Полный текст (8 298 стр.). Показаны 8086–8125 · переход к 8091.
стр. 8086
في مكان لم يخطر ببالها كما روي أن ملك الموت مرّ على سليمان بن داود ﵉ فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه يديم النظر إليه فقال الرجل: من هذا؟ فقال: ملك الموت. فقال: كأنه يريدني فمرّ الريح أن تحملني وتلقيني بالهند ففعل فقال ملك الموت: كان دوام نظري تعجبًا منه إذ أمرت أن أقبض روحه بالهند وهو عندك.
وفي الطبراني الكبير عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ : "ما جعل الله منية عبد بأرض إلا جعل له فيها حاجة وإنما جعل العلم لله والدراية للعبد" لأن في الدراية معنى الحيلة، والمعنى أنها أي النفس لا تعرف وإن أعملت حيلتها ما يختص بها ولا شيء أخص بالإنسان من كسبه وعاقبته فإذا لم يكن له طريق إلى معرفتهما كان من معرفة ما عداهما أبعد، وأما المنجم الذي يخبر بوقت الغيب والموت فإنه يقول بالقياس والنظر في المطالع وما يدرك بالدليل لا يكون غيبًا على أنه مجرد الظن والظن غير العلم والله تعالى أعلم.
وأشار إلى علوم الآخرة بقوله: (ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله) فلا يعلم ذلك نبي مرسل ولا ملك مقرّب.
ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، والحديث سبق في آخر الاستسقاء.
٧٣٨٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ وَهْوَ يَقُولُ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ فَقَدْ كَذَبَ، وَهْوَ يَقُولُ: (لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ).
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) بن واقد الفريابي الضبي مولاهم محدّث قيسارية قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن إسماعيل) بن أبي خالد البجلي (عن الشعبي) عامر بن شراحيل أحد الأعلام قال: أدركت خمسمائة من الصحابة وما كتبت سوداء في بيضاء ولا حدّثت بحديث إلا حفظته (عن مسروق) أي ابن الأجدع (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: من حدّثك أن محمدًا ﷺ رأى ربه) ليلة المعراج (فقد كذب) قالته رأيًا باجتهادها لقوله: (وهو) أي الله تعالى (يقول) في سورة الأنعام: (﴿لا تدركه الأبصار﴾ [الأنعام: ١٠٣]) وأجاب المثبتون بأن معنى الآية لا تحيط به الأبصار أو لا تدركه الأبصار وإنما يدركه المبصرون أو لا تدركه في الدنيا لضعف تركيبها في الدنيا فإذا كان في الآخرة خلق الله تعالى فيهم قوة يقدرون بها على الرؤية، وفي كتابي المواهب من مباحث ذلك ما يكفي.
(ومن حدّثك أنه يعلم الغيب فقد كذب) والضمير في أنه يعلم للنبي ﷺ لعطفه على قوله: من حدثك أن محمدًا وصرح به فيما أخرجه ابن خزيمة وابن حبان من طريق عبد ربه بن سعد عن داود عن أبي هند عن الشعبي بلفظ: أعظم الفرية على الله من قال إن محمدًا رأى ربه وأن
стр. 8087
محمدًا كتم شيئًا من الوحي وأن محمدًا يعلم ما في غد (وهو) تعالى (يقول: (لا يعلم الغيب إلا الله)) والآية ﴿قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله﴾ [النمل: ٦٥] وجاز مثل ذلك لأنه ليس الغرض القراءة ولا نقلها وقول الداودي ما أظن قوله في هذا الطريق من حدّثك أن محمدًا يعلم الغيب محفوظًا وما أحد يدعي أن رسول الله ﷺ كان يعلم من الغيب إلا ما علمه الله متعقب بأن بعض من لم يرسخ في الإيمان كان يظن ذلك حتى كان يرى أن صحة النبوة تستلزم اطلاع النبي جميع المغيبات، ففي مغازي ابن إسحاق أن ناقته ﷺ ضلت فقال ابن الصليت بالصاد المهملة آخره مثناة بوزن عظيم: يزعم أنه نبي ويخبركم عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته فقال النبي ﷺ : إن رجلاً يقول كذا وكذا وإني والله لا أعلم إلا ما علمني الله وقد دلني الله عليها وهي في شعب كذا قد حبستها شجرة فذهبوا فجاؤوا بها فأعلم ﷺ أنه لا يعلم من الغيب إلا ما علمه الله، والغرض من الباب إثبات صفة العلم وفيه ردّ على المعتزلة حيث قالوا: إنه عالم بلا علم.
قال العبري: وكتبهم شاهدة بتعليل عالمية الله تعالى بالعلم كما يقول به أهل السُّنَّة لكن النزاع في أن ذلك العلم المعلل به هل هو عين الذات كما يقول المعتزلة أو لا كما يقول أهل السُّنّة ثم إن علمه تعالى شامل لكل معلوم جزئيات وكليات قال تعالى: ﴿أحاط بكل شيء علمًا﴾ [الطلاق: ١٢] أي علمه أحاط بالمعلومات كلها. وقال تعالى: ﴿عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة﴾ [سبأ: ٣] الآية. وأطبق المسلمون على أنه تعالى يعلم دبيب النملة السوداء في الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، وأن معلوماته لا تدخل تحت العلة والإحصاء وعلمه محيط بها جملة وتفصيلاً، وكيف لا وهو خالقها ألا يعلم من خلق، وضلت الفلاسفة حيث زعموا أنه يعلم الجزئيات على الوجه الكلي لا الجزئي.
وحديث الباب سبق في التفسير.
٥ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣]
(باب قول الله تعالى: ﴿السلام﴾) سقط لفظ باب لغير أبي ذر، والسلام هو مصدر نعت به. والمعنى ذو السلامة من النقائص والبراءة من العيوب والفرق بينه وبين القدوس أن القدوس يدل على براءة الشيء من نقص تقتضيه ذاته فإن القدس طهارة الشيء في نفسه، والسلام يدل على نزاهته عن نقص يعتريه لعروض آفة أو صدور فعل، وقيل معنى السلام مالك تسليم العباد من المخاوف والمهالك فيرجع إلى القدرة فيكون من صفات الذات، وقيل ذو السلام على المؤمنين في الجنان كما قال تعالى: ﴿سلام قولاً من رب رحيم﴾ [يس: ٥٨] فيكون مرجعه إلى الكلام القديم ووظيفة العارف أن يتخلق به بحيث يسلم قبله عن الحقد والحسد وإرادة الشر وقصد الخيانة وجوارحه عن ارتكاب المحظورات واقتراف الآثام (﴿المؤمن﴾ [الحشر: ٢٣]) هو الذي آمن أولياءه عذابه يقال آمنه يؤمنه فهو مؤمن وقيل المصدق لرسله بإظهار معجزته عليهم ومصدق المؤمنين ما
стр. 8088
وعدهم من الثواب ومصدق الكافرين ما أوعدهم من العقاب، وقال مجاهد: المؤمن الذي وجد نفسه بقوله: شهد الله أنه لا إله إلا الله.
٧٣٨١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ، حَدَّثَنَا شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ كُنَّا نُصَلِّى خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَقُولُ: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِىُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ».
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) هو أحمد بن عبد الله بن يونس الكوفي قال: (حدّثنا زهير) بضم الزاي مصغرًا ابن معاوية الجعفي قال: (حدّثنا مغيرة) بن المقسم بكسر الميم قال: (حدّثنا شقيق بن سلمة) أبو وائل الأسدي الكوفي المخضرم (قال: قال عبد الله) بن مسعود ﵁ (كنا نصلي خلف النبي ﷺ فنقول) في التشهد (السلام على الله) أي من عباده كما في الرواية الأخرى (فقال) لنا (النبى ﷺ ¬) لما فرغ من الصلاة:
(إن الله هو السلام) فأنكر التسليم على الله، وبين أن ذلك عكس ما يجب أن يقال فإن كل سلام ورحمة له ومنه فهو مالكها ومعطيها. وقال ابن الأنباري: أمرهم أن يصرفوه إلى الخلق لحاجتهم إلى السلامة وغناه عنها (ولكن قولوا التحيات لله) جمع تحية وهي تفعلة من الحياة بمعنى الإحياء والتبقية واللام في لله للاختصاص أو المراد كل ما تعظّم به الملوك له فاللام للاستحقاق (والصلوات) المعهودات في الشرع واجبة (والطيبات) ما طاب من الكلام وحسن أن يثنى به على الله أو ذكر الله مستحق لله (السلام عليك) مبتدأ حذف خبره أي السلام عليك موجود (أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) إنما أعاد حرف الجر ليصح العطف على الضمير المجرور والصالحين نعت لعباد، والصالح هو القائم بحقوق الله تعالى وحقوق العباد (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) معطوف على سابقه ورسوله فعول بمعنى مرسل وفعول بمعنى مفعل قليل. قال ابن عطية: العرب تجري رسول مجرى المصدر فتصف به الجمع والواحد والمؤنث، ومنه قوله تعالى: ﴿أنا رسول ربك﴾ [مريم: ١٩].
والحديث سبق في الصلاة بأتم من هذا.
٦ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٢]
فِيهِ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(باب قول الله تعالى) وسقط لغير أبي ذر لفظ باب (﴿ملك الناس﴾ [الناس: ٢]) الملك معناه ذو الملك، وهو إذا كان عبارة عن التصرف في الأشياء بالخلق والإبداع والإماتة والأحياء كان من
стр. 8089
أسماء الأفعال كالخالق، وعن بعض المحققين الملك الحق هو الغني مطلقًا في ذاته وفي صفاته عن كل ما سواه ويحتاج إليه كل ما سواه إما بواسطة أو بغير واسطة فهو بتقدير منفرد وبتدبير متوحد ليس لأمره مردّ ولا لحكمه ردّ، أما العبد فإنه محتاج في الوجود إلى الغير والاحتياج مما ينافي الملك، فلا يمكن أن يكون له ملك مطلق والملك يختص عرفًا بمن يسوس ذوي العقول ويدبر أمورهم فلذلك تقول ملك الناس، ولا يقال ملك الأشياء ووظيفة العارف من هذا الاسم أن يعلم أنه هو المستغني على الإطلاق عن كل شيء وما عداه مفتقر إليه في وجوده وبقائه مسخر لحكمه وقضائه فيستغني عن الناس رأسًا ولا يرجو ولا يخاف إلا إياه ويتخلق به بالاستغناء عن الغير.
قال في الكشاف، فإن قلت: هلا اكتفى بإظهار المضاف إليه مرة واحدة؟ قلت: لأن عطف البيان للبيان فكان مظنّة للإظهار فلهذا كرر لفظ الناس، لأن عطف البيان يحتاج إلى مزيد الإظهار ولأن التكرير يقتضي مزيد شرف الناس وأنهم أشرف المخلوقات. وقال الإمام فخر الدين: وإنما بدأ بذكر الرب وهو اسم لمن قام بتدبيره وإصلاحه من أوائل نعمه وإلى أن رباه وأعطاه العقل فحينئذ عرف بالدليل أنه عبد مملوك وهو مالك فثنّى بذكر الملك، ولما علم أن العبادة لازمة له وعرف أنه معبود مستحق لتلك العبادة عرفه بأنه إله فلهذا ختم به.
(فيه) أي في هذا الباب (ابن عمر) أي حديثه (عن النبي ﷺ ¬). مما وصله في باب قول الله تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾ [ص: ٧٥] الآتي إن شاء الله تعالى بعد اثني عشر بابًا بلفظ: إن الله يقبض يوم القيامة الأرض وتكون السماوات بيمينه ثم يقول: أنا الملك.
٧٣٨٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَقْبِضُ اللَّهُ الأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَطْوِى السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ»؟ وَقَالَ شُعَيْبٌ وَالزُّبَيْدِىُّ وَابْنُ مُسَافِرٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ.
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن صالح) أبو جعفر الطبري المصري الحافظ قال: (حدّثنا ابن وهب) عبد الله المصري قال: (أخبرني) بالإفراد (يونس) بن يزيد الأيلى (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن سعيد) زاد أبو ذر هو ابن المسيب (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أي أنه (قال):
(يقبض الله الأرض) بأن يجمعها حتى تصير شيئًا واحدًا ويبيدها (يوم القيامة ويطوي السماء) يفنيها (بيمينه) بقدرته (ثم يقول) ﷻ (أنا الملك) أي ذو الملك على الإطلاق فلا ملك لغيره في الدارين (أي ملوك الأرض). وفي الحديث إثباث اليمين صفة لله تعالى من صفات ذاته وليست جارحة خلافًا للمجسمة.
وسبق في باب يقبض الله الأرض من الرقاق.
стр. 8090
(وقال شعيب) هو ابن أبي حمزة فيما وصله الدارمي (والزبيدي) بضم الزاي وفتح الموحدة محمد بن الوليد مما وصله ابن خزيمة (وابن مسافر) عبد الرحمن بن عوف مما سبق موصولاً في تفسير سورة الزمر (وإسحاق بن يحيى) الكلبي فيما وصله الذهلي في الزهريات أربعتهم (عن الزهري عن أبي سلمة). وفيه أنه اختلف على ابن شهاب الزهري في شيخه فقال يونس بن سعيد بن المسيب، وقال الآخرون أبو سلمة. وكلٌّ منهما يرويه عن أبي هريرة. ونقل ابن خزيمة عن محمد بن يحيى الذهلي أن الطريقين محفوظان. قال في الفتح: وصنيع البخاري يقتضي ذلك وإن كان الذي تقتضيه القواعد ترجيح رواية شعيب لكثرة من تابعه، لكن يونس كان من خواص الزهري الملازمين له، وزاد أبو ذر بعد قوله عن أبي سلمة مثله أي مثل الحديث السابق.
٧ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿وَهْوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٤٢] ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: ٨]. وَمَنْ حَلَفَ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ.
وَقَالَ أَنَسٌ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «تَقُولُ جَهَنَّمُ قَطْ قَطْ وَعِزَّتِكَ».
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «يَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولاً الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِى عَنِ النَّارِ لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا». قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ». وَقَالَ أَيُّوبُ: «وَعِزَّتِكَ لَا غِنَى بِى عَنْ بَرَكَتِكَ».
(باب قول الله تعالى: ﴿وهو العزيز﴾) الغالب من قولهم عزّ إذا غلب ومرجعه إلى القدرة المتعالية عن المعارضة فمعناه مركب من وصف حقيقي ونعت تنزيهي وقيل القوي الشديد من قولهم عز يعز إذا قوي واشتد منه قوله تعالى: ﴿فعززنا بثالث﴾ [يس: ١٤] وقيل عديم المثل فيكون من أسماء التنزيه، وقيل هو الذي تتعذر الإحاطة بوصفه ويعسر الوصول إليه، وقيل العزيز من ضلت العقول في بحار عظمته وحارت الألباب دون إدراك نعته وكلّت الألسن عن استيفاء مدح جلاله ووصف جماله وحظ العارف منه أن يعز نفسه فلا يستهينها بالمطامع الدنيئة ولا يدنسها بالسؤال من الناس والافتقار إليهم (﴿الحكيم﴾ [العنكبوت: ٤٢]) ذو العلم القديم المطابق للمعلوم مطابقة لا يتطرق إليها خفاء ولا شبهة وأنه أتقن الأشياء كلها فالحكمة صفة من صفات الذات يظهرها الفعل وتعبر عنها المحكمات وتشهد لها العقول بما شاهدته في الموجودات كغيرها من صفات الحق، فتأمل ذلك في مسالك أفعاله ومجاري تدبيره وترتيب ملكه وملكوته وقيام الأمر كله به، وتطلب آثار ذلك في خلقه في السماوات والأرض وما فيهن ما بينهن من أفلاك ونجوم وشمس وقمر وتدبير ذلك وتقديره بأمر محكم مع دؤوب اختلاف الليل والنهار وتقلبهما وإيلاج كل واحد منهما
стр. 8091
في قرينه وتكويرهما بعضهما على بعض وما يحدثه عن ذلك من العجائب المبدعات والآيات البينات بإحكام متناسق وحكم مستمرة الوجود إلى غير ذلك من سائر أفعاله المتقنة وبدائعه المحكمة، ممّا يكلّ دونه النظر وينحسر دونه البصر ويزيد على القول ويربو على الوصف ولا يدرك كنهه العقول ولا يحيط به سوى اللوح المحفوظ، وأول موضع وقع فيه وهو العزيز الحكيم في سورة إبراهيم. وأما مطلق العزيز الحكيم فأول ما وقع في البقرة في دعاء إبراهيم لأهل مكة.
قال في اللباب: والعزيز هو الغالب الذي لا يغلب والحكيم هو العليم الذي لا يجهل شيئًا وهما بهذين التفسيرين صفة للذات وإن أريد بالعزيز أفعال العزة وهو الامتناع من استيلاء الغير عليه، وأريد بالحكمة أفعال الحكمة لم يكونا من صفات الذات بل من صفات الفعل والفرق بينهما أن صفات الذات أزلية وصفات الفعل ليست كذلك.
وقوله تعالى: (﴿سبحان ربك رب العزة عما يصفون﴾) [الصافات: ١٨] من الولد والصاحبة والشريك وثبت لأبي ذر والأصيلي عما يصفون، وأضيف الرب إلى العزة لاختصاصه بها كأنه قيل ذو العزة كما تقول صاحب صدق لاختصاصه بالصدق ويجوز أن يراد أنه ما من عزة لأحد إلا وهو ربها ومالكها كقوله: ﴿تعز من تشاء﴾ [آل عمران: ٢٦] وقوله تعالى: ﴿ولله العزة ولرسوله﴾ [المنافقون: ٨]) أي ولله المنعة والقوة ولمن أعز من رسوله والمؤمنين، وعزة كل واحد بقدر علو مرتبته فعزة الرسول بما خصّه الله به من الخصائص التي لا تحصى، والبراهين التي لا تستقصى، وعزة المؤمنين بما ورثوه من العلم النبوي وهم في ذلك متفاوتون بقدر ميراثهم من ذلك العلم والهداية للخلق إلى الحق، والعزيز من لا تناله أيدي الشياطين ولا تبلغه رعونات الشهوات فتذلل هداك الله لعزته وتضاءل لعظمته، وتضرّع إليه في خلواتك عساه يهب لك عزًّا لا ذلّ يصحبه وشرفًا لا ضعة تتخلله ثم تذلل لأوليائه وأهل طاعته وتعزّز على كل جبار عنيد (ومن حلف بعزة الله وصفاته). والعزة تحتمل كما قال ابن بطال: أن تكون صفة ذات بمعنى القدرة والعظمة فيحنث وأن تكون صفة فعل بمعنى القهر لمخلوقاته فلا يحنث. نعم إذا أطلق الحالف انصرف إلى صفة الذات وانعقدت اليمين وللمستملي وسلطانه بدل قوله وصفاته.
(وقال أنس) ﵁ في حديث موصول سبق في تفسير سورة ق (قال النبي ﷺ : تقول جهنم) تنطق كإنطاق الجوارح (قط قط) بفتح القاف وكسر الطاء أو سكونها فيهما أي حسب (وعزتك) مجرور بواو القسم.
(وقال أبو هريرة) في حديث سبق موصولاً في الرقاق (عن النبي ﷺ ¬) أنه قال (يبقى رجل) اسمه جهينة (بين الجنة والنار وهو آخر أهل النار دخولاً الجنة فيقول: رب) ولأبي ذر يا رب (اصرف وجهي عن النار) زاد في أواخر الرقاق فيقول لعلك إن أعطيتك أن تسأل غيره فيقول (لا وعزتك لا أسألك غيرها) أي غير هذه المسألة.
(قال أبو سعيد) الخدري (إن رسول الله ﷺ قال: قال الله لك ذلك وعشرة أمثاله)
стр. 8092
فيه أن أبا سعيد وافق أبا هريرة على رواية الحديث المذكور إلا في قوله عشرة أمثاله فإن في حديث أبي هريرة كما في الرقاق فيقول الله هذا لك ومثله معه، وسبق مبحثه والله الموفق.
(وقال أيوب) صلوات الله وسلامه عليه فيما سبق موصولاً في الغسل من كتاب الطهارة وغيره لما خرّ عليه جراد من ذهب فجعل أيوب يحثي في ثوبه فناداه ربه يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى (وعزتك لا غنى بي عن بركتك) بكسر الغين المعجمة وفتح النون مقصورًا ولأبي ذر عن الحموي والمستملي لا غناء بالهمز ممدودًا الكفاية، وفي اليونينية عناء بغير نقطة على العين مع المدّ وفي الفرع التنكزي عناء بزيادة عين تحتها علامة الإهمال، وفي آخر غناء بالمعجمة فليحرر.
٧٣٨٣ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ الَّذِى لَا يَمُوتُ وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ يَمُوتُونَ».
وبه قال: (حدّثنا أبو معمر) عبد الله بن عمرو المقعد المنقري البصري قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان التميمي مولاهم البصري التنوري الحافظ قال: (حدّثنا حسين المعلم) بن ذكوان البصري قال: (حدّثني) بالإفراد (عبد الله بن بريدة) بضم الموحدة ابن الحصيب الأسلمي أبو سهل المروزي قاضيها (عن يحيى بن يعمر) بفتح أوله وثالثه وسكون ثانيه البصري نزيل مرو وقاضيها (عن ابن عباس) ﵄ (أن النبي ﷺ كان يقول):
(أعوذ بعزتك الذي لا إله إلا أنت الذي لا يموت) بلفظ الغائب وفي رواية اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني أنت الحيّ الذي لا يموت (والجن والإنس يموتون) وكلمة تضلني الزائدة في هذه الرواية متعلقة بأعوذ أي من أن تضلني وكلمة التوحيد معترضة لتأكيد العزة واستغنى عن ذكر عائد الموصول لأن نقش المخاطب هو المرجوع إليه وبه يحصل الارتباط وكذلك المتكلم نحو:
أنا الذي سمتني أمي حيدرة
ولا يقال إن مفهوم قوله والجن والإنس يموتون لأنه مفهوم لقب ولا اعتبار به.
والحديث أخرجه مسلم في الدعاء والنسائي في النعوت.
٧٣٨٤ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا حَرَمِىٌّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُلْقَى فِى النَّارِ».
وَقَالَ لِى خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ وَعَنْ مُعْتَمِرٍ سَمِعْتُ أَبِى عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَزَالُ يُلْقَى فِيهَا وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى يَضَعَ
стр. 8093
فِيهَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَدَمَهُ، فَيَنْزَوِى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ ثُمَّ تَقُولُ: قَدْ قَدْ بِعِزَّتِكَ وَكَرَمِكَ، وَلَا تَزَالُ الْجَنَّةُ تَفْضُلُ حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا فَيُسْكِنَهُمْ فَضْلَ الْجَنَّةِ».
وبه قال: (حدّثنا ابن أبي الأسود) هو عبد الله بن محمد بن الأسود أبو بكر البصري الحافظ قال: (حدّثنا حرمي) بفتح الحاء المهملة والراء وكسر الميم بعدها ياء النسبة ابن عمارة بضم العين وتخفيف الميم ابن أبي حفصة نابت بنون وموحدة ثم مثناة العتكي مولاهم قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(يلقى) بضم أوله وفتح ثالثه بينهما لام ساكنة ولأبي ذر لا يزال يلقى (في النار).
قال المؤلف: (وقال خليفة) بن خياط (حدّثنا يزيد بن زريع) أبو معاوية البصري قال: (حدّثنا سعيد) بكسر العين ابن أبي عروبة (عن قتادة عن أنس) ﵁ (وعن معتمر) بضم الميم الأولى وكسر الثانية ابن سليمان التيمي وهو معطوف على قوله حدّثنا يزيد بن زريع فهو موصول أي، وقال لي خليفة أيضًا عن معتمر وبهذا جزم أصحاب الأطراف أنه قال: (سمعت أبي) سليمان (عن قتادة عن أنس) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(لا يزال يلقى فيها) أي العصاة في النار (و) هي (تقول هل من مزيد) مصدر كالمجيد أي أنها تقول بعد امتلائها هل من مزيد أي هل بقي فيّ موضع لم يمتلئ يعني قد امتلأت أو أنها تستزيد وفيها موضع للمزيد وإسناد القول إليها حقيقة بأن يخلق الله فيها القول أو مجاز (حتى يضع فيها رب العالمين قدمه) أي من قدمه لها من أهل العذاب أو ثمة مخلوق اسمه القدم أو المراد تذليلها كتذليل من يوضع تحت الرجل والعرب تضع الأمثال بالأعضاء ولا تريد أعيانها (فينزوي) بالنون والزاي فيجتمع وينقبض (بعضها إلى بعض ثم تقول: قد قد) بفتح القاف وسكون الدال وتكسر فيهما أي حسبي حسبي قد اكتفيت (بعزتك وكرمك ولا تزال الجنة تفضل) عن الداخلين فيها ولأبي ذر عن المستملي بفضل بموحدة بدل الفوقية وفتح الفاء وسكون الضاد (حتى ينشئ الله لها خلقًا فيسكنهم فضل الجنة) الذي بقي منها.
وقد ساق المؤلف هذا الحديث هنا من ثلاثة طرق عن قتادة وسبق لفظ شعبة في تفسير سورة ق وساقه هنا على لفظ خليفة ويستنبط منه مشروعية الحلف بكرم الله كما في الحلف بعزة الله.
ومطابقة الحديث ظاهرة.
٨ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٧٣]
(باب قول الله تعالى): وسقط باب لغير أبي ذر (﴿وهو الذي خلق السماوات والأرض
стр. 8094
بالحق﴾ [الأنعام: ٧٣]) أي بكلمة الحق وهي قول كن وقال ابن عادل في لبابه قيل الباء بمعنى اللام أي إظهارًا للحق لأنه جعل صنعه دليلاً على وحدانيته فهو نظير قوله تعالى: ﴿ما خلقت هذا باطلاً﴾ [آل عمران: ١٩١] اهـ.
وهذا نقله السفاقسي عن الداودي، وتعقب بأن النحاة ذكروا للباء أربعة عشر معنى ليس منها أنها تأتي بمعنى اللام والحق في الأسماء الحسنى معناه كما قاله أبو الحكم عبد السلام بن برجان الواجب الوجود بالبقاء الدائم والدوام المتوالي الجامع للخير والمجد والمحامد كلها والثناء الحسن والأسماء الحسنى والصفات العلى. قال: ومعنى قولنا واجب الوجود أنه اضطر جميع الموجودات إلى معرفة وجوده وألزمها إيجاده إياها قال تعالى: وقد ذكر دلائله واستشهاده ببيناته ذلك بأن الله هو الحق، وإنه يحيي الموتى، وأنه على كل شيء قدير، فأوجب عن واجب وجوده أنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير وأن وجود كل ذي وجود عن وجوده ثم قال: ﴿وأن ما يدعون من دونه هو الباطل﴾ [الحج: ٦٢] أي لا وجود له إذ ليس له في الوجود وجود البتة فاستحال لذلك وجوده، فالموجودات من حيث إنها ممكنة لا وجود لها في حد ذاتها ولا ثبوت لها من قبل أنفسها وإياه عنى الشاعر بقوله:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل … وكل نعيم لا محالة زائل
ولما أظهر جملة المخلوقات التي خلقها بالحق وللحق. قال: خلق الله السماوات والأرض بالحق فظهر الحق بعضه لبعض، ودل عليه به فالله تعالى هو الحق المبين وجوده الحق، وقوله الحق وقدرته الحق وعلمه الحق وإرادته الحق وصفاته العلى الحق وأسماؤه كلها الحق، وأوجد فعله الحق بكلمته الحق، فالحق بوجوب وجوده وعموم حقيقته قد ملأ أركان الوجود كلها وشمل نواحي العلم وأطبق على أقطار التفكير فلم يكن للباطل من الوجود نصيب.
٧٣٨٥ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَدْعُو مِنَ اللَّيْلِ: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قَوْلُكَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِى مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ، أَنْتَ إِلَهِى لَا إِلَهَ لِى غَيْرُكَ».
وبه قال: (حدّثنا قبيصة) بفتح القاف ابن عقبة السوائي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري عن ابن جريج) عبد الملك (عن سليمان) بن مسلم الأحول (عن طاوس) الإمام أبي عبد الرحمن بن كيسان وقيل اسمه ذكوان (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: كان النبي ﷺ يدعو من الليل) أي إذا تهجد من الليل.
стр. 8095
(اللهم لك الحمد أنت رب السماوات والأرض ولك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن). وفي رواية قيام وفي أخرى قيوم وهي من أبنية المبالغة والقيم معناه القائم بأمور الخلق ومدبرهم ومدبر العالم في جميع أحواله والقيوم هو القائم بنفسه مطلقًا لا بغيره ويقوم به كل موجود حتى لا يتصور وجود الشيء ولا دوام وجوده إلا به. وقال التوربشتي: معناه أنت الذي تقوم بحفظهما وحفظ من أحاطتا به واشتملتا عليه وقال ومن تغليبًا للعقلاء على غيرهم، ولأبي ذر: وما فيهن (لك الحمد أنت نور السماوات والأرض) أي ذو نور السماوات ونور الأرض وأضاف النور إليهما للدلالة على سعة إشراقه وفشوّ إضاءته حتى تضيء له السماوات والأرض وجاز أن يراد أهل السماوات والأرض وأنهم يستضيؤون به (قولك الحق) أي مدلوله ثابت (ووعدك الحق) الثابت المتحقق وجوده فلا يدخله خلف ولا شك وعطف الوعد على القول وهو قول فهو من عطف الخاص على العام (ولقاؤك حق) أي رؤيتك في الدار الآخرة حيث لا مانع (والجنة حق والنار حق) كلٌّ منهما موجود (والساعة حق) قيامها (اللهم لك أسلمت) انقدت لأمرك ونهيك (وبك آمنت) صدقت بك وبما أنزلت (وعليك توكلت) أي فوّضت أموري كلها (وإليك أنبت) رجعت مقبلاً بقلبي عليك (ولك) أي بما آتيتني من البراهين والحجج (خاصمت) من خاصمني من الكفار (وإليك حاكمت) كل من أبى قبول ما أرسلتني به (فاغفر لي ما قدمت وما أخرت) وسقط لفظ ما الثانية في رواية أبي ذر (وأسررت وأعلنت) بغير ما فيهما وقاله تواضعًا أو تعليقًا لنا (أنت إلهي لا إله لي غيرك).
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله أنت رب السماوات والأرض أي أنت مالكهما وخالقهما.
والحديث سبق في صلاة الليل وفي الدعوات.
٠٠٠٠ - حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بِهَذَا وَقَالَ: أَنْتَ الْحَقُّ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ.
وبه قال: (حدّثنا ثابت بن محمد) العابد الكوفي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (بهذا) السند والمتن المذكورين (وقال: أنت الحق) أي المتحقق وجوده (وقولك الحق) وهذا يأتي إن شاء الله تعالى في قوله باب قوله تعالى: ﴿وجوه يومئذٍ ناضرة﴾ [القيامة: ٢٢].
٩ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤]
وَقَالَ الأَعْمَشُ عَنْ تَمِيمٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى وَسِعَ سَمْعُهُ الأَصْوَاتَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُجَادِلُكَ فِى زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١].
(باب) بالتنوين (﴿وكان الله سميعًا بصيرا﴾ [النساء: ١٣٤]) ولغير أبي ذر قول الله تعالى بالرفع ﴿وكان الله سميعًا بصيرًا﴾ وقد علم بالضرورة من الدين، وثبت في الكتاب والسُّنّة بحيث
стр. 8096
لا يمكن إنكاره ولا تأويله أن الباري تعالى حي سميع بصير وانعقد إجماع أهل الأديان بل جميع العقلاء على ذلك، وقد يستدل على الحياة بأنه عالم قادر وكل عالم قادر حي بالضرورة وعلى السمع والبصر بأن كل حي يصح كونه سميعًا بصيرًا وكل ما يصح للواجب من الكمالات يثبت بالعقل لبراءته عن أن يكون له ذلك بالقوة والإمكان وعلى الكل بأنها صفات كمال قطعًا، والخلو عن صفات الكمال في حق من يصح اتصافه بها نقص وهو على الله تعالى مُحال. قال تعالى: ﴿وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه﴾ [الأنعام: ٨٣] وقد ألزم ﵇ أباه الحجة بقوله: ﴿لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر﴾ [مريم: ٤٢] فأفاد أن عدمهما نقص لا يليق بالمعبود ولا يلزم من قدمهما قدم المسموعات والمبصرات كما لا يلزم من قدم العلم قدم المعلومات لأنها صفات قديمة يحدث لها تعلقات بالحوادث، ولا يقال إن معنى سميع وبصير عليم لأنه يلزم منه كما قال ابن بطال التسوية بين الأعمى الذي يعلم أن السماء خضراء ولا يراها والأصم الذي يعلم أن في الناس أصواتًا ولا يسمعها، فقد صح أن كونه سميعًا بصيرًا يفيد قدرًا زائدًا على كونه عليمًا وكونه سميعًا بصيرًا يتضمن أنه يسمع بسمع ويبصر ببصر كما تضمن كونه عليمًا أنه يعلم بعلم، وقد أطلق تعالى على نفسه الكريمة هذه الأسماء خطابًا لمن هو من أهل اللغة، والمفهوم في اللغة من عليم ذات له علم بل يستحيل عندهم عليم بلا علم كاستحالته بلا معلوم فلا يجوز صرفه عنه إلا لقاطع عقلي يوجب نفيه.
وقد أجيب عن قول المعتزلي بأن السمع ينشأ عن وصول الهواء المسموع إلى العصب المفروش في أصل الصماخ والله منزّه عن الجوارح بأن ذلك عادة أجراها الله تعالى فيمن يكون حيًّا فيخلقه الله عند وصول الهواء إلى المحل المذكور، والله تعالى يسمع المسموعات بدون الوسائط، وكذا يرى المرئيات بدون المقابلة وخروج الشعاع فذاته تعالى مع كونه حيًّا موجودًا لا تشبه الذوات فكذلك صفات ذاته لا تشبه الصفات فيسمع ويبصر بلا جارحة حدقة وأذن بمرأى منه خفاء الهواجس وبمسمع منه صوت أرجل النمل على الصخرة الملساء وحظ العبد من هذين الاسمين أن يتحقق أنه بمسمع من الله ومرأى منه فلا يستهين باطّلاعه عليه ونظره إليه ويراقب مجامع أحواله من مقاله وأفعاله قيل إذا عصيت مولاك فاعص في موضع لا يراك.
(وقال الأعمش) سليمان بن مهران فيما وصله أحمد والنسائي (عن تميم) أي ابن سلمة الكوفي (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات) أي أدرك سمعه الأصوات وليس المراد من الوسع ما يفهم من ظاهره لأن الوصف بذلك يؤدي إلى القول بالتجسيم فيجب صرفه عن ظاهره إلى ما يقتضي الدليل صحته (فأنزل الله تعالى على النبي ﷺ ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾ [المجادلة: ١]) كذا اختصره، وتمامه كما عند أحمد بعد قوله الأصوات: لقد جاءت المجادلة إلى رسول الله ﷺ تكلمه في جانب البيت ما أسمع ما تقول فأنزل الله الآية.
стр. 8097
وعند ابن ماجة وابن أبي حاتم أن عائشة قالت: تبارك الذي أوعى سمعه كل شيء إني أسمع كلام خولة ويخفى عليّ بعضه وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله ﷺ وهي تقول له: يا رسول الله أكل شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبرت سني وانقطع ولدي ظاهر مني اللهم إني أشكو إليك. قالت: فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآية.
٧٣٨٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِى عُثْمَانَ، عَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِى سَفَرٍ، فَكُنَّا إِذَا عَلَوْنَا كَبَّرْنَا فَقَالَ: «ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا قَرِيبًا». ثُمَّ أَتَى عَلَىَّ وَأَنَا أَقُولُ فِى نَفْسِى لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ فَقَالَ لِى: «يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ قُلْ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ، فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ -أَوْ قَالَ- أَلَا أَدُلُّكَ بِهِ».
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي قال: (حدّثنا حماد بن زيد) أي ابن درهم (عن أيوب) السختياني (عن أبي عثمان) عبد الرحمن بن ملّ النهدي (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري أنه (قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على تعيينه (فكنا إذا علونا) شرفًا (كبرنا) الله تعالى نقول الله أكبر نرفع أصواتنا بذلك (فقال) النبي ﷺ لنا:
(اْربعوا) بوصل الهمزة وفتح الموحدة وقال السفاقسي رويناه بكسرها (على أنفسكم) أي ارفقوا بها لا تبالغوا في رفع أصواتكم أو لا تعجلوا (فإنكم لا تدعون) بسكون الدال (أصم ولا غائبًا) ولم يقل ولا أعمى حتى يناسب أصم لأن الأعمى غائب عن الإحساس بالمبصر والغائب كالأعمى في عدم رؤيته ذلك المبصر فنفى لازمه ليكون أبلغ وأعم قاله في الكواكب (تدعون) وفي الدعوات لكن تدعون (سميعًا بصيرًا قريبًا) وهذا كالتعليل لقوله لا تدعون أصم قال أبو موسى (ثم أتى) ﷺ (عليَّ) بالتشديد (وأنا أقول في نفسي لا حول ولا قوّة إلا بالله فقال لي يا عبد الله بن قيس قل: لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها كنز من كنوز الجنة). أي كالكنز في نفساته (أو قال: ألا أدلك به). أي ببقية الخبر والشك من الراوي.
والحديث سبق في باب الدعاء إذا علا عقبة من كتاب الدعوات بهذا الإسناد والمتن.
٧٣٨٧ و ٧٣٨٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِى ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرٌو، عَنْ يَزِيدَ عَنْ أَبِى الْخَيْرِ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ قَالَ لِلنَّبِىِّ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِى دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِى صَلَاتِى قَالَ: «قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ فَاغْفِرْ لِى مِنْ عِنْدِكَ مَغْفِرَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ».
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن سليمان) بن يحيى بن سعيد الجعفي أبو سعيد الكوفي نزيل مصر قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: بالجمع (ابن وهب) عبد الله قال: (أخبرني) بالإفراد
стр. 8098
(عمرو) بفتح العين ابن الحارث البصري (عن يزيد) من الزيادة ابن أبي حبيب سوي (عن أبي الخير) مرثد بن عبد الله بفتح الميم والمثلثة أنه (سمع عبد الله بن عمرو) بفتح العين ابن العاصي (أن أبا بكر الصديق ﵁ قال للنبي ﷺ : يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي قال) ﷺ :
(اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا) بالمثلثة على المشهور من الرواية ووقع بالموحدة للقابسي أي بملابستها ما يوجب عقوبتها (ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي من عندك مغفرة) عظيمة وفائدة قوله من عندك الدلالة على التعظيم أيضًا لأن عظمة المعطي تستلزم عظمة العطاء (إنك أنت الغفور الرحيم).
ومناسبة الحديث للترجمة كما أشار إليه ابن بطال أن دعاء أبي بكر بما علمه النبي ﷺ يقتضي أن الله تعالى يسمع لدعائه ويجازيه عليه، وقال آخر: حديث أبي بكر ﵁ ليس مطابقًا للترجمة إذ ليس فيه ذكر صفتي السمع والبصر لكنه ذكر لازمها من جهة أن فائدة الدعاء إجابة الداعي لمطلوبه والدعاء في الصلاة يطلب فيه الإسرار، فلولا أن سمعه تعالى يتعلق بالسر كما يتعلق بالجهر لما حصلت فائدة الدعاء. وقال في الكواكب: لما كان بعض الذنوب مما يسمع وبعضها مما يبصر لم يقع مغفرة إلا بعد الإسماع والإبصار حكاه في فتح الباري.
والحديث سبق في باب الدعاء قبل السلام من كتاب الصلاة، وفي كتاب الدعوات.
٧٣٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِى عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ حَدَّثَتْهُ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ نَادَانِى قَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ».
وبه قال: (حدّثني عبد الله بن يوسف) التنسي قال: (أخبرنا ابن وهب) عبد الله قال: (أخبرني) بالإفراد (يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (حدّثني) بالإفراد (عروة) بن الزبير (أن عائشة ﵂ حدّثته) فقالت (قال النبي ﷺ ¬):
(إن جبريل ﵇ ناداني) لما رجعت من الطائف ولم يقبل قومي ما دعوتهم إليه من التوحيد (قال إن الله قد سمع قول قومك وما ردوا عليك) أي جوابهم لك وردهم عليك وعدم قبولهم الإسلام.
والحديث سبق بأتم من هذا في بدء الخلق.
١٠ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ﴾ [الأنعام: ٦٥]
(باب قول الله تعالى: ﴿قل هو القادر﴾ [الأنعام: ٦٥]) بالذات والمقتدر على جميع الممكنات وما عداه فإنما يقدر بإقداره على بعض الأشياء في بعض الأحوال فحقيق به أنه لا يقال إنه قادر
стр. 8099
إلا مقيدًا أو على قصد التقييد قال الشيخ أبو القاسم القشيري ومن عرف أنه قادر على الكمال خشي سطوات عقوبته عند ارتكاب مخالفته وأمّل لطائف رحمته وزوائد نعمته عند سؤال حاجته لا بوسيلة طاعته لكن بكرمه ومنته، ولأبي ذر باب قوله: ﴿قل هو القادر﴾ وفي نسخة سقوط الباب فالتالي رفع.
٧٣٩٠ - حَدَّثَنِى إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِى الْمَوَالِى قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ يُحَدِّثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَسَنِ يَقُولُ: أَخْبَرَنِى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّلَمِىُّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ الاِسْتِخَارَةَ فِى الأُمُورِ كُلِّهَا، كَمَا يُعَلِّمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ يَقُولُ: «إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ، اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ هَذَا الأَمْرَ، ثُمَّ تُسَمِّيهِ بِعَيْنِهِ خَيْرًا لِى فِى عَاجِلِ أَمْرِى وَآجِلِهِ، قَالَ -أَوْ فِى دِينِى وَمَعَاشِى وَعَاقِبَةِ أَمْرِى- فَاقْدُرْهُ لِى وَيَسِّرْهُ لِى ثُمَّ بَارِكْ لِى فِيهِ، اللَّهُمَّ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ شَرٌّ لِى فِى دِينِى وَمَعَاشِى، وَعَاقِبَةِ أَمْرِى -أَوْ قَالَ فِى عَاجِلِ أَمْرِى وَآجِلِهِ- فَاصْرِفْنِى عَنْهُ وَاقْدُرْ لِىَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِى بِهِ».
وبه قال: (حدّثني) ولأبي ذر: بالجمع (إبراهيم بن المنذر) الحزامي المدني قال: (حدّثنا معن بن عيسى) بفتح الميم وسكون العين المهملة المدني القزاز الإمام أبو يحيى قال: (حدّثني) بالإفراد (عبد الرحمن بن أبي الموالي) واسمه زيد وقيل أبو الموالي جده مولى آل عليّ (قال: سمعت محمد بن المنكدر) بن عبد الله بن الهدير بالتصغير التيمي المدني الحافظ (يحدّث عبد الله بن الحسن) بن الحسن بفتح الحاء فيهما ابن علي بن أبي طالب وليس له ذكر في البخاري إلا في هذا الموضع (يقول: أخبرني) بالإفراد (جابر بن عبد الله السلمي) بفتح السين واللام الأنصاري ﵁ (قال: كان رسول الله ﷺ يعلم أصحابه الاستخارة في الأمور كلها) أي في المباحات والمستحبات أو في وقت فعل الواجب الموسع (كما يعلم) ولأبي ذر كما يعلمهم (السورة من القرآن يقول) صلوات الله وسلامه عليه:
(إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة) في غير وقت الكراهة وقال الطيبي قوله من غير الفريضة بعد قوله كما يعلمنا السورة من القرآن يدل على الاعتناء التام البالغ حده بالصلاة والدعاء وأنهما تلوان للفريضة والقرآن (ثم ليقل) بعد الصلاة أو في أثنائها في السجود أو بعد التشهد (اللهم إني أستخيرك بعلمك) استفعال من الخير ضد الشر أي أطلب منك الخيرة (وأستقدرك بقدرتك) أطلب منك أن تجعل لي عليه قدرة والباء فيهما للاستعانة أي إني أطلب خيرك مستعينًا بعلمك فإني لا أعلم فيمَ خيرتي وأطلب منك القدرة فإني لا حول لي ولا قوّة إلا بك أو للاستعطاف أي اللهم إني أطلب منك الخير بعلمك الشامل للخيرات وأطلب منك القدرة
стр. 8100
بحق تقديرك المقدورات أن تيسرهما عليّ فيكون كقوله تعالى: ﴿قال رب بما أنعمت عليّ﴾ [القصص: ١٧] (وأسألك من فضلك) وفي الدعوات زيادة العظيم (فإنك تقدر ولا أقدر) إلا بك (وتعلم) ما فيه الخيرة لي (ولا أعلم) ذلك (وأنت علام الغيوب اللهم فإن كنت تعلم) بالفاء في فإن كنت تعلم (هذا الأمر) وفي الدعوات أن هذا الأمر (ثم يسميه) بالتحتية والفوقية (بعينه) أي بأن ينطق به أو يستحضره بقلبه (خيرًا لي) نصب مفعول ثاني لتعلم (في عاجل أمري وآجله قال) الراوي: (أو) قال (في ديني ومعاشي) حياتي أو ما يعاش فيه (وعاقبة أمري فاقدره لي) بضم الدال أي أنجزه لي (ويسره لي ثم بارك لي فيه. اللهم إن) ولأبي ذر عن الكشميهني وإن (كنت تعلم أنه شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال في عاجل أمري وآجله فاصرفني عنه) حتى لا يبقى لي تعلق به (واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به) بتشديد الضاد المعجمة أي اجعلني بذلك راضيًا فلا أندم على طلبه ولا على وقوعه والشك في الموضعين من الراوي.
وسبق الحديث في باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى من كتاب التهجد وفي كتاب الدعوات، والله الموفق وبه المستعان.
١١ - باب مُقَلِّبِ الْقُلُوبِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ [الأنعام: ١١٠].
(باب مقلب القلوب. وقول الله تعالى) ولغير أبي ذر بإسقاط الباب فما بعده مرفوع وكذا قوله وقول الله تعالى: (﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم﴾ [الأنعام: ١١٠]) فأما مقلب فخبر مبتدأ محذوف أي الله مقلب القلوب وما بعده معطوف عليه، والمعنى أنه تعالى مبدل الخواطر وناقض العزائم فإن قلوب العباد بيد قدرته يقلبها كيف يشاء، والأفئدة جمع فؤاد وهو القلب.
وقال الراغب: الفؤاد كالقلب لكن يقال له فؤاد إذا اعتبر فيه معنى التفاؤد أي التوقد يقال: فأدت اللحم شويته ومنه لحم فئيد أي مشوي وظاهر هذا أن الفؤاد غير القلب، ويقال فيه فواد بالواو بدلاً عن الهمزة، وقدم ذكر تقليب الأفئدة على الأبصار لأن موضع الدواعي والصوارف هو القلب فإذا حصلت الداعية في القلب انصرف البصر إليه شاء أم أبى، وإذا حصلت الصوارف في القلب انصرف عنه وهو وإن كان يبصره بحسب الظاهر إلا أنه لا يصير ذلك الإبصار سببًا للوقوف على الفوائد المطلوبة فلما كان المعدول هو القلب، وأما السمع والبصر فهما آلتان للقلب كانا لا محالة تابعين للقلب فلذا وقع الابتداء بذكر تقليب القلوب ثم أتبعه بذكر البصر.
٧٣٩١ - حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَكْثَرُ مَا كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَحْلِفُ «لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ».
وبه قال: (حدّثني) ولأبي ذر بالجمع (سعيد بن سليمان) اللقب بسعدويه الواسطى نزيل
стр. 8101
بغداد (عن ابن المبارك) عبد الله (عن موسى بن عقبة) صاحب المغازي (عن سالم عن) أبيه (عبد الله) بن عمر بن الخطاب ﵄ أنه (قال: أكثر ما كان النبي ﷺ يحلف لا ومقلب القلوب) أي لا أفعل أو لا أقول وحق مقلب القلوب، وفي نسبة مقلب القلوب إلى الله تعالى إشعار بأنه يتولى قلوب عباده ولا يكلها إلى أحد من خلقه، وفي دعائه ﷺ : "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" إشارة إلى شمول ذلك للعباد حتى الأنبياء ودفع توهم من يتوهم أنهم يستثنون من ذلك قاله البيضاوي.
وفي الحديث أن أعراض القلوب من إرادة وغيرها تقع بخلق الله وجواز تسمية الله بما ثبت في الحديث وإن لم يتواتر وجواز اشتقاق الاسم له من الفعل الثابت، والحديث مرّ في القدر.
١٢ - باب إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ اسْمٍ إِلاَّ وَاحِدًا
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ذُو الْجَلَالِ: الْعَظَمَةِ الْبَرُّ اللَّطِيفُ
(باب) بالتنوين يذكر فيه (إن لله مائة اسم إلا واحدًا) ولفظ الباب ثابت لأبي ذر وفي روايته عن الحموي والمستملي إلا واحدة بلفظ التأنيث باعتبار معنى التسمية.
(قال ابن عباس) ﵄: (ذو الجلال) أي (العظمة) وعند ابن كثير في تفسيره. وقال ابن عباس ذو الجلال والإكرام ذو العظمة والكبرياء اهـ. فهو تعالى ذو الجلال الذي لا جلال ولا كمال إلا وهما له مطلقان عم جلاله جميع الأكوان فلم تطق الأكوان رؤيته في الدنيا لهيبة الجلال، فإذا كان في اليوم الموعود فإنه تعالى يبرز لعباده المؤمنين في الجمال والجلال والأنس فينظرون إليه فتعود أنوار النظر عليهم فيتجدد لهم قوّة يقدرون بها على النظر إليه لا أحرمنا الله ذلك بمنّه وفضله ولأبي ذر عن الكشميهني العظيم.
وقال ابن عباس أيضًا فيما وصله الطبري: (البر) معناه (اللطيف). وقال غيره البر المحسن فما من برٍّ وإحسان إلا وهو موليه قال القشيري من كان الله تعالى بارًّا به عصم عن المخالفات نفسه وأدام بفنون اللطائف أنسه وطيب فؤاده وحصل مراده وجعل التقوى زاده. قال: ومن آداب من عرف أنه تعالى البر أن يكون بارًّا بكل أحد لا سيما بأبويه.
٧٣٩٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ». أَحْصَيْنَاهُ: حَفِظْنَاهُ.
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة قال: (حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال):
стр. 8102
(إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا) ولأبي ذر: إلا واحدة بالتأنيث، وفائدة قوله مائة إلا واحدًا التأكيد والفذلكة لئلا يزاد على ما ورد كقوله: ﴿تلك عشرة كاملة﴾ [البقرة: ١٩٦] ورفع التصحيف فإن تسعة تصحف بسبعة وتسعين بسبعين بالموحدة فيهما. وفي الاستثناء إشارة إلى أن الوتر أفضل من الشفع إن الله وتر يحب الوتر.
فإن قيل: إذا قلنا بأن الاسم عين المسمى على ما هو الصحيح لزم من قوله إن لله تسعة وتسعين اسمًا الحكم بتعدد الإله؟ والجواب: من وجهين أحدهما: أن المراد من الاسم هنا اللفظ ولا خلاف في ورود الاسم بهذا المعنى إنما النزاع في أنه هل يطلق، ويراد به المسمى عينه ولا يلزم من تعدد الأسماء تعدد المسمى، والثاني: أن كل واحد من الألفاظ المطلقة على الله تعالى يدل على ذاته باعتبار صفة حقيقية أو غير حقيقية، وذلك يستدعي التعدد في الاعتبارات والصفات دون الذات ولا استحالة في ذلك، وفيه كما قال الخطابي دليل على أن أشهر أسمائه تعالى الله لإضافة هذه الأسماء إليه وقد روي أنه الاسم الأعظم.
وقال ابن مالك: ولكون الله اسمًا علمًا وليس بصفة قيل في كل اسم من أسمائه تعالى سواه اسم من أسماء الله وهو من قول الطبري على ما رواه النووي إلى الله ينسب كل اسم له فيقال الكريم من أسماء الله ولا يقال من أسماء الكريم الله (من أحصاها) أي حفظها كما فسره به البخاري كما يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى والأكثرون ويؤيده ما سبق في الدعوات لا يحفظها أحد إلا (دخل الجنة) أو المعنى ضبطها حصرًا وتعدادًا وعلمًا وإيمانًا وذكر الجزاء بلفظ الماضي تحقيقًا أو بمعنى الإطاقة أي أطاق القيام بحقها والعمل بمقتضاها وذلك بأن يعتبر معانيها فيطالب نفسه بما تتضمنه من صفات الربوبية وأحكام العبودية فيتخلق بها.
وقال الطيبي: إنما أكد الإعداد دفعًا للتجوّز واحتمال الزيادة والنقصان وقد أرشد الله تعالى بقوله ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه إلى عظم الخطب في الإحصاء بأن لا يتجاوز المسموع والأعداد المذكورة وأن لا يلحد فيها إلى الباطل اهـ.
ثم إن مفهوم الاسم قد يكون نفس الذات والحقيقة، وقد يكون مأخوذًا باعتبار الأجزاء، وقد يكون مأخوذًا باعتبار الصفات والأفعال والسلوب والإضافات ولا خفاء في تكثر أسماء الله تعالى بهذا الاعتبار وامتناع ما يكون باعتبار الجزء لتنزهه تعالى عن التركيب.
فإن قلت: اعتبار السلوب والإضافة يقتضي تكثر أسماء الله تعالى جدًّا فما وجه التخصيص بالتسعة والتسعين على ما نطق به الحديث على أنه قد دل الدعاء المشهور عنه ﷺ أن لله تسعة أسماء لم يعلمها أحدًا من خلقه واستأثر بها في علم الغيب عنده. وورد في الكتاب والسُّنّة أسامٍ خارجة عن التسعة والتسعين كالكافي والدائم والصادق وذي المعارج وذي الفضل والغالب إلى غير ذلك؟ أجيب: بوجوه منها أن التنصيص على العدد لا لنفي الزيادة بل لغرض آخر كزيادة الفضيلة
стр. 8103
مثلاً. ومنها: أن قوله من أحصاها دخل الجنة في موضع الوصف كقوله للأمير عشرة غلمان يكفونه مهماته بمعنى أن لهم زيادة قرب واشتغال بالمهمات.
فإن قلت: إن كان اسمه الأعظم خارجًا عن هذه الجملة فكيف يختص ما سواه بهذا الشرف وإن كان داخلاً فكيف يصح أنه مما اختص بمعرفة نبي أو وليّ وأنه سبب كرامات عظيمة لمن عرفه حتى قيل إن آصف بن برخيا إنما جاء بعرض بلقيس لأنه قد أوتي الاسم الأعظم؟ أجيب: باحتمال أن يكون خارجًا وتكون زيادة شرف تسعة وتسعين وجلالتها بالإضافة إلى ما عداه وأن يكون داخلاً مبهمًا لا يعرفه بعينه إلا نبي أو ولي، ومنها أن الأسماء منحصرة في تسعة وتسعين والرواية المشتملة على تفصيلها غير مذكورة في الصحيح ولا خالية عن الاضطراب والتغيير، وقد ذكر كثير من المحدّثين أن في إسنادها ضعفًا قاله في شرح المقاصد.
قال البخاري: (أحصيناه) أي (حفظناه). وأشار به إلى أن معنى أحصاها حفظها، لكن قال الأصيلي: الإحصاء للأسماء العمل بها لا عدّها ولا حفظها لأن ذلك قد يقع للكافر والمنافق كما في حديث الخوارج يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، وقال في الكواكب: أي حفظها وعرفها لأن العارف بها لا يكون إلا مؤمنًا والمؤمن يدخل الجنة لا محالة، وهذا أعني قوله أحصيناه حفظناه ثبت في رواية أبي ذر عن الحموي.
والحديث سبق في الشروط متنًا وإسنادًا.
١٣ - باب السُّؤَالِ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَالاِسْتِعَاذَةِ بِهَا
(باب السؤال بأسماء الله تعالى والاستعاذة بها) ولفظ باب ثابت في رواية أبي ذر.
٧٣٩٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنِى مَالِكٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ فِرَاشَهُ فَلْيَنْفُضْهُ بِصَنِفَةِ ثَوْبِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَلْيَقُلْ: بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِى وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِى فَاغْفِرْ لَهَا وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ». تَابَعَهُ يَحْيَى وَبِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَزَادَ زُهَيْرٌ وَأَبُو ضَمْرَةَ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَرَوَاهُ ابْنُ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) الأويسي المدني قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر بالجمع (مالك) الإمام ابن أنس الأصبحي (عن سعيد بن أبي سعيد) كيسان (المقبري) بضم الموحدة نسبة إلى مقبرة المدينة (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
стр. 8104
(إذا جاء أحدكم إلى فراشه) لينام عليه (فلينفضه) بضم الفاء قبل أن يدخل فيه (بصنفة ثوبه) بباء الجر بعدها صاد مهملة مفتوحة فنون مكسورة ففاء فهاء تأنيث أي بطرف ثوبه أو حاشيته أو طرته وهو جانبه الذي لا هدب له (ثلاث مرات) حذرًا من وجود مؤذية كعقرب أو حيّة وهو لا يشعر ويده مستورة بحاشية الثوب لئلا يحصل بها مكروه إن كان ثم شيء (وليقل باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه) الباء للاستعانة أي بك أستعين على وضع جنبي ورفعه (إن أمسكت نفسي) توفيتها (فاغفر لها وإن أرسلتها) رددتها (فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين) ذكر المغفرة عند الإمساك لأن المغفرة تناسب الميت والحفظ عند الإرسال لمناسبته له، والباء في بما تحفظ كهي في كتبت بالقلم، وما موصولة مبهمة وبيانها ما دل عليه صلتها لأنه تعالى إنما يحفظ عباده الصالحين من المعاصي وأن لا يهنوا في طاعته بتوفيقه ولطفه. (تابعه) أي تابع عبد العزيز الأويسي في روايته عن مالك (يحيى) بن سعيد القطان فيما رواه النسائي (وبشر بن المفضل) بالضاد المعجمة المشددة فيما رواه ضاد المعجمة المشددة فيما رواه مسدد كلاهما (عن عبيد الله) بضم العين ابن عمر العمري (عن سعيد) أي ابن أبي سعيد (عن أبي هريرة عن النبي ﷺ . وزاد زهير) بضم الزاي وفتح الهاء ابن معاوية فيما سبق في الدعوات (وأبو ضمرة) بالضاد المعجمة المفتوحة بعدها ميم ساكنة أنس بن عياض فيما رواه مسلم (وإسماعيل بن زكريا) فيما رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده (عن عبيد الله) العمري (عن سعيد عن أبيه) أبي سعيد كيسان المقبري (عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ¬). والمراد بالزيادة لفظة عن أبيه. (ورواه) أي الحديث المذكور (ابن عجلان) بفتح العين المهملة وسكون الجيم محمد الفقيه المدني فيما رواه أحمد (عن سعيد) أي ابن أبي سعيد المقبري (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ . تابعه) أي تابع محمد بن عجلان (محمد بن عبد الرحمن) الطفاوي البصري (والدراوردي) عبد العزيز بن محمد فيما رواه محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني عنه (وأسامة بن حفص). والمراد بهذه التعاليق بيان الاختلاف على سعيد المقبري هل روى الحديث عن أبي هريرة بلا واسطة أو بواسطة أبيه؟ ومتابعة محمد بن عبد الرحمن هذه سقطت لأبي ذر.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه. قال ابن بطال: مقصود البخاري بهذه الترجمة تصحيح الدليل بأن الاسم هو المسمى، ولذلك صحّت الاستعاذة به والاستعانة يظهر ذلك في قوله: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، فأضاف الوضع إلى الاسم والرفع إلى الذات، فدلّ على أن الاسم هو الذات وقد أستعان وضعًا ورفعًا بها لا باللفظ اهـ.
قال في شرح المقاصد: المتأخرون اقتصروا على ما اختلفوا فيه من مغايرة الاسم المسمى، ثم قال: والاسم هو اللفظ المفرد الموضوع للمعنى على ما يعم أنواع الكلمة وقد يقيد بالاستقلال والتجرد عن الزمان فيقابل الفعل والحرف على ما هو مصطلح النحاة، والمسمى هو المعنى الذي وضع الاسم بإزائه والتسمية هي وضع الاسم للمعنى، وقد يراد بها ذكر الشيء باسمه كما يقال:
стр. 8105
سمى زيدًا ولم يسم عمرًا فلا خفاء في تغاير الأمور الثلاثة، وإنما الخفاء فيما ذهب إليه بعض أصحابنا من أن الاسم نفس المسمى، وفيما ذكره الشيخ الأشعري من أن أسماء الله تعالى ثلاثة أقسام: ما هو نفس المسمى مثل الله الدال على الوجود أي الذات الكريمة وما هو غيره كالخالق والرازق ونحو ذلك مما يدل على فعل وما لا يقال إنه هو ولا غيره كالعالم والقادر، وكل ما دل على الصفات القديمة. وأما التسمية فغير الاسم والمسمى وتوضيحه أنهم يريدون بالتسمية اللفظ وبالاسم مدلوله، كما يريدون بالوصف قول الواصف وبالصفة مدلوله، وكما يقولون: إن القراءة حادثة والمقروء قديم فالأصحاب اعتبروا المدلول المطابقي فأطلقوا القول بأن الاسم نفس المسمى للقطع بأن مدلول الخالق شيء ناله الخلق لا نفس الخلق، ومدلول العالم شيء ناله العلم لا نفس العلم، والشيخ أخذ المدلول أعم واعتبر في أسماء الصفات المعاني المقصودة، فزعم أن مدلول الخالق الخلق وهو غير الذات ومدلول العالم العلم وهو لا عين ولا غير وتمسكوا في ذلك بالعقل والنقل.
أما العقل؛ فلأنه لو كانت الأسماء غير الذات لكانت حادثة فلم يكن الباري تعالى في الأزل إلهًا وعالِمًا وقادرًا ونحو ذلك وهو مُحال بخلاف الخالقية فإنه يلزم من قدمها قدم المخلوق إذا أريد الخالق بالفعل كالقاطع في قولنا السيف قاطع عند الوقوع بخلاف قولنا السيف قاطع في الغمد بمعنى أن من شأنه ذلك فإن الخالق حينئذٍ معناه له الاقتدار على ذلك.
وأما النقل؛ فلقوله تعالى: ﴿سبح اسم ربك﴾ [الأعلى: ١] والتسبيح إنما يكون للذات دون اللفظ، وقوله تعالى: ﴿ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها﴾ [يوسف: ٤٠] وعبادتهم إنما هي للأصنام التي هي المسميات دون الأسامي، وأما التمسك بأن الاسم لو كان غير المسمى لما كان قولنا محمد رسول الله ﷺ حكمًا بثبوت الرسالة له ﷺ بل لغيره فشبهة واهية فإن الاسم وإن لم يكن نفس المسمى لكنه دالٌّ عليه ووضع الكلام على أن تذكر الألفاظ وترجع الأحكام إلى المدلولات كقولنا: زيد كاتب أي مدلول زيد متصف بمعنى الكتابة، وقد ترجع بمعونة القرينة إلى نفس اللفظ كما في قولنا: زيد مكتوب وثلاثي ومعرب ونحو ذلك.
وأجيب: عن الأول: بأن الثابت في الأزل معنى الإلهية والعلم ولا يلزم من انتفاء اسم بمعنى اللفظ انتفاء ذلك المعنى، وعن الثاني بأن معنى تسبيح الاسم تقديسه وتنزيهه عن أن يسمى به الغير أو عن أن يفسر بما لا يليق به أو عن أن يذكر على غير وجه التعظيم أو هو كناية عن تسبيح الذات كما في قولهم: سلام على المجلس الشريف والجناب المنيف، وفيه من التعظيم والإجلال ما لا يخفى أو لفظ الاسم مقحم كما في قول الشاعر:
ثم اسم السلام عليكما
ومعنى عبادة الأسماء أنهم يعبدون الأصنام التي ليس فيها من الإلهية إلا مجرد الاسم كمن
стр. 8106
سمى نفسه بالسلطان وليس عنده آلات السلطنة وأسبابها فيقال: إنه فرح من السلطنة بالاسم على أن تقرير الاستدلال اعترافًا بالمغايرة حيث يقال: التسبيح لذات الرب دون اسمه والعبادة لذوات الأصنام دون أساميها، بل ربما يدعي أن في الآيتين دلالة على المغايرة حيث أضيف الاسم إلى الرب وجعل الأسماء بتسميتهم وفعلهم مع القطع بأن أشخاص الأصنام ليست كذلك ثم عورض الوجهان بوجهين.
الأول: أن الاسم لفظ وهو عرض غير باق ولا قائم بنفسه متصف بأنه متركب من الحروف، وبأنه أعجمي أو عربي ثلاثي أو رباعي، والمسمى معنى لا يتصف بذلك فربما يكون جسمًا قائمًا بنفسه متّصفًا بالألوان متمكنًا في المكان إلى غير ذلك من الخواص فكيف يتحدان.
الثاني: قوله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ [الأعراف: ١٨٠] وقوله ﵊: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا" مع القطع بأن المسمى واحد لا تعدد فيه.
وأجيب: بأن النزاع ليس في نفس اللفظ بل مدلوله ونحن إنما نعبر عن اللفظ بالتسمية وإن كانت في اللغة فعل الواضع أو الذاكر، ثم لا ننكر إطلاق الاسم على التسمية كما في الآية والحديث على أن الحق أن المسميات أيضًا كثيرة للقطع بأن مفهوم العالم غير مفهوم القادر وكذا البواقي، وإنما الواحد هو الذات المتصف بالمسميات.
فإن قيل: تمسك الفريقين بالآيات والحديث مما لا يكاد يصح لأن النزاع ليس في ا س م بل في أفراد مدلوله من مثل السماء والأرض والعالم والقادر والاسم والفعل وغير ذلك على ما يشهد به كلامهم. ألا ترى أنه لو أريد الأول لما كان للقول بتعدد أسماء الله تعالى وانقسامها إلى ما هو عين أو غير أو لا عين ولا غير معنى، وبهذا يسقط ما ذكره الإمام الرازي من أن لفظ الاسم مسمى بالاسم لا الفعل أو الحرف، فهاهنا الاسم والمسمى واحد ولا يحتاج إلى الجواب بأن لفظ الاسم من حيث إنه دالّ وموضوع والمسمى هو من حيث إنه مدلول وموضوع له بل فرد من أفراد الموضوع له فتغايرا. قلنا: نعم إلا أن وجه تمسك الأوّلين إن في مثل ﴿سبح اسم ربك﴾ أريد بلفظ الاسم الذي هو من جملة الأسماء مسماه الذي هو اسم من أسماء الله تعالى، ثم أريد به مسماه الذي هو الذات إلا أنه يرد إشكال الإضافة ووجه تمسك الآخرين إن في قوله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى﴾ أريد بلفظ الأسماء مثل لفظ الرحمن والرحيم والعليم والقدير وغير ذلك مما هو غير لفظ أسماء، ثم إنها متعددة فتكون غير المسمى الذي هو ذات الواحد الحقيقي الذي لا تعدد فيه أصلاً.
فإن قيل: قد ظهر أن ليس الخلاف في لفظ الاسم وأنه في اللغة موضوع للفظ الشيء أو لمعناه، بل في الأسماء التي من جملتها لفظ الاسم ولا خلاف في أنها أصوات وحروف مغايرة لمدلولاتها ومفهوماتها، وإن أريد بالاسم المدلول فلا خفاء في أن المدلول اسم الشيء ومفهومه نفس مسماه من غير احتياج إلى استدلال بل هو لغو من الكلام بمنزلة قولنا ذات الشيء ذاته فما وجه
стр. 8107
هذا الاختلاف المستمر بين كثير من العقلاء؟ قلنا: الاسم إذا وقع في الكلام قد يراد به معناه كقولنا زيد كاتب، وقد يراد نفس لفظه كقولنا: زيد اسم معرب حتى إن كل كلمة فإنه اسم موضوع بإزاء لفظ يعبر عنه كقولنا: ضرب فعل ماض ومن حرف جر ثم إذا أريد المعنى فقد يراد نفس ماهية المسمى كقولنا الحيوان جنس والإنسان نوع، وقد يراد بعض أفرادها لقولنا جاءني إنسان ورأيت حيوانًا وقد يراد جزؤها كالناطق أو عارض لها كالضاحك فلا يبعد أن يقع بهذا الاعتبار اختلاف واشتباه في أن اسم الشيء نفس مسماه أو وغيره اهـ بحروفه وإنما أطلت به لأمر اقتضاء والله الموفق والمعين.
وحديث الباب سبق في الدعوات.
٧٣٩٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ رِبْعِىٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ: «اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَحْيَا وَأَمُوتُ». وَإِذَا أَصْبَحَ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ».
وبه قال: (حدّثنا مسلم) هو ابن إبراهيم أبو عمرو الفراهيدي الأزدي مولاهم البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عبد الملك) بن عمير (عن ربعي) بكسر الراء والعين المهملة بينهما موحدة ساكنة ابن حراش بالحاء المهملة المكسورة وبعد الراء ألف فشين معجمة الغطفاني قيل إنه تكلم بعد الموت (عن حذيفة) بن اليمان ﵁ أنه (قال: كان النبى ﷺ إذا أوى) إلى فراشه دخل فيه (قال):
(اللهم باسمك) بوصل الهمزة أي بذكر اسمك (أحيا) ما حييت (و) عليه (أموت) أو باسمك المميت أموت وباسمك المحيي أحيا لأن معاني الأسماء الحسنى ثابتة له تعالى فكل ما ظهر في الوجود فهو صادر عن تلك المقتضيات (وإذا أصبح قال: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا) أطلق الموت على النوم لأنه يزول معه العقل والحركة كالموت (وإليه النشور) الإحياء للبعث أو المرجع في نيل الثواب مما نكتسبه في حياتنا هذه.
والحديث سبق في الدعوات أيضًا.
٧٣٩٥ - حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِىِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: «بِاسْمِكَ نَمُوتُ وَنَحْيَا». فَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ».
وبه قال: (حدّثنا سعد بن حفص) بسكون العين الطلحي الكوفي الضخم قال: (حدّثنا شيبان) بن عبد الرحمن أبو معاوية (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن ربعي بن حراش) الغطفاني (عن خرشة) بفتح المعجمتين والراء (ابن الحر) بضم الحاء المهملة وتشديد الراء الفزاري الكوفي
стр. 8108
(عن أبي ذر) جندب بن جنادة ﵁ أنه (قال: كان النبي ﷺ إذا أخذ مضجعه) بفتح الجيم (من الليل قال):
(باسمك) بذكر اسمك (نموت ونحيا. فإذا) بالفاء ولأبي ذر وإذا (استيقظ) من نومه (قال: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا) ردّ أنفسنا بعد أن قبضها عن التصرف بالنوم أي الحمد لله شكرًا لنيل نعمة التصرف في الطاعات بالانتباه من النوم الذي هو أخو الموت وزوال المانع عن التقرب بالعبادات (وإليه) تعالى (النشور) الإحياء بعد الموت والبعث يوم القيامة.
٧٣٩٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِىَ أَهْلَهُ فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِى ذَلِكَ لَمْ يَضُرُّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء الثقفي مولاهم البغلاني البلخي قال: (حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن سالم) هو ابن أبي الجعد (عن كريب) مولى ابن عباس (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(لو أن أحدكم) بالكاف ولأبي ذر أحدهم (إذا أراد أن يأتي أهله) يجامع امرأته أو سريته (فقال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا) وجواب لو الشرطية محذوف أي لسلم من الشيطان يدل له قوله (فإنه إن يقدَّر) بفتح الدال المشددة (بينهما ولد في ذلك) الإتيان (لم يضره شيطان) بإضلاله وإغوائه (أبدًا). بل يكون من جملة من لا سبيل للشيطان عليه وشيطان في قوله لم يضره شيطان بدون ال. وفي الكواكب فإن قلت: التقدير أزلي فما وجه أن يقدّر؟ وأجاب: بأن المراد به تعلقه. وقال في الفتح: أي إن كان قدّر لأن التقدير أزلي لكن عبر بصيغة المضارعة بالنسبة للتعلق.
والحديث سبق في باب التسمية على كل حال وعند الوقاع من كتاب الوضوء وفي النكاح أيضًا.
٧٣٩٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا فُضَيْلٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامٍ عَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِىَّ ﷺ قُلْتُ: أُرْسِلُ كِلَابِى الْمُعَلَّمَةَ قَالَ: «إِذَا أَرْسَلْتَ كِلَابَكَ الْمُعَلَّمَةَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَأَمْسَكْنَ فَكُلْ، وَإِذَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ فَخَزَقَ فَكُلْ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) بفتح الميم واللام القعنبي قال: (حدّثنا فضيل) بضم الفاء وفتح الضاد المعجمة ابن عياض التميمي الزاهد الخراساني (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن إبراهيم) النخعي (عن همام) بفتح الهاء وتشديد الميم بعدها ميم أخرى ابن الحارث النخعي (عن
стр. 8109
عدي بن حاتم) الطائي ولد الجواد المشهور أسلم في سنة تسع أو سنة عشر وكان قبل ذلك نصرانيًّا. قال خليفة عنه: إنه قال ما أقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء وقد أسن. قال خليفة: بلغ مائة وعشرين سنة. وقال أبو حاتم السجستاني: بلغ مائة وثمانين ﵁ أنه (قال: سألت النبي ﷺ قلت) يا رسول الله (أرسل كلابي المعلمة) بفتح اللام المشددة التي تنزجر بالزجر وتسترسل بالإرسال ولا تأكل من الصيد وفي كتاب الصيد في باب ما جاء في الصيد من وجه آخر قال: سألت رسول الله ﷺ فقلت: إنّا قوم نتصيد بهذه الكلاب (قال) ﷺ :
(إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله) بأن قلت بسم الله (فأمسكن) عليك (فكل) مما صادته (وإذا رميت بالمعراض) بكسر الميم وسكون العين المهملة آخره ضاد معجمة خشبة في رأيها كالزج يلقيها على الصيد (فخزق) بالخاء المعجمة والزاي والقاف أي جرح الصيد بحدّه (فكل) فإنه حلال وإن قتل بعرضه فهو وقيذ لا يحل لأن عرضه لا يسلك إلى داخله.
وسبق الحديث في الصيد.
٧٣٩٨ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هُنَا أَقْوَامًا حَدِيثًا عَهْدُهُمْ بِشِرْكٍ يَأْتُونَا بِلُحْمَانٍ لَا نَدْرِى يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا أَمْ لَا؟ قَالَ: «اذْكُرُوا أَنْتُمُ اسْمَ اللَّهِ وَكُلُوا». تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالدَّرَاوَرْدِىُّ، وَأُسَامَةُ بْنُ حَفْصٍ.
وبه قال: (حدّثنا يوسف بن موسى) بن راشد القطان الكوفي نزيل بغداد قال: (حدّثنا أبو خالد) سليمان بن حيان (الأحمر) الكوفي (قال: سمعت هشام بن عروة يحدّث عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: قالوا يا رسول الله ﷺ إن هنا) ولأبي ذر عن الكشميهني هاهنا (أقوامًا حديثًا) بالنصب منوّنًا، ولأبي ذر: حديث بالرفع والتنوين (عهدهم بشرك) برفع عهدهم (يأتونا) ولأبي ذر يأتوننا بنونين والأول على لغة من يحذف نون الجمع بدون ناصب وجازم (بلحمان) بضم اللام جمع لحم (لا ندري يذكرون اسم الله عليها) عند الذبح (أم لا. قال) ﵊:
(اذكروا أنتم اسم الله) على الأكل (وكلوا). والحديث سبق في الذبائح (تابعه) أي تابع أبا خالد الأحمر (محمد بن عبد الرحمن) الطفاوي فيما أخرجه المؤلف موصولاً في البيوع (والدراوردي) عبد العزيز بن محمد فيما وصله العدني عنه (وأسامة بن حفص). فيما وصله المؤلف في باب ذبيحة الأعراب من الصيد. قال في الفتح: وقع قوله تابعه الخ هنا عقب حديث أبي هريرة المبدأ بذكره في هذا الباب عند كريمة والأصيلي وغيرهما، والصواب ما وقع عند أبي ذر وغيره أن على ذلك عقب حديث عائشة وهو سادس أحاديث الباب.
стр. 8110
٧٣٩٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ضَحَّى النَّبِىُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ يُسَمِّى وَيُكَبِّرُ.
وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) بن الحارث بن سخبرة الأزدي أبو عمر الحوضي قال: (حدّثنا هشام) هو ابن عبد الله الدستوائي (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس) ﵁ أنه (قال: ضحّى النبي ﷺ بكبشين) يتعلق بضحى حال كونه (يسمي) الله تعالى (ويكبر) ـه فقال: "باسم الله والله أكبر".
والحديث أخرجه أبو داود.
٧٤٠٠ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدَبٍ أَنَّهُ شَهِدَ النَّبِىَّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ صَلَّى ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّىَ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ».
وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) الحوضي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن الأسود بن قيس) العبدي ويقال العجلي الكوفي (عن جندب) بضم الجيم وسكون النون وفتح الدال وضمها ابن عبد الله البجلي ﵁ (أنه شهد النبي ﷺ يوم النحر صلّى) صلاة العيد (ثم خطب فقال) فى خطبته:
(من ذبح) أضحيته (قبل أن يصلّي) العيد (فليذبح مكانها) أي مكان التي ذبحها ذبيحة (أخرى ومن لم يذبح فليذبح باسم الله) بسُنّة الله أو تبركًا باسم الله.
والحديث سبق في باب كلام الإمام والناس في خطبة العيد من كتاب العيد.
٧٤٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ».
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا ورقاء) بفتح الواو وسكون الراء بعدها قاف ممدودًا ابن عمر الخوارزمي (عن عبد الله بن دينار) العدوي مولاهم أبي عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر (عن ابن عمر ﵄) أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(لا تحلفوا بآبائكم) لأن في الحلف تعظيم المحلوف به وحقيقة العظمة لا تكون إلا لله (ومن كان حالفًا فليحلف بالله) أي من كان مريدًا فليحلف بالله لا بغيره من الآباء وغيرهم، وخص الآباء لوروده على سبب، وهو أنهم كانوا في الجاهلية يحلفون بآبائهم وآلهتهم.
وفي حديث الترمذي وصححه الحاكم عن ابن عمر لا تحلف بغير الله فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حلف بغير الله فقد كفر" والمراد به الزجر والتغليظ، وفيه مباحث سبقت مع الحديث في الإيمان.
стр. 8111
١٤ - باب مَا يُذْكَرُ فِى الذَّاتِ وَالنُّعُوتِ وَأَسَامِى اللَّهِ
وَقَالَ خُبَيْبٌ: وَذَلِكَ فِى ذَاتِ الإِلَهِ فَذَكَرَ الذَّاتَ بِاسْمِهِ تَعَالَى.
(باب ما يذكر) بضم أوّله وفتح ثالثه (في الذات) الإلهية (والنعوت) أي والصفات القائمة بها (وأسامي الله) .
قال القاضي عياض: ذات الشيء نفسه وحقيقته، وقد استعمل أهل الكلام الذات بالألف واللام وهم النحاة وجوزه بعضهم لأنها ترد بمعنى النفس وحقيقة الشيء وجاء في الشعر ولكنه شاذ، واستعمال البخاري لها على ما تقدم من أنّ المراد بها نفس الشيء على طريقة المتكلمين في حق الله تعالى ففرق بين النعوت والذوات. وقال ابن برهان: إطلاق المتكلمين الذات في حق الله من جهلهم لأن ذات تأنيث ذو، وهو جلّت عظمته لا يصح له إلحاق تاء التأنيث قال وقولهم الصفات الذاتية جهل منهم أيضًا لأن النسب إلى ذات ذويّ. وأجيب: بأن الممتنع استعمالها بمعنى صاحبة أما إذا قطعت عن هذا المعنى واستعملت بمعنى الاسمية فلا محذور، كقوله تعالى: ﴿إنه عليم بذات الصدور﴾ [الأنفال: ٤٣] أي بنفس الصدور.
(وقال خبيب) بضم الخاء المعجمة وفتح الموحدة ابن عدي الأنصاري (وذلك في ذات الإله فذكر الذات) متلبسًا (باسمه تعالى) أو ذكر حقيقة الله تعالى بلفظ الذات قال في الفتح: ظاهر لفظه أن مراده أنه أضاف لفظ ذات إلى اسم الله تعالى وسمعه النبي ﷺ فلم ينكره فكان جائزًا وقد ترجم البيهقي في الأسماء والصفات ما جاء في الذات، وأورد حديث أبي هريرة المتفق عليه في ذكر إبراهيم ﵇ إلا ثلاث كذبات اثنتين في ذات الله، وحديث ولا تفكروا في ذات الله، ومعنى ذلك من أجل أو بمعنى حق، فالظاهر أن المراد جواز إطلاق لفظ ذات لا بالمعنى الذي أحدثه المتكلمون ولكنه غير مردود إذ عرف أن المراد به النفس لثبوت لفظ النفس في القرآن.
٧٤٠٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ أَبِى سُفْيَانَ بْنِ أَسِيدِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِىُّ - حَلِيفٌ لِبَنِى زُهْرَةَ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِى هُرَيْرَةَ - أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشْرَةً مِنْهُمْ خُبَيْبٌ الأَنْصَارِىُّ فَأَخْبَرَنِى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عِيَاضٍ أَنَّ ابْنَةَ الْحَارِثِ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُمْ حِينَ اجْتَمَعُوا اسْتَعَارَ مِنْهَا مُوسَى يَسْتَحِدُّ بِهَا، فَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الْحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ قَالَ خُبَيْبٌ الأَنْصَارِىُّ:
وَلَسْتُ أُبَالِى حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا … عَلَى أَىِّ شِقٍّ كَانَ لِلَّهِ مَصْرَعِى
وَذَلِكَ فِى ذَاتِ الإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ … يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ
فَقَتَلَهُ ابْنُ الْحَارِثِ فَأَخْبَرَ النَّبِىُّ ﷺ أَصْحَابَهُ خَبَرَهُمْ يَوْمَ أُصِيبُوا.
стр. 8112
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (عمرو بن أبي سفيان) بفتح العين (ابن أسيد بن جارية) بفتح الهمزة وكسر السين وجارية بالجيم (الثقفي) بالمثلثة (حليف) بالحاء المهملة (لبني زهرة) بضم الزاي أي معاهد لهم (وكان من أصحاب أبي هريرة أن أبا هريرة) ﵁ (قال: بعث رسول الله ﷺ ¬) لما قدم بعد أُحُد رهط من عضل والقارة فقالوا يا رسول الله إن فينا إسلامًا فابعث معنا نفرًا من أصحابك يفقهوننا (عشرة منهم خبيب الأنصاري) فلما كانوا بالهدأة ذكروا لبني لحيان فنفروا لهم قريبًا من مائتي رجل، فلما رأوهم لجؤوا إلى فدفد أي رابية فأحاط بهم القوم ورموهم بالنبل وقتلوا عاصمًا أميرهم في سبعة من العشرة ونزل إليهم ثلاثة منهم خبيب وابن دثنة وعبد الله بن طارق فأوثقوهم بأوتار قسيهم وباعوا خبيبًا وابن دثنة بمكة، فاشترى خبيبًا بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، فلبث خبيب عندهم أسيرًا. قال ابن شهاب الزهري (فأخبرني) بالإفراد (عبيد الله) بضم العين (ابن عياض) بكسر العين آخره ضاد معجمة القاريّ من القارة (أن ابنة الحارث) زينب (أخبرته أنهم حين اجتمعوا) أي لقتله (استعار) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فاستعار (منها موسى يستحد بها) يحلق بها شعر عانته لئلا يظهر عند قتله (فلما خرجوا) به (من المحرم ليقتلوه) في الحل (قال خبيب الأنصاري):
(ولست أبالي) ولأبي الوقت والأصيلي ما أبالي (حين أقتل مسلمًا على أيّ شق) بكسر المعجمة (كان لله مصرعي) أي مطرحي على الأرض.
(وذلك في ذات الإله) في طلب ثوابه (وإن يشأ يبارك على أوصال شلو) بكسر المعجمة وسكون اللام أي أوصال جسد (ممزع) بضم الميم الأولى وفتح الثانية والزاي المشددة بعدها عين مهملة أي مقطع مفرق (فقتله ابن الحارث) عقبة بالتنعيم وصلبه ثم (فأخبر النبي ﷺ أصحابه خبرهم يوم أصيبوا).
والحديث سبق في الجهاد بأتم من هذا في باب هل يستأسر الرجل.
١٥ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَا أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦].
(باب قول الله تعالى: ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ [آل عمران: ٢٨]) مفعول ثان ليحذر لأنه في الأصل متعدّ لواحد فازداد بالتضعيف آخر وقدر بعضهم حذف مضاف أي عقاب نفسه، وصرح بعضهم بعدم الاحتياج إليه كذا نقله أبو البقاء. قال في الدر: وليس بشيء إذ لا بدّ من تقدير هذا المضاف لصحة المعنى. ألا ترى إلى غير ما نحن فيه نحو قولك حذرتك نفس زيد إنه لا بد من شي يحذر منه كالعقاب والسطوة لأن الذوات لا يتصوّر الحذر منها نفسها إنما يتصور من أفعالها
стр. 8113
وما يصدر عنها. وقال أبو مسلم: المعنى ويحذركم الله نفسه أن تعصوه فتستحقوا عقابه وعبر هنا بالنفس عن الذات جريًا على عادة العرب كما قال الأعشى:
يومًا بأجود نائلاً منه إذا … نفس الجبان تحمدت سوالها
وقال بعضهم: الهاء في نفسه تعود على المصدر المفهوم من قوله: لا تتخذوا أي ويحذركم الله نفس الاتخاذ والنفس عبارة عن وجود الشيء وذاته. وقال أبو العباس المقرئ: ورد لفظ النفس في القرآن بمعنى العلم بالشيء والشهادة كقوله تعالى: ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ يعني علمه فيكم وشهادته عليكم وبمعنى البدن قال تعالى: ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ [آل عمران: ١٨٥] وبمعنى الهوى قال تعالى: ﴿إن النفس لأمارة بالسوء﴾ [يوسف: ٥٣] يعني الهوى وبمعنى الروح قال تعالى: ﴿أخرجوا أنفسكم﴾ [الأنفال: ٥٣] أي أرواحكم اهـ.
والفائدة في ذكر النفس أنه لو قال ويحذركم الله كان لا يفيد أن الذي أريد التحذير منه هو عقاب يصدر من الله تعالى أو من غيره، فلما ذكر النفس زال ذلك ومعلوم أن العقاب الصادر عنه يكون أعظم العقاب لكونه قادرًا على ما لا نهاية له.
(وقوله) ولأبي ذر وقول الله (جل ذكره: ﴿تعلم ما في نفسي﴾) ذاتي (﴿ولا أعلم ما في نفسك﴾ [المائدة: ١١٦]) ذاتك فنفس الشيء ذاته وهويته والمعنى تعلم معلومي ولا أعلم معلومك. وقال في اللباب لا يجوز أن تكون تعلم عرفانية لأن العرفان يستدعي سبق جهل أو يقتصر به على معرفة الذات دون أحوالها فالمفعول الثاني محذوف أي تعلم ما في نفسي كائنًا وموجودًا على حقيقته لا يخفى عليك منه شيء وقوله ولا أعلم، وإن كان يجوز أن تكون عرفانية إلا أنها لما صارت مقابلة لما قبلها كانت مثلها اهـ.
وقال البيهقي: النفس في كلام العرب على أوجه منها الحقيقة كما يقولون في نفس الأمر وليس للأمر نفس منفوسة ومنها الذات قال: وقد قيل في قوله تعالى: ﴿تعلم ما في نفسي﴾ أن معناه ما أكنّه أسرّه ولا أعلم ما تسرّه عني وقيل ذكر النفس هنا للمقابلة والمشاكلة، وعورض بالآية التي في أوّل الباب إذ ليس فيها مقابلة.
٧٤٠٣ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِى حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ وَمَا أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللَّهِ».
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص بن غياث) النخعي قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث قاضي الكوفة قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران (عن شقيق) أبي وائل بن سلمة (عن عبد الله) بن مسعود ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
стр. 8114
(ما من أحد أغير من الله) (من أجل ذلك حرم الفواحش) والمراد بالغيرة هنا والله أعلم لازمها وهو الغضب ولازم الغضب إرادة إيصال العقوبة وقيل غيرة الله كراهة إتيان الفواحش أي عدم رضاه بها لا التقدير (وما أحد أحب) بالنصب ولأبي ذر بالرفع (إليه المدح من الله). . وأحب بالنصب والمدح بالرفع فاعله، وليس في الحديث ما يدل على مطابقته للترجمة صريحًا. نعم في رواية تفسير سورة الأنعام زيادة قوله ولذلك مدح نفسه، وساقه هنا على الاختصار بدون هذه الزيادة تشحيذًا للأذهان على عادته ولما لم يستحضر الكرماني هذه الزيادة عند شرحه ذلك قال: لعله أقام استعمال أحد مقام النفس لتلازمهما في صحة استعمال كل واحد منهما مقام الآخر.
والحديث سبق في تفسير الأنعام وفي باب الغيرة من النكاح.
٧٤٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِى حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِى كِتَابِهِ هُوَ يَكْتُبُ عَلَى نَفْسِهِ، وَهْوَ وَضْعٌ عِنْدَهُ عَلَى الْعَرْشِ إِنَّ رَحْمَتِى تَغْلِبُ غَضَبِى».
وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو عبد الله بن عثمان المروزي وعبدان لقبه (عن أبي حمزة) بالحاء المهملة والزاي محمد بن ميمون السكري (عن الأعمش) سليمان (عن أبي صالح) ذكوان السمان (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(لما خلق الله) (الخلق كتب) أمر القلم أن يكتب (في كتابه هو يكتب على نفسه) بيان لقوله كتب ولأبي ذر وهو يكتب فالجملة حالية (وهو وضع) بفتح الواو وسكون الضاد المعجمة أي موضوع وفي رواية أبي ذر على ما حكاه عياض وضع بفتح الضاد فعل ماض مبني للفاعل وفي نسخة معتمدة وضع بكسر الضاد مع التنوين (عنده) أي علم ذلك عنده (على العرش) مكنونًا عن سائر الخلق مرفوعًا عن حيز الإدراك والله تعالى منزّه عن الحلول في المكان لأن الحلول عرض يفنى وهو حادث والحادث لا يليق به تعالى وليس الكتب لئلا ينساه تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا بل لأجل الملائكة الموكلين بالمكلفين. وفي بدء الخلق فوق العرش وفيه تنبيه على تعظيم الأمر وجلالة القدر فإن اللوح المحفوظ تحت العرش والكتاب المشتمل على هذا الحكم فوق العرش، ولعل السبب في ذلك والعلم عند الله تعالى أن ما تحت العرش عالم الأسباب والمسببات واللوح يشتمل على تفاصيل ذلك ذكره في شرح المشكاة والمكتوب هو قوله: (إن رحمتي تغلب غضبي). والمراد بالغضب لازمه وهو إيصال العذاب إلى من يقع عليه الغضب لأن السبق والغلبة باعتبار التعلق أي تعلق الرحمة سابق على تعلق الغضب لأن الرحمة مقتضى ذاته المقدسة وأما الغضب فإنه متوقف على سابقة عمل من العبد الحادث.
والحديث سبق في أوائل بدء الخلق وأخرجه مسلم.
стр. 8115
٧٤٠٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِى حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِى بِى، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِى، فَإِنْ ذَكَرَنِى فِى نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِى نَفْسِى، وَإِنْ ذَكَرَنِى فِى مَلأٍ ذَكَرْتُهُ فِى مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَىَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَىَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِى يَمْشِى أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً».
[الحديث ٧٤٠٥ - طرفاه في: ٧٥٠٥، ٧٥٣٧].
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان قال: (سمعت أبا صالح) ذكوان (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(يقول الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي) إن ظن أني أعفو عنه وأغفر فله ذلك وإن ظن أني أعاقبه وأؤاخذه فكذلك، وفيه إشارة إلى ترجيح جانب الرجاء على الخوف وقيده بعض أهل التحقيق بالمحتضر، وأما قبل ذلك فأقول ثالثها الاعتدال فينبغي للمرء أن يجتهد بقيام وظائف العبادات موقنًا بأن الله يقبله ويغفر له لأنه وعده بذلك وهو لا يخلف الميعاد، فإن أعتقد أو ظن خلاف ذلك فهو آيس من رحمة الله وهو من الكبائر ومن مات على ذلك وكل إلى ظنه وأما ظن المغفرة مع الإصرار على المعصية فذلك محض الجهل والغرة (وأنا معه) بعلمي (إذا ذكرني) وهي معية خصوصية أي معه بالرحمة والتوفيق والهداية والرعاية والإعانة فهي غير المعية المعلومة من قوله تعالى: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ [الحديد: ٤] فإن معناها المعية بالعلم والإحاطة (فإن ذكرني) بالتنزيه والتقديس سرًّا (في نفسه ذكرته) بالثواب والرحمة سرًّا (في نفسي وإن ذكرني في ملأ) بفتح الميم واللام مهموز في جماعة جهرًا (ذكرته) بالثواب (في ملأ خير منهم) وهم الملأ الأعلى ولا يلزم منه تفضيل الملائكة على بني آدم لاحتمال أن يكون المراد بالملأ الذين هم خير من ملأ الذاكرين الأنبياء والشهداء فلم ينحصر ذلك في الملائكة، وأيضًا فإن الخيرية إنما حصلت بالذاكر والملأ معًا فالجانب الذي فيه رب العزة خير من الجانب الذي ليس فيه بلا ارتياب، فالخيرية حصلت بالنسبة للمجموع على المجموع وهذا قاله الحافظ ابن حجر مبتكرًا، لكن قال إنه سبقه إلى معناه الكمال بن الزملكاني في الجزء الذي جمعه في الرفيق الأعلى (وإن تقرب إليّ) بتشديد الياء (بشبر) ولأبي ذر عن الكشميهني شبرًا بإسقاط الخافض والنصب أي مقدار شبر (تقربت إليه ذراعًا وإن تقرب إليّ ذرعًا) بكسر الذال المعجمة أي بقدر ذراع (تقربت إليه) ولأبي ذر عن الحموي منه (باعًا) أي بقدر باع وهو طول ذراعي الإنسان وعضديه وعرض صدره (وإن) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ومن (أتاني يمشي أتيته هرولة) إسراعًا يعني من تقرب إليّ بطاعة قليلة جازيته بمنوبة كثيرة، وكلما زاد في الطاعة زدت في ثوابه وإن كان كيفية إتيانه بالطاعة على التأني فإتياني بالثواب له على السرعة والتقرب، والهرولة مجاز على سبيل المشاكلة أو الاستعارة أو قصد إرادة لوازمها وإلاّ فهذه الإطلاقات وأشباهها لا يجوز إطلاقها على الله تعالى إلا على المجاز لاستحالتها عليه تعالى.
стр. 8116
وفي الحديث جواز إطلاق النفس على الذات فإطلاقه في الكتاب والسُّنّة إذن شرعي فيه أو يقال هو بطريق المشاكلة لكن يعكر على هذا الثاني قوله تعالى: ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ [آل عمران: ٢٨] والحديث من أفراده.
١٦ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]
(باب قول الله تعالى: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ [القصص: ٨٨]) أي إلا إياه فالوجه يعبر به عن الذات، وإنما جرى على عادة العرب في التعبير بالأشرف عن الجملة ومن جعل شيئًا يطلق على الباري تعالى وهو الصحيح قال هذا استثناء متصل، ومن لم يطلقه عليه جعله متصلاً أيضًا وجعل الوجه ما عمل لأجله أو جعله منقطعًا أي لكن هو لم يهلك ويجوز رفع وجهه على الصفة، وفسر الهلاك بالعدم أي إن الله تعالى يعدم كل شيء وفسر أيضًا بإخراج الشيء عن كونه منتفعًا به إما بالإماتة أو بتفريق الأجزاء وإن كانت باقية كما يقال هلك الثوب وقيل معنى كونه هالكًا كونه قابلاً للهلاك في ذاته. وقال مجاهد: كل شيء هالك إلا وجهه يعني علم العلماء إذا أريد به وجه الله اهـ. وثبت لفظ باب لأبى ذر.
٧٤٠٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥]، قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ». فَقَالَ: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥]، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ». قَالَ: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام: ٦٥]، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «هَذَا أَيْسَرُ».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) البلخي قال: (حدّثنا حماد بن زيد) وسقط ابن زيد لغير أبي ذر (عن عمرو) بفتح العين ابن دينار (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري ﵄ أنه (قال: لما نزلت هذه الآية ﴿قل هو القادر﴾) أي الكامل القدرة (﴿على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم﴾ [الأنعام: ٦٥]) أي كما أمطر على قوم لوط وعلى أصحاب الفيل الحجارة (قال النبي ﷺ ¬):
(أعوذ بوجهك) أي بذاتك (فقال: ﴿أو من تحت أرجلكم﴾ [الأنعام: ٦٥]، فقال النبي ﷺ : أعوذ بوجهك. قال): ولأبي ذر فقال (﴿أو يلبسكم شيعًا﴾ [الأنعام: ٦٥]) أو يخلطكم فرقًا مختلفين على أهواء شتى (فقال النبي ﷺ : هذا أيسر) لأن الفتن بين المخلوقين أهون من عذاب الله. وفي رواية ابن السكن مما ذكره في فتح الباري هذه أيسر قال وسقط لفظ الإشارة من رواية الأصيلي. قال الزركشي: ورواية غيره هي الصحيحة وبها يستقل الكلام. قال في المصابيح: وروايته أيضًا صحيحة وقصارى ما فيها حذف المبتدأ الذي ثبت في الروايتين وذلك جائز فكيف يحكم بعدم صحتها ولا شاهد يستند إليه هذا الحكم اهـ.
стр. 8117
والمراد منه قوله: أعوذ بوجهك. قال البيهقي: تكرر ذكر الوجه في الكتاب والسُّنَّة الصحيحة وهو في بعضها صفة ذات كقوله: إلا برداء الكبرياء على وجهه، وفي بعضها من أجل كقوله: ﴿إنما نطعمكم لوجه الله﴾ [الإنسان: ٩] وفي بعضها بمعنى الرضا كقوله تعالى: ﴿يريدون وجه الله﴾ [الروم: ٣٩] ﴿إلا ابتغاء وجه ربه﴾ [الليل: ٢٠] وليس المراد الجارحة جزمًا والحديث سبق في تفسير سورة الأنعام وفي كتاب الاعتصام بالكتاب والسُّنّة في قوله باب قول الله تعالى: ﴿أو يلبسكم شيعًا﴾.
١٧ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِى﴾ [طه: ٣٩]: تُغَذَّى وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤]
(باب قول الله تعالى: ﴿ولتصنع على عيني﴾ [طه: ٣٩]: تغذى) بضم الفوقية وفتح الغين والذال المشددة المعجمتين من التغذية قاله قتادة، وفي نسخة الصغاني بالدال المهملة ولا يفتح أوله على حذف إحدى التاءين فإنه تفسير تصنع. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني اجعله في بيت الملك ينعم ويترف غذاؤه عندهم، وقال أبو عمران الجوني قال تربى بعين الله. وقال معمر بن المثنى: ولتصنع على عيني بحيث أرى، وقيل لتربى بمرأى مني. قال الواحدي: قوله على عيني بمرأى مني صحيح، ولكن لا يكون في هذا تخصيص لموسى ﵇ فإن جميع الأشياء بمرأى منه تعالى، والصحيح لتغذى على محبتي وإرادتي. قال: وهذا قول قتادة واختيار أبي عبيدة وابن الأنباري قال في فتوح الغيب: هذا الاختصاص للتشريف كاختصاص عيسى بكلمة الله والكعبة ببيت الله فإن الكل موجود بكن وكل البيوت بيت الله على أن خلاصة الكلام وزبدته تفيد مزيد الاعتناء بشأنه وأنه من الملحوظين بسوابق إنعامه، وقوله تغذى ثبت في رواية أبي ذر عن المستملي وسقط لفظ باب لغير أبي ذر فاللاحق مرفوع استئنافًا. (وقوله جل ذكره) بالرفع والجر عطفًا على سابقه (﴿تجري بأعيننا﴾ [القمر: ١٤]) أي بمرأى منا أو بحفظنا أو بأعيننا حال من الضمير في تجري أي محفوظة بنا ومن ذلك قوله تعالى: ﴿واصنع الفلك بأعيننا﴾ [هود: ٣٧] أي نحن نراك ونحفظك ﴿وتجري بأعيننا﴾ أي بالمكان المحفوظ بالكلاءة والحفظ والرعاية يقال فلان بمرأى من الملك ومسمع إذا كان بحيث تحوطه عنايته وتكتنفه رعايته ونحو ذلك مما ورد به الشرع وامتنع حمله على معانيه الحقيقية. وعند الأشعري إنها صفات زائدة وعند الجمهور هو أحد وقولي الأشعري إنها مجازات فالمراد بالعين البصر.
٧٤٠٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: ذُكِرَ الدَّجَّالُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ». وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عَيْنِهِ «وَإِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ».
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي الحافظ قال: (حدّثنا جويرية) بن أسماء
стр. 8118
(عن نافع عن) مولاه (عبد الله) بن عمر ﵄ أنهُ (قال: ذكر الدجال) بضم المعجمة (عند النبي ﷺ فقال):
(إن الله لا يخفى عليكم إن الله) (ليس بأعور. وأشار) ﷺ (بيده) المقدسة (إلى عينه) فيه إيماء إلى الرد على من يقول معنى رؤيته تعالى ووصفه بأنه بصير العلم والقدرة، فالمراد التمثيل والتقريب للفهم لا إثبات الجارحة ولا دلالة فيه للمجسمة لأن الجسم حادث وهو قديم، فالمراد نفي النقص والعور عنه وأنه ليس كمن لا يرى ولا يبصر بل مُنتَفٍ عنه جميع النقائص والآفات. وسئل الحافظ ابن حجر هل لقارئ هذا الحديث أن يشير بيده عند قراءة هذا الحديث إلى عينه كما صنع ﷺ ، فأجاب: بأنه إن حضر عنده من يوافقه على معتقده وكان يعتقد تنزيه الله تعالى عن صفة الحدوث وأراد الحدوث وأراد التأسي به محضًا جاز والأولى به الترك خشية أن يدخل على من يراه شبهة التشبيه تعالى الله عن ذلك (وإن المسيح الدجال) بكسر الهمزة (أعور عين اليمنى) من إضافة الموصوف إلى صفته ولأبي ذر أعور العين اليمنى (كأن عينه عنبة طافية) بالياء أي ناتئة بارزة وهي غير الممسوحة وقد تهمز لكن أنكره بعضهم وسبق ما فيه من الفتن في باب ذكر الدجال.
٧٤٠٨ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا قَتَادَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِىٍّ إِلاَّ أَنْذَرَ قَوْمَهُ الأَعْوَرَ الْكَذَّابَ، إِنَّهُ أَعْوَرُ وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ».
وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) بن الحارث بن سخبرة الحوضي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (أخبرنا قتادة) بن دعامة (قال: سمعت أنسًا ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(ما بعث الله) (من نبي إلا أنذر قومه الأعور الكذاب إنه أعور وإن ربكم) ولأبي ذر عن الكشميهني وإن الله (ليس بأعور) لتعاليه عن كل نقص واقتصر في وصف الدجال على العور لكون كل أحد يدركه فدعواه الربوبية مع ذلك كاذبة (مكتوب بين عينيه كافر). زاد أبو أمامة فيما رواه ابن ماجة يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب.
وسبق الحديث في الفتن.
١٨ - باب قَوْلِ اللَّهِ: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٤]
(باب قول الله: ﴿هو الخالق البارئ المصور﴾ [الحشر: ٢٤]) كذا لأبي ذر ولغيره سقوط الباب وقال: ﴿هو الله الخالق﴾ كذا في الفرع وسقط لأبي ذر لفظ هو وقال في الفتح الباري باب قول الله تعالى هو الخالق كذا للأكثر والتلاوة هو الله الخالق إلى آخره وثبت كذلك في بعض النسخ
стр. 8119
من رواية كريمة والخالق هو المقدر والبارئ المنشئ المخترع، وقدم ذكر الخالق على البارئ لأن الإرادة مقدمة على تأثير القدرة وهو الإحداث على الوجه المقدر ثم التصوير فالتصوير مرتب على الخلق والبراءة وتابع لهما لأن إيجاد الذوات مقدّم على إيجاد الصفات والخالق من الخلق ويستعمل بمعنى الإبداع وهو إيجاد الشيء من غير أصل كقوله تعالى: ﴿خلق السماوات والأرض﴾ [الأنعام: ١ وغيرها] وبمعنى التكوين كقوله تعالى: (﴿خلق الإنسان من نطفة﴾ [النحل: ٤] والخلاق مبالغة في خالق والخلق فعله والخليقة جماعة المخلوقين وقد يعبر عن المخلوقات بالخلق تجوّزًا فمن علم أنه الخالق فعليه أن ينعم النظر في إتقان خلقه لتلوح له دلائل حكمته في صنعه فيعلم أنه خلقه من تراب ثم من نطفة وركّب أعضاءه، ورتب أجزاءه فقسم تلك القطرة فجعل بعضها مخًّا وبعضها عظمًا وبعضها عروقًا وبعضها أنيابًا وبعضها شحمًا وبعضها لحمًا وبعضها جلدًا وبعضها شعرًا، ثم رتّب كل عضو على ترتيب يخالف مجاوره ثم مدّ من تلك القطرة معاني صفات المخلوق وأسمائه وأخلاقه من علم وقدرة وإرادة وعقل وحلم وكرم ونحو هذا وأضداد هذا فتبارك الله أحسن الخالقين، وأما البارئ فقالوا معناه الخالق يقال برأ الله الخلق يبرؤهم برءًا وبروءًا أي خلقهم والبرية الخلق بالهمز وبغيره قالوا والبريئة من البر أو هو التراب؛ وقد جاء هذا الاسم بين اسمي فعل، وقد جاءت الروايات بتعداد الأسماء وذكر الاسمين معًا في العدد فلو كان مفهومها واحدًا لاستغنى بذكر أحدهما عن الآخر فلا بدّ من فارق يفرق بينهما لأن تقاربت الأشباه فالإيجاد والإبداع اسم عام لما تناوله معنى الإيجاد، ومعنى الإيجاد إخراج ذات المكون من العدم إلى الوجود واسم الخلق يتناول جميع المواد الظاهرة للمصنوع الظاهر، وهذا حدّ خاص في الخلق واسم البرء يتناول إيجاد البواطن من باطن ما خلق منه ذوات المقادير وهي الأجسام وجعل الذوات ذواتًا في الكون محمولة في الأجسام محجوبة في الهياكل، وأما المصور فهو مبدع صور المخلوقات على وجوه تتميز بها عن غيرها من تقدير وتخطيط واختصاص بشكل ونحو هذا فالله تعالى خالق كل شيء بمعنى أنه مقدره أو موجده من أصل ومن غير أصل وبارئه حسبما اقتضته حكمته وسبقت به كلمته من غير تفاوت واختلال ومصوّره بصورة يترتب عليها خواصه ويتم بها كماله.
٧٤٠٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى هُوَ ابْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ فِى غَزْوَةِ بَنِى الْمُصْطَلِقِ أَنَّهُمْ أَصَابُوا سَبَايَا فَأَرَادُوا أَنْ يَسْتَمْتِعُوا بِهِنَّ وَلَا يَحْمِلْنَ فَسَأَلُوا النَّبِىَّ ﷺ عَنِ الْعَزْلِ فَقَالَ: «مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ كَتَبَ مَنْ هُوَ خَالِقٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ». وَقَالَ مُجَاهِدٌ عَنْ قَزَعَةَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ فَقَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «لَيْسَتْ نَفْسٌ مَخْلُوقَةٌ إِلاَّ اللَّهُ خَالِقُهَا».
وبه قال: (حدّثنا إسحاق) هو ابن منصور أو ابن راهويه قال: (حدّثنا عفان) قال: (حدّثنا وهيب) بضم الواو ابن خالد قال: (حدّثنا موسى هو ابن عقبة) وسقط لأبي ذر هو ابن عقبة قال: (حدّثني) بالإفراد (محمد بن يحيى بن حبان) بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة الأنصاري المدني
стр. 8120
(عن ابن محيريز) بضم الميم وفتح الحاء المهملة وسكون التحتية بعدها راء فتحتية ساكنة فزاي الجمحي القرشي (عن أبي سعيد الخدري) ﵁ (في غزوة بني المصطلق) بكسر اللام (أنهم أصابوا سبايا) جمع سبيئة بالهمز وهي المرأة تسبى مثل خطيئة وخطايا أي جواري أخذن من الكفار أسرًا (فأرادوا) لما طالت عليهم العزبة (أن يستمتعوا بهنّ) في الجماع (ولا يحملن فسألوا النبي ﷺ عن العزل) وهو نزع الذكر من الفرج وقت الإنزال (فقال) ﵊:
(ما عليكم أن لا تفعلوا) أي ليس عليكم ضرر في ترك العزل أو ليس عدم العزل واجبًا عليكم أو لا زائدة كما قاله المبرد (فإن الله) (قد كتب) أي أمر من كتب (من هو خالق إلى يوم القيامة) فلا فائدة في عزلكم فإنه تعالى إن كان قد خلقها سبقكم الماء فلا ينفعكم الحرص.
(وقال مجاهد) هو ابن جبر المفسر فيما وصله (عن قزعة) بالقاف والزاي المفتوحتين (سمعت) ولأبي ذر قال: سألت (أبا سعيد) الخدري عن العزل (فقال: قال النبي ﷺ : ليست نفس مخلوقة) مقدرة الخلق (إلا الله) (خالقها) أي مبرزها من العدم إلى الوجود.
١٩ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ﴾ [ص: ٧٥]
(باب قول الله تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾ [ص: ٧٥]) يريد قوله تعالى لإبليس لما لم يسجد لآدم: ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ امتثالاً لأمري أي خلقته بنفسي من غير توسط كأب وأم والتثنية لما في خلقه من مزيد القدرة واختلاف الفعل، وقيل: المراد باليد القدرة، وتعقب بأنه لو كان اليد بمعنى القدرة لم يكن بين آدم وإبليس فرق لتشاركهما فيما خلق كل منهما به وهي قدرته في كلام المحققين من علماء البيان أن قولنا اليد مجاز عن القدرة إنما هو لنفي وهم التشبيه والتجسيم بسرعة، وإلا فهي تمثيلات وتصويرات للمعاني العقلية بإبرازها في الصور الحسية ولأنه عهد أنه من اعتنى بشيء باشره بيديه فيستفاد من ذلك أن العناية بخلق آدم أتم من العناية بخلق غيره وثبت لفظ باب لأبي ذر.
٧٤١٠ - حَدَّثَنِى مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: «يَجْمَعُ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ، فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا، فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ أَمَا تَرَى النَّاسَ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَىْءٍ شَفِّعْ لَنَا إِلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكَ وَيَذْكُرُ لَهُمْ خَطِيئَتَهُ الَّتِى أَصَابَ، وَلَكِنِ ائْتُوا نُوحًا فَإِنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ، فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِى أَصَابَ، وَلَكِنِ ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ لَهُمْ خَطَايَاهُ الَّتِى أَصَابَهَا، وَلَكِنِ ائْتُوا مُوسَى عَبْدًا أَتَاهُ اللَّهُ التَّوْرَاةَ وَكَلَّمَهُ تَكْلِيمًا، فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ لَهُمْ خَطِيئَتَهُ الَّتِى أَصَابَ، وَلَكِنِ
стр. 8121
ائْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ وَكَلِمَتَهُ وَرُوحَهُ فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَلَكِنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ عَبْدًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَأْتُونِى فَأَنْطَلِقُ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّى فَيُؤْذَنُ لِى عَلَيْهِ فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّى وَقَعْتُ لَهُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِى مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِى ثُمَّ يُقَالُ لِى: ارْفَعْ مُحَمَّدُ وَقُلْ: يُسْمَعْ وَسَلْ تُعْطَهْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَحْمَدُ رَبِّى بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِى حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ ثُمَّ أَرْجِعُ فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّى وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِى مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِى ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ وَقُلْ: يُسْمَعْ وَسَلْ تُعْطَهْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَحْمَدُ رَبِّى بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا رَبِّى ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِى حَدًّا فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ ثُمَّ أَرْجِعُ فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّى وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِى مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِى، ثُمَّ يُقَالُ ارْفَعْ مُحَمَّدُ قُلْ يُسْمَعْ وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَحْمَدُ رَبِّى بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِى حَدًّا فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَرْجِعُ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ مَا بَقِىَ فِى النَّارِ إِلاَّ مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَكَانَ فِى قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ، مَا يَزِنُ شَعِيرَةً ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَكَانَ فِى قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَكَانَ فِى قَلْبِهِ مَا يَزِنُ مِنَ الْخَيْرِ ذَرَّةً».
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (معاذ بن فضالة) بفتح الفاء وتخفيف الضاد المعجمة أبو زيد البصري: (حدّثنا هشام) الدستوائي (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس) ﵁ (أن النبي ﷺ قال):
(يجمع الله) (المؤمنين) من الأمم الماضية والأمة المحمدية ولأبوي الوقت وذر يجمع المؤمنون بضم التحتية مبنيًّا للمفعول والمؤمنون مفعول ناب عن فاعله (يوم القيامة كذلك) بالكاف في أوله للجميع. قال البرماوي والعيني كالكرماني أي مثل الجمع الذي نحن عليه. وقال في فتح الباري: وأظن أن أول هذه الكلمة لام والإشارة إلى يوم القيامة أو لما يذكر بعد قال: وقد وقع عند مسلم من رواية معاذ بن هشام عن أبيه يجمع إليه المؤمنين يوم القيامة فيهتمون لذلك (فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا) أحدًا فيشفع لنا (حتى يريحنا من مكاننا هذا) أي من الموقف لنحاسب ونخلص من حرّ الشمس والغم الذي لا طاقة لنا به (فيأتون آدم فيقولون يا آدم أما ترى الناس) فيما هم فيه من الكرب (خلقك الله بيده) وهذا موضع الترجمة (وأسجد لك ملائكته وعلّمك أسماء كل شيء) وضع شيء موضع أشياء أي المسميات لقوله تعالى: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ [البقرة: ٣١] أي أسماء المسميات إرادة للتقصي واحدًا فواحدًا حتى يستغرق المسميات كلها (شفع) بفتح الشين المعجمة وكسر الفاء مشددة مجزوم على الطلب قال في الكواكب من التشفيع وهو قبول الشفاعة وهو لا يناسب المقام إلا أن يقال هو تفعيل للتكثير والمبالغة ولأبي الوقت وأبي ذر عن الكشميهني اشفع (لنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا فيقول لست هناك) أي ليست لي هذه المرتبة بل لغيري (ويذكر لهم خطيئته التي أصابـ) ـها وهي أكله من الشجرة (ولكن ائتوا نوحًا
стр. 8122
فإنه أول رسول بعثه الله) بالإنذار (إلى أهل الأرض) الموجودين بعد هلاك الناس بالطوفان وليست أصل بعثته عامة فإنه من خصوصيات نبينا ﷺ وكانت رسالة آدم لنبيه بمنزلة التربية والإرشاد (فيأتون نوحًا) فيسألونه (فيقول) لهم (لست هناكم) بالميم بعد الكاف ولأبي ذر عن المستملي والكشميهني هناك بإسقاطها (ويذكر خطيئته التي أصابـ) ـها وهي سؤاله نجاة ولده من الغرق (ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن فيأتون إبراهيم) فيسألونه (فيقول لست هناكم) وللمستملي والكشميهني هناك (ويذكر لهم خطاياه التي أصابها) وهي قوله: ﴿إني سقيم﴾ [الصافات: ٨٩] و ﴿بل فعله كبيرهم﴾ [الأنبياء: ٦٣] وإنها أختي. (ولكن ائتوا موسى عبدًا آتاه الله التوراة وكلمه تكليمًا فيأتون موسى) فيسألونه (فيقول لست هناكم ويذكر لهم خطيئته التي أصاب) ولأبي ذر أصابها وهي قتله النفس بغير حق (ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله) نفي لقول النصارى ابن الله (وكلمته) لأنه وجد بأمره تعالى من غير أب (وروحه) المنفوخة في مريم (فيأتون عيسى) فيسألونه (فيقول لست هناكم ولكن ائتوا محمدًا ﷺ ¬) وسقطت الصلاة لأبي ذر (عبدًا غفر له) بضم الغين وكسر الفاء ولأبوي الوقت وذر والأصيلي غفر الله له (ما تقدم من ذنبه) عن سهو وتأويل (وما تأخر) بالعصمة (فيأتون) ولأبي ذر فيأتونني (فأنطلق فأستأذن على ربي) أي في الشفاعة للإراحة من هول الموقف (فيؤذن لي) بالفاء ولأبي ذر عن الكشميهني ويؤذن لي (عليه فإذا رأيت ربي وقعت له ساجدًا فيدعني ما شاء الله أن يدعني) أي فيتركني ما شاء أن يتركني (ثم يقال لي ارفع محمد) رأسك (وقل) ولأبي ذر قل بإسقاط الواو (يسمع) بضم التحتية وسكون السين المهملة وفتح الميم لك ولأبي ذر عن الحموي والكشميهني تسمع بالفوقية بدل التحتية (وسل) بغير همزة (تعطه) ولأبي ذر عن المستملي تعط بغير هاء (واشفع تشفع) بضم الفوقية وفتح الفاء مشددة تقبل شفاعتك (فأحمد ربي) تعالى (بمحامد علمنيها) زاد أبو ذر ربي وفي تفسير البقرة يعلمنيها بلفظ المضارع (ثم اشفع فيحدّ لي) تعالى (حدًّا) أي يعين لي قومًا مخصوصين (فأدخلهم الجنة ثم أرجع فإذا رأيت ربي) تعالى (وقعت) له (ساجدًا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقال: ارفع محمد) رأسك (وقل يسمع) لقولك ولأبي ذر عن الحموي والكشميهني تسمع بالفوقية (وسل تعطه) وللمستملي تعط بدون هاء (واشفع تشفع فأحمد ربي بمحامد علمنيها) زاد أبو ذر ربي (ثم أشفع فيهم) فيشفعني تعالى ثم أستأذنه تعالى في الشفاعة لإخراج قوم من النار (فيحد لي حدًّا فأدخلهم الجنة ثم أرجع فإذا رأيت ربي وقعت) له (ساجدًا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقال: ارفع محمد) رأسك (قل يسمع) لك ولأبي ذر وقل بالواو تسمع بالفوقية (وسل تعطه) بالهاء (واشفع تشقع فأحمد ربي بمحامد علمنيها) ولأبي ذر علمنيها ربي (ثم اشفع فيحد لي حدًّا فأدخلهم الجنة ثم أرجع فأقول يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن) فيها ممن أشرك (ووجب عليه الخلود) بنحو قوله فيه خالدين فيها أبدًا (قال) ولأبي ذر فقال (النبي ﷺ : يخرج من النار من قال لا إله إلا الله) مع محمد رسول الله ﷺ (وكان في قلبه من الخير) زيادة على أصل التوحيد (ما يزن شعيرة ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برة) حبة من الحنطة (ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان
стр. 8123
في قلبه ما يزن من الخير ذرة) بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء واحدة الذر وهو النمل الصغار أو الهباء الذي يظهر في عين الشمس أو غير ذلك.
وفي الحديث الردّ على المعتزلة في نفيهم الشفاعة لأصحاب الكبائر وبيان أفضلية نبينا محمد ﷺ على جميع الأنبياء، وأما ما نسب إلى الأنبياء من الخطايا فمن باب التواضع، وأن حسنات الأبرار سيئات المقربين وإلاّ فهم صلوات الله وسلامه عليهم معصومون مطلقًا.
وسبق الحديث في تفسير سورة البقرة.
٧٤١١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَدُ اللَّهِ مَلأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ». وَقَالَ: «أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِى يَدِهِ». وَقَالَ: «عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَبِيَدِهِ الأُخْرَى الْمِيزَانُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة قال: (حدّثنا) ولأبى ذر أخبرنا (أبو الزناد) ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال):
(يد الله) (ملأى) بفتح الميم وسكون اللام بعدها همزة (لا يغيضها) بفتح التحتية وكسر الغين المعجمة وسكون التحتية بعدها ضاد معجمة ولأبي ذر لا تغيضها بالفوقية بدل التحتية أي لا ينقصها (نفقة) والمراد من قوله ملأى لازمه وهو أنه في غاية الغنى وعنده من الرزق ما لا نهاية له هي (سحاء الليل والنهار) بفتح السين والحاء المشددة المهملتين وبالمد والرفع خبر مبتدأ مضمر كما مرّ وبالنصب منوّنًا على المصدر أي تسح سحًّا والليل والنهار نصب على الظرفية، والمعنى أنها دائمة الصب والهطل بالعطاء واليد هنا كناية عن محل عطائه ووصفها بالامتلاء لكثرة منافعها وكمال فوائدها فجعلها كالعين التي لا يغيضها الاستقاء (وقال: أرأيتم ما أنفق) (منذ خلق السماوات والأرض) أي ما أنفق في زمان خلق السماوات والأرض حين كان عرشه على الماء إلى يومنا ولأبي ذر منذ خلق السماوات والأرض (فإنه لم يغض) بفتح التحتية وكسر المعجمة لم ينقص (ما في يده).
قال الطيبي: يجوز أن يكون أرأيتم استئنافًا فيه معنى الترقي كأنه لما قيل ملأى أوهم جواز النقصان فأزيل بقوله لا يغيضها نفقة وقد يمتلئ الشيء ولا يفيض، فقيل سحاء إشارة إلى الفيض وقرنه بما يدل على الاستمرار من ذكر الليل والنهار ثم أتبعه بما يدل على أن ذلك ظاهر غير خافٍ على ذي بصر وبصيرة بعد أن اشتمل من ذكر الليل والنهار بقوله: أرأيتم على تطاول المدة لأنه خطاب عامّ والهمزة فيه للتقرير قال: وهذا الكلام إذا أخذته بجملته من غير نظر إلى مفرداته أبان زيادة المعنى وكمال السعة والنهاية في الجود والبسط في العطاء.
стр. 8124
(وقال): وفي نسخة وكان (عرشه على الماء) أي قبل خلق السماوات والأرض (وبيده الأخرى الميزان) العدل بين الخلق (يخفض) من يشاء (ويرفع) من يشاء ويوسع الرزق على من يشاء ويضيّقه على من يشاء والميزان كما قاله الخطابي مثل والمراد القسمة بين الخلق أو المراد يخفض الميزان ويرفعه فإن الذي يوزن بالميزان يخف ويرجح.
وفي حديث أبي موسى عند مسلم وابن حبان: إن الله لا ينام ولا ينبغي أن ينام يخفض القسط ويرفعه، وظاهره أن المراد بالقسط الميزان وهو مما يؤيد أن الضمير المحذوف في قوله يخفض ويرفع الميزان، وأشار بقوله بيده الأخرى إلى أن عادة المخاطبين تعاطي الأسباب باليدين معًا فعبر عن قدرته على التصرف بذكر اليدين ليفهم المعنى المراد مما اعتادوه.
والحديث سبق بهذا الإسناد والمتن في تفسير سورة هود وفيه زيادة في أوله وهي قال: قال الله : أنفق أُنفق عليك.
٧٤١٢ - حَدَّثَنَا مُقَدَّمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى عَمِّى الْقَاسِمُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَقْبِضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الأَرْضَ، وَتَكُونُ السَّمَوَاتُ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ».
وبه قال: (حدّثنا مقدم بن محمد) الهلالي الواسطي ولأبي ذر زيادة ابن يحيى (قال: حدّثني) بالإفراد (عمي القاسم بن يحيى) بن عطاء (عن عبيد الله) بضم العين العمري (عن نافع عن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال):
(إن الله يقبض يوم القيامة الأرض) أي الأرضين السبع ولأبي ذر عن الكشميهني الأرضين بالجمع (وتكون السماوات) السبع (بيمينه) أي مطويات كما في قوله تعالى: ﴿والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه﴾ [الزمر: ٦٧] فالمراد بهذا الكلام إذا أخذته كما هو بجملته ومجموعه تصوير عظمته تعالى والتوقيف على حكم جلاله لا غير من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقة أو جهة مجاز يعني أن الأرضين السبع مع عظمهن وبسطهن لا يبلغن إلا قبضة واحدة من قبضاته (ثم يقول: أنا الملك) ولمسلم من حديث ابن عمر: أين الجبارون أين المتكبرون؟
والحديث سبق في تفسير سورة الزمر.
٧٤١٣ - رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ: سَمِعْتُ سَالِمًا سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا، وَقَالَ أَبُو الْيَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ أَخْبَرَنِى أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَقْبِضُ اللَّهُ الأَرْضَ».
(رواه) أي الحديث (سعيد) بكسر العين ابن داود بن أبي زنبر بفتح الزاي والموحدة بينهما
стр. 8125
نون ساكنة آخره راء المدني سكن بغداد وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الموضع (عن مالك) الإمام وصله الدارقطني في غرائب مالك وأبو القاسم اللالكائي.
(وقال عمر بن حمزة) بن عبد الله بن عمر: (سمعت سالمًا) هو ابن عبد الله بن عمر عم المذكور يقول: (سمعت ابن عمر) عبد الله ﵄ (عن النبي ﷺ بهذا) الحديث ووصله مسلم وأبو داود (وقال أبو اليمان) الحكم بن نافع: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (أن أبا هريرة) ﵁ (قال: قال رسول الله ﷺ : يقبض الله) (الأرض). وهذا سبق قريبًا في باب قوله تعالى: ﴿ملك الناس﴾ [الناس: ٢].
٧٤١٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، سَمِعَ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنِى مَنْصُورٌ وَسُلَيْمَانُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ يَهُودِيًّا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ وَالْجِبَالَ عَلَى إِصْبَعٍ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ وَالْخَلَائِقَ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١].
قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: وَزَادَ فِيهِ فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَعَجُّبًا وَتَصْدِيقًا لَهُ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد أنه (سمع يحيى بن سعيد) القطان (عن سفيان) الثوري أنه قال: (حدّثني) بالإفراد (منصور) هو ابن المعتمر (وسليمان) بن مهران الأعمش كلاهما (عن إبراهيم) النخعي (عن عبيدة) بفتح العين وكسر الموحدة ابن عمرو السلماني (عن عبد الله) بن مسعود ﵁ (أن يهوديًّا) أي يعرف اسمه، وفي مسلم من رواية فضيل بن عياض جاء حبر وزاد في رواية شيبان من الأحبار (جاء إلى النبي- ﷺ فقال: يا محمد إن الله يمسك السماوات) زاد فضيل يوم القيامة (على إصبع والأرضين على إصبع والجبال على إصبع والشجر على إصبع) زاد في رواية شيبان الماء والثرى، وفي رواية فضيل بن عياض الجبال والشجر على إصبع والماء والثرى على إصبع (والخلائق) ممن لم يتقدم له ذكر (على إصبع ثم يقول) تعالى: (أنا الملك) وفي رواية أنا الملك بالتكرار مرتين (فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت) ظهرت (نواجذه) بالجيم والذال المعجمة أنيابه التي تبدو عند الضحك (ثم قرأ) ﵊: (﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ [الأنعام: ٩١]) أي وما عظّموه حق تعظيمه.
(قال يحيى بن سعيد) القطان راوي الحديث عن الثوري بالسند المذكور: (وزاد فيه فضيل بن عياض عن منصور) أي ابن المعتمر (عن إبراهيم عن عبيدة) السلماني (عن عبد الله) بن مسعود ﵁ (فضحك رسول الله ﷺ ¬) حال كون ضحكه (تعجبًّا) من قول اليهودي (وتصديقًا له)
следующие страницы →