← Каваид фикха

Каваид фикха · id 21719

الأشباه والنظائر - السيوطي

الجلال السيوطي

Полный текст (540 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الْعَاشِرَةُ: تَيَمَّمَ، ثُمَّ رَأَى شَيْئًا لَا يَدْرِي: أَسْرَابٌ هُوَ، أَمْ مَاءٌ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ، وَإِنْ بَانَ سَرَابًا الْحَادِيَةُ عَشْرَةَ، رَمَى صَيْدًا فَجَرَحَهُ، ثُمَّ غَابَ فَوَجَدَهُ مَيِّتًا، وَشَكَّ هَلْ أَصَابَتْهُ رَمْيَةٌ أُخْرَى مِنْ حَجَرٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَحِلّ أَكْلُهُ، وَكَذَا لَوْ أَرْسَلَ عَلَيْهِ كَلْبًا. هَذَا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَاصِّ وَقَدْ نَازَعَهُ الْقَفَّالُ وَغَيْرُهُ فِي اسْتِثْنَائِهَا بِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ الْيَقِينَ فِيهَا بِالشَّكِّ، وَإِنَّمَا عَمِلَ فِيهَا بِالْأَصْلِ الَّذِي لَمْ يَتَحَقَّقْ شَرْطُ الْعُدُولِ عَنْهُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأُولَى وَالثَّانِيَة غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ. وَشَرْطُ الْمَسْحِ: بَقَاءُ الْمُدَّةِ وَشَكَكْنَا فِيهِ، فَعَمِلَ بِأَصْلِ الْغَسْلِ، وَفِي الثَّالِثَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالثَّامِنَةِ الْقَصْرُ رُخْصَةٌ بِشَرْطٍ، فَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ رَجَعَ إلَى الْأَصْلِ، وَهُوَ الْإِتْمَامُ ; وَفِي الْخَامِسَةِ الْأَصْلُ وُجُوبُ الصَّلَاةِ، فَإِذَا شَكَّتْ فِي الِانْقِطَاعِ فَصَلَّتْ بِلَا غُسْلٍ، لَمْ تُتَيَقَّنْ الْبَرَاءَةُ مِنْهَا. وَفِي السَّادِسَةِ: الْأَصْلُ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ الصَّلَاةِ إلَّا بِطَهَارَةٍ عَنْ هَذِهِ النَّجَاسَةِ، فَلَمَّا لَمْ يَغْسِلْ الْجَمِيعَ فَهُوَ شَاكٌّ فِي زَوَالِ مَنْعِهِ مِنْ الصَّلَاةِ، وَفِي الْعَاشِرَةِ: إنَّمَا بَطَلَ التَّيَمُّمُ لِأَنَّهُ تَوَجَّهَ الطَّلَبُ عَلَيْهِ، وَفِي الْحَادِيَةِ عَشْرَةَ فِي حِلّ الصَّيْدِ قَوْلَانِ، فَإِنْ قُلْنَا لَا يَحِلُّ فَلَيْسَ تَرْكَ يَقِينٍ بِشَكٍّ لِأَنَّ الْأَصْلَ التَّحْرِيمُ، وَقَدْ شَكَكْنَا فِي الْإِبَاحَةِ، وَقَدْ نَقَلَ النَّوَوِيُّ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَقَالَ مَا قَالَهُ الْقَفَّالُ فِيهِ نَظَرٌ وَالصَّوَابُ فِي أَكْثَر هَذِهِ الْمَسَائِل مَعَ ابْنِ الْقَاصِّ. قَالَ: وَقَدْ اسْتَثْنَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَيْضًا وَالْغَزَالِيُّ مَا إذَا شَكَّ النَّاسُ فِي انْقِضَاءِ وَقْتِ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ الْجُمُعَةَ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ بَقَاءَ الْوَقْتِ. قَالَ: وَمِمَّا يُسْتَثْنَى: إذَا تَوَضَّأَ وَشَكَّ، هَلْ مَسَحَ رَأْسَهُ أَمْ لَا؟ وَفِيهِ وَجْهَانِ الْأَصَحُّ صِحَّةُ وُضُوئِهِ، وَلَا يُقَالُ الْأَصْلُ عَدَمُ الْمَسْحِ. وَمِثْلُهُ لَوْ سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ، وَشَكَّ هَلْ صَلَّى ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا؟ ، وَالْأَظْهَر أَنَّ صَلَاتَهُ مَضَتْ عَلَى الصِّحَّةِ. قَالَ: فَإِنْ تَكَلَّفَ مُتَكَلِّفٌ، وَقَالَ: الْمَسْأَلَتَانِ دَاخِلَتَانِ فِي الْقَاعِدَةِ، فَإِنَّهُ شَكَّ هَلْ تَرَكَ أَوْ لَا، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ التَّرْكَ عَدَمُ بَاقٍ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْمَشْكُوكُ فِيهِ الْفِعْلُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ وَلَمْ يَعْمَلْ بِالْأَصْلِ. قَالَ: وَأَمَّا إذَا سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ فَرَأَى عَلَيْهِ نَجَاسَةً، وَاحْتَمَلَ وُقُوعُهَا فِي الصَّلَاةِ وَحُدُوثُهَا بَعْدَهَا، فَلَا تَلْزَمُهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ بَلْ مَضَتْ عَلَى الصِّحَّةِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ الْأَصْلُ عَدَمُ النَّجَاسَةِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِثْنَائِهَا لِدُخُولِهَا فِي الْقَاعِدَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: تَحَقَّقَ النَّجَاسَةُ وَشَكَّ فِي انْعِقَادِ الصَّلَاةِ ; وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَبَقَاؤُهَا فِي الذِّمَّةِ، فَيَحْتَاجُ إلَى اسْتِثْنَائِهَا. انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ،

стр. 72

وَزَادَ ابْنُ السُّبْكِيّ فِي نَظَائِرِهِ صُوَرًا أُخْرَى: مِنْهَا: إذَا جَاءَ مِنْ قُدَّامِ الْإِمَامِ وَاقْتَدَى بِهِ وَشَكَّ هَلْ هُوَ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ؟ ، فَالصَّحِيحُ فِي التَّحْقِيقِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّهُ تَصِحُّ صَلَاتُهُ. فَهَذَا تَرْكُ أَصْلٍ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ، وَلِذَلِكَ رَجَّحَ ابْنُ الرِّفْعَةِ مُقَابِلَهُ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَمَلًا بِالْأَصْلِ السَّالِمِ عَنْ الْمُعَارِضِ، وَلَوْ كَانَ جَاءَ مِنْ خَلْفِ الْإِمَامِ صَحَّتْ، قَطْعًا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ تَقْدِيمِهِ. وَفِي نَظِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَوْ صَلَّى وَشَكَّ، هَلْ تَقَدَّمَ عَلَى الْإِمَامِ بِالتَّكْبِيرِ أَوْ لَا؟ ، لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ، وَفَرَّقَ بِأَنَّ الصِّحَّةَ فِي التَّقْدِيمِ أَكْثَرُ وُقُوعًا، فَإِنَّهَا تَصِحُّ فِي صُورَتَيْنِ: التَّأْخِيرِ وَالْمُسَاوَاةِ، وَتَبْطُلُ فِي التَّقَدُّمِ خَاصَّةً، وَالصِّحَّةُ فِي التَّكْبِيرِ أَقَلُّ وُقُوعًا، فَإِنَّهَا تَبْطُلُ بِالْمُقَارَنَةِ وَالتَّقَدُّمِ، وَتَصِحُّ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ التَّأَخُّرُ. وَمِنْهَا: مَنْ لَهُ كَفَّانِ عَامِلَتَانِ أَوْ غَيْرُ عَامِلَتَيْنِ، فَبِأَيِّهِمَا مَسَّ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ مَعَ الشَّكِّ فِي أَنَّهَا أَصْلِيَّةٌ أَوْ زَائِدَةٌ، وَالزَّائِدَةُ لَا تَنْقُضُ، وَلِهَذَا لَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا عَامِلَةٌ فَقَطْ انْتَقَضَ بِهَا وَحْدَهَا عَلَى الصَّحِيحِ. وَمِنْهَا: إذَا ادَّعَى الْغَاصِبُ تَلَفَ الْمَغْصُوبِ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ عَلَى الصَّحِيحِ وَإِلَّا لَتَخَلَّدَ الْحَبْسُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ صَادِقًا وَعَجَزَ عَنْ الْبَيِّنَةِ، وَالثَّانِي يُصَدَّقُ الْمَالِكُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ الْبَقَاءُ. وَزَادَ الزَّرْكَشِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ صُوَرًا أُخْرَى. مِنْهَا: مَسْأَلَةُ الْهِرَّةِ، فَإِنَّ الْأَصْلَ نَجَاسَةُ فَمِهَا، فَتُرِكَ ; لِاحْتِمَالِ وُلُوغِهَا فِي مَاءٍ كَثِيرٍ وَهُوَ شَكٌّ. وَمِنْهَا: مَنْ رَأَى مَنِيًّا فِي ثَوْبِهِ أَوْ فِرَاشِهِ الَّذِي لَا يَنَامُ فِيهِ غَيْرُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ احْتِلَامًا، لَزِمَهُ الْغُسْلُ فِي الْأَصَحِّ، مَعَ أَنَّ الْأَصْل عَدَمه. وَمِنْهَا: مَنْ شَكَّ بَعْدَ صَوْمِ يَوْمٍ مِنْ الْكَفَّارَةِ، هَلْ نَوَى؟ لَمْ يُؤَثِّرْ عَلَى الصَّحِيحِ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ النِّيَّةِ. وَمِنْهَا: مَنْ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ شَكَّ فِي قَضَائِهَا لَا يَلْزَمُهُ، مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهَا. ذَكَرَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ: الشَّكُّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ، شَكٌّ طَرَأَ عَلَى أَصْلِ حَرَامٍ، وَشَكٌّ طَرَأَ عَلَى أَصْلٍ مُبَاحٍ، وَشَكٌّ لَا يُعْرَفُ أَصْلُهُ فَالْأَوَّلُ: مِثْلُ أَنْ يَجِدَ شَاةً فِي بَلَدٍ فِيهَا مُسْلِمُونَ وَمَجُوسٌ فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهَا ذَكَاةُ مُسْلِمٍ لِأَنَّهَا أَصْلَهَا حَرَامٌ، وَشَكَكْنَا فِي الذَّكَاةِ الْمُبِيحَةِ، فَلَوْ كَانَ الْغَالِبَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ جَازَ الْأَكْلُ عَمَلًا بِالْغَالِبِ الْمُفِيدِ لِلظُّهُورِ.

стр. 73

وَالثَّانِي: أَنْ يَجِد مَاءً مُتَغَيِّرًا، وَاحْتَمَلَ تَغَيُّرُهُ بِنَجَاسَةٍ، أَوْ بِطُولِ الْمُكْثِ يَجُوزُ التَّطَهُّرُ بِهِ عَمَلًا بِالْغَالِبِ عَمَلًا بِأَصْلِ الطَّهَارَةِ. وَالثَّالِثُ: مِثْلُ مُعَامَلَةِ مَنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامٌ وَلَمْ يُتَحَقَّقْ أَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْ مَالِهِ عَيْنَ الْحَرَامِ فَلَا تَحْرُمُ مُبَايَعَتُهُ لِإِمْكَانِ الْحَلَالِ وَعَدَمِ تَحَقُّقِ التَّحْرِيمِ، وَلَكِنْ يُكْرَهُ خَوْفًا مِنْ الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ. انْتَهَى. الثَّالِثَةُ: قَالَ النَّوَوِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ مُرَادَ أَصْحَابنَا بِالشَّكِّ فِي الْمَاءِ وَالْحَدَثِ وَالنَّجَاسَةِ وَالصَّلَاةِ وَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ وَغَيْرِهَا: هُوَ التَّرَدُّدُ بَيْن وُجُودِ الشَّيْءِ وَعَدَمِهِ، سَوَاءُ كَانَ الطَّرَفَانِ فِي التَّرَدُّدِ سَوَاءً أَوْ أَحَدُهُمَا رَاجِحًا فَهَذَا مَعْنَاهُ فِي اسْتِعْمَالِ الْفُقَهَاءِ وَكُتُبِ الْفِقْهِ. أَمَّا أَصْحَابُ الْأُصُولِ: فَإِنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْن ذَلِكَ وَقَالُوا: التَّرَدُّدُ إنْ كَانَ عَلَى السَّوَاءِ فَهُوَ شَكُّ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا رَاجِحًا فَالرَّاجِحُ ظَنٌّ وَالْمَرْجُوحُ وَهْمٌ. وَوَقَعَ لِلرَّافِعِيِّ: أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنهمَا فِي الْحَدَثِ فَقَالَ: إنَّهُ يُرْفَع بِظَنِّ الطُّهْرِ، لَا بِالشَّكِّ فِيهِ وَتَبِعَهُ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ وَقِيلَ: إنَّهُ غَلَطٌ مَعْدُودٌ مِنْ أَفْرَادِهِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَفِي الشَّامِلِ إنَّمَا قُلْنَا بِنَقْضِ الْوُضُوءِ بِالنَّوْمِ مُضْطَجِعًا ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ خُرُوجُ الْحَدَثِ فَصَدَقَ أَنْ يُقَالَ: رَفَعْنَا يَقِينَ الطَّهَارَةِ بِظَنِّ الْحَدَثِ بِخِلَافِ عَكْسِهِ فَكَأَنَّ الرَّافِعِيَّ أَرَادَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ فَانْعَكَسَ عَلَيْهِ وَلِمُجْلِي احْتِمَال فِيمَا إذَا ظَنَّ الْحَدَثَ بِأَسْبَابٍ عَارِضَةٍ فِي تَخْرِيجِهِ عَلَى قَوْلَيْ الْأَصْلِ وَالْغَالِبِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَمَا زَعَمَهُ النَّوَوِيُّ مِنْ أَنَّهُ فِي سَائِرِ الْأَبْوَابِ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْن الْمُسَاوِي وَالرَّاجِحِ يَرُدّ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ فَرَّقُوا فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ. مِنْهَا: فِي الْإِيلَاءِ لَوْ قُيِّدَ بِمُسْتَبْعَدِ الْحُصُولِ فِي الْأَرْبَعَةِ، كَنُزُولِ عِيسَى فَمُؤَوَّلٌ، وَإِنْ ظَنَّ حُصُولَهُ قَبْلَهَا فَلَا، وَإِنْ شَكَّ فَوَجْهَانِ. وَمِنْهَا: شَكَّ فِي الْمَذْبُوح، هَلْ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، حُرِّمَ لِلشَّكِّ فِي الْمُبِيحِ. وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ بَقَاؤُهَا حَلَّ. وَمِنْهَا: فِي الْأَكْلِ مِنْ مَالِ الْغَيْرِ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الرِّضَا جَازَ، وَإِنْ شَكَّ فَلَا. وَمِنْهَا: وُجُوبَ رُكُوبِ الْبَحْرِ فِي الْحَجِّ إذَا غَلَبَتْ السَّلَامَةُ وَإِنْ شَكَّ فَلَا. وَمِنْهَا: الْمَرَضُ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ كَوْنُهُ مَخُوفًا، نَفَذَ التَّصَرُّفُ مِنْ الثُّلُثِ وَإِنْ شَكَكْنَا فِي كَوْنِهِ مَخُوفًا لَمْ يَنْفُذْ إلَّا بِقَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ. وَمِنْهَا: قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَاب الِاعْتِكَافِ: قَوْلُهُمْ " لَا يَقَع الطَّلَاقُ بِالشَّكِّ " مُسَلَّمٌ لَكِنَّهُ يَقَعُ بِالظَّنِّ الْغَالِب انْتَهَى.

стр. 74

وَيَشْهَدُ لَهُ لَوْ قَالَ: إنْ كُنْتِ حَامِلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَإِذَا مَضَتْ ثَلَاثَةُ أَقْرَاءٍ مِنْ وَقْتِ التَّعْلِيقِ وَقَعَ الطَّلَاقُ، مَعَ أَنَّ الْأَقْرَاءَ لَا تُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ وَلِهَذَا أَيَّدَ الْإِمَامُ احْتِمَالًا بِعَدَمِ الْوُقُوعِ. الرَّابِعَةُ يُعَبَّرُ عَنْ الْأَصْلِ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ بِالِاسْتِصْحَابِ، وَهُوَ اسْتِصْحَابُ الْمَاضِي فِي الْحَاضِرِ وَأَمَّا اسْتِصْحَابُ الْحَاضِرِ فِي الْمَاضِي فَهُوَ الِاسْتِصْحَابُ الْمَقْلُوبُ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ: وَلَمْ يَقُلْ بِهِ الْأَصْحَابُ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ مَا إذَا اشْتَرَى شَيْئًا فَادَّعَاهُ مُدَّعٍ وَانْتَزَعَهُ مِنْهُ بِحُجَّةٍ مُطْلَقَةٍ، فَإِنَّهُمْ أَطْبَقُوا عَلَى ثُبُوتِ الرُّجُوعِ لَهُ عَلَى الْبَائِع، بَلْ لَوْ بَاعَ الْمُشْتَرِي أَوْ وَهَبَ، وَانْتُزِعَ مِنْ الْمُشْتَرِي مِنْهُ أَوْ الْمَوْهُوبِ لَهُ كَانَ لَلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ الرُّجُوعُ أَيْضًا، فَهَذَا اسْتِصْحَابُ الْحَالِ فِي الْمَاضِي فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ لَا تُنْشِئُ الْمِلْكَ وَلَكِنْ تُظْهِرُهُ، وَالْمِلْكُ سَابِقٌ عَلَى إقَامَتِهَا، لَا بُدّ مِنْ تَقْدِيرِ زَمَانٍ لَطِيفٍ لَهُ، وَيُحْتَمَلُ انْتِقَالُ الْمِلْكِ مِنْ الْمُشْتَرِي إلَى الْمُدَّعِي وَلَكِنَّهُمْ اسْتَصْحَبُوا مَقْلُوبًا، وَهُوَ عَدَمُ الِانْتِقَالِ عَنْهُ فِيمَا مَضَى. قَالَ ابْنُهُ تَاجُ الدِّينِ: وَقِيلَ بِهِ أَيْضًا عَلَى وَجْهٍ ضَعِيفٍ فِيمَا إذَا وَجَدْنَا رِكَازًا، وَلَمْ نَدْرِ هَلْ هُوَ جَاهِلِيٌّ أَوْ إسْلَامِيٌّ أَنَّهُ يُحْكَمُ بِأَنَّهُ جَاهِلِيٌّ وَلَوْ كَانَ الْمَغْصُوبُ بَاقِيًا، وَهُوَ أَعْوَرُ مَثَلًا فَقَالَ الْغَاصِبُ: هَكَذَا غَصَبْتُهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ فَهَذَا اسْتِصْحَابٌ مَقْلُوبٌ. وَنَظِيرُهُ لَوْ قَالَ الْمَالِكُ: كَانَ طَعَامِي جَدِيدًا، وَقَالَ الْغَاصِبُ عَتِيقًا فَالْمُصَدَّقُ الْغَاصِبُ. [الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ: الْمَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ] [أَسْبَابَ التَّخْفِيفِ فِي الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا] الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ الْمَشَقَّةُ: تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ الْأَصْلُ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وَقَوْلُهُ ﷺ «بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ وَالدَّيْلَمِيِّ، وَفِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَزَّارُ وَغَيْرُهُمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْأَدْيَانِ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ، قَالَ: الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ» وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ " «أَيُّ الْإِسْلَامِ» . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «إنَّ أَحَبَّ الدِّينِ إلَى اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ» . وَرَوَى الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ «وَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» وَحَدِيثِ «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا» .

стр. 75

وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إنَّ دِينَ اللَّهِ يُسْرٌ - ثَلَاثًا» وَرَوَى أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ «إنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ، إنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ» وَرَوَى ابْن مَرْدُوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ مِحْجَنِ بْنِ الْأَدْرَعِ مَرْفُوعًا " «إنَّ اللَّهَ إنَّمَا أَرَادَ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ الْيُسْرَ وَلَمْ يُرِدْ بِهِمْ الْعُسْرَ» ". وَرَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ " «مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ، إلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إثْمًا» . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «إنَّ اللَّهَ شَرَعَ الدِّينَ فَجَعَلَهُ سَهْلًا سَمْحًا وَاسِعًا وَلَمْ يَجْعَلْهُ ضَيِّقًا» . قَالَ الْعُلَمَاءُ: يَتَخَرَّجُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ جَمِيعُ رُخَصِ الشَّرْعِ وَتَخْفِيفَاتِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ أَسْبَابَ التَّخْفِيفِ فِي الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا سَبْعَةٌ: الْأَوَّل: السَّفَرُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَرُخَصُهُ ثَمَانِيَةٌ مِنْهَا: مَا يَخْتَصُّ بِالطَّوِيلِ قَطْعًا وَهُوَ الْقَصْرُ وَالْفِطْرُ وَالْمَسْحُ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. وَمِنْهَا: مَا لَا يَخْتَصُّ بِهِ قَطْعًا، وَهُوَ تَرْكُ الْجُمُعَةِ وَأَكْلُ الْمَيْتَةِ. وَمِنْهَا: مَا فِيهِ خِلَافٌ، وَالْأَصَحُّ اخْتِصَاصُهُ بِهِ وَهُوَ الْجَمْعُ. وَمِنْهَا: مَا فِيهِ خِلَافٌ، وَالْأَصَحُّ عَدَم اخْتِصَاصِهِ بِهِ، وَهُوَ التَّنَفُّل عَلَى الدَّابَّةِ وَإِسْقَاطُ الْفَرْضِ بِالتَّيَمُّمِ. وَاسْتَدْرَكَ ابْنُ الْوَكِيلِ رُخْصَةً تَاسِعَةً، صَرَّحَ بِهَا الْغَزَالِيُّ وَهِيَ: مَا إذَا كَانَ لَهُ نِسْوَةٌ وَأَرَادَ السَّفَرَ، فَإِنَّهُ يُقْرِعُ بَيْنَهُنَّ. وَيَأْخُذُ مَنْ خَرَجَتْ لَهَا الْقُرْعَةُ، وَلَا يَلْزَمهُ الْقَضَاءُ لِضَرَّاتِهَا إذَا رَجَعَ. وَهَلْ يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالطَّوِيلِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: لَا. الثَّانِي: الْمَرَضُ. وَرُخَصُهُ كَثِيرَةٌ، التَّيَمُّمُ عِنْدَ مَشَقَّةِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، وَعَدَمُ الْكَرَاهَةِ فِي الِاسْتِعَانَةِ بِمَنْ يَصُبُّ عَلَيْهِ أَوْ يَغْسِلُ أَعْضَاءَهُ، وَالْقُعُودُ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ. وَخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَالِاضْطِجَاعُ فِي الصَّلَاةِ، وَالْإِيمَاءُ وَالْجَمْعُ بَيْن الصَّلَاتَيْنِ عَلَى وَجْهٍ اخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ وَالسُّبْكِيُّ وَالْإِسْنَوِيُّ وَالْبُلْقِينِيُّ، وَنُقِلَ عَنْ النَّصّ، وَصَحَّ فِيهِ الْحَدِيثُ وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَالتَّخَلُّفُ عَنْ الْجَمَاعَةِ وَالْجُمُعَةِ مَعَ حُصُولِ الْفَضِيلَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْفِطْرُ فِي رَمَضَانَ وَتَرْكُ الصَّوْمِ لِلشَّيْخِ الْهَرِمِ مَعَ الْفِدْيَةِ، وَالِانْتِقَالُ مِنْ الصَّوْمِ إلَى الْإِطْعَامِ فِي الْكَفَّارَةِ، وَالْخُرُوجُ مِنْ الْمُعْتَكَفِ وَعَدَمُ قَطْع التَّتَابُعِ الْمَشْرُوطِ فِي الِاعْتِكَافِ، وَالِاسْتِنَابَةُ فِي الْحَجِّ وَفِي رَمْيِ الْجِمَارِ ; وَإِبَاحَةُ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ مَعَ الْفِدْيَةِ، وَالتَّحَلُّلُ عَلَى وَجْهٍ. فَإِنْ شَرَطَهُ فَعَلَى الْمَشْهُورِ، وَالتَّدَاوِي بِالنَّجَاسَاتِ وَبِالْخَمْرِ عَلَى وَجْهٍ، وَإِسَاغَةُ اللُّقْمَةِ بِهَا إذَا غَصَّ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِبَاحَةُ النَّظَرِ حَتَّى لِلْعَوْرَةِ وَالسَّوْأَتَيْنِ.

стр. 76

الثَّالِثُ: الْإِكْرَاهُ. الرَّابِعُ: النِّسْيَانُ الْخَامِسُ: الْجَهْلُ وَسَيَأْتِي لَهَا مَبَاحِثُ. السَّادِسُ: الْعُسْرُ وَعُمُومُ الْبَلْوَى. كَالصَّلَاةِ مَعَ النَّجَاسَةِ الْمَعْفُوِّ عَنْهَا، كَدَمِ الْقُرُوحِ وَالدَّمَامِلِ وَالْبَرَاغِيثِ، وَالْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ، وَقَلِيلِ دَمِ الْأَجْنَبِيِّ وَطِينِ الشَّارِعِ، وَأَثَرِ نَجَاسَةٍ عَسِرَ زَوَالُهُ، وَذَرْقُ الطُّيُورِ إذَا عَمَّ فِي الْمَسَاجِدِ وَالْمَطَافِ وَمَا يُصِيبُ الْحَبَّ فِي الدَّوْسِ مِنْ رَوْثِ الْبَقَرِ وَبَوْلِهِ. وَمِنْ ذَلِكَ الْعَفْوُ عَمَّا لَا يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ، وَرِيقُ النَّائِمِ، وَفَمُ الْهِرَّةِ. وَمِنْ ثَمَّ لَا يَتَعَدَّى إلَى حَيَوَانٍ لَا يَعُمُّ اخْتِلَاطُهُ بِالنَّاسِ كَمَا قَالَ الْغَزَالِيُّ وَأَفْوَاهُ الصِّبْيَانِ. وَغُبَارُ السِّرْجِينِ وَنَحْوِهِ وَقَلِيلُ الدُّخَانِ أَوْ الشَّعْرِ النَّجِسِ، وَمَنْفَذُ الْحَيَوَانِ. وَمِنْ ثَمَّ لَا يُعْفَى عَنْ مَنْفَذِ الْآدَمِيّ، لِإِمْكَانِ صَوْنِهِ عَنْ الْمَاءِ وَنَحْوِهِ، وَرَوْثِ مَا نَشْؤُهُ فِي الْمَاءِ وَالْمَائِع، وَمَا فِي جَوْفِ السَّمَكِ الصِّغَارِ عَلَى وَجْهٍ اخْتَارَهُ الرُّويَانِيُّ. وَمِنْ ذَلِكَ: مَشْرُوعِيَّةُ الِاسْتِجْمَارِ بِالْحَجَرِ وَإِبَاحَةُ الِاسْتِقْبَالِ وَالِاسْتِدْبَارِ فِي قَضَاءِ الْحَاجَةِ فِي الْبُنْيَانِ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ لِلصَّبِيِّ الْمُحْدِثِ. وَمِنْ ثَمَّ لَا يُبَاحُ لَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَعَلِّمًا كَمَا نَقَلَهُ فِي الْمُهِمَّاتِ عَنْ مَفْهُومِ كَلَامِهِمْ، وَجَوَازُ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَة لِمَشَقَّةِ اسْتِيعَابِ الرَّأْسِ، وَمَسْح الْخُفِّ فِي الْحَضَرِ لِمَشَقَّةِ نَزْعِهِ فِي كُلّ وُضُوءٍ وَمِنْ ثَمَّ وَجَبَ نَزْعُهُ فِي الْغُسْلِ لِعَدَمِ تَكَرُّرِهِ. وَأَنَّهُ لَا يُحْكَمُ عَلَى الْمَاءِ بِالِاسْتِعْمَالِ مَا دَامَ مُتَرَدِّدًا عَلَى الْعُضْوِ، وَلَا يَضُرّهُ التَّغْيِيرُ بِالْمُكْثِ وَالطِّينُ وَالطُّحْلُبُ وَكُلّ مَا يَعْسُر صَوْنُهُ عَنْهُ، وَإِبَاحَةُ الْأَفْعَالِ الْكَثِيرَةِ وَالِاسْتِدْبَارُ فِي صَلَاةِ شِدَّةِ الْخَوْفِ، وَإِبَاحَةُ النَّافِلَةِ عَلَى الدَّابَّةِ فِي السَّفَرِ وَفِي الْحَضَرِ عَلَى وَجْهٍ، وَإِبَاحَةُ الْقُعُودِ فِيهِمَا مَعَ الْقُدْرَةِ، وَكَذَا الِاضْطِجَاعُ وَالْإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ. وَمِنْ ثَمَّ لَا إبْرَادَ بِالْجُمُعَةِ لِاسْتِحْبَابِ التَّبْكِيرِ إلَيْهَا. وَالْجَمْعُ فِي الْمَطَرِ وَتَرْكِ الْجَمَاعَةِ وَالْجُمُعَةِ بِالْأَعْذَارِ الْمَعْرُوفَةِ وَعَدَمُ وُجُوبِ قَضَاءِ الصَّلَاةِ عَلَى الْحَائِضِ لِتَكَرُّرِهَا بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَبِخِلَافِ الْمُسْتَحَاضَةِ لِنُدْرَةِ ذَلِكَ، وَأَكْلُ الْمَيْتَةِ وَمَالِ الْغَيْرِ مَعَ ضَمَانِ الْبَدَلِ إذَا اُضْطُرَّ، وَأَكْلُ الْوَلِيّ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ بِقَدْرِ أُجْرَةِ عَمَلِهِ إذَا احْتَاجَ وَجَوَازُ تَقْدِيمِ نِيَّةِ الصَّوْمِ عَلَى أَوَّلِهِ، وَنِيَّةُ صَوْمِ النَّفْلِ بِالنَّهَارِ، وَإِبَاحَةُ التَّحَلُّلِ مِنْ الْحَجِّ بِالْإِحْصَارِ وَالْفَوَاتِ، وَلُبْسُ الْحَرِيرِ لِلْحَكَّةِ وَالْقِتَالِ وَبَيْعُ نَحْوِ الرُّمَّانِ وَالْبَيْضِ فِي قِشْرَةٍ وَالْمَوْصُوفُ فِي الذِّمَّةِ وَهُوَ السَّلَمُ، مَعَ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ، وَالِاكْتِفَاءُ بِرُؤْيَةِ ظَاهِرِ الصُّبْرَةِ وَأُنْمُوذَجُ الْمُتَمَاثِلِ، وَبَارِزُ الدَّارِ عَنْ أُسِّهَا. وَمَشْرُوعِيَّةُ الْخِيَارِ لَمَّا كَانَ الْبَيْعُ يَقَعُ غَالِبًا مِنْ غَيْرِ تَرَوٍّ وَيَحْصُلُ فِيهِ النَّدَمُ فَيَشُقُّ عَلَى الْعَاقِدِ، فَسَهَّلَ الشَّارِعُ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِجَوَازِ الْفَسْخِ فِي مَجْلِسِهِ

стр. 77

وَشَرَعَ لَهُ أَيْضًا شَرْطَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَمَشْرُوعِيَّةُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ ; وَالتَّحَالُفُ، وَالْإِقَالَةُ وَالْحَوَالَةُ، وَالرَّهْنُ، وَالضَّمَانُ وَالْإِبْرَاءُ، وَالْقَرْضُ، وَالشَّرِكَةُ، وَالصُّلْحُ، وَالْحَجْرُ، وَالْوَكَالَةُ، وَالْإِجَارَةُ، وَالْمُسَاقَاةُ، وَالْمُزَارَعَةُ، وَالْقِرَاضُ، وَالْعَارِيَّةُ، الْوَدِيعَةُ لِلْمَشَقَّةِ الْعَظِيمَةِ فِي أَنَّ كُلّ أَحَدٍ لَا يَنْتَفِعُ إلَّا بِمَا هُوَ مِلْكُهُ، وَلَا يَسْتَوْفِي إلَّا مِمَّنْ عَلَيْهِ حَقُّهُ، وَلَا يَأْخُذهُ إلَّا بِكَمَالِهِ، وَلَا يَتَعَاطَى أُمُورَهُ إلَّا بِنَفْسِهِ ; فَسَهَّلَ الْأَمْرَ بِإِبَاحَةِ الِانْتِفَاعِ بِمِلْكِ الْغَيْر، بِطَرِيقِ الْإِجَارَةِ أَوْ الْإِعَارَةِ أَوْ الْقِرَاضِ، وَبِالِاسْتِعَانَةِ بِالْغَيْرِ وَكَالَةً، وَإِيدَاعًا، وَشَرِكَةً وَقِرَاضًا وَمُسَاقَاةً، وَبِالِاسْتِيفَاءِ مِنْ غَيْرِ الْمَدْيُونِ حَوَالَةً، وَبِالتَّوَثُّقِ عَلَى الدَّيْن بِرَهْنٍ وَضَامِنٍ وَكَفِيلٍ وَحَجْرٍ، وَبِإِسْقَاطِ بَعْضِ الدَّيْنِ صُلْحًا، أَوْ كُلِّهِ إبْرَاءً. وَمِنْ التَّخْفِيفِ: جَوَازُ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ ; لِأَنَّ لُزُومَهَا يَشُقُّ، وَيَكُونُ سَبَبًا لِعَدَمِ تَعَاطِيهَا وَلُزُومُ اللَّازِمِ، وَإِلَّا لَمْ يَسْتَقِرّ بَيْعٌ وَلَا غَيْرُهُ. وَمِنْهُ: إبَاحَةُ النَّظَرِ عِنْدَ الْخِطْبَةِ، وَلِلتَّعْلِيمِ، وَالْإِشْهَادِ وَالْمُعَامَلَةِ وَالْمُعَالَجَةِ وَلِلسَّيِّدِ وَمِنْهُ: جَوَازُ الْعَقْدِ عَلَى الْمَنْكُوحَةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ، لِمَا فِي اشْتِرَاطِهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ الَّتِي لَا يَحْتَمِلُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فِي بَنَاتِهِمْ وَأَخَوَاتِهِمْ مِنْ نَظَرِ كُلِّ خَاطِبٍ فَنَاسَبَ التَّيْسِيرُ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِهِ بِخِلَافِ الْمَبِيعِ فَإِنَّ اشْتِرَاطَ الرُّؤْيَةِ فِيهِ لَا يُفْضِي إلَى عُسْر وَمَشَقَّة. وَمِنْهُ: إبَاحَةُ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ فَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى وَاحِدَةٍ تَيْسِيرًا عَلَى الرِّجَالِ وَعَلَى النِّسَاءِ أَيْضًا لِكَثْرَتِهِنَّ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى أَرْبَعٍ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ عَلَى الزَّوْجَيْنِ فِي الْقَسْمِ وَغَيْرِهِ. وَمِنْهُ: مَشْرُوعِيَّةُ الطَّلَاقِ، لِمَا فِي الْبَقَاءِ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ مِنْ الْمَشَقَّة عِنْدَ التَّنَافُرِ، وَكَذَا مَشْرُوعِيَّةُ الْخُلْعِ وَالِافْتِدَاءِ وَالْفَسْخِ بِالْعَيْبِ وَنَحْوِهِ، وَالرَّجْعَةِ فِي الْعِدَّةِ لَمَّا كَانَ الطَّلَاقُ يَقَعُ غَالِبًا بَغْتَةً فِي الْخِصَامِ وَالْجَرْح وَيَشُقُّ عَلَيْهِ الْتِزَامُهُ فَشُرِعَتْ لَهُ الرَّجْعَةُ فِي تَطْلِيقَتَيْنِ: وَلَمْ تُشْرَعْ دَائِمًا لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ عَلَى الزَّوْجَةِ إذَا قُصِدَ إضْرَارُهَا بِالرَّجْعَةِ وَالطَّلَاقِ كَمَا كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ. وَمِنْهُ: مَشْرُوعِيَّةُ الْإِجْبَارِ عَلَى الْوَطْءِ أَوْ الطَّلَاقِ فِي الْمُولِي. وَمِنْهُ: مَشْرُوعِيَّةُ الْكَفَّارَةِ فِي الظِّهَارِ وَالْيَمِينِ تَيْسِيرًا عَلَى الْمُكَلَّفِينَ لِمَا فِي الْتِزَامِ مُوجِب ذَلِكَ مِنْ الْمَشَقَّةِ عِنْدَ النَّدَمِ. وَكَذَا مَشْرُوعِيَّةُ التَّخْيِيرِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ لِتَكَرُّرِهِ بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْقَتْلِ وَالْجِمَاعِ لِنُدْرَةِ وُقُوعِهَا ; وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ الزَّجْرُ عَنْهَا. وَمَشْرُوعِيَّةُ التَّخْيِيرِ فِي نَذْرِ اللَّجَاجِ: بَيْن مَا اُلْتُزِمَ وَالْكَفَّارَةِ لِمَا فِي الِالْتِزَام بِالنُّذُورِ لَجَاجًا مِنْ الْمَشَقَّةِ. وَمِنْهُ: مَشْرُوعِيَّةُ التَّخْيِير بَيْن الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ تَيْسِيرًا عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى الْجَانِي وَالْمَجْنِيّ عَلَيْهِ، وَكَانَ فِي شَرْعِ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ الْقِصَاصُ مُتَحَتِّمًا وَلَا دِيَةَ.

стр. 78

وَفِي شَرْعِ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ الدِّيَةُ وَلَا قِصَاصَ. وَمِنْهُ: مَشْرُوعِيَّةُ الْكِتَابَةِ، لِيَتَخَلَّصَ الْعَبْدُ مِنْ دَوَامِ الرِّقِّ لِمَا فِيهِ مِنْ الْعُسْرِ، فَيُرَغَّبُ السَّيِّدُ الَّذِي لَا يَسْمَحُ بِالْعِتْقِ مَجَّانًا، بِمَا يُبْذَلُ لَهُ مِنْ النُّجُومِ. وَمِنْهُ: مَشْرُوعِيَّةُ الْوَصِيَّةِ عِنْدَ الْمَوْتِ لِيَتَدَارَكَ الْإِنْسَانُ مَا فَرَطَ مِنْهُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ وَفُسِحَ لَهُ فِي الثُّلُثِ دُونَ مَا زَادَ عَلَيْهِ دَفْعًا لِضَرَرِ الْوَرَثَةِ، فَحَصَلَ التَّيْسِيرُ وَدَفْعُ الْمَشَقَّةِ فِي الْجَانِبَيْنِ وَمِنْهُ: إسْقَاطُ الْإِثْمِ عَنْ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْخَطَأِ وَالتَّيْسِيرُ عَلَيْهِمْ بِالِاكْتِفَاءِ بِالظَّنِّ وَلَوْ كُلِّفُوا الْأَخْذَ بِالْيَقِينِ لَشَقَّ وَعَسُرَ الْوُصُولُ إلَيْهِ. فَقَدْ بَانَ بِهَذَا أَنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ يَرْجِعُ إلَيْهَا غَالِبُ أَبْوَابِ الْفِقْهِ. السَّبَبُ السَّابِعُ: النَّقْصُ فَإِنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الْمَشَقَّةِ إذْ النُّفُوسُ مَجْبُولَةٌ عَلَى حُبِّ الْكَمَالِ، فَنَاسَبَهُ التَّخْفِيفُ فِي التَّكْلِيفَاتِ. فَمِنْ ذَلِكَ: عَدَمُ تَكْلِيفِ الصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ، وَعَدَمُ تَكْلِيفِ النِّسَاءِ بِكَثِيرٍ مِمَّا يَجِبُ عَلَى الرِّجَالِ: كَالْجَمَاعَةِ، وَالْجُمُعَةِ، وَالْجِهَادِ وَالْجِزْيَةِ، وَتَحَمُّلِ الْعَقْلِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ وَإِبَاحَةِ لُبْسِ الْحَرِيرِ، وَحِلِّ الذَّهَبِ، وَعَدَمُ تَكْلِيفِ الْأَرِقَّاءِ بِكَثِيرٍ، مِمَّا عَلَى الْأَحْرَارِ، كَكَوْنِهِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْحُرِّ فِي الْحُدُودِ وَالْعِدَدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا سَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ الرَّابِعِ. [فَوَائِدُ مُهِمَّةُ عَلَى قَاعِدَةِ الْمَشَقَّة تجلب التَّيْسِير] وَهَذِهِ فَوَائِدُ مُهِمَّةُ نَخْتِمُ بِهَا الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ الْأُولَى فِي ضَبْطِ الْمَشَاقِّ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّخْفِيفِ. الْمَشَاقُّ عَلَى قِسْمَيْنِ: مَشَقَّةٌ لَا تَنْفَكُّ عَنْهَا الْعِبَادَةُ غَالِبًا، كَمَشَقَّةِ الْبَرْدِ فِي الْوُضُوءِ، وَالْغُسْلِ. وَمَشَقَّةِ الصَّوْمِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ وَطُولِ النَّهَارِ وَمَشَقَّةِ السَّفَرِ، الَّتِي لَا انْفِكَاكَ لِلْحَجِّ وَالْجِهَادِ عَنْهَا. وَمَشَقَّةِ أَلَمِ الْحُدُودِ، وَرَجْمِ الزُّنَاةِ، وَقَتْلِ الْجُنَاةِ، فَلَا أَثَر لِهَذِهِ فِي إسْقَاطِ الْعِبَادَاتِ فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ. وَمَنْ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ جَوَازَ التَّيَمُّمِ لِلْخَوْفِ مِنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ فَلَمْ يُصِبْ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يُخَافَ مِنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ حُصُولُ مَرَضٍ مِنْ الْأَمْرَاضِ الَّتِي تُبِيحُ التَّيَمُّمَ، وَهَذَا أَمْرٌ يَنْفَكُّ عَنْهُ الِاغْتِسَالُ فِي الْغَالِبِ، أَمَّا أَلَمُ الْبَرْدِ الَّذِي لَا يُخَافُ مَعَهُ الْمَرَضُ الْمَذْكُورُ، فَلَا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ بِحَالٍ وَهُوَ الَّذِي لَا يُبِيحُ الِانْتِقَالَ إلَى التَّيَمُّمِ. وَأَمَّا الْمَشَقَّةُ الَّتِي لَا تَنْفَكُّ عَنْهَا الْعِبَادَاتُ غَالِبًا، فَعَلَى مَرَاتِبَ: الْأُولَى: مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ فَادِحَةٌ: كَمَشَقَّةِ الْخَوْفِ عَلَى النُّفُوسِ، وَالْأَطْرَافِ وَمَنَافِع الْأَعْضَاءِ فَهِيَ مُوجِبَةٌ لِلتَّخْفِيفِ وَالتَّرْخِيصِ قَطْعًا لِأَنَّ حِفْظَ النُّفُوسِ، وَالْأَطْرَافِ

стр. 79

لِإِقَامَةِ مَصَالِحِ الدِّينِ أَوْلَى مِنْ تَعْرِيضِهَا لِلْفَوَاتِ فِي عِبَادَةٍ، أَوْ عِبَادَاتٍ يَفُوتُ بِهَا أَمْثَالُهَا. الثَّانِيَةُ: مَشَقَّةٌ خَفِيفَةٌ لَا وَقْعَ لَهَا كَأَدْنَى وَجَعٍ فِي إصْبَعٍ، وَأَدْنَى صُدَاعٍ فِي الرَّأْسِ، أَوْ سُوءُ مِزَاجٍ خَفِيفٍ، فَهَذِهِ لَا أَثَرَ لَهَا، وَلَا الْتِفَاتَ إلَيْهَا ; لِأَنَّ تَحْصِيلَ مَصَالِحِ الْعِبَادَاتِ أَوْلَى مِنْ دَفْعِ مِثْلِ هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ الَّتِي لَا أَثَرَ لَهَا. الثَّالِثَةُ: مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْمَرْتَبَتَيْنِ. فَمَا دَنَا مِنْ الْمَرْتَبَةِ الْعُلْيَا، أَوْجَبَ التَّخْفِيفَ، أَوْ مِنْ الدُّنْيَا، لَمْ يُوجِبْهُ كَحُمَّى خَفِيفَةٍ وَوَجَعِ الضِّرْسِ الْيَسِيرِ، وَمَا تَرَدَّدَ فِي إلْحَاقِهِ بِأَيِّهِمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ وَلَا ضَبْط لَهَذِهِ الْمَرَاتِبِ، إلَّا بِالتَّقَرُّبِ. وَقَدْ أَشَارَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ إلَى أَنَّ الْأَوْلَى فِي ضَبْطِ مَشَاقِّ الْعِبَادَاتِ: أَنْ تُضْبَطَ مَشَقَّةُ كُلِّ عِبَادَةٍ بِأَدْنَى الْمَشَاقِّ الْمُعْتَبَرَةِ فِي تَخْفِيفِ تِلْكَ الْعِبَادَةِ فَإِنْ كَانَتْ مِثْلَهَا، أَوْ أَزْيَدَ، ثَبَتَتْ الرُّخْصَةُ، وَلِذَلِكَ اُعْتُبِرَ فِي مَشَقَّةِ الْمَرَضِ الْمُبِيحِ لِلْفِطْرِ فِي الصَّوْمِ: أَنْ يَكُونَ كَزِيَادَةِ مَشَقَّةِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ عَلَيْهِ فِي الْحَضَرِ وَفِي إبَاحَةِ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ: أَنْ يَحْصُلَ بِتَرْكِهَا، مِثْلُ مَشَقَّةِ الْقَمْلِ الْوَارِدِ فِيهِ الرُّخْصَةُ. وَأَمَّا أَصْلُ الْحَجِّ، فَلَا يُكْتَفَى فِي تَرْكِهِ بِذَلِكَ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ مَشَقَّةٍ لَا يُحْتَمَلُ مِثْلُهَا، كَالْخَوْفِ عَلَى النَّفْسِ، وَالْمَالِ وَعَدَمِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ. وَفِي إبَاحَةِ تَرْكِ الْقِيَامِ إلَى الْقُعُودِ: أَنْ يَحْصُلَ بِهِ مَا يُشَوِّشُ الْخُشُوعَ، وَإِلَى الِاضْطِجَاعِ أَشَقُّ لِأَنَّهُ مُنَافٍ لِتَعْظِيمِ الْعِبَادَاتِ بِخِلَافِ الْقُعُودِ، فَإِنَّهُ مُبَاحٌ بِلَا عُذْرٍ كَمَا فِي التَّشَهُّدِ فَلَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ الْعَجْزُ بِالْكُلِّيَّةِ. وَكَذَلِكَ اكْتَفَى فِي إبَاحَةِ النَّظَرِ إلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ بِأَصْلِ الْحَاجَةِ، وَاشْتَرَطَ فِي سَائِرِ الْأَعْضَاءِ تَأَكُّدَهَا. وَضَبَطَهُ الْإِمَامُ بِالْقَدْرِ الَّذِي يَجُوزُ الِانْتِقَالُ مَعَهُ إلَى التَّيَمُّمِ، وَاشْتَرَطَ فِي السَّوْأَتَيْنِ مَزِيدَ التَّأْكِيدِ، وَضَبَطَهُ الْغَزَالِيُّ بِمَا لَا يُعَدُّ التَّكَشُّفُ بِسَبَبِهِ هَتْكًا لِلْمُرُوءَةِ، وَيُعْذَرُ فِيهِ فِي الْعَادَةِ. تَنْبِيهٌ: مِنْ الْمُشْكِلِ عَلَى هَذَا الضَّابِطِ: التَّيَمُّمُ. فَإِنَّهُمْ اشْتَرَطُوا فِي الْمَرَضِ الْمُبِيحِ لَهُ: أَنْ يَخَافَ مَعَهُ تَلَفَ نَفْسٍ، أَوْ عُضْوٍ، أَوْ مَنْفَعَةٍ، أَوْ حُدُوثَ مَرَضٍ مَخُوفٍ، أَوْ بُطْءَ الْبُرْءِ، أَوْ شَيْنٌ فَاحِشٌ فِي عُضْوٍ ظَاهِرٍ، وَمَشَقَّةُ السَّفَرِ دُونَ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ. قَالَ الْعَلَائِيُّ: وَلَعَلَّ الْفَارِقَ بَيْن السَّفَرِ وَالْمَرَضِ: أَنَّ الْمَقْصُودَ أَنْ لَا يَنْقَطِعَ الْمُسَافِرُ عَنْ رُفْقَتِهِ، وَلَا يَحْصُلُ لَهُ مَا يُعَوِّقُ عَلَيْهِ التَّقَلُّبَ فِي السَّفَرِ بِالْمَعَايِشِ، فَاغْتُفِرَ فِيهِ أَخَفُّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمَرِيضَ. أَشَارَ إلَى ذَلِكَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ. وَأَشْكَلُ مِنْ هَذَا: أَنَّهُمْ لَمْ يُوجِبُوا شِرَاءَ الْمَاءِ بِزِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ، وَجَوَّزُوا التَّيَمُّمَ، وَمَنَعُوهُ فِيمَا إذَا خَافَ شَيْئًا فَاحِشًا فِي عُضْوٍ بَاطِنٍ مَعَ أَنَّ ضَرَرَهُ أَشَدُّ مِنْ ضَرَرِ

стр. 80

بَذْلِ الزِّيَادَةِ الْيَسِيرَةِ جِدًّا، خُصُوصًا إذَا كَانَ رَقِيقًا، فَإِنَّهُ يُنْقِصُ بِذَلِكَ قِيمَتَهُ أَضْعَافَ قَدْرِ الزِّيَادَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَقَدْ اسْتَشْكَلَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ وَغَيْرُهُ وَلَا جَوَابَ عَنْهُ. تَنْبِيهٌ: ضَبَطَ فِي الرَّوْضَةِ، وَأَصْلِهَا، نَقْلًا عَنْ الْأَصْحَابِ: الْمَرَضُ الْمُبِيحُ لِلْفِطْرِ، وَلِأَكْلِ الْمَيْتَةِ: بِالْمُبِيحِ لِلتَّيَمُّمِ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ: تَخْفِيفَاتُ الشَّرْع سِتَّةُ أَنْوَاعٍ: الْأَوَّلُ: تَخْفِيفُ إسْقَاطٍ، كَإِسْقَاطِ الْجُمُعَةِ وَالْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ، وَالْجِهَادِ بِالْأَعْذَارِ. الثَّانِي: تَخْفِيفُ تَنْقِيصٍ، كَالْقَصْرِ. الثَّالِثُ: تَخْفِيفُ إبْدَالٍ، كَإِبْدَالِ الْوُضُوءِ، وَالْغُسْلِ بِالتَّيَمُّمِ، وَالْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ بِالْقُعُودِ وَالِاضْطِجَاعِ، أَوْ الْإِيمَاءِ، وَالصِّيَامِ بِالْإِطْعَامِ. الرَّابِعُ: تَخْفِيفُ تَقْدِيمٍ، كَالْجَمْعِ، وَتَقْدِيمِ الزَّكَاةِ عَلَى الْحَوْلِ، وَزَكَاةِ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ، وَالْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ. الْخَامِسُ: تَخْفِيفُ تَأْخِيرٍ، كَالْجَمْعِ، وَتَأْخِير رَمَضَانَ لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ ; وَتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ فِي حَقِّ مُشْتَغِلٍ بِإِنْقَاذِ غَرِيقٍ، أَوْ نَحْوِهِ مِنْ الْأَعْذَارِ الْآتِيَةِ: السَّادِسُ: تَخْفِيفُ تَرْخِيصٍ، كَصَلَاةِ الْمُسْتَجْمِرِ، مَعَ بَقِيَّةِ النَّجْوِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ لِلْغُصَّةِ، وَأَكْلِ النَّجَاسَةِ لِلتَّدَاوِي، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَاسْتَدْرَكَ الْعَلَائِيُّ سَابِعًا، وَهُوَ: تَخْفِيفُ تَغْيِيرٍ، كَتَغَيُّرِ نُظُمِ الصَّلَاةِ فِي الْخَوْفِ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الرُّخَصُ أَقْسَامٌ: مَا يَجِبُ فِعْلُهَا، كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ، وَالْفِطْرِ لِمَنْ خَافَ الْهَلَاكَ بِغَلَبَةِ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَإِنْ كَانَ مُقِيمًا صَحِيحًا، وَإِسَاغَةِ الْغُصَّةِ بِالْخَمْرِ. وَمَا يُنْدَبُ كَالْقَصْرِ فِي السَّفَرِ وَالْفِطْر لِمَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ فِي سَفَرٍ، أَوْ مَرَضٍ، وَالْإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ، وَالنَّظَرِ إلَى الْمَخْطُوبَةِ. وَمَا يُبَاحُ، كَالسِّلْمِ. وَمَا الْأَوْلَى تَرْكُهَا: كَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ، وَالْجَمْعِ وَالْفِطْرِ لِمَنْ لَا يَتَضَرَّرُ، وَالتَّيَمُّمِ لِمَنْ وَجَدَ الْمَاءَ يُبَاعُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ. وَمَا يُكْرَهُ فِعْلُهَا، كَالْقَصْرِ فِي أَقَلِّ مِنْ ثَلَاثَةِ مَرَاحِلَ.

стр. 81

الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: تَعَاطِي سَبَبَ الرُّخْصَةِ، لِقَصْدِ التَّرْخِيصِ فَقَطْ، هَلْ يُبِيحُهُ؟ فِيهِ صُوَرٌ تَقَدَّمَتْ فِي أَوَاخِرِ الْقَاعِدَةِ الْأُولَى. الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ: بِمَعْنَى هَذِهِ الْقَاعِدَة: قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵁: (إذَا ضَاقَ الْأَمْرُ اتَّسَعَ) وَقَدْ أَجَابَ بِهَا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: أَحَدُهَا: فِيمَا إذَا فَقَدَتْ الْمَرْأَةُ وَلِيَّهَا فِي سَفَرٍ، فَوَلَّتْ أَمْرَهَا رَجُلًا يَجُوزُ. قَالَ يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى: قُلْت لَهُ: كَيْفَ هَذَا؟ قَالَ: إذَا ضَاقَ الْأَمْرُ اتَّسَعَ. الثَّانِي: فِي أَوَانِي الْخَزَفِ الْمَعْمُولَةِ بِالسِّرْجِينِ؟ أَيَجُوزُ الْوُضُوءُ مِنْهَا؟ فَقَالَ: إذْ ضَاقَ الْأَمْرُ اتَّسَعَ حَكَاهُ فِي الْبَحْر. الثَّالِثُ: حَكَى بَعْضُ شُرَّاحِ الْمُخْتَصَرِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ، سُئِلَ عَنْ الذُّبَابِ يَجْلِس عَلَى غَائِطٍ ثُمَّ يَقَعُ عَلَى الثَّوْبِ فَقَالَ: إنْ كَانَ فِي طَيَرَانِهِ مَا يَجِفُّ فِيهِ رِجْلَاهُ وَإِلَّا فَالشَّيْءُ إذَا ضَاقَ اتَّسَعَ. وَلَهُمْ عَكْس هَذِهِ الْقَاعِدَة: إذَا اتَّسَعَ الْأَمْرُ ضَاقَ. قَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي تَعْلِيقِهِ: وَضَعْت الْأَشْيَاءَ فِي الْأُصُولِ عَلَى أَنَّهَا إذَا ضَاقَتْ اتَّسَعَتْ وَإِذَا اتَّسَعَتْ ضَاقَتْ. أَلَا تَرَى أَنَّ قَلِيلَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ لَمَّا اُضْطُرَّ إلَيْهِ سُومِحَ بِهِ وَكَثِيرَهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ بِهِ حَاجَةٌ لَمْ يُسَامَحْ بِهِ. وَكَذَلِكَ قَلِيلُ الْبَرَاغِيثِ وَكَثِيرُهُ. وَجَمَعَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ بَيْن الْقَاعِدَتَيْنِ بِقَوْلِهِ: كُلُّ مَا تَجَاوَزَ عَنْ حَدِّهِ انْعَكَسَ إلَى ضِدِّهِ. وَنَظِيرُ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ فِي التَّعَاكُسِ قَوْلُهُمْ: يُغْتَفَرُ فِي الدَّوَامِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ. وَقَوْلُهُمْ: يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الدَّوَامِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُ فُرُوعِهَا. [الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ: الضَّرَرُ يُزَالُ] أَصْلُهَا قَوْلُهُ ﷺ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ.

стр. 82

اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ يَنْبَنِي عَلَيْهَا كَثِيرٌ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ مِنْ ذَلِكَ: الرَّدُّ بِالْعَيْبِ، وَجَمِيعُ أَنْوَاعِ الْخِيَارِ: مِنْ اخْتِلَافِ الْوَصْفِ الْمَشْرُوطِ، وَالتَّعْزِيرِ، وَإِفْلَاسِ الْمُشْتَرِي، وَغَيْر ذَلِكَ، وَالْحَجْرُ بِأَنْوَاعِهِ، وَالشُّفْعَةُ، لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِدَفْعِ ضَرَرِ الْقِسْمَةِ. وَالْقِصَاصُ، وَالْحُدُودُ، وَالْكَفَّارَاتُ، وَضَمَانُ الْمُتْلَفِ، وَالْقِسْمَةُ، وَنُصُبُ الْأَئِمَّةِ، وَالْقُضَاةِ، وَدَفْعُ الصَّائِلِ، وَقِتَالُ الْمُشْرِكِينَ، وَالْبُغَاةِ، وَفَسْخُ النِّكَاح بِالْعُيُوبِ، أَوْ الْإِعْسَارِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَهِيَ مَعَ الْقَاعِدَةِ الَّتِي قَبْلَهَا مُتَّحِدَةٌ، أَوْ مُتَدَاخِلَةٌ. [الْقَاعِدَة الْأُولَى الضَّرُورِيَّاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ] وَيَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ قَوَاعِدُ الْأُولَى: الضَّرُورِيَّاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ بِشَرْطِ عَدَمِ نُقْصَانِهَا عَنْهَا، وَمِنْ ثَمَّ جَازَ أَكْلُ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ، وَإِسَاغَةُ اللُّقْمَةِ بِالْخَمْرِ، وَالتَّلَفُّظُ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ لِلْإِكْرَاهِ، وَكَذَا إتْلَافُ الْمَالِ، وَأَخْذُ مَالَ الْمُمْتَنِعِ مِنْ أَدَاءِ الدَّيْن بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَدَفْعُ الصَّائِلِ وَلَوْ أَدَّى إلَى قَتْلِهِ، وَلَوْ عَمَّ الْحَرَامُ قُطْرًا، بِحَيْثُ لَا يُوجَدُ فِيهِ حَلَالٌ إلَّا نَادِرًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى الضَّرُورَةِ. قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا يَرْتَقِي إلَى التَّبَسُّطِ، وَأَكْلِ الْمَلَاذِّ بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَفَرْضُ الْمَسْأَلَةِ: أَنْ يَتَوَقَّعَ مَعْرِفَةَ صَاحِبِ الْمَالِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. فَأَمَّا عِنْدَ الْيَأْسِ فَالْمَالُ حِينَئِذٍ لِلْمَصَالِحِ ; لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ: مَا جُهِلَ مَالِكُهُ. وَيَجُوزُ إتْلَافُ شَجَرِ الْكُفَّارِ وَبِنَائِهِمْ لِحَاجَةِ الْقِتَالِ، وَالظَّفَرِ بِهِمْ، وَكَذَا الْحَيَوَانُ الَّذِي يُقَاتِلُونَ عَلَيْهِ، وَنَبْشُ الْمَيِّتِ بَعْدَ دَفْنِهِ لِلضَّرُورَةِ بِأَنْ دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ، أَوْ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ أَوْ فِي أَرْضٍ أَوْ ثَوْبٍ مَغْصُوبٍ. وَغَصْبُ الْخَيْطِ لِخِيَاطَةِ جُرْحِ حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ. وَقَوْلنَا: " بِشَرْطِ عَدَمِ نُقْصَانِهَا عَنْهَا " لِيَخْرُجَ مَا لَوْ كَانَ الْمَيِّتُ نَبِيًّا فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ لِلْمُضْطَرِّ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ أَعْظَمُ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ مِنْ مُهْجَةِ الْمُضْطَرِّ. وَمَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْقَتْلِ أَوْ الزِّنَا، فَلَا يُبَاحُ وَاحِدُ مِنْهُمَا بِالْإِكْرَاهِ لِمَا فِيهِمَا مِنْ الْمَفْسَدَة الَّتِي تُقَابِلُ حِفْظَ مُهْجَةِ الْمُكْرَهِ، أَوْ تَزِيدُ عَلَيْهَا. وَمَا لَوْ دُفِنَ بِلَا تَكْفِينٍ فَلَا يُنْبَشُ، فَإِنَّ مَفْسَدَةَ هَتْكِ حُرْمَتِهِ أَشَدُّ مِنْ عَدَمِ تَكْفِينِهِ الَّذِي قَامَ السَّتْرُ بِالتُّرَابِ مَقَامَهُ. [الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ: مَا أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ يُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا] الثَّانِيَةُ: مَا أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ يُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا وَمِنْ فُرُوعِهِ: الْمُضْطَرُّ: لَا يَأْكُلُ مِنْ الْمَيْتَةِ، إلَّا قَدْرَ سَدِّ الرَّمَقِ وَمَنْ اُسْتُشِيرَ فِي خَاطِبٍ، وَاكْتَفَى بِالتَّعْرِيضِ كَقَوْلِهِ: لَا يَصْلُحُ لَكِ. لَمْ يَعْدِلْ إلَى التَّصْرِيحِ، وَيَجُوزُ أَخْذ نَبَاتِ الْحَرَمِ لِعَلَفِ الْبَهَائِمِ. وَلَا يَجُوزُ أَخْذُهُ لِبَيْعِهِ لِمَنْ يَعْلِفُ. وَالطَّعَامُ فِي دَارِ الْحَرْبِ يُؤْخَذُ عَلَى سَبِيلِ الْحَاجَةِ لِأَنَّهُ أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ، فَإِذَا وَصَلَ عُمْرَانُ الْإِسْلَامِ امْتَنَعَ، وَمَنْ مَعَهُ بَقِيَّةٌ رَدَّهَا. وَيُعْفَى: عَنْ مَحَلِّ اسْتِجْمَارِهِ وَلَوْ حَمَلَ مُسْتَجْمِرًا فِي الصَّلَاةِ بَطَلَتْ. وَيُعْفَى عَنْ

стр. 83

الطُّحْلُبِ فِي الْمَاءِ فَلَوْ أُخِذَ وَرُقَّ، وَطُرِحَ فِيهِ وَغَيَّرَهُ ضَرَّ. وَيُعْفَى عَنْ مَيِّتٍ لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ فَإِنْ طُرِحَ ضَرَّ. وَلَوْ فَصَدَ أَجْنَبِيٌّ امْرَأَةً: وَجَبَ أَنْ تَسْتُرَ جَمِيعَ سَاعِدِهَا وَلَا يُكْشَفُ إلَّا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ لِلْفَصْدِ. وَالْجَبِيرَةُ يَجِبُ أَنْ لَا تَسْتُر مِنْ الصَّحِيحِ إلَّا مَا لَا بُدُّ مِنْهُ لِلِاسْتِمْسَاكِ. وَالْمَجْنُونُ لَا يَجُوزُ تَزْوِيجُهُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ لِانْدِفَاعِ الْحَاجَةِ بِهَا. وَإِذَا قُلْنَا: يَجُوزُ تَعَدُّدُ الْجُمُعَة لِعُسْرِ الِاجْتِمَاعِ فِي مَكَان وَاحِدٍ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِقَدْرِ مَا يَنْدَفِعُ فَلَوْ انْدَفَعَ بِجُمُعَتَيْنِ لَمْ يَجُزْ بِالثَّالِثَةِ، صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ وَجَزَمَ بِهِ السُّبْكِيُّ وَالْإِسْنَوِيُّ. وَمَنْ جَازَ لَهُ اقْتِنَاءُ الْكَلْبِ لِلصَّيْدِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَقْتَنِيَ زِيَادَةً عَلَى الْقَدْرِ الَّذِي يَصْطَادُ بِهِ، صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَخَرَّجَهُ فِي الْخَادِمِ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ. تَنْبِيهٌ: خَرَجَ عَنْ هَذَا الْأَصْل صُوَرٌ: مِنْهَا: الْعَرَايَا فَإِنَّهَا أُبِيحَتْ لِلْفُقَرَاءِ، ثُمَّ جَازَتْ لِلْأَغْنِيَاءِ فِي الْأَصَحِّ. وَمِنْهَا: الْخُلْعُ، فَإِنَّهُ أُبِيحَ مَعَ الْمَرْأَةِ عَلَى سَبِيلِ الرُّخْصَةِ، ثُمَّ جَازَ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ. وَمِنْهَا: اللِّعَانُ جُوِّزَ حَيْثُ تَعْسُرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى زِنَاهَا، ثُمَّ جَازَ حَيْثُ يُمْكِنُ عَلَى الْأَصَحِّ. فَائِدَةٌ: قَالَ بَعْضُهُمْ: الْمَرَاتِبُ خَمْسَةٌ: ضَرُورَةٌ، وَحَاجَةٌ، وَمَنْفَعَةٌ، وَزِينَةٌ، وَفُضُولٌ. فَالضَّرُورَةُ: بُلُوغُهُ حَدًّا إنْ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْمَمْنُوعَ هَلَكَ، أَوْ قَارَبَ وَهَذَا يُبِيحُ تَنَاوُلَ الْحَرَامِ. وَالْحَاجَةُ: كَالْجَائِعِ الَّذِي لَوْ لَمْ يَجِدْ مَا يَأْكُلهُ لَمْ يَهْلَك غَيْرَ أَنَّهُ يَكُونُ فِي جَهْدٍ وَمَشَقَّةٍ. وَهَذَا لَا يُبِيحُ الْحَرَامَ، وَيُبِيحُ الْفِطْرَ فِي الصَّوْمِ. وَالْمَنْفَعَةُ: كَاَلَّذِي يَشْتَهِي خُبْزَ الْبُرِّ، وَلَحْمَ الْغَنَمِ، وَالطَّعَامَ الدَّسَمَ. وَالزِّينَةُ: كَالْمُشْتَهِي الْحَلْوَى، وَالسُّكَّرَ، وَالثَّوْبَ الْمَنْسُوجَ مِنْ حَرِيرٍ، وَكَتَّانٍ. وَالْفُضُولُ: التَّوَسُّعُ بِأَكْلِ الْحَرَامِ، وَالشُّبْهَةِ. تَذْنِيبٌ قَرِيبٌ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ: مَا جَازَ لِعُذْرٍ بَطَلَ بِزَوَالِهِ، كَالتَّيَمُّمِ يَبْطُلُ بِوُجُودِ الْمَاءِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ. وَنَظِيرُهُ: الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ لِمَرَضٍ، وَنَحْوِهِ يَبْطُلُ إذَا حَضَرَ الْأَصْلُ عِنْدَ الْحَاكِمِ قَبْلَ الْحُكْمِ.

стр. 84

[الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ: الضَّرَرَ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ] الثَّالِثَةُ الضَّرَرَ: لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ قَالَ ابْنُ السُّبْكِيّ: وَهُوَ كَعَائِدٍ يَعُودُ عَلَى قَوْلِهِمْ " الضَّرَرُ يُزَالُ، وَلَكِنْ لَا بِضَرَرٍ " فَشَأْنُهُمَا شَأْنُ الْأَخَصِّ مَعَ الْأَعَمِّ بَلْ هُمَا سَوَاءٌ ; لِأَنَّهُ لَوْ أُزِيلَ بِالضَّرَرِ لَمَا صَدَقَ " الضَّرَرُ يُزَالُ ". وَمِنْ فُرُوعِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ: عَدَمُ وُجُوبِ الْعِمَارَةِ عَلَى الشَّرِيكِ فِي الْجَدِيدِ، وَعَدَمُ إجْبَارِ الْجَارِ عَلَى وَضْعِ الْجُذُوعِ، وَعَدَمُ إجْبَارِ السَّيِّدِ عَلَى نِكَاحِ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ الَّتِي لَا تَحِلُّ لَهُ. وَلَا يَأْكُلُ الْمُضْطَرُّ طَعَامَ مُضْطَرٍّ آخَرَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ، وَيَجِبُ عَلَى مَنْ مَعَهُ بَذْلُهُ لَهُ، وَلَا قَطْعَ فِلْذَةٍ مِنْ فَخِذِهِ، وَلَا قَتْلَ وَلَدِهِ، أَوْ عَبْدِهِ، وَلَا قَطْعَ فِلْذَةٍ مِنْ نَفْسِهِ: إنْ كَانَ الْخَوْفُ مِنْ الْقَطْعِ، كَالْخَوْفِ مِنْ تَرْكِ الْأَكْلِ، أَوْ أَكْثَرَ، وَكَذَا قَطْعُ السِّلْعَةِ الْمَخُوفَةِ. وَلَوْ مَالَ حَائِطٌ إلَى الشَّارِعِ، أَوْ مِلْكِ غَيْرِهِ لَمْ يَجِبْ إصْلَاحُهُ. وَلَوْ سَقَطَتْ جَرَّةٌ، وَلَمْ تَنْدَفِعْ عَنْهُ إلَّا بِكَسْرِهَا ضَمِنَهَا فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ وَقَعَ دِينَارٌ فِي مَحْبَرَةٍ، وَلَمْ يَخْرُجْ إلَّا بِكَسْرِهَا كُسِرَتْ وَعَلَى صَاحِبِهِ الْأَرْشُ، فَلَوْ كَانَ بِفِعْلِ صَاحِبِ الْمَحْبَرَةِ فَلَا شَيْءَ، وَلَوْ أَدْخَلَتْ بَهِيمَةٌ رَأْسَهَا فِي قِدْرٍ، وَلَمْ يَخْرُجْ إلَّا بِكَسْرِهَا، فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا مَعَهَا، فَهُوَ مُفَرِّطٌ بِتَرْكِ الْحِفْظِ، فَإِنْ كَانَتْ غَيْر مَأْكُولَةٍ كُسِرَتْ الْقِدْرُ، وَعَلَيْهِ أَرْشُ النَّقْصِ، أَوْ مَأْكُولَةً، فَفِي ذَبْحِهَا وَجْهَانِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا، فَإِنْ فَرَّطَ صَاحِبُ الْقِدْرِ كُسِرَتْ، وَلَا أَرْشَ، وَإِلَّا فَلَهُ الْأَرْشُ. وَلَوْ الْتَقَتْ دَابَّتَانِ عَلَى شَاهِق، وَلَمْ يُمْكِنُ تَخْلِيصُ وَاحِدَةٍ إلَّا بِإِتْلَافِ الْأُخْرَى، لَمْ يُفْتَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، بَلْ مَنْ أَلْقَى دَابَّةَ صَاحِبِهِ وَخَلَّصَ دَابَّتَهُ ضَمِنَ. وَلَوْ سَقَطَ عَلَى جَرِيحٍ، فَإِنْ اسْتَمَرَّ قَتَلَهُ، وَإِنْ انْتَقَلَ قَتَلَ غَيْرَهُ، فَقِيلَ: يَسْتَمِرُّ لِأَنَّ الضَّرَرَ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ لِلِاسْتِوَاءِ. وَقَالَ الْإِمَامُ: لَا حُكْمَ فِيهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَلَوْ كَانَتْ ضَيِّقَةَ الْفَرْجِ لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا إلَّا بِإِفْضَائِهَا، فَلَيْسَ لَهُ الْوَطْءُ. وَلَوْ رَهَنَ الْمُفْلِسُ الْمَبِيع، أَوْ غَرَسَ، أَوْ بَنَى فِيهِ، فَلَيْسَ لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فِي صُورَةِ صِحَّةِ الرَّهْنِ. لِأَنَّ فِيهِ إضْرَارًا بِالْمُرْتَهِنِ، وَلَا فِي صُورَةِ الْغَرْسِ، وَيَبْقَى الْغَرْسُ وَالْبِنَاءُ لِلْمُفْلِسِ لِأَنَّهُ يُنْقِصُ قِيمَتهَا، وَيَضُرُّ بِالْمُفْلِسِ وَالْغُرَمَاءِ.

стр. 85

تَنْبِيهٌ: قَالَ ابْنُ السُّبْكِيّ: يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ: مَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَعْظَمَ ضَرَرًا. وَعِبَارَةُ ابْنُ الْكَتَّانِيِّ: لَا بُدّ مِنْ النَّظَرِ لِأَخَفِّهِمَا وَأَغْلَظِهِمَا: وَلِهَذَا شُرِعَ الْقِصَاصُ، وَالْحُدُودُ، وَقِتَالُ الْبُغَاةِ، وَقَاطِعِ الطَّرِيقِ، وَدَفْعُ الصَّائِلِ، وَالشُّفْعَةُ وَالْفَسْخُ بِعَيْبِ الْمَبِيعِ وَالنِّكَاحِ، وَالْإِعْسَارِ، وَالْإِجْبَارُ عَلَى قَضَاءِ الدُّيُونِ، وَالنَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ، وَمَسْأَلَةُ الظَّفَرِ، وَأَخْذُ الْمُضْطَرِّ طَعَامَ غَيْرِهِ، وَقِتَالُهُ عَلَيْهِ، وَقَطْعُ شَجَرَةِ الْغَيْرِ إذَا حَصَلَتْ فِي هَوَاءِ دَارِهِ ; وَشَقُّ بَطْنِ الْمَيِّتِ إذَا بَلَعَ مَالًا، أَوْ كَانَ فِي بَطِنِهَا وَلَوْ تُرْجَى حَيَاتُهُ: وَرَمْيُ الْكُفَّارِ إذَا تَتَرَّسُوا بِنِسَاءٍ وَصِبْيَانٍ، أَوْ بِأَسْرَى الْمُسْلِمِينَ. وَلَوْ كَانَ لَهُ عُشْرُ دَارٍ لَا يَصْلُحُ لِلسُّكْنَى، وَالْبَاقِي لِآخَرَ، وَطَلَبَ صَاحِبُ الْأَكْثَرِ الْقِسْمَةَ أُجِيبَ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرُ شَرِيكِهِ. وَلَوْ أَحَاطَ الْكُفَّارُ بِالْمُسْلِمِينَ، وَلَا مُقَاوَمَةَ بِهِمْ: جَازَ دَفْعُ الْمَالِ إلَيْهِمْ، وَكَذَا اسْتِنْقَاذُ الْأَسْرَى مِنْهُمْ بِالْمَالِ إذَا لَمْ يُمْكِنْ بِغَيْرِهِ ; لِأَنَّ مَفْسَدَةَ بَقَائِهِمْ فِي أَيْدِيهِمْ، وَاصْطِلَامَهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ أَعْظَمُ مِنْ بَذْلِ الْمَالِ. وَالْخُلْعُ فِي الْحَيْضِ لَا يَحْرُمُ ; لِأَنَّ إنْقَاذَهَا مِنْهُ مُقَدَّمٌ عَلَى مَفْسَدَةِ تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا، وَلَوْ وَقَعَ فِي نَارٍ تُحْرِقُهُ، وَلَمْ يُخَلَّصْ إلَّا بِمَاءٍ يُغْرِقُهُ ; وَرَآهُ أَهْوَنَ عَلَيْهِ مِنْ الصَّبْرِ عَلَى لَفَحَاتِ النَّارِ، فَلَهُ الِانْتِقَالُ إلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ وَجَدَ الْمُضْطَرُّ مَيْتَةً وَطَعَامَ غَائِبٍ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَأْكُلُ الْمَيْتَة لِأَنَّهَا مُبَاحَةٌ بِالنَّصِّ وَطَعَامُ الْغَيْرِ بِالِاجْتِهَادِ. أَوْ الْمُحْرِمُ مَيْتَةً وَصَيْدًا: فَالْأَصَحُّ كَذَلِكَ. لِأَنَّهُ يَرْتَكِبُ فِي الصَّيْدِ مَحْظُورَيْنِ: الْقَتْلَ وَالْأَكْلَ. [الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَة: إذَا تَعَارَضَ مَفْسَدَتَانِ رُوعِيَ أَعْظَمُهُمَا ضَرَرًا بِارْتِكَابِ أَخَفِّهِمَا] وَنَشَأَ مِنْ ذَلِكَ قَاعِدَةٌ رَابِعَةٌ: هِيَ " إذَا تَعَارَضَ مَفْسَدَتَانِ رُوعِيَ أَعْظَمُهُمَا ضَرَرًا بِارْتِكَابِ أَخَفِّهِمَا ". وَنَظِيرُهَا: قَاعِدَةٌ خَامِسَةٌ، وَهِيَ " دَرْءُ الْمَفَاسِدِ أَوْلَى مِنْ جَلْبِ الْمَصَالِحِ " فَإِذَا تَعَارَضَ مَفْسَدَةٌ وَمَصْلَحَةٌ ; قُدِّمَ دَفْعُ الْمَفْسَدَةِ غَالِبًا، لِأَنَّ اعْتِنَاءَ الشَّارِعِ بِالْمَنْهِيَّاتِ أَشَدُّ مِنْ اعْتِنَائِهِ بِالْمَأْمُورَاتِ، وَلِذَلِكَ قَالَ ﷺ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ» . وَمِنْ ثَمَّ سُومِحَ فِي تَرْك بَعْض الْوَاجِبَات بِأَدْنَى مَشَقَّةٍ كَالْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَالْفِطْرِ. وَالطَّهَارَةِ وَلَمْ يُسَامَحْ فِي الْإِقْدَامِ عَلَى الْمَنْهِيَّاتِ: وَخُصُوصًا الْكَبَائِرَ. وَمِنْ فُرُوعِ ذَلِكَ:

стр. 86

الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ مَسْنُونَةٌ. وَتُكْرَهُ لِلصَّائِمِ. تَخْلِيلُ الشَّعْر سُنَّةٌ فِي الطَّهَارَةِ، وَيُكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ. وَقَدْ يُرَاعَى الْمَصْلَحَةُ، لِغَلَبَتِهَا عَلَى الْمَفْسَدَةِ. مِنْ ذَلِكَ: الصَّلَاةُ، مَعَ اخْتِلَالِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهَا مِنْ الطَّهَارَةِ، وَالسِّتْرِ، وَالِاسْتِقْبَالِ فَإِنَّ فِي كُلِّ ذَلِكَ مَفْسَدَةً ; لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِخْلَالِ بِجَلَالِ اللَّهِ فِي أَنْ لَا يُنَاجَى إلَّا عَلَى أَكْمَلِ الْأَحْوَالِ، وَمَتَى تَعَذَّرَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ جَازَتْ الصَّلَاةُ بِدُونِهِ، تَقْدِيمًا لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ عَلَى هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ. وَمِنْهُ: الْكَذِبُ مَفْسَدَةٌ مُحَرَّمَةٌ وَمَتَى تَضَمَّنَ جَلْبَ مَصْلَحَةٍ تَرْبُو عَلَيْهِ جَازَ: كَالْكَذِبِ لِلْإِصْلَاحِ بَيْن النَّاس، وَعَلَى الزَّوْجَةِ لِإِصْلَاحِهَا. وَهَذَا النَّوْع رَاجِعٌ إلَى ارْتِكَابِ أَخَفِّ الْمَفْسَدَتَيْنِ فِي الْحَقِيقَةِ. [الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ: الْحَاجَةُ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الضَّرُورَةِ عَامَّةً كَانَتْ أَوْ خَاصَّةً] الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ: الْحَاجَةُ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الضَّرُورَةِ عَامَّةً كَانَتْ أَوْ خَاصَّةً مِنْ الْأَوْلَى: مَشْرُوعِيَّةُ الْإِجَارَةِ، وَالْجَعَالَةِ، وَالْحَوَالَةِ، وَنَحْوِهَا، جُوِّزَتْ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لِمَا فِي الْأُولَى مِنْ وُرُودِ الْعَقْدِ عَلَى مَنَافِعَ مَعْدُومَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ مِنْ الْجَهَالَةِ، وَفِي الثَّالِثَةِ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ لِعُمُومِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ، وَالْحَاجَةُ إذَا عَمَّتْ كَانَتْ كَالضَّرُورَةِ. وَمِنْهَا: ضَمَانُ الدَّرَكِ، جُوِّزَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ إذْ الْبَائِعُ إذَا بَاعَ مِلْكَ نَفْسِهِ، لَيْسَ مَا أَخَذَهُ مِنْ الثَّمَنِ دَيْنًا عَلَيْهِ حَتَّى يَضْمَنَ. لَكِنْ لِاحْتِيَاجِ النَّاسِ إلَى مُعَامَلَةِ. مَنْ لَا يَعْرِفُونَهُ وَلَا يُؤْمَنُ خُرُوجُ الْمَبِيعِ مُسْتَحَقًّا. وَمِنْهَا: مَسْأَلَةُ الصُّلْحِ وَإِبَاحَةِ النَّظَرِ، لِلْمُعَامِلَةِ، وَنَحْوِهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَمِنْ الثَّانِيَةِ: تَضْبِيبُ الْإِنَاءِ بِالْفِضَّةِ: يَجُوز لِلْحَاجَةِ وَلَا يُعْتَبَرُ الْعَجْزُ عَنْ غَيْرِ الْفِضَّةِ، لِأَنَّهُ يُبِيحُ أَصْلَ الْإِنَاءِ مِنْ النَّقْدَيْنِ قَطْعًا بَلْ الْمُرَادُ الْأَغْرَاضُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالتَّضْبِيبِ سِوَى التَّزْيِينِ: كَإِصْلَاحِ مَوْضِعِ الْكَسْرِ وَالشَّدِّ وَالتَّوَثُّقِ. وَمِنْهَا: الْأَكْلُ مِنْ الْغَنِيمَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، جَائِزٌ لِلْحَاجَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ لِلْآكِلِ أَنْ لَا يَكُونَ مَعَهُ غَيْرُهُ. تَنْبِيهٌ: مِنْ الْمُشْكِل قَوْلُ الْمِنْهَاجِ: وَيُبَاحُ النَّظَرُ لِتَعْلِيمٍ، مَعَ قَوْلهمْ فِي الصَّدَاقِ: وَلَوْ أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ قُرْآنٍ، فَطَلَّقَ قَبْلَهُ، تَعَذَّرَ تَعْلِيمُهُ فِي الْأَصَحِّ. وَأَجَابَ السُّبْكِيُّ: بِأَنَّهُ إنَّمَا تَعَذَّرَ ; لِأَنَّ الْقُرْآنَ، وَإِنْ أَمْكَنَ تَنْصِيفُهُ مِنْ جِهَةِ

стр. 87

الْحُرُوفِ، وَالْكَلِمَاتِ، لَكِنَّهُ يَخْتَلِفُ سُهُولَةً، وَصُعُوبَةً، وَتَابَعَهُ فِي الْمُهِمَّاتِ فَقَالَ: لِأَنَّ الْقِيَام بِتَعْلِيمِ نِصْفٍ مُشَاعٍ، لَا يُمْكِنُ. وَالْقَوْلُ بِاسْتِحْقَاقِ نِصْفٍ مُعَيَّنٍ: تَحَكُّمٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَيُؤَدِّي إلَى النِّزَاعِ: فَإِنَّ السُّورَةَ الْوَاحِدَةَ مُخْتَلِفَةُ الْآيَاتِ، فِي الطُّولِ، وَالْقِصَرِ، وَالصُّعُوبَةِ، وَالسُّهُولَةِ، فَتَعَيَّنَ الْبَدَلُ. وَاعْتُرِضَ هَذَا الْجَوَابُ: بِأَنَّهُ خَاصٌّ بِالطَّلَاقِ، قَبْلَ الدُّخُولِ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِتَعَذُّرِ التَّعْلِيمِ، وَلَوْ طَلَّقَ بَعْدَ الدُّخُولِ وَالْمُسْتَحَقُّ بَعْدَ الدُّخُولِ: تَعْلِيمُ الْكُلّ. وَأَجَابَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ جَلَالُ الدِّينِ الْمَحَلِّيُّ ; فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ: بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ مِنْ إبَاحَةِ النَّظَر لِلتَّعْلِيمِ: تَفَرَّدَ بِهِ، وَهُوَ خَاصٌّ بِالْأَمْرَدِ ; لِأَنَّهُ لَمَّا حُرِّمَ النَّظَرُ إلَيْهِ مُطْلَقًا، وَلَوْ بِلَا شَهْوَةٍ، اُسْتُشْعِرَ أَنْ يُورَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الْأَمْرَدَ يَحْتَاج إلَى مُخَالَطَةِ الرِّجَالِ لِلتَّعْلِيمِ، وَيَشُقُّ عَلَيْهِ الِاحْتِجَابُ وَالتَّسَتُّرُ. وَمَا زَالَ السَّلَفُ، وَالْعُلَمَاءُ عَلَى مُخَالَطَةِ الْمُرْدِ وَمُجَالَسَتِهِمْ وَتَعْلِيمِهِمْ فَاسْتُثْنِيَ النَّظَرُ لِلتَّعْلِيمِ لِذَلِكَ. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ: فَلَا تَحْتَاجُ إلَى التَّعْلِيمِ: كَاحْتِيَاجِ الْأَمْرَدِ. وَأَمَّا الْوَاجِبَاتُ: فَلَا تَعْدَمُ مَنْ يُعَلِّمُهَا إيَّاهَا: مِنْ مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَكَانَ شَيْخُنَا قَاضِي الْقُضَاةِ: شَرَفُ الدِّينِ الْمُنَاوِيُّ يَأْبَى هَذَا الْجَوَابَ وَيَقُولُ بِعُمُومِ الْإِبَاحَةِ لِلْمَرْأَةِ أَيْضًا ; وَيُجِيب عَنْ مَسْأَلَةِ الصَّدَاقِ: بِأَنَّ الْمُطَلَّقَة امْتَدَّتْ إلَيْهَا الْأَطْمَاعُ، فَنَاسَبَ أَنْ لَا يُؤْذَنَ فِي النَّظَرِ إلَيْهَا، بِخِلَافِ غَيْرِهَا. وَالتَّحْقِيقُ مَا قَالَهُ الشَّيْخُ جَلَالُ الدِّينِ وَقَدْ أَشَارَ إلَى نَحْوِ مَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ، فَقَالَ: قَدْ كَشَفْت كُتُبَ الْمَذْهَبِ ; فَإِنَّمَا يَظْهَرُ مِنْهَا جَوَازُ النَّظَرِ لِلتَّعْلِيمِ، فِيمَا يَجِبُ تَعَلُّمُهُ وَتَعْلِيمُهُ ; كَالْفَاتِحَةِ ; وَمَا يَتَعَيَّن مِنْ الصَّنَائِعِ بِشَرْطِ التَّعَذُّرِ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ. وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ ; فَإِنَّ كَلَامَهُمْ يَقْتَضِي الْمَنْعَ ثُمَّ اسْتَشْهَدَ بِالْمَذْكُورِ فِي الصَّدَاقِ. [الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةُ: الْعَادَةُ مُحَكَّمَةٌ] [الْمَبْحَثُ الْأَوَّل: فِيمَا تَثْبُت بِهِ الْعَادَةُ] الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةُ الْعَادَةُ مُحَكَّمَةٌ. قَالَ الْقَاضِي: أَصْلُهَا قَوْلُهُ ﷺ «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» قَالَ الْعَلَائِيُّ: وَلَمْ أَجِدْهُ مَرْفُوعًا فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ أَصْلًا وَلَا بِسَنَدٍ ضَعِيفِ بَعْدَ طُولِ الْبَحْثِ وَكَثْرَةِ الْكَشْفِ وَالسُّؤَالِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ.

стр. 88

اعْلَمْ أَنَّ اعْتِبَارَ الْعَادَةِ وَالْعُرْفِ رُجِعَ إلَيْهِ فِي الْفِقْهِ، فِي مَسَائِلَ لَا تُعَدُّ كَثْرَةً. فَمِنْ ذَلِكَ: سِنُّ الْحَيْضِ، وَالْبُلُوغِ، وَالْإِنْزَالِ، وَأَقَلُّ الْحَيْضِ، وَالنِّفَاسِ، وَالطُّهْرِ وَغَالِبُهَا وَأَكْثَرُهَا، وَضَابِطُ الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ فِي الضَّبَّةِ، وَالْأَفْعَالُ الْمُنَافِيَةُ لِلصَّلَاةِ، وَالنَّجَاسَاتُ الْمَعْفُوُّ عَنْ قَلِيلِهَا، وَطُولُ الزَّمَانِ وَقِصَرُهُ فِي مُوَالَاةِ الْوُضُوءِ، فِي وَجْهٍ وَالْبِنَاءُ عَلَى الصَّلَاةِ فِي الْجَمْعِ، وَالْخُطْبَةُ، وَالْجُمُعَةُ، وَبَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَالسَّلَامُ وَرَدُّهُ، وَالتَّأْخِيرُ الْمَانِعُ مِنْ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَفِي الشُّرْبِ وَسَقْيِ الدَّوَابِّ مِنْ الْجَدَاوِلِ، وَالْأَنْهَارِ الْمَمْلُوكَةِ، إقَامَةً لَهُ مَقَامَ الْإِذْنِ اللَّفْظِيِّ، وَتَنَاوُلُ الثِّمَارِ السَّاقِطَةِ، وَفِي إحْرَازِ الْمَالِ الْمَسْرُوقِ، وَفِي الْمُعَاطَاةِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ، وَفِي عَمَلِ الصُّنَّاعِ عَلَى مَا اسْتَحْسَنَهُ الرَّافِعِيُّ وَفِي وُجُوبِ السَّرْجِ وَالْإِكَافِ فِي اسْتِئْجَارِ دَابَّةٍ لِلرَّكُوبِ، وَالْحِبْرُ، وَالْخَيْطُ، وَالْكُحْلُ عَلَى مَنْ جَرَتْ الْعَادَة بِكَوْنِهَا عَلَيْهِ، وَفِي الِاسْتِيلَاءِ فِي الْغَصْبِ، وَفِي رَدِّ ظَرْفِ الْهَدِيَّةِ وَعَدَمِهِ، وَفِي وَزْنِ أَوْ كَيْلِ مَا جُهِلَ حَالُهُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّ الْأَصَحُّ أَنَّهُ يُرَاعَى فِيهِ عَادَةُ بَلَدِ الْبَيْع، وَفِي إرْسَالِ الْمَوَاشِي نَهَارًا وَحِفْظِهَا لَيْلًا، وَلَوْ اطَّرَدَتْ عَادَةُ بَلَدٍ بِعَكْسِ ذَلِكَ، اُعْتُبِرَتْ الْعَادَةُ فِي الْأَصَحِّ. وَفِي صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ، لِمَنْ لَهُ عَادَةٌ، وَفِي قَبُولِ الْقَاضِي الْهَدِيَّةَ مِمَّنْ لَهُ عَادَةٌ، وَفِي الْقَبْضِ، وَالْإِقْبَاضِ، وَدُخُولِ الْحَمَّامِ، وَدُورِ الْقُضَاةِ، وَالْوُلَاةِ، وَالْأَكْلِ مِنْ الطَّعَامِ الْمُقَدَّمِ ضِيَافَة بِلَا لَفْظٍ، وَفِي الْمُسَابَقَةِ، وَالْمُنَاضَلَةِ إذَا كَانَتْ لِلرُّمَاةِ عَادَةٌ فِي مَسَافَةٍ تَنَزَّلَ الْمُطْلَقُ عَلَيْهَا، وَفِيمَا إذَا اطَّرَدَتْ عَادَةُ الْمُتَبَارِزِينَ بِالْأَمَانِ، وَلَمْ يَجْرِ بَيْنهمَا شَرْطٌ فَالْأَصَحُّ أَنَّهَا تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الشَّرْطِ. وَفِي أَلْفَاظِ الْوَاقِفِ وَالْمُوصِي، وَفِي الْأَيْمَانِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُ أَمْثِلَةٍ مِنْ ذَلِكَ وَيَتَعَلَّق بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَبَاحِثُ: الْأَوَّل: فِيمَا تَثْبُت بِهِ الْعَادَةُ، وَفِي ذَلِكَ فُرُوعٌ: أَحَدُهَا: الْحَيْضُ. قَالَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمَا: الْعَادَةُ فِي بَابِ الْحَيْضِ، أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا: مَا تَثْبُتُ فِيهِ بِمَرَّةٍ بِلَا خِلَافٍ وَهُوَ الِاسْتِحَاضَةُ لِأَنَّهَا عِلَّةٌ مُزْمِنَةُ فَإِذَا وَقَعَتْ فَالظَّاهِرُ دَوَامُهَا، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمُبْتَدِئَةُ، وَالْمُعْتَادَةُ، وَالْمُتَحَيِّرَةُ. الثَّانِي: مَا لَا يَثْبُتُ فِيهِ بِالْمَرَّةِ، وَلَا بِالْمَرَّاتِ الْمُتَكَرِّرَةِ، بِلَا خِلَافٍ، وَهِيَ الْمُسْتَحَاضَةُ إذَا انْقَطَعَ دَمُهَا فَرَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَيَوْمًا نَقَاءً وَاسْتَمَرَّ لَهَا أَدْوَارٌ هَكَذَا ثُمَّ أَطْبَقَ الدَّمُ عَلَى لَوْنٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ لَا يُلْتَقَطُ لَهَا قَدْرُ أَيَّامِ الدَّمِ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ قُلْنَا بِاللَّقْطِ بَلْ نُحَيِّضُهَا بِمَا كُنَّا نَجْعَلُهُ حَيْضًا بِالتَّلْفِيقِ، وَكَذَا لَوْ وَلَدَتْ مِرَارًا وَلَمْ تَرَ نِفَاسًا ثُمَّ وَلَدَتْ وَأَطْبَقَ الدَّمُ

стр. 89

وَجَاوَزَ سِتِّينَ يَوْمًا فَإِنَّ عَدَمَ النِّفَاسِ لَا يَصِيرُ عَادَةً لَهَا، بِلَا خِلَافٍ بَلْ هَذِهِ مُبْتَدَأَةٌ فِي النِّفَاسِ. الثَّالِثُ: مَا لَا يَثْبُتُ بِمَرَّةٍ وَلَا بِمَرَّاتٍ، عَلَى الْأَصَحِّ، وَهُوَ التَّوَقُّفُ عَنْ الصَّلَاةِ، وَنَحْوِهَا بِسَبَبِ تَقَطُّعِ الدَّمِ إذَا كَانَتْ تَرَى يَوْمًا دِمَاءً وَيَوْمًا نَقَاءً. الرَّابِعُ: مَا يَثْبُت بِالثَّلَاثِ وَفِي ثُبُوتِهِ بِالْمَرَّةِ وَالْمَرَّتَيْنِ خِلَافٌ، وَالْأَصَحُّ الثُّبُوتُ وَهُوَ قَدْرُ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ. الثَّانِي: الْجَارِحَةُ فِي الصَّيْدِ لَا بُدَّ مِنْ تَكْرَارٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ عَادَةٌ، وَلَا يَكْفِي مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ قَطْعًا، وَفِي الْمَرَّتَيْنِ وَالثَّلَاثِ خِلَافٌ. الثَّالِثُ: الْقَائِف لَا خِلَافَ فِي اشْتِرَاطِ التَّكْرَارِ فِيهِ، وَهَلْ يُكْتَفَى بِمَرَّتَيْنِ، أَوْ لَا بُدَّ مِنْ ثَلَاثٍ؟ وَجْهَانِ رَجَّحَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَأَصْحَابُهُ اعْتِبَارَ الثَّلَاثِ. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: لَا بُدَّ مِنْ تَكْرَارٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنّ بِهِ أَنَّهُ عَارِفٌ. الرَّابِعُ: اخْتِبَارُ الصَّبِيِّ قَبْلَ الْبُلُوغِ بِالْمُمَاكَسَةِ، قَالُوا: يُخْتَبَرُ مَرَّتَيْنِ، فَصَاعِدًا، حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ رُشْدُهُ. الْخَامِسُ: عُيُوبُ الْبَيْعِ، فَالزِّنَا يُثْبِتُ الرَّدَّ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ لِأَنَّ تُهْمَةَ الزِّنَا لَا تَزُولُ، وَإِنْ تَابَ، وَلِذَلِكَ لَا يُحَدّ قَاذِفُهُ وَالْإِبَاقُ كَذَلِكَ. قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُ: يَكْفِي الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ مِنْهُ فِي يَدِ الْبَائِعِ وَإِنْ لَمْ يَأْبَقْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَالسَّرِقَةُ قَرِيبٌ مِنْ هَذَيْنِ. وَأَمَّا الْبَوْلُ فِي الْفِرَاشِ فَالْأَظْهَرُ اعْتِبَارُ الِاعْتِيَادِ فِيهِ. السَّادِسُ: الْعَادَةُ فِي صَوْم الشَّكِّ، كَمَا إذَا كَانَ لَهُ عَادَةٌ بِصَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ أَوْ الْخَمِيسِ فَصَادَفَ يَوْمُ الشَّكّ أَحَدَهُمَا، بِمَاذَا تَثْبُتُ الْعَادَةُ؟ قَالَ الشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ السُّبْكِيُّ: لَمْ أَرَ فِيهِ نَقْلًا، وَقَالَ الْإِمَامُ فِي الْخَادِمِ: لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِضَابِطِ الْعَادَةِ فَيُحْتَمَلُ ثُبُوتُهَا بِمَرَّةٍ، أَوْ بِقَدْرٍ يُعَدُّ فِي الْعُرْفِ مُتَكَرِّرًا. السَّابِعُ: الْعَادَةُ فِي الْإِهْدَاءِ لِلْقَاضِي قَبْلَ الْوِلَايَةِ. قَالَ ابْنُ السُّبْكِيّ: لَمْ أَرَ فِيهِ نَقْلًا بِمَاذَا تَثْبُتُ بِهِ؟ قَالَ: وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ يُلَوِّحُ بِثُبُوتِهَا بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ. وَلِذَلِكَ عَبَّرَ الرَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ: تُعْهَدُ مِنْهُ الْهَدِيَّةُ، وَالْعَهْدُ صَادِقٌ بِمَرَّةٍ. الثَّامِنُ: الْعَادَةُ فِي تَجْدِيدِ الطُّهْرِ لِمَنْ يَتَيَقَّنُ طُهْرًا وَحَدَثًا وَكَانَ قَبْلَهُمَا مُتَطَهِّرًا، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ بِالضِّدِّ، إنْ اعْتَادَ التَّجْدِيدَ، وَبِالْمِثْلِ إنْ لَمْ يَعْتَدْهُ. لَمْ يُبَيِّنُوا بِمَ تَثْبُتُ بِهِ الْعَادَة لَكِنْ ذَكَرَ السُّبْكِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ: أَنَّ مَنْ ثَبَتَتْ لَهُ عَادَةٌ مُحَقَّقَةٌ، كَمَنْ اعْتَادَهُ

стр. 90

فَيَأْخُذُ بِالضِّدِّ. وَظَاهِرُ هَذَا الِاكْتِفَاءُ فِيهِ بِالْمَرَّةِ وَنَحْوِهَا. التَّاسِعُ: إنَّمَا يُسْتَدَلُّ بِحَيْضِ الْخُنْثَى وَإِمْنَائِهِ عَلَى الْأُنُوثَة وَالذُّكُورَةِ بِشَرْطِ التَّكْرَارِ لِيَتَأَكَّدَ الظَّنُّ، وَيَنْدَفِعَ تَوَهُّمُ كَوْنِهِ اتِّفَاقِيًّا. قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَجَزَمَ فِي التَّهْذِيبِ، بِأَنَّهُ لَا يَكْفِي مَرَّتَانِ: بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَصِيرَ عَادَةً. قَالَ: وَنَظِيرُ الْتِحَاقِهِ بِمَا قِيلَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ. [الْمَبْحَثُ الثَّانِي: تُعْتَبَرُ الْعَادَةُ إذَا اطَّرَدَتْ فَإِن اضْطَرَبَتْ فَلَا] إنَّمَا تُعْتَبَرُ الْعَادَةُ إذَا اطَّرَدَتْ، فَإِنْ اضْطَرَبَتْ فَلَا. وَإِنْ تَعَارَضَتْ الظُّنُونُ فِي اعْتِبَارِهَا فَخِلَافٌ. قَالَ الْإِمَامُ، فِي بَابِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ: كُلُّ مَا يَتَّضِحُ فِيهِ اطِّرَادُ الْعَادَةِ، فَهُوَ الْمُحْكَمُ، وَمُضْمَرُهُ كَالْمَذْكُورِ صَرِيحًا، وَكُلّ مَا تُعَارِضُ الظُّنُونُ بَعْضَ التَّعَارُضِ فِي حُكْمِ الْعَادَةِ فِيهِ فَهُوَ مَثَارُ الْخِلَافِ. انْتَهَى. وَفِي ذَلِكَ فُرُوعٌ: مِنْهَا: بَاعَ شَيْئًا بِدَرَاهِمَ وَأَطْلَقَ، نَزَلَ عَلَى النَّقْدِ الْغَالِبِ، فَلَوْ اضْطَرَبَتْ الْعَادَةُ فِي الْبَلَدِ وَجَبَ الْبَيَانُ، وَإِلَّا يَبْطُلُ الْبَيْعُ. وَمِنْهَا: غَلَبَتْ الْمُعَامَلَةُ بِجِنْسٍ مِنْ الْعُرُوضِ، أَوْ نَوْعٍ مِنْهُ انْصَرَفَ الثَّمَنُ إلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فِي الْأَصَحِّ. كَالنَّقْدِ. وَمِنْهَا: اسْتَأْجَرَ لِلْخِيَاطَةِ، وَالنَّسْخِ، وَالْكَحْلِ، فَالْخَيْطُ، وَالْحِبْرُ، وَالْكُحْلُ عَلَى مَنْ؟ خِلَاف، صَحَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الرُّجُوعَ فِيهِ إلَى الْعَادَةِ، فَإِنْ اضْطَرَبَتْ وَجَبَ الْبَيَانُ، وَإِلَّا فَتَبْطُلُ الْإِجَارَةُ. وَمِنْهَا: الْبَطَالَةُ فِي الْمَدَارِسِ، سُئِلَ عَنْهَا ابْنُ الصَّلَاحِ، فَأَجَابَ بِأَنَّ مَا وَقَعَ مِنْهَا فِي رَمَضَانَ وَنِصْفِ شَعْبَانَ لَا يَمْنَع مِنْ الِاسْتِحْقَاقِ. حَيْثُ لَا نَصَّ فِيهِ مِنْ الْوَاقِفِ عَلَى اشْتِرَاطِ الِاشْتِغَالِ فِي الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَمَا يَقَعُ مِنْهَا قَبْلَهُمَا يَمْنَعُ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا عُرْفٌ مُسْتَمِرٌّ. وَلَا وُجُودَ لَهَا قَطْعًا فِي أَكْثَرِ الْمَدَارِسِ، وَالْأَمَاكِنِ فَإِنْ سَبَقَ بِهَا عُرْفٌ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ وَاشْتَهَرَ غَيْرَ مُضْطَرِبٍ فَيَجْرِي فِيهَا فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ الْخِلَافُ: فِي أَنَّ الْعُرْفَ الْخَاصَّ هَلْ يُنَزَّلُ فِي التَّأْثِيرِ مَنْزِلَةَ الْعُرْفِ الْعَامِّ. وَالظَّاهِرُ تَنْزِيلُهُ فِي أَهْلِهِ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ. انْتَهَى. وَمِنْهَا: الْمَدَارِسُ الْمَوْقُوفَةُ عَلَى دَرْسِ الْحَدِيثِ، وَلَا يُعْلَم مُرَادُ الْوَاقِفِ فِيهَا، هَلْ يُدْرَسُ فِيهَا عِلْمُ الْحَدِيثِ، الَّذِي هُوَ مَعْرِفَةُ الْمُصْطَلَحِ كَمُخْتَصَرِ ابْنِ الصَّلَاحِ، وَنَحْوِهِ، أَوْ يُقْرَأُ مَتْنُ الْحَدِيثَيْنِ؟ كَالْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ، وَنَحْوِهِمَا، وَيُتَكَلَّم عَلَى مَا فِي الْحَدِيثِ: مِنْ فِقْهٍ، وَغَرِيبٍ، وَلُغَةٍ، وَمُشْكِلٍ، وَاخْتِلَافٍ. كَمَا هُوَ عُرْفُ النَّاسِ الْآنَ، وَهُوَ شَرْطُ الْمَدْرَسَةِ الشَّيْخُونِيَّةِ، كَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَرْطِ وَاقِفِهَا.

стр. 91

وَقَدْ سَأَلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْفَضْل بْنُ حَجَرٍ شَيْخَهُ الْحَافِظَ أَبَا الْفَضْلِ الْعِرَاقِيَّ عَنْ ذَلِكَ فَأَجَابَ: بِأَنَّ الظَّاهِرَ اتِّبَاعُ شُرُوطِ الْوَاقِفِينَ، فَإِنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي الشُّرُوطِ، وَكَذَلِكَ اصْطِلَاحُ أَهْلِ كُلِّ بَلَدٍ، وَالشَّامُ يَلْقَوْنَ دُرُوسَ الْحَدِيثِ، كَالشَّيْخِ الْمُدَرِّسِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ. بِخِلَافِ الْمِصْرِيِّينَ فَإِنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بَيْنهمْ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ بِالْجَمْعِ بَيْن الْأَمْرَيْنِ بِحَسَبِ مَا يُقْرَأُ فِيهِ مِنْ الْحَدِيثِ. [فَصْلٌ: فِي تَعَارُضِ الْعُرْفِ مَعَ الشَّرْعِ] هُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِالشَّرْعِ حُكْمٌ، فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ، فَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا ; لَمْ يَحْنَثْ بِالسَّمَكِ، وَإِنْ سَمَّاهُ اللَّهُ لَحْمًا، أَوْ لَا يَجْلِسُ عَلَى بِسَاطٍ أَوْ تَحْتَ سَقْفٍ أَوْ فِي ضَوْءِ سِرَاج، لَمْ يَحْنَثْ بِالْجُلُوسِ عَلَى الْأَرْض وَإِنْ سَمَّاهَا اللَّهُ بِسَاطًا، وَلَا تَحْت السَّمَاءِ، وَإِنْ سَمَّاهَا اللَّهُ سَقْفًا، وَلَا فِي الشَّمْس، وَإِنْ سَمَّاهَا اللَّهُ سِرَاجًا، أَوْ لَا يَضَعُ رَأْسَهُ عَلَى وَتَدٍ، لَمْ يَحْنَثْ بِوَضْعِهَا عَلَى جَبَلٍ، أَوْ لَا يَأْكُلُ مَيْتَةً أَوْ دَمًا، لَمْ يَحْنَثْ بِالسَّمَكِ وَالْجَرَادِ وَالْكَبِدِ وَالطِّحَالِ، فَقُدِّمَ الْعُرْفُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ ; لِأَنَّهَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي الشَّرْعِ تَسْمِيَةً بِلَا تَعَلُّقِ حُكْمٍ وَتَكْلِيفٍ. وَالثَّانِي: أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ حُكْمٌ فَيُقَدَّمُ عَلَى عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ فَلَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي ; لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِذَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَوْ لَا يَصُومُ، لَمْ يَحْنَثْ بِمُطْلَقِ الْإِمْسَاكِ، أَوْ لَا يَنْكِحُ حَنِثَ بِالْعَقْدِ لَا بِالْوَطْءِ. أَوْ قَالَ: إنْ رَأَيْت الْهِلَالَ فَأَنْتِ طَالِقُ، فَرَآهُ غَيْرُهَا، وَعَلِمَتْ بِهِ، طَلُقَتْ، حَمْلًا لَهُ عَلَى الشَّرْعِ فَإِنَّهَا فِيهِ بِمَعْنَى الْعِلْم لِقَوْلِهِ «إذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا» . وَلَوْ كَانَ اللَّفْظُ يَقْتَضِي الْعُمُومَ، وَالشَّرْعُ يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ، اُعْتُبِرَ خُصُوصُ الشَّرْعِ فِي الْأَصَحِّ. فَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا لَمْ يَحْنَث بِالْمَيْتَةِ، أَوْ لَا يَطَأُ لَمْ يَحْنَثْ بِالْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ عَلَى مَا رَجَّحَهُ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ، أَوْ أَوْصَى لِأَقَارِبِهِ لَمْ تَدْخُلْ وَرَثَتُهُ عَمَلًا بِتَخْصِيصِ الشَّرْعِ إذْ لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ أَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءً، لَمْ يَحْنَثْ بِالْمُتَغَيِّرِ كَثِيرًا بِزَعْفَرَانٍ وَنَحْوِهِ. [فَصْلٌ: فِي تَعَارُضِ الْعُرْفِ مَعَ اللُّغَةِ] حَكَى صَاحِبُ الْكَافِي وَجْهَيْنِ فِي الْمُقَدَّمِ أَحَدُهُمَا - وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ -: الْحَقِيقَةُ اللَّفْظِيَّةُ عَمَلًا بِالْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ.

стр. 92

وَالثَّانِي - وَعَلَيْهِ الْبَغَوِيّ -: الدَّلَالَةُ الْعُرْفِيَّةُ لِأَنَّ الْعُرْفَ يَحْكُمُ فِي التَّصَرُّفَاتِ سِيَّمَا فِي الْأَيْمَانِ. قَالَ: فَلَوْ دَخَلَ دَارَ صَدِيقِهِ، فَقَدَّمَ إلَيْهِ طَعَامًا فَامْتَنَعَ. فَقَالَ إنْ لَمْ تَأْكُلْ فَامْرَأَتِي طَالِقٌ فَخَرَجَ وَلَمْ يَأْكُلْ، ثُمَّ قَدِمَ الْيَوْمَ الثَّانِي، فَقَدَّمَ إلَيْهِ ذَلِكَ الطَّعَامَ فَأَكَلَ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَحْنَثُ، وَعَلَى الثَّانِي يَحْنَثُ، انْتَهَى. وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الطَّلَاقِ: إنْ تَطَابَقَ الْعُرْفُ وَالْوَضْعُ فَذَاكَ. وَإِنْ اخْتَلَفَا فَكَلَام الْأَصْحَاب يَمِيلُ إلَى الْوَضْعِ، وَالْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ يَرَيَانِ اعْتِبَارَ الْعُرْفِ. وَقَالَ فِي الْأَيْمَانِ مَا مَعْنَاهُ إنْ عَمَّتْ اللُّغَةُ قُدِّمَتْ عَلَى الْعُرْفِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: إنْ كَانَ الْعُرْفُ لَيْسَ لَهُ فِي اللُّغَةِ وَجْهٌ أَلْبَتَّةَ، فَالْمُعْتَبَرُ اللُّغَةُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ فِيهِ اسْتِعْمَالٌ، فَفِيهِ خِلَافٌ وَإِنْ هُجِرَتْ اللُّغَةُ حَتَّى صَارَتْ نَسْيًا مَنْسِيًّا، قُدِّمَ الْعُرْفُ. وَمِنْ الْفُرُوعِ الْمُخَرَّجَةِ عَلَى ذَلِكَ: حَلَفَ لَا يَسْكُنُ بَيْتًا، فَإِنْ كَانَ بَدْوِيًّا حَنِثَ بِالْمَبْنِيِّ وَغَيْرِهِ لِأَنَّهُ قَدْ تَظَاهَرَ فِيهِ الْعُرْفُ الْكُلُّ وَاللُّغَةُ لَأَنْ يُسَمُّونَهُ بَيْتًا، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْقُرَى: فَوَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى الْأَصْل الْمَذْكُور إنْ اعْتَبَرْنَا الْعُرْفَ لَمْ يَحْنَثْ وَالْأَصَحُّ الْحِنْثُ. وَمِنْهَا: حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءً حَنِثَ بِالْمَالِحِ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَدْ شُرْبَهُ، اعْتِبَارًا بِالْإِطْلَاقِ، وَالِاسْتِعْمَالِ اللُّغَوِيِّ. وَمِنْهَا: حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الْخُبْزَ حَنِثَ بِخُبْزِ الْأَرُزِّ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ لَا يَتَعَارَفُونَ ذَلِكَ لِإِطْلَاقِ الِاسْمِ عَلَيْهِ لُغَةً. وَمِنْهَا: قَالَ أَعْطُوهُ بَعِيرًا، لَا يُعْطَى نَاقَةً عَلَى الْمَنْصُوص، وَقَالَ ابْنُ شُرَيْحٍ: نَعَمْ لِانْدِرَاجِهِ فِيهَا لُغَةً. وَمِنْهَا، قَالَ أَعْطُوهُ دَابَّة، أُعْطِي فَرَسًا أَوْ بَغْلًا أَوْ حِمَارًا عَلَى الْمَنْصُوصِ، لَا الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ ; إذْ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهَا عُرْفًا وَإِنْ كَانَ يُطْلَق عَلَيْهِ لُغَةً، وَقَالَ ابْنُ شُرَيْحٍ: إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي غَيْر مِصْرَ لَمْ يُدْفَعْ إلَيْهِ إلَّا الْفَرَسُ. وَمِنْهَا: حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الْبَيْضَ أَوْ الرُّءُوسَ ; لَمْ يَحْنَث بِبَيْضِ، السَّمَكِ وَالْجَرَادِ، وَلَا بِرُءُوسِ الْعَصَافِيرِ وَالْحِيتَانِ لِعَدَمِ إطْلَاقِهَا عَلَيْهَا عُرْفًا. وَمِنْهَا قَالَ: زَوْجَتِي طَالِقٌ، لَمْ تَطْلُقْ سَائِرُ زَوْجَاتِهِ عَمَلًا بِالْعُرْفِ وَإِنْ كَانَ وَضْعُ اللُّغَة يَقْتَضِي ذَلِكَ ; لِأَنَّ اسْم الْجِنْسِ إذَا أُضِيفَ عَمَّ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: الطَّلَاق يَلْزَمُنِي لَا يُحْمَل عَلَى الثَّلَاثِ وَإِنْ كَانَتْ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلْعُمُومِ. وَمِنْهَا: أَوْصَى لِلْقُرَّاءِ، فَهَلْ يَدْخُلُ مَنْ لَا يَحْفَظُ وَيَقْرَأُ فِي الْمُصْحَفِ، أَوْ لَا؟ وَجْهَانِ يُنْظَرُ فِي أَحَدِهِمَا إلَى الْوَضْعِ، وَفِي الثَّانِي إلَى الْعُرْفِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ. وَمِنْهَا: أَوْصَى لِلْفُقَهَاءِ فَهَلْ يَدْخُلُ الْخِلَافِيُّونَ وَالْمُنَاظِرُونَ. قَالَ فِي الْكَافِي: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ لِتَعَارُضِ الْعُرْفِ وَالْحَقِيقَةِ.

стр. 93

[تَنْبِيه: مَسَائِل الْأَيْمَان تبنى عَلَى العرف وَإِلَّا فَعَلَى اللُّغَة] تَنْبِيهٌ: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ: لَا أَدْرِي مَاذَا بَنَى الشَّافِعِيُّ مَسَائِلَ الْأَيْمَانِ، إنْ اتَّبَعَ اللُّغَةَ؟ فَمَنْ حَلَفَ: لَا يَأْكُل الرُّءُوسَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ بِرُءُوسِ الطَّيْرِ، وَالسَّمَكِ. وَإِنْ اتَّبَعَ الْعُرْفَ، فَأَهْلُ الْقُرَى لَا يَعُدُّونَ الْخِيَامَ بُيُوتًا. قَالَ الرَّافِعِيُّ: يُتَّبَعُ مُقْتَضَى اللُّغَةِ تَارَةً، وَذَلِكَ عِنْد ظُهُورِهَا وَشُمُولِهَا، وَهُوَ الْأَصْلُ. وَتَارَةً يُتَّبَعُ الْعُرْفُ إذَا اسْتَمَرَّ وَاطَّرَدَ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: قَاعِدَةُ الْأَيْمَانِ: الْبِنَاءُ عَلَى الْعُرْفِ إذَا لَمْ يَضْطَرِبْ، فَإِنْ اضْطَرَبَ فَالرُّجُوعُ إلَى اللُّغَةِ. تَنْبِيهٌ: إنَّمَا يَتَجَاذَبُ الْوَضْعُ وَالْعُرْفُ فِي الْعَرَبِيِّ، أَمَّا الْأَعْجَمِيُّ فَيُعْتَبَر عُرْفُهُ قَطْعًا ; إذْ لَا وَضْعَ يُحْمَل عَلَيْهِ. فَلَوْ حَلَفَ عَلَى الْبَيْتِ بِالْفَارِسِيَّةِ، لَمْ يَحْنَثْ بِبَيْتِ الشَّعْرِ، وَلَوْ أَوْصَى لِأَقَارِبِهِ لَمْ يَدْخُلْ قَرَابَةُ الْأُمِّ فِي وَصِيَّةِ الْعَرَبِ وَيَدْخُلُ فِي وَصِيَّةِ الْعَجَمِ. وَلَوْ قَالَ: إنْ رَأَيْت الْهِلَالَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَرَآهُ غَيْرُهَا، قَالَ الْقَفَّالُ: إنْ عَلَّقَ بِالْعَجَمِيَّةِ حُمِلَ عَلَى الْمُعَايَنَة. سَوَاء فِيهِ الْبَصِيرُ وَالْأَعْمَى. قَالَ: وَالْعُرْفُ الشَّرْعِيُّ فِي حَمْلِ الرُّؤْيَةِ عَلَى الْعِلْمِ، لَمْ يَثْبُتْ إلَّا فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَمَنَعَ الْإِمَامُ الْفَرْقَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ. وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ زَيْدٍ، فَدَخَلَ مَا سَكَنَهُ بِإِجَارَةٍ لَمْ يَحْنَثْ. وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: إنْ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ بِالْفَارِسِيَّةِ، حُمِلَ عَلَى الْمَسْكَنِ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلَا يَكَادُ يَظْهَرُ فَرْقٌ بَيْن اللُّغَتَيْنِ. [فَصْلٌ: فِي تَعَارُضِ الْعُرْفِ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ] وَالضَّابِطُ: أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمَخْصُوصُ مَحْصُورًا لَمْ يُؤَثِّرْ، كَمَا لَوْ كَانَتْ عَادَةُ امْرَأَةٍ فِي الْحَيْضِ أَقَلِّ مِمَّا اسْتَقَرَّ مِنْ عَادَاتِ النِّسَاءِ رُدَّتْ إلَى الْغَالِبِ فِي الْأَصَحِّ. وَقِيلَ: تُعْتَبَر عَادَتُهَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَحْصُورٍ اُعْتُبِرَ كَمَا لَوْ جَرَتْ عَادَةُ قَوْمٍ بِحِفْظِ زَرْعِهِمْ لَيْلًا وَمَوَاشِيهِمْ نَهَارًا فَهَلْ يُنَزَّلُ ذَلِكَ مَنْزِلَةَ الْعُرْفِ الْعَامِّ فِي الْعَكْسِ؟ وَجْهَانِ الْأَصَحُّ: نَعَمْ.

стр. 94

[الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ: الْعَادَةُ الْمُطَّرِدَةُ فِي نَاحِيَةٍ هَلْ تنزل مَنْزِلَةَ الشَّرْطِ] الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ الْعَادَةُ الْمُطَّرِدَةُ فِي نَاحِيَةٍ، هَلْ تُنَزَّلُ عَادَتُهُمْ مَنْزِلَةَ الشَّرْطِ، فِيهِ صُوَرٌ. مِنْهَا: لَوْ جَرَتْ عَادَةُ قَوْمٍ بِقَطْعِ الْحِصْرِمِ قَبْلَ النُّضْجِ، فَهَلْ تُنَزَّلُ عَادَتُهُمْ مَنْزِلَةَ الشَّرْطِ حَتَّى يَصِحَّ بَيْعُهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ. وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: لَا وَقَالَ الْقَفَّالُ: نَعَمْ. وَمِنْهَا: لَوْ عَمَّ فِي النَّاسِ اعْتِيَادُ إبَاحَةِ مَنَافِعِ الرَّهْنِ لِلْمُرْتَهِنِ فَهَلْ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ شَرْطِهِ حَتَّى يَفْسُدَ الرَّهْنُ، قَالَ الْجُمْهُورُ: لَا، وَقَالَ الْقَفَّالُ: نَعَمْ. وَمِنْهَا: لَوْ جَرَتْ عَادَةُ الْمُقْتَرِضِ بِرَدِّ أَزْيَدَ مِمَّا اقْتَرَضَ، فَهَلْ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الشَّرْطِ، فَيَحْرُمُ إقْرَاضُهُ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: لَا. وَمِنْهَا: لَوْ اعْتَادَ بَيْعَ الْعِينَةِ بِأَنْ يَشْتَرِيَ مُؤَجَّلًا بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَهُ نَقْدًا، فَهَلْ يَحْرُمُ ذَلِكَ، وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: لَا. وَمِنْهَا: لَوْ بَارَزَ كَافِرٌ مُسْلِمًا وَشَرَطَ الْأَمَانَ، لَمْ يَجُزْ لِلْمُسْلِمِ إعَانَةُ الْمُسْلِمِ فَلَوْ لَمْ يَشْرُطْ وَلَكِنْ اطَّرَدَتْ الْعَادَةُ بِالْمُبَارَزَةِ بِالْأَمَانِ، فَهَلْ هُوَ كَالْمَشْرُوطِ، وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، فَهَذِهِ الصُّوَرُ مُسْتَثْنَاةٌ. وَمِنْهَا: لَوْ دَفَعَ ثَوْبًا - مَثَلًا - إلَى خَيَّاطٍ لِيَخِيطَهُ وَلَمْ يَذْكُر أُجْرَة وَجَرَتْ عَادَتُهُ بِالْعَمَلِ بِالْأُجْرَةِ فَهَلْ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ شَرْطِ الْأُجْرَةِ. خِلَافٌ، وَالْأَصَحُّ فِي الْمَذْهَبِ: لَا، وَاسْتَحْسَنَ الرَّافِعِيُّ مُقَابِلَهُ. [الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ: الْعُرْفُ الَّذِي تُحْمَلُ عَلَيْهِ الْأَلْفَاظُ] الْمَبْحَثُ الرَّابِع - بِعْ الْعُرْفُ الَّذِي تُحْمَلُ عَلَيْهِ الْأَلْفَاظُ، إنَّمَا هُوَ الْمُقَارَنُ السَّابِقُ دُونَ الْمُتَأَخِّرِ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: الْعَادَةُ الْغَالِبَةُ إنَّمَا تُؤَثِّرُ فِي الْمُعَامَلَاتِ، لِكَثْرَةِ وُقُوعِهَا وَرَغْبَةِ النَّاسِ فِيمَا يَرُوجُ فِي النَّفَقَة غَالِبًا وَلَا يُؤَثِّرُ فِي التَّعْلِيقِ وَالْإِقْرَارِ، بَلْ يَبْقَى اللَّفْظُ عَلَى عُمُومِهِ فِيهَا. أَمَّا فِي التَّعْلِيقِ فَلِقِلَّةِ وُقُوعِهِ. وَأَمَّا فِي الْإِقْرَارِ: فَلِأَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ وُجُوبٍ سَابِقٍ، وَرُبَّمَا يُقَدَّمُ الْوُجُوبُ عَلَى الْعُرْفِ الْغَالِبِ، فَلَوْ أَقَرَّ بِدَرَاهِمَ وَفَسَّرَهَا بِغَيْرِ سِكَّةٍ الْبَلَدِ، قُبِلَ. قَالَ الْإِمَامُ: وَكَذَا الدَّعْوَى بِالدَّرَاهِمِ لَا تَنْزِلُ عَلَى الْعَادَةِ كَمَا أَنَّ الْإِقْرَارَ بِهَا لَا يَنْزِلُ عَلَى الْعَادَةِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْوَصْفِ، وَكَذَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَفَرَّقُوا بِمَا سَبَقَ أَنَّ الدَّعْوَى وَالْإِقْرَارَ إخْبَارٌ عَمَّا تَقَدَّمَ، فَلَا يُفِيدُهُ الْعُرْفُ الْمُتَأَخِّرُ بِخِلَافِ الْعَقْدِ فَإِنَّهُ أَمْرٌ بَاشَرَهُ فِي الْحَالِ، فَقَيَّدَهُ الْعُرْفُ. وَلَوْ أَقَرَّ بِأَلْفٍ مُطْلَقَةً فِي بَلَدٍ دَرَاهِمُهُ نَاقِصَةٌ، لَزِمَهُ النَّاقِصَةُ فِي الْأَصَحِّ وَقِيلَ يَلْزَمهُ وَافِيَةً لِعُرْفِ الشَّرْعِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى بِأَلْفٍ فِي هَذِهِ الْبَلَدِ لَزِمَهُ النَّاقِصَةُ لِأَنَّ الْبَيْعَ مُعَامَلَةٌ وَالْغَالِبُ: أَنَّ الْمُعَامَلَةَ تَقَعُ بِمَا يَرُوج فِيهَا بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ.

стр. 95

وَمِنْ الْفُرُوعِ الْمُخَرَّجَةِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مَا سَبَقَ فِي مَسْأَلَةِ الْبَطَالَةِ، فَإِذَا اسْتَمَرَّ عُرْفٌ بِهَا فِي أَشْهُرٍ مَخْصُوصَةٍ حُمِلَ عَلَيْهِ مَا وُقِفَ بَعْد ذَلِكَ لَا مَا وُقِفَ قَبْلَ هَذِهِ الْعَادَةِ. وَمِنْهَا: كِسْوَةُ الْكَعْبَةِ. نَقَلَ الرَّافِعِيُّ عَنْ ابْنِ عَبْدَانَ أَنَّهُ مَنَعَ مِنْ بَيْعهَا وَشِرَائِهَا، وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: الْأَمْرُ فِيهَا إلَى رَأْي الْإِمَامِ ; وَاسْتَحْسَنَهُ النَّوَوِيُّ وَقَالَ الْعَلَائِيُّ وَغَيْرُهُ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْقِيَاسُ أَنَّ الْعَادَةَ اسْتَمَرَّتْ بِأَنَّهَا تُبَدَّلُ كُلَّ سَنَةٍ وَتُؤْخَذُ تِلْكَ الْعَتِيقَةُ فَيُتَصَرَّفُ فِيهَا بَيْعًا وَغَيْرَهُ، وَيُقِرُّهُمْ الْأَئِمَّةُ عَلَى ذَلِكَ فِي كُلِّ عَصْرٍ فَلَا تَرَدَّدَ فِي جَوَازِهِ. وَأَمَّا بَعْدَ مَا اُتُّفِقَ فِي هَذَا الْقَرْنِ: مِنْ وَقْفِ الْإِمَامِ ضَيْعَةً مُعَيَّنَةً عَلَى أَنْ يُصْرَفَ رِيعُهَا فِي كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ، فَلَا يُتَرَدَّدُ فِي جَوَازِ ذَلِكَ لِأَنَّ الْوَقْفَ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ هَذِهِ الْعَادَةِ وَالْعِلْمِ بِهَا فَيَنْزِلُ لَفْظُ الْوَاقِفِ عَلَيْهَا. وَمِنْهَا: الْأَوْقَافُ الْقَدِيمَةُ الْمَشْرُوطُ نَظَرُهَا لِلْحَاكِمِ، وَكَانَ الْحَاكِمُ إذْ ذَاكَ شَافِعِيًّا ثُمَّ إنَّ الْمَلِكَ الظَّاهِرَ أَحْدَثَ الْقُضَاةَ الْأَرْبَعَةَ، سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَسِتِّمِائَةٍ، فَمَا كَانَ مَوْقُوفًا قَبْلَ ذَلِكَ اخْتَصَّ نَظَرُهُ بِالشَّافِعِيِّ فَلَا يُشَارِكُهُ غَيْرُهُ، وَمَا أُطْلِقَ مِنْ النَّظَرِ بَعْد ذَلِكَ فَمَحْمُولٌ عَلَيْهِ أَيْضًا لِأَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ غَالِبًا لَا يَفْهَمُونَ مِنْ إطْلَاقِ الْحَاكِم غَيْرِ الشَّافِعِيِّ. قَالَ السُّبْكِيُّ فِي فَتَاوِيهِ: ذَكَرَ الشَّيْخُ بُرْهَانُ الدِّينِ بْنُ الْفِرْكَاحِ قَالَ: وَقَفْت عَلَى فُتْيَا صُورَتُهَا: أَنَّهُ جَعَلَ النَّظَرَ لِحَاكِمِ دِمَشْقَ وَكَانَ حِينَئِذٍ فِي دِمَشْقَ حَاكِمٌ وَاحِدٌ عَلَى مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ وَلَّى السُّلْطَانُ فِي دِمَشْقَ أَرْبَعَ قُضَاةٍ وَمَاتَ الْقَاضِي الَّذِي كَانَ مَوْجُودًا حِينَ الْوَقْفِ. وَبَعْد ذَلِكَ وُلِّيَ الْقُضَاةُ الْأَرْبَعَةُ وَأَحَدُهُمْ عَلَى مَذْهَبِ الَّذِي كَانَ حِينَ الْوَقْفِ أَوَّلًا. وَقَدْ كَتَبَ عَلَيْهَا جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ الْفَارِقِيِّ وَالصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ وَآخَرُونَ: أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِذَلِكَ الَّذِي هُوَ عَلَى مَذْهَبِ الْمَوْجُودِ حِينَ الْوَقْفِ. قَالَ السُّبْكِيُّ: وَمُسْتَنَدُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا حَصَلَتْ التَّوْلِيَةُ فِي زَمَنِ الْمَلِكِ الظَّاهِرِ حَصَلَتْ لِثَلَاثَةٍ مَعَ الْقَاضِي الَّذِي كَانَ حِين الْوَقْفِ، وَذَلِكَ الْقَاضِي لَمْ يَنْعَزِلْ عَنْ نَظَرِهِ، وَلَا جَعَلَ الثَّلَاثَةَ مُزَاحِمِينَ لَهُ فِي كُلِّ مَا يَسْتَحِقُّ، بَلْ أُفْرِدَ هُوَ بِالْأَوْقَافِ، وَالْأَيْتَامِ وَالنُّوَّابِ وَبَيْتِ الْمَالِ وَجُعِلَ الثَّلَاثَةُ مُشَارِكِينَ فِي الْبَاقِي، كَأَنَّهُمْ نُوَّابٌ لَهُ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ، وَفَصَّلَ الْحُكُومَاتِ عَلَى مَذْهَبِهِمْ، لَا فِي الْأَنْظَارِ، ثُمَّ لَمَّا مَاتَ ذَلِكَ الْقَاضِي تَوَلَّى وَاحِدٌ مَكَانَهُ عَلَى عَادَتِهِ فَيَنْتَقِلُ إلَيْهِ كُلُّ مَا كَانَ بِيَدِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَلَا يُشَارِكُهُ فِيهِ وَاحِدٌ مِنْ الثَّلَاثَةِ. قَالَ: وَأَيْضًا فَإِنَّ قَوْلَ الْوَاقِفِ: النَّظَرُ لِلْحَاكِمِ إنْ حُمِلَ عَلَى الْعُمُومِ اقْتَضَى دُخُولَ النُّوَّابِ وَالْعُرْفُ بِخِلَافِهِ، فَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى الْمَعْهُودِ، وَالْمَعْهُودُ هُوَ ذَلِكَ الشَّخْصُ وَالْحَمْلُ عَلَيْهِ بَعِيدٌ لِأَنَّهُ لَا يَدُومُ فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَل عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ كَانَ مَكَانه، فَكَأَنَّهُ هُوَ بِالنَّوْعِ، لَا بِالشَّخْصِ وَاَلَّذِي وُلِّيَ مَعَهُ لَيْسَ مَكَانَهُ وَلَا هُوَ مِنْ نَوْعِهِ، وَإِنَّمَا أُرِيد بِوِلَايَتِهِ إقَامَةُ مَنْ يَحْكُمُ بِذَلِكَ الْمَذْهَبِ الْمُتَجَدِّدِ، فِيمَا لَا يُمْكِنُ الْحَاكِمُ الْمُسْتَمِرُّ الْحُكْمَ بِهِ، لِكَوْنِهِ خِلَافَ مَذْهَبِهِ، فَلَا مَدْخَلَ لِلْأَنْظَارِ فِي ذَلِكَ.

стр. 96

قَالَ: فَإِنْ قُلْت: لَوْ قَالَ: لَا رَأَيْت مُنْكَرًا إلَّا رَفَعْتُهُ إلَى الْقَاضِي فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ الْقَاضِي، بَلْ قَاضِي تِلْكَ الْبَلَدِ مَنْ كَانَ حَالَةَ الْيَمِينِ أَوْ بَعْدَهَا. قُلْت: نَعَمْ. وَكَذَا أَقُولُ: لَا يَتَعَيَّنُ قَاضِي حَالَةَ الْوَقْفِ، بَلْ هُوَ أَوْ مَنْ تَوَلَّى مَكَانَهُ وَالثَّلَاثَةُ لَمْ يُوَلَّوْا مَكَانَهُ. قَالَ: فَإِنْ قُلْت: لَوْ كَانَ حَالَ الْيَمِينِ فِي الْبَلَدِ قَاضِيَانِ، بَرَّ بِالرَّفْعِ إلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا فَقِيَاسُهُ إذًا شَرْطُ النَّظَرِ لِلْقَاضِي، وَهُنَاكَ قَاضِيَانِ أَنْ يَشْتَرِكَا فِيهِ. قُلْت: الْمَقْصُودُ فِي الْيَمِينِ: الرَّفْعُ إلَى مَنْ يُغَيِّر الْمُنْكَرَ، وَكِلَاهُمَا يُغَيِّرُ الْمُنْكَرَ فَكُلُّ مِنْهُمَا يَحْصُلُ بِهِ الْغَرَضُ، وَالْمَقْصُودُ بِاشْتِرَاطِ النَّظَر فِعْل مَصْلَحَةِ الْوَقْفِ وَالِاشْتِرَاكِ يُؤَدِّي إلَى الْمَفْسَدَةِ بِاخْتِلَافِ الْآرَاءِ، فَوَجَبَ الصَّرْفُ إلَى وَاحِدٍ وَهُوَ الْكَبِيرُ. قَالَ: وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَافِ وَقْفُ بَلَدٍ عَلَى الْحَرَمِ وَشَرَطَ النَّظَرَ فِيهِ لِلْقَاضِي وَأَطْلَقَ فَفِيهِ احْتِمَالَاتٌ: - أَحَدُهَا: أَنَّهُ قَاضِي الْحَرَم. وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَاضِي الْبَلَدِ الْمَوْقُوفَةِ قَالَ: وَهَذَانِ الِاحْتِمَالَانِ يُشْبِهَانِ الْوَجْهَيْنِ فِي أَنَّهُ كَانَ الْيَتِيمُ فِي بَلَدٍ وَمَالُهُ فِي بَلَدٍ آخَرَ. وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ: أَنَّ النَّظَرَ لِقَاضِي بَلَدِ الْيَتِيمِ، وَعِنْدَ الْغَزَالِيِّ أَنَّهُ لِقَاضِي بَلَدِ الْمَالِ فَعَلَى مَا قَالَ الرَّافِعِيُّ: يَكُونُ لِقَاضِي الْحَرَمِ. وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ لِقَاضِي بَلَدِ السُّلْطَانِ، كَمَا فِي الْيَمِينِ. فَعَلَى هَذَا: هَلْ يَكُونُ قَاضِي بَلَدِ السُّلْطَانِ الْأَصْلِيَّةِ الَّتِي هِيَ مِصْرُ، أَوْ قَاضِي الْبَلَدِ الَّتِي كَانَ السُّلْطَانُ بِهَا حِين الْوَقْفِ. قَالَ: وَاَلَّذِي يَتَرَجَّحُ أَنْ يَكُونَ النَّظَرُ لِقَاضِي الْبَلَدِ الْمَوْقُوفَةِ ; لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِمَصَالِحِهَا، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاقِفَ قَصَدَهُ وَبِهِ تَحْصُلُ الْمَصْلَحَةُ، لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ السُّلْطَانُ حِينَ الْوَقْفِ فِيهَا. قُلْت: الظَّاهِرُ احْتِمَالٌ رَابِعٌ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لِقَاضِي الْبَلَدِ الَّتِي جَرَى الْوَقْفُ بِهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُرَادُ السُّبْكِيّ بِبَلَدِ السُّلْطَانِ بِقَرِينَةِ تَشْبِيهِهِ بِمَسْأَلَةِ الْيَتِيمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْمَبْحَثُ الْخَامِسُ: كُلُّ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ مُطْلَقًا بِلَا ضَابِطٍ لَهُ مِنْهُ وَلَا مِنْ اللُّغَةِ يُرْجَعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ] الْمَبْحَثُ الْخَامِسُ قَالَ الْفُقَهَاءُ: كُلُّ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ مُطْلَقًا، وَلَا ضَابِطَ لَهُ فِيهِ، وَلَا فِي اللُّغَةِ، يُرْجَعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ. وَمَثَّلُوهُ بِالْحِرْزِ فِي السَّرِقَةِ، وَالتَّفَرُّقِ فِي الْبَيْعِ، وَالْقَبْضِ وَوَقْتِ الْحَيْضِ وَقَدْرِهِ وَالْإِحْيَاءِ وَالِاسْتِيلَاءِ فِي الْغَصْبِ، وَالِاكْتِفَاءِ فِي نِيَّةِ الصَّلَاةِ بِالْمُقَارَنَةِ الْعُرْفِيَّةِ، بِحَيْثُ يُعَدُّ مُسْتَحْضِرًا لِلصَّلَاةِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ. وَقَالُوا فِي الْأَيْمَانِ: أَنَّهَا تُبْنَى أَوَّلًا عَلَى اللُّغَةِ، ثُمَّ عَلَى الْعُرْفِ.

стр. 97

وَخَرَجُوا عَنْ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ لَمْ يَعْتَبِرُوا فِيهَا الْعُرْفَ، مَعَ أَنَّهَا لَا ضَابِطَ لَهَا فِي الشَّرْعِ وَلَا فِي اللُّغَةِ. مِنْهَا: الْمُعَاطَاةُ عَلَى أَصْلِ الْمَذْهَبِ، لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ بِهَا، وَلَوْ اُعْتِيدَتْ لَا جَرَمَ أَنَّ النَّوَوِيَّ قَالَ: الْمُخْتَارُ الرَّاجِحُ دَلِيلًا الصِّحَّةِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحّ فِي الشَّرْعِ اعْتِبَارَ لَفْظٍ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى الْعُرْفِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَلْفَاظِ. وَمِنْهَا: مَسْأَلَةُ اسْتِصْنَاعِ الصُّنَّاعِ الْجَارِيَةِ عَادَتُهُمْ بِالْعَمَلِ بِالْأُجْرَةِ لَا يَسْتَحِقُّونَ شَيْئًا، إذَا لَمْ يَشْرُطُوهُ فِي الْأَصَحِّ. وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: أَنْ يَدْفَع ثَوْبًا إلَى خَيَّاطٍ لِيَخِيطَهُ أَوْ قَصَّارٍ لِيُقَصِّرَهُ أَوْ جَلَسَ بَيْن يَدَيَّ حَلَّاقٍ فَحَلَقَ رَأْسَهُ، أَوْ دَلَّاكٍ فَدَلَكَهُ، أَوْ دَخَلَ سَفِينَةً بِإِذْنٍ وَسَارَ إلَى السَّاحِلِ. وَأَمَّا دُخُولُ الْحَمَّامِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْأُجْرَةَ، وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْرٌ قَطْعًا لِأَنَّ الدَّاخِلَ مُسْتَوْفٍ مَنْفَعَةِ الْحَمَّام بِسُكُوتِهِ، وَهُنَا صَاحِبُ الْمَنْفَعَةِ صَرَفَهَا. وَمِنْهَا: لَمْ يَرْجِعُوا فِي ضَبْطِ مُوَالَاةِ الْوُضُوءِ وَخِفَّةِ الشَّعْرِ وَكَثَافَتِهِ، لِلْعُرْفِ فِي الْأَصَحِّ وَلَا فِي ضَابِطِ التَّحْذِيرِ. فَرْعٌ: سُئِلَ الْغَزَالِيُّ عَنْ الْيَهُودِيِّ إذَا أَجَّرَ نَفْسَهُ مُدَّةً مَعْلُومَةً مَا حُكْمُ السُّبُوتِ الَّتِي تَتَخَلَّلهَا إذَا لَمْ يَسْتَثْنِهَا فَإِنْ اسْتَثْنَاهَا فَهَلْ تَصِحُّ الْإِجَارَةُ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَأْخِيرِ التَّسْلِيمِ عَنْ الْعَقْدِ، فَأَجَابَ: إذَا اطَّرَدَ عُرْفُهُمْ بِذَلِكَ كَانَ إطْلَاقُ الْعَقْدِ كَالتَّصْرِيحِ بِالِاسْتِثْنَاءِ، كَاسْتِثْنَاءِ اللَّيْلِ فِي عَمَلٍ لَا يُتَوَلَّى إلَّا بِالنَّهَارِ. وَحُكْمُهُ: أَنَّهُ لَوْ أَنْشَأَ الْإِجَارَةَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ مُصَرِّحًا بِالْإِضَافَةِ إلَى أَوَّلِ الْغَدِ، لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ أَطْلَقَ صَحَّ وَإِنْ كَانَ الْحَالُ يَقْتَضِي تَأْخِيرَ الْعَمَل كَمَا لَوْ أَجَّرَ أَرْضًا لِلزِّرَاعَةِ وَفِي وَقْتٍ لَا يُتَصَوَّرُ الْمُبَادَرَةُ إلَى زَرْعهَا أَوْ أَجَّرَ دَارًا مَشْحُونَةً بِالْأَمْتِعَةِ، لَا تُفَرَّغُ إلَّا فِي يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، انْتَهَى. وَقَدْ نَقَلَهُ عَنْهُ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ وَلَمْ يَنْقُلَاهُ عَنْ غَيْرِهِ. قَالَ السُّبْكِيُّ: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ مُسْلِمٌ بَلْ يُنْظَرُ فِيهِ. قَالَ: وَقَدْ سُئِلَ عَنْهُ قَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو بَكْرٍ الشَّامِيِّ فَقَالَ: يُجْبَرُ عَلَى الْعَمَلِ فِيهَا لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِشَرْعِنَا فِي ذَلِكَ، فَذُكِرَ لَهُ كَلَامُ الْغَزَالِيِّ فَقَالَ: لَيْسَ بِصَحِيحٍ، ثُمَّ قَالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ وَيُسْتَثْنَى بِالْعُرْفِ. قَالَ السُّبْكِيُّ: وَكَلَامُ الْغَزَالِيِّ مَتِينٌ وَقَوِيمٌ وَفِيهِ فَوَائِدَ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ قَوْل أَبِي بَكْرٍ الشَّامِيُّ لِأَنَّ الْعُرْفَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَامًّا، لَكِنَّهُ مَوْجُودٌ فِيهِ فَيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْعُرْفِ فِي أَوْقَاتِ الرَّاحَةِ، وَنَحْوِهَا.

стр. 98

قَالَ: وَقَوْلُهُ إذَا اطَّرَدَ عُرْفُهُمْ بِذَلِكَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَل عَلَى عُرْفِ الْمُسْتَأْجِر وَالْمُؤَجِّر جَمِيعًا، سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ مُسْلِمًا أَمْ لَا، فَلَوْ كَانَ عُرْفُ الْيَهُودِ مُطَّرِدًا بِذَلِكَ وَلَكِنَّ الْمُسْتَأْجِرَ الْمُسْلِمَ لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ إطْلَاقُ الْعَقْدِ فِي حَقّه مُنَزَّلًا مَنْزِلَة الِاسْتِثْنَاءِ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلِمِ فِي ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْبَلْدَةِ، وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْ حَالِهِ مَا يَقْتَضِي مَعْرِفَتَهُ بِذَلِكَ الْعُرْفِ. وَحِينَئِذٍ هَلْ يَقُولُ الْعَقْدُ بَاطِلٌ، أَوْ يَصِحُّ وَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ أَوْ يُلْزِمُ الْيَهُودِيَّ بِالْعَمَلِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّالِثُ ; لِأَنَّ الْيَهُودِيَّ مُفَرِّطٌ بِالْإِطْلَاقِ مَعَ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعُرْفِ قَالَ: وَإِذَا اقْتَضَى الْحَالُ اسْتِثْنَاءَهَا، وَأَسْلَمَ الذِّمِّيُّ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ، وَأَتَى عَلَيْهِ بَعْدَ إسْلَامِهِ يَوْمَ سَبْتٍ، وَجَبَ الْعَمَلُ فِيهِ لِأَنَّا نَقُولُ عِنْدَ الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ عَقْدِ الْإِجَارَةِ ; فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَجَرَى فِي الْإِجَارَة خِلَافٌ، كَإِجَارَةِ الْعَقِبِ وَلَجَازَ لَهُ أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ يَوْم السَّبْتِ لِآخَرَ، وَتَجْوِيزُ ذَلِكَ بَعِيدٌ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ عَقْدَ الْإِجَارَةِ عَلَى الْعَيْنِ لِشَخْصَيْنِ عَلَى الْكَمَالِ فِي مُدَّةٍ وَاحِدَةٍ. وَكَلَامُ الْفُقَهَاءِ يَأْبَاهُ، وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ إذَا وَرَدَ عَقْدٌ عَلَى عَيْنٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْقِدَ عَلَيْهَا مِثْلَهُ. وَهَكَذَا نَقُولُ فِي اسْتِثْنَاءِ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَنَحْوِهَا لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ تِلْكَ الْأَوْقَاتِ مُتَخَلَّلَةٌ بَيْن أَزْمَانِ الْإِجَارَةِ، كَإِجَارَةِ الْعَقِبِ، بَلْ يَقُولُ فِي كُلِّ ذَلِكَ إنَّ مَنْفَعَةَ ذَلِكَ الشَّخْصِ فِي جَمِيعِ تِلْكَ الْمُدَّةِ مُسْتَحَقَّةٌ لِلْمُسْتَأْجِرِ، مَمْلُوكَةٌ بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ وَمَعَ هَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَوْفِيرُهُ مِنْ الْعَمَلِ فِي تِلْكَ الْأَوْقَاتِ، كَمَا أَنَّ السَّيِّدَ يَسْتَحِقُّ مَنْفَعَةُ عَبْدِهِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ وَمَعَ ذَلِكَ يَجِبُ تَوْفِيرُهُ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَالرَّاحَةِ بِاللَّيْلِ وَنَحْوِهَا. فَهَذَا هُوَ مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ، وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ، لَا مِنْ الِاسْتِحْقَاقِ. وَإِنْ شِئْت قُلْت: مِنْ اسْتِيفَاءِ الْمَمْلُوكِ، لَا مِنْ الْمِلْكِ ; وَإِنْ شِئْت قُلْت: الْعَقْدُ مُقْتَضٍ لِاسْتِحْقَاقِهَا، وَلَكِنْ مَنَعَ مَانِعٌ فَاسْتَثْنَاهَا. وَحِينَئِذٍ فَالسُّبُوتُ دَاخِلَةٌ فِي الْإِجَارَةِ وَمَلَكَ الْمُسْتَأْجِرِ مَنْفَعَتُهُ فِيهَا وَإِنَّمَا امْتَنَعَ عَلَيْهِ الِاسْتِيفَاءُ لِأَمْرٍ عُرْفِيّ مَشْرُوطٍ بِبَقَاءِ الْيَهُودِيَّةِ، فَإِذَا أَسْلَمَ لَمْ يَبْقَ مَانِعٌ وَالِاسْتِحْقَاقُ ثَابِتٌ لِعُمُومِ الْعَقْدِ فَيَسْتَوْفِيهِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ بَعْدَ مَا أَسْلَمَ أَنْ يُؤَدِّيَ الصَّلَوَاتِ فِي أَوْقَاتِهَا وَيَزُولُ اسْتِحْقَاقُ الْمُسْتَأْجِرِ لِاسْتِيفَائِهَا بِالْإِسْلَامِ وَإِنْ كَانَتْ مَمْلُوكَةٌ لَهُ بِالْعَقْدِ، كَمَا لَمْ يَسْتَحِقُّ اسْتِيفَاءَهَا فِي اسْتِئْجَار الْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانَتْ مَمْلُوكَةٌ لَهُ، بِالْعَقْدِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ اسْتِحْقَاقُ صَرْفِهَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ إلَى الْعَمَلِ ; لِعَدَمِ الْمَانِع مِنْ اسْتِيفَائِهَا مَعَ اسْتِحْقَاقهَا. وَنَظِيرُهُ: لَوْ اسْتَأْجَرَ امْرَأَةً لِعَمَلٍ مُدَّة فَحَاضَتْ فِي بَعْضِهَا، فَأَوْقَاتُ الصَّلَاةِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ غَيْرُ مُسْتَثْنَاةٍ وَفِي غَيْرِهِ مُسْتَثْنَاةٌ وَلَا يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ إلَى حَالِ الْعَقْدِ بَلْ حَالِ الِاسْتِيفَاءِ وَهَكَذَا اكْتِرَاءُ الْإِبِلِ إلَى الْحَجّ وَسَيْرِهَا مَحْمُولٌ عَلَى الْعَادَةِ وَالْمَنَازِلِ الْمُعْتَادَة فَلَوْ اُتُّفِقَ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ تَغْيِيرُ الْعَادَةِ وَسَارَ النَّاسُ عَلَى خِلَافِ مَا كَانُوا يَسِيرُونَ فِيمَا لَا يَضُرُّ بِالْأَجِيرِ

стр. 99

وَالْمُسْتَأْجِرُ، وَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى مَا صَارَ عَادَةً لِلنَّاسِ، وَلَا نَقُولُ بِانْفِسَاخِ الْعَقْدِ وَاعْتِبَارِ الْعَادَةِ الْأُولَى. هَذَا مُقْتَضَى الْفِقْهِ، وَإِنْ لَمْ أَجِدْهُ مَنْقُولًا. قَالَ: وَلَوْ اسْتَعْمَلَ الْمُسْتَأْجِرُ الْيَهُودِيُّ يَوْمَ السَّبْتِ ظَالِمًا أَوْ أَلْزَمَ الْمُسْلِمَ الْعَمَلَ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا، لَمْ يَلْزَمْهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ. وَقَدْ قَالَ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ: إنَّهُ لَوْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا فَاسْتَعْمَلَهُ فِي أَوْقَاتِ الرَّاحَةِ، لَمْ يَجِب عَلَيْهِ أُجْرَةٌ زَائِدَةٌ لِأَنَّ جُمْلَةَ الزَّمَانِ مُسْتَحَقَّةٌ وَتَرْكُ الرَّاحَةِ لِيَتَوَفَّرَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ، فَإِنْ دَخَلَهُ نَقْصٌ وَجَبَ عَلَيْهِ أَرْشُ نَقْصِهِ، كَمَا لَوْ اسْتَعْمَلَهُ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ زِيَادَةُ أُجْرَةٍ وَعَلَيْهِ تَرْكُهُ لِقَضَاءِ الصَّلَاةِ، هَذِهِ عِبَارَتُهُ انْتَهَى. وَنَظِيرُ مَسْأَلَةِ إسْلَامِ الذِّمِّيِّ مَا لَوْ أَجَّرَ دَارًا، ثُمَّ بَاعَهَا لِغَيْرِ الْمُسْتَأْجِرِ، ثُمَّ تَقَابَلَ الْبَائِعُ وَالْمُسْتَأْجِرُ الْإِجَارَةَ، وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي أَنَّ الْمَنَافِعَ تَعُودُ إلَى الْبَائِعِ سَوَاءٌ قُلْنَا إنَّ الْإِقَالَةَ بَيْعٌ أَوْ عَلَى فَسْخ الصَّحِيحِ لِأَنَّهَا تَرْفَعُ الْعَقْد مِنْ حِينهَا قَطْعًا، فَلَمْ يُوجَدْ عِنْد الرَّدِّ مَا يُوجِبُ الْحَقَّ لِلْمُشْتَرِي، وَحَكَى فِيمَا لَوْ فُسِخَتْ الْإِجَارَةُ بِعَيْبٍ أَوْ طُرُوءِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ وَجْهَيْنِ، مَبْنِيَّيْنِ عَلَى أَنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ يَرْفَع الْعَقْدَ مِنْ أَصْلِهِ أَوْ حِينِهِ إنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ فَلِلْمُشْتَرِي ; وَكَأَنَّ الْإِجَارَةَ لَمْ تَكُنْ، أَوْ بِالثَّانِي فَلِلْبَائِعِ لِمَا تَقَدَّمَ. [الْكِتَابُ الثَّانِي: فِي قَوَاعِدَ كُلِّيَّة يَتَخَرَّجُ عَلَيْهَا مَا لَا يَنْحَصِرُ مِنْ الصُّوَرِ الْجُزْئِيَّةِ] [الْقَاعِدَةُ الْأُولَى: الِاجْتِهَادُ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ] الْكِتَابُ الثَّانِي فِي قَوَاعِدَ كُلِّيَّة يَتَخَرَّجُ عَلَيْهَا مَا لَا يَنْحَصِرُ مِنْ الصُّوَرِ الْجُزْئِيَّةِ الْقَاعِدَةُ الْأُولَى الِاجْتِهَادُ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ الْأَصْلُ فِي ذَلِكَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ﵃ نَقَلَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَكَمَ فِي مَسَائِلَ خَالَفَهُ عُمَرُ فِيهَا وَلَمْ يَنْقُضْ حُكْمَهُ، وَحَكَمَ عُمَرُ فِي الْمُشَرَّكَةِ بِعَدَمِ الْمُشَارَكَةِ ثُمَّ بِالْمُشَارَكَةِ وَقَالَ ذَلِكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا وَهَذَا عَلَى مَا قَضَيْنَا، وَقَضَى فِي الْجِدِّ قَضَايَا مُخْتَلِفَة. وَعِلَّتُهُ أَنَّهُ لَيْسَ الِاجْتِهَادُ الثَّانِي بِأَقْوَى مِنْ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَقِرُّ حُكْمٌ وَفِي ذَلِكَ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ فَإِنَّهُ إذَا نُقِضَ هَذَا الْحُكْمُ نُقِضَ ذَلِكَ النَّقْضُ وَهَلُمَّ جَرَّا. وَمِنْ فُرُوعِ ذَلِكَ: لَوْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فِي الْقِبْلَةِ عُمِلَ بِالثَّانِي وَلَا قَضَاءَ حَتَّى لَوْ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ لِأَرْبَعِ جِهَاتٍ بِالِاجْتِهَادِ فَلَا قَضَاءَ.

стр. 100

وَمِنْهَا لَوْ اجْتَهَدَ فَظَنَّ طَهَارَةَ أَحَدِ الْإِنَاءَيْنِ فَاسْتَعْمَلَهُ وَتَرَكَ الْآخَرَ، ثُمَّ تَغَيَّرَ ظَنُّهُ لَا يَعْمَلُ بِالثَّانِي، بَلْ يَتَيَمَّمْ. وَمِنْهَا لَوْ شَهِدَ الْفَاسِقُ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ فَتَابَ وَأَعَادَهَا لَمْ تُقْبَلْ ; لِأَنَّ قَبُولَ شَهَادَتِهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ يَتَضَمَّنُ نَقْضَ الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ، كَذَا عَلَّلَهُ فِي التَّتِمَّةِ. وَمِنْهَا لَوْ أَلْحَقَهُ الْقَائِفُ بِأَحَدِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ ثُمَّ رَجَعَ وَأَلْحَقهُ بِالْآخَرِ لَمْ يُقْبَلْ. وَمِنْهَا لَوْ أَلْحَقَهُ قَائِفٌ بِأَحَدِهِمَا، فَجَاءَ قَائِفٌ آخَرُ فَأَلْحَقَهُ بِالْآخَرِ لَمْ يُلْحَقْ بِهِ ; لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ. وَمِنْهَا لَوْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِشَيْءٍ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ لَمْ يُنْقَضْ الْأَوَّلُ وَإِنْ كَانَ الثَّانِي أَقْوَى، غَيْرَ أَنَّهُ فِي وَاقِعَةٍ جَدِيدَةٍ لَا يَحْكُم إلَّا بِالثَّانِي بِخِلَافِ مَا لَوْ تَيَقَّنَ الْخَطَأ. وَمِنْهَا حُكْمُ الْحَاكِم فِي الْمَسَائِل الْمُجْتَهَدِ فِيهَا لَا يُنْقَضُ. وَلِذَلِكَ أَمْثِلَةٌ مِنْهَا: الْحُكْمُ بِحُصُولِ الْفُرْقَةِ فِي اللِّعَانِ بِأَكْثَرِ الْكَلِمَاتِ الْخَمْسِ وَبِبُطْلَانِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَالْعَرَايَا وَمَنْعِ الْقِصَاصِ فِي الْمُثَقَّلِ، وَصِحَّةِ النِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ أَوْ بِشَهَادَةِ فَاسِقَيْنِ، وَبَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ وَثُبُوتِ الرَّضَاعِ بَعْدَ حَوْلَيْنِ، وَصِحَّة نِكَاحِ الشِّغَارِ وَالْمُتْعَةِ، وَأَنَّهُ لَا قِصَاصَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي الْأَطْرَافِ وَرَدِّ الزَّوَائِدِ مَعَ الْأَصْلِ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَجَرَيَانِ التَّوَارُثِ بَيْن الْمُسْلِم وَالْكَافِر وَقَتْلِ الْوَالِد بِالْوَلَدِ وَالْحُرّ بِالْعَبْدِ وَالْمُسْلِم بِالذِّمِّيِّ، عَلَى مَا صَحَّحَهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ فِي الْجَمِيعِ وَإِنْ كَانَ الصَّوَابُ فِي الْأَخِيرِ النَّقْضَ بِمُخَالَفَتِهِ النَّصَّ الصَّحِيحَ الصَّرِيحَ. وَمِنْهَا لَوْ خَالَعَ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا الرَّابِعَةَ بِلَا مُحَلِّلٍ، لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الْخُلْعَ فَسْخٌ، ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ وَهُوَ بَاقٍ مَعَهَا بِذَلِكَ النِّكَاحِ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: إنْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِصِحَّتِهِ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ مُفَارَقَتُهَا، وَإِنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ لِمَا يَلْزَم فِي فِرَاقهَا مِنْ تَغَيُّر حُكِمَ الْحَاكِمِ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ. قَالَ: وَإِنْ لَمْ يَحْكُم حَاكِمٌ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ، وَالْمُخْتَارُ وُجُوبُ الْمُفَارَقَة لِمَا يَلْزَمْ فِي إمْسَاكِهَا مِنْ الْوَطْءِ الْحَرَامِ عَلَى مُعْتَقَدِهِ. الثَّانِي قَالُوا: وَمَا ذَكَرَهُ فِي حُكْمِ الْحَاكِم مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُ يَنْفُذُ بَاطِنًا وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ فِرَاقِهِ إيَّاهَا نَقْضُ حُكْمِ الْحَاكِمِ لِأَنَّ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى أَخْذِهِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ وَامْتِنَاعِ نَقْضِ الْحُكْمِ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ لِمَا تَقَدَّمَ، لَيَظْهَرَ أَثَرُهُ فِي الْمُتَنَازِعِينَ. وَعَلَى ذَلِكَ أَيْضًا نَبْنِي مَا حَكَاهُ ابْنُ أَبِي الدَّمِ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّ الْحَنَفِيَّ إذَا خَلَّلَ خَمْرًا فَأَتْلَفَهَا عَلَيْهِ شَافِعِيٌّ لَا يَعْتَقِدُ طَهَارَتهَا بِالتَّخْلِيلِ فَتَرَافَعَا إلَى حَنَفِيٌّ وَثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِطَرِيقِهِ فَقَضَى عَلَى الشَّافِعِيِّ بِضَمَانِهَا لَزِمَهُ ذَلِكَ قَوْلًا وَاحِدًا حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ وَطَالَبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَدَاءِ ضَمَانِهَا، لَمْ يَجُزْ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لِأَنَّهُ عَلَى خِلَافِ مَا حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ وَالِاعْتِبَار فِي الْحُكْمِ بِاعْتِقَادِ الْقَاضِي دُونَ اعْتِقَادِهِ وَكَأَنَّ هَذَا مُفَرَّعٌ عَلَى نُفُوذِ الْحُكْمِ بَاطِنًا وَإِلَّا فَيُسَوَّغُ لَهُ الْحَلِفُ وَيُؤَيِّدُهُ الْخِلَافُ فِيمَا إذَا حَكَمَ الْحَنَفِيُّ لِلشَّافِعِيِّ بِشُفْعَةِ الْجِوَارِ هَلْ تَحِلُّ لَهُ.

стр. 101

[تَنْبِيهَاتٌ عَلَى قَاعِدَةُ الِاجْتِهَادُ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ] تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ: وَقَعَ فِي فَتَاوَى السُّبْكِيّ أَنَّ [امْرَأَةً وَقَفَتْ دَارًا ذَكَرَتْ أَنَّهَا بِيَدِهَا وَمِلْكِهَا وَتَصَرُّفِهَا عَلَى ذُرِّيَّتِهَا] وَشَرَطَتْ النَّظَرَ لِنَفْسِهَا ثُمَّ لِوَلَدِهَا وَأَشْهَدَ حَاكِمٌ شَافِعِيٌّ عَلَى نَفْسِهِ بِالْحُكْمِ بِمُوجِبِ الْإِقْرَارِ الْمَذْكُورِ وَبِثُبُوتِ ذَلِكَ عِنْدَهُ وَبِالْحُكْمِ بِهِ وَبَعْدَهُ شَافِعِيٌّ آخَرُ فَأَرَادَ حَاكِمٌ مَالِكِيٌّ إبْطَالَ هَذَا الْوَقْفِ بِمُقْتَضَى شَرْطِهَا النَّظَرَ لِنَفْسِهَا وَاسْتِمْرَارِ يَدهَا عَلَيْهَا وَبِمُقْتَضَى كَوْن الْحَاكِم لَمْ يَحْكُمْ بِصِحَّتِهِ وَأَنَّ حُكْمَهُ بِالْمُوجِبِ لَا يَمْنَعُ النَّقْضَ وَأَفْتَاهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِذَلِكَ تَعَلُّقًا بِمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْهَرَوِيِّ فِي قَوْلِ الْحَاكِمِ صَحَّ وُرُودُ هَذَا الْكِتَابِ عَلَيَّ فَقَبِلْته قَبُولَ مِثْلِهِ وَأُلْزِمْت الْعَمَلَ بِمُوجِبِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمِ وَتَصْوِيبِ الرَّافِعِيِّ ذَلِكَ. قَالَ السُّبْكِيُّ: وَالصَّوَابُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَقْضُهُ سَوَاءٌ اقْتَصَرَ عَلَى الْحُكْم بِالْمُوجِبِ أَمْ لَا لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ حَكَمَ فِيهِ حَاكِمٌ حُكْمًا صَحِيحًا لَا يَنْقُضُ حُكْمُهُ وَأَمَّا مَنْ خَصَّ ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ فَلَا. وَلَيْسَ هَذَا اللَّفْظُ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْعِلْمِ فَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ امْتِنَاعِ النَّقْضِ أَنْ يَأْتِيَ الْحَاكِمُ. بِلَفْظِ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ. قَالَ وَلِأَنَّ الْحُكْمَ بِمُوجِبِ الْإِقْرَار مُسْتَلْزِمٌ لِلْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ وَصِحَّةِ الْمُقِرّ بِهِ فِي حَقّ الْمُقِرّ، فَإِذَا حَكَمَ الْمَالِكِيُّ بِبُطْلَانِ الْوَقْفِ اُسْتُلْزِمَ الْحُكْمُ بِبُطْلَانِ الْإِقْرَارِ وَبِبُطْلَانِ الْمُقِرّ بِهِ فِي حَقِّ الْمُقِرّ. قَالَ وَلِأَنَّ الِاخْتِلَافَ بَيْن الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْمُوجِب إنَّمَا يَظْهَرُ فِيمَا يَكُونُ الْحُكْمُ فِيهِ بِالصِّحَّةِ مُطْلَقًا عَلَى كُلّ أَحَد. أَمَّا الْإِقْرَار فَالْحُكْم بِصِحَّتِهِ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْمُقِرّ وَالْحُكْمُ بِمُوجِبِهِ كَذَلِكَ. قَالَ: وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْهَرَوِيِّ فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ " بِمُوجَبِهِ " عَائِدٌ عَلَى الْكِتَابِ وَمُوجِبُ الْكِتَابِ صُدُورَ مَا تَضُمّهُ مِنْ إقْرَارِ أَوْ تَصَرُّفٍ أَوْ غَيْر ذَلِكَ. وَقَبُولُهُ، وَإِلْزَامُ الْعَمَل بِهِ هُوَ أَنَّهُ لَيْسَ بِزُورٍ، وَأَنَّهُ مُثْبَتُ الْحُجَّةِ غَيْرَ مَرْدُودٍ، ثُمَّ يَتَوَقَّفُ الْحُكْمُ بِهَا عَلَى أُمُورٍ أُخَرَ. مِنْهَا عَدَمُ مُعَارَضَةِ بَيِّنَةٍ أُخْرَى كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْهَرَوِيِّ فِي بَقِيَّةِ كَلَامِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَلِذَلِكَ قَالَ الرَّافِعِيُّ الصَّوَابُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ وَنَحْنُ نُوَافِقهُ عَلَى ذَلِكَ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ. أَمَّا مَسْأَلَتنَا هَذِهِ فَالْحُكْمُ بِمُوجِبِ الْإِقْرَارِ الَّذِي هُوَ مَضْمُونُ الْكِتَابِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ الرَّافِعِيُّ وَلَا الْهَرَوِيُّ فِيهِ بِشَيْءٍ فَزَالَ التَّعَلُّقُ بِكَلَامِهِمَا، انْتَهَى. الثَّانِي: مَعْنَى قَوْلِهِمْ " الِاجْتِهَادُ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ " أَيْ فِي الْمَاضِي وَلَكِنْ بِغَيْرِ الْحُكْم فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِانْتِفَاءِ التَّرْجِيحِ الْآن وَلِهَذَا يُعْمَلُ بِالِاجْتِهَادِ الثَّانِي فِي الْقِبْلَةِ وَلَا يَنْقُضُ مَا مَضَى.

стр. 102

وَفِي الْمَطْلَبِ مَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ فِي الْخُنْثَى إذَا تَعَارَضَ الْبَوْلُ مَعَ الْحَيْضِ فَلَا دَلَالَةَ تَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ بَالَ مِنْ فَرْجِ الرَّجُل وَحَكَمْنَا بِذُكُورَتِهِ ثُمَّ حَاضَ فِي أَوَانِهِ حَكَمْنَا بِإِشْكَالِهِ إذْ الْبَوْلُ يَتَقَدَّمُ إمْكَانَ الْحَيْضِ. قَالَ وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ مُشْكِلٌ لِأَنَّهُ نَقْض لِلِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ. قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ النَّقْضَ الْمُمْتَنِعَ إنَّمَا هُوَ فِي الْأَحْكَامِ الْمَاضِيَةِ وَنَحْنُ لَا نَتَعَرَّضُ لَهَا وَإِنَّمَا غَيَّرْنَا الْحُكْمَ لِانْتِفَاءِ الْمُرَجَّحِ الْآن وَصَارَ كَالْمُجْتَهِدِ فِي الْقِبْلَةِ وَغَيْرِهَا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ دَلِيلٌ فَأَخَذَ بِهِ ثُمَّ عَارَضَهُ دَلِيلٌ آخَرُ فَإِنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَنْ الْأَخْذِ بِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَلَا يَنْقُضُ مَا مَضَى. [مَا اُسْتُثْنِيَ مِنْ قَاعِدَةِ الِاجْتِهَادُ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ] الثَّالِث اُسْتُثْنِيَ مِنْ الْقَاعِدَةِ صُوَرٌ: الْأُولَى: لِلْإِمَامِ الْحِمَى وَلَوْ أَرَادَ مَنْ بَعْدَهُ نَقْضَهُ فَلَهُ ذَلِكَ فِي الْأَصَحّ لِأَنَّهُ لِلْمَصْلَحَةِ وَقَدْ تَتَغَيَّرُ وَمَنَعَ الْإِمَامُ الِاسْتِثْنَاءَ وَقَالَ لَيْسَ مَأْخَذُ التَّجْوِيزِ هَذَا وَلَكِنَّ حِمَى الْأَوَّلِ كَانَ لِلْمَصْلَحَةِ وَهِيَ الْمُتَّبَعُ فِي كُلّ عَصْرٍ. الثَّانِيَةُ: لَوْ قَسَمَ فِي قِسْمَةِ إجْبَارٍ ثُمَّ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِغَلَطِ الْقَاسِمِ أَوْ حَيْفِهِ نَقَضَتْ مَعَ أَنَّ الْقَاسِمَ قَسَمَ بِاجْتِهَادِهِ فَنَقَضَ الْقِسْمَةَ بِقَوْلِ مِثْلِهِ وَالْمَشْهُود بِهِ مُجْتَهَدٌ فِيهِ مُشْكِلٌ وَقَدْ اسْتَشْكَلَهُ صَاحِبُ الْمَطْلَبِ لِذَلِكَ. الثَّالِثَةُ: إذَا قَوَّمَ الْمُقَوِّمُونَ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى صِفَةِ زِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ بَطَل تَقْوِيمُ الْأَوَّل لَكِنَّ هَذَا يُشْبِهُ نَقْضَ الِاجْتِهَادِ بِالنَّصِّ لَا بِالِاجْتِهَادِ. الرَّابِعَةُ لَوْ أَقَامَ الْخَارِجُ بَيِّنَةً وَحُكِمَ لَهُ بِهَا وَصَارَتْ الدَّارُ فِي يَدِهِ ثُمَّ أَقَامَ الدَّاخِلُ بَيِّنَةً حُكِمَ لَهُ بِهَا وَنُقِضَ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَضَى لِلْخَارِجِ لِعَدَمِ حُجَّةِ صَاحِبِ الْيَدِ هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ فِي الرَّافِعِيِّ. وَقَالَ الْهَرَوِيُّ: فِي الْإِشْرَافِ. قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: أَشْكَلَتْ عَلَيَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُنْذُ نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، لِمَا فِيهَا مِنْ نَقْضِ الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ، وَتَرَدَّدَ جَوَابِي، ثُمَّ اسْتَقَرَّ رَأْيِي عَلَى أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ. [فَائِدَة: تَرْجِيح الْحَاكِم قولا مَنْقُولًا] فَائِدَةٌ: قَالَ السُّبْكِيُّ: إذَا كَانَ لِلْحَاكِمِ أَهْلِيَّةُ التَّرْجِيحِ وَرَجَّحَ قَوْلًا مَنْقُولًا بِدَلِيلٍ جَيِّدٍ جَازَ، وَنَفَذَ حُكْمُهُ. وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا عِنْد أَكْثَر الْأَصْحَابِ مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مَذْهَبِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِالشَّاذِّ الْغَرِيبِ فِي مَذْهَبِهِ، وَإِنْ تَرَجَّحْ عِنْده ; لِأَنَّهُ كَالْخَارِجِ عَنْ مَذْهَبِهِ فَلَوْ حَكَمَ بِقَوْلٍ خَارِجٍ عَنْ مَذْهَبِهِ وَقَدْ ظَهَرَ لَهُ رُجْحَانُهُ، فَإِنْ لَمْ يَشْرِطْ عَلَيْهِ الْإِمَامُ فِي التَّوْلِيَةِ الْتِزَامَ

стр. 103

مَذْهَبٍ جَازَ، وَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ بِاللَّفْظِ أَوْ الْعُرْفِ كَقَوْلِهِ " عَلَى قَاعِدَةِ مَنْ تَقَدَّمَهُ " وَنَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يَصِحّ الْحُكْمُ لِأَنَّ التَّوْلِيَةَ لَمْ تَشْمَلْهُ. وَأَفْتَى ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّ الْحَاكِمَ الْمَعْلُومَ الْمَذْهَبِ إذَا حَكَمَ بِخِلَافِ مَذْهَبِهِ وَكَانَ لَهُ رُتْبَةُ الِاجْتِهَادِ، أَوْ وَقَعَ الشَّكُّ فِيهِ. فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ بِخِلَافِ مَذْهَبِهِ فَيُنْقَضُ حُكْمُهُ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إذَا كَانَ الْحَاكِمُ شَافِعِيًّا وَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ فِي قَضِيَّةٍ أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ جَازَ. وَمَنَعَ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا لِتَوَجُّهِ التُّهْمَةِ إلَيْهِ، وَلِأَنَّ السِّيَاسَةَ تَقْتَضِي مُدَافَعَةَ اسْتِقْرَارِ الْمَذَاهِبِ وَتَمْيِيزَ أَهْلِهَا. وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْكُمَ فِي هَذَا الزَّمَانِ بِغَيْرِ مَذْهَبِهِ، فَإِنْ فَعَلَ نُقِضَ لِفَقْدِ الِاجْتِهَادِ فِي أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ. خَاتِمَةٌ: يُنْقَضُ قَضَاءُ الْقَاضِي إذَا خَالَفَ نَصًّا، أَوْ إجْمَاعًا، أَوْ قِيَاسًا جَلِيًّا. قَالَ الْقَرَافِيُّ: أَوْ خَالَفَ الْقَوَاعِدَ الْكُلِّيَّةَ. قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: أَوْ كَانَ حُكْمًا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، نَقَلَهُ السُّبْكِيُّ فِي فَتَاوِيهِ. قَالَ: وَمَا خَالَفَ شَرْطَ الْوَاقِفِ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ. وَهُوَ حُكْمٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ نَصُّهُ فِي الْوَقْفِ نَصًّا، أَوْ ظَاهِرًا. قَالَ: وَمَا خَالَفَ الْمَذَاهِبَ الْأَرْبَعَةَ، فَهُوَ كَالْمُخَالِفِ لِلْإِجْمَاعِ قَالَ: وَإِنَّمَا يَنْقُضُ حُكْمَ الْحَاكِم لِتَبَيُّنِ خَطَئِهِ، وَالْخَطَأ قَدْ يَكُونُ فِي نَفْسِ الْحُكْمِ بِكَوْنِهِ خَالَفَ نَصًّا أَوْ شَيْئًا مِمَّا تَقَدَّمَ، وَقَدْ يَكُونُ الْخَطَأُ فِي السَّبَبِ كَأَنْ يَحْكُمَ بِبَيِّنَةٍ مُزَوَّرَةٍ ثُمَّ يَتَبَيَّنُ خِلَافَهُ، فَيَكُونُ الْخَطَأ فِي السَّبَبِ لَا فِي الْحُكْمِ، وَقَدْ يَكُونُ الْخَطَأُ فِي الطَّرِيقِ، كَمَا إذَا حَكَمَ بِبَيِّنَةٍ ثُمَّ بَانَ فِسْقُهَا. وَفِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِمَعْنَى أَنَّا تَبَيَّنَّا بُطْلَانَهُ، فَلَوْ لَمْ يَتَعَيَّنْ الْخَطَأُ، بَلْ حَصَلَ مُجَرَّدُ التَّعَارُضِ: كَقِيَامِ بَيِّنَةٍ بَعْد الْحُكْمِ بِخِلَافِ الْبَيِّنَةِ الَّتِي تَرَتَّبَ الْحُكْمُ عَلَيْهَا، فَلَا نَقْلَ فِي الْمَسْأَلَةِ. وَاَلَّذِي يَتَرَجَّح: أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ، لِعَدَمِ تَبَيُّن الْخَطَأِ. [الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ: إذَا اجْتَمَعَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ غَلَبَ الْحَرَامُ] ُ وَأَوْرَدَهُ جَمَاعَةٌ حَدِيثًا بِلَفْظِ «مَا اجْتَمَعَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ إلَّا غَلَبَ الْحَرَامُ الْحَلَالَ» . قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْفَضْلِ الْعِرَاقِيُّ: وَلَا أَصْلَ لَهُ، وَقَالَ السُّبْكِيُّ فِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ

стр. 104

نَقْلًا عَنْ الْبَيْهَقِيّ: هُوَ حَدِيثٌ رَوَاهُ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ، رَجُلٌ ضَعِيفٌ، عَنْ الشَّعْبِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ. قُلْت: وَأَخْرَجَهُ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ. وَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ مَسْعُودِ لَا مَرْفُوعٌ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ السُّبْكِيّ: غَيْرِ أَنَّ الْقَاعِدَةَ فِي نَفْسِهَا صَحِيحَةٌ. قَالَ الْجُوَيْنِيُّ فِي السِّلْسِلَةِ: لَمْ يَخْرُجْ عَنْهَا إلَّا مَا نَدَرَ. فَمِنْ فُرُوعِهَا: إذَا تَعَارَضَ دَلِيلَانِ: أَحَدُهُمَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ وَالْآخَرُ الْإِبَاحَةَ قُدِّمَ التَّحْرِيمُ فِي الْأَصَحِّ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ عُثْمَانُ، لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْجَمْع بَيْن أُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ " أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ. وَالتَّحْرِيمُ أَحَبُّ إلَيْنَا " وَكَذَلِكَ تَعَارُض حَدِيثِ «لَك مِنْ الْحَائِضِ مَا فَوْق الْإِزَارِ» وَحَدِيثِ «اصْنَعُوا كُلّ شَيْء إلَّا النِّكَاحَ» فَإِنَّ الْأَوَّلَ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ مَا بَيْن السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ. وَالثَّانِي يَقْتَضِي إبَاحَةَ مَا عَدَا الْوَطْءِ، فَيُرَجَّحُ التَّحْرِيمُ احْتِيَاطًا. قَالَ الْأَئِمَّةُ: وَإِنَّمَا كَانَ التَّحْرِيمُ أَحَبَّ لِأَنَّ فِيهِ تَرْكُ مُبَاحٍ لِاجْتِنَابِ مُحَرَّمٍ. وَذَلِكَ أَوْلَى مِنْ عَكْسِهِ. وَمِنْهَا: لَوْ اشْتَبَهَتْ مَحْرَمٌ بِأَجْنَبِيَّاتٍ مَحْصُورَاتٍ لَمْ تَحِلّ. وَمِنْهَا: قَاعِدَةُ مُدُّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ. وَمِنْهَا: مَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهَا كِتَابِيٌّ، وَالْآخَرُ مَجُوسِيٌّ. أَوْ وَثَنِيٌّ: لَا يَحِلُّ نِكَاحُهَا وَلَا ذَبِيحَتُهَا، وَلَوْ كَانَ الْكِتَابِيُّ الْأَبُ فِي الْأَظْهَرِ، تَغْلِيبًا لِجَانِبِ التَّحْرِيمِ. وَمِنْهَا: مَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ مَأْكُولُ، وَالْآخَرُ غَيْرُ مَأْكُولِ. لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ، وَلَوْ قَتْلَهُ مُحْرِمٌ فَفِيهِ الْجَزَاءُ تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ فِي الْجَانِبَيْنِ. وَمِنْهَا: لَوْ كَانَ بَعْضُ الضَّبَّةِ لِلْحَاجَةِ، وَبَعْضُهَا لِلزِّينَةِ: حُرِّمَتْ. وَمِنْهَا: لَوْ كَانَ بَعْضُ الشَّجَرَةِ فِي الْحِلِّ، وَبَعْضُهَا فِي الْحُرْمِ: حَرُمَ قَطْعُهَا. وَمِنْهَا: لَوْ اشْتَرَكَ فِي الذَّبْح مُسْلِمٌ وَمَجُوسِيٌّ، أَوْ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ سَهْمُ وَبُنْدُقَةٍ: لَمْ يَحِلَّ. وَمِنْهَا: عَدَمُ جَوَازِ وَطْءِ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ. وَمِنْهَا: لَوْ اشْتَبَهَ مُذَكًّى بِمَيْتَةٍ، أَوْ لَبَنُ بَقَرٍ بِلَبَنِ أَتَانٍ أَوْ مَاءٌ وَبَوْلٌ: لَمْ يَجُزْ تَنَاوُلُ شَيْءٍ مِنْهَا وَلَا بِالِاجْتِهَادِ، مَا لَمْ تَكْثُرْ الْأَوَانِي كَاشْتِبَاهِ الْمَحْرَمِ. وَمِنْهَا: لَوْ اخْتَلَطَتْ زَوْجَتُهُ بِغَيْرِهَا، فَلَيْسَ لَهُ الْوَطْءُ، وَلَا بِاجْتِهَادٍ، سَوَاءٌ كُنَّ مَحْصُورَاتٍ أَمْ لَا بِلَا خِلَافٍ، قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ. وَمِنْ صُوَرِهِ: أَنْ يُطَلِّقَ إحْدَى زَوْجَتَيْهِ مُبْهِمًا، فَيُحَرَّمَ الْوَطْءُ قَبْلَ التَّعْيِينِ أَوْ يُسَلِّمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، فَيُحَرَّمَ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ.

стр. 105

وَمِنْهَا: مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي فَتَاوِيهِ: إذَا أَخَذَ الْمَكَّاسُ مِنْ إنْسَانٍ دَرَاهِمَ فَخَلَطَهَا بِدَرَاهِمِ الْمَكْسِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ قَدْرَ دِرْهَمِهِ مِنْ ذَلِكَ الْمُخْتَلَطِ. لَا يَحِلُّ لَهُ إلَّا أَنْ يَقْسِمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الَّذِي أُخِذَتْ مِنْهُمْ. وَفِي فَتَاوَى ابْنِ الصَّلَاحِ: لَوْ اخْتَلَطَ دِرْهَمٌ حَلَالٌ بِدَرَاهِمَ حَرَامٍ. وَلَمْ يَتَمَيَّز فَطَرِيقُهُ: أَنْ يَعْزِلَ قَدْرَ الْحَرَامِ بِنِيَّةِ الْقِسْمَةِ. وَيَتَصَرَّفُ فِي الْبَاقِي، وَاَلَّذِي عَزَلَهُ إنْ عَلِمَ صَاحِبَهُ سَلَّمَهُ إلَيْهِ، وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهِ عَنْهُ، وَذَكَر مِثْلَهُ النَّوَوِيُّ وَقَالَ: اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا، وَنُصُوصُ الشَّافِعِيِّ عَلَى مِثْلِهِ فِيمَا إذَا غَصَبَ زَيْتًا أَوْ حِنْطَةً. وَخَلَطَ بِمِثْلِهِ، قَالُوا: يَدْفَعُ إلَيْهِ مِنْ الْمُخْتَلَطِ قَدْرَ حَقِّهِ. وَيَحِلُّ الْبَاقِي لِلْغَاصِبِ. قَالَ: فَأَمَّا مَا يَقُولُهُ الْعَوَامُّ: إنَّ اخْتِلَاطَ مَاله بِغَيْرِهِ يُحَرِّمهُ، فَبَاطِلٌ، لَا أَصْلَ لَهُ. وَمِنْهَا: لَوْ انْتَشَرَ الْخَارِجُ فَوْق الْعَادَةِ، وَجَاوَزَ الْحَشَفَة أَوْ الصَّفْحَةَ، فَإِنَّهُ لَا يُجْزِي الْحَجْرَ فِي غَيْرِ الْمُجَاوِز أَيْضًا. وَمِنْهَا: لَوْ تَلَفَّظَ الْجُنُبُ بِالْقُرْآنِ. بِقَصْدِ الْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ مَعًا: فَإِنَّهُ يَحْرُمُ. وَمِنْهَا: لَوْ وَقَفَ جُزْءًا مِنْ أَرْضٍ مُشَاعًا مَسْجِدًا: صَحَّ. وَوَجَبَ الْقِسْمَةُ، وَلَا يَجُوزُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ لِلْجُنُبِ الْمُكْثَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا، وَلَا الِاعْتِكَافَ تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ فِي الْجَانِبَيْنِ ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي فَتَاوِيهِ. وَمِنْهَا: لَوْ رَمَى الصَّيْدَ فَوَقَعَ بِأَرْضٍ، أَوْ جَبَلٍ، ثُمَّ سَقَطَ مِنْهُ، حَرُمَ لِحُصُولِ الْمَوْتِ بِالسَّهْمِ وَالسَّقْطَةِ. وَخَرَجَ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَة فُرُوعٌ: مِنْهَا: الِاجْتِهَادُ فِي الْأَوَانِي وَالثِّيَابِ، وَالثَّوْبِ الْمَنْسُوخِ مِنْ حَرِيرٍ وَغَيْرِهِ يَحِلُّ إنْ كَانَ الْحَرِيرُ أَقَلَّ وَزْنًا، وَكَذَا إنْ اسْتَوَيَا فِي الْأَصَحّ، بِخِلَافِ مَا إذَا زَادَ وَزْنًا. وَنَظِيرُهُ: التَّفْسِيرُ، يَجُوزُ مَسُّهُ لِلْمُحْدِثِ إنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الْقُرْآنِ، وَكَذَا إنْ اسْتَوَيَا فِي الْأَصَحِّ، إلَّا إنْ كَانَ الْقُرْآنُ أَكْثَرَ. وَمِنْهَا: لَوْ رَمَى سَهْمَا إلَى طَائِرٍ فَجَرَحَهُ، وَوَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ فَمَاتَ، فَإِنَّهُ يَحِلُّ وَإِنْ أَمْكَنَ إحَالَةَ الْمَوْتِ عَلَى الْوُقُوعِ عَلَى الْأَرْضِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْهُ، فَعُفِيَ عَنْهُ. وَمِنْهَا: مُعَامَلَةُ مَنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامٌ إذَا لَمْ يَعْرِفْ عَيْنَهُ لَا يَحْرُمُ فِي الْأَصَحِّ، لَكِنْ يُكْرَهُ وَكَذَا الْأَخْذُ مِنْ عَطَايَا السُّلْطَانِ إذَا غَلَبَ الْحَرَامُ فِي يَدِهِ كَمَا قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ إنَّ الْمَشْهُورَ فِيهِ الْكَرَاهَةُ، لَا التَّحْرِيمُ، خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ. وَمِنْهَا: لَوْ اعْتَلَفَتْ الشَّاةُ عَلَفًا حَرَامًا لَمْ يُحَرَّمْ لَبَنهَا وَلَحْمُهَا، وَلَكِنَّ تَرْكَهُ أَوَرَعُ. نَقَلَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الْغَزَالِيِّ. وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الْحَرَامُ مُسْتَهْلَكًا أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ ; فَلَوْ أَكَل الْمُحْرِمُ شَيْئًا قَدْ اسْتَهْلَكَ فِيهِ

стр. 106

الطَّيِّبَ فَلَا فِدْيَةَ، وَلَوْ خَالَطَ الْمَائِعُ الْمَاءَ بِحَيْثُ اسْتَهْلَكَ فِيهِ جَازَ اسْتِعْمَالُهُ كُلُّهُ فِي الطَّهَارَة " وَلَوْ مُزِجَ لَبَنُ الْمَرْأَةِ بِمَاءٍ بِحَيْثُ اسْتَهْلَكَ فِيهِ، لَمْ يُحَرَّمْ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَسْتَهْلِكْ، وَلَكِنْ لَمْ يَشْرَبْ الْكُلَّ، وَلَا يَجُوزُ الْقِرَاضُ عَلَى الْمَغْشُوشِ. قَالَ الْجُرْجَانِيُّ: مَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَهْلَكًا وَمِنْهَا: لَوْ اخْتَلَطَتْ مَحْرَمُهُ بِنِسْوَةِ قَرْيَةٍ كَبِيرَةٍ: فَلَهُ النِّكَاحُ مِنْهُنَّ. وَلَوْ اخْتَلَطَ حَمَامٌ مَمْلُوك بِمُبَاحٍ لَا يَنْحَصِرُ. جَازَ الصَّيْدُ وَلَوْ كَانَ الْمَمْلُوكُ غَيْرَ مَحْصُورٍ أَيْضًا فِي الْأَصَحِّ. قَالَ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ: وَمِنْ الْمُهِمِّ: ضَبْطُ الْعَدَدِ الْمَحْصُورِ. فَإِنَّهُ يَتَكَرَّرُ فِي أَبْوَابِ الْفِقْهِ وَقَلَّ مَنْ بَيَّنَهُ. قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَإِنَّمَا يُضْبَطُ بِالتَّقْرِيبِ، فَكُلُّ عَدَدٍ لَوْ اجْتَمَعَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، لَعَسُرَ عَلَى النَّاظِرِينَ عَدُّهُ بِمُجَرَّدِ النَّظَر. كَالْأَلْفِ وَنَحْوِهِ، فَهُوَ غَيْرُ مَحْصُورٍ. وَمَا سَهُلَ، كَالْعَشَرَةِ وَالْعِشْرِينَ فَهُوَ مَحْصُورٌ، وَبَيْن الطَّرَفَيْنِ أَوْسَاطٌ مُتَشَابِهَةٌ، تُلْحَق بِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ بِالظَّنِّ، وَمَا وَقَعَ فِيهِ الشَّكُّ اُسْتُفْتِيَ فِيهِ الْقَلْبُ. وَلَوْ مَلَكَ الْمَاءَ بِالِاسْتِسْقَاءِ، ثُمَّ انْصَبَّ فِي نَهْرٍ، لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ وَلَا يُمْنَعُ النَّاسُ مِنْ الِاسْتِقَاءِ. وَهُوَ فِي حُكْمِ الِاخْتِلَاطِ بِغَيْرِ الْمَحْصُورِ. قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ: وَلَوْ اخْتَلَطَ فِي الْبَلَدِ حَرَامٌ لَا يَنْحَصِرُ. لَمْ يَحْرُمْ الشِّرَاءُ مِنْهُ، بَلْ يَجُوزُ الْأَخْذُ مِنْهُ، إلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ عَلَامَة عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْحَرَامِ. [فَصْلٌ: مَا يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ] [تَفْرِيقُ الصَّفْقَة] فَصْلٌ يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ: تَفْرِيقُ الصَّفْقَة. وَهِيَ أَنْ يُجْمَعَ فِي عَقْدَيْنِ حَرَامٌ وَحَلَالٌ. وَيَجْرِي فِي أَبْوَابٍ وَفِيهَا غَالِبًا قَوْلَانِ، أَوْ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا الصِّحَّةُ فِي الْحَلَالِ، وَالثَّانِي: الْبُطْلَانُ فِي الْكُلِّ. وَادَّعَى فِي الْمُهِمَّاتِ: أَنَّهُ الْمَذْهَبُ وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّتِهِ. فَالصَّحِيحُ: أَنَّهَا الْجَمْعُ بَيْن الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ فَغَلَبَ الْحَرَامُ وَقِيلَ: الْجَهَالَةُ بِمَا يَخُصُّ الْمِلْكَ مِنْ الْعِوَض. وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ: أَنْ يَبِيعَ خَلًّا وَخَمْرًا، أَوْ شَاةً وَخِنْزِيرًا، أَوْ عَبْدًا وَحُرًّا، أَوْ عَبْدَهُ وَعَبْدَ غَيْرِهِ، أَوْ مُشْتَرَكًا بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ، أَوْ مَالِ الزَّكَاةِ قَبْلَ إخْرَاجِهَا، أَوْ الْمَاءِ الْجَارِي مَعَ قَرَارِهِ، أَوْ غَيْرِ الْجَارِي، وَقُلْنَا: الْمَاءُ لَا يُمَلَّكُ. وَالْأَظْهَرُ الصِّحَّةُ فِي الْقَدْرِ الْمَمْلُوك بِحِصَّتِهِ مِنْ الْمُسَمَّى. وَمِنْهَا: أَنْ يَهَبَ ذَلِكَ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي التَّتِمَّةِ، فِيمَا إذَا وَهَبَ عَبْدًا فَخَرَجَ بَعْضُهُ مُسْتَحِقًّا أَنْ يَرْهَنَهُ، أَوْ يَصْدُقَهُ، أَوْ يُخَالِع عَلَيْهِ. وَفِي النِّكَاحِ: أَنَّ يَجْمَعَ مَنْ لَا تَحِلَّ، لَهُ الْأَمَةُ: بَيْن حُرَّةٍ وَأَمَةٍ فِي عَقْدٍ، فَالْأَظْهَرُ: صِحَّةُ النِّكَاحِ فِي الْحُرَّةِ. وَكَذَا لَوْ جَمَعَ فِي عَقْدٍ بَيْنَ مُسْلِمَةٍ وَوَثَنِيَّةٍ، أَوْ أَجْنَبِيَّةٍ وَمَحْرَمٍ أَوْ خَلِيَّةٍ.

стр. 107

وَمُعْتَدَّةٍ، أَوْ مُزَوَّجَةٍ. وَكَذَا لَوْ جَمَعَ مَنْ تَحِلَّ لَهُ الْأَمَةُ بَيْن أَمَةٍ وَأُخْتَيْنِ، فَإِنَّهُ يَبْطُلُ فِي الْأُخْتَيْنِ وَفِي الْأَمَةِ: الْقَوْلَانِ. وَفِي الْهُدْنَةِ: إذَا زَادَتْ عَلَى الْقَدْرِ الْجَائِزِ. بَطَلَتْ فِي الزَّائِدِ: وَفِي الْبَاقِي: الْقَوْلَانِ أَظْهَرُهُمَا: الصِّحَّةُ. وَفِي الْمُنَاضَلَةِ: إذَا كَانَتْ بَيْنَ حِزْبَيْنِ، فَظَهَرَ فِي أَحَدِهِمَا مَنْ لَا يُحْسِنُ الرَّمْيَ، بَطَلَ الْعَقْدُ فِيهِ. وَسَقَطَ مِنْ الْحِزْبِ الْآخَرِ مُقَابِلُهُ وَهَلْ يَبْطُلُ الْعَقْدُ فِي الْبَاقِي: فِيهِ الْقَوْلَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا. وَفِي الضَّمَانِ وَالْإِبْرَاءِ: لَوْ قَالَ: ضَمِنْت لَك الدَّرَاهِمَ الَّتِي عَلَى فُلَانِ، أَوْ أَبْرَأْتُك مِنْ الدَّرَاهِمِ الَّتِي عَلَيْك، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ قَدْرَهَا، فَهَلْ يَصِحُّ فِي ثَلَاثَةٍ ; لِأَنَّهَا الْقَدْرُ الْمُسْتَيْقَنُ: وَجْهَانِ مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. كَذَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلُهَا فِي الصَّدَاقِ وَمُقْتَضَاهُ الصِّحَّةُ. وَذَكَر الْمَسْأَلَةَ فِي بَابِ الضَّمَانِ، وَقَالَا: وَجْهَانِ، كَمَا لَوْ أَجَّرَ كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ. وَهَلْ يَصِحُّ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ وَمُقْتَضَاهُ تَصْحِيحُ الْبُطْلَانِ، فَإِنَّهُ الْأَصَحُّ فِي مَسْأَلَةِ الْإِجَارَةِ. وَلَوْ أَهْدَى مَنْ لَهُ عَادَةٌ بِالْإِهْدَاءِ لِلْقَاضِي، وَزَادَ عَلَى الْمُعْتَاد قَبْل الْوِلَايَة، فَفِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ: صَارَتْ هَدِيَّتُهُ كَهَدِيَّةِ مَنْ لَمْ تُعْهَدْ مِنْهُ الْهَدِيَّةُ، وَمُقْتَضَاهُ: تَحْرِيمُ الْكُلِّ. قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَالْقِيَاسُ تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِمَا زَادَ، وَتَخْرِيجُ الْبَاقِي عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. وَحِينَئِذٍ فَتَصِيرُ الْهَدِيَّةُ مُشْتَرَكَةً عَلَى الصَّحِيحِ، فَإِنْ زَادَ فِي الْمَعْنَى، كَأَنْ أَهْدَى الْحَرِيرَ بَعْدَ أَنْ كَانَ يُهْدِي الْكَتَّانَ، فَهَلْ يَبْطُلُ فِي الْجَمِيعِ، أَوْ يَصِحُّ فِيهَا بِقَدْرِ قِيمَةِ الْعَادَةِ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَوْجَهُ: الْأَوَّلُ انْتَهَى. وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ: الْمُعْتَمَدُ اخْتِصَاصُ التَّحْرِيمِ بِالزِّيَادَةِ، فَإِنْ تَمَيَّزَتْ، وَإِلَّا حَرُمَ الْكُلُّ. وَفِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ: لَوْ تَحَجَّرَ الشَّخْصُ فَأَكْثَر مِمَّا يَقْدِرُ عَلَى إحْيَائِهِ، فَقِيلَ: يَبْطُلُ فِي الْجَمِيع ; لِأَنَّهُ لَا يَتَمَيَّزُ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ. وَقَالَ الْمُتَوَلِّي. يَصِحُّ فِيمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَهُوَ قَوِيٌّ. وَفِي الْوَصِيَّةِ: لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِهِ لِوَارِثٍ وَأَجْنَبِيّ، بَطَلَتْ فِي الْوَارِثِ. وَفِي الْآخَرِ: وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: الصِّحَّةُ. وَأَلْحَقَ بَعْضُهُمْ بِذَلِكَ: مَا إذَا أَوْصَى بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ، وَلَا وَارِثَ لَهُ، فَالْمَعْرُوفُ فِيهِ الْجَزْمُ بِالصِّحَّةِ فِي الثُّلُثِ. وَفِي الشَّهَادَاتِ: لَوْ جَمَعَ فِي شَهَادَتِهِ بَيْن مَا يَجُوزُ، وَمَا لَا يَجُوزُ، هَلْ تَبْطُلُ فِي الْكُلِّ، أَوْ فِيمَا لَا يَجُوزُ خَاصَّةً، وَيُقْبَلُ فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ قَوْلًا تَفْرِيقُ الصَّفْقَة. وَمِنْ أَمْثِلَته: لَوْ ادَّعَى بِأَلْفٍ: فَشَهِدَ لَهُ بِأَلْفَيْنِ. بَطَلَتْ فِي الزَّائِدِ، وَفِي الْأَلْفِ الْمُدَّعَى بِهَا قَوْلًا تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ أَصَحُّهُمَا: الصِّحَّةُ.

стр. 108

تَنْبِيهٌ: ذَكَرُوا لِجَرَيَانِ الْخِلَافِ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَة شُرُوطًا: الْأَوَّلُ: أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْعِبَادَاتِ، فَإِنْ كَانَتْ فِيهَا، صَحَّ فِيمَا يَصِحُّ فِيهِ قَطْعًا. فَلَوْ عَجَّلَ زَكَاةَ سَنَتَيْنِ، صَحَّ لِسَنَةٍ قَطْعًا. وَلَوْ نَوَى حَجَّتَيْنِ: انْعَقَدَتْ وَاحِدَةٌ قَطْعًا. وَلَوْ نَوَى فِي النَّفْلِ: أَرْبَع رَكَعَاتِ بِتَسْلِيمَتَيْنِ. انْعَقَدَتْ بِرَكْعَتَيْنِ قَطْعًا، دُونَ الْأَخِيرَتَيْنِ لِأَنَّهُ لَمَّا سَلَّمَ مِنْهُمَا خَرَجَ عَنْ الصَّلَاةِ فَلَا يَصِيرُ شَارِعًا فِي الْأَخِيرَتَيْنِ، إلَّا بِنِيَّةٍ وَتَكْبِيرَةٍ. ذَكَره الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي فَتَاوِيهِ. وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ: الْأُولَى: لَوْ نَوَى فِي رَمَضَانَ صَوْمَ جَمِيعِ الشَّهْرِ، بَطَل فِيمَا عَدَا الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الصِّحَّةُ. الثَّانِيَةُ: لَوْ نَوَى التَّيَمُّم لِفَرْضَيْنِ، بَطَل فِي أَحَدِهِمَا، وَفِي الْآخَرِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الصِّحَّةُ. وَقَدْ انْعَكَسَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى الزَّرْكَشِيّ، فَقَالَ، فِي قَوَاعِدِهِ: صَحَّ لِوَاحِدٍ قَطْعًا. وَفِي الْآخَرِ خِلَافٌ، وَهُوَ غَلَطٌ. الثَّالِثَةُ: ادَّعَى عَلَى الْخَارِصِ الْغَلَطَ بِمَا يُبْعِدُ، لَمْ يُقْبَلْ فِيمَا زَادَ عَلَى الْقَدْرِ الْمُحْتَمَلِ. وَفِي الْمُحْتَمَلِ: وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْقَبُولُ فِيهِ. الرَّابِعَةُ: نَوَى قَطْعَ الْوُضُوءِ فِي أَثْنَائِهِ. بَطَل مَا صَادَفَ النِّيَّةَ قَطْعًا ; وَفِي الْمَاضِي وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: لَا. قَالَ فِي الْخَادِم: وَهِيَ مِنْ مَسَائِلِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فِي الْعِبَادَاتِ. الْخَامِسَةُ: مَسْحُ أَعْلَى الْخُفَّيْنِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَوَصَلَ الْبَلَلُ إلَى أَسْفَل الْقَوِيِّ، وَقَصَدَهُمَا، لَمْ يَصِحّ فِي الْأَعْلَى، وَفِي الْأَسْفَلِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: الصِّحَّةُ. السَّادِسَةُ: صَلَّى عَلَى مَوْتَى، وَاعْتَقَدَهُمْ أَحَدَ عَشْرَ، فَبَانُوا عَشْرَةَ فَوَجْهَانِ فِي الْبَحْرِ. أَصَحُّهُمَا: الصِّحَّةُ وَالثَّانِي: الْبُطْلَانُ ; لِأَنَّ النِّيَّةَ قَدْ بَطَلَتْ فِي الْحَادِيَ عَشَرَ، لِكَوْنِهِ مَعْدُومًا، فَتَبْطُلُ فِي الْبَاقِي. السَّابِعَةُ: صَلَّى عَلَى حَيٍّ وَمَيِّتٍ، فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ وَجْهَانِ مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَة، لَكِنْ فِي الْبَحْرِ: إنْ جَهِلَ الْحَالَ صَحَّتْ، وَإِلَّا فَلَا. كَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ. الثَّامِنَةُ: وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهَا - إذَا جَاوَزَ الْغَائِطُ الْأَلْيَتَيْنِ، أَوْ الْبَوْلُ الْحَشَفَةَ، وَتَقَطَّعَ فَإِنَّ الْمَاءَ يَتَعَيَّنُ فِي الْمُجَاوِز قَطْعًا، وَفِي غَيْره وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: يُجْزِي فِيهِ الْحَجْرُ. ذَكَرَهُ

стр. 109

فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكِفَايَةِ. وَنَقَلَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ عَنْ النَّصِّ، وَالرُّويَانِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ وَالثَّانِي: يَجِبُ غَسْلُ الْجَمِيعِ، حَكَاهُ فِي الْحَاوِي. الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُون مَبْنِيًّا عَلَى السِّرَايَةِ، وَالتَّغْلِيب، فَإِنْ كَانَ، كَالطَّلَاقِ، وَالْعِتْق بِأَنَّ طَلَّقَ زَوْجَته وَغَيْرهَا، أَوْ أَعْتَقَ عَبْده وَغَيْره، أَوْ طَلَّقَهَا أَرْبَعَا، نَفَّذَ فِيمَا يَمْلِكهُ إجْمَاعًا الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الَّذِي يَبْطُلُ فِيهِ مُعَيَّنًا بِالشَّخْصِ، أَوَالْجُزْئِيَّةِ، لِيَخْرُجَ مَا إذَا اشْتَرَطَ الْخِيَارَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّهُ يَبْطُلُ فِي الْكُلِّ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِأَنَّهُ يَصِحُّ فِي الثَّلَاثَةِ: وَغَلَطَ الْبَالِسِيُّ، فِي شَرْح التَّنْبِيهِ، حَيْثُ خَرَّجَهَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَمَا إذَا عَقَدَ عَلَى خَمْسِ نِسْوَةٍ، أَوْ أُخْتَيْنِ مَعًا، فَإِنَّهُ يَبْطُلُ فِي الْجَمِيعِ: وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِالصِّحَّةِ فِي الْبَعْضِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَتْ هَذِهِ بِأَوْلَى مِنْ هَذِهِ، وَغَلَطَ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ بِتَخْرِيجِهَا. وَلَوْ جَمَعَ مَنْ تَحِلَّ لَهُ الْأَمَةُ لِإِعْسَارِهِ بَيْن حُرَّةٍ وَأَمَةٍ فِي عَقْدٍ فَطَرِيقَانِ: أَظْهَرُهُمَا عِنْدَ الْإِمَامِ، وَابْنِ الْقَاصِّ أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ وَأَبُو زَيْدٍ وَآخَرُونَ: يَبْطُلُ قَطْعًا لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْن امْرَأَتَيْنِ، يَجُوزُ إفْرَادُ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ، فَأَشْبَهَ الْأُخْتَيْنِ. وَالْأَوَّلُ فَرَّقَ بِأَنَّ الْأُخْتَيْنِ لَيْسَ فِيهِمَا أَقْوَى. وَالْحُرَّةُ أَقْوَى. وَاسْتُثْنِيَ مِنْ هَذَا الشَّرْطِ مَسْأَلَتَا الْمُنَاضَلَةِ، وَالتَّحَجُّرِ السَّابِقَتَانِ فَإِنَّ الْأَصَحَّ فِيهِمَا: الصِّحَّةُ. تَخْرِيجًا عَلَى الْقَوْلَيْنِ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ الَّذِي يَبْطُلُ فِيهِ. الرَّابِعُ: إمْكَانُ التَّوْزِيعِ، لِيَخْرُجَ مَا لَوْ بَاعَ مَجْهُولًا وَمَعْلُومًا وَمِنْ ذَلِكَ: مَا لَوْ بَاعَ أَرْضًا مَعَ بَذْرٍ، أَوْ زَرْعٍ. لَا يُفْرَدُ بِالْبَيْعِ، فَإِنَّهُ يَبْطُلُ فِي الْجَمِيعِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: فِي الْأَرْضِ الْقَوْلَانِ. وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ مَسْأَلَةُ بَيْعِ الْمَاءِ مَعَ قَرَارِهِ، فَإِنَّ الْمَاءَ الْجَارِي مَجْهُولُ الْقَدْرِ. الْخَامِسُ: أَنْ لَا يُخَالِفَ الْإِذْنَ، لِيُخْرِجَ مَا لَوْ اسْتَعَارَ شَيْئَا لِيَرْهَنهُ عَلَى عَشْرَةٍ فَرَهَنَهُ بِأَكْثَرَ فَالْمَذْهَبُ: الْبُطْلَانُ فِي الْكُلِّ، لِمُخَالَفَةِ الْإِذْنِ. وَقِيلَ: تُخْرَجُ عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَنْسِجَ لَهُ ثَوْبًا، طُولُهُ عَشْرَةُ أَذْرُعٍ، فِي عَرْضٍ مُعَيَّنٍ، فَنَسَجَ أَحَدَ عَشَرَ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا مِنْ الْأُجْرَةِ، أَوْ تِسْعَةَ فَإِنْ كَانَ طُولُ السُّدَى عَشْرَةً، اسْتَحَقَّ مِنْ الْأُجْرَة

стр. 110

بِقَدْرِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَنْسِجَ عَشْرَةً لَتَمَكَّنَ مِنْهُ: وَإِنْ كَانَ طُولُهُ تِسْعَةً، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ التَّتِمَّةِ. وَلَوْ أَجَّرَ الرَّاهِنُ الْعَيْنَ الْمَرْهُونَةِ مُدَّةً تَزِيدُ عَلَى مَحَلِّ الدَّيْنِ: بَطَلَ فِي الْكُلِّ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقِيلَ: بَلْ فِي الْقَدْرِ الزَّائِدِ، وَفِي الْبَاقِي قَوْلًا تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ، وَاخْتَارَهُ السُّبْكِيّ. وَنَظِيرُ ذَلِكَ: أَنْ يَشْرِطَ الْوَاقِفُ: أَنْ لَا يُؤَجِّرَ الْوَقْفَ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ مَثَلًا فَيُزَادُ، فَأَفْتَى الشَّيْخُ وَلِيُّ الدِّين الْعِرَاقِيّ بِالْبُطْلَانِ فِي الْكُلِّ، قِيَاسًا عَلَى مَسْأَلَةِ الرَّهْنِ. وَأَفْتَى قَاضِي الْقُضَاةِ: جَلَالُ الدِّينِ الْبُلْقِينِيُّ بِالصِّحَّةِ، فِي الْقَدْرِ الَّذِي شَرَطَهُ الْوَاقِف. قَالَ لَهُ الشَّيْخُ وَلِيُّ الدِّينِ: أَنْتَ تَقُولُ بِقَوْلِ الْمَاوَرْدِيِّ فِي الرَّهْنِ قَالَ: لَا. قَالَ: فَافْرُقْ. قَالَ: حَتَّى أُعْطِي الْمَسْأَلَةَ كَتِفًا. قُلْت: وَالْمَسْأَلَةُ ذَكَرهَا الزَّرْكَشِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ. وَقَالَ: لَمْ أَرَ فِيهَا نَقْلًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا عَلَى خِلَافِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، حَتَّى يَصِحَّ فِي الْمَشْرُوطِ وَحْدَهُ: وَذَكَرهَا أَيْضًا الْغَزِّيُّ، فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ، وَقَالَ: لَا نَقْلَ فِيهَا وَالْمُتَّجَهُ: التَّخْرِيجُ عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، انْتَهَى. فَائِدَةٌ: قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: مُخَالَفَةُ الْإِذْنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مُخَالَفَةُ إذْنٍ وَصْفِيٍّ، كَمَسْأَلَةِ الْإِعَارَةِ لِلرَّهْنِ، وَمُخَالَفَةُ إذْنِ شَرْعِيٍّ، كَمَسْأَلَةِ إجَارَةِ الْمَرْهُونِ. وَمُخَالَفَةُ إذْنٍ شَرْطِيٍّ، كَمَسْأَلَةِ إجَارَةِ الْوَقْفِ الْمَذْكُورَةِ. السَّادِسُ: أَنْ لَا يُبْنَى عَلَى الِاحْتِيَاطِ، فَلَوْ زَادَ فِي الْعَرَايَا عَلَى الْقَدْرِ الْجَائِزِ. فَالْمَذْهَبُ: الْبُطْلَانُ فِي الْكُلِّ: وَفِي الْمَطْلَبِ عَنْ الْجُوَيْنِيِّ: تَخْرِيجُهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ. وَلَوْ أَصْدَقَ الْوَلِيُّ عَنْ الطِّفْلِ أَوْ الْمَجْنُونِ، عَيْنًا مِنْ مَالِهِ أَكْثَرَ مِنْ مَهْر الْمِثْلِ، فَالْمَجْزُومُ بِهِ فِي الصَّدَاقِ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ فَسَادُ الصَّدَاق، وَاَلَّذِي فِي التَّنْبِيهِ: أَنَّهُ يَبْطُلُ الزَّائِدُ فَقَطْ، وَيَصِحُّ فِي قَدْرِ مَهْرِ الْمِثْلِ مِنْ الْمُسَمَّى وَأَقَرَّهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَصَحَّحَهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ، فِي نِكَاحِ السَّفِيهِ، ثُمَّ حُكِيَ عَنْ ابْنِ الصَّبَّاغِ: أَنَّ الْقِيَاسَ بُطْلَانُ الْمُسَمَّى وَوُجُوبُ مَهْرِ الْمِثْلِ مِنْ الْمُسَمَّى، وَأَنَّ الْفَرْقَ أَنَّهُ عَلَى قَوْلِهِ: يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْل فِي الذِّمَّةِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: تَسْتَحِقّ الزَّوْجَةُ مَهْرَ الْمِثْلِ مِنْ الْمُسَمَّى. قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: فَهَذَا تَنَاقُضٌ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْن وَلِيّ الطِّفْلِ، وَوَلِيِّ السَّفِيهِ. وَقَالَ السُّبْكِيُّ: فِي تَصْوِيرِ الْمَسْأَلَة بَيْنَ الْأَصْحَابِ، وَابْنُ الصَّبَّاغِ: نَظَرٌ: فَإِنَّ الْوَلِيَّ
следующие страницы →