْرَأَةَ الآخَرِ، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ رَجَمَهَا فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا.
стр. 7303
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس (قال: حدثني) بالإفراد (مالك) هو الإمام الأعظم (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله بن عتبة) بضم العين وسكون الفوقية وفتح الموحدة (ابن مسعود عن أبي هريرة) ﵁ (وزيد بن خالد) الجهني المدني من مشاهير الصحابة ﵁ (أنهما أخبراه أن رجلين) لم يسميا (اختصما إلى رسول الله ﷺ فقال أحدهما: اقض بيننا بكتاب الله) تعالى (وقال الآخر وهو أفقههما) جملة معترضة لا محل لها من الإعراب وإنما كان أفقه لحسن أدبه باستئذانه أوّلاً أو أفقه في هذه القصة لوصفها على وجهها أو كان أكثر فقهًا في ذاته (أجل) بفتح الهمزة والجيم وسكون اللام مخففة أي نعم (يا رسول الله فاقض بيننا بكتاب الله) (وائذن لي أن أتكلم قال) له ﷺ :
(تكلم) بما في نفسك (قال: إن ابني كان عسيفًا) بالعين المفتوحة والسين المكسورة المهملتين وبعد التحتية الساكنة فاء فعيل بمعنى مفعول (على هذا) وعلى بمعنى اللام أي أجيرًا لهذا أو بمعنى عند أي أجيرًا عند هذا أو أجيرًا على خدمة هذا فحذف المضاف (قال مالك) الإمام ﵀ (والعسيف الأجير، زنى بامرأته فأخبروني) أي العلماء (أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة وجارية) فمن للبدلية زاد أبو ذر عن الكشميهني لي (ثم إني سألت أهل العلم) كان يفتي في الزمن النبوي الخلفاء الأربعة وأبي ومعاذ وزيد بن ثابت الأنصاريون فيما ذكره العذري بلاغًا (فأخبروني أن ما على ابني) ما موصول بمعنى الذي والصلة على ابني أي الذي استقرّ على ابني (جلد مائة وتغريب عام) أي ولاء لمسافة القصر لأن المقصود إيحاشه بالبعد عن الأهل والوطن (وإنما الرجم على امرأته. فقال رسول الله ﷺ ¬) (أما) بتخفيف الميم وهي ساقطة للكشميهني (والذي) أي وحق الذي (نفسي بيده) فالذي مع صلته وعائده مقسم به وجواب القسم (لأقضين بينهما بكتاب الله) أي بما تضمنه كتاب الله أو بحكم الله وهو أولى لأن الحكم فيه التغريب والتغريب ليس مذكورًا في القرآن (أما غنمك وجاريتك فردّ عليك) أي فمردودة فأطلق المصدر على المفعول نحو ثوب نسج اليمين أن منسوج اليمن (وجلد ابنه) بالنصب على المفعولية وفي نسخة وجلد بضم الجيم مبنيًّا للمفعول ابنه رفع نائب عن الفاعل (مائة وغربه عامًا وأمر) بضم الهمزة (أنيس) بضم الهمزة وفتح النون والرفع نائب عن الفاعل ابن الضحاك (الأسلمي) صفة لأبي ذر أمر بفتح الهمزة أنيسًا نصب على المفعولية الأسلمي (أن يأتي امرأة الآخر) فيعلمها بأن هذا الرجل قذفها بابنه فلها عليه حدّ القذف فتطالبه به أو تعفو (فإن اعترفت) بالزنا (رجمها) لأنها محصنة وللكشميهني فارجمها فذهب إليها أنيس فسألها (فاعترفت) به فأخبر النبي ﷺ بذلك (فرجمها) أي فأمر برجمها فرجمت.
وفيه أن مطلق الاعتراف يوجب الحدّ وهو مذهب مالك والشافعي لقوله لأنيس: "فإن اعترفت فارجمها" فعلق الرجم على مجرد الاعتراف وإنما كرّره على ماعز كما في حديثه لأنه شك في عقله، ولهذا قال له: أبك جنون، وقال الحنفية: لا يجب إلا بالاعتراف في أربعة مجالس، وقال أحمد: أربع في مجلس أو مجالس والغرض من حديث الباب قوله ﷺ "أما والذي نفسي بيده
стр. 7304
لأقضين" ويأتي إن شاء الله تعالى في الحدود، وقد ذكره المؤلّف في مواضع كثيرة مختصرًا في الصلح والأحكام والوكالة والشروط والشهادات وغيرها.
٦٦٣٥ - حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَهْبٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِى يَعْقُوبَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ أَسْلَمُ وَغِفَارُ وَمُزَيْنَةُ وَجُهَيْنَةُ خَيْرًا مِنْ تَمِيمٍ وَعَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وَغَطَفَانَ وَأَسَدٍ خَابُوا وَخَسِرُوا» قَالُوا: نَعَمْ. فَقَالَ: «وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ إِنَّهُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر: بالجمع (عبد الله بن محمد) الجعفي المسندي قال: (حدّثنا وهب) بفتح الواو وسكون الهاء ابن جرير بن حازم الأزدي الحافظ قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج الحافظ أبو بسطام العتكي أمير المؤمنين في الحديث (عن محمد بن أبي يعقوب) هو محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب الضبي ونسبه لجده (عن عبد الرَّحمن بن أبي بكرة) بفتح الموحدة وسكون الكاف وبعد الراء تاء تأنيث الثقفي (عن أبيه) أبي بكرة نفيع بن الحارث بضم النون وفتح الفاء وسكون التحتية بعدها عين مهملة ابن كلدة بفتحتين أسلم بالطائف ثم نزل البصرة ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(أرأيتم) أي أخبروني (إن كان أسلم) بن أفصى (وغفار) بكسر الغين المعجمة وتخفيف الفاء (ومزينة) بضم الميم وفتح الزاي (وجهينة) بضم الجيم وفتح الهاء وبعد التحتية الساكنة نون الأربعة قبائل مشهورة (خير من تميم وعامر بن صعصعة) وفي أوائل المبعث من بني تميم وبني عامر (وغطفان) بفتح الغين المعجمة والطاء المهملة والفاء (وأسد) وخبر إن قوله (خابوا) بالخاء المعجمة والموحدة من الخيبة (وخسروا) والضمير كما قال في الكواكب راجع إلى الأربعة الأقرب وهم تميم الخ (قالوا: نعم) خابوا وخسروا وفي أوائل المبعث أن القائل هو الأقرع بن حابس (فقال: والذي نفسي بيده إنهم) أي أسلم وغفار ومزينة وجهينة (خير منهم) أي من تميم ومن بعدهم والمراد خيرية المجموع على المجموع وإن جاز أن يكون من المفضولين فرد أفضل من فرد الأفضلين.
والحديث سبق في المبعث.
٦٦٣٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ: أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ عَنْ أَبِى حُمَيْدٍ السَّاعِدِىِّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ عَامِلاً فَجَاءَهُ الْعَامِلُ حِينَ فَرَغَ مِنْ عَمَلِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِىَ لِى فَقَالَ لَهُ: «أَفَلَا قَعَدْتَ فِى بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ فَنَظَرْتَ أَيُهْدَى لَكَ أَمْ لَا»؟ ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشِيَّةً بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَتَشَهَّدَ وَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ فَمَا بَالُ الْعَامِلِ نَسْتَعْمِلُهُ فَيَأْتِينَا فَيَقُولُ: هَذَا مِنْ عَمَلِكُمْ وَهَذَا أُهْدِىَ لِى، أَفَلَا قَعَدَ
стр. 7305
فِى بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَنَظَرَ هَلْ يُهْدَى لَهُ أَمْ لَا؟ فَوَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَغُلُّ أَحَدُكُمْ مِنْهَا شَيْئًا إِلاَّ جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا جَاءَ بِهِ لَهُ رُغَاءٌ، وَإِنْ كَانَتْ بَقَرَةً جَاءَ بِهَا لَهَا خُوَارٌ، وَإِنْ كَانَتْ شَاةً جَاءَ بِهَا تَيْعَرُ، فَقَدْ بَلَّغْتُ» فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: ثُمَّ رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ حَتَّى إِنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى عُفْرَةِ إِبْطَيْهِ قَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: وَقَدْ سَمِعَ ذَلِكَ مَعِى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَسَلُوهُ.
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة) بن الزبير (عن أبي حميد) بضم الحاء المهملة قيل اسمه عبد الرَّحمن وقيل المنذر (الساعدي) ﵁ (أنه أخبره أن رسول الله ﷺ استعمل عاملاً) هو عبد الله بن اللتبية بضم اللام وسكون الفوقية وكسر الموحدة وتشديد التحتية على الصدقة (فجاءه) ﷺ (العامل) ابن اللتبية (حين فرغ من عمله) فحاسبه ﷺ (فقال: يا رسول الله هذا لكم وهذا أهدي لي فقال) ﷺ (له):
(أفلا قعدت في بيت أبيك وأمك فنظرت أيهدى) بهمزة الاستفهام وضم التحتية وفتح الدال المهملة (لك أم لا. ثم قام رسول الله ﷺ عشية بعد الصلاة فتشهد وأثنى على الله بما هو أهله ثم قال أما بعد فما بال العامل نستعمله فيأتينا فيقول هذا من عملكم وهذا أهدي ليس أفلا قعد في بيت أبيه وأمه فنظر هل يهدى له أم لا فوالذي نفس محمد بيده) وهذا موضع الترجمة (لا يغل) بضم الغين المعجمة وتشديد اللام لا يخون (أحدكم منها) من الصدقة (شيئًا إلا جاء به يوم القيامة) حال كونه (يحمله على عنقه إن كان) الذي غله (بعيرًا جاء به) حال كونه (له رغاء) بضم الراء وفتح الغين المعجمة ممدودًا صفة لبعير أي صوت (وإن كانت) المغلولة (بقرة جاء بها) يوم القيامة يحملها على عنقه (لها خوار) بضم الخاء المعجمة وتخفيف الواو صوت (وإن كانت شاة جاء بها) يوم القيامة يحملها على عنقه (تيعر) بفتح الفوقية وسكون التحتية وفتح العين المهملة بعدها راء تصوّت (فقد بلغت) ما أمرت به (فقال أبو حميد) الساعدي ﵁ (ثم رفع رسول الله ﷺ يده) بالإفراد (حتى إنا لننظر إلى عفرة إبطيه) بضم العين المهملة وسكون الفاء وبالراء بياضهما المشوب بالسمرة.
(قال أبو حميد) الساعدي ﵁ بالسند المذكور (وقد سمع ذلك) الحديث (معي زيد بن ثابت) أبو سعيد الأنصاري كاتب الوحي (من النبي ﷺ فسلوه) بفتح السين من غير همز.
والحديث سبق في باب من لم يقبل الهدية لعلة من كتاب الهبة.
٦٦٣٧ - حَدَّثَنِى إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ هُوَ ابْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : «وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ، لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً».
стр. 7306
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (إبراهيم بن موسى) الفراء أبو إسحاق الرازي المعروف بالصغير قال: (أخبرنا هشام هو ابن يوسف) الصنعاني (عن معمر) هو ابن راشد (عن همام) هو ابن منبه (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: قال أبو القاسم ﷺ ¬):
(والذي نفس محمد بيده لو تعلمون ما أعلم) من أهوال يوم القيامة (لبكيتم) بفتح الكاف (كثيرًا ولضحكتم قليلاً) وكل من كان لله أعرف كان أخوف.
وسبق متن الحديث عن عائشة ﵂ في هذا الباب.
٦٦٣٨ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنِ الْمَعْرُورِ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ فِى ظِلِّ الْكَعْبَةِ: «هُمُ الأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، هُمُ الأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ»، قُلْتُ: مَا شَأْنِى أَيُرَى فِىَّ شَىْءٌ مَا شَأْنِى؟ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ وَهْوَ يَقُولُ فَمَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أَسْكُتَ وَتَغَشَّانِى مَا شَاءَ اللَّهُ فَقُلْتُ: مَنْ هُمْ بِأَبِى أَنْتَ وَأُمِّى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «الأَكْثَرُونَ أَمْوَالاً إِلاَّ مَنْ قَالَ: هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا».
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث النخعي الكوفي قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي (عن المعرور) بفتح الميم وسكون العين المهملة وراءين مهملتين بينهما واو ساكنة ابن سويد الأسدي (عن أبي ذر) جندب بن جنادة الأنصاري ﵁ أنه (قال: انتهيت إليه) ﷺ (وهو يقول في ظل الكعبة): كذا في اليونينية وفي نسخة: وهو في ظل الكعبة يقول:
(هم الأخسرون ورب الكعبة هم الأخسرون ورب الكعبة) مرتين، وهذا موضع الترجمة. قال أبو ذرة (قلت ما شأني)؟ ما حالي (أيرى) بضم التحتية (فيّ) بتشديد الياء (شيء) أيظن في نفسي شيء يوجب الأخسرية وللأصيلي وأبي ذر عن الحموي والمستملي أيرى بالتحتية المفتوحة يعني النبي ﷺ فيّ بتشديد الياء شيئًا (ما شأني) ما حالي (فجلست إليه) ﷺ (وهو يقول فما استطعت أن أسكت وتغشاني) بفتح الغين والشين المشددة المعجمتين (ما شاء الله فقلت: من هم بأبي أنت وأمي) مفدّي (يا رسول الله؟ قال) ﷺ : (الأكثرون أموالاً إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا) ثلاث مرات أي إلاّ من أنفق ماله أمامًا ويمينًا وشمالاً على المستحقين فعبّر عن الفعل بالقول.
والحديث أخرجه البخاري مقطعًا في الزكاة بلفظ انتهيت إلى النبي ﷺ فقال: والذي نفسي بيده أو والذي لا اله غيره أو كما حلف ما من رجل يكون له إبل أو بقر أو غنم لا يؤدي حقها إلا أتي بها يوم القيامة الحديث، وأخرجه مسلم في الزكاة والترمذي وقال: حسن صحيح.
٦٦٣٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَالَ سُلَيْمَانُ لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً كُلُّهُنَّ تَأْتِى بِفَارِسٍ
стр. 7307
يُجَاهِدُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَقُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَطَافَ عَلَيْهِنَّ جَمِيعًا فَلَمْ تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلاَّ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ، وَايْمُ الَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ: لَجَاهَدُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة قال: (حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرَّحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(قال سليمان) بن داود ﵉ (لأطوفن) والله لأطوفن (الليلة على تسعين امرأة) أي لأجامعهن، وتسعين بفوقية قبل السين، وفي رواية في كتاب الأنبياء سبعين بموحدة بعد السين، وفي مسلم ستون ويروى مائة ولا منافاة لأنه مفهوم عدد (كلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله) . وفي رواية أخرى. فتحمل كل واحدة وتلد غلامًا فارسًا يقاتل في سبيل الله، وحينئذٍ فيكون في هذه الرواية حذف أو لا حذف فيها ويكون قوله فتأتي مسببًا عن الطوفان لأنه مسبب عن الحمل والحمل عن الوطء، وسبب السبب سبب وإن كان بواسطة. وجزم بذلك لغلبة رجائه لقصد الأجر (فقال له صاحبه) قرينه أو الملك (إن شاء الله) ولأبي ذر قل إن شاء الله (فلم يقل إن شاء الله) نسيانًا (فطاف عليهن) جامعهن (جميعًا فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل) بكسر الشين بنصف ولد وعبر بالرجل بالنظر إلى ما يؤول إليه قيل إنه الجسد الذي ذكره الله أنه ألقي على كرسيه (وايم الذي نفس محمد بيده) فيه جواز إضافة ايم إلى غير لفظ الجلالة ولكنه نادر (لو قال: إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله) حال كونهم (فرسانًا أجمعون) تأكيد لضمير الجمع في قوله: لجاهدوا، وقد أنسى الله تعالى سليمان ﵇ الاستثناء ليمضي قدره السابق.
والحديث سبق في الجهاد في باب من طلب الولد للجهاد، وباب قول الله ﴿ووهبنا لداود سليمان﴾ [ص: ٣٠] في كتاب الأنبياء.
٦٦٤٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: أُهْدِىَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ سَرَقَةٌ مِنْ حَرِيرٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَتَدَاوَلُونَهَا بَيْنَهُمْ وَيَعْجَبُونَ مِنْ حُسْنِهَا وَلِينِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَتَعْجَبُونَ مِنْهَا»؟ قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَمَنَادِيلُ سَعْدٍ فِى الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْهَا». لَمْ يَقُلْ شُعْبَةُ وَإِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ.
وبه قال: (حدّثنا محمد) قال الغساني هو ابن سلام قال: (حدّثنا أبو الأحوص) بالحاء الساكنة والصاد المهملتين بينهما واو مفتوحة سلام بالتشديد ابن سليم (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي (عن البراء بن عازب) ﵁ أنه (قال: أهدي) بضم الهمزة (إلى النبي ﷺ سرقة) بفتح السين المهملة والراء والقاف وبالرفع مفعول ناب عن فاعله قطعة (من
стр. 7308
حرير) أبيض جيد وفي المناقب من طريق شعبة عن أبي إسحاق أهديت للنبي ﷺ حلة حرير وفي حديث أنس في الهبة أهداها له أكيدر دومة (فجعل الناس يتداولونها بينهم ويعجبون من حسنها ولينها فقال رسول الله ﷺ ¬) لهم (أتعجبون منها)؟ قالوا: (نعم يا رسول الله قال: والذي نفسي بيده لمناديل سعد) بسكون العين ابن معاذ بن النعمان الأشهلي سيد الأوس ﵁ (في الجنة خير منها) من سرقة الحرير، وللكشميهني من هذا، ولعله ﷺ قال ذلك استمالة لقلب سعد أو أن المتعجبين من الأنصار فقال لهم: منديل سيدكم خير منه وفيه منقبة له لا تخفى وقد سبق الحديث في الهبة والمناقب واللباس (لم يقل شعبة) بن الحجاج فيما رواه في المناقب (و) كذا (إسرائيل) فيما رواه في اللباس كلاهما (عن أبي إسحاق) عمرو السبيعي (والذي نفسي بيده) فانفرد أبو الأحوص في روايته عن أبي إسحاق السبيعي بها.
٦٦٤١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنَّ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَ مِمَّا عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَهْلُ أَخْبَاءٍ -أَوْ خِبَاءٍ- أَحَبَّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ يَذِلُّوا مِنْ أَهْلِ أَخْبَائِكَ -أَوْ خِبَائِكَ- شَكَّ يَحْيَى، ثُمَّ مَا أَصْبَحَ الْيَوْمَ أَهْلُ أَخْبَاءٍ -أَوْ خِبَاءٍ- أَحَبَّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ يَعِزُّوا مِنْ أَهْلِ أَخْبَائِكَ -أَوْ خِبَائِكَ- قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَأَيْضًا وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ» قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ فَهَلْ عَلَىَّ حَرَجٌ أَنْ أُطْعِمَ مِنَ الَّذِى لَهُ، قَالَ: «لَا إِلاَّ بِالْمَعْرُوفِ».
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة وفتح الكاف اسم جده واسم أبيه عبد الله المخزومي مولاهم المصري قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري محمد بن مسلم أنه قال: (حدثني) بالإفراد (عروة بن الزبير أن عائشة ﵂ قالت: إن هند بنت عتبة بن ربيعة) بضم عين عتبة وسكون الفوقية القرشية أم معاوية بن أبي سفيان أسلمت يوم الفتح ﵂ (قالت: يا رسول الله ما كان مما على ظهر الأرض أهل أخباء) بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة وتخفيف الموحدة ممدودًا (أو خباء) بكسر الخاء بالشك هل هو بصيغة الجمع أو الإفراد، والخباء أحد بيوت العرب من وبر أو صوف لا من شعر ويكون على عمودين أو ثلاثة (أحب) نصب خبر كان (إليّ) بتشديد الياء (من أن يذلوا) بفتح التحتية وكسر الذال المعجمة وسقط لفظ من في نسخة وعليها ضرب في اليونينية (من أهل أخبائك) بفتح الهمزة (أو خبائك) بإسقاطها (شك يحيى) بن بكير شيخ البخاري (ثم ما أصبح اليوم أهل أخباء أو خباء أحب إليّ أن) ولأبي ذر عن الكشميهني من أن (يعزوا) بفتح التحتية وكسر العين (من أهل أخبائك) بالخاء المعجمة والموحدة كالسابق وفي اليونينية هذه أحيائك بالمهملة والتحتية (أو خبائك) بالشك كذلك وأن في الموضعين مصدرية أي من ذلهم ومن عزهم (قال رسول الله ﷺ ¬):
стр. 7309
(وأيضًا) ستريدين من ذلك (والذي نفس محمد بيده) لأن الإيمان إذا تمكن في القلب زاد الحب لرسول الله ﷺ وأصحابه، أو وأنا أيضًا بالنسبة إليك مثل ذلك والأول أوجه (قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان) بن حرب تعني زوجها (رجل مسّيك) بكسر الميم والسين المهملة المشددة وبفتح الميم وتخفيف السين وهو أصح عند أهل العربية، والأول أشهر عند المحدثين أي بخيل يمسك ما في يده لا يخرجه لأحد. قال القرطبي: وبخله إنما هو بالنسبة إلى امرأته وولده لا مطلقًا لأن الإنسان قد يفعل هذا مع أهل بيته لأنه يرى غيرهم أحوج وأولى، وإلاّ فأبو سفيان لم يكن معروفًا بالبخل فلا دلالة في هذا الحديث على بخله مطلقًا (فهل عليّ) بتشديد الياء (حرج) إثم (أن أطعم) بضم الهمزة وكسر العين (من الذي له؟ قال) ﷺ : (لا) حرج عليك (إلا) بالتشديد أن تطعمي من ماله (بالمعروف) أي القدر الذي عرف بالعادة أنه كفاية ويفسر المعروف في كل موضع بحسبه، ولأبي ذر لا بالمعروف فتكون الباء متعلقة بالإنفاق لا بالنفي.
والحديث مرّ في باب نفقة المرأة إذا غاب عنها زوجها من كتاب النفقات.
٦٦٤٢ - حَدَّثَنِى أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ قَالَ: حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُضِيفٌ ظَهْرَهُ إِلَى قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ يَمَانٍ إِذْ قَالَ لأَصْحَابِهِ: «أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ»؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: «أَفَلَمْ تَرْضَوْا أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ»؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: «فَوَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنِّى لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد، ولأبي ذر: بالجمع (أحمد بن عثمان) الأودي الكوفي قال: (حدّثنا شريح بن مسلمة) بضم الشين المعجمة وفتح الراء بعدها تحتية ساكنة فمهملة ومسلمة بفتح الميمين الكوفي قال: (حدّثنا إبراهيم عن أبيه) يوسف بن إسحاق (عن) جده (أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي أنه (قال: سمعت عمرو بن ميمون) بفتح العين الأودي المخضرم (قال: حدثني) بالإفراد (عبد الله بن مسعود ﵁ قال: بينما) بالميم (رسول الله ﷺ مضيف) بضم الميم وكسر الضاد المعجمة بعدها تحتية ساكنة ففاء أي مسند (ظهره إلى قبة من ادم) جلد (يمان) أصله يمني فقدم إحدى الياءين على النون وقلب ألفًا فصار مثل قاض، ولأبي ذر يماني على الأصل (إذ قال لأصحابه):
(أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قالوا: بلى) فيه أن بلى يجاب بها في الاستفهام كما في مسلم أنت الذي لقيتني بمكة فقال له المجيب بلى، ولكن هذا عندهم قليل فلا يقاس عليه (قال: أفلم ترضوا) ولأبي ذر: أفلا ترضون (أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قالوا: بلى قال) ﵊: (فوالذي نفس محمد بيده) ولأبي ذر عن الكشميهني في يده في تصريفه (إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة) ذكر ذلك بالتدريج ليكون أعظم لسرورهم.
стр. 7310
والحديث سبق في باب كيف الحشر من الرقاق.
٦٦٤٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ أَنَّ رَجُلاً سَمِعَ رَجُلاً يَقْرَأُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] يُرَدِّدُهَا فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) الإمام الأعظم (عن عبد الرحمن عن أبيه) عبد الله بن أبي صعصعة (عن أبي سعيد) الخدري ﵁ (أن رجلاً) هو أبو سعيد نفسه (سمع رجلاً) هو قتادة بن النعمان (يقرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ يرددها فلما أصبح) أبو سعيد (جاء إلى رسول الله ﷺ فذكر ذلك) الذي سمعه من قتادة (له وكان الرجل) بالهمز وتشديد النون (يتقالها) بتشديد اللام يعتقد أنها قليلة في العمل (فقال رسول الله ﷺ ¬):
(والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن) لأنه قصص وأخبار وصفات لله تعالى، وسورة الإخلاص متمحضة لله تعالى وصفاته فهي ثلثه فقارئها له ثواب قراءة ثلث القرآن وقراءة الثلث لها عشرة أمثالها والثواب بقدر النصب والفضل لله، وظاهر الأحاديث أن من قرأها حصل له ثواب مثل من قرأ ثلث القرآن، وفي باب فضل ﴿قل هو الله أحد﴾ بعد التفسير الإشارة لذلك.
٦٦٤٤ - حَدَّثَنِى إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «أَتِمُّوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَوَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ إِنِّى لأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِ ظَهْرِى إِذَا مَا رَكَعْتُمْ وَإِذَا مَا سَجَدْتُمْ».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (إسحاق) هو ابن راهويه قال: (أخبرنا حبان) بفتح الحاء المهملة والموحدة المشددة ابن هلال الباهلي قال: (حدّثنا همام) هو ابن يحيى العوذي فال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة قال: (حدّثنا أنس بن مالك ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول):
(أتموا الركوع والسجود فو) الله (الذي نفسي بيده إني لأراكم) بفتح الهمزة (من بعد) أي من وراء (ظهري إذا ما ركعتم وإذا ما سجدتم) أي إذا ركعتم وإذا سجدتم فما زائدة فيهما والرؤية هنا رؤية إدراك وهي لا تتوقف على وجود آلتها التي هي العين ولا شعاع ولا مقابلة وهذا بالنسبة إلى القديم العالي أما المخلوق فتتوقف صفة الرؤية في حقه على الحاسة والمقابلة والشعاع، ومن ثم كان خرق عادة في حقه ﷺ وخالق البصر في العين قادر على خلقه في غيرها.
وفي المواهب اللدنية مما جمعته ما يكفي ويشفي، والحديث سبق في الصلاة.
стр. 7311
٦٦٤٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ أَتَتِ النَّبِىَّ ﷺ مَعَهَا أَوْلَادٌ لَهَا فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ إِنَّكُمْ لأَحَبُّ النَّاسِ إِلَىَّ» قَالَهَا ثَلَاثَ مِرَارٍ.
وبه قال: (حدّثنا إسحاق) بن راهويه قال: (حدّثنا وهب بن جرير) الأزدي الحافظ قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن هشام بن زيد عن) جده (أنس بن مالك) ﵁ (أن امرأة من الأنصار) قال في الفتح: لم أقف على اسمها (أتت النبي ﷺ ¬) حال كونها (معها أولاد لها) لم يعرف ابن حجر أسماءهم، ولأبي ذر عن الكشميهني أولادها (فقال النبي ﷺ ¬):
(والذي نفسي بيده إنكم لأحب الناس إليّ) بتشديد الياء (قالها ثلاث مرار) قال في الكواكب الخطاب في قوله إنكم لجنس المرأة وأولادها يعني الأنصار وهو عام مخصص بدلائل أخر فلا يلزم منه أن يكون الأنصار أفضل من المهاجرين عمومًا ومن المعمرين خصوصًا.
والحديث سبق في فضل الأنصار.
٤ - باب لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ
هذا (باب) بالتنوين قوله ﷺ (لا تحلفوا بآبائكم).
٦٦٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهْوَ يَسِيرُ فِى رَكْبٍ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ فَقَالَ: «أَلَا إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) الإمام ابن أنس الأصبحي (عن نافع) أبي عبد الله الفقيه (عن) مولاه (عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ أدرك عمر بن الخطاب) ﵁ (وهو يسير في ركب) راكبي الإبل عشرة فصاعدًا حال كونه (يحلف بأبيه) الخطاب (فقال) ﷺ :
(ألا) بالتخفيف (إن الله) (ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم) وفي مصنف ابن أبي شيبة من طريق عكرمة قال: قال عمر ﵁: حدث قومًا حديثًا فقلت لا وأبي فقال رجل من خلفي: لا تحلفوا بآبائكم فالتفت فإذا رسول الله ﷺ يقول: "لو أن أحدكم حلف بالمسيح هلك والمسيح خير من آبائكم" قال الحافظ ابن حجر: وهذا مرسل يتقوى بشواهد، وأما قوله ﷺ أفلح وأبيه إن صدق، فقال ابن عبد البر إن هذه اللفظة منكرة غير محفوظة تردّها الآثار الصحاح، وقيل إنها مصحفة من قوله والله وهو محتمل، ولكن مثل هذا لا يثبت بالاحتمال لا سيما وقد ثبت مثل ذلك من لفظ أبي بكر الصديق في قصة السارق الذي سرق حلي ابنته فقال: وأبيك ما ليلك بليل سارق أخرجه في الموطأ وغيره، وفي مسلم مرفوعًا أن رجلاً سأله أي الصدقة أفضل؟ فقال:
стр. 7312
وأبيك لأنبئنك أو لأحدّثنك وأحسن الأجوبة ما قاله البيهقي وارتضاه النووي وغيره أن هذا اللفظ كان يجري على ألسنتهم من غير أن يقصدوا به القسم والنهي إنما ورد في حق من قصد حقيقة الحلف أو أن في الكلام حذفًا أي أفلح ورب أبيه قاله البيهقي أيضًا (من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت) بضم الميم ومن شرطية في موضع رفع بالابتداء وكان واسمها وخبرها في محل الخبر، والمعنى من كان مريدًا للحلف فليحلف بالله لا بغيره من الآباء وغيرهم، وحكمته أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه والعظمة في الحقيقة إنما هي لله تعالى وحده وظاهره تخصيص الحلف بالله خاصة لكن اتفقوا على أنه ينعقد بما اختص الله تعالى به ولو مشتقًا ولو من غير أسمائه الحسنى كوالله ورب العالمين والحي الذي لا يموت ومن نفسي بيده إلا أن يريد به غير اليمين فيقبل منه كما في الروضة كأصلها أو بما هو فيه تعالى عند الإِطلاق أغلب كالرحيم والخالق والرزاق والرب ما لم يرد بها غيره تعالى لأنها تستعمل في غيره مقيدة كرحيم القلب وخالق الإفك ورازق الجيش ورب الإِبل أو بما هو فيه تعالى، وفي غيره سواء كالموجود والعالم والحي إن أراده تعالى بها بخلاف ما إذا أراد بها غيره أو أطلق لأنها لما أطلقت عليهما سواء أشبهت الكنايات وبصفته الذاتية كعظمته وعزته وكبريائه وكلامه ومشيئته وعلمه وقدرته وحقه إلا أن يريد بالحق العبادات أو بعلمه وقدرته المعلوم والمقدور وظاهر قوله فليحلف بالله الإذن في الحلف، ولكن قال الشافعية: يكره لقوله تعالى ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم﴾ [البقرة: ٢٢٤] إلا في طاعة من فعل واجب أو مندوب وترك حرام أو مكروه فطاعة، وفي دعوى عند حاكم، وفي حاجة كتوكيد كلام كقوله ﷺ : "فوالله لا يمل الله حتى تملوا" أو تعظيم أمر كقوله: "والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا" فلا يكره فيهما.
٦٦٤٧ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ سَالِمٌ قَالَ ابْنُ عُمَرَ سَمِعْتُ عُمَرَ: يَقُولُ: قَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ» قَالَ عُمَرُ: فَوَاللَّهِ مَا حَلَفْتُ بِهَا مُنْذُ سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ ذَاكِرًا وَلَا آثِرًا. قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَوْ أَثَرَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ يَأْثُرُ عِلْمًا. تَابَعَهُ عُقَيْلٌ وَالزُّبَيْدِىُّ وَإِسْحَاقُ الْكَلْبِىُّ عَنِ الزُّهْرِىِّ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَمَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ سَمِعَ النَّبِىُّ ﷺ عُمَرَ.
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن عفير) هو سعيد بن كثير بن عفير بضم العين المهملة وفتح الفاء مولى الأنصار المصري قال: (حدّثنا ابن وهب) عبد الله المصري (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري أنه (قال: قال سالم) هو ابن عبد الله بن عمر (قال ابن عمر: سمعت عمر) ﵁ (يقول: قال لي رسول الله ﷺ ¬):
(إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم) جملة ينهاكم في محل رفع خبر إن وأن مصدرية في محل نصب أو جرّ بتقدير حرف الجر أي ينهاكم عن أن تحلفوا الأوّل للخليل والكسائي والثاني لسيبويه وحكم غير الآباء من سائر الخلق كحكم الآباء في النهي، وفي حديث ابن عمر عند الترمذي
стр. 7313
وقال حسن وصححه الحاكم أنه سمع رجلاً يقول: لا والكعبة. فقال: لا تحلف بغير الله فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" والتعبير بذلك للمبالغة في الزجر والتغليظ وهل النهي للتحريم أو التنزيه المشهور عند المالكية الكراهة وعند الحنابلة التحريم وجمهور الشافعية أنه للتنزيه. وقال إمام الحرمين: الذهب القطع بالكراهة. وقال غيره بالتفصيل فإن اعتقد فيه من التعظيم ما يعتقده في الله حرم الحلف به وكفر بذلك الاعتقاد أما إذا حلف بغير الله لاعتقاده تعظيم المحلوف به على ما يليق به من التعظيم فلا يكفر بذلك ولا تنعقد يمينه.
(قال عمر) ﵁: (فوالله ما حلفت بها) أي بأبي (منذ سمعت النبي ﷺ ¬) ومنذ ظرف مضاف إلى الجملة بتقدير زمان أي ما حلفت بها منذ زمن سماعي للنهي عنها حال كوني (ذاكرًا) أي عامدًا (ولا آثرًا) بهمزة ممدودة فمثلثة مكسورة أي حاكيًا عن غيري أي ما حلفت بها ولا حكيت ذلك عن غيري واستشكل هذا التفسير لتصدير الكلام بحلفت والحاكي عن غيره لا يسمى حالفًا. وأجيب: باحتمال أن يكون العامل فيه محذوفًا أي ولا ذكرتها آثرًا عن غيري أن يكون ضمن حلفت معنى تكلمت أو معناه يرجع إلى معنى التفاخر بالآباء والإكرام لهم فكأنه قال: ما حلفت بآبائي ذاكرًا لمآثرهم.
(قال مجاهد) فيما وصله الفريابي في تفسيره عن ورقاء عن ابن أبي نجيح في تفسير قوله تعالى (﴿أو أثارة من علم﴾) [الأحقاف: ٤] وفي نسخة أو أثرة بإسقاط الألف بعد المثلثة وفي هامش الفرع كأصله قرئ بضم الهمزة وسكون المثلثة وبفتحهما أي (يأثر علمًا) بضم المثلثة واختلف في معنى هذه اللفظة ومحصل ما ذكر في ذلك ثلاثة أقوال أحدها البقية والأصل أثرت الشيء آثره أثارة كأنها بقية تستخرج فتثار الثاني من الأثر وهو الرواية الثالث من الأثر وهي العلامة (تابعه) أي تابع يونس (عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد مما رواه أبو نعيم في مستخرجه على مسلم (والزبيدي) محمد بن الوليد مما وصله النسائي (وإسحاق) بن يحيى (الكلبي) الحمصي مما هو في مشيخته المروية من طريق أبي بكر أحمد بن إبراهيم بن شاذان الثلاثة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (وقال ابن عيينة) سفيان مما وصله الحميدي في مسنده (ومعمر) هو ابن راشد مما وصله أبو داود كلاهما (عن الزهري عن سالم عن ابن عمر) أنه (سمع النبي ﷺ عمر).
وفي هذا الحديث الزجر عن الحلف بغير الله، وإنما خص في حديث ابن عمر بالآباء لوروده على سببه المذكور أو خص لكونه كان غالبًا عليهم لقوله في الرواية الأخرى: وكانت قريش تحلف بآبائها، ويدل على التعميم قوله: من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله فلو حلف بغيره تعالى سواء كان المحلوف به يستحق التعظيم كالأنبياء والملائكة والعلماء والصلحاء والملوك والآباء والكعبة أو كان لا يستحق التعظيم كالآحاد أو يستحق التحقير والإِذلال كالشياطين والأصنام لم تنعقد يمينه. قال الطبري: من حلف بالكعبة أو آدم أو جبريل ونحو ذلك لم تنعقد يمينه ولزمه الاستغفار لإقدامه على ما نهي عنه ولا كفارة في ذلك نعم استثنى بعض الحنابلة من ذلك الحلف
стр. 7314
بنبينا محمد ﷺ فقال: تنعقد به اليمين وتجب الكفارة بالحنث به لأنه ﷺ أحد ركني الشهادة الذي لا تتم إلا به، ولله تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه كالليل والنهار ليعجب بها المخلوقين ويعرفهم قدرته لعظم شأنها عندهم ولدلالتها على خالقها، وأما المخلوق فلا يقسم إلا بالخالق قال:
ويقبح من سواك الشيء عندي … وتفعله فيحسن منك ذاك
٦٦٤٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهُ ﷺ : «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ».
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) أبو سلمة التبوذكي قال: (حدّثنا عبد العزيز بن مسلم) القسملي قال: (قال: حدّثنا عبد الله بن دينار) أنه (قال: سمعت عبد الله بن عمر ﵄ يقول): ولأبي ذر قال (قال رسول الله ﷺ ¬):
(لا تحلفوا بآبائكم) قال المهلب: كانت العرب في الجاهلية تحلف بآبائهم وآلهتهم فأراد الله تعالى أن ينسخ من قلوبهم وألسنتهم ذكر كل شيء سواه ويبقي ذكره تعالى لأنه الحق المعبود.
٦٦٤٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ وَالْقَاسِمِ التَّمِيمِىِّ، عَنْ زَهْدَمٍ قَالَ: كَانَ بَيْنَ هَذَا الْحَىِّ مِنْ جَرْمٍ وَبَيْنَ الأَشْعَرِيِّينَ وُدٌّ وَإِخَاءٌ فَكُنَّا عِنْدَ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ طَعَامٌ فِيهِ لَحْمُ دَجَاجٍ، وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِى تَيْمِ اللَّهِ أَحْمَرُ كَأَنَّهُ مِنَ الْمَوَالِى فَدَعَاهُ إِلَى الطَّعَامِ فَقَالَ: إِنِّى رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا فَقَذِرْتُهُ، فَحَلَفْتُ أَنْ لَا آكُلَهُ فَقَالَ: قُمْ فَلأُحَدِّثَنَّكَ عَنْ ذَاكَ، إِنِّى أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِى نَفَرٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ، فَقَالَ: «وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ وَمَا عِنْدِى مَا أَحْمِلُكُمْ»، فَأُتِىَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنَهْبِ إِبِلٍ فَسَأَلَ عَنَّا فَقَالَ: «أَيْنَ النَّفَرُ الأَشْعَرِيُّونَ»؟
فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى، فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قُلْنَا: مَا صَنَعْنَا حَلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَحْمِلُنَا وَمَا عِنْدَهُ مَا يَحْمِلُنَا، ثُمَّ حَمَلَنَا تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمِينَهُ، وَاللَّهِ لَا نُفْلِحُ أَبَدًا فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ فَقُلْنَا لَهُ إِنَّا أَتَيْنَاكَ لِتَحْمِلَنَا فَحَلَفْتَ أَنْ لَا تَحْمِلَنَا، وَمَا عِنْدَكَ مَا تَحْمِلُنَا، فَقَالَ: «إِنِّى لَسْتُ أَنَا حَمَلْتُكُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ، وَاللَّهِ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلاَّ أَتَيْتُ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي (عن أيوب) السختياني (عن أبي قلابة) بكسر القاف وفتح الموحدة عبد الله بن زيد الجرمي (والقاسم) بن عاصم (التيمي) البصري كلاهما (عن زهدم) بفتح الزاي وسكون الهاء بعدها دال مهملة مفتوحة ثم ميم بوزن جعفر بن مضرب الجرمي بفتح الجيم وسكون الراء أبي مسلم البصري أنه (قال: كان بين هذا الحي من جرم) بفتح الجيم وسكون الراء قبيلة من قضاعة (وبين الأشعريين ودّ) بضم الواو وتشديد المهملة محبة (وإخاء) بكسر الهمزة وتخفيف المعجمة والمدّ (فكنا عند أبي
стр. 7315
موسى الأشعري) ﵁ (فقرب إليه طعام فيه لحم دجاج) ليأكل منه (وعنده رجل من بني تيم الله أحمر) اللون (كأنه من الموالي) وتيم بفتح الفوقية وسكون التحتية حي من بني بكر وثبت لفظ بني لأبي ذر عن الحموي والمستملي (فدعاه) أبو موسى (إلى الطعام فقال: إني رأيته) يعني جنس الدجاج (يأكل شيئًا) قذرًا (قذرته) بكسر الذال المعجمة أي كرهت أكله (فحلفت أن لا آكله) وفي الترمذي عن قتادة عن زهدم قال: "دخلت على أبي موسى وهو يأكل دجاجًا فقال: ادن فكل فإني رأيت رسول الله ﷺ يأكله"، ففيه أن الرجل المبهم هو زهدم نفسه (فقال) له أبو موسى (قم فلأحدثنك) بنون التوكيد أي فوالله لأحدثنك (عن ذاك) ولأبي ذر عن ذلك باللام (إني أتيت رسول الله) ولأبي ذر النبي (¬ ﷺ في نفر) جماعة من الرجال ما بين الثلاثة إلى العشرة (من الأشعرين نستحمله) نطلب منه إبلاً تحملنا وأثقالنا (فقال) ﷺ :
(والله لا أحملكم وما عندي ما أحملكم) زاد أبو ذر عليه (فأتي رسول الله ﷺ ¬) بضم الهمزة فأتي (بنهب إبل) إضافة نهب لتاليه أي من غنيمة (فسأل) ﷺ (عنا فقال أين النفر الأشعريون) فحضرنا (فأمر لنا بخمس ذود) بفتح المعجمة وسكون الواو بعدها مهملة مجرور بالإضافة من الإبل ما بين الثلاث إلى العشر (غر الذرى) بضم الذال المعجمة وفتح الراء والغر بالغين المعجمة المضمومة وتشديد الراء بيض الأسنمة (فلما انطلقنا) من عنده بها (قلنا ما صنعنا حلف رسول الله ﷺ لا يحملنا) وللكشميهني أن لا يحملنا (وما عنده ما يحملنا ثم حملنا) بفتحات (تغفلنا) بسكون اللام (رسول الله ﷺ يمينه) أي طلبنا غفلته في يمينه الذي حلف لا يحملنا (والله لا نفلح أبدًا فرجعنا إليه) ﷺ (فقلنا له) يا رسول الله وسقط لأبي ذر لفظ له (إنا أتيناك لتحملنا فحلفت أن لا تحملنا وما عندك ما تحملنا فقال: إني لست أنا حملتكم ولكن الله حملكم والله لا أحلف على يمين) على محلوف يمين (فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير) من الذي حلفت عليه (وتحللتها) بالكفارة.
قال في المصابيح: الظاهر أنه ﷺ لم يحلف على عدم حملانهم مطلقًا لأن مكارم أخلاقه ورأفته ورحمته بالمؤمنين تأبى ذلك، والذي يظهر لي أن قوله: وما عندي ما أحملكم جملة حالية من فاعل الفعل المنفي بلا أو مفعوله أي لا أحملكم في حالة عدم وجداني لشيء أحملكم عليه أي: أنه لا يتكلف حملهم بقرض أو غيره لما رآه من المصلحة المقتضية لذلك فحمله لهم على ما جاءه من مال الله لا يكون مقتضيًا لحنث فيكون قوله: إني والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها إلى آخره تأسيس قاعدة في الأيمان لا أنه ذكر ذلك لبيان أنه حنث في يمينه وأنه يكفرها اهـ. وفيه بحث يأتي إن شاء الله تعالى في باب اليمين فيما لا يملك.
ومطابقة الحديث للترجمة قال الكرماني: من حيث إنه ﷺ حلف في هذه القصة مرتين أوّلاً عند الغضب ومرة عند الرضا ولم يحلف إلا بالله، فدلّ على أن الحلف إنما هو بالله على الحالتين وستكون لنا عودة إن شاء الله تعالى بعون الله إلى بقية مباحث هذا الحديث في كفارات الأيمان وغيرها.
стр. 7316
٥ - باب لَا يُحْلَفُ بِاللاَّتِ وَالْعُزَّى، وَلَا بِالطَّوَاغِيتِ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (لا يحلف) بضم أوّله وفتح ثالثه (باللات) بتشديد اللام (والعزى) بضم العين المهملة وتشديد الزاي المفتوحة (ولا يحلف بالطواغيت) بالمثناة الفوقية جمع طاغوت صنم، وقيل شيطان وأصله طغيوت قدمت الياء على الغين فصار طيغوت ثم قلبت الياء ألفًا لتحركها وانتاح ما قبلها، والألف واللام في اللات زائدة لازمة فأما قوله إلى لاتها فحذفت للإِضافة، وهي هي والعزى علمان بالوضع أو صفتان غالبتان خلاف ويترتب على ذلك جواز حذف أل وعدمه. فإن قلنا: إنهما ليسا وصفين في الأصل فلا تحذف منهما أل، وإن قلنا إنهما صفتان وأن أل للمح الصفة جاز، وبالتقديرين فأل زائدة. واختلف في تاء اللات فقيل أصل وأصله من لات يليت فألفها عن ياء، وقيل زائدة وهي من لوى يلوي لأنهم كانوا يلوون أعناقهم إليها أو يلتوون أي يعتكفون عليها، وأصلها لوية فحذفت لامها فألفها على هذا من واو وهو اسم صنم كان لثقيف بالطائف، وقيل بعكاظ والعزى فعلى من العز وهي تأنيث الأعز كالفضلى والأفضل وهو اسم صنم، وقيل شجرة كانت تعبد فبعث ﷺ إليها خالد بن الوليد فقطعها فجعل يضربها بالفأس ويقول:
يا عز كفرانك لا سبحانك … إني رأيت الله قد أهانك
٦٦٥٠ - حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِى حَلِفِهِ بِاللاَّتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ فَلْيَتَصَدَّقْ».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا هشام بن يوسف) أبو عبد الرَّحمن قاضي صنعاء قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن حميد بن عبد الرَّحمن عن أبي هريرة ﵁ عن النبى ﷺ ¬) أنه (قال):
(من حلف) بغير الله (فقال في حلفه) بكسر اللام (باللات والعزى) بموحدة في الأولى وواو في الثانية، ولأبي ذر: بواو بدل الموحدة أي في الأولى كيمين المشركين (فليقل لا إله إلا الله) قال في شرح المشارق: لأن الحلف إنما هو بالله فإذا حلف باللات والعزى فقد ساوى الكفار في ذلك فأمر أن يتدارك ذلك بكلمة التوحيد كذا في بعض الشروح، ومقتضاه أنه يكفر بذلك وهو كذلك إن كان حلفه به لكونه معبودًا ويكون الأمر للوجوب وإن كان لغير ذلك كما يقول الرجل وحياتك لأفعلن كذا، فأمره ﷺ إنما يكون لشبهه بمن يعبدهما وهل يكفر بذلك فيباح دمه وتبين امرأته ويبطل حجه فيه كلام اهـ.
стр. 7317
(ومن قال لصاحبه تعال) بفتح اللام (أقامرك) بالجزم جواب الأمر (فليتصدق) ندبًا بشيء تكفيرًا للخطيئة التي قالها ودعا إليها لأنه وافق الكفار في لعبهم ويتأكد ذلك في حق من لعب بطريق الأولى.
والحديث سبق في تفسير سورة النجم بلفظ الأسناذ والمتن وسبق أيضًا في الأدب والاستئذان.
٦ - باب مَنْ حَلَفَ عَلَى الشَّىْءِ وَإِنْ لَمْ يُحَلَّفْ
(باب من حلف على الشيء) يفعله أو لا يفعله حلف على ذلك (وإن لم يحلف) بضم التحتية وفتح اللام المشددة مبنيًّا للمجهول.
٦٦٥١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اصْطَنَعَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ وَكَانَ يَلْبَسُهُ فَيَجْعَلُ فَصَّهُ فِى بَاطِنِ كَفِّهِ، فَصَنَعَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ ثُمَّ إِنَّهُ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَنَزَعَهُ فَقَالَ: «إِنِّى كُنْتُ أَلْبَسُ هَذَا الْخَاتِمَ وَأَجْعَلُ فَصَّهُ مِنْ دَاخِلٍ» فَرَمَى بِهِ ثُمَّ قَالَ: «وَاللَّهِ لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا» فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ.
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر) عبد الله ﵄ (أن رسول الله ﷺ اصطنع) أي أمر أن يصنع له (خاتمًا من ذهب وكان يلبسه فيجعل) ولأبي ذر فجعل (فصه) بفتح الفاء أفصح وبالصاد المهملة (في باطن كفه فصنع الناس) زاد أبو ذر عن الكشميهني خواتيم أي من ذهب (ثم إنه) ﷺ (جلس على المنبر فنزعه) جملة جلس في موضع خبر إن وجملة نزعه معطوفة على التي قبلها (فقال): عطف أو في موضع الحال أي جلس وقد قال: فيكون قوله قبل جلوسه أو مع جلوسه ومعمول القول:
(إني كنت ألبس هذا الخاتم وأجعل فصه من داخل) أي من داخل كفي (فرمى) ﷺ (به) بالخاتم ولم يستعمله (ثم قال: والله لا ألبسه أبدًا) لأنه حرم يومئذٍ (فنبذ الناس) فطرحوا (خواتيمهم) وأراد ﷺ بحلفه تأكيد الكراهة في نفوس أصحابه وغيرهم ممن بعدهم. وقال المهلب: إنما كان ﷺ يحلف في تضاعيف كلامه وكثير من فتواه متبرعًا بذلك لنسخ ما كانت عليه الجاهلية في الحلف بآبائهم وآلهتهم ليعرفهم أن لا محلوف به سوى الله تعالى، وليتدربوا على ذلك حتى ينسوا ما كانوا عليه من الحلف بغيره تعالى. وقال ابن المنير: مقصود الترجمة أن يخرج مثل هذا من قوله تعالى ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم﴾ [الأحقاف: ٤] يعني على أحد التأويلات فيها لئلا يتخيل أن الحالف قبل أن يستحلف يرتكب النهي فأشار إلى أن النهي يختص بما ليس فيه قصد صحيح كتأكيد الحكم كالذى ورد في حديث الباب في منع لبس خاتم الذهب اهـ. وإطلاق
стр. 7318
بعض الشافعية كراهية الحلف من غير استحلاف فيما لم يكن طاعة ينبغي أن يقال فيما لم يكن مصلحة بدل قوله طاعة كما لا يخفى.
والحديث سبق في كتاب اللباس.
٧ - باب مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوَى مِلَّةِ الإِسْلَامِ
وَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ بِاللاَّتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ» وَلَمْ يَنْسُبْهُ إِلَى الْكُفْرِ.
(باب من حلف بملة) بكسر الميم وتشديد اللام دين وشريعة (سوى الإسلام) ولغير أبي ذر سوى ملة الإسلام كاليهودية والنصرانية والمجوسية والصابئة وأهل الأديان والدهرية والمعطلة وعبدة الشياطين والملائكة هل يكفر الحالف بذلك أم لا؟
(وقال النبي ﷺ ¬) في الحديث السابق قبل: (من حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله ولم ينسبه) ﷺ (إلى الكفر) لأنه اقتصر على الأمر بقوله: لا إله إلا الله ولو كان ذلك يقتضي الكفر لأمره بتمام الشهادتين.
٦٦٥٢ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ مِلَّةِ الإِسْلَامِ فَهْوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَىْءٍ عُذِّبَ بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ، وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ وَمَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ، فَهْوَ كَقَتْلِهِ».
وبه قال: (حدّثنا معلى بن أسد) بضم الميم وفتح العين المهملة واللام المشددة العمي أبو الهيثم الحافظ أخو بهز قال: (حدّثنا وهيب) بضم الواو مصغرًا ابن خالد البصري (عن أيوب) السختياني (عن أبي قلابة) بكسر القاف وتخفيف اللام وبالموحدة عبد الله بن زيد الجرمي (عن ثابت بن الضحاك) الأنصاري وهو ممن بايع تحت الشجرة ﵁ أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(من حلف بغير ملة الإسلام) كان يقول إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني أو بريء من الإسلام أو من النبي ﷺ ، ولمسلم: من حلف على يمين بملة غير الإسلام وعلى بمعنى الباء أو التقدير من حلف على شيء بيمين فحذف المجرور وعدى الفعل بعلى بعد حذف الباء وفي كتاب الجنائز من البخاري من طريق خالد الحذاء عن أبي قلابة: من حلف بملة غير الإسلام كاذبًا متعمدًا وجواب الشرط قوله (فهو كما قال) وهو مبتدأ، وكما قال في موضع الخبر أي فهو كائن كما قال وظاهره أنه يكفر بذلك، ويحتمل أن يكون المراد التهديد والمبالغة في الوعيد لا الحكم كأنه قال: فهو مستحق مثل عذاب من اعتقد ما قال والتحقيق أنه لا تنعقد يمينه ولا يكفر إن قصد تبعيد نفسه عن الفعل أو أطلق كما اقتضاه كلام النووي في الأذكار وليقل لا إله إلا الله ويستغفر ولا كفارة عليه، وهل يحرم ذلك عليه أو يكره تنزيهًا؟ المشهور الثاني وإن قصد الرضا
стр. 7319
بذلك إذا فعله فهو كافر في الحال، وقوله: كاذبًا متعمدًا يستفاد منه أن الحالف المتعمد إن كان مطمئن القلب بالإِيمان وهو كاذب في تعظيم ما لا يعتقد تعظيمه لم يكفر وإن قاله معتقدًا لليمين بتلك الملة لكونها حقًّا كفر، وإن قاله لمجرد التعظيم لها باعتبار ما كان قبل النسخ فلا يكفر.
(ومن قتل نفسه بشيء) ولمسلم بحديدة (عذب به) بذلك الذي قتل نفسه به (في نار جهنم) قال الشيخ تقي الدين: وهو من باب مجانسة العقوبات الأخروية للجنايات الدنيوية وفيه أن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإثم لأن نفسه ليست له ملكًا مطلقًا بل هي لله فلا يتصرف فيها إلا فيما أذن فيه (ولعن المؤمن) بأن يدعو عليه باللعن (كقتله) في التحريم أو العقاب، وأبدى الشيخ تقي الدين في ذلك سؤالاً وهو أن يقال إما أن يكون كقتله في أحكام الدنيا أو في أحكام الآخرة لا سبيل إلى الأول لأن قتله يوجب القصاص ولعنه لا يوجب ذلك، وأما أحكام الآخرة فإما أن يراد التساوي في الإثم أو في العقاب وكلاهما مشكل لأن الإثم يتفاوت بتفاوت مفسدة الفعل وليس إذهاب الروح في المفسدة كمفسدة الأذى باللعن وكذلك العقاب يتفاوت بحسب تفاوت الجرائم. وقال المازري فيما نقله عنه القاضي عياض: الظاهر من الحديث تشبيهه في الإثم وهو تشبيه واقع لأن اللعنة قطع عن الرحمة والموت قطع عن التصرف. قال القاضي عياض: وقيل لعنه يقتضي قصد إخراجه من المسلمين ومنعهم منافعه وتكثير عددهم به كما لو قتله وقيل لعنه يقتضي قطع منافعه الأخروية عنه وبعده بإجابة لعنه وهو كمن قتل في الدنيا وقطعت منافعه فيها وقيل معناه استواؤهما في التحريم.
قال في المصابيح: هذا يحتاج إلى تخليص ونظر فأما ما حكاه عن المازري من أن الظاهر من الحديث تشبيهه في الإِثم وكذلك ما حكاه من أن معناه استواؤهما في التحريم، فهذا يحتمل أمرين. أحدهما: أن يقع التشبيه والاستواء في أصل التحريم والإثم، والثاني: أن يقع في مقدار الإثم، فأما الأول فلا ينبغي أن يحمل عليه لأن كل معصية قلت أو عظمت فهي مشابهة ومساوية للقتل في أصل التحريم ولا يبقى في الحديث كبير فائدة مع أن المفهوم منه تعظيم أمر اللعنة بتشبيهها بالقتل، وأما الثاني فقد بيّنا ما فيه من الإِشكال وهو التفاوت في المفسدة بين إزهاق الروح وبين الأذى باللعنة.
وأما ما حكاه المازري من أن اللعنة قطع الرحمة والموت قطع التصرف فالكلام عليه من وجهين. أحدهما: بأن نقول اللعنة قد تطلق على نفس الإبعاد الذي هو فعل الله وعلى هذا يقع في التشبيه، والثاني أن تطلق اللعنة على فعل اللاعن وهو طلبه لذلك الإبعاد فقوله لعنه الله مثلاً ليس بقطع عن الرحمة بنفسه ما لم تتصل به إجابة، فيكون حينئذٍ سببًا إلى قطع التصرف ويكون نظيره التسبب إلى القتل غير أنهما يفترقان في أن التسبب إلى القتل بمباشرة مقدمات تفضي إلى الموت بمطرد العادة فلو كانت مباشرة اللعنة مفضية إلى الإبعاد الذي هو اللعن دائمًا لاستوى اللعن مع مباشرة مقدمات القتل أو زاد عليها، وبهذا يتبين لك الإيراد على ما حكاه القاضي من أن لعنه له
стр. 7320
يقتضي قصد إخراجه عن جماعة المسلمين كما لو قتله فإن قصد إخراجه لا يستلزم إخراجه كما تستلزم مقدمات القتل، وكذلك أيضًا ما حكاه من أن لعنه يقتضي قطع منافعه الأخروية عنه إنما يحصل ذلك بإجابة الدعوة، وقد لا يجاب في كثير من الأوقات فلا يحصل انقطاعه عن منافعه كما يحصل بقتله ولا استواء القصد إلى القطع بطلب الإجابة مع مباشرة مقدمات القتل المفضية إليه في مطرد العادة، والذي يمكن أن يقرر به ظاهر الحديث في استوائهما في الإِثم أنا نقول لا نسلم أن مفسدة اللعنة مجرد أذاه بل فيها مع ذلك تعريضه لإجابة الدعوة فيه بموافقة ساعة لا يسأل الله فيها شيئًا إلا أعطاه كما دل عليه الحديث من قوله ﵊ "لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أموالكم ولا تدعوا على أولادكم لا توافقون ساعة" الحديث: وإذا كان عرّضه باللعنة لذلك ووقعت الإجابة وإبعاده من رحمة الله كان ذلك أعظم من قتله لأن القتل تفويت الحياة الفانية قطعًا والإبعاد من رحمة الله أعظم ضررًا بما لا يحصى، وقد يكون أعظم الضررين على سبيل الاحتمال مساويًا أو مقاربًا لأخفهما على سبيل التحقيق ومقادير المصالح والمفاسد وأعدادهما أمر لا سبيل للبشر إلى الاطّلاع على حقائقه اهـ.
وزاد في الأدب من البخاري من طريق علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة وليس على ابن آدم نذر فيما لا يملك، ولمسلم ومن حلف على يمين صبر وهو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله يوم القيامة وهو عليه غضبان ومن ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله إلا قلة (ومن رمى مؤمنًا بكفر فهو كقتله).
٨ - باب لَا يَقُولُ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ، وَهَلْ يَقُولُ أَنَا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ؟
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (لا يقول) الشخص في كلامه (ما شاء الله وشئت) بفتح التاء في الفرع كأصله وفي غيرهما بضمها على صيغة المتكلم من الماضي وإنما منع من ذلك لأن فيه تشريكًا في مشيئة الله تعالى وهي منفردة بالله بالحقيقة وإذا نسبت لغيره فبطريق المجاز، وفي حديث النسائي وابن ماجة من رواية يزيد بن الأصم عن ابن عباس رفعه: "إذا حلف أحدكم فلا يقل ما شاء الله وشئت ولكن يقول: ما شاء الله ثم شئت" قال الخطابي: أرشدهم ﷺ إلى الأدب في تقديم مشيئة الله على مشيئة من سواه واختارها بثم التي هي للنسق والتراخي بخلاف الواو التي هي للاشتراك (وهل يقول) الشخص (أنا بالله ثم بك) نعم يجوز لأن ثم اقتضت سبقية مشيئة الله على مشيئة غيره.
٦٦٥٣ - وَقَالَ عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِى عَمْرَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ ثَلَاثَةً فِى بَنِى إِسْرَائِيلَ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ، فَبَعَثَ مَلَكًا فَأَتَى الأَبْرَصَ فَقَالَ: تَقَطَّعَتْ بِى الْحِبَالُ فَلَا بَلَاغَ لِى إِلاَّ بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ» فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.