Полный текст (540 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
وَلِذَلِكَ لَوْ كَانَ مُوَكَّلًا أَوْ مُودَعًا فِي مَالِ الْغَيْرِ، وَجَبَ عَلَيْهِ الِاحْتِيَاطُ بِالْوَازِعِ الشَّرْعِيِّ. وَهَذِهِ فُرُوعٌ اُخْتُلِفَ فِيهَا:
الْأَوَّلُ: وِلَايَةُ النِّكَاحِ وَفِيهَا: ثَلَاثَةَ عَشَرَ طَرِيقًا أَشْهَرُهَا: فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ. فِيهَا قَوْلَانِ، أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، فَلَا يَلِي الْفَاسِقُ كَسَائِرِ الْوِلَايَاتِ ; وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَضَعَهَا عِنْدَ فَاسِقٍ مِثْلِهِ.
وَالثَّانِي: لَا ; لِأَنَّ الْأَوَّلِينَ لَمْ يَمْنَعُوا الْفَسَقَةَ مِنْ تَزْوِيجِ بَنَاتِهِمْ.
الطَّرِيقُ الثَّانِي: يَلِي قَطْعًا.
الثَّالِثُ: لَا يَلِي قَطْعًا.
الرَّابِعُ: يَلِي الْمُجْبِرُ دُونَ غَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ أَكْمَلُ شَفَقَةً.
الْخَامِسُ: عَكْسُهُ لِأَنَّ الْمُجْبِرَ يَسْتَقِلُّ بِالنِّكَاحِ، فَرُبَّمَا وَضَعَهَا عِنْدَ فَاسِقٍ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَتَنْظُرُ هِيَ لِنَفْسِهَا، وَتَأْذَنُ.
السَّادِسُ: يَلِي، إنْ فَسَقَ بِغَيْرِ شُرْبِ الْخَمْرِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ بِهِ لِاخْتِلَالِ نَظَرِهِ.
السَّابِعُ: يَلِي الْمُسْتَتِرَ دُونَ الْمُعْلَنِ. الثَّامِنُ: يَلِي الْغَيُورَ، دُونَ غَيْرِهِ. التَّاسِعُ: يَلِي إنْ لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ.
الْعَاشِرُ: يَلِي إنْ كَانَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ قَطْعًا وَإِلَّا فَقَوْلَانِ.
الْحَادِيَ عَشَرَ: يَلِي - إنْ كَانَ الْإِمَامُ - نِسَاءَ الْمُسْلِمِينَ، لَا مُوَلِّيَاتُهُ.
الثَّانِي عَشَرَ: يَلِي، إنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ سَلَبْنَاهُ الْوِلَايَةَ انْتَقَلَتْ إلَى حَاكِمٍ مِثْلِهِ، وَإِلَّا فَلَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ، وَاسْتَحْسَنَهُ النَّوَوِيُّ.
الثَّالِثَ عَشَرَ: قَالَهُ فِي الْبَحْرِ - يَلِي ابْنَتَهُ، وَلَا يُقْبَلُ النِّكَاحُ لِابْنِهِ الْفَرْعُ الثَّانِي: الِاجْتِهَادُ: قِيلَ الْعَدَالَةُ رُكْنٌ فِيهِ وَالْأَصَحُّ: لَا، بَلْ هِيَ شَرْطٌ لِقَبُولِ إخْبَارِهِ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ الْأَخْذُ بِقَوْلِ نَفْسِهِ.
[مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَالَةُ الْبَاطِنَةُ وَمَا لَا]
: فِيهِ فُرُوعٌ مِنْهَا: أَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ: أَنَّ الشَّاهِدَ بِالرُّشْدِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ عَدَالَةِ الْمَشْهُودِ لَهُ بَاطِنًا بَلْ يَكْفِي الْعَدَالَةُ ظَاهِرًا.
стр. 387
وَمِنْهَا: شُهُودُ النِّكَاحِ يَكْفِي أَنْ يَكُونُوا مَسْتُورِينَ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِمْ مَعْرِفَةُ الْعَدَالَةِ الْبَاطِنَةِ عَلَى الصَّحِيحِ ; لِأَنَّ النِّكَاحَ يَنْعَقِدُ بَيْنَ أَوْسَاطِ النَّاسِ، وَمَنْ يُشَقُّ عَلَيْهِ الْبَحْثُ عَنْهَا فَاكْتُفِيَ بِالْعَدَالَةِ الظَّاهِرَةِ، وَلِهَذَا لَا يُكْتَفَى بِهَا لَوْ أُرِيدَ إثْبَاتُهُ عِنْدَ حَاكِمٍ، أَوْ كَانَ الْعَاقِدُ الْحَاكِمُ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ وَمِنْهَا: الرِّوَايَةُ، الْأَصَحُّ فِيهَا قَبُولُ الْمَسْتُورِ كَمَا صَحَّحَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَغَيْرِهِ.
وَمِنْهَا: وَلِيُّ النِّكَاحِ، وَالْأَبُ فِي مَالِ وَلَدِهِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِمَا الْعَدَالَةُ الْبَاطِنَةُ. وَمِنْهَا: الْمُفْتِي لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَالَةُ الْبَاطِنَةُ.
وَمِنْهَا: مَنْ لَهُ الْحَضَانَةُ. وَمِنْهَا: مَا فِي فَتَاوَى السُّبْكِيّ: أَنَّ النَّاظِرَ مِنْ جِهَةِ الْوَاقِفِ هَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَالَةُ الْبَاطِنَةُ كَالنَّاظِرِ مِنْ جِهَةِ الْقَاضِي، أَوْ فِيهِ الْعَدَالَةُ الْمُجَوِّزَةُ لِتَصَرُّفِ الْأَبِ فِي مَالِ وَلَدِهِ؟ مُحْتَمَلٌ وَالظَّاهِرُ: الثَّانِي. وَإِذَا حَكَمَ لَهُ الْحَاكِمُ بِالنَّظَرِ هَلْ يَتَوَقَّف عَلَى ثُبُوتِ عَدَالَتِهِ الْبَاطِنَةِ، أَوْ تَكْفِي عَدَالَتُهُ الظَّاهِرَةُ؟ مُحْتَمَلٌ وَيَتَّجِهُ أَنْ يَكُونَ كَالْأَبِ إذَا بَاعَ شَيْئًا وَأَرَادَ إثْبَاتَهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَالَةُ الْبَاطِنَةُ جَزْمًا
تَنْبِيهٌ: فِي الْمُرَادِ بِالْمَسْتُورِ أَوْجُهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ مَنْ عُرِفَتْ عَدَالَتُهُ ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا، وَهُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ.
الثَّانِي: أَنَّهُ مَنْ عُلِمَ إسْلَامُهُ وَلَمْ يُعْلَمْ فِسْقُهُ، وَهُوَ الَّذِي بَحَثَهُ الرَّافِعِيُّ، وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ عَنْ النَّصِّ، وَصَوَّبَهُ فِي الْمُهِمَّاتِ.
وَقَالَ السُّبْكِيُّ: إنَّهُ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ تَرْجِيحُهُ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ مَنْ عُرِفَتْ عَدَالَتُهُ بَاطِنًا فِي الْمَاضِي، وَشُكَّ فِيهَا وَقْتَ الْعَقْدِ فَيُسْتَصْحَبُ وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ السُّبْكِيُّ.
[مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ وَمَا لَا]
اتَّفَقُوا عَلَى قَبُولِ الْوَاحِدِ فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ، وَنَحْوِهِ، وَفِي دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَفِي الْهَدِيَّةِ وَالْإِذْنِ فِي دُخُولِ الدَّارِ. وَنَقَلَ ابْنُ حَزْمٍ: إجْمَاعَ الْأُمَّةِ عَلَى قَبُولِ قَوْلِ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ فِي إهْدَاءِ الزَّوْجَةِ لِزَوْجِهَا لَيْلَةَ الزِّفَافِ، مَعَ أَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ تَعْيِينِ مُبَاحٍ جُزْئِيٍّ لِجُزْئِيٍّ، فَكَانَ مُقْتَضَاهُ: أَنْ لَا يُقْبَلُ فِي مِثْلِهِ
стр. 388
لَكِنْ اعْتَضَدَ هَذَا بِالْقَرِينَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ عَادَةً: أَنَّ التَّدْلِيسَ لَا يَدْخُلُ فِي مِثْل هَذَا، وَيُبَدَّلُ عَلَى الزَّوْجِ غَيْرُ زَوْجَتِهِ.
وَهَذِهِ فُرُوعٌ جَرَى فِيهَا خِلَافٌ:
الْأَوَّلُ: الشَّهَادَةُ، وَلَا خِلَافَ عِنْدَنَا فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَدِ فِيهَا: إلَّا فِي هِلَالِ رَمَضَانَ، فَفِيهِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ، وَقَبُولُ الْوَاحِدِ فِيهِ وَاخْتُلِفَ عَلَى هَذَا هَلْ هُوَ جَارٍ مَجْرَى الشَّهَادَةِ، أَوْ الرِّوَايَةِ؟ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ وَيَنْبَنِي عَلَيْهِمَا قَبُولُ الْمَرْأَةِ، وَالْعَبْدُ فِيهِ، وَالْمَسْتُورُ، وَالْإِتْيَانُ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ، وَالِاكْتِفَاءُ فِيهِ بِالْوَاحِدِ عَنْ الْوَاحِدِ. وَالْأَصَحُّ فِي الْكُلِّ: مُرَاعَاةُ حُكْمِ الشَّهَادَةِ، إلَّا فِي الْمَسْتُورِ. وَحَيْثُ قُبِلَ الْوَاحِدُ، فَذَلِكَ فِي الصَّوْمِ، وَصَلَاةِ التَّرَاوِيحِ دُونَ حُلُولِ الْآجَالِ، وَالتَّعْلِيقَاتِ وَانْقِضَاءِ الْعُدَدِ وَنَظِيرُ ذَلِكَ: لَوْ شَهِدَ وَاحِدٌ بِإِسْلَامِ ذِمِّيٍّ مَاتَ، قُبِلَ فِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ عَلَى الْأَرْجَحِ دُونَ إرْثِ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ، وَمَنْعُ قَرِيبِهِ الْكَافِرِ اتِّفَاقًا.
وَنَظِيرُهُ أَيْضًا: لَوْ شُهِدَ بَعْدَ الْغُرُوبِ يَوْمَ الثَّلَاثِينَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ لَمْ تُقْبَلْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ ; إذْ لَا فَائِدَةَ لَهَا، إلَّا تَفْوِيتُ صَلَاةِ الْعِيدِ نَعَمْ: تُقْبَلُ فِي الْآجَالِ، وَالتَّعْلِيقَاتِ، وَنَحْوِهَا.
الثَّانِي: الرِّوَايَةُ وَالْجُمْهُورُ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْعَدَدِ فِيهَا وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ رِوَايَةَ اثْنَيْنِ، وَقِيلَ أَرْبَعَةٌ. وَقَدْ ذَكَرْت حُجَجَ ذَلِكَ، وَرَدَّهَا فِي شَرْحِ التَّقْرِيبِ وَالتَّيْسِيرِ مَبْسُوطًا الثَّالِثُ: الْخَارِصُ وَفِيهِ قَوْلَانِ: أَصَحُّهُمَا: الِاكْتِفَاءُ بِالْوَاحِدِ، تَشْبِيهًا بِالْحُكْمِ وَالثَّانِي: غَلَّبَ جَانِبَ الشَّهَادَةِ وَفِي وَجْهٍ ثَالِثٍ: إنْ خَرَصَ عَلَى مَحْجُورٍ أَوْ غَائِبٍ شُرِطَ اثْنَانِ، وَإِلَّا فَلَا وَعَلَى الْأَوَّلِ: الْأَصَحُّ: اشْتِرَاطُ حُرِّيَّتِهِ وَذُكُورَتِهِ، كَمَا فِي هِلَالِ رَمَضَانَ.
стр. 389
الرَّابِعُ: الْقَاسِم، وَفِيهِ قَوْلَانِ لِتَرَدُّدِهِ أَيْضًا بَيْنَ الْحَاكِمِ وَالشَّاهِدِ، وَالْأَصَحُّ: يَكْفِي وَاحِدٌ الْخَامِسُ الْمُقَوِّمُ: وَيُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا لِأَنَّ التَّقْوِيمَ شَهَادَةٌ مَحْضَةٌ، وَمَالِكٌ أَلْحَقَهُ بِالْحَاكِمِ السَّادِسُ الْقَائِفُ وَفِيهِ خِلَافٌ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ وَالْأَصَحُّ: الِاكْتِفَاءُ بِالْوَاحِدِ تَغْلِيبًا لِشَبَهِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّهُ مُنْتَصِبٌ انْتِصَابًا عَامًّا لِإِلْحَاقِ النَّسَبِ السَّابِعُ الْمُتَرْجِمُ كَلَامَ الْخُصُومِ لِلْقَاضِي، وَالْمَذْهَبُ: اشْتِرَاطُ الْعَدَدِ فِيهِ الثَّامِنُ الْمُسْمِعُ إذَا كَانَ الْقَاضِي أَصَمَّ وَالْأَصَحُّ اشْتِرَاطُ الْعَدَدِ فِيهِ وَالثَّانِي: غَلَّبَ جَانِبَ الرِّوَايَةِ.
وَالثَّالِثُ: إنْ كَانَ الْخَصْمَانِ أَصَمَّيْنِ أَيْضًا: اُشْتُرِطَ وَإِلَّا فَلَا. وَأَمَّا إسْمَاعُ الْخُصُومِ كَلَامَ الْقَاضِي وَمَا يَقُولُهُ الْخَصْمُ: فَجَزَمَ الْقَفَّالُ بِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ فِيهِ إلَى الْعَدَدِ وَكَأَنَّهُ اعْتَبَرَهُ رِوَايَةً فَقَطْ.
التَّاسِعُ: الْمُعَرِّفُ، ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي الْوِكَالَةِ فِيمَا إذَا ادَّعَى الْوَكِيلُ لِمُوَكِّلِهِ الْغَائِبِ وَهُوَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ أَنَّ الْعَبَّادِيَّ قَالَ: لَا بُدَّ وَأَنْ يُعَرِّفَ بِالْمُوَكِّلِ شَاهِدَانِ يَعْرِفْهُمَا الْقَاضِي، وَيَثِقُ بِهِمَا. قَالَ: هَذِهِ عِبَارَةُ الْعَبَّادِيِّ، وَاَلَّذِي قَالَهُ الْعِرَاقِيُّونَ: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ وَكَّلَهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو سَعْدٍ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْعَبَّادِيِّ: يُمْكِنُ أَنْ يَكْتَفِيَ بِمُعَرِّفٍ وَاحِدٍ إذَا كَانَ مَوْثُوقًا بِهِ، كَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَنَّ تَعْرِيفَهُ فِي تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهَا يَحْصُل بِمُعَرِّفٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ وَلَيْسَ بِشَهَادَةِ.
стр. 390
الْعَاشِرُ: بَعْثُ الْحَكَمِ عِنْدَ الشِّقَاقِ. هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا؟ فِيهِ وَجْهَانِ اخْتَارَ ابْنُ كَجٍّ: الْمَنْعَ، لِظَاهِرِ الْآيَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ: إنْ جَعَلْنَاهُ تَحْكِيمًا لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ الْعَدَدُ، أَوْ تَوْكِيلًا فَكَذَلِكَ، إلَّا فِي الْخُلْعِ فَيَكُونُ عَلَى الْخِلَافِ فِي تَوَلِّي الْوَاحِدِ طَرَفَيْ الْعَقْدِ.
الْحَادِيَ عَشَرَ: اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي صِفَةٍ هَلْ هِيَ عَيْبٌ؟ قَالَ فِي التَّهْذِيبِ: يُرْجَعُ إلَى قَوْلِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِأَنَّهُ عَيْبٌ يَثْبُتُ بِهِ الرَّدُّ. وَاعْتَبَرَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ شَهَادَةَ اثْنَيْنِ، لِقُوَّةِ شَبَهِهِ بِالشَّهَادَةِ، كَالتَّقْوِيمِ.
وَلَوْ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي قُرْحَةٍ هَلْ هِيَ جُذَامٌ؟ أَوْ فِي بَيَاضٍ هَلْ هُوَ بَرَصٌ؟ اُشْتُرِطَ فِيهِ شَهَادَةُ شَاهِدَيْنِ عَالِمَيْنِ بِالطِّبِّ. كَذَا جُزِمَ بِهِ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ ; فِي النِّكَاحِ
الثَّانِيَ عَشَرَ: فِي الرُّجُوعِ إلَى قَوْلِ الطَّبِيبِ، وَذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ:
أَحَدُهَا: فِي الْمَاءِ الْمُشَمَّسِ عَلَى الْوَجْهِ الْقَائِلِ بِمُرَاجَعَةِ أَهْلِ الطِّبِّ. قَالَ فِي الْبَيَانِ: إنْ قَالَ طَبِيبَانِ إنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ كُرِهَ، وَإِلَّا فَلَا. قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَاشْتِرَاطُ طَبِيبَيْنِ ضَعِيفٌ، بَلْ يَكْفِي وَاحِدٌ، فَإِنَّهُ مِنْ بَابِ الْإِخْبَارِ.
ثَانِيهَا: اعْتِمَادُهُ فِي الْمَرَضِ الْمُبِيحِ لِلتَّيَمُّمِ، وَاَلَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ يَكْفِي قَوْلُ طَبِيبٍ وَاحِدٍ وَفِي وَجْهٍ: لَا بُدَّ مِنْ اثْنَيْنِ وَفِي. ثَالِثٍ: يَجُوزُ اعْتِمَادُ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ.
وَفِي رَابِعٍ: وَالْفَاسِقُ وَالْمُرَاهِقُ وَفِي خَامِسٍ: وَالْكَافِرُ.
ثَالِثُهَا: اعْتِمَادُهُ فِي كَوْنِ الْمَرَضِ مَخُوفًا فِي الْوَصِيَّةِ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْإِسْلَامِ وَالْبُلُوغِ وَالْعَدَالَةِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْعَدَدِ. قَالَ: وَلَا يَبْعُدُ جَرَيَانُ الْخِلَافِ الَّذِي فِي التَّيَمُّمِ هُنَا.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمَذْهَبُ الْجَزْمُ بِاشْتِرَاطِ الْعَدَدِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُقُوقُ آدَمِيِّينَ
стр. 391
مِنْ الْوَرَثَةِ وَالْمُوصَى لَهُمْ فَاشْتُرِطَ فِيهِ شُرُوطُ الشَّهَادَةِ لِغَيْرِهِ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ حَقُّ اللَّهِ وَلَهُ بَدَلٌ.
رَابِعُهَا: اعْتِمَادُهُ فِي أَنَّ الْمَجْنُونَ يَنْفَعُهُ التَّزْوِيجُ وَكَذَا الْمَجْنُونَةُ. وَعِبَارَةُ الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ تَقْتَضِي اشْتِرَاطَ الْعَدَدِ. وَحَيْثُ قَالَا عِنْدَ إشَارَةِ الْأَطِبَّاءِ. وَفِي مَوْضِعِ أَرْبَابِ الطِّبِّ وَعِبَارَةُ الشَّامِلِ: إذَا قَالَ أَهْلُ الطِّبِّ قَالَ الْعَلَائِيُّ: وَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا تَعَرَّضَ لِلِاكْتِفَاءِ فِيهِ بِوَاحِدٍ وَلَا يَبْعُدُ لِأَنَّهُ جَارٍ مَجْرَى الْإِخْبَارِ.
[تَذْنِيبٌ: مُقَدَّرَاتُ الشَّرِيعَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ]
تَذْنِيبٌ:
مُقَدَّرَاتُ الشَّرِيعَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا: مَا يُمْنَعُ فِيهِ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ، كَأَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ وَالْحُدُودِ وَفُرُوضِ الْمَوَارِيثِ.
الثَّانِي: مَا لَا يَمْنَعُهَا كَالثَّلَاثِ فِي الطَّهَارَةِ. الثَّالِثُ: مَا يَمْنَعُ الزِّيَادَةَ دُونَ النُّقْصَانِ. كَخِيَارِ الشَّرْطِ بِثَلَاثٍ وَإِمْهَالِ الْمُرْتَدِّ بِثَلَاثٍ، وَالْقَسَم بَيْنَ الزَّوْجَاتِ بِثَلَاثٍ.
الرَّابِعُ: عَكْسُهُ كَالثَّلَاثِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ، وَالتَّسْبِيعِ فِي الْوُلُوغِ، وَالطَّوَافِ، وَالْخَمْسِ فِي الرَّضَاعِ، وَالنُّجُومِ فِي الْكِتَابَةِ، وَنُصُبِ الزَّكَاةِ وَالشَّهَادَةِ وَالسَّرِقَةِ.
تَذْنِيبٌ:
الْمُقَدَّرَاتُ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا: مَا هُوَ تَقْرِيبٌ قَطْعًا كَسِنِّ الرَّقِيقِ الْمُوَكَّلِ فِي شِرَائِهِ أَوْ الْمُسَلَّمِ فِيهِ حَتَّى لَوْ شَرَطَ التَّحْدِيدَ بَطَلَ الْعَقْدُ.
الثَّانِي: مَا هُوَ تَحْدِيدٌ قَطْعًا كَتَقْدِيرِ مُدَّةِ الْخُفِّ، وَأَحْجَارِ الِاسْتِنْجَاءِ وَغَسْلِ وُلُوغِ الْكَلْبِ، وَالْأَرْبَعِينَ فِي الْجُمُعَةِ وَنُصُبِ الزَّكَاةِ وَأَصْنَافِهَا وَسِنِّ الْأُضْحِيَّةِ، وَآجَالِ الزَّكَاةِ، وَالْجِزْيَةِ، وَالدِّيَةِ، وَتَغْرِيبِ الزَّانِي وَإِنْظَارِ الْمَوْلَى، وَالْعِنِّينِ، وَمُدَّةِ الرَّضَاعِ وَمَقَادِيرِ الْحُدُودِ، وَنِصَابِ السَّرِقَةِ.
الثَّالِثُ: مَا فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ تَقْرِيبٌ: كَتَقْدِيرِ الْقُلَّتَيْنِ بِخَمْسِمِائَةٍ وَسِنِّ الْحَيْض بِتِسْعٍ وَالْمَسَافَةِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ بِثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ وَمَسَافَةِ الْقَصْرِ بِثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ مِيلًا.
الرَّابِعُ: عَكْسُهُ كَتَقْدِيرِ الْخَمْسَةِ الْأَوْسُقِ بِأَلْفٍ وَسِتِّمِائَةِ رَطْلٍ بِالْبَغْدَادِيِّ.
стр. 392
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَسَبَبُ تَحْدِيدِ مَا ذَكَرَ أَنَّ هَذِهِ الْمُقَدَّرَاتِ مَنْصُوصَةٌ، وَلِتَقْدِيرِهَا حِكْمَةٌ، فَلَا يَسُوغُ مُخَالَفَتُهَا وَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ: فَيُشْبِهُ أَنَّ تَقْدِيرَهُ بِالِاجْتِهَادِ ; إذْ لَمْ يَجِئْ نَصٌّ صَرِيحٌ صَحِيحٌ فِي ذَلِكَ. وَمَا قَارَبَ الْقَدْرَ، فَهُوَ فِي الْمَعْنَى مِثْلُهُ.
تَذْنِيبٌ:
قَدْ يُقَدَّرُ الشَّيْءُ بِحَدٍّ وَلَا يَبْلُغُ بِهِ الْحَدُّ: مِنْ ذَلِكَ: الْعَرَايَا بِمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، وَالْهُدْنَةُ بِمَا دُونِ السَّنَةِ، وَالْحُكُومَةُ بِمَا دُونِ الدِّيَةِ، وَالرَّضْخُ بِمَا دُونِ السَّهْمِ، وَالتَّعْزِيرُ بِمَا دُونِ الْحَدِّ، حَتَّى لَوْ عَزَّرَ بِالنَّفْيِ لَمْ يَبْلُغْ سَنَةً، وَالْمُتْعَةُ بِمَا دُونِ الشَّطْرِ فِي رَأْيٍ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا بَدَلٌ عَنْهُ وَمِنْ ذَلِكَ: خَاتَمُ الْفِضَّةِ بِمَا دُونِ مِثْقَالٍ، لِقَوْلِهِ ﷺ «اتَّخِذْهُ مِنْ وَرِقٍ وَلَا تُتِمُّهُ مِثْقَالًا» .
تَذْنِيبٌ:
أَكْثَرُ عَدَدٍ اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ الثَّلَاثَةَ ثُمَّ السَّبْعَةَ، فَاعْتُبِرَتْ الثَّلَاثَةُ فِي مَسَحَاتِ الِاسْتِنْجَاءِ وَالطَّهَارَةِ: وُضُوءًا وَغُسْلًا، وَمُدَّةِ الْخُفِّ لِلْمُسَافِرِ، وَالْعَادَاتِ غَالِبًا، وَمُدَّةِ الْخِيَارِ، وَالْقَسَمِ، وَالْإِحْدَادِ عَلَى غَيْرِ الزَّوْجِ، وَالطَّلَاقِ، وَالْإِقْرَارِ، وَالْأَشْهُرِ فِي الْعِدَّةِ، وَإِمْهَالِ الزَّوْجَةِ لِلدُّخُولِ، وَالْمُرْتَدِّ، وَتَارِكِ الصَّلَاةِ إنْ أَمْهَلْنَاهُمَا، وَتَسْبِيحَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَشَهَادَةِ الْإِعْسَارِ فِي رَأْيِ الْفُورَانِيِّ وَالْمُتَوَلِّي، وَالْعَدَدِ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ بَيْعَةَ الْإِمَامِ فِي رَأْيٍ وَاعْتُبِرَتْ السَّبْعَةُ: فِي غُسْلِ الْوُلُوغِ وَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَالْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ، وَأَشْوَاطِ الطَّوَافِ، وَالسَّعْيِ، وَسِنِّ التَّمْيِيزِ، وَالْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ.
وَاعْتُبِرَ الِاثْنَانِ فِي الْجَمَاعَةِ وَالشَّهَادَةِ غَالِبًا وَاعْتُبِرَتْ الْأَرْبَعَةُ: فِي عَدَدِ الْمَنْكُوحَاتِ، وَشَهَادَةِ الزِّنَا، وَاللِّوَاطِ، وَإِتْيَانِ الْبَهِيمَةِ. وَالْعَدَدِ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ الْبَيْعَةَ فِي رَأْيٍ. وَالْخَمْسَةُ: فِي تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَأَوَّلِ نِصَابِ الْإِبِلِ، وَالْعَدَدِ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ الْبَيْعَةَ فِي رَأْيٍ. وَالتِّسْعَةُ: فِي تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ فِي الْخُطْبَةِ الْأُولَى وَسِنِّ الْحَيْضِ وَالْإِنْزَالِ. وَالْعَشَرَةُ: فِي سِنِّ الضَّرْبِ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ وَالثَّلَاثُونَ: فِي أَوَّلِ نِصَابِ الْبَقَرِ
стр. 393
وَالْأَرْبَعُونَ: فِي الْعَدَدِ الَّذِي تَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمُعَةُ، وَاَلَّذِينَ يَحْضُرُونَ الْبَيْعَةَ عَلَى رَأْيٍ، وَأَوَّلِ نِصَابِ الْغَنَمِ. وَالسَّبْعُونَ: فِي الْخُطُوَاتِ لِلِاسْتِبْرَاءِ. وَالْمِائَةُ: فِي الدِّيَةِ ضَابِطٌ لَيْسَ لَنَا مَوْضِعٌ يُعْتَبَرُ فِيهِ حُضُورُ أَرْبَعِينَ كَامِلِينَ إلَّا الْجُمُعَةَ وَالْعَدَدَ الَّذِينَ يُبَايِعُونَ الْإِمَامَ عَلَى رَأْيٍ.
[الْقَوْلُ فِي الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ وَالْإِعَادَةِ وَالتَّعْجِيلِ]
ِ: الْعِبَادَةُ: إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَقْتٌ مَحْدُودُ الطَّرَفَيْنِ لَمْ تُوصَفْ بِأَدَاءٍ وَلَا قَضَاءٍ وَلَا تَعْجِيلٍ، كَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَرَدِّ الْمَغْصُوبِ وَالتَّوْبَةِ مِنْ الذُّنُوبِ، وَإِنْ أَثِمَ الْمُؤَخِّرُ لَهَا عَنْ الْمُبَادَرَةِ إلَيْهِ فَلَوْ تَدَارَكَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى قَضَاءً. وَإِنْ كَانَ: فَإِمَّا أَنْ يَقَعَ فِي الْوَقْتِ أَوْ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ.
وَالثَّانِي: التَّعْجِيلُ.
وَالثَّالِث: الْقَضَاءُ. وَالْأَوَّلُ: إنْ لَمْ يَسْبِقْ بِفِعْلِهَا مَرَّةً أُخْرَى، فَالْأَدَاءُ وَإِلَّا فَالْإِعَادَةُ. مَا يُوصَفُ بِالْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ وَمَا لَا فِيهِ فُرُوعٌ الْأَوَّلُ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ: يُوصَفَانِ بِالْأَدَاءِ وَتَرَدَّدَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي وَصْفِهِمَا بِالْقَضَاءِ وَلَمْ يَقِفْ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَلَى نَقْلٍ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: يُمْكِنُ وَصْفُ الْوُضُوءِ بِالْقَضَاءِ تَبَعًا لِلصَّلَاةِ وَصُوَرُهُ: بِمَا إذَا خَرَجَ الْوَقْتُ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ وَلَمْ يُصَلِّ فَلَوْ تَوَضَّأَ بَعْدَ الْوَقْتِ سُمِّيَ قَضَاءً وَيُقَوِّي ذَلِكَ إذَا قُلْنَا يَجِبُ الْوُضُوءُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ.
стр. 394
قِيلَ: وَفَائِدَةُ ذَلِكَ تَظْهَرُ فِي لَابِسِ خُفٍّ أَحْدَثَ وَلَمْ يَمْسَحْ ; وَخَرَجَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، ثُمَّ سَافَرَ، صَارَ الْوُضُوءُ قَضَاءً عَنْ الْمَسْحِ الْوَاجِبِ فِي الْحَضَرِ، فَلَا يَمْسَحُ إلَّا مَسْحَ مُقِيمٍ، كَمَا قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ لِمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ فِي الْحَضَرِ، فَقَضَاهَا فِي السَّفَرِ فَإِنَّهُ يُتِمُّ، وَالْجُمْهُورُ مَنَعُوا ذَلِكَ وَقَالُوا: يَمْسَحُ ثَلَاثًا، وَفَرَّقُوا بِأَنَّ الْوُضُوءَ لَمْ يَسْتَقِرَّ فِي الذِّمَّةِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِأَدَاءِ الْوُضُوءِ: الْإِيقَاعُ، لَا الْمُقَابِلُ لِلْقَضَاءِ الثَّانِي الْأَذَانُ، هَلْ يُوصَفُ بِالْأَدَاءِ أَوْ الْقَضَاءِ؟ لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إنْ قُلْنَا الْأَذَانُ لِلْوَقْتِ، فَفِعْلُهُ بَعْدَهُ لِلْمَقْضِيَّةِ قَضَاءٌ، فَيُوصَفُ بِهِمَا وَإِنْ قُلْنَا: لِلصَّلَاةِ، وَهُوَ الْقَدِيمُ الْمُعْتَمَدُ فَلَا الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ وَالْخَامِسُ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَالْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ، كُلُّهَا تُوصَفُ بِالْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ.
فَإِنْ قِيلَ: وَقْتُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، الْعُمُرُ كُلُّهُ فَكَيْفَ يُوصَفُ بِالْقَضَاءِ إذَا شَرَعَ فِيهِ، ثُمَّ أَفْسَدَهُ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ تَضَيَّقَ بِالشُّرُوعِ فِيهِ.
وَنَظِيرُهُ قَوْلُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَالْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيِّ: لَوْ أَفْسَدَ الصَّلَاةَ صَارَتْ قَضَاءً وَإِنْ أَوْقَعَهَا فِي الْوَقْتِ ; لِأَنَّ الْخُرُوجَ مِنْهَا لَا يَجُوزُ، فَيَلْزَمُ فَوَاتُ وَقْتِ الْإِحْرَامِ بِهَا، نَقَلَهُ الْإِسْنَوِيّ سَاكِتًا عَلَيْهِ، لَكِنْ ضَعَّفَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَقَالَ: يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي الْجُمُعَةِ لَمْ تُعَدْ لِأَنَّهَا لَا تُقْضَى وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ السَّادِسُ النَّوَافِلُ الْمُؤَقَّتَةُ، كُلُّهَا تُوصَفُ بِهِمَا السَّابِعُ: صَلَاةُ الْجُمُعَةِ تُوصَفُ بِالْأَدَاءِ، لَا بِالْقَضَاءِ الثَّامِنُ: الصَّلَاةُ الَّتِي لَهَا سَبَبٌ لَا تُوصَفُ بِالْقَضَاءِ
стр. 395
التَّاسِعُ: صَلَاةُ الْجِنَازَةِ، لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهَا وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تُوصَفُ بِالْأَدَاءِ، وَبِالْقَضَاءِ إذَا دُفِنَ قَبْلَهَا فَصُلِّيَ عَلَى الْقَبْرِ، لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ حِينَئِذٍ أَدَاءً لَمْ يَحْرُمْ التَّأْخِيرُ إلَيْهِ وَهُوَ حَرَامٌ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لَهَا وَقْتًا مَحْدُودًا الْعَاشِرُ: الرَّمْيُ: إذَا تُرِكَ رَمْيُ يَوْمٍ، تَدَارَكَهُ فِي بَاقِي الْأَيَّامِ وَهَلْ هُوَ أَدَاءُ أَوْ قَضَاءٌ؟ فِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا: قَضَاءٌ، لِمُجَاوَزَتِهِ الْوَقْتَ الْمَضْرُوبَ لَهُ وَأَظْهَرهُمَا: أَدَاءٌ لِأَنَّ صِحَّتَهُ مُؤَقَّتَةٌ بِوَقْتٍ مَحْدُودٍ، وَالْقَضَاءُ: لَيْسَ كَذَلِكَ. وَعَلَى هَذَا: لَا يَجُوزُ تَدَارُكُهُ لَيْلًا، وَلَا قَبْلَ الزَّوَالِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ رَمْيٌ. وَيَجُوزُ تَأْخِيرُ رَمْيِ يَوْمٍ وَيَوْمَيْنِ، لِيَفْعَلَهُ مَعَ مَا بَعْدَهُ، وَتَقْدِيمُ الْيَوْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ مَعَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَيَجِبُ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْمَتْرُوكِ وَرَمْيِ الْيَوْمِ.
وَعَلَى الْأَوَّلِ: يَكُونُ الْأَمْرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ. هَكَذَا فَرَّعَ الرَّافِعِيُّ وَجَزَمَ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ بِتَصْحِيحِهِ، أَعْنِي مَنْعَ التَّدَارُكِ لَيْلًا وَقَبْلَ الزَّوَالِ، وَجَوَازَ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ
وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ: الْجَوَازَ لَيْلًا، وَقَبْلَ الزَّوَالِ وَمَنَعَ التَّقْدِيمَ، وَعَدَمَ وُجُوبِ التَّرْتِيبِ إذَا تَدَارَكَهُ قَبْلَ الزَّوَالِ الْحَادِيَ عَشَرَ: كَفَّارَةُ الْمُظَاهِرِ تَصِيرُ قَضَاءً إذَا جَامَعَ قَبْلَ إخْرَاجِهَا، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ.
الثَّانِيَ عَشَرَ: زَكَاةُ الْفِطْرِ، إذَا أَخَّرَهَا عَنْ يَوْمِ الْعِيدِ، صَارَتْ قَضَاءً.
وَالْحَاصِل: أَنَّ مَا لَهُ وَقْتٌ مَحْدُودٌ، يُوصَفُ بِالْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ إلَّا الْجُمُعَةَ، وَمَا لَا فَلَا.
وَمِنْ هُنَا عُلِمَ فَسَادُ قَوْلِ صَاحِبِ الْمُعَايَاةِ: كُلُّ صَلَاةٍ تَفُوتُ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ لَا تُقْضَى إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَهِيَ: رَكْعَتَا الطَّوَافِ لِأَنَّهَا لَا تَتَكَرَّرُ، بِخِلَافِ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى قَضَاءً ; إذْ الْقَضَاءُ: إنَّمَا يَدْخُل الْمُؤَقَّتَ، وَهَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ لَا يَفُوتَانِ أَبَدًا مَادَامَ حَيًّا. نَعَمْ يُتَصَوَّرُ قَضَاؤُهُمَا فِي صُورَةِ الْحَجِّ عَنْ الْمَيِّتِ - إنْ سُلِّمَ أَيْضًا - أَنَّ فِعْلَهُمَا يُسَمَّى قَضَاءً.
стр. 396
تَنْبِيهٌ:
مِنْ الْمُشْكِلِ قَوْلُ الْأَصْحَابِ: يَدْخُلُ وَقْتُ الرَّوَاتِبِ قَبْلَ الْفَرْضِ بِدُخُولِ وَقْتِ الْفَرْضِ وَبَعْدَهُ بِفِعْلِهِ، وَيَخْرُجُ النَّوْعَانِ بِخُرُوجِ وَقْتِ الْفَرْضِ.
وَوَجْهُ الْإِشْكَالِ: الْحُكْمُ عَلَى الرَّاتِبَةِ الْبَعْدِيَّةِ بِخُرُوجِ وَقْتِهَا بِخُرُوجِ وَقْتِ الْفَرْضِ.
وَذَلِكَ شَامِلٌ لِمَا إذَا فَعَلَ الْفَرْضَ، وَلِمَا إذَا لَمْ يَفْعَلْ، مَعَ أَنَّ الْوَقْتَ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ لَمْ يَدْخُلْ بَعْدُ، فَكَيْفَ يُقَالُ بِخُرُوجِهِ وَبِصَيْرُورَتِهَا قَضَاءٌ؟
وَأَقْرَبُ مَا يُجَابُ بِهِ أَنْ يُقَالَ: إنَّ وَقْتَهَا يَدْخُلُ بِوَقْتِ الْفَرْضِ وَفِعْلُهُ شَرْطٌ لِصِحَّتِهَا.
قَاعِدَةٌ: كُلُّ عِبَادَةٍ مُؤَقَّتَةٍ فَالْأَفْضَلُ تَعْجِيلُهَا أَوَّلَ الْوَقْتِ إلَّا فِي صُوَرٍ: الظُّهْرُ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، حَيْثُ يُسَنُّ الْإِبْرَادُ، وَصَلَاةُ الضُّحَى أَوَّلُ وَقْتِهَا طُلُوعُ الشَّمْسِ، وَيُسَنُّ تَأْخِيرُهَا لِرُبْعِ النَّهَارِ، وَصَلَاةُ الْعِيدَيْنِ: يُسَنُّ تَأْخِيرُهَا لِارْتِفَاعِ الشَّمْسِ، وَالْفِطْرَةُ: أَوَّلُ وَقْتهَا غُرُوبُ شَمْسِ لَيْلَةَ الْعِيدِ، وَيُسَنُّ تَأْخِيرُهَا لِيَوْمِهِ، وَرَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَطَوَافُ الْإِفَاضَةِ، وَالْحَلْقُ، كُلُّهَا يَدْخُلُ وَقْتُهَا بِنِصْفِ لَيْلَةَ النَّحْرِ.
وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا لِيَوْمِ النَّحْرِ وَقُلْت فِي ذَلِكَ
: أَوَّلُ الْوَقْتِ فِي الْعِبَادَةِ أَوْلَى ... مَا عَدَا سَبْعَةً، أَنَا الْمُسْتَقْرِي
فِطْرَةٌ وَالضُّحَى وَعِيدٌ وَظُهْرٌ ... وَالطَّوَافُ الْحِلَاقُ رَمْيُ النَّحْرِ
وَإِنْ شِئْت، فَقُلْ بَدَلَ هَذَا الْبَيْتِ:
الضُّحَى الْعِيدُ فِطْرَةٌ ثُمَّ ظُهْرٌ ... حَيْثُ الْإِبْرَادُ سَائِغٌ بِالْحَرِّ
وَطَوَافُ الْحَجِيجِ ثُمَّ حِلَاقٌ ... بَعْدَ حَجٍّ وَرَمْيِ يَوْمِ النَّحْرِ
ضَابِطٌ:
لَيْسَ لَنَا قَضَاءٌ يَتَأَقَّتُ إلَّا فِي صُوَرٍ: أَحَدُهَا: عَلَى رَأْيٍ ضَعِيفٍ فِي الرَّوَاتِبِ. قِيلَ: يَقْضِي فَائِتَةَ النَّهَارِ، مَا لَمْ تَغْرُبْ شَمْسُهُ. وَفَائِتَةَ اللَّيْلِ، مَا لَمْ يَطْلُعْ فَجْرُهُ.
وَقِيلَ: كُلُّ تَابِعٍ مَا لَمْ يُصَلِّ فَرِيضَةً مُسْتَقِلَّةً. وَقِيلَ: مَا لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهَا.
الثَّانِي: - عَلَى رَأْيٍ أَيْضًا - وَهُوَ الرَّمْيُ، لَا يُقْضَى إلَّا بِاللَّيْلِ.
الثَّالِثُ: كَفَّارَةُ الْمُظَاهِرِ إذَا جَامَعَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ صَارَتْ قَضَاءً.
стр. 397
وَيَجِبُ أَنْ يُوقِعَ الْقَضَاءَ قَبْلَ جِمَاعٍ آخَرَ.
الرَّابِعُ: قَضَاءُ رَمَضَانَ مُؤَقَّتٌ بِمَا قَبْلَ رَمَضَانَ آخَرَ
فَائِدَةٌ: مِنْ الْعِبَادَاتِ: مَا يُقْضَى فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ كَالصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ. وَمِنْهَا: مَا لَا يُقْضَى إلَّا فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ كَالْحَجِّ. وَمِنْهَا: مَا يُقْضَى عَلَى الْفَوْرِ كَالْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ إذَا فَسَدَا، وَالصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ الْمَتْرُوكَيْنِ عَمْدًا، وَمَا يُقْضَى عَلَى التَّرَاخِي كَالْمَتْرُوكَيْنِ بِعُذْرٍ.
[قَاعِدَةٌ: فِيمَا يَجِبُ قَضَاؤُهُ بَعْدَ فِعْلِهِ لِخَلَلٍ وَمَا لَا يَجِبُ]
ُ. قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: قَالَ الْأَصْحَابُ: الْأَعْذَارُ قِسْمَانِ: عَامٌّ، وَنَادِرٌ، فَالْعَامُّ: لَا قَضَاءَ مَعَهُ لِلْمَشَقَّةِ، وَمِنْهُ: صَلَاةُ الْمَرِيضِ قَاعِدًا، أَوْ مُومِيًا، أَوْ مُتَيَمِّمًا ; وَالصَّلَاةُ بِالْإِيمَاءِ فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ، وَبِالتَّيَمُّمِ فِي مَوْضِعٍ، يَغْلِبُ فِيهِ فَقْدُ الْمَاءِ. وَالنَّادِرُ: قِسْمَانِ: قِسْمٌ يَدُومُ غَالِبًا، وَقِسْمٌ لَا يَدُومُ.
فَالْأَوَّلُ: كَالْمُسْتَحَاضَةِ، وَسَلَسِ الْبَوْلِ، وَالْمَذْيِ، وَمَنْ بِهِ جُرْحٌ سَائِلٌ، أَوْ رُعَافٌ دَائِمٌ، أَوْ اسْتَرْخَتْ مَقْعَدَتُهُ فَدَامَ خُرُوجُ الْحَدَثِ مِنْهُ، وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ، فَكُلُّهُمْ يُصَلُّونَ مَعَ الْحَدَثِ، وَالنَّجَسِ، وَلَا يُعِيدُونَ لِلْمَشَقَّةِ وَالضَّرُورَةِ.
وَالثَّانِي نَوْعَانِ: نَوْعٌ يَأْتِي مَعَهُ بِبَدَلٍ لِلْخَلَلِ، وَنَوْعٌ لَا يَأْتِي.
فَالْأَوَّلُ: كَمَنْ تَيَمَّمَ فِي الْحَضَرِ لِعَدَمِ الْمَاءِ، أَوْ لِلْبَرْدِ مُطْلَقًا، أَوْ لِنِسْيَانِ الْمَاءِ فِي رَحْلِهِ، أَوْ مَعَ الْجَبِيرَةِ الْمَوْضُوعَةِ عَلَى غَيْرِ طُهْر، وَالْأَصَحُّ فِي الْكُلِّ: وُجُوبُ الْإِعَادَةِ.
وَمِنْهُ مَنْ تَيَمَّمَ مَعَ الْجَبِيرَةِ الْمَوْضُوعَةِ عَلَى طُهْرٍ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، فِي الْأَصَحِّ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ جَعَلَ مَسْأَلَةَ الْجَبِيرَةِ: مِنْ الْعُذْرِ الْعَامِّ وَهُوَ حَسَنٌ.
وَالثَّانِي: كَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا، وَالزَّمِنِ، وَالْمَرِيضِ الَّذِي لَمْ يَجِدْ مَنْ يُوَضِّئُهُ، أَوْ مَنْ يُوَجِّهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ، وَالْأَعْمَى الَّذِي لَمْ يَجِدْ مَنْ يَدُلُّهُ عَلَيْهَا، وَمَنْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ لَا يُعْفَى عَنْهَا، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى إزَالَتِهَا وَالْمَرْبُوطِ عَلَى خَشَبَةٍ وَمَنْ شُدَّ وَثَاقُهُ ; وَالْغَرِيقِ، وَمَنْ حُوِّلَ عَنْ الْقِبْلَةِ، أَوْ أُكْرِهَ عَلَى الصَّلَاةِ مُسْتَدْبِرًا أَوْ قَاعِدًا.
стр. 398
فَكُلُّ هَؤُلَاءِ تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْإِعَادَةُ ; لِنُدُورِ هَذِهِ الْأَعْذَارِ.
وَأَمَّا الْعَارِي: فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَقِيلَ: يُومِئُ، وَيُعِيدُ، وَمَنْ خَافَ فَوْتَ الْوُقُوفِ لَوْ صَلَّى الْعِشَاءَ. قِيلَ: يُصَلِّي صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ وَيُعِيدُ، وَاخْتَارَهُ الْبُلْقِينِيُّ. صَرَّحَ بِهِ الْعِجْلِيُّ، كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْكِفَايَةِ وَقِيلَ: لَا يُعِيدُ. وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ، وَيُفَوِّتُ الْوُقُوفَ، وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ. وَقِيلَ: يُبَادِرُ إلَى الْوُقُوفِ، وَيُفَوِّتُ الصَّلَاةَ لِأَنَّهَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَنْ الْوَقْتِ، لِلْجَمْعِ بِمَشَقَّةِ السَّفَرِ، وَمَشَقَّةُ فَوَاتِ الْحَجِّ أَصْعُبُ، وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ.
[قَاعِدَةٌ: الْأَصَحُّ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِوَقْتِ الْقَضَاءِ دُونَ الْأَدَاءِ]
ِ فَيَقْضِي الصَّلَاةَ اللَّيْلِيَّةَ نَهَارًا سِرًّا، وَالنَّهَارِيَّةَ لَيْلًا جَهْرًا. وَلَوْ قُضِيَتْ صَلَاةُ الْعِيدِ فَإِنْ كَانَ فِي أَيَّامِ التَّكْبِيرِ، فَوَاضِحٌ أَوْ بَعْدَ انْقِضَائِهَا لَمْ يُكَبِّرْ فِيهَا السَّبْعَ وَالْخَمْسَ. صَرَّحَ بِهِ الْعِجْلِيُّ، كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْكِفَايَةِ. وَلَيْسَ لَنَا صَلَاةٌ تُقْضَى عَلَى غَيْرِ هَيْئَتِهَا، إلَّا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَيُشْبِهُ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ قَاعِدَةُ الْأَصَحُّ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْكَفَّارَاتِ بِوَقْتِ الْأَدَاةِ، دُونَ الْوُجُوبِ
تَنْبِيهٌ:
مِنْ الْمُشْكِلِ قَوْلُهُ، فِي الرَّوْضَةِ مِنْ زَوَائِدِهِ: صَلَاةُ الصُّبْحِ، وَإِنْ كَانَتْ نَهَارِيَّةً، فَهِيَ فِي الْقَضَاءِ جَهْرِيَّةٌ، وَلِوَقْتِهَا حُكْمُ اللَّيْلِ فِي الْجَهْرِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: قَدْ فَهِمَ أَكْثَرُ النَّاسِ هَذَا الْكَلَامَ عَلَى غَيْرِ مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَعَمِلُوا بِهِ إلَى أَنْ يَثْبُتَ لَهُمْ الْمُرَادُ مِنْهُ، فَأَمَّا قَوْلُهُ " فَهِيَ فِي الْقَضَاءِ جَهْرِيَّةٌ، وَلِوَقْتِهَا حُكْمُ اللَّيْلِ فِي الْجَهْر " فَقَدْ تَوَهَّمُوا مِنْهُ أَنَّ الصُّبْحَ تُقْضَى بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ جَهْرًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ سِرًّا عَلَى الصَّحِيحِ، كَمَا هُوَ الْقِيَاسُ.
وَتَقْرِيرُ كَلَامِ الرَّوْضَةِ: أَنَّ الصُّبْحَ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ صَلَوَاتِ النَّهَارِ: فَحُكْمُهَا حُكْمُ
стр. 399
الصَّلَوَاتِ الْجَهْرِيَّةِ، إذَا قُضِيَتْ حَتَّى يُجْهَرَ فِيهَا بِلَا خِلَافٍ إنْ قُضِيَتْ لَيْلًا، أَوْ فِي وَقْتِ الصُّبْحِ، وَيَكُونُ الْأَوَّلُ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِمْ: إنَّ مَنْ قَضَى فَائِتَةَ النَّهَارِ بِاللَّيْلِ، فَفِي الْجَهْرِ فِيهِ وَجْهَانِ.
وَالثَّانِي مِنْ قَوْلِهِمْ: إنَّ مَنْ قَضَى فَائِتَةَ النَّهَارِ بِالنَّهَارِ، يُسِرُّ بِلَا خِلَافٍ ; وَحَتَّى يُسِرُّ عَلَى الصَّحِيحِ إنْ قَضَاهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِمْ: إنَّ مَنْ قَضَى فَائِتَةَ النَّهَارِ بِالنَّهَارِ يُسِرُّ، بِلَا خِلَافٍ. وَقَدْ عَبَّرَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِأَوْضَحَ مِنْ عِبَارَةِ الرَّوْضَةِ، فَقَالَ: صَلَاةُ الصُّبْحِ وَإِنْ كَانَتْ نَهَارِيَّةً، فَلَهَا فِي الْقَضَاءِ فِي الْجَهْرِ حُكْمُ اللَّيْلِيَّةِ، وَصَرَّحَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: بِأَنَّ الصُّبْحَ إذَا قُضِيَتْ نَهَارًا تُقْضَى سِرًّا عَلَى الصَّحِيحِ، فَوَضَّحَ بِهَذَا مَا قَرَّرَ بِهِ كَلَامَ الرَّوْضَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَلِوَقْتِهَا فِي الْجَهْرِ. حَتَّى يَجْهَرَ بِلَا خِلَافٍ إذَا قَضَى فِيهِ: الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، وَيَكُونُ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِمْ: إنَّ مَنْ قَضَى فَائِتَةَ اللَّيْلِ بِالنَّهَارِ، يُسِرُّ عَلَى الصَّحِيحِ، وَكَذَلِكَ إذَا قَضَى فِيهَا الصُّبْحَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَحَتَّى يَجْهَرَ عَلَى الصَّحِيحِ إذَا قَضَى فِيهِ الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ، فَيَكُونُ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِمْ: إذَا قَضَى فَائِتَةَ النَّهَارِ، يُسِرُّ بِلَا خِلَافٍ.
[قَاعِدَةٌ: كُلُّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَفَاتَ لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ اسْتِدْرَاكًا لِمَصْلَحَتِهِ]
ِ إلَّا فِي صُوَرٍ: مِنْهَا: مَنْ نَذَرَ صَوْمَ الدَّهْرِ، فَإِنَّهُ إذَا فَاتَهُ مِنْهُ شَيْءٌ، لَا يُتَصَوَّرُ قَضَاؤُهُ فَلَا يَلْزَمُهُ. وَمِنْهَا: نَفَقَةُ الْقَرِيبِ إذَا فَاتَتْ، لَمْ يَجِبْ قَضَاؤُهَا. وَمِنْهَا: إذَا نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ فِي أَوَائِلِ أَوْقَاتِهَا، فَأَخَّرَ وَاحِدَةً، فَصَلَّاهَا فِي آخِرِ الْوَقْتِ. وَمِنْهَا: إذَا نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالْفَاضِلِ مِنْ قُوتِهِ كُلُّ يَوْمٍ، فَأَتْلَفَ الْفَاضِلَ فِي يَوْمٍ لَا غُرْمَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْفَاضِلَ عَنْ قُوتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ مُسْتَحَقُّ التَّصَدُّقِ بِهِ بِالنَّذْرِ، لَا بِالْغُرْمِ.
وَمِنْهَا: إذَا نَذَرَ أَنْ يُعْتِقَ كُلَّ عَبْدٍ يَمْلِكُهُ، فَمَلَكَ عَبِيدًا، وَأَخَّرَ عِتْقَهُمْ حَتَّى مَاتَ لَمْ يَعْتِقُوا بَعْدَ مَوْتِهِ ; لِأَنَّهُمْ انْتَقَلُوا إلَى وَرَثَتِهِ. وَمِنْهَا: إذَا نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ كُلَّ سَنَةٍ مِنْ عُمُرِهِ، فَفَاتَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ. وَمِنْهَا: إذَا دَخَلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ، وَقُلْنَا بِوُجُوبِهِ، فَلَا يُمْكِنُ قَضَاؤُهُ ; لِأَنَّهُ إذَا خَرَجَ إلَى الْحِلِّ، كَانَ الثَّانِي وَاجِبًا بِالشَّرْعِ لَا بِالْقَضَاءِ. وَمِنْهَا: رَدُّ السَّلَامِ إذَا تَرَكَهُ، لَا يَقْضِي وَلَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ.
وَمِنْهَا: الْفِرَارُ مِنْ الزَّحْفِ لَا قَضَاءَ فِيهِ، وَلَا كَفَّارَةَ.
стр. 400
وَمِنْهَا: أَيَّامُ الِاسْتِسْقَاءِ: إذَا قُلْنَا: إنَّهَا يَجِبُ صَوْمُهَا بِأَمْرِ الْإِمَامِ فَفَاتَتْ، فَاَلَّذِي يَظْهَرُ: أَنَّهَا لَا تُقْضَى، لِأَنَّهَا ذَاتُ سَبَبٍ، وَقَدْ زَالَ كَصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ. وَمِنْهَا: الْمُجَامِعُ فِي رَمَضَانَ، إذَا كَفَّرَ عَلَى رَأْيٍ مَرْجُوحٍ.
ضَابِطٌ: لَيْسَ لَنَا نَفْلٌ مُطْلَقٌ يُسْتَحَبُّ قَضَاؤُهُ، إلَّا مَنْ شَرَعَ فِي نَفْلِ صَلَاةٍ، أَوْ صَوْمٍ، ثُمَّ أَفْسَدَهُ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ قَضَاؤُهُ، كَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ.
[مَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْوَقْتِ وَمَا لَا]
[مَا قُدِّمَ عَلَى وَقْتِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ]
مَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْوَقْتِ وَمَا لَا ضَابِطُهُ: أَنَّ مَا كَانَ مَالِيًّا، وَوَجَبَ بِسَبَبَيْنِ. جَازَ تَقْدِيمُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا لَا عَلَيْهِمَا، وَلَا مَا لَهُ سَبَبٌ وَاحِدٌ، وَلَا مَا كَانَ بِدَنِيَّةٍ فَمِنْ ذَلِكَ: الزَّكَاةُ: يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْحَوْلِ، لَا عَلَى مِلْكِ النِّصَابِ، وَلَا عَلَى حَوْلَيْنِ فِي الْأَصَحِّ. وَزَكَاةُ الْفِطْرِ: يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا مِنْ أَوَّلِ رَمَضَانَ لَا قَبْلَهُ، عَلَى الصَّحِيحِ، وَفِدْيَةُ الْفِطْرِ: قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: لَا يَجُوزُ لِلشَّيْخِ الْهَرِمِ، وَالْحَامِلِ، وَالْمَرِيضِ الَّذِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ: تَقْدِيمُ الْفِدْيَةِ عَلَى رَمَضَانَ، وَيَجُوزُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ عَنْ ذَلِكَ الْيَوْم وَقَبْلَ الْفَجْرِ أَيْضًا عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقَالَ الرُّويَانِيُّ: فِيهِ احْتِمَالَانِ، وَقَالَ الزِّيَادِيُّ: لَلْحَامِلِ تَقْدِيمُ الْفِدْيَةِ عَلَى الْفِطْرِ، وَلَا تُقَدِّمُ إلَّا فَدِيَةَ يَوْمٍ وَاحِدٍ، انْتَهَى. وَكَفَّارَةُ الْجِمَاعِ فِيهِ، لَا تُقَدَّمُ عَلَى الْجِمَاعِ فِي الصَّحِيحِ، وَفِدْيَةُ التَّأْخِيرِ إلَى مَا بَعْدَ رَمَضَانَ آخَرَ.
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَعْجِيلِهَا قَبْلَ مَجِيءِ ذَلِكَ وَجْهَانِ: كَتَعْجِيلِ كَفَّارَةِ الْحِنْثِ لِمَعْصِيَةٍ. وَدَمُ الْقِرَانِ يَجُوزُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالنُّسُكَيْنِ، لَا قَبْلَهُ. بِلَا خِلَافٍ وَدَمُ التَّمَتُّعِ: لَا يَجُوزُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ قَطْعًا، وَيَجُوزُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ قَطْعًا وَفِيمَا بَيْنَهُمَا أَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا: تَجُوزُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعُمْرَةِ، وَإِنْ لَمْ يُحْرِمْ بِالْحَجِّ.
وَالثَّانِي: لَا. وَالثَّالِثُ: يَجُوزُ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهَا أَيْضًا. وَدَمُ جَزَاءِ الصَّيْدِ: يَجُوزُ بَعْدَ جَرْحِهِ، لِوُجُودِ السَّبَبِ لَا قَبْلَهُ، لِنَقْدِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَدَمُ الِاسْتِمْتَاعِ بِاللُّبْسِ، وَالطِّيبِ، وَالْحَلْقِ إنْ كَانَ لِعُذْرٍ: جَازَ تَقْدِيمُهَا عَلَى الصَّحِيحِ وَإِلَّا فَلَا، عَلَى الصَّحِيحِ
стр. 401
وَالنَّذْرُ الْمُعَلَّقُ، مِثْلُ: إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي، فَلَهُ عَلَيَّ كَذَا قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ قَبْلَ وُجُودِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْإِعْتَاقِ وَالتَّصَدُّقِ عَلَى الشِّفَاءِ، وَرُجُوعِ الْغَائِبِ وَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ بَعْدَ الظِّهَارِ وَقَبْلَ الْعَوْدِ جَائِزٌ ; لِأَنَّ الظِّهَارَ أَحَدُ السَّبَبَيْنِ وَالْكَفَّارَةُ مَنْسُوبَةٌ إلَيْهِ، كَمَا أَنَّهَا مَنْسُوبَةٌ إلَى الْيَمِينِ، وَفِيهِ وَجْهٌ وَكَفَّارَةُ الْقَتْلِ: يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الزُّهُوقِ بَعْدَ حُصُولِ الْجُرْحِ فِي الْأَصَحِّ ; كَمَا فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ، وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْجُرْحِ وَلِأَبِي الطَّيِّبِ ابْنِ سَلَمَةَ فِيهِ احْتِمَالٌ، تَنْزِيلًا لِلْعِصْمَةِ مَنْزِلَةَ أَحَدِ السَّبَبَيْنِ.
وَكَفَّارَةُ الْيَمِينِ الْأَصَحُّ جَوَازُ تَقْدِيمِهَا بَعْدَ الْيَمِينِ قَبْلَ الْحِنْثِ، لَا بِالصَّوْمِ، وَلَا إنْ كَانَ الْحِنْثُ مَعْصِيَةً وَمِمَّا قُدِّمَ عَلَى وَقْتِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ: أَذَانُ الصُّبْحِ: وَفِيهِ أَوْجُهٌ: أَصَحُّهَا: جَوَازُ تَقْدِيمِهِ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ
وَالثَّانِي: مِنْ خُرُوجِ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ لِلْعِشَاءِ: إمَّا الثُّلُثُ أَوْ النِّصْفُ.
وَالثَّالِثُ: مِنْ السُّدُسِ الْأَخِيرِ.
وَالرَّابِعُ: مِنْ سُبْعِهِ.
وَالْخَامِسُ: فِي جَمِيعِ اللَّيْلِ. وَنَظِيرُهُ: غُسْلُ الْعِيدِ الْأَصَحُّ جَوَازُ تَقْدِيمِهِ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ كَأَذَانِ الصُّبْحِ. وَالثَّانِي: فِي جَمِيعِ اللَّيْلِ.
وَالثَّالِثُ: عِنْدَ السَّحَرِ. وَنَظِيرُهُ أَيْضًا السُّحُورُ فَإِنْ وَقْتَهُ يَدْخُلُ بِنِصْفِ اللَّيْلِ كَذَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ، وَالنَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَلَمْ يَحْكِيَا فِيهِ خِلَافًا.
[الْقَوْلُ فِي الْإِدْرَاكِ]
ِ فِيهِ فُرُوعٌ: مِنْهَا: الْجُمُعَةُ تُدْرَكُ بِرَكْعَةٍ قَطْعًا وَمِنْهَا: الْأَدَاءُ يُدْرَكُ بِرَكْعَةٍ فِي الْوَقْتِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَالثَّانِي: بِتَكْبِيرَةٍ وَالثَّالِثُ: بِالسَّلَامِ وَمِنْهَا: فَضِيلَةُ أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَتُدْرَكُ بِأَنْ يَشْتَغِلَ بِأَسْبَابِ الصَّلَاةِ كُلَّمَا دَخَلَ الْوَقْتُ.
стр. 402
وَقِيلَ: لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ السَّتْرِ عَلَى الْوَقْتِ ; لِأَنَّ وُجُوبَهُ لَا يَخْتَصُّ بِالصَّلَاةِ وَقِيلَ: لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ كُلِّ مَا يُمْكِنُ تَقْدِيمُهُ وَقِيلَ: يَحْصُلُ بِإِدْرَاكِ نِصْفِ الْوَقْتِ وَقِيلَ: بِنِصْفِ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ، وَمِنْهَا: فَضِيلَةُ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَتُدْرَكُ بِأَنْ يَشْتَغِلَ بِالتَّحْرِيمِ عَقِبَ تَحْرِيمِ إمَامِهِ وَقِيلَ: بِإِدْرَاكِ بَعْضِ الْقِيَامِ، وَقِيلَ: بِإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ وَمِنْهَا: فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ، وَتُدْرَكُ بِجُزْءٍ قَبْلَ السَّلَامِ وَقِيلَ: بِرَكْعَةٍ مَعَ الْإِمَامِ وَهَلْ تُدْرَكُ بِذَلِكَ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ الَّتِي هِيَ التَّضْعِيفُ إلَى بِضْعٍ وَعِشْرِينَ؟ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: نَعَمْ.
لَكِنْ قَالَ فِي الْخَادِمِ: إنَّ عِبَارَةَ الرَّافِعِيِّ: تُدْرَكُ بِرَكْعَةٍ الْجَمَاعَةُ وَأَنَّ بَيْنَ بَرَكَةِ الْجَمَاعَةِ وَفَضْلِهَا فَرْقًا. وَمِنْهَا: وُجُوبُ الصَّلَاةِ بِزَوَالِ الْعُذْرِ، وَتُدْرَكُ بِإِدْرَاكِ تَكْبِيرَةٍ مِنْ وَقْتِهَا أَوْ وَقْتِ مَا بَعْدَهَا إنْ جُمِعَتْ مَعَهَا هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ مِنْ سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ وَجْهًا.
وَالثَّانِي: يَكْفِي بَعْضُ تَكْبِيرَةٍ.
وَالثَّالِثُ: رَكْعَةُ مَسْبُوقٍ.
وَالرَّابِعُ: رَكْعَةٌ تَامَّةٌ.
وَالْخَامِسُ: قَدْرُ الْأُولَى وَتَكْبِيرَةُ الثَّانِيَةِ.
وَالسَّادِسُ: قَدْرُهَا، وَبَعْضُ تَكْبِيرَةِ الثَّانِيَةِ.
وَالسَّابِعُ: قَدْرُهَا وَرَكْعَةٌ تَامَّةٌ.
وَالثَّامِنُ: قَدْرُهَا وَرَكْعَةُ مَسْبُوقٍ.
وَالتَّاسِعُ: قَدْرُ الثَّانِيَةِ وَتَكْبِيرَةٌ فِي الْأُولَى.
وَالْعَاشِرُ: قَدْرُهَا، وَبَعْضُ تَكْبِيرَةٍ.
وَالْحَادِيَ عَشَرَ: قَدْرُهَا وَرَكْعَةٌ تَامَّةٌ.
وَالثَّانِيَ عَشَرَ: قَدْرُهَا وَرَكْعَةُ مَسْبُوقٍ.
وَالثَّالِثَ عَشَرَ: قَدْرُ الثَّانِيَةِ فَقَطْ وَتُعْتَبَرُ الطَّهَارَةُ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، فَتَصِيرُ سِتَّةً وَعِشْرِينَ.
وَمِنْهَا: وُجُوبُهَا بِإِدْرَاكِ جُزْءٍ مِنْ الْوَقْتِ قَبْلَ حُدُوثِ الْعُذْرِ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يَحْصُلُ بِإِدْرَاكِ قَدْرِ الْفَرْضِ فَقَطْ.
стр. 403
وَقِيلَ: بِإِدْرَاكِ مَا يَجِبُ بِهِ آخِرًا.
[الْقَوْلُ فِي التَّحَمُّلِ]
ِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: يَدْخُلُ التَّحَمُّلُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: أَدَاءُ الزَّكَاةِ إلَى الْغَارِمِ. قَالَ: وَهَذَا تَحَمُّلٌ حَقِيقِيٌّ وَارِدٌ عَلَى وُجُوبٍ مُسْتَقِرٍّ.
الثَّانِي: كَفَّارَةُ زَوْجَتِهِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فِي قَوْلٍ: إنَّهَا عَنْهُ وَعَنْهَا الثَّالِثُ: تَحَمُّلُ الدِّيَةِ عَنْ الْعَاقِلَةِ وَهَلْ تَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ ابْتِدَاءً أَمْ عَلَى الْجَانِي؟ ثُمَّ تَتَحَمَّلُهَا الْعَاقِلَةُ؟ قَوْلَانِ. أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي.
الرَّابِعُ: الْفِطْرَةُ. وَهَلْ تَجِبُ عَلَى الْمُؤَدِّي ابْتِدَاءً أَمْ عَلَى الْمُؤَدَّى عَنْهُ ثُمَّ يَتَحَمَّلُهَا الْمُؤَدِّي؟ قَوْلَانِ (أَوْ وَجْهَانِ) أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي. قُلْت: وَلِهَذَا الْخِلَافِ نَظَائِرُ: مِنْهَا: الْفَاتِحَةُ هَلْ وَجَبَتْ عَلَى الْمَسْبُوقِ ثُمَّ سَقَطَتْ وَيَتَحَمَّلُهَا الْإِمَامُ عَنْهُ أَوْ لَمْ تَجِبْ أَصْلًا؟ رَأْيَانِ: أَصَحُّهُمَا: الْأَوْلُ.
وَمِنْهَا: إذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ بِعَبْدِهِ ; لَمْ يَجِبْ مَهْرٌ، وَهَلْ وَجَبَ ثُمَّ سَقَطَ، أَوْ لَمْ يَجِبْ أَصْلًا؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي.
وَمِنْهَا مَنْ عَرَضَ لَهُ الْمَانِعُ، وَقَدْ أَدْرَكَ مِنْ الْوَقْتِ مَا لَا يَسَعُ الصَّلَاةَ فَهَلْ نَقُولُ: وَجَبَتْ، ثُمَّ سَقَطَتْ، أَوْ لَمْ تَجِبْ أَصْلًا؟ فِيهِ تَرَدُّدٌ لِلْأَصْحَابِ.
وَصَرَّحَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِالثَّانِي. قَالَ السُّبْكِيُّ: وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ يَقْتَضِي الْأَوَّلَ، فَالْوُجُوبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ وَالِاسْتِقْرَارِ بِالتَّمَكُّنِ كَمَا فِي الزَّكَاةِ. وَمِنْهَا إذَا خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ وَلَمْ يَطُفْ لِلْوَدَاعِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، فَإِنْ عَادَ قَبْلَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ سَقَطَ الدَّمُ عَلَى الصَّحِيحِ هَذِهِ عِبَارَةُ الْأَصْحَابِ، وَظَاهِرُ السُّقُوطِ: أَنَّهُ وَجَبَ ثُمَّ سَقَطَ، وَنَازَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي كَوْنِهِ وَجَبَ وَكَذَلِكَ فِي نَظِيرِهِ: مِنْ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ إذَا عَادَ.
وَمِنْهَا: إذَا قَتَلَ الْوَالِدُ الْفَرْعَ فَهَلْ يَقُولُ: يَجِبُ الْقِصَاصُ وَيَسْقُطُ أَوْ لَمْ يَجِبْ أَصْلًا؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْإِمَامُ وَقَالَ: لَا جَدْوَى لِلْخِلَافِ.
стр. 404
ضَابِطٌ:
قَالَ ابْنُ الْقَاصِّ: يَحْمِلُ الْإِمَامُ عَنْ الْمَأْمُومِ: السَّهْوَ وَسُجُودَ الْقُرْآنِ وَالْقِيَامَ وَالْقِرَاءَةَ لِلْمَسْبُوقِ وَالْجَهْرَ وَالتَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ إذَا فَاتَتْهُ رَكْعَةٌ وَالسُّورَةَ فِي الْجَهْرِيَّةِ وَدُعَاءَ الْقُنُوتِ.
[الْقَوْلُ فِي الْأَحْكَامِ التَّعَبُّدِيَّةِ]
ِ مِنْهَا: اخْتِصَاصُ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ فِيهِ رَأْيَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ تَعَبُّدِيٌّ لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ، وَعَلَيْهِ الْإِمَامُ وَالْكِنَانِيُّ الثَّانِي: أَنَّهُ مُعَلَّلٌ بِاخْتِصَاصِ الْمَاءِ بِالرِّقَّةِ وَاللَّطَافَةِ وَالتَّفَرُّدِ فِي جَوْهَرِهِ وَعَدَمِ التَّرْكِيبِ وَعَلَيْهِ الْغَزَالِيُّ وَمِنْهَا: اخْتِصَاصُ التَّعْفِيرُ بِالتُّرَابِ.
قِيلَ: إنَّهُ تَعَبُّدِيٌّ وَقِيلَ مُعَلَّلٌ بِالِاسْتِظْهَارِ وَقِيلَ: بِالْجَمْعِ بَيْنَ الطَّهُورَيْنِ. وَمِنْهَا: أَسْبَابُ الْحَدَثِ وَالْجَنَابَةِ تَعَبُّدِيَّةٌ: لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ فَلَا يَقْبَلُ الْقِيَاسَ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَوْلَا أَنَّهَا تَعَبُّدِيَّةٌ، لَمْ يُوجِبْ الْمَنِيُّ - الَّذِي هُوَ طَاهِرٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ - غَسْلَ كُلِّ الْبَدَنِ وَيُوجِبْ الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ اللَّذَانِ هُمَا نَجِسَانِ بِإِجْمَاعٍ غَسْلَ بَعْضِهِ.
وَمِنْهَا: نُصُبُ الزَّكَاةِ وَمَقَادِيرُهَا وَمِنْهَا تَحْرِيمُ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ قَالَ الْبَغَوِيّ: إنَّهُ تَعَبُّدِيٌّ لَا يُدْرَكُ مَعْنَاهُ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ الْإِشَارَةَ إلَى الْمَعْنَى حَيْثُ قَالَ «: فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْن قَرْنَيْ شَيْطَانٍ» وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ، فَأَشْعَرَ بِأَنَّ النَّهْيَ لِتَرْكِ مُشَابَهَةِ الْكُفَّارِ وَقَدْ اعْتَبَرَ ذَلِكَ الشَّرْعُ فِي مَوَاضِعَ: مِنْهَا: لَوْ كَمَّلَ وُضُوءَهُ إلَى إحْدَى الرِّجْلَيْنِ، ثُمَّ غَسَلَهَا وَأَدْخَلَهَا الْخُفَّ، فَإِنَّهُ يَنْزِعُ الْأُولَى، ثُمَّ يَلْبَسُهَا.
وَمِنْهَا: إذَا اصْطَادَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ وَلَمْ يُرْسِلْهُ حَتَّى حَلَّ، وَلَا امْتِنَاعَ لِلصَّيْدِ فَإِنَّهُ يُرْسِلُهُ، ثُمَّ يَأْخُذُهُ إذَا شَاءَ. وَمِنْهَا: إذَا كَالَ الْمُشْتَرِي الطَّعَامَ، ثُمَّ بَاعَهُ فِي الصَّاعِ: لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَكِيلَهُ ثَانِيًا. وَمِنْهَا: اسْتِحْبَابُ تَسْمِيَةِ الْمَهْرِ فِي نِكَاحِ عَبْدِهِ بِأَمَتِهِ وَمِنْهَا: أَكْثَرُ مَسَائِلِ الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ.
وَمِنْهَا: اخْتِصَاصُ عَقْدِ النِّكَاحِ بِلَفْظِ التَّزْوِيجِ وَالْإِنْكَاحِ
стр. 405
وَمِنْهَا: حُرْمَةُ الْإِسْرَافِ فِي الْمَاءِ وَكَرَاهَتُهُ عَلَى النَّهْرِ. وَمِنْهَا: تَحْرِيمُ الصَّوْمِ عَلَى الْحَائِضِ. قَالَ الْإِمَامُ: لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ ; لِأَنَّهُ إنْ كَانَ لِعَدَمِ الطَّهَارَةِ فَالطَّهَارَةُ لَيْسَتْ شَرْطًا فِي الصَّوْمِ بِدَلِيلِ صِحَّةِ صَوْمِ الْجُنُبِ، وَإِنْ كَانَ لِكَوْنِهِ يُضْعِفُهَا، فَهَذَا لَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ بَلْ عَدَمَ الْإِيجَابِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ تَكَلَّفَ الْمَرِيضُ أَوْ الْمُسَافِرُ، فَصَامَا مَعَ الْإِجْهَادِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ.
وَمِنْهَا: تَحْرِيمُ الذَّكَاةِ بِالسِّنِّ وَالظُّفْرِ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: لَمْ أَجِدْ بَعْدَ الْبَحْثِ أَحَدًا ذَكَرَ لِذَلِكَ مَعْنًى يُعْقَلُ كَأَنَّهُ تَعَبُّدِيٌّ عِنْدَهُمْ. تَذْنِيبٌ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ مَا شُرِعَ لِسَبَبٍ، ثُمَّ زَالَ ذَلِكَ السَّبَبُ فَاسْتَمَرَّ. كَالرَّمَلِ فَإِنَّهُ شُرِعَ لِمُرَاءَاةِ الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ زَالَتْ وَاسْتَمَرَّ هُوَ وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا: إمْرَارُ مُوسَى عَلَى رَأْسِ الْأَقْرَعِ تَشْبِيهًا بِالْحَالِقِينَ.
وَنَظِيرُهَا: إمْرَارُهُ عَلَى ذَكَرِ مَنْ وُلِدَ مَخْتُونًا، ذَكَرُهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الْحَدِيثِ. وَنَظِيرُهُ أَيْضًا: إمْرَارُ السِّوَاكِ عَلَى فَمِ مَنْ ذَهَبَتْ أَسْنَانُهُ ; لِحَدِيثٍ فِي ذَلِكَ وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ.
خَاتِمَةٌ قَالَ بَعْضُهُمْ: إذَا عَجَزَ الْفَقِيهُ عَنْ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ قَالَ: هَذَا تَعَبُّدِيٌّ وَإِذَا عَجَزَ عَنْهُ النَّحْوِيُّ قَالَ: هَذَا مَسْمُوعٌ وَإِذَا عَجَزَ عَنْهُ الْحَكِيمُ قَالَ: هَذَا بِالْخَاصِّيَّةِ.
[الْقَوْلُ فِي الْمُوَالَاةِ]
ِ هِيَ سُنَّةٌ عَلَى الْأَصَحِّ: فِي الْوُضُوءِ، وَالْغُسْلِ، وَالتَّيَمُّمِ، إلَّا فِي طَهَارَةِ دَائِمِ الْحَدَثِ فَوَاجِبَةٌ وَبَيْنَ أَشْوَاطِ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ، وَأَيْمَانِ الْقَسَامَةِ وَسَنَةِ تَعْرِيفِ اللُّقَطَةِ وَقِيلَ: وَاجِبَةٌ فِي الْكُلِّ وَوَاجِبَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ فِي الْجَمْعِ فِي وَقْتِ الْأُولَى، وَبَيْنَ طَهَارَةِ دَائِمِ الْحَدَثِ وَصَلَاتِهِ، وَبَيْنَ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَبَيْنَ الْخُطْبَةِ وَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَفِي الْخُطْبَةِ، وَكَأَيْمَانِ اللِّعَانِ وَسَنَةِ التَّغْرِيبِ فِي الزِّنَا وَقِيلَ: لَا يَجِبُ فِي الْكُلِّ،
стр. 406
وَيَجِبُ قَطْعًا بَيْنَ كَلِمَاتِ الْفَاتِحَةِ وَالتَّشَهُّدِ وَرَدِّ السَّلَامِ، وَالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فِي الْعُقُودِ إلَّا الْوَصِيَّةَ.
[قَاعِدَةٌ " مَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الْمُوَالَاةُ فَالتَّخَلُّلُ الْقَاطِعُ لَهَا مُضِرٌّ]
قَاعِدَةٌ مَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الْمُوَالَاةُ.
وَغَالِبُهَا يُرْجَعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ وَرُبَّمَا كَانَ مِقْدَارُ أَمْنِ التَّخَلُّلِ مُغْتَفَرًا فِي بَابٍ دُونَ بَابٍ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ. أَمَّا الطَّهَارَةُ: فَفِي تَخَلُّلِهَا الْقَاطِعِ أَوْجُهٌ: أَحَدُهَا: الرُّجُوعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ الطَّوِيلُ الْمُتَفَاحِشُ
وَالثَّالِثُ: مَا يُمْكِنُ فِيهِ تَمَامُ الطَّهَارَةِ. وَالرَّابِعُ: وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنْ يَمْضِيَ زَمَنٌ يَجِفُّ فِيهِ الْمَغْسُولُ آخِرًا مَعَ اعْتِدَالِ الزَّمَانِ وَالْمِزَاجِ وَيُقَدَّرُ الْمَمْسُوحُ مَغْسُولًا.
وَأَمَّا طَهَارَةُ دَائِمِ الْحَدَثِ، وَصَلَاتِهِ ; فَقَالَ الْإِمَامُ: ذَهَبَ الذَّاهِبُونَ إلَى الْمُبَالَغَةِ فِي الْأَمْرِ بِالْبِدَارِ وَقَالَ آخَرُونَ: يُغْتَفَرُ تَخَلُّلُ فَصْلٍ يَسِيرٍ، قَالَ: وَضَبْطُهُ عَلَى التَّقْرِيبِ عِنْدِي: أَنْ يَكُونَ عَلَى قَدْرِ الزَّمَنِ الْمُتَخَلَّلِ بَيْنَ صَلَاةِ الْجَمْعِ اهـ.
وَالْمَرْجِعُ فِي تَخَلُّلِ صَلَاةِ الْجَمْعِ إلَى الْعُرْفِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَأَقَلُّ الْفَصْلِ الْيَسِيرِ بَيْنهمَا: مَا كَانَ بِقَدْرِ الْإِقَامَةِ. وَالطَّوِيلُ: مَا زَادَ وَعَلَى الْأَوَّلِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: مَا مَنَعَ مِنْ الْبِنَاءِ عَلَى الصَّلَاةِ إذَا سَلَّمَ نَاسِيًا مَنَعَ الْجَمْعَ، وَمَا لَا فَلَا.
تَنْبِيهٌ:
اُغْتُفِرَ تَأْخِيرُ دَائِمِ الْحَدَثِ لِانْتِظَارِهِ الْجَمَاعَةَ، وَلَمْ يُغْتَفَرْ ذَلِكَ فِي الْجَمْعِ. قَالَ فِي الْوَافِي: وَالْفَرْقُ أَنَّ صَلَاتَيْ الْجَمْعِ كَالْوَاحِدَةِ فَيَضُرُّ الْفَصْلُ الطَّوِيلُ وَيُرْجَعُ إلَى الْعُرْفِ أَيْضًا فِي مُوَالَاةِ الْفَاتِحَةِ فَيَقْطَعُهَا سُكُوتٌ طَوِيلٌ عَمْدًا وَيَسِيرٌ قُصِدَ بِهِ قَطْعُ الْقِرَاءَةِ، وَذِكْرٌ إلَّا إنْ تَعَلَّقَ بِالصَّلَاةِ فِي الْأَصَحِّ وَلَا يَقْطَعُهَا تَكْرَارُ آيَةٍ مِنْ الْفَاتِحَةِ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: إلَّا أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْآيَةُ مُنْقَطِعَةً عَنْ الَّتِي وَقَفَ عَلَيْهَا ; فَإِنَّهَا تَقْطَعُهُ بِأَنْ وَصَلَ إلَى ﴿أَنْعَمْتَ﴾ [الفاتحة: ٧] ثُمَّ قَرَأَ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] فَقَطْ، وَكَذَا نَقَلَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ. قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَاَلَّذِي قَالَهُ الْمُتَوَلِّي ظَاهِرٌ، يُمْكِنُ حَمْلُ إطْلَاقِهِمْ عَلَيْهِ، لَا سِيَّمَا أَنَّ الصُّورَةَ الْمَذْكُورَةَ نَادِرَةٌ يَبْعُدُ إرَادَتُهَا
стр. 407
وَيُرْجَعُ إلَى الْعُرْفِ أَيْضًا فِي مُوَالَاةِ الْأَذَانِ فَلَا يَقْطَعُهُ الْيَسِيرُ مِنْ السُّكُوتِ وَالْكَلَامِ وَالنَّوْمِ وَالْإِغْمَاءِ وَالْجُنُونِ وَالرِّدَّةِ، وَيَقْطَعُهُ الطَّوِيلُ مِنْهَا وَقِيلَ: لَا يَقْطَعُهُ الطَّوِيلُ أَيْضًا وَقِيلَ: يَقْطَعُهُ الْيَسِيرُ أَيْضًا وَالْكَلَامُ أَوْلَى بِالْإِبْطَالِ مِنْ السُّكُوتِ، وَالنَّوْمُ أَوْلَى بِهِ مِنْ الْكَلَامِ، وَالْإِغْمَاءُ أَوْلَى بِهِ مِنْ النَّوْمِ، وَالْجُنُونُ أَوْلَى بِهِ مِنْ الْإِغْمَاءِ، وَالرِّدَّةُ أَوْلَى بِهِ مِنْ الْجُنُونِ، وَالْإِقَامَةُ أَوْلَى بِهِ مِنْ الْأَذَانِ.
وَحَيْثُ قُلْنَا: لَا يَقْطَعُهُ الطَّوِيلُ، فَالْمُرَادُ: إذَا لَمْ يَفْحُشْ الطُّولُ بِحَيْثُ لَا يُعَدَّ مَعَ الْأَوَّلِ أَذَانًا وَيُرْجَعُ إلَيْهِ أَيْضًا فِي مُوَالَاةِ الْخُطْبَةِ وَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ. قَالَ الْإِمَامُ: التَّفْرِيقُ الْكَثِيرُ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ تَرْكُهُ الطَّوَافَ. وَفِي سَنَةِ تَعْرِيفِ اللُّقَطَةِ قَالَ الْإِمَامُ: فَلَا يَلْزَمُ اسْتِيعَابُ السَّنَةِ، بَلْ لَا يُعَرِّفُ فِي اللَّيْلِ وَلَا يَسْتَوْعِبُ الْأَيَّامَ أَيْضًا عَلَى الْمُعْتَادِ ; فَيُعَرِّفُ فِي الِابْتِدَاءِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ طَرَفَيْ النَّهَارِ، ثُمَّ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً، ثُمَّ كُلَّ أُسْبُوعٍ، ثُمَّ كُلَّ شَهْرٍ، بِحَيْثُ لَا يَنْسَى أَنَّهُ تَكْرَارٌ لِلْأَوَّلِ.
وَأَمَّا الْبَيْعُ وَالنِّكَاحُ وَنَحْوُهُمَا فَضَابِطُ الْفَصْلِ الطَّوِيلِ فِيهَا: مَا أَشْعَرَ بِإِعْرَاضِهِ عَنْ الْقَبُولِ وَفِي وَجْهٍ مَا خَرَجَ عَنْ مَجْلِسِ الْإِيجَابِ. وَفِي ثَالِثٍ: مَا لَا يَصْلُحُ جَوَابًا لِلْكَلَامِ فِي الْعَادَةِ وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ حَصَلَ الْفَصْلُ بِكَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ قَصِيرٍ، فَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ أَنَّهُ يَضُرُّ عَلَى الْأَصَحِّ وَذَكَرَ فِي الطَّلَاقِ وَالْخُلْعِ: أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ بِهِ الِاتِّصَالُ بَيْن الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَوَافَقَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَلَى هَذِهِ الْمَوَاضِعِ وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي الْبَيْعِ: وَلَوْ تَخَلَّلَتْ كَلِمَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ بَطَلَ الْعَقْدُ.
قَالَ ابْنُ السُّبْكِيّ: وَالْفَرْقُ أَنَّ الْخُلْعَ أَوْسَعُ قَلِيلًا عَلَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ بَعْضُ الْأَصْحَابِ فَلَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ مِنْ الِاتِّصَالِ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَطُ فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ، وَأَمَّا رَدُّ السَّلَامِ: فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ. وَقَالَ الْإِمَامُ: الِاتِّصَالُ الْمُعْتَبَرُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ أَبْلَغُ مِنْهُ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ ; لِصُدُورِهِمَا مِنْ شَخْصَيْنِ وَقَدْ يُحْتَمَلُ مِنْ شَخْصَيْنِ مَا لَا يُحْتَمَلُ مِنْ وَاحِدٍ ; فَلَا تَضُرُّ فِيهِ سَكْتَةُ تَنَفُّسٍ وَعِيٍّ، لَكِنْ نَقَلَ النَّوَوِيُّ عَنْ صَاحِبِ الْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ أَنَّهُمَا حَكَيَا عَنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ عَلَيَّ أَلْفٌ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إلَّا مِائَةً صَحَّ، وَاحْتَجَّا بِأَنَّهُ فَصْلٌ يَسِيرٌ، فَصَارَ كَقَوْلِهِ: عَلَيَّ أَلْفٌ يَا فُلَانُ إلَّا مِائَةً.
стр. 408
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا الَّذِي نَقَلَاهُ فِيهِ نَظَرٌ وَقَالَ السُّبْكِيُّ: فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا: يَظْهَرُ أَنَّ الْكَلَامَ الْيَسِيرَ إنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا، فَهُوَ الضَّارُّ وَإِلَّا فَهُوَ الَّذِي يُغْتَفَرُ كَقَوْلِهِ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَيَا فُلَانُ فَلْيُحْمَلْ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى الْفَصْلِ الْيَسِيرِ بِنَحْوِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَيَا فُلَانُ لَا عَلَى مُطْلَقِ الْفَصْلِ الْيَسِيرِ.
فَائِدَةٌ: قَالَ ابْنُ السُّبْكِيّ: الضَّابِطُ فِي التَّخَلُّلِ الْمُضِرِّ فِي الْأَبْوَابِ: أَنْ يَعُدَّ الثَّانِيَ مُنْقَطِعًا عَنْ الْأَوَّلِ وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَبْوَابِ فَرُبَّ بَابٍ يُطْلَبُ فِيهِ مِنْ الِاتِّصَالِ مَا لَا يُطْلَبُ فِي غَيْرِهِ وَبِاخْتِلَافِ الْمُتَخَلِّلِ نَفْسِهِ فَقَدْ يُغْتَفَرُ مِنْ السُّكُوتِ مَا لَا يُغْتَفَرُ مِنْ الْكَلَامِ وَمِنْ الْكَلَامِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْعَقْدِ مَا لَا يُغْتَفَرُ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ وَمِنْ الْمُتَخَلِّلِ بِعُذْرٍ مَا لَا يُغْتَفَرُ مِنْ غَيْرِهِ فَصَارَتْ مَرَاتِبَ أَقْطَعُهَا لِلِاتِّصَالِ: كَلَامٌ كَثِيرٌ أَجْنَبِيٌّ وَأَبْعَدُهَا عَنْهُ: سُكُوتٌ يَسِيرٌ لِعُذْرٍ. وَبَيْنَهُمَا مَرَاتِبُ لَا تَخْفَى.
تَنْبِيهٌ:
مِنْ الْمُشْكِلِ هُنَا: مَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ فِي الْوَلِيِّ إذَا وَهَبَ الصَّبِيَّ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَقْبَلْهُ أَنَّ الْحَاكِمَ يَقْبَلُهُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ قَبِلَهُ الصَّبِيُّ بَعْدَ بُلُوغِهِ. قَالَ ابْنُ السُّبْكِيّ: فَهَذَا فَصْلٌ طَوِيلٌ فَلِمَاذَا يُغْتَفَرُ؟ وَأَيْضًا: فَالْإِيجَابُ صَدَرَ، وَالصَّبِيُّ غَيْرُ أَهْلٍ لِلْقَبُولِ قَالَ: وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى قَبُولِ إيجَابٍ مُتَجَدِّدٍ بَعْدَ الْبُلُوغِ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْرُوفٌ لَا مَعْنَى لِذِكْرِهِ.
[الْقَوْلُ فِي فُرُوضِ الْكِفَايَةِ وَسُنَنِهَا]
. قَالَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ: فُرُوضُ الْكِفَايَةِ أُمُورٌ كُلِّيَّةٌ، تَتَعَلَّقُ بِهَا مَصَالِحُ دِينِيَّةٌ، أَوْ دُنْيَوِيَّةٌ لَا يَنْتَظِمُ الْأَمْرُ إلَّا بِحُصُولِهَا فَطَلَبَ الشَّارِعُ تَحْصِيلَهَا لَا تَكْلِيفَ وَاحِدٍ مِنْهَا بِعَيْنِهِ بِخِلَافِ الْعَيْنِ، وَإِذَا قَامَ بِهِ مَنْ فِيهِ كِفَايَةٌ سَقَطَ الْحَرَجُ عَنْ الْبَاقِينَ أَوْ أَزْيَدُ عَلَى مَنْ يَسْقُطُ بِهِ، فَالْكُلُّ فَرْضٌ إنْ تَعَطَّلَ أَثِمَ كُلُّ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ إنْ عَلِمَ بِهِ، وَكَذَا إنْ لَمْ يَعْلَمْ إذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ يَلِيقُ بِهِ الْبَحْثُ وَالْمُرَاقَبَةُ وَيَخْتَلِفُ بِكِبَرِ الْبَلَدِ، وَقَدْ يَنْتَهِي خَبَرُهُ إلَى سَائِرِ الْبِلَادِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ وَلِلْقَائِمِ بِهِ مَزِيَّةٌ عَلَى الْقَائِمِ بِالْعَيْنِ ; لِإِسْقَاطِ الْحَرَجِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِهِ وَمِنْ ثَمَّ ادَّعَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَوَالِدُهُ وَالْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ: أَنَّهُ أَفْضَلُ
стр. 409
مِنْ فَرْضِ الْعَيْنِ، وَحَكَاهُ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ عَنْ أَهْلِ التَّحْقِيقِ وَالْمُتَبَادَرُ إلَى الْأَذْهَانِ: خِلَافُهُ وَفُرُوضُ الْكِفَايَةِ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: تَجْهِيزُ الْمَيِّتِ غُسْلًا وَتَكْفِينًا وَحَمْلًا وَصَلَاةً عَلَيْهِ وَدَفْنًا، وَيَسْقُطُ جَمِيعُهَا بِفِعْلِ وَاحِدٍ وَفِي الصَّلَاةِ وَجْهٌ: أَنَّهُ يَجِبُ اثْنَانِ وَآخَرُ: ثَلَاثَةٌ، وَآخَرُ: أَرْبَعَةٌ وَلَا تَسْقُطُ بِالنِّسَاءِ وَهُنَاكَ رِجَالٌ.
وَمِنْهَا: الْجَمَاعَةُ فِي الْأَصَحِّ وَإِنَّمَا تَسْقُطُ بِإِقَامَتِهَا حَيْثُ يَظْهَرُ الشِّعَارُ فِي الْبَلَدِ فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا كَفَى إقَامَتُهَا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ إقَامَتِهَا فِي كُلِّ مَحَلَّةٍ وَمِنْهَا: الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ عَلَى وَجْهٍ اخْتَارَهُ السُّبْكِيُّ وَإِنَّمَا يَسْقُطُ بِإِظْهَارِهِمَا فِي الْبَلَدِ أَوْ الْقَرْيَةِ بِحَيْثُ يَعْلَمُ بِهِ جَمِيعُ أَهْلِهَا لَوْ أَصْغَوْا. فَفِي الْقَرْيَةِ: يَكْفِي الْأَذَانُ الْوَاحِدُ، وَفِي الْبَلَدِ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي مَوَاضِعَ.
وَعَلَى هَذَا قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: الصَّوَابُ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْجُمْهُورِ: إيجَابُهُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَقِيلَ: يَجِبُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً. وَلَنَا وَجْهٌ: أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ فِي الْجُمُعَةِ دُونَ غَيْرِهَا ; لِأَنَّهُ دُعَاءٌ إلَى الْجَمَاعَةِ، وَالْجَمَاعَةُ وَاجِبَةٌ فِي الْجُمُعَةِ، وَمُسْتَحَبَّةٌ فِي غَيْرِهَا فَالدُّعَاءُ إلَيْهَا كَذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا فَالْوَاجِبُ فِيهَا: هُوَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْ الْخَطِيبِ أَوْ يَسْقُطُ بِالْأَوَّلِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
وَمِنْهَا: تَعَلُّمُ أَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ عَلَى مَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ. وَمِنْهَا: صَلَاةُ الْعِيدِ عَلَى وَجْهٍ. وَمِنْهَا: صَلَاةُ الْكُسُوفِ عَلَى وَجْهٍ حَكَاهُ فِي الْحَاوِي وَجَزَمَ بِهِ الْخَفَّافُ فِي الْخِصَالِ.
وَمِنْهَا: صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ عَلَى وَجْهٍ، حَكَاهُ فِي الْكِفَايَةِ وَمِنْهَا: إحْيَاءُ الْكَعْبَةِ كُلُّ سَنَةٍ بِالْحَجِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هَكَذَا أَطْلَقُوهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْعُمْرَةُ كَالْحَجِّ، بَلْ الِاعْتِكَافِ وَالصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَإِنَّ التَّعْظِيمَ وَإِحْيَاءَ الْبُقْعَةِ يَحْصُلُ بِكُلِّ ذَلِكَ، وَاسْتَدْرَكَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُحَصِّلُ مَقْصُودَ الْحَجِّ، فَإِنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى الرَّمْيِ وَالْوُقُوفِ وَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى وَإِحْيَاءِ تِلْكَ الْبِقَاعِ بِالطَّاعَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
стр. 410
قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَكَلَامُ النَّوَوِيِّ لَا يُلَاقِي كَلَامَ الرَّافِعِيِّ فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي إحْيَاءِ الْكَعْبَةِ لَا فِي إحْيَاءِ هَذِهِ الْبِقَاعِ قَالَ: وَإِنْ كَانَ الْمُتَّجِهُ فِي الصَّلَاةِ وَالِاعْتِكَافِ مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِمَا إحْيَاءُ الْكَعْبَةِ وَلَوْ كَانَ الِاعْتِكَافُ دَاخِلَهَا لِعَدَمِ الِاخْتِصَاصِ، قَالَ: وَالْمُتَّجِهُ أَنَّ الطَّوَافَ كَالْعُمْرَةِ.
وَأَجَابَ الْبُلْقِينِيُّ عَنْ بَحْثِ الرَّافِعِيِّ: بِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَعْظَمَ بِبِنَاءِ الْبَيْتِ: الْحَجُّ، فَكَانَ إحْيَاؤُهُ بِهِ بِخِلَافِ الْعُمْرَةِ وَالِاعْتِكَافِ وَالصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَلَا يُشْتَرَطُ عَدَدٌ مَخْصُوصٌ بَلْ الْفَرْضُ حَجُّهَا فِي الْجُمْلَةِ وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ: الْمُتَّجِهُ اعْتِبَارُ عَدَدٍ يَظْهَرُ بِهِ الشِّعَارُ تَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ: أَنَّ إحْيَاءَ الْكَعْبَةِ كُلَّ سَنَةٍ بِالْحَجِّ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ إذَا قَامَ بِهِ زِيَادَةٌ عَلَى مَنْ يُسْقِطُهُ فَالْكُلُّ فَرْضٌ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُ الْحَجِّ نَفْلًا، وَأَنَّ قَاعِدَةَ " إنَّ الْفِعْلَ لَا يَجِبُ إتْمَامُهُ بِالشُّرُوعِ " غَيْرُ مَنْقُوضَةٍ الثَّانِي إنْ ثَبَتَ مَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْعُمْرَةَ لَا يَحْصُلُ بِهَا الْإِحْيَاءُ زَالَ الْإِشْكَالُ فِي كَوْنِ الطَّوَافِ أَفْضَلَ مِنْهَا لِكَوْنِهَا تَقَعُ مِنْ الْمُتَطَوِّعِ نَفْلًا، وَمَسْأَلَةُ التَّفْضِيلِ بَيْنَ الطَّوَافِ وَالْعُمْرَةِ: مُخْتَلَفٌ فِيهَا وَأَلَّفَ فِيهَا الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ كِتَابًا قَالَ فِيهِ: ذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ عَصْرِنَا إلَى تَفْضِيلِ الْعُمْرَةِ وَرَأَوْا أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِهَا أَفْضَلُ مِنْ الطَّوَافِ وَذَلِكَ خَطَأٌ ظَاهِرٌ وَأَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى خَطَئِهِ مُخَالَفَةُ السَّلَفِ الصَّالِحِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ تَكْرَارُ الْعُمْرَةِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَقَدْ رَوَى الْأَزْرَقِيُّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ سَأَلَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: الطَّوَافُ أَفْضَلُ أَمْ الْعُمْرَةُ؟ فَقَالَ: الطَّوَافُ.
وَقَالَ طَاوُسٌ: الَّذِينَ يَعْتَمِرُونَ مِنْ التَّنْعِيمِ مَا أَدْرِي: يُؤْجَرُونَ أَمْ يُعَذَّبُونَ؟ قِيلَ: لِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّ أَحَدَهُمْ يَدَعُ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ، وَيَخْرُجُ إلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ، وَيَجِيءُ وَقَدْ ذَهَبَ أَحْمَدُ إلَى كَرَاهَةِ تَكْرَارِهَا فِي الْعَامِ وَلَمْ يَذْهَبْ أَحَدٌ إلَى كَرَاهَةِ تَكْرَارِ الطَّوَافِ بَلْ أَجْمَعُوا عَلَى اسْتِحْبَابِهِ.
стр. 411
وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ مَنْ يُفَضِّلُ الطَّوَافَ عَلَيْهَا، هُوَ الَّذِي نَصَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَأَبُو شَامَةَ وَحَكَى بَعْضُهُمْ فِي التَّفْضِيلِ بَيْنَهُمَا احْتِمَالَاتٍ ثَالِثُهَا: إنْ اسْتَغْرَقَ زَمَانَ الِاعْتِمَارِ، فَالطَّوَافُ أَفْضَلُ وَإِلَّا، فَهِيَ أَفْضَلُ وَقَالَ فِي الْخَادِمِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ حِكَايَةَ الْخِلَافِ فِي التَّفْضِيلِ لَا تَتَحَقَّقُ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَقَعُ بَيْنَ مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ ; فَلَا تَفْضِيلَ بَيْنَ وَاجِبٍ وَمَنْدُوبٍ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعُمْرَةَ لَا تَقَعُ مِنْ الْمُتَطَوِّعِ إلَّا فَرْضَ كِفَايَةٍ، وَالْكَلَامُ فِي الطَّوَافِ الْمَسْنُونِ. نَعَمْ إنْ قُلْنَا إنَّ إحْيَاءَ الْكَعْبَةِ يَحْصُلُ بِالطَّوَافِ كَمَا يَحْصُلُ بِالْحَجِّ وَالِاعْتِمَارِ وَقَعَ الطَّوَافُ أَيْضًا فَرْضَ كِفَايَةٍ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ اهـ.
قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: وَالْمُرَادُ بِكَوْنِ الطَّوَافِ أَفْضَلَ: الْإِكْثَارُ مِنْهُ دُونَ أُسْبُوعٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْعُمْرَةِ وَزِيَادَةٌ قُلْت: وَنَظِيرُهُ مَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: أَنَّ قَوْلَنَا: الصَّلَاةُ أَفْضَلُ مِنْ الصَّوْمِ، الْمُرَادُ بِهِ الْإِكْثَارُ مِنْهَا بِحَيْثُ تَكُونُ غَالِبَةً عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَصَوْمُ يَوْمٍ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ بِلَا شَكٍّ.
وَمِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ الْجِهَادُ. حَيْثُ الْكُفَّارُ مُسْتَقِرُّونَ فِي بُلْدَانِهِمْ وَيَسْقُطُ بِشَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُحَصِّنَ الْإِمَامُ الثُّغُورَ بِجَمَاعَةٍ يُكَافِئُونَ مَنْ بِإِزَائِهِمْ مِنْ الْكُفَّارِ.
الثَّانِي: أَنْ يَدْخُلَ الْإِمَامُ دَارَ الْكُفَّارِ غَازِيًا بِنَفْسِهِ: أَوْ بِجَيْشٍ يُؤَمِّرُ عَلَيْهِمْ مَنْ يَصْلُحَ لِذَلِكَ وَأَقَلُّهُ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ فَإِنْ زَادَ، فَهُوَ أَفْضَلُ. وَلَا يَجُوزُ إخْلَاءُ سَنَةٍ عَنْ جِهَادٍ إلَّا لِضَرُورَةٍ بِأَنْ يَكُونَ فِي الْمُسْلِمِينَ ضَعْفٌ، وَفِي الْعَدُوِّ كَثْرَةٌ، وَيُخَافُ مِنْ ابْتِدَائِهِمْ الِاسْتِئْصَالُ لِعُذْرٍ بِأَنْ يَعِزَّ الزَّادُ وَعَلَفُ الدَّوَابِّ فِي الطَّرِيقِ فَيُؤَخَّرَ إلَى زَوَالِ ذَلِكَ، أَوْ يُنْتَظَرَ لَحَاقُ مَدَدٍ أَوْ يَتَوَقَّعَ إسْلَامُ قَوْمٍ فَيَسْتَمِيلَهُمْ بِتَرْكِ الْقِتَالِ.
وَمِنْهَا: الْتِقَاطُ الْمَنْبُوذِ وَمِنْهَا: اللُّقَطَةُ عَلَى وَجْهٍ. وَمِنْهَا: رَدُّ السَّلَامِ، حَيْثُ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ.
وَمِنْهَا: دَفْعُ ضَرَرِ الْمُسْلِمِينَ كَكِسْوَةِ عَارٍ وَإِطْعَامِ جَائِعٍ إذَا لَمْ يَنْدَفِعْ بِزَكَاةٍ وَبَيْتِ مَالٍ، وَهَلْ يَكْفِي سَدُّ رَمَقٍ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ تَمَامِ الْكِفَايَةِ الَّتِي يَقُومُ بِهَا مَنْ يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ؟ خِلَافٌ.
قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: الْأَصَحُّ: الْأَوَّلُ.
стр. 412
قَالَ: وَمَحَاوِيجُ أَهْلِ الذِّمَّةِ كَالْمُسْلِمِينَ وَصَرَّحَ بِهِ الْقَمُولِيُّ فِي الْجَوَاهِرِ وَيَخْتَصُّ الْوُجُوبُ بِأَهْلِ الثَّرْوَةِ. وَمِنْهَا: إغَاثَةُ الْمُسْتَغِيثِينَ فِي النَّائِبَاتِ وَيَخْتَصُّ بِأَهْلِ الْقُدْرَةِ. وَمِنْهَا: فَكُّ الْأَسْرَى، ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ نَقْلًا عَنْ التَّجْرِيدِ لِابْنِ كَجٍّ. وَمِنْهَا إقَامَةُ الْحِرَفِ وَالصَّنَائِعِ وَمَا تَتِمُّ بِهِ الْمَعَايِشُ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْحَرْثِ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ: حَتَّى الْحِجَامَةِ وَالْكَنْسِ.
وَمِنْهَا تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ وَأَدَاؤُهَا وَتَوَلِّي الْإِمَامَةِ وَالْقَضَاءِ وَإِعَانَةُ الْقُضَاةِ عَلَى اسْتِبْقَاءِ الْحُقُوقِ. وَمِنْهَا: الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ وَلَا يَخْتَصُّ بِأَرْبَابِ الْوِلَايَاتِ وَلَا بِالْعَدْلِ وَلَا بِالْحُرِّ وَلَا الْبَالِغِ وَلَا يَسْقُطُ بِظَنٍّ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ أَوْ عَلِمَ ذَلِكَ عَادَةً مَا لَمْ يَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ مَفْسَدَةً أَعْظَمَ مِنْ ضَرَرِ الْمُنْكَرِ الْوَاقِعِ.
وَمِنْهَا: النِّكَاحُ. عَدَّهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فَرْضَ كِفَايَةٍ حَتَّى لَوْ امْتَنَعَ مِنْهُ أَهْلُ قُطْرٍ أُجْبِرُوا. حَكَاهُ فِي شَرْحِ الرَّوْضَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَسِيطِ، وَمَالَ السُّبْكِيُّ إلَى قِتَالِهِمْ، وَإِنْ قَنَعُوا بِالتَّسَرِّي مَعَ تَضْعِيفِهِ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ لَكِنْ قَالَ الْقَمُولِيُّ فِي الْجَوْهَرِ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِكَوْنِهِ فَرْضَ كِفَايَةٍ مَا إذَا طَلَبَهُ رَجُلٌ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى نِسَاءِ الْبَلَدِ إجَابَتُهُ، وَيَسْقُطُ بِوَاحِدَةٍ ; وَكَذَا عَلَى الْأَوْلِيَاءِ الْمُجْبَرِينَ وَخَطَّأَهُ فِي الْخَادِمِ وَقَالَ: الْمُرَادُ تَرْكُهُ لِلْأَمَةِ ; لِانْقِطَاعِ النَّسْلِ
. وَمِنْهَا: تَعْلِيمُ الطَّالِبِينَ، وَالْإِفْتَاءُ، وَلَا يَكْفِي فِي إقْلِيمٍ مُفْتٍ وَاحِدٌ وَالضَّابِطُ: أَنْ لَا يَبْلُغَ مَا بَيْنَ مُفْتِيَيْنِ مَسَافَةَ الْقَصْرِ قَالَ الْفَزَارِيّ: وَلَا يُسْتَغْنَى بِالْقَاضِي عَنْ الْمُفْتِي ; لِأَنَّ الْقَاضِيَ يُلْزِمُ مَنْ رُفِعَ إلَيْهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ، وَالْمُفْتِي يَرْجِعُ إلَيْهِ الْمُسْلِمُ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ الْعَارِضَةِ.
وَمِنْهَا: إسْمَاعُ الْحَدِيثِ. وَمِنْهَا: تَصْنِيفُ الْكُتُبِ. أَشَارَ إلَيْهِ الْبَغَوِيّ فِي أَوَّلِ التَّهْذِيبِ وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ: مِنْ فَرْضِ الْكِفَايَةِ: تَصْنِيفُ الْكُتُبِ لِمَنْ مَنَحَهُ اللَّهُ فَهْمًا وَاطِّلَاعًا، وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الْأُمَّةُ - مَعَ قِصَرِ أَعْمَارِهَا - فِي ازْدِيَادٍ، وَتَرَقٍّ فِي الْمَوَاهِبِ وَالنَّوَادِرِ. وَالْعِلْمُ: لَا يَحِلُّ كَتْمُهُ فَلَوْ تُرِكَ التَّصْنِيفُ لَضُيِّعَ الْعِلْمُ عَلَى النَّاسِ. وَمِنْهَا: الْقِيَامُ بِإِقَامَةِ الْحُجَجِ وَحَلِّ الْمُشْكِلَاتِ فِي الدِّينِ، وَبِعُلُومِ الشَّرْعِ، وَهِيَ: التَّفْسِيرُ، وَالْحَدِيثُ، وَالْفِقْهُ، بِحَيْثُ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ وَالْإِفْتَاءِ وَآلَاتُهَا كَالْأُصُولِ
стр. 413
وَالنَّحْوِ، وَالصَّرْفِ، وَاللُّغَةِ، وَأَسْمَاءِ الرُّوَاةِ، وَالْجَرْحِ، وَالتَّعْدِيلِ، وَاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ، وَاتِّفَاقِهِمْ، وَالطِّبِّ، وَالْحِسَابِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ فِي الْمُعَامَلَاتِ، وَالْإِرْثِ، وَالْوَصَايَا، وَنَحْوِهَا. وَإِنَّمَا يَتَوَجَّهُ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الْقَضَاءِ غَيْرَ بَلِيدٍ لَهُ مَا يَكْفِيهِ، وَيَدْخُلُ الْفَاسِقُ وَلَا يَسْقُطُ بِهِ. وَلَا يَدْخُلُ الْعَبْدُ، وَالْمَرْأَةُ، وَفِي سُقُوطِهِ بِهِمَا وَجْهَانِ.
وَمِنْهَا: حِفْظُ الْقُرْآنِ، وَالْحَدِيثِ. ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ. وَعَبَّرَ الْعَبَّادِيُّ فِي الزِّيَادَاتِ، وَالْجُرْجَانِيُّ فِي الشَّافِي: بِحِفْظِ جَمِيعِ الْقُرْآنِ. وَعَبَّرَ الْمَاوَرْدِيُّ بِنَقْلِ السُّنَنِ.
وَعَدَّ الشِّهْرِسْتَانِيّ فِي الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ: الِاجْتِهَادَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ. قَالَ: فَلَوْ اشْتَغَلَ بِتَحْصِيلِهِ وَاحِدٌ، سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْ الْجَمِيعِ، وَإِنْ قَصَّرَ فِيهِ أَهْلُ عَصْرٍ عَصَوْا بِتَرْكِهِ، وَأَشْرَفُوا عَلَى خَطَرٍ عَظِيم، فَإِنَّ الْأَحْكَامَ الِاجْتِهَادِيَّةَ إذَا كَانَتْ مُتَرَتِّبَةً عَلَى الِاجْتِهَادِ تَرَتُّبَ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ، وَلَمْ يُوجَدْ السَّبَبُ كَانَتْ الْأَحْكَامُ عَاطِلَةً، وَالْآرَاءُ كُلُّهَا مُتَمَاثِلَةً، فَلَا بُدَّ إذَنْ مِنْ مُجْتَهِدٍ انْتَهَى.
قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ. وَمِنْ فُرُوضُ الْكِفَايَاتِ جِهَادُ النَّفْسِ قَالَ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ الْبَاجِيُّ: جِهَادُ النَّفْسِ فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْبَالِغِينَ الْعَاقِلِينَ ; لِيَرْقَى بِجِهَادِهَا فِي دَرَجَاتِ الطَّاعَاتِ وَيُظْهِرَ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ الصِّفَاتِ. لِيَقُومَ بِكُلِّ إقْلِيمٍ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَاطِنِ. كَمَا يَقُومُ بِهِ رَجُلٌ مِنْ عُلَمَاءِ الظَّاهِرِ كُلٌّ مِنْهُمَا يُعِينُ الْمُسْتَرْشِدَ عَلَى مَا هُوَ بِصَدَدِهِ فَالْعَالِمُ: يُقْتَدَى بِهِ، وَالْعَارِفُ يُهْتَدَى بِهِ.
وَهَذَا مَا لَمْ يَسْتَوْلِ عَلَى النَّفْسِ طُغْيَانُهَا، وَانْهِمَاكُهَا فِي عِصْيَانِهَا. فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ صَارَ اجْتِهَادُهَا فَرْضَ عَيْنٍ بِكُلِّ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنْ عَجَزَ اسْتَعَانَ عَلَيْهَا بِمَنْ يَحْصُلُ لَهُ الْمَقْصُودُ مِنْ عُلَمَاءِ الظَّاهِرِ، وَالْبَاطِنِ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ وَهُوَ أَكْبَرُ الْجِهَادَيْنِ إلَى أَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
[خَاتِمَةٌ: الْعُلُومُ تَنْقَسِمُ إلَى سِتَّةِ أَقْسَامٍ]
[فَصْلٌ: لَيْسَ لَنَا سُنَّةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ إلَّا ابْتِدَاءَ السَّلَامِ]
خَاتِمَةٌ:
الْعُلُومُ تَنْقَسِمُ إلَى سِتَّةِ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَقَدْ مَرَّ.
стр. 414
وَالثَّانِي: فَرْضُ عَيْنٍ وَهُوَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْعَامَّةُ فِي الْفَرَائِضِ: كَالْوُضُوءِ، وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ. إنَّمَا يَتَوَجَّهُ بَعْدَ الْوُجُوبِ، فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ صَبَرَ إلَى دُخُولِ الْوَقْتِ لَمْ يَتَمَكَّنْ: لَزِمَهُ التَّعَلُّمُ قَبْلَهُ، كَمَا يَلْزَمُ بَعِيدَ الدَّارِ السَّعْيُ إلَى الْجُمُعَةِ قَبْلَ الْوَقْتِ. وَمَا كَانَ عَلَى الْفَوْرِ فَتَعَلُّمُهُ عَلَى الْفَوْرِ وَمَا لَا فَلَا وَإِنَّمَا يَلْزَمُ تَعَلُّمُ الظَّوَاهِرِ لَا الدَّقَائِقِ وَالنَّوَادِرِ
. وَمَنْ لَهُ مَالٌ زَكَوِيٌّ، يَلْزَمُهُ ظَوَاهِرُ أَحْكَامِ الزَّكَاةِ. وَمَنْ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي، يَلْزَمُهُ تَعَلُّمُ أَحْكَامِ الْمُعَامَلَاتِ، وَمَنْ لَهُ زَوْجَةٌ يَلْزَمُهُ تَعَلُّمُ أَحْكَامِ عِشْرَةِ النِّسَاءِ وَكَذَا مَنْ لَهُ أَرِقَّاءُ، وَكَذَا مَعْرِفَةُ مَا يَحِلُّ، وَمَا يَحْرُمُ مِنْ مَأْكُولٍ، وَمَشْرُوبٍ، وَمَلْبُوسٍ وَأَمَّا عِلْمُ الْكَلَامِ: فَلَيْسَ عَيْنًا.
قَالَ الْإِمَامُ: وَلَوْ بَقِيَ النَّاسُ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ لَنُهِينَا عَنْ التَّشَاغُلِ بِهِ. أَمَّا إذَا ظَهَرَتْ الْبِدَعُ، فَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، لِإِزَالَةِ الشُّبَهِ، فَإِنْ ارْتَابَ أَحَدٌ فِي أَصْلٍ مِنْهُ لَزِمَهُ السَّعْيُ فِي إزَاحَتِهِ. قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: فَإِنْ فُقِدَ الْأَمْرَانِ فَحَرَامٌ. وَالْوَاجِبُ فِي الِاعْتِقَادِ التَّصْدِيقُ الْجَازِمُ بِمَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ، وَأَمَّا عِلْمُ الْقَلْبِ وَمَعْرِفَةُ أَمْرَاضِهِ مِنْ الْحَسَدِ، وَالْعُجْبِ، وَالرِّيَاءِ وَنَحْوِهَا، فَقَالَ الْغَزَالِيُّ: إنَّهَا فَرْضُ عَيْنٍ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: مَنْ رُزِقَ قَلْبًا سَلِيمًا مِنْهَا كَفَاهُ. وَإِلَّا فَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْ تَطْهِيرِهِ بِغَيْرِهِ لَزِمَهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ إلَّا بِتَعَلُّمِهِ وَجَبَ.
الثَّالِثُ: مَنْدُوبٌ كَالتَّبَحُّرِ فِي الْعُلُومِ السَّابِقَةِ بِالزِّيَادَةِ عَلَى مَا يَحْصُلُ بِهِ الْفَرْضُ.
الرَّابِعُ: حَرَامٌ كَالْفَلْسَفَةِ، وَالشَّعْوَذَةِ، وَالتَّنْجِيمِ، وَالرَّمْلِ،، وَعُلُومِ الطَّبَائِعِيِّينَ، وَالسِّحْرِ، هَذَا مَا فِي الرَّوْضَةِ. وَدَخَلَ فِي الْفَلْسَفَةِ: الْمَنْطِقُ.
وَصَرَّحَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي طَبَقَاتِهِ، وَابْنُ الصَّلَاحِ فِي فَتَاوِيهِ، وَخَلَائِقُ آخَرُونَ.
стр. 415
وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ: عِلْمُ الْحِرَفِ. صَرَّحَ بِهِ الذَّهَبِيُّ، وَغَيْرُهُ وَالْمُوسِيقَى نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ.
الْخَامِسُ: مَكْرُوهٌ كَأَشْعَارِ الْمُوَلَّدِينَ فِي الْغَزَلِ، وَالْبَطَالَةِ السَّادِسُ: مُبَاحٌ كَأَشْعَارِهِمْ الَّتِي لَا سُخْفَ فِيهَا وَلَا مَا يُثَبِّطُ عَنْ الْخَيْرِ وَلَا يَحُثُّ عَلَيْهِ.
ذَكَرَ هَذِهِ الْأَقْسَامَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا، فَقَدْ اسْتَكْمَلَ الْعِلْمُ أَقْسَامَ الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ، وَنَظِيرُهُ فِي الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ: النِّكَاحُ فَإِنَّهُ يَكُونُ فَرْضَ كِفَايَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَفَرْضَ عَيْنٍ عَلَى مَنْ خَافَ الْعَنَتَ، وَمَنْدُوبًا لِتَائِقٍ إلَيْهِ وَاجِدٍ أُهْبَةً، وَمَكْرُوهًا لِفَاقِدِ الْأُهْبَةِ، وَالْحَاجَةِ أَوْ وَاجِدِهَا وَبِهِ عِلَّةٌ، كَهَرَمٍ، أَوْ تَعْنِينٍ، أَوْ مَرَضٍ دَائِمٍ، وَمُبَاحًا لِوَاجِدِ الْأُهْبَةِ، غَيْرِ مُحْتَاجٍ، وَلَا عِلَّةَ، وَحَرَامًا لِمَنْ عِنْدَهُ أَرْبَعٌ، وَنَظِيرُهُ فِي تِلْكَ أَيْضًا: الْقَتْلُ، فَإِنَّهُ يَكُونُ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَى الْإِمَامِ فِي الرِّدَّةِ، وَالْحِرَابَةِ وَتَرْكِ الصَّلَاةِ، وَالزِّنَا، وَفَرْضَ كِفَايَةٍ فِي الْجِهَادِ، وَالصِّيَالِ عَلَى بُضْعٍ، وَمَنْدُوبًا فِي الْحَرْبِيِّ إذَا قُدِرَ عَلَيْهِ، وَلَا مَصْلَحَةَ فِي اسْتِرْقَاقِهِ، وَالصَّائِلِ حَيْثُ الدَّفْعُ أَوْلَى مِنْ الِاسْتِسْلَامِ، وَمَكْرُوهًا: فِي الْأَسِيرِ حَيْثُ فِي اسْتِرْقَاقِهِ مَصْلَحَةٌ، وَحَرَامًا: فِي نِسَاءِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَصِبْيَانِهِمْ وَمِنْهُ: الْقَتْلُ الْعَمْدُ الْعُدْوَانُ وَمُبَاحًا فِي الْقِصَاصِ.
وَلَهُ قِسْمٌ سَابِعٌ، وَهُوَ: مَا لَا يُوصَفُ بِوَاحِدٍ مِنْ السِّتَّةِ، وَهُوَ قَتْلُ الْخَطَأِ. وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ: الطَّلَاقُ، فَإِنَّهُ يَكُونُ وَاجِبًا وَهُوَ طَلَاقُ الْحَكَمَيْنِ، وَالْمَوْلَى. وَمَنْدُوبًا، وَهُوَ طَلَاقُ مَنْ خَافَ أَنْ لَا يُقِيمَ حُدُودَ اللَّهِ فِي الزَّوْجِيَّةِ، وَمَنْ رَأَى رِيبَةً يَخَافُ مَعَهَا عَلَى الْفُرُشِ، وَحَرَامًا: وَهُوَ الْبِدْعِيُّ، وَطَلَاقُ مَنْ قَسَمَ لِغَيْرِهَا وَلَمْ يُوَفِّهَا حَقَّهَا مِنْ الْقَسْمِ، وَمَكْرُوهًا وَهُوَ مَا سِوَى ذَلِكَ فَفِي الْحَدِيثِ «أَبْغَضُ الْحَلَالِ إلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ» وَلَا يُوجَدُ فِيهِ مُبَاحٌ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ. هَكَذَا حَكَاهُ النَّوَوِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ. قَالَ الْعَلَائِيُّ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ عِنْدَ تَعَارُضِ مُقْتَضَى الْفِرَاقِ وَضِدِّهِ فِي رَأْيِ الزَّوْجِ.
стр. 416
فَصْلٌ:
قَالَ الشَّاشِيُّ فِي الْحِلْيَةِ: لَيْسَ لَنَا سُنَّةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، إلَّا ابْتِدَاءَ السَّلَامِ. فَلَوْ لَقِيَ جَمَاعَةٌ وَاحِدًا أَوْ جَمَاعَةً فَسَلَّمَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ كَفَى لِأَدَاءِ السُّنَّةِ، وَاسْتُدْرِكَ عَلَيْهِ أَشْيَاءُ مِنْهَا: تَشْمِيتُ الْعَاطِسِ. صَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهُ سُنَّةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، كَابْتِدَاءِ السَّلَامِ.
وَمِنْهَا: التَّسْمِيَةُ عَلَى الْأَكْلِ، فَلَوْ سَمَّى وَاحِدٌ مِنْ الْآكِلِينَ أَجْزَأَ عَنْهُمْ. نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ. وَمِنْهَا: الْأُضْحِيَّةُ إذَا ضَحَّى بِشَاةٍ وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ تَأَدَّى الشِّعَارُ بِهَا وَالسُّنَّةُ عَنْ جَمِيعِهِمْ. وَمِنْهَا: مَا يُفْعَلُ بِالْمَيِّتِ مِمَّا نُدِبَ إلَيْهِ. وَمِنْهَا: الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ عَلَى الْأَصَحِّ.
قُلْت: الظَّاهِرُ أَنَّهُمَا سُنَّتَا عَيْنٍ، وَإِلَّا لَعُدَّتْ الْجَمَاعَةُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا سُنَّةٌ. وَالْعِيدُ، وَالْكُسُوفُ، وَالِاسْتِسْقَاءُ. وَمِمَّا يَصْلُحُ أَنْ يُعَدَّ مِنْهَا: مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْعِلْمِ: أَنَّهُ مَنْدُوبٌ. وَتَلْقِينُ الْمَيِّت إذَا أُرْتِجَ عَلَيْهِ. وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِذَلِكَ.
[الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ السَّفَرِ]
ِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: رُخَصُ السَّفَرِ: ثَمَانِيَةٌ: الْقَصْرُ، وَالْجَمْعُ، وَالْفِطْرُ، وَالْمَسْحُ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَيَخْتَصُّ بِالطَّوِيلِ، وَالتَّنَفُّلُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَإِسْقَاطُ الْجُمُعَةِ، وَأَكْلُ الْمَيِّتِ، وَإِسْقَاطُ الْفَرْضِ بِالتَّيَمُّمِ، وَلَا يَخْتَصُّ بِهِ وَاسْتَدْرَكَ عَلَيْهِ أُخْرَى. وَهِيَ: عَدَمُ الْقَضَاءِ لِمَنْ سَافَرَ بِهَا مَعَهُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ بِأَبْسَطَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ الْكِتَابِ الْأَوَّلِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى التَّخْفِيفَاتِ. وَنَزِيدُ هُنَا أَنَّ السَّفَرَ اُخْتُصَّ بِأُمُورٍ أُخْرَى غَيْرِ التَّخْفِيفَاتِ. مِنْهَا: عَدَمُ صِحَّةِ الْجُمُعَةِ، وَمِنْهَا: تَحْرِيمُهُ عَلَى الْمَرْأَةِ إلَّا مَعَ زَوْجٍ، أَوْ مَحْرَمٍ، لِلْحَدِيثِ وَسَوَاءٌ السَّفَرُ الطَّوِيلُ، وَالْقَصِيرُ. كَمَا فِي شَرْح الْمُهَذَّبِ، وَالْمُبَاحُ، وَالْوَاجِبُ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَجِبْ الْحَجُّ
стр. 417
وَلَا التَّغْرِيبُ فِي الزِّنَا، إذَا امْتَنَعَ الزَّوْجُ أَوْ الْمَحْرَمُ مِنْ الْخُرُوجِ.
نَعَمْ: أُقِيمَ مَقَامَهَا فِي الْحَجِّ: النِّسْوَةُ الثِّقَاتُ. وَالتَّعْبِيرُ بِالثِّقَاتِ: يُخْرِجُ غَيْرَهُنَّ. وَبِالنِّسْوَةِ تَخْرُجُ الْمَرْأَةُ الْوَاحِدَةُ، فَلَا يَجِبُ الْخُرُوجُ لِلْحَجِّ مَعَهَا، لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا لِأَدَاءِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ عَلَى الصَّحِيحِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ. قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: فَهُمَا مَسْأَلَتَانِ:
إحْدَاهُمَا شَرْطُ وُجُوبِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ.
وَالثَّانِيَةُ: جَوَازُ الْخُرُوجِ لِأَدَائِهَا. وَقَدْ اشْتَبَهَتَا عَلَى كَثِيرٍ حَتَّى تَوَهَّمُوا اخْتِلَافَ كَلَامِ النَّوَوِيِّ فِي ذَلِكَ. وَلَيْسَ لَهَا أَنَّ تَخْرُجَ لِحَجِّ التَّطَوُّعِ، وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَسْفَارِ الَّتِي لَا تَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ بَلْ وَلَا مَعَ النِّسْوَةِ الْخُلَّصِ عِنْد الْجُمْهُور.
وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَصَحَّحَهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَلَا شَكَّ أَنَّ لَهَا الْهِجْرَةَ مِنْ بِلَاد الْكُفْرِ وَحْدَهَا، فَعَلَى هَذَا تُسْتَثْنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ أَصْلِ الْقَاعِدَةِ. وَمِنْهَا: تَحْرِيمُهُ عَلَى الْوَلَدِ إلَّا بِإِذْنِ أَبَوَيْهِ وَيُسْتَثْنَى السَّفَرُ لِحَجِّ الْفَرْضِ وَلِتَعَلُّمِ الْعِلْمِ وَالتِّجَارَةِ وَمِنْهَا: تَحْرِيمُهُ عَلَى الْمَدْيُونِ، إلَّا بِإِذْنِ غَرِيمِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ حَالًّا. وَقِيلَ يُمْنَعُ فِي الْمُؤَجَّلِ مِنْ سَفَرٍ مَخُوفٍ. وَمِنْهَا: وُجُوبُ طَوَافِ الْوَدَاعِ عَلَى مُرِيدِهِ مِنْ مَكَّةَ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَسَوَاءٌ الطَّوِيلُ وَالْقَصِيرُ. وَمِنْهَا: جَوَازُ إيدَاعِ الْمُودَعِ الْوَدِيعَةَ عِنْدَ غَيْرِهِ إذَا أَرَادَ سَفَرًا وَلَمْ يَجِدْ الْمَالِكَ.
ضَابِطٌ مَسَافَةُ الْقَصْرِ فِي حُكْمِ الْبَعِيدِ، وَمَا دُونَهَا فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ، إلَّا فِي صُوَرٍ: الْأُولَى: نَقْلُ الزَّكَاةِ.
الثَّانِيَةُ: عَدَمُ وُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى مَنْ لَا يُطِيقُ الْمَشْيَ.
الثَّالِثَةُ: إحْضَارُ الْمَكْفُولِ.
الرَّابِعَةُ: إذَا أَرَادَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ سَفَرَ نُقْلَةٍ فَالْأَبُ أَوْلَى مُطْلَقًا.
فَائِدَةٌ: الْأَبْنِيَةُ تُعْتَبَرُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَرُخَصِ السَّفَرِ الثَّمَانِيَةِ، وَعَدَمِ تَحْرِيمِ الِاسْتِقْبَالِ وَالِاسْتِدْبَارِ لِقَاضِي الْحَاجَةِ، وَفِي بِيَعِ الْقَرْيَةِ، وَفِي حُكْمِ قَاضِي الْبَلَدِ.
стр. 418
ضَابِطٌ:
حَيْثُ أُطْلِقَ فِي الشَّرْعِ الْبَعِيدُ فَالْمُرَادُ بِهِ مَسَافَةُ الْقَصْرِ، إلَّا فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ، فَالْبُعْدُ: فِيهِ اخْتِلَافُ الْمَطَالِعِ عَلَى مَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ. ضَابِطٌ:
تُعْتَبَرُ مَسَافَةُ الْقَصْرِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ: فِي الْجُمَعِ، وَالْفِطْرِ، وَالْمَسْحِ، وَرُؤْيَةِ الْهِلَالِ. عَلَى مَا صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ، وَحَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَوُجُوبِ الْحَجِّ مَاشِيًا، وَتَزْوِيجِ الْحَاكِمِ مُوَلِّيَهُ الْغَائِبَ.
[وَيَخْتَصُّ رُكُوبُ الْبَحْرِ بِأَحْكَامٍ]
ٍ مِنْهَا: تَحْرِيمُهُ وَإِسْقَاطُهُ الْحَجَّ، حَيْثُ كَانَ الْغَالِبُ الْهَلَاكَ. وَفِي فَتَاوَى الْبَارِزِيَّةِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ، إرْكَابُ الطِّفْلِ الْبَحْرَ، وَإِنْ غَلَبَتْ السَّلَامَةُ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُمَا لِوُفُورِ شَفَقَتِهِمَا.
[الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ الْحَرَمِ]
ِ اُخْتُصَّ حَرَمُ مَكَّةَ بِأَحْكَامٍ: الْأَوَّلُ: لَا يَدْخُلُهُ أَحَدٌ إلَّا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وُجُوبًا أَوْ اسْتِحْبَابًا.
الثَّانِي: لَا تُقَاتَلُ فِيهِ الْبُغَاةُ عَلَى رَأْيٍ.
الثَّالِثُ: يَحْرُمُ صَيْدُهُ.
الرَّابِعُ: يَحْرُمُ قَطْعُ شَجَرِهِ مِنْهُمَا وَيُشَارِكُهُ فِيهِمَا حَرَمُ الْمَدِينَةِ.
الْخَامِسُ: يُمْنَعُ كُلُّ كَافِرٍ مِنْ دُخُولِهِ مُقِيمًا كَانَ أَوْ مَارًّا.
السَّادِسُ: لَا تَحِلُّ لُقَطَتُهُ لِلتَّمَلُّكِ.
السَّابِعُ: يَحْرُمُ إخْرَاجُ أَحْجَارِهِ وَتُرَابِهِ إلَى غَيْرِهِ.
الثَّامِنُ: يُكْرَهُ إدْخَالُ أَحْجَارِ غَيْرِهِ وَتُرَابِهِ إلَيْهِ.
التَّاسِعُ: يَخْتَصُّ نَحْرُ الْهَدَايَا وَالْفِدَاءِ بِهِ.
الْعَاشِرُ: يَجِبُ قَصْدُهُ بِالنَّذْرِ بِخِلَافِ مَا سِوَاهُ.
الْحَادِيَ عَشَرَ: لَوْ نَذَرَ الذَّبْحَ فِيهِ، تَعَيَّنَ بِخِلَافِ مَا لَوْ نَذَرَهُ بِغَيْرِهِ فَيَذْبَحُ حَيْثُ شَاءَ.
الثَّانِيَ عَشَرَ: لَا يُؤْذَنُ فِيهِ لِمُشْرِكٍ وَلَا يُدْفَنُ فِيهِ فَإِنْ دُفِنَ نُبِشَ وَأُخْرِجَ.
الثَّالِثَ عَشَرَ: تُغَلَّظُ الدِّيَةُ عَلَى قَاتِلِ الْخَطَأِ فِيهِ.
الرَّابِعَ عَشَرَ: لَا دَمَ عَلَى أَهْلِهِ فِي تَمَتُّعٍ وَلَا قِرَانٍ.
стр. 419
الْخَامِسَ عَشَرَ: لَا يَجُوزُ إحْرَامُ الْمُقِيمِ بِهِ بِحَجٍّ خَارِجَهُ.
السَّادِسَ عَشَرَ: لَا يُكْرَهُ فِيهِ نَافِلَةٌ بِوَقْتٍ.
السَّابِعَ عَشَرَ: يُسَنُّ الْغُسْلُ لِدُخُولِهِ، وَيُشَارِكُهُ فِي ذَلِكَ حَرَمُ الْمَدِينَةِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ
الثَّامِنَ عَشَرَ: مُضَاعَفَةُ الصَّلَاةِ فِيهِ.
التَّاسِعَ عَشَرَ: مُضَاعَفَةُ السَّيِّئَاتِ فِيهِمَا كَمَا تُضَاعَفُ الْحَسَنَاتُ.
الْعِشْرُونَ: الْهَمُّ بِالسَّيِّئَةِ فِيهِ مُؤَاخَذٌ بِهِ وَلَا يُؤَاخَذُ بِهِ فِي غَيْرِهِ.
[الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ]
ِ هِيَ كَثِيرَةٌ جِدًّا وَقَدْ أَفْرَدَهَا الزَّرْكَشِيُّ بِالتَّصْنِيفِ وَأَنَا أَسْرُدُهَا هُنَا مُلَخَّصَةً، فَمِنْهَا: تَحْرِيمُ الْمُكْثِ فِيهِ عَلَى الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ، وَدُخُولِهِ عَلَى حَائِضٍ، وَذِي نَجَاسَةٍ يُخَافُ مِنْهَا التَّلْوِيثُ. وَمِنْ ثَمَّ حُرِّمَ إدْخَالُهُ الصِّبْيَانَ وَالْمَجَانِينَ حَيْثُ غَلَبَ تَنْجِيسُهُمْ. وَإِلَّا فَيُكْرَهُ كَمَا فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ وَالشَّهَادَاتِ. وَحُرِّمَ أَيْضًا دَلْكُ النَّعْلِ بِهِ ; لِأَنَّهُ تَنْجِيسٌ أَوْ تَقْذِيرٌ.
ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي الصَّلَاةِ. وَذَكَرَ فِيهِ أَيْضًا: أَنَّهُ يَحْرُمُ إدْخَالُهُ النَّجَاسَةَ. وَفِي فَتَاوِيهِ: يَحْرُمُ قَتْلُ قَمْلَةٍ وَنَحْوِهَا وَإِلْقَاؤُهَا فِيهِ. وَفِي الرَّوْضَةِ: يَحْرُمُ الْبَوْلُ فِيهِ وَلَوْ فِي إنَاءٍ: بِخِلَافِ الْقَصْدِ فِيهِ فِي إنَاءٍ، فَيُكْرَهُ وَلَا يَحْرُمُ. وَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالُ: يُمْنَعُ مِنْ تَعْلِيمِ الصِّبْيَانِ فِيهِ. وَمِنْهَا: يَحْرُمُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ، وَحَجَرِهِ وَحَصَاهُ وَتُرَابِهِ وَزَيْتِهِ وَشَمْعِهِ، ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ. وَمِنْهَا: تَحْرِيمُ الْبُصَاقِ فِيهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَالتَّحْقِيقِ، وَالْقَمُولِيِّ فِي الْجَوَاهِرِ.
وَفِي الْمُهِمَّاتِ: أَنَّ الْمَوْجُودَ لِلْأَصْحَابِ هُوَ الْكَرَاهَةُ، قَالَ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَمَنْ بَدَرَهُ الْبُصَاقُ بَصَقَ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ.
قَالَ: وَيُسَنُّ لِمَنْ رَأَى بُصَاقًا فِيهِ أَنْ يُزِيلَهُ بِدَفْنِهِ فِي تُرَابِ الْمَسْجِدِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ تُرَابٌ أَخَذَهُ بِيَدِهِ، أَوْ بِعُودٍ وَنَحْوِهِ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ.
وَمِنْهَا: كَرَاهَةُ دُخُولِهِ لِمَنْ أَكَلَ ذَا رِيحٍ كَرِيهَةٍ، وَالْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فِيهِ، وَسَائِرُ الْعُقُودِ، وَإِنْ
стр. 420
قَلَّ إلَّا لِحَاجَةٍ، وَنِشْدَةِ الضَّالَّةِ، وَالْأَشْعَارِ، إلَّا مَا كَانَ فِي الزُّهْدِ، وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَعَمَلُ الصَّنْعَةِ فِيهِ كَالْخِيَاطَةِ، وَنَحْوِهَا إنْ جَعَلَهُ مَقْعَدًا لَهَا، أَوْ أَكْثَرَ رَفْعَ الصَّوْتِ فِيهِ، وَالْخُصُومَةُ وَالْجُلُوسُ فِيهِ لِلْقَضَاءِ، وَمِنْهَا: يُسَنُّ كَنْسُهُ وَتَنْظِيفُهُ وَتَطْيِيبُهُ وَفَرْشُهُ وَالْمَصَابِيحُ فِيهِ، وَتَقْدِيمُ الْيُمْنَى عِنْدَ دُخُولِهِ وَالْيُسْرَى عِنْدَ خُرُوجِهِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ سَتْرُهُ بِالْحَرِيرِ. صَرَّحَ بِهِ الْغَزَالِيُّ، وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ.
[أَحْكَامُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ]
ِ اُخْتُصَّ بِأَحْكَامٍ: صَلَاةُ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةُ فِيهَا، وَكَوْنُهَا بِأَرْبَعِينَ، وَالْخُطْبَةُ، وَقِرَاءَةُ السُّورَةِ الْمَخْصُوصَةِ فِيهَا، وَتَحْرِيمُ السَّفَرِ قَبْلَهَا، وَالْغُسْلُ لَهَا وَالطِّيبُ، وَلُبْسُ أَحْسَنِ الثِّيَابِ، وَإِزَالَةُ الظُّفْرِ، وَالشَّعْرِ، وَتَبْخِيرُ الْمَسْجِدِ، وَالتَّبْكِيرُ، وَالِاشْتِغَالُ بِالْعِبَادَةِ حَتَّى يَخْرُجَ الْخَطِيبُ، وَلَا يُسَنُّ الْإِبْرَادُ بِهَا، وَقِرَاءَةُ (الم تَنْزِيلُ) وَ (هَلْ أَتَى) فِي صُبْحِهِ، وَالْجُمُعَةُ وَالْمُنَافِقُونَ فِي عِشَاءِ لَيْلَتِهِ، وَالْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصُ فِي مَغْرِبِ لَيْلَتِهِ، وَكَرَاهَةُ إفْرَادِهِ بِالصَّوْمِ، وَكَرَاهَةُ إفْرَادِ لَيْلَتِهِ بِالْقِيَامِ، وَقِرَاءَةُ الْكَهْفِ، وَنَفْيُ كَرَاهَةِ النَّافِلَةِ وَقْتَ الِاسْتِوَاءِ، وَهُوَ خَيْرُ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ، وَيَوْمُ عِيدٍ، وَفِيهِ سَاعَةُ الْإِجَابَةِ، وَيَجْتَمِعُ فِيهِ الْأَرْوَاحُ، وَتُزَارُ فِيهِ الْقُبُورُ، وَيَأْمَنُ الْمَيِّتُ فِيهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَلَا تُسَجَّرُ فِيهِ جَهَنَّمُ، وَيَزُورُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِيهِ رَبَّهُمْ .
[الْكِتَابُ الْخَامِسُ: فِي نَظَائِرِ الْأَبْوَابِ]
[كِتَابُ الطَّهَارَةِ]
[الْمِيَاه أَقْسَامٌ]
الْكِتَابُ الْخَامِسُ فِي نَظَائِرِ الْأَبْوَابِ كِتَابُ الطَّهَارَةِ الْمِيَاه أَقْسَامٌ: طَهُورٌ وَهُوَ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ. وَطَاهِرٌ وَهُوَ الْمُسْتَعْمَلُ، وَالْمُتَغَيِّرُ بِمَا يَضُرُّ. وَنَجِسٌ: وَهُوَ الْمُتَغَيِّرُ بِنَجَاسَةٍ أَوْ الْمُلَاقِي لَهَا وَهُوَ قَلِيلٌ. وَمَكْرُوهٌ: وَهُوَ الْمُشَمَّسُ. وَحَرَامٌ: وَهُوَ مِيَاهُ آبَارِ الْحِجْرِ إلَّا بِئْرَ النَّاقَةِ
стр. 421
وَالْمُطْلَقُ أَنْوَاعٌ مُطْلَقٌ اسْمًا وَحُكْمًا، وَهُوَ الْبَاقِي عَلَى وَصْفِ خِلْقَتِهِ وَحُكْمًا لَا اسْمًا وَهُوَ الْمُتَغَيِّرُ بِمَا لَا يُمْكِنُ صَوْنُهُ. وَعَكْسُهُ، وَهُوَ الْمُسْتَعْمَلُ. إنْ قُلْنَا: إنَّهُ مُطْلَقٌ: مُنِعَ تَعَبُّدًا.
ضَابِطٌ:
لَيْسَ لَنَا مَاءٌ طَاهِرٌ لَا يُسْتَعْمَل إلَّا الْمُسْتَعْمَلُ، وَالْمُتَغَيِّرُ كَثِيرًا بِمُخَالَطَةِ طَاهِرٍ مُسْتَغْنًى عَنْهُ. وَلَا مَاءٌ طَهُورٌ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا الْبِئْرُ الَّتِي تَمَعَّطَتْ بِهَا فَأْرَةٌ وَمَاؤُهَا كَثِيرٌ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ، فَإِنَّهُ طَهُورٌ. وَمَعَ ذَلِكَ يَتَعَذَّرُ اسْتِعْمَالُهُ لِأَنَّهُ مَا مِنْ دَلْوٍ إلَّا وَلَا يَخْلُو مِنْ شَعْرَةٍ.
ضَابِطٌ:
قَالَ الْجُرْجَانِيُّ فِي الْمُعَايَاةِ وَالْمَرْعَشِيُّ وَغَيْرُهُمَا: لَا يُعْرَفُ مَاءٌ طَاهِرٌ فِي إنَاءٍ نَجِسٍ إلَّا فِي صُورَتَيْنِ: الْأُولَى: جِلْدُ مَيْتَةٍ طُرِحَ فِيهِ مَاءٌ كَثِيرٌ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ.
وَالثَّانِيَةُ: إنَاءٌ فِيهِ مَاءٌ قَلِيلٌ وَلَغَ فِيهِ كَلْبٌ، ثُمَّ كُوثِرَ حَتَّى بَلَغَ قُلَّتَيْنِ وَلَا تَغَيُّرَ: فَالْمَاءُ طَاهِرٌ، وَالْإِنَاءُ نَجِسٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُسَبَّعْ، وَلَمْ يُعَفَّرْ.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ مُهِمَّاتِ الْمَسَائِلِ الَّتِي أَغْفَلَهَا الشَّيْخَانِ فَلَمْ يَتَعَرَّضَا لَهَا، وَفِيهَا أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ. أَصَحُّهَا: هَذَا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْحَدَّادِ وَصَحَّحَهُ السِّنْجِيُّ فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ.
وَالثَّانِي: يُطَهَّرُ الْإِنَاءُ أَيْضًا، كَمَا فِي نَظِيرِهِ مِنْ الْخَمْرِ إذَا تَخَلَّلَتْ، فَإِنَّ الْإِنَاءَ يَتْبَعُهَا فِي الطَّهَارَةِ.
وَالثَّالِثُ: إنْ مَسَّ الْكَلْبُ الْمَاءَ وَحْدَهُ: طَهُرَ الْإِنَاءُ، وَإِنْ مَسَّ الْإِنَاءَ أَيْضًا فَلَا. قَالَ ابْنُ السُّبْكِيّ: وَهَذَا يُشْبِهُ الْوَجْهَ الْمُفَصَّلَ فِي الضَّبَّةِ، بَيْنَ أَنْ تُلَاقِيَ فَمَ الشَّارِبِ أَمْ لَا.
وَالرَّابِعُ: إنْ تُرِكَ الْمَاءُ فِيهِ سَاعَةً طَهُرَ، وَإِلَّا فَلَا. قُلْت: وَهَذَا يُشْبِهُ مَسْأَلَةَ الْكُوزِ وَقَدْ بَسَطْتُهَا فِي شَرْحِ مَنْظُومَتِي الْمُسَمَّاةِ بِالْخُلَاصَةِ. وَعِبَارَتِي فِيهَا:
وَإِنْ يَلِغْ فِي دُونِهِ فَكُوثِرَا ... يَطْهُرْ قَطْعًا وَالْإِنَا لَنْ يَطْهُرَا
فَائِدَةٌ: قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: لَيْسَ فِي الشَّرْعِ اعْتِبَارُ قُلَّتَيْنِ إلَّا فِي بَابِ الطَّهَارَةِ وَفِي بَابِ الرَّضَاعِ
стр. 422
عَلَى طَرِيقَةٍ ضَعِيفَةٍ إذَا امْتَزَجَ اللَّبَنُ بِالْمَاءِ، فَإِنْ امْتَزَجَ بِقُلَّتَيْنِ: لَمْ يَحْرُمْ وَإِلَّا حَرُمَ.
فَائِدَةٌ: اُخْتُلِفَ فِي كَرَاهَةِ الْمُشَمَّسِ فِي الْأَوَانِي: هَلْ هِيَ شَرْعِيَّةٌ أَوْ طِبِّيَّةٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. حَرَّرْت الْمَقْصُودَ مِنْهَا فِي حَوَاشِي الرَّوْضَةِ وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهَا فُرُوعٌ:
أَحَدُهَا: إنْ قُلْنَا طِبِّيَّةٌ اُشْتُرِطَ حَرَارَةُ الْقَطْرِ وَانْطِبَاعُ الْإِنَاءِ، وَإِلَّا فَلَا.
وَالثَّانِي: إنْ قُلْنَا شَرْعِيَّةٌ: اُشْتُرِطَ الْقَصْدُ وَإِلَّا فَلَا.
الثَّالِثُ: وَإِنْ قُلْنَا شَرْعِيَّةٌ: كُرِهَ لِلْمَيِّتِ وَإِلَّا فَلَا.
الرَّابِعُ: إنْ قُلْنَا طِبِّيَّةٌ: كُرِهَ سَقْيُ الْبَهِيمَةِ مِنْهُ وَإِلَّا فَلَا.
الْخَامِسُ: إنْ قُلْنَا شَرْعِيَّةٌ: لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ شِدَّةُ الْحَرَارَةِ، وَإِلَّا اُشْتُرِطَ.
السَّادِسُ: إنْ قُلْنَا طِبِّيَّةٌ، وَفُقِدَ غَيْرُهُ: بَقِيَتْ الْكَرَاهَةُ، وَإِلَّا فَلَا.
السَّابِعُ: إنْ قُلْنَا شَرْعِيَّةٌ عُلِّلَ عَدَمُهَا فِي الْحِيَاضِ وَالْبِرَكِ بِعُسْرِ الصَّوْنِ أَوْ طِبِّيَّةٌ عُلِّلَ بِعَدَمِ خَوْفِ الْمَحْذُورِ.
الثَّامِنُ: إنْ قُلْنَا طِبِّيَّةٌ تَعَدَّتْ الْكَرَاهَةُ إلَى غَيْرِ الْمَاءِ مِنْ الْمَائِعَاتِ، وَإِلَّا فَلَا.
ضَابِطٌ:
لَيْسَ لَنَا مَاءَانِ يَصِحُّ الْوُضُوءُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا، وَلَا يَصِحُّ الْوُضُوءُ بِهِمَا مُخْتَلِطَيْنِ إلَّا الْمُتَغَيِّرُ بِمُخَالِطٍ لَا يَسْتَغْنِي الْمَاءُ عَنْهُ، فَإِنَّهُ إذَا صُبَّ عَلَى مَا لَا تَغَيُّرٌ فِيهِ فَغَيَّرَهُ: ضَرَّ لِإِمْكَانِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ. نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ أَبِي الصَّيْفِ الْيَمَنِيُّ فِي نُكَتِ التَّنْبِيهِ. قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَهِيَ مَسْأَلَةٌ غَرِيبَةٌ، وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ فِيهَا مُتَّجِهٌ. قَالَ: وَلَنَا صُورَةٌ أُخْرَى لَكِنَّهَا فِي الْجَوَازِ لَا فِي الصِّحَّةِ. وَهِيَ: مَا إذَا كَانَ لِرَجُلَيْنِ مَاءَانِ وَأَبَاحَ لَهُ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنْ يَتَوَضَّأَ بِمَائِهِ، فَإِنَّ الْمَاءَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهَا بِذَلِكَ فَإِذَا خَلَطَهُمَا، فَقَدْ تَعَدَّى ; لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِيهِمَا بِغَيْرِ الْجِهَةِ الْمَأْذُونِ فِيهَا.
فَائِدَةٌ: إذَا غُمِسَ كُوزٌ فِيهِ مَاءٌ نَجِسٌ فِي مَاءِ طَاهِرٍ، فَلَهُ أَحْوَالٌ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ وَاسِعَ الرَّأْسِ وَيَمْكُثُ زَمَنًا يَزُولُ فِيهِ التَّغْيِيرُ. لَوْ كَانَ مُتَغَيِّرًا، فَيَطْهُرُ قَطْعًا.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُون ضَيِّقًا وَلَا يَمْكُثُ: فَلَا قَطْعًا.
стр. 423
الثَّالِثَةُ: وَاسِعُ الرَّأْسِ وَلَا يَمْكُثُ.
الرَّابِعَةُ: ضَيِّقُهُ وَيَمْكُثُ، وَفِيهِمَا وَجْهَانِ، الْأَصَحُّ: لَا يَطْهُرُ.
فَائِدَةٌ: لَنَا مَاءٌ: هُوَ أَلْفُ قُلَّةٍ وَهُوَ نَجِسٌ مِنْ غَيْرِ تَغَيُّرٍ. وَصُورَتُهُ: الْمَاءُ الْجَارِي عَلَى النَّجَاسَةِ وَكُلُّ جَرْيَةٍ لَا تَبْلُغُ قُلَّتَيْنِ.
فَائِدَةٌ: قَالَ الْإِسْنَوِيُّ فِي أَلْغَازِهِ: شَخْصٌ يَجِبُ عَلَيْهِ تَحْصِيلُ بَوْلٍ لِيَتَطَهَّرَ بِهِ عَنْ وُضُوئِهِ وَغُسْلِهِ، وَإِزَالَةِ نَجَاسَتِهِ. وَصُورَتُهُ: جَمَاعَةٌ مَعَهُمْ قُلَّتَانِ فَصَاعِدًا مِنْ الْمَاءِ وَذَلِكَ لَا يَكْفِيهِمْ لِطَهَارَتِهِمْ. وَلَوْ كَمَّلُوهُ بِبَوْلٍ وَقَدَّرُوهُ مُخَالِفًا لِلْمَاءِ فِي أَشَدِّ الصِّفَاتِ، لَمْ يُغَيِّرْهُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْخَلْطُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيَسْتَعْمِلُونَ جَمِيعَهُ، كَمَا بَسَطَهُ الرَّافِعِيُّ فِي أَوَّلِ الشَّرْحِ.
[الْمَسَائِلُ الَّتِي لَا يَتَنَجَّسُ مِنْهَا الْقَلِيلُ وَالْمَائِعُ بِالْمُلَاقَاةِ]
ِ عَشْرٌ الْأُولَى:
الْمَيْتَةُ الَّتِي لَا دَمَ لَهَا سَائِلٌ بِشَرْطِهَا.
الثَّانِيَةُ: مَا لَا يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ وَفِيهِ تِسْعُ طُرُقٍ أَحَدُهَا: يُعْفَى عَنْهُ فِي الْمَاءِ وَالثَّوْبِ.
وَالثَّانِي: لَا فِيهِمَا.
وَالثَّالِثُ يُنَجَّسُ الْمَاءُ دُونَ الثَّوْبِ ; لِأَنَّ الثَّوْبَ أَخَفُّ حُكْمًا فِي النَّجَاسَةِ.
وَالرَّابِعُ: عَكْسُهُ ; لِأَنَّ لِلْمَاءِ قُوَّةً فِي دَفْعِ النَّجَاسَةِ.
وَالْخَامِسُ: تَنَجُّسُ الْمَاءِ وَفِي الثَّوْبِ قَوْلَانِ.
وَالسَّادِسُ: عَكْسُهُ.
وَالسَّابِعُ: لَا يَنْجُسُ الْمَاءُ وَفِي الثَّوْبِ قَوْلَانِ.
وَالثَّامِنُ: عَكْسُهُ
وَالتَّاسِعُ: وَهُوَ أَصَحُّ الطُّرُقِ فِيهِمَا قَوْلَانِ: أَظْهَرُهُمَا عِنْد النَّوَوِيِّ: الْعَفْوُ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ نَظِيرُ مَسْأَلَةِ وِلَايَةِ الْفَاسِق النِّكَاحَ فِي كَثْرَةِ طُرُقِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ
стр. 424
الثَّالِثَةُ: الْهِرَّةُ: إذَا أَكَلَتْ نَجَاسَةً، ثُمَّ غَابَتْ بِحَيْثُ يُحْتَمَلُ طَهَارَةُ فَمِهَا، فَإِنَّهُ بَاقٍ عَلَى نَجَاسَتِهِ، وَلَوْ وَلَغَتْ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ أَوْ مَائِعٍ لَمْ يَنْجُسُ. وَأَلْحَقَ الْمُتَوَلِّي بِهَا السَّبُعَ إذَا أَكَلَ جِيفَةً. وَخَالَفَهُ الْغَزَالِيُّ لِانْتِفَاءِ الْمَشَقَّةِ بِعَدَمِ الِاخْتِلَاطِ.
الرَّابِعَةُ: أَفْوَاهُ الصِّبْيَانِ كَالْهِرَّةِ قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي فَتَاوِيهِ.
الْخَامِسَةُ: الْيَسِيرُ مِنْ دُخَانِ النَّجَاسَةِ صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ.
السَّادِسَةُ: الْيَسِيرُ مِنْ الشَّعْرِ النَّجِسِ. صَرَّحَ بِهِ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ قَالَ فِي الْخَادِمِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُلْحَقَ بِهِ الرِّيشُ. قَالَ: إلَّا أَنَّ أَجْزَاءَ الرِّيشَةِ الْوَاحِدَةِ لِكُلِّ جُزْءٍ مِنْهَا حُكْمُ الشَّعْرَةِ الْوَاحِدَةِ.
السَّابِعَةُ: الْحَيَوَانُ الَّذِي عَلَى مِنْقَارِهِ نَجَاسَةٌ غَيْرَ الْآدَمِيِّ وَإِذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ أَوْ الْمَائِعِ لَا يُنَجِّسُهُ عَلَى الْأَصَحِّ، لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ. صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخَانِ، وَسَوَاءٌ فِيهِ الطَّائِرُ وَغَيْرُهُ.
الثَّامِنَةُ: غُبَارُ السَّرْجِينِ صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَأَسْقَطَهُ مِنْ الرَّوْضَةِ.
التَّاسِعَةُ: ذَرْقُ مَا نُشُوءُهُ فِي الْمَاء، وَالْمَائِع، وَبَوْلُهُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ فِي الْقُوتِ: لَا شَكَّ فِي الْعَفْوِ عَنْهُ، وَلَمْ أَرَهُ مَنْصُوصًا.
قُلْت: قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: لَوْ جَعَلَ سَمَكًا فِي حُبِّ مَاءٍ، فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ يَبُولُ فِيهِ، وَيَرُوثُ، فَيُعْفَى عَنْهُ لِلضَّرُورَةِ. وَكَذَا فِي تَعْلِيقِ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَنَقَلَهُ الْقَمُولِيُّ فِي الْجَوَاهِرِ عَنْ أَبِي حَامِدٍ.
стр. 425
الْعَاشِرَةُ: غُسَالَةُ النَّجَاسَةِ بِشُرُوطِهَا، فَإِنَّهَا مَاءٌ قَلِيلٌ لَاقَى نَجَاسَةً، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَنْجُسُ، وَقَدْ صَرَّحَ بِاسْتِثْنَائِهَا فِي الْعَجَائِبِ وَالْمُهِمَّاتِ وَابْنُ الْمُلَقِّنِ فِي نُكَتِ التَّنْبِيهِ وَقَدْ جُمِعَتْ هَذِهِ الصُّورَ فِي الْخُلَاصَةِ فَقُلْت بَعْدَ قَوْلِي فِي آخِرِ بَيْتٍ وَمَا دُونَهَا
نَجَاسَةٌ تُنْجِسُ إلَّا فِي صُوَرْ ... مَا قَلَّ عُرْفًا مِنْ دُخَانٍ أَوْ شَعَرْ
وَمِنْ غُبَارٍ وَقَلِيلٍ مَا بَصَرْ ... يُدْرِكْهُ وَمَنْفَذٌ لَا مِنْ بَشَرْ
وَالْفَمُ فِي الصِّبْيَانِ أَوْ فِي الْهِرَّهْ ... غَابَتْ بِحَيْثُ قَدْ ظَنَنَّا طُهْرَهْ
وَالْمَيْتُ مَا مِنْهُ دَمٌ لَمْ يُطْرَحْ ... وَلَمْ يَكُنْ تَغَيُّرٌ فِي الْأَرْجَحِ
أَمَّا الَّذِي يُطْرَحُ فِي حَيَاتِهِ ... وَالنَّشْوُ مِنْهُ فَاعْفُ، لَا مَمَاتِهِ
وَذَرْقُ نَاشٍ وَالْغُسَالَاتُ كَمَا ... حُرِّرَ وَالْمَانِعُ وَالثَّوْبُ كَمَا.
[بَابُ السِّوَاكِ]
الْمَوَاضِعُ الَّتِي يَتَأَكَّدُ فِيهَا السِّوَاكُ سَبْعَةٌ نَظَمْتُهَا فِي بَيْتَيْنِ وَهُمَا
يُسَنُّ اسْتِيَاكٌ كُلَّ وَقْتٍ وَقَدْ أَتَتْ ... مَوَاضِعُ بِالتَّأْكِيدِ خَصَّ الْمُبَشِّرُ
وُضُوءٌ صَلَاةٌ وَالْقُرَانُ دُخُولُهُ ... لِبَيْتٍ وَنَوْمٌ وَانْتِبَاهٌ تَغَيُّرُ
[بَابُ أَسْبَابِ الْحَدَثِ]
ضَابِطٌ: قَالَ ابْنُ الْقَاصِّ فِي التَّلْخِيصِ: وَلَا يَبْطُلُ شَيْءٌ مِنْ الْعِبَادَاتِ بَعْدَ انْقِضَاءِ عَمَلِهِ إلَّا فِي الطَّهَارَةِ إذَا انْقَضَتْ، ثُمَّ أَحْدَثَ تَبْطُلُ.
ضَابِطٌ:
قَالَ ابْنُ الْقَاصِّ أَيْضًا: لَا تُبْطِلُ الطَّهَارَةُ طَهَارَةً إلَّا فِي الْمُسْتَحَاضَةِ وَالسَّلَسِ وَعَبَّرَ الْإِسْنَوِيُّ فِي أَلْغَازِهِ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: لَنَا طَهَارَةٌ لَا تَبْطُلُ بِوُجُودِ الْحَدَثِ وَتَبْطُلُ بِعَدَمِهِ وَهِيَ: طَهَارَةُ دَائِمِ الْحَدَثِ.
فَائِدَةٌ: قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: رَجُلٌ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِنَوْعٍ مِنْ الذِّكْرِ وَالْقُرْآنِ لِكَوْنِهِ مُحْدِثًا حَدَثًا أَصْغَرَ، وَصُورَتُهُ: فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ بِنَاءً عَلَى اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ فِيهَا قَالَ: وَقَلَّ مَنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ، وَقَدْ تَفَطَّنَ لَهَا الْجُرْجَانِيُّ فَعَدَّهَا فِي الْبُلْغَةِ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ.
следующие страницы →