Полный текст (8 298 стр.). Показаны 8121–8160 · переход к 8126.
стр. 8121
ائْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ وَكَلِمَتَهُ وَرُوحَهُ فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَلَكِنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ عَبْدًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَأْتُونِى فَأَنْطَلِقُ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّى فَيُؤْذَنُ لِى عَلَيْهِ فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّى وَقَعْتُ لَهُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِى مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِى ثُمَّ يُقَالُ لِى: ارْفَعْ مُحَمَّدُ وَقُلْ: يُسْمَعْ وَسَلْ تُعْطَهْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَحْمَدُ رَبِّى بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِى حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ ثُمَّ أَرْجِعُ فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّى وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِى مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِى ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ وَقُلْ: يُسْمَعْ وَسَلْ تُعْطَهْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَحْمَدُ رَبِّى بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا رَبِّى ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِى حَدًّا فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ ثُمَّ أَرْجِعُ فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّى وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِى مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِى، ثُمَّ يُقَالُ ارْفَعْ مُحَمَّدُ قُلْ يُسْمَعْ وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَحْمَدُ رَبِّى بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِى حَدًّا فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَرْجِعُ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ مَا بَقِىَ فِى النَّارِ إِلاَّ مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَكَانَ فِى قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ، مَا يَزِنُ شَعِيرَةً ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَكَانَ فِى قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَكَانَ فِى قَلْبِهِ مَا يَزِنُ مِنَ الْخَيْرِ ذَرَّةً».
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (معاذ بن فضالة) بفتح الفاء وتخفيف الضاد المعجمة أبو زيد البصري: (حدّثنا هشام) الدستوائي (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس) ﵁ (أن النبي ﷺ قال):
(يجمع الله) (المؤمنين) من الأمم الماضية والأمة المحمدية ولأبوي الوقت وذر يجمع المؤمنون بضم التحتية مبنيًّا للمفعول والمؤمنون مفعول ناب عن فاعله (يوم القيامة كذلك) بالكاف في أوله للجميع. قال البرماوي والعيني كالكرماني أي مثل الجمع الذي نحن عليه. وقال في فتح الباري: وأظن أن أول هذه الكلمة لام والإشارة إلى يوم القيامة أو لما يذكر بعد قال: وقد وقع عند مسلم من رواية معاذ بن هشام عن أبيه يجمع إليه المؤمنين يوم القيامة فيهتمون لذلك (فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا) أحدًا فيشفع لنا (حتى يريحنا من مكاننا هذا) أي من الموقف لنحاسب ونخلص من حرّ الشمس والغم الذي لا طاقة لنا به (فيأتون آدم فيقولون يا آدم أما ترى الناس) فيما هم فيه من الكرب (خلقك الله بيده) وهذا موضع الترجمة (وأسجد لك ملائكته وعلّمك أسماء كل شيء) وضع شيء موضع أشياء أي المسميات لقوله تعالى: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ [البقرة: ٣١] أي أسماء المسميات إرادة للتقصي واحدًا فواحدًا حتى يستغرق المسميات كلها (شفع) بفتح الشين المعجمة وكسر الفاء مشددة مجزوم على الطلب قال في الكواكب من التشفيع وهو قبول الشفاعة وهو لا يناسب المقام إلا أن يقال هو تفعيل للتكثير والمبالغة ولأبي الوقت وأبي ذر عن الكشميهني اشفع (لنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا فيقول لست هناك) أي ليست لي هذه المرتبة بل لغيري (ويذكر لهم خطيئته التي أصابـ) ـها وهي أكله من الشجرة (ولكن ائتوا نوحًا
стр. 8122
فإنه أول رسول بعثه الله) بالإنذار (إلى أهل الأرض) الموجودين بعد هلاك الناس بالطوفان وليست أصل بعثته عامة فإنه من خصوصيات نبينا ﷺ وكانت رسالة آدم لنبيه بمنزلة التربية والإرشاد (فيأتون نوحًا) فيسألونه (فيقول) لهم (لست هناكم) بالميم بعد الكاف ولأبي ذر عن المستملي والكشميهني هناك بإسقاطها (ويذكر خطيئته التي أصابـ) ـها وهي سؤاله نجاة ولده من الغرق (ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن فيأتون إبراهيم) فيسألونه (فيقول لست هناكم) وللمستملي والكشميهني هناك (ويذكر لهم خطاياه التي أصابها) وهي قوله: ﴿إني سقيم﴾ [الصافات: ٨٩] و ﴿بل فعله كبيرهم﴾ [الأنبياء: ٦٣] وإنها أختي. (ولكن ائتوا موسى عبدًا آتاه الله التوراة وكلمه تكليمًا فيأتون موسى) فيسألونه (فيقول لست هناكم ويذكر لهم خطيئته التي أصاب) ولأبي ذر أصابها وهي قتله النفس بغير حق (ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله) نفي لقول النصارى ابن الله (وكلمته) لأنه وجد بأمره تعالى من غير أب (وروحه) المنفوخة في مريم (فيأتون عيسى) فيسألونه (فيقول لست هناكم ولكن ائتوا محمدًا ﷺ ¬) وسقطت الصلاة لأبي ذر (عبدًا غفر له) بضم الغين وكسر الفاء ولأبوي الوقت وذر والأصيلي غفر الله له (ما تقدم من ذنبه) عن سهو وتأويل (وما تأخر) بالعصمة (فيأتون) ولأبي ذر فيأتونني (فأنطلق فأستأذن على ربي) أي في الشفاعة للإراحة من هول الموقف (فيؤذن لي) بالفاء ولأبي ذر عن الكشميهني ويؤذن لي (عليه فإذا رأيت ربي وقعت له ساجدًا فيدعني ما شاء الله أن يدعني) أي فيتركني ما شاء أن يتركني (ثم يقال لي ارفع محمد) رأسك (وقل) ولأبي ذر قل بإسقاط الواو (يسمع) بضم التحتية وسكون السين المهملة وفتح الميم لك ولأبي ذر عن الحموي والكشميهني تسمع بالفوقية بدل التحتية (وسل) بغير همزة (تعطه) ولأبي ذر عن المستملي تعط بغير هاء (واشفع تشفع) بضم الفوقية وفتح الفاء مشددة تقبل شفاعتك (فأحمد ربي) تعالى (بمحامد علمنيها) زاد أبو ذر ربي وفي تفسير البقرة يعلمنيها بلفظ المضارع (ثم اشفع فيحدّ لي) تعالى (حدًّا) أي يعين لي قومًا مخصوصين (فأدخلهم الجنة ثم أرجع فإذا رأيت ربي) تعالى (وقعت) له (ساجدًا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقال: ارفع محمد) رأسك (وقل يسمع) لقولك ولأبي ذر عن الحموي والكشميهني تسمع بالفوقية (وسل تعطه) وللمستملي تعط بدون هاء (واشفع تشفع فأحمد ربي بمحامد علمنيها) زاد أبو ذر ربي (ثم أشفع فيهم) فيشفعني تعالى ثم أستأذنه تعالى في الشفاعة لإخراج قوم من النار (فيحد لي حدًّا فأدخلهم الجنة ثم أرجع فإذا رأيت ربي وقعت) له (ساجدًا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقال: ارفع محمد) رأسك (قل يسمع) لك ولأبي ذر وقل بالواو تسمع بالفوقية (وسل تعطه) بالهاء (واشفع تشقع فأحمد ربي بمحامد علمنيها) ولأبي ذر علمنيها ربي (ثم اشفع فيحد لي حدًّا فأدخلهم الجنة ثم أرجع فأقول يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن) فيها ممن أشرك (ووجب عليه الخلود) بنحو قوله فيه خالدين فيها أبدًا (قال) ولأبي ذر فقال (النبي ﷺ : يخرج من النار من قال لا إله إلا الله) مع محمد رسول الله ﷺ (وكان في قلبه من الخير) زيادة على أصل التوحيد (ما يزن شعيرة ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برة) حبة من الحنطة (ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان
стр. 8123
في قلبه ما يزن من الخير ذرة) بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء واحدة الذر وهو النمل الصغار أو الهباء الذي يظهر في عين الشمس أو غير ذلك.
وفي الحديث الردّ على المعتزلة في نفيهم الشفاعة لأصحاب الكبائر وبيان أفضلية نبينا محمد ﷺ على جميع الأنبياء، وأما ما نسب إلى الأنبياء من الخطايا فمن باب التواضع، وأن حسنات الأبرار سيئات المقربين وإلاّ فهم صلوات الله وسلامه عليهم معصومون مطلقًا.
وسبق الحديث في تفسير سورة البقرة.
٧٤١١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَدُ اللَّهِ مَلأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ». وَقَالَ: «أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِى يَدِهِ». وَقَالَ: «عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَبِيَدِهِ الأُخْرَى الْمِيزَانُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة قال: (حدّثنا) ولأبى ذر أخبرنا (أبو الزناد) ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال):
(يد الله) (ملأى) بفتح الميم وسكون اللام بعدها همزة (لا يغيضها) بفتح التحتية وكسر الغين المعجمة وسكون التحتية بعدها ضاد معجمة ولأبي ذر لا تغيضها بالفوقية بدل التحتية أي لا ينقصها (نفقة) والمراد من قوله ملأى لازمه وهو أنه في غاية الغنى وعنده من الرزق ما لا نهاية له هي (سحاء الليل والنهار) بفتح السين والحاء المشددة المهملتين وبالمد والرفع خبر مبتدأ مضمر كما مرّ وبالنصب منوّنًا على المصدر أي تسح سحًّا والليل والنهار نصب على الظرفية، والمعنى أنها دائمة الصب والهطل بالعطاء واليد هنا كناية عن محل عطائه ووصفها بالامتلاء لكثرة منافعها وكمال فوائدها فجعلها كالعين التي لا يغيضها الاستقاء (وقال: أرأيتم ما أنفق) (منذ خلق السماوات والأرض) أي ما أنفق في زمان خلق السماوات والأرض حين كان عرشه على الماء إلى يومنا ولأبي ذر منذ خلق السماوات والأرض (فإنه لم يغض) بفتح التحتية وكسر المعجمة لم ينقص (ما في يده).
قال الطيبي: يجوز أن يكون أرأيتم استئنافًا فيه معنى الترقي كأنه لما قيل ملأى أوهم جواز النقصان فأزيل بقوله لا يغيضها نفقة وقد يمتلئ الشيء ولا يفيض، فقيل سحاء إشارة إلى الفيض وقرنه بما يدل على الاستمرار من ذكر الليل والنهار ثم أتبعه بما يدل على أن ذلك ظاهر غير خافٍ على ذي بصر وبصيرة بعد أن اشتمل من ذكر الليل والنهار بقوله: أرأيتم على تطاول المدة لأنه خطاب عامّ والهمزة فيه للتقرير قال: وهذا الكلام إذا أخذته بجملته من غير نظر إلى مفرداته أبان زيادة المعنى وكمال السعة والنهاية في الجود والبسط في العطاء.
стр. 8124
(وقال): وفي نسخة وكان (عرشه على الماء) أي قبل خلق السماوات والأرض (وبيده الأخرى الميزان) العدل بين الخلق (يخفض) من يشاء (ويرفع) من يشاء ويوسع الرزق على من يشاء ويضيّقه على من يشاء والميزان كما قاله الخطابي مثل والمراد القسمة بين الخلق أو المراد يخفض الميزان ويرفعه فإن الذي يوزن بالميزان يخف ويرجح.
وفي حديث أبي موسى عند مسلم وابن حبان: إن الله لا ينام ولا ينبغي أن ينام يخفض القسط ويرفعه، وظاهره أن المراد بالقسط الميزان وهو مما يؤيد أن الضمير المحذوف في قوله يخفض ويرفع الميزان، وأشار بقوله بيده الأخرى إلى أن عادة المخاطبين تعاطي الأسباب باليدين معًا فعبر عن قدرته على التصرف بذكر اليدين ليفهم المعنى المراد مما اعتادوه.
والحديث سبق بهذا الإسناد والمتن في تفسير سورة هود وفيه زيادة في أوله وهي قال: قال الله : أنفق أُنفق عليك.
٧٤١٢ - حَدَّثَنَا مُقَدَّمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِى عَمِّى الْقَاسِمُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَقْبِضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الأَرْضَ، وَتَكُونُ السَّمَوَاتُ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ».
وبه قال: (حدّثنا مقدم بن محمد) الهلالي الواسطي ولأبي ذر زيادة ابن يحيى (قال: حدّثني) بالإفراد (عمي القاسم بن يحيى) بن عطاء (عن عبيد الله) بضم العين العمري (عن نافع عن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال):
(إن الله يقبض يوم القيامة الأرض) أي الأرضين السبع ولأبي ذر عن الكشميهني الأرضين بالجمع (وتكون السماوات) السبع (بيمينه) أي مطويات كما في قوله تعالى: ﴿والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه﴾ [الزمر: ٦٧] فالمراد بهذا الكلام إذا أخذته كما هو بجملته ومجموعه تصوير عظمته تعالى والتوقيف على حكم جلاله لا غير من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقة أو جهة مجاز يعني أن الأرضين السبع مع عظمهن وبسطهن لا يبلغن إلا قبضة واحدة من قبضاته (ثم يقول: أنا الملك) ولمسلم من حديث ابن عمر: أين الجبارون أين المتكبرون؟
والحديث سبق في تفسير سورة الزمر.
٧٤١٣ - رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ: سَمِعْتُ سَالِمًا سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا، وَقَالَ أَبُو الْيَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ أَخْبَرَنِى أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَقْبِضُ اللَّهُ الأَرْضَ».
(رواه) أي الحديث (سعيد) بكسر العين ابن داود بن أبي زنبر بفتح الزاي والموحدة بينهما
стр. 8125
نون ساكنة آخره راء المدني سكن بغداد وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الموضع (عن مالك) الإمام وصله الدارقطني في غرائب مالك وأبو القاسم اللالكائي.
(وقال عمر بن حمزة) بن عبد الله بن عمر: (سمعت سالمًا) هو ابن عبد الله بن عمر عم المذكور يقول: (سمعت ابن عمر) عبد الله ﵄ (عن النبي ﷺ بهذا) الحديث ووصله مسلم وأبو داود (وقال أبو اليمان) الحكم بن نافع: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (أن أبا هريرة) ﵁ (قال: قال رسول الله ﷺ : يقبض الله) (الأرض). وهذا سبق قريبًا في باب قوله تعالى: ﴿ملك الناس﴾ [الناس: ٢].
٧٤١٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، سَمِعَ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنِى مَنْصُورٌ وَسُلَيْمَانُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ يَهُودِيًّا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ وَالْجِبَالَ عَلَى إِصْبَعٍ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ وَالْخَلَائِقَ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١].
قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: وَزَادَ فِيهِ فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَعَجُّبًا وَتَصْدِيقًا لَهُ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد أنه (سمع يحيى بن سعيد) القطان (عن سفيان) الثوري أنه قال: (حدّثني) بالإفراد (منصور) هو ابن المعتمر (وسليمان) بن مهران الأعمش كلاهما (عن إبراهيم) النخعي (عن عبيدة) بفتح العين وكسر الموحدة ابن عمرو السلماني (عن عبد الله) بن مسعود ﵁ (أن يهوديًّا) أي يعرف اسمه، وفي مسلم من رواية فضيل بن عياض جاء حبر وزاد في رواية شيبان من الأحبار (جاء إلى النبي- ﷺ فقال: يا محمد إن الله يمسك السماوات) زاد فضيل يوم القيامة (على إصبع والأرضين على إصبع والجبال على إصبع والشجر على إصبع) زاد في رواية شيبان الماء والثرى، وفي رواية فضيل بن عياض الجبال والشجر على إصبع والماء والثرى على إصبع (والخلائق) ممن لم يتقدم له ذكر (على إصبع ثم يقول) تعالى: (أنا الملك) وفي رواية أنا الملك بالتكرار مرتين (فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت) ظهرت (نواجذه) بالجيم والذال المعجمة أنيابه التي تبدو عند الضحك (ثم قرأ) ﵊: (﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ [الأنعام: ٩١]) أي وما عظّموه حق تعظيمه.
(قال يحيى بن سعيد) القطان راوي الحديث عن الثوري بالسند المذكور: (وزاد فيه فضيل بن عياض عن منصور) أي ابن المعتمر (عن إبراهيم عن عبيدة) السلماني (عن عبد الله) بن مسعود ﵁ (فضحك رسول الله ﷺ ¬) حال كون ضحكه (تعجبًّا) من قول اليهودي (وتصديقًا له)
стр. 8126
ووصله مسلم عن أحمد بن يونس عن فضيل. وقد سبق في تفسير سورة الزمر أن الخطابي ذكر الأصبع وقال: إنه لم يقع في القرآن ولا في حديث مقطوع به، وقد تقرر أن اليد ليست جارحة حتى يتوهم من ثبوتها ثبوت الأصابع بل هو توقيف أطلقه الشارع فلا يكيف ولا يشبه، ولعل ذكر الأصابع من تخليط اليهود فإن اليهود مشبهة وقول من قال من الرواة وتصديقًا له أي لليهود ظن وحسبان، وقد روى هذا الحديث غير واحد من أصحاب عبد الله فلم يذكروا فيه تصديقًا له ثم قال: ولو صح الخبر حملناه على تأويل قوله والسماوات مطويات بيمينه اهـ.
وتعقبه بعضهم بورود الأصابع في عدة أحاديث منها ما أخرجه مسلم: إن قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن ولكن هذا لا يرد عليه لأنه إنما نفى القطع، نعم ذهب الشيخ أبو عمرو بن الصلاح إلى أن ما اتفق عليه الشيخان بمنزلة المتواتر فلا ينبغي التجاسر على الطعن في ثقات الرواة وردّ الأخبار الثابتة، ولو كان الأمر على خلاف ما فهمه الراوي بالظن للزم منه تقريره ﷺ على الباطل وسكوته عن الإنكار وحاش الله من ذلك، وقد اشتد إنكار ابن خزيمة على من ادّعى أن الضحك المذكور كان على سبيل الإنكار فقال بعد أن أورد هذا الحديث في صحيحه في كتاب التوحيد بطرقه قد أجلّ الله تعالى نبيه ﷺ أن يوصف ربه بحضرته بما ليس هو من صفاته فيجعل بدل الإنكار والغضب على الوصف ضحكًا بل لا يصف النبي ﷺ بهذا الوصف من يؤمن بنبوته اهـ.
٧٤١٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِى حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: سَمِعْتُ عَلْقَمَةَ يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْخَلَائِقَ عَلَى إِصْبَعٍ ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الْمَلِكُ، فَرَأَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١].
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص بن غياث) سقط لأبي ذر بن غياث قال: (حدّثنا أبي) حفص قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان قال: (سمعت إبراهيم) النخعي (قال: سمعت علقمة) بن قيس (يقول: قال عبد الله) بن مسعود ﵁ (جاء رجل إلى النبي ﷺ من أهل الكتاب) من اليهود (فقال: يا أبا القاسم إن الله يمسك السماوات على إصبع والأرضين على إصبع والشجر والثرى على أصبع والخلائق) أي الذين لم يذكروا فيما مرّ (على إصبع ثم يقول: أنا الملك أنا الملك) قالها مرتين قال ابن مسعود (فرأيت النبي ﷺ ضحك) أي تعجبًا كما مرّ (حتى بدت نواجذه) بالجيم والمعجمة (ثم قرأ: ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ [الأنعام: ٩١]).
قال القرطبي في المفهم: ضحكه ﷺ إنما هو للتعجب من جهل اليهودي، ولهذا قرأ عند ذلك ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ فهذه الرواية هي الصحيحة المحققة وأما من زاد تصديقًا له
стр. 8127
فليست بشيء فإنها من قول الراوي وهي باطلة لأنه ﷺ لا يصدق المحال، وهذه الأوصاف في حق الله تعالى محال إذ لو كان ذا يد أو أصابع وجوارح لكان كواحد منا ولو كان كذلك لاستحال أن يكون إلهًا فقول اليهودي محال وكذب، ولذلك أنزل الله في الرد عليه ﴿وما قدروا الله قدره﴾ اهـ.
وهذا يرده ما سبق قريبًا والله الموفق والمعين لا رب سواه.
٢٠ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ»
(باب قول النبي ﷺ : لا شخص أغير من الله) لا الجنسية وأغير أفعل تفضيل مرفوع خبرها وسقط لغير أبي ذر باب فالتالي مرفوع.
٧٤١٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّبُوذْكِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ وَرَّادٍ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ، عَنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ لَوْ رَأَيْتُ رَجُلاً مَعَ امْرَأَتِى لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «تَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ، وَاللَّهِ لأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّى وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الْمُبَشِّرِينَ وَالْمُنْذِرِينَ، وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنَ اللَّهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللَّهُ الْجَنَّةَ».
وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ.
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل التبوذكي) وثبت لفظ التبوذكي لأبي ذر قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري قال: (حدّثنا عبد الملك) بن عمير (عن وزاد) بفتح الواو والراء المشدّدة (كاتب المغيرة) بن شعبة ومولاه (عن المغيرة) ﵁ أنه (قال: قال سعد بن عبادة) سيد الخزرج ﵁ (لو رأيت رجلاً مع امرأتي) غير محرم لها (لضربته بالسيف غير مصفح) بفتح الصاد والفاء المشدّدة وبسكون الصاد وتخفيف الفاء وهو الذي في اليونينية أي غير ضارب بعرضه بل بحدّه (فبلغ ذلك) الذي قاله سعد (رسول الله ﷺ فقال):
(تعجبون) ولأبي ذر أتعجبون (من غيرة سعد والله) مجرور بواو القسم (لأنا) مبتدأ دخلت عليه لام التأكيد المفتوحة خبره (أغير منه والله أغير مني) مبتدأ وخبر. قال ابن دقيق العيد: المنزهون لله إما ساكتون عن التأويل وإما مؤوّلون، والثاني يقول المراد بالغيرة المنع من الشيء والحماية وهما من لوازم الغيرة فأطلقت على سبيل المجاز كالملازمة وغيرها من الأوجه الشائعة في لسان العرب، فالمراد الزجر عن الفواحش والتحريم لها والمنع منها وقد بيّن ذلك بقوله (ومن أجل غيرة الله) (حرم الفواحش) جمع فاحشة وهي كل خصلة قبيحة من الأقوال والأفعال (ما ظهر منها) كنكاح الجاهلية الأمهات (وما بطن) كالزنا (ولا أحد أحب) بالرفع خبر لا، ولأبي ذر
стр. 8128
ولا أحد بالرفع منوّنًا أحب (إليه العذر من الله) برفع أحب أيضًا في الفرع كأصله أو بالنصب خبر لا على الحجازية والعذر رفع فاعل أحب والعذر الحجة (ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين) بكسر الشين والذال المعجمتين أي بعث الرسل لخلقه قبل أخذهم بالعقوبة وفي غير رواية أبي ذر تقديم المنذرين على المبشرين، وفي مسلم بعث المرسلين مبشرين ومنذرين (ولا أحد أحب إليه المدحة) بكسر الميم وسكون الدال المهملة مرفوع فاعل أحب والمدح الثناء بذكر أوصاف الكمال والإفضال (من الله) (ومن أجل ذلك وعد الله الجنة) من أطاعه وحذف أحد مفعولي وعد وهو من أطاعه للعلم به. قال القرطبي: ذكر المدح مقرونًا بالغيرة والعذر بينهما لسعد على أن لا يعمل بمقتضى غيرته ولا يعجل بل يتأنى ويترفق ويتثبت حتى يحصل على وجه الصواب فينال كمال الثناء والمدح والثواب لإيثاره الحق وقمع نفسه وغلبتها عند هيجانها وهو نحو قوله الشديد من يملك نفسه عند الغضب وهو حديث صحيح متفق عليه.
(وقال عبيد الله) بضم العين (ابن عمرو) بفتحها ابن أبي الوليد الأسدي مولاهم الرقي فيما وصله الدارمي عن زكريا بن عدي عن عبيد الله بن عمرو (عن عبد الملك) بن عمير بن سويد الكوفي عن وراد مولى المغيرة عن المغيرة قال: يبلغ به النبي ﷺ (لا شخص أغير من الله).
قال الخطابي: إطلاق الشخص في صفات الله غير جائز لأن الشخص لا يكون إلا جسمًا مؤلفًا فخليق أن لا تكون هذه اللفظة صحيحة وأن تكون تصحيفًا من الراوي ودليل أن أبا عوانة روى هذا الحديث عن عبد الملك يعني في هذا الباب فلم يذكرها فمن لم يمعن في الاستماع لم يأمن الوهم وليس كل الرواة يراعي لفظ الحديث حتى لا يتعداه بل كثير منهم يحدّث بالمعنى وليس كلهم فهمًا بل في كلام بعضهم جفاء وتعجرف، فلعل لفظ شخص جرى على هذا السبيل إن لم يكن غلطًا من قبيل التصحيف يعني السمعي قال: ثم إن عبد الله بن عمرو انفرد عن عبد الملك ولم يتابع عليه واعتوره الفساد من هذه الوجوه اهـ.
وقال ابن فورك: لفظ الشخص غير ثابت من طريق السند والإجماع على المنع منه لأن معناه الجسم المركب، وكذا قال نحوه الداودي والقرطبي وطعنهم في السند بنوه على تفرد عبيد الله بن عمرو به وليس كذلك، فقد أخرجه الإسماعيلي من طريق عبيد الله بن عمر القواريري وأبي كامل فضيل بن حسين الجحدري ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب ثلاثتهم عن أبي عوانة الوضاح بالسند الذي أخرجه به البخاري لكن قال في المواضع الثلاثة لا شخص بدل لا أحد ثم ساقه من طريق زائدة بن قدامة عن عبد الملك كذلك فكان هذه اللفظة لم تقع في رواية البخاري في حديث أبي عوانة عن عبد الملك فلذلك علقها عن عبيد الله بن عمرو اهـ.
وقد أخرجه مسلم عن القواريري وأبي كامل كذلك ومن طريق زائدة أيضًا فكأن الطاعنين لم يستحضروا إذ ذاك صحيح مسلم ولا غيره من الكتب التي وقع فيها هذا اللفظ من غير رواية عبيد الله بن عمرو وورود الروايات الصحيحة والطعن في أئمة الحديث الضابطين مع إمكان توجيه
стр. 8129
ما رووا من الأمور التي قدم عليها كثير من غير أهل الحديث وهو يقتضي قصور فهم من فعل ذلك منهم، ومن ثم قال الكرماني: لا حاجة لتخطئة الرواة الثقات بل حكم هذا حكم سائر المتشابهات إما التفويض وإما التأويل اهـ من الفتح.
وقال في المصابيح: هذا ظاهر إذ ليس في هذا اللفظ ما يقتضي إطلاق الشخص على الله وما هو إلا بمثابة قولك لا رجل أشجع من الأسد، وهذا لا يدل على إطلاق الرجل على الأسد بوجه من الوجوه فأي داعٍ بعد ذلك إلى توهيم الراوي في ذكر الشخص أنه تصحيف من قوله لا شيء أغير من الله كما صنعه الخطابي.
٢١ - باب ﴿قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ وَسَمَّى النَّبِىُّ ﷺ الْقُرْآنَ شَيْئًا
﴿قُلِ اللَّهُ﴾، وَسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى نَفْسَهُ شَيْئًا، وَهْوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ وَقَالَ: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨].
(باب) بالتنوين يذكر فيه قوله تعالى: (﴿قل أي شيء أكبر شهادة﴾ [الأنعام: ١٩] وسمى الله تعالى نفسه شيئًا) إثباتًا لوجوده ونفيًا لعدمه وتكذيبًا للزنادقة والدهرية في قول الله : (﴿قل الله﴾) ولأبي ذر ﴿قل أي شيء أكبر شهادة قل الله﴾ فسمى الله تعالى نفسه شيئًا. قال في المدارك: أي شيء مبتدأ وأكبر خبره وشهادة تمييز وأي كلمة يراد بها بعض ما تضاف إليه فإذا كانت استفهامًا كان جوابها مسمى باسم ما أضيفت إليه، وقوله قل الله جواب أي الله أكبر شهادة فالله مبتدأ والخبر محذوف فيكون دليلاً على أنه يجوز إطلاق اسم الشيء على الله تعالى وهذا لأن الشيء اسم للموجود ولا يطلق على المعدوم والله تعالى موجود فيكون شيئًا ولذا تقول الله تعالى شيء لا كالأشياء (وسمى النبي ﷺ القرآن شيئًا) في الحديث الذي بعده (وهو صفة من صفات الله) تعالى أي من صفات ذاته (وقال: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ [القصص: ٨٨]) فيه أن الاستثناء متصل فإنه يقتضي اندراج المستثنى في المستثنى منه وهو الراجح فيدل على أن لفظ شيء يطلق عليه تعالى وقيل الاستثناء منقطع والتقدير لكن هو سبحانه لا يهلك.
٧٤١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ لِرَجُلٍ: «أَمَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شَىْءٌ»؟ قَالَ: نَعَمْ سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا لِسُوَرٍ سَمَّاهَا.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن أبي حازم) سلمة بن دينار (عن سهل بن سعد) الساعدي ﵁ أنه قال: (قال النبي ﷺ لرجل) لم يسم لما قال له في المرأة الواهبة نفسها له ولم يردها ﵊: يا رسول الله إن لم يكن لك بها حاجة فزوّجنيها؟ فقال: وهل عندك من شيء؟ قال: لا. قال: انظر ولو خاتمًا من حديد. فقال: ولا خاتمًا من حديد. فقال له:
стр. 8130
(أمعك من القرآن شيء؟ قال: نعم سورة كذا وسورة كذا السور سماها) عيّن النسائي في روايته عن أبي هريرة البقرة والتي تليها، وعند الدارقطني البقرة وسور من المفصل وقد أجمع على أن لفظ شيء يقتضي إثبات موجود ولفظ لا شيء يقتضي نفي موجود، وأما قولهم فلن ليس بشيء فإنه على طريق المبالغة في الذم فوصف لذلك بصفة المعدوم.
وحديث الباب مختصر من حديث سبق في النكاح.
٢٢ - باب ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩]
قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾: ارْتَفَعَ. ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٩]: خَلَقَهُنَّ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿اسْتَوَى﴾ [الأعراف: ٥٤]: عَلَا عَلَى الْعَرْشِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥]: الْكَرِيمُ. وَ ﴿الْوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤]: الْحَبِيبُ. يُقَالُ: حَمِيدٌ مَجِيدٌ كَأَنَّهُ فَعِيلٌ مِنْ مَاجِدٍ مَحْمُودٌ مِنْ حَمِيدٍ.
(باب) قوله تعالى: (﴿وكان عرشه على الماء﴾ [هود: ٧]) أي فوقه أي ما كان تحته خلق قبل خلق السماوات والأرض إلا الماء وفيه دليل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل خلق السماوات والأرض، وروى الحافظ محمد بن عثمان بن أبي شيبة في كتاب صفة العرش عن بعض السلف أن العرش مخلوق من ياقوتة حمراء بُعد ما بين قطريه ألف سنة واتساعه خمسون ألف سنة إنه أبعد ما بين العرش إلى الأرض السابعة مسيرة خمسين ألف سنة وقيل مما ذكره في المدارك أن الله خلق ياقوتة خضراء فنظر إليها بالهيبة فصارت ماء ثم خلق ريحًا فأقر الماء على متنه ثم وضع عرشه على الماء وفي وقوف العرش على الماء أعظم اعتبار لأهل الأفكار (﴿وهو رب العرش العظيم﴾ [التوبة: ١٢٩]) روى ابن مردويه في تفسيره مرفوعًا: إن السماوات السبع والأرضين السبع عند الكرسي كحلقة ملقاة بأرض فلاة وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة.
(قال أبو العالية) رفيع بن مهران الرياحي في قوله تعالى: (﴿استوى إلى السماء﴾) معناه (ارتفع) وهذا وصله الطبري، وقال أبو العالية أيضًا في قوله تعالى: (﴿فسوّاهن﴾ [البقرة: ٢٩]) أي (خلقهن) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فسوّى أي خلق.
(وقال مجاهد) المفسر في قوله تعالى: (﴿استوى﴾) ﴿على العرش﴾ [الأعراف: ٥٤] أي (علا على العرش) وهذا وصله الفريابي عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عنه. قال ابن بطال: وهذا صحيح وهو المذهب الحق، وقول أهل السُّنّة لأن الله وصف نفسه بالعلي، وقال : ﴿عما يشركون﴾ وهي صفة من صفات الذات. قال في المصابيح: وما قاله مجاهد من أنه بمعنى علا ارتضاه غير واحد من أئمة أهل السُّنَّة ودفعوا اعتراض من قال علا بمعنى ارتفع من
стр. 8131
غير فرق، وقد أبطلتموه لما في ظاهره من الانتقال من سفل إلى علو وهو محال على الله فليكن علا كذلك، ووجه الدفع أن الله تعالى وصف نفسه بالعلوّ ولم يصف نفسه بالارتفاع. وقال المعتزلة: معناه الاستيلاء بالقهر والغلبة وردّ بأنه تعالى لم يزل قاهرًا غالبًا مستوليًا. وقوله: ثم استوى يقتضي افتتاح هذا الوصف بعد أن لم يكن ولازم تأويلهم أنه كان مغالبًا فيه فاستولى عليه بقهر من غالبه وهذا مُنتَفٍ عن الله. وقالت المجسمة: معناه الاستقرار ودفع بأن الاستقرار من صفات الأجسام ويلزم منه الحلول وهو مُحال في حقه تعالى. وعند أبي القاسم اللالكائي في كتاب السُّنّة من طريق الحسن البصري عن أمه عن أم سلمة أنها قالت: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإقرار به إيمان والجحود به كفر ومن طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه سئل كيف استوى على العرش؟ قال: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول وعلى الله الرسالة وعلى رسوله البلاغ وعلينا التسليم.
(وقال ابن عباس) ﵄ فيما وصله ابن أبي حاتم في تفسير (﴿المجيد﴾) من قوله تعالى: ﴿ذو العرش المجيد﴾ [البروج: ١٥] أي (الكريم) والمجد النهاية في الكرم (﴿والودود﴾) أي من قوله تعالى: (﴿الغفور الودود﴾ [البروج: ١٤] أي (الحبيب) قال في اللباب والودود مبالغة في الودّ، وقال ابن عباس: هو التودّد لعباده بالعفو، وقال في الفتح: وقدم المصنف المجيد على الودود لأن غرضه تفسير لفظ المجيد الواقع في قوله تعالى: ﴿ذو العرش المجيد﴾ فلما فسره استطرد التفسير الاسم الذي قبله إشارة إلى أنه قرئ مرفوعًا اتفاقًا وذو العرش بالرفع صفة له واختلف القراء في المجيد فبالرفع يكون من صفات الله وبالجر من صفات العرش. (يقال حميد مجيد كأنه فعيل) أي كأن مجيدًا على وزن فعيل أخذ (من ماجد) و (محمود) أخذ (من حميد) وللكشميهني من حمد بغير ياء فعلاً ماضيًا كذا في الفرع. وقال في الفتح: كذا لهم بغير ياء ولغير أبي ذر عن الكشميهني محمود من حميد وأصل هذا قول أبي عبيدة في المجاز في قوله تعالى: ﴿عليكم أهل البيت﴾ [هود: ٧٣] أنه حميد مجيد أي محمود ماجد. وقال الكرماني: غرضه منه أن مجيدًا فعيل بمعنى فاعل كقدير بمعنى قادر وحميدًا فعيل بمعنى مفعول فلذلك قال: مجيد من ماجد وحميد من محمود. قال: وفي بعض النسخ محمود من حميد، وفي أخرى محمود من حمد مبنيًّا للفاعل والمفعول أيضًا وإنما قال كأنه لاحتمال أن يكون حميد بمعنى حامد ومجيد بمعنى ممجد ثم قال وفي عبارة البخاري تعقيد، قال في الفتح التعقيد هو في قوله محمود من حمد وقد اختلف الرواة فيه والأولى فيه ما وجد في أصله وهو كلام أبي عبيدة اهـ.
قال العيني: قوله التعقيد في قوله محمود من حمد هو كلام من لم يذق من علم التصريف شيئًا بل لفظ محمود مشتق من حمد والتعقيد الذي ذكره الكرماني ونسبه إلى البخاري هو قوله، ومحمود أخذ من حميد لا أن محمودًا من حمد وإنما كلاهما أخذا من حمد الماضي اهـ.
٧٤١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِى حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ
стр. 8132
صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: إِنِّى عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَهُ قَوْمٌ مِنْ بَنِى تَمِيمٍ فَقَالَ: «اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا بَنِى تَمِيمٍ». قَالُوا: بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا، فَدَخَلَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ: «اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا أَهْلَ الْيَمَنِ إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ. قَالُوا: قَبِلْنَا جِئْنَاكَ لِنَتَفَقَّهَ فِى الدِّينِ وَلِنَسْأَلَكَ عَنْ أَوَّلِ هَذَا الأَمْرِ مَا كَانَ؟ قَالَ: «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَىْءٌ قَبْلَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، وَكَتَبَ فِى الذِّكْرِ كُلَّ شَىْءٍ». ثُمَّ أَتَانِى رَجُلٌ فَقَالَ: يَا عِمْرَانُ أَدْرِكْ نَاقَتَكَ، فَقَدْ ذَهَبَتْ فَانْطَلَقْتُ أَطْلُبُهَا، فَإِذَا السَّرَابُ يَنْقَطِعُ دُونَهَا، وَايْمُ اللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّهَا قَدْ ذَهَبَتْ وَلَمْ أَقُمْ.
وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو عبد الله بن عثمان بن جبلة بن أبي روّاد العتكي المروزي (عن أبي حمزة) بالحاء المهملة والزاي محمد بن ميمون ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أخبرنا أبو حمزة (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي (عن جامع بن شداد) بفتح الشين المعجمة والدال المهملة المشددة أبي صخرة المحاربي (عن صفوان بن محرز) بضم الميم وسكون الحاء المهملة وبعد الراء زاي البصري (عن عمران بن حصين) بالحاء والصاد المهملتين مصغرًا ﵁ أنه (قال: إني عند النبي ﷺ إذ جاءه قوم من بني تميم فقال):
(اقبلوا البشرى يا بني تميم) قال في فتح الباري: المراد بهذه البشارة أن من أسلم نجا من الخلود في النار ثم بعد ذلك يترتب جزاؤه على وفق عمله إلا أن يعفو الله ولما كان جلّ قصدهم الاهتمام بالدنيا والاستعطاء (قالوا: بشرتنا) النجاة من النار وقد جئنا للاستعطاء من المال (فأعطنا) منه زاد في بدء الخلق فتغير وجهه (فدخل ناس من أهل اليمن) وهم الأشعريون قوم أبي موسى (فقال) ﷺ لهم: (أقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم. قالوا: قبلنا) ذلك وزاد ابن حبان من رواية شيبان بن عبد الرحمن عن جامع يا رسول الله (جئناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن هذا) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي عن أوّل هذا (الأمر) أي ابتداء خلق العالم (ما كان) قال الحافظ ابن حجر: ولم أعرف اسم قائل ذلك من أهل اليمن (قال) ﵊ مجيبًا لهم (كان الله) في الأزل منفردًا متوحدًا (ولم يكن شيء قبله) وفي رواية أبي معاوية كان الله قبل كل شيء. وقال الطيبي: قوله ولم يكن شيء قبله حال، وفي المذهب الكوفي خبر والمعنى يساعده إذ التقدير كان الله منفردًا وقد جوّز الأخفش دخول الواو في خبر كان وأخواتها نحو: كان زيد وأبوه قائم على جعل الجملة خبرًا مع الواو تشبيهًا للخبر بالحال، ومال التوربشتي إلى أنهما جملتان مستقلتان (وكان عرشه على الماء) قال الطيبي: كان في الموضعين بحسب حال مدخولها، فالمراد بالأول الأزلية والقدم وبالثاني الحدوث بعد العدم، ثم قال: والحاصل أن عطف قوله وكان عرشه على الماء على قوله كان الله من باب الإخبار عن حصول الجملتين في الوجود وتفويض الترتيب إلى الذهن قالوا وفيه بمنزلة ثم، وقال في الكواكب قوله وكان عرشه على الماء معطوف على قوله كان الله ولا يلزم منه المعية إذ اللازم من الواو العاطفة الاجتماع في أصل الثبوت وإن كان هناك تقديم
стр. 8133
وتأخير. قال غيره: ومن ثم جاء قوله ولم يكن شيء غيره لنفي توهم المعية ولذا ذكر المؤلف ﵀ الآية الثانية في أول الباب عقب الآية الأولى ليرد توهم من توهم من قوله كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء أن العرش لم يزل مع الله (ثم) بعد خلق العرش والماء (خلق السماوات والأرض وكتب) أي قدّر (في) محل (الذكر) وهو اللوح المحفوظ (كل شيء) من الكائنات. قال عمران بن حصين (ثم أتاني رجل) لم يسم (فقال: يا عمران أدرك ناقتك فقد ذهبت فانطلقت أطلبها فإذا السراب) الذي يُرى في شدة القيظ كأنه ماء (ينقطع دونها) أي يحول بيني وبين رؤيتها (وايم الله) وفي بدء الخلق فوالله (لوددت) بكسر الدال الأولى وسكون الثانية (أنها) أي ناقتي (قد ذهبت ولم أقم) قبل تمام الحديث تأسف على ما فاته منه.
وسبق الحديث في بدء الوحي.
٧٤١٩ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ يَمِينَ اللَّهِ مَلأَى، لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مَا فِى يَمِينِهِ، وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَبِيَدِهِ الأُخْرَى الْفَيْضُ -أَوِ الْقَبْضُ- يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ».
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) بن المديني قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن همام) بفتح الهاء والميم المشددة ابن منبه أنه قال: (حدّثنا أبو هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(إن يمين الله) (ملأى) بفتح الميم وسكون اللام بعدها همزة (لا يغيضها) بالتحتية ولأبي ذر بالفوقية لا ينقصها (نفقة سحاء الليل والنهار) بالسين والحاء المهملتين بالمد والرفع دائمة الصب والهطل بالعطاء (أرأيتم ما أنفق منذ) ولأبي ذر ما أنفق الله منذ (خلق السماوات والأرض فإنه لم ينقص) بالقاف والصاد المهملة (ما في يمينه) وفي الرواية السابقة في باب قول الله تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾ [ص: ٧٥] فإنه لم يغض بالعين والضاد المعجمتين ما في يده وهما بمعنى (وعرشه على الماء) الذي تحته لا ماء البحر (وبيده الأخرى الفيض) بالفاء والضاد المعجمة أي فيض الإحسان بالعطاء (أو القبض) بالقاف والموحدة والمعجمة أي قبض الأرواح بالموت وقد يكون الفيض بالفاء بمعنى الموت يقال: فاضت نفسه إذا مات وأو للشك كما في الفتح وقال الكرماني: ليست للترديد بل للتنويع ويحتمل أن يكون شكًّا من الراوي قال والأول هو الأولى (يرفع) أقوامًا (ويخفض) آخرين، وسبق قريبًا ومطابقة الحديث في قوله وعرشه على الماء.
٧٤٢٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى بَكْرٍ الْمُقَدَّمِىُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ يَشْكُو فَجَعَلَ النَّبِىُّ ﷺ يَقُولُ: «اتَّقِ اللَّهَ وَأَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ». قَالَتْ عَائِشَةُ: لَوْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَاتِمًا شَيْئًا لَكَتَمَ هَذِهِ. قَالَ: فَكَانَتْ زَيْنَبُ تَفْخَرُ
стр. 8134
عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ وَزَوَّجَنِى اللَّهُ تَعَالَى مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ.
وَعَنْ ثَابِتٍ: ﴿وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] نَزَلَتْ فِى شَأْنِ زَيْنَبَ وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ.
وبه قال: (حدّثنا أحمد) هو أحمد بن سيار المروزي فيما قاله أبو نصر الكلاباذي أو أحمد بن النضر النيسابوري فيما قاله الحكم قال: (حدّثنا محمد بن أبي بكر المقدمي) بضم الميم وفتح القاف والدال المهملة المفتوحة المشددة قال: (حدّثنا حماد بن زيد) أي ابن درهم الإمام أبو إسماعيل الأزرق (عن ثابت) البناني (عن أنس) ﵁ أنه (قال: جاء زيد بن حارثة) مولى رسول الله- ﷺ (يشكو) له من أخلاق زوجته زينب بنت جحش (فجعل النبي ﷺ ¬) لما أراد زيد طلاقها وكان رسول الله ﷺ يحب أن يطلقها (يقول) له:
(اتق الله) يا زيد (وأمسك عليك زوجك) فلا تطلقها (قالت عائشة) ﵂ بالسند السابق ولأبي ذر قال أنس بدل قالت عائشة (لو كان رسول الله ﷺ كاتمًا شيئًا لكتم هذه) الآية ﴿وتخفي في نفسك ما الله مبديوه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ [الأحزاب: ٣٧] (قال) أنس (فكانت زينب تفخر على أزواج النبي ﷺ ¬) ولأبي ذر كانت بالواو بدل الفاء تفخر بإسقاط زينب (تقول: زوجكن أهاليكن) به ﷺ (وزوجني الله تعالى) به (من فوق سبع سماوات. وعن ثابت) البناني بالسند السابق (﴿وتخفي في نفسك ما الله مبديه﴾) أي مظهره وهو ما أعلمه الله بأن زيدًا سيطلقها ثم ينكحها (﴿وتخشى الناس﴾) أي مقالة الناس إنه نكح امرأة ابنه (نزلت في شأن زينب وزيد بن حارثة) ﵄.
٧٤٢١ - حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ طَهْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: نَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ فِى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَأَطْعَمَ عَلَيْهَا يَوْمَئِذٍ خُبْزًا وَلَحْمًا، وَكَانَتْ تَفْخَرُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَتْ تَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ أَنْكَحَنِى فِى السَّمَاءِ.
وبه قال: (حدّثنا خلاد بن يحيى) بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام السلمي بضم السين وفتح اللام الكوفي ثم المكي قال: (حدّثنا عيسى بن طهمان) بفتح الطاء المهملة وسكون الهاء البصري (قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ يقول: نزلت آية الحجاب) ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي﴾ [الأحزاب: ٥٣] الآية. (في زينب بنت جحش) ﵂ (وأطعم عليها) أي على وليمتها (يومئذ) الناس (خبزًا ولحمًا) كثيرًا (وكانت تفخر على نساء النبي ﷺ وكانت تقول: إن الله) (أنكحني) به ﷺ (في السماء) حيث قال تعالى: ﴿زوجناكها﴾ [الأحزاب: ٣٧] وذات الله تعالى منزّهة عن المكان والجهة، فالمراد بقولها في السماء الإشارة إلى علو الذات والصفات وليس ذلك باعتبار أن محله تعالى في السماء تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، وعند ابن سعد عن أنس قالت زينب: يا رسول الله لست كأحد من نسائك ليست
стр. 8135
منهن امرأة إلا زوّجها أبوها أو أخوها أو أهلها. ومن حديث أم سلمة قالت زينب: ما أنا كأحد من نساء النبي ﷺ إنهن زُوّجهنّ بالمهور وزوّجهن الآباء وأنا زوّجني الله ورسوله وأُنزل فيّ القرآن، وفي مرسل الشعبي مما أخرجه الطبري وأبو القاسم الطلحي في كتاب الحجة والبيان قال: كانت زينب تقول للنبي ﷺ : أنا أعظم نسائك عليك حقًّا أنا خيرهن منكحًا وأكرمهن سفيرًا وأقربهن رحمًا زوّجنيك الرحمن من فوق عرشه، وكان جبريل هو السفير بذلك وأنا ابنة عمتك وليس لك من نسائك قريبة غيري.
وهذا الحديث آخر ما وقع في البخاري من ثلاثياته وهو الثالث والعشرون وأخرجه النسائي في عشرة النساء وفي النكاح والنعوت.
٧٤٢٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَمَّا قَضَى الْخَلْقَ كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ، إِنَّ رَحْمَتِى سَبَقَتْ غَضَبِى».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة قال: (حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(إن الله) (لما قضى الخلق) أتمه وأنفذه (كتب) أثبت في كتاب (عنده فوق عرشه) صفة الكتاب (إن رحمتي سبقت غضبي) قال في الكواكب فإن قلت: صفات الله تعالى قديمة والقدم هو عدم المسبوقية بالغير فما وجه السبق؟ قلت: الرحمة والغضب من صفات الفعل والسبق باعتبار التعلق والسر فيه أن الغضب بعد صدور المعصية من العبد بخلاف تعلق الرحمة فإنها فائضة على الكل دائمًا أبدًا. والحديث سبق قريبًا.
٧٤٢٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِى حَدَّثَنِى هِلَالٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَامَ رَمَضَانَ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، هَاجَرَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ جَلَسَ فِى أَرْضِهِ الَّتِى وُلِدَ فِيهَا». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نُنَبِّئُ النَّاسَ بِذَلِكَ؟ قَالَ: «إِنَّ فِى الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِى سَبِيلِهِ، كُلُّ دَرَجَتَيْنِ مَا بَيْنَهُمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ».
وبه قال (حدّثنا إبراهيم بن المنذر) الحزامي أحد الأعلام المدني قال: (حدّثني) بالإفراد (محمد بن فليح) بضم الفاء آخره مهملة مصغرًا قال: (حدّثني) بالإفراد (أو) فليح بن سليمان قال: (حدّثني) بالإفراد (هلال عن عطاء بن يسار) بالتحتية والمهملة (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
стр. 8136
(من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة) المكتوبة (وصام رمضان كان) ولأبوي ذر والوقت فإن (حقًّا على الله) بحسب وعده الصادق وفضله العميم (أن يدخله الجنة هاجر في سبيل الله) (أو جلس في أرضه التي ولد فيها. قالوا: يا رسول الله أفلا ننبئ) بضم النون الأولى وفتح الثانية وكسر الموحدة المشددة بعدها همزة نخبر (الناس بذلك)؟ وفي الجهاد: أفلا نبشر الناس (قال: إن في الجنة مائة درجة أعدّها الله للمجاهدين في سبيله كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض) وفي الترمذي أنه مائة عام، وفي الطبراني خمسمائة عام، وعند ابن خزيمة في التوحيد من صحيحه وابن أبي عاصم في كتاب السُّنَّة عن ابن مسعود بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام وبين كل سماء وسماء خمسمائة عام، وفي رواية: وغلظ كل سماء مسيرة خمسمائة عام وبين السابعة وبين الكرسي خمسمائة عام وبين الكرسيّ وبين الماء خمسمائة عام والكرسي فوق الماء والله فوق العرش ولا يخفى عليه شيء من أعمالكم (فإذا سألتم الله) (فسلوه الفردوس) بكسر الفاء وفتح الدال (فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة) والأسط الأفضل فلا منافاة بين قوله أوسط وأعلى (وفوقه) أي فوق الفردوس (عرش الرحمن) بنصب فوقه على الظرفية كذا في الفرع، وقال القاضي عياض: قيّده الأصيلي بالضم وأنكره ابن قرقول، وقال: إنما قيده الأصيلي بالنصب قال في المصابيح ولإنكار الضم وجه ظاهر وهو أن فوق من الظروف العادمة للتصرف وذلك مما يأبى رفعه بالابتداء كما وقع في هذه الرواية (ومنه) من الفردوس ولأبي ذر عن الكشميهني ومنها من جنة الفردوس (تفجر أنهار الجنة) بفتح الفوقية والجيم المشدّدة بحذف أحد المثلين.
والحديث سبق في باب درجات المجاهدين في سبيل الله من كتاب الجنان.
٧٤٢٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ التَّيْمِىُّ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ، فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ هَلْ تَدْرِى أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَإِنَّهَا تَذْهَبُ تَسْتَأْذِنُ فِى السُّجُودِ فَيُؤْذَنُ لَهَا وَكَأَنَّهَا قَدْ قِيلَ لَهَا ارْجِعِى مِنْ حَيْثُ جِئْتِ فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا ثُمَّ قَرَأَ: ﴿ذَلِكَ مُسْتَقَرٌّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨] فِى قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ.
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن جعفر) أي ابن أعين البخاري البيكندي قال: (حدّثنا أبو معاوية) محمد بن خازم بالخاء والزاي المعجمتين بينهما ألف آخره ميم (عن الأعمش) سليمان (عن إبراهيم هو التميمي عن أبيه) يزيد بن شريك (عن أبي ذر) جندب بن جنادة ﵁ أنه (قال: دخلت المسجد ورسول الله ﷺ جالس) فيه (فلما غربت الشمس قال) لي:
(يا أبا ذر هل تدري أين تذهب هذه) الشمس (قال) أبو ذر (قلت: الله ورسوله أعلم) بذلك (قال) ﵊: (فإنها تذهب تستأذن) بأن يخلق الله تعالى فيها حياة يوجد القول
стр. 8137
عندها أو أسند الاستئذان إليها مجازًا أو المراد الملك الموكل بها ولأبي ذر فتستأذن (في السجود فيؤذن لها) زاد أبو ذر في السجود (وكأنها قد قيل لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها. ثم قرأ) ﵊ (﴿ذلك مستقر لها﴾ في قراءة عبد الله). ابن مسعود وفي بدء الخلق فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فيؤذن لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها ويستأذن لها فيقال لها ارجعي من حيث جئت فتطل من مغربها فذلك قوله تعالى: ﴿والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم﴾ [يس: ٣٨].
٧٤٢٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ السَّبَّاقِ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ حَدَّثَهُ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَىَّ أَبُو بَكْرٍ فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ، حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِى خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِىِّ لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةٌ.
وبه قال: (حدّثنا موسى) بن إسماعيل التبوذكي (عن إبراهيم) بن سعد سبط عبد الرحمن بن عوف قال: (حدّثنا ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عبيد الله بن السباق) بضم العين من غير إضافة لشيء والسباق بفتح المهملة والموحدة المشددة وبعد الألف قال الثقفي (أن زيد بن ثابت) وسقط لأبي ذر أن زيد بن ثابت (وقال الليث) بن سعد الإمام (حدّثني) بالإفراد (عبد الرحمن بن خالد) الفهمي والي مصر (عن ابن شهاب) الزهري (عن ابن السباق) عبيد (أن زيد بن ثابت حدّثه قال: أرسل إليّ) بتشديد الياء (أبو بكر) الصديق ﵁ أي فأمرني أن أتتبع القرآن (فتتبعت القرآن) أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال (حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره) بالجر (﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ [التوبة: ١٢٨] حتى خاتمة براءة). وهو ﴿رب العرش العظيم﴾ إذ هو أعظم خلق الله خلق مطافًا لأهل السماء وقبلة للدعاء.
وهذا التعليق وصله أبو القاسم البغوي في فضائل القرآن.
٠٠٠٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ بِهَذَا وَقَالَ مَعَ أَبِى خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِىِّ.
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي المصري قال: (حدّثنا الليث) بن سعد المصري (عن يونس) بن يزيد الأيلي (بهذا) الحديث السابق (وقال) فيه (مع أي خزيمة الأنصاري) كما في الأولى ووقع في تفسير سورة براءة من طريق أبي اليمان عن شعيب عن الزهري مع خزيمة الأنصاري بإسقاط أبي وفي متابعة يعقوب بن إبراهيم لموسى بن إسماعيل قي روايته عن إبراهيم بن سعد، وقال مع خزيمة أو أبي خزيمة بالشك، لكن قال في فتح الباري: والتحقيق أن آية التوبة مع أبي خزيمة بالكنية وآية الأحزاب مع خزيمة.
стр. 8138
٧٤٢٦ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِى الْعَالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ؛ «لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ الْعَلِيمُ الْحَلِيمُ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ».
وبه قال: (حدّثنا معلى بن أسد) بضم الميم وفتح العين المهملة واللام المشددة العمي أبو الهيثم الحافظ قال: (حدّثنا وهيب) بضم الواو ابن خالد (عن سعيد) بكسر العين ابن أبي عروبة (عن قتادة) بن دعامة (عن أبي العالية) رفيع (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: كان النبي ﷺ يقول عند الكرب) أي عند حلوله:
(لا إله إلا الله العليم) الشامل علمه لجميع المعلومات المحيط بها لا تخفى عليه خافية ولا تعزب عنه قاصية ولا دانية ولا يشغله علم عن علم (الحليم) الذي لا يستفزه غضب ولا يحمله غيظ على استعجال العقوبة والمسارعة إلى الانتقام (لا إله إلا الله) ولأبي ذر عن الحموي والكشميهني إلا هو (رب العرش العظيم لا إله إلا الله) ولأبي ذر عن الحموي والكشميهني إلا هو (رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم) والعرش أرفع المخلوقات وأعلاها وهو قوام كل شيء من المخلوقات، والمحيط به وهو مكان العظمة ومن فوقه تبعث الأحكام والحكمة التي بها كوّن كل شيء وبها يكون الإيجاد والتدبير. قال الكرماني: ووصف العرش بالعظيم أي من جهة الكم وبالكرم أي الحسن من جهة الكيف فهو ممدوح ذاتًا وصفة. وقال غيره: وصفه بالكرم لأن الرحمة تنزل منه أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين.
والحديث ذكر في كتاب الدعوات.
٧٤٢٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «النَّاسُ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) الفريابي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن عمرو بن يحيى) بفتح العين (عن أبيه) يحيى بن عمارة المازني الأنصاري (عن أبي سعيد) سعد بن مالك (الخدري) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه قال (قال النبي ﷺ ¬):
(يصعقون) ولأبي ذر قال أي أبو سعيد الخدري الناس يصعقون (يوم القيامة) أي يغشى عليهم وسقطت التصلية الثانية لأبي ذر (فإذا أنا بموسى) ﵇ (آخذ بقائمة من قوائم العرش).
стр. 8139
٧٤٢٨ - وَقَالَ الْمَاجِشُونُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ بُعِثَ، فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِالْعَرْشِ».
(وقال الماجشون) بكسر الجيم في الفرع كأصله ويجوز الضم والفتح بعدها شين معجمة مضمومة آخره نون مرفوع عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة ميمون المدني (عن عبد الله بن الفضل) بسكون الضاد المعجمة ابن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(فأكون أول من بعث) وفي رواية أبي سعيد في أحاديث الأنبياء أول من يفيق (فإذا موسى) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فإذا بموسى (آخذ بالعرش).
والحديث سبق في أحاديث الأنبياء.
٢٣ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] وَقَالَ أَبُو جَمْرَةَ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَلَغَ أَبَا ذَرٍّ مَبْعَثُ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لأَخِيهِ: اعْلَمْ لِى عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِى يَزْعُمُ أَنَّهُ يَأْتِيهِ الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُ الْكَلِمَ الطَّيِّبَ. يُقَالُ ذِى الْمَعَارِجِ: الْمَلَائِكَةُ تَعْرُجُ إِلَى اللَّهِ.
(باب قول الله تعالى: ﴿تعرج الملائكة﴾) تصعد في المعارج التي جعلها الله لهم (﴿والروح﴾) جبريل وخصه بالذكر بعد العموم لفضله وشرفه أو خلق هم حفظة على الملائكة كما أن الملائكة حفظة علينا أو أرواح المؤمنين عند الموت (﴿إليه﴾ [المعارج: ٤]) أي إلى عرشه أو إلى المكان الذي هو محلهم وهو في السماء لأنها محل بره وكرامته (وقوله جل ذكره: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ [فاطر: ١٠]) أي إلى محل القبول والرضا وكل ما اتصف بالقبول وصف بالرفعة والصعود.
(وقال أبو جمرة): بالجيم والراء نصر بن عمران الضبعي مما سبق موصولاً في باب إسلام أبي ذر (عن ابن عباس) ﵄ (بلغ أبا ذر مبعث النبي ﷺ فقال لأخيه) أنيس: بضم الهمزة مصغرًا (اعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه يأتيه الخبر من السماء) وهذا موضع الترجمة كما لا يخفى.
(وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي (العمل الصالح يرفع الكلم الطيب) وقد أخرج البيهقي من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسيرها الكلم الطيب ذكر الله والعمل الصالح أداء فرائض الله فمن ذكر الله ولم يؤد فرائضه ردّ كلامه. وقال الفراء معناه أن العمل الصالح يرفع الكلام الطيب إذا كان معه عمل صالح وقال البيهقي صعود الكلام الطيب عبارة عن القبول (يقال) معنى (ذي المعارج) هو (الملائكة) العارجات (تعرج إلى الله) ، ولأبي ذر عن
стр. 8140
الحموي والكشميهني إليه، وفي قوله إلى الله ما تقدم عن السلف من التفويض وعن الخلف من التأويل وإضافة المعارج إليه تعالى إضافة تشريف ومعنى الارتفاع إليه اعتلاؤه مع تنزيهه عن المكان.
٧٤٢٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِى مَالِكٌ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ، وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِى صَلَاةِ الْعَصْرِ وَصَلَاةِ الْفَجْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وَهْوَ أَعْلَمُ بِكُمْ فَيَقُولُ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِى؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ».
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال):
(يتعاقبون) يتناوبون (فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار) تأتي جماعة بعد أخرى ثم تعود الأولى عقب الثانية وتنكير ملائكة في الموضعين يفيد أن الثانية غير الأولى (ويجتمعون في) وقت (صلاة العصر و) وقت (صلاة الفجر ثم يعرج) الملائكة (الذين باتوا فيكم) أيها المصلون (فيسألهم) ربهم سؤال تعبد كما تعبدهم بكتب أعمالهم (وهو أعلم بهم) أي بالمصلين من الملائكة ولغير الكشميهني بكم بالكاف بدل الهاء (فيقول) (كيف تركتم عبادي؟ فيقولون تركناهم وهم يصلون) وهذا آخر الجواب عن سؤالهم كيف تركتم ثم رادوا في الجواب لإظهار فضيلة المصلين والحرص على ذكر ما يوجب مغفرة ذنوبهم فقالوا (وأتيناهم وهم يصلون).
والحديث سبق في باب فضل صلاة العصر من أوائل كتاب الصلاة.
٧٤٣٠ - وَقَالَ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ إِلاَّ الطَّيِّبُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّى أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ».
وَرَوَاهُ وَرْقَاءُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «وَلَا يَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ إِلاَّ الطَّيِّبُ».
(وقال) ولأبي ذر قال أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري قال: (خالد بن مخلد) بفتح الميم وسكون المعجمة القطواني الكوفي شيخ البخاري فيما وصله أبو بكر الجوزقي في الجمع بين الصحيحين (حدّثنا سليمان) بن بلال قال: (حدّثني) بالإفراد (عبد الله بن دينار) المدني (عن أبي صالح) ذكوان الزيات (عن أبي هريرة) ﵁ (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
стр. 8141
(من تصدّق بعدل تمرة) بفتح العين وكسرها أي بمثلها أو بالفتح ما عادل الشيء من جنسه وبالكسر ما ليس من جنسه (من كسب طيب) أي حلال (ولا يصعد إلى الله) (إلا الطيب) جملة معترضة بين الشرط والجزاء تأكيدًا لتقرير المطلوب في النفقة (فإن الله يتقبلها بيمينه) وعبّر باليمين لأنها في العرف لما عزّ، والأخرى لما هان، ولأبي ذر عن الكشميهني يقبلها بحذف الفوقية وسكون القاف وتخفيف الموحدة (ثم يربيها لصاحبه) أي لصاحب العدل ولأبي ذر عن المستملي لصاحبها أي لصاحب الصدقة بمضاعفة الأجر أو بالمزيد في الكمية (كما يربي أحدكم فلوّه) بفتح الفاء وضم اللام وتشديد الواو المهر حين فطامه (حتى تكون) الصدقة التي عدل التمرة (مثل الجبل) لتثقل في ميزانه وضرب المثل بالمهر لأنه يزيد زيادة بيّنة. (ورواه) أي الحديث (ورقاء) بن عمر (عن عبد الله بن دينار عن سعيد بن يسار) بالمهملة (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ . ولا يصعد إلى الله) (إلا الطيب) ولأبي ذر إلاّ طيب.
وهذا وصله البيهقي لكنه قال في آخره مثل أُحُد بدل قوله في الرواية المعلقة مثل الجبل، ومراد المؤلف أن رواية ورقاء موافقة لرواية سليمان إلا في شيخ شيخهما فعند سليمان أنه عن أبي صالح، وعند ورقاء أنه عن سعيد بن يسار.
٧٤٣١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِى الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ نَبِىَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو بِهِنَّ عِنْدَ الْكَرْبِ: «لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الأعلى بن حماد) أبو يحيى الباهلي مولاهم قال: (حدّثنا يزيد بن زريع) الخياط أبو معاوية البصري قال: (حدّثنا سعيد) بكسر العين هو ابن أبي عروبة (عن قتادة) بن دعامة (عن أبي العالية) رفيع (عن ابن عباس) ﵄ (أن نبي الله ﷺ كان يدعو بهن عند الكرب):
(لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش العظيم لا إله إلا الله رب السماوات ورب العرش الكريم). قال النووي: فإن قيل: فهذا ذكر وليس فيه دعاء يزيل الكرب فجوابه من وجهين.
أحدهما: أن هذا الذكر يستفتح به الدعاء ثم يدعو بما شاء.
والثاني: هو كما ورد من شغله ذكري مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين. قيل: وهذا الحديث ليس مطابقًا للترجمة ومحله في الباب السابق ولعل الناسخ نقله إلى هنا وقد سبق قريبًا.
٧٤٣٢ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِى نُعْمٍ أَوْ، أَبِى نُعْمٍ شَكَّ قَبِيصَةُ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ قَالَ: بُعِثَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِذُهَيْبَةٍ فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةٍ.
стр. 8142
وَحَدَّثَنِى إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِى نُعْمٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ: بَعَثَ عَلِىٌّ وَهْوَ بِالْيَمَنِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِذُهَيْبَةٍ فِى تُرْبَتِهَا، فَقَسَمَهَا بَيْنَ الأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ الْحَنْظَلِىِّ ثُمَّ أَحَدِ بَنِى مُجَاشِعٍ وَبَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِىِّ، وَبَيْنَ عَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ الْعَامِرِىِّ ثُمَّ أَحَدِ بَنِى كِلَابٍ وَبَيْنَ زَيْدِ الْخَيْلِ الطَّائِىِّ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِى نَبْهَانَ فَتَغَضَّبَتْ قُرَيْشٌ وَالأَنْصَارُ فَقَالُوا: يُعْطِيهِ صَنَادِيدَ أَهْلِ نَجْدٍ وَيَدَعُنَا قَالَ: إِنَّمَا أَتَأَلَّفُهُمْ فَأَقْبَلَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ، نَاتِئُ الْجَبِينِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ اتَّقِ اللَّهَ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «فَمَنْ يُطِيعُ اللَّهَ إِذَا عَصَيْتُهُ فَيَأْمَنِّى عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ وَلَا تَأْمَنُونِى». فَسَأَلَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ قَتْلَهُ أُرَاهُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَمَنَعَهُ النَّبِىُّ ﷺ فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمًا يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلَامِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ».
وبه قال: (حدّثنا قبيصة) بن عقبة أبو عامر السوائي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن أبيه) سعيد بن مسروق (عن ابن أبي نعم) بضم النون وسكون العين عبد الرحمن البجلي أبي الحكم الكوفي العابد (أو أبي نعم) بدون ابن (شك قبيصة) بن عقب المذكور (عن أبي سعيد) سعد بن مالك ولأبي ذر زيادة الخدري ﵁ أنه (قال: بعث) بضم الموحدة وكسر العين (إلى النبي ﷺ بذهيبة) بضم الذال المعجمة والتأنيث على إرادة القطعة من الذهب وقد يؤنث الذهب في بعض اللغات (فقسمها) ﷺ (بين أربعة).
قال المؤلف: (وحدّثني) بالإفراد وواو العطف ولأبي ذر حدّثنا (إسحاق بن نصر) هو إسحاق بن إبراهيم بن نصر السعدي قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني اليماني قال: (أخبرنا سفيان) الثوري (عن أبيه) سعيد (عن ابن أبي نعم) عبد الرحمن البجلي (عن أبي سعيد الخدري) ﵁ أنه (قال: بعث عليّ) أي ابن أبي طالب (وهو باليمن) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي في اليمن (إلى النبي ﷺ بذهيبة في تربتها) أي مستقرة فيها وأراد بالتربة تبر الذهب ولا يصير ذهبًا خالصًا إلا بعد السبك (فقسمها) ﷺ (بين الأقرع بن حابس) بالحاء والسين المهملتين بينهما ألف فموحدة (الحنظلي) بالحاء المهملة والظاء المعجمة نسبة إلى حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم (ثم أحد بني مجاشع) بميم مضمومة فجيم فألف فشين معجمة مكسورة فعين مهملة ابن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم (وبين عيينة) بضم العين مصغرًا (ابن بدر الفزاري) بفتح الفاء نسبة إلى فزارة بن ذبيان (وبين علقمة بن علاثة) بضم العين المهملة وتخفيف اللام وبعد الألف مثلثة (العامري) نسبة إلى عامر بن عوف (ثم أحد بني كلاب) نسبة إلى كلاب بن ربيعة (وبين زيد الخيل) بالخاء المعجمة واللام ابن مهلهل (الطائي) نسبة إلى طيئ (ثم أحد بني نبهان) أسود بن عمرو وهؤلاء الأربعة من المؤلفة (فتغضبت قريش والأنصار)
стр. 8143
بالفوقية والغين والضاد المشددة المعجمتين ثم موحدة من الغضب، ولأبي ذر عن الكشميهني والمستملي فتغيظت بالظاء المعجمة من الغيظ (فقالوا: يعطيه) أي يعطي ﷺ الذهب (صناديد أهل نجد) أي سادات أهل نجد (ويدعنا) فلا يعطينا منه شيئًا (قال) ﷺ :
(إنما أتألفهم) ليثبتوا على الإسلام (فأقبل رجل) اسمه عبد الله ذو الخويصرة بضم الخاء المعجمة وفتح الواو وبعد الياء الساكنة صاد مهملة (غائر العينين) داخلتين في رأسه لاصقتين بقعر حدقته (ناتئ الجبين) مرتفعه (كثّ اللحية) بالمثلثة المشدّدة كثير شعرها (مشرت الوجنتين) بضم الميم وسكون الشين المعجمة وكسر الراء بعدها فاء غليظهما والوجنة ما ارتفع من الخدّ (محلوق الرأس فقال: يا محمد اتق الله. فقال النبي ﷺ : فمن يطيع الله إذا عصيته فيأمني) بفتح الميم وتشديد النون ولأبي ذر فيأمنني (على أهل الأرض ولا تأمنون) أنتم ولأبي ذر ولا تأمنونني بنونين كالسابقة (فسأل رجل من القوم) زاد أبو ذر النبي ﷺ (قتله أراه) بضم الهمزة أظنه (خالد بن الوليد) وقيل عمر بن الخطاب، فيحتمل أن يكونا سألا (فمنعه النبي ﷺ ¬) من قتله استئلافًا لغيره (فلما ولّى) الرجل (قال النبي ﷺ ¬) وسقط قوله النبي ﷺ في الموضعين لأبي ذر (إن من ضئضيء هذا) بضادين معجمتين مكسورتين بينهما همزة ساكنة وآخره همزة أخرى من نسله (قومًا يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم) جمع حنجرة منتهى الحلقوم أي لا يرفع في الأعمال الصالحة (يمرقون) يخرجون (من الإسلام مروق السهم) خروجه إذا نفذ من الجهة الأخرى (من الرمية) بفتح الراء وكسر الميم وفتح التحتية مشددة الصيد المرمي (يقتلون أهل الإسلام ويدعون) بفتح الدال ويتركون (أهل الأوثان) بالمثلثة (لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد) لأستأصلنهم بحيث لا أبقي منهم أحدًا كاستئصال عاد والمراد لازمه وهو الهلاك.
ومطابقة الحديث للترجمة تؤخذ من قوله في رواية المغازي: ألا تأمنوني وأنا أمين في السماء أي على العرش فوق السماء، وهذه عادة البخاري في إدخال الحديث في الباب للفظة تكون في بعض طرقه هي المناسبة لذلك الباب يشير إليها قاصدًا تشحيذ الأذهان والحث على الاستحضار.
والحديث سبق في باب قول الله : ﴿وأما عاد فأهلكوا﴾ [الحاقة: ٦] وفي المغازي في باب بعث عليّ وفي تفسير سورة براءة.
٧٤٣٣ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِىِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِىَّ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٢٨] قَالَ: مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ.
وبه قال: (حدّثنا عياش بن الوليد) بفتح العين المهملة وتشديد التحتية الرقام قال: (حدّثنا وكيع) هو ابن الجراح أحد الأعلام (عن الأعمش) سليمان (عن إبراهيم التيمي عن أبيه) ولأبي ذر أراه بضم الهمزة أي أظنه عن أبيه يزيد بن شريك التيمي الكوفي (عن أبي ذر) جندب بن جنادة
стр. 8144
﵁ أنه (قال: سألت النبي ﷺ عن قوله) : (﴿والشمس تجري لمستقر لها﴾ [يس: ٢٨] قال):
(مستقرها تحت العرش). شبهها بمستقر المسافر إذا قطع مسيره. وسبق مزيد لذلك في محله والله الموفق. وسبق الحديث في بدء الخلق وفي التفسير.
٢٤ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]
(باب قول الله تعالى: ﴿وجوه﴾) هي وجوه المؤمنين (﴿يومئذ﴾) يوم القيامة (﴿ناضرة﴾) حسنة ناعمة (﴿إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة: ٢٢]) بلا كيفية ولا جهة ولا ثبوت مسافة. وقال القاضي: تراه مستغرقة في مطالعة جماله بحيث تغفل عما سواه ولذلك قدم المفعول وليس فإذا في كل الأحوال حتى ينافيه نظرها إلى غيره وحمل النظر على انتظارها لأمر ربها أو لنوابه لا يصح لأنه يقال في نظرت فيه أي تفكرت ونظرته انتظرته ولا يعدّى بإلى إلا بمعنى الرؤية مع أنه لا يليق الانتظار في دار القرار.
٧٤٣٤ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ حَدَّثَنَا خَالِدٌ، وَهُشَيْمٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ قَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لَا تُضَامُّونَ فِى رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلَاةٍ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَافْعَلُوا».
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن عون) بفتح العين فيهما والأخير بالنون ابن أوس السلمي الواسطي قال: (حدّثنا خالد) الطحان بن عبد الله الواسطي (وهشيم) مصغر ابن بشير الواسطي وللحموي والمستملي أو هشيم بالشك (عن إسماعيل) بن أبي خالد سعد أو هرمز أو كثير الأحمسي الكوفي (عن قيس) هو ابن أبي حازم بالزاي والحاء المهملة البجلي (عن جرير) هو ابن عبد الله البجلي ﵁ أنه (قال: كنا جلوسًا عند النبي ﷺ إذ) بسكون المعجمة (نظر إلى القمر ليلة اليدر قال):
(إنكم سترون ربكم) يوم القيامة (كما ترون هذا القمر لا تضامون) بضم الفوقية بعدها ضاد معجمة وتشديد الميم أي لا تتزاحمون ولا تختلفون (في رؤيته). وقال البيهقي: سمعت الشيخ الإمام أبا الطيب سهل بن محمد الصعلوكي يقول في إملائه في قوله: لا تضامون بالضم والتشديد معناه لا تجتمعون لرؤيته في جهة ولا يضم بعضكم إلى بعض ومعناه بفتح التاء كذلك، والأصل لا تتضامون في رؤيته بالاجتماع في جهة وبالتخفيف الضيم ومعناه لا تظلمون فيه برؤية بعضكم دون بعض فإنكم ترونه في جهاتكم كلها وهو متعال عن الجهة والتشبيه برؤية القمر للرؤية دون
стр. 8145
تشبيه المرئي تعالى الله عن ذلك (فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة) بضم الفوقية وسكون الغين المعجمة وفتح اللام ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: عن صلاة (قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروب الشمس) يعني الفجر والعصر كما في مسلم (فافعلوا) عدم المغلوبية بقطع الأسباب المنافية للاستطاعة كنوم ونحوه.
وسبق الحديث في باب فضل صلاة العصر من كتاب الصلاة.
٧٤٣٥ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ يُوسُفَ الْيَرْبُوعِىُّ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِى خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا».
وبه قال: (حدّثنا يوسف بن موسى) القطان الكوفي قال: (حدّثنا عاصم بن يوسف اليربوعي) نسبة إلى يربوع بن حنظلة من تميم قال: (حدّثنا أبو شهاب) عبد ربه بن نافع الحناط بالحاء المهملة والنون المشددة (عن إسماعيل بن أبي خالد) الكوفي الحافظ (عن قيس بن أبي حازم) أبي عبد الله البجلي تابعي كبير فاتته الصحبة بليال (عن جرير بن عبد الله) البجلي ﵁ وسقط لأبي ذر ابن عبد الله أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(إنكم) ولأبي ذر عن المستملي قال خرج علينا رسول الله ﷺ ليلة البدر فقال إنكم (سترون ربكم عيانًا) بكسر العين من قولك عاينت الشيء عيانًا إذا رأيته بعينك.
٧٤٣٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْجُعْفِىُّ، عَنْ زَائِدَةَ حَدَّثَنَا بَيَانُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِى حَازِمٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فَقَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا، لَا تُضَامُّونَ فِى رُؤْيَتِهِ».
وبه قال: (حدّثنا عبده بن عبد الله) الصفار البصري قال: (حدّثنا حسين الجعفي) بن علي بن الوليد ونسب إلى جعفة بن سعد العشيرة بن مذحج (عن زائدة) بن قدامة أنه قال: (حدّثنا بيان بن بشر) بموحدة مكسورة ومعجمة ساكنة بعدها راء الأحمسي بالحاء والسين المهملتين (عن قيس بن أبي حازم) البجلي قال: (حدّثنا جرير) البجلي ﵁ (قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ليلة البدر فقال):
(إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون هذا) البدر (لا تضامون في رؤيته). بضم أوّله وتشديد الميم من الازدحام أي لا ينضم بعضكم إلى بعض كما تنضمون في رؤية الهلال رأس الشهر لخفائه ودقته بل ترونه رؤية محققة لا خفاء فيها.
٧٤٣٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِىِّ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟
стр. 8146
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَلْ تُضَارُّونَ فِى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ»؟ قَالُوا: لَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «فَهَلْ تُضَارُّونَ فِى الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ»؟ قَالُوا: لَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ، يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْهُ، فَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ، وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ الْقَمَرَ، وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا شَافِعُوهَا أَوْ مُنَافِقُوهَا». شَكَّ إِبْرَاهِيمُ «فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ: هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَنَا رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فِى صُورَتِهِ الَّتِى يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا، فَيَتْبَعُونَهُ وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَىْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِى أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُهَا، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلاَّ الرُّسُلُ وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ، اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ وَفِى جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، هَلْ رَأَيْتُمُ السَّعْدَانَ»؟ قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا قَدْرُ عِظْمِهَا إِلاَّ اللَّهُ، تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمُ الْمُوبَقُ بِعَمَلِهِ وَمِنْهُمُ الْمُخَرْدَلُ أَوِ الْمُجَازَى أَوْ نَحْوُهُ، ثُمَّ يَتَجَلَّى حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللَّهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ بِرَحْمَتِهِ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مِنَ النَّارِ، مَنْ كَانَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا مِمَّنْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَرْحَمَهُ مِمَّنْ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ فَيَعْرِفُونَهُمْ فِى النَّارِ بِأَثَرِ السُّجُودِ تَأْكُلُ النَّارُ ابْنَ آدَمَ إِلاَّ أَثَرَ السُّجُودِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ قَدِ امْتُحِشُوا، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ تَحْتَهُ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِى حَمِيلِ السَّيْلِ، ثُمَّ يَفْرُغُ اللَّهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ وَيَبْقَى رَجُلٌ مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ عَلَى النَّارِ هُوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولاً الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: أَىْ رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِى عَنِ النَّارِ فَإِنَّهُ قَدْ قَشَبَنِى رِيحُهَا وَأَحْرَقَنِى ذَكَاؤُهَا، فَيَدْعُو اللَّهَ بِمَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَهُ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ هَلْ عَسَيْتَ إِنْ أُعْطِيتَ ذَلِكَ أَنْ تَسْأَلَنِى غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، وَيُعْطِى رَبَّهُ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ مَا شَاءَ، فَيَصْرِفُ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ فَإِذَا أَقْبَلَ عَلَى الْجَنَّةِ وَرَآهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَىْ رَبِّ قَدِّمْنِى إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: أَلَسْتَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أَنْ لَا تَسْأَلَنِى غَيْرَ الَّذِى أُعْطِيتَ أَبَدًا؟ وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ فَيَقُولُ: أَىْ رَبِّ وَيَدْعُو اللَّهَ حَتَّى يَقُولَ: هَلْ عَسَيْتَ إِنْ أُعْطِيتَ ذَلِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ وَيُعْطِى مَا شَاءَ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا قَامَ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ انْفَهَقَتْ لَهُ الْجَنَّةُ فَرَأَى مَا فِيهَا مِنَ الْحَبْرَةِ وَالسُّرُورِ، فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ ثُمَّ يَقُولُ: أَىْ رَبِّ أَدْخِلْنِى الْجَنَّةَ فَيَقُولُ اللَّهُ: أَلَسْتَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ مَا أُعْطِيتَ؟ فَيَقُولُ: وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ فَيَقُولُ أَىْ رَبِّ لَا أَكُونَنَّ أَشْقَى خَلْقِكَ، فَلَا يَزَالُ يَدْعُو حَتَّى يَضْحَكَ اللَّهُ مِنْهُ، فَإِذَا ضَحِكَ مِنْهُ قَالَ لَهُ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ فَإِذَا دَخَلَهَا قَالَ اللَّهُ لَهُ: تَمَنَّهْ فَسَأَلَ رَبَّهُ وَتَمَنَّى حَتَّى إِنَّ اللَّهَ لَيُذَكِّرُهُ يَقُولُ: كَذَا وَكَذَا حَتَّى انْقَطَعَتْ بِهِ الأَمَانِىُّ قَالَ اللَّهُ ذَلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ».
стр. 8147
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) الأويسي قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عطاء بن يزيد الليثي) بالمثلثة ثم الجندعي (عن أبي هريرة) ﵁ (أن الناس قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا) (يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ ¬):
(هل تضارون في القمر ليلة البدر) بضم حرف المضارعة وتشديد الراء أصله تضاررون بالبناء للمفعول فسكنت الراء الأولى وأدغمت في الثانية وفي نسخة بتخفيف الراء فالمشدّد بمعنى لا تتخالفون ولا تتجادلون في صحة النظر إليه لوضوحه وظهوره والمخفف من الضير ومعناه كالأوّل (قالوا: لا، يا رسول الله. قال: فهل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب)؟ يحجبها (قالوا: لا، يا رسول الله. قال: فإنكم ترونه) إذا تجلى لكم (كذلك) أي واضحًا جليًّا بلا شك ولا مشقة ولا اختلاف (يجمع الله) (الناس يوم القيامة فيقول: من كان يعبد شيئًا فليتبعه) بسكون الفوقية وفتح الموحدة أو بتشديد الفوقية وكسر الموحدة وكذا قوله (فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس ويتبع من كان يعبد القمر القمر ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت) بالمثناة الفوقية فيهما جمع طاغوت فعلوت من طغى أصله طيغوت ثم طيغوت ثم طاغوت الشياطين والأصنام وفي الصحاح الكاهن وكل رأس في الضلال (وتبقى هذه الأمة فيها شافعوها) بالشين المعجمة والعين المهملة أصله شافعون فسقطت النون للإضافة أي شافعو الأمة: (أو) قال (منافقوها. شك إبراهيم) بن سعد الراوي قال الحافظ ابن حجر والأول المعتمد (فيأتيهم الله) إتيانًا لا يكيف عاريًا عن الحرة والانتقال أو هو محمول على الإتيان المعروف عندنا لكن على معنى أن الله تعالى يخلقهُ لملك من ملائكتهِ فأضافه إلى نفسه على جهة الإسناد المجازي مثل قطع الأمير اللص وزاد في الرقاق في غير الصورة التي يعرفونها (فيقول) لهم (أنا ربكم فيقولون هذا مكاننا) وزاد فيه أيضًا فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا (حتى يأتينا ربنا فإذا جاءنا) ولغير المستملي جاء (ربنا عرفناه فيأتيهم الله) فيتجلى لهم بعد تمييز المنافقين (في صورته التي يعرفون) أي التي هو عليها من التعالي عن صفات الحدوث بعد أن عرّفهم بنفسه المقدسة ورفع عن أبصارهم الموانع، وقال في المصابيح: في صورته التي يعرفون أي في علامة جعلها الله دليلاً على معرفته والتفرقة بينه وبين مخلوقاته فسمى الدليل والعلامة صورة مجازًا كما تقول العرب: صورة أمرك كذا وصورة حديثك كذا، والأمر والحديث لا صورة لهما وإنما يريدون حقيقة أمرك وحديثك وكثيرًا ما يجري على ألسنة الفقهاء صورة هذه المسألة كذا (فيقول) لهم (أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه) بالتخفيف والتشديد أي فيتبعون أمره إياهم بذهابهم إلى الجنة أو ملائكته التي تذهب بهم إليها (ويضرب الصراط) بضم حرف المضارعة وفتح ثالثه والصراط الجسر (بين ظهري جهنم) على وسطها (فأكون أنا وأمتي أول من يجيزها) أي يجوز بأمته على الصراط ويقطعه ولأبي ذر عن الأصيلي وابن عساكر من يجيء (ولا يتكلم يومئذٍ) في حال الإجازة (إلا الرسل) لشدة الأهوال (ودعوى الرسل يومئذٍ اللهم سلم سلم) مرّتين (وفي جهنم كلاليب) بغير صرف معلقة مأمورة
стр. 8148
بأخذ من أمرت به (مثل شوك السعدان) بفتح السين والدال بينهما عين مهملات نبات ذو شوك (هل رأيتم السعدان)؟ استفهام تقرير لاستحضار الصورة المذكورة (قالوا: نعم يا رسول الله. قال: فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمها) أي الشوكة وللكشميهني ما قدر عظمها (إلا الله) تعالى. قال القرطبي: قيدنا قدر عن بعض مشايخنا بضم الراء على أن ما استفهام وقدر مبتدأ وبنصبها على أن ما زائدة وقدر مفعول يعلم (تخطف الناس بأعمالهم) بسبب أعمالهم القبيحة (فمنهم الموبق) بفتح الموحدة الهالك (بعلمه) وهو الكافر وللأصيلي وأبي ذر عن المستملي المؤمن بالميم والنون بقي بعمله بالموحدة والقاف المكسورة من البقاء أو الموبق بعمله بالشك وللحموي والكشميهني فمنهم الموبق بالموحدة المفتوحة بقي بالموحدة وكسر القاف ولأبي ذر عن المستملي يقي بالتحتية من الوقاية أي يستره عمله وللمستملي أو الموثق بالمثلثة المفتوحة من الوثاق بعمله والفاء في قوله فمنهم تفصيل للناس الذين تخطفهم الكلاليب بحسب أعمالهم (ومنهم المخردل) بالخاء المعجمة والدال المهملة المنقطع الذي تقطعه كلاليب الصراط حتى يهوي في النار وقيل المخردل المصروع قال السقاقسي وهو أنسب بسياق الخبر (أو المجازى) بضم الميم وفتح الجيم المخففة والزاي بينهما ألف من الجزاء (أو نحوه) شك من الراوي ولمسلم المجازى بغير شك (ثم يتجلى) بتحتية ففوقية فجيم فلام مشددة مفتوحات كذا في الفرع كأصله مصححًا عليه أي يتبين. قال في الفتح: ويحتمل أن يكون بالخاء المعجمة أي يخلى عنه فيرجع إلى معنى ينجو.
وفي حديث أبي سعيد فناج مسلم ومخدوش ومكدوس في جهنم (حتى إذا فرغ الله) (من القضاء بين العباد) أتم. وقال ابن المنير: الفراغ إذا أضيف إلى الله معناه القضاء وحلوله بالمقضي عليه والمراد إخراج الموحدين وإدخالهم الجنة واستقرار أهل النار في النار، وحاصله أن معنى يفرغ الله أي من القضاء بعذاب من يفرغ عذابه ومن لا يفرغ فيكون إطلاق الفراغ بطريق المقابلة وإن لم يذكر لفظها (وأراد أن يخرج) بضم أوله وكسر ثالثه (برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله) (شيئًا ممن أراد الله) (أن يرحمه ممن يشهد أن لا إله إلا الله فيعرفونهم في النار بأثر السجود) ولأبي ذر عن الكشميهني بآثار السجود (تأكل النار ابن آدم إلا أثر السجود حرم الله) (على النار أن تأكل أثر السجود) وهو موضعه من الجبهة أو مواضع السجود السبعة، ورجحه النووي لكن في مسلم إلا دارات الوجوه وهو كما قال عياض يدل على أن المراد بأثر السجود الوجه خاصة. ويؤيده أن في بقية الحديث أن منهم من غاب في النار إلى نصف ساقيه، وفي مسلم من حديث سمرة وإلى ركبتيه، وفي رواية هشام بن سعد في حديث أبي سعيد وإلى حقويه، لكن حمله النووي على قوم مخصوصين. ونقل بعضهم أن علامتهم الغرّة ويضاف إليها التحجيل وهو في اليدين والقدمين مما يصل إليه الوضوء، فيكون أشمل ممن قال أعضاء السجود لدخول جميع اليدين والرجلين لا تخصيص الكفّين والقدمين ولكن ينقص منه الركبتان، وما استدلّ به من بقية الحديث لا يمنع سلامة هذه الأعضاء مع الانغمار لأن تلك الأحوال الأخروية خارجة عن قياس أحوال أهل الدنيا
стр. 8149
ودل التنصيص على دارات الوجوه أن الوجه كله لا يؤثر فيه النار إكرامًا لمحل السجود، ويحتمل أن الاقتصار عليها على التنويه بها لشرفها. (فيخرجون من النار) حال كونهم (قد امتحشوا) بضم الفوقية والمعجمة بينهما حاء مهملة مكسورة أو بفتح الفوقية احترق جلدهم وظهر عظمهم (فيصب عليهم) بضم التحتية وفتح الصاد (ماء الحياة) ضد الموت (فينبتون تحته كما تنبت الحبة) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة من بزور الصحراء (في حميل السيل) بفتح الحاء المهملة ما يحمله من طين ونحوه وفي رواية يحيى بن عمارة إلى جانب السيل والمراد أن الغثاء الذي يجيء به السيل تكون فيه الحبة فتقع في جانب الوادي فتصبح من يومها نابتة فالتشبيه في سرعة النبات وطراوته وحسنه (ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد ويبقى رجل) زاد أبو ذر منهم (مقبل بوجهه على النار هو آخر أهل النار دخولاً الجنة). وفي حديث حذيفة في أخبار بني إسرائيل أنه كان نباشًا وعند الدارقطني في غرائب مالك أنه رجل من جهينة عند السهيلي اسمه هناد (فيقول: أي) بسكون الياء (رب اصرف وجهي عن النار فإنه قد قشبني) بالقاف والمعجمة والموحدة مفتوحات آذاني (ريحها وأحرقني ذكاؤها) بفتح الذال وبعد الكاف همزة ولأبي ذر ذكاها بغير همز شدة حرها والتهابها (فيدعو الله) (بما شاء أن يدعوه ثم يقول الله) له: (هل عسيت) بفتح السين وكسرها (إن أعطيت ذلك) بضم الهمزة ولأبي ذر إن أعطيتك بفتحها وبالكاف (أن تسألني غيره فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره ويعطي ربه) ولأبي ذر عن الكشميهني ويعطي الله (من عهود ومواثيق ما شاء فيصرف الله) (وجهه عن النار فإذا أقبل على الجنة ورآها سكت ما شاء الله) (أن يسكت). حياء (ثم يقول: أي رب قدمني) بسكون الميم بعد كسر الدال المشددة (إلى باب الجنة فيقول الله) (له: ألست قد أعطيت عهودك ومواثيقك أن لا تسألني غير الذي أعطيت أبدًا) أي غير صرف وجهك عن النار (ويلك يا ابن آدم ما أغدرك) فعل تعجب من الغدر ونقض العهد وترك الوفاء (فيقول أي رب ويدعو الله) (حتى يقول) له (هل عسيت إن أعطيت ذلك أن تسأل غيره فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره ويعطي) الله (ما شاء من عهود ومواثيق فيقدمه إلى باب الجنة فإذا قام إلى باب الجنة انفهقت) بنون ساكنة ففاء فهاء فقاف مفتوحات ففوقية انفتحت واتسعت (له الجنة فرأى ما فيها من الحبرة) بفتح الحاء المهملة وسكون الموحدة من النعمة وسعة العيش (والسرور فيسكت ما شاء الله) (أن يسكت ثم يقول: أي رب أدخلني الجنة فيقول الله) (ألست قد أعطيت عهودك ومواثيقك أن لا تسأل غير ما أعطيت فيقول): وفي الفرع كأصله ضبب على فيقول هذه (ويلك يا ابن آدم ما أغدرك فيقول: أي رب لا أكونن) بنون التوكيد الثقيلة ولأبي ذر عن الحموي والكشميهني لا أكون بإسقاطها (أشقى خلقك).
قال في الكواب فإن قلت: هذا ليس بأشقى لأنه خلص من العذاب وزحزح عن النار وإن لم يدخل الجنة. قلت: يعني أشقى أهل التوحيد الذي هم أبناء جنسه فيه، وقال الطيبي: فإن قلت: كيف طابق هذا الجواب قوله أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك؟ قلت: كأنه قال يا رب
стр. 8150
بلى أعطيت العهود والمواثيق ولكن تأملت كرمك وعفوك ورحمتك، وقوله تعالى: ﴿لا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾ [يوسف: ٨٧] فوقفت على أني لست من الكفار الذين أيسوا من رحمتك وطمعت في كرمك وسعة رحمتك فسألت ذلك وكأنه تعالى رضي بهذا القول فضحك كما قال:
(فلا يزال يدعو) الله تعالى (حتى يضحك الله) (منه) المراد لازم الضحك وهو الرضا (فإذا ضحك منه قال له ادخل الجنة فإذا دخلها قال الله) (له: تمنّه) بهاء السكت (فسأل ربه) (وتمنى حتى أن الله ليذكره) أي ليذكر المتمني (يقول) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ويقول له تمنّ (كذا وكذا) يسمي له أجناس ما يتمنى فضلاً منه ورحمة (حتى انقطعت به الأماني) جمع أمنية (قال الله) (ذلك) الذي سألت (لك ومثله معه).
قال الدماميني في مصابيحه: فإن قلت: قد علم أن الدار الآخرة ليست دار تكليف فما الحكمة في تكرير أخذ العهود والمواثيق عليه أن لا يسأل غير ما أعطيه مع أن إخلافه لقوله وما تقتضيه يمينه لا إثم عليه فيه؟ قلت: الحكمة فيه ظاهرة وهي إظهار التمنّن والإحسان إليه مع تكريره لنقض عهوده ومواثيقه ولا شك أن للمنّة في نفس العبد مع هذه الحالة التي اتّصف بها وقعًا عظيمًا.
وقال الكلاباذي فيما نقله عنه في الفتح: سكوت هذا العبد أولاً عن السؤال يعني في قوله في الحديث فيسكت ما شاء الله حياء من ربه والله يحب أن يُسأل لأنه يحب صوت عبده المؤمن فباسطه أولاً بقوله: لعلك إن أعطيت هذا تسأل غيره وهذه حالة المقصر فكيف حالة المطيع وليس نقض هذا العبد عهده وتركه ما أقسم عليه جهلاً منه، ولا قلة مبالاة بل علمًا منه بأن نقض هذا العهد أولى من الوفاء به لأن سؤاله ربه أولى من ترك السؤال، وقد قال ﷺ : "من حلف على يمين فرأى خيرًا منها فليكفّر عن يمينه وليأت الذي هو خير" فعمل هذا العبد على وفق هذا الخبر والتكفير قد ارتفع عنه في الآخرة.
٧٤٣٨ - قَالَ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ: وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِىُّ مَعَ أَبِى هُرَيْرَةَ لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِهِ شَيْئًا حَتَّى إِذَا حَدَّثَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ اللَّهَ ﵎ قَالَ: «ذَلِكَ لَكَ، وَمِثْلُهُ مَعَهُ»، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِىُّ: وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ مَعَهُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا حَفِظْتُ إِلاَّ قَوْلَهُ: «ذَلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ». قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِىُّ: أَشْهَدُ أَنِّى حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْلَهُ: «ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ»، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَذَلِكَ الرَّجُلُ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولاً الْجَنَّةَ.
(قال عطاء بن يزيد) الراوي (وأبو سعيد الخدري مع أبي هريرة) جالس وهو يحدّث بهذا الحديث (لا يرد عليه من حديثه شيئًا) ولا يغيره (حتى إذا حدّث أبو هريرة أن الله ﵎ قال: ذلك لك ومثله معه. قال أبو سعيد الخدري: وعشرة أمثاله معه يا أبا هريرة. قال أبو
стр. 8151
هريرة: ما حفظت إلا قوله ذلك لك ومثله معه. قال أبو سعيد الخدري: أشهد أني حفظت من رسول الله ﷺ قوله ذلك لك وعشرة أمثاله) وجمع بينهما باحتمال أن يكون أبو هريرة سمع أوّلاً قوله ومثله معه ثم تكرم الله فزاد ما في رواية أبي سعيد ولم يسمعه أبو هريرة. (قال أبو هريرة) ﵁: (فذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولاً الجنة).
والحديث سبق في الرقاق.
٧٤٣٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى هِلَالٍ، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: «هَلْ تُضَارُونَ فِى رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ إِذَا كَانَتْ صَحْوًا»؟ قُلْنَا: لَا. قَالَ: «فَإِنَّكُمْ لَا تُضَارُونَ فِى رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ يَوْمَئِذٍ إِلاَّ كَمَا تُضَارُونَ فِى رُؤْيَتِهِمَا». ثُمَّ قَالَ: «يُنَادِى مُنَادٍ لِيَذْهَبْ كُلُّ قَوْمٍ إِلَى مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ، فَيَذْهَبُ أَصْحَابُ الصَّلِيبِ مَعَ صَلِيبِهِمْ، وَأَصْحَابُ الأَوْثَانِ مَعَ أَوْثَانِهِمْ، وَأَصْحَابُ كُلِّ آلِهَةٍ مَعَ آلِهَتِهِمْ، حَتَّى يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ وَغُبَّرَاتٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، ثُمَّ يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ تُعْرَضُ كَأَنَّهَا سَرَابٌ فَيُقَالُ لِلْيَهُودِ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللَّهِ فَيُقَالُ: كَذَبْتُمْ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ صَاحِبَةٌ وَلَا وَلَدٌ، فَمَا تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: نُرِيدُ أَنْ تَسْقِيَنَا فَيُقَالُ: اشْرَبُوا فَيَتَسَاقَطُونَ فِى جَهَنَّمَ، ثُمَّ يُقَالُ لِلنَّصَارَى: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: كُنَّا نَعْبُدُ الْمَسِيحَ ابْنَ اللَّهِ فَيُقَالُ: كَذَبْتُمْ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ صَاحِبَةٌ وَلَا وَلَدٌ فَمَا تُرِيدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: نُرِيدُ أَنْ تَسْقِيَنَا فَيُقَالُ: اشْرَبُوا فَيَتَسَاقَطُونَ حَتَّى يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا يَحْبِسُكُمْ وَقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ فَيَقُولُونَ: فَارَقْنَاهُمْ وَنَحْنُ أَحْوَجُ مِنَّا إِلَيْهِ الْيَوْمَ وَإِنَّا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِيَلْحَقْ كُلُّ قَوْمٍ بِمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ، وَإِنَّمَا نَنْتَظِرُ رَبَّنَا قَالَ: فَيَأْتِيهِمُ الْجَبَّارُ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا فَلَا يُكَلِّمُهُ إِلاَّ الأَنْبِيَاءُ فَيَقُولُ: هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ تَعْرِفُونَهُ؟ فَيَقُولُونَ: السَّاقُ فَيَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ، فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ لِلَّهِ رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ كَيْمَا يَسْجُدَ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا، ثُمَّ يُؤْتَى بِالْجَسْرِ فَيُجْعَلُ بَيْنَ ظَهْرَىْ جَهَنَّمَ». قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْجَسْرُ؟ قَالَ: «مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةٌ عَلَيْهِ خَطَاطِيفُ وَكَلَالِيبُ وَحَسَكَةٌ مُفَلْطَحَةٌ لَهَا شَوْكَةٌ عُقَيْفَاءُ، تَكُونُ بِنَجْدٍ يُقَالُ لَهَا: السَّعْدَانُ الْمُؤْمِنُ عَلَيْهَا كَالطَّرْفِ وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ وَنَاجٍ مَخْدُوشٌ وَمَكْدُوسٌ فِى نَارِ جَهَنَّمَ حَتَّى يَمُرَّ آخِرُهُمْ يُسْحَبُ سَحْبًا فَمَا أَنْتُمْ بِأَشَدَّ لِى مُنَاشَدَةً فِى الْحَقِّ قَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِ يَوْمَئِذٍ لِلْجَبَّارِ وَإِذَا رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ نَجَوْا فِى إِخْوَانِهِمْ يَقُولُونَ: رَبَّنَا إِخْوَانُنَا كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا وَيَصُومُونَ مَعَنَا وَيَعْمَلُونَ مَعَنَا، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِى قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ، وَيُحَرِّمُ اللَّهُ صُوَرَهُمْ عَلَى النَّارِ فَيَأْتُونَهُمْ وَبَعْضُهُمْ قَدْ غَابَ فِى النَّارِ إِلَى قَدَمِهِ وَإِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ،
стр. 8152
فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا، ثُمَّ يَعُودُونَ فَيَقُولُ: اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِى قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا، ثُمَّ يَعُودُونَ فَيَقُولُ: اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِى قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا». قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَإِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِى فَاقْرَؤُوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠] فَيَشْفَعُ النَّبِيُّونَ وَالْمَلَائِكَةُ وَالْمُؤْمِنُونَ فَيَقُولُ الْجَبَّارُ: بَقِيَتْ شَفَاعَتِى فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ فَيُخْرِجُ أَقْوَامًا قَدِ امْتُحِشُوا فَيُلْقَوْنَ فِى نَهَرٍ بِأَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ مَاءُ الْحَيَاةِ فَيَنْبُتُونَ فِى حَافَتَيْهِ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِى حَمِيلِ السَّيْلِ قَدْ رَأَيْتُمُوهَا إِلَى جَانِبِ الصَّخْرَةِ إِلَى جَانِبِ الشَّجَرَةِ فَمَا كَانَ إِلَى الشَّمْسِ مِنْهَا كَانَ أَخْضَرَ وَمَا كَانَ مِنْهَا إِلَى الظِّلِّ كَانَ أَبْيَضَ فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمُ اللُّؤْلُؤُ فَيُجْعَلُ فِى رِقَابِهِمُ الْخَوَاتِيمُ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ الرَّحْمَنِ أَدْخَلَهُمُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ، وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ فَيُقَالُ لَهُمْ: لَكُمْ مَا رَأَيْتُمْ وَمِثْلُهُ مَعَهُ».
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير بضم الموحدة وفتح الكاف قال: (حدّثنا الليث بن سعد) الإمام وثبت ابن سعد لأبي ذر (عن خالد بن يزيد) الجمحي (عن سعيد بن أبي هلال) الليثي مولاهم (عن زيد) هو ابن أسلم مولى عمر بن الخطاب (عن عطاء بن يسار) بالتحتية والمهملة المخففة (عن أبي سعيد) سعد بن مالك (الخدري) ﵁ أنه (قال: قلنا يا رسول الله: هل نرى ربنا يوم القيامة)؟ قال ﵊:
(هل تضارون) بضم أوّله وتشديد الراء (في رؤية الشمس والقمر) وسقط قوله والقمر لأبي ذر ويروى تضارون بالتخفيف (إذا كانت) أي السماء (صحوًا) أي ذات صحو أي انقشع عنها الغيم (قلنا: لا. قال: فإنكم لا تضارون) لا تخالفون أحدًا ولا تنازعونه (في رؤية ربكم يومئذٍ) يوم القيامة (إلا كما تضارون في رؤيتهما) أي الشمس والقمر، ولأبي ذر: في رؤيتها أي الشمس والتشبيه المذكور هنا إنما هو في الوضوح وزوال الشك لا في المقابلة والجهة وسائر الأمور العادية عند رؤية المحدثات. وقال في المصابيح: هذا من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم وهو من أفضل ضربيه وذلك أنه استثنى من صفة ذم منفية عن الشيء صفة مدح لذلك الشيء بتقدير دخولها فيها أي إلا كما تضارون في رؤية الشمس في حال صحو السماء أي إن كان ذلك ضيرًا فأثبت شيئًا من العيب على تقدير كون رؤية الشمس في وقت الصحو من العيب، وهذا التقدير المفروض محال لأنه من كمال التمكن بن الرؤية دون ضرر يلحق الرائي فهو في المعنى تعليق بالمحال فالتأكيد فيه من جهة أنه كدعوى الشيء ببينة لأنه علق نقيض المدعي وهو إثبات شيء من العيب بالمحال والمعلق بالمحال محال فعدم العيب محقق، ومن جهة أن الأصل في مطلق الاستثناء الاتصال أي كون المستثنى منه بحيث يدخل فيه المستثنى على تقدير السكوت عنه وذلك لما تقرر في موضعه من أن الاستثناء المنقطع مجاز، وإذا كان الأصل في الاستثناء الاتصال فذكر أداته قبل ذكر ما بعدها يوهم إخراج الشيء مما قبله فإذا وليها صفة مدح وتحوّل الاستثناء من الاتصال إلى الانقطاع جاء
стр. 8153
التأكيد لما فيه من المدح على المدح والإشعار بأنه لم يجد صفة ذم يستثنيها فاضطر إلى استثناء صفة مدح وتحوّل الاستثناء إلى الانقطاع.
(ثم قال ينادي مُنادٍ ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون فيذهب أصحاب الصليب) النصارى (مع صليبهم وأصحاب الأوثان) المشركون (مع أوثانهم) بالمثلثة فيهما (وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم) ولأبي ذر عن الكشميهني: مع إلههم بكسر الهمزة وإسقاط الفوقية بلفظ الإفراد (حتى يبقى من كان يعبد الله) (من بر) بفتح الموحدة وتشديد الراء مطيع لربه (أو فاجر) منهمك في المعاصي والفجور (وغبرات) بضم الغين المعجمة وتشديد الموحدة بعدها راء فألف ففوقية والجر عطفًا على المجرور أو مرفوع عطفًا على مرفوع يبقى أي بقايا (من أهل الكتاب ثم يؤتى بجهنم تعرض) بضم الفوقية وفتح الراء (كأنها سراب) بالسن المهملة وهو ما يتراءى وسط النهار في الحر الشديد يلمع كالماء ولأبي ذر عن الحموي والمستملي السراب بالتعريف (فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير ابن الله) قال الجوهري منصرف لخفته وإن كان أعجميًّا مثل نوح ولوط لأنه تصغير عزر (فيقال) لهم (كذبتم) في كون عزير ابن الله (لم يكن لله صاحبة ولا ولد).
قال الكرماني، فإن قلت: إنهم كانوا صادقين في عبادة عزير قلت: كونه ابن الله. فإن قلت؟ المرجع هو الحكم الموقع لا الحكم المشار إليه فالصدق والكذب راجعان إلى الحكم بالعبادة لا إلى الحكم بكونه ابنًا. قلت: إن الكذب راجع إلى الحكم بالعبادة المقيدة وهي منتفية في الواقع باعتبار انتفاء قيدها أو هو في حكم القضيتين كأنهم قالوا عزير هو ابن الله ونحن كنا نعبده فكذبهم في القضية الأولى اهـ.
وقال البدر الدماميني: صرح أهل البيان بأن مورد الصدق والكذب هو النسبة التي يتضمنها الخبر فإذا قلت: زيد بن عمرو قائم فالصدق والكذب راجعان إلى القيام لا إلى بنوّة زيد، وهذا الحديث يردّ عليهم، وحاول بعض المتأخرين الجواب بأن قال: يراد كذبتم فى عبادتكم لعزير أو مسيح موصوف بهذه الصفة.
(فما تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا. فيقال) لهم (اشربوا فيتساقطون في جهنم) وفي تفسير سورة النساء. فماذا تبغون؟ فقالوا: عطشنا ربنا فاسقنا فيشار ألا تردون فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا فيتساقطون في النار (ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون فيقولون كنا نعبد المسيح ابن الله. فيقال: كذبتم) في كون المسيح ابن الله (لم يكن لله صاحبة ولا ولد فما تريددن؟ فيقولون نريد أن تسقينا فيقال: اشربوا فيتساقطون) زاد أبو ذر في جهنم (حتى يبقى من كان يعبد الله) عز جل (من بر أو فاجر. فيقال) لهم (ما يحبسكم) عن الذهاب ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ما يجلسكم بالجيم واللام (وقد ذهب الناس؟ فيقولون: فارقناهم) أي الناس الدين زاغوا عن الطاعة في الدنيا (ونحن أحوج منا إليه اليوم).
стр. 8154
قال البرماوي والعيني كالكرماني أي فارقنا الناس في الدنيا وكنا في ذلك الوقت أحوج منا في هذا اليوم، فكل واحد هو المفضل والمفضل عليه لكن باعتبار زمانين لم نحن فارقنا أقاربنا وأصحابنا ممن كانوا يحتاج إليهم في المعاش لزومًا لطاعتك ومقاطعة لأعدائك أعداء الدين وغرضهم فيه التضرع إلى الله تعالى في كشف هذه الشدة خوفًا من المصاحبة في النار يعني كما لم نكن مصاحبين لهم في الدنيا لا نكون مصاحبين لهم في الآخرة.
(وإنا سمعنا مناديًا ينادي: ليلحق) بالجزم على الأمر (كل قوم بما كانوا يعبدون وإنما ننتظر ربنا) زاد في النساء الذي كنا نعبد (قال: فيأتيهم الجبار) تعالى إتيانًا منزّهًا عن الحركة وسمات الحدوث (في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة) وقوله في صورة أي علامة وضعها لهم دليلاً على معرفته أو في صفة أو هي صورة الاعتقاد أو خرج على وجه المشاكلة، وقوله غير صورته قيل يشير به إلى ما عرفوه حي أخذ ذرية آدم من صلبه ثم أنساهم ذلك في الدنيا ثم يذكرهم بها في الآخرة (فيقول: أنا ربكم. فيقولون: أنت ربنا فلا يكلمه إلا الأنبياء فيقول): ولأبي ذر فيقال (هل بينكم وبينه آية) علامة (تعرفونه) بها؟ (فيقولون: الساق) بالسين المهملة والقاف، ويحتمل أن الله عرفهم على ألسنة الرسل من الأنبياء أو الملائكة أن الله جعل لهم علامة تجلية الساق وهو كما قال ابن عباس في تفسير ﴿يوم يكشف عن ساق﴾ [القلم: ٤٢] الشدّة من الأمر، والعرب تقول قامت الحرب على ساق إذا اشتدّت أو هو النور العظيم كما روي عن أبي موسى الأشعري، أو ما يتجدد للمؤمنين من الفوائد والألطاف كما قال ابن فورك، أو رحمة للمؤمنين نقمة لغيرهم قاله المهلب. (فيكشف) تعالى (عن ساقه) وقيل الساق يأتي بمعنى النفس أي تتجلى لهم ذاته المقدسة (فيسجد له كل مؤمن ويبقى من كان يسجد لله رياء) ليراه الناس (وسمعة) ليسمعهم (فيذهب كيما يسجد). قال العيني: كي هنا بمنزلة لام التعليل في المعنى والعمل دخلت على ما المصدرية بعدها أن مضمرة تقديره يذهب لأجل السجود. قال النووي: وهذا السجود امتحان من الله تعالى لعباده (فيعود ظهره طبقًا واحدًا) كالصحيفة فلا يقدر على السجود (ثم يؤتى بالجسر) بكسر الجيم في الفرع وتفتح والفتح هو الذي في اليونينية (فيجعل بين ظهري جهنم) بفتح الظاء المعجمة وسكون الهاء (قلنا يا رسول الله وما الجسر)؟ بفتح الجيم في الفرع كأصله (قال) ﵊: (مدحضة) بفتح الميم وسكون الدال وفتح الحاء المهملتين والضاد المعجمة المفتوحة (مزلة) بفتح الميم وكسر الزاي ويجوز فتحها وتشديد اللام والدحض ما يكون عند الزلق والمزلة موضع زلل الأقدام وفي رواية الكشميهني الدحض هو الزلق ليدحضوا بضم التحتية أي ليزلقوا زلقًا لا يثبت فيه قدم (عليه خطاطيف) جمع خطاف بضم الخاء المعجمة الحديدة المعوجة كالكلوب يختطف بها الشيء (وكلاليب) جمع كلوب (وحسكة) بالحاء والسين المهملتين وفتحات نبات مغروس في الأرض ذو شرك ينشبك فيه كل من مرّ به وربما اتخذ مثله من حديد وهو من آلات الحرب (مفلطحة) بضم الميم وفتح الفاء وسكون اللام وفتح الطاء والحاء المهملتين فهاء تأنيث فيها عرض واتساع وقال الأصمعي واسعة إلا على دقيقة الأسفل ولأبي ذر عن الكشميهني مطحلفة
стр. 8155
بتقديم الطاء والحاء على اللام وتأخير الفاء بعد اللام (لها شوكة عقيفاء) بضم العين المهملة وفتح القاف والفاء بينهما تحتية ساكنة مهموز ممدود معوجة ولأبوي الوقت وذر عقيفة بفتح العين وكسر القاف وسكون التحتية وفتح الفاء بعدها هاء تأنيث بوزن كريمة (تكون بنجد يقال لها السعدان) يمرّ (المؤمن عليها كالطرف) بفتح الطاء وسكون الراء أي كلمح البصر (وكالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل) جمع أجواد وأجواد جمع جواد وهي الفرس السابق الجيد (والركاب) بكسر الراء الإبل واحدتها الراحلة من غير لفظها (فناج مسلم) بفتح اللام المشدّدة (وناج مخدوش) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة آخره شين معجمة مخموش ممزق (ومكدوس) بميم مفتوحة فكاف ساكنة فدال مهملة مضمومة بعدها واو ساكنة فسين مهملة مصروع (في نار جهنم). والحاصل أنهم ثلاثة أقسام: قسم مسلم لا يناله شيء أصلاً، وقسم يخدش ثم يسلم ويخلص، وقسم يسقط في جهنم (حتى يمر آخرهم) أي آخر الناجين (يسحب) بضم أوّله وفتح ثالثه (سحبًا فما أنتم بأشد) خبر ما والخطاب للمؤمنين (لي مناشدة) نصب على التمييز أي مطالبة (في الحق) ظرف له (قد نبين لكم) جملة حالية من أشدّ وقوله (من المؤمن) صلة أشد (يومئذٍ للجبار) متعلق بمناشدة (وإذا) بالواو ولأبي ذر عن الكشميهني فإذا (رأوا أنهم قد نجوا في إخوانهم) متعلق أيضًا بمناشدة كالجبار.
قال في الكواكب: أي ليس طلبكم مني في الدنيا في شأن حق يكون ظاهرًا لكم أشدّ من طلب المؤمنين من الله في الآخرة من شأن نجاة إخوانهم من النار والغرض شدّة اعتناء المؤمنين بالشفاعة لإخوانهم وجمع الضمير والمؤمن مفرد باعتبار الجمع المراد من لفظ الجنس، ولأبي ذر عن الكشميهني: وبقي إخوانهم. قال الكرماني: وظاهر السياق يقتضى أن يكون قوله وإذا رأوا بدون الواو، ولكن قوله في إخوانهم مقدم عليه حكمًا وهذا خبر مبتدأ محذوف أي وذلك إذا رأوا نجاة أنفسهم وما بعده استئناف كلام وهو قوله:
(فيقولون). وقال العيني الذي يظهر من حل التركيب أن يقولون جواب إذا أي إذا رأوا نجاة أنفسهم يقولون (ربنا إخواننا الذين كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويعملون معنا). وقال الطيبي: هذا بيان لمناشدتهم في الآخرة (فيقول الله تعالى: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه) بقطع الهمزة من النار (ويحرّم الله) (صورهم على النار) تكريمًا لها للسجود (فيأتونهم) سقطت فيأتونهم لأبي ذر (وبعضهم قد غاب في النار إلى قدمه وإلى أنصاف ساقيه فيخرجون) بضم التحتية وكسر الراء (من عرفوا) من النار (ثم يعودون فيقول) الله تعالى (اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار) فيه أن الإيمان يزيد وينقص (فأخرجوه) منها (فيخرجون) منها (من عرفوا ثم يعودون فيقول) تعالى لهم: (اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان) بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء قيل إن مائة نملة وزن حبة والذرة واحدة منها وقيل الذرة ليس لها وزن ويراد بها ما يرى في شعاع الشمس (فأخرجوه فيخرجون من عرفوا) منها.
(قال أبو سعيد) الخدري ﵁ (فإن لم تصدقوا) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فإذا
стр. 8156
لم تصدقوني (فاقرؤوا: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها﴾ [النساء: ٤٠]) يضاعف ثوابها وأنّث ضمير المثقال لكونه مضافًا إلى مؤنث والتجزئ المذكور هنا شيء زاد على مجرد الإيمان الذي هو التصديق الذي لا يتجزأ فالزائد عليه يكون بعمل صالح كذكر خفي أو عمل من أعمال القلوب من شفقة على مسكين أو خوف منه تعالى أو نيّة صالحة أو غير ذلك (فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون فيقول الجبار) تعالى. قال الحافظ ابن حجر: قرأت في تنقيح الزركشي إن قوله فيقول الله زيادة ضعيفة لأنها غير متصلة قال، وهذا غلط منه فإنها متصلة هنا ثم إن لفظ حديث أبي سعيد هنا ليس كما ساقه الزركشي، وإنما فيه فيقول الجبار (بقيت شفاعتي فيقبض قبضة من النار فيخرج) تعالى (أقوامًا) وهم الذين معهم مجرد الإيمان ولم يأذن فيهم بالشفاعة حال كونهم (قد امتحشوا) بضم الفوقية وكسر المهملة بعدها معجمة احترقوا (فيلقون) بضم التحتية وسكون اللام وفتح القاف (في نهر بأفواه الجنة) جمع فوّهة بضم الفاء وتشديد الواو المفتوحة سمع من العرب على غير قياس وأفواه الأزقة والأنهار أوائلها والمراد هنا مفتتح مسالك قصور الجنة (يقال له ماء الحياة) وسقط لأبي ذر لفظ ماء (فينبتون في حافتيه) تثنية حافة بتخفيف الفاء أي جانبي النهر (كما تنبت الحبة) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة اسم جامع لحبوب البقول (في حميل السيل) ما يحمله من نحو طين فإذا اتفقت فيه الحبة واستقرت على شط مجرى السيل نبتت في يوم وليلة فشبه به لسرعة نباته وحسنه (قد رأيتموها إلى جانب الصخرة إلى) ولأبي ذر وإلى (جانب الشجرة فما كان إلى) جهة (الشمس منها كان أخضر وما كان منها إلى) جهة (الظل كان أبيض فيخرجون كأنهم اللؤلؤ) بياضًا ونضارة (فيجعل) بضم التحتية وفتح العين (في رقابهم الخواتيم) شيء من ذهب أو غيره علامة يعرفون بها (فيدخلون الجنة فيقول أهل الجنة هؤلاء عتقاء الرحمن أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه) في الدنيا (ولا خير قدموه) فيها بل برحمته تعالى ومجرد الإيمان دون أمر زائد من عمل صالح (فيقال لهم) إذا نظروا في الجنة إلى أشياء ينتهي إليها بصرهم (لكم ما رأيتم ومثله معه).
وفيه: أن جماعة من مذنبي هذه الأم يعذبون بالنار، ثم يخرجون بالشفاعة والرحمة خلافًا لمن نفى ذلك عن هذه الأمة، وتأول ما ورد بضروب متكلفة والنصوص الصريحة متضافرة متظاهرة بثبوت ذلك وإن تعذيب الموحدين بخلاف تعذيب الكفار لاختلاف مراتبهم من أخذ النار بعضهم إلى الساق، وأنها لا تأكل أثر السجود وأنهم يموتون على ما ورد في حديث أبي سعيد بلفظ: يموتون فيها إماتة فيكون عذابهم فيها إحراقهم وحبسهم عن دخول الجنة سريعًا كالمسجونين بخلاف الكفار الذين لا يموتون أصلاً ليذوقوا العذاب ولا يحيون حياة يستريحون بها على أن بعض أهل العلم أول حديث أبي سعيد بأنه ليس المراد أنه يحصل لهم الموت حقيقة، وإنما هو كناية عن غيبة إحساسهم وذلك للرفق أو كنى عن النوم بالموت، وقد سمى الله النوم وفاة.
والحديث سبق في تفسير سورة النساء، لكن باختصار في آخره قال البخاري بالسند إليه.
стр. 8157
٧٤٤٠ - وَقَالَ حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ: حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: «يُحْبَسُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُهِمُّوا بِذَلِكَ فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا فَيُرِيحُنَا مِنْ مَكَانِنَا فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ أَنْتَ آدَمُ أَبُو النَّاسِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَأَسْكَنَكَ جَنَّتَهُ وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَىْءٍ لِتَشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا قَالَ: فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، قَالَ: وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِى أَصَابَ أَكْلَهُ مِنَ الشَّجَرَةِ وَقَدْ نُهِىَ عَنْهَا، وَلَكِنِ ائْتُوا نُوحًا أَوَّلَ نَبِىٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ، فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِى أَصَابَ سُؤَالَهُ رَبَّهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَلَكِنِ ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ قَالَ: فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُ: إِنِّى لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ ثَلَاثَ كَلِمَاتٍ كَذَبَهُنَّ، وَلَكِنِ ائْتُوا مُوسَى عَبْدًا آتَاهُ اللَّهُ التَّوْرَاةَ وَكَلَّمَهُ وَقَرَّبَهُ نَجِيًّا قَالَ: فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ: إِنِّى لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِى أَصَابَ قَتْلَهُ النَّفْسَ وَلَكِنِ ائْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ وَرُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ، قَالَ: فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ وَلَكِنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ عَبْدًا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَأْتُونِى فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّى فِى دَارِهِ فَيُؤْذَنُ لِى عَلَيْهِ فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِى مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِى فَيَقُولُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ وَقُلْ يُسْمَعْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ وَسَلْ تُعْطَ قَالَ: فَأَرْفَعُ رَأْسِى فَأُثْنِى عَلَى رَبِّى بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِى حَدًّا، فَأَخْرُجُ فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ». قَالَ قَتَادَةُ: وَسَمِعْتُهُ أَيْضًا يَقُولُ: «فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّى فِى دَارِهِ فَيُؤْذَنُ لِى عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِى مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِى ثُمَّ يَقُولُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ وَقُلْ يُسْمَعْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ وَسَلْ تُعْطَ قَالَ: فَأَرْفَعُ رَأْسِى فَأُثْنِى عَلَى رَبِّى بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ قَالَ: ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِى حَدًّا فَأَخْرُجُ فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ». قَالَ قَتَادَةُ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ الثَّالِثَةَ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّى فِى دَارِهِ فَيُؤْذَنُ لِى عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِى مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِى ثُمَّ يَقُولُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ وَقُلْ يُسْمَعْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ وَسَلْ تُعْطَهْ قَالَ: فَأَرْفَعُ رَأْسِى فَأُثْنِى عَلَى رَبِّى بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ قَالَ: ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِى حَدًّا فَأَخْرُجُ فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ». قَالَ قَتَادَةُ: وَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ حَتَّى مَا يَبْقَى فِى النَّارِ إِلاَّ مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ أَىْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ قَالَ: ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] قَالَ: وَهَذَا الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِى وُعِدَهُ نَبِيُّكُمْ ﷺ ».
(وقال حجاج بن منهال) بكسر الميم وهو أحد مشايخ المؤلف ولعله سمعه منه في المذاكرة ونحوها (حدّثنا همام بن يحيى) بفتح الهاء وتشديد الميم العوذي الحافظ قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة السدوسي (عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال):
(يحبس المؤمنون يوم القيامة حتى يهموا) بضم أوّله وكسر الهاء ولأبي ذر بفتح الياء وضم
стр. 8158
الهاء يحزنوا (بذلك) الحبس وقول الزركشي هذه الإشارة إلى المذكور بعده وهو حديث الشفاعة، تعقبه في المصابيح فقال: هو تكلف لا داعي له، والظاهر أن الإشارة راجعة إلى الحبس المذكور بقوله يحبس المؤمنون حتى يهموا (فيقولون: لو استشفعنا) لو طلبنا من يشفع لنا (إلى ربنا فيريحنا من مكاننا) برفع فيريحنا في الفرع. وقال الدماميني بالنصب لوقوعه في جواب التمني المدلول عليه بلو أي ليت لنا استشفاعًا فإراحة فيخلصنا مما نحن فيه من الحبس والكرب (فيأتون آدم) ﵇ (فيقولون) له (أنت آدم) من باب قوله:
أنا أبو النجم وشعري شعري
وهو مبهم فيه معنى الكمال لا يعلم ما يراد منه ففسره بقوله: (أبو الناس خلقك الله بيده) زيادة في الخصوصية والله تعالى منزه عن الجارحة (وأسكنت جنته وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء) وضع شيء موضع أشياء أي المسميات إرادة للتقصي واحدًا فواحدًا حتى يستغرق المسميات كلها (لتشفع) بلام الطلب ولأبي ذر عن الكشميهني والمستملي اشفع (لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا قال فيقول) لهم: (لست هناكم) أي لست في مقام الشفاعة (قال: ويذكر خطيئته التي أصاب) والراجع إلى الموصول محذوف أي التي أصابها (أكله من الشجرة) بنصب أكله بدلاً من خطيئته ويجوز أن يكون بيانًا للضمير المبهم المحذوف نحو قوله تعالى: ﴿فقضاهن سبع سماوات﴾ [فصّلت: ١٢] (وقد نهى عنها ولكن ائتوا نوحًا أول نبي بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض) الموجودين بعد الطوفان (فيأتون نوحًا) فيسألونه (فيقول: لست هناكم ويذكر خطيئته التي أصاب سؤاله ربه بغير علم) يشير إلى قوله: ﴿رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق﴾ [هود: ٤٥] (ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن قال: فيأتون إبراهيم) ﵇ (فيقول: إني لست هناكم ويذكر ثلاث كلمات) ولأبي ذر عن الكشميهني كذبات بفتحات (كذبهن) إحداها قوله: ﴿إني سقيم﴾ [الصافات: ٨٩] والأخرى ﴿بل فعله كبيرهم﴾ [الأنبياء: ٦٣] والثالثة قوله لسارة: ﴿هي أختي﴾ والحق أنها معاريض لكن لما كانت صورتها صورة الكذب أشفق منها ومن كان أعرف فهو أخوف (ولكن ائتوا موسى عبدًا آتاه الله التوراة وكلمه وقربه نجيًّا) مناجيًا (قال فيأتون موسى) ﵇ (فيقول: إني لست هناكم ويذكر خطيئته التي أصاب قتله النفس، ولكن ائتوا عيسى) ﵇ (عبد الله ورسوله وروح الله وكلمته) التي ألقاها إلى مريم (قال: فيأتون عيسى فيقول: لست هناكم ولكن ائتوا محمدًا ﷺ عبدًا غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر). وإنما لم يلهموا إتيان نبينا ﷺ وسؤاله في الابتداء إظهارًا لشرفه وفضله فإنهم لو سألوه ابتداء لاحتمل أن غيره يقوم بذلك ففي ذلك دلالة على تفضيله على جميع المخلوقين زاده الله تشريفًا وتكريمًا قال ﷺ : (فيأتون) ولأبي ذر عن الكشميهني والمستملي فيأتونني (فأستأذن) في الدخول (على ربي في داره) أي جنته التي اتخذها لأوليائه والإضافة للتشريف وقال في المصابيح أي أستأذن ربي في حال كوني فى جنته فأضاف الدار إليه تشريفًا (فيؤذن لي عليه فإذا رأيته) تعالى (وقعت ساجدًا فيدعني ما شاء الله أن يدعني) وفي مسند أحمد أن
стр. 8159
هذه السجدة مقدار جمعة من جمع الدنيا (فيقول) تعالى: (ارفع محمد) رأسك (وقل يسمع) لقولك (واشفع تشفع) أي تقبل شفاعتك (وسل تعط) سؤالك (قال) رسول الله ﷺ (فارفع رأسي) من السجود (فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلّمنيه) . قال: (ثم أشفع فيحد لي حدًّا) أي فيعين لي طائفة معينة (فأخرج) من داره (فأدخلهم الجنة). بعد أن أخرجهم من النار.
(قال قتادة) بن دعامة بالسند السابق (و) قد (سمعته أيضًا) أي أنسًا (يقول: فأخرج) من داره (فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة) بضم الهمزة فيهما (ثم أعود فأستأذن) ولأبي ذر عن الكشميهني والمستملي ثم أعود الثانية فأستأذن (على ربي في داره) الجنة (فيؤذن لي عليه فإذا رأيته) تعالى (وقعت ساجدًا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقول) تعالى (ارفع محمد وقل يسمع واشفع تشفع وسل تعطه) بهاء السكت في هذه دون الأولى لكن الذي في اليونينية بإسقاط الهاء فيهما (قال: فأرفع رأسي على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه قال ثم أشفع فيحد لي حدًّا فأخرج) بفتح الهمزة (فأدخلهم الجنة. قال قتادة) بالسند (وسمعته) أي أنسًا، وللكشميهني: أيضًا (يقول: فأخرج فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة ثم أعود الثالثة فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه فإذا رأيته وقعت ساجدًا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقول ارفع محمد وقل يسمع واشفع تشفع وسل تعطه قال فأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلّمنيه قال ثم أشفع فيحد لي حدًّا فأخرج فأدخلهم الجنة. قال قتادة: وقد سمعته) أي سمعت أنسًا زاد الكشميهني أيضًا (يقول: فأخرج) بفتح الهمزة (فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة حتى ما يبقى في النار إلا من حبسه القرآن أي وجب عليه الخلود) بنص القرآن وهم الكفار. (قال: ثم تلا الآية) ولأبي ذر عن الكشميهني هذه الآية (﴿عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] قال: وهذا المقام المحمود الذي وعده) بضم الواو وكسر العين (نبيكم ﷺ ¬).
وهذا الحديث وقع هنا معلقًا ووصله الإسماعيلي من طريق إسحاق بن إبراهيم وأبو نعيم من طريق محمد بن أسلم الطوسي قالا: حدّثنا حجاج بن منهال فذكره بطوله، وساقوا الحديث كله إلا أبا ذر فقال بعد قوله حتى يهموا بذلك، وذكر الحديث بطوله وعنده يهموا بفتح التحتية وضم الهاء وساق النسفي منه إلى قوله: خلقك الله بيده ثم قال: فذكر الحديث وثبت من قوله فيقولون لو استشفعنا إلى آخر قوله: المحمود الذي وعده نبيكم ﷺ للمستملي والكشميهني.
٧٤٤١ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِى عَمِّى حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرْسَلَ إِلَى الأَنْصَارِ فَجَمَعَهُمْ فِى قُبَّةٍ وَقَالَ لَهُمُ: «اصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوُا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنِّى عَلَى الْحَوْضِ».
وبه قال: (حدّثنا عبيد الله) بضم العين (ابن سعد بن إبراهيم) بسكونها قال: (حدّثني) بالإفراد (عمي) يعقوب بن إبراهيم بن سعد قال: (حدّثنا أبي) إبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن عوف (عن صالح) هو ابن كيسان (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه (قال: حدّثني)
стр. 8160
بالإفراد (أنس بن مالك) ﵁ (أن رسول الله ﷺ ¬) لما أفاء الله عليه ما أفاء من أموال هوازن طفق ﷺ يعطي رجالاً من قريش وبلغه قول الأنصار يعطيهم ويدعنا (أرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة وقال لهم: اصبروا حتى تلقوا الله ورسوله) أي حتى تموتوا (فإني على الحوض) وفيه ردّ على المعتزلة في إنكارهم الحوض وفي أوائل الفتن من رواية أنس عن أسيد بن الحضير في قصة فيها فسترون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض، والغرض من الحديث هنا قوله حتى تلقوا الله فإنها زيادة لم تقع في بقية الطرق. قاله الحافظ ابن حجر.
٧٤٤٢ - حَدَّثَنِى ثَابِتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ، عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا تَهَجَّدَ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، أَنْتَ الْحَقُّ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ خَاصَمْتُ وَبِكَ حَاكَمْتُ فَاغْفِرْ لِى مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّى لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ وَأَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ طَاوُسٍ قَيَّامٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ الْقَيُّومُ: الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ، وَقَرَأَ عُمَرُ الْقَيَّامُ وَكِلَاهُمَا مَدْحٌ.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر، حدّثنا (ثابت بن محمد) بالمثلثة والموحدة أبو إسماعيل العابد الكوفي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (عن سليمان الأحول) بن أبي مسلم المكي (عن طاوس) أبي عبد الرحمن بن كيسان (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: كان النبي ﷺ إذا تهجد من الليل قال):
(اللهم ربنا لك الحمد أنت قيم السماوات والأرض) الذي يقوم بحفظهما وحفظ من أحاطتا به واشتملتا عليه تؤتي كلامًا به قوامه وتقوم على كل شيء من خلقك بما تراه من التدبير (ولك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن) فهو رب كل شيء ومليكه وكافله ومغذيه ومصلحه العوّاد عليه بنعمه (ولك الحمد أنت نور السنوات والأرض ومن فيهن) أي منوّر ذلك. والعرب تسمي الشيء باسم الشيء إذا كان منه تسبب فهو بمعنى اسمه الهادي لأنه يهدي بالنور الظاهر الأبصار إلى المبصرات الظاهرة ويهدي بالنور الباطن البصائر الباطنة إلى المعارف الباطنة فهو إذًا منوّر السماوات والأرض وهو النور الذي أنار كل شيء ظاهرًا وباطنًا وإذا كان هو النور لأن منه النور وبالنور نور البصائر وأنار الآفاق والأقطار فهو صفة فعل (أنت الحق) المتحقق وجوده (وقولك الحق) أي مدلوله ثابت (ووعدك الحق) لا يدخله خلف ولا شك في وقوعه (ولقاؤك الحق) أي رؤيتك في الآخرة حيث لا مانع (والجنة حق والنار حق) كلٌّ منهما موجود (والساعة) أي قيامها (حق اللهم لك أسلمت) أي انقدت لأمرك ونهيك (وبك آمنت) أي صدقت بك وبما
следующие страницы →