← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21716

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط العلمية

القسطلاني

Полный текст (8 298 стр.). Показаны 7841–7880 · переход к 7846.

стр. 7841

سعيد التنوري البصري أبو عبيدة الحافظ قال: (حدّثنا يونس) بن يزيد الأيلي (عن الحسن) البصري قال: (حدّثني) بالإفراد (عبد الرحمن بن سمرة) ﵁ (قال: قال لي رسول الله ﷺ ¬): (يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة) أي الولاية ولأبي ذر عن الكشميهني لا تتمنين الإمارة (فإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها وإذا حلفت على يمين) أي حلفت على محلوف يمين فسماه يمينًا مجازًا للملابسة بينهما والمراد ما شأنه أن يكون محلوفًا عليه وإلاّ فهو قبل اليمين ليس محلوفًا عليه فيكون من مجاز الاستعارة ويحتمل أن يكون على معنى الباء ويؤيده رواية النسائي إذا حلفت بيمين لكن قوله (فرأيت غيرها خيرًا منها فائت الذي هو خير وكفّر عن يمينك) يدل على الأول لأن الضمير لا يصح عوده على اليمين بمعناها الحقيقي ولذا رجح في الكشاف الأول فقال في قوله تعالى: ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم﴾ [البقرة: ٢٢٤] أي حاجزًا لما حلفتم عليه وسمي المحلوف يمينًا لتلبسه باليمين كما قال النبي ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فائت الذي هو خير أي على شيء مما يحلف عليه. ٧ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الْحِرْصِ عَلَى الإِمَارَةِ (باب ما يكره من الحرص على) طلب (الإمارة). ٧١٤٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ». وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمْرَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَوْلَهُ. وبه قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) نسبه لجده واسم أبيه عبد الله قال: (حدّثنا ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن المدني (عن سعيد المقبري) بضم الموحدة (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (إنكم ستحرصون) بكسر الراء وفتحها (على الإمارة) الإمامة العظمى أو الولاية بطريق النيابة (وستكون ندامة) لمن لم يعمل فيها بما ينبغي (بوم القيامة). وفي حديث عوف بن مالك عند البزار والطبراني بسند صحيح: أوّلها ملامة وثانيها ندامة وثالثها عذاب يوم القيامة إلا من عدل، وعن أبي هريرة في أوسط الطبراني الإمارة أولها ندامة وأوسطها غرامة وآخرها عذاب يوم القيامة (فنعم المرضعة) الولاية فإنها تدر عليه المنافع واللذات العاجلة (وبئست الفاطمة) عند انفصاله عنها بموت أو غيره فإنها تقطع عنه تلك اللذائذ والمنافع وتُبقي عليه الحسرة والتَّبِعَة وألحقت التاء في بئست دون نعم، والحكم فيهما إذا كان فاعلهما مؤنثًا جواز الإلحاق وتركه فوقع التفنن في هذا الحديث

стр. 7842

بحسب ذلك. وقال في المصابيح: شبه على سبيل الاستعارة ما يحصل من نفع الولاية حال ملابستها بالرضاع وشبه بالفطام انقطاع ذلك عنه عند الانفصال عنها إما بموت أو بغيره فالاستعارة في المرضعة والفاطمة تبعية. فإن قلت: هل من لطيفة تلمح في ترك التاء من فعل المدح وإثباتها مع فعل الذم؟ قلت: رضاعها هو أحب حالتيها إلى النفس وفطامها أشق الحالتين على النفس والتأنيث أخفض حالتي الفعل وتركه أشرف حالتيه إذ هي حالة التذكير وهو أشرف من التأنيث فآثر استعمال أشرف حالتي الفعل مع الحالة المحبوبة التي هي أشرف حالتي الولاية واستعمل الحالة الأخرى وهي التأنيث مع الحالة على النفس، وهي حالة الفطام عن الولاية لمكان الناسبة في المحلين فهذا أمر قد يتخيل في هذا المقام فتأمله اهـ. وقال في شرح المشكاة: إنما لم يلحق التاء بنعم لأن المرضعة مستعارة للإمارة وهي وإن كانت مؤنثة إلا أن تأنيثها غير حقيقي وألحقها ببئس نظرًا إلى كون الإمارة حينئذٍ داهية دهياء، وفيه أن ما يناله الأمير من البأساء والضراء أبلغ وأشد مما يناله من النعماء والسرّاء، وإنما أتي بالتاء في المرضع والفاطم دلالة على تصوير تينك الحالتين المتجددتين في الإرضاع والإفطام فعلى العاقل أن لا يلم بلذة تتبعها حسرات. وفي حديث أبي هريرة عند الترمذي وقال حديث غريب أن النبي ﷺ قال: "من ولي القضاء أو جعل قاضيًا بين الناس فقد ذبح بغير سكّين" والذبح إذا كان بغير سكين فيه زيادة تعذيب للمذبوح بخلاف الذبح بالسكّين ففيه إراحة له بتعجيل إزهاق الروح وقيل إن الذبح لما كان في العرف بالسكّين عدل ﷺ إلى غيره ليعلم أن المراد ما يخاف عليه من هلاك دينه دون بدنه. قال التوربشتي: وشتان ما بين الذبحين فإن الذبح بالسكّين عناء ساعة والآخر عناء عمره، أو المراد أنه ينبغي أن يميت جميع دواعيه الخبيثة وشهواته الرديئة فهو مذبوح بغير سكّين، وعلى هذا فالقضاء مرغوب فيه وعلى ما قبله فالمراد التحذير منه. قال المظهريّ: خطر القضاء كثير وضرره عظيم لأنه قلما عدل القاضي بين الخصمين لأن النفس مائلة إلى من تحبه أو من له منصب يتوقع جاهه أو يخاف سلطنته، وربما يميل إلى قبول الرشوة، وهذا الداء العضال وما أحسن قول ابن الفضل في هذا المعنى: ولما أن توليت القضايا … وفاض الجور من كفيك فيضا ذبحت بغير سكّين وإنّا … لنرجو الذبح بالسكّين أيضًا والحديث أخرجه النسائي في البيعة والسِّيَر والقضاء. قال البخاري بالسند السابق أوّل هذا التعليق إليه: (وقال محمد بن بشار) بالموحدة والشين المعجمة المشددة وهو المعروف ببندار (حدّثنا عبد الله بن حمران) بضم الحاء المهملة وسكون الميم

стр. 7843

بعدها راء فألف الأموي مولاهم البصري قال: (حدّثنا عبد الحميد بن جعفر) بن عبد الله بن الحكم بن رافع الأنصاري المدني، وسقط ابن جعفر لغير أبي ذر (عن سعيد المقبري عن عمر بن الحكم) بضم عين الأول وبفتح المهملة والكاف في الثاني ابن ثوبان المدني (عن أبي هريرة) ﵁ (قوله). أي موقوفًا عليه، وقد أدخل عمر بن الحكم بين سعيد المقبري وأبي هريرة بخلاف الطريق السابقة. ٧١٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى ﵁ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَا وَرَجُلَانِ مِنْ قَوْمِى فَقَالَ: أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ أَمِّرْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَالَ الآخَرُ: مِثْلَهُ، فَقَالَ: «إِنَّا لَا نُوَلِّى هَذَا مَنْ سَأَلَهُ وَلَا مَنْ حَرَصَ عَلَيْهِ». وبه قال: (حدّثنا محمد بن العلاء) بن كريب الهمداني الحافظ أبو كريب مشهور بكنيته قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن بريد) بضم الموحدة عامر أو الحارث (من) جده (أبي بردة عن) أبيه (أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (﵁) أنه (قال: دخلت على النبي ﷺ أنا ورجلان من قومي) لم يسميا نعم في معجم الطبراني الأوسط أن أحدهما ابن عمه (فقال أحد الرجلين: أمرنا) بفتح الهمزة وكسر الميم المشددة أي ولنا (يا رسول الله) موضعًا (وقال الآخر مثله فقال) ﷺ : (إنّا لا نولي هذا) الأمر (من سأله ولا حرص عليه) بفتح المهملة والراء والحرص على الولاية هو السبب في اقتتال الناس عليها حتى سفكت الدماء واستبيحت الأموال والفروج وعظم الفساد في الأرض قاله المهلب. ٨ - باب مَنِ اسْتُرْعِىَ رَعِيَّةً فَلَمْ يَنْصَحْ (باب) ذكر (من استرعي) بضم الفوقية وكسر العين أي من استرعاه الله (رعية فلم ينصح) لها. ٧١٥٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَشْهَبِ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ عَادَ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ فِى مَرَضِهِ الَّذِى مَاتَ فِيهِ فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ: إِنِّى مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ رَعِيَّةً فَلَمْ يَحُطْهَا بِنَصِيحَةٍ إِلاَّ لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ». وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا أبو الأشهب) بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح الهاء بعدها موحدة جعفر بن حبان السعدي العطاردي البصري وهو مشهور بكنيته (عن الحسن) البصري (أن عبيد الله) بضم العين (ابن زيد) بكسر الزاي بعدها تحتية أمير البصرة في زمن معاوية وولده (عاد معقل بن يسار) معقل بكسر القاف ويسار بالتحتية والسين

стр. 7844

المهملة المخففة المزني الصحابيّ (في مرضه الذي مات فيه) وكانت وفاته في خلافة معاوية (فقال له معقل: إني محدّثك حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ سمعت النبي ﷺ يقول): (ما من عبد استرعاه) استحفظه (الله) ولأبي ذر والأصيلي يسترعيه الله (رعية فلم يحطها) بفتح التحتية وضم الحاء وسكون الطاء المهملتين أي فلم يحفظها ولم يتعهد أمرها (بنصيحة) بفتح النون وبعد الصاد المهملة المكسورة تحتية ساكنة وتنوين آخره، ولأبي ذر عن المستملي: بالنصيحة بزيادة أل كذا في الفرع كأصله، وفي الفتح بنصحه بضم النون وهاء الضمير وقال كذا للأكثر وللمستملي بالنصيحة (إلا لم يجد رائحة الجنة) إذا كان مستحلاًّ لذلك أو لا يجدها مع الفائزين الأوّلين لأنه ليس عامًّا في جميع الأزمان أو خرج مخرج التغليظ، وزاد الطبراني وعرفها يوجد يوم القيامة من مسيرة سبعين عامًّا وسقط لأبي ذر والأصيلي لفظ إلا من قوله إلا لم يجد. قال في الكواكب: فيصير مفهوم الحديث أنه يجدها عكس المقصود، وأجاب: بأن إلا مقدرة أي إلا لم يجد والخبر محذوف أي ما من عبد كذا إلا حرم الله عليه الجنة ولم يجد رائحة الجنة استئناف كالمفسر له أو ما ليست للنفي وجاز زيادة من للتأكيد في الإثبات عند بعض النحاة وقد ثبتت إلا في بعض النسخ اهـ. وفي اليونينية سقوطها لأبي ذر والأصيلي. قال في الفتح: لم يقع الجمع بين اللفظين المتوعد بهما في طريق واحدة فقوله لم يجد رائحة الجنة وقع في رواية أبي الأشهب، وقوله حرم الله عليه الجنة في رواية هشام أي التالية لهذه فكأنه أراد أن الأصل في الحديث الجمع بين اللفظين فحفظ بعض ما لم يحفظ بعض وهو محتمل، لكن الظاهر أنه لفظ واحد تصرف فيه بعض الرواة. وفي الكبير للطبراني من وجه آخر عن الحسن قال: قام علينا عبيد الله بن زياد أميرًا أمره علينا معاوية غلامًا سفيهًا يسفك الدماء سفكًا شديدًا وفينا عبد الله بن مغفل المزني فدخل عليه ذات يوم فقال له: انتهِ عما أراك تصنع فقال له: وما أنت وذاك؟ قال: ثم خرج إلى المسجد فقلنا له: ما كنت تصنع بكلام هذا السفيه على رؤوس الناس؟ فقال: إنه كان عندي علم فأحببت أن لا أموت حتى أقول به على رؤوس الناس ثم قام فما لبث أن مرض مرضه الذي توفي فيه فأتاه عبيد الله بن زياد يعوده فذكر نحو حديث الباب. قال الحافظ ابن حجر: فيحتمل أن تكون القصة وقعت للصحابيين. وحديث الباب أخرجه مسلم في الإيمان. ٧١٥١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا حُسَيْنٌ الْجُعْفِىُّ قَالَ زَائِدَةُ: ذَكَرَهُ عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: أَتَيْنَا مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ نَعُودُهُ، فَدَخَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ: أُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «مَا مِنْ وَالٍ يَلِى رَعِيَّةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيَمُوتُ وَهْوَ غَاشٌّ لَهُمْ، إِلاَّ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ».

стр. 7845

وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن منصور) الكوسج أبو يعقوب المروزي قال: (أخبرنا حسين) بضم الحاء المهملة ابن علي (الجعفي) قال (قال زائدة) بن قدامة (ذكره) أي الحديث الآتي (عن هشام) أي ابن حسان (عن الحسن) البصري أنه (قال: أتينا معقل بن يسار نعوده) أي في مرضه الذي مات فيه (فدخل عبيد الله) بن زياد ولأبي ذر عن الكشميهني فدخل علينا عبيد الله (فقال له معقل: أحدّثك) بضم الهمزة ورفع المثلثة (حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ فقال): (ما من والٍ) وفي رواية أبي المليح عند مسلم ما من أمير (يلي رعية من المسلمين فيموت) الفاء فيه وفي فلم يحطها في الحديث السابق كاللام في قوله فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوًّا وحزنًا قاله الطيبي. قال في المدارك: أي ليصير الأمر إلى ذلك لا أنهم أخذوه لهذا كقولهم للموت ما تلد الوالدة وهي لم تلده لأن يموت ولدها ولكن المصير إلى ذلك كذا قاله الزجّاج، وعن هذا قال المفسرون إن هذه لام العاقبة والصيرورة وقال في الكشاف هي لام كي التي معناها التعليل كقوله: جئتك لتكرمني، ولكن معنى التعليل فيها وارد على طريق المجاز لأن ذلك لما كان نتيجة التقاطهم له شبه بالداعي الذي يفعل الفاعل الفعل لأجله وهو الإكرام الذي ينتجه المجيء وقوله: (وهو غاشٌّ لهم إلاَّ حرم الله عليه الجنة). بفتح الغين المعجمة وبعد الألف شين معجمة حال مقيد للفعل مقصود بالذكر يعني أن الله تعالى إنما ولاّه واسترعاه على عباده ليديم النصيحة لهم لا ليغشهم فيموت عليه، فلما قلب القضية استحق أن لا يجد رائحة الجنة وقال القاضي عياض المعنى من قلّده الله تعالى شيئًا من أمر المسلمين واسترعاه عليهم ونصبه لمصلحتهم في دينهم أو دنياهم فإذا خان فيما ائتمن عليه فلم ينصح فقد غشّهم حرّم الله عليه الجنة اهـ. وهذا وعيد شديد على أئمة الجور فمن ضيع من استرعاه توجه عليه الطلب بمظالم العباد يوم القيامة وكيف يقدر على التحلل. نعم يجوز أن يتفضل الله تعالى عليه فيرضي عنه أخصامه فهو الجواد الكريم الرؤوف الرحيم. ٩ - باب مَنْ شَاقَّ شَقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (من شاق) على الناس بأن أدخل عليهم المشقّة (شق الله عليه) جزاء وفاقًا لأعمالهم. ٧١٥٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنِ الْجُرَيْرِىِّ، عَنِ طَرِيفٍ أَبِى تَمِيمَةَ قَالَ شَهِدْتُ صَفْوَانَ وَجُنْدَبًا وَأَصْحَابَهُ وَهْوَ يُوصِيهِمْ فَقَالُوا: هَلْ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ: وَمَنْ يُشَاقِقْ يَشْقُقِ اللَّهُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَالُوا: أَوْصِنَا فَقَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ مِنَ الإِنْسَانِ بَطْنُهُ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَأْكُلَ إِلاَّ طَيِّبًا فَلْيَفْعَلْ، وَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ بِمِلْءِ كَفِّهِ مِنْ دَمٍ أَهْرَاقَهُ فَلْيَفْعَلْ». قُلْتُ لأَبِى عَبْدِ اللَّهِ مَنْ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جُنْدَبٌ قَالَ: نَعَمْ جُنْدَبٌ.

стр. 7846

وبه قال: (حدّثنا إسحاق) بن شاهين أبو بشر (الواسطي) قال: (حدّثنا خالد) هو ابن عبد الله الطحان (عن الجريري) بضم الجيم وفتح الراء نسبة إلى جرير بن عباد واسمه سعيد بن إياس (عن طريف) بالطاء المهملة آخره فاء بوزن عظيم (أبي تميمة) بالفوقية بوزن عظيمة ابن مجالد بضم الميم وتخفيف الجيم الجهيمي بضم الجيم مصغرًا نسبة إلى بني الجهيم بطن من تميم وكان مولاهم أنه (قال: شهدت صفوان) بن محرز بن زياد التابعي البصري (وجندبًا) بضم الجيم والدال المهملة بينهما نون ساكنة ابن عبد الله البجلي الصحابي المشهور (وأصحابه) أي أصحاب صفوان (وهو) أي صفوان بن محرز (يوصيهم) بسكون الواو وعند الكرماني الضمير راجع إلى جندب وكذا هو في الأطراف للمزي، ولفظه: شهدت صفوان وأصحابه وجندبًا يوصيهم (فقالوا) أي صفوان وأصحابه لجندب (هل سمعت من رسول الله شيئًا؟ قال): نعم (وسمعته) ﷺ (يقول): (من سمع سمع الله به يوم القيامة) بفتح السين والميم المشددة أي من عمل للسمعة يظهر الله للناس سريرته ويملأ أسماعهم بما ينطوي عليه، وقيل سمع الله به أي يفضحه يوم القيامة وقيل معناه من سمع بعيوب الناس وأذاعها أظهر الله عيوبه، وقيل أسمعه المكروه، وقيل أراه الله ثواب ذلك من غير أن يعطيه إياه لكون حسرة عليه، وقيل من أراد أن يعلمه الناس أسمعه الله الناس وكان ذلك حظه. (قال) ﵊: (ومن يشاقق) ولأبي ذر عن الكشميهني بإسقاط إحدى القافين أي يضر الناس ويحملهم على ما يشق من الأمر أو يقول فيهم أمرًا قبيحًا ويكشف عن عيوبهم ومساويهم (يشقق الله عليه) يعذبه (يوم القيامة) ويشاقق ويشقق بلفظ المضارع وفك القاف فيهما (فقالوا) له: (أوصنا. فقال) جندب (إن أول ما ينتن) بضم التحتية وسكون النون وكسر الفوقية قال في الصحاح نتن الشيء وأنتن بمعنى فهو منتن ومنتن بكسر الميم إتباعًا لكسرة التاء والنتن الرائحة الكريهة (من الإنسان) بعد موته (بطنه فمن استطاع أن لا يأكل إلاّ طينًا) أي حلالاً (فليفعل ومن استطاع أن لا يحال) بضم التحتية وفتح الحاء المهملة مبنيًّا للمفعول وللأصيلي وأبي ذر عن الكشميهني أن لا يحول (بينه وبين الجنة ملء كفه) كذا للكشميهني ملء بغير حرف الجر ورفع ملء على أنه فاعل بفعل محذوف دل عليه المتقدم أي يحول بينه وبين الجنة ملء كفه ولأبي ذر عن الحموي والمستملي بملء كف (من دم) بغير ضمير ومن بيانية (أهراقه) بفتح الهمزة وسكون الهاء صبه بغير حقه (فليفعل). وهذا الحديث وإن كان ظاهره أنه موقوف فهو في حكم المرفوع لأنه لا يقال بالرأي. نعم وقع مرفوعًا عند الطبراني من طريق الأعمش من أبي تميمة بلفظ قال رسول الله ﷺ : "لا يحولن بين أحدكم وبين الجنة" فذكر نحو رواية الجريري. قال الفربري (قلت لأبي عبد الله) محمد بن إسماعيل البخاري (من يقول سمعت رسول الله ﷺ جندب؟ قال: نعم جندب) وفي الفرع كأصله سقوط قوله قلت إلخ لأبي ذر، وقال في الفتح: وقد خلت رواية النسفي من ذلك.

стр. 7847

١٠ - باب الْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا فِى الطَّرِيقِ وَقَضَى يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ فِى الطَّرِيقِ وَقَضَى الشَّعْبِىُّ عَلَى بَابِ دَارِهِ. (باب) جواز (القضاء والفتيا) حال كونهما (في الطريق) وعن أشهب لا بأس بالقضاء إذا كان سائرًا إذا لم يشغله عن الفهم. وقال السفاقسي: لا يجوز فيما يكون غامضًا. (وقضى يحيى بن يعمر) بفتح التحتية والميم بينهما عين مهملة ساكنة التابعي المشهور قاضي مرو (في الطريق) كما وصله ابن سعد في طبقاته. (وقضى الشعبي) بفتح المعجمة وسكون المهملة وبالموحدة المكسورة عامر بن شراحيل (على باب داره) وصله أيضًا ابن سعد. ٧١٥٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِى الْجَعْدِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا وَالنَّبِىُّ ﷺ خَارِجَانِ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَلَقِيَنَا رَجُلٌ عِنْدَ سُدَّةِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «مَا أَعْدَدْتَ لَهَا»؟ فَكَأَنَّ الرَّجُلَ اسْتَكَانَ ثُمَّ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَبِيرَ صِيَامٍ وَلَا صَلَاةٍ وَلَا صَدَقَةٍ، وَلَكِنِّى أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَالَ: «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ». وبه قال: (حدّثنا عثمان بن أبي شيبة) أخو أبي بكر قال: (حدّثنا جرير) بفتح الجيم ابن عبد الحميد (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن سالم بن أبي الجعد) رافع الأشجعي مولاهم الكوفي أنه قال: (حدّثنا أنس بن مالك ﵁ قال: بينما) بالميم (أنا والنبي ﷺ خارجان من المسجد فلقينا رجل) بكسر القاف وفتح التحتية (عند سدة المسجد) بضم السين وفتح الدال المشددة المهملتين المظلة على بابه لوقاية المطر والشمس أو الباب أو عتبته أو الساحة أمام بابه والرجل قال ابن حجر لم أعرف اسمه لكن في الدارقطني أنه ذو الخويصرة اليماني (فقال: يا رسول الله متى الساعة)؟ تقوم (قال النبي ﷺ ¬): (ما أعددت لها)؟ ما هيأت لها من عمل (فكأن الرجل استكان) افتعل من السكون فتكون ألفه خارجة عن القياس، وقيل إنه استفعل من الكون أي انتقل من كون إلى كون كما قالوا استحال إذا انتقل من حال إلى حال، وقوّة المعنى تؤيد الأوّل إذ الاستكانة هي الخضوع والانقياد وهو يناسب السكون والخروج عن القياس يضعفه والقياس يؤيد الثاني وقوة المعنى تضعفه إذ ليس بيهما أعني الشتق والمشتق منه مناسبة ظاهرة فيحتاج إثباتها إلى تكلف، وقيل هو مشتق من الكين وهو لحبم باطن الفرج إذ هو في أذل المواضع أي صار مثله في الذل وقيل كان يكين بمعنى خضع وذل والوجه بناء على هذا هو الثاني إذ لا يلزم الخروج عن القياس ولا عدم المناسبة ولو كانت هذه اللفظة مشهورة لكان أحسن الوجوه قاله في المصابيح، ولأبي ذر عن الكشميهني: قد استكان.

стр. 7848

(ثم قال: يا رسول الله ما أعددت) بالهمزة كالسابقة ولأبي ذر عن الكشميهني ما عدّدت بغير همزة. قال في الفتح: وهو بالتشديد مثل جمع مالاً وعدده اهـ. وقال المفسرون: جمع مالاً وعدّده أي أعدّه لنوائب الدهر مثل كرّم وأكرم، وقيل أحصى عدده قاله السدي، وقرأ الحسن والكلبي بتخفيف الدال أي جمع مالاً وعدد ذلك المال، والمعنى هنا ما هيأت (لها كبير صيام) بالباء الموحدة ولبعضهم بالمثلثة (ولا صلاة ولا صدقة ولكني) بكسر النون المشددة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ولكن بسكون النون مخففة (أحب الله ورسوله. قال) ﷺ له: (أنت) في الجنة (مع من أحببت). فألحقه بحسن نيته من غير زيادة عمل بالصحابي الأعمال الصالحة. وقال ابن بطال: فيه جواز سكوت العالم عن جواب السائل والمستفتي إذا كانت المسألة لا تعرف أو كانت مما لا حاجة بالناس إليها أو كانت مما يخشى منها الفتنة أو سوء التأويل. ومطابقة الحديث للترجمة في قوله عند السدة. قال المهلب: الفتيا في الطريق وعلى الدابة ونحو ذلك من التواضع فإن كانت للضعيف فمحمودة وإن كانت لشخص من أهل الدنيا أو ممن يخشى فمكروهة لكن إذا خشي من الثاني ضررًا وجب ليأمن شره. والحديث سبق في الأدب في باب علامات حب الله. ١١ - باب مَا ذُكِرَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَوَّابٌ (باب ما ذكر أن النبي ﷺ لم يكن له بوّاب) راتب ليمنع الناس من الدخول عليه. ٧١٥٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِىُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَقُولُ لاِمْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ: تَعْرِفِينَ فُلَانَةَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ فَإِنَّ النَّبِىَّ ﷺ مَرَّ بِهَا وَهْىَ تَبْكِى عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ: «اتَّقِى اللَّهَ وَاصْبِرِى» فَقَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّى فَإِنَّكَ خِلْوٌ مِنْ مُصِيبَتِى قَالَ: فَجَاوَزَهَا وَمَضَى فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ فَقَالَ: مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: مَا عَرَفْتُهُ قَالَ: إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَجَاءَتْ إِلَى بَابِهِ فَلَمْ تَجِدْ عَلَيْهِ بَوَّابًا فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ مَا عَرَفْتُكَ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «إِنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ». وبه قال: (حدّثنا إسحاق) ولأبي ذر والأصيلي: إسحاق بن منصور أي ابن بهرام الكوسج أبو يعقوب المروزي قال: (أخبرنا) ولأبي ذر والأصيلي: حدّثنا (عبد الصمد) بن عبد الوارث قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا ثابت البناني) بضم الموحدة وفتح النون (عن أنس بن مالك) ﵁ ولأبي ذر قال: سمعت أنس بن مالك (يقول لامرأة من أهله: تعرفين فلانة) لم يقف الحافظ على اسم المرأتين (قالت: نعم) أعرفها (قال: فإن النبي ﷺ مرّ بها وهي) أي والحال أنها (تبكي عند قبر فقال) لها: (اتقي الله) توطئة لقوله (واصبري) بكسر الموحدة أي لا تجزعي وخافي غضب الله واصبري

стр. 7849

حتى تثابي فأجابت (فقالت) له: (إليك) أي تنح وابعد (عني فإنك خلو) بكسر المعجمة وسكون اللام خال (من مصيبتي). وعند أبي يعلى من حديث أبي هريرة أنها قالت: يا عبد الله إني أنا الحراء الثكلاء ولو كنت مصابًا عذرتني (قال) أنس: (فجاوزها) ﷺ (ومضى فمرّ بها رجل) هو الفضل بن العباس (فقال) لها: (ما قال لك رسول الله ﷺ ؟ قالت) له: (ما عرفته. قال: إنه لرسول الله ﷺ ¬) زاد مسلم في رواية له فأخذها مثل الموت أي من شدة الكرب الذي أصابها لما عرفت أنه رسول الله ﷺ (قال) أنس: (فجاءت) أي المرأة (إلى بابه) ﵊ (فلم تجد عليه بوّابًا) أي راتبًا تواضعًا منه ﷺ ، فلا يعارض هذا حديث أبي موسى أنه كان بوّابًا له ﵊ لما جلس على القف، وحديث عمر لما استأذن له الأسود في قصة حلفه أن لا يدخل على نسائه شهرًا لأنه ﷺ كان في خلوة نفسه يتخذ البوّاب. واختلف في مشروعية الحجاب للحاكم فقال إمامنا الشافعي: لا ينبغي اتخاذه له، وقال آخرون بالجواز، وقال آخرون يستحب لترتيب الخصوم ومنع المستطيل ودفع الشرّير ويكره دوام الاحتجاب، وقد يحرم ففي أبي داود والترمذي بسند جيد عن أبي مريم الأسدي مرفوعًا: مَن ولاّه الله من أمر الناس شيئًا فاحتجب عن حاجتهم احتجب الله عن حاجته يوم القيامة. وقال في شرح المشكاة: فائدة قوله فلم تجد عنده بوّابًا إنه لما قيل لها إنه لرسول الله ﷺ استشعرت خوفًا وهيبة في نفسها فتصوّرت أنه مثل الملوك له حاجب وبوّاب يمنع الناس من الوصول إليه فوجدت الأمر بخلاف ما تصوّرته. (فقالت: يا رسول الله والله ما عرفتك. فقال النبي ﷺ ¬) لها (إن الصبر عند أول صدمة) ولأبي ذر عن الكشميهني: عند أول الصدمة بالتعريف، والمعنى إذا وقع الثبات أول شيء يهجم على القلب من مقتضيات الجزع فهو الصبر الكامل الذي يترتب عليه الأجر فالمرء لا يؤجر على المصيبة لأنها ليست من صنعه وإنما يؤجر على حسن تثبته وجميل صبره. وسبق الحديث في الجنائز في باب زيارة القبور. ١٢ - باب الْحَاكِمِ يَحْكُمُ بِالْقَتْلِ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ دُونَ الإِمَامِ الَّذِى فَوْقَهُ (باب) ذكر (الحاكم يحكم بالقتل على من وجب عليه) القتل (دون الإمام الذي فوقه) أي الذي ولاّه من غير احتياج إلى استئذانه في خصوص ذلك وباب مضاف لتاليه في الفرع، وقال العيني: ليس مضافًا وإن قوله الحاكم رفع بالابتداء وقوله يحكم بالقتل خبره. وقال في الكواكب وتبعه البرماوي قوله دون هو إما بمعنى عند وإما بمعنى غير، لكن الحديث الثاني يدل على أنه بمعنى غير ليس إلا والأول يحتملهما. ٧١٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ الذُّهْلِىُّ، حَدَّثَنَا الأَنْصَارِىُّ مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ ثُمَامَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ كَانَ يَكُونُ بَيْنَ يَدَىِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الشُّرَطِ مِنَ الأَمِيرِ.

стр. 7850

وبه قال: (حدّثنا محمد بن خالد) هو محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس (الذهلي) بضم المعجمة وسكون الهاء وكسر اللام وسقط الذهلي لأبي ذر قال: (حدّثنا الأنصاري محمد) بتقديم النسبة على الاسم وهي رواية أبي زيد المروزي كما في الفتح وللأكثر حدّثنا محمد بن عبد الله الأنصاري قال: (حدّثنا) بالجمع، ولأبي ذر: حدّثني (أبي) عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس (عن) عم أبيه (ثمامة) بضم المثلثة وتخفيف الميم الأولى والثانية بينهما ألف (عن أنس) ﵁ (أن قيس بن سعد). قال في الفتح: وزاد في رواية المروزي ابن عبادة أي الأنصاري الخزرجي لا قيس بن سعد بن معاذ ولأبي ذر عن أنس بن مالك قال: إن قيس بن سعد (كأن يكون بين يدي النبي- ﷺ بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير). بضم المعجمة وفتح الراء بعدها طاء مهملة. وزاد الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان عن محمد بن مرزوق عن الأنصاري مما أدرجه الأنصاري من كلامه كما بيّنه الترمذي لا ينفذه من أموره. والشرطة أعوان الأمير الذين يتصرفون في الجند بأمره والمراد بصاحب الشرطة كبيرهم، فقيل سموا بذلك لأنهم رذالة الجند أو لأنهم الأشداء الأقوياء من الجند. قال الأزهري: شرطة كل شيء خياره، ومنه الشرطة لأنهم نخبة الجند وقيل هم أول طائفة تتقدم الجيش وتشهد الوقعة، وقيل مأخوذ من الشريط وهو الحبل المبرم لما فيهم من الشدة. وفي الحديث تشبيه ما مضى بما حدث بعده، لأن صاحب الشرطة لم يكن موجودًا في العهد النبوي عند أحد من العمال، وإنما حدث في دولة بني أمية فأراد أنس تقريب حال قيس بن سعد عند السامعين فشبهه بما يعهدونه وفائدة تكرار لفظ الكون في قوله كان يكون بيان الدوام والاستمرار كما قاله في الكواكب. وقوله في الفتح إنه وقع في الترمذي وغيره من طرق عن الأنصاري كان قيس بن سعد من النبي ﷺ قال: فظهر أن ذلك كان من تصرف الرواة، تعقبه العيني بأن رواية الترمذي وغيره لا تستلزم نفي رواية كان يكون فإن كلاًّ لا يروي إلا ما ضبطه فعدم النسبة إلى تصرف الرواة أولى من كونهم تصرفوا في ذلك من أنفسهم ومفهوم التكرار، وزيادة الإسماعيلي أن ذلك كان لقيس على سبيل الوظيفة الراتبة لكن يعكر عليه ما ذكره الإسماعيلي بلفظ قال الأنصاري، ولا أعلمه إلا عن أنس أنه لما قدم النبي ﷺ كان قيس بن سعد في مقدمته بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير فكلم سعد النبي ﷺ في قيس أن يصرفه من الموضع الذي وضعه فيه مخافة أن يقدم على شيء فصرفه عن ذلك، ثم أخرجه الإسماعيلي من وجه آخر عن الأنصاري بدون تلك الزيادة التي في آخره قال: ولم يشك في كونه عن أنس فكأن الأنصاري كان يتردد في وصلها. قال الحافظ ابن حجر: وعلى تقدير ثبوت هذه الزيادة فلم يقع ذلك لقيس بن سعد إلا في تلك المرة ولم يستمر مع ذلك فيها.

стр. 7851

٧١٥٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ قُرَّةَ، حَدَّثَنِى حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ بَعَثَهُ وَأَتْبَعَهُ بِمُعَاذٍ. وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) زاد أبو ذر هو القطان (عن قرة) ولأبي ذر زيادة ابن خالد أي السدوسي أنه قال: (حدّثني) بالإفراد (حميد بن هلال) العدوي البصري قال: (حدّثنا أبو بردة) بضم الموحدة عامر أو الحارث (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (أن النبي ﷺ بعثه) أرسله إلى اليمن قاضيًا (وأتبعه بمعاذ) بهمزة قطع وسكون الفوقية ومعاذ هو ابن جبل. وهذا قطعة من حديث سبق في باب حكم المرتد والمرتدة من استتابة المرتدين بهذا السند وأوله عن أبي موسى قال: أقبلت إلى النبي ﷺ ومعي رجلان من الأشعريين أحدهما عن يميني والآخر عن يساري ورسول الله ﷺ يستاك فكلاهما سأل فقال: يا أبا موسى أو قال يا عبد الله بن قيس قال: قلت والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما وما شعرت أنهما يطلبان العمل فكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته قلصت فقال: لن أو لا نستعمل على عملنا من أراده، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى أو يا عبد الله بن قيس إلى اليمن ثم أتبعه معاذ بن جبل، ثم ذكر قصة اليهودي الذي أسلم ثم ارتد وعليها اقتصر هنا في الحديث التالي لهذا. ٧١٥٧ - حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا مَحْبُوبُ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ عَنْ أَبِى مُوسَى أَنَّ رَجُلاً أَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ، فَأَتَى مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَهْوَ عِنْدَ أَبِى مُوسَى فَقَالَ: مَا لِهَذَا؟ قَالَ: أَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ قَالَ: لَا أَجْلِسُ حَتَّى أَقْتُلَهُ قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ . وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (عبد الله بن الصباح) بفتح المهملة والموحدة المشددة وبعد الألف مهملة العطاردي البصري قال: (حدّثنا محبوب بن الحسن) القرشي البصري قيل اسمه محمد ومحبوب لقبه قال: (حدّثنا خالد) الحذاء (عن حميد بن هلال) العدوي (عن أبي بردة) عامر (عن أبي موسى) الأشعري ﵁ (أن رجلاً) أي أعرف اسمه (أسلم ثم تهوّد فأتاه معاذ بن جبل وهو عند أبي موسى فقال) معاذ لأبي موسى: (ما لهذا) الرجل الموثق؟ (قال: أسلم ثم تهود) وفي رواية الباب المذكور في استتابة المرتدين ثم أتبعه معاذ بن جبل فلما قدم عليه ألقى له وسادة. قال أنزل وإذا رجل عنده موثق قال ما هذا قال كان يهوديًّا فأسلم ثم تهود فقال أجلس (قال: لا أجلس حتى أقتله) هذا (قضاء الله و) قضاء (رسوله ﷺ ¬) زاد في الاستتابة فأمر به فقتل وبذلك يتم مراد الترجمة ويحصل الرد على من زعم أن الحدود لا يقيمها عمال البلاد إلا بعد إذن الإمام الذي ولاهم.

стр. 7852

١٣ - باب هَلْ يَقْضِى الْحَاكِمُ أَوْ يُفْتِى وَهْوَ غَضْبَانُ؟ هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (هل يقضي الحاكم) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي القاضي أي بين الناس (أو يفتي وهو غضبان)؟ ٧١٥٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِى بَكْرَةَ قَالَ: كَتَبَ أَبُو بَكْرَةَ إِلَى ابْنِهِ وَكَانَ بِسِجِسْتَانَ بِأَنْ لَا تَقْضِىَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ فَإِنِّى سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهْوَ غَضْبَانُ». وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا عبد الملك بن عمير) بضم العين وفتح الميم الكوفي قال: (سمعت عبد الرحمن بن أبي بكرة) نفيع الثقفي (قال: كتب) أبي (أبو بكرة إلى ابنه) بالنون ولده عبيد الله بالتصغير (وكان) عبيد الله قاضيًا (بسجستان) بكسر المهملة والجيم على الصحيح غير منصرف للعلمية والعجمية وفيه الزيادة والتأنيث إحدى مدن العجم وهي خلف كرمان مسيرة مائة فرسخ منها أربعون مفازة ليس بها ماء وهي إلى ناحية الهند (بأن لا تقضي بين اثنين). وفي عمدة الأحكام: كتب أبي وكتبت له إلى ابنه عبيد الله وهو موافق لرواية مسلم إلا أنه زاد لفظة ابنه، والضمير في ابنه عائد إلى أبي بكرة، وصرح في بعض الروايات فقال وكتبت له إلى ابنه عبيد الله بن أبي بكرة. والحاصل أن أبا بكرة له ابن يسمى عبيد الله وهو المكتوب إليه وابن آخر يسمى عبد الرحمن راوي الحديث الذي كتب إلى أخيه عبيد الله به، وهذا التركيب يحتمل أن يكون أبو بكرة كتب بنفسه إلى ابن عبيد الله، وكتب عبد الرحمن لأخيه عبيد الله بمثل ما كتب أبو بكرة، ولكن عبد الرحمن إنما كتب لأجل أبيهما أي لأجل أمره وطواعيته ونحو ذلك ففيه تنازع بين كتب وبين كتبت في المفعول وهو أن لا يحكم بين اثنين وفي الجار والمجرور وهو إلى ابنه، ويكون قد أعمل أحدهما وأضمر في الآخر ولكنه حذف لكونه فضلة، وتعقبه في الفتح بأنه لا يتعين ذلك بل الذي يظهر أن قوله كتب أبي أي أمر بالكتابة وقوله وكتبت أي باشرت الكتابة التي أمر بها والأصل عدم التعدد، وتعقبه العيني فقال: الأصل عدم التعدد والأصل عدم ارتكاب المجاز والعدول عن ظاهر الكلام لا لعلة وما المانع من التعدد اهـ. أو يكون المراد كتب أبي إليّ أن أكتب لابنه، ولكن حذف المفعول وهو المجرور بإلى ثم قال: وكتبت له إلى ابنه بذلك أي لأجل أمره لي بأن أكتب وعلى هذا فلا تنازع في المجرور بل في المفعول الذي هو المصدر المنسبك من أن لا تحكم الخ وأعمل أحدهما وحذف الآخر لأنه غير عمدة على ما سبق، أو يكون المراد أن كلاًّ من أبي بكرة وعبد الرحمن كتب إلى عبيد الله وكتابة ثانيهما إليه تأكيد لكتابة الأوّل، وكتابة عبد الرحمن إنما كانت لأجل أبي بكرة على معنى أنه كتب ذلك عن أبيه لا من قبل نفسه أو يكون أبو بكرة أمر بالكتابة فنسب إليه أنه كتب تجوّزًا بالسبب

стр. 7853

عن المسبب وفيه نظر لرواية النسائي. قال عبد الرحمن بن أبي بكرة كتب إليّ أبو بكرة يقول: ْسمعت رسول الله ﷺ يقول الخ. وفي رواية مسلم أن لا تحكم بين اثنين (وأنت غضبان) جملة في موضع الحال وغضبان لا ينصرف والغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام وعند الترمذي عن أبي سعيد مرفوعًا: ألا وإن الغضب جمرة في قلب ابن آدم أما ترون إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه (فإني سمعت النبي ﷺ يقول) الفاء في فإني سببية. (لا يقضين) بتشديد النون تأكيد للنهي (حكم) بفتحتين أي حاكم (بين اثنين وهو غضبان) لأن الغضب قد يتجاوز بالحاكم إلى غير الحق، وعداه الفقهاء بهذا المعنى إلى كل ما يحصل به التغير للفكر كجوع وشبع مفرطين ومرض مؤلم وخوف مزعج وفرح شديد وغلبة نعاس وهمّ مضجر ومدافعة حدث وحرّ مزعج وبرد منكر وسائر ما يتعلق به القلب تعلقًا يشغله عن استيفاء النظر وعن أبي سعيد عند البيهقي بسند ضعيف مرفوعًا: لا يقضي القاضي إلا وهو شبعان ريان، واقتصر على ذكر الغضب لاستيلائه على النفس وصعوبة مقاومته بخلاف غيره نعم إن غضب لله ففي الكراهة وجهان. قال البلقيني: المعتمد عدم الكراهة واستبعده غيره لمخالفته لظواهر الأحاديث وللمعنى الذي لأجله نهي عن الحكم حال الغضب، ولو خالف وحكم وهو غضبان صحّ أن صادف الحق مع الكراهة، وعن بعض الحنابلة لا ينفذ الحكم في حال الغضب لثبوت النهي عنه والنهي يقتضي الفساد، وفصل بعضهم بين أن يكون الغضب طرأ عليه بعد أن استبان له الحكم فلا يؤثر وإلاّ فهو محل الخلاف. والحديث أخرجه مسلم في الأحكام، وأبو داود في القضاء، والترمذي في الأحكام، والنسائي في القضايا وابن ماجة في الأحكام. ٧١٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِى خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ الأَنْصَارِىِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى وَاللَّهِ لأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فِيهَا قَالَ: فَمَا رَأَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ قَطُّ أَشَدَّ غَضَبًا فِى مَوْعِظَةٍ مِنْهُ يَوْمَئِذٍ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُوجِزْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الْكَبِيرَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ». وبه قال: (حدّثنا محمد بن مقاتل) المروزي المجاور قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد) الكوفي الحافظ (عن قيس بن أبي حازم) أبي عبد الله البجلي التابعي الكبير فاتته الصحبة بليال (عن أبي مسعود) عقبة بن عمرو بفتح العين وسكون الميم (الأنصاري) الخزرجي البدري أنه (قال: جاء رجل) لم يسم أو هو سليم بن الحارث (إلى رسول الله ﷺ ¬) ولأبي ذر إلى النبي (¬ ﷺ فقال: يا رسول الله إني والله لأتأخر عن صلاة الغداة) الصبح فلا أصليها مع الإمام (من أجل فلان) هو معاذ بن جبل أو أبي بن كعب كما في مسند أبي يعلى (مما يطيل بنا فيها) في

стр. 7854

صلاة الغداة ومن ابتدائية متعلقة بأتأخر (قال) أبو مسعود (فما رأيت النبي ﷺ قطّ أشد غضبًا في موعظة منه يومئذٍ) وفيه وعيد شديد على من يسعى في تخلف الغير عن الجماعة (ثم قال) ﷺ : (يا أيها الناس) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أيها الناس بإسقاط أداة النداء (إن منكم منفرين فأيكم ما صلّى بالناس فليوجز) بسكون اللام وبالجيم المكسورة بعدها زاي وما صلة مؤكدة لمعنى الإبهام في أيّ وصلى فعل شرط وفليوجز جوابه كقوله تعالى: ﴿أيًّا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى﴾ [الإسراء: ١١٠] (فإن فيهم الكبير والضعيف وذا الحاجة). والحديث سبق في العلم في باب الغضب في الموعظة وفي كتاب الصلاة في باب تخفيف الإمام في القيام. ٧١٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى يَعْقُوبَ الْكِرْمَانِىُّ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنِى سَالِمٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهْىَ حَائِضٌ فَذَكَرَ عُمَرُ لِلنَّبِىِّ ﷺ فَتَغَيَّظَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: «لِيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لْيُمْسِكْهَا، حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا». وبه قال: (حدّثنا محمد بن أبي يعقوب) إسحاق (الكرماني) بفتح الكاف عند المحدّثين وأهلها يكسرونها قال: (حدّثنا حسان بن إبراهيم) بفتح الحاء المهملة المشددة الكرماني العنزي قاضي كرمان قال: (حدّثنا يونس) بن يزيد الأيلي (قال محمد): ولأبي ذر: حدّثنا محمد هو الزهري قال: (أخبرني) بالإفراد (سالم أن) أباه (عبد الله بن عمر) ﵄ (أخبره أنه طلّق امرأته) آمنة بمدّ الهمزة وكسر الميم بنت غفار بالغين المعجمة المكسورة والفاء (وهي حائض) الواو للحال من امرأته أو من ضمير الفاعل (فذكر عمر) ذلك (للنبي ﷺ فتغيظ) أي غضب (فيه) أي في الفعل المذكور وهو الطلاق وتغيظ مطاوع غظته فتغيظ ولأبي ذر عن الكشميهني عليه أي على ابن عمر (رسول الله ﷺ ثم قال): يحتمل أن يكون ثم هنا بمعنى الواو لأن قوله مقارن تغيظه، ويحتمل أن تكون على بابها وإن قوله بعد زوال الغيظ واللام في قوله: (ليراجعها) لام الأمر والفعل مجزوم وكذا قوله (ثم يمسكها) ويجوز في المعطوف الرفع على الاستئناف أي ثم هو يمسكها والأمر للندب في قول إمامنا الشافعي وأبي حنيفة وأحمد وفقهاء المحدّثنين وللوجوب عند مالك وأصحابه والصارف له عن الوجوب قوله تعالى: ﴿فأمسكوهنّ بمعروف أو فارقوهنّ بمعروف﴾ [الطلاق: ٢] وغيره من الآيات المقتضية للتخيير بين الإمساك بالرجعة أو الفراق بتركها ولمسلم ثم ليدعها (حتى تطهر ثم تحيض) حيضة أخرى (فتطهر) منها (فإن بدا له) بعد طهرها من الحيض الثاني (أن يطلقها فليطلقها) قبل أن يجامعها. قال البيضاوي: وفي الحديث فوائد حرمة الطلاق في الحيض لتغيظه ﷺ فيه وهو لا يتغيظ إلا في حرام والتنبيه على أن علة التحريم تطويل العدة عليها وإن العدة بالإطهار لا بالحيض.

стр. 7855

والحديث سبق في الطلاق. ١٤ - باب مَنْ رَأَى لِلْقَاضِى أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ فِى أَمْرِ النَّاسِ إِذَا لَمْ يَخَفِ الظُّنُونَ وَالتُّهَمَةَ كَمَا قَالَ النَّبِىُّ ﷺ لِهِنْدَ: «خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» وَذَلِكَ إِذَا كَانَ أَمْرٌ مَشْهُورٌ. (باب من رأى) من الفقهاء (للقاضي أن يحكم بعلمه في أمر الناس) دون حقوق الله كالحدود (إذا لم يخف) القاضي (الظنون والتهمة) بفتح الهاء أي يحكم بشرطين عدم التهمة ووجود الشهرة (كما قال النبي ﷺ لهند): حين قضى لها على زوجها أبي سفيان بن حرب (خذي) من ماله (ما يكفيك وولدك بالمعروف. وذلك إذا كان أمر مشهور) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: إذا كان أمرًا مشهورًا بالنصب خير كان أي إذا كان مشهورًا كقصة هند في زوجيتها لأبي سفيان ووجوب النفقة عليه. وقال المالكية: لا يحكم بعلمه في أمر من الأمور إلا في التعديل والتجريح لأن القاضي يشارك غيره فيهما فلا تهمة وإنه لو لم يحكم بعلمه في العدالة لافتقر إلى معدلين آخرين وهكذا فيتسلسل. ٧١٦١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، حَدَّثَنِى عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَىَّ أَنْ يَذِلُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، وَمَا أَصْبَحَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَىَّ أَنْ يَعِزُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، ثُمَّ قَالَتْ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ فَهَلْ عَلَىَّ مِنْ حَرَجٍ أَنْ أُطْعِمَ الَّذِى لَهُ عِيَالَنَا؟ قَالَ لَهَا: «لَا حَرَجَ عَلَيْكِ أَنْ تُطْعِمِيهِمْ مِنْ مَعْرُوفٍ». وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: قال أخبرني بالإفراد أيضًا (عروة) بن الزبير (أن عائشة ﵂ قالت: جاءت هند) بالصرف وعدمه لسكون وسطه (بنت عتبة بن ربيعة) بن عبد شمس بن عبد مناف القرشية العبشمية والدة معاوية وسقط لأبي ذر: ابن ربيعة إلى رسول الله ﷺ (فقالت: يا رسول الله والله ما كان على ظهر الأرض أهل خباء) بكسر الخاء المعجمة والمد (أحب إليّ) بتشديد الياء (أن يذلوا) بفتح التحتية وكسر المعجمة (من أهل خبائك) أرادت بيته ﷺ فكنت عنه بأهل الخباء إجلالاً له أو أرادت أهل بيته أو صحابته فهو من المجاز والاستعارة (وما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل خباء أحب إليّ أن يعزوا) بفتح التحتية وكسر العين المهملة وتشديد الزاي (من أهل خبائك. ثم قالت): يا رسول الله (إن أبا سفيان) صخر بن حرب زوجي (رجل مسّيك) بكسر الميم والسين المهملة المشددة بصيغة المبالغة من مسك اليد يعني بخيل جدًّا ويجوز فتح الميم وكسر السين مخففة بوزن أمير وهو أصح عند أهل العربية والأوّل هو

стр. 7856

الأشهر في رواية المحدّثين ورجل خبر إن، ولو قالت: إن أبا سفيان مسيك صح وحصلت الفائدة إلا أن ذكر الموصوف مع صفته يكون لتعظيمه نحو: رأيت رجلاً صالحًا أو لتحقيره نحو رأيت رجلاً فاسقًا، ولما كان البخل مذمومًا قالت رجل. وفي رواية: شحيح بدل مسيك وهو أشد البخل، وقيل الشح الحرص على ما ليس عنده والبخل بما عنده. وقال رجل لابن عمر: إني شحيح. فقال له: إن كان شحّك لا يحملك على أن تأخذ ما ليس لك فليس بشحّك بأس. وعن ابن مسعود: الشحّ منع الزكاة. وقال القرطبي: المراد أنه شحيح بالنسبة إلى امرأته وولده لا مطلقًا لأن الإنسان قد يفعل هذا مع أهل بيته لأنه يرى أن غيرهم أحوج وأولى وإلا فأبو سفيان لم يكن معروفًا بالبخل فلا يستدل بهذا الحديث على أنه بخيل مطلقًا. (فهل عليّ) بتشديد الياء (من حرج) إثم (أن أطعم الذي) ولأبي ذر عن المستملي من الذي (له عيالنا) وهمزة أطعم مضمومة (قال) ﷺ (لها): (لا حرج) لا إثم (عليك أن تطعميهم من معروف) أي الإطعام الذي هو المعروف بأن لا يكون فيه إسراف ونحوه. وفي هذا أن للقاضي أن يقضي بعلمه، لأن النبي ﷺ كان يعلم أنها زوجة أبي سفيان ولم يكلفها البيّنة لأن علمه أقوى من الشهادة لتيقن ما علمه والشهادة قد تكون كذبًا، ويأتي إن شاء الله تعالى عند المؤلّف في باب الشهادة تكون عند الحاكم في ولايته القضاء عن آخرين من أهل العراق أنه يقضي بعلمه لأنه مؤتمن، وإنما يراد من الشهادة معرفة الحق فعلمه أكثر من الشهادة، واستدلّ المانعون من القضاء بالعلم بقوله في حديث أم سلمة إنما أقضي له بما أسمع ولم يقل بما أعلم، وقال للحضرمي: شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذلك ويخشى من قضاة السوء أن يحكم أحدهم بما شاء ويحيل على علمه، وتعقب ابن المنير البخاري بأنه لا دلالة في الحديث للترجمة لأنه خرج مخرج الفتيا قال: وكلام المفتي يتنزل على تقدير صحة إنهاء المستفتي فكأنه قال: إن ثبت أنه يمنعك حقك جاز لك أخذه، وأجاب بعضهم: بأن الأغلب من أحوال النبي ﷺ الحكم والإلزام فيجب تنزيل لفظه عليه وبأنه لو كانت فتيا لقال مثلاً لك أن تأخذي فلما أتى بصيغة الأمر بقوله: خذي كما في الرواية الأخرى دلّ على الحكم. ويأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى بعون الله وقوته في باب القضاء على الغائب وفي باب الشهادة تكون عند الحاكم في ولاية القضاء. تنبيه: لو شهدت البيّنة مثلاً بخلاف ما يعلمه علمًا حسيًّا لمشاهدة أو سماع يقينًا أو ظنًّا راجحًا لم يجز له أن يحكم بما قامت به البيّنة ونقل بعضهم فيه الاتفاق، وإن وقع الاختلاف في القضاء بالعلم. والحديث سبق في النفقات.

стр. 7857

١٥ - باب الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ الْمَخْتُومِ وَمَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ وَمَا يَضِيقُ عَلَيْهِمْ وَكِتَابِ الْحَاكِمِ إِلَى عَامِلِهِ وَالْقَاضِى إِلَى الْقَاضِى وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: كِتَابُ الْحَاكِمِ جَائِزٌ إِلاَّ فِى الْحُدُودِ ثُمَّ قَالَ: إِنْ كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً فَهْوَ جَائِزٌ لأَنَّ هَذَا مَالٌ بِزَعْمِهِ وَإِنَّمَا صَارَ مَالاً بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ الْقَتْلُ فَالْخَطَأُ وَالْعَمْدُ وَاحِدٌ، وَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ إِلَى عَامِلِهِ فِى الْجَارُودِ وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِى سِنٍّ كُسِرَتْ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: كِتَابُ الْقَاضِى إِلَى الْقَاضِى جَائِزٌ، إِذَا عَرَفَ الْكِتَابَ وَالْخَاتَمَ، وَكَانَ الشَّعْبِىُّ يُجِيزُ الْكِتَابَ الْمَخْتُومَ بِمَا فِيهِ مِنَ الْقَاضِى وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ، وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الثَّقَفِىُّ: شَهِدْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ يَعْلَى قَاضِىَ الْبَصْرَةِ، وَإِيَاسَ بْنَ مُعَاوِيَةَ، وَالْحَسَنَ وَثُمَامَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ وَبِلَالَ بْنَ أَبِى بُرْدَةَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُرَيْدَةَ الأَسْلَمِىَّ وَعَامِرَ بْنَ عَبِيدَةَ وَعَبَّادَ بْنَ مَنْصُورٍ يُجِيزُونَ كُتُبَ الْقُضَاةِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنَ الشُّهُودِ فَإِنْ قَالَ: الَّذِى جِئَ عَلَيْهِ بِالْكِتَابِ إِنَّهُ زُورٌ قِيلَ لَهُ اذْهَبْ فَالْتَمِسِ الْمَخْرَجَ مِنْ ذَلِكَ وَأَوَّلُ مَنْ سَأَلَ عَلَى كِتَابِ الْقَاضِى الْبَيِّنَةَ ابْنُ أَبِى لَيْلَى وَسَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. وَقَالَ لَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحْرِزٍ جِئْتُ بِكِتَابٍ مِنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ قَاضِى الْبَصْرَةِ وَأَقَمْتُ عِنْدَهُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ لِى عِنْدَ فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا وَهْوَ بِالْكُوفَةِ وَجِئْتُ بِهِ الْقَاسِمَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَأَجَازَهُ وَكَرِهَ الْحَسَنُ وَأَبُو قِلَابَةَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى وَصِيَّةٍ حَتَّى يَعْلَمَ مَا فِيهَا لأَنَّهُ لَا يَدْرِى لَعَلَّ فِيهَا جَوْرًا وَقَدْ كَتَبَ النَّبِىُّ ﷺ إِلَى أَهْلِ خَيْبَرَ «إِمَّا أَنْ تَدُوا صَاحِبَكُمْ وَإِمَّا أَنْ تُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ». وَقَالَ الزُّهْرِىُّ: فِى شَهَادَةٍ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ إِنْ عَرَفْتَهَا فَاشْهَدْ وَإِلاَّ فَلَا تَشْهَدْ. (باب) حكم (الشهادة على الخط المختوم) أنه خط فلان وقال المختوم لأنه أقرب إلى عدم تزوير الخط وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني المحكوم بالحاء المهملة بدل المعجمة والكاف بدل الفوقية أي المحكوم به (وما يجوز من ذلك) أي من الشهادة على الخط (وما يضيق عليهم) وللأصيلي زيادة فيه فلا يجوز لهم الشهادة به، ولأبي ذر عليه أي الشاهد فالقول بذلك ليس على التعميم إثباتًا ونفيًا بل لا يمنع مطلقًا لما فيه من تضييع الحقوق ولا يعمل به مطلقًا إذ لا يؤمن فيه التزوير (و) حكم (كتاب الحاكم إلى عماله) بضم العين وتشديد الميم وفي الفرع كأصله إلى عامله بلفظ الإفراد (و) كتاب (القاضي إلى القاضي. وقال بعض الناس): أبو حنيفة وأصحابه (كتاب الحاكم جائز إلا في الحدود ثم) ناقض بعض الناس حيث (قال: إن كان القتل خطأ فهو) أي كتاب الحاكم (جائز لأن هذا) أي قتل الخطأ في نفس الأمر (مال بزعمه) بضم الزاي وفتحها وإنما كان عنده مالاً لعدم القصاص فيه فيلحق بسائر الأموال في هذا الحكم ثم ذكر المؤلّف وجه

стр. 7858

المناقضة فقال (وإنما صار) قتل الخطأ (مالاً بعد أن ثبت) ولأبي ذر أن يثبت (القتل) عند الحاكم (فالخطأ والعمد) في أول الأمر حكمهما (واحد) لا تفاوت في كونهما حدًّا. (وقد كتب عمر) بن الخطاب ﵁ (إلى عامله في الحدود) بالحاء والدالين المهملات والعامل المذكور هو يعلى بن أمية عامله على اليمن كتب إليه في قصة رجل زنى بامرأة مضيفه: إن كان عالمًا بالتحريم فحدّه، وللأصيلي وأبي ذر عن المستملي والكشميهني في الجارود بالجيم بعدها ألف فراء فواو فدال مهملة ابن المعلى أبي المنذر العبدي، وله قصة مع قدامة بن مظعون عامل عمر على البحرين ذكرها عبد الرزاق بسند صحيح من طريق عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: استعمل عمر قدامة بن مظعون فقدم الجارود بسبب عبد القيس على عمر فقال: إن قدامة شرب فسكر فكتب عمر إلى قدامة في ذلك فذكر القصة بطولها في قدوم قدامة وشهادة الجارود وأبي هريرة عليه، وفي احتجاج قدامة بآية المائدة، وفي رد عمر عليه وجلده الحد. (وكتب عمر بن عبد العزيز) ﵀ إلى عامله زريق بن حكيم (في) شأن (سنّ كسرت) بضم الكاف وكسر السين وهذا وصله أبو بكر الخلال في كتاب القصاص والديات من طريق عبد الله بن المبارك عن حكيم بن زريق بن حكيم عن أبيه بلفظ كتب إليّ عمر بن عبد العزيز كتابًا أجاز فيه شهادة رجل على سن كسرت. (وقال إبراهيم) النخعي مما وصله ابن أبي شيبة عن عيسى بن يونس عن عبيدة عنه (كتاب القاضي إلى القاضي جائز إذا عرف) القاضي المكتوب إليه (الكتاب والخاتم) الذي يختم به عليه بحيث لا يلتبسان بغيرهما. (وكان الشعبي) عامر بن شراحيل مما وصله ابن أبي شيبة من طريق عيسى بن أبي عزة (يجيز الكتاب المختوم بما فيه من القاضي ويروى عن ابن عمر) ﵄ (نحوه): أي نحو ما روي عن الشعبي. قال في فتح الباري: ولم يقع لي هذا الأثر عن ابن عمر إلى الآن. (وقال معاوية بن عبد الكريم الثقفي): المعروف بالضال بضاد معجمة ولام مشددة سمي به لأنه ضل في طريق مكة (شهدت) أي حضرت (عبد الملك بن يعلى قاضي البصرة) الليثي التابعي ولاه عليها يزيد بن هبيرة لما ولي إمارتها من قبل يزيد بن عبد الملك بن مروان كما ذكره عمر بن شبة في أخبار البصرة (و) شهدت (إياس بن معاوية) بكسر الهمزة وتخفيف التحتية المزني وكان ولي قضاء البصرة في خلافة عمر بن عبد العزيز من قبل عدي بن أرطأة عامل عمر بن عبد العزيز عليها (والحسن) البصري، وكان قد وليس القضاء بالبصرة مدة قليلة ولاّه عدي بن أرطأة عاملها (وثمامة بن عبد الله بن أنس) أي ابن مالك وكان قاضي البصرة في أوائل خلافة هشام بن عبد الملك ولاه خالد القسري (وبلال بن أبي بردة) بضم الموحدة عامر أو الحارث بن أبي موسى

стр. 7859

الأشعري ولاه خالد القسري قضاء البصرة (وعبد الله بن بريدة) بضم الموحدة (الأسلمي) التابعي المشهور ولي قضاء مرو (وعامر بن عبيدة) بفتح العين وكسر الموحدة بعدها تحتية مصحح عليه في الفرع وأصله وزاد في فتح الباري عبدة بفتح العين وسكون الموحدة وفتحها وقال ذكره ابن ماكولا بالوجهين وعامر هو أبو إياس البجلي الكوفي (وعباد بن منصور) بفتح العين والموحدة المشددة الناجي بالنون والجيم يكنى أبا سلمة الثمانية حال كونهم (يجيزون كتب القضاة بغير محضر من الشهود) بضم الشين ولأبي ذر من المشهود بزيادة ميم وسكون الشين (فإن قال الذي جيء عليه بالكتاب) بكسر الجيم وسكون التحتية بعدها همزة (أنه) أي الكتاب (زور قيل له اذهب فالتمس المخرج من ذلك) بفتح الميم والراء بينهما، معجمة ساكنة أي اطلب الخروج من عهدة ذلك إما بالقدح في البيّنة بما يقبل فتبطل الشهادة، وإما بما يدل على البراءة من المشهود به. وقال المالكية: إذا جاء كتاب من قاض إلى قاض آخر مع شاهدين فإنه يعتمد على ما شهد به الشاهدان ولو خالفا ما في الكتاب، وقيد ذلك في الجواهر بما إذا طابقت شهادتهما الدعوى قال: ولو شهدا بما فيه وهو مفتوح جاز وندب ختمه ولم يفد وحده فلا بد من شهود بأن هذا الكتاب كتاب فلان القاضي، وزاد أشهب ويشهدون أنه أشهدهم بما فيه اهـ. واحتج من لم يشترط الإشهاد بأنه ﷺ كتب إلى الملوك ولم ينقل أنه أشهد أحدًا على كتابه. وأجيب: بأنه لما حصل في الناس الفساد احتيط للدماء والأموال. قال البخاري: (وأول من سأل على كتاب القاضي البيّنة ابن أبي ليلى) محمد بن عبد الرحمن قاضي الكوفة، وأول ما وليها في زمن يوسف بن عمر الثقفي في خلافة الوليد بن يزيد وهو صدوق لكنه اتفق على ضعف حديثه لسوء حفظه (وسوار بن عبد الله) بفتح السين المهملة والواو المشددة وبعد الألف راء العنبري قاضي البصرة من قبل المنصور. قال البخاري بالسند إليه: (وقال لنا أبو نعيم) الفضل بن دكين مذاكرة (حدّثنا عبيد الله) بضم العين (ابن محرز) بضم الميم وسكون المهملة وكسر الراء بعدها زاي الكوفي قال: (جئت بكتاب من موسى بن أنس) أي ابن مالك التابعي (قاضي البصرة و) كنت (أقمت عنده البيّنة أن لي عند فلان كذا وكذا وهو) أي فلان (بالكوفة، وجئت به) بالواو وللأصيلي وأبي ذر فجئت به أي بالكتاب (القاسم بن عبد الرحمن) بن أبي عبد الله بن مسعود المسعودي التابعي قاضي الكوفة زمن عمر بن عبد العزيز (فأجازه) بجيم وزاي أمضاه وعمل به. (وكره الحسن) البصري (وأبو قلابة) الجرمي بفتح الجيم وسكون الراء وكسر الميم (أن يشهد) بفتح أوله الشاهد (على وصية حتى يعلم ما فيها لأنه لا يدري لعل فيها جورًا) أي باطلاً. وقال الداودي من المالكية: وهذا هو الصواب، وتعقبه ابن التين بأنها إذا كان فيها جور لم يمنع التحمل لأن الحاكم قادر على ردّه إذا أوجب حكم الشرع ردّه وما عداه يعمل به فليس خشية الجور فيها مانعًا من التحمل، وإنما المانع الجهل بما يشهد به، ومذهب مالك ﵀ جواز الشهادة على

стр. 7860

الوصية وإن لم يعلم الشاهد ما فيها وكذا الكتاب المطويّ ويقول الشاهد: إن للحاكم نشهد على إقراره بما في الكتاب لأنه ﷺ كتب إلى عماله من غير أن يقرأها على من حملها وهي مشتملة على الأحكام والسنن، وأثر الحسن وصله الدارمي بلفظ: لا تشهد على وصية حتى تقرأ عليك ولا تشهد على من لا تعرف، وأثر أبي قلابة وصله ابن أبي شيبة ويعقوب بن سفيان بلفظ قال أبو قلابة في الرجل يقول: اشهدوا على ما في هذه الصحيفة. قال: لا حتى لا نعلم ما فيها. زاد يعقوب وقال لعل فيها جور أو في هذه الزيادة بيان السبب في المنع المذكور. (وقد كتب النبي ﷺ إلى أهل خيبر) في قصة حويصة ومحيصة (إما) بكسر الهمزة وتشديد الميم (أن تدوا) بالفوقية والتحتية (صاحبكم) عبد الله بن سهل أي تعطوا ديته وأضافه إليهم لكونه وجد قتيلاً بين اليهود بخيبر والإضافة تكون بأدنى ملابسة وهذا وإن كان تدوا بتاء الخطاب وإن كان بالتحتية فظاهر (وإما أن تؤذنوا بحرب) أي تعلموا به. وهذا طرف من حديث سبق في باب القسامة من الدّيات. (وقال الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب فيما وصله أبو بكر بن أبي شيبة (في شهادة) ولأبي ذر في الشهادة (على المرأة من وراء الستر) بكسر السين المهملة (إن عرفتها فاشهد) عليها (وإلاّ) أي وإن لم تعرفها (فلا تشهد) ومقتضاه أنه لا يشترط أن يراها حالة الإشهاد بل تكفي معرفته لها بأي طريق كان. وقال الشافعية: لا تصح شهادة على متنقبة اعتمادًا على صوتها فإن الأصوات تتشابه فإن عرفها بعينها أو باسم ونسب وأمسكها حتى شهد عليها جاز التحمل عليها متنقبة وأدى بما علم من ذلك فيشهد في العلم بعينها عند حضورها وفي العلم بالاسم والنسب عند غيبتها لا بتعريف عدل أو عدلين أنها فلانة بنت فلان. أي فلا يجوز التحمل عليها بذلك وهذا ما عليه الأكثر والعمل بخلافه وهو العمل عليها بذلك. وقال المالكية: لا يشهد على متنقبة حتى يكشف وجهها ليعينها عند الأداء ويميزها عن غيرها وإن أخبره عنها رجل يثق به أو امرأة جاز له أن يشهد، وكذا لفيف النساء إذا شهدن عنده أنها فلانة إذا وقع عنده العلم بشهادتين وجوّز مالك شهادة الأعمى في الأقوال كأن يقر بشيء لأن الصحابة رووا عن أمهات المؤمنين من وراء الحجاب وميّزوهن بأصواتهن. وقال الشافعية: ولا تقبل شهادة أعمى يقول كعقد وفسخ وإقرار لجواز اشتباه الأصوات، وقد يحكي الإنسان صوت غيره فيشتبه به إلا أن يقر شخص في أذنه بنحو طلاق أو عتق أو مال لرجل معروف الاسم والنسب فيمسكه حتى يشهد عليه عند قاض أو يكون عماه بعد تحمله والمشهود له والمشهود عليه معروفي الاسم والنسب فيقبل لحصول العلم بأنه المشهود عليه. ٧١٦٢ - حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا أَرَادَ النَّبِىُّ ﷺ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى الرُّومِ قَالُوا: إِنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلاَّ

стр. 7861

مَخْتُومًا فَاتَّخَذَ النَّبِىُّ ﷺ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِهِ وَنَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر بالجمع (محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشدّدة بندار قال: (حدّثنا غندر) محمد بن جعفر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: سمعت قتادة) بن دعامة (عن أنس بن مالك) ﵁ (قال: لما أراد النبي ﷺ أن يكتب إلى) أهل (الروم) في سنة ست (قالوا: إنهم) أي قال الصحابة له ﷺ إن الروم (لا يقرؤون كتابًا مختومًا) ولم أعرف القائل بعينه (فاتخذ النبي ﷺ خاتمًا) بفتح التاء وكسرها (من فضة كأني أنظر إلى وبيصه) بفتح الواو وكسر الموحدة وبعد التحتية الساكنة صاد مهملة إلى لمعانه وبريقه (ونقشه محمد رسول الله). ويستفاد منه أن الكتاب إذا لم يكن مختومًا فالحجة بما فيه قائمة لكونه ﷺ أراد أن يكتب إليهم وإنما اتخذ الخاتم لقولهم إنهم لا يقبلون الكتاب إلا إذا كان مختومًا، فدل على أن كتاب القاضي حجة مختومًا كان أو غير مختوم، وفي الباب العمل بالشهادة على الخط وقد أجازها مالك وخالفه ابن وهب فيه، وقال الطحاوي: خالف مالكًا جميع الفقهاء في ذلك لأن الخط قد يشبه الخط، وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: لا يقضى في دهرنا بالشهادة على الخط لأن الناس قد أحدثوا ضروبًا من الفجور، وقد قال مالك: تحدث للناس أقضية على نحو ما أحدثوا من الفجور، وقد كان الناس فيما مضى يجيزون الشهادة على خاتم القاضي ثم رأى مالك أن ذلك لا يجوز. ١٦ - باب مَتَى يَسْتَوْجِبُ الرَّجُلُ الْقَضَاءَ؟ وَقَالَ الْحَسَنُ: أَخَذَ اللَّهُ عَلَى الْحُكَّامِ أَنْ لَا يَتَّبِعُوا الْهَوَى وَلَا يَخْشَوُا النَّاسَ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِى ثَمَنًا قَلِيلاً ثُمَّ قَرَأَ: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِى الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦] وَقَرَأَ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا - اسْتُودِعُوا - مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِى ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللهِ. وَقَرَأَ ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِى الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩] فَحَمِدَ سُلَيْمَانَ وَلَمْ يَلُمْ دَاوُدَ وَلَوْلَا مَا ذَكَرَ اللَّهُ مِنْ أَمْرِ هَذَيْنِ لَرَأَيْتُ أَنَّ الْقُضَاةَ هَلَكُوا فَإِنَّهُ أَثْنَى عَلَى هَذَا بِعِلْمِهِ وَعَذَرَ هَذَا بِاجْتِهَادِهِ. وَقَالَ مُزَاحِمُ بْنُ زُفَرَ: قَالَ: لَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ خَمْسٌ إِذَا أَخْطَأَ الْقَاضِى مِنْهُنَّ خَصْلَةً كَانَتْ فِيهِ وَصْمَةٌ أَنْ يَكُونَ فَهِمًا حَلِيمًا عَفِيفًا صَلِيبًا عَالِمًا سَؤُولاً عَنِ الْعِلْمِ.

стр. 7862

هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (متى يستوجب الرجل القضاء)؟ أي متى يستحق أن يكون قاضيًا. وقال في الكواكب أي متى يكون أهلاً للقضاء اهـ. وقد اشترط الشافعية كونه أهلاً للشهادات بأن يكون مسلمًا مكلفًا حرًّا ذكرًا عدلاً سميعًا بصيرًا ناطقًا كافيًا لأمر القضاء فلا يولاه كافر وصبي ومجنون ومن به رقّ وأنثى وخنثى وفاسق ومن لم يسمع وأعمى وأخرس وإن فهمت إشارته ومغفل ومختل النظر بكبر أو مرض لنقصهم، وأن يكون مجتهدًا وهو العارف بأحكام القرآن والسُّنَّة وبالقياس وأنواعها، فمن أنواع القرآن والسُّنَّة: العام والخاص والمجمل والمبين والمطلق والمقيد والنص والظاهر والناسخ والمنسوخ. ومن أنواع السُّنَّة المتواتر والآحاد والمتصل وغيره. ومن أنواع، القياس الأولى والمساوي والأدون كقياس الضرب للوالدين على التأفيف لهما، وقياس إحراق مال اليتيم على أكله في التحريم فيهما، وقياس التفاح على البر في الربا بجامع الطعم، وحال الرواة قوّة وضعفًا فيقدم عند التعارض الخاص على العام والمقيد على المطلق والنص على الظاهر، والمحكم على المتشابه، والناسخ والمتصل والقوي على مقابلها، ولسان العرب لغةً ونحوًا وصرفًا، وأقوال العلماء إجماعًا واختلافًا فلا يخالفهم في اجتهادهم فإن فقد الشرط المذكور بأن لم يوجد رجل متصف به فولى سلطان ذو شوكة مسلمًا غير أهل كفاسق ومقلد وصبي وامرأة نفذ قضاؤه للضرورة لئلا تتعطل مصالح الناس والقضاء بالمد مصدر قضى يقضي لأن لام الفعل ياء إذ أصله قضي بفتح الياء فقلبت ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ومصدره بالتحريك كطلب طلبًا فتحركت الياء فيه أيضًا وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا فاجتمع ألفان فأبدلت الثانية همزة فصار قضاءً ممدودًا، وجمع القضاء أقضية كغطاء وأغطية وهو في الأصل إحكام الشيء وإمضاؤه والفراغ منه ويكون أيضًا بمعنى الأمر قال تعالى: ﴿وقضى ربك ألاَّ تعبدوا إلا إياه﴾ [الإسراء: ٢٣] وبمعنى العلم تقول قضيت لك بكذا أعلمتك به والإتمام قال تعالى: ﴿فإذا قضيتم الصلاة﴾ [النساء: ١٠٣] والفعل فاقض ما أنت قاض والإرادة قال تعالى: ﴿فإذا قضى أمرًا﴾ [غافر: ٦٨] والموت. قال تعالى: ﴿ليقض علينا ربك﴾ [الزخرف: ٧٧] والكتابة قال تعالى: ﴿وكان أمرًا مقضيًّا﴾ [مريم: ٢١] أي مكتوبًا في اللوح المحفوظ والفصل قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٥٤] والخلق قال تعالى: ﴿فقضاهن سبع سماوات في يومين﴾ [فصّلت: ١٢]. (وقال الحسن) البصري: (أخذ الله على الحكام) بضم الحاء المهملة وتشديد الكاف جمع حاكم (أن لا يتبعوا الهوى) أي هوى النفس في قضائهم (ولا يخشوا الناس) كخشية سلطان ظالم أو خيفة أذية أحد (ولا يشتروا بآياتي) ولأبي ذر بآياته (ثمنًا قليلاً) وهو الرشوة وابتغاء الجاه ورضا الناس (ثم قرأ) الحسن: (﴿يا داود إنّا جعلناك خليفة في الأرض﴾) تدبر أمر الناس (﴿فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى﴾) ما تهوى النفس (﴿فيضلك﴾) الهوى (﴿عن سبيل الله﴾) أي عن الدلائل الدالة على توحيد الله (﴿إن الذين يضلون عن سبيل الله﴾) عن الإيمان بالله (﴿لهم عذاب شديد

стр. 7863

بما نسوا﴾) بسبب نسيانهم (﴿يوم الحساب﴾ [ص: ٢٦]) المرتب عليه تركهم الإيمان ولو أيقنوا بيوم الحساب لآمنوا في الدنيا قال ابن كثير هذه وصية من الله لولاة الأمور أن يحكموا بين الناس بالحق المنزل من عنده ﵎ ولا يعدلوا عنه فيضلوا عن سبيله وقد توعد سبحانه من ضل عن سبيله وتناسى يوم الحساب بالوعيد الأكيد والعذاب الشديد. (وقرأ) الحسن أيضًا (﴿إنَّا أنزلنا التوراة فيها هدى﴾) يهدي إلى الحق (﴿ونور﴾) يكشف ما استبهم من الأحكام (﴿يحكم بها النبيون الذين أسلموا﴾) انقادوا لحكم الله وهو صفة أجريت للتبيين على سبيل المدح (﴿للذين هادوا﴾) تابوا من الكفر (﴿والرَّبانيون والأحبار﴾) الزهاد والعلماء معطوفان على النبيون (﴿بما استحفظوا﴾) أي استودعوا (﴿من كتاب الله﴾) من للتبيين والضمير في استحفظوا للأنبياء والربانيين والأحبار والاستحفاظ من الله أي كلفهم الله حفظه (﴿وكانوا عليه شهداء﴾) رقباء لئلا يبدل (﴿فلا تخشوا الناس واخشونِ﴾) نهي للحكام أن يخشوا غير الله في حكوماتهم ويداهنوا فيها خشية ظالم أو كبير (﴿ولا تشتروا بآياتي﴾) ولا تستبدلوا بأحكامي التي أنزلتها (﴿ثمنًا قليلاً ومن لم يحكم بما أنزل الله﴾) مستهينًا به (﴿فأولئك هم الكافرون﴾ [المائدة: ٤٤]) قال ابن عباس: من لم يحكم جاحدًا فهو كافر وإن لم يكن جاحدًا فهو فاسق ظالم (بما استحفظوا): أي (استودعوا من كتاب الله) وهذا ثابت في رواية المستملي وسقط لأبي ذر قوله يحكم بها النبيون الخ. (وقرأ) الحسن أيضًا (﴿وداود وسليمان﴾) أي واذكرهما (﴿إذ يحكمان في الحرث﴾) الزرع أو الكرم (﴿إذ نفشت فيه غنم القوم﴾) أي رعته ليلاً بلا راعٍ بأن انفلتت فأكلته وأفسدته (﴿وكنا لحكمهم﴾) أرادهما والمتحاكمين إليهما أو استعمل ضمير الجمع لاثنين (﴿شاهدين﴾) أي بعلمنا ومرأى منّا وكان داود ﵇ قد حكم بالغنم لأهل الحرث وكانت قيمة الغنم على قدر النقصان في الحرث فقال سليمان ﵇ وهو ابن إحدى عشرة سنة غير هذا أرفق بالفريقين فعزم عليه لتحكمن فقال: أرى أن تدفع الغنم إلى أهل الحرث ينتفعون بألبانها وأولادها وأصوافها والحرث إلى رب الغنم حتى يصلح الحرث ويعود لهيئته يوم أفسد ثم يترادّان فقال القضاء ما قضيت وأمضى الحكم بذلك (﴿ففهمناها﴾) أي الحكومة (﴿سليمان وكلاًّ﴾) منهما (﴿آتينا حكمًا﴾) نبوّة (﴿وعلمًا﴾) [الأنبياء: ٧٨، ٧٩] معرفة بموجب الحكم. قال الحسن: (فحمد) الله تعالى (سليمان) لموافقته الأرجح (ولم يلم داود) بفتح التحتية وضم اللام من اللوم لموافقته الراجح. وقال العيني: وفي نسخة ولم يذم بالذال المعجمة من الذم وتعقب بأن قول الحسن هذا لا يليق بمقام داود، فقد جمعهما الله تعالى في الحكم والعلم وميز سليمان بالفهم وهو علم خاص زاد على العام، والأصح أن داود أصاب الحكم وسليمان أرشد إلى الصلح. قال الحسن: (ولولا ما ذكر الله من أمر هذين) النبيين (لرأيت) بفتح الراء والهمزة جواب لو واللام فيه للتأكيد، ولأبي ذر عن الكشميهني: لرئيت بضم الراء وكسر الهمزة مشددة بعدها تحتية ساكنة مبنيًّا للمفعول، وسقط لأبي ذر أمر (أن القضاة) أي قضاة زمنه (هلكوا) لما تضمنه قوله تعالى: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله

стр. 7864

فأولئك هم الكافرون﴾ [المائدة: ٤٤] الشامل للعامد والمخطئ (فإنه) تعالى (أثنى على هذا) سليمان (بعلمه وعذر هذا) داود (باجتهاده) وفيه جواز الاجتهاد للأنبياء وإذ قلنا بجواز الاجتهاد لهم فهل يجوز عليهم الخطأ فيه واتفق الفريقان على أنه لو أخطأ في اجتهاده لم يقرّ على الخطأ. (وقال مزاحم بن زفر): بضم الميم وفتح الزاي المخففة وبعد الألف حاء مهملة وزفر بضم الزاي وفتح الفاء الكوفي (قال لنا عمر بن عبد العزيز) بن مروان الأموي أمير المؤمنين المعدود من الخلفاء الراشدين (خمس) من الخصال (إذا أخطأ القاضي منهن خصلة) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي خطة بخاء معجمة مضمومة وطاء مهملة مفتوحة مشددة (كانت) ولأبي ذر أيضًا عن الكشميهني خصلة كان (فيه وصمة). بفتح الواو وسكون الصاد المهملة بوزن تمرة أي عيب (أن يكون فهمًا) بكسر الهاء وللمستملي فقهًا والأولى أولى (حليمًا) يغضي على ما يؤذيه ولا يبادر بانتقامه (عفيفًا) يكف عن الحرام (صليبًا) بفتح المهملة وكسر اللام مخففة وبعد التحتية الساكنة موحدة بوزن عظيم من الصلابة أي قومًا شديدًا وقافًا عند الحق لا يميل إلى الهوى ويستخلص الحق من المبطل ولا يحابيه ولا ينافي هذا قوله حليمًا لأن ذاك في حق نفسه وهذا في حق غيره (عالمًا) بالحكم الشرعي ويدخل فيه قوله فقيهًا ففهمًا أولى من فقيهًا كما مرّ (سؤولاً) على وزن فعول أي كثير السؤال (عن العلم)، وهذا وصله سعيد بن منصور في سننه وابن سعد في طبقاته، وقوله سؤولاً من تتمة الخامس لأن كمال العلم لا يحصل إلا بالسؤال لأنه قد يظهر له ما هوى أقوى مما عنده. ١٧ - باب رِزْقِ الْحُكَّامِ وَالْعَامِلِينِ عَلَيْهَا وَكَانَ شُرَيْحٌ الْقَاضِى يَأْخُذُ عَلَى الْقَضَاءِ أَجْرًا وَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَأْكُلُ الْوَصِىُّ بِقَدْرِ عُمَالَتِهِ وَأَكَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ. (باب رزق الحكام) جمع حاكم من إضافة المصدر إلى المفعول (و) رزق (العاملين عليها) على الحكومات أو العاملين على الصدقات، وصوّب بقرينة ذكر الرزق والعاملين والرزق ما يرتبه الإمام من بيت المال لمن يقوم بمصالح المسلمين. وقال في المغرب: الفرق بين الرزق والعطاء أن الرزق ما يخرج للجندي من بيت المال في السنة مرة أو مرتين والعطاء ما يخرج له كل شهر. (وكان شريح) بضم الشين المعجمة آخره حاء مهملة ابن الحارث بن قيس النخعي الكوفي (القاضي) بالكوفة عن عمر بن الخطاب وهو من المخضرمين، بل قيل إن له صحبة روى ابن السكن أنه قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله إن لي أهل بيت ذوي عدد باليمن. قال: جيء بهم. قال: فجاء بهم والنبي ﷺ قد قبض، وعنه أنه قال: وليت القضاء لعمر وعثمان وعليّ فمن بعدهم إلى أن استعفيت من الحجاج وكان له يوم استعفى مائة وعشرون سنة وعاش بعد ذلك

стр. 7865

سنة. وقال ابن معين: كان في زمن النبي ﷺ ولم يسمع منه (يأخذ على القضاء أجرًا) بفتح الهمزة وسكون الجيم. وهذا وصله عبد الرزاق وسعيد بن منصور وإلى جواز أخذ القاضي الأجرة على الحكم ذهب الجمهور من أهل العلم من الصحابة وغيرهم لأنه يشغله الحكم عن القيام بمصالحه وكره طائفة كراهة تنزيه منهم مسروق ورخص فيه الشافعي وأكثر أهل العلم، وقال صاحب الهداية من الحنفية: وإذا كان القاضي فقيرًا فالأفضل بل الواجب أخذ كفايته، وإن كان غنيًّا فالأفضل الامتناع عن أخذ الرزق من بيت المال رفقًا ببيت المال، وقيل الأخذ هو الأصح صيانة للقضاء عن الهوان ونظرًا لمن يأتي بعده من المحتاجين ويأخذ بقدر الكفاية له ولعياله، وعن الإمام أحمد لا يعجبني وإن كان فبقدر عمله مثل وليّ اليتيم. (وقالت عائشة) ﵂: (يأكل الوصي) من اليتيم (بقدر عمالته) بضم العين وتخفيف الميم أجرة عمله بالمعروف بقدر حاجته وصله ابن أبي شيبة عنها في قوله تعالى: ﴿ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف﴾ [النساء: ٦] قالت: أنزل ذلك في مال اليتيم يقوم عليه بما يصلحه إن كان محتاجًا يأكل منه. (وأكل أبو بكر) الصديق ﵁ لما استخلف بعد أن قال كما أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة قد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤونة أهلي وقد شغلت بأمر المسلمين وأسنده البخاري في البيوع وبقيته فيأكل آل أبي بكر من هذا المال (و) كذا أكل (عمر) بن الخطاب ﵁ هو وأهله لما وليها، وقال فيما رواه ابن أبي شيبة وابن سعد: إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة قيم اليتيم إن استغنيت عنه تركت وإن افتقرت إليه أكلت بالمعروف وسنده صحيح. ٧١٦٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ أَخْبَرَنِى السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ ابْنُ أُخْتِ نَمِرٍ أَنَّ حُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ السَّعْدِىِّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ فِى خِلَافَتِهِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَلَمْ أُحَدَّثْ أَنَّكَ تَلِى مِنْ أَعْمَالِ النَّاسِ أَعْمَالاً فَإِذَا أُعْطِيتَ الْعُمَالَةَ كَرِهْتَهَا؟ فَقُلْتُ: بَلَى. فَقَالَ عُمَرُ: مَا تُرِيدُ إِلَى ذَلِكَ؟ قُلْتُ: إِنَّ لِى أَفْرَاسًا وَأَعْبُدًا وَأَنَا بِخَيْرٍ وَأَرِيدُ أَنْ تَكُونَ عُمَالَتِى صَدَقَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ قَالَ عُمَرُ: لَا تَفْعَلْ فَإِنِّى كُنْتُ أَرَدْتُ الَّذِى أَرَدْتَ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْطِينِى الْعَطَاءَ فَأَقُولُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّى حَتَّى أَعْطَانِى مَرَّةً مَالاً فَقُلْتُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّى فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ وَتَصَدَّقْ بِهِ، فَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ، وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ وَإِلاَّ فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ». وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) بضم الشين المعجمة وفتح العين مصغرًا ابن أبي حمزة الحافظ أبو بشر الحمصي مولى بني أمية (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (السائب بن يزيد) من الزيادة ابن سعيد بن ثمامة الكندي أو

стр. 7866

الأزدي الصحابي ابن الصحابي (ابن أخت نمر) بفتح النون وكسر الميم بعدها راء (ابن حويطب) بضم الحاء المهملة وفتح الواو وبعد التحتية الساكنة طاء مهملة مكسورة فموحدة (ابن عبد العزى) بضم العين المهملة وفتح الزاي المشددة الصنم المشهور العامري من مسلمة الفتح المتوفى بالمدينة سنة أربع وخمسين من الهجرة وله من العمر مائة وعشرون سنة (أخبره أن عبد الله) بن عبد شمس أو اسم أبيه عمرو (بن السعدي) واسمه وقدان وقيل له السعدي لأنه استرضع في بني سعد (أخبره أنه قدم على عمر في خلافته فقال له عمر: ألم أحدّث) بضم الهمزة وفتح الحاء والدال المشددة المهملتين آخره مثلثة (إنك تلي من أعمال الناس أعمالاً) بفتح الهمزة ولايات كإمرة وقضاء (فإذا أعطيت العمالة) بضم العين أجرة العمل وبفتحها نفس العمل (كرهتها فقلت) له: (بلى) وفي الجزء الثالث من فوائد أبي بكر النيسابوري من طريق الخراساني عن عبد الله بن السعدي قال: قدمت على عمر فأرسل إليّ بألف دينار فرددتها وقلت أنا عنها غني (فقال عمر) لي: (ما) ولأبي ذر فما (تريد إلى ذلك) أي ما غاية قصدك بهذا الرد؟ (قلت) ولأبي الوقت فقلت (إن لي أفراسًا وأعبدًا) بالموحدة المضمومة جمع عبد ولأبي ذر عن الكشميهني وأعتدا بالفوقية بدل الموحدة جمع عتيد مالاً مدّخرًا (وأنا بخير وأريد أن تكون عمالتي صدقة على المسلمين) تفسير لقوله فما تريد (قال) لي (عمر: لا تفعل) ذلك الرد (فإني كنت أردت) بالضم (الذي أردت) بالفتح من الردّ (وكان) وفي اليونينية فكان (رسول الله ﷺ يعطيني العطاء) من المال الذي يقسمه في المصالح (فأقول) يا رسول الله (أعطه) بقطع الهمزة المفتوحة (أفقر إليه مني حتى أعطاني مرة مالاً فقلت أعطه أفقر إليه مني) وضبب في اليونينية على قوله حتى أعطاني مرة مالاً الخ (فقال النبي) ولأبي ذر له النبي (¬ ﷺ ¬): (خذه فتموّله وتصدّق به) أمر إرشاد على الصحيح وهو يدل على أن التصدق به إنما يكون بعد القبض لأنه إذا ملك المال وتصدق به طيبة به نفسه كان أفضل من التصدق به قبل قبضه لأنه الذي يحصل بيده هو أحرص مما لم يدخل في يده (فما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف) بضم الميم وسكون المعجمة بعدها راء مكسورة ففاء غير طامع ولا ناظر إليه (ولا سائل) ولا طالب له (فخذه) ولا تردّه (وإلاّ فلا تتبعه نفسك) بضم الفوقية الأولى وسكون الثانية وكسر الموحدة وسكون العين أي إن لم يجئ إليك فلا تطلبه بل اتركه إلا لضرورة، والأصح تحريم الطلب على القادر على الكسب، وقيل يباح بشرط أن لا يذل نفسه ولا يلح في الطلب ولا يؤذي المسؤول، فإن فقد شرط من هذه الثلاثة حرم اتفاقًا. وهذا الحديث فيه أربعة من الصحابة، وأخرجه مسلم والنسائي وأبو داود في الزكاة. ٧١٦٤ - وَعَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ: حَدَّثَنِى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُعْطِينِى الْعَطَاءَ فَأَقُولُ أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّى، حَتَّى أَعْطَانِى مَرَّةً مَالاً

стр. 7867

فَقُلْتُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّى فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ وَتَصَدَّقْ بِهِ، فَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ، وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ». (وعن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب بالسند السابق أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (سالم بن عبد الله أن) أباه (عبد الله بن عمر قال: سمعت عمر) ﵁ زاد أبو ذر ابن الخطاب (يقول: كان النبي ﷺ يعطيني العطاء فأقول أعطه) بقطع الهمزة (أفقر إليه مني حتى أعطاني مرة مالاً فقلت) له يا رسول الله (أعطه من) أي الذي (هو أفقر إليه مني). قال في الكواكب: فصل بين أفعل وبين كلمة من لأن الفاصل ليس أجنبيًّا بل هو ألصق به من الصلة لأنه محتاج إليه بحسب جوهر اللفظ والصلة محتاج إليها بحسب الصيغة (فقال النبي ﷺ ¬): (خذه فتموّله وتصدق به) على مستحقه. قال ابن بطال: أشار ﷺ على عمر بالأفضل لأنه وإن كان مأجورًا بإيثاره لعطائه على نفسه من هو أفقر إليه فإن أخذه للعطاء ومباشرته الصدقة بنفسه أعظم لأجره، وهذا يدل على عظم فضل الصدقة بعد التموّل لما في النفوس من الشح على المال (فما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف) ناظر إليه (ولا سائل) له (فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك) وزاد سالم في رواية مسلم فمن أجل ذلك كان ابن عمر لا يسأل أحدًا شيئًا ولا يرد شيئًا أُعطيه. قال في الفتح: وهذا بعمومه ظاهر في أنه كان لا يرد ما فيه شبهة، وقد ثبت أنه كان يقبل هدايا المختار بن أبي عبيد الثقفي، وكان المختار غلب على الكوفة وطرد عمال عبد الله بن الزبير وأقام أميرًا عليها مدة في غير طاعة خليفة وتصرف فيما يتحصل منها من المال على ما يراه، ومع ذلك فكان ابن عمر يقبل هداياه وكان مستنده أن له حقًّا في بيت المال فلا يضره على أي كيفية يصل إليه أو كان يرى أن التَّبِعَة على الآخذ الأول وأن للمعطي المذكور مالاً أخر في الجملة وحقًّا في المال المذكور، فلما لم يتميز وأعطاه له عن طيب نفس دخل في عموم قوله ما أتاك من هذا المال من غير سؤال ولا استشراف فخذه فرأى أنه لا يستثنى من ذلك إلا ما كان حرامًا محضًا اهـ. ١٨ - باب مَنْ قَضَى وَلَاعَنَ فِى الْمَسْجِدِ وَلَاعَنَ عُمَرُ عِنْدَ مِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَضَى شُرَيْحٌ وَالشَّعْبِىُّ وَيَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ فِى الْمَسْجِدِ، وَقَضَى مَرْوَانُ عَلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ بِالْيَمِينِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، وَكَانَ الْحَسَنُ وَزُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى يَقْضِيَانِ فِى الرَّحَبَةِ خَارِجًا مِنَ الْمَسْجِدِ. (باب من قضى) في المسجد (ولاعن) حكم بإيقاع التلاعن بين الزوجين (في المسجد) والظرف يتعلق بالقضاء والتلاعن فهو من باب تنازع الفعلين أو يتعلق بقضى لدخول لاعن فيه فإنه من عطف الخاص على العام.

стр. 7868

(ولاعن) أي: وقضى بالتلاعن بين الزوجين (عمر) في المسجد (عند منبر النبي ﷺ ¬) مبالغة في التغليظ. (وقضى شريح) القاضي فيما وصله ابن أبي شيبة (و) كذا قضى (الشعبي) عامر بن شراحيل فيما وصله سعيد بن عبد الرحمن المخزومي في جامع سفيان (ويحيى بن يعمر) بفتح التحتية والميم فيما وصله ابن أبي شيبة الثلاثة (في المسجد) وكان قضاء الشعبي جلد يهودي. (وقض مروان) بن الحكم (على زيد بن ثابت باليمين عند المنبر) ولأبي ذر عن الكشميهني على المنبر. وهذا طرف من أثر سبق في الشهادات. (وكان الحسن) البصري (وزرارة) بضم الزاي بعدها راءان بينهما ألف (ابن أوفى) بفتح الهمزة والفاء بينهما واو ساكنة العامري قاضي البصرة فيما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق المثنى بن سعيد قال رأيتهما (يقضيان في الرحبة) الساحة والمكان يكون (خارجًا من المسجد) ولفظ ابن أبي شيبة يقضيان في المسجد، والراجح أن للرحبة حكم المسجد فيصح فيها الاعتكاف وهي في الفرع بسكون الحاء وفي غيره بفتحها فالتي بسكونها مدينة مشهورة. قال في الفتح: والذي يظهر من مجموع هذه الآثار أن المراد بالرحبة هنا الرحبة المنسوبة للمسجد. ٧١٦٥ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ الزُّهْرِىُّ: عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: شَهِدْتُ الْمُتَلَاعِنَيْنِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا. وبه قال: (حدّثنا عليّ بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال الزهري) محمد بن مسلم: (عن سهل بن سعد) بسكون الهاء والعين فيهما الساعدي الأنصاري ﵁ أنه (قال: شهدت) حضرت (المتلاعنين) بفتح النون عويمرًا وخولة بنت قيس (وأنا ابن خمس عشرة فرق بينهما) بضم الفاء وكسر الراء مشددة ولأبي ذر عن الكشميهني خمس عشرة سنة وفرق بينهما. والحديث أخرجه في اللعان مطوّلاً. ٧١٦٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِى ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَهْلٍ أَخِى بَنِى سَاعِدَةَ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلاً وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً أَيَقْتُلُهُ؟ فَتَلَاعَنَا فِى الْمَسْجِدِ وَأَنَا شَاهِدٌ. وبه قال: (حدّثنا يحيى) بن جعفر بن أعين البيكندي أو هو يحيى بن موسى بن عبد ربه المشهور بخت قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام قال: (أخبرنا ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز أبو الوليد وأبو خالد القرشي مولاهم المكي الفقيه أحد الأعلام قال: (أخبرني) بالإفراد

стр. 7869

(ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن سهل) أي ابن سعد (أخي بني ساعدة) أي واحد منهم وساعة ينسب إلى ساعة بن كعب بن الخزرج (أن رجلاً من الأنصار) اسمه عويمر (جاء إلى النبي ﷺ فقال): يا رسول الله (أرأيت رجلاً) الهمزة للاستفهام ورأيت العلمية بمعنى أخبرني ولذلك يجوز في الهمزة من رأيت التسهيل قال: أريت إن جاءت به أملودا … مرجلاً ويلبس البرودا قال في المجيد: ونص سيبويه والأخفش والفراء والفارسي وابن كيسان وغيرهم على أن أرأيت وأرأيتك بمعنى أخبرني وهو تفسير معنوي قالوا: فتقول العرب أرأيت زيدًا ما صنع فيلزم المفعول الأوّل النصب، ولا يرفع على تعليق أرأيت لأنها بمعنى أخبرني وأخبرني لا تعلق، والجملة الاستفهامية في موضع المفعول الثاني بخلافها إذا كانت بمعنى علمت فيجوز تعليقها أي: أخبرني عن رجل (وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد) فيه جواز اللعان في المسجد وإن كان الأولى صيانة المسجد، وقد استحب القضاء في المسجد طائفة. وقال مالك هو الأمر القديم لأنه يصل إلى القاضي فيه المرأة والضعيف وإذا كان في منزله لم يصل إليه الناس لإمكان الاحتجاب وكرهت ذلك طائفة. وقال إمامنا الشافعي: أحب إليّ أن يقضى في غير المسجد. والحديث سبق مطوّلاً. ١٩ - باب مَنْ حَكَمَ فِى الْمَسْجِدِ حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حَدٍّ أَمَرَ أَنْ يُخْرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ فَيُقَامَ وَقَالَ عُمَرُ: أَخْرِجَاهُ مِنَ الْمَسْجِدِ وَضَرَبَهُ وَيُذْكَرُ، عَنْ عَلِىٍّ نَحْوُهُ. (باب من حكم في المسجد) من غير أن يكره ذلك (حتى إذا أتى على حدّ) من الحدود (أمر أن يخرج) من استحق الحد (من المسجد) إلى خارجه (فيقام) عليه الحدّ ثَمَّ خوف تأذي مَن بالمسجد وتعظيمًا للمسجد. (وقال عمر) بن الخطاب ﵁ فيما وصله ابن أبي شيبة وعبد الرزاق بسند على شرط الشيخين (أخرجاه) أي الذي وجب عليه الحد (من المسجد) زاد أبو ذر وضربه أي أمر بضربه. (ويذكر) بضم أوّله وفتح الكاف بصيغة التمريض (عن علي) هو ابن أبي طالب (نحوه) أي نحو ما ذكر عن عمر وصله ابن أبي شيبة بسند فيه مقال عن معقل بالعين والقاف بلفظ: إن رجلاً جاء إلى علي فسارّه فقال: يا قنبر أخرجه من المسجد فأقم عليه الحد. ٧١٦٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِى اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ فِى الْمَسْجِدِ فَنَادَاهُ

стр. 7870

فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى زَنَيْتُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعًا قَالَ: «أَبِكَ جُنُونٌ»؟ قَالَ: لَا. قَالَ: «اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ». قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِى مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ بِالْمُصَلَّى. رَوَاهُ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِى الرَّجْمِ. وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير بضم الموحدة وفتح الكاف المصري قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (وسعيد بن المسيب) بن حزن الإمام أبي محمد المخزومي سيد التابعين (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال أتى رجل) اسمه ماعز (رسول الله ﷺ وهو في المسجد) حال من رسول الله وجملة (فناداه) عطف على أتى وفاعل فنادى ضمير الرجل وضمير المفعول يعود على النبي ﷺ (فقال: يا رسول الله إني زنيت) مقول للقول واسم المزني بها فاطمة وقيل منيرة وقيل مهيرة (فأعرض عنه) النبي ﷺ كراهية سماع ذلك وسترًا له إذ لم يحضر مَن يشهد عليه (فلما شهد) أي أقر (على نفسه أربعًا قال) له: (أبك جنون)؟ بهمزة الاستفهام وجنون مبتدأ والمجرور متعلق بالخبر والمسوّغ للابتداء بالنكرة تقدم الخبر في الظرف وهمزة الاستفهام (قال: لا) ليس بي جنون (قال) صلوات الله وسلامه عليه (اذهبوا به) من المسجد (فارجموه). لأنه كان محصنًا. وفي رواية أخرى في الحدود قال: "فهل أحصنت"؟ قال: نعم والباء في به للتعدية أو الحال أي اذهبوا به مصاحبين له، وإنما أمر بإخراجه من المسجد لأن الرجم فيه يحتاج إلى قدر زائد من حفر وغيره مما لا يناسب المسجد فلا يلزم من تركه فيه ترك إقامة غيره من الحدود فليتأمل مع الترجمة. وقد ذهب إلى المنع من إقامة الحدود في المسجد الكوفيون والشافعي وأحمد وعند ابن ماجة من حديث واثلة: جنّبوا مساجدكم إقامة حدودكم الحديث. وربما يخرج من المحدود دم فيتلوّث المسجد وقال مالك: لا بأس بالضرب بالسياط اليسيرة فإذا كثرت الحدود فخارج المسجد. (قال ابن شهاب) محمد بن مسلم بالسند المذكور (فأخبرني) بالإفراد (من سمع جابر بن عبد الله) الأنصاري والذي أخبر ابن شهاب أبو سلمة بن عبد الرحمن كما وقع التنبيه عليه في الحدود أنه (قال: كنت فيمن رجمه بالمصلّى) مكان صلاة العيد والجنائز (رواه) أي الحديث (يونس) بن يزيد (ومعمر) هو ابن راشد فيما وصله عنهما المؤلّف في الحدود (وابن جريج) عبد الملك مما وصله أيضًا فيه الثلاثة (عن الزهري عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن جابر عن النبي ﷺ في الرجم) فخالفوا عقيلاً في الصحابي فإنه جعل أصل الحديث من رواية أبي سلمة عن أبي هريرة وهؤلاء جعلوه من رواية جابر.

стр. 7871

٢٠ - باب مَوْعِظَةِ الإِمَامِ لِلْخُصُومِ (باب موعظة الإمام للخصوم) عند الدعوى. ٧١٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَىَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِى نَحْوَ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ». وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) بن قعنب أبو عبد الرحمن الحارثي القعنبي (عن مالك) الإمام الأعظم (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن زينب ابنة) ولأبي ذر بنت (أبي سلمة عن أم سلمة) هند أم المؤمنين (﵂ أن رسول الله ﷺ قال): (انما أنا) بالنسبة إلى الاطّلاع على بواطن الخصوم (بشر) لا بالنسبة إلى كل شيء فإن له ﷺ أوصافًا أُخر والحصر مجازي لأنه حصر خاص أي باعتبار علم البواطن ومعلوم أنه ﷺ بشر وإنما قال ذلك توطئة لقوله (وإنكم تختصمون إليّ) بتشديد الياء فلا أعلم بواطن أموركم كما هو مقتضى أصل الخلقة البشرية (ولعل بعضكم أن يكون ألحن) بالحاء المهملة أبلغ في الإتيان (بحجته من بعض) وهو كاذب (فأقضي) أي له بسبب كونه ألحن بحجته (نحو ما أسمع) منه، ولأبي ذر عن الحموي على نحو ما أسمع (فمن قضيت له بحق أخيه) أي المسلم وكذا الذمي ومن في قوله فمن قضيت شرطية، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: من حق أخيه (شيئًا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار). أي فإنما أقضي له بشيء حرام يؤول إلى النار كما قال تعالى: ﴿إنما يأكلون في بطونهم نارًا﴾ [النساء: ١٠] وفيه أنه ﵊ لا يعلم بواطن الأمور إلا أن يطلعه الله على ذلك وأنه يحكم بالظاهر، ولم يطلعه الله تعالى على حقيقة الأمر في ذلك حتى لا يحتاج إلى بيّنة ويمين تعليمًا لتقتدي به أمته فإنه لو حكم في القضايا بيقينه الحاصل من الغيب لما أمكن الحكم لأمته من بعده، ولما كان الحكم بعده مما لا بدّ منه أجرى أحكامه على الظاهر وأمر أمته بالاقتداء به فإذا حكم بما يخالف الباطن لا يجوز للمقضي له أخذ ما قضي له به وفيه دلالة على صحة مذهب مالك والشافعي وأحمد وجماهير علماء الأمصار أن حكم الحاكم إنما ينفذ ظاهرًا لا باطنًا، وأنه لا يحل حرامًا ولا يحرّم حلالاً بخلاف أبي حنيفة حيث قال: إن حكمه ينفذ ظاهرًا وباطنًا في العقود والفسوخ وسيكون لنا عودة إلى مباحث ذلك إن شاء الله تعالى في باب من قضي له بحق أخيه فلا يأخذه بعون الله سبحانه. ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة فينبغي للحاكم أن يعظ الخصمين ويحذرهما من الظلم وطلب الباطل اقتداء به ﷺ . قال في الفتح: وفي الحديث أن التعمق في البلاغة بحيث يحصل اقتدار صاحبها على تزيين

стр. 7872

الباطل في صورة الحق وعكسه مذموم ولو كان ذلك في التوصل إلى الحق لم يذم، وإنما يذم من ذلك ما يتوصل به إلى الباطل في صورة الحق فالبلاغة إذًا لا تذم لذاتها وإنما تذم بحسب المتعلق الذي قد يمدح بسببه وهي في حدّ ذاتها ممدوحة، وهذا كما يذم صاحبها إذا طرأ عليه بسببها الإعجاب وتحقير غيره ممن لم يصل إلى درجته ولا سيما إن كان الغير من أهل الصلاح فإن البلاغة إنما تذم من هذه الحيثية بحسب ما ينشأ عنها من الأمور الخارجية عنها، ولا فرق في ذلك بين البلاغة وغيرها، بل كل فطنة توصل إلى المطلوب محمودة في حد ذاتها وقد تذم أو تمدح بحسب متعلقها. واختلف في تعريف البلاغة فقيل: أن يبلغ بعبارة لسانه كنه ما في قلبه، وقيل إيصال المعنى إلى الغير بأحسن لفظ أو هي الإيجاز مع الإفهام والتصرف من غير إضمار، أو هي قليل لا يبهم وكثير لا يسأم، أو هي إجمال اللفظ واتساع المعنى، وقيل هي النطق في موضعه والسكوت في موضعه، وهذا كله عن المتقدمين. وعرّف أهل المعاني والبيان البلاغة بأنها مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع الفصاحة وهي خلوّه من التعقيد. ٢١ - باب الشَّهَادَةِ تَكُونُ عِنْدَ الْحَاكِمِ فِى وِلَايَتِهِ الْقَضَاءِ أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ لِلْخَصْمِ وَقَالَ شُرَيْحٌ الْقَاضِى: وَسَأَلَهُ إِنْسَانٌ الشَّهَادَةَ فَقَالَ: ائْتِ الأَمِيرَ حَتَّى أَشْهَدَ لَكَ وَقَالَ عِكْرِمَةُ: قَالَ عُمَرُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ لَوْ رَأَيْتَ رَجُلاً عَلَى حَدٍّ زِنًا أَوْ سَرِقَةٍ وَأَنْتَ أَمِيرٌ فَقَالَ: شَهَادَتُكَ شَهَادَةُ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ: صَدَقْتَ قَالَ عُمَرُ: لَوْلَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ زَادَ عُمَرُ فِى كِتَابِ اللَّهِ لَكَتَبْتُ آيَةَ الرَّجْمِ بِيَدِى وَأَقَرَّ مَاعِزٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِالزِّنَا أَرْبَعًا فَأَمَرَ بِرَجْمِهِ وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَشْهَدَ مَنْ حَضَرَهُ وَقَالَ حَمَّادٌ: إِذَا أَقَرَّ مَرَّةً عِنْدَ الْحَاكِمِ رُجِمَ وَقَالَ الْحَكَمُ: أَرْبَعًا. (باب) حكم (الشهادة) التي (تكون عند الحاكم في) زمان (ولايته القضاء) ولأبي ذر في ولاية القضاء (أو قبل ذلك) أي قبل ولايته القضاء (للخصم) متعلق بالشهادة أي للخصم الذي هو أحد الخصمين فهل يقضي له على خصمه لعلمه بذلك أو يشهد له عند قاض آخر. (وقال شريح القاضي وسأله إنسان الشهادة) على شيء كان أشهده عليه ثم جاء فخاصم إليه (فقال) له شريح ولأبي ذر قال: (ائت الأمير حتى أشهد لك) عليه عنده ولم يحكم فيها بعلمه. وهذا وصله سفيان الثوري في جامعه عن عبد الله بن شبرمة عن الشعبي عنه ولم يسم الأمير. (وقال عكرمة) مولى ابن عباس ﵄ فيما وصله الثوري أيضًا وابن أبي شيبة عن عبد الكريم الجزري عن عكرمة (قال عمر) بن الخطاب ﵁ (لعبد الرحمن بن عوف) ﵁ وكان عند عمر شهادة في آية الرجم وهي الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما نكالاً من الله أنها من القرآن فلم يلحقها في المصحف بشهادته وحده (لو رأيت رجلاً) بفتح التاء (على

стр. 7873

حدّ زنًا أو سرقة وأنت أمير) أكنت تقيمه عليه؟ قال: لا حتى يشهد معي غيري (فقال) عمر لعبد الرحمن (شهادتك شهادة رجل) واحد (من المسلمين. قال: صدقت. قال عمر) ﵁ مفصحًا بالعلة لكونه لم يلحق آية الرجم بالمصحف بمجرّد علمه وحده (لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبت آية الرجم بيدي) في المصحف، فأشار إلى أن ذلك من قطع الذرائع لئلا يجد حكام السوء سبيلاً إلى أن يدّعوا العلم لمن أحبواه الحكم بشيء. وقوله قال عمر هو طرف من حديث أخرجه مالك في موطئه وعكرمة لم يدرك عبد الرحمن بن عوف فضلاً عن عمر فهو منقطع. (وأقرّ ماعز عند النبي ﷺ بالزنا أربعًا) أي أقر أربع مرات (فأمر برجمه) بإقراره (ولم يذكر) بضم التحتية وفتح الكاف (أن النبي ﷺ أشهد) على ماعز (من حضره) وقد سبق موصولاً في غير ما موضع وأشار به إلى الردّ على من قال لا يقضي بإقرار الخصم حتى يدعو شاهدين يحضران إقراره. (وقال حماد) هو ابن أبي سليمان فقيه الكوفة (إذا أقر) زان (مرة) واحدة (عند الحاكم رجم) بغير بيّنة ولا إقرار أربعًا. (وقال الحكم) بفتحتين ابن عتيبة فقيه الكوفة أيضًا لا يرجم حتى يقر (أربعًا) وصل القولين ابن أبي شيبة من طريق شعبة. ٧١٧٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِى مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِى قَتَادَةَ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ: «مَنْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى قَتِيلٍ قَتَلَهُ فَلَهُ سَلَبُهُ» فَقُمْتُ لأَلْتَمِسَ بَيِّنَةً عَلَى قَتِيلٍ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا يَشْهَدُ لِى، فَجَلَسْتُ ثُمَّ بَدَا لِى فَذَكَرْتُ أَمْرَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ: سِلَاحُ هَذَا الْقَتِيلِ الَّذِى يَذْكُرُ عِنْدِى قَالَ: فَأَرْضِهِ مِنْهُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَلاَّ لَا يُعْطِهِ أُصَيْبِغَ مِنْ قُرَيْشٍ وَيَدَعَ أَسَدًا مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ قَالَ: فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَدَّاهُ إِلَىَّ فَاشْتَرَيْتُ مِنْهُ خِرَافًا، فَكَانَ أَوَّلَ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ قَالَ لِى عَبْدُ اللَّهِ: عَنِ اللَّيْثِ فَقَامَ النَّبِىُّ ﷺ فَأَدَّاهُ إِلَىَّ وَقَالَ أَهْلُ الْحِجَازِ: الْحَاكِمُ لَا يَقْضِى بِعِلْمِهِ شَهِدَ بِذَلِكَ فِى وِلَايَتِهِ أَوْ قَبْلَهَا، وَلَوْ أَقَرَّ خَصْمٌ عِنْدَهُ لآخَرَ بِحَقٍّ فِى مَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَقْضِى عَلَيْهِ فِى قَوْلِ بَعْضِهِمْ حَتَّى يَدْعُوَ بِشَاهِدَيْنِ، فَيُحْضِرَهُمَا إِقْرَارَهُ وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِرَاقِ: مَا سَمِعَ أَوْ رَآهُ فِى مَجْلِسِ الْقَضَاءِ قَضَى بِهِ وَمَا كَانَ فِى غَيْرِهِ لَمْ يَقْضِ إِلاَّ بِشَاهِدَيْنِ وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: بَلْ يَقْضِى بِهِ لأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ، وَإِنَّمَا يُرَادُ مِنَ الشَّهَادَةِ مَعْرِفَةُ الْحَقِّ فَعِلْمُهُ أَكْثَرُ مِنَ الشَّهَادَةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَقْضِى بِعِلْمِهِ فِى الأَمْوَالِ وَلَا يَقْضِى فِى غَيْرِهَا وَقَالَ الْقَاسِمُ: لَا يَنْبَغِى لِلْحَاكِمِ أَنْ يُمْضِىَ قَضَاءً بِعِلْمِهِ دُونَ عِلْمِ غَيْرِهِ مَعَ أَنَّ عِلْمَهُ أَكْثَرُ مِنْ شَهَادَةِ غَيْرِهِ وَلَكِنَّ فِيهِ تَعَرُّضًا لِتُهَمَةِ نَفْسِهِ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِيقَاعًا لَهُمْ فِى الظُّنُونِ وَقَدْ كَرِهَ النَّبِىُّ ﷺ الظَّنَّ فَقَالَ: «إِنَّمَا هَذِهِ صَفِيَّةُ».

стр. 7874

وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا الليث) إمام أهل مصر ولأبي ذر الليث بن سعد (عن يحيى) بن سعيد الأنصاري (عن عمر) بضم العين (ابن كثير) بالمثلثة مولى أبي أيوب الأنصاري (عن أبي محمد) نافع (مولى أبي قتادة أن أبا قتادة) الحارث الأنصاري الخزرجي ﵁ (قال: قال رسول الله ﷺ يوم حنين) بضم الحاء المهملة ونونين أولاهما مفتوحة بينهما تحتية ساكنة: (من له بينة على قتيل قتله فله سلبه) بفتح السين المهملة واللام بعدها موحدة ما معه من المال من الثياب والأسلحة وغيرهما قال أبو قتادة (فقمت لألتمس) لأطلب (بينة على قتيل) قتلته ولأبي ذر على قتيلي بتحتية ساكنة بعد اللام (فلم أر أحدًا يشهد لي) على قتله (فجلست ثم بدا لي فذكرت أمره إلى رسول الله ﷺ فقال رجل من جلسائه): لم يسم أو هو أسود بن خزاعي الأسلمي كما عند الواقدي (سلاح هذا القتيل الذي يذكر) أبو قتادة (عندي) وفي الخمس من الجهاد فقال رجل صدق يا رسول الله وسلبه عندي (قال) ﷺ للرجل (فأرضه منه) بقطع الهمزة وكسر الهاء ولأبي ذر عن الكشميهني مني (فقال أبو بكر) الصديق ﵁: (كلا) كلمة ردع (لا يعطه) بضم التحتية وكسر الطاء المهملة والهاء أبو قتادة (أصيبغ من قريش) بضم الهمزة وفتح الصاد المهملة وبعد التحتية الساكنة موحدة مكسورة فغين معجمة منصوب مفعول ثان ليعطه نوع من الطير ونبات ضعيف كالثمام، ولأبي ذر أضيبع بالضاد المعجمة والعين المهملة المنصوبة المنوّنة في اليونينية تصغير الضبع (ويدع أسدًا من أُسد الله) بضم الهمزة وسكون السين المهملة وكأنه لما عظم أبًا قتادة بأنه أسد من أسد الله صغر ذاك القرشي وشبهه بالأضيبع لضعف افتراسه بالنسبة إلى الأسد (يقاتل عن الله ورسوله) في موضع نصب صفة أسدًا (قال) أبو قتادة (فأمر رسول الله ﷺ ¬) الرجل الذي عنده السلب ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فقام رسول الله ﷺ وللأصيلي وأبي ذر عن الكشميهني فحكم رسول الله ﷺ أي أن السلب لي (فأدّاه إليّ) بتشديد الياء فأخذته فبعته من حاطب بن أبي بلتعة بسبع أواق (فاشتريت منه خرافًا) بكسر الخاء المعجمة وفتح الراء مخففة وبعد الألف فاء بستانًا (فكان) هو (أول مال تأثلته) بمثلثة مشددة اتخذته أصل المال واقتنيته وإنما حكم ﷺ بذلك مع طلبه أولاً البيّنة لأن الخصم اعترف مع أنه المال لرسول الله ﷺ يعطيه من يشاء. والحديث سبق في البيوع والخمس. قال المؤلّف: (قال عبد الله) بن صالح كاتب الليث بن سعد وللكشميهني قال لي عبد الله (عن الليث) بن سعد الإمام (فقام النبي ﷺ فأدّاه) أي السلب (إليّ) بتشديد الياء وفيه تنبيه على أن رواية قتيبة لو كانت فقام لم يكن لذكر رواية عبد الله بن صالح معنى قال بعضهم: وليس في إقرار ماعز عنده ﷺ ولا حكمه بالرجم دون أن يشهد من حضره ولا في إعطائه السلب لأبي قتادة حجة للقضاء بالعلم لأن ماعزًا إنما أقرّ بحضرة الصحابة، إذ من المعلوم أنه ﷺ لا يقعد

стр. 7875

وحده فلم يحتج ﷺ أن يشهدهم على إقراره لسماعهم منه ذلك وكذلك قصة أبي قتادة. (وقال أهل الحجاز): مالك ومن تبعه في ذلك (الحاكم لا يقضي بعلمه شهد بذلك في) وقت (ولايته أو قبلها) لوجود التهمة ولو فتح هذا الباب لوجد قاضي السوء سبيلاً إلى قتل عدوّه وتفسيقه والتفريق بينه وبين من يحبه ومن ثم قال الشافعي لولا قضاة السوء لقلت إن للحاكم أن يحكم بعلمه (ولو أقرّ خصم عنده) عند الحاكم (لآخر بحق في مجلس القضاء فإنه لا يقضي عليه) بفتح التحتية وكسر الضاد المعجمة (في قول بعضهم حتى يدعو) الحاكم (بشاهدين فيحضرهما إقراره) أي إقرار الخصم وهذا قول ابن القاسم وأشهب. (وقال بعض أهل العراق): أبو حنيفة ومن تبعه (ما سمع) القاضي (أو رآه في مجلس القضاء قضى به وما كان غيره) غير مجلس القضاء (لم يقض) فيه (إلا بشاهدين) يحضرهما إقراره ووافقهم مطرف وابن الماجشون وأصبغ وسحنون من المالكية. (وقال آخرون منهم) من أهل العراق أبو يوسف ومن تبعه (بل يقضي به) بدون شاهدين (لأنه مؤتمن) بفتح الميم الثانية (وإنما) ولأبي ذر عن الكشميهني وأنه (يراد من الشهادة معرفة الحق فعلمه أكثر من الشهادة) أكثر بالمثلثة (وقال بعضهم) أي بعض أهل العراق (يقضي) القاضي (بعلمه في الأموال ولا يقضي) بعلمه (في غيرها) فلو رأى رجلاً يزني مثلاً لم يقض بعلمه حتى تكون بيّنة تشهد بذلك عنده وهو منقول عن أبي حنيفة وأبي يوسف. (وقال القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵃ لأنه إذا أطلق يكون المراد، لكن رأيت في هامش فرع اليونينية وأصلها أنه ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود فيما قاله أبو ذر الحافظ. وقال في الفتح: كنت أظنه ابن محمد بن أبي بكر لأنه إذا أطلق في الفروع الفقهيه انصرف الذهن إليه، لكن رأيت في رواية عن أبي ذر أنه ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود فإن كان كذلك فقد خالف أصحابه الكوفيين ووافق أهل المدينة في هذا الحكم وتعقبه العيني فقال: الكلام في صحة رواية أبي ذر على أن هذه المسألة فقهية وحيثما أطلق فالمراد به ابن محمد بن أبي بكر، ولئن سلمنا صحة رواية أبي ذر فإطباق الفقهاء على أنه إذا أطلق يراد به ابن محمد بن أبي بكر أرجح من كلام غيرهم كذا قال فليتأمل. ومقول قول القاسم (لا ينبغي للحاكم أن يمضي) بضم التحتية وسكون الميم، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: أن يقضي بفتح التحتية وبالقاف بدل الميم (قضاء بعلمه دون علم غيره مع أن علمه أكثر) بالمثلثة (من شهادة غيره ولكنّ) بتشديد النون (فيه) أي في القضاء بعلمه دون بيّنة (تعرضًا لتهمة نفسه عند المسلمين وإيقاعًا لهم في الظنون) الفاسدة به وإيقاعًا نصب عطفًا على تعرضًا، ولأبي الوقت: ولكن بالتخفيف فيه تعرض بالرفع مبتدأ خبره قوله فيه مقدمًا وإيقاع عطف على تعرض أو نصب على أنه مفعول معه والعامل فيه متعلق الظرف. (وقد كره النبي ﷺ الظن فقال) في الحديث اللاحق: (إنما هذه صفية).

стр. 7876

٧١٧١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأوَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ حُسَيْنٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَتَتْهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَىٍّ، فَلَمَّا رَجَعَتِ انْطَلَقَ مَعَهَا فَمَرَّ بِهِ رَجُلَانِ مِنَ الأَنْصَارِ فَدَعَاهُمَا فَقَالَ: «إِنَّمَا هِىَ صَفِيَّةُ» قَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِى مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ». رَوَاهُ شُعَيْبٌ وَابْنُ مُسَافِرٍ، وَابْنُ أَبِى عَتِيقٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عَلِىٍّ - يَعْنِى ابْنَ حُسَيْنٍ -، عَنْ صَفِيَّةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وبه قال: (حدّثنا عد العزيز بن عبد الله الأويسي) وسقط الأويسي لغير أبي ذر قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف وسقط ابن سعد لغير أبي ذر (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عليّ بن حسين) بضم الحاء ابن علي بن أبي طالب الملقب بزين العابدين التابعي (أن النبي ﷺ أتته صفية بنت حيي) ﵂ وهو معتكف في المسجد تزوره (فلما رجعت انطلق معها) ﵊ (فمرّ به رجلان من الأنصار) لم يسميا (فدعاهما) ﷺ (فقال) لهما: (إنما هي صفية. قالا: سبحان الله) تعجبًا (قال) ﵇: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم) يوسوس فخفت أن يوقع في قلوبكما شيئًا من الظن الفاسد فتأثمان فقلته دفعًا لذلك، وعن الشافعي أنه قال: أشفق عليهما من الكفر لو ظنًّا به ظن التهمة. وهذا الحديث مرسل لأن عليًّا تابعي ولذا عقبه المؤلّف بقوله (رواه شعيب) بضم الشين ابن أبي حمزة مما رواه المؤلّف في الاعتكاف والأدب (وابن مسافر) هو عبد الرحمن بن خالد بن مسافر الفهمي مولى الليث بن سعد مما وصله في الصوم وفرض الخمس (وابن أبي عتيق) هو محمد بن عتيق الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق مما وصله في الاعتكاف (وإسحاق بن يحيى) الحمصي فيما وصله الذهلي في الزهريات أربعتهم (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن علي يعني ابن حسين) وسقط لأبي ذر يعني ابن حسين (عن صفية عن النبي- ﷺ ¬). ورواه عن الزهري أيضًا معمر فاختلف عليه في وصله وإرساله فسبق موصولاً في صفة إبليس ومرسلاً في الخمس. فإن قلت: ما وجه الاستدلال بحديث صفية على منع الحكم بالعلم؟ أجيب: من كونه ﷺ كره أن يقع في قلب الأنصاريين من وسوسة الشيطان شيء فمراعاة نفي التهمة عنه مع عصمته تقتضي مراعاة نفي التهمة عمن هو دونه. ٢٢ - باب أَمْرِ الْوَالِى إِذَا وَجَّهَ أَمِيرَيْنِ إِلَى مَوْضِعٍ أَنْ يَتَطَاوَعَا وَلَا يَتَعَاصَيَا (باب أمر الوالي إذا وجه أميرين إلى موضع أن يتطاوعا ولا يتعاصيا) بعين وصاد مهملتين وتحتية. قال في الفتح: ولبعضهم بمعجمتين وموحدة.

стр. 7877

٧١٧٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا الْعَقَدِىُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى بُرْدَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِى قَالَ: بَعَثَ النَّبِىُّ ﷺ أَبِى وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ عَلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: «يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا» فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: إِنَّهُ يُصْنَعُ بِأَرْضِنَا الْبِتْعُ فَقَالَ «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ». وَقَالَ النَّضْرُ وَأَبُو دَاوُدَ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَوَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشددة بندار العبدي قال: (حدّثنا العقدي) بفتح العين والقاف عبد الملك بن عمرو بن قيس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن سعيد بن أبي بردة) بكسر العين في الأول وضم الموحدة وسكون الراء (قال: سمعت أبي) أبا بردة عامر بن عبد الله أبي موسى الأشعري التابعي (قال: بعث النبي ﷺ أبي) أبا موسى الأشعري (ومعاذ بن جبل) ﵄ قاضيين (إلى اليمن) قبل حجة الوداع زاد في بعث أبي موسى ومعاذ أواخر المغازي وبعث كل واحد منهما على مخلاف قال: واليمن مخلافان (فقال) ﷺ لهما: (يسرا) خذا بما فيه اليسر (ولا تعسرا) والأخذ باليسر عين ترك العسر (وبشرا) بما فيه تطييب النفوس (ولا تنفرا) وهذا من باب المقابلة المعنوية إذ الحقيقة أن يقال: بشرا ولا تنذرا وآنسا ولا تنفرا فجمع بينهما ليعم البشارة والنذارة والتأنيس والتنفير فهو من باب المقابلة المعنوية قاله في شرح المشكاة. وسبق في المغازي مزيد لذلك (وتطاوعا) يعني كونا متفقين في الحكم ولا تختلفا فإن اختلافكما يؤدي إلى اختلاف أتباعكما وحينئذ تقع العداوة والمحاربة بينهم وفيه عدم الحرج والتضييق في أمور الملة الحنيفية السمحة كما قال تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨] (فقال له) أي للنبي ﷺ (أبو موسى) ﵁: يا رسول الله (إنه يصنع بأرضنا) باليمن (البتع) بكسر الموحدة وسكون الفوقية بعدها عين مهملة نبيذ العسل (فقال) ﷺ : (كل مسكر حرام). والحديث مرسل لأن أبا بردة تابعي كما مرّ. والحديث سبق في أواخر المغازي ولكونه مرسلاً عقبه المؤلّف بقوله: (وقال النضر): بفتح النون وسكون الضاد المعجمة ابن شميل المازني (وأبو داود) سليمان بن داود الطيالسي (ويزيد بن هارون) الواسطي (ووكيع) بكسر الكاف ابن الجراح الأربعة (عن شعبة) بن الحجاج (عن سعيد) ولأبي ذر زيادة ابن أبي بردة (عن أبيه عن جده) جد أبي سعيد أبي موسى الأشعري ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) ورواية الأولين والأخير في أواخر المغازي ورواية يزيد وصلها أبو عوانة في صحيحه.

стр. 7878

٢٣ - باب إِجَابَةِ الْحَاكِمِ الدَّعْوَةَ وَقَدْ أَجَابَ عُثْمَانُ عَبْدًا لِلْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ (باب إجابة الحاكم الدعوة) بفتح الدال إلى الوليمة وهي الطعام الذي يعمل في العرس. (وقد أجاب عثمان بن عفان) ﵁ (عبدًا) لم يسم (للمغيرة بن شعبة) دعاه وهو صائم وقال: أردت أن أجيب الداعي وأدعو بالبركة كذا وصله أبو محمد بن صاعد في زوائد البر والصلة لابن المبارك بسند صحيح وسقط ابن عفان لغير أبي ذر. ٧١٧٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِى مَنْصُورٌ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ أَبِى مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فُكُّوا الْعَانِىَ وَأَجِيبُوا الدَّاعِىَ». وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى بن سعيد) القطان (عن سفيان) الثوري أنه قال: (حدّثني) بالإفراد (منصور) هو ابن المعتمر (عن أبي وائل) شقيق بن مسلمة (عن أبي موسى) الأشعري ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (فكوا العاني) وهو الأسير في أيدي الكفار (وأجيبوا الداعي) إلى الطعام وظاهره العموم في العرس وغيره. وفي أبي داود من حديث ابن عمر: إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرسًا كان أو غيره، وبه قال بعض الشافعية وهل الإجابة لوليمة العرس سُنّة أو واجبة؟ الصحيح عند الشافعية أنها سُنّة، وقيل واجبة. فإن قلنا بالوجوب فهل هو عين أو كفاية؟ لكن قال العلماء: لا يجيب الحاكم دعوة شخص بعينه دون غيره من الرعية لما فيه من كسر قلب من لم يجبه إلا إن كان له عذر في ترك الإجابة كرؤية منكر لا يقدر على إزالته فلو كثرت بحيث يشغله ذلك عن الحكم الذي تعين عليه ساغ له أن لا يجيب. ونقل ابن بطال عن مالك أنه لا ينبغي للقاضي أن يجيب الدعوة إلا في الوليمة خاصة وكره مالك لأهل الفضل أن يجيبوا كلَّ مَن دعاهم. ٢٤ - باب هَدَايَا الْعُمَّالِ (باب) حكم (هدايا العمال) بضم العين وتشديد الميم. ٧١٧٤ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ أَخْبَرَنَا أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِىُّ قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِىُّ ﷺ رَجُلاً مِنْ بَنِى أَسَدٍ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الأُتَبِيَّةِ عَلَى صَدَقَةٍ: فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِىَ لِى فَقَامَ النَّبِىُّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ سُفْيَانُ أَيْضًا فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «مَا بَالُ الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ فَيَأْتِى يَقُولُ: هَذَا لَكَ وَهَذَا لِى، فَهَلاَّ جَلَسَ فِى بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَيَنْظُرُ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لَا. وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَا يَأْتِى بِشَىْءٍ إِلاَّ جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

стр. 7879

يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ» ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَىْ إِبْطَيْهِ «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ» ثَلَاثًا. قَالَ سُفْيَانُ: قَصَّهُ عَلَيْنَا الزُّهْرِىُّ وَزَادَ هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى حُمَيْدٍ قَالَ: سَمِعَ أُذُنَاىَ وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنِى وَسَلُوا زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَإِنَّهُ سَمِعَهُ مَعِى، وَلَمْ يَقُلِ الزُّهْرِىُّ سَمِعَ أُذُنِى. خُوَارٌ: صَوْتٌ وَالْجُؤَارُ مِنْ تَجْأَرُونَ كَصَوْتِ الْبَقَرَةِ. وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن الزهري) محمد بن مسلم (أنه سمع عروة) بن الزبير يقول (أخبرنا أبو حميد) بضم الحاء المهملة وفتح الميم عبد الرحمن أو المنذر (الساعدي) ﵁ أنه (قال: استعمل النبي ﷺ رجلاً من بني أسد) وللأصيلي من بني الأسد بالألف واللام وفتح السين فيهما في الفرع والذي في الأصل السكون فيهما. وقال في الفتح: قوله رجلاً من أسد بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وكذا وقع هنا وهو يوهم أنه بفتح السين نسبة إلى بني أسد بن خزيمة القبيلة المشهورة أو إلى بني أسد بن عبد العزى بطن من قريش وليس كذلك قال: وإنما قلت إنه يوهمه لأن الأزد ملازمة الألف واللام في الاستعمال اسمًا وانتسابًا بخلاف بني أسد فبغير ألف ولام في الاسم وللأصيلي هنا بزيادة الألف واللام، ولا إشكال فيها مع سكون السين. وفي الهبة استعمل رجلاً من الأزد أي بالزاي، وذكر أن أصحاب الأنساب ذكروا أن في الأزد بطنًا يقال لهم بنو الأسد بالتحريك ينسبون إلى أسد بن شريك بالمعجمة مصغرًا ابن مالك بن عمرو بن مالك بن فهم وبنو فهم بطن شهير من الأزد، فيحتمل أن يكون ابن الأتبية كان منهم فيصح أن يقال فيه الأزدي بسكون الزاي والأسدي بسكون السين وفتحها من بني أسد بفتح السين ومن بني الأزد والأسد بالسكون فيهما لا غير اهـ. والرجل (يقال له ابن الأتبية) بضم الهمزة وفتح الفوقية وسكونها وكسر الموحدة وتشديد التحتية قيل هو اسم أمه واسمه عبد الله فيما ذكره ابن سعد وغيره (على صدقة) أي صدقات بني سليم كما سبق في الزكاة. وقال العسكري: إنه بعث على صدقات بني ذبيان فلعله كان على القبيلتين (فلما قدم) أي جاء إلى المدينة من عمله حاسبه النبي ﷺ (قال: هذا لكم وهذا أهدي لي) بضم الهمزة (فقام النبي ﷺ على المنبر قال سفيان) بن عيينة (أيضًا فصعد) بكسر العين بدل قوله الأول فقام (المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال): (ما بال العامل نبعثه) على العمل (فيأتي يقول) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فيقول (هذا لك) بلفظ الإفراد (وهذا لي فهلا جلس في بيت أبيه وأمه) وفي الهبة أو بيت أمه (فينظر) برفع الراء ولأبي ذر بنصبها (أيهدى له) بفتح الهمزة وضم التحتية وفتح الدال (أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأتي بشيء) من مال الصدقة يحوزه لنفسه وفي الهبة لا يأخذ أحد منه شيئًا (إلا جاء به يوم

стр. 7880

القيامة) حال كونه (يحمله على رقبته وإن كان بعيرًا له رغاء) بضم الراء وفتح الغين المعجمة مهموز له صوت (أو) كان المأخوذ (بقرة لها جؤار) بجيم مضمومة فهمزة وفي رواية بالخاء المعجمة بعدها واو صوت (أو) كان (شاة تيعر) بمثناة فوقية مفتوحة فتحتية ساكنة فعين مهملة مفتوحة تصوّت شديدًا (ثم رفع) ﷺ (يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه) بضم العين المهملة وسكون الفاء وفتح الراء وإبطيه وكسر الموحدة وفتح الطاء المهملة بالتثنية فيهما بياضهما المشبوب بالسمرة يقول: (ألا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام (هل بلغت) بتشديد اللام أي قد بلغت حكم الله إليكم أو هل للاستفهام التقريري للتأكيد ليبلغ الشاهد الغائب قال: ألا هل بلغت (ثلاثًا. قال سفيان) بن عيينة بالسند السابق (قصه) أي الحديث (علينا الزهري) محمد بن مسلم (وزاد هشام عن أبيه) عروة بن الزبير وهو من مقول سفيان أيضًا (عن أبي حميد) الساعدي أنه (قال: سمع أذناي) بالتثنية (وأبصرته عيني بالإفراد) أي أعلمه علمًا يقينًا لا أشك فيه (وسلوا) بفتح المهملة وضم اللام وبسكون المهملة بعدها همزة (زيد بن ثابت فإنه سمعه) ولأبي ذر سمع (معي) بفتح السين وكسر الميم على الروايتين قال سفيان أيضًا (ولم يقل الزهري) محمد بن مسلم (وسمع أذني) فقال المؤلّف: (خوار) بالخاء المعجمة المضمومة (صوت والجؤار) بضم الجيم وهمزة مفتوحة آخره راء (من تجأرون كصوت البقرة) وفي رواية البقر بحذف التاء. ﴿بالعذاب إذا هم يجأرون﴾ [المؤمنون: ٦٤] أي يرفعون أصواتهم كما يجأر الثور، والحاصل أنه بالجيم للبقر والناس وبالخاء للبقر وغيرها من الحيوان، وهذا ثابت في رواية الكشميهني دون غيره. وفي الحديث أن ما يهدى للعمال وخدمة السلطان بسبب السلطنة يكون لبيت المال إلا إن أباح له الإمام قبول الهدية لنفسه كما في قصة معاذ السابق التنبيه عليها في الهبة. ٢٥ - باب اسْتِقْضَاءِ الْمَوَالِى وَاسْتِعْمَالِهِمْ (باب استقضاء الموالي) أي توليتهم القضاء (واستعمالهم) على البلاد. ٧١٧٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِى ابْنُ جُرَيْجٍ أَنَّ نَافِعًا أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُ قَالَ: كَانَ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِى حُذَيْفَةَ يَؤُمُّ الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ وَأَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ فِى مَسْجِدِ قُبَاءٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَأَبُو سَلَمَةَ وَزَيْدٌ وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ. وبه قال: (حدّثنا عثمان بن صالح) السهمي المصري قال: (حدّثنا عبد الله بن وهب) المصري (قال: أخبرني) بالإفراد (ابن جريج) عبد الملك (أن نافعًا) مولى ابن عمر (أخبره أن) مولاه (ابن عمر) عبد الله (﵄ أخبره قال: كان سالم) هو ابن عبيد أو ابن معقل (مولى أبي حذيفة) بن عتبة بن ربيعة القرشي. قال البخاري في تاريخه يعرف به ومولاته امرأة من الأنصار (يؤم المهاجرين الأولين) الذين سبقوا بالهجرة إلى المدينة (وأصحاب النبي ﷺ في مسجد قباء)
следующие страницы →