← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21716

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط العلمية

القسطلاني

Полный текст (8 298 стр.). Показаны 8156–8195 · переход к 8161.

стр. 8156

لم تصدقوني (فاقرؤوا: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها﴾ [النساء: ٤٠]) يضاعف ثوابها وأنّث ضمير المثقال لكونه مضافًا إلى مؤنث والتجزئ المذكور هنا شيء زاد على مجرد الإيمان الذي هو التصديق الذي لا يتجزأ فالزائد عليه يكون بعمل صالح كذكر خفي أو عمل من أعمال القلوب من شفقة على مسكين أو خوف منه تعالى أو نيّة صالحة أو غير ذلك (فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون فيقول الجبار) تعالى. قال الحافظ ابن حجر: قرأت في تنقيح الزركشي إن قوله فيقول الله زيادة ضعيفة لأنها غير متصلة قال، وهذا غلط منه فإنها متصلة هنا ثم إن لفظ حديث أبي سعيد هنا ليس كما ساقه الزركشي، وإنما فيه فيقول الجبار (بقيت شفاعتي فيقبض قبضة من النار فيخرج) تعالى (أقوامًا) وهم الذين معهم مجرد الإيمان ولم يأذن فيهم بالشفاعة حال كونهم (قد امتحشوا) بضم الفوقية وكسر المهملة بعدها معجمة احترقوا (فيلقون) بضم التحتية وسكون اللام وفتح القاف (في نهر بأفواه الجنة) جمع فوّهة بضم الفاء وتشديد الواو المفتوحة سمع من العرب على غير قياس وأفواه الأزقة والأنهار أوائلها والمراد هنا مفتتح مسالك قصور الجنة (يقال له ماء الحياة) وسقط لأبي ذر لفظ ماء (فينبتون في حافتيه) تثنية حافة بتخفيف الفاء أي جانبي النهر (كما تنبت الحبة) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة اسم جامع لحبوب البقول (في حميل السيل) ما يحمله من نحو طين فإذا اتفقت فيه الحبة واستقرت على شط مجرى السيل نبتت في يوم وليلة فشبه به لسرعة نباته وحسنه (قد رأيتموها إلى جانب الصخرة إلى) ولأبي ذر وإلى (جانب الشجرة فما كان إلى) جهة (الشمس منها كان أخضر وما كان منها إلى) جهة (الظل كان أبيض فيخرجون كأنهم اللؤلؤ) بياضًا ونضارة (فيجعل) بضم التحتية وفتح العين (في رقابهم الخواتيم) شيء من ذهب أو غيره علامة يعرفون بها (فيدخلون الجنة فيقول أهل الجنة هؤلاء عتقاء الرحمن أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه) في الدنيا (ولا خير قدموه) فيها بل برحمته تعالى ومجرد الإيمان دون أمر زائد من عمل صالح (فيقال لهم) إذا نظروا في الجنة إلى أشياء ينتهي إليها بصرهم (لكم ما رأيتم ومثله معه). وفيه: أن جماعة من مذنبي هذه الأم يعذبون بالنار، ثم يخرجون بالشفاعة والرحمة خلافًا لمن نفى ذلك عن هذه الأمة، وتأول ما ورد بضروب متكلفة والنصوص الصريحة متضافرة متظاهرة بثبوت ذلك وإن تعذيب الموحدين بخلاف تعذيب الكفار لاختلاف مراتبهم من أخذ النار بعضهم إلى الساق، وأنها لا تأكل أثر السجود وأنهم يموتون على ما ورد في حديث أبي سعيد بلفظ: يموتون فيها إماتة فيكون عذابهم فيها إحراقهم وحبسهم عن دخول الجنة سريعًا كالمسجونين بخلاف الكفار الذين لا يموتون أصلاً ليذوقوا العذاب ولا يحيون حياة يستريحون بها على أن بعض أهل العلم أول حديث أبي سعيد بأنه ليس المراد أنه يحصل لهم الموت حقيقة، وإنما هو كناية عن غيبة إحساسهم وذلك للرفق أو كنى عن النوم بالموت، وقد سمى الله النوم وفاة. والحديث سبق في تفسير سورة النساء، لكن باختصار في آخره قال البخاري بالسند إليه.

стр. 8157

٧٤٤٠ - وَقَالَ حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ: حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: «يُحْبَسُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُهِمُّوا بِذَلِكَ فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا فَيُرِيحُنَا مِنْ مَكَانِنَا فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ أَنْتَ آدَمُ أَبُو النَّاسِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَأَسْكَنَكَ جَنَّتَهُ وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَىْءٍ لِتَشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا قَالَ: فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، قَالَ: وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِى أَصَابَ أَكْلَهُ مِنَ الشَّجَرَةِ وَقَدْ نُهِىَ عَنْهَا، وَلَكِنِ ائْتُوا نُوحًا أَوَّلَ نَبِىٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ، فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِى أَصَابَ سُؤَالَهُ رَبَّهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَلَكِنِ ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ قَالَ: فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُ: إِنِّى لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ ثَلَاثَ كَلِمَاتٍ كَذَبَهُنَّ، وَلَكِنِ ائْتُوا مُوسَى عَبْدًا آتَاهُ اللَّهُ التَّوْرَاةَ وَكَلَّمَهُ وَقَرَّبَهُ نَجِيًّا قَالَ: فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ: إِنِّى لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِى أَصَابَ قَتْلَهُ النَّفْسَ وَلَكِنِ ائْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ وَرُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ، قَالَ: فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ وَلَكِنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ عَبْدًا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَأْتُونِى فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّى فِى دَارِهِ فَيُؤْذَنُ لِى عَلَيْهِ فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِى مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِى فَيَقُولُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ وَقُلْ يُسْمَعْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ وَسَلْ تُعْطَ قَالَ: فَأَرْفَعُ رَأْسِى فَأُثْنِى عَلَى رَبِّى بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِى حَدًّا، فَأَخْرُجُ فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ». قَالَ قَتَادَةُ: وَسَمِعْتُهُ أَيْضًا يَقُولُ: «فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّى فِى دَارِهِ فَيُؤْذَنُ لِى عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِى مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِى ثُمَّ يَقُولُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ وَقُلْ يُسْمَعْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ وَسَلْ تُعْطَ قَالَ: فَأَرْفَعُ رَأْسِى فَأُثْنِى عَلَى رَبِّى بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ قَالَ: ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِى حَدًّا فَأَخْرُجُ فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ». قَالَ قَتَادَةُ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ الثَّالِثَةَ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّى فِى دَارِهِ فَيُؤْذَنُ لِى عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِى مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِى ثُمَّ يَقُولُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ وَقُلْ يُسْمَعْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ وَسَلْ تُعْطَهْ قَالَ: فَأَرْفَعُ رَأْسِى فَأُثْنِى عَلَى رَبِّى بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ قَالَ: ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِى حَدًّا فَأَخْرُجُ فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ». قَالَ قَتَادَةُ: وَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ حَتَّى مَا يَبْقَى فِى النَّارِ إِلاَّ مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ أَىْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ قَالَ: ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] قَالَ: وَهَذَا الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِى وُعِدَهُ نَبِيُّكُمْ ﷺ ». (وقال حجاج بن منهال) بكسر الميم وهو أحد مشايخ المؤلف ولعله سمعه منه في المذاكرة ونحوها (حدّثنا همام بن يحيى) بفتح الهاء وتشديد الميم العوذي الحافظ قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة السدوسي (عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال): (يحبس المؤمنون يوم القيامة حتى يهموا) بضم أوّله وكسر الهاء ولأبي ذر بفتح الياء وضم

стр. 8158

الهاء يحزنوا (بذلك) الحبس وقول الزركشي هذه الإشارة إلى المذكور بعده وهو حديث الشفاعة، تعقبه في المصابيح فقال: هو تكلف لا داعي له، والظاهر أن الإشارة راجعة إلى الحبس المذكور بقوله يحبس المؤمنون حتى يهموا (فيقولون: لو استشفعنا) لو طلبنا من يشفع لنا (إلى ربنا فيريحنا من مكاننا) برفع فيريحنا في الفرع. وقال الدماميني بالنصب لوقوعه في جواب التمني المدلول عليه بلو أي ليت لنا استشفاعًا فإراحة فيخلصنا مما نحن فيه من الحبس والكرب (فيأتون آدم) ﵇ (فيقولون) له (أنت آدم) من باب قوله: أنا أبو النجم وشعري شعري وهو مبهم فيه معنى الكمال لا يعلم ما يراد منه ففسره بقوله: (أبو الناس خلقك الله بيده) زيادة في الخصوصية والله تعالى منزه عن الجارحة (وأسكنت جنته وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء) وضع شيء موضع أشياء أي المسميات إرادة للتقصي واحدًا فواحدًا حتى يستغرق المسميات كلها (لتشفع) بلام الطلب ولأبي ذر عن الكشميهني والمستملي اشفع (لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا قال فيقول) لهم: (لست هناكم) أي لست في مقام الشفاعة (قال: ويذكر خطيئته التي أصاب) والراجع إلى الموصول محذوف أي التي أصابها (أكله من الشجرة) بنصب أكله بدلاً من خطيئته ويجوز أن يكون بيانًا للضمير المبهم المحذوف نحو قوله تعالى: ﴿فقضاهن سبع سماوات﴾ [فصّلت: ١٢] (وقد نهى عنها ولكن ائتوا نوحًا أول نبي بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض) الموجودين بعد الطوفان (فيأتون نوحًا) فيسألونه (فيقول: لست هناكم ويذكر خطيئته التي أصاب سؤاله ربه بغير علم) يشير إلى قوله: ﴿رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق﴾ [هود: ٤٥] (ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن قال: فيأتون إبراهيم) ﵇ (فيقول: إني لست هناكم ويذكر ثلاث كلمات) ولأبي ذر عن الكشميهني كذبات بفتحات (كذبهن) إحداها قوله: ﴿إني سقيم﴾ [الصافات: ٨٩] والأخرى ﴿بل فعله كبيرهم﴾ [الأنبياء: ٦٣] والثالثة قوله لسارة: ﴿هي أختي﴾ والحق أنها معاريض لكن لما كانت صورتها صورة الكذب أشفق منها ومن كان أعرف فهو أخوف (ولكن ائتوا موسى عبدًا آتاه الله التوراة وكلمه وقربه نجيًّا) مناجيًا (قال فيأتون موسى) ﵇ (فيقول: إني لست هناكم ويذكر خطيئته التي أصاب قتله النفس، ولكن ائتوا عيسى) ﵇ (عبد الله ورسوله وروح الله وكلمته) التي ألقاها إلى مريم (قال: فيأتون عيسى فيقول: لست هناكم ولكن ائتوا محمدًا ﷺ عبدًا غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر). وإنما لم يلهموا إتيان نبينا ﷺ وسؤاله في الابتداء إظهارًا لشرفه وفضله فإنهم لو سألوه ابتداء لاحتمل أن غيره يقوم بذلك ففي ذلك دلالة على تفضيله على جميع المخلوقين زاده الله تشريفًا وتكريمًا قال ﷺ : (فيأتون) ولأبي ذر عن الكشميهني والمستملي فيأتونني (فأستأذن) في الدخول (على ربي في داره) أي جنته التي اتخذها لأوليائه والإضافة للتشريف وقال في المصابيح أي أستأذن ربي في حال كوني فى جنته فأضاف الدار إليه تشريفًا (فيؤذن لي عليه فإذا رأيته) تعالى (وقعت ساجدًا فيدعني ما شاء الله أن يدعني) وفي مسند أحمد أن

стр. 8159

هذه السجدة مقدار جمعة من جمع الدنيا (فيقول) تعالى: (ارفع محمد) رأسك (وقل يسمع) لقولك (واشفع تشفع) أي تقبل شفاعتك (وسل تعط) سؤالك (قال) رسول الله ﷺ (فارفع رأسي) من السجود (فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلّمنيه) . قال: (ثم أشفع فيحد لي حدًّا) أي فيعين لي طائفة معينة (فأخرج) من داره (فأدخلهم الجنة). بعد أن أخرجهم من النار. (قال قتادة) بن دعامة بالسند السابق (و) قد (سمعته أيضًا) أي أنسًا (يقول: فأخرج) من داره (فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة) بضم الهمزة فيهما (ثم أعود فأستأذن) ولأبي ذر عن الكشميهني والمستملي ثم أعود الثانية فأستأذن (على ربي في داره) الجنة (فيؤذن لي عليه فإذا رأيته) تعالى (وقعت ساجدًا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقول) تعالى (ارفع محمد وقل يسمع واشفع تشفع وسل تعطه) بهاء السكت في هذه دون الأولى لكن الذي في اليونينية بإسقاط الهاء فيهما (قال: فأرفع رأسي على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه قال ثم أشفع فيحد لي حدًّا فأخرج) بفتح الهمزة (فأدخلهم الجنة. قال قتادة) بالسند (وسمعته) أي أنسًا، وللكشميهني: أيضًا (يقول: فأخرج فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة ثم أعود الثالثة فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه فإذا رأيته وقعت ساجدًا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقول ارفع محمد وقل يسمع واشفع تشفع وسل تعطه قال فأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلّمنيه قال ثم أشفع فيحد لي حدًّا فأخرج فأدخلهم الجنة. قال قتادة: وقد سمعته) أي سمعت أنسًا زاد الكشميهني أيضًا (يقول: فأخرج) بفتح الهمزة (فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة حتى ما يبقى في النار إلا من حبسه القرآن أي وجب عليه الخلود) بنص القرآن وهم الكفار. (قال: ثم تلا الآية) ولأبي ذر عن الكشميهني هذه الآية (﴿عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] قال: وهذا المقام المحمود الذي وعده) بضم الواو وكسر العين (نبيكم ﷺ ¬). وهذا الحديث وقع هنا معلقًا ووصله الإسماعيلي من طريق إسحاق بن إبراهيم وأبو نعيم من طريق محمد بن أسلم الطوسي قالا: حدّثنا حجاج بن منهال فذكره بطوله، وساقوا الحديث كله إلا أبا ذر فقال بعد قوله حتى يهموا بذلك، وذكر الحديث بطوله وعنده يهموا بفتح التحتية وضم الهاء وساق النسفي منه إلى قوله: خلقك الله بيده ثم قال: فذكر الحديث وثبت من قوله فيقولون لو استشفعنا إلى آخر قوله: المحمود الذي وعده نبيكم ﷺ للمستملي والكشميهني. ٧٤٤١ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِى عَمِّى حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرْسَلَ إِلَى الأَنْصَارِ فَجَمَعَهُمْ فِى قُبَّةٍ وَقَالَ لَهُمُ: «اصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوُا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنِّى عَلَى الْحَوْضِ». وبه قال: (حدّثنا عبيد الله) بضم العين (ابن سعد بن إبراهيم) بسكونها قال: (حدّثني) بالإفراد (عمي) يعقوب بن إبراهيم بن سعد قال: (حدّثنا أبي) إبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن عوف (عن صالح) هو ابن كيسان (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه (قال: حدّثني)

стр. 8160

بالإفراد (أنس بن مالك) ﵁ (أن رسول الله ﷺ ¬) لما أفاء الله عليه ما أفاء من أموال هوازن طفق ﷺ يعطي رجالاً من قريش وبلغه قول الأنصار يعطيهم ويدعنا (أرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة وقال لهم: اصبروا حتى تلقوا الله ورسوله) أي حتى تموتوا (فإني على الحوض) وفيه ردّ على المعتزلة في إنكارهم الحوض وفي أوائل الفتن من رواية أنس عن أسيد بن الحضير في قصة فيها فسترون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض، والغرض من الحديث هنا قوله حتى تلقوا الله فإنها زيادة لم تقع في بقية الطرق. قاله الحافظ ابن حجر. ٧٤٤٢ - حَدَّثَنِى ثَابِتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ، عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا تَهَجَّدَ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، أَنْتَ الْحَقُّ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ خَاصَمْتُ وَبِكَ حَاكَمْتُ فَاغْفِرْ لِى مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّى لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ وَأَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ طَاوُسٍ قَيَّامٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ الْقَيُّومُ: الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ، وَقَرَأَ عُمَرُ الْقَيَّامُ وَكِلَاهُمَا مَدْحٌ. وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر، حدّثنا (ثابت بن محمد) بالمثلثة والموحدة أبو إسماعيل العابد الكوفي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (عن سليمان الأحول) بن أبي مسلم المكي (عن طاوس) أبي عبد الرحمن بن كيسان (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: كان النبي ﷺ إذا تهجد من الليل قال): (اللهم ربنا لك الحمد أنت قيم السماوات والأرض) الذي يقوم بحفظهما وحفظ من أحاطتا به واشتملتا عليه تؤتي كلامًا به قوامه وتقوم على كل شيء من خلقك بما تراه من التدبير (ولك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن) فهو رب كل شيء ومليكه وكافله ومغذيه ومصلحه العوّاد عليه بنعمه (ولك الحمد أنت نور السنوات والأرض ومن فيهن) أي منوّر ذلك. والعرب تسمي الشيء باسم الشيء إذا كان منه تسبب فهو بمعنى اسمه الهادي لأنه يهدي بالنور الظاهر الأبصار إلى المبصرات الظاهرة ويهدي بالنور الباطن البصائر الباطنة إلى المعارف الباطنة فهو إذًا منوّر السماوات والأرض وهو النور الذي أنار كل شيء ظاهرًا وباطنًا وإذا كان هو النور لأن منه النور وبالنور نور البصائر وأنار الآفاق والأقطار فهو صفة فعل (أنت الحق) المتحقق وجوده (وقولك الحق) أي مدلوله ثابت (ووعدك الحق) لا يدخله خلف ولا شك في وقوعه (ولقاؤك الحق) أي رؤيتك في الآخرة حيث لا مانع (والجنة حق والنار حق) كلٌّ منهما موجود (والساعة) أي قيامها (حق اللهم لك أسلمت) أي انقدت لأمرك ونهيك (وبك آمنت) أي صدقت بك وبما

стр. 8161

أنزلت (وعليك توكلت) أي فوّضت أمري إليك (وإليك خاصمت) من خاصمني من الكفار (وبك) وبما آتيتني من البراهين والحجج (حاكمت) من خاصمني من الكفار (فاغفر لي ما قدّمت وما أخّرت وأسررت وأعلنت وما أنت أعلم به مني لا إله إلا أنت). قاله تواضعًا وإجلالاً لله تعالى وتعليمًا لأمته. (قال أبو عبد الله) محمد بن إسماعيل البخاري (قال قيس بن سعد) وسقط لأبي ذر قال أبو عبد الله وأثبت الواو في قوله وقال قيس بن سعد بسكون العين المكيّ الحنظليّ فيما وصله مسلم وأبو داود (وأبو الزبير) محمد بن مسلم بن تدرس القرشي الأسدي مما وصله مالك في موطئه (عن طاوس قيام) بفتح التحتية المشددة فألف بوزن فعال بالتشديد صيغة مبالغة. (وقال مجاهد) المفسر فيما وصله الفريابي (القيوم) هو (القائم على كل شيء) وقال في شرح المشكاة القيوم فيعول للمبالغة كالديور والديوم ومعناه القائم بنفسه المقيم لغيره وهو على الإطلاق والعموم لا يصح إلا لله، فإن قوامه بذاته لا يتوقف بوجه ما على غيره وقوام كل شيء به إذ لا يتصوّر للأشياء وجود ودوام إلا بوجوده فمن عرف أنه القيوم بالأمور واستراح عن كدّ التدبير وتعب الاشتغال وعاش براحة التفويض فلم يضنّ بكريمة، ولم يجعل في قلبه للدنيا كثرة قيمة. (وقرأ عمر) بن الخطاب ﵁ (القيام) من قوله: ﴿الله لا إله إلا هو الحيّ القيوم﴾ [البقرة: ٢٥٥] بوزن فعال بالتشديد (وكلاهما) أي القيوم والقيام (مدح) لأنهما من صيغ المبالغة ولا يستعملان في غير المدح بخلاف القيم فإنه يستعمل في الذّم أيضًا. ٧٤٤٣ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنِى الأَعْمَشُ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، وَلَا حِجَابٌ يَحْجُبُهُ». وبه قال: (حدّثنا يوسف بن موسى) بن راشد القطان الكوفي قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة قال: (حدّثني) بالإفراد (الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي (عن خيثمة) بخاء معجمة مفتوحة وبعد التحتية الساكنة مثلثة ابن عبد الرحمن الجعفي (عن عدي بن حاتم) بالحاء المهملة والفوقية الطائي ﵁ أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬): (ما منكم) خطاب للصحابة والمراد العموم (من أحد إلا سيكلمه ربه) (ليس بينه وبينه ترجمان) بفتح الفوقية وضم الجيم أو ضمهما يترجم عنه (ولا حجاب يحجبه) عن رؤية ربه تعالى، والمراد بالحجاب نفي المانع من الرؤية لأن من شأن الحجاب المنع من الوصول إلى المراد فاستعير نفيه لعدم المنع، وكثير من أحاديث الصفات تخرّج على الاستعارة التخييلية وهي أن يشترك شيئان في وصف، ثم يعتمد لوازم أحدهما بحيث تكون جهة الاشتراك وصفًا فيثبت كماله في

стр. 8162

المستعار بواسطة شيء آخر فيثبت ذلك للمستعار مبالغة في إثبات المشترك وبالحمل على هذه الاستعارة التخييلية يحصل التخلص من مهاوي التجيم، ويحتمل أن يراد بالحجاب استعارة محسوس لمعقول لأن الحجاب حسي والمنع عقلي والله تعالى منزه عما يحجبه فالمراد بالحجاب منعه أبصار خلقه وبصائرهم بما شاء كيف شاء فإذا شاء كشف ذلك عنهم اهـ. ملخصًا مما حكاه في الفتح عن الحافظ الصلاح العلائي. والحديث سبق في الرقاق. ٧٤٤٤ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، عَنْ أَبِى عِمْرَانَ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلاَّ رِدَاءُ الْكِبْرِ عَلَى وَجْهِهِ فِى جَنَّةِ عَدْنٍ». وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الصمد) العمي (عن أبي عمران) عبد الملك بن حبيب الجونيّ من علماء البصرة (عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه) عبد الله بن قيس أبي موسى الأشعري ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (جنتان) مبتدأ (من فضة) خبر قوله (آنيتهما) والجملة خبر المبتد الأول ومتعلق من فضة محذوف أي آنيتهما كائنة من فضة (وما فيهما) عطف على آنيتهما وكذا قوله (وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما). وفي رواية حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه قال: قال حماد: لا أعلمه إلا قد رفعه قال: جنتان من ذهب للمقربين ومن دونهما جنتان من ورق لأصحاب اليمين. رواه الطبري وابن أبي حاتم ورجاله ثقات. واستشكل ظاهره إذ مقتضاه أن الجنتين من فضة لا ذهب فيهما، وبالعكس بحديث أبي هريرة ﵁ قلنا: يا رسول الله حدّثنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال: "لبنة من ذهب ولبنة من فضة". رواه أحمد والترمذي وصححه ابن حبان. وأجيب: بأن "الأوّل" صفة ما في كل جنة من آنية وغيرها. "والثاني" صفة حوائط الجنان كلها. (وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبر) بكسر الكاف وسكون الموحدة وفي نسخة الكبرياء (على وجهه في جنة عدن) أي جنة إقامة وهو ظرف للقوم لا لله تعالى إذ لا تحويه الأمكنة. وقال القرطبي: متعلق بمحذوف في موضع الحال من القوم مثل كائنين في جنة عدن وقال في شرح المشكاة على وجهه حال من رداء الكبرياء والعامل معنى ليس، وقوله في الجنة متعلق بمعنى الاستقرار في الظرف فيفيد المفهوم انتفاء هذا الحصر في غير الجنة، وإليه أشار الشيخ التوربشتي بقوله يريد أن العبد المؤمن إذا تبوأ مقعده من الجنة تبوأ والحجب مرتفعة والموانع التى

стр. 8163

تحجبه عن النظر إلى ربه مضمحلة إلا ما يصدهم من هيبة الجلال وسبحات الجمال وأبهة الكبرياء فلا يرتفع ذلك منهم إلا برأفته ورحمته تفضلاً منه على عباده. قال الطيبي: وأنشد في المعنى: أشتاقه فإذا بدا … أطرقت من إجلاله لا خيفة بل هيبة … وصيانة لجماله وأصد عنه تجلدًا … وأروم طيف خياله انتهى. والحديث من المتشابه إذ لا وجه حقيقة ولا رداء فأما أن يفوّض أو يؤوّل كأن يقال استعار لعظيم سلطان الله وكبريائه وعظمته وجلاله المانع إدراك أبصار البشر مع ضعفها لذلك رداء الكبرياء، فإذا شاء تقوية أبصارهم وقلوبهم كشف عنهم حجاب هيبته وموانع عظمته. وقال أبو العباس القرطبي: الرداء استعارة كنى بها عن العظمة كما في الحديث الآخر "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري" وليس المراد الثياب المحسوسة لكن المناسبة أن الرداء والإزار لما كانا ملازمين للمخاطب من العرب عبر عن العظمة والكبرياء بهما اهـ. واستشكل في الكواكب ظاهر الحديث بأنه يقتضي أن رؤية الله غير واقعة وأجاب بأن مفهومه بيان قرب النظر إذ رداء الكبرياء لا يكون مانعًا من الرؤبة فعبّر عن زوال المانع عن الأبصار بإزالة الرداء. قال الحافظ ابن حجر: وحاصله أن رداء الكبرياء مانع من الرؤية فكأن في الكلام حذفًا تقديره بعد قوله إلا رداء الكبرياء فإنه يمنّ عليهم برفعه فيحصل لهم الفوز بالنظر إليه فكان المراد أن المؤمنين إذا تبوّؤوا مقاعدهم من الجنة لولا ما عندهم من هيبة الجلال لما حال بينهم وبين الرؤية حائل، فإذا أراد إكرامهم حفّهم برأفته وتفضل عليهم بتقويتهم على النظر إليه اهـ. وهو معنى قول التوربشتي السابق. والحاصل أن رؤية الله تعالى واقعة يوم القيامة في الموقف لكل أحد من الرجال والنساء، وقال قوم من أهل السُّنّة: تقع أيضًا للمنافقين، وقال آخرون: وللكافرين أيضًا ثم يحجبون بعد ذلك لتكون عليهم حسرة، وأما الرؤية في الجنة فأجمع أهل السُّنّة على أنها حاصلة للأنبياء والرسل والصديقين من كل أمة ورجال المؤمنين من البشر من هذه الأمة، واختلف في نساء هذه الأمة فقيل لا يرين لأنهن مقصورات في الخيام، ولم يرد في أحاديث الرؤية تصريح برؤيتهن، وقيل يرين أخذًا من عمومات النصوص الواردة في الرؤية أو يرين في مثل أيام الأعياد لأهل الجنة تجليًّا عامًّا فيرينه لحديث أنس عند الدارقطني مرفوعًا: إذا كان يوم القيامة رأى المؤمنون ربهم فأحدثهم عهدًا بالنظر إليه في كل جمعة ويراه المؤمنات يوم الفطر ويوم النحر، وذهب الشيخ عز الدين بن عبد السلام إلى أن الملائكة لا يرون ربهم لأنهم لم يثبت لهم ذلك كما ثبت للمؤمنين من البشر وقد قال تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ [الأنعام: ١٠٣] خرج منه مؤمنو البشر

стр. 8164

بالأدلة الثابتة فبقي على عمومه في الملائكة، ولأن للبشر طاعات لم يثبت مثلها للملائكة كالجهاد والصبر على البلايا والمحن وتحمل المشاق في العبادات لأجل الله وقد ثبت أنهم يرون ربهم ويسلم عليهم وبشرهم بإحلال رضوانه عليهم أبدًا ولم يثبت مثل هذا للملائكة اهـ. وقد نقله عنه جماعة ولم يتعقبوه بنكير منهم العز بن جماعة، ولكن الأقوى أنهم يرونه كما نص عليه أبو الحسن الأشعري في كتابه الإبانة فقال: أفضل لذات الجنة رؤية الله تعالى ثم رؤية نبيه ﷺ فلذلك لم يحرم الله أنبياءه المرسلين وملائكته المقربين وجماعة المؤمنين والصديقين النظر إلى وجهه الكريم، ووافقه على ذلك البيهقي وابن القيم والجلال البلقيني. والحديث سبق في تفسير سورة الرحمن. ٧٤٤٥ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكُ بْنُ أَعْيَنَ وَجَامِعُ بْنُ أَبِى رَاشِدٍ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنِ اقْتَطَعَ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينٍ كَاذِبَةٍ، لَقِىَ اللَّهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ». قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِى الآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧٧] الآيَةَ. وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا عبد الملك بن أعين) بفتح الهمزة والتحتية بينهما عين مهملة ساكنة آخره نون الكوفي (وجامع بن أى راشد) الصيرفي الكوفي كلاهما (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن عبد الله) بن مسعود (﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬): (من اقتطع مال امرئ مسلم) أخذ منه قطعة لنفسه (بيمين كاذبة) صفة ليمين (لقي الله) (وهو عليه غضبان). المراد به لازمه وهو العذاب (قال عبد الله) بن مسعود (ثم قرأ رسول الله ﷺ مصداقه) مفعال من الصدق أي ما يصدق هذا الحديث (من كتاب الله جل ذكره: ﴿إن الذين يشترون﴾) أي يستبدلون (﴿بعهد الله وأيمانهم﴾) وبما حلفوا به (﴿ثمنًا قليلاً﴾) متاع الدنيا (﴿أولئك لا خلاق لهم في الآخرة﴾) لا نصيب لهم فيها (﴿ولا يكلمهم الله﴾ [آل عمران: ٧٧]) بما يسرّهم (الآية). إلى آخرها. ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. والحديث سبق في الإيمان في باب عهد الله. ومطابقته للترجمة هنا في قوله لقي الله. ٧٤٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى وَهْوَ كَاذِبٌ، وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ

стр. 8165

لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ فَيَقُولُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِى كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ». وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) بفتح العين ابن دينار (عن أبي صالح) ذكوان السمان (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (ثلاثة لا يكلمهم الله) (يوم القيامة) بما يسرّهم (ولا ينظر إليهم) نظر رحمة (رجل حلف على سلعة) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي على سلعته (لقد أعطى بها) بفتح الهمزة والطاء دفع لبائعها (أكثر مما أعطى) بفتحهما أيضًا الذي يريد شراءها (وهو كاذب، ورجل حلف على يمين) أي على محلوف يمين (كاذبة بعد العصر) ليس قيد إبل خرج مخرج الغالب إذ كان مثله يقع آخر النهار عند فراغهم من المعاملات أو خصه لكونه وقت ارتفاع الأعمال (ليقتطع بها مال امرئ مسلم، ورجل منع فضل ماء) زائدًا على حاجته من يحتاج إليه وفي الشرب رجل كان له فضل ماء بالطريق فمنعه من ابن السبيل (فيقول الله) (يوم القيامة اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك) أي ليس حصوله وطلوعه من منبعه بقدرتك بل هو بإنعامي وفضلي. والحديث سبق في الشرب في باب إثم من منع ابن السبيل من الماء. ٧٤٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِى بَكْرَةَ عَنْ أَبِى بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الزَّمَانُ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ، ذُو الْقَعَدَةِ، وَذُو الْحَجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِى بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ أَىُّ شَهْرٍ هَذَا»؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ يُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ قَالَ: «أَلَيْسَ ذَا الْحَجَّةِ»؟ قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «أَىُّ بَلَدٍ هَذَا»؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ قَالَ: «أَلَيْسَ الْبَلْدَةَ»؟ قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: «فَأَىُّ يَوْمٍ هَذَا»؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ قَالَ: «أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ»؟ قُلْنَا بَلَى. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ». قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: «وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِى بَلَدِكُمْ هَذَا فِى شَهْرِكُمْ هَذَا وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ أَلَا فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِى ضُلاَّلاً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يَبْلُغُهُ أَنْ يَكُونَ أَوْعَى مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ». فَكَانَ مُحَمَّدٌ إِذَا ذَكَرَهُ قَالَ: صَدَقَ النَّبِىُّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ»؟ وبه قال: (حدّثنا محمد بن المثنى) أبو موسى العنزي الحافظ قال: (حدّثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي قال: (حدّثنا أيوب) السختياني (عن محمد) هو ابن سيرين (عن ابن أبي بكرة)

стр. 8166

عبد الرحمن (عن) أبيه (أبي بكرة) نفيع بضم النون وفتح الفاء ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال) يوم النحر بمنى: (الزمان قد استدار) استدارة (كهيئته) مثل حالته (يوم خلق الله) (السماوات والأرض) أي عاد الحج إلى ذي الحجة وبطل النسيء وذلك أنهم كانوا يحلون الشهر الحرام ويحرّمون مكانه شهرًا آخر حتى رفضوا تخصيص الأشهر الحرم، وكانوا يحرّمون من شهور العام أربعة أشهر مطلقًا، وربما زادوا في الشهور فيجعلونها ثلاثة عشر أو أربعة عشر أي رجعت الأشهر إلى ما كانت عليه وعاد الحج إلى ذي الحجة وبطل تغييراتهم وصار الحج مختصًّا بوقت معين واستقام حساب السنة ورجع إلى الأصل الموضوع يوم خلق الله السماوات والأرض (السنة) العربية الهلالية (اثنا عشر شهرًا منها أربعة حرم) لعظم حرمتها وحرمة الذنب فيها (ثلاث) ولأبي ذر والأصيلي ثلاثة (متواليات) أي ثلاث سرد (ذو القعدة وذو الحجة) بفتح القاف والحاء كما في اليونينية والمشهور فتح القاف وكسر الحاء وحكي كسر القاف (والمحرم ورجب مضر) القبيلة المشهورة وأضيف إليها لأنهم كانوا متمسكين بتعظيمه (الذي بين جمادى) بضم الجيم وفتح الدال (وشعبان أيّ شهر هذا)؟ استفهام تقريري (قلنا: الله ورسوله أعلم) فيه مراعاة الأدب والتحرز عن التقدم بين يدي الله ورسوله (فسكت) ﵇ (حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال) ﵊: (أليس ذا الحجة)؟ بنصب ذا خبر ليس أي ليس هو اليوم ذا الحجة (قلنا: بلى. قال: أي بلد هذا)؟ بالتذكير (قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: أليس البلدة)؟ بالنصب خبر ليس زاد في الحج الحرام بتأنيث البلدة وتذكير الحرام الذي هو صفتها وسبق أنه استشكل وأنه أجيب بأنه اضمحل منه معنى الوصفية وصار اسمًا (قلنا: بلى. قال: فأيّ يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى). وثبت قوله قال: فأي يوم الخ للكشميهني والمستملي وسقط لغيرهما (قال) ﷺ : (فإن دماءكم وأموالكم. قال محمد) أي ابن سيرين (وأحسبه) أي أبا بكرة نفيعًا (قال: وأعراضكم) جمع عرض بكسر العين موضع المدح والذم من الإنسان أي انتهاك دمائكم وأموالكم وأعراضكم (عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا) زاد في الحج إلى يوم تلقون ربكم (وستلقون ربكم) هذا موضع الترجمة (فيسألكم عن أعمالكم ألا) بالتخفيف (فلا ترجعوا) فلا تصيروا (بعدي) بعد فراقي من موقفي هذا أو بعد موتي (ضلالاً) بضم الضاد المعجمة وتشديد اللام (يضرب بعضكم رقاب بعض) برفع يضرب جملة مستأنفة مبينة لقوله لا ترجعوا وهو الذي في الفرع ويجوز الجزم على تقدير شرط أي أن ترجعوا بعدي (ألا) بالتخفيف (ليبلغ الشاهد) هذا المجلس (لغائب) عنه بتشديد لام ليبلغ والذي في اليونينية تخفيفها (فلعل بعض من يبلغه) بسكون الموحدة (أن يكون أوعى) أحفظ (له من بعض من سمعه) وسقط لغير أبي ذر لفظ له (فكان محمد) هو ابن سيرين (إذا ذكره) أي الحديث (قال: صدق النبي ﷺ ¬) قال كثيرًا من السامعين أوعى من شيوخهم (ثم

стр. 8167

قال) ﷺ : (ألا هل بلغت ألا هل بلغت)؟ مرتين واللام مخففة أي بلغت ما فرض عليّ تبليغه من الرسالة. والحديث سبق مطوّلاً ومختصرًا في غير ما موضع كالعلم والحج والمغازي والفتن. ٢٥ - باب مَا جَاءَ فِى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] (باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿إن رحمة الله قريب من المحسنين﴾ [الأعراف: ٥٦]) ذكر قريب على تأويل الرحمة بالرحم أو الترحم أو لأنه صفة موصوف محذوف أي شيء قريب أو على تشبيهه بفعيل الذي بمعنى مفعول أو للإضافة إلى المذكر والرحمة في اللغة رقة قلب وانعطاف تقتضي التفضيل والإنعام على من رق له وأسماء الله تعالى وصفاته إنما تؤخذ باعتبار الغايات التي هي أفعال دون المبادئ التي تكون انفعالات فرحمة الله على العباد إما إرادة الإنعام عليهم ودفع الضرر عنهم فتكون صفة ذات أو نفس الإنعام والدفع فتعود إلى صفة الأفعال. ٧٤٤٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ أَبِى عُثْمَانَ عَنْ أُسَامَةَ قَالَ: كَانَ ابْنٌ لِبَعْضِ بَنَاتِ النَّبِيِّ ﷺ يَقْضِى فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهَا فَأَرْسَلَ إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ فَأَقْسَمَتْ عَلَيْهِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقُمْتُ مَعَهُ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ فَلَمَّا دَخَلْنَا نَاوَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الصَّبِىَّ وَنَفْسُهُ تَقَلْقَلُ فِى صَدْرِهِ حَسِبْتُهُ قَالَ: كَأَنَّهَا شَنَّةٌ فَبَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: أَتَبْكِى فَقَالَ: «إِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ». وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) أبو سلمة التبوذكي قال: (حدّثنا عبد الواحد) بن زياد العبدي قال: (حدّثنا عاصم) الأحول بن سليمان أبو عبد الرحمن البصري (عن أبي عثمان) عبد الرحمن بن ملّ النهدي (عن أسامة) بن زيد بن حارثة أنه (قال: كان ابن) وفي النذور بنت (لبعض بنات النبي ﷺ ¬) هي زينب كما عند ابن أبي شيبة وابن بشكوال (يقتضي) بفتح أوّله وسكون القاف بعدها ضاد معجمة أي يموت والمراد أنه كان في النزع وللكشميهنى يفضي بضم أوّله بعده فاء (فأرسلت إليه) ﷺ (أن يأتيها فأرسل) ﵊ إليها (إن لله ما أخذ ولله ما أعطى) أي الذي أخذه هو الذي كان أعطاه فإن أخذه أخذ ما هو له (وكل إلى أجل مسمى) مقدر مؤجل (فلتصبر ولتحتسب) أي تنوي بصبرها طلب الثواب ليحسب لها ذلك من عملها الصالح فرجع إليها الرسول فأخبرها بذلك (فأرسلت إليه فأقسمت عليه) ليأتيها قال أسامة (فقام رسول الله ﷺ وقمت معه ومعاذ بن جبل) ولأبي ذر عن الكشميهني وقمت ومعه معاذ بن جبل (وأبيّ بن كعب وعبادة بن الصامت) زاد في الجنائز ورجال (فلما دخلنا ناولوا رسول الله ﷺ

стр. 8168

الصبي) أو الصبية (ونفسه) أو نفسها (تقلقل) بضم أوله وفتح القافين تضطرب (في صدره) أو صدرها (حسبته قال كأنها) أي نفسه (شنة) بفتح الشين المعجمة والنون المشدّدة قربة يابسة (فبكى رسول الله ﷺ فقال سعد بن عبادة: أتبكي) يا رسول الله وزاد أبو نعيم وتنهى عن البكاء (فقال) ﵊: (إنما يرحم الله) وفي الجنائز هذه جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله (من عباده الرحماء) جمع رحيم كالكرماء جمع كريم وهو من صيغ المبالغة. وسبق الحديث في الجنائز والطب والنذور. ٧٤٤٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِى، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اخْتَصَمَتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ إِلَى رَبِّهِمَا فَقَالَتِ الْجَنَّةُ: يَا رَبِّ مَا لَهَا لَا يَدْخُلُهَا إِلاَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ وَقَالَتِ النَّارُ يَعْنِى أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِى، وَقَالَ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِى أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا قَالَ: فَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَإِنَّهُ يُنْشِئُ لِلنَّارِ مَنْ يَشَاءُ فَيُلْقَوْنَ فِيهَا فَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ ثَلَاثًا حَتَّى يَضَعَ فِيهَا قَدَمَهُ فَتَمْتَلِئُ وَيُرَدُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَتَقُولُ: قَطْ قَطْ قَطْ». وبه قال: (حدّثنا عبيد الله) بضم العين (ابن سعد بن إبراهيم) بسكون العين ابن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي المدني قال: (حدّثنا يعقوب) بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: (حدّثنا أبي) إبراهيم (عن صالح بن كيسان) مؤدّب ولد عمر بن عبد العزيز (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (اختصمت الجنة والنار إلى ربهما) تعالى مجازًا عن حالهما المشابه للخصومة أو حقيقة بأن خلق الله تعالى فيهما الحياة والنطق. وقال أبو العباس القرطبي: يجوز أن يخلق الله ذلك القول فيما شاء من أجزاء الجنة والنار لأنه لا يشترط عقلاً في الأصوات أن يكون محلها حيًّا على الراجح، ولو سلمنا الشرط لجاز أن يخلق الله في بعض أجزائها الجمادية حياة لا سيما، وقد قال بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿إن الدار الآخرة لهي الحيوان﴾ [العنكبوت: ٦٤] إن كل ما في الجنة حي، ويحتمل أن يكون ذلك بلسان الحال والأوّل أولى واختصامهما هو افتخار إحداهما على الأخرى بمن يسكنها فتظن النار أنها بمن ألقي فيها من عظماء الدنيا آثر عند الله من الجنة وتظن الجنة أنها بمن يسكنها من أولياء الله تعالى آثر عند الله (فقالت الجنة: يا رب ما لها) مقتضى الظاهر أن تقول ما لي ولكنه على طريق الالتفات (لا يدخلها إلا ضعفاء الناس وسقطهم) بفتح السين والطاء الضعفاء الساقطون من أعين الناس لتواضعهم لربهم تعالى وذلتهم له (وقالت النار يعني

стр. 8169

أوثرت) بضم الهمزة وسكون الواو والراء بينهما مثلثة اختصصت (بالمتكبرين) المتعظمين بما ليس فيهم (فقال الله تعالى) مجيبًا لهما بأنه لا فضل لإحداكما على الأخرى من طريق من يسكنكما وفي كلاهما شائبة شكاية إلى ربهما إذ لم تذكر كل واحدة منهما إلا ما اختصت به وقد ردّ الله ذلك إلى مشيئته فقال تعالى (للجنة أنت رحمتي) زاد في سورة ق: أرحم بك من أشاء من عبادي وإنما سماها رحمة لأن بها تظهر رحمته تعالى (وقال للنار: أنت عذابي أصيب بك من أشاء) وفي تفسير سورة ق: إنما أنت عذاب أعذب بك من أشاء من عبادي (ولكل واحدة منكما ملؤها) بكسر الميم وسكون اللام بعدها همزة (قال: فأما الجنة فإن الله لا يظلم من خلقه أحدًا وإنه ينشئ للنار من يشاء) من خلقه (فيلقون فيها) لأن لله تعالى أن يعذب من لم يكلفه بعبادته في الدنيا لأن كل شيء ملكه فلو عذبهم لكان غير ظالم لهم لا يسأل عما يفعل (فتقول هل من مزيد ثلاثًا حتى يضع) الرب تعالى (فيها قدمه) من قدمه لها من أهل العذاب أو ثمة مخلوق اسمه القدم أو هو عبارة عن زجرها وتسكينها كما يقال جعلته تحت رجلي ووضعته تحت قدمي (فتمتلئ وبرد) بضم التحتية وفتح الراء (بعضها إلى بعض وتقول قط قط قط). بالتكرار ثلاثًا للتأكيد مع فتح القاف وسكون الطاء مخففة فيها أي حسبي. وهذا الحديث قد سبق في تفسير سورة ق بخلاف هذه الرواية التي هنا فإنه قال هناك، وأما النار فتمتلئ ولا يظلم الله من خلقه أحدًا، وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقًا، وكذا في صحيح مسلم. وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقًا فقال جماعة إن الذي ورد هنا من المقلوب، وجزم ابن القيم بأنه غلط محتجًّا بأن الله تعالى أخبر بأن جهنم تمتلئ من إبليس وأتباعه، وكذا أنكرها البلقيني واحتج بقوله: ﴿ولا يظلم ربك أحدًا﴾ [الكهف: ٤٩] وقال أبو الحسن القابسي المعروف أن الله ينشئ للجنة خلقًا قال ولا أعلم في شيء من الأحاديث أنه ينشئ للنار خلقًا إلا هذا اهـ. واحتج بأن تعذيب الله غير العاصي لا يليق بكرمه بخلاف الإنعام على غير المطيع، وقال البلقيني: حمله على أحجار تلقى في النار أقرب من حمله على ذي روح يعذب بغير ذنب. قال في الفتح: ويمكن التزام أن يكونوا من ذوي الأرواح لكن لا يعذبون كما في الخزنة، ويحتمل أن يراد بالإنشاء ابتداء إدخال الكفار النار، وعبّر عن ابتداء الإدخال بالإنشاء فهو إنشاء الإدخال لا الإنشاء الذي بمعنى ابتداء الخلق بدليل قوله فيلقون فيها وتقول هل من مزيد. وقال في الكواكب: لا محذور في تعذيب الله من لا ذنب له إذ القاعدة القائلة بالحسن والقبح العقليين باطلة فلو عذبه لكان عدلاً والإنشاء للجنة لا ينافي الإنشاء للنار والله يفعل ما يشاء فلا حاجة إلى الحمل على الوهم والله أعلم. ٧٤٥٠ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيُصِيبَنَّ أَقْوَامًا سَفْعٌ مِنَ النَّارِ بِذُنُوبٍ أَصَابُوهَا عُقُوبَةً، ثُمَّ يُدْخِلُهُمُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ يُقَالُ لَهُمُ: الْجَهَنَّمِيُّونَ».

стр. 8170

وَقَالَ هَمَّامٌ: حَدَّثَنَا قَتَادَةٌ حَدَّثَنَا أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) بضم العين ابن الحارث بن سخبرة الأزدي الحوضي قال: (حدّثنا هشام) الدستوائي (عن قتادة) بن دعامة السدوسي (عن أنس ﵁ عن النبي) ولأبوي الوقت وذر أن النبي (¬ ﷺ قال): (ليصيبن أقوامًا) من العصاة واللام للتأكيد كالنون الثقيلة وأقوامًا نصب مفعول (سفع) بفتح السين المهملة وسكون الفاء بعدها عين مهملة أثر تغير البشرة ليبقى فيها بعض سواد (من النار). وقال الكرماني اللفح واللهب. قال العيني: وهو تفسير الشيء بما هو أخفى منه. قال: واللفح بفتح اللام وسكون الفاء وبالحاء المهملة حرّ النار ووهجها، وفي النهاية السفع علامة تغير ألوانهم من أثر النار (بذنوب) بسبب ذنوب (أصابوها عقوبة) لهم (ثم يدخلهم الله) (الجنة بفضل رحمته) إياهم (يقال لهم الجهنميون. وقال همام) بفتح الهاء وتشديد الميم ابن يحيى مما سبق موصولاً في كتاب الرقاق (حدّثنا قتادة) بن دعامة قال: (حدّثنا أنس) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) سقط قوله عن النبي الخ لأبي ذر، ومراده بسياق هذا التعليق أن العنعنة في الطريق السابق محمولة على السماع بدليل هذا السياق والله الموفق وبه المستعان. ٢٦ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١] (باب قول الله تعالى: ﴿إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا﴾ [فاطر: ٤١]) أي يمنعهما من أن تزولا ولأن الإمساك منع وسقط لفظ باب لغير أبي ذر فقول مرفوع على ما لا يخفى. ٧٤٥١ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ يَضَعُ السَّمَاءَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرْضَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْجِبَالَ عَلَى إِصْبَعٍ وَالشَّجَرَ وَالأَنْهَارَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ ثُمَّ يَقُولُ بِيَدِهِ: أَنَا الْمَلِكُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: «﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١]». وبه قال: (حدّثنا موسى) بن إسماعيل التبوذكي قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن إبراهيم) النخعي (عن علقمة) بن قيس (عن عبد الله) بن مسعود ﵁ أنه (قال: جاء حبر) من أحبار يهود (إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد إن الله) يوم القيامة (يضع السماء على إصبع والأرض على إصبع) وفي باب قول الله لما خلقت بيدي إن الله يمسك السماوات على إصبع والأرضين على إصبع (والجبال على إصبع والشجر والأنهار على إصبع وسائر الخلق) ممن لم يذكر هنا (على إصبع) وفي حديث ابن عباس عند الترمذي مرّ يهودي

стр. 8171

بالنبي ﷺ فقال: يا يهودي حدّثنا. كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله السماوات على ذه والأرضين على ذه والماء على ذه والجبال على ذه وسائر الخلق على ذه، وأشار أبو جعفر أحد رواته أوّلاً ثم تابع حتى بلغ الإبهام. قال الترمذي: حسن غريب صحيح وقد جرى في أمثالهم فلان يقول كذا بإصبعه ويعمله بخنصره، (ثم يقول بيده أنا الملك فضحك رسول الله ﷺ ¬) تعجبًا من قول الحبر زاد في الباب المذكور حتى بدت نواجذه (وقال) ﷺ : (﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ [الأنعام: ٩١]) أي ما عرفوه حق معرفته ولا عظموه حق تعظيمه. وقال المهلب فيما نقله عنه في الفتح الآية تقتضي أن السماوات والأرض ممسكتان بغير آلة يعتمد عليها، والحديث يقتضي أنهما ممسكتان بالأصبع، والجواب أن الإمساك بالأصبع محال لأنه يفتقر إلى ممسك قال: وأجاب غيره بأن الإمساك في الآية يتعلق بالدنيا وفي الحديث بيوم القيامة. ومطابقة الحديث للترجمة تؤخذ من قوله في الرواية السابقة المنبّه عليها بلفظ يمسك وجرى المؤلف على عادته في الإشارة عن الإفصاح بالعبارة فالله تعالى يرحمه. ٢٧ - باب مَا جَاءَ فِى تَخْلِيقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْخَلَائِقِ وَهْوَ فِعْلُ الرَّبِّ ﵎ وَأَمْرُهُ فَالرَّبُّ بِصِفَاتِهِ وَفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ وَهْوَ الْخَالِقُ هُوَ الْمُكَوِّنُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَمَا كَانَ بِفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ وَتَخْلِيقِهِ وَتَكْوِينِهِ فَهْوَ مَفْعُولٌ مَخْلُوقٌ مُكَوَّنٌ. (باب ما جاء في تخليق السماوات والأرض وغيرهما من الخلائق). قال في الفتح: كذا في رواية الأكثرين تخليق وفي رواية الكشميهني في خلق السماوات قال وهو المطابق للآية (وهو) أي التخليق أو الخلق (فعل الرب ﵎ وأمره) بقوله: "كن" (فالرب) تعالى (بصفاته) كالقدرة (وفعله) أي خلقه (وأمره) ولأبي ذر زيادة وكلامه فهو من عطف العام على الخاص لأن المراد بالأمر هنا قوله كن وهو من جملة كلامه (وهو الخالق هو المكوّن غير مخلوق) بتشديد الواو المكسورة من قوله المكوّن. قال في الفتح: لم يرد في الأسماء الحسنى ولكن ورد معناه وهو المصوّر واختلف في التكوين هل هو صفة فعل قديمة أو حادثة، فقال أبو حنيفة وغيره من السلف قديمة، وقال الأشعري في آخرين حادثة لئلا يلزم أن يكون المخلوق قديمًا. وأجاب الأول بأنه يوجد في الأزل صفة الخلق ولا مخلوق وأجاب الأشعري بأنه لا يكون خلق ولا مخلوق كما لا يكون ضارب ولا مضروب فألزموه بحدوث صفات فيلزم حلول الحوادث بالله، فأجاب بأن هذه الصفات لا تحدث في الذات شيئًا جديدًا فتعقبوه بأنه يلزم أن لا يسمى في الأزل خالقًا ولا رازقًا وكلام الله تعالى قديم، وقد ثبت فيه أنه الخالق الرازق فانفصل بعض الأشعرية بأن إطلاق ذلك إنما هو بطريق المجاز وليس المراد بعدم التسمية عدمها بطريق الحقيقة ولم يرتضِ بعضهم هذا، بل قال وهو قول منقول عن الأشعري نفسه أن الأسامي جارية مجرى الأعلام والعلم ليس بحقيقة ولا مجاز في

стр. 8172

اللغة، وأما في الشرع فلفظ الخالق والرازق صادق عليه تعالى بالحقيقة الشرعية والبحث إنما هو فيها لا في الحقيقة اللغوية فألزموه بتجويز إطلاق اسم الفاعل على من لم يقم به الفعل، فأجاب: بأن الإطلاق هنا شرعي لا لغوي. قال الحافظ ابن حجر: وتصرف البخاري في هذا الموضع يقتضي موافقة الأول والصائر إليه يسلم من الوقوع في مسألة وقوع حوادث لا أول لها وبالله التوفيق. وسقط لأبي ذر قوله هو من قوله هو المكوّن وسقط من بعض النسخ قوله وفعله. قال الكرماني: وهو أولى ليصح لفظ غير مخلوق. قال في فتح الباري: سياق المؤلف يقتضي التفرقة بين الفعل وما ينشأ عن الفعل فالأول من صفات الفاعل والباري غير مخلوق فصفاته غير مخلوقة وأما مفعوله وهو ما ينشأ عن فعله فهو مخلوق ومن ثم عقبه بقوله: (وما كان بفعله وأمره وتخليقه وتكوينه فهو مفعول ومخلوق ومكوّن) بفتح الواو المشددة. وقال المصنف في كتابه خلق أفعال العباد: واختلف الناس في الفاعل والمفعول فقالت القدرية الأفاعيل كلها من البشر، وقالت الجبرية: كلها من الله، وقالت الجهمية: الفعل والمفعول واحد، ولذلك قالوا كن مخلوق، وقال السلف: التخليق فعل الله وأفاعيلنا مخلوقة ففعل الله صفة الله والمفعول من سواه من المخلوقات. ٧٤٥٢ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِى شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى نَمِرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ فِى بَيْتِ مَيْمُونَةَ لَيْلَةً وَالنَّبِىُّ ﷺ عِنْدَهَا لأَنْظُرَ كَيْفَ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً ثُمَّ رَقَدَ، فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ أَوْ بَعْضُهُ قَعَدَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَقَرَأَ: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿لأُولِى الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] ثُمَّ قَامَ فَتَوَضَّأَ وَاسْتَنَّ ثُمَّ صَلَّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى لِلنَّاسِ الصُّبْحَ. وبه قال: (حدّثنا سعيد بن أبي مريم) الحكم بن محمد الحافظ أبو محمد الجمحي مولاهم قال: (أخبرنا محمد بن جعفر) أي ابن أبي كثير المدني قال: (أخبرني) بالإفراد (شريك بن عبد الله بن أبي نمر) المدني (عن كريب) أبي رشدين مولى ابن عباس (عن ابن عباس) ﵄ أنه (قال: بتّ في بيت ميمونة) أم المؤمنين ﵂ وهي خالته (ليلة والنبي ﷺ عندها) في نوبتها (لأنظر كيف صلاة رسول الله ﷺ ¬) زاد أبو ذر عن الكشميهني بالليل (فتحدّث رسول الله ﷺ مع أهله) زوجته ميمونة (ساعة ثم رقد فلما كان ثلث الليل الآخر أو بعضه) ولأبي ذر عن الكشميهني أو نصفه (قعد) رسول الله ﷺ (فنظر إلى السماء فقرأ (﴿إن في خلق السماوات والأرض﴾) أي لأدلة واضحة على صانع قديم عليم حكيم قادر (-إلى قوله- ﴿لأولي الألباب﴾ [آل عمران: ١٩٠]) أي لمن أخلص عقله من الهوى خلوص اللب عن القشر فيرى أن العرض المحدث في الجواهر يدل على حدوث الجواهر لأن جوهرًا ما لا ينفك عن عرض حادث وما لا

стр. 8173

يخلو عن الحادث فهو حادث ثم حدوثها يدل على محدثها وذا قديم، وإلاّ لاحتاج إلى محدث آخر إلى ما لا يتناهى وحسن صنعه دل على علمه وإتقانه يدل على حكمته وبقاؤه يدل على قدرته (ثم قام) ﷺ (فتوضأ واستن) استاك (ثم صلّى إحدى عشرة ركعة) وفي آخر سورة آل عمران فصلّى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم أوتر بواحدة، والحاصل أنها ثلاث عشرة (ثم أذن بلال بالصلاة فصلى ركعتين ثم خرج فصلّى للناس أصبح). والحديث سبق بآل عمران. ٢٨ - باب قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين﴾) الكلمة قوله: إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون وسماها كلمة وهي كلمات لأنها لما انتظمت في معنى واحد كانت في حكم كلمة مفردة، والمراد بها القضاء المتقدم منه قبل أن يخلق خلقه في أم الكتاب الذي جرى به القلم بعلو المرسلين على عدوّهم في مقادم الحجاج وملاحم القتال في الدنيا وعلوهم عليهم في الآخرة، وعن الحسن ما غلب نبي في حرب. والحاصل إن قاعدة أمرهم وأساسه والغالب منه الظفر والنصرة وإن وقع في تضعيف ذلك شوب من الابتلاء والمحنة والعبرة للغالب. ٧٤٥٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِى مَالِكٌ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ إِنَّ رَحْمَتِى سَبَقَتْ غَضَبِى». وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال): (لما قضى الله) (الخلق) أي لما أتمه (كتب) أثبت في كتاب (عنده فوق عرشه إن رحمتي سبقت غضبي). قال في الكواكب فإن قلت: صفاته تعالى قديمة فكيف يتصوّر السبق بينهما؟ قلت: هما من صفات الفعل لا من صفات الذات فجاز سبق أحد الفعلين الآخر، وذلك لأن إيصال الخير من مقتضيات صفته بخلاف غيره فإنه بسبب معصية العبد. وقال في فتح الباري: أشار أي البخاري إلى ترجيح القول بأن الرحمة من صفات الذات لكون الكلمة من صفات الذات، فمهما استشكل في إطلاق السبق في صفة الرحمة جاء مثله في صفة الكلمة، ومهما أجيب به عن قوله سبقت كلمتنا حصل به الجواب عن قوله: سبقت رحمتي قال: وقد غفل عن مراده من قال دل وصف الرحمة بالسبق على أنها من صفات الفعل.

стр. 8174

والحديث أخرجه النسائي في النعوت. ٧٤٥٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ﵁ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: «إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِى بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَهُ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَهُ، ثُمَّ يُبْعَثُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيُؤْذَنُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ فَيَكْتُبُ رِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِىٌّ أَمْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى لَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ إِلاَّ ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ إِلاَّ ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا». وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي أياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان قال: (سمعت زيد بن وهب) الجهني هاجر ففاتته رؤيته ﷺ قال: (سمعت عبد الله بن مسعود ﵁ حدّثنا) ولأبي ذر عن الكشميهني قال وله عن الحموي والمستملي يقول حدّثنا (رسول الله ﷺ وهو الصادق) في نفسه (المصدوق) فيما وعده به ربه. (إن خلق أحدكم) قال أبو البقاء لا يجوز في أن إلا الفتح لأن ما قبله حدّثنا قال البدر الدماميني: بل يجوز الأمر إن الفتح والكسر أما الفتح فلما قال وأما الكسر فإن بنينا على مذهب الكوفيين في جواز الحكاية بما فيه معنى القول دون حروفه فواضح وإن بنينا على مذهب البصريين وهو المنع نقدّر قولاً محذوفًا يكون ما بعده محكيًّا به فتكسر همزة إن حينئذٍ بالإجماع والتقدير حدّثنا فقال إن خلق أحدكم (يجمع) بضم أوّله وفتح ثالثه أي ما يخلق منه وهو النطفة تقر وتخزن (في بطن أمه أربعين يومًا وأربعين ليلة) ليتخمر فيها حتى يتهيّأ للخلق (ثم يكون علقة) دمًا غليظًا جامدًا (مثله) مثل ذلك الزمان وهو أربعون يومًا وأربعون ليلة (ثم يكون مضغة) قطعة لحم قدر ما يمضغ (مثله ثم يبعث إليه الملك) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ثم يبعث الله الملك الموكل بالرحم في الطور الرابع حين يتكامل بنيانه وتتشكل أعضاؤه (فيؤذن بأربع كلمات) يكتبها (فيكتب) من القضايا المقدرة في الأزل (رزقه) كل ما يسوقه إليه مما ينتفع به كالعلم والرزق حلالاً وحرامًا قليلاً وكثيرًا (وأجله) طويلاً أو قصيرًا (وعمله) أصالح أم لا (وشقي أم سعيد) حسبما اقتضته حكمته وسبقت كلمته وكان من حق الظاهر أن يقال سعادته وشقاوته فعدل عنه إما حكاية لصورة ما يكتبه لأنه يكتب شقي أو سعيد، أو التقدير أنه شقي أو سعيد فعدل لأن الكلام مسوق إليهما، والتفضيل وارد عليهما قاله في شرح المشكاة. وقال في المصابيح: أم أي في قوله أم سعيد هي المتصلة فلا بد من تقدير الهمزة محذوفة أي أشقيّ أم سعيد. فإن قلت: كيف يصح تسليط فعل الكتابة على هذه الفعلية الإنشائية التي هي من كلام الملك فإنه يسأل ربه عن الجنين أشقي هو أم سعيد فما أخبره الله به من سعادته أو شقاوته كتبه الملك

стр. 8175

ومقتضى الظاهر أن يقال وشقاوته أو سعادته فما وجه ما وقع هنا؟ قلت: ثم مضاف محذوف تقديره وجواب أشقي أم سعيد وجواب هذا اللفظ هو شقي أو هو سعيد، فمضمون هذا الجواب هو الذي يكتب وانتظم الكلام ولله الحمد وهو نظير قولهم علمت أزيد قائم أي جواب هذا الكلام، ولولا ذلك لم يستقم ظاهره لمنافاة الاستفهام لحصول العلم وتحققه. (ثم ينفخ فيه الروح) بعد تمام صورته (فإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة) من الطاعة (حتى لا) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي حتى ما (يكون بينها وبينه إلا ذراع) هو مثل يضرب لمعنى المقاربة إلى الدخول (فيسبق عليه الكتاب) الذي كتبه الملك وهو في بطن أمه عقب ذلك (فيعمل بعمل أهل النار) من المعصية (فيدخل النار وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينها وبينه إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل عمل أهل الجنة فيدخلها) فيه أن ظاهر الأعمال من الطاعات والمعاصي أمارات وليست بموجبات فإن مصير الأمور في العاقبة إلى ما سبق به القضاء وجرى به القدر في السابقة. والحديث سبق في بدء الخلق وغيره والله الموفق والمعين. ٧٤٥٥ - حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ، سَمِعْتُ أَبِى يُحَدِّثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: «يَا جِبْرِيلُ مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَزُورَنَا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنَا». فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ [مريم: ٦٤] إِلَى آخِرِ الآيَةِ قَالَ: هَذَا كَانَ الْجَوَابَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ . وبه قال: (حدّثنا خلاد بن يحيى) الكوفي قال: (حدّثنا عمر بن ذر) بضم العين وذر بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء الهمداني قال: (سمعت أبي) ذر بن عبد الله بن زرارة الهمداني (يحدّث عن سعيد بن جبير) الوالبي مولاهم (عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال) لجبريل: (يا جبريل ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا. فنزلت) آية ﴿وما نتنزل إلا بأمر ربك﴾) والتنزل على معنيين معنى النزول على مهل ومعنى النزول على الإطلاق والأول أليق هنا يعني أن نزولنا في الأحايين وقتًا غب وقت ليس إلا بأمر الله (﴿له ما بين أيدينا وما خلفنا﴾ [مريم: ٦٤] عزو الآية إلى آخر الآية) أي ما قدّامنا وما خلفنا من الأماكن فلا نملك أن ننتقل من مكان إلى مكان إلا بأمر الله ومشيئته (قال: هذا كان) وفي رواية أبي ذر كان هذا وفي رواية أبي ذر عن الحموي والمستملي فإن هذا كان (الجواب لمحمد ﷺ ¬). ٧٤٥٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِى حَرْثٍ بِالْمَدِينَةِ، وَهْوَ مُتَّكِئٌ عَلَى عَسِيبٍ، فَمَرَّ بِقَوْمٍ مِنَ

стр. 8176

الْيَهُودِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَسْأَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ فَسَأَلُوهُ فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى الْعَسِيبِ وَأَنَا خَلْفَهُ فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ فَقَالَ: «﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾» [الإسراء: ٨٥] فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ قَدْ قُلْنَا لَكُمْ لَا تَسْأَلُوهُ. وبه قال: (حدّثنا يحيى) قال الحافظ ابن حجر: هو ابن جعفر أي الأزدي البيكندي الحافظ وقال الكرماني هو ابن موسى الختي أو ابن جعفر قال: (حدّثنا وكيع) هو ابن الجراح (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن إبراهيم) النخعي (عن علقمة) بن قيس (عن عبد الله) بن مسعود ﵁ أنه (قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ في حرث) بالحاء الله المفتوحة وسكون الراء بعدها مثلثة وللكشميهني في خرب بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء بعدها موحدة أو بكسر ثم فتح (بالمدينة) طيبة (وهو متكئ على عسيب) بالمهملتين بفتح الأول وكسر الثاني آخره موحدة بعد تحتية ساكنة عصًا من جريد النخل (فمرّ بقوم من اليهود فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح) الذي يحيا به بدن الإنسان ويدبره عن مسلكه وامتزاجه به أو ماهيتها أو عن جبريل أو القرآن أو الوحي أو غير ذلك (وقال بعضهم: لا تسألوه) عنه (فسألوه عن الروح) الذي في اليونينية لا تسألوه عن الروح فسألوه (فقام) ﵊ (متوكئًا على العسيب وأنا خلفه فظننت) فتحققت (أنه يوحى إليه فقال: (﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي﴾) أي مما استأثر بعلمه وعجزت الأوائل عن إدراك ماهيته بعد إنفاق الأعمار الطويلة على الخوض فيه إشارة إلى تعجيز العقل عن إدراك معرفة مخلوق مجاور له ليدل على أنه عن إدراك خالقه أعجز (﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً﴾ [الإسراء: ٨٥]) والخطاب عام أو هو خطاب لليهود خاصة (فقال بعضهم: لبعض: قد قلنا لكم لا تسألوه) أي لا يستقبلكم بشيء تكرهونه وذلك أنهم قالوا إن فسره فليس بنبي وذلك أن في التوراة إن الروح مما انفرد الله بعلمه ولا يطلع عليه أحدًا من عباده فإذا لم يفسره دل على نبوّته وهم يكرهونها. وقد سبق في تفسير الإسراء. ٧٤٥٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِى مَالِكٌ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِى سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إِلاَّ الْجِهَادُ فِى سَبِيلِهِ، وَتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ بِأَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِى خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ». وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن (عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال): (تكفل الله) (لمن جاهد في سبيله لا يخرجه إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلماته)

стр. 8177

الواردة في القرآن (بأن يدخله الجنة) بفضله (أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر) بلا غنيمة إن لم يغنموا (أو) من أجر مع (غنيمة) إن غنموا وقوله تكفل الله. قال في الكواكب: هو من باب التشبيه أي هو كالكفيل أي كأنه التزم بملابسة الشهادة إدخال الجنة وبملابسة السلامة الرجع بالأجر والغنيمة أي أوجب تفضلاً على ذاته يعني لا يخلو من الشهادة أو السلامة، فعلى الأول يدخل الجنة بعد الشهادة في الحال، وعلى الثاني لا ينفك عن أجر أو غنيمة مع جواز الاجتماع بينهما إذ هي قضية مانعة الخلوّ لا مانعة الجمع. والحديث سبق في الخمس. ٧٤٥٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِى وَائِلٍ، عَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ الرَّجُلُ: يُقَاتِلُ حَمِيَّةً، وَيُقَاتِلُ شَجَاعَةً، وَيُقَاتِلُ رِيَاءً، فَأَىُّ ذَلِكَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِىَ الْعُلْيَا فَهْوَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ». وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) بالمثلثة قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن أبي وائل) بالهمزة شقيق بن سلمة (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري ﵁ أنه (قال: جاء رجل) اسمه لاحق بن ضميرة كما مر في الجهاد (إلى النبي ﷺ فقال): يا رسول الله (الرجل يقاتل حمية) بفتح الحاء المهملة وكسر الميم وتشديد التحتية أنفة ومحافظة على ناموسه (ويقاتل شجاعة ويقاتل رياء فأيّ ذلك في سبيل الله؟ قال) ﷺ : (من قاتل لتكون كلمة الله) أي كلمة التوحيد (هي العليا) بضم العين (فهو) أي المقاتل (في سبيل الله) لا المقاتل حمية ولا للشجاعة ولا للرياء. والحديث سبق في الجهاد والخمس. ٢٩ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إَذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] (باب قول الله تعالى: ﴿وإنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) أي فهو يكون أي إذا أردنا وجود شيء فليس إلا أن نقول له أحدث فهو يحدث بلا توقف وهو عبارة عن سرعة الإيجاد يبين أن مراده لا يمتنع عليه، وأن وجوده عند إرادته غير متوقف كوجود المأمور به عند أمر المطاع إذا ورد على المأمور المطيع الممتثل ولا قول ثم، والمعنى أن إيجاد كل مقدور على الله تعالى بهذه السهولة فكيف يمتنع عليه البعث الذي هو من بعض المقدورات. فإن قلت: قوله كن إن كان خطابًا مع المعدوم فهو محال وإن كان خطابًا مع الموجود كان أمرًا بتحصيل الحاصل وهو محال. أجيب: بأن هذا تمثيل لنفي الكلام والمعاياة وخطاب مع الخلق

стр. 8178

بما يعقلون ليس هو خطاب المعدوم لأن ما أراد فهو كائن على كل حال أو على ما أراده من الإسراع ولو أراد خلق الدنيا والآخرة بما فيهما من السماوات والأرض في قدر لمح البصر لقدر على ذلك ولكن خاطب العباد بما يعقلون وسقط لأبي ذر قوله أن نقول الخ. ٧٤٥٩ - حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِى قَوْمٌ ظَاهِرِينَ عَلَى النَّاسِ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ». وبه قال: (حدّثنا شهاب بن عباد) بتشديد الموحدة بعد فتح سابقها الكوفي قال: (حدّثنا إبراهيم بن حميد) بضم الحاء المهملة وفتح الميم ابن عبد الرحمن الرؤاسي الكوفي (عن إسماعيل) بن أبي خالد البجلي الكوفي (عن قيس) أي ابن أبي حازم (عن المغيرة بن شعبة) ﵁ أنه (قال: سمعت النبي ﷺ يقول): (لا يزال من أمتي قوم ظاهرين) غالبين أو عالين (على الناس) بالبرهان (حتى يأتيهم أمر الله) بقيام الساعة وأمره تعالى بقيامها هو حكمه وقضاؤه، وهو الغرض المناسب للترجمة. وزاد في الاعتصام وهم ظاهرون أي غالبون على من خالفهم. ٧٤٦٠ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِىُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جَابِرٍ حَدَّثَنِى عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِى أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ، مَا يَضُرُّهُمْ مَنْ كَذَّبَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِىَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ». فَقَالَ مَالِكُ بْنُ يُخَامِرَ: سَمِعْتُ مُعَاذًا يَقُولُ: وَهُمْ بِالشَّأْمِ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: هَذَا مَالِكٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاذًا يَقُولُ: وَهُمْ بِالشَّأْمِ. وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير قال: (حدّثنا الوليد بن مسلم) الأموي الدمشقي قال: (حدّثنا ابن جابر) هو عبد الرحمن بن زيد بن جابر الأسدي الشامي قال: (حدّثني) بالإفراد (عمير بن هانئ) بضم العين وفتح الميم وهانئ بالهمز آخره الشامي (أنه سمع معاوية) بن أبي سفيان ﵄ (قال: سمعت النبي ﷺ يقول): (لا يزال من أمتي أمّةٌ قائمة بأمر الله) بحكمه الحق (ما) ولأبي ذر عن الكشميهني لا (يضرهم من كذبهم ولا من خالفهم) ولأبي ذر عن الكشميهني ولا من خذلهم (حتى يأتي أمر الله) بإقامة الساعة (وهم على ذلك). الواو للحال (فقال مالك بن يخامر): بضم التحتية وفتح المعجمة وبعد الألف ميم مكسورة فراء (سمعت معاذًا) يعني ابن جبل (يقول وهم) أي الأمة القائمة بأمر الله (بالشام فقال معاوية) بن أبي سفيان (وهذا مالك) يعني ابن يخامر (يزعم أنه سمع معاذًا يقول وهم بالشام).

стр. 8179

٧٤٦١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَقَفَ النَّبِىُّ ﷺ عَلَى مُسَيْلِمَةَ فِى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: «لَوْ سَأَلْتَنِى هَذِهِ الْقِطْعَةَ مَا أَعْطَيْتُكَهَا وَلَنْ تَعْدُوَ أَمْرَ اللَّهِ فِيكَ وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ لَيَعْقِرَنَّكَ اللَّهُ». وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن عبد الله بن أبي حسين) بضم الحاء هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي القرشي النوفلي قال: (حدّثنا نافع بن جبير) بضم الجيم ابن مطعم (عن ابن عباس) ﵄ أنه (قال: وقف النبي ﷺ على مسيلمة) الكذاب (في أصحابه فقال) لما قال إن جعل لي محمد من بعده تبعته وكان يد رسول الله ﷺ قطعة جريد: (لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها ولن تعدو أمر الله فيك) أي لن تجاوز حكمه وثبتت الواو مفتوحة في تعدو على القاعدة مثل أن تغزو وفي بعض النسخ بحذف الواو ويتخرج على الجزم بلن مثل لمن ترع (ولئن أدبرت) عن الإسلام (ليعقرنك الله). ليهلكنك ومطابقته للترجمة في قوله: ولن تعدو أمر الله فيك. وسبق الحديث في أواخر المغازي. ٧٤٦٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ حَرْثِ الْمَدِينَةِ وَهْوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ مَعَهُ فَمَرَرْنَا عَلَى نَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَسْأَلُوهُ أَنْ يَجِئَ فِيهِ بِشَىْءٍ تَكْرَهُونَهُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنَسْأَلَنَّهُ فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ مَا الرُّوحُ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ النَّبِىُّ ﷺ فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ فَقَالَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَا أُوتُوا مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٨٥]». قَالَ الأَعْمَشُ: هَكَذَا فِى قِرِاءَتِنَا. وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي (عن عبد الواحد) بن زياد (عن الأعمش) سليمان (عن إبراهيم) النخعي (عن علقمة) بن قيس (عن ابن مسعود) عبد الله ﵁ أنه (قال: بينا) بغير ميم (أنا أمشي مع النبي ﷺ في بعض حرث المدينة) بالحاء المهملة والمثلثة ولأبي ذر حرث بالتنوين بالمدينة بزيادة حرف الجر وللمستملي خرب بكسر الخاء المعجمة وفتح الراء والتنوين بالمدينة (وهو يتوكأ على عسيب) من جريد النخل (معه فمررنا على نفر من اليهود فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، وقال بعضهم: لا تسألوه أن يجيء فيه بشيء تكرهونه) وهو إبهمامه إذ هو مبهم في التوراة وأنه مما استأثر الله بعلمه فإن أبهمه دل على نبوّته وهمزة أن مفتوحة (فقال بعضهم: لنسألنه) عنه (فقام إليه رجل منهم فقال: يا أبا القاسم ما الروح فسكت عنه

стр. 8180

النبي ﷺ فعلمت أنه يوحى إليه فقال: ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي﴾) الجمهور على أنه الروح الذي في الحيوان سألوه عن حقيقته فأخبر أنه من أمر الله أي مما استأثر الله بعلمه وقيل سألوه عن خلق الروح أهو مخلوق أم لا وقوله من أمر ربي دليل على خلق الروح فكان هذا جوابًا (﴿وما أوتيتم﴾) بواو بعد الفوقية (﴿من العلم إلا قليلاً﴾ [الإسراء: ٨٥]. قال الأعمش): سليمان (هكذا في قراءتنا) وهو خطاب لليهود لأنهم قالوا قد أوتينا التوراة وفيها الحكمة. ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] فقيل لهم إن علم التوراة قليل في جنب علم الله فالقلة والكثرة من الأمور الإضافية فالحكمة التي أوتيها العبد خير كثير في نفسها إلا أنها إذا أضيفت إلى علم الله تعالى فهي قليلة. قال في الفتح: ووقع في رواية الكشميهني وما أوتيتم وفق القراءة المشهورة. والحديث سبق قريبًا. ٣٠ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّى لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّى وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩]. ﴿وَلَوْ أَنَّ مَا فِى الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧]. ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِى اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] سَخَّرَ: ذَلَّلَ. (باب قول الله تعالى: ﴿قل لو كان البحر﴾) أي ماء البحر (﴿مدادًا لكلمات ربي﴾) أي لو كتبت كلمات علم الله وحكمته وكان البحر مدادًا لها والمراد بالبحر الجنس (﴿لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله﴾) بمثل البحر (﴿مدادًا﴾ [الكهف: ١٥٩]) لنفد أيضًا والكلمات غير نافدة ومددًا تمييز أو المراد مثل المداد وهو ما يمد به ينفد (﴿ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله﴾ [لقمان: ٢٧]) أي ولو ثبت كون الأشجار أقلامًا وثبت البحر ممدودًا بسبعة أبحر. وكان مقتضى الكلام أن يقال ولو أن الشجر أقلام والبحر مداد لكن أغنى عن ذكر المداد قوله يمده لأنه من قولك مدّ الدواة وأمدها جعل البحر الأعظم بمنزلة الدواة وجعل الأبحر السبعة مملوءة مدادًا فهي تصب في مدادها أبدًا صبًّا حتى لا ينقطع، والمعنى ولو أن أشجار الأرض أقلام والبحر ممدود بسبعة أبحر وكتبت بتلك الأقلام وبذلك المداد كلمات الله لما نفدت كلماته ونفدت الأقلام والمداد لقوله: ﴿قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي﴾.

стр. 8181

وأخرج عبد الرزاق في تفسيره من طريق أبي الجوزاء قال: لو كان كل شجرة في الأرض أقلامًا والبحر مدادًا لنفد الماء وتكسرت الأقلام قبل أن تنفد كلمات الله. وقال ابن أبي حاتم: حدّثني أبي سمعت بعض أهل العلم يقول قول الله: ﴿إنّا كل شيء خلقناه بقدر﴾ [القمر: ٤٩] وقوله: ﴿قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي لنفد البحر﴾ الآية يدل على أن البحر غير مخلوق لأنه لو كان مخلوقًا لكان له قدر وكانت له غاية ولنفد كنفاد المخلوقين وتلا قوله تعالى: ﴿قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي﴾ إلى آخر الآية. (﴿إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام﴾) أراد السماوات والأرض وما بينهما أي من الأحد إلى الجمعة لاعتبار الملائكة شيئًا فشيئًا وللإعلام بالتأني في الأمور وإن لكل عمل يومًا لأن إنشاء شيء بعد شيء أدل على عالم مدبر مريد يصرفه على اختياره ويجريه على مشيئته (﴿ثم استوى﴾) استولى (﴿على العرش﴾) أضاف الاستيلاء إلى العرش وإن كان سبحانه مستوليًا على جميع المخلوقات لأن العرش أعظمها وأعلاها وتفسير العرش بالسرير والاستواء بالاستقرار كما يقوله المشبهة باطل لأنه تعالى كان قبل العرش ولا مكان وهو الآن كما كان لأن التغير من صفات الأكوان (﴿يغشي الليل النهار﴾) أي يلحق الليل بالنهار والنهار بالليل (﴿يطلبه حثيثًا﴾) حال من الليل أي سريعًا والطالب هو الليل كأنه لسرعة مضيه يطلب النهار (﴿والشمس والقمر والنجوم﴾) أي وخلقها (﴿مسخرات﴾) حال أي مذللات (﴿بأمره﴾) هو أمر تكوين (﴿ألا له الخلق والأمر﴾) أي هو الذي خلق الأشياء وله الأمر (﴿تبارك الله رب العالمين﴾ [الأعراف: ٥٤]) كثر خيره أو دام برّه من البركة والنماء (سخر: ذلل). باللام وسقط لأبي ذر من قوله: ﴿يغشي الليل النهار﴾ الخ وقال بعد قوله: ﴿النهار﴾ الآية. ٧٤٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِى سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ، إِلاَّ الْجِهَادُ فِى سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرُدَّهُ إِلَى مَسْكَنِهِ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ». وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال): (تكفل الله) فضلاً منه تعالى (لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلمته) بالإفراد ولأبي ذر عن الكشميهني والمستملي وتصديق كلماته (أن يدخله الجنة أو يردّه إلى مسكنه) الذي خرج منه (بما نال من أجر) بغير غنيمة إن لم يغنموا (أو) من أجر مع (غنيمة) إن غنموا. والحديث سبق قريبًا.

стр. 8182

٣١ - باب فِى الْمَشِيئَةِ وَالإِرَادَةِ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿تُؤْتِى الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤] ﴿إنك لا تَهدي مَن أحببت وَلكِن الله يَهدي مَن يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦] قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: عَنْ أَبِيهِ نَزَلَتْ فِى أَبِى طَالِبٍ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. هذا (باب) بالتنوين (في المشيئة والإرادة) فلا فرق بين المشيئة والإرادة إلا عند الكرامية حيث جعلوا المشيئة صفة واحدة أزلية تتناول ما يشاء الله تعالى بها من حيث يحدث والإرادة حادية متعددة بعدد المرادات ويدل لأهل السنة قوله تعالى: (﴿وما تشاؤون إلا أن يشاء الله﴾) قال إمامنا الشافعي: فيما رواه البيهقي عن الربيع بن سليمان عنه المشيئة إرادة الله وقد أعلم الله خلقه أن المشيئة له دونهم فقال وما تشاؤون إلا أن يشاء الله فليست للخلق مشيئة إلا أن يشاء الله تعالى اهـ. وقد دلت الآية على أنه تعالى خالق أفعال العباد وأنهم لا يفعلون إلا ما يشاء وقال تعالى: ﴿ولو شاء الله ما اقتتلوا﴾ [البقرة: ٢٥٣] ثم أكد ذلك بقوله تعالى: ﴿ولكن الله يفعل ما يريد﴾ فدل على أنه فعل اقتتالهم الواقع بينهم لكونه مريدًا له وإذا كان هو الفاعل لاقتتالهم فهو المريد لمشيئتهم والفاعل فثبت بذلك أن كسب العباد إنما هو بمشيئة الله وإرادته ولو لم يرد وقوعه ما وقع. وقسم بعضهم الإرادة إلى قسمين إرادة أمر وتشريع، وإرادة قضاء وتقدير، فالأولى تتعلق بالطاعة والمعصية سواء وقعت أم لا، والثانية شاملة لجميع الكائنات محيطة بجميع الحادثات طاعة ومعصية وإلى الأول الإشارة بقوله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: ١٨٥] وإلى الثاني بقوله تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]. (وقول الله تعالى) بالجر عطفًا على المجرور السابق وسقط الباب وتاليه لغير أبي ذر فقوله وقول الله تعالى رفع (﴿تؤتي الملك من تشاء﴾ [آل عمران: ٢٦]) وقوله تعالى: (﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدًا * إلا أن يشاء الله﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]) وقوله تعالى: (﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾ [القصص: ٥٦]) يخلق فعل الاهتداء فيما يشاء فدلت هذه الآيات على إثبات الإرادة والمشيئة لله تعالى وأن العباد لا يريدون شيئًا إلا وقد سبقت إرادة الله تعالى له وأنه الخالق لأعمالهم طاعة أو معصية. (قال سعيد بن المسيب عن أبيه نزلت) آية ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ (في أبي طالب) وقد أجمع المفسرون على أنها نزلت فيه كما قاله الزجاج، وهذا التعليق وصله في تفسر سورة القصص.

стр. 8183

وقوله: (﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾) [البقرة: ١٨٥] تمسك به المعتزلة بأنه لا يريد المعصية. وأجيب بأن معنى إرادة اليسر التخيير بين الصوم في السفر ومع المرض والإفطار بشرطه وإرادة العسر المنفية الإلزام بالصوم في السفر في جميع الحالات فالإلزام هو الذي لا يقع لأنه لا يريده وقد تكرر ذكر الإرادة في القرآن، واتفق أهل السُّنّة على أنه لا يقع إلا ما يريده الله تعالى وأنه مريد لجميع الكائنات وإن لم يكن آمرًا بها. وقالت المعتزلة: لا يريد الشر لأنه لو أراده لطلبه وشنعوا على أنه يلزمهم أن يقولوا وإن الفحشاء مرادة لله تعالى وينبغي أن ينزه عنها. وأجاب أهل السُّنَّة: بأن الله تعالى قد يريد الشيء ولا يرضاه ليعاقب عليه ولثبوت أنه خلق الجنة والنار وخلق لكلٍّ أهلاً وألزموا المعتزلة بأنهم جعلوا أنه يقع في ملكه ما لا يريده. ٧٤٦٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا دَعَوْتُمُ اللَّهَ فَاعْزِمُوا فِى الدُّعَاءِ، وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِنِى فَإِنَّ اللَّهَ لَا مُسْتَكْرِهَ لَهُ». وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد (عن عبد العزيز) بن صهيب (عن أنس) ﵁ أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬): (إذا دعوتم الله) (فاعزموا) بهمزة وصل (في الدعاء) وفي الدعوات فليعزم المسألة فليقطع بالسؤال ويجزم به حسن ظن بكرم ربه تعالى (ولا يقولن أحدكم إن شئت فأعطني) بهمزة قطع أي لا يشترط المشيئة لعطائه لأنه أمر متيقن أنه لا يعطي إلا أن يشاء فلا معنى لاشتراط المشيئة لأنها إنما تشترط فيما يصح أن يفعل بدونها من إكراه أو غيره ولذا أشار ﵇ بقوله (فإن الله لا مستكره له). بكسر الراء وأيضًا ففي قوله إن شئت نوع من الاستغناء عن عطائه قول القائل إن شئت أن تعطيني كذا فافعل ولا يستعمل هذا غالبًا إلا في مقام يشعر بالغنى وأما مقام الاضطرار فإنما فيه عزم المسألة وبتّ الطلب. والحديث سبق في الدعوات ومطابقته لما ترجم به هنا في قوله: إن شئت. ٧٤٦٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ ح وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِى أَخِى عَبْدُ الْحَمِيدِ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِى عَتِيقٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ حُسَيْنٍ أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِىٍّ ﵉ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِىَّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً فَقَالَ لَهُمْ: «أَلَا تُصَلُّونَ»؟ قَالَ عَلِىٌّ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ، فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ قُلْتُ ذَلِكَ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَىَّ شَيْئًا ثُمَّ سَمِعْتُهُ وَهْوَ مُدْبِرٌ يَضْرِبُ فَخِذَهُ وَيَقُولُ: «﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلاً﴾» [الكهف: ٥٤].

стр. 8184

وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم (ح) للتحويل قال المؤلف. (وحدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدّثنا أخي عبد الحميد) أبو بكر بن أبي أويس الأصبحي (عن سليمان) بن بلال (عن محمد بن أبي عتيق) عبد الرحمن الصديقي التيمي (عن ابن شهاب) الزهري (عن علي بن حسين) بضم الحاء (أن) أباه (حسين بن علي ﵉ أخبره أن) أباه (علي بن أبي طالب) ﵁ (أخبره أن رسول الله ﷺ طرقه وفاطمة بنت رسول الله ﷺ ليلة) أي أتاهما في ليلة ونصب فاطمة عطفًا على الضمير المنصوب في طرقه (فقال لهم) لعلي وفاطمة ومن عندهما يحضهم. (ألا) بالتخفيف (تصلون. قال علي) ﵁ (فقلت: يا رسول الله وإنما أنفسنا بيد الله) استعارة لقدرته (فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا) أن يوقظنا للصلاة أيقظنا (فانصرف رسول الله ﷺ ¬) مدبرًا (حين قلت) له (ذلك ولم يرجع) بفتح أوله وكسر ثالثه (إلي) بالتشديد (شيئًا) لم يجبني بشيء (ثم سمعته وهو مدبر) حال كونه (يضرب فخذه) بالمعجمتين تعجبًا من سرعة الجواب (ويقول) والحال أنه يقول (﴿وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً﴾ [الكهف: ٥٤]) نصب على التمييز يعني أن جدل الإنسان أكثر من جدل كل شيء، وقراءته الآية كما قال في الكواكب إشارة إلى أن الشخص يجب عليه متابعة أحكام الشريعة لا ملاحظة الحقيقة ولذا جعل جوابه من باب الجدل. ومطابقة الحديث في قوله إذا شاء، وسبق في باب قوله: ﴿وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً﴾ من الاعتصام. ٧٤٦٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ عَلِىٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ خَامَةِ الزَّرْعِ، يَفِئُ وَرَقُهُ مِنْ حَيْثُ أَتَتْهَا الرِّيحُ تُكَفِّئُهَا، فَإِذَا سَكَنَتِ اعْتَدَلَتْ، وَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ يُكَفَّأُ بِالْبَلَاءِ، وَمَثَلُ الْكَافِرِ كَمَثَلِ الأَرْزَةِ صَمَّاءَ مُعْتَدِلَةً حَتَّى يَقْصِمَهَا اللَّهُ إِذَا شَاءَ». وبه قال: (حدّثنا محمد بن سنان) العوقي أبو بكر قال: (حدّثنا فليح) بضم الفاء وفتح اللام وبعد التحتية الساكنة حاء مهملة ابن سليمان العدوي مولاهم المدني قال: (حدّثنا هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال): (مثل المؤمن كمثل خامة الزرع) بالخاء المعجمة وتخفيف الميم الطاقة الغضة الرطبة أول ما تنبت على ساقه (يفيء) بالتحتية المفتوحة والفاء المكسورة بعدها همزة ممدودًا يتحوّل ويرجع (ورقه من حيث أتتها الريح) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي من حيث انتهى الريح بالنون (تكفئها) بضم الفوقية وفتح الكاف وكسر الفاء مشددة بعدها همزة تقلبها وتحوّلها من جهة إلى جهة أخرى (فإذا سكنت) الريح (اعتدلت وكذلك المؤمن يكفأ بالبلاء) بضم التحتية وفتح الكاف والفاء المشددة

стр. 8185

ضربه مثلاً للمؤمن فإنه يسر مرة ويبتلى مرة وكذلك خامة الزرع تعتدل مرة عند سكون الريح وتضطرب أخرى عند هبوبها (ومثل الكافر كمثل الأرزة) بفتح الهمزة والزاي بينهما راء ساكنة آخرها هاء تأنيث شجر الصنوبر كما قاله أبو عبيدة. وقال الداودي: الأرزة من أعظم الشجر لا يميل الريح أكبرها ولا تهتز من أسفلها ورواها أصحاب الحديث بإسكان الراء وروي كمثل الأرزة على وزن فاعلة أي كمثل الشجرة الثابتة ورويت بتحريك الراء والذي رويناه بإسكانها (صماء معتدلة حتى يقصمها الله) (إذا شاء) فيكون الموت أشد عذابًا عليه. ومطابقة الحديث في قوله إذا شاء أيضًا. والحديث سبق في أوائل الطب. ٧٤٦٧ - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ أَخْبَرَنِى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ: «إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ أُعْطِىَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ، فَعَمِلُوا بِهَا حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ ثُمَّ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُعْطِىَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا بِهِ حَتَّى صَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا ثُمَّ أُعْطِيتُمُ الْقُرْآنَ فَعَمِلْتُمْ بِهِ حَتَّى غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَأُعْطِيتُمْ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، قَالَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ: رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَقَلُّ عَمَلاً وَأَكْثَرُ أَجْرًا قَالَ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَىْءٍ»؟ قَالُوا: لَا، فَقَالَ: «فَذَلِكَ فَضْلِى أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ». وبه قال: (حدّثنا الحكم بن نافع) أبو اليمان قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (سالم بن عبد الله أن) أباه (عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو قائم على المنبر) زاد أبو ذر عن الكشميهني يقول: (إنما بقاؤكم فيما) ولأبي ذر عن الكشميهني فيمن أي إنما بقاؤكم بالنسبة إلى ما أومن (سلف قبلكم من الأمم كلما بين) أجزاء وقت (صلاة العصر) المنتهية (إلى غروب الشمس أعطى أهل التوراة التوراة فعملوا بها حتى انتصف النهار ثم عجزوا) عن استيفاء عمل النهار كله (فأعطوا قيراطًا)، الأول مفعول أعطي وقيراطًا الثاني تأكيد والمراد بالقيراط هنا النصيب وكرر ليدل على تقسيم القراريط على جميعهم (ثم أعطي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا به) من نصف النهار (حتى صلاة العصر ثم عجزوا) عن الحمل (فأعطوا قيراطًا قيراطًا ثم أعطيتم القرآن فعملتم به) من العصر (حتى غروب الشمس فأعطيتم قيراطين قيراطين) بالتثنية (قال أهل التوراة ربنا هؤلاء أقل عملاً) بالإفراد ولأبي ذر أعمالاً (وأكثر أجرًا) ولأبي ذر عن الكشميهني جزاء (قال) الله تعالى (هل ظلمتكم) أي هل نقصتكم (من أجركم) بالإفراد (من شيء)؟ ولأبي ذر عن الكشميهني من أجوركم شيئًا (قالوا: لا. فقال: فذلك) في فكل ما أعطيته من الأجر (فضلي أوتيه من أشاء).

стр. 8186

هذا موضع الترجمة من الحديث وسبق في باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب من كتاب الصلاة. ٧٤٦٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ الْمُسْنَدِىُّ حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أَبِى إِدْرِيسَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِى رَهْطٍ فَقَالَ: «أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُونِى فِى مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَأُخِذَ بِهِ فِى الدُّنْيَا فَهْوَ لَهُ كَفَّارَةٌ وَطَهُورٌ، وَمَنْ سَتَرَهُ اللَّهُ فَذَلِكَ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ». وبه قال: (حدّثنا عبد الله) بن محمد (المسندي) بضم الميم وسكون المهملة وفتح النون قال: (حدّثنا هشام) هو ابن يوسف الصنعاني قال: (أخبرنا معمر) بفتح اليمين بينهما مهملة ساكنة ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن أبي إدريس) عائذ الله بالمعجمة الخولاني (عن عبادة بن الصامت) ﵁ أنه (قال: بايعت رسول الله ﷺ في رهط) هم النقباء الذين بايعوا ليلة العقبة بمنى قبل الهجرة (فقال): (أبايعكم على) التوحيد (أن لا تشركوا بالله شيئًا و) على أن (لا تسرقوا) بحذف المفعول ليدل على العموم (ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم) وإنما خصهم بالذكر لأنهم كانوا غالبًا يقتلونهم خشية الإملاق (ولا تأتوا ببهتان) بكذب يبهت سامعه كالرمي بالزنا (تفقرونه) تختلقونه (بين أيديكم وأرجلكم) وكنّى باليد والرجل عن الذات إذ معظم الأفعال بهما (ولا تعصوني) ولأبي ذر عن الكشميهني ولا تعصوا (في معروف) وهو ما عرف من الشارع حسنه نهيًا وأمرًا (فمن وفى منكم) بتخفيف الفاء وتشدد ثبت على العهد (فأجره على الله) فضلاً ووعدًا بالجنة (ومن أصاب) منكم أيها المؤمنون (من ذلك شيئًا) غير الكفر (فأخذ) بضم الهمزة وكسر الخاء المعجمة وفي الإيمان فعوقب (به في الدنيا) بأن أقيم عليه الحدّ مثلاً (فهو) أي العقاب (له كفارة وطهور) بفتح الطاء أي مطهرة لذنوبه فلا يعاقب عليها في الآخرة (ومن ستره الله فذلك) أي فأمره (إلى الله) (إن شاء عذبه) لعدله (وإن شاء غفر له) بفضله والغرض منه هنا قوله إن شاء غفر له على ما لا يخفى. وسبق في كتاب الإيمان بعد قوله باب علامة الإيمان. ٧٤٦٩ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ نَبِىَّ اللَّهِ سُلَيْمَانَ ﵇ كَانَ لَهُ سِتُّونَ امْرَأَةً فَقَالَ: لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى نِسَائِى فَلْتَحْمِلْنَ كُلُّ امْرَأَةٍ وَلْتَلِدْنَ فَارِسًا يُقَاتِلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، فَطَافَ عَلَى نِسَائِهِ فَمَا وَلَدَتْ مِنْهُنَّ إِلاَّ امْرَأَةٌ وَلَدَتْ شِقَّ غُلَامٍ قَالَ: نَبِىُّ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ كَانَ سُلَيْمَانُ اسْتَثْنَى لَحَمَلَتْ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ فَوَلَدَتْ فَارِسًا يُقَاتِلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ».

стр. 8187

وبه قال: (حدّثنا معلى بن أسد) العمي أبو الهيثم الحافظ قال: (حدّثنا وهيب) بضم الواو وفتح الهاء ابن خالد البصري (عن أيوب) السختياني (عن محمد) هو ابن سيرين (عن أبي هريرة) ﵁ (أن نبي الله سليمان ﵊ كان له ستون امرأة فقال: لأطوفن الليلة على نسائي) أي لأجامعن (فلتحملن) بسكون اللامين وتخفيف النون وقد يفتحان وتشدّد النون (كل امرأة) منهن (ولتلدن) بسكون وتخفيف أو فتح وتثسديد وفي الملكية أو لتلدنّ (فارسًا يقاتل في سبيل الله) (فطاف على نسائه) أي جامعهن (فما ولدت منهن إلا امرأة) واحدة (ولدت شق غلام) بكسر الشين المعجمة ولأبي ذر عن الكشميهني جاءت بشق غلام وحكى النقاش في تفسيره أن الشق المذكور هو الجسد الذي ألقي على كرسيه (قال نبي الله ﷺ ¬): (لو كان سليمان استثنى) قال إن شاء الله (لحملت كل امرأة منهن فولدت فارسًا يقاتل في سبيل الله). . ولفظ ستون لا ينافي سبعين وتسعين إذ مفهوم العدد لا اعتبار له، وواقع في الجهاد مائة امرأة أو تسع وتسعون بالشك، وجمع بأن الستين حرائر وما سواهن سراري، وفي أحاديث الأنبياء زيادة فوائد تراجع والله الموفق. والمطابقة بين الحديث والترجمة ظاهرة. ٧٤٧٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِىٍّ يَعُودُهُ فَقَالَ: «لَا بَأْسَ عَلَيْكَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ». قَالَ: قَالَ الأَعْرَابِىُّ: طَهُورٌ بَلْ هِىَ حُمَّى تَفُورُ عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ تُزِيرُهُ الْقُبُورَ. قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «فَنَعَمْ إِذًا». وبه قال: (حدّثنا محمد) هو ابن سلام كما قاله ابن السكن أو هو ابن المثنى قال: (حدّثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد (الثقفي) قال: (حدّثنا خالد الحداء) بالحاء المهملة والذال المعجمة المشددة ممدودًا (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ دخل على أعرابي يعوده) بالدال المهملة من عاد المريض إذا زاره والأعرابي قال الزمخشري في ربيعه هو قيس بن أبي حازم (فقال) ﷺ له: (لا بأس عليك طهور) أي مرضك مطهر لذنوبك (إن شاء الله. قال) ابن عباس: (قال الأعرابي) استبعادًا لقوله ﵊ طهور وفهم أن النبي ﷺ ترجى حياته فلم يوافق على ذلك لما وجده من المرض المؤذن بموته فقال: (بل حمى) ولأبي ذر عن الكشميهني بل هي حمى (تفور) بالفاء تغلى بالغين المعجمة (على شيخ كبير تزيرُهُ القبور) بضم الفوقية وكسر الزاي من أزاره إذا حمله على الزيارة والضمير المرفوع للحمى والمنصوب للأعرابي والقبور مفعول أي ليس كما رجوت لي من تأخير الوفاة بل الموت من هذا المرض هو الواقع، ولا بد لما أحسّه من نفسه (قال النبي ﷺ : فنعم إذًا) فيه دليل على أن قوله لا بأس عليك إنما كان على طريق الترجي لا على

стр. 8188

طريق الإخبار عن الغيب كذا في المصابيح، وذكر المؤلف الحديث في علامات النبوّة وذكرت، ثم إن الطبراني زاد فيه أنه ﷺ قال للأعرابي: إذ أبيت فهي كما تقول وقضاء الله كائن فما أمسى من الغد إلا ميتًا، وأن الحافظ ابن حجر قال: إن بهذه الزيادة يظهر دخول الحديث في علامات النبوّة. ٧٤٧١ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ حِينَ نَامُوا عَنِ الصَّلَاةِ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ وَرَدَّهَا حِينَ شَاءَ»، فَقَضَوْا حَوَائِجَهُمْ وَتَوَضَّؤُوا إِلَى أَنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَابْيَضَّتْ فَقَامَ فَصَلَّى. وبه قال: (حدّثنا ابن سلام) هو محمد قال: (أخبرنا هشيم) بضم الهاء مصغرًا ابن بشير (عن حصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين ابن عبد الرحمن السلمي أبي الهذيل الكوفي ابن عم منصور (عن عبد الله بن قتادة) أبي إبراهيم السلمي (عن أبيه) أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري أنهم (حين ناموا عن الصلاة) كذا أورده هنا مختصرًا بحذف من أوله وساقه في باب حكم الأذان بعد ذهاب الوقت بلفظ: سرنا مع النبي ﷺ ليلة فقال بعض القوم: لو عرست بنا يا رسول الله. فقال: "أخاف أن تناموا عن الصلاة". قال بلال: أنا أوقظكم فاضطجعوا وأسند بلال ظهره إلى راحلته فغلبته عيناه فنام فاستيقظ النبي ﷺ وقد طلع حاجب الشمس فقال: "يا بلال أين ما قلت"؟ قال: ما أُلقيت عليّ نومة مثلها قطّ (قال النبي ﷺ ¬): (إن الله قبض أرواحكم) أي أنفسكم قال تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها﴾ [الزمر: ٤٢] وقبضها هنا بقطع تعلقها عن الأبدان وتصرفها ظاهرًا لا باطنًا (حين شاء وردّها) عليكم عند اليقظة (حين شاء فقضوا حوائجهم وتوضؤوا إلى أن طلعت الشمس وابيضت) بتشديد الضاد من غير ألف أي صفت (فقام) النبي ﷺ (فصلّى) بالناس الصبح الفائتة قضاء، والمطابقة ظاهرة. ٧٤٧٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، وَالأَعْرَجِ وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِى أَخِى عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِى عَتِيقٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ الْمُسْلِمُ: وَالَّذِى اصْطَفَى مُحَمَّدًا عَلَى الْعَالَمِينَ فِى قَسَمٍ يُقْسِمُ بِهِ فَقَالَ الْيَهُودِىُّ: وَالَّذِى اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْعَالَمِينَ، فَرَفَعَ الْمُسْلِمُ يَدَهُ عِنْدَ ذَلِكَ فَلَطَمَ الْيَهُودِىَّ فَذَهَبَ الْيَهُودِىُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِى كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ الْمُسْلِمِ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «لَا تُخَيِّرُونِى عَلَى مُوسَى فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِى أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِى أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ».

стр. 8189

وبه قال: (حدّثنا يحيى بن قزعة) بفتح القاف والزاي والعين المهملة المكي المؤذن قال: (حدّثنا إبراهيم) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (والأعرج) عبد الرحمن بن هرمز قال البخاري: (وحدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس قال: (حدّثني) بالإفراد (أخي) عبد الحميد (عن سليمان) بن بلال (عن محمد بن أبي عتيق) هو محمد بن عبد الله بن أبي عتيق واسم أبي عتيق محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق (عن ابن شهاب) الزهري (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب) بن حزن المخزومي أحد الأعلام وسيد التابعين (أن أبا هريرة) ﵁ (قال: استب رجل من المسلمين) هو أبو بكر الصديق كما في جامع سفيان بن عيينة والبعث لابن أبي الدنيا لكن في تفسير الأعراف بالتصريح بأنه من الأنصار فيحتمل تعدّد القصة (ورجل من اليهود) قيل إنه فنحاص وفيه نظر سبق في الخصومات (فقال المسلم: و) الله (الذي اصطفى محمدًا على العالمين) من جن وإنس وملائكة (في قسم يقسم به، فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين فرفع المسلم يده عند ذلك فلطم اليهودي) عقوبة له على كذبه لما فهمه من عموم لفظ العالمين الشامل للنبي ﷺ ، والمقرر أنه أفضل (فذهب اليهودي إلى رسول الله ﷺ فأخبره بالذي كان من أمره وأمر المسلم فقال النبي ﷺ ¬): (لا تخيروني على موسى) تخييرًا يؤدي إلى تنقيصه أو يفضي بكم إلى الخصومة أو قاله تواضعًا أو قبل أن يعلم سؤدده عليهم (فإن الناس يصعقون) يغشى عليهم من الفزع عند النفخ في الصور (يوم القيامة) فأصعق معهم (فأكون أول من يفيق فإذا موسى باطش) آخذ بقوة (بجانب العرش فلا أدري أكان) بهمزة الاستفهام (فيمن صعق فأفاق قبلي أو كان ممن استثنى الله) في قوله: ﴿فصعق مَن في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله﴾ [الزمر: ٦٨]. ومطابقة الحديث ظاهرة وسبق في الخصومات. ٧٤٧٣ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِى عِيسَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْمَدِينَةُ يَأْتِيهَا الدَّجَّالُ فَيَجِدُ الْمَلَائِكَةَ يَحْرُسُونَهَا، فَلَا يَقْرَبُهَا الدَّجَّالُ وَلَا الطَّاعُونُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ». وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن أبي عيسى) جبريل وليس له إلا هذه الرواية قال: (أخبرنا يزيد بن هارون) أبو خالد السلمي الواسطي أحد الأعلام قال: (أخبرنا شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس بن مالك ﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬): (المدينة) طابة (يأتيها الدجال) الأعور الكذاب ليدخلها (فيجد الملائكة) على أنقابها (يحرسونها فلا يقربها الدجال ولا الطاعون إن شاء الله) تعالى. وهذا الاستثناء للتبرّك والتأدّب وليس للشك والغرض منه التحريض على سكنى المدينة ليحترسوا بها من الفتنة والحديث سبق في الفتن.

стр. 8190

٧٤٧٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ حَدَّثَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لِكُلِّ نَبِىٍّ دَعْوَةٌ فَأُرِيدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَخْتَبِىَ دَعْوَتِى شَفَاعَةً لأُمَّتِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ». وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) بضم الشين المعجمة وفتح العين المهملة ابن أبي حمزة بالحاء المهملة والزاي الحافظ أبو بشر الحمصي مولى بني أمية (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه قال: (حدّثني) بالإفراد (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (أن أبا هريرة) ﵁ (قال: قال رسول الله ﷺ ¬): (لكل نبي دعوة) مقطوع باستجابتها (فأريد إن شاء الله) (أن أختبئ) أن أدّخر (دعوتي) المحقّقة الإجابة (شفاعة لأمتي يوم القيامة). جزاه الله عنّا أفضل ما جزى نبيًّا عن أمته ﷺ . ٧٤٧٥ - حَدَّثَنَا يَسَرَةُ بْنُ صَفْوَانَ بْنِ جَمِيلٍ اللَّخْمِىُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِى عَلَى قَلِيبٍ، فَنَزَعْتُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَنْزِعَ ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ أَبِى قُحَافَةَ فَنَزَعَ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ وَفِى نَزْعِهِ ضَعْفٌ وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ ثُمَّ أَخَذَهَا عُمَرُ فَاسْتَحَالَتْ غَرْبًا، فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النَّاسِ يَفْرِى فَرِيَّهُ حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ حَوْلَهُ بِعَطَنٍ». وبه قال: (حدّثنا يسرة بن صفوان) بفتح التحتية والسين المهملة (ابن جميل) بالجيم المفتوحة (اللخمي) قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن الزهري محمد) بن مسلم (عن سعيد بن المسيب) المخزومي (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬) ولأبوي الوقت وذر قال النبي (¬ ﷺ ¬): (بينا) بغير ميم (أنا نائم رأيتني) بضم الفوقية رأيت نفسي (على قليب) بفتح القاف وكسر اللام وبعد التحتية الساكنة موحدة بئر (فنزعت) من مائها (ما شاء الله) (أن أنزع ثم أخذها) مني (ابن أبي قحافة) أبو بكر الصديق ﵄ (فنزع) من البئر (ذنوبًا أو ذنوبين) دلوًا أو دلوين (وفي نزعه ضعف والله يغفر له، ثم أخذها عمر) بن الخطاب ﵁ (فاستحالت) أي الدلو في يده (غربًا) بفتح الغين المعجمة وسكون الراء من الصغر إلى الكبر (فلم أرَ عبقريًّا) بسكون الموحدة وفتح القاف سيدًا (من الناس يفري) بفتح أوّله وسكون الفاء (فريه) بفتح الفاء والتحتية أي لم أرَ سيدًا يعمل عمله في غاية الإجادة ونهاية الإصلاح (حتى ضرب الناس حوله بعطن). وهو الموضع الذي تساق إليه الإبل بعد السقي للاستراحة وهذا مثال لما جرى للعمريين ﵄ في خلافتهما وانتفاع الناس بهما بعده ﷺ فكان ﵇ هو صاحب الأمر قام به أكمل قيام وقرر قواعد الإسلام ومهد أساسه وأوضح أصوله وفروعه، فخلفه

стр. 8191

أبو بكر ﵁ وقطع دابر أهل الردّة، فخلفه عمر فاتسع الإسلام في زمانه فشبه أمر المسلمين بالقليب لما فيها من الماء الذي به حياتهم وأميرهم بالمستقي لهم، وليس في قوله وفي نزعه ضعف حط من مرتبة أبي بكر وترجيح لعمر عليه إنما هو إخبار عن قصر مدة ولايته وطول مدة عمر وكثرة انتفاع الناس به لاتساع بلاد الإسلام، وأما قوله: والله يغفر له فهي كلمة يدعم بها المتكلم كلامه ونعمت الدعامة وليس فيها تنقيص ولا إشارة إلى ذنب قاله في الكواكب. وسبق ذلك غيره في المناقب مع غيره وذكرته هنا لطول العهد به. ٧٤٧٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا أَتَاهُ السَّائِلُ وَرُبَّمَا قَالَ: جَاءَهُ السَّائِلُ أَوْ صَاحِبُ الْحَاجَةِ قَالَ: «اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا». وَيَقْضِى اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مَا شَاءَ. وبه قال: (حدّثنا محمد بن العلاء) أبو كريب الهمداني الحافظ قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن بريد) بضم الموحدة وفتح الراء ابن عبد الله (عن) جده (أبي بردة) بضم الموحدة وسكون الراء عامر أو الحارث (عن) أبيه (أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري ﵁ أنه (قال: كان النبي ﷺ إذا أتاه السائل وربما قال جاءه السائل أو صاحب الحاجة قال): لمن عنده من أصحابه: (اشفعوا) في حاجته لديّ (فلتؤجروا) بسبب شفاعتكم. قال في المصابيح: لم أتحرّ الرواية في لام فلتؤجروا هل هي ساكنة أو محركة فإن كانت ساكنة تعيّن كونها لام الطلب وإن كانت مكسورة احتمل كونها للطلب، وكونها حرف جر وعلى الأول ففيه دخول الأمر على الفاعل المخاطب وهو قليل، وعلى الثاني فيحتمل كون الفاء زائدة واللام متعلقة بالفعل المتقدم، ويحتمل أن تكون الفاء زائدة واللام متعلقة بفعل محذوف أي اشفعوا فلأجل أن تؤجروا أمرتكم بذلك اهـ. قلت: والذي في فرع اليونينية ورويته بسكون اللام (ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء). ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ما يشاء أي يظهر الله على لسان رسوله بالوحي أو الإلهام ما قدره في علمه أنه سيكون. والحديث سبق في باب قول الله تعالى من يشفع شفاعة حسنة من كتاب الأدب. ٧٤٧٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى إِنْ شِئْتَ ارْحَمْنِى إِنْ شِئْتَ ارْزُقْنِى إِنْ شِئْتَ وَلْيَعْزِمْ مَسْأَلَتَهُ إِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ لَا مُكْرِهَ لَهُ». وبه قال: (حدّثنا يحيى) هو ابن موسى الجعفي أو أبو جعفر البلخي قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام بن نافع الحافظ الصنعاني (عن معمر) هو ابن راشد (عن همام) هو ابن منبه أنه (سمع أبا هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):

стр. 8192

(لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت) اللهم (ارحمني إن شئت) اللهم (ارزقني إن شئت) ونحو ذلك فلا يشك في القبول بل يستيقن وقوع مطلوب به ولا يعلق ذلك بمشيئة الله (وليعزم مسألته) وليجزم بها حُسْن ظن بكرم أكرم الكرماء (إنه) تعالى (يفعل ما يشاء لا مكروه له) بكسر الراء تعالى الله. نعم لو قال: إن شاء الله للتبرك لا للاستثناء لم يكره. والحديث سبق قريبًا ومطابقته ظاهرة. ٧٤٧٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ، عَمْرٌو، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ، حَدَّثَنِى ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِىُّ فِى صَاحِبِ مُوسَى أَهُوَ خَضِرٌ؟ فَمَرَّ بِهِمَا أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ الأَنْصَارِىُّ فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّى تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِى هَذَا فِى صَاحِبِ مُوسَى الَّذِى سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «بَيْنَا مُوسَى فِى مَلإِ بَنِى إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ فَقَالَ مُوسَى: لَا فَأُوحِىَ إِلَى مُوسَى بَلَى عَبْدُنَا خَضِرٌ فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الْحُوتَ آيَةً وَقِيلَ لَهُ إِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، فَكَانَ مُوسَى يَتْبَعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِى الْبَحْرِ فَقَالَ فَتَى مُوسَى لِمُوسَى: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّى نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾؟ [الكهف: ٦٣] قَالَ مُوسَى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِى فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا فَوَجَدَا﴾ [الكهف: ٦٤] خَضِرًا وَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ». وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا أبو حفص عمرو) بفتح العين ابن أبي سلمة التنيسي بكسر الفوقية والنون المشدّدة قال: (حدّثنا الأوزاعي) عبد الرحمن قال: (حدّثني) بالإفراد (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس ﵄ أنه) أي ابن عباس (تمارى) تنازع وتجادل (هو والحر) بضم الحاء المهملة وتشديد الراء (ابن قيس بن حصن الفزاري) بفتح الفاء والزاي (في صاحب موسى) ﵇ (أهو خضر فمرّ بهما أُبيّ بن كعب الأنصاري فدعاه ابن عباس فقال) له: (إني تماريت) تجادلت (أنا وصاحبي هذا) الحر بن قيس (في صاحب موسى الذي سأل) موسى (السبيل إلى لقيه هل سمعت رسول الله ﷺ يذكر شأنه؟ قال) أبي (نعم إني سمعت رسول الله ﷺ يقول): (بينا) بغير ميم (موسى في ملأ بني) ولأبي ذر في مل (من بني (إسرائيل) أي من أشرافهم أو في جماعة منهم (إذ جاءه رجل فقال) يا موسى (هل تعلم أحدًا أعلم منكم؟ فقال موسى: لا) أعلم أحدًا أعلم مني (فأوحى) بضم الهمزة ولأبي ذر عن الكشميهني فأوحى الله (إلى موسى) ﵇ (بلى) بفتح اللام كعلى (عبدنا خضر) أعلم منك بما أعلمته من الغيوب وحوادث القدرة مما لا يعلم الأنبياء منه إلا ما أعلموا به (فسأل موسى السبيل) الطريق (إلى لقيه فجعل الله)

стр. 8193

(له الحوت) المملوح الميت (آية) علامة على مكان الخضر ولقيه (وقيل له) يا موسى (إذا فقدت الحوت) بفتح القاف (فارجع فإنك ستلقاه فكان موسى يتبع) بسكون القافية (أثر الحوت في البحر، فقال فتى موسى) يوشع بن نون (لموسى: ﴿أرأيت﴾) ما دهاني (﴿إذ﴾) أي حين (﴿أوينا إلى الصخرة﴾) أي الصخرة التي رقد عندها موسى أو التي دون نهر الزيت وذلك أن الحوت اضطرب ووقع في البحر (﴿فإني نسيت الحوت وما إنسانيه إلا الشيطان أن أذكره﴾)؟ قال موسى: (﴿ذلك﴾) أي فَقْد الحوت (﴿ما كنا نبغ﴾) أي الذي نطلبه علامة على وجدان الخضر (﴿فارتدا على آثارهما﴾) يقصّان (﴿قصصًا فوجدا﴾ خضرًا) ﵇ (فكان من شأنهما) الخضر وموسى (ما قصّ الله) في سورة الكهف. ومطابقة الحديث للترجمة في قوله بقية الآية ستجدني إن شاء الله صابرًا وقوله فأراد ربك. والحديث سبق في باب ما ذكر في ذهاب موسى في البحر إلى الخضر من كتاب العلم. ٧٤٧٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «نَنْزِلُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِخَيْفِ بَنِى كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ». يُرِيدُ الْمُحَصَّبَ. وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم. قال البخاري بالسند إليه: (وقال أحمد بن صالح) أبو جعفر بن الطبري المصري الحافظ فيما رواه عنه مذاكرة (حدّثنا ابن وهب) عبد الله قال: (أخبرني) بالإفراد (يونس) بن يزيد (عن ابن شهاب) الزهري (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (عن أبي هريرة) ﵁ (عن رسول الله ﷺ ¬) أنه (قال) في حجة الوداع: (ننزل غدًا إن شاء الله بخيف بني كنانة حيث تقاسموا) أي تحالف قريش (على الكفر) أي من أنهم لا يناكحوا بني هاشم وبني المطلب ولا يبايعوهم ولا يساكنوهم بمكة حتى يسلموا إليهم النبي ﷺ وكتبوا بذلك صحيفة وعلقوها في الكعبة قال البخاري: (يريد) ﷺ بخيف بني كنانة (المحصب) بضم الميم وفتح الحاء والصاد المشدّدة المهملتين آخره موحدة موضع بين مكة ومنى، والخيف في الأصل ما انحدر من غلظ الجبل وارتفع من مسيل الماء. والحديث سبق في الحج في باب نزول النبي ﷺ مكة من كتاب الحج. ومطابقته لا خفاء بها. ٧٤٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِى الْعَبَّاسِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: حَاصَرَ النَّبِىُّ ﷺ أَهْلَ الطَّائِفِ فَلَمْ يَفْتَحْهَا فَقَالَ: «إِنَّا قَافِلُونَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ».

стр. 8194

فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: نَقْفُلُ وَلَمْ نَفْتَحْ قَالَ: فَاغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ فَغَدَوْا فَأَصَابَتْهُمْ جِرَاحَاتٌ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ». فَكَأَنَّ ذَلِكَ أَعْجَبَهُمْ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا ابن عيينة) سفيان (عن عمرو) بفتح العين ابن دينار (عن أبي العباس) السائب بن فرّوخ الشاعر المكي الأعمى (عن عبد الله بن عمر) بن الخطاب ﵁ وفي رواية أبي ذر عن غير الحموي والمستملي عن عبد الله بن عمرو بفتح العين وسكون الميم أي ابن العاصي وصوّب الأول الدارقطني وغيره أنه (قال: حاصر النبي ﷺ أهل الطائف) ثمانية عشر يومًا (فلم يفتحها) وفي المغازي فلم ينل منهم شيئًا (فقال: إنا قافلون) أي راجعون إلى المدينة (إن شاء الله. فقال المسلمون: نقفل) بضم الفاء بعد سكون القاف أي نرجع (ولم نفتح) حصنهم (قال) ﷺ : (فاغدوا على القتال) بالغين المعجمة أي سيروا أوّل النهار لأجل القتال (فغدوا فأصابتهم جراحات) لأن أهل الطائف رموهم من أعلى السور فكانوا ينالون منهم بسهامهم ولا تصل السهام إليهم لكونهم أعلى السور ولم يفتح لهم فلما رأوا ذلك ظهر لهم تصويب الرجوع (قال النبي ﷺ : إنا قافلون غدًا إن شاء الله. فكأن) بتشديد النون (ذلك أعجبهم فتبسم رسول الله ﷺ ¬). والحديث سبق في المغازي. ٣٢ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣] وَلَمْ يَقُلْ مَاذَا خَلَقَ رَبُّكُمْ وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وَقَالَ مَسْرُوقٌ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالْوَحْىِ سَمِعَ أَهْلُ السَّمَوَاتِ شَيْئًا فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ وَسَكَنَ الصَّوْتُ عَرَفُوا أَنَّهُ الْحَقُّ وَنَادَوْا مَاذَا قَالَ: رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: الْحَقَّ. وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «يَحْشُرُ اللَّهُ الْعِبَادَ فَيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الدَّيَّانُ». (باب قول الله تعالى: ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾) أي أذن الله تعالى يعني إلا مَن وقع الإذن للشفيع لأجله وهي اللام الثانية في قولك لزيد لعمرو أي لأجله (﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم﴾) أي كشف الفزع عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بكلمة يتكلم بها رب العزة في إطلاق الإذن والتفزيع إزالة الفزع، وحتى غاية لا فهم من أن ثم انتظارًا للإذن وتوقفًا وفرغًا من الراجين للشفاعة هل يؤذن لهم أو لا يؤذن لهم كأنه قيل يتربصون ويتوقفون مليًّا فزعين حتى إذا فزع عن قلوبهم (﴿قالوا﴾) سأل بعضهم بعضًا (﴿ماذا قال ربكم قالوا﴾) قال (﴿الحق﴾) أي القول الحق وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى (﴿وهو العلي الكبير﴾ [سبأ: ٢٣]) ذو العلو والكبرياء ليس

стр. 8195

لملك ولا نبي أن يتكلم في ذلك اليوم إلا بإذنه وأن يشفع إلا لمن ارتضى. وقال في الفتح: وأظن البخاري أشار بهذا إلى ترجيح قول من قال إن الضمير في قوله عن قلوبهم للملائكة وأن فاعل الشفاعة في قوله: ولا تنفع الشفاعة هم الملائكة بدليل قوله بعد وصف الملائكة ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون﴾ [الأنبياء: ٢٨] بخلاف قول من زعم أن الضمير للكفار المذكورين في قوله تعالى: ﴿ولقد صدّق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه﴾ [سبأ: ٢٠] كما نقله بعض المفسرين، وزعم أن المراد بالتفزيع حالة مفارقة الحياة ويكون اتباعهم إياه مستصحبًا إلى يوم القيامة على طريق المجاز والجملة من قوله: قل أدعو الخ معترضة وحمل هذا القائل على هذا الزعم أن قوله حتى إذا فزع عن قلوبهم غاية لا بدّ لها من مغيًا فادّعى أنه ما ذكره، وقال بعض المفسّرين من المعتزلة: المراد بالزعم الكفر في قوله زعمتم أي تماديتم في الكفر إلى غاية التفزيع، ثم تركتم زعمكم وقلتم قال الحق، وفيه التفات من الخطاب إلى الغيبة. ويفهم من سياق الكلام أن هناك فرعًا ممن يرجو الشفاعة هل يؤذن له في الشفاعة أم لا فكأنه قال: يتربصون زمانًا فزعين حتى إذا كشف الفزع عن الجميع بكلام يقوله الله في إطلاق الإذن تباشروا بذلك، وسأل بعضهم بعضًا: ﴿ماذا قال ربكم قالوا الحق﴾ أي القول الحق وهو الإذن في الشفاعة لمن ارتضى. قال الحافظ ابن حجر: وجميع ذلك مخالف لهذا الحديث الصحيح ولأحاديث كثيرة تؤيده، والصحيح في إعرابها ما قاله ابن عطية وهو أن المغيا محدود كأنه قيل ولا هم شفعاء كما تزعمون بل هم عنده ممسكون لأمره إلى أن يزول الفزع عن قلوبهم والمراد بهم الملائكة، وهو المطابق للأحاديث الواردة في ذلك فهو المعتمد وغرض المؤلف من ذكر هذه الآية بل من الباب كله إثبات كلام الله القائم بذاته تعالى، ودليله أنه قال: ماذا قال ربكم (ولم يقل ماذا خلق ربكم)؟ وهذا أول باب ذكره المؤلف في مسألة الكلام وهي مسألة طويلة وقد تواتر بأنه تعالى متكلم عن الأنبياء، ولم يختلف في ذلك أحد من أرباب المِلَل والمذاهب وإنما الخلاف في معنى كلامه وقدمه وحدوثه، فعند أهل الحديث أن كلامه ليس من جنس الأصوات والحروف بل صفة أزلية قائمة بذاته تعالى منافية للسكوت الذي هو ترك التكلم مع القدرة عليه والآفة التي هي عدم مطاوعة الآلة إما بحسب الفطرة كما في الخرس أو بحسب صفتها وعدم بلوغها حدّ القوّة كما في الطفولية هو بها آمر ناهٍ مخبر وغير ذلك يدل عليها بالعبارة أو الكتابة أو الإشارة، فإذا عبّر عنها بالعربية فقرآن وبالسريانية فإنجيل، وبالعبرانية فتوراة، والاختلاف على العبارات دون المسمى كما إذا ذكر الله بالسنة متعددة ولغات مختلفة. والحاصل أنه صفة واحدة تتكثر باختلاف التعلقات كالعلم والقدرة وسائر الصفات فإن كلاًّ منها واحدة قديمة، والتكثر والحدوث إنما هو في التعلقات والإضافات لما أن ذلك أليق بكمال التوحيد ولأنه لا دليل على تكثّر كلٍّ منها في نفسها، وقد خالف جميع الفرق وزعموا أنه لا معنى للكلام إلا المنتظم من الحروف المسموعة الدالة على المعاني المقصودة وأن الكلام النفسي غير معقول، ثم قالت الحنابلة والحشوية إن تلك الأصوات والحروف مع تواليها وترتّب بعضها على بعض، وكون الحرف الثاني من كل كلمة مسبوقًا بالحرف المتقدّم عليه كانت
следующие страницы →