Полный текст (8 298 стр.). Показаны 7876–7915 · переход к 7881.
стр. 7876
٧١٧١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأوَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ حُسَيْنٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَتَتْهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَىٍّ، فَلَمَّا رَجَعَتِ انْطَلَقَ مَعَهَا فَمَرَّ بِهِ رَجُلَانِ مِنَ الأَنْصَارِ فَدَعَاهُمَا فَقَالَ: «إِنَّمَا هِىَ صَفِيَّةُ» قَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِى مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ». رَوَاهُ شُعَيْبٌ وَابْنُ مُسَافِرٍ، وَابْنُ أَبِى عَتِيقٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عَلِىٍّ - يَعْنِى ابْنَ حُسَيْنٍ -، عَنْ صَفِيَّةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا عد العزيز بن عبد الله الأويسي) وسقط الأويسي لغير أبي ذر قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف وسقط ابن سعد لغير أبي ذر (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عليّ بن حسين) بضم الحاء ابن علي بن أبي طالب الملقب بزين العابدين التابعي (أن النبي ﷺ أتته صفية بنت حيي) ﵂ وهو معتكف في المسجد تزوره (فلما رجعت انطلق معها) ﵊ (فمرّ به رجلان من الأنصار) لم يسميا (فدعاهما) ﷺ (فقال) لهما:
(إنما هي صفية. قالا: سبحان الله) تعجبًا (قال) ﵇: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم) يوسوس فخفت أن يوقع في قلوبكما شيئًا من الظن الفاسد فتأثمان فقلته دفعًا لذلك، وعن الشافعي أنه قال: أشفق عليهما من الكفر لو ظنًّا به ظن التهمة.
وهذا الحديث مرسل لأن عليًّا تابعي ولذا عقبه المؤلّف بقوله (رواه شعيب) بضم الشين ابن أبي حمزة مما رواه المؤلّف في الاعتكاف والأدب (وابن مسافر) هو عبد الرحمن بن خالد بن مسافر الفهمي مولى الليث بن سعد مما وصله في الصوم وفرض الخمس (وابن أبي عتيق) هو محمد بن عتيق الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق مما وصله في الاعتكاف (وإسحاق بن يحيى) الحمصي فيما وصله الذهلي في الزهريات أربعتهم (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن علي يعني ابن حسين) وسقط لأبي ذر يعني ابن حسين (عن صفية عن النبي- ﷺ ¬). ورواه عن الزهري أيضًا معمر فاختلف عليه في وصله وإرساله فسبق موصولاً في صفة إبليس ومرسلاً في الخمس.
فإن قلت: ما وجه الاستدلال بحديث صفية على منع الحكم بالعلم؟ أجيب: من كونه ﷺ كره أن يقع في قلب الأنصاريين من وسوسة الشيطان شيء فمراعاة نفي التهمة عنه مع عصمته تقتضي مراعاة نفي التهمة عمن هو دونه.
٢٢ - باب أَمْرِ الْوَالِى إِذَا وَجَّهَ أَمِيرَيْنِ إِلَى مَوْضِعٍ أَنْ يَتَطَاوَعَا وَلَا يَتَعَاصَيَا
(باب أمر الوالي إذا وجه أميرين إلى موضع أن يتطاوعا ولا يتعاصيا) بعين وصاد مهملتين وتحتية. قال في الفتح: ولبعضهم بمعجمتين وموحدة.
стр. 7877
٧١٧٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا الْعَقَدِىُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى بُرْدَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِى قَالَ: بَعَثَ النَّبِىُّ ﷺ أَبِى وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ عَلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: «يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا» فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: إِنَّهُ يُصْنَعُ بِأَرْضِنَا الْبِتْعُ فَقَالَ «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ».
وَقَالَ النَّضْرُ وَأَبُو دَاوُدَ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَوَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشددة بندار العبدي قال: (حدّثنا العقدي) بفتح العين والقاف عبد الملك بن عمرو بن قيس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن سعيد بن أبي بردة) بكسر العين في الأول وضم الموحدة وسكون الراء (قال: سمعت أبي) أبا بردة عامر بن عبد الله أبي موسى الأشعري التابعي (قال: بعث النبي ﷺ أبي) أبا موسى الأشعري (ومعاذ بن جبل) ﵄ قاضيين (إلى اليمن) قبل حجة الوداع زاد في بعث أبي موسى ومعاذ أواخر المغازي وبعث كل واحد منهما على مخلاف قال: واليمن مخلافان (فقال) ﷺ لهما:
(يسرا) خذا بما فيه اليسر (ولا تعسرا) والأخذ باليسر عين ترك العسر (وبشرا) بما فيه تطييب النفوس (ولا تنفرا) وهذا من باب المقابلة المعنوية إذ الحقيقة أن يقال: بشرا ولا تنذرا وآنسا ولا تنفرا فجمع بينهما ليعم البشارة والنذارة والتأنيس والتنفير فهو من باب المقابلة المعنوية قاله في شرح المشكاة. وسبق في المغازي مزيد لذلك (وتطاوعا) يعني كونا متفقين في الحكم ولا تختلفا فإن اختلافكما يؤدي إلى اختلاف أتباعكما وحينئذ تقع العداوة والمحاربة بينهم وفيه عدم الحرج والتضييق في أمور الملة الحنيفية السمحة كما قال تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨] (فقال له) أي للنبي ﷺ (أبو موسى) ﵁: يا رسول الله (إنه يصنع بأرضنا) باليمن (البتع) بكسر الموحدة وسكون الفوقية بعدها عين مهملة نبيذ العسل (فقال) ﷺ : (كل مسكر حرام).
والحديث مرسل لأن أبا بردة تابعي كما مرّ. والحديث سبق في أواخر المغازي ولكونه مرسلاً عقبه المؤلّف بقوله:
(وقال النضر): بفتح النون وسكون الضاد المعجمة ابن شميل المازني (وأبو داود) سليمان بن داود الطيالسي (ويزيد بن هارون) الواسطي (ووكيع) بكسر الكاف ابن الجراح الأربعة (عن شعبة) بن الحجاج (عن سعيد) ولأبي ذر زيادة ابن أبي بردة (عن أبيه عن جده) جد أبي سعيد أبي موسى الأشعري ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) ورواية الأولين والأخير في أواخر المغازي ورواية يزيد وصلها أبو عوانة في صحيحه.
стр. 7878
٢٣ - باب إِجَابَةِ الْحَاكِمِ الدَّعْوَةَ
وَقَدْ أَجَابَ عُثْمَانُ عَبْدًا لِلْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ
(باب إجابة الحاكم الدعوة) بفتح الدال إلى الوليمة وهي الطعام الذي يعمل في العرس.
(وقد أجاب عثمان بن عفان) ﵁ (عبدًا) لم يسم (للمغيرة بن شعبة) دعاه وهو صائم وقال: أردت أن أجيب الداعي وأدعو بالبركة كذا وصله أبو محمد بن صاعد في زوائد البر والصلة لابن المبارك بسند صحيح وسقط ابن عفان لغير أبي ذر.
٧١٧٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِى مَنْصُورٌ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ أَبِى مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فُكُّوا الْعَانِىَ وَأَجِيبُوا الدَّاعِىَ».
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى بن سعيد) القطان (عن سفيان) الثوري أنه قال: (حدّثني) بالإفراد (منصور) هو ابن المعتمر (عن أبي وائل) شقيق بن مسلمة (عن أبي موسى) الأشعري ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(فكوا العاني) وهو الأسير في أيدي الكفار (وأجيبوا الداعي) إلى الطعام وظاهره العموم في العرس وغيره. وفي أبي داود من حديث ابن عمر: إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرسًا كان أو غيره، وبه قال بعض الشافعية وهل الإجابة لوليمة العرس سُنّة أو واجبة؟ الصحيح عند الشافعية أنها سُنّة، وقيل واجبة. فإن قلنا بالوجوب فهل هو عين أو كفاية؟ لكن قال العلماء: لا يجيب الحاكم دعوة شخص بعينه دون غيره من الرعية لما فيه من كسر قلب من لم يجبه إلا إن كان له عذر في ترك الإجابة كرؤية منكر لا يقدر على إزالته فلو كثرت بحيث يشغله ذلك عن الحكم الذي تعين عليه ساغ له أن لا يجيب. ونقل ابن بطال عن مالك أنه لا ينبغي للقاضي أن يجيب الدعوة إلا في الوليمة خاصة وكره مالك لأهل الفضل أن يجيبوا كلَّ مَن دعاهم.
٢٤ - باب هَدَايَا الْعُمَّالِ
(باب) حكم (هدايا العمال) بضم العين وتشديد الميم.
٧١٧٤ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ أَخْبَرَنَا أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِىُّ قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِىُّ ﷺ رَجُلاً مِنْ بَنِى أَسَدٍ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الأُتَبِيَّةِ عَلَى صَدَقَةٍ: فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِىَ لِى فَقَامَ النَّبِىُّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ سُفْيَانُ أَيْضًا فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «مَا بَالُ الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ فَيَأْتِى يَقُولُ: هَذَا لَكَ وَهَذَا لِى، فَهَلاَّ جَلَسَ فِى بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَيَنْظُرُ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لَا. وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَا يَأْتِى بِشَىْءٍ إِلاَّ جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
стр. 7879
يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ» ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَىْ إِبْطَيْهِ «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ» ثَلَاثًا.
قَالَ سُفْيَانُ: قَصَّهُ عَلَيْنَا الزُّهْرِىُّ وَزَادَ هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى حُمَيْدٍ قَالَ: سَمِعَ أُذُنَاىَ وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنِى وَسَلُوا زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَإِنَّهُ سَمِعَهُ مَعِى، وَلَمْ يَقُلِ الزُّهْرِىُّ سَمِعَ أُذُنِى. خُوَارٌ: صَوْتٌ وَالْجُؤَارُ مِنْ تَجْأَرُونَ كَصَوْتِ الْبَقَرَةِ.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن الزهري) محمد بن مسلم (أنه سمع عروة) بن الزبير يقول (أخبرنا أبو حميد) بضم الحاء المهملة وفتح الميم عبد الرحمن أو المنذر (الساعدي) ﵁ أنه (قال: استعمل النبي ﷺ رجلاً من بني أسد) وللأصيلي من بني الأسد بالألف واللام وفتح السين فيهما في الفرع والذي في الأصل السكون فيهما. وقال في الفتح: قوله رجلاً من أسد بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وكذا وقع هنا وهو يوهم أنه بفتح السين نسبة إلى بني أسد بن خزيمة القبيلة المشهورة أو إلى بني أسد بن عبد العزى بطن من قريش وليس كذلك قال: وإنما قلت إنه يوهمه لأن الأزد ملازمة الألف واللام في الاستعمال اسمًا وانتسابًا بخلاف بني أسد فبغير ألف ولام في الاسم وللأصيلي هنا بزيادة الألف واللام، ولا إشكال فيها مع سكون السين. وفي الهبة استعمل رجلاً من الأزد أي بالزاي، وذكر أن أصحاب الأنساب ذكروا أن في الأزد بطنًا يقال لهم بنو الأسد بالتحريك ينسبون إلى أسد بن شريك بالمعجمة مصغرًا ابن مالك بن عمرو بن مالك بن فهم وبنو فهم بطن شهير من الأزد، فيحتمل أن يكون ابن الأتبية كان منهم فيصح أن يقال فيه الأزدي بسكون الزاي والأسدي بسكون السين وفتحها من بني أسد بفتح السين ومن بني الأزد والأسد بالسكون فيهما لا غير اهـ.
والرجل (يقال له ابن الأتبية) بضم الهمزة وفتح الفوقية وسكونها وكسر الموحدة وتشديد التحتية قيل هو اسم أمه واسمه عبد الله فيما ذكره ابن سعد وغيره (على صدقة) أي صدقات بني سليم كما سبق في الزكاة. وقال العسكري: إنه بعث على صدقات بني ذبيان فلعله كان على القبيلتين (فلما قدم) أي جاء إلى المدينة من عمله حاسبه النبي ﷺ (قال: هذا لكم وهذا أهدي لي) بضم الهمزة (فقام النبي ﷺ على المنبر قال سفيان) بن عيينة (أيضًا فصعد) بكسر العين بدل قوله الأول فقام (المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال):
(ما بال العامل نبعثه) على العمل (فيأتي يقول) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فيقول (هذا لك) بلفظ الإفراد (وهذا لي فهلا جلس في بيت أبيه وأمه) وفي الهبة أو بيت أمه (فينظر) برفع الراء ولأبي ذر بنصبها (أيهدى له) بفتح الهمزة وضم التحتية وفتح الدال (أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأتي بشيء) من مال الصدقة يحوزه لنفسه وفي الهبة لا يأخذ أحد منه شيئًا (إلا جاء به يوم
стр. 7880
القيامة) حال كونه (يحمله على رقبته وإن كان بعيرًا له رغاء) بضم الراء وفتح الغين المعجمة مهموز له صوت (أو) كان المأخوذ (بقرة لها جؤار) بجيم مضمومة فهمزة وفي رواية بالخاء المعجمة بعدها واو صوت (أو) كان (شاة تيعر) بمثناة فوقية مفتوحة فتحتية ساكنة فعين مهملة مفتوحة تصوّت شديدًا (ثم رفع) ﷺ (يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه) بضم العين المهملة وسكون الفاء وفتح الراء وإبطيه وكسر الموحدة وفتح الطاء المهملة بالتثنية فيهما بياضهما المشبوب بالسمرة يقول: (ألا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام (هل بلغت) بتشديد اللام أي قد بلغت حكم الله إليكم أو هل للاستفهام التقريري للتأكيد ليبلغ الشاهد الغائب قال: ألا هل بلغت (ثلاثًا. قال سفيان) بن عيينة بالسند السابق (قصه) أي الحديث (علينا الزهري) محمد بن مسلم (وزاد هشام عن أبيه) عروة بن الزبير وهو من مقول سفيان أيضًا (عن أبي حميد) الساعدي أنه (قال: سمع أذناي) بالتثنية (وأبصرته عيني بالإفراد) أي أعلمه علمًا يقينًا لا أشك فيه (وسلوا) بفتح المهملة وضم اللام وبسكون المهملة بعدها همزة (زيد بن ثابت فإنه سمعه) ولأبي ذر سمع (معي) بفتح السين وكسر الميم على الروايتين قال سفيان أيضًا (ولم يقل الزهري) محمد بن مسلم (وسمع أذني) فقال المؤلّف: (خوار) بالخاء المعجمة المضمومة (صوت والجؤار) بضم الجيم وهمزة مفتوحة آخره راء (من تجأرون كصوت البقرة) وفي رواية البقر بحذف التاء. ﴿بالعذاب إذا هم يجأرون﴾ [المؤمنون: ٦٤] أي يرفعون أصواتهم كما يجأر الثور، والحاصل أنه بالجيم للبقر والناس وبالخاء للبقر وغيرها من الحيوان، وهذا ثابت في رواية الكشميهني دون غيره.
وفي الحديث أن ما يهدى للعمال وخدمة السلطان بسبب السلطنة يكون لبيت المال إلا إن أباح له الإمام قبول الهدية لنفسه كما في قصة معاذ السابق التنبيه عليها في الهبة.
٢٥ - باب اسْتِقْضَاءِ الْمَوَالِى وَاسْتِعْمَالِهِمْ
(باب استقضاء الموالي) أي توليتهم القضاء (واستعمالهم) على البلاد.
٧١٧٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِى ابْنُ جُرَيْجٍ أَنَّ نَافِعًا أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُ قَالَ: كَانَ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِى حُذَيْفَةَ يَؤُمُّ الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ وَأَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ فِى مَسْجِدِ قُبَاءٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَأَبُو سَلَمَةَ وَزَيْدٌ وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ.
وبه قال: (حدّثنا عثمان بن صالح) السهمي المصري قال: (حدّثنا عبد الله بن وهب) المصري (قال: أخبرني) بالإفراد (ابن جريج) عبد الملك (أن نافعًا) مولى ابن عمر (أخبره أن) مولاه (ابن عمر) عبد الله (﵄ أخبره قال: كان سالم) هو ابن عبيد أو ابن معقل (مولى أبي حذيفة) بن عتبة بن ربيعة القرشي. قال البخاري في تاريخه يعرف به ومولاته امرأة من الأنصار (يؤم المهاجرين الأولين) الذين سبقوا بالهجرة إلى المدينة (وأصحاب النبي ﷺ في مسجد قباء)
стр. 7881
بالصرف (فيهم أبو بكر) الصديق (وعمر) بن الخطاب (وأبو سلمة) بن عبد الأسد المخزومي زوج أم سلمة أم المؤمنين قبل النبي ﷺ (وزيد) أي ابن حارثة قاله في الفتح. وقال في الكواكب: هو زيد بن الخطاب العدوي من المهاجرين الأولين. وقال في عمدة القارئ: والظاهر أنه الصواب (وعامر بن ربيعة) العنزي بفتح المهملة والنون بعدها زاي مولى عمر ﵃، وكان زيد أكثرهم قرآنًا. وفي البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رفعه: "خذو القرآن من أربعة من ابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة وأُبيّ بن كعب ومعاذ بن جبل".
ومن طريق ابن المبارك في كتاب الجهاد له عن حنظلة بن أبي سفيان عن ابن سابط أن عائشة ﵂ احتبست عن النبي ﷺ فقال: "ما حبسك" قالت: سمعت قارئًا يقرأ فذكرت من حسن قراءته فأخذ رداءه وخرج فإذا هو سالم مولى أبي حذيفة فقال: "الحمد لله الذي جعل في أمتي مثلك". وأخرجه أحمد والحاكم في مستدركه فكان سبب تقديمه في إمامة الصلاة مع كونه من الموالي على من ذكر القراءة ومن كان رضًا في أمر الدين فهو رضًا في أمور الدنيا، فيجوز أن يولى القضاء والإمرة على الحرب وجباية الخراج لا الإمامة العظمى إذ شرطها كون الإمام قرشيًّا.
والحديث من أفراده وسبق ما فيه في إمامة الموالي من الصلاة ولم يقل هناك فيهم أبو بكر الخ. فاستشكل لتصريحه هناك بأن ذلك كان قبل مقدمه ﷺ المدينة، وكان أبو بكر رفيقه ﵇ فكيف ذكره فيهم. وأجاب البيهقي باحتمال أن يكون سالم استمر على الصلاة بعد أن تحوّل النبي ﷺ إلى المدينة، ونزل بدار أبي أيوب قبل بناء مسجده بها فيحتمل أن يقال كان أبو بكر يصلّي خلفه إذا جاء إلى قباء، قال في الفتح: ولا يخفى ما فيه.
٢٦ - باب الْعُرَفَاءِ لِلنَّاسِ
(باب العرفاء للناس) بضم العين وفتح الراء بعدها فاء جمع عريف الذي يتولى أمر سياستهم وحفظ أمورهم وسمي به لأنه يتعرّف أمورهم حتى يعرف بها من قومه عند الحاجة لذلك.
٧١٧٦ - ٧١٧٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِى أُوَيْسٍ، حَدَّثَنِى إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: حَدَّثَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ حِينَ أَذِنَ لَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فِى عِتْقِ سَبْىِ هَوَازِنَ فَقَالَ: «إِنِّى لَا أَدْرِى مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ»، فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ فَرَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ النَّاسَ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا.
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس) بضم الهمزة وفتح الواو قال: (حدّثني) بالإفراد (إسماعيل بن إبراهيم) بن عقبة بن أبي عياش (عن عمه موسى بن عقبة) أنه قال: (قال ابن
стр. 7882
شهاب) محمد بن مسلم الزهري (حدّثني عروة بن الزبير) بن العوّام (أن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة أخبراه) كلاهما (أن رسول الله ﷺ قال حين أذن لهم المسلمون) أي حين أذن المسلمون له ﷺ ومن معه أو من أقامه (في عتق سبي هوازن) وكانوا جاؤوه مسلمين وسألوه أن يردّ إليهم أموالهم وسبيهم فقال لأصحابه: "إني قد رأيت أن أردّ إليهم سبيهم فمن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل". فقال الناس: قد طيبنا ذلك (فقال):
(إني لا أدري من أذن منكم) في ذلك ولأبي ذر عن الكشميهني فيكم (ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم، فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم فرجعوا إلى رسول الله ﷺ ¬) أي العرفاء (فأخبروه أن الناس قد طيبوا) ذلك (وأذنوا). له ﷺ أن يعتق السبي، وطيبوا بتشديد التحتية أي حملوا أنفسهم على ترك السبايا حتى طابت بذلك وفيه كما قاله ابن بطال مشروعية إقامة العرفاء لأن الإمام لا يمكنه أن يباشر جمع الأمور بنفسه فيحتاج إلى إقامة من يعاونه ليكفيه ما يقيمه فيه.
والحديث سبق في المغازي.
٢٧ - باب مَا يُكْرَهُ مِنْ ثَنَاءِ السُّلْطَانِ وَإِذَا خَرَجَ قَالَ: غَيْرَ ذَلِكَ
(باب ما يكره من ثناء) أحد من الناس على (السلطان) بحضرته (وإذا خرج) ذلك المثني من عنده (قال غير ذلك) من الهجو والمساوئ.
٧١٧٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ أُنَاسٌ لاِبْنِ عُمَرَ: إِنَّا نَدْخُلُ عَلَى سُلْطَانِنَا فَنَقُولُ لَهُمْ خِلَافَ مَا نَتَكَلَّمُ إِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِمْ قَالَ: كُنَّا نَعُدُّهَا نِفَاقًا.
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن أبيه) محمد بن زيد أنه قال (قال الناس) منهم عروة بن الزبير كما في جزء أبي مسعود بن الفرات وأبو إسحاق الشيباني وأبو الشعثاء كما عند الطبراني في الأوسط (لابن عمر: إنا ندخل على سلطاننا) بالإفراد هو الحجاج بن يوسف كما في الغيلانيات وللطيالسي عن عاصم على سلاطيننا بالجمع (فنقول لهم) من الثناء عليهم (خلاف ما) ولأبي ذر بخلاف ما (نتكلم) به فيهم من الذم (إذا خرجنا من عندهم) وعند ابن أبي شيبة من طريق أبي الشعثاء قال: دخل قوم على ابن عمر فوقعوا في يزيد بن معاوية فقال: أتقولون هذا في وجوههم؟ قالوا: بل نمدحهم ونثني عليهم، وفي رواية عروة بن الزبير عند الحارث بن أبي أسامة والبيهقي قال: أتيت
стр. 7883
ابن عمر فقلت: إنّا نجلس إلى أئمتنا هؤلاء فيتكلمون بشيء نعلم أن الحق غيره فنصدقهم (قال: كنا نعدها) بضم العين أي الفعلة ولأبي ذر عن الكشميهني نعد هذا أي الفعل (نفاقًا) على عهد رسول الله ﷺ لأنه إبطان أمر وإظهار آخر ولا يراد به أنه كفر، ولا يعارضه قوله ﵊ للذي استأذن عليه: بئس أخو العشيرة ثم تلقاه بوجه طلق وترحيب إذ لم يقل له خلاف ما قاله عنه بل أبقاه على القول الأول عند السامع قصدًا للإعلام بحاله ثم تفضل عليه بحسن اللقاء للاستئلاف.
٧١٧٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ، عَنْ عِرَاكٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنْ شَرَّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ، الَّذِى يَأْتِى هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن يزيد بن أبي حبيب) بفتح الحاء المهملة المصري من صغار التابعين (عن عراك) بكسر العين المهملة وتخفيف الراء ابن مالك الغفاري المدني (عن أبي هريرة) رضي الله (أنه سمع رسول الله ﷺ يقول):
(إن شر الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء) القوم (بوجه وهؤلاء) القوم (بوجه) وفي الترمذي من طريق أبي معاوية: إن من شر الناس، ولمسلم من رواية ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة: تجدون من شر الناس ذا الوجهين فرواية إن شر الناس محمولة على التي فيها من شر الناس ووصفه بكونه شر الناس أو من شر الناس مبالغة في ذلك. قال القرطبي: إنما كان ذو الوجهين شر الناس لأن حاله حال المنافق إذ هو متملق بالباطل وبالكذب مدخل للفساد بين الناس، وقال النووي هو الذي يأتي كل طائفة بما يرضيها فيظهر لها أنه منها ومخالف لضدها وصنيعه نفاق محض وخداع وتحيل على الاطّلاع على أسرار الطائفتين وهي مداهنة محرمة قال: فأما من يقصد بذلك الإصلاح بين الطائفتين فهو محمود اهـ.
وقوله: ذو الوجهين ليس المراد به الحقيقة بل هو مجاز عن الجهتين مثل المدحة والمذمة. قال تعالى: ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذ خلوا إلى شياطينهم قالوا إنّا معكم إنما نحن مستهزئون﴾ [البقرة: ١٤] أي إذا لقي هؤلاء المنافقون المؤمنين أظهروا لهم الإيمان والموالاة والمصافاة غرورًا منهم للمؤمنين ونفاقًا وتقية وإذا انصرفوا إلى شياطينهم سادتهم وكبرائهم ورؤسائهم من أحبار اليهود ورؤوس المشركين والمنافقين ﴿قالوا إنّا معكم إنما نحن مستهزئون﴾ ساخرون بالقوم.
والحديث أخرجه مسلم.
٢٨ - باب الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ
(باب القضاء على الغائب) في حقوق الآدميين دون حقوق الله اتفاقًا.
стр. 7884
٧١٨٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ هِنْدَ قَالَتْ لِلنَّبِىِّ ﷺ : إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ فَأَحْتَاجُ أَنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ قَالَ ﷺ : «خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) بالمثلثة العبدي البصري قال: (أخبرنا) ولأبي ذر حدّثنا (سفيان) بن عيينة (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة) ﵂ (أن هند) بغير صرف للتأنيث والعلمية ولأبي ذر بالصرف لسكون الوسط بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس (قالت للنبي- ﷺ ¬) يا رسول الله (إن أبا سفيان) صخر بن حرب زوجها (رجل شحيح) بخيل مع حرص وهو أعم من البخل لأن البخل يختص بمنع المال والشح بكل شيء (وأحتاج) بفتح الهمزة (أن آخذ من ماله) ما يكفيني وولدي (قال- ﷺ ¬) لها:
(خذي) من ماله (ما يكفيك وولدك بالمعروف) من غير إسراف في الإطعام، وقد استدل جمع من العلماء من أصحاب الشافعي وغيرهم بهذا الحديث على القضاء على الغائب. قال النووي: ولا يصح هذا الاستدلال لأن هذه القصة كانت بمكة وأبو سفيان حاضر، وشرط القضاء على الغائب أن يكون غائبًا عن البلد أو مستترًا لا يقدر عليه أو متعذرًا، ولم يكن هذا الشرط في أبي سفيان موجودًا فلا يكون قضاء على الغائب بل هو إفتاء وفي طبقات ابن سعد بسند رجاله رجال الصحيح من مرسل الشعبي أن هند لما بايعت وجاء قوله ولا يسرقن قالت: قد كنت أصبت من مال أبي سفيان فقال أبو سفيان: فما أصبت من مالي فهو حلال لك، ففيه أن أبا سفيان كان حاضرًا معها في المجلس، لكن قال في الفتح: ويمكن تعدد القصة وإن هذا وقع لما بايعت ثم جاءت مرة أخرى فسألت عن الحكم وتكون فهمت من الأول إحلال أبي سفيان لها ما مضى فسألت عما يستقبل لكن يعكر عليه ما في المعرفة لابن منده قالت هند لأبي سفيان: إني أريد أن أبايع الحديث. وفيه فلما فرغت قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل بخيل إلى أن قال أي النبي ﷺ : "ما تقول يا أبا سفيان"؟ قال: أما يابسًا فلا وأما رطبًا فأحله، قال في الفتح: والظاهر أن المؤلّف لم يرد أن قصة هند كانت قضاء على أبي سفيان وهو غائب بل استدلّ بها على صحة القضاء على الغائب ولو لم يكن ذلك قضاء على الغائب بشرطه بل لما كان أبو سفيان غير حاضر معها في المجلس وأذن لها أن تأخذ من ماله بغير إذنه قدر كفايتها كان في ذلك نوع قضاء على الغائب فيحتاج من منعه أن يجيب عن هذا التعبير بقوله: خذي يرجح أنه كان قضاء لا فتيا لكن تفويض تقدير الاستحقاق إليها في قوله: ما يكفيك يرجح أنه كان فتوى ولو كان قضاء لم يفوّضه إلى المدعي، وقد أجاز مالك والشافعي وجماعة الحكم على الغائب، وقال أبو حنيفة: لا يقضي عليه مطلقًا.
والحديث سبق قريبًا.
стр. 7885
٢٩ - باب مَنْ قُضِىَ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْهُ فَإِنَّ قَضَاءَ الْحَاكِمِ لَا يُحِلُّ حَرَامًا وَلَا يُحَرِّمُ حَلَالاً
(باب من قضي له) بضم القاف وكسر المعجمة (بحق أخيه) أي خصمه مسلمًا كان أو ذميًّا أو معاهدًا أو مرتدًّا فالأخوة باعتبار البشرية (فلا يأخذه فإن قضاء الحاكم لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالاً).
٧١٨١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ أَبِى سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ سَمِعَ خُصُومَةً بِبَابِ حُجْرَتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّهُ يَأْتِينِى الْخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ فَأَقْضِى لَهُ بِذَلِكَ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِىَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ لِيَتْرُكْهَا».
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) العامري الأويسي الفقيه قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن صالح) أي ابن كيسان (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة بن الزبير) بن العوّام (أن زينب ابنة) ولأبي ذر بنت (أبي سلمة أخبرته أن أم سلمة) هند (زوج النبي ﷺ أخبرتها عن رسول الله ﷺ أنه سمع خصومة بباب حجرته) منزل أم سلمة، وعند أبي داود من طريق عبد الله بن رافع عن أم سلمة أتى رسول الله ﷺ رجلان يختصمان في مواريث لهما لم يكن لهما بيّنة إلا دعواهما. وفي رواية له قال: يختصمان في مواريث وأشياء قد درست وعند عبد الرزاق في مصنفه أنها كانت في أرض هلك أهلها وذهب من يعلمها ولم يسم المختصمين (فخرج إليهم) ﷺ (فقال):
(إنما أنا بشر) أي إنسان وسمي به لظهور بشرته دون ما عداه من الحيوان أي إنما أنا بشر مشارك لكم في البشرية بالنسبة لعلم الغيب الذي لم يطلعني الله عليه وقال ذلك توطئة لقوله (وإنه يأتيني الخصم) فلا أعلم باطن أمره (فلعل) بالفاء ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ولعل (بعضكم أن يكون أبلغ) أفصح في كلامه وأقدر على إظهار حجته (من بعض فأحسب) بكسر السين وتفتح (أنه صادق) وهو في الباطن كاذب (فأقضي) فأحكم (له بذلك) الذي ادّعاه لظني صدقه (فمن قضيت له بحق مسلم) ذكر المسلم ليكون أهول على المحكوم له لأن وعيد غيره معلوم عند كل أحد فذكر المسلم تنبيهًا على أنه في حقه أشد (فإنما هي) أي الحكومة أو الحالة (قطعة من النار) تمثيل يفهم منه شدة التعذيب على من يتعاطاه فهو من مجاز التشبيه (فليأخذها أو ليتركها) أمر تهديد لا تخيير فهو كقوله: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ [الكهف: ٢٩] كذا قرره النووي وغيره. وتعقب بأنه إن أريد به أن كلاًّ من الصيغتين للتهديد فممنوع فإن قوله: أو ليتركها
стр. 7886
للوجوب في كلام طويل سبق في كتاب المظالم فليراجع، فحكم الحاكم ينفذ ظاهرًا لا باطنًا، فلو قضى بشيء رتب على أصل كاذب بأن كان باطن الأمر فيه بخلاف ظاهره نفذ ظاهرًا لا باطنًا، فلو حكم بشهادة زور بظاهري العدالة لم يحصل بحكمه الحل باطنًا سواء المال والنكاح وغيرهما. أما المرتب على أصل صادق فينفذ القضاء فيه باطنًا أيضًا قطعًا إن كان في محل اتفاق المجتهدين، وعلى الأصح عند البغوي وغيره إن كان في محل اختلافهم وإن كان الحكم لمن لا يعتقده لتتفق الكلمة ويتم الانتفاع، فلو قضى حنفي لشافعي بشفعة الجوار أو بالإرث بالرحم حل له الأخذ به وليس للقاضي منعه من الأخذ بذلك ولا من الدعوى به إذا أرادها اعتبارًا بعقيدة الحاكم ولأن ذلك مجتهد فيه والاجتهاد إلى القاضي لا إلى غيره، ولهذا أجاز للشافعي أن يشهد بذلك عند من يرى جوازه وإن كان خلاف اعتقاده، ولو حكم القاضي بشيء وأقام المحكوم عليه بيّنة تنافي دعوى المحكوم له سمعت وبطل الحكم. وفي الحديث حجة على الحنفية حيث ذهبوا إلى أنه ينفذ ظاهرًا وباطنًا في العقود والفسوخ حتى لو قضى بنكاح امرأة بشاهدي زور حلّ وطؤها.
وأجاب بعض شرّاح المشارق منهم عن الحديث بأن قوله في الرواية الأخرى فأقضي له بنحو ما أسمع منه ظاهرًا يدل على أن ذلك فيما كان بسماع الخصم من غير أن يكون هناك بيّنة أو يمين وليس الكلام فيه، وإنما الكلام في القضاء بشهادة الزور بأن قوله ﷺ : "فمن قضيت له بحق مسلم" الخ. شرطية وهي لا تقتضي صدق المقدّم فيكون من باب فرض المحال نظرًا إلى عدم جواز إقراره على الخطأ، ويجوز ذلك إذا تعلق به غرض كما في قوله تعالى: ﴿قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين﴾ [الزخرف: ٨١] والغرض فيما نحن فيه التهديد والتقريع على اللسن والإقدام على تلحين الحجج في أخذ أموال الناس، وبأن الاحتجاج به يستلزم أنه ﷺ يقر على الخطأ لأنه لا يكون ما قضى به قطعة من النار إلا إذا استمر الخطأ وإلاّ فمتى فرض أنه يطلع عليه فإنه يجب أن يبطل ذلك الحكم ويرد الحق لمستحقه وظاهر الحديث يخالف ذلك فإما أن يسقط الاحتجاج به ويؤول على ما تقدم وإما أن يستلزم التقرير على الخطأ وهو باطل اهـ.
وأجيب عن الأول: بأنه خلاف الظاهر وكذا الثاني وأما الثالث فإن الخطأ الذي لا يقر عليه هو الحكم الذي صدر عن اجتهاده فيما لم يوح إليه فيه وليس النزاع فيه، وإنما النزاع في الحكم الصادر منه بناء على شهادة زور أو يمين فاجرة فلا يسمى خطأ للاتفاق على وجوب العمل بالشهادة وبالإيمان وإلاّ لكان الكثير من الأحكام يسمى خطأ وليس كذلك.
وفي الحديث: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم" فحكم بإسلام من تلفظ بالشهادتين ولو كان في نفس الأمر يعتقد خلاف ذلك وحديث إني لم أومر بالتنقيب على قلوب الناس، وحينئذ فالحجة من الحديث ظاهرة في شمول الخبر الأموال والعقود والفسوخ، ومن ثم قال الشافعي: إنه لا فرق في دعوى حلّ الزوجة لمن أقام بتزويجها شاهدي زور وهو يعلم بكذبهما وبين من ادّعى على حر أنه ملكه وأقام بذلك
стр. 7887
شاهدي زور وهو يعلم حريته فإذا حكم له حاكم بأنه ملكه لم يحل له أن يسترقه بالإجماع. وقال القرطبي: شنعوا على القائل بذلك قديمًا وحديثًا لمخالفته للحديث الصحيح ولأن فيه صيانة المال وابتذال الفروج وهي أحق أن يحتاط لها وتصان اهـ.
والحديث سبق في المظالم والشهادات والأحكام.
٧١٨٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِى مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِى وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ مِنِّى فَاقْبِضْهُ إِلَيْكَ، فَلَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ أَخَذَهُ سَعْدٌ فَقَالَ ابْنُ أَخِى: قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَىَّ فِيهِ فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فَقَالَ أَخِى وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِى وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ فَتَسَاوَقَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ أَخِى كَانَ عَهِدَ إِلَىَّ فِيهِ وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِى وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِى وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» ثُمَّ قَالَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ: «احْتَجِبِى مِنْهُ» لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِىَ اللَّهَ تَعَالَى.
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدّثني) بالإفراد (مالك) هو ابن أنس الإمام الأعظم (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عروة بن الزبير) بن العوّام (عن عائشة) ﵂ (زوج النبي ﷺ أنها قالت: كان عتبة بن أبي وقاص) بضم العين وسكون المثناة الفوقية بعدها موحدة ووقاص بتشديد القاف آخره مهملة وعتبة هو الذي كسر ثنية النبي ﷺ في وقعة أُحُد ومات كافرًا (عهد) أي أوصى (إلى أخيه سعد بن أبي وقاص) أحد العشرة (أن ابن وليدة زمعة) بن عليّ بفتح الزاي وسكون الميم وتفتح بعدها عين مهملة مفتوحة أي جاريته ولم تسم واسم ولدها عبد الرحمن بن زمعة (مني فاقبضه إليك) بهمزة وصل وكسر الموحدة قالت عائشة (فلما كان عام الفتح أخذه سعد فقال): هو (ابن أخي) عتبة (قد كان عهد إليّ فيه) أن أستلحقه به (فقام إليه) إلى سعد (عبد بن زمعة فقال): هو (أخي وابن وليدة أبي) أي وابن جاريته (ولد على فراشه فتساوقا) من التساوق وهو مجيء واحد بعد واحد (إلى رسول الله ﷺ فقال سعد: يا رسول الله) هذا (ابن أخي) عتبة (كان عهد إليّ فيه) أن أستلحقه به (وقال عبد بن زمعة) هو (أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه، فقال رسول الله ﷺ ¬):
(هو) أي الولد (لك) أي أخوك (يا عبد بن زمعة) بضم عيد اسم علم منادى وابن زمعة نعت واجب النصب لأنه مضاف وعبد يجوز فتحه لأنه منعوت بابن مضاف إلى علم (ثم قال رسول الله: الولد للفراش) أي لصاحب الفراش زوجًا كان أو سيدًا حرة كانت أو أمة لكن الحنفية يخصونه بالحرة ويقولون إن ولد الأمة المستفرشة لا يلحق سيدها ما لم يقر به (وللعاهر) أي الزاني (الحجر) أي الخيبة ولا حق له في الولد أو الرجم بالحجارة وضعف بأنه لا يرجم بالحجر إلا إذا
стр. 7888
كان محصنًا (ثم قال) ﷺ (لسودة بنت زمعة) أم المؤمنين ﵂: (احتجبي منه) أي من ابن زمعة المتنازع فيه ندبًا للاحتياط وقد ثبت نسبه وأخوته لها في ظاهر الشرع (لما) بالتخفيف (رأى) ﵇ (من شبهه بعتبه فما رآها) عبد الرحمن (حتى لقي الله تعالى).
ومناسبة الحديث لسابقه أن الحكم بحسب الظاهر حيث حكم ﷺ بالولد لعبد بن زمعة وألحقه بزمعة، ثم لما رأى شبهه بعتبة أمر سودة أن تحتجب منه احتياطًا، فأشار البخاري إلى أنه ﷺ حكم في ابن وليدة زمعة بالظاهر، ولو كان في نفس الأمر ليس من زمعة ولا يسمى ذلك خطأ في الاجتهاد ولا هو من نوادر الاختلاف.
والحديث سبق في البيوع والمحاربين والفرائض.
٣٠ - باب الْحُكْمِ فِى الْبِئْرِ وَنَحْوِهَا
(باب الحكم في البئر ونحوها) كالحوض والدار.
٧١٨٣ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ وَالأَعْمَشِ عَنْ أَبِى وَائِلٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «لَا يَحْلِفُ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ مَالاً، وَهْوَ فِيهَا فَاجِرٌ إِلاَّ لَقِىَ اللَّهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ [آل عمران: ٧٧] الآيَةَ. فَجَاءَ الأَشْعَثُ وَعَبْدُ اللَّهِ يُحَدِّثُهُمْ فَقَالَ: فِىَّ نَزَلَتْ وَفِى رَجُلٍ خَاصَمْتُهُ فِى بِئْرٍ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «أَلَكَ بَيِّنَةٌ»؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: «فَلْيَحْلِفْ» قُلْتُ: إِذًا يَحْلِفُ فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ.
وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن نصر) هو إسحاق بن إبراهيم بن نصر بالصاد المهملة المروزي وقيل البخاري قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني قال: (أخبرنا سفيان) الثوري (عن منصور) هو ابن المعتمر (والأعمش) سليمان بن مهران كلاهما (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة أنه (قال: قال عبد الله) بن مسعود ﵁ (قال النبي ﷺ ¬):
(لا يحلف) أحد (على) موجب (يمين صبر) بغير تنوين يمين على الإضافة لتاليها كذا في الفرع كأصله مصححًا عليه لما بينهما من الملابسة السابقة وينوّن فصبر صفة له على النسب أي ذات صبر ويمين الصبر هى التي يلزم الحاكم الخصم بها وجملة ﴿يقتطع مالاً) في موضع صفة ثانية ليمين وفي رواية أخرى يقتطع بها مال امرئ مسلم (وهو فيها فاجر) كاذب والجملة في موضع الحال من فاعل يحلف أو من ضمير يقتطع أو صفة ليمين لأن فيها ضميرين أحدهما للحالف والآخر لليمين فبذلك صلحت أن تكون حالاً لكل واحد منهما (إلا لقي الله) يوم القيامة (وهو عليه غضبان) بدون صرف للصفة وزيادة الألف والنون والشرط هنا موجود وهو انتفاء فعلانة ووجود فعلى وذلك في صفات المخلوقين وغضبه تعالى يراد به ما أراده من العقوبة أعوذ بوجه الله
стр. 7889
تعالى من عقابه وغضبه (فأنزل الله) تعالى زاد في الأيمان تصديقه ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلاً﴾) [آل عمران: ٧٧] (الآية). وسقط لغير أبي ذر قوله: ﴿وأيمانهم﴾ الخ.
(فجاء الأشعث) بن قيس الكندي (وعبد الله) بن مسعود (يحدّثهم) زاد في الإيمان فقال: ما يحدّثكم عبد الله؟ قالوا له: أي كان يحدّثنا بكذا وكذا (فقال) الأشعث: (فيّ) بتشديد الياء (نزلت) هذه الآية (وفي رجل) اسمه الجفشيش بالجيم والحاء والخاء وبالشينين المعجمتين بينهما تحتية ساكنة الحضرمي أو الكندي وقيل اسمه جرير (خاصمته في بئر) كانت بيننا فجحدني (فقال النبي ﷺ ¬) لي: (ألك بيّنة؟ قلت: لا) يا رسول الله (قال) ﷺ : (فليحلف) بالجزم ولأبي ذر عن الكشميهني فيحلف بإسقاط اللام والرفع (قلت) يا رسول الله: (إذًا يحلف) إذًا حرف جواب وهي تنصب الفعل المضارع بشرط أي تكون أولاً فلا يعتمد ما بعدها على ما قبلها ولذا رفعت نحو قولك: أنا إذا أكرمك وأن يكون مستقبلاً فلو كان حالاً وجب الرفع نحو قولك لمن قال: جاء الحاج إذًا أفرح تريد الحالة التي أنت فيها وأن لا يفصل بينها وبين الفعل بفاصل ما عدا القسم والنداء ولا فإن دخل عليها حرف عطف جاز في الفعل وجهان الرفع والنصب والرفع أكثر نحو قوله تعالى: ﴿وإذًا لا يلبثون خلافك إلا قليلاً﴾ [الإسراء: ٧٦] والفعل هنا في الحديث إن أريد به الحال فهو مرفوع وإن أريد به الاستقبال فهو منصوب والوجهان في الفرع مصحح عليهما. وزاد في رواية أخرى ولا يبالي (فنزلت ﴿إن الذين يشترون بعهد الله﴾ الآية). وفي الحديث كما قال ابن بطال: إن حكم الحاكم في الظاهر لا يحل الحرام ولا يبيح المحظور لأنه ﷺ حذر أمته عقوبة من اقتطع من حق أخيه شيئًا بيمين فاجرة، والآية المذكورة من أشد وعيد جاء في القرآن.
والحديث سبق في الشرب.
٣١ - باب الْقَضَاءِ فِى كَثِيرِ الْمَالِ وَقَلِيلِهِ
وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ الْقَضَاءُ فِى قَلِيلِ الْمَالِ وَكَثِيرِهِ سَوَاءٌ.
(باب القضاء) بإضافة باب للاحقه (في كثير المال وقليله) ولأبي ذر باب بالتنوين القضاء في كثير المال وقليله سواء بإثبات الخبر المحذوف في غير روايته.
(وقال ابن عيينة) سفيان (عن ابن شبرمة) بضم المعجمة والراء بينهما موحدة ساكنة عبد الله قاضي الكوفة: (القضاء في قليل المال وكثيره سواء) قال العيني: وهذا ذكره سفيان في جامعه عن ابن شبرمة. وقال الحافظ ابن حجر: ولم يقع لي هذا الأثر موصولاً.
٧١٨٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِى سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ عَنْ أُمِّهَا أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: سَمِعَ النَّبِىُّ ﷺ جَلَبَةَ خِصَامٍ عِنْدَ بَابِهِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ لَهُمْ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّهُ يَأْتِينِى الْخَصْمُ فَلَعَلَّ بَعْضًا أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ أَقْضِى لَهُ بِذَلِكَ وَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِىَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ لِيَدَعْهَا».
стр. 7890
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه قال (أخبرني) بالإفراد (عروة بن الزبير) بن العوّام (أن زينب بنت أبي سلمة أخبرته عن أمها أم سلمة) هند ﵂ أنها (قالت: سمع النبي ﷺ جلبة خصام) بفتح الجيم واللام والموحدة اختلاط الأصوات ولمسلم جلبة خصم (عند بابه) منزل أم سلمة (فخرج عليهم) ولأبي ذر عن الكشميهني إليهم فقال (لهم):
(إنما أنا بشر) البشر الخلق يطلق على الجماعة والواحد والمعنى أنه منهم وإن زاد عليهم بالمنزلة الرفيعة وهو ردّ على من زعم أن من كان رسولاً فإنه يعلم كل غيب حتى لا يخفى عليه المظلوم من الظالم (وإنه يأتيني الخصم) وفي ترك الحيل من رواية سفيان الثوري وإنكم تختصمون إليّ (فلعلّ بعضًا) منكم (أن يكون أبلغ) أي أقدر على الحجة (من بعض أقضي له بذلك) ولأبي داود على نحو ما أسمع منه (وأحسب أنه صادق فمن قضيت له بحق مسلم) وكذا ذمي (فإنما هي) أي الحكومة (قطعة من النار) وللطحاوي والدارقطني فإنما نقطع له بها قطعة من النار إسطامًا يأتي بها في عنقه يوم القيامة والإسطام بكسر الهمزة وسكون السين وفتح الطاء المهملتين القطعة فكأنها للتأكيد ولأبي ذر عن الحموي والمستملي من نار (فليأخذها أو ليدعها) أمر تهديد.
ومطابقته للترجمة في قوله فمن قضيت له إذ هو يتناول القليل والكثير. والحديث مرّ قريبًا.
٣٢ - باب بَيْعِ الإِمَامِ عَلَى النَّاسِ أَمْوَالَهُمْ وَضِيَاعَهُمْ وَقَدْ بَاعَ النَّبِىُّ ﷺ مُدَبَّرًا مِنْ نُعَيْمِ بْنِ النَّحَّامِ
(باب) حكم (بيع الإمام على الناس) من السفيه والغائب لتوفية دينه أو الممتنع منه (أموالهم وضياعهم) عقارهم وغير ذلك وهو من عطف الخاص على العام.
(وقد باع النبي ﷺ مدبرًا) بتشديد الموحدة المفتوحة (من نعيم بن النحام) بفتح النون والحاء المهملة المشدّدة، وهو نعيم بن عبد الله بن أسيد بن عبيد بن عوف بن عويج بن عدي بن كعب القرشي العدوي المعروف بالنحام قيل له ذلك لأن النبي ﷺ قال له دخلت الجنة، فسمعت نحمة من نعيم والنحمة السعلة أو النحنحة الممدود آخرها، وسقط قوله مدبرًا للحموي والمستملي قال العيني: ولفظ الابن زائد، وقال أبو عمر بن عبد البر نعيم بن عبد الله النحام القرشي العدوي.
٧١٨٦ - حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَلَغَ النَّبِىَّ ﷺ أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِهِ أَعْتَقَ غُلَامًا عَنْ دُبُرٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُ فَبَاعَهُ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ ثُمَّ أَرْسَلَ بِثَمَنِهِ إِلَيْهِ.
وبه قال: (حدّثنا ابن نمير) هو محمد بن عبد الله بن نمير بضم النون مصغرًا قال: (حدّثنا محمد بن بشر) بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة العبدي الكوفي الحافظ قال: (حدّثنا
стр. 7891
إسماعيل) بن أبي خالد الكوفي الحافظ قال: (حدّثنا سلمة بن كهيل) بضم الكاف وفتح الهاء أبو يجيئ الحضرمي من علماء الكوفة (عن عطاء) هو ابن أبي رباح (عن جابر بن عبد الله) ﵄ وسقط ابن عبد الله لغير أبي ذر أنه (قال: بلغ النبي ﷺ أن رجلاً من أصحابه) هو أبو مذكور (أعتق غلامًا) اسمه يعقوب كما في مسلم (عن) ولأبي ذر والوقت له عن (دبر) بضم الدال والموحدة أي علق عتقه بعد موته ولأبي ذر عن الكشميهني عن دين بفتح الدال وسكون التحتية بعدها نون وهي تصحيف والمشهور الأولى (لم يكن له مال غيره فباعه) النبي ﷺ من نعيم النحام (بثمانمائة درهم ثم أرسل) ﵊ (بثمنه إليه) إلى الذي علق عتقه وإنما باعه عليه لأنه لم يكن له مال غيره فلما رآه أنفق جميع ماله وأنه تعرض بذلك للتهلكة نقض عليه فعله ولو كان لم ينفق جميع ماله لم ينقض فكأنه كان في حكم السفيه فلذا باع عليه ماله.
والحديث سبق في البيوع، وأخرجه أبو داود والنسائي في الفتن وابن ماجة.
٣٣ - باب مَنْ لَمْ يَكْتَرِثْ بِطَعْنِ مَنْ لَا يَعْلَمُ فِى الأُمَرَاءِ حَدِيثًا
(باب من لم يكترث) بالمثناة الفوقية ثم المثلثة بينهما راء مكسورة من لم يبال ولم يلتفت (بطعن من) ولأبي الوقت لطعن من (لا يعلم) بفتح التحتية (في الأمراء حديثًا) يعبأ به فلو طعن بعلم اعتدّ به وإن كان بأمر محتمل رجع إلى رأي الإمام وسقط قوله حديثًا لأبوي الوقت وذر والأصيلي.
٧١٨٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْثًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَطُعِنَ فِى إِمَارَتِهِ وَقَالَ: «إِنْ تَطْعَنُوا فِى إِمَارَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِى إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلِهِ، وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلإِمْرَةِ وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَىَّ وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَىَّ بَعْدَهُ».
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) أبو سلمة التبوذكي الحافظ قال: (حدّثنا عبد العزيز بن مسلم) القسملي البصري قال: (حدّثنا عبد الله بن دينار) المدني مولى ابن عمر (قال: سمعت ابن عمر ﵄ يقول): ولأبي ذر قال: (بعث رسول الله ﷺ بعثًا) أي جيشًا إلى أبنى لغزو الروم مكان قتل زيد بن حارثة وكان في ذلك البعث رؤوس المهاجرين والأنصار منهم العمران (وأمر عليهم أسامة بن زيد) أي ابن حارثة وكان ذلك في بدء مرضه ﷺ الذي توفي فيه (فطعن) بضم الطاء المهملة (في إمارته) بكسر الهمزة وقالوا: يستعمل ﷺ هذا الغلام على المهاجرين والأنصار (وقال) ﷺ لما بلغه ذلك ولأبي ذر فقال بالفاء بدل الواو:
(إن تطعنوا) بضم العين في الفرع وزاد في اليونينية فتحها قال الزركشي رجح بعضهم هنا ضم العين (في إمارته) أي في إمارة أسامة (فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه) زيد (من قبله). واستشكل بأن النحاة قالوا الشرط سبب للجزاء متقدم عليه وهاهنا ليس كذلك. وأجاب في
стр. 7892
الكواكب بأن مثله يؤول بالأخبار عندهم أي إن طعنتم فيه فأخبركم بأنكم طعنتم من قبل في أبيه ويلازمه عند البيانيين أي إن طعنتم فيه تأثمتم بذلك لأنه لم يكن حقًّا (واْيم الله) بهمزة وصل (إن كان) زيد (لخليقًا) بالخاء المعجمة والقاف لجديرًا ومستحقًا (للإمرة) بكسر الهمزة وسكون الميم ولأبي ذر عن الكشميهني للإمارة بفتح الميم وألف بعدها فلم يكن لطعنكم مستند فكذا لا اعتبار بطعنكم في إمارة ولده (وإن كان) زيد (لمن أحب الناس إلي) بتشديد التحتية (وإن) ابنه أسامة (هذا لمن أحب الناس إليّ بعده).
واستشكل كون عمر بن الخطاب عزل سعدًا حين قذفه أهل الكوفة بما هو منه بريء ولم يعزل ﷺ أسامة وأباه بل بيّن فضلهما. وأجيب: بأن عمر لم يعلم من مغيب سعد ما علمه ﷺ من زيد وأسامة فكان سبب عزله قيام الاحتمال أو رأى عمر أن عزل سعد أسهل من فتنة يثيرها من قام عليه من أهل الكوفة.
والحديث سبق في باب بعث النبي ﷺ أسامة بن زيد أواخر المغازي.
٣٤ - باب الأَلَدِّ الْخَصِمِ وَهْوَ الدَّائِمُ فِى الْخُصُومَةِ
لُدًّا: عُوجًا.
(باب الألدّ) بفتح الهمزة واللام وتشديد الدال المهملة (الخصم) بفتح المعجمة وكسر المهملة وفسره المؤلّف بقوله (وهو الدائم في الخصومة) أو المراد الشديد الخصومة فإن الخصم من صيغ المبالغة فيحتمل الشدة والكثرة. وقال تعالى: ﴿وهو ألدّ الخصام﴾ [البقرة: ٢٠٤] أي شديد الجدال والعداوة للمسلمين والخصام المخاصمة والإضافة بمعنى في لأن أفعل يضاف إلى ما هو بعضه تقول: زيد أفضل القوم ولا يكون الشخص بعض الحدث فتقديره ألدّ في الخصومة أو الخصام جمع خصم كصعب وصعاب والتقدير وهو ألدّ الخصوم خصومة (لدًّا: عوجًا) بضم اللام وتشديد الدال عوجًا بضم العين وسكون الواو بعدها جيم ولأبي ذر عن الكشميهني ألدّ بهمزة قبل اللام المفتوحة أعوج بهمزة مفتوحة وسكون العين يريد تفسير قوله تعالى في سورة مريم: ﴿وتنذر به قومًا لدًّا﴾ [مريم: ٩٧] قال ابن كثير الحافظ: أي عوجًا عن الحق مائلون إلى الباطل. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: لا يستقيمون. وقال الضحاك، الألدّ: الخصم. وقال القرطبي الألدّ: الكذاب. وقال الحسن صمًّا. قال في الفتح: وكأنه تفسير باللازم لأن من اعوجّ عن الحق كان كأنه لم يسمع وعن ابن عباس فجارًا وقيل جدلاء بالباطل.
٧١٨٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ سَمِعْتُ ابْنَ أَبِى مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الأَلَدُّ الْخَصِمُ».
стр. 7893
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى بن سعيد) القطان (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز أنه قال: (سمعت ابن أبي مليكة) عبد الله (يحدّث عن عائشة ﵂) أنها (قالت: قال رسول الله ﷺ ¬):
(أبغض الرجال) الكفار (إلى الله) الكافر (الألد الخصم) بفتح المعجمة وكسر المهملة المعائذ أو أبغض الرجال المخاصمين أعم من أن يكون كافرًا أو مسلمًا فإن كان الأول فأفعل التفضيل على حقيقته في العموم وإن كان مسلمًا فسبب البغض كثرة المخاصمة لأنها تفضي غالبًا إلى ما يذم صاحبه.
والحديث سبق في المظالم والتفسير.
٣٥ - باب إِذَا قَضَى الْحَاكِمُ بِجَوْرٍ أَوْ خِلَافِ أَهْلِ الْعِلْمِ فَهْوَ رَدٌّ
هذا (باب) بالتنوين (إذا قضى الحاكم بجور) أي بظلم (أو خلاف أهل العلم فهو) أي قضاؤه (ردّ) أي مردود.
٧١٨٩ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بَعَثَ النَّبِىُّ ﷺ خَالِدًا ح.
وَحَدَّثَنِى نُعَيْمٌ بن حماد، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَعَثَ النَّبِىُّ ﷺ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى بَنِى جَذِيمَةَ فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا: أَسْلَمْنَا فَقَالُوا صَبَأْنَا صَبَأْنَا فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ وَيَأْسِرُ وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٌ مِنَّا أَسِيرَهُ فَأَمَرَ كُلَّ رَجُلٍ مِنَّا أَنْ يَقْتُلَ أَسِيرَهُ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَقْتُلُ أَسِيرِى وَلَا يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِى أَسِيرَهُ، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّى أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ» مَرَّتَيْنِ.
وبه قل: (حدّثنا محمود) هو ابن غيلان بالغين المعجمة المفتوحة أبو أحمد المروزي الحافظ قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام قال: (أخبرنا معمر) بفتح الميمين ابن خالد (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن سالم عن ابن عمر) ﵄ أنه قال: (بعث النبي ﷺ خالدًا) وسقط لأبي ذر قوله عن الزهري الخ (ح) لتحويل السند قال البخاري:
(وحدّثني) بالإفراد (نعيم بن حماد) بضم النون وفتح العين الرفاء بالراء والفاء المشددة المروزي الأعور ولأبي ذر وحدّثني أبو عبد الله نعيم بن حماد ولغير أبي ذر قال أبو عبد الله البخاري حدّثني نعيم قال: (أخبرنا) ولأبي ذر: حدّثنا (عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا معمر) أي ابن خالد (عن الزهري عن سالم عن أبيه) عبد الله بن عمر ﵄ أنه (قال: بعث
стр. 7894
النبي ﷺ خالد بن الوليد) ﵁ (إلى بني جذيمة) بفتح الجيم وكسر الذال المعجمة وفتح الميم قبيلة من عبد قيس داعيًا لهم إلى الإسلام لا مقاتلاً فدعاهم إلى الإسلام (فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فقالوا صبأنا صبأنا) بهمزة ساكنة فيهما أي خرجنا من الشرك إلى دين الإسلام فلم يكتف خالد إلا بالتصريح بذكر الإسلام وفهم عنهم أنهم عدلوا عن التصريح أنفة منهم ولم ينقادوا (فجعل خالد يقتل) منهم (ويأسر) بكسر السين (ودفع إلى كل رجل منّا أسيره فأمر كل رجل منا أن يقتل أسيره) قال ابن عمر (فقلت: والله لا أقتل أسيري ولا يقتل رجل من أصحابي) من المهاجرين والأنصار (أسيره) فقدمنا (فذكرنا ذلك للنبي ﷺ فقال):
(اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد) من قتله الذين قالوا صبأنا قبل أن يستفسرهم عن مرادهم بذلك قال ﵊ اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد (مرتين). وإنما لم يعاقبه لأنه كان مجتهدًا واتفقوا على أن القاضي إذا قضى بجور أو بخلاف ما عليه أهل العلم فحكمه مردود فإن كان على وجه الاجتهاد وأخطأ كما صنع خالد فالإثم ساقط والضمان لازم فإن كان الحكم في قتل فالدّية في بيت المال عند أبي حنيفة وأحمد وعلى عاقلته عند الشافعي وأبي يوسف ومحمد.
والحديث سبق في المغازي.
٣٦ - باب الإِمَامِ يَأْتِى قَوْمًا فَيُصْلِحُ بَيْنَهُمْ
(باب الإمام يأتي قومًا فيصلح) ولأبي ذر عن الكشميهني: ليصلح باللام بدل الفاء أي لإجل الإصلاح (بينهم).
٧١٩٠ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ الْمَدِينِىُّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِىِّ قَالَ: كَانَ قِتَالٌ بَيْنَ بَنِى عَمْرٍو فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِىَّ ﷺ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَتَاهُمْ يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ فَلَمَّا حَضَرَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَأَذَّنَ بِلَالٌ وَأَقَامَ وَأَمَرَ أَبَا بَكْرٍ فَتَقَدَّمَ وَجَاءَ النَّبِىُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ فِى الصَّلَاةِ فَشَقَّ النَّاسَ حَتَّى قَامَ خَلْفَ أَبِى بَكْرٍ، فَتَقَدَّمَ فِى الصَّفِّ الَّذِى يَلِيهِ قَالَ: وَصَفَّحَ الْقَوْمُ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا دَخَلَ فِى الصَّلَاةِ لَمْ يَلْتَفِتْ حَتَّى يَفْرُغَ فَلَمَّا رَأَى التَّصْفِيحَ لَا يُمْسَكُ عَلَيْهِ الْتَفَتَ فَرَأَى النَّبِىَّ ﷺ خَلْفَهُ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِىُّ ﷺ أَنِ امْضِهْ، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ هَكَذَا وَلَبِثَ أَبُو بَكْرٍ هُنَيَّةً يَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ مَشَى الْقَهْقَرَى فَلَمَّا رَأَى النَّبِىُّ ﷺ ذَلِكَ تَقَدَّمَ فَصَلَّى النَّبِىُّ ﷺ بِالنَّاسِ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ إِذْ أَوْمَأْتُ إِلَيْكَ أَنْ لَا تَكُونَ مَضَيْتَ» قَالَ: لَمْ يَكُنْ لاِبْنِ أَبِى قُحَافَةَ أَنْ يَؤُمَّ النَّبِىَّ ﷺ وَقَالَ لِلْقَوْمِ: «إِذَا نَابَكُمْ أَمْرٌ فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ، وَلْيُصَفِّحِ النِّسَاءُ».
стр. 7895
وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل قال: (حدّثنا حماد) هو ابن زيد قال: (حدّثنا أبو حازم) بالحاء المهملة والزاي سلمة (المديني) بالتحتية بعد الدال ولأبي ذر المدني بإسقاطها وفتح الدال (عن سهل بن سعد الساعدي) ﵁ أنه (قال: كان قتال) بالتنوين (بين بني عمرو) بفتح العين ابن عوف بالفاء قبيلة (فبلغ ذلك النبي ﷺ فصلّى الظهر ثم أتاهم يصلح بينهم فلما حضرت صلاة العصر فأذّن بلال) سقط لفظ بلال لأبي ذر، واستشكل الإتيان بالفاء في قوله فأذّن لأنه ليس موضعها سواء كانت لما شرطية أو ظرفية. وأجيب: بأن الجزاء محذوف وهو جاء المؤذن والفاء للعطف عليه وعند أبي داود عن عمرو بن عوف عن حماد أنه ﷺ قال لبلال: إن حضرت صلاة العصر ولم آتك فأمر أبا بكر فليصلّ بالناس فلما حضرت العصر أذّن بلال (وأقام) الصلاة (وأمر أبا بكر) ﵁ أن يصلّي بالناس كما أمره النبي ﷺ (فتقدم) أبو بكر وصلى بهم. (وجاء النبي ﷺ وأبو بكر في الصلاة فشق الناس حتى قام خلف أبي بكر فتقدّم في الصف الذي يليه) وليس هو من المنهي عنه لأن الإمام مستثنى من ذلك لا سيما الشارع إذ ليس لأحد التقدّم عليه ولأنه ليس حركة من حركاته إلا ولنا فيها مصلحة وسُنّة نقتدي بها (قال) سهل (وصفح القوم) بفتح الصاد المهملة والفاء المشددة بعدها حاء مهملة أي صفقوا تنبيهًا لأبي بكر على حضوره ﷺ (وكان أبو بكر إذا دخل في الصلاة لم يلتفت حتى يفرغ) منها (فلما رأى التصفيح لا يمسك عليه) بضم التحتية وسكون الميم مبنيًّا للمفعول (التفت) ﵁ (فرأى النبي ﷺ خلفه) فأراد أن يتأخر (فأومأ إليه النبي ﷺ ¬) زاد أبو ذر بيده أي أشار إليه بها (أن امضه) أمر بالمضي والهاء للسكت أي امض في صلاتك (وأومأ بيده هكذا) أي أشار إليه بالمكث في مكانه (ولبث أبو بكر) في مكانه (هنية) بضم الهاء وفتح النون والتحتية المشددة زمانًا يسيرًا حال كونه (يحمد الله) ولأبي ذر عن الكشميهني فحمد الله (على قول النبي ﷺ ثم مشى القهقرى) رجع إلى خلف (فلما- رأى النبي ﷺ ذلك) الذي فعله أبو بكر (تقدم) إلى موضع الإمامة (فصلّى النبي ﷺ بالناس فلما قضى صلاته قال):
(يا أبا بكر ما منعك إذ) بسكون الذال (أومأت) أشرت (إليك) أن تمكث في مكانك (أن لا تكون مضيت) في صلاتك فيه (قال) أبو بكر ﵁ (لم يكن لابن أبي قحافة أن يؤمّ النبي ﷺ ¬) ولم يقل لم يكن لي أو لأبي بكر هضمًا لنفسه وتواضعًا وأبو قحافة كنية والد أبي بكر ﵄ (وقال) ﷺ (للقوم: إذا نابكم) أي أصابكم ولأبوي ذر والوقت والأصيلي: ربكم أي حدث لكم (أمر فليسبح الرجال) أي يقولوا سبحان الله (وليصفح النساء) أي يصفقن بأن يضربن بأيديهن على ظهر الأخرى.
وفي الحديث جواز مباشرة الحاكم الصلح بين الخصوم وجواز ذهاب الحاكم إلى موضع الخصوم للفصل بينهم إذا اضطر الأمر لذلك.
والحديث سبق في الصلاة في باب من دخل ليؤم الناس.
стр. 7896
٣٧ - باب يُسْتَحَبُّ لِلْكَاتِبِ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَاقِلاً
(باب) بالتنوين (يستحب للكاتب) للحكم (أن يكون أمينًا) في كتابته بعيدًا من الطمع مقتصرًا على أجرة المثل (عاقلاً) غير مغفل لئلا يخدع.
٧١٩١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ أَبُو ثَابِتٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: بَعَثَ إِلَىَّ أَبُو بَكْرٍ لِمَقْتَلِ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، وَعِنْدَهُ عُمَرُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِى فَقَالَ: إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ، وَإِنِّى أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ فِى الْمَوَاطِنِ كُلِّهَا، فَيَذْهَبَ قُرْآنٌ كَثِيرٌ، وَإِنِّى أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ قُلْتُ: كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ عُمَرُ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِى فِى ذَلِكَ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِى لِلَّذِى شَرَحَ لَهُ صَدْرَ عُمَرَ، وَرَأَيْتُ فِى ذَلِكَ الَّذِى رَأَى عُمَرُ قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَإِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ قَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْىَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ قَالَ زَيْدٌ: فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفَنِى نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ بِأَثْقَلَ عَلَىَّ مِمَّا كَلَّفَنِى مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ، قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلَانِ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ يَحُثُّ مُرَاجَعَتِى حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِى لِلَّذِى شَرَحَ اللَّهُ لَهُ صَدْرَ أَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَرَأَيْتُ فِى ذَلِكَ الَّذِى رَأَيَا فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الْعُسُبِ وَالرِّقَاعِ وَاللِّخَافِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ، فَوَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] إِلَى آخِرِهَا مَعَ خُزَيْمَةَ أَوْ أَبِى خُزَيْمَةَ فَأَلْحَقْتُهَا فِى سُورَتِهَا وَكَانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِى بَكْرٍ حَيَاتَهُ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ اللِّخَافُ: يَعْنِى الْخَزَفَ.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن عبيد الله) بضم العين ابن محمد بن زيد (أبو ثابت) مولى عثمان بن عفان القرشي المدني الفقيه قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عبيد بن السباق) بضم العين في الأوّل وفتح المهملة والموحدة المشددة وبعد الألف قاف الثقفي (عن زيد بن ثابت) الأنصاري الخزرجي كاتب الوحي رضي الله تعالى عنه أنه (قال: بعث إلي) بتشديد الياء (أبو بكر) الصديق ﵁ (لمقتل) ولأبي ذر عن الحموي مقتل بإسقاط اللام والنصب (أهل اليمامة) من اليمن وبها قتل مسيلمة ومن القراء سبعون أو سبعمائة (وعنده عمر) بن الخطاب ﵁ (فقال) لي (أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحرّ) بالسين المهملة الساكنة بعدها فوقية فحاء مهملة فراء مشددة اشتدّ وكثر (يوم اليمامة بقرّاء القرآن) وسقط للكشميهني قد من قوله قد استحر (وإني أخشى أن يستحر) يشتد (القتل بقرّاء القرآن في المواطن كلها فيذهب قرآن كثير وإني أرى أن
стр. 7897
تأمر بجمع القرآن) قال أبو بكر لزيد (قلت) لعمر (كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ فقال) لي (عمر: هو) أي جمعه (والله خير). واستشكل التعبير بخير الذي هو أفعل التفضيل لأنه يلزم من فعلهم هذا أن يكون خيرًا من تركه في الزمن النبوي وأجيب: بأنه خير بالنسبة لزمانهم والترك كان خيرًا في الزمن النبوي لعدم تمام النزول واحتمال النسخ إذ لو جمع بين الدفتين وسارت به الركبان إلى البلدان ثم نسخ لأدّى ذلك إلى اختلاف عظيم قال أبو بكر: (فلم يزل عمر يراجعني في ذلك حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر عمر ورأيت في ذلك الي رأى عمر قال زيد قال) لي (أبو بكر) ﵁: (وإنك) يا زيد وللكشميهني إنك (رجل) بإسقاط الواو وأشار بقوله (شاب) إلى حدّه ونظره وقوّة ضبطهِ (عاقل لا نتهمك قد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ¬) ذكر له أربع صفات مقتضية لخصوصيته بذلك. كونه شابًّا فيكون أنشط لذلك، وكونه عاقلاً فيكون أوعى له، وكونه لا يتهم فتركن النفس إليه، وكونه كان كاتب الوحي فيكون أكثر ممارسة له. وقول ابن بطال عن المهلب إنه يدل على أن العقل أجلّ الخصال المحمودة لأنه لم يوصف زيد بأكثر من العقل وجعله سببًا لائتمانه ورفع التهمة عنه، تعقبه في الفتح بأن أبا بكر ذكر عقب الوصف المذكور قد كنت تكتب الوحي، فمن ثم اكتفى بوصفه بالعقل لأنه لو لم تثبت أمانته وكفايته وعقله لما استكتبه النبي ﷺ الوحي، وإنما وصفه بالعقل وعدم الاتهام دون ما عداهما إشارة إلى استمرار ذلك له وإلاّ فمجرد قوله لا نتهمك مع قوله عاقل لا يكفي في ثبوت الأمانة والكفاية فكم من بارع في العقل والمعرفة وجدت منه الخيانة (فتتبع القرآن فاجمعه) بالفاء ولأبي ذر واجمعه (قال زيد: فوالله لو كلفني) أبو بكر (نقل جبل من الجبال ما كان) نقله (بأثقل عليّ) بتشديد الياء (مما كلفني به) أبو بكر (من جمع القرآن. قلت): أي للعمرين (كيف تفعلان شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ . قال أبو بكر) ﵁: (هو والله خير فلم يزل يحث) بالمثلثة بعد المهملة المضمومة ولأبي ذر يحب (مراجعتي) بالموحدة بدل المثلثة وضم أوله (حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر ورأيت في ذلك الذي رأيا فتتبعت القرآن) حال كوني (أجمعه من العسب) بضم العين والسين المهملتين آخره موحدة جريد النخل العريض المكشوط عنه الخوص المكتوب فيه (والرقاع) بالراء المكسورة والقاف وبعد الألف عين مهملة جمع رقعة من جلد أو ورق وفي رواية أخرى وقطع الأديم (واللخاف) باللام المشدّدة المكسورة والمعجمة وبعد الألف فاء الحجارة الرقيقة أو الخزف كما في هذا الباب (وصدور الرجال) الذين حفظوه وجمعوه في صدورهم فى حياته ﷺ كاملاً كأُبي بن كعب ومعاذ بن جبل (فوجدت آخر سورة التوبة ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ [التوبة: ١٢٨، ١٢٩] إلى آخرها مع خزيمة) بن ثابت بن الفاكه بالفاء والكاف المكسورة الأنصاري الأوسي الذي جعل النبي ﷺ شهادته شهادة رجلين (أو أبي خزيمة) بن أوس بن يزيد وهو مشهور بكنيته الأنصاري النجاري بالشك. وعند أحمد والترمذي من رواية عبد الرحمن بن مهدي عن إبراهيم بن سعد مع خزيمة بن ثابت، وفي رواية شعيب في آخر سورة التوبة مع خزيمة الأنصاري، وفي مسند الشاميين من طريق أبي اليمان عند الطبراني
стр. 7898
خزيمة بن ثابت الأنصاري، لكن قول من قال مع أبي خزيمة أصح، وقد اختلف فيه على الزهري فمن قائل مع أبي خزيمة ومن قائل مع خزيمة ومن شاكّ فيه يقول خزيمة أو أبي خزيمة، والأرجح أن الذي وجد معه آخر سورة التوبة أبو خزيمة بالكنية والذي معه آية الأحزاب خزيمة. وعند أبي داود في كتاب المصاحف من طريق ابن إسحاق حدّثني يحيى بن عباد عن أبيه عباد بن عبد الله بن الزبير قال: أتى الحارث بن خزمة إلى عمر بهاتين الآيتين ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ [التوبة: ١٢٨ - ١٢٩] إلى آخر السورة فقال: أشهد أني سمعتهما من رسول الله ﷺ ووعيتهما فقال عمر: وأنا أشهد لقد سمعتهما. وخزمة قال في الإصابة: بفتح المعجمة والزاي ابن عدي بن أبي غنم بن سالم الخزرجي الأنصاري (فألحقتها في سورتها. وكانت الصحف) التي كتبوا فيها القرآن ولأبي ذر عن الكشميهني فكانت بالفاء بدل الواو (عند أبي بكر) ﵁ (حياته حتى توفاه الله ، ثم عند عمر حياته حتى توفاه الله ثم عند حفصة بنت عمر) ﵄.
(قال محمد بن عبيد الله) بضم العين ابن محمد بن زيد مولى عثمان بن عفان شيخ البخاري المذكور أول هذا الباب (اللخاف) المذكور في الحديث (يعني) به: (الخزف) بالخاء والزاي المعجمتين ثم فاء وفي الحديث اتخاذ الحاكم الكاتب وأن يكون الكاتب عاقلاً فطنًا مقبول الشهادة، ومراجعة الكاتب للحاكم في الرأي ومشاركته له فيه.
والحديث سبق في براءة وغيرها.
٣٨ - باب كِتَابِ الْحَاكِمِ إِلَى عُمَّالِهِ وَالْقَاضِى إِلَى أُمَنَائِهِ
(باب كتاب الحاكم إلى عماله) بضم العين وتشديد الميم جمع عامل وهو من يوليه على بلد يجمع خراجها أو زكاتها ونحو ذلك (و) كتاب (القاضي إلى أمنائه) بضم الهمزة جمع أمين وهو من يوليه في ضبط أموال الناس كالجباة.
٧١٩٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِى لَيْلَى ح حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِى مَالِكٌ، عَنْ أَبِى لَيْلَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِى حَثْمَةَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ هُوَ وَرِجَالٌ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمْ فَأُخْبِرَ مُحَيِّصَةُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ قُتِلَ وَطُرِحَ فِى فَقِيرٍ -أَوْ عَيْنٍ- فَأَتَى يَهُودَ فَقَالَ: أَنْتُمْ وَاللَّهِ قَتَلْتُمُوهُ قَالُوا: مَا قَتَلْنَاهُ وَاللَّهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ فَذَكَرَ لَهُمْ وَأَقْبَلَ هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ، وَهْوَ أَكْبَرُ مِنْهُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، فَذَهَبَ لِيَتَكَلَّمَ وَهْوَ الَّذِى كَانَ بِخَيْبَرَ فَقَالَ النَّبِىُّ لِمُحَيِّصَةَ: «كَبِّرْ كَبِّرْ» يُرِيدُ السِّنَّ. فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ يُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ» فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمْ بِهِ فَكُتِبَ مَا قَتَلْنَاهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ: «أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ» قَالُوا: لَا قَالَ: «أَفَتَحْلِفُ لَكُمْ
стр. 7899
يَهُودُ»؟ قَالُوا: لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ مِائَةَ نَاقَةٍ حَتَّى أُدْخِلَتِ الدَّارَ. قَالَ سَهْلٌ: فَرَكَضَتْنِى مِنْهَا نَاقَةٌ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) الدمشقي ثم التنيسي الكلاعي الحافظ قال: (أخبرنا مالك) هو ابن أنس الإمام (عن أبي ليلى) بفتح اللامين بينهما تحتية ساكنة (ح) للتحويل قال المؤلّف:
(حدّثنا) ولأبي ذر والأصيلي وحدّثنا بواو العطف (إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل) بسكون الهاء بعد فتح السين الأنصاري المدني ويقال اسمه عبد الله (عن سهل بن أبي حثمة) بفتح الحاء المهملة وسكون المثلثة ابن ساعدة بن عامر الأنصاري الخزرجي المدني صحابي صغير (أنه أخبره هو ورجال من كبراء قومه) أي عظمائهم (أن عبد الله بن سهل) أي ابن زيد بن كعب الحارثي (ومحيصة) بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد التحتية المكسورة وفتح الصاد المهملة ابن مسعود بن كعب الحارثي (خرجا إلى خيبر من جهد) فقر شديد (أصابهم) ليمتارا تمرًا (فأخبر) بضم الهمزة وكسر الموحدة (محيصة أن عبد الله) بن سهل (قتل وطرح) بضم أولهما (في فقير) بفتح الفاء وكسر القاف أي في حفيرة. قال في الصحاح: والفقير حفير يحفر حول الفسيلة إذا غرست تقول منه فقرت للودية تفقيرًا (أو) قال: طرح في (عين) بالشك من الراوي. وعند محمد بن إسحاق فوجد في عين قد كسرت عنقه وطرح فيها (فأتى) محيصة (يهود فقال) لهم: (أنتم والله قتلتموه) قاله لقرائن قامت عنده أو نقل إليه بخبر يوجب العلم (قالوا): مقابلة لليمين باليمين (ما قتلناه والله ثم أقبل) محيصة (حتى قدم على قومه فذكر لهم) ذلك (وأقبل) ولأبي ذرّ فأقبل بالفاء بدل الواو محيصة (هو وأخوه حويصة) بضم الحاء المهملة وفتح الواو وتشديد التحتية مكسورة بعدها صاد مهملة على رسول الله ﷺ (وهو) أي حويصة (أكبر منه) أي من أخيه محيصة (عبد الرحمن بن سهل) أخو المقتول (فذهب) أي محيصة (ليتكلم وهو الذي كان بخيبر فقال لمحيصة): ولغير أبي ذر فقال النبي ﷺ لمحيصة في رواية أخرى فذهب عبد الرحمن يتكلم فيجوز أن يكون كل من عبد الرحمن ومحيصة أراد أن تكلم فقال ﵊: (كبر كبر) أي قدم الأكبر (يريد السن فتكلم حويصة) الذي هو أسن (ثم تكلم محيصة) أخوه وفي القسامة فقالوا: يا رسول الله انطلقنا إلى خيبر فوجدنا أحدنا قتيلاً (فقال رسول الله ﷺ ¬):
(إما أن يدوا صاحبكم) بفتح التحتية وتخفيف الدال المهملة أي إما أن يعطي اليهود دية صاحبكم (وإما أن يؤذنوا بحرب، فكتب رسول الله ﷺ إليهم به) أي إلى أهل خيبر بالخبر الذي نقل إليه (فكتب) بضم الكاف في الفرع كأصله وفي غيرهما بفتحها. قال في الكواكب: أي كتب الحيّ المسمى باليهود قال وفيه تكلف. وقال في الفتح. أي الكاتب عنهم لأن الذي يباشر الكتابة واحد. قال العيني: وفيه تكلف وللأصيلي وأبي ذر عن الكشميهني فكتبوا أي اليهود (ما قتلناه).
стр. 7900
وهذه الرواية أوجه وعلى رواية كتب بالضم يكون ما قتلناه في موضع رفع وزاد في رواية ولا علمنا قاتله (فقال رسول الله ﷺ لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن) أخي المقتول (أتحلفون) بهمزة الاستفهام (وتستحقون دم صاحبكم) أي بدل دم صاحبكم فحذف المضاف أو صاحبكم معناه غريمكم فلا يحتاج إلى تقدير والجملة فيها معنى التعليل لأن المعنى أتحلفون لتستحقوا وقد جاءت الواو بمعنى التعليل في قوله تعالى: ﴿أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير﴾ [الشورى: ٣٤] المعنى ليعفو.
واستشكل عرض اليمين على الثلاثة وإنما هي لأخي المقتول خاصة. وأجاب في الكواكب: بأنه كان معلومًا عندهم الاختصاص به وإنما أطلق الخطاب لهم لأنه كان لا يعمل شيئًا إلا بمشورتهما إذ هو كالولد لهما.
(قالوا) ولأبي ذر فقالوا (لا) نحلف (قال) ﷺ لهم (أفتحلف لكم يهود) أنهم ما قتلوه (قالوا) يا رسول الله (ليسوا بمسلمين) وفي الأحكام قالوا لا نرضى بأيمان اليهود وفي رواية أبي قلابة ما يبالون أن يقتلونا أجمعين ثم يحلفون (فوداه) بتخفيف الدال المهملة من غير همز فأعطى ديته (رسول الله ﷺ من عنده مائة ناقة حتى أدخلت) النوق (الدار. قال سهل) أي ابن أبي حثمة (فركضتني منها ناقة). وفي رواية محمد بن إسحاق فوالله ما أنسى ناقة بكرة منها حمراء ضربتني وأنا أحوزها. وفي القسامة فوداه مائة من إبل الصدقة ولا تنافي بينهما لاحتمال أن يكون اشتراها من إبل الصدقة والمال الذي اشترى به من عنده أو من مال بيت المال المرصد للمصالح لما في ذلك من مصلحة قطع النزاع وإصلاح ذات البين وجبرًا لخاطرهم وإلا فاستحقاقهم لم يثبت، وقد حكى القاضي عياض عن بعضهم تجويز صرف الزكاة في المصالح العامة وتأوّل الحديث عليه.
واستشكل وجه المطابقة بين الحديث والترجمة لأنه ليس في الحديث أنه ﷺ كتب إلى نائبه ولا أمينه وإنما كتب إلى الخصوم أنفسهم. وأجاب ابن المنير: بأنه يؤخذ من مشروعية مكاتبة الخصوم جواز مكاتبة النوّاب في حق غيرهم بطريق الأولى، والحديث سبق في القسامة.
٣٩ - باب هَلْ يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَبْعَثَ رَجُلاً وَحْدَهُ لِلنَّظَرِ فِى الأُمُورِ؟
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (هل يجوز للحاكم أن يبعث رجلاً حال كونه وحده للنظر) أي لأجل النظر ولأبي ذر عن المستملي والكشميهني ينظر (في الأمور)؟ المتعلقة بالمسلمين وجواب الاستفهام في الحديث.
٧١٩٣ و ٧١٩٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِىُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِىِّ قَالَا: جَاءَ أَعْرَابِىٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اقْضِ
стр. 7901
بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ فَقَامَ خَصْمُهُ فَقَالَ: صَدَقَ فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ فَقَالَ الأَعْرَابِىُّ: إِنَّ ابْنِى كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ فَقَالُوا لِى: عَلَى ابْنِكَ الرَّجْمُ، فَفَدَيْتُ ابْنِى مِنْهُ بِمِائَةٍ مِنَ الْغَنَمِ وَوَلِيدَةٍ، ثُمَّ سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَقَالُوا: إِنَّمَا عَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ، أَمَّا الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ فَرَدٌّ عَلَيْكَ وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَأَمَّا أَنْتَ يَا أُنَيْسُ» لِرَجُلٍ «فَاغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَارْجُمْهَا» فَغَدَا عَلَيْهَا أُنَيْسٌ فَرَجَمَهَا.
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب واسمه هشام قال: (حدّثنا الزهري) محمد بن مسلم (عن عبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله) بن عتبة بن مسعود أحد الفقهاء السبعة (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر (وزيد بن خالد الجهني) ﵄ أنهما (قالا: جاء أعرابي) واحد الأعراب وهم سكان البوادي (فقال: يا رسول الله اقضِ بيننا بكتاب الله) أي بما تضمنه أو بحكم الله المكتوب على المكلفين (فقام خصمه) هو في الأصل مصدر خصمه يخصمه إذا نازعه وغالبه ثم أطلق على المخاصم وصار اسمًا له فلذا يطلق على المفرد والمذكر وفروعهما ولم يسم الخصم وزاد في رواية وكان أفقه منه (فقال: صدق) يا رسول الله وفي رواية نعم (فاقض بيننا بكتاب الله). قال البيضاوي: إنما تواردا على سؤال الحكم بكتاب الله مع أنهما يعلمان أنه لا يحكم إلا بحكم الله ليفصل بينهما بالحق الصرف لا بالمصالحة والأخذ بالأرفق لأن للحاكم أن يفعل ذلك برضا الخصمين (فقال الأعرابي: إن ابني كان عسيفًا) فعيل بمعنى مفعول كأسير بمعنى مأسور وقيل بمعنى فاعل كعليم بمعنى عالم أي أجيرًا (على) خدمة (هذا) أو على بمعنى عند أي عنده أو بمعنى اللام أي أجيرًا لهذا (فزنى بامرأته) معطوف على كان عسيفًا ولم تسم المرأة (فقالوا لي: على ابنك الرجم) بالرفع ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أن على ابنك الرجم بزيادة ونصب الرجم اسمها (ففديت ابني منه) من الرجم (بمائة من الغنم ووليدة) فعيلة بمعنى مفعولة أمة (ثم سألت أهل العلم فقالوا) لي (إنما على ابنك جلد مائة وتغريب عام، فقال النبي ﷺ ¬):
(لأقضين بينكما بكتاب الله) أي بحكم الله وهو أولى من التفسير بما تضمنه القرآن لأن الحكم فيه التغريب والتغريب ليس مذكورًا فيه. نعم يحتمل أن يكون أراد ما كان متلوًّا فيه، ونسخت تلاوته وبقي حكمه وهو: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة نكالاً من الله لكن يبقى التغريب (أما الوليدة والغنم فردّ) أي مردودة (عليك) فأطلق المصدر على المفعول كقوله تعالى: ﴿هذا خلق الله﴾ [لقمان: ١١] أي مخلوقه (وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام). مصدر غرب مضاف إلى ظرفه لأن التقدير أن يجلد مائة وأن يغرب عامًّا وليس هو ظرفًا على ظاهره مقدّرًا بفي لأنه ليس المراد التغريب فيه حتى يقع في جزء منه بل المراد أن يخرج فيلبث عامًا فيقدّر يغرب بيغيب أي يغيب عامًا وهذا يتضمن أن ابنه كان غير محصن واعترف بالزنا فإن إقرار الأب عليه غير مقبول نعم إن كان من باب الفتوى فيكون معناه إن كان ابنك زنى وهو بكر فحده ذلك (وأما
стр. 7902
أنت يا أنيس) بضم الهمزة وفتح النون مصغرًا (لرجل) من أسلم وهو ابن الضحاك (فاغد) بالغين المعجمة (على امرأة هذا) أي ائتها غدوة أو امش إليها (فارجمها) إذا اعترفت (فغدا عليها أنيس) فاعترفت (فرجمها). وفي رواية الليث: فاعترفت فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت، وظاهره كما في الفتح أن ابن أبي ذئب اختصره فقال: فغدا عليها أنيس فرجمها أو فرجمها أنيس لأنه كان حاكمًا في ذلك، وعلى رواية الليث يكون رسولاً ليسمع إقرارها وتفيذ الحكم منه ﵊.
واستشكل من حيث كونه اكتفى في ذلك بشاهد واحد. وأجيب: بأنه ليس في الحديث نص بانفراده بالشهادة فيحتمل أن غيره شهد عليها، واستدلّ به على وجوب الأعذار والاكتفاء فيه بشاهد واحد، وأجاب القاضي عياض باحتمال أن يكون ذلك ثبت عند النبي ﷺ بشهادة هذين الرجلين.
قال في الفتح: والذي تقبل شهادته من الثلاثة والد العسيف فقط، وأما العسيف والزوج فلا. قال: وغفل بعض من تبع القاضي عياضًا فقال: لا بدّ من هذا الحمل وإلاّ لزم الاكتفاء بشهادة واحد في الإقرار بالزنا ولا قائل به، ويمكن الانفصال عن هذا بأن أنيسًا بعث حاكمًا فاستوفى شروط الحكم ثم استأذن في رجمها فأذن له في رجمها وكيف يتصوّر من الصورة المذكورة إقامة الشهادة عليها من غير تقدم دعوى عليها ولا على وكيلها مع حضورها في البلد غير متوارية إلا أن يقال إنها شهادة حسيّة؟ فيجاب: بأنه لم يقع هناك صيغة الشهادة المشروطة في ذلك. وقال المهلب: فيه حجة لمالك في جواز إنفاذ الحاكم رجلاً واحدًا في الأعذار وفي أن يتخذ واحدًا يثق به يكشف له عن حال الشهود في السر كما يجوز له قبول الفرد فيما طريقه الخبر لا الشهادة، والحكمة في إيراد البخاري الترجمة بصيغة الاستفهام كما نبه عليه في فتح الباري الإشارة إلى خلاف محمد بن الحسن مما نقله ابن بطال عنه حيث قال: لا يجوز للقاضي أن يقول: أقر عندي فلان بكذا الشيء يقضي به عليه من قتل أو مال أو عتق أو طلاق حتى يشهد معه على ذلك غيره، وادّعى أن مثل هذا الحكم الذي في حديث الباب خاص بالنبي ﷺ قال: وينبغي أن يكون في مجلس القاضي أبدًا عدلان يسمعان من يقر ويشهدان على ذلك فينفذ الحكم بشهادتهما.
والحديث سبق في الصلح والأيمان والنذور والمحاربين والوكالة.
٤٠ - باب تَرْجَمَةِ الْحُكَّامِ وَهَلْ يَجُوزُ تُرْجُمَانٌ وَاحِدٌ؟
(باب ترجمة الحكام) بصيغة الجمع ولأبي ذر عن الكشميهني الحاكم والترجمة تفسير الكلام بلسان غير لسانه يقال ترجم كلامه إذا فسره بلسان آخر (وهل يجوز ترجمان واحد)؟ بفتح الفوقية وضمها قال أبو حنيفة وأحمد يكفي واختاره البخاري وآخرون وقال الشافعي وأحمد في رواية عنه إذا لم يعرف الحاكم لسان الخصم لا يقبل فيه إلا عدلان كالشهادة وقال أشهب وابن نافع عن مالك يترجم له ثقة مسلم مأمون واثنان أحب إليّ.
стр. 7903
٧١٩٥ - وَقَالَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَتَعَلَّمَ كِتَابَ الْيَهُودِ حَتَّى كَتَبْتُ لِلنَّبِىِّ ﷺ كُتُبَهُ وَأَقْرَأْتُهُ كُتُبَهُمْ إِذَا كَتَبُوا إِلَيْهِ وَقَالَ عُمَرُ: وَعِنْدَهُ عَلِىٌّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَعُثْمَانُ مَاذَا تَقُولُ هَذِهِ؟ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَاطِبٍ فَقُلْتُ: تُخْبِرُكَ بِصَاحِبِهِمَا الَّذِى صَنَعَ بِهِمَا وَقَالَ أَبُو جَمْرَةَ: كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبَيْنَ النَّاسِ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَا بُدَّ لِلْحَاكِمِ مِنْ مُتَرْجِمَيْنِ.
(وقال خارجة بن زيد بن ثابت) فيما وصله البخاري في تاريخه (عن) أبيه (زيد بن ثابت) ﵁ (أن النبي ﷺ أمره أن يتعلم كتاب اليهود) أي كتابتهم يعني خطهم ولأبي ذر عن الكشميهني كتاب اليهودية بياء النسبة (حتى كتبت للنبي ﷺ كتبه) إليهم (وأقرأته كتبهم) أي التي يكتبونها (إذا كتبوا إليه) وقد وصله مطوّلاً في الذبائح بلفظ قال: أتى بي النبي ﷺ مقدمه المدينة فأعجب بي فقيل له: هذا غلام من بني النجار قد قرأ مما أنزل الله عليك بضع عشرة سورة فاستقرأني فقرأت ق فقال لي: تعلم كتاب اليهود فإني لا آمن يهود على كتابي فتعلمته في نصف شهر حتى كتبت له إلى يهود وأقرأ له إذا كتبوا إليه.
(وقال عمر) بن الخطاب ﵁ (و) الحال أن (عنده عليّ) أي ابن أبي طالب (وعبد الرحمن) بن عوف (وعثمان) بن عفان ﵃ (ماذا تقول هذه)؟ المرأة وكانت حاضرة عندهم (قال عبد الرحمن بن حاطب) بالحاء والطاء المهملتين بينهما ألف آخره موحدة ابن أبي بلتعة مترجمًا عنها لعمر عن قولها إنها حملت من زنا من عبد اسمه برغوس بالراء والغين المعجمة والسين المهملة لأنها كانت نوبية بضم النون وكسر الموحدة وتشديد التحتية أعجمية من جملة عتقاء حاطب (فقلت) يا أمير المؤمنين (تخبرك بصاحبهما الذي صنع بهما) وصله عبد الرزاق وسعيد بن منصور نحوه ولأبي ذر بصاحبها الذي صنع بها.
(وقال أبو جمرة): بالجيم المفتوحة وسكون الميم نصر بن عمران الضبعي البصري (كنت أترجم بين ابن عباس) ﵄ (وبين الناس) زاد النسائي فيما وصله عنه فأتته امرأة فسألته عن نبيذ الجرّ فنهى عنه الحديث. وسبق في كتاب العلم عند المؤلّف.
(وقال بعض الناس): محمد بن الحسن وكذا الشافعي (لا بدّ للحاكم من مترجمين) بكسر الميم بصيغة الجمع قال ابن قرقول لأنه لا بد له عمن يتكلم بغير لسانه وذلك يتكرر فيتكرر المترجمون وروي بفتح الميم بصيغة التثنية وهو المعتمد كما في الفتح.
٧١٩٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ أَخْبَرَنِى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِى رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ
стр. 7904
ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ إِنِّى سَائِلٌ هَذَا فَإِنْ كَذَبَنِى فَكَذِّبُوهُ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَقَالَ لِلتَّرْجُمَانِ: قُلْ لَهُ إِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَىَّ هَاتَيْنِ.
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (عبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله) بن عتبة بن مسعود (أن عبد الله بن عباس) ﵄ (أخبره أن أبا سفيان بن حرب أخبره أن هرقل) قيصر ملك الروم (أرسل إليه) حال كونه (في) أي مع (ركب من قريش) ثلاثين رجلاً (ثم قال) هرقل (لترجمانه: قل لهم إني سائل هذا) أي عن النبي ﷺ (فإن كذبني) بالتخفيف أي نقل إليّ كذبًا (فكذبوه) بالتشديد (فذكر الحديث. فقال) هرقل (للترجمان: قل له) أي لأبي سفيان (إن كان ما تقول) من أوصافه الشريفة (حقًّا فسيملك) بضم اللام في اليونينية مع كشط تحت اللام (موضع قدمي هاتين). أرض بيت المقدس أو أرض ملكه.
واستشكل دخول هذا الحديث هنا من جهة أن فعل هرقل الكافر لا يحتجّ به. وأجيب: بأنه يؤخذ من صحة استدلاله فيما يتعلق بالنبوّة والرسالة أنه كان مطّلعًا على شرائع الأنبياء فتحمل تصرفاته على وقف الشريعة التي كان متمسكًا بها، وأيضًا تقرير ابن عباس وهو من الأئمة الذين يقتدى بهم على ذلك، ومن ثم احتج باكتفائه بترجمة أبي جمرة له فالأمران راجعان لابن عباس أحدهما من تصرفه والآخر من تقريره، فإذا انضم إلى ذلك نقل عمر ومن معه من الصحابة ولم ينقل عن غيره خلافه قويت الحجة. واختلف هل يكفي ترجمان واحد؟ قال محمد بن الحسن: لا بدّ من رجلين أو رجل وامرأتين. وقال الشافعي: هو كالبيّنة. وعن مالك روايتان، ونقل الكرابيسي عن مالك والشافعي الاكتفاء بترجمان واحد فيرجع الخلاف إلى أنها أخبار أو شهادة قاله في فتح الباري.
٤١ - باب مُحَاسَبَةِ الإِمَامِ عُمَّالَهُ
(باب محاسبة الإمام عماله) بضم العين جمع عامل ولأبي ذر مع عماله.
٧١٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى حُمَيْدٍ السَّاعِدِىِّ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ اسْتَعْمَلَ ابْنَ الأُتَبِيَّةِ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِى سُلَيْمٍ، فَلَمَّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحَاسَبَهُ قَالَ: هَذَا الَّذِى لَكُمْ وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَهَلاَّ جَلَسْتَ فِى بَيْتِ أَبِيكَ وَبَيْتِ أُمِّكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا» ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَخَطَبَ النَّاسَ وَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّى أَسْتَعْمِلُ رِجَالاً مِنْكُمْ عَلَى أُمُورٍ مِمَّا وَلاَّنِى اللَّهُ فَيَأْتِى أَحَدُكُمْ فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِى فَهَلاَّ جَلَسَ فِى بَيْتِ أَبِيهِ وَبَيْتِ أُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ إِنْ كَانَ صَادِقًا فَوَاللَّهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مِنْهَا شَيْئًا» قَالَ هِشَامٌ: «بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلاَّ جَاءَ اللَّهَ يَحْمِلُهُ
стр. 7905
يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا فَلأَعْرِفَنَّ مَا جَاءَ اللَّهَ رَجُلٌ بِبَعِيرٍ لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بِبَقَرَةٍ لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةٍ تَيْعَرُ» ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ»؟
وبه قال: (حدّثنا محمد) هو ابن سلام قال: (أخبرنا عبدة) بن سليمان قال: (حدّثنا هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن أبي حميد) بضم الحاء المهملة وفتح الميم (الساعدي) ﵁ (أن النبي ﷺ استعمل ابن الأتبية) بضم الهمزة بعدها مثناة فوقية مفتوحة فموحدة مكسورة فتحتية مشددة. وفي رواية اللتبية باللام المضمومة بدل الهمزة وفتح المثناة الفوقية. قال القاضي عياض: وضبطه الأصيلي بخطه في باب هدايا العمال بضم اللام وسكون المثناة وكذا قيده ابن السكن وقال: إنه الصواب واسمه عبد الله واللتبية أمه (على صدقات بني سليم) بضم السين وفتح اللام (فلما جاء إلى رسول الله) ولأبي ذر إلى النبي (¬ ﷺ حاسبه) على ما قبض وصرف (قال) لرسول الله ﷺ (هذا الذي لكم وهذه) وللكشميهني وهذا (هدية أهديت لي فقال رسول الله) ولأبي ذر النبي (¬ ﷺ ¬) له:
(فهلا) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ألا بفتح الهمزة وتشديد اللام وهما بمعنى (جلست في بيت أبيك وبيت أمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقًا) في دعواك (ثم قام رسول الله ﷺ فخطب الناس وحمد الله) ولأبي ذر فحمد الله بالفاء بدل الواو (وأثنى عليه ثم قال: أما بعد) أي بعدما ذكر من حمد الله والثناء عليه (فإني أستعمل رجالاً منكم على أمور مما ولاَّني الله فيأتي أحدكم) ولأبي ذر أحدهم (فيقول هذا لكم وهذه هدية أهديت لي فهلا) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي إلا (جلس في بيت أبيه وبيت أمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقًا فوالله لا يأخذ أحدكم منها) من الصدقة التي قبضها (شيئًا، قال هشام) أي ابن عروة (بغير حقه إلا جاء الله يحمله) أي الذي أخذه (يوم القيامة) ولم يقع قوله قال هشام عند مسلم في رواية ابن نمير عن هشام بدون قوله بغير حقه. قال في الفتح: وهو مشعر بإدراجها (ألا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام (فلأعرفن) اللام جواب القسم ولأبي ذر عن المستملي فلا أعرفن بألف بعد فلا بلفظ النفي (ما جاء الله رجل) يحتمل أن تكون ما موصولة بمعنى من أطلقت على صفة من يعقل وهو الجائي ورجل فاعل مقدر أي جاءه رجل ويحتمل أن تكون مصدرية أي فلأعرفن مجيء رجل إلى الله (ببعير له رغاء) بضم الراء وتخفيف المعجمة ممدود صوت (أو بقرة لها خوار) بضم الخاء المعجمة وتخفيف الواو صوت (أو شاة تيعر) بفتح الفوقية وسكون التحتية وفتح العين المهملة بعدها راء تصوّت (ثم رفع) ﷺ (يديه) بالتثنية (حتى رأيت بياض إبطيه) وفي باب هدايا العمال حتى رأينا عفرتي إبطيه والعفرة بضم المهملة وسكون الفاء بياض ليس بالمناصع قائلاً (ألا) بالتخفيف (هل بلغت). حكم الله إليكم وأعادها في الباب المذكور ثلاثًا.
وفيه مشروعية محاسبة العمال ومنعهم من قبول الهدية ممن لهم عليه حكم وسبق الحديث في باب هدايا العمال وغيره.
стр. 7906
٤٢ - باب بِطَانَةِ الإِمَامِ وَأَهْلِ مَشُورَتِهِ
الْبِطَانَةُ: الدُّخَلَاءُ.
(باب بطانة الإمام وأهل مشورته) بفتح الميم وضم الشين المعجمة وفتح الراء اسم من شاورت فلانًا في كذا والمعنى عرضت عليه أمري حتى يدلني على الصواب منه وهو من عطف الخاص على العام قال البخاري مما نقله عن أبي عبيد:
(البطانة) بكسر الموحدة في قوله تعالى: (﴿لا تتخذوا بطانة من دونكم﴾ [آل عمران: ١١٨] (الدخلاء) بضم الدال المهملة وفتح الخاء المعجمة ممدود جمع دخيل وهو الذي يدخل على الرئيس في مكان خلوته ويفضي إليه سره ويصدقه فيما يخبره به مما يخفى عليه من أمور رعيته ويعمل بمقتضاه. وقال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿لا تتخذوا بطانة من دونكم﴾ الآية. بطانة الرجل ووليجته خصيصه الذي يفضي إليه بحوائجه ثقة به شبه ببطانة الثوب كما يقال فلان شعاري.
٧١٩٨ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِىٍّ وَلَا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ إِلاَّ كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ، بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، فَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ تَعَالَى». وَقَالَ سُلَيْمَانُ: عَنْ يَحْيَى، أَخْبَرَنِى ابْنُ شِهَابٍ بِهَذَا وَعَنِ ابْنِ أَبِى عَتِيقٍ وَمُوسَى عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مِثْلَهُ وَقَالَ شُعَيْبٌ: عَنِ الزُّهْرِىِّ حَدَّثَنِى أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ قَوْلَهُ: وَقَالَ الأَوْزَاعِىُّ: وَمُعَاوِيَةُ بْنُ سَلاَّمٍ حَدَّثَنِى الزُّهْرِىُّ حَدَّثَنِى أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ ابْنُ أَبِى حُسَيْنٍ، وَسَعِيدُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ قَوْلَهُ وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى جَعْفَرٍ حَدَّثَنِى صَفْوَانُ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى أَيُّوبَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا أصبغ) بالمهملة والموحدة المفتوحة ثم المعجمة ابن الفرج المصري قال: (أخبرنا) ولأبي ذر: حدّثنا (ابن وهب) عبد الله المصري قال: (أخبرني) بالإفراد (يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي سعيد) سعد بن مالك (الخدري) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(ما بعث الله من نبي ولا استخلف) بعده (من خليفة إلا كانت له بطانتان) والبطانة مصدر وضع موضع الاسم يسمى به الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث (بطانة تأمره بالمعروف) وفي رواية سليمان بن بلال بالخير بدل قوله بالمعروف (وتحضه عليه) بحاء مهملة مضمومة وضاد معجمة مشدّدة ترغبه فيه وتحثه عليه (وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه). وهذا متصوّر في بعض الخلفاء لا في الأنبياء، فلا يلزم من وجود من يشير عليهم بالشر قبولهم منه للعصمة كما قال: (فالمعصوم) بالفاء (من عصم الله تعالى) أي من عصمه الله من نزغات الشيطان فلا يقبل بطانة الشر
стр. 7907
أبدًا، وهذا هو منصب النبوّة الذي لا يجوز عليهم غيره وقد يكون لغيرهم بتوفيقه تعالى، وفي الولاة من لا يقبل إلا من بطانة الشر وهو الكثير في زماننا هذا فلا حول ولا قوّة إلا بالله، والمراد بالبطانتين الوزيران.
وفي حديث عائشة مرفوعًا: "من ولي منكم عملاً فأراد الله به خيرًا جعل له وزيرًا صالحًا إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه".
ويحتمل أن يكون المراد بالبطانتين الملك والشيطان، ويحتمل كما قال الكرماني أن يراد بالبطانتين النفس الأمارة بالسوء والنفس المطمئنة المحرّضة على الخير والمعصوم مَن أعطاه الله نفسًا مطمئنة أو لكلٍّ منهما قوّة ملكية وقوّة حيوانية اهـ.
وقيل المراد بالبطانتين في حق النبي ﷺ الملك والشيطان إليه الإشارة بقوله ﵊ "ولكن الله أعانني عليه فأسلم" اهـ.
فيجب على الوالي أن لا يبادر بما يلقى إليه من ذلك حتى يعرضه على كتاب الله وسُنّة نبيه فما وافقهما اتبعه وما خالفهما تركه، وينبغي أن يسأل الله تعالى العصمة من بطانة الشر وأهله ويحرص على بطانة الخير وأهله. قال سفيان الثوري: ليكن أهل مشورتك أهل التقوى والأمانة.
والحديث سبق في القدر، وأخرجه النسائي في البيعة والسير.
(وقال سليمان) بن بلال فيما وصله الإسماعيلي (عن يحيى) بن سعيد الأنصاري أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (بهذا) الحديث السابق (وعن ابن أبي عتيق) هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق (وموسى) بن عقبة فيما وصله عنهما البيهقي كليهما (عن ابن شهاب) الزهري محمد بن مسلم (مثله) أي مثل الحديث السابق. قال في الكواكب: روى سليمان عن الثلاثة، لكن الفرق بينهما أن المروي في الطريق الأولى هو المذكور بعينه وفي الثانية هو مثله اهـ.
وتعقبه في الفتح فقال لا يظهر بينهما فرق، والظاهر أن سر الإفراد أن سليمان ساق لفظ يحيى ثم عطف عليه رواية الآخرين وأحال بلفظهما عليه، فأورده البخاري على وفقه، وتعقبه العيني فقال: كيف ينفى الفرق ومثل الشيء غير عينه.
(وقال شعيب) هو ابن أبي حمزة فيما وصله الذهلي في الزهريات (عن الزهري) محمد بن مسلم (حدّثني) بالإفراد (أبو سلمة) بن عبد الرحمن (عن أبي سعيد) الخدري (قوله) نصب بنزع الخافض أي من قوله لم يرفعه إلى النبي ﷺ .
(وقال الأوزاعي): عبد الرحمن بن عمرو فيما وصله الإمام أحمد (ومعاوية بن سلام) بتشديد اللام الدمشقي فيما وصله النسائي (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: بالجمع (الزهري) قال: (حدّثني)
стр. 7908
بالإفراد (أبو سلمة) بن عبد الرحمن (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) فجعلاه من حديث أبي هريرة وهو عند شعيب عن أبي سعيد وجعلاه مرفوعًا وهو عنده موقوفًا.
(وقال ابن أبي حسين) بضم الحاء وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين النوفلي المكي (وسعيد بن زياد) بكسر العين وكسر زاي زياد وتخفيف التحتية الأنصاري المدني التابعي الصغير (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن أبي سعيد) الخدري (قوله) أي من قوله لا مرفوعًا.
(وقال عبد الله) بفتح العين في الفرع وصوابه بضمها (ابن أبي جعفر) يسار المصري بالميم من صغار التابعين مما وصله النسائي (حدّثني) بالإفراد (صفوان) بن سليم بضم السين مولى آل عوف (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن أبي أيوب) خالد بن زيد الأنصاري أنه (قال: سمعت النبي ﷺ ¬). فالحديث بحسب الصورة الواقعة مرفوع من رواية ثلاثة من الصحابة أبي سعيد وأبي هريرة وأبي أيوب، لكنه على طريقة المحدّثين حديث واحد اختلف على التابعي في صحابيه فجزم صفوان بأنه عن أبي أيوب، واختلف على الزهري فيه هل هو أبو سعيد أو أبو هريرة؟ وأما الاختلاف في وقفه ورفعه فلا يقدح لأن مثله لا يقال من قبل الرأي فسبيله الرفع، وتقديم البخاري لرواية أبي سعيد الخدري الموصولة المرفوعة يؤذن بترجيحها عنده لا سيما مع موافقة ابن أبي حسين وسعيد بن زياد لمن قال عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي سعيد وإذا لم يبق إلا الزهري وصفوان، فالزهري أحفظ من صفوان بدرجات قاله في الفتح.
٤٣ - باب كَيْفَ يُبَايِعُ الإِمَامُ النَّاسَ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (كيف يبايع الإمام الناس)؟ بالنصب على المفعولية والإمام فاعل، ولأبي ذر: بنصب الإمام مفعول مقدّم ورفع الناس على الفاعلية والمراد بالكيفية هنا الصيغ القولية لا الفعلية كما ستراه إن شاء الله تعالى في الأحاديث المسوقة في الباب.
٧١٩٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِى مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِى عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبِى عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِى الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ.
وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ وَأَنْ نَقُومَ أَوْ نَقُولَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِى اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ.
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدّثني) بالإفراد (مالك) إمام الأئمة ودار الهجرة ابن أنس الأصبحي (عن يحيى بن سعيد) الأنصاري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عبادة بن الوليد) بضم العين وتخفيف الموحدة (قال: أخبرني) بالإفراد أيضًا (أبي) الوليد (عن) أبيه (عبادة بن
стр. 7909
الصامت) ﵁ أنه (قال: بايعنا) بفتح التحتية وسكون العين عاهدنا (رسول الله ﷺ ¬) ليلة العقبة بمنى (على السمع والطاعة) له (في المنشط) بفتح الميم والشين المعجمة بينهما نون ساكنة آخره طاء مهملة مصدر ميمي من النشاط (والمكره) بفتح الميم والراء بينهما كاف ساكنة مصدر ميمي أيضًا أي في حال نشاطنا وحال عجزنا عن العمل بما نؤمر به. وقال السفاقسي: الظاهر أن المراد في وقت الكسل والمشقّة في الخروج ليطابق قوله في المنشط، ويؤيده ما عند أحمد من رواية إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن عبادة في النشاط والكسل. وقال في شرح المشكاة: أي عاهدناه بالتزام السمع والطاعة في حالتي الشدة والرخاء وتارتي الضراء والسراء وإنما عبر عنه بصيغة المفاعلة للمبالغة والإيذان بأنه التزم لهم أيضًا بالأجر والثواب والشفاعة يوم الحساب على القيام بما التزموا.
(وأن لا ننازع الأمر) أي أمر الملك والولاية (أهله) فلا نقاتلهم (وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا) والشك هل هي بالميم أو اللام من الراوي (لا نخاف في) نصرة دين (الله لومة لائم) من الناس واللومة المرة من اللوم. قال في الكشاف: وفيها وفي التنكير مبالغتان كأنه قال لا نخاف شيئًا قط من لوم أحد من اللوّام ولومة مصدر مضاف لفاعله في المعنى، وفيه وجوب السمع والطاعة للحاكم سواء حكم بما يوافق الطبع أو يخالفه وعدي بايعنا بعلى لتضمنه معنى عاهد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل زمان ومكان الكبار والصغار ولا نداهن فيه أحدًا ولا نخافه ولا نلتفت إلى الأئمة ونحوهم قاله النووي.
والحديث أخرجه مسلم في المغازي.
٧٢٠١ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: خَرَجَ النَّبِىُّ ﷺ فِى غَدَاةٍ بَارِدَةٍ وَالْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ فَقَالَ:
اللَّهُمَّ إِنَّ الْخَيْرَ خَيْرُ الآخِرَهْ … فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ
فَأَجَابُوا:
نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا … عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدَا
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن علي) بفتح العين وسكون الميم الصيرفي البصري قال: (حدّثنا خالد بن الحارث) الهجيمي قال: (حدّثنا حميد) الطويل (عن أنس ﵁) أنه (قال: خرج النبي ﷺ في غداة باردة والمهاجرون والأنصار يحفرون الخندق) بكسر الفاء وكان ذلك في غزوته سنة خمس (فقال) ﷺ متمثلاً بقول ابن رواحة:
(اللهم إن الخير خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة. فأجابوا) النبي ﷺ ولأبي ذر فأجابوه (نحن الذين بايعوا محمدًا).
стр. 7910
صفة للذين لا صفة نحن. وهذا موضع الترجمة (على الجهاد ما بقينا أبدًا). بالتنوين في محمدًا وأبدًا في اليونينية.
والحديث سبق بأتم من هذا في غزوة الخندق.
٧٢٠٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كُنَّا إِذَا بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ يَقُولُ لَنَا: «فِيمَا اسْتَطَعْتَ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي أبو محمد الكلاعي الدمشقي الأصل قال: (أخبرنا مالك) الإمام بن أنس المدني (عن عبد الله بن دينار) العدوي مولاهم أبي عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر (عن عبد الله بن عمر ﵄) أنه (قال: كنا إذا بايعنا) بسكون العين (رسول الله ﷺ على السمع) للأوامر والنواهي (والطاعة) للحاكم يقول لنا أي للمبايع منا (فيما استطعت) وهذا من شفقته ورحمته بنا جزاه الله عنا أفضل ما جازى نبيًّا عن أمته وللكشميهني فيما استطعتم بالجمع.
٧٢٠٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: شَهِدْتُ ابْنَ عُمَرَ حَيْثُ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: كَتَبَ إِنِّى أُقِرُّ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِعَبْدِ الْمَلِكِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، مَا اسْتَطَعْتُ وَإِنَّ بَنِىَّ قَدْ أَقَرُّوا بِمِثْلِ ذَلِكَ.
[الحديث ٧٢٠٣ - طرفاه في: ٧٢٠٥، ٧٢٧٢].
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن سفيان) الثوري قال: (حدّثنا عبد الله بن دينار) مولى ابن عمر (قال: شهدت ابن عمر) ﵄ (حيث اجتمع الناس على عبد الملك) بن مروان بن الحكم الأموي يبايعونه بالخلافة وكانت الكلمة قبل ذلك متفرقة إذ كان في الأرض قبل اثنان يدعى لكل منهما بالخلافة وهما عبد الملك بن مروان وعبد الله بن الزبير، وكان أي ابن الزبير امتنع من مبايعة يزيد بن معاوية، فلما مات ادّعى ابن الزبير الخلافة فبايعه الناس بها بالحجاز، وبايع أهل الآفاق معاوية بن يزيد بن معاوية فلم يعش إلا نحو أربعين يومًا ومات فبايع الناس ابن الزبير إلا بني أمية ومن يهوى هواهم فبايعوا مروان بن الحكم ثم مات بعد ستة أشهر وعهد إلى ابنه عبد الملك بن مروان فقام مقامه وجهز الحجاج لقتال ابن الزبير فحاصره إلى أن قتل ﵁ فلما انتظم الملك لعبد الملك وبايعه ابن عمر (قال) حين (كتب) له المبايعة (إني أقر) بضم الهمزة وكسر القاف (بالسمع والطاعة لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين على سُنّة الله وسُنّة رسوله) ﷺ (ما استطعت) أي قدر استطاعتي (وإن بنيّ) بفتح الموحدة وكسر النون وتشديد التحتية عبد الله وأبو بكر وأبو عبيدة وبلال وعمر أمهم صفية بنت أبي عبيد بن مسعود الثقفي، وعبد الرحمن أمه أم علقمة بنت نافس بن وهب، وسالم وعبيد الله
стр. 7911
وحمزة أمهم أم وليد وزيد أمه أم ولد (قد أقروا بمثل ذلك) الذي أقررت به من السمع والطاعة.
زاد الإسماعيلي والسلام. والحديث من أفراده.
٧٢٠٤ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَايَعْتُ النَّبِىَّ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فَلَقَّنَنِى فِيمَا اسْتَطَعْتُ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.
وبه قال: (حدّثنا يعقوب بن إبراهيم) بن كثير بن أفلح العبدي مولاهم أبو يوسف الدورقي قال: (حدّثنا هشيم) بضم الهاء وفتح الشين المعجمة ابن بشير بفتح الموحدة وكسر المعجمة بوزن عظيم أبو معاوية بن خازم بمعجمتين الواسطي قال: (أخبرنا سيار) بفتح المهملة والتحتية المشددة ابن وردان أبو الحكم العنزي (عن الشعبي) عامر بن شراحيل (عن جرير بن عبد الله) بفتح الجيم البجلي ﵁ أنه (قال: بايعت النبي ﷺ على السمع) لولي الأمر في أمره ونهيه (والطاعة) له (فلقنني) أي زاد على سبيل التلقين أن أقول (فيما استطعت) شفقة منه ورأفة (و) على (النصح لكل مسلم). وذمي بأمره بالإسلام وتعلقاته.
٧٢٠٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: لَمَّا بَايَعَ النَّاسُ عَبْدَ الْمَلِكِ كَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّى أُقِرُّ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِعَبْدِ اللَّهِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، فِيمَا اسْتَطَعْتُ وَإِنَّ بَنِىَّ قَدْ أَقَرُّوا بِذَلِكَ.
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن علي) أبو حفص الفلاس الصيرفي أحد الأعلام قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن سفيان) الثوري أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (عبد الله بن دينار) العدوي مولاهم (قال: لما بايع الناس عبد الملك) بن مروان (كتب إليه عبد الله بن عمر) ﵄ من ابن عمر (إلى عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين إني أقر بالسمع والطاعة لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين على سُنّة الله وسُنّة رسوله فيما استطعت وأن بنيّ قد أقروا) لك (وبذلك). وهذا إخبار عن إقرارهم لا إقرار عنهم، وعند الإسماعيلي من وجه آخر عن سفيان بلفظ: رأيت ابن عمر يكتب وكان إذا كتب يكتب بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني أقر بالسمع والطاعة لعبد الله عبد الملك، وقال في آخره أيضًا والسلام. والحديث من أفراده.
٧٢٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ عَنْ يَزِيدَ قَالَ: قُلْتُ لِسَلَمَةَ عَلَى أَىِّ شَىْءٍ بَايَعْتُمُ النَّبِىَّ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ؟ قَالَ: عَلَى الْمَوْتِ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) بن قعنب القعنبي قال: (حدّثنا حاتم) هو ابن إسماعيل الكوفي سكن في المدينة (عن يزيد) من الزيادة وهو ابن أبي عبيد كما في رواية أبي ذر
стр. 7912
مولى سلمة بن الأكوع أنه (قال: قلت لسلمة) بن الأكوع ﵁ (على أيّ شيء بايعتم النبي ﷺ يوم الحديبية)؟ بالتخفيف تحت الشجرة (قال) بايعناه (على الموت) أي نقاتل بين يديه ونصبر ولا نفر وإن قتلنا.
وسبق الحديث بأتم من هذا في باب البيعة على الحرب أن لا يفروا من كتاب الجهاد.
٧٢٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَهُ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ الرَّهْطَ الَّذِينَ وَلاَّهُمْ عُمَرُ اجْتَمَعُوا فَتَشَاوَرُوا قَالَ لَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لَسْتُ بِالَّذِى أُنَافِسُكُمْ عَلَى هَذَا الأَمْرِ وَلَكِنَّكُمْ إِنْ شِئْتُمُ اخْتَرْتُ لَكُمْ مِنْكُمْ فَجَعَلُوا ذَلِكَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَلَمَّا وَلَّوْا عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَمْرَهُمْ فَمَالَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَتَّى مَا أَرَى أَحَدًا مِنَ النَّاسِ يَتْبَعُ أُولَئِكَ الرَّهْطَ وَلَا يَطَأُ عَقِبَهُ وَمَالَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُشَاوِرُونَهُ تِلْكَ اللَّيَالِىَ، حَتَّى إِذَا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِى أَصْبَحْنَا مِنْهَا فَبَايَعْنَا عُثْمَانَ قَالَ الْمِسْوَرُ: طَرَقَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بَعْدَ هَجْعٍ مِنَ اللَّيْلِ، فَضَرَبَ الْبَابَ حَتَّى اسْتَيْقَظْتُ فَقَالَ: أَرَاكَ نَائِمًا فَوَاللَّهِ مَا اكْتَحَلْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ بِكَبِيرِ نَوْمٍ، انْطَلِقْ فَادْعُ الزُّبَيْرَ وَسَعْدًا فَدَعَوْتُهُمَا لَهُ: فَشَاوَرَهُمَا ثُمَّ دَعَانِى فَقَالَ: ادْعُ لِى عَلِيًّا فَدَعَوْتُهُ فَنَاجَاهُ حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ ثُمَّ قَامَ عَلِىٌّ مِنْ عِنْدِهِ، وَهْوَ عَلَى طَمَعٍ وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَخْشَى مِنْ عَلِىٍّ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِى عُثْمَانَ فَدَعَوْتُهُ فَنَاجَاهُ، حَتَّى فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْمُؤَذِّنُ بِالصُّبْحِ فَلَمَّا صَلَّى لِلنَّاسِ الصُّبْحَ، وَاجْتَمَعَ أُولَئِكَ الرَّهْطُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، فَأَرْسَلَ إِلَى مَنْ كَانَ حَاضِرًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَأَرْسَلَ إِلَى أُمَرَاءِ الأَجْنَادِ وَكَانُوا وَافَوْا تِلْكَ الْحَجَّةَ مَعَ عُمَرَ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا تَشَهَّدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ يَا عَلِىُّ إِنِّى قَدْ نَظَرْتُ فِى أَمْرِ النَّاسِ فَلَمْ أَرَهُمْ يَعْدِلُونَ بِعُثْمَانَ، فَلَا تَجْعَلَنَّ عَلَى نَفْسِكَ سَبِيلاً فَقَالَ: أُبَايِعُكَ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ، فَبَايَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَبَايَعَهُ النَّاسُ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ وَأُمَرَاءُ الأَجْنَادِ وَالْمُسْلِمُونَ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد بن أسماء) الضبعي قال: (حدّثنا جويرية) بن أسماء عم السابق (عن مالك) الإمام (عن الزهري) محمد بن مسلم (أن حميد بن عبد الرحمن) بن عوف (أخبره أن المسور بن مخرمة) ابن أخت عبد الرحمن بن عوف ﵁ (أخبره أن الرهط) وهو ما دون العشرة وقيل إلى ثلاثة (الذين ولاّهم عمر) بن الخطاب ﵁ أي عيّنهم للتشاور فيمن يعقد له الخلافة فيهم وهم ما سبق في باب قصة البيعة من المناقب علي وعثمان والزبير وطلحة وسعد وعبد الرحمن (اجتمعوا فتشاوروا) فيمن يولونه الخلافة (قال) ولأبي ذر فقال (لهم عبد الرحمن) بن عوف: (لست بالذي أنافسكم) بضم الهمزة وفتح النون وبعد الألف فاء مكسورة فسين مهملة أنازعكم (على هذا الأمر) أي الخلافة إذ ليس لي فيها رغبة ولأبي ذر عن الحموي
стр. 7913
والمستملي عن والأولى أوجه، (ولكنكم إن شئتم اخترت لكم منكم) أي ممن سماهم عمر دونه (فجعلوا ذلك إلى عبد الرحمن فلما ولّوا عبد الرحمن أمرهم) في الاختيار منهم (فمال الناس على عبد الرحمن حتى ما أرى أحدًا من الناس يتبع) بسكون الفوقية وفتح الموحدة (أولئك الرهط ولا يطأ عقبه) بفتح العين وكسر القاف أي ولا يمشون خلفه وهو كناية عن الإعراض (ومال الناس على عبد الرحمن) كرّر هذه لبيان سبب الميل وهو قوله (يشاورونه) في أمر الخلافة (تلك الليالي) زاد الزبيدي في روايته عن الدارقطني في غرائب مالك عن الزهري لا يخلو به رجل ذو رأي فيعدل بعثمان أحدًا وكرر قوله (حتى إذا كانت الليلة) وللكشميهني تلك الليلة (التي أصبحنا منها فبايعنا) بسكون العين (عثمان) بن عفان بالخلافة (قال المسور) بن مخرمة (طرقني عبد الرحمن) بن عوف (بعد هجع من الليل) بفتح الهاء وسكون الجيم بعدها عين مهملة. قال في المصابيح: أي بعد طائفة منه هذا الذي يفهم من كلام القاضي واقتصر عليه الزركشي، وقال الحافظ مغلطاي: يريد بالهجوع النوم بالليل خاصة ذكره أبو عبيد. قال العلامة البدر الدماميني وهذا يستدعي أن يكون قوله من الليل صفة كاشفة بخلاف الأوّل فإنها فيه مخصصة وهو أولى اهـ.
قال في الفتح: وقد أخرجه البخاري في التاريخ الصغير من طريق يونس عن الزهري بلفظ بعد هجيع بوزن عظيم (فضرب الباب حتى استيقظت) من النوم (فقال) لي: (أراك نائمًا فوالله ما اكتحلت) ما دخل النوم جفن عيني كما يدخله الكحل (هذه الليلة) ولأبي ذر عن الحموي والكشميهني هذه الثلاث (بكبير نوم) في رواية سعيد بن عامر عند الدارقطني في غرائب مالك والله ما حملت فيهما غمضًا منذ ثلاث ولأبي ذر بكثير نوم بالمثلثة بدل الموحدة (انطلق فادع الزبير) بن العوّام (وسعدًا) أي ابن أبي وقاص (فدعوهما له فشاورهما) بالشين المعجمة من المشاورة ولأبي ذر عن المستملي فسارّهما بالسين المهملة وتشديد الراء (ثم دعاني فقال ادع لي عليًّا فدعوته) له فجاء (فناجاه حتى ابهارّ الليل) بتسكين الموحدة وتشديد الراء انتصف، وفي رواية سعيد بن عامر المذكورة فجعل يناجيه حتى ترتفع أصواتهما أحيانًا فلا يخفى عليّ شيء مما يقولان ويخفيان أحيانًا (ثم قام عليّ) هو ابن أبي طالب (من عنده وهو) أي علي (على طمع) أن يوليه (وقد كان عبد الرحمن يخشى من علي شيئًا) من المخالفة الموجبة للفتنة. وقال ابن هبيرة: أظنه أشار إلى الدعابة التي كانت في علي أو نحوها، ولا يجوز أن يحمل على أن عبد الرحمن خاف من علي على نفسه (ثم قال: ادع لي عثمان فدعونه) فجاء (فناجاه حتى فرّق بينهما المؤذن بالصبح فلما صلّى للناس الصبح) ولأبي ذر: صلّى الناس الصبح.
(واجتمع أولئك الرهط) الذين عينهم عمر للمشورة (عند المنبر) في المسجد النبوي (فأرسل) عبد الرحمن (إلى من كان حاضرًا من المهاجرين والأنصار وأرسل إلى أمراء الأجناد) معاوية أمير الشام وعمير بن سعيد أمير حمص، والمغيرة بن شعبة أمير الكوفة، ولأي موسى الأشعري أمير البصرة، وعمرو بن العاص أمير مصر ليجمع أهل الحل والعقد (وكانوا وافوا تلك الحجة) قدموا مكلة فحجوا (مع عمر) ورافقوه إلى المدينة (فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن) وفي رواية
стр. 7914
عبد الرحمن بن طهمان جلس عبد الرحمن على المنبر (ثم قال: أما بعد يا علي إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان) أي لا يجعلون له مساويًا بل يرجحونه على غيره (فلا تجعلن على نفسك) من اختياري لعثمان (سبيلاً) ملامة إذا لم يوافق الجماعة (فقال) عبد الرحمن مخاطبًا لعثمان: (أبايعك على سُنّة الله ورسوله) ولأبي ذر عن الكشميهني وسُنّة رسوله (والخليفتين) أبي بكر وعمر (من بعده) فقال عثمان نعم (فبايعه عبد الرحمن وبايعه الناس المهاجرون) ولأبي ذر والمهاجرون بواو العطف وهو من عطف الخاص على العام (والأنصار وأمراء الأجناد) المذكورون (والمسلمون). وفي الحديث إن الجماعة الموثوق بديانتهم إذا عقدوا عقد الخلافة لشخص بعد المشاورة والاجتهاد لم يكن لغيرهم أن يحل ذلك العقد إذ لو كان العقد لا يصح إلا باجتماع الجميع لكان لا معنى لتخصيص هؤلاء الستة، فلما لم يعترض منهم معترض بل رضوا دل ذلك على صحته، وفيه أن على من أسند إليه ذلك أن يبذل وسعه في الاختيار ويهجر أهله وليله اهتمامًا بما هو فيه حتى يكمله.
٤٤ - باب مَنْ بَايَعَ مَرَّتَيْنِ
(باب من بايع مرتين) في حالة واحدة للتأكيد.
٧٢٠٨ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: بَايَعْنَا النَّبِىَّ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَقَالَ لِى: «يَا سَلَمَةُ أَلَا تُبَايِعُ»؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَايَعْتُ فِى الأَوَّلِ قَالَ: «وَفِى الثَّانِى».
وبه قال: (حدّثنا أبو عاصم) الضحاك بن مخلد النبيل (عن يزيد بن أبي عبيد) بضم العين مولى سلمة (عن سلمة) بن الأكوع ﵁ أنه (قال: بايعنا) بسكون العين (النبي ﷺ ¬) بيعة الرضوان (تحت الشجرة) التي بالحديبية (فقال) ﵊ (لي):
(يا سلمة ألا) بالتخفيف (تبايع؟ قلت: يا رسول الله قد بايعت في) الزمن (الأول) بفتح الهمزة وتشديد الواو (قال) ﵊ (وفي الثاني) أي وفي الزمن الثاني تبايع أيضًا ولأبي ذر عن الكشميهني في الأولى أي في الساعة أو الطائفة قال: وفي الثانية. وأراد كما قال الداودي أن يؤكد بيعة سلمة لعلمه بشجاعته وعنائه في الإسلام وشهرته بالثبات فلذلك أمره بتكرير المبايعة ليكون له في ذلك فضيلة.
وتقدم في باب البيعة في الحرب من كتاب الجهاد من رواية المكي بن إبراهيم عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة الحديث بأتم من هذا السياق، وفيه: بايعت النبي ﷺ ثم عدلت إلى ظل شجرة فلما خف الناس قال: يا ابن الأكوع ألا تبايع؟ وقال في آخره فقلت له: يا أبا مسلم على أي شيء كنتم تبايعون يومئذٍ؟ قال: على الموت.
وهذا الحديث هو الحادي والعشرون من الثلاثيات.
стр. 7915
٤٥ - باب بَيْعَةِ الأَعْرَابِ
(باب بيعة الأعراب) على الإسلام والجهاد.
٧٢٠٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الإِسْلَامِ فَأَصَابَهُ وَعْكٌ فَقَالَ: أَقِلْنِى بَيْعَتِى فَأَبَى ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ: أَقِلْنِى بَيْعَتِى فَأَبَى، فَخَرَجَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِى خَبَثَهَا وَيَنْصَعُ طِيبُهَا».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) الإمام (عن محمد بن المنكدر) بن عبد الله المدني الحافظ (عن جابر بن عبد الله) السلمي بفتحتين الأنصاري (﵄ أن أعرابيّا) لم يسم وعند الزمخشري في ربيع الأبرار أنه قيس بن أبي حازم. قال الحافظ ابن حجر في المقدمة: وفيه نظر. قال في الشرح: لأنه تابعي كبير مشهور صرحوا بأنه هاجر فوجد النبي ﷺ قد مات فإن كان محفوظًا فلعله آخر وافق اسمه واسم أبيه وفي الذيل لأبي موسى في الصحابة قيس بن أبي حازم المنقري ويحتمل أن يكون هو هذا (بايع رسول الله ﷺ على الإسلام فأصابه وعك) بفتح الواو وسكون العين حمى أو ألمها أو رعدتها (فقال) يا رسول الله (أقلني بيعتي فأبى) فامتنع النبي ﷺ أن يقيله لأنه لا يعين على معصية وظاهره طلب الإقالة من نفس الإسلام، ويحتمل أن يكون من شيء من عوارضه كالهجرة وكانت إذ ذاك واجبة فمن خرج من المدينة كراهية فيها أو رغبة عنها كما فعل هذا الأعرابي فهو مذموم (ثم جاءه) ﷺ الأعرابي المرة الثانية (فقال: أقلني بيعتي فأبى) وفي رواية الثوري عن ابن المنكدر أنه أعاد ذلك ثلاثًا (فخرج) الأعرابي من المدينة راجعًا إلى البدو (فقال رسول الله ﷺ ¬):
(المدينة كالكير) بكسر الكاف بعدها تحتية ساكنة فراء ما ينفخ الحداد فيه (تنفي) بفتح الفوقية وسكون النون وكسر الفاء (خبثها) بفتح المعجمة والموحدة والمثلثة رديئها الذي لا خير فيه (وينصع) بفتح التحتية وسكون النون وفتح الصاد بعدها عين مهملتين ويظهر (طيبها) بكسر الطاء المهملة وسكون التحتية مرفوع فاعل ينصع، ولأبي ذر عن الكشميهني: وتنصع بالفوقية بدل التحتية طيبها بكسر الطاء وتسكين التحتية منصوب على المفعولية.
والحديث يأتي في الاعتصام إن شاء الله تعالى بعون الله، وأخرجه مسلم في المناسك والترمذي في المناقب والنسائي في البيعة والسِّيَر.
٤٦ - باب بَيْعَةِ الصَّغِيرِ
(باب) حكم (بيعة الصغير).
٧٢١٠ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ هُوَ ابْنُ أَبِى
следующие страницы →