Полный текст (540 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الطَّيِّبَ فَلَا فِدْيَةَ، وَلَوْ خَالَطَ الْمَائِعُ الْمَاءَ بِحَيْثُ اسْتَهْلَكَ فِيهِ جَازَ اسْتِعْمَالُهُ كُلُّهُ فِي الطَّهَارَة " وَلَوْ مُزِجَ لَبَنُ الْمَرْأَةِ بِمَاءٍ بِحَيْثُ اسْتَهْلَكَ فِيهِ، لَمْ يُحَرَّمْ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَسْتَهْلِكْ، وَلَكِنْ لَمْ يَشْرَبْ الْكُلَّ، وَلَا يَجُوزُ الْقِرَاضُ عَلَى الْمَغْشُوشِ. قَالَ الْجُرْجَانِيُّ: مَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَهْلَكًا وَمِنْهَا: لَوْ اخْتَلَطَتْ مَحْرَمُهُ بِنِسْوَةِ قَرْيَةٍ كَبِيرَةٍ: فَلَهُ النِّكَاحُ مِنْهُنَّ.
وَلَوْ اخْتَلَطَ حَمَامٌ مَمْلُوك بِمُبَاحٍ لَا يَنْحَصِرُ. جَازَ الصَّيْدُ وَلَوْ كَانَ الْمَمْلُوكُ غَيْرَ مَحْصُورٍ أَيْضًا فِي الْأَصَحِّ.
قَالَ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ: وَمِنْ الْمُهِمِّ: ضَبْطُ الْعَدَدِ الْمَحْصُورِ. فَإِنَّهُ يَتَكَرَّرُ فِي أَبْوَابِ الْفِقْهِ وَقَلَّ مَنْ بَيَّنَهُ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَإِنَّمَا يُضْبَطُ بِالتَّقْرِيبِ، فَكُلُّ عَدَدٍ لَوْ اجْتَمَعَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، لَعَسُرَ عَلَى النَّاظِرِينَ عَدُّهُ بِمُجَرَّدِ النَّظَر. كَالْأَلْفِ وَنَحْوِهِ، فَهُوَ غَيْرُ مَحْصُورٍ. وَمَا سَهُلَ، كَالْعَشَرَةِ وَالْعِشْرِينَ فَهُوَ مَحْصُورٌ، وَبَيْن الطَّرَفَيْنِ أَوْسَاطٌ مُتَشَابِهَةٌ، تُلْحَق بِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ بِالظَّنِّ، وَمَا وَقَعَ فِيهِ الشَّكُّ اُسْتُفْتِيَ فِيهِ الْقَلْبُ.
وَلَوْ مَلَكَ الْمَاءَ بِالِاسْتِسْقَاءِ، ثُمَّ انْصَبَّ فِي نَهْرٍ، لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ وَلَا يُمْنَعُ النَّاسُ مِنْ الِاسْتِقَاءِ. وَهُوَ فِي حُكْمِ الِاخْتِلَاطِ بِغَيْرِ الْمَحْصُورِ.
قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ: وَلَوْ اخْتَلَطَ فِي الْبَلَدِ حَرَامٌ لَا يَنْحَصِرُ. لَمْ يَحْرُمْ الشِّرَاءُ مِنْهُ، بَلْ يَجُوزُ الْأَخْذُ مِنْهُ، إلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ عَلَامَة عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْحَرَامِ.
[فَصْلٌ: مَا يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ]
[تَفْرِيقُ الصَّفْقَة]
فَصْلٌ يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ: تَفْرِيقُ الصَّفْقَة. وَهِيَ أَنْ يُجْمَعَ فِي عَقْدَيْنِ حَرَامٌ وَحَلَالٌ.
وَيَجْرِي فِي أَبْوَابٍ وَفِيهَا غَالِبًا قَوْلَانِ، أَوْ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا الصِّحَّةُ فِي الْحَلَالِ، وَالثَّانِي: الْبُطْلَانُ فِي الْكُلِّ. وَادَّعَى فِي الْمُهِمَّاتِ: أَنَّهُ الْمَذْهَبُ وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّتِهِ.
فَالصَّحِيحُ: أَنَّهَا الْجَمْعُ بَيْن الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ فَغَلَبَ الْحَرَامُ وَقِيلَ: الْجَهَالَةُ بِمَا يَخُصُّ الْمِلْكَ مِنْ الْعِوَض.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ: أَنْ يَبِيعَ خَلًّا وَخَمْرًا، أَوْ شَاةً وَخِنْزِيرًا، أَوْ عَبْدًا وَحُرًّا، أَوْ عَبْدَهُ وَعَبْدَ غَيْرِهِ، أَوْ مُشْتَرَكًا بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ، أَوْ مَالِ الزَّكَاةِ قَبْلَ إخْرَاجِهَا، أَوْ الْمَاءِ الْجَارِي مَعَ قَرَارِهِ، أَوْ غَيْرِ الْجَارِي، وَقُلْنَا: الْمَاءُ لَا يُمَلَّكُ. وَالْأَظْهَرُ الصِّحَّةُ فِي الْقَدْرِ الْمَمْلُوك بِحِصَّتِهِ مِنْ الْمُسَمَّى.
وَمِنْهَا: أَنْ يَهَبَ ذَلِكَ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي التَّتِمَّةِ، فِيمَا إذَا وَهَبَ عَبْدًا فَخَرَجَ بَعْضُهُ مُسْتَحِقًّا أَنْ يَرْهَنَهُ، أَوْ يَصْدُقَهُ، أَوْ يُخَالِع عَلَيْهِ.
وَفِي النِّكَاحِ: أَنَّ يَجْمَعَ مَنْ لَا تَحِلَّ، لَهُ الْأَمَةُ: بَيْن حُرَّةٍ وَأَمَةٍ فِي عَقْدٍ، فَالْأَظْهَرُ: صِحَّةُ النِّكَاحِ فِي الْحُرَّةِ. وَكَذَا لَوْ جَمَعَ فِي عَقْدٍ بَيْنَ مُسْلِمَةٍ وَوَثَنِيَّةٍ، أَوْ أَجْنَبِيَّةٍ وَمَحْرَمٍ أَوْ خَلِيَّةٍ.
стр. 107
وَمُعْتَدَّةٍ، أَوْ مُزَوَّجَةٍ. وَكَذَا لَوْ جَمَعَ مَنْ تَحِلَّ لَهُ الْأَمَةُ بَيْن أَمَةٍ وَأُخْتَيْنِ، فَإِنَّهُ يَبْطُلُ فِي الْأُخْتَيْنِ وَفِي الْأَمَةِ: الْقَوْلَانِ.
وَفِي الْهُدْنَةِ: إذَا زَادَتْ عَلَى الْقَدْرِ الْجَائِزِ. بَطَلَتْ فِي الزَّائِدِ: وَفِي الْبَاقِي: الْقَوْلَانِ أَظْهَرُهُمَا: الصِّحَّةُ.
وَفِي الْمُنَاضَلَةِ: إذَا كَانَتْ بَيْنَ حِزْبَيْنِ، فَظَهَرَ فِي أَحَدِهِمَا مَنْ لَا يُحْسِنُ الرَّمْيَ، بَطَلَ الْعَقْدُ فِيهِ. وَسَقَطَ مِنْ الْحِزْبِ الْآخَرِ مُقَابِلُهُ وَهَلْ يَبْطُلُ الْعَقْدُ فِي الْبَاقِي: فِيهِ الْقَوْلَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا.
وَفِي الضَّمَانِ وَالْإِبْرَاءِ: لَوْ قَالَ: ضَمِنْت لَك الدَّرَاهِمَ الَّتِي عَلَى فُلَانِ، أَوْ أَبْرَأْتُك مِنْ الدَّرَاهِمِ الَّتِي عَلَيْك، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ قَدْرَهَا، فَهَلْ يَصِحُّ فِي ثَلَاثَةٍ ; لِأَنَّهَا الْقَدْرُ الْمُسْتَيْقَنُ:
وَجْهَانِ مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. كَذَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلُهَا فِي الصَّدَاقِ وَمُقْتَضَاهُ الصِّحَّةُ.
وَذَكَر الْمَسْأَلَةَ فِي بَابِ الضَّمَانِ، وَقَالَا: وَجْهَانِ، كَمَا لَوْ أَجَّرَ كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ. وَهَلْ يَصِحُّ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ وَمُقْتَضَاهُ تَصْحِيحُ الْبُطْلَانِ، فَإِنَّهُ الْأَصَحُّ فِي مَسْأَلَةِ الْإِجَارَةِ.
وَلَوْ أَهْدَى مَنْ لَهُ عَادَةٌ بِالْإِهْدَاءِ لِلْقَاضِي، وَزَادَ عَلَى الْمُعْتَاد قَبْل الْوِلَايَة، فَفِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ: صَارَتْ هَدِيَّتُهُ كَهَدِيَّةِ مَنْ لَمْ تُعْهَدْ مِنْهُ الْهَدِيَّةُ، وَمُقْتَضَاهُ: تَحْرِيمُ الْكُلِّ.
قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَالْقِيَاسُ تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِمَا زَادَ، وَتَخْرِيجُ الْبَاقِي عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
وَحِينَئِذٍ فَتَصِيرُ الْهَدِيَّةُ مُشْتَرَكَةً عَلَى الصَّحِيحِ، فَإِنْ زَادَ فِي الْمَعْنَى، كَأَنْ أَهْدَى الْحَرِيرَ بَعْدَ أَنْ كَانَ يُهْدِي الْكَتَّانَ، فَهَلْ يَبْطُلُ فِي الْجَمِيعِ، أَوْ يَصِحُّ فِيهَا بِقَدْرِ قِيمَةِ الْعَادَةِ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَوْجَهُ: الْأَوَّلُ انْتَهَى.
وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ: الْمُعْتَمَدُ اخْتِصَاصُ التَّحْرِيمِ بِالزِّيَادَةِ، فَإِنْ تَمَيَّزَتْ، وَإِلَّا حَرُمَ الْكُلُّ. وَفِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ: لَوْ تَحَجَّرَ الشَّخْصُ فَأَكْثَر مِمَّا يَقْدِرُ عَلَى إحْيَائِهِ، فَقِيلَ: يَبْطُلُ فِي الْجَمِيع ; لِأَنَّهُ لَا يَتَمَيَّزُ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ. وَقَالَ الْمُتَوَلِّي. يَصِحُّ فِيمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَهُوَ قَوِيٌّ.
وَفِي الْوَصِيَّةِ: لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِهِ لِوَارِثٍ وَأَجْنَبِيّ، بَطَلَتْ فِي الْوَارِثِ. وَفِي الْآخَرِ: وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: الصِّحَّةُ.
وَأَلْحَقَ بَعْضُهُمْ بِذَلِكَ: مَا إذَا أَوْصَى بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ، وَلَا وَارِثَ لَهُ، فَالْمَعْرُوفُ فِيهِ الْجَزْمُ بِالصِّحَّةِ فِي الثُّلُثِ.
وَفِي الشَّهَادَاتِ: لَوْ جَمَعَ فِي شَهَادَتِهِ بَيْن مَا يَجُوزُ، وَمَا لَا يَجُوزُ، هَلْ تَبْطُلُ فِي الْكُلِّ، أَوْ فِيمَا لَا يَجُوزُ خَاصَّةً، وَيُقْبَلُ فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ قَوْلًا تَفْرِيقُ الصَّفْقَة.
وَمِنْ أَمْثِلَته: لَوْ ادَّعَى بِأَلْفٍ: فَشَهِدَ لَهُ بِأَلْفَيْنِ. بَطَلَتْ فِي الزَّائِدِ، وَفِي الْأَلْفِ الْمُدَّعَى بِهَا قَوْلًا تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ أَصَحُّهُمَا: الصِّحَّةُ.
стр. 108
تَنْبِيهٌ:
ذَكَرُوا لِجَرَيَانِ الْخِلَافِ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَة شُرُوطًا:
الْأَوَّلُ: أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْعِبَادَاتِ، فَإِنْ كَانَتْ فِيهَا، صَحَّ فِيمَا يَصِحُّ فِيهِ قَطْعًا.
فَلَوْ عَجَّلَ زَكَاةَ سَنَتَيْنِ، صَحَّ لِسَنَةٍ قَطْعًا.
وَلَوْ نَوَى حَجَّتَيْنِ: انْعَقَدَتْ وَاحِدَةٌ قَطْعًا.
وَلَوْ نَوَى فِي النَّفْلِ: أَرْبَع رَكَعَاتِ بِتَسْلِيمَتَيْنِ. انْعَقَدَتْ بِرَكْعَتَيْنِ قَطْعًا، دُونَ الْأَخِيرَتَيْنِ لِأَنَّهُ لَمَّا سَلَّمَ مِنْهُمَا خَرَجَ عَنْ الصَّلَاةِ فَلَا يَصِيرُ شَارِعًا فِي الْأَخِيرَتَيْنِ، إلَّا بِنِيَّةٍ وَتَكْبِيرَةٍ. ذَكَره الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي فَتَاوِيهِ.
وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ: الْأُولَى: لَوْ نَوَى فِي رَمَضَانَ صَوْمَ جَمِيعِ الشَّهْرِ، بَطَل فِيمَا عَدَا الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الصِّحَّةُ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ نَوَى التَّيَمُّم لِفَرْضَيْنِ، بَطَل فِي أَحَدِهِمَا، وَفِي الْآخَرِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الصِّحَّةُ.
وَقَدْ انْعَكَسَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى الزَّرْكَشِيّ، فَقَالَ، فِي قَوَاعِدِهِ: صَحَّ لِوَاحِدٍ قَطْعًا. وَفِي الْآخَرِ خِلَافٌ، وَهُوَ غَلَطٌ.
الثَّالِثَةُ: ادَّعَى عَلَى الْخَارِصِ الْغَلَطَ بِمَا يُبْعِدُ، لَمْ يُقْبَلْ فِيمَا زَادَ عَلَى الْقَدْرِ الْمُحْتَمَلِ. وَفِي الْمُحْتَمَلِ: وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْقَبُولُ فِيهِ.
الرَّابِعَةُ: نَوَى قَطْعَ الْوُضُوءِ فِي أَثْنَائِهِ. بَطَل مَا صَادَفَ النِّيَّةَ قَطْعًا ; وَفِي الْمَاضِي وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: لَا.
قَالَ فِي الْخَادِم: وَهِيَ مِنْ مَسَائِلِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فِي الْعِبَادَاتِ.
الْخَامِسَةُ: مَسْحُ أَعْلَى الْخُفَّيْنِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَوَصَلَ الْبَلَلُ إلَى أَسْفَل الْقَوِيِّ، وَقَصَدَهُمَا، لَمْ يَصِحّ فِي الْأَعْلَى، وَفِي الْأَسْفَلِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: الصِّحَّةُ.
السَّادِسَةُ: صَلَّى عَلَى مَوْتَى، وَاعْتَقَدَهُمْ أَحَدَ عَشْرَ، فَبَانُوا عَشْرَةَ فَوَجْهَانِ فِي الْبَحْرِ. أَصَحُّهُمَا: الصِّحَّةُ
وَالثَّانِي: الْبُطْلَانُ ; لِأَنَّ النِّيَّةَ قَدْ بَطَلَتْ فِي الْحَادِيَ عَشَرَ، لِكَوْنِهِ مَعْدُومًا، فَتَبْطُلُ فِي الْبَاقِي.
السَّابِعَةُ: صَلَّى عَلَى حَيٍّ وَمَيِّتٍ، فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ وَجْهَانِ مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَة، لَكِنْ فِي الْبَحْرِ: إنْ جَهِلَ الْحَالَ صَحَّتْ، وَإِلَّا فَلَا. كَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ.
الثَّامِنَةُ: وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهَا - إذَا جَاوَزَ الْغَائِطُ الْأَلْيَتَيْنِ، أَوْ الْبَوْلُ الْحَشَفَةَ، وَتَقَطَّعَ فَإِنَّ الْمَاءَ يَتَعَيَّنُ فِي الْمُجَاوِز قَطْعًا، وَفِي غَيْره وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: يُجْزِي فِيهِ الْحَجْرُ. ذَكَرَهُ
стр. 109
فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكِفَايَةِ. وَنَقَلَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ عَنْ النَّصِّ، وَالرُّويَانِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ
وَالثَّانِي: يَجِبُ غَسْلُ الْجَمِيعِ، حَكَاهُ فِي الْحَاوِي.
الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُون مَبْنِيًّا عَلَى السِّرَايَةِ، وَالتَّغْلِيب، فَإِنْ كَانَ، كَالطَّلَاقِ، وَالْعِتْق بِأَنَّ طَلَّقَ زَوْجَته وَغَيْرهَا، أَوْ أَعْتَقَ عَبْده وَغَيْره، أَوْ طَلَّقَهَا أَرْبَعَا، نَفَّذَ فِيمَا يَمْلِكهُ إجْمَاعًا
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الَّذِي يَبْطُلُ فِيهِ مُعَيَّنًا بِالشَّخْصِ، أَوَالْجُزْئِيَّةِ، لِيَخْرُجَ مَا إذَا اشْتَرَطَ الْخِيَارَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّهُ يَبْطُلُ فِي الْكُلِّ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِأَنَّهُ يَصِحُّ فِي الثَّلَاثَةِ: وَغَلَطَ الْبَالِسِيُّ، فِي شَرْح التَّنْبِيهِ، حَيْثُ خَرَّجَهَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَمَا إذَا عَقَدَ عَلَى خَمْسِ نِسْوَةٍ، أَوْ أُخْتَيْنِ مَعًا، فَإِنَّهُ يَبْطُلُ فِي الْجَمِيعِ: وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِالصِّحَّةِ فِي الْبَعْضِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَتْ هَذِهِ بِأَوْلَى مِنْ هَذِهِ، وَغَلَطَ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ بِتَخْرِيجِهَا.
وَلَوْ جَمَعَ مَنْ تَحِلَّ لَهُ الْأَمَةُ لِإِعْسَارِهِ بَيْن حُرَّةٍ وَأَمَةٍ فِي عَقْدٍ فَطَرِيقَانِ: أَظْهَرُهُمَا عِنْدَ الْإِمَامِ، وَابْنِ الْقَاصِّ أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ وَأَبُو زَيْدٍ وَآخَرُونَ: يَبْطُلُ قَطْعًا لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْن امْرَأَتَيْنِ، يَجُوزُ إفْرَادُ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ، فَأَشْبَهَ الْأُخْتَيْنِ. وَالْأَوَّلُ فَرَّقَ بِأَنَّ الْأُخْتَيْنِ لَيْسَ فِيهِمَا أَقْوَى. وَالْحُرَّةُ أَقْوَى.
وَاسْتُثْنِيَ مِنْ هَذَا الشَّرْطِ مَسْأَلَتَا الْمُنَاضَلَةِ، وَالتَّحَجُّرِ السَّابِقَتَانِ فَإِنَّ الْأَصَحَّ فِيهِمَا: الصِّحَّةُ. تَخْرِيجًا عَلَى الْقَوْلَيْنِ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ الَّذِي يَبْطُلُ فِيهِ.
الرَّابِعُ: إمْكَانُ التَّوْزِيعِ، لِيَخْرُجَ مَا لَوْ بَاعَ مَجْهُولًا وَمَعْلُومًا وَمِنْ ذَلِكَ: مَا لَوْ بَاعَ أَرْضًا مَعَ بَذْرٍ، أَوْ زَرْعٍ. لَا يُفْرَدُ بِالْبَيْعِ، فَإِنَّهُ يَبْطُلُ فِي الْجَمِيعِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: فِي الْأَرْضِ الْقَوْلَانِ.
وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ مَسْأَلَةُ بَيْعِ الْمَاءِ مَعَ قَرَارِهِ، فَإِنَّ الْمَاءَ الْجَارِي مَجْهُولُ الْقَدْرِ.
الْخَامِسُ: أَنْ لَا يُخَالِفَ الْإِذْنَ، لِيُخْرِجَ مَا لَوْ اسْتَعَارَ شَيْئَا لِيَرْهَنهُ عَلَى عَشْرَةٍ فَرَهَنَهُ بِأَكْثَرَ فَالْمَذْهَبُ: الْبُطْلَانُ فِي الْكُلِّ، لِمُخَالَفَةِ الْإِذْنِ. وَقِيلَ: تُخْرَجُ عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ
وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَنْسِجَ لَهُ ثَوْبًا، طُولُهُ عَشْرَةُ أَذْرُعٍ، فِي عَرْضٍ مُعَيَّنٍ، فَنَسَجَ أَحَدَ عَشَرَ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا مِنْ الْأُجْرَةِ، أَوْ تِسْعَةَ فَإِنْ كَانَ طُولُ السُّدَى عَشْرَةً، اسْتَحَقَّ مِنْ الْأُجْرَة
стр. 110
بِقَدْرِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَنْسِجَ عَشْرَةً لَتَمَكَّنَ مِنْهُ: وَإِنْ كَانَ طُولُهُ تِسْعَةً، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ التَّتِمَّةِ.
وَلَوْ أَجَّرَ الرَّاهِنُ الْعَيْنَ الْمَرْهُونَةِ مُدَّةً تَزِيدُ عَلَى مَحَلِّ الدَّيْنِ: بَطَلَ فِي الْكُلِّ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقِيلَ: بَلْ فِي الْقَدْرِ الزَّائِدِ، وَفِي الْبَاقِي قَوْلًا تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ، وَاخْتَارَهُ السُّبْكِيّ.
وَنَظِيرُ ذَلِكَ: أَنْ يَشْرِطَ الْوَاقِفُ: أَنْ لَا يُؤَجِّرَ الْوَقْفَ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ مَثَلًا فَيُزَادُ، فَأَفْتَى الشَّيْخُ وَلِيُّ الدِّين الْعِرَاقِيّ بِالْبُطْلَانِ فِي الْكُلِّ، قِيَاسًا عَلَى مَسْأَلَةِ الرَّهْنِ.
وَأَفْتَى قَاضِي الْقُضَاةِ: جَلَالُ الدِّينِ الْبُلْقِينِيُّ بِالصِّحَّةِ، فِي الْقَدْرِ الَّذِي شَرَطَهُ الْوَاقِف. قَالَ لَهُ الشَّيْخُ وَلِيُّ الدِّينِ: أَنْتَ تَقُولُ بِقَوْلِ الْمَاوَرْدِيِّ فِي الرَّهْنِ قَالَ: لَا. قَالَ: فَافْرُقْ. قَالَ: حَتَّى أُعْطِي الْمَسْأَلَةَ كَتِفًا.
قُلْت: وَالْمَسْأَلَةُ ذَكَرهَا الزَّرْكَشِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ. وَقَالَ: لَمْ أَرَ فِيهَا نَقْلًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا عَلَى خِلَافِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، حَتَّى يَصِحَّ فِي الْمَشْرُوطِ وَحْدَهُ: وَذَكَرهَا أَيْضًا الْغَزِّيُّ، فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ، وَقَالَ: لَا نَقْلَ فِيهَا وَالْمُتَّجَهُ: التَّخْرِيجُ عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، انْتَهَى.
فَائِدَةٌ: قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: مُخَالَفَةُ الْإِذْنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مُخَالَفَةُ إذْنٍ وَصْفِيٍّ، كَمَسْأَلَةِ الْإِعَارَةِ لِلرَّهْنِ، وَمُخَالَفَةُ إذْنِ شَرْعِيٍّ، كَمَسْأَلَةِ إجَارَةِ الْمَرْهُونِ. وَمُخَالَفَةُ إذْنٍ شَرْطِيٍّ، كَمَسْأَلَةِ إجَارَةِ الْوَقْفِ الْمَذْكُورَةِ.
السَّادِسُ: أَنْ لَا يُبْنَى عَلَى الِاحْتِيَاطِ، فَلَوْ زَادَ فِي الْعَرَايَا عَلَى الْقَدْرِ الْجَائِزِ. فَالْمَذْهَبُ: الْبُطْلَانُ فِي الْكُلِّ: وَفِي الْمَطْلَبِ عَنْ الْجُوَيْنِيِّ: تَخْرِيجُهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ.
وَلَوْ أَصْدَقَ الْوَلِيُّ عَنْ الطِّفْلِ أَوْ الْمَجْنُونِ، عَيْنًا مِنْ مَالِهِ أَكْثَرَ مِنْ مَهْر الْمِثْلِ، فَالْمَجْزُومُ بِهِ فِي الصَّدَاقِ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ فَسَادُ الصَّدَاق، وَاَلَّذِي فِي التَّنْبِيهِ: أَنَّهُ يَبْطُلُ الزَّائِدُ فَقَطْ، وَيَصِحُّ فِي قَدْرِ مَهْرِ الْمِثْلِ مِنْ الْمُسَمَّى وَأَقَرَّهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَصَحَّحَهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ، فِي نِكَاحِ السَّفِيهِ، ثُمَّ حُكِيَ عَنْ ابْنِ الصَّبَّاغِ: أَنَّ الْقِيَاسَ بُطْلَانُ الْمُسَمَّى وَوُجُوبُ مَهْرِ الْمِثْلِ مِنْ الْمُسَمَّى، وَأَنَّ الْفَرْقَ أَنَّهُ عَلَى قَوْلِهِ: يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْل فِي الذِّمَّةِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: تَسْتَحِقّ الزَّوْجَةُ مَهْرَ الْمِثْلِ مِنْ الْمُسَمَّى.
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: فَهَذَا تَنَاقُضٌ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْن وَلِيّ الطِّفْلِ، وَوَلِيِّ السَّفِيهِ.
وَقَالَ السُّبْكِيُّ: فِي تَصْوِيرِ الْمَسْأَلَة بَيْنَ الْأَصْحَابِ، وَابْنُ الصَّبَّاغِ: نَظَرٌ: فَإِنَّ الْوَلِيَّ
стр. 111
إنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْمَهْرِ، فَالْعَقْدُ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى الذِّمَّةِ، وَلَا يَصِحُّ إلَّا بِمَهْرِ الْمِثْلِ، لَا بِمُسَمَّى غَيْرُهُ، فَلَا يَتَحَقَّقُ الْخِلَافُ.
وَإِنْ أَذِنَ فِي عَيْنٍ هِيَ أَكْثَرُ مِنْ مَهْر الْمِثْل فَيَنْبَغِي أَنْ يَبْطُلَ فِي الزَّائِدِ. وَفِي الْبَاقِي خِلَافٌ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، أَوْ هُوَ كَبَيْعِهِ بِالْإِذْنِ عَيْنًا مِنْ مَالِهِ.
قَالَ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُصَوَّرَ بِقَوْلِهِ: انْكِحْ فُلَانَةِ، وَأَصْدِقْهَا مِنْ هَذَا الْمَالِ، فَأَصْدَقَ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا، لَكِنْ يَأْتِي فِيهِ الْخِلَافُ فِي إذْنه فِي الْبَيْعِ.
قَالَ: وَقَدْ تُصَوِّرَ بِمَا إذَا لَمْ يَنُصَّ عَلَى الْمَهْرِ، وَعَقَدَ عَلَى زَائِدٍ مِنْ غَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ، فَعِنْدَ ابْنِ الصَّبَّاغِ: يُرْجَعُ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ. وَعِنْدَ غَيْرِهِ: يَصِحُّ فِي قَدْرِ مَهْرِ الْمِثْلِ مِمَّا سُمِّيَ. انْتَهَى.
السَّابِعُ: أَنْ يُورِدَ عَلَى الْجُمْلَةِ لِيُخْرِج مَا لَوْ قَالَ: أَجَرْتُك كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي سَائِرِ الشُّهُورِ قَطْعًا، وَلَا فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ قَالَ: ضَمِنْتُ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ، فَالضَّمَانُ فِي الْغَدِ، وَمَا بَعْدَهُ فَاسِدٌ، وَهَلْ يَصِحُّ فِي يَوْمِ الضَّمَانِ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا، بِنَاءً عَلَى مَسْأَلَة الْإِجَارَةِ.
الثَّامِنُ: أَنْ يَكُونَ الْمَضْمُومُ إلَى الْجَائِز يَقْبَلُ الْعَقْد فِي الْجُمْلَةِ فَلَوْ قَالَ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي وَابْنِي، أَوْ وَفَرَسِي: صَحَّ نِكَاحُ الْبِنْتِ عَلَى الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّ الْمَضْمُومَ لَا يَقْبَلُ النِّكَاحَ، فَلَغَا. وَقِيلَ: بِطَرْدِ الْقَوْلَيْنِ.
تَنْبِيهٌ:
كَمَا تُفَرَّقُ الصَّفْقَةُ فِي الْمُثَمَّنِ تُفَرَّقُ فِي الثَّمَنِ وَمِثَالُهُ: مَا قَالُوهُ فِي الشُّفْعَةِ: لَوْ خَرَجَ بَعْضُ الْمُسَمَّى مُسْتَحِقًّا بَطَلَ الْبَيْعُ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ، وَفِي الْبَاقِي خِلَافُ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فِي الِابْتِدَاءِ.
[فَصْلٌ: اجْتَمَعَ فِي الْعِبَادَةِ جَانِبُ الْحَضَرِ وَجَانِبُ السَّفَرِ]
فَصْلٌ وَيَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَيْضًا: قَاعِدَةُ " إذَا اجْتَمَعَ فِي الْعِبَادَةِ جَانِبُ الْحَضَرِ، وَجَانِبُ السَّفَرِ غَلَبَ جَانِبُ الْحَضَرِ " لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ الْمُبِيحُ، وَالْمُحَرِّمُ فَغَلَبَ الْمُحَرِّمُ.
فَلَوْ مَسَحَ حَضَرًا، ثُمَّ سَافَرَ، أَوْ عَكَسَ. أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ.
وَلَوْ مَسَحَ إحْدَى الْخُفَّيْنِ حَضَرًا، وَالْأُخْرَى سَفَرًا، فَكَذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْد النَّوَوِيِّ طَرْدًا لِلْقَاعِدَةِ.
стр. 112
وَلَوْ أَحْرَمَ قَاصِرًا، فَبَلَغَتْ سَفِينَتُهُ دَار إقَامَتِهِ أَتَمَّ.
وَلَوْ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ فِي دَارِ الْإِقَامَةِ، فَسَافَرَتْ سَفِينَتُهُ، فَلَيْسَ لَهُ الْقَصْرُ.
وَاسْتَشْكَلَ تَصْوِيرُهُ ; لِأَنَّ الْقَصْرَ شَرْطُهُ النِّيَّةُ فِي الْإِحْرَام. وَلَا يَصِحُّ بِنِيَّتِهِ فِي الْإِقَامَةِ فَامْتِنَاعُ الْقَصْرِ إذَا سَافَرَ أَثْنَاءَهَا، لِفَقْدِ نِيَّتِهِ، لَا لِتَغْلِيبِ حُكْمِ الْحَضَرِ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّا نُعَلِّلَ وُجُوبَ الْإِتْمَامِ بِعِلَّتَيْنِ. إحْدَاهُمَا: اجْتِمَاعُ حُكْمِ الْحَضَرِ، وَالسَّفَرِ وَالْأُخْرَى: فَقْدُ نِيَّةِ الْقَصْر.
وَلَوْ قَضَى فَائِتَةَ سَفَرٍ فِي الْحَضَرِ، أَوْ عَكْسَهُ: امْتَنَعَ الْقَصْرُ.
وَلَوْ أَصْبَحَ صَائِمًا فِي الْإِقَامَةِ، فَسَافَرَ أَثْنَاءَ النَّهَارِ، أَوْ فِي السَّفَرِ، فَأَقَامَ أَثْنَاءَهُ: حُرِّمَ الْفِطْرُ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَلَوْ ابْتَدَأَ النَّافِلَةَ عَلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ أَرَادَ السَّفَرَ فَأَرَادَ تَرْكَ الِاسْتِقْبَالِ: لَمْ يَجُزْ لَهُ بِلَا خِلَافٍ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
وَلَوْ أَقَامَ بَيْن الصَّلَاتَيْنِ: بَطَلَ الْجَمْعُ، أَوْ قَبْلَ فَرَاغِهِمَا فِي جَمْعِ التَّأْخِيرِ: صَارَتْ الْأُولَى قَضَاءً.
وَلَوْ شَرَعَ الْمُسَافِرُ فِي الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ، فَرَأَى الْمَاءَ: لَمْ تَبْطُلْ، فَإِنْ نَوَى الْإِقَامَةَ بَعْدَهُ بَطَلَتْ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَلَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ، وَلَمْ يَرَ مَاءً: أَتَمّهَا. وَهَلْ تَجِبُ الْإِعَادَةُ؟ وَجْهَانِ. أَحَدهمَا: نَعَمْ لِأَنَّهُ صَارَ مُقِيمًا، وَالْمُقِيمُ تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ وَالثَّانِي: لَا وَبِهِ قَطَعَ الرُّويَانِيّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ.
قَالَ الْبَغَوِيّ: وَلَوْ اتَّصَلَتْ السَّفِينَةُ الَّتِي يُصَلِّي فِيهَا بِدَارَ الْإِقَامَةِ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ بِالتَّيَمُّمِ لَمْ تَبْطُلْ. وَلَمْ تَجِبْ الْإِعَادَةُ فِي الْأَصَحِّ، كَمَا لَوْ وَجَدَ الْمَاءَ. نَقَلَ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ. وَأَقَرَّهُ، فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ الرُّويَانِيُّ، وَالْبَغَوِيُّ. يُسْتَثْنَى ذَلِكَ مِنْ الْقَاعِدَةِ.
فَرْعٌ:
وَلَدْتُهُ، وَلَمْ أَرَهُ مَنْقُولًا لَوْ أَحْرَمَ بِالْجُمُعَةِ فِي سَفِينَةٍ بِدَارِ الْإِقَامَةِ عَلَى الشَّطِّ ; بِأَنْ اتَّصَلَتْ الصُّفُوفُ إلَيْهِ، فَصَلَّى مَعَ الْإِمَام رَكْعَة، ثُمَّ نَوَى الْمُفَارَقَة جَازَ وَصَحَّ إتْمَامُهُ الْجُمُعَة.
فَلَوْ سَارَتْ السَّفِينَةُ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ، وَفَارَقَتْ عُمْرَانَ الْبَلَدِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُتِمَّ الْجُمُعَةَ ; لِأَنَّهُ أَدْرَكَهَا بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ مَعَ الْإِمَامِ، وَالْوَقْتُ بَاقٍ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَنْقَلِبَ ظُهْرًا ; لِأَنَّ الْجُمُعَةَ شَرْطُهَا دَارُ الْإِقَامَةِ، فَلَمَّا فَارَقَهَا أَشْبَهَ مَا لَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ فِي أَثْنَائِهَا. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَبْطُلَ الصَّلَاةُ بِالْكُلِّيَّةِ لِأَنَّهُ طَرَأَ مَانِعٌ مِنْ إتْمَامِهَا جُمُعَة وَالْوَقْتُ بَاقٍ. وَفَرْضُهُ الْجُمُعَةُ، وَهُوَ عَاصٍ بِمُفَارَقَتِهِ بَلَدَ الْجُمُعَةِ قَبْل انْقِضَائِهَا، وَمُتَمَكِّنٌ مِنْ الْعَوْدِ إلَيْهَا لِإِدْرَاكِهَا، وَمَنْ
стр. 113
فَرْضُهُ الْجُمُعَةُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ الظُّهْرُ قَبْلَ الْيَأْسِ مِنْهَا. وَهَذَا الِاحْتِمَالُ أَوْجَهُ عِنْدِي، وَلَمْ أَرَ الْمَسْأَلَةَ مَسْطُورَةً.
[فَصْلٌ: إذَا تَعَارَضَ الْمَانِعُ وَالْمُقْتَضِي قُدِّمَ الْمَانِعُ]
فَصْلٌ وَيَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَيْضًا، قَاعِدَةُ " إذَا تَعَارَضَ الْمَانِعُ وَالْمُقْتَضِي، قُدِّمَ الْمَانِعُ " وَمِنْ فُرُوعِهَا لَوْ اُسْتُشْهِدَ الْجُنُبُ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ.
وَلَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ أَوْ الْمَاءُ عَنْ سُنَنِ الطَّهَارَة: حُرِّمَ فِعْلُهَا.
وَلَوْ ارْتَدَّ الزَّوْجَانِ مَعًا تُشْطَرُ الصَّدَاقُ فِي الْأَصَحّ، كَمَا لَوْ ارْتَدَّ وَحْدَهُ.
وَلَوْ جَرَحَهُ جُرْحَيْنِ: عَمْدًا، وَخَطَأً، أَوْ مَضْمُونًا، وَهَدْرًا، وَمَاتَ بِهِمَا: لَا قِصَاصَ.
وَلَوْ كَانَ ابْنُ الْجَانِي ابْنَ ابْن عَمٍّ لَمْ يَعْقِلْ، وَفِي قَوْلٍ: نَعَمْ، كَمَا يَلِي النِّكَاحَ، فِي هَذِهِ الصُّورَةِ.
وَأَجَابَ الْأَوَّلُ: بِأَنَّ الْبُنُوَّةَ فِي الْعَقْلِ مَانِعَةٌ، فَلَا يَعْمَلُ مَعَهَا الْمُقْتَضِي، وَفِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ لَيْسَتْ بِمَانِعَةٍ، بَلْ غَيْرُ مُقْتَضِيَةٍ، فَإِذَا وُجِدَ مُقْتَضٍ، عَمَل.
وَنَظِيرُ ذَلِكَ: مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُسْلِمِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْخُنْثَى السَّلْب إنْ قُلْنَا: الْمَرْأَةُ لَا تَسْتَحِقُّهُ. قَالَ: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، مَنْشَؤُهُمَا التَّرَدُّدُ فِي أَنَّ الذُّكُورَةَ مُقْتَضِيَةٌ، أَمْ الْأُنُوثَةُ مَانِعَةٌ؟
قَالَ: وَالْأَظْهَرُ الِاسْتِحْقَاقُ، وَلَوْ تَغَيَّرَ فَمُ الصَّائِم بِسَبَبٍ غَيْرِ الصَّوْمِ، كَأَنْ نَامَ بَعْدَ الزَّوَالِ. فَهَلْ يُكْرَهُ لَهُ السِّوَاكُ؟ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: قِيَاسُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ الْكَرَاهَةُ. وَصَرَّحَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: بِأَنَّهُ لَا يُكْرَهُ وَخَرَجَ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَة صُوَرٌ:
مِنْهَا: اخْتِلَاطُ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ بِالْكُفَّارِ، أَوْ الشُّهَدَاءِ بِغَيْرِهِمْ. يُوجِبُ غَسْلَ الْجَمِيع وَالصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ الصَّلَاةُ عَلَى الْكُفَّارِ وَالشُّهَدَاءِ حَرَامًا. وَاحْتَجَّ لَهُ الْبَيْهَقِيُّ: بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «مَرَّ بِمَجْلِسٍ، فِيهِ أَخْلَاطٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ.»
وَمِنْهَا: يُحَرَّمُ عَلَى الْمَرْأَة سَتْرُ جُزْءٍ مِنْ وَجْههَا فِي الْإِحْرَامِ، وَيَجِبُ سَتْرُ جُزْءٍ مِنْهُ مَعَ الرَّأْسِ لِلصَّلَاةِ، فَتَجِبُ مُرَاعَاةُ الصَّلَاةِ.
وَمِنْهَا: الْهِجْرَةُ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ بِلَادِ الْكُفْرِ وَاجِبَةٌ. وَإِنْ كَانَ سَفَرُهَا وَحْدَهَا حَرَامًا.
خَاتِمَةٌ:
لَهُمْ قَاعِدَةٌ عَكْسَ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ، وَهِيَ «الْحَرَامُ لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ» ، وَهُوَ لَفْظُ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ عَنْ ابْن عُمَرَ، مَرْفُوعًا.
стр. 114
قَالَ ابْنُ السُّبْكِيُّ: وَقَدْ عُورِضَ بِهِ حَدِيثُ «إذَا اجْتَمَعَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ، غَلَبَ الْحَرَامُ» ، وَلَيْسَ بِمُعَارَضٍ ; لِأَنَّ الْمَحْكُومَ بِهِ ثَمَّ إعْطَاءَ الْحَلَالِ حُكْمَ الْحَرَامِ تَغْلِيبًا وَاحْتِيَاطًا لَا صَيْرُورَتُهُ فِي نَفْسِهِ حَرَامًا.
وَمِنْ فُرُوعِ ذَلِكَ: مَا تَقَدَّمَ فِي خَلْطِ الدِّرْهَمِ الْحَرَام بِالْمُبَاحِ. وَخَلْطِ الْحَمَام الْمَمْلُوك بِالْمُبَاحِ غَيْرِ الْمَحْصُورِ. وَكَذَا الْمُحْرَمُ بِالْأَجَانِبِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ.
وَمِنْهَا: لَوْ مَلَكَ أُخْتَيْنِ فَوَطِئَ وَاحِدَةً، حُرِّمْت عَلَيْهِ الْأُخْرَى. فَلَوْ وَطِئَ الثَّانِيَةَ لَمْ تُحَرَّمْ عَلَيْهِ الْأُولَى، لِأَنَّ الْحَرَامَ لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ.
وَفِي وَجْهٍ. إذَا أَحْبَلَ الثَّانِيَةَ حَلَّتْ، وَحُرِّمَتْ الْأُولَى، قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَهُوَ غَرِيبٌ.
[الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ: الْإِيثَارُ فِي الْقُرْبِ مَكْرُوهٌ وَفِي غَيْرِهَا مَحْبُوبٌ]
ٌ. قَالَ تَعَالَى ( ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] .
قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ: لَا إيثَارَ فِي الْقُرُبَاتِ، فَلَا إيثَارِ بِمَاءِ الطَّهَارَةِ، وَلَا بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَلَا بِالصَّفِّ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ الْغَرَضَ بِالْعِبَادَاتِ: التَّعْظِيمُ، وَالْإِجْلَالُ. فَمَنْ آثَرَ بِهِ، فَقَدْ تَرَكَ إجْلَالَ الْإِلَهِ وَتَعْظِيمِهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ: لَوْ دَخَلَ الْوَقْتُ وَمَعَهُ مَاءٌ يَتَوَضَّأُ بِهِ فَوَهَبَهُ لِغَيْرِهِ لِيَتَوَضَّأ بِهِ، لَمْ يَجُزْ، لَا أَعْرِفُ فِيهِ خِلَافًا ; لِأَنَّ الْإِيثَارَ: إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالنُّفُوسِ، لَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْقُرَبِ، وَالْعِبَادَاتِ.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، فِي بَابِ الْجُمُعَةِ: لَا يُقَامُ أَحَدٌ مِنْ مَجْلِسِهِ لِيُجْلَسَ فِي مَوْضِعِهِ، فَإِنْ قَامَ بِاخْتِيَارِهِ، لَمْ يُكْرَه، فَإِنْ انْتَقَلَ إلَى أَبْعَدَ مِنْ الْإِمَامِ كُرِهَ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: لِأَنَّهُ آثَرَ بِالْقُرْبَةِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، فِي الْفُرُوقِ: مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلَاة، وَمَعَهُ مَا يَكْفِيهِ لِطَهَارَتِهِ، وَهُنَاكَ مَنْ يَحْتَاجُهُ لِلطَّهَارَةِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْإِيثَارُ.
وَلَوْ أَرَادَ الْمُضْطَرُّ: إيثَارَ غَيْرِهِ بِالطَّعَامِ، لِاسْتِبْقَاءِ مُهْجَتِهِ، كَانَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ خَافَ فَوَاتَ مُهْجَتِهِ.
وَالْفَرْقُ: أَنَّ الْحَقَّ فِي الطَّهَارَة لِلَّهِ، فَلَا يُسَوَّغُ فِيهِ الْإِيثَار، وَالْحَقُّ فِي حَالِ الْمَخْمَصَةِ لِنَفْسِهِ.
وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ الْمُهْجَتَيْنِ عَلَى شَرَفِ التَّلَفِ، إلَّا وَاحِدَةٌ تُسْتَدْرَكُ بِذَلِكَ الطَّعَامِ، فَحَسُنَ إيثَارُ غَيْرِهِ عَلَى نَفْسِهِ.
قَالَ: وَيُقَوِّي هَذَا الْفَرْقَ مَسْأَلَةٌ الْمُدَافَعَةِ ; وَهِيَ: أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قُصِدَ قَتْلُهُ ظُلْمًا
стр. 115
وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الدَّفْعِ، غَيْر أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الدَّفْعَ رُبَّمَا يَقْتُلُ الْقَاصِدَ، فَلَهُ الِاسْتِسْلَامُ.
وَقَالَ الْخَطِيبُ فِي الْجَامِع: كَرِهَ قَوْمٌ إيثَارَ الطَّالِبِ غَيْرَهُ بِنَوْبَتِهِ فِي الْقِرَاءَةِ، لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْعِلْمِ وَالْمُسَارَعَةَ إلَيْهِ قُرْبَةٌ، وَالْإِيثَارُ بِالْقُرْبِ مَكْرُوهٌ، انْتَهَى.
وَقَدْ جَزَمَ بِذَلِكَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ; وَقَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: الْإِيثَارُ بِالْقُرْبِ مَكْرُوهٌ، أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ فِي حُظُوظِ النَّفْسِ، وَأُمُورِ الدُّنْيَا.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَكَلَامُ الْإِمَامِ وَوَالِدِهِ السَّابِق: يَقْتَضِي أَنَّ الْإِيثَارَ بِالْقُرْبِ حَرَامٌ، فَحَصَلَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
قُلْت: لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْإِيثَارُ إنْ أَدَّى إلَى تَرْكِ وَاجِبٍ فَهُوَ حَرَامٌ: كَالْمَاءِ، وَسَاتِرِ الْعَوْرَةِ، وَالْمَكَانِ فِي جَمَاعَةٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ، وَلَا تَنْتَهِي النَّوْبَةُ، لِآخِرِهِمْ إلَّا بَعْدَ الْوَقْتِ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ، وَإِنْ أَدَّى إلَى تَرْكِ سُنَّةٍ، أَوْ ارْتِكَابِ مَكْرُوهٌ فَمَكْرُوهٌ، أَوْ لِارْتِكَابِ خِلَافِ الْأَوْلَى، مِمَّا لَيْسَ فِيهِ نَهْيٌ مَخْصُوصٌ، فَخِلَافُ الْأَوْلَى وَبِهَذَا يَرْتَفِع الْخِلَافُ.
تَنْبِيهٌ:
مِنْ الْمُشْكِلِ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ: مَنْ جَاءَ وَلَمْ يَجِدْ فِي الصَّفِّ فُرْجَةً، فَإِنَّهُ يَجُرُّ شَخْصًا بَعْدَ الْإِحْرَام، وَيُنْدَبُ لِلْمَجْرُورِ أَنْ يُسَاعِدَهُ، فَهَذَا يُفَوِّتُ عَلَى نَفْسِهِ قُرْبَةً، وَهُوَ أَجْرُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ.
[الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ: التَّابِعُ تَابِعٌ]
[الْقَاعِدَةِ الْأُولَى: التَّابِعُ لَا يُفْرَدُ بِالْحُكْمِ]
الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ التَّابِعُ تَابِعٌ يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ قَوَاعِدُ: الْأُولَى: أَنَّهُ لَا يُفْرَدُ بِالْحُكْمِ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا جُعِلَ تَبَعًا. وَمِنْ فُرُوعِهِ: لَوْ أَحْيَا شَيْئًا لَهُ حَرِيمٌ، مَلَكَ الْحَرِيمَ فِي الْأَصَحِّ، تَبَعًا فَلَوْ بَاعَ الْحَرِيمَ دُون الْمِلْكِ، لَمْ يَصِحَّ وَمِنْهَا: الْحَمْلُ يَدْخُلُ فِي بَيْعِ الْأُمِّ تَبَعًا لَهَا، فَلَا يُفْرَدُ بِالْبَيْعِ.
وَمِنْهَا: الدُّودُ الْمُتَوَلِّدُ فِي الطَّعَامِ يَجُوزُ أَكْلُهُ مَعَهُ، تَبَعًا لَا مُنْفَرِدًا فِي الْأَصَحِّ.
وَمِنْهَا: لَوْ نَقَضَ السُّوقَةُ الْعَهْدَ، وَلَمْ يَعْلَمَ الرَّئِيسُ وَالْأَشْرَافُ، فَفِي انْتِقَاضِ الْعَهْدِ فِي حَقِّ السُّوقَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: الْمَنْعُ، كَمَا لَا اعْتِبَارَ بِعَهْدِهِمْ. حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ ابْنُ كَجٍّ.
стр. 116
وَمِنْهَا قَوْلُهُمْ: صِفَاتُ الْحُقُوقِ لَا تُفْرَدُ بِالْإِسْقَاطِ ; لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ، فَلَوْ أَسْقَطَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ الْأَجَلَ ; لَمْ يَسْقُطْ، وَلَا يَتَمَكَّنُ الْمُسْتَحِقُّ مِنْ مُطَالَبَتِهِ فِي الْحَالِ، فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ صِفَةٌ تَابِعَةٌ وَالصِّفَةُ لَا تُفْرَدُ بِالْإِسْقَاطِ، وَكَذَا لَوْ أَسْقَطَ الْجَوْدَةَ أَوْ الصِّحَّةَ لَا تَسْقُطُ، جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ.
وَلَوْ أَسْقَطَ الرَّهْنَ، أَوْ الْكَفِيلَ سَقَطَ فِي الْأَصَحِّ.
وَقَالَ الْجُوَيْنِيُّ: لَا كَالْأَجَلِ، وَفَرَّقَ غَيْرُهُ بِأَنَّ شَرْطَ الْقَاعِدَةِ: أَنْ لَا يَكُونَ الْوَصْفُ مِمَّا يُفْرَدُ بِالْعَقْدِ، كَالرَّهْنِ وَالْكَفِيلِ، بِخِلَافِ الْأَجَلِ، فَإِنَّهُ وَصْفٌ لَازِمٌ لَا يُمْكِنُ إنْشَاؤُهُ بِعَقْدٍ مُسْتَقِلٍّ.
[الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ: التَّابِعُ يَسْقُطُ بِسُقُوطِ الْمَتْبُوعِ]
الثَّانِيَةُ التَّابِعُ يَسْقُطُ بِسُقُوطِ الْمَتْبُوعِ وَمِنْ فُرُوعِهِ: مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ فِي أَيَّامِ الْجُنُونِ، لَا يُسْتَحَبُّ قَضَاءُ رَوَاتِبِهَا ; لِأَنَّ الْفَرْضَ سَقَطَ، فَكَذَا تَابِعُهُ.
وَمِنْهَا: مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَتَحَلَّلَ بِالطَّوَافِ، وَالسَّعْيِ، وَالْحَلْقِ، لَا يَتَحَلَّلُ بِالرَّمْيِ، وَالْمَبِيتِ لِأَنَّهَا مِنْ تَوَابِع الْوُقُوفِ، وَقَدْ سَقَطَ فَيَسْقُطُ التَّابِعُ.
وَمِنْهَا: إذَا بَطَل أَمَانُ رِجَالِ، أَوْ أَشْرَافٍ، فَفِي وَجْهٍ: يَبْطُلُ الْأَمَانُ فِي الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ، وَالسُّوقَةِ ; لِأَنَّهُمْ إنَّمَا دَخَلُوا فِي الْأَمَانِ تَبَعًا، وَلَكِنَّ الْأَصَحَّ خِلَافُهُ.
وَمِنْهَا: لَوْ مَاتَ الْفَارِسُ سَقَطَ سَهْمُ الْفَرَسِ لِأَنَّهُ تَابِعٌ: فَإِذَا فَاتَ الْأَصْلُ سَقَطَ. وَلَوْ مَاتَ الْفَرَسُ اسْتَحَقَّ الْفَارِسُ سَهْمَ الْفَرَسِ ; لِأَنَّهُ مَتْبُوعٌ.
وَمِنْهَا: لَوْ مَاتَ الْغَازِي، فَفِي قَوْلٍ: لَا يُصْرَفُ لِأَوْلَادِهِ وَزَوْجَتِهِ مِنْ الدِّيوَانِ لِأَنَّ تَبَعِيَّتَهُمْ زَالَتْ بِمَوْتِهِ، وَالْأَصَحُّ خِلَافُهُ، تَرْغِيبًا فِي الْجِهَادِ.
وَمِنْهَا: لَوْ امْتَنَعَ غَسْلَ الْوَجْهِ فِي الْوُضُوءِ لِعِلَّةٍ بِهِ، وَمَا جَاوَرَهُ صَحِيحٌ، لَمْ يُسْتَحَبَّ غَسْلُهُ لِلْغُرَّةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ، وَنَقَلَهُ فِي الْمَطْلَبِ وَأَقَرَّهُ ; لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِغَسْلِ الْوَجْهِ، فَسَقَطَ لِسُقُوطِهِ لَكِنْ جَزَمُوا بِأَنَّهُ لَوْ قُطِعَ مِنْ فَوْقِ الذِّرَاعِ نُدِبَ غَسْلُ بَاقِي عَضُدِهِ، مُحَافَظَةً عَلَى التَّحْجِيلِ.
قَالَ الْجُوَيْنِيُّ: وَإِنَّمَا لَمْ يَسْقُطْ التَّابِعُ فِي هَذِهِ الصُّورَة لِسُقُوطِ الْمَتْبُوعِ، كَمَنْ فَاتَتْهَا صَلَاةٌ زَمَنَ الْحَيْضِ وَالْجُنُونِ فَإِنَّهَا لَا تَقْضِي رَوَاتِبَهَا، كَمَا لَا يُقْضَى الْفَرْضُ ; لِأَنَّ سُقُوطَ الْقَضَاءِ فِيمَا ذُكِرَ رُخْصَةٌ مَعَ إمْكَانِهِ، فَإِذَا سَقَطَ الْأَصْلُ مَعَ إمْكَانِهِ، فَالتَّابِعُ أَوْلَى. وَسُقُوطُ الْأَصْلِ هُنَا لِتَعَذُّرِهِ، وَالتَّعَذُّرُ مُخْتَصٌّ بِالذِّرَاعِ، فَبَقِيَ الْعَضُدُ عَلَى مَا كَانَ مِنْ الِاسْتِحْبَابِ، وَصَارَ كَالْمُحْرِمِ الَّذِي لَا شَعْرَ عَلَى رَأْسِهِ، يُنْدَبُ إمْرَارُ الْمُوسَى عَلَيْهِ. كَذَا فَرَّقَ الْجُوَيْنِيُّ، وَجَزَمَ بِهِ الشَّيْخَانِ.
стр. 117
وَفَرَّقَ ابْنُ الرِّفْعَةِ بِأَنَّ السُّنَّةَ شَهِدَتْ بِأَنَّ تِلْكَ النَّوَافِلَ مُكَمِّلَةٌ لِنَقْصِ الْفَرَائِضِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فَرِيضَةٌ، فَلَا تَكْمِلَةَ، وَلَيْسَ تَطْوِيلُ التَّحْجِيلِ مَأْمُورًا بِهِ لِتَكْمِلَةِ غُسْلِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، لِأَنَّهُ كَامِلٌ بِالْمُشَاهَدَةِ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ مَطْلُوبًا لِنَفْسِهِ.
وَفِي هَذَا الْفَرْقِ مَنَعَ كَوْنِهِ تَابِعًا، وَإِلَيْهِ مَالَ الْإِسْنَوِيُّ. وَفَرَّقَ بَيْن مَسْأَلَةِ الْيَدِ وَالْوَجْهِ: بِأَنَّ فَرْضَ الرَّأْسِ الْمَسْحُ، وَهُوَ بَاقٍ عِنْد تَعَذُّرِ غَسْل الْوَجْهِ. وَاسْتِحْبَاب مَسْحِ الْعُنُقِ وَالْأُذُنَيْنِ بَاقٍ بِحَالِهِ، فَإِذَا لَمْ يُسْتَحَبُّ غَسْلُ ذَلِكَ، لَمْ يَخْلُ الْمَحِلُّ الْمَطْلُوبُ عَنْ الطَّهَارَةِ، وَلَا كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْيَدِ.
[تَنْبِيهٌ: الْفَرْعُ يَسْقُطُ بِسُقُوطِ الْأَصْل]
تَنْبِيهٌ:
يَقْرُبُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: " الْفَرْعُ يَسْقُطُ إذَا سَقَطَ الْأَصْلُ ". وَمِنْ فُرُوعِهِ: إذَا بَرِئَ الْأَصِيلُ بَرِئَ الضَّامِنُ لِأَنَّهُ فَرْعُهُ، فَإِذَا سَقَطَ الْأَصِيلُ، سَقَطَ بِخِلَافِ الْعَكْس، وَقَدْ يَثْبُتُ الْفَرْعُ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْأَصْلُ، وَلِذَلِكَ صُوَرٌ:
مِنْهَا: لَوْ قَالَ شَخْصٌ: لِزَيْدٍ عَلَى عَمْرٍو أَلْفٌ، وَأَنَا ضَامِنٌ بِهِ فَأَنْكَرَ عَمْرُو، فَفِي مُطَالَبَة الضَّامِنِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ.
وَمِنْهَا: ادَّعَى الزَّوْجُ الْخُلْعَ، وَأَنْكَرَتْ: ثَبَتَتْ الْبَيْنُونَةُ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْمَال الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ.
وَمِنْهَا قَالَ: بِعْت عَبْدِي مِنْ زَيْدٍ، وَأَعْتَقَهُ زَيْدٌ. فَأَنْكَرَ زَيْدٌ، أَوْ قَالَ: بِعْتُهُ مِنْ نَفْسِهِ فَأَنْكَرَ الْعَبْدُ، عَتَقَ فِيهِمَا، وَلَمْ يَثْبُتْ الْعِوَضُ.
وَمِنْهَا: قَالَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ فُلَانَةُ بِنْتُ أَبَانَا، وَأَنْكَرَ الْآخَرُ فَفِي حِلِّهَا لِلْمُقِرِّ وَجْهَانِ.
وَالْمَجْزُومُ بِهِ فِي النِّهَايَةِ: التَّحْرِيمُ، وَهُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ، فَقَدْ ثَبَتَ الْفَرْعُ دُونَ الْأَصْلِ:
وَمِنْهُ: قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ أُخْتِي مَنْ النَّسَبِ، وَهِيَ مَعْرُوفَةُ النَّسَبِ مِنْ غَيْر أَبِيهِ فَفِي تَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ وَجْهَانِ، أَوْ مَجْهُولَةُ النَّسَب، وَكَذَّبَتْهُ: انْفَسَخَ نِكَاحُهَا فِي الْأَصَحِّ.
وَمِنْهَا: ادَّعَتْ زَوْجِيَّةَ رَجُلٍ، فَأَنْكَرَ، فَفِي تَحْرِيمِ النِّكَاحِ عَلَيْهَا وَجْهَانِ.
وَمِنْهَا: ادَّعَتْ الْإِصَابَةَ، قَبْلَ الطَّلَاقِ، وَأَنْكَرَ، فَفِي وُجُوبِ الْعِدَّةُ عَلَيْهَا وَجْهَانِ الْأَصَحُّ: نَعَمْ.
[الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ: التَّابِعُ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَتْبُوعِ]
الثَّالِثَةُ التَّابِعُ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَتْبُوعِ وَمِنْ فُرُوعِهِ: الْمُزَارَعَةُ عَلَى الْبَيَاضِ بَيْن النَّخْلِ وَالْعِنَبِ جَائِزَةٌ تَبَعًا لَهَا بِشُرُوطٍ.
стр. 118
مِنْهَا: أَنْ يَتَقَدَّمَ لَفْظُ الْمُسَاقَاةِ، فَلَوْ قَدَّمَ لَفْظَ الْمُزَارَعَةِ، فَقَالَ: زَارَعْتُك عَلَى الْبَيَاضِ، وَسَاقَيْتُك عَلَى النَّخْلِ عَلَى كَذَا.
لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّ التَّابِعَ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَتْبُوعِ.
وَمِنْهَا: لَوْ بَاعَ بِشَرْطِ الرَّهْنِ فَقَدَّمَ لَفْظَ الرَّهْنِ عَلَى الْبَيْعِ، لَمْ يَصِحَّ.
وَمِنْهَا: لَا يَصِحُّ تَقَدُّمُ الْمَأْمُومِ عَلَى إمَامِهِ فِي الْمَوْقِفِ. وَلَا فِي تَكْبِيرَة الْإِحْرَامِ وَالسَّلَامِ وَلَا فِي سَائِرِ الْأَفْعَالِ فِي وَجْهٍ.
وَمِنْهَا: لَوْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامِ شَخْصٌ يَحْصُلُ بِهِ الِاتِّصَالُ وَلَوْلَا هُوَ لَمْ تَصِحَّ قُدْوَتُهُ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يُحْرِمَ قَبْلَهُ ; لِأَنَّهُ تَابِعٌ لَهُ، كَمَا أَنَّهُ تَابِعٌ لِإِمَامِهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ.
وَمِنْهَا: ذَكَرَ الْقَاضِي أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ حَضَرَ الْجُمُعَةَ مَنْ لَا تَنْعَقِدُ بِهِ، كَالْمُسَافِرِ وَالْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ لَمْ يَصِحَّ إحْرَامُهُمْ بِهَا إلَّا بَعْدَ إحْرَامِ أَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِ الْكَمَالِ لِأَنَّهُمْ تَبَعٌ لَهُمْ كَمَا فِي أَهْلِ الْكَمَالِ مَعَ الْإِمَامِ.
[الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ: يُغْتَفَرُ فِي التَّوَابِعِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي غَيْرِهَا]
الرَّابِعَةُ يُغْتَفَرُ فِي التَّوَابِعِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي غَيْرِهَا وَقَرِيبٌ مِنْهَا: يُغْتَفَرُ فِي الشَّيْءِ ضِمْنًا مَا لَا يُغْتَفَرُ فِيهِ قَصْدًا.
وَرُبَّمَا يُقَالُ: يُغْتَفَرُ فِي الثَّوَانِي مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْأَوَائِلِ.
وَقَدْ يُقَالُ: أَوَائِلُ الْعُقُودِ تُؤَكَّدُ بِمَا لَا يُؤَكَّدُ بِهِ أَوَاخِرُهَا، وَالْعِبَارَةُ الْأُولَى أَحْسَنُ وَأَعَمُّ.
وَمِنْ فُرُوعِهَا: سُجُودُ التِّلَاوَةِ فِي الصَّلَاةِ، يَجُوزُ عَلَى الرَّاحِلَةِ قَطْعًا تَبَعًا، وَجَرَى فِيهِ خَارِجُهَا خِلَافٌ لِاسْتِقْلَالِهِ.
وَمِنْهَا: الْمُسْتَعْمَلُ فِي الْوُضُوءِ، لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْجَنَابَةِ اتِّفَاقًا، وَيَسْتَتْبِعُ غُسْلُ الْجَنَابَةِ الْوُضُوءَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَيَنْدَرِجُ فِيهِ التَّرْتِيبُ وَالْمَسْحُ.
وَمِنْهَا: الْمُسْتَعْمَلُ فِي الْحَدَثِ، لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْخَبَثِ، وَعَكْسُهُ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ كَانَ عَلَى مَحِلّ نَجَاسَةٍ فَغَسَلَهُ عَنْهَا وَعَنْ الْحَدَثِ طَهُرَا فِي الْأَصَحِّ.
وَمِنْهَا: لَا يَثْبُتُ شَوَّالٌ إلَّا بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ قَطْعًا.
وَلَوْ صَامُوا بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَلَمْ يَرَوْا الْهِلَالَ، أَفْطَرُوا فِي الْأَصَحِّ لِحُصُولِهِ ضِمْنًا وَتَبَعًا.
وَمِنْهَا: لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ، فَلَوْ شَهِدْنَ بِالْوِلَادَةِ عَلَى الْفِرَاشِ ثَبَتَ النَّسَبُ تَبَعًا.
وَمِنْهَا: الْبَيْعُ الضِّمْنِيُّ، يُغْتَفَرُ فِيهِ تَرْكُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَلَا يُغْتَفَرُ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ الْمُسْتَقِلِّ.
стр. 119
وَمِنْهَا: الصُّوَرُ الَّتِي يَصِحُّ فِيهَا مِلْكُ الْكَافِرِ الْمُسْلِمِ، لِكَوْنِهِ تَبَعًا لَهُ وَلَا يَصِحُّ اسْتِقْلَالًا وَسَتَأْتِي فِي الْكِتَابِ الْخَامِسِ.
وَمِنْهَا: لَا يَصِحُّ بَيْعُ الزَّرْعِ الْأَخْضَرِ إلَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ، فَإِنْ بَاعَهُ مَعَ الْأَرْضِ جَازَ تَبَعًا وَمِنْهَا: لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ الْإِبْرَاءِ.
وَلَوْ عُلِّقَ عِتْقُ الْمُكَاتَبِ جَازَ وَإِنْ كَانَ مُتَضَمِّنًا لِلْإِبْرَاءِ. وَمِنْهَا: لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ الِاخْتِيَارِ، وَلَهُ تَعْلِيقُ طَلَاقِ أَرْبَعٍ مِنْهُنَّ مَثَلًا، فَيَقَعُ الِاخْتِيَار. مُعَلَّقًا ضِمْنًا، فَإِنَّ الطَّلَاقَ اخْتِيَارٌ لِلْمُطَلَّقَةِ.
وَمِنْهَا: الْوَقْفُ عَلَى نَفْسِهِ، لَا يَصِحُّ.
وَلَوْ وَقَفَ عَلَى الْفُقَرَاءِ ثُمَّ صَارَ مِنْهُمْ اسْتَحَقَّ فِي الْأَصَحِّ تَبَعًا.
[الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ: تَصَرُّفُ الْإِمَامِ عَلَى الرَّعِيَّةِ مَنُوطٌ بِالْمَصْلَحَةِ]
ِ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ نَصَّ عَلَيْهَا الشَّافِعِيُّ وَقَالَ " مَنْزِلَةَ الْإِمَامِ مِنْ الرَّعِيَّةِ مَنْزِلَة الْوَلِيِّ مِنْ الْيَتِيمِ ". قُلْت: وَأَصْلُ ذَلِكَ: مَا أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ. قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ ﵁ " إنِّي أَنْزَلْتُ نَفْسِي مِنْ مَالِ اللَّهِ بِمَنْزِلَةِ وَالِي الْيَتِيمِ، إنْ احْتَجْتُ أَخَذْتُ مِنْهُ فَإِذَا أَيْسَرْتُ رَدَدْتُهُ فَإِنْ اسْتَغْنَيْتُ اسْتَعْفَفْتُ ".
وَمِنْ فُرُوعِ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا قَسَّمَ الزَّكَاةَ عَلَى الْأَصْنَافِ يُحَرَّمُ عَلَيْهِ التَّفْضِيلُ، مَعَ تَسَاوِي الْحَاجَاتِ. وَمِنْهَا: إذَا أَرَادَ إسْقَاطَ بَعْضِ الْجُنْدِ مِنْ الدِّيوَان بِسَبَبٍ: جَازَ، وَبِغَيْرِ سَبَبٍ لَا يَجُوزُ حَكَاهُ فِي الرَّوْضَةِ.
وَمِنْهَا: مَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ أَنْ يُنَصِّبَ إمَامًا لِلصَّلَاةِ فَاسِقًا، وَإِنْ صَحَّحْنَا الصَّلَاةَ خَلْفَهُ ; لِأَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ. وَوَلِيُّ الْأَمْرِ مَأْمُورٌ بِمُرَاعَاةِ الْمَصْلَحَةِ، وَلَا مَصْلَحَةَ فِي حَمْلِ النَّاس عَلَى فِعْل الْمَكْرُوهِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ إذَا تُخَيِّرَ فِي الْأَسْرَى بَيْن الْقَتْل، وَالرِّقِّ، وَالْمَنّ وَالْفِدَاءِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ بِالتَّشَهِّي بَلْ بِالْمَصْلَحَةِ. حَتَّى إذَا لَمْ يَظْهَرْ وَجْهُ الْمَصْلَحَةِ يَحْبِسُهُمْ إلَى أَنْ يَظْهَرَ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْعَفْوُ عَنْ الْقِصَاصِ مَجَّانًا ; لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمَصْلَحَةِ، بَلْ إنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي الْقِصَاصِ اقْتَصَّ، أَوْ فِي الدِّيَة أَخَذَهَا.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ امْرَأَةً بِغَيْرِ كُفْءٍ، وَإِنْ رَضِيَتْ ; لِأَنَّ حَقَّ الْكَفَاءَة لِلْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ كَالنَّائِبِ عَنْهُمْ، فَلَا يَقْدِرُ عَلَى إسْقَاطِهِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يُجِيزُ وَصِيَّةَ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ فِي مَالِ بَيْتِ الْمَالِ غَيْرَ الْأَحْوَجِ عَلَى الْأَحْوَجِ.
стр. 120
قَالَ السُّبْكِيُّ فِي فَتَاوِيهِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ إمَامٌ، فَهَلْ لِغَيْرِ الْأَحْوَجِ أَنْ يَتَقَدَّمَ بِنَفْسِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، إذَا قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ، مِلْت إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ.
وَاسْتَنْبَطْت ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ «إنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ، وَاَللَّهُ الْمُعْطِي» .
قَالَ: وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّ التَّمْلِيكَ وَالْإِعْطَاءَ إنَّمَا هُوَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لَا مِنْ الْإِمَامِ، فَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُمَلِّكَ أَحَدًا إلَّا مَا مَلَّكَهُ اللَّهُ. وَإِنَّمَا وَظِيفَةُ الْإِمَامِ الْقِسْمَةُ. وَالْقِسْمَةُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ بِالْعَدْلِ.
وَمِنْ الْعَدْلِ: تَقَدُّمُ الْأَحْوَجِ وَالتَّسْوِيَةُ بَيْن مُتَسَاوِي الْحَاجَاتِ فَإِذَا قَسَمَ بَيْنَهُمَا، وَدَفَعَهُ إلَيْهِمَا عَلِمْنَا أَنَّ اللَّهَ مَلَّكَهُمَا قَبْلَ الدَّفْعِ. وَأَنَّ الْقِسْمَةَ إنَّمَا هِيَ مُعَيِّنَةٌ لِمَا كَانَ مُبْهَمًا، كَمَا هُوَ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ إمَامٌ وَبَدَرَ أَحَدُهُمَا وَاسْتَأْثَرَ بِهِ، كَانَ كَمَا لَوْ اسْتَأْثَرَ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ بِالْمَاءِ الْمُشْتَرَكِ، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.
قَالَ: وَنَظِيرُ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ: أَنَّهُ لَوْ وَرَدَ اثْنَانِ عَلَى مَاءٍ مُبَاحٍ وَأَحَدُهُمَا أَحْوَجُ، فَبَدَرَ الْآخَرُ وَأَخَذَ مِنْهُ: أَنَّهُ يَكُونُ مُسِيئًا.
وَمِنْهَا: وَقَعَ بَعْدَ السَّبْعِمِائَةِ بِبِلَادِ الصَّعِيد أَنَّ عَبْدًا انْتَهَى الْمِلْكُ فِيهِ لِبَيْتِ الْمَالِ فَاشْتَرَى نَفْسَهُ مِنْ وَكِيلِ بَيْتِ الْمَالِ، فَأَفْتَى جَلَالُ الدِّينِ الدِّشْنَاوِيُّ بِالصِّحَّةِ " فَرُفِعَتْ الْوَاقِعَةُ إلَى الْقَاضِي شَمْسِ الدِّينِ الْأَصْبَهَانِيِّ فَقَالَ: لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ عَقْدُ عَتَاقَةٍ، وَلَيْسَ لِوَكِيلِ بَيْتِ الْمَالِ أَنْ يُعْتِقَ عَبْدَ بَيْتِ الْمَالِ.
قَالَ ابْنُ السُّبْكِيّ فِي التَّوْشِيحِ: وَالصَّوَابُ مَا أَفْتَى بِهِ الدِّشْنَاوِيُّ، فَإِنَّ هَذَا الْعِتْقَ إنَّمَا وَقَعَ بِعِوَضٍ، فَلَا تَضْيِيعَ فِيهِ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ.
[الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةُ: الْحُدُودُ تَسْقُط بِالشُّبُهَاتِ]
ِ قَالَ ﷺ «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ ; فِي جُزْءٍ لَهُ مِنْ حَدِيث ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «ادْفَعُوا الْحُدُودَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» .
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ " «ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ وَجَدْتُمْ لِلْمُسْلِمِ مَخْرَجًا، فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَإِنَّ الْإِمَامَ لَأَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ» وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ مَوْقُوفًا.
وَأَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا «ادْرَءُوا الْحُدُودَ» فَقَطْ.
وَقَالَ مُسَدَّدٌ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا يَحْيَى الْقَطَّانُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ
стр. 121
عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ " ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبْهَةِ " وَهُوَ مَوْقُوفٌ، حَسَنُ الْإِسْنَادِ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْهُ مَوْقُوفًا " ادْرَءُوا الْحُدُودَ، وَالْقَتْلَ عَنْ عِبَادِ اللَّهِ مَا اسْتَطَعْتُمْ ".
الشُّبْهَة تُسْقِطُ الْحَدّ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي الْفَاعِل، كَمَنْ وَطِئَ امْرَأَة ظَنَّهَا حَلِيلَتَهُ أَوْ فِي الْمَحَلّ، بِأَنْ يَكُونَ لِلْوَاطِئِ فِيهَا مِلْكٌ أَوْ شُبْهَةٌ، كَالْأَمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَالْمُكَاتَبَةِ. وَأَمَةِ وَلَدِهِ وَمَمْلُوكَتِهِ الْمَحْرَم أَوْ فِي الطَّرِيقِ بِأَنْ يَكُونَ حَلَالًا عِنْدَ قَوْمٍ، حَرَامًا عِنْدَ آخَرِينَ، كَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَالنِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ أَوْ بِلَا شُهُودٍ، وَكُلّ نِكَاحٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، وَشُرْبُ الْخَمْرِ لِلتَّدَاوِي. وَإِنْ كَانَ الْأَصَحُّ تَحْرِيمُهُ، لِشُبْهَةِ الْخِلَافِ.
وَكَذَا يَسْقُطُ الْحَدُّ بِقَذْفِ مَنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِزِنَاهَا، وَأَرْبَعٌ أَنَّهَا عَذْرَاءُ، لِاحْتِمَالِ صِدْقِ بَيِّنَةِ الزِّنَا، وَأَنَّهَا عَذْرَاءُ لَمْ تَزُلْ بَكَارَتُهَا بِالزِّنَا. وَسَقَطَ عَنْهَا الْحَدُّ لِشُبْهَةِ الشَّهَادَة بِالْبَكَارَةِ. وَلَا قَطْعَ بِسَرِقَةِ مَالِ أَصْلِهِ، وَفَرْعِهِ وَسَيِّدِهِ، وَأَصْلِ سَيِّدِهِ وَفَرْعه، لِشُبْهَةِ اسْتِحْقَاقِ النَّفَقَةِ وَسَرِقَةِ مَا ظَنَّهُ مِلْكَهُ، أَوْ مِلْكَ أَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ.
وَلَوْ ادَّعَى كَوْنَ الْمَسْرُوقِ مِلْكَهُ. سَقَطَ الْقَطْعُ، نَصَّ عَلَيْهِ لِلشُّبْهَةِ. وَهُوَ اللِّصُّ الظَّرِيفُ وَنَظِيرُهُ: أَنْ يَزْنِيَ بِمَنْ لَا يَعْرِفُ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ. فَيَدَّعِي أَنَّهَا زَوْجَتُهُ، فَلَا يُحَدَّ.
وَلَا يُقْتَلُ فَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ مُتَعَمِّدًا، لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ. وَكَذَا مَنْ مَسَّ أَوْ لَمَسَ وَصَلَّى مُتَعَمِّدًا وَهُوَ شَافِعِيٌّ، أَوْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَنْوِ. ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ.
وَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ أَيْضًا بِالشُّبْهَةِ، فَلَوْ قَدَّ مَلْفُوفًا وَزَعَمَ مَوْتَهُ، صُدِّقَ الْوَلِيُّ وَلَكِنْ تَجِبُ الدِّيَةُ دُونَ الْقِصَاصِ لِلشُّبْهَةِ وَلَوْ قُتِلَ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ: مَنْ لَا يُدْرَى أَمُسْلِمٌ أَوْ كَافِرٌ؟ وَحُرٌّ أَوْ عَبْدٌ؟ فَلَا قِصَاصَ لِلشُّبْهَةِ نَقَلَهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ، عَنْ الْبَحْرِ.
[تَنْبِيهٌ: الشُّبْهَةُ لَا تُسْقِطُ التَّعْزِيرَ وَتُسْقِطُ الْكَفَّارَةَ]
تَنْبِيهٌ:
الشُّبْهَةُ: لَا تُسْقِطُ التَّعْزِيرَ، وَتُسْقِطُ الْكَفَّارَةَ فَلَوْ جَامَعَ نَاسِيًا فِي الصَّوْم أَوْ الْحَجّ، فَلَا كَفَّارَة لِلشُّبْهَةِ، وَكَذَا لَوْ وَطِئَ عَلَى ظَنِّ أَنَّ الشَّمْسَ غَرَبَتْ، أَوْ أَنَّ اللَّيْل بَاقٍ، وَبَانَ خِلَافُهُ، فَإِنَّهُ يُفْطِرُ، وَلَا كَفَّارَةَ.
قَالَ الْقَفَّالُ: وَلَا تَسْقُطُ الْفِدْيَة بِالشُّبْهَةِ ; لِأَنَّهَا تَضَمَّنَتْ غَرَامَةً بِخِلَافِ الْكَفَّارَة فَإِنَّهَا تَضَمَّنَتْ عُقُوبَةً، فَالْتَحَقَتْ فِي الْإِسْقَاطِ بِالْحَدِّ، وَتُسْقِطُ الْإِثْمَ وَالتَّحْرِيمَ، إنْ كَانَتْ فِي الْفَاعِلِ دُونَ الْمَحَلّ.
стр. 122
تَنْبِيهٌ:
شَرْطُ الشُّبْهَةِ: أَنْ تَكُونَ قَوِيَّةً، وَإِلَّا فَلَا أَثَرَ لَهَا وَلِهَذَا يُحَدُّ بِوَطْءِ أَمَةٍ أَبَاحَهَا السَّيِّدُ، وَلَا يُرَاعَى خِلَافُ عَطَاءٍ فِي إبَاحَةِ الْجَوَارِي لِلْوَطْءِ وَفِي سَرِقَةِ مُبَاحِ الْأَصْلِ، كَالْحَطَبِ وَنَحْوِهِ. وَفِي الْقَذْفِ عَلَى صُورَةِ الشَّهَادَةِ.
وَلَوْ قَتَلَ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا، فَقَتَلَهُ وَلِيُّ الذِّمِّيِّ: قُتِلَ بِهِ وَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا لِرَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَمَنْ شَرِبَ النَّبِيذَ يُحَدُّ، وَلَا يُرَاعَى خِلَافُ أَبِي حَنِيفَةَ.
[الْقَاعِدَةُ السَّابِعَةُ: الْحُرُّ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْيَدِ]
ِ وَلِهَذَا: لَوْ حَبَسَ حُرًّا، وَلَمْ يَمْنَعهُ الطَّعَامَ حَتَّى مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ، أَوْ بِانْهِدَامِ حَائِطٍ وَنَحْوِهِ، لَمْ يَضْمَنْهُ.
وَلَوْ كَانَ عَبْدًا ضَمِنَهُ، وَلَا يَضْمَنُ مَنَافِعَهُ مَا دَامَ فِي حَبْسِهِ. إذَا لَمْ يَسْتَوْفِهَا وَيَضْمَنُ مَنَافِعَ الْعَبْدِ.
وَلَوْ وَطِئَ حُرَّةً بِشُبْهَةٍ فَأَحْبَلَهَا، وَمَاتَتْ بِالْوِلَادَةِ: لَمْ تَجِبْ دِيَتُهَا فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ كَانَتْ أَمَةً وَجَبَ الْقِيمَةُ، وَلَوْ طَاوَعَتْهُ حُرَّةٌ عَلَى الزِّنَا ; فَلَا مَهْرَ لَهَا بِالْإِجْمَاعِ، وَلَوْ طَاوَعَتْهُ أَمَةٌ: فَلَهَا الْمَهْرُ، فِي رَأْيٍ لِأَنَّ الْحَقَّ لِلسَّيِّدِ ; فَلَا يُؤَثِّرُ إسْقَاطُهَا، وَإِنْ كَانَ الْأَصَحُّ خِلَافَهُ.
وَلَوْ نَامَ عَبْدٌ عَلَى بَعِيرٍ فَقَادَهُ، وَأَخْرَجَهُ عَنْ الْقَافِلَةِ، قُطِعَ ; أَوْ حُرٌّ فَلَا فِي الْأَصَحِّ.
وَلَوْ وَضَعَ صَبِيًّا حُرًّا فِي مَسْبَعَةٍ، فَأَكَلَهُ السَّبُعُ ; فَلَا ضَمَانَ فِي الْأَصَحِّ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ عَبْدًا، وَلَوْ كَانَتْ امْرَأَةً تَحْتَ رَجُلٍ وَادَّعَى أَنَّهَا زَوْجَتُهُ، فَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَى عَلَيْهَا، لَا عَلَى الرَّجُلِ ; لِأَنَّ الْحُرَّةَ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْيَدِ.
وَلَوْ أَقَامَ كُلٌّ بَيِّنَةً: أَنَّهَا زَوْجَتُهُ، لَمْ تُقَدَّمْ بَيِّنَة مَنْ هِيَ تَحْتَهُ، لِمَا ذَكَرْنَا، بَلْ لَوْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ عَلَى خَلِيَّةٍ، سَقَطَتَا.
وَلَوْ كَانَ فِي يَدِ الْمُدَبَّرِ مَالٌ، فَقَالَ: كَسَبْتُهُ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ فَهُوَ لِي، وَقَالَ الْوَارِثُ: بَلْ قَبْلَهُ فَهُوَ لِي، صُدِّقَ الْمُدَبَّرُ بِيَمِينِهِ لِأَنَّ الْيَدَ لَهُ بِخِلَافِ دَعْوَاهُمَا الْوَلَد ; لِأَنَّهَا تَزْعُمُ أَنَّهُ حُرٌّ وَالْحُرُّ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْيَدِ، وَثِيَابُ الْحُرِّ وَمَا فِي يَدِهِ مِنْ الْمَالِ لَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْغَاصِبِ لِأَنَّهَا فِي يَد الْحُرِّ حَقِيقَةً، وَكَذَا لَوْ كَانَ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا عَلَى الْأَصَحِّ.
стр. 123
[الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ: الْحَرِيمُ لَهُ حُكْمُ مَا هُوَ حَرِيمٌ لَهُ]
ُ الْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ، فَقَدْ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ» الْحَدِيثَ، أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: الْحَرِيمُ يَدْخُلُ فِي الْوَاجِبِ، وَالْحَرَامُ وَالْمَكْرُوهُ وَكُلُّ مُحَرَّمٌ لَهُ حَرِيمٌ يُحِيطُ بِهِ، وَالْحَرِيمُ: هُوَ الْمُحِيطُ بِالْحَرَامِ، كَالْفَخِذَيْنِ فَإِنَّهُمَا حَرِيمٌ لِلْعَوْرَةِ الْكُبْرَى.
وَحَرِيمُ الْوَاجِبِ: مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ.
وَمِنْ ثَمَّ وَجَبَ غَسْلُ جُزْءٍ مِنْ الرَّقَبَةِ وَالرَّأْسِ مَعَ الْوَجْهِ لِيَتَحَقَّقَ غَسْلُهُ وَغَسْلُ جُزْءٍ مِنْ الْعَضُدِ، وَالسَّاقِ مَعَ الذِّرَاعِ وَسَتْرُ جُزْءٍ مِنْ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ مَعَ الْعَوْرَةِ، وَجُزْءٍ مِنْ الْوَجْهِ مَعَ الرَّأْسِ لِلْمَرْأَةِ، وَحُرِّمَ الِاسْتِمْتَاعُ بِمَا بَيْن السُّرَّة وَالرُّكْبَةِ فِي الْحَيْض لِحُرْمَةِ الْفَرْجِ.
ضَابِطٌ:
كُلُّ مُحَرَّمِ فَحَرِيمُهُ حَرَامٌ إلَّا صُورَةً وَاحِدَةً، لَمْ أَرَ مَنْ تَفَطَّنَ لِاسْتِثْنَائِهَا، وَهِيَ دُبُرُ الزَّوْجَة، فَإِنَّهُ حَرَامٌ، وَصَرَّحُوا بِجَوَازِ التَّلَذُّذ بِحَرِيمِهِ، وَهُوَ مَا بَيْن الْأَلْيَتَيْنِ.
فَصْلٌ:
وَيَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ حَرِيمُ الْمَعْمُورِ، فَهُوَ مَمْلُوكٌ لِمَالِكِ الْمَعْمُورِ فِي الْأَصَحِّ وَلَا يُمَلَّكُ بِالْإِحْيَاءِ قَطْعًا.
وَحَرِيمُ الْمَسْجِدِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ، وَلَا يَجُوزُ الْجُلُوسُ فِيهِ لِلْبَيْعِ وَلَا لِلْجُنُبِ، وَيَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ فِيهِ بِمَنْ فِي الْمَسْجِدِ، وَالِاعْتِكَافُ فِيهِ.
وَضَابِطُ حَرِيمِ الْمَعْمُورِ تَعَرَّضُوا لَهُ فِي بَابِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ.
وَأَمَّا رَحْبَةُ الْمَسْجِدِ فَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، قَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَالْبَيَانِ: هِيَ مَا كَانَ مُضَافًا إلَى الْمَسْجِدِ، وَعِبَارَةُ الْمَحَامِلِيِّ: هِيَ الْمُتَّصِلَةُ بِهِ خَارِجَهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ خِلَافًا لِقَوْلِ ابْنِ الصَّلَاحِ إنَّهَا صَحْنُهُ وَقَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ: هِيَ الْبِنَاءُ الْمَبْنِيُّ بِجِوَارِهِ مُتَّصِلًا بِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: هُوَ مَا حَوَالَيْهِ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ الْأَكْثَرُونَ عَلَى عَدِّ الرَّحْبَةِ مِنْهُ ; وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْن أَنْ تَكُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ طَرِيقٌ أَمْ لَا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَقَالَ ابْنُ كَجٍّ: إنْ انْفَصَلَتْ عَنْهُ فَلَا.
стр. 124
[الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَةُ: إذَا اجْتَمَعَ أَمْرَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَلَمْ يَخْتَلِفْ مَقْصُودُهُمَا دَخَلَ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَرِ غَالِبًا]
فَمِنْ فُرُوعِ ذَلِكَ إذَا اجْتَمَعَ حَدَثٌ وَجَنَابَةٌ، كَفَى الْغُسْلُ عَلَى الْمَذْهَبِ، كَمَا لَوْ اجْتَمَعَ جَنَابَةٌ وَحَيْضٌ، وَلَوْ بَاشَرَ الْمُحْرِمُ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ، لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ.
فَلَوْ جَامَعَ دَخَلَتْ فِي الْكَفَّارَةِ عَلَى الْأَصَحِّ، بِنَاءً عَلَى تَدَاخُلِ الْحَدَثِ فِي الْجَنَابَةِ.
وَلَوْ اجْتَمَعَ حَدَثٌ وَنَجَاسَةٌ حُكْمِيَّةٌ كَفَتْ لَهُمَا غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الْأَصَحِّ، عِنْدَ النَّوَوِيِّ. وَلَوْ جَامَعَ بِلَا حَائِل، فَعَنْ الْمَسْعُودِيِّ: أَنَّهُ لَا يُوجَبُ غَيْرُ الْجَنَابَةِ وَاللَّمْسِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ يَصِيرُ مَغْمُورًا بِهِ كَخُرُوجِ الْخَارِج الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ الْإِنْزَالُ.
وَالْأَكْثَرُونَ قَالُوا: يَحْصُلُ الْحَدَثَانِ ; لِأَنَّ اللَّمْسَ يَسْبِقُ حَقِيقَةَ الْجِمَاعِ بِخِلَافِ الْخُرُوجِ فَإِنَّهُ مَعَ الْإِنْزَالِ.
وَلَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَصَلَّى الْفَرْضَ دَخَلَتْ فِيهِ التَّحِيَّةُ، وَلَوْ دَخَلَ الْحَرَمَ مُحْرِمًا، بِحَجِّ فَرْضٍ أَوْ عُمْرَةٍ. دَخَلَ فِيهِ الْإِحْرَامُ لِدُخُولِ مَكَّةَ. وَلَوْ طَافَ الْقَادِمُ عَنْ فَرْضٍ أَوْ نَذْرٍ، دَخَلَ فِيهِ طَوَافُ الْقُدُومِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ طَافَ لِلْإِفَاضَةِ لَا يَدْخُلُ فِيهِ طَوَافُ الْوَدَاعِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ، وَمَقْصُودُهُمَا مُخْتَلِفٌ وَبِخِلَافِ مَا لَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، فَوَجَدَهُمْ يُصَلُّونَ جَمَاعَةً فَصَلَّاهَا، فَإِنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ تَحِيَّةُ الْبَيْتِ، وَهُوَ الطَّوَافُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ.
وَلَوْ صَلَّى: عَقِيبَ الطَّوَافِ فَرِيضَةً، حُسِبَتْ عَنْ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ ; اعْتِبَارًا بِتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ نُصَّ عَلَيْهِ فِي الْقَدِيم، وَلَيْسَ فِي الْجَدِيدِ مَا يُخَالِفُهُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إنَّهُ الْمَذْهَبُ.
وَلَوْ تَعَدَّدَ السَّهْوُ فِي الصَّلَاةِ: لَمْ يَتَعَدَّدْ السُّجُودُ بِخِلَافِ جُبْرَانَاتِ الْإِحْرَام، لَا تَتَدَاخَلُ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِسُجُودِ السَّهْوِ رَغْم أَنْفِ الشَّيْطَانِ. وَقَدْ حَصَلَ بِالسَّجْدَتَيْنِ آخِرَ الصَّلَاةِ.
وَالْمَقْصُودُ بِجُبْرَانَاتِ الْإِحْرَامِ: جَبْرُ هَتْكِ الْحُرْمَةِ، فَلِكُلِّ هَتْكٍ جَبْرٌ فَاخْتَلَفَ الْمَقْصُودُ، وَلَوْ زَنَى بِكْرٌ، أَوْ شَرِبَ خَمْرًا، أَوْ سَرَقَ مِرَارًا ; كَفَى حَدٌّ وَاحِدٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَهَلْ يُقَالُ وَجَبَ لَهَا حُدُودٌ، ثُمَّ عَادَتْ إلَى حَدٍّ وَاحِدٍ، أَوْ لَمْ يَجِبْ إلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ ; وَجُعِلَتْ الزَّنَيَاتُ كَالْحَرَكَاتِ فِي زَنْيَةٍ وَاحِدَةٍ؟ ذَكَرُوا فِيهِ احْتِمَالَيْنِ.
وَلَوْ زَنَى أَوْ شَرِبَ، فَأُقِيمَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْحَدِّ. فَعَادَ إلَى الْجَرِيمَةِ، دَخَلَ الْبَاقِي فِي الْحَدِّ الثَّانِي، وَكَذَا لَوْ زَنَى فِي مُدَّةِ التَّغْرِيبِ. غُرِّبَ ثَانِيًا وَدَخَلَتْ فِيهِ بَقِيَّةُ الْمُدَّةِ.
وَلَوْ قَذَفَهُ مَرَّاتٍ: كَفَى حَدٌّ وَاحِدٌ أَيْضًا فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ زَنَى وَهُوَ بِكْرٌ، ثُمَّ زَنَى وَهُوَ ثَيِّبٌ، فَهَلْ يُكْتَفَى بِالرَّجْمِ؟ وَجْهَانِ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ
стр. 125
بِلَا تَرْجِيحٍ.
وَجْهُ الْمَنْعِ: اخْتِلَافُ جِنْسِهِمَا، لَكِنْ صَحَّحَ الْبَارِزِيُّ فِي التَّمْيِيزِ. التَّدَاخُلَ.
بِخِلَافِ مَا لَوْ سَرَقَ، وَزَنَى، وَشَرِبَ وَارْتَدَّ. فَلَا تَدَاخُلَ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ.
وَلَوْ سَرَقَ وَقَتَلَ فِي الْمُحَارَبَةِ، فَهَلْ يُقْطَعُ، ثُمَّ يُقْتَلُ، أَوْ يُقْتَصَرُ عَلَى الْقَتْلِ وَالصَّلْبِ. وَيَنْدَرِجُ حَدُّ السَّرِقَةِ فِي حَدِّ الْمُحَارَبَةِ؟ وَجْهَانِ، فِي الرَّوْضَةِ بِلَا تَرْجِيحٍ.
وَلَوْ وَطِئَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ مَرَّتَيْنِ، لَمْ تَلْزَمْهُ بِالثَّانِي كَفَّارَةٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُصَادِفْ صَوْمًا. بِخِلَافِ مَا لَوْ وَطِئَ فِي الْإِحْرَامِ ثَانِيًا، فَإِنَّ عَلَيْهِ شَاةً. وَلَا تَدْخُلُ فِي الْكَفَّارَةِ لِمُصَادَفَتِهِ إحْرَامًا لَمْ يَحِلَّ مِنْهُ.
وَلَوْ لَبِسَ ثَوْبًا مُطَيَّبًا، فَرَجَّحَ الرَّافِعِيُّ لُزُومَ فِدْيَتَيْنِ. وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ وَاحِدَةً لِاتِّحَادِ الْفِعْلِ وَتَبَعِيَّةِ الطِّيبِ.
وَلَوْ قَتَلَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ لَزِمَهُ جَزَاءٌ وَاحِدٌ، وَتَدَاخَلَتْ الْحُرْمَتَانِ فِي حَقِّهِ لِأَنَّهُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، كَالْقَارِنِ إذَا قَتَلَ صَيْدًا، لَزِمَهُ جَزَاءٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ كَانَ قَدْ هَتَكَ بِهِ حُرْمَةَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.
وَلَوْ أَحْرَمَ الْمُتَمَتِّعُ بِالْعُمْرَةِ، فَجَرَحَ صَيْدًا ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، فَجَرَحَهُ جُرْحًا آخَر، ثُمَّ مَاتَ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ جَزَاءَانِ؟
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي الْمُلَخَّصِ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَا يُعْرَفُ فِيهَا نَقْلٌ.
فَلَوْ كَشَطَ جِلْدَةَ الرَّأْسِ، فَلَا فِدْيَةَ، وَالشَّعْرُ تَابِعٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَشَبَّهُوهُ بِمَا لَوْ أَرْضَعَتْ أُمُّ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ. يَجِبُ الْمَهْرُ، وَلَوْ قَتَلَهَا لَمْ يَجِبْ.
وَلَوْ تَكَرَّرَ الْوَطْءُ بِشُبْهَةٍ وَاحِدَةٍ، تَدَاخَلَ الْمَهْرُ بِخِلَافِ مَا إذَا تَعَدَّدَ جِنْسُ الشُّبْهَةِ.
وَلَوْ وَطِئَ بِشُبْهَةٍ بِكْرًا وَجَبَ أَرْشُ الْبَكَارَةِ وَلَا تَدَاخُلَ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ وَالْمَقْصُود فَإِنَّ أَرْشَ الْبَكَارَة يَجِبُ إبِلًا. وَالْمَهْرُ: نَقْدًا، وَالْأَرْشُ: لِلْجِنَايَةِ وَالْمَهْر لِلِاسْتِمْتَاعِ.
وَلَوْ قَطَعَ كَامِلُ الْأَصَابِع يَدًا نَاقِصَةً إصْبَعًا ; فَإِنْ لَقَطَ أَصَابِعَهُ الْأَرْبَعَةَ، فَلَهُ حُكُومَةُ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِ الْكَفِّ وَلَا يَتَدَاخَلُ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جِنْس الْقِصَاصِ وَلَهُ حُكُومَةُ خُمُسِ الْكَفِّ أَيْضًا، وَإِنْ أَخَذَ دِيَةَ الْأَصَابِع الْأَرْبَعِ، فَلَا حُكُومَةَ لِمَنَابِتِهَا مِنْ الْكَفِّ ; لِأَنَّهَا مِنْ جِنْسِ الدِّيَةِ فَدَخَلَتْ فِيهَا، وَلَهُ حُكُومَةُ خُمُسِ الْكَفِّ لِاخْتِلَافِ الْجِهَةِ.
وَلَوْ أَزَالَ أَطْرَافًا وَلَطَائِفَ، ثُمَّ مَاتَ سِرَايَةً، أَوْ حَزَّ: دَخَلَتْ فِي دِيَةِ النَّفْس.
وَلَوْ كَانَ أَحَدُ الْفِعْلَيْنِ عَمْدًا وَالْآخَرُ خَطَأً، فَلَا تَدَاخُلَ لِلِاخْتِلَافِ فَإِنَّ دِيَةَ الْعَمْدِ مُثَلَّثَةٌ حَالَّةٌ عَلَى الْجَانِي، وَدِيَةُ الْخَطَأِ مُخَمَّسَةً مُؤَجَّلَةً عَلَى الْعَاقِلَةِ.
وَلَوْ قَطَعَ الْأَجْفَانَ وَعَلَيْهَا أَهْدَابٌ، دَخَلَتْ حُكُومَتُهَا فِي دِيَتِهَا، وَكَذَا تَدْخُلُ حُكُومَةُ الشَّعْرِ فِي دِيَة الْمُوضِحَةِ، وَالشَّارِبِ فِي دِيَةِ الشَّفَةِ. وَالْأَظْفَارِ وَالْكَفِّ فِي دِيَة الْأَصَابِع.
стр. 126
وَالسِّنْخِ فِي دِيَة السِّنّ وَالذَّكَرِ فِي دِيَةِ الْحَشَفَةِ، وَالثَّدْيِ فِي دِيَةِ الْحَلَمَةِ، عَلَى الْأَصَحِّ فِي الْكُلِّ.
وَكَذَا حُكُومَةُ قَصَبَةِ الْأَنْفِ فِي دِيَةِ الْمَارِنِ، عَلَى مَا قَالَهُ الْإِمَامُ إنَّهُ الظَّاهِرُ وَصَحَّحَهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ. وَقَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: الْفَتْوَى عَلَى خِلَافِهِ.
وَلَا يَدْخُلُ أَرْشُ الْجُرْحِ فِي دِيَةِ الْعَقْلِ، وَلَا الْأَسْنَانِ فِي اللَّحْيَيْنِ وَلَا الْمُوضِحَةِ فِي الْأُذُنَيْنِ، وَلَا حُكُومَةُ جَرْحِ الصَّدْرِ فِي دِيَةِ الثَّدْيِ، وَلَا الْعَانَةِ فِي دِيَةِ الذَّكَرِ وَالشُّفْرَيْنِ لِاخْتِلَافِ مَحَلِّ الْجِنَايَةِ فِيهَا.
وَلَوْ لَزِمَهَا عِدَّتَا شَخْصٍ مِنْ جِنْسٍ، بِأَنْ طَلَّقَ، ثُمَّ وَطِئَ فِي الْعِدَّةِ. تَدَاخَلَتَا. بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتَا لِشَخْصَيْنِ، بِأَنْ وَطِئَ غَيْرُهُ بِشُبْهَةٍ، لَا تَدَاخُلَ.
وَلَوْ كَانَتَا لِوَاحِدٍ، وَاخْتَلَفَ الْجِنْسُ، بِأَنْ كَانَتْ الْأُولَى بِغَيْرِ الْحَمْلِ. وَالثَّانِيَةُ بِهِ، فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: التَّدَاخُل. وَقِيلَ: لَا لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ.
وَالْوَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ التَّدَاخُلَ فِي الْعَدَدِ هَلْ هُوَ سُقُوطُ الْأُولَى، وَالِاكْتِفَاءُ بِالثَّانِي أَوْ انْضِمَامُ الْأُولَى لِلثَّانِي، فَيُؤَدَّيَانِ بِانْقِضَاءِ مُدَّةٍ وَاحِدَةٍ؟ ، وَفِيهِ وَجْهَانِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: يَتَدَاخَلُ. وَعَلَى الثَّانِي: لَا.
وَقَدْ عَلِمْت مَا أَوْرَدْنَاهُ مِنْ الْفُرُوع. مَعَ احْتِرَازِنَا عَنْهُ بِقَوْلِنَا " مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ " وَبِقَوْلِنَا " وَلَمْ يَخْتَلِف مَقْصُودُهُمَا " وَبِقَوْلِنَا " غَالِبًا ".
[الْقَاعِدَةُ الْعَاشِرَةُ: إعْمَالُ الْكَلَام أَوْلَى مِنْ إهْمَالِهِ]
مِنْ فُرُوعِهِ: مَا لَوْ أَوْصَى بِطَبْلٍ، وَلَهُ طَبْلُ لَهْوٍ، وَطَبْلُ حَرْبٍ صَحَّ، وَحُمِلَ عَلَى الْجَائِزِ، نَصَّ عَلَيْهِ.
وَأَلْحَقَ بِهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: مَا لَوْ كَانَ لَهُ زِقُّ خَمْرٍ، وَزِقُّ خَلٍّ، فَأَوْصَى بِأَحَدِهِمَا صَحَّ، وَحُمِلَ عَلَى الْخَلِّ.
وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ وَحِمَارٍ: أَحَدُكُمَا طَالِقٌ، فَإِنَّهَا تَطْلُقُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ ذَلِكَ لَهَا، وَلِأَجْنَبِيَّةٍ. وَقَصَدَ الْأَجْنَبِيَّةَ. يُقْبَلُ فِي الْأَصَحّ. لِكَوْنِ الْأَجْنَبِيَّة مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ قَابِلَةٌ.
وَمِنْهَا: لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ، وَلَيْسَ لَهُ إلَّا أَوْلَادُ أَوْلَادٍ. حُمِلَ عَلَيْهِمْ. كَمَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ. لِتَعَذُّرِ الْحَقِيقَةِ. وَصَوْنًا لِلَّفْظِ عَنْ الْإِهْمَالِ.
وَنَظِيرُهُ: مَا لَوْ قَالَ: زَوْجَاتِي طَوَالِقُ. وَلَيْسَ لَهُ إلَّا رَجْعِيَّاتٌ طُلِّقْنَ قَطْعًا، وَإِنْ كَانَ فِي دُخُولِ الرَّجْعِيَّةِ فِي ذَلِكَ مَعَ الزَّوْجَاتِ خِلَافٌ.
стр. 127
وَمِنْهَا: قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ أَنْتِ طَالِقٌ، بِحَذْفِ الْفَاءِ، فَإِنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ قَبْلَ الدُّخُولِ. صَوْنًا لِلَّفْظِ عَنْ الْإِهْمَالِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، صَاحِبُ أَبِي حَنِيفَةَ: يَقَعُ، لِعَدَمِ صَلَاحِيَّةِ اللَّفْظِ لِلْجَزَاءِ، بِسَبَبِ عَدَمِ الْفَاءِ، فَحُمِلَ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ. وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ: عَدَم الْوُقُوعِ عَنْ جَمَاعَةٍ، ثُمَّ نَقَلَ عَنْ الْبُوشَنْجِيِّ: أَنَّهُ يُسْأَلُ، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت التَّنْجِيزَ، حُكِمَ بِهِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَمَا قَالَهُ الْبُوشَنْجِيُّ لَا إشْكَالَ فِيهِ، إلَّا أَنَّهُ يُشْعِرُ بِوُجُوبِ سُؤَالِهِ. وَمِنْهَا: قَالَ لِزَوْجَتِهِ فِي مِصْرَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي مَكَّةَ، فَفِي الرَّافِعِيِّ، عَنْ الْبُوَيْطِيِّ: أَنَّهَا تَطْلُقُ فِي الْحَالِ، وَتَبِعَهُ فِي الرَّوْضَةِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَسَبَبُهُ: أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ فِي بَلَدٍ مُطَلَّقَةٌ فِي بَاقِي الْبِلَادِ.
قَالَ: لَكِنْ رَأَيْت فِي طَبَقَاتِ الْعَبَّادِيِّ، عَنْ الْبُوَيْطِيِّ: أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ، حَتَّى تَدْخُلَ مَكَّةَ.
قَالَ: وَهُوَ مُتَّجِهٌ، فَإِنْ حُمِلَ الْكَلَامُ عَلَى فَائِدَةٍ أَوْلَى مِنْ إلْغَائِهِ.
قَالَ: وَقَدْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ قَبْل ذَلِكَ بِقَلِيلٍ، عَنْ إسْمَاعِيلَ الْبُوشَنْجِيِّ مِثْلَهُ، وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ. وَمِنْهَا: وَقَعَ فِي فَتَاوَى السُّبْكِيّ: أَنَّ رَجُلًا وُقِفَ عَلَيْهِ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ وَنَسْلِهِ، وَعَقِبِهِ، ذَكَرًا وَأُنْثَى ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] عَلَى أَنَّ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ عَنْ وَلَدٍ أَوْ نَسْلٍ، عَادَ مَا كَانَ جَارِيًا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَلَدِهِ، ثُمَّ عَلَى وَلَدِ وَلَدِهِ، ثُمَّ عَلَى نَسْلِهِ عَلَى الْفَرِيضَةِ، وَعَلَى أَنَّ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْ غَيْرِ نَسْلٍ، عَادَ مَا كَانَ جَارِيًا عَلَيْهِ ; عَلَى مَنْ فِي دَرَجَتِهِ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ الْمَذْكُور، يُقَدِّمُ الْأَقْرَبَ إلَيْهِ فَالْأَقْرَبِ، وَيَسْتَوِي الْأَخُ الشَّقِيقُ وَالْأَخُ مِنْ الْأَبِ.
وَمَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ قَبْل اسْتِحْقَاقِهِ لِشَيْءٍ مِنْ مَنَافِع الْوَقْف، وَتَرَكَ وَلَدًا، أَوْ أَسْفَلَ مِنْهُ اسْتَحَقَّ مَا كَانَ يَسْتَحِقُّهُ الْمُتَوَفَّى، لَوْ بَقِيَ حَيًّا إلَى أَنْ يَصِيرَ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ مَنَافِعِ الْوَقْفِ الْمَذْكُورِ، وَقَامَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ مَقَامَ الْمُتَوَفَّى، فَإِذَا انْقَرَضُوا، فَعَلَى الْفُقَرَاءِ.
وَتُوُفِّيَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ وَانْتَقَلَ الْوَقْفُ. إلَى وَلَدَيْهِ: أَحْمَدَ، وَعَبْدِ الْقَادِر، ثُمَّ تُوُفِّيَ عَبْدُ الْقَادِرِ، وَتَرَك ثَلَاثَةَ أَوْلَادٍ، هُمْ عَلِيٌّ، وَعُمَرُ وَلَطِيفَةُ، وَوَلَدَيْ ابْنِهِ مُحَمَّد، الْمُتَوَفَّى فِي حَيَاةِ وَالِده. وَهُمَا: عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَمَلِكَةُ، ثُمَّ تُوُفِّيَ عُمَرُ عَنْ غَيْر نَسْلٍ، ثُمَّ تُوُفِّيَتْ لَطِيفَةُ، وَتَرَكَتْ بِنْتًا. تُسَمَّى فَاطِمَةَ، ثُمَّ تُوُفِّيَ عَلِيٌّ وَتَرَك بِنْتًا تُسَمَّى: زَيْنَبَ، ثُمَّ تُوُفِّيَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ لَطِيفَةِ مِنْ غَيْرِ نَسْلٍ، فَإِلَى مَنْ يَنْتَقِلُ نَصِيبُ فَاطِمَةَ الْمَذْكُورَةِ؟ فَأَجَابَ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي الْآن أَنَّ نَصِيبَ عَبْدِ الْقَادِر جَمِيعَهُ، يُقَسَّمُ هَذَا الْوَقْفُ عَلَى سِتِّينَ جُزْءًا لِعَبْدِ الرَّحْمَن مِنْهُ: اثْنَانِ وَعِشْرُونَ ; وَلِمَلَكَةَ: أَحَدَ عَشَرَ وَلِزَيْنَبِ:
стр. 128
سَبْعَةً وَعِشْرُونَ، وَلَا يَسْتَمِرُّ هَذَا الْحُكْمُ فِي أَعْقَابِهِمَا، بَلْ كُلُّ وَقْتٍ بِحَسْبِهِ.
قَالَ: وَبَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّ عَبْدَ الْقَادِر لَمَّا تُوُفِّيَ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَى أَوْلَادِهِ الثَّلَاثَة وَهُمْ: عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَلَطِيفَةُ: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] : لِعَلِيٍّ: خُمُسَاهُ، وَلِعُمَرَ: خُمُسَاهُ، وَلِلَطِيفَةَ خُمُسُهُ، هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ عِنْدَنَا.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: يُشَارِكهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَن، وَمَلِكَةُ " وَلَدَا مُحَمَّدٍ الْمُتَوَفَّى فِي حَيَاةِ أَبِيهِ، وَنَزَلَا مَنْزِلَةَ أَبِيهِمَا " فَيَكُونُ لَهُمَا: السُّبُعَانِ. وَلِعَلِيٍّ: السُّبُعَانِ. وَلِعُمَرَ السُّبُعَانِ، وَلِلَطِيفَةَ سُبُعٌ.
وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا، فَهُوَ مَرْجُوحٌ عِنْدَنَا ; لِأَنَّ الْمُمْكِنَ فِي مَأْخَذِهِ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ مَقْصُودَ الْوَاقِفِ: أَنْ لَا يُحْرَمَ أَحَدٌ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ الْمَقَاصِدَ إذَا لَمْ يَدُلُّ عَلَيْهَا اللَّفْظُ، لَا يُعْتَبَرُ.
الثَّانِي: إدْخَالُهُمْ فِي الْحُكْمِ، وَجَعْلُ التَّرْتِيبِ بَيْنِ كُلِّ أَصْلٍ وَفَرْعِهِ، لَا بَيْن الطَّبَقَتَيْنِ جَمِيعًا. وَهَذَا مُحْتَمَلٌ، لَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ.
وَقَدْ كُنْتُ مِلْت إلَيْهِ مَرَّةً فِي وَقْفٍ، لِلَفْظٍ اقْتَضَاهُ فِيهِ، لَسْت أَعُمُّهُ فِي كُلّ تَرْتِيبٍ.
الثَّالِثُ: الِاسْتِنَادُ إلَى قَوْلِ الْوَاقِفِ " إنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ قَبْل اسْتِحْقَاقِهِ لِشَيْءٍ، قَامَ وَلَدُهُ مَقَامَهُ " وَهَذَا أَقْوَى. لَكِنَّهُ إنَّمَا يَتِمُّ لَوْ صَدَقَ عَلَى الْمُتَوَفَّى فِي حَيَاةِ وَالِدِهِ: أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ.
وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ كَانَ قَدْ وَقَعَ مِثْلُهَا فِي الشَّامِ قَبْل التِّسْعِينَ وَسِتِّمِائَةِ، وَطَلَبُوا فِيهَا نَقْلًا. فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأَرْسَلُوا إلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ يَسْأَلُونَ عَنْهَا.
وَلَا أَدْرِي مَا أَجَابُوهُمْ. لَكِنِّي رَأَيْت بَعْد ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ: فِيمَا إذَا وُقِفَ عَلَى أَوْلَادِهِ. عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَى أَوْلَادِهِ. وَمَنْ مَاتَ، وَلَا وَلَدَ لَهُ، انْتَقَلَ إلَى الْبَاقِينَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ، فَمَاتَ وَاحِدٌ عَنْ وَلَدٍ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَيْهِ، فَإِذَا مَاتَ آخَرُ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَى أَخِيهِ، وَابْنِ أَخِيهِ ; لِأَنَّهُ صَارَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ.
فَهَذَا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي: أَنَّهُ إنَّمَا صَارَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ بَعْد مَوْتِ وَالِدِهِ فَيَقْتَضِي أَنَّ ابْنَ عَبْدَ الْقَادِرِ، الْمُتَوَفَّى فِي حَيَاةِ وَالِدِهِ، لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ، وَأَنَّهُ إنَّمَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ أَهْلِ الْوَقْفِ، إذَا آلَ إلَيْهِ الِاسْتِحْقَاقُ.
قَالَ: وَمِمَّا يُتَنَبَّهُ لَهُ أَنَّ بَيْنَ " أَهْلِ الْوَقْفِ " وَ " الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ " عُمُومًا وَخُصُوصًا مِنْ وَجْه، فَإِذَا وُقِفَ مَثَلًا عَلَى زَيْدٍ، ثُمَّ عَمْرٍو، ثُمَّ أَوْلَادِهِ، فَعَمْرٌو مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ فِي حَيَاةِ زَيْدٍ لِأَنَّهُ مُعَيَّنٌ قَصَدَهُ الْوَاقِفُ بِخُصُوصِهِ. وَسَمَّاهُ وَعَيَّنَهُ. وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ، حَتَّى يُوجَدَ شَرْطُ اسْتِحْقَاقِهِ، وَهُوَ مَوْتُ زَيْدٍ. وَأَوْلَادُهُ إذَا آلَ إلَيْهِمْ الِاسْتِحْقَاقُ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ، وَلَا يُقَالُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: إنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ
стр. 129
يُعَيِّنْهُ الْوَاقِفُ، وَإِنَّمَا الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ: جِهَةُ الْأَوْلَادِ، كَالْفُقَرَاءِ.
قَالَ: فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْقَادِرِ، وَالِدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْوَقْف أَصْلًا ; وَلَا مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْوَاقِف لَمْ يَنُصَّ عَلَى اسْمِهِ.
قَالَ: وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ الْمُتَوَفَّى فِي حَيَاةِ أَبِيهِ يَسْتَحِقُّ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ أَبُوهُ جَرَى عَلَيْهِ الْوَقْفُ فَيَنْتَقِلُ هَذَا الِاسْتِحْقَاقُ إلَى أَوْلَادِهِ.
قَالَ: وَهَذَا قَدْ كُنْتُ فِي وَقْتٍ أَبَحْتُهُ، ثُمَّ رَجَعْت عَنْهُ.
فَإِنْ قُلْت: قَدْ قَالَ الْوَاقِفُ " إنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِ لِشَيْءٍ " فَقَدْ سَمَّاهُ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ، مَعَ عَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَطْلَقَ " أَهْلَ الْوَقْفِ " عَلَى مَنْ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ الْوَقْفُ، فَيَدْخُلُ مُحَمَّدٌ وَالِدُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمَلِكَةَ فِي ذَلِكَ، فَيَسْتَحِقَّانِ. وَنَحْنُ إنَّمَا نَرْجِعُ فِي الْأَوْقَافِ إلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ وَاقِفِهَا، سَوَاءٌ وَافَقَ ذَلِكَ عُرْفَ الْفُقَهَاءِ أَمْ لَا.
قُلْت: لَا نُسَلِّمُ مُخَالَفَة ذَلِكَ لِمَا قُلْنَاهُ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ " قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِ " وَإِنَّمَا قَالَ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِ لِشَيْءٍ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ اسْتَحَقَّ شَيْئًا صَارَ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ، وَيَتَرَقَّبُ اسْتِحْقَاقًا مِنْ آخَرَ فَيَمُوتُ قَبْلَهُ، فَنَصَّ الْوَاقِفُ عَلَى أَنَّ وَلَدَهُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ.
وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ قَالَ: " قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِ " فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ، أَوْ الْبَطْنَ الَّذِي بَعْدَهُ، وَإِنْ وَصَلَ إلَيْهِ الِاسْتِحْقَاقُ. أَعْنِي أَنَّهُ صَارَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ: قَدْ يَتَأَخَّرُ اسْتِحْقَاقُهُ، إمَّا لِأَنَّهُ مَشْرُوطٌ بِمُدَّةٍ: كَقَوْلِهِ: فِي كُلّ سَنَةٍ كَذَا، فَيَمُوتُ فِي أَثْنَائِهَا أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إنَّ هَذَا مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ، وَإِلَى الْآن مَا اسْتَحَقَّ مِنْ الْغَلَّة شَيْئًا. إمَّا لِعَدَمِهَا، أَوْ لِعَدَمِ شَرْطِ الِاسْتِحْقَاق، بِمُضِيِّ زَمَانٍ، أَوْ غَيْرِهِ، فَهَذَا حُكْمُ الْوَقْفِ بَعْدَ مَوْتِ عَبْدِ الْقَادِرِ
فَلَمَّا تُوُفِّيَ عُمَرُ عَنْ غَيْر نَسْلٍ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَى أَخَوَيْهِ، عَمَلًا بِشَرْطِ الْوَاقِفِ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ فَيَصِيرُ نَصِيبُ عَبْدِ الْقَادِرِ كُلُّهُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا لِعَلِيٍّ: الثُّلُثَانِ، وَلِلَطِيفَةَ: الثُّلُثُ وَيَسْتَمِرُّ حِرْمَانُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمَلِكَةَ.
فَلَمَّا مَاتَتْ لَطِيفَةُ انْتَقَلَ نَصِيبُهَا، وَهُوَ: الثُّلُثُ إلَى بِنْتهَا. وَلَمْ يَنْتَقِلْ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمَلِكَةَ شَيْءٌ، لِوُجُودِ أَوْلَادِ عَبْدِ الْقَادِرِ، وَهُمْ يَحْجُبُونَهُمْ ; لِأَنَّهُمْ أَوْلَادُهُ. وَقَدْ قَدَّمَهُمْ عَلَى أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ، الَّذِينَ هُمْ مِنْهُمْ.
فَلَمَّا تُوُفِّيَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْقَادِرِ. وَخَلَّفَ بِنْتَهُ زَيْنَبَ. اُحْتُمِلَ أَنْ يُقَالَ: نَصِيبُهُ كُلُّهُ، وَهُوَ: ثُلُثَا نَصِيبِ عَبْدِ الْقَادِرِ لَهَا. عَمَلًا بِقَوْلِ الْوَاقِفِ: " مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَنْ وَلَدٍ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ ". وَتَبْقَى هِيَ وَبِنْتُ عَمَّتِهَا مُسْتَوْعِبَتَيْنِ لِنَصِيبِ جَدِّهِمَا. لِزَيْنَبِ: ثُلُثَاهُ. وَلِفَاطِمَةَ " ثُلُثَهُ.
стр. 130
وَاحْتُمِلَ أَنْ يُقَالَ: إنَّ نَصِيبَ عَبْدِ الْقَادِرِ كُلِّهِ يُقَسَّمُ الْآنَ عَلَى أَوْلَادِهِ، عَمَلًا بِقَوْلِ الْوَاقِفِ: " ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ " فَقَدْ أَثْبَتَ لِجَمِيعِ أَوْلَادِ الْأَوْلَاد اسْتِحْقَاقًا بَعْدَ الْأَوْلَادِ. وَإِنَّمَا حَجَبْنَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ وَمَلِكَةَ، وَهُمَا مِنْ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ: بِالْأَوْلَادِ، فَإِذَا انْقَرَضَ الْأَوْلَادُ زَالَ الْحَجْبُ، فَيَسْتَحِقَّانِ. وَيُقَسَّمُ نَصِيبُ عَبْدِ الْقَادِرِ بَيْنَ جَمِيعِ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ، فَلَا يَحْصُلُ لِزَيْنَبِ جَمِيعُ نَصِيبِ أَبِيهَا. وَيَنْقُص مَا كَانَ بِيَدِ فَاطِمَةَ، بِنْتِ لَطِيفَةَ وَهَذَا أَمْرٌ اقْتَضَاهُ النُّزُولُ الْحَادِثُ بِانْقِرَاضِ طَبَقَةِ الْأَوْلَادِ " الْمُسْتَفَادُ مِنْ شَرْطِ الْوَاقِفِ: أَنَّ أَوْلَادَ الْأَوْلَادِ بَعْدَهُمْ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ فِيهِ مُخَالَفَةً لِظَاهِرِ قَوْلِهِ " إنَّ مَنْ مَاتَ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ " فَإِنَّ ظَاهِرَهُ يَقْتَضِي أَنَّ نَصِيبَ عَلِيٍّ لِبِنْتِهِ زَيْنَبَ. وَاسْتِمْرَار نَصِيب لَطِيفَةَ لِبِنْتِهَا فَاطِمَة، فَخَالَفْنَاهُ بِهَذَا الْعَمَل فِيهِمَا جَمِيعًا، وَلَوْ لَمْ نُخَالِفْ ذَلِكَ، لَزِمَنَا مُخَالَفَةُ قَوْلِ الْوَاقِفِ: " إنَّ بَعْدَ الْأَوْلَادِ يَكُونُ لِأَوْلَادِ الْأَوْلَادِ "، وَظَاهِرُهُ يَشْمَلُ الْجَمِيعَ.
فَهَذَانِ الظَّاهِرَانِ تَعَارَضَا، وَهُوَ تَعَارُضٌ قَوِيٌّ صَعْبٌ. لَيْسَ فِي هَذَا الْوَقْفِ مَحَزٌّ أَصْعَبُ مِنْهُ. وَلَيْسَ التَّرْجِيحُ فِيهِ بِالْهَيِّنِ بَلْ هُوَ مَحَلُّ نَظَرِ الْفَقِيهِ. وَخَطَرَ لِي فِيهِ طُرُقٌ:
مِنْهَا: أَنَّ الشَّرْطَ الْمُقْتَضِي لِاسْتِحْقَاقِ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ جَمِيعِهِمْ مُتَقَدِّمٌ فِي كَلَامِ الْوَاقِفِ، وَالشَّرْطُ الْمُقْتَضِي لِإِخْرَاجِهِمْ بِقَوْلِهِ " مَنْ مَاتَ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ " مُتَأَخِّرٌ، فَالْعَمَلُ بِالْمُتَقَدِّمِ أَوْلَى ; لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ النَّسْخِ، حَتَّى يُقَالَ: الْعَمَلُ بِالْمُتَأَخِّرِ أَوْلَى.
وَمِنْهَا ; أَنَّ تَرْتِيبَ الطَّبَقَاتِ أَصْلٌ، وَذِكْرُ انْتِقَالِ نَصِيبِ الْوَالِدِ إلَى وَلَدِهِ فَرْعٌ وَتَفْصِيلٌ لِذَلِكَ الْأَصْلِ، فَكَانَ التَّمَسُّكُ بِالْأَصْلِ أَوْلَى.
وَمِنْهَا: أَنَّ " مَنْ " صِيغَةٌ عَامَّةٌ، فَقَوْلُهُ " مَنْ مَاتَ وَلَهُ وَلَد " صَالِحٌ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْهُمْ، وَلِمَجْمُوعِهِمْ، وَإِذَا أُرِيدَ مَجْمُوعُهُمْ، كَانَ انْتِقَال نَصِيب مَجْمُوعِهِمْ إلَى مَجْمُوعِ الْأَوْلَادِ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ هَذَا الشَّرْطِ، فَكَانَ إعْمَالًا لَهُ مِنْ وَجْهٍ، مَعَ إعْمَالِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ لَمْ نَعْمَلْ بِذَلِكَ كَانَ إلْغَاءً لِلْأَوَّلِ مِنْ كُلّ وَجْهٍ وَهُوَ مَرْجُوحٌ.
وَمِنْهَا: إذَا تَعَارَضَ الْأَمْرُ بَيْن إعْطَاءِ بَعْضِ الذُّرِّيَّةِ وَحِرْمَانِهِمْ، تَعَارُضًا لَا تَرْجِيحَ فِيهِ فَالْإِعْطَاءُ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ لَا شَكَّ أَقْرَبُ إلَى غَرَض الْوَاقِفِينَ.
وَمِنْهَا: أَنَّ اسْتِحْقَاقَ زَيْنَبَ لِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ الَّذِي يَخُصُّهَا إذَا شَرَكَ بَيْنهَا وَبَيْن بَقِيَّةِ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ: مُحَقَّقٌ. وَكَذَا فَاطِمَةُ، وَالزَّائِدُ عَلَى الْمُحَقَّقِ فِي حَقِّهَا: مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَمَشْكُوكٌ فِي اسْتِحْقَاقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمَلِكَةَ لَهُ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ تَرْجِيحٌ فِي التَّعَارُضِ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، يُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ، فَيُقَسَّم بَيْن عَبْدِ الرَّحْمَن، وَمَلِكَةَ، وَزَيْنَبَ. وَفَاطِمَةَ.
وَهَلْ يُقْسَمُ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، فَيَكُونُ لِعَبْدِ الرَّحْمَن: خُمُسَاهُ. وَلِكُلٍّ مِنْ الْإِنَاثِ: خُمُسُهُ، نَظَرًا إلَيْهِمْ، دُون أُصُولِهِمْ، أَوْ يُنْظَرُ إلَى أُصُولِهِمْ، فَيَنْزِلُونَ مَنْزِلَتَهُمْ
стр. 131
لَوْ كَانُوا مَوْجُودِينَ، فَيَكُونُ لِفَاطِمَةَ: خُمُسُهُ، وَلِزَيْنَبِ: خُمُسَاهُ، وَلِعَبْدِ الرَّحْمَن وَمَلِكَةَ خُمُسَاهُ؟ فِيهِ احْتِمَالٌ.
وَأَنَا إلَى الثَّانِي أَمِيلُ. حَتَّى لَا يُفَضَّلَ فَخْذٌ عَلَى فَخْذٍ فِي الْمِقْدَارِ، بَعْدَ ثُبُوتِ الِاسْتِحْقَاقِ.
فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ فَاطِمَةُ مِنْ غَيْرِ نَسْلٍ، وَالْبَاقُونَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ: زَيْنَبُ بِنْتُ خَالِهَا، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَمَلِكَةُ، وَلَدَا عَمِّهَا، وَكُلُّهُمْ فِي دَرَجَتِهَا. وَجَبَ قَسْمُ نَصِيبِهَا بَيْنَهُمْ، لِعَبْدِ الرَّحْمَن: نِصْفُهُ، وَلِمَلَكَةَ: رُبُعُهُ، وَلِزَيْنَبِ: رُبُعُهُ.
وَلَا نَقُولُ هُنَا: نَنْظُرُ إلَى أُصُولِهِمْ ; لِأَنَّ الِانْتِقَالَ مِنْ مُسَاوِيهِمْ، وَمَنْ هُوَ فِي دَرَجَتِهِمْ فَكَانَ اعْتِبَارُهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ أَوْلَى. فَاجْتَمَعَ لِعَبْدِ الرَّحْمَن، وَمَلِكَةَ: الْخُمُسَانِ، حَصَلَا لَهُمَا بِمَوْتِ عَلِيٍّ. وَنِصْفٌ وَرُبْعُ الْخُمُسِ، الَّذِي لِفَاطِمَةَ، بَيْنَهُمَا بِالْفَرِيضَةِ، فَلِعَبْدِ الرَّحْمَن خُمُسٌ، وَنِصْفُ خُمُسٍ، وَثُلُثُ خُمُسٍ. وَلِمَلَكَةَ: ثُلُثَا خُمُسٍ وَرُبْعُ خُمُسٍ. وَاجْتَمَعَ لِزَيْنَبِ: الْخُمُسَانِ بِمَوْتِ وَالِدهَا، وَرُبْعُ خُمُسِ فَاطِمَةَ، فَاحْتَجْنَا إلَى عَدَدٍ يَكُونُ لَهُ خُمُسٌ. وَلِخُمُسِهِ ثُلُثٌ وَرُبْعٌ. وَهُوَ سِتُّونَ، فَقَسَمْنَا نَصِيبَ عَبْدِ الْقَادِرِ عَلَيْهِ. لِزَيْنَبِ خُمُسَاهُ وَرُبْعُ خُمُسِهِ. وَهُوَ سَبْعَة وَعِشْرُونَ وَلِعَبْدِ الرَّحْمَن: اثْنَانِ وَعِشْرُونَ. وَهِيَ خُمُسٌ وَنِصْفُ خُمُسٍ وَثُلُثُ خُمُسٍ. وَلِمَلَكَةَ: إحْدَى عَشَرَ وَهِيَ ثُلُثَا خُمُسٍ وَرُبْعُ خُمُسٍ.
فَهَذَا مَا ظَهَرَ لِي، وَلَا أَشْتَهِي أَحَدًا مِنْ الْفُقَهَاء يُقَلِّدُنِي. بَلْ يَنْظُرُ لِنَفْسِهِ، انْتَهَى كَلَامُ السُّبْكِيّ
قُلْت: الَّذِي يَظْهَرُ لِي اخْتِيَارُهُ أَوَّلًا، دُخُولَ عَبْد الرَّحْمَن وَمَلِكَةَ، بَعْدَ مَوْتِ عَبْدِ الْقَادِرِ عَمَلًا بِقَوْلِهِ " وَمَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْف إلَخْ ".
وَمَا ذَكَرَهُ السُّبْكِيُّ: مِنْ أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ: مَمْنُوعٌ. وَمَا ذَكَرَهُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ " قَبْل اسْتِحْقَاقِهِ " خِلَافُ الظَّاهِر مِنْ اللَّفْظِ. وَخِلَافُ الْمُتَبَادِرِ إلَى الْأَفْهَام.
بَلْ صَرِيحُ كَلَامِ الْوَاقِفِ: أَنَّهُ أَرَادَ بِأَهْلِ الْوَقْفِ: الَّذِي مَاتَ قَبْل اسْتِحْقَاقِهِ، لَا الَّذِي لَمْ يَدْخُلْ فِي الِاسْتِحْقَاقِ بِالْكُلِّيَّةِ. وَلَكِنَّهُ بِصَدَدِ أَنْ يَصِلَ إلَيْهِ. وَقَوْلُهُ " لِشَيْءٍ مِنْ مَنَافِعِ الْوَقْفِ " دَلِيلٌ قَوِيٌّ لِذَلِكَ، فَإِنَّهُ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ. وَفِي سِيَاقِ كَلَامٍ مَعْنَاهُ النَّفْيُ، فَيَعُمُّ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا مِنْ مَنَافِعِ الْوَقْفِ. وَهَذَا صَرِيحٌ فِي رَدِّ التَّأْوِيلِ الَّذِي قَالَهُ.
وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا، قَوْلُهُ: " اسْتَحَقَّ مَا كَانَ يَسْتَحِقُّهُ الْمُتَوَفَّى، لَوْ بَقِيَ حَيًّا إلَى أَنْ يَصِيرَ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ مَنَافِعِ الْوَقْفِ " فَهَذِهِ الْأَلْفَاظِ كُلُّهَا صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ.
وَأَيْضًا: لَوْ كَانَ الْمُرَادُ مَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ، لَاسْتُغْنِيَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ أَوَّلًا " عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ عَنْ
стр. 132
وَلَدٍ عَادَ مَا كَانَ جَارِيًا عَلَيْهِ عَلَى وَلَدِهِ " فَإِنَّهُ يُغْنِي عَنْهُ وَلَا يُنَافِي هَذَا اشْتِرَاطَهُ التَّرْتِيبَ فِي الطَّبَقَاتِ بِثُمَّ ; لِأَنَّ ذَاكَ عَامٌّ، خَصَّصَهُ هَذَا. كَمَا خَصَّصَهُ أَيْضًا قَوْلُهُ " عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ " إلَى آخِره.
وَأَيْضًا: فَإِنَّا إذَا عَمِلْنَا بِعُمُومِ اشْتِرَاط التَّرْتِيب لَزِمَ مِنْهُ إلْغَاء هَذَا الْكَلَامِ بِالْكُلِّيَّةِ. وَأَنْ لَا يَعْمَلَ فِي صُورَةٍ ; لِأَنَّهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ: إنَّمَا اسْتَحَقَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَمَلِكَةُ لَمَّا اسْتَوَوْا فِي الدَّرَجَةِ، أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ " عَادَ عَلَى مَنْ فِي دَرَجَتِهِ " فَبَقِيَ قَوْلُهُ " وَمَنْ مَاتَ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِ إلَخْ " مُهْمَلًا لَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي صُورَةٍ. بِخِلَافِ مَا إذَا أَعْمَلْنَاهُ، وَخَصَّصْنَا بِهِ عُمُومَ التَّرْتِيبِ، فَإِنَّ فِيهِ إعْمَالًا لِلْكَلَامَيْنِ، وَجَمْعًا بَيْنَهُمَا وَهَذَا أَمْرٌ يَنْبَغِي أَنْ يُقْطَعَ بِهِ.
وَحِينَئِذٍ، فَنَقُولُ: لَمَّا مَاتَ عَبْدُ الْقَادِر قُسِمَ نَصِيبُهُ بَيْن أَوْلَادِهِ الثَّلَاثَة، وَوَلَدَيْ وَلَدِهِ أَسْبَاعًا: لِعَبْدِ الرَّحْمَن وَمَلِكَةَ: السُّبُعَانِ أَثْلَاثًا، فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ، عَنْ غَيْرِ نَسْلٍ، انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَى أَخَوَيْهِ وَوَلَدَيْ أَخِيهِ، فَيَصِيرُ نَصِيبُ عَبْدِ الْقَادِر كُلُّهُمْ بَيْنَهُمْ. لِعَلِيٍّ: خُمُسَانِ وَلِلَطِيفَةَ: خُمُسٌ، وَلِعَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمَلِكَةَ خُمُسَانِ، أَثْلَاثًا. وَلَمَّا تُوُفِّيَتْ لَطِيفَة انْتَقَلَ نَصِيبُهَا بِكَمَالِهِ لِبِنْتِهَا فَاطِمَةَ وَلَمَّا مَاتَ عَلِيٌّ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ بِكَمَالِهِ لِبِنْتِهِ زَيْنَبَ وَلَمَّا تُوُفِّيَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ لَطِيفَةَ وَالْبَاقُونَ فِي دَرَجَتِهَا زَيْنَبُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَمَلِكَةُ. قُسِمَ نَصِيبُهَا بَيْنَهُمْ " لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ " اعْتِبَارًا بِهِمْ، لَا بِأُصُولِهِمْ. لَمَّا ذَكَر السُّبْكِيُّ: لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: نِصْفٌ وَلِكُلِّ بِنْتٍ رُبْعٌ، فَاجْتَمَعَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بِمَوْتِ عُمَرَ: خُمُسٌ وَثُلُثٌ، وَبِمَوْتِ فَاطِمَةَ: نِصْفُ خُمُسٍ. وَلِمَلِكَةِ، بِمَوْتِ عُمَرَ: ثُلُثَا خُمُسٍ، وَبِمَوْتِ فَاطِمَةَ: رُبْعُ خُمُسٍ. وَلِزَيْنَبِ بِمَوْتِ عَلِيٍّ: خُمُسَانِ، وَبِمَوْتِ فَاطِمَة: رُبْع خُمُسٍ، فَيُقَسَّمُ نَصِيبُ عَبْدِ الْقَادِر سِتِّينَ جُزْءًا. لِزَيْنَبِ: سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَهِيَ خُمُسَانِ وَرُبْعُ خُمُسٍ، وَلِعَبْدِ الرَّحْمَن: اثْنَانِ وَعِشْرُونَ، وَهِيَ خُمُسٌ وَنِصْفٌ وَثُلُثٌ. وَلِمَلَكَةَ: أَحَدَ عَشَرَ، وَهِيَ ثُلُثَا خُمُسٍ وَرُبْعٌ.
فَصَحَّتْ مِمَّا قَالَهُ السُّبْكِيّ، لَكِنَّ الْفَرْقَ تَقَدُّمُ اسْتِحْقَاقِ عَبْد الرَّحْمَن، وَمَلِكَةَ. وَالْجَزْمُ حِينَئِذٍ بِصِحَّةِ هَذِهِ الْقِسْمَة، وَالسُّبْكِيُّ تَرَدَّدَ فِيهَا، وَجَعَلَهَا مِنْ بَابِ قِسْمَة الْمَشْكُوكِ فِي اسْتِحْقَاقِهِ وَنَحْنُ لَا نَتَرَدَّدُ فِي ذَلِكَ.
وَسُئِلَ السُّبْكِيُّ أَيْضًا: عَنْ رَجُلٍ وَقَفَ عَلَى حَمْزَة، ثُمَّ أَوْلَاده، ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ وَشَرَطَ أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ أَوْلَادِهِ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ لِلْمُسْتَحِقِّينَ مِنْ إخْوَتِهِ وَمَنْ مَاتَ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِ. لِشَيْءٍ مِنْ مَنَافِعِ الْوَقْفِ، وَلَهُ وَلَدٌ، اسْتَحَقَّ وَلَدُهُ مَا كَانَ يَسْتَحِقّهُ الْمُتَوَفَّى، لَوْ كَانَ حَيًّا.
فَمَاتَ حَمْزَةُ، وَخَلَّفَ وَلَدَيْنِ، وَهُمَا عِمَادُ الدِّين، وَخَدِيجَةُ. وَوَلَدَ وَلَدٍ، مَاتَ أَبُوهُ فِي حَيَاةِ وَالِدِهِ، وَهُوَ: نَجْمُ الدِّينِ بْنُ مُؤَيِّدِ الدِّينِ بْنِ حَمْزَةَ، فَأَخَذَ الْوَالِدَانِ نَصِيبَهُمَا، وَوَلَدُ الْوَلَدِ: النَّصِيبَ الَّذِي لَوْ كَانَ أَبُوهُ حَيًّا لَأَخَذَهُ، ثُمَّ مَاتَتْ خَدِيجَةُ، فَهَلْ يَخْتَصُّ أَخُوهَا بِالْبَاقِي، أَوْ يُشَارِكُهُ وَلَدُ أَخِيهِ نَجْمُ الدِّينِ؟
стр. 133
فَأَجَابَ: تَعَارَضَ فِيهِ اللَّفْظَانِ، فَيُحْتَمَلُ الْمُشَارَكَةُ. وَلَكِنَّ الْأَرْجَحَ اخْتِصَاصُ الْأَخِ وَيُرَجِّحُهُ: أَنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى الْإِخْوَةِ وَعَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ مِنْهُمْ: كَالْخَاصِّ. وَقَوْلُهُ: " وَمَنْ مَاتَ قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ " كَالْعَامِّ فَيُقَدَّمُ الْخَاصُّ عَلَى الْعَامِّ.
تَنْبِيهٌ:
قَالَ السُّبْكِيُّ، وَوَلَدُهُ: مَحَلُّ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ: أَنْ يَسْتَوِيَ الْإِعْمَالُ وَالْإِهْمَالُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْكَلَام. أَمَّا إذَا بَعُدَ الْإِعْمَالِ عَنْ اللَّفْظِ، وَصَارَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَاللُّغْزِ فَلَا يَصِيرُ رَاجِحًا وَمِنْ ثَمَّ: لَوْ أَوْصَى بِعُودٍ مِنْ عِيدَانِهِ: وَلَهُ عِيدَانُ لَهْوٍ، وَعِيدَانُ قِسِيٍّ، وَبِنَاءٍ. فَالْأَصَحُّ بُطْلَانُ الْوَصِيَّة، تَنْزِيلًا عَلَى عِيدَانِ اللَّهْو ; لِأَنَّ اسْمَ الْعُودِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لَهُ. وَاسْتِعْمَالُهُ فِي غَيْرِهِ مَرْجُوحٌ وَلَيْسَ كَالطَّبْلِ لِوُقُوعِهِ عَلَى الْجَمِيع وُقُوعًا وَاحِدًا. كَذَا فَرَّقَ الْأَصْحَابُ بَيْن الْمَسْأَلَتَيْنِ.
وَلَوْ قَالَ: زَوَّجْتُك فَاطِمَةَ، وَلَمْ يَقُلْ: بِنْتِي: لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْأَصَحِّ. لِكَثْرَةِ الْفَوَاطِمِ.
[فَصْلٌ: قَاعِدَةُ التَّأْسِيسُ أَوْلَى مِنْ التَّأْكِيدِ]
فَصْلٌ يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ: قَاعِدَةُ " التَّأْسِيسُ أَوْلَى مِنْ التَّأْكِيدِ " فَإِذَا دَارَ اللَّفْظُ بَيْنَهُمَا ; تَعَيَّنَ عَلَى التَّأْسِيس.
وَفِيهِ فُرُوعٌ: مِنْهَا: قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ. أَنْتِ طَالِقٌ، وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَالْأَصَحُّ الْحَمْلُ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ.
وَمِنْهَا: إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إنْ ظَاهَرْت مِنْ فُلَانَةَ الْأَجْنَبِيَّةِ، فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، ثُمَّ تَزَوَّجَ تِلْكَ، وَظَاهَرَ. فَهَلْ يَصِيرُ مُظَاهِرًا مِنْ الزَّوْجَةِ الْأُولَى؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا فِي التَّنْبِيهِ: لَا. حَمْلًا لِلصِّفَةِ عَلَى الشَّرْطِ. فَكَأَنَّهُ عَلَّقَ ظِهَارَهُ عَلَى ظِهَارِهِ مِنْ تِلْكَ، حَالَ كَوْنِهَا أَجْنَبِيَّةً، وَذَلِكَ تَعْلِيقٌ عَلَى مَا لَا يَكُونُ ظِهَارًا شَرْعِيًّا. وَالثَّانِي: نَعَمْ. وَيُجْعَلُ الْوَصْفُ بِقَوْلِهِ " الْأَجْنَبِيَّةِ "، تَوْضِيحًا، لَا تَخْصِيصًا ; وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ النَّوَوِيِّ.
[الْقَاعِدَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ]
ِ» هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ حِبَّانَ. مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ. وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ ذِكْرُ السَّبَبِ. وَهُوَ «أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ عَبْدًا، فَأَقَامَ عِنْدَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُقِيمَ، ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا، فَخَاصَمَهُ إلَى النَّبِيِّ
стр. 134
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ اسْتَعْمَلَ غُلَامِي. فَقَالَ: الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ»
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْخَرَاجُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ غَلَّةُ الْعَبْدِ يَشْتَرِيهِ الرَّجُلُ فَيَسْتَغِلُّهُ زَمَانًا، ثُمَّ يَعْثُرُ مِنْهُ عَلَى عَيْبٍ دَلَّسَهُ الْبَائِعُ، فَيَرُدُّهُ، وَيَأْخُذُ جَمِيعَ الثَّمَنِ. وَيَفُوزُ بِغَلَّتِهِ كُلّهَا ; لِأَنَّهُ كَانَ فِي ضَمَانِهِ، وَلَوْ هَلَكَ هَلَكَ مِنْ مَالِهِ، انْتَهَى.
وَكَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: مَعْنَاهُ مَا خَرَجَ مِنْ الشَّيْءِ: مِنْ غَلَّةٍ، وَمَنْفَعَةٍ، وَعَيْنٍ، فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي عِوَضُ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ ضَمَانِ الْمِلْكِ، فَإِنَّهُ لَوْ تَلِفَ الْمَبِيعُ كَانَ مِنْ ضَمَانِهِ، فَالْغَلَّةُ لَهُ، لِيَكُونَ الْغُنْمُ فِي مُقَابَلَةِ الْغُرْمِ.
وَقَدْ ذَكَرُوا هُنَا سُؤَالَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَوْ كَانَ الْخَرَاجُ فِي مُقَابَلَةِ الضَّمَانِ ; لَكَانَتْ الزَّوَائِدُ قَبْلَ الْقَبْضِ لِلْبَائِعِ، ثُمَّ الْعَقْدُ، أَوْ انْفَسَخَ، لِكَوْنِهِ مِنْ ضَمَانِهِ، وَلَا قَائِلَ بِهِ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْخَرَاجَ مُعَلَّلٌ قَبْلَ الْقَبْضِ بِالْمِلْكِ وَبَعْدَهُ بِهِ، وَبِالضَّمَانِ مَعًا: وَاقْتُصِرَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى التَّعْلِيلِ بِالضَّمَانِ ; لِأَنَّهُ أَظْهَرُ عِنْد الْبَائِع، وَأَقْطَعُ لِطَلَبِهِ، وَاسْتِبْعَادِهِ أَنَّ الْخَرَاجَ لِلْمُشْتَرِي.
الثَّانِي: لَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ: الضَّمَانَ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الزَّوَائِدُ لِلْغَاصِبِ، لِأَنَّ ضَمَانَهُ أَشَدُّ مِنْ ضَمَانِ غَيْرِهِ. وَبِهَذَا اُحْتُجَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ " إنَّ الْغَاصِبَ لَا يَضْمَنُ مَنَافِعَ الْمَغْصُوبِ ". وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ ﷺ قَضَى بِذَلِكَ فِي ضَمَانِ الْمِلْكِ، وَجَعَلَ الْخَرَاجَ لِمَنْ هُوَ مَالِكُهُ، إذَا تَلِفَ تَلِفَ عَلَى مِلْكِهِ، وَهُوَ الْمُشْتَرِي، وَالْغَاصِبُ لَا يَمْلِكُ الْمَغْصُوبَ. وَبِأَنَّ الْخَرَاجَ: هُوَ الْمَنَافِعُ، جَعَلَهَا لِمَنْ عَلَيْهِ الضَّمَانُ. وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْغَاصِبَ لَا يَمْلِكُ الْمَغْصُوبَ بَلْ إذَا أَتْلَفَهَا، فَالْخِلَافُ فِي ضَمَانِهَا عَلَيْهِ، فَلَا يَتَنَاوَلُ مَوْضِعَ الْخِلَافِ.
نَعَمْ: خَرَجَ عَنْ هَذَا مَسْأَلَةٌ، وَهِيَ مَا لَوْ أَعْتَقَتْ الْمَرْأَةُ عَبْدًا، فَإِنَّ وَلَاءَهُ يَكُونُ لِابْنِهَا وَلَوْ جَنَى جِنَايَةً خَطَأً، فَالْعَقْلُ عَلَى عَصَبَتِهَا، دُونَهُ، وَقَدْ يَجِيءُ مِثْلُهُ فِي بَعْضِ الْعَصَبَاتِ، يَعْقِلُ وَلَا يَرِثُ.
[الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: الْخُرُوجُ مِنْ الْخِلَافِ مُسْتَحَبٌّ]
ٌّ " فُرُوعُهَا كَثِيرَةٌ جِدًّا لَا تَكَادُ تُحْصَى: فَمِنْهَا: اسْتِحْبَابُ الدَّلْكِ فِي الطَّهَارَة، وَاسْتِيعَابُ الرَّأْس بِالْمَسْحِ، وَغَسْلُ الْمَنِيِّ بِالْمَاءِ، وَالتَّرْتِيبُ فِي قَضَاءِ الصَّلَوَاتِ، وَتَرْكُ صَلَاةِ الْأَدَاءِ خَلْفَ الْقَضَاءِ، وَعَكْسُهُ، وَالْقَصْرُ فِي سَفَرٍ يَبْلُغ ثَلَاثَ مَرَاحِلَ، وَتَرَكَهُ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ، وَلِلْمَلَّاحِ الَّذِي يُسَافِرُ بِأَهْلِهِ وَأَوْلَادِهِ، وَتَرْكُ الْجَمْعِ. وَكِتَابَةُ الْعَبْدِ الْقَوِيِّ الْكَسُوبِ، وَنِيَّةُ الْإِمَامَةِ. وَاجْتِنَابُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ
стр. 135
وَاسْتِدْبَارِهَا مَعَ السَّاتِرِ، وَقَطْعَ الْمُتَيَمِّمِ الصَّلَاةَ إذَا رَأَى الْمَاءَ ; خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَ الْجَمِيعَ.
وَكَرَاهَةُ الْحِيَلِ فِي بَابِ الرِّبَا. وَنِكَاحُ الْمُحَلِّل خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ حَرَّمَهُ.
وَكَرَاهَةُ صَلَاةِ الْمُنْفَرِد خَلْفَ الصَّفِّ، خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَبْطَلَهَا.
وَكَذَا كَرَاهَةُ مُفَارَقَةِ الْإِمَامِ بِلَا عُذْرٍ، وَالِاقْتِدَاءُ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ ; خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ لَمْ يُجِزْ ذَلِكَ.
تَنْبِيهٌ:
لِمُرَاعَاةِ الْخِلَافِ شُرُوطٌ: أَحَدُهَا: أَنْ لَا يُوقِعَ مُرَاعَاتُهُ فِي خِلَافٍ آخَرَ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ فَصْلُ الْوِتْرِ أَفْضَلَ مِنْ وَصْلِهِ، وَلَمْ يُرَاعِ خِلَافَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ لَا يُجِيزُ الْوَصْلَ.
الثَّانِي: أَنْ لَا يُخَالِفَ سُنَّةً ثَابِتَةً ; وَمِنْ ثَمَّ سُنَّ رَفْعُ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَمْ يُبَالِ بِرَأْيِ مَنْ قَالَ بِإِبْطَالِهِ الصَّلَاةَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ ; لِأَنَّهُ ثَابِتٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ رِوَايَةِ نَحْوِ خَمْسِينَ صَحَابِيًّا.
الثَّالِثُ: أَنْ يَقْوَى مُدْرِكُهُ ; بِحَيْثُ لَا يُعَدُّ هَفْوَةً. وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ أَفْضَلَ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ ; وَلَمْ يُبَالِ بِقَوْلِ دَاوُد: إنَّهُ لَا يَصِحُّ.
وَقَدْ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: إنَّ الْمُحَقِّقِينَ لَا يُقِيمُونَ لِخِلَافِ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَزْنًا.
تَنْبِيهٌ:
شَكَّكَ بَعْضُ الْمُحَقَّقِينَ عَلَى قَوْلِنَا بِأَفْضَلِيَّةِ الْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ فَقَالَ: الْأَوْلَوِيَّةُ وَالْأَفْضَلِيَّةُ، إنَّمَا تَكُونُ حَيْثُ سُنَّةٌ ثَابِتَةٌ. وَإِذَا اخْتَلَفَتْ الْأُمَّةُ عَلَى قَوْلَيْنِ: قَوْلٌ بِالْحِلِّ ; وَقَوْلٌ بِالتَّحْرِيمِ، وَاحْتَاطَ الْمُسْتَبْرِئُ لِدِينِهِ، وَجَرَى عَلَى التَّرْكِ ; حَذِرًا مِنْ وَرْطَاتِ الْحُرْمَة لَا يَكُونُ فِعْلُهُ ذَلِكَ سُنَّةً ; لِأَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ هَذَا الْفِعْلَ يَتَعَلَّقُ بِهِ الثَّوَابُ مِنْ غَيْر عِقَابٍ عَلَى التَّرْكِ، لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، وَالْأَئِمَّةُ كَمَا تَرَى بَيْن قَائِلٍ بِالْإِبَاحَةِ، وَقَائِلٍ بِالتَّحْرِيمِ. فَمِنْ أَيْنَ الْأَفْضَلِيَّةُ؟
وَأَجَابَ ابْنُ السُّبْكِيّ: بِأَنَّ أَفْضَلِيَّتَهُ لَيْسَتْ لِثُبُوتِ سُنَّةٍ خَاصَّةٍ فِيهِ، بَلْ لِعُمُومِ الِاحْتِيَاطِ وَالِاسْتِبْرَاءِ لِلدِّينِ، وَهُوَ مَطْلُوبٌ شَرْعًا مُطْلَقًا، فَكَانَ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ الْخِلَافِ أَفْضَلُ، ثَابِتًا مِنْ حَيْثُ الْعُمُومُ، وَاعْتِمَادُهُ مِنْ الْوَرَعِ الْمَطْلُوبِ شَرْعًا.
стр. 136
خَاتِمَةٌ:
مِنْ فُرُوعِ هَذِهِ الْقَاعِدَة، فِي الْعَرَبِيَّةِ: إذَا دَارَ الْأَمْرُ فِي ضَرُورَة الشِّعْرِ، أَوْ التَّنَاسُبِ، بَيْن قَصْرِ الْمَمْدُودِ وَمَدِّ الْمَقْصُورِ.
فَالْأَوَّلُ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَى جَوَازِهِ، وَالثَّانِي مُخْتَلَفٌ فِيهِ.
[الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: الدَّفْعُ أَقْوَى مِنْ الرَّفْعِ]
ِ " وَلِهَذَا: الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ، إذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ، فِي عَوْدِهِ طَهُورًا، وَجْهَانِ.
وَلَوْ اسْتَعْمَلَ الْقُلَّتَيْنِ ابْتِدَاءً لَمْ يَصِرْ مُسْتَعْمَلًا، بِلَا خِلَافٍ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْكَثْرَة فِي الِابْتِدَاءِ دَافِعَةٌ، وَفِي الْأَثْنَاءِ رَافِعَةٌ. وَالدَّفْعُ أَقْوَى مِنْ الرَّفْعِ. وَمِنْ ذَلِكَ: لِلزَّوْجِ مَنْعُ زَوْجَتِهِ مِنْ حَجّ الْفَرْضِ، وَلَوْ شَرَعَتْ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَفِي جَوَازِ تَحْلِيلِهَا قَوْلَانِ.
وَوُجُودُ الْمَاءِ قَبْلَ الصَّلَاةِ لِلْمُتَيَمِّمِ، يَمْنَعُ الدُّخُولَ فِيهَا، وَفِي أَثْنَائِهَا لَا يُبْطِلُهَا، حَيْثُ تَسْقُطُ بِهِ.
وَاخْتِلَافُ الدِّين الْمَانِع مِنْ النِّكَاحِ يَدْفَعُهُ ابْتِدَاءً، وَلَا يَرْفَعُهُ فِي الْأَثْنَاءِ، بَلْ يُوقَفُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ.
وَالْفِسْقُ: يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْإِمَامَةِ ابْتِدَاءً، وَلَوْ عَرَضَ فِي الْأَثْنَاءِ، لَمْ يَنْعَزِلْ.
[الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: الرُّخَصُ لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي]
" وَمِنْ ثَمَّ لَا يَسْتَبِيحُ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ شَيْئًا مِنْ رُخَصِ السَّفَر: مِنْ الْقَصْر وَالْجَمْع وَالْفِطْرِ وَالْمَسْحِ ثَلَاثًا، وَالتَّنَقُّلِ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَتَرْك الْجُمُعَةِ، وَأَكْل الْمَيْتَةِ ; وَكَذَا التَّيَمُّمُ، عَلَى وَجْه اخْتَارَهُ السُّبْكِيُّ، وَيَأْثَمُ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ إثْمَ تَارِكٍ لَهَا، مَعَ إمْكَانِ الطَّهَارَةِ ; لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى اسْتِبَاحَةِ التَّيَمُّمِ بِالتَّوْبَةِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ التَّيَمُّم لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ، وَيَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ لِتَقْصِيرِهِ بِتَرْكِ التَّوْبَةِ.
وَلَوْ وَجَدَ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ مَاءً، وَاحْتَاجَ إلَيْهِ لِلْعَطَشِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّيَمُّمُ بِلَا خِلَاف. وَكَذَا مَنْ بِهِ مَرَض وَهُوَ عَاصٍ بِسَفَرِهِ ; لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى التَّوْبَةِ.
قَالَ الْقَفَّالُ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ ; فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ حَرَّمْتُمْ أَكْلَ الْمَيْتَةِ عَلَى الْعَاصِي بِسَفَرِهِ مَعَ أَنَّهُ مُبَاحٌ لِلْحَاضِرِ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ، وَكَذَا مَنْ بِهِ مَرَضٌ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ فِي الْحَضَرِ؟ فَالْجَوَّابُ: أَنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا فِي الْحَضَرِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ لَكِنَّ سَفَرَهُ سَبَبٌ لِهَذِهِ الضَّرُورَة، وَهُوَ مَعْصِيَةٌ، فَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ الْمَيْتَةُ فِي الضَّرُورَة، كَمَا لَوْ سَافَرَ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ
стр. 137
فَجُرِحَ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ لِذَلِكَ الْجُرْح، مَعَ أَنَّ الْحَاضِرَ الْجَرِيحَ يَجُوزُ لَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: تَحْرِيمُ الْمَيْتَةِ وَالتَّيَمُّمِ يُؤَدِّي إلَى الْهَلَاكِ
فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى اسْتِبَاحَتِهِ بِالتَّوْبَةِ، انْتَهَى.
وَهَلْ يَجُوزُ لِلْعَاصِي بِسَفَرِهِ: مَسْحُ الْمُقِيمِ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ لِأَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ بِلَا سَفَرٍ.
وَالثَّانِي: لَا، تَغْلِيظًا عَلَيْهِ، كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ.
وَحُكِيَ الْوَجْهَانِ فِي الْعَاصِي بِالْإِقَامَةِ كَعَبْدٍ أَمَرَهُ سَيِّدُهُ بِالسَّفَرِ، فَأَقَامَ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَالْمَشْهُورُ: الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ.
وَطَرَدَ الْإِصْطَخْرِيُّ الْقَاعِدَةَ فِي سَائِرِ الرُّخَصِ، فَقَالَ: إنَّ الْعَاصِي بِالْإِقَامَةِ لَا يَسْتَبِيحُ شَيْئًا مِنْهَا.
وَفَرَّقَ الْأَكْثَرُونَ بِأَنَّ الْإِقَامَةَ نَفْسَهَا لَيْسَتْ مَعْصِيَةً ; لِأَنَّهَا كَفٌّ، وَإِنَّمَا الْفِعْلُ الَّذِي يُوقِعُهُ فِي الْإِقَامَةِ مَعْصِيَة. وَالسَّفَرُ فِي نَفْسِهِ مَعْصِيَةٌ.
وَمِنْ فُرُوعِ الْقَاعِدَةِ: لَوْ اسْتَنْجَى بِمُحْتَرَمٍ أَوْ مَطْعُومٍ، لَا يُجْزِئُهُ فِي الْأَصَحِّ ; لِأَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْحَجَرِ رُخْصَةٌ فَلَا يُنَاطُ بِمَعْصِيَةٍ.
وَمِنْهَا: لَوْ اسْتَنْجَى بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَفِي وَجْهٍ لَا يُجْزِيهِ ; لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ وَاسْتِعْمَالُ النَّقْدِ حَرَامٌ، وَالصَّحِيحُ الْإِجْزَاءُ.
وَمِنْهَا: لَوْ لَبِسَ خُفًّا مَغْصُوبًا. فَفِي وَجْهٍ لَا يَمْسَحُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ لِمَشَقَّةِ النَّزْعِ، وَهَذَا عَاصٍ بِالتَّرْكِ وَاسْتِدَامَةِ اللُّبْسِ، وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ كَالتَّيَمُّمِ بِتُرَابٍ مَغْصُوبٍ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ، مَعَ أَنَّ التَّيَمُّمَ رُخْصَةٌ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَنَظِيرُهُ الْمَسْحُ عَلَى خُفٍّ مَغْصُوبٍ: غَسْلُ الرِّجْلِ الْمَغْصُوبَةِ فِي الْوُضُوءِ. وَصُورَتُهُ: أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ التَّمْكِينُ مِنْ قَطْعِهَا فِي قِصَاصٍ أَوْ سَرِقَةٍ، فَلَا يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ وَلَوْ لَبِسَ خُفًّا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَفِيهِ الْوَجْهَانِ فِي الْمَغْصُوب.
وَقَطَعَ الْمُتَوَلِّي هُنَا بِالْمَنْعِ، لِأَنَّ التَّحْرِيمَ هُنَا لِمَعْنًى فِي نَفْسِ الْخُفِّ، فَصَارَ كَاَلَّذِي لَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ.
قَالَ فِي شَرْح الْمُهَذَّبِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحَرِيرُ مِثْلَهُ.
وَلَوْ لَبِسَ الْمُحْرِمُ الْخُفَّ، فَلَا نَقْلَ فِيهِ عِنْدَنَا، وَالْمُصَحَّحُ عِنْد الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْمَسْحُ وَهُوَ ظَاهِرٌ، فَإِنَّ الْمَعْصِيَة هُنَا فِي نَفْسِ اللُّبْسِ، ثُمَّ رَأَيْت الْإِسْنَوِيَّ ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ فِي أَلْغَازِهِ وَقَالَ: إنَّ الْمُتَّجَهَ الْمَنْعُ جَزْمًا، وَلَا يَتَخَرَّجُ
стр. 138
عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمَغْصُوبِ وَنَحْوِهِ ; فَإِنَّ الْمَنْعَ هُنَاكَ بِطَرِيقِ الْعَرْضِ، لَا لِمَعْنًى فِي اللُّبْسِ، وَلِهَذَا يُلْبَسُ غَيْرُهُ، وَيُمْسَحُ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الْمُحْرِمُ: فَقَامَ بِهِ مَعْنَى آخَرُ، أَخْرَجَهُ عَنْ أَهْلِيَّةِ الْمَسْحِ لِامْتِنَاعِ اللُّبْسِ مُطْلَقًا. وَمِنْهَا: لَوْ جُنَّ الْمُرْتَدُّ، وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاءُ صَلَوَاتِ أَيَّامِ الْجُنُونِ أَيْضًا، بِخِلَافِ مَا إذَا حَاضَتْ الْمُرْتَدَّةُ لَا تَقْضِي صَلَوَاتِ أَيَّامِ الْحَيْضِ ; لِأَنَّ سُقُوطَ الْقَضَاءِ عَنْ الْحَائِضِ عَزِيمَةٌ وَعَنْ الْمَجْنُونِ رُخْصَةٌ، وَالْمُرْتَدُّ لَيْسَ مِنْ أَهْل الرُّخْصَةِ.
وَمِنْهَا: لَوْ شَرِبَتْ دَوَاءً فَأَسْقَطَتْ، فَفِي وَجْهٍ تَقْضِي صَلَوَاتِ أَيَّامِ النِّفَاسِ ; لِأَنَّهَا عَاصِيَةٌ، وَالْأَصَحُّ: لَا، لِأَنَّ سُقُوطَ الْقَضَاءِ عَنْ النُّفَسَاءِ عَزِيمَةٌ لَا رُخْصَةٌ.
وَمِنْهَا: لَوْ أَلْقَى نَفْسَهُ، فَانْكَسَرَتْ رِجْلُهُ وَصَلَّى قَاعِدًا، فَفِي وَجْهٍ: يَجِبُ الْقَضَاءُ لِعِصْيَانِهِ، وَالْأَصَحُّ: لَا.
وَمِنْهَا: يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ رُخْصَةً، فَلَوْ كَانَ الْحِنْثُ بِمَعْصِيَةٍ فَوَجْهَانِ ; لِأَنَّ الرُّخَصَ لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي
وَمِنْهَا: لَوْ صَبَّ الْمَاءَ بَعْدَ الْوَقْتِ لِغَيْرِ غَرَضٍ وَتَيَمَّمَ، فَفِي وَجْهٍ: تَجِبُ الْإِعَادَةُ لِعِصْيَانِهِ وَالْأَصَحُّ: لَا ; لِأَنَّهُ فَاقِدٌ.
وَمِنْهَا: إذَا حَكَمْنَا بِنَجَاسَةِ جِلْدِ الْآدَمِيّ بِالْمَوْتِ ; فَفِي وَجْهٍ: لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ، لِأَنَّ اسْتِعْمَالَهُ مَعْصِيَةٌ، وَالرُّخَصُ لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي، وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يَطْهُر كَغَيْرِهِ وَتَحْرِيمُهُ لَيْسَ لِعَيْنِهِ، بَلْ لِلِامْتِهَانِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ ; وَلِأَنَّهُ يُحَرَّم اسْتِعْمَالُهُ، وَإِنْ قُلْنَا بِطَهَارَتِهِ.
تَنْبِيهٌ:
مَعْنَى قَوْلُنَا " الرُّخَصُ: لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي " أَنَّ فِعْلَ الرُّخْصَةِ مَتَى تَوَقَّفَ عَلَى وُجُودِ شَيْءٍ، نُظِرَ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَإِنْ كَانَ تَعَاطِيهِ فِي نَفْسِهِ حَرَامًا، امْتَنَعَ مَعَهُ فِعْلُ الرُّخْصَة، وَإِلَّا فَلَا، وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْن الْمَعْصِيَةِ بِالسَّفَرِ وَالْمَعْصِيَةِ فِيهِ.
فَالْعَبْدُ الْآبِقُ، وَالنَّاشِزَةُ، وَالْمُسَافِرُ لِلْمَكْسِ، وَنَحْوُهُ. عَاصٍ بِالسَّفَرِ: فَالسَّفَرُ نَفْسُهُ مَعْصِيَةٌ وَالرُّخْصَةُ مَنُوطَةٌ بِهِ مَعَ دَوَامِهِ، وَمُعَلَّقَةٌ، وَمُتَرَتِّبَةٌ عَلَيْهِ تَرَتُّبَ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ، فَلَا يُبَاحُ.
وَمَنْ سَافَرَ مُبَاحًا، فَشَرِبَ الْخَمْرَ فِي سَفَرِهِ، فَهُوَ عَاصٍ فِيهِ، أَيْ مُرْتَكِبُ الْمَعْصِيَةِ فِي السَّفَرِ الْمُبَاحِ ; فَنَفْسُ السَّفَرِ: لَيْسَ مَعْصِيَةً، وَلَا آثِمًا بِهِ فَتُبَاحُ فِيهِ الرُّخَصُ ; لِأَنَّهَا مَنُوطَةٌ بِالسَّفَرِ، وَهُوَ فِي نَفْسِهِ مُبَاحٌ. وَلِهَذَا جَازَ الْمَسْحُ عَلَى، الْخُفِّ الْمَغْصُوبِ، بِخِلَافِ الْمُحْرِم ; لِأَنَّ الرُّخْصَةَ مَنُوطَة بِاللُّبْسِ، وَهُوَ لِلْمُحْرِمِ مَعْصِيَةٌ ; وَفِي الْمَغْصُوب لَيْسَ مَعْصِيَة لِذَاتِهِ، أَيْ لِكَوْنِهِ لُبْسًا، بَلْ لِلِاسْتِيلَاءِ عَلَى حَقّ الْغَيْرِ، وَلِذَا لَوْ تَرَكَ اللُّبْسَ، لَمْ تَزُلْ الْمَعْصِيَةُ، بِخِلَافِ الْمُحْرِمِ.
стр. 139
[الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: الرُّخْصَةُ لَا تُنَاطُ بِالشَّكِّ]
ِّ " ذَكَرَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ وَفَرَّعَ عَلَيْهَا:
أَنَّهُ إذَا غَسَلَ إحْدَى رِجْلَيْهِ وَأَدْخَلَهَا، لَا يَسْتَبِيحُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُدْخِلْهُمَا طَاهِرَتَيْنِ. وَمِنْ فُرُوعِهَا:
وُجُوبُ الْغُسْلِ: لِمَنْ شَكَّ فِي جَوَازِ الْمَسْحِ.
وَوُجُوبُ الْإِتْمَامِ لِمَنْ شَكَّ فِي جَوَازِ الْقَصْر، وَذَلِكَ فِي صُوَرٍ مُتَعَدِّدَةٍ.
[الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: الرِّضَا بِالشَّيْءِ رِضًا بِمَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ]
ُ " وَقَرِيب مِنْهَا الْقَاعِدَةُ " الْمُتَوَلَّدُ مِنْ مَأْذُونٍ فِيهِ لَا أَثَرَ لَهُ " وَمِنْ فُرُوعِهَا:
رَضِيَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بِعَيْبِ صَاحِبِهِ ; فَزَادَ: فَلَا خِيَارَ لَهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَمِنْهَا: أَذِنَ الْمُرْتَهِنُ لِلرَّاهِنِ فِي ضَرْبِ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ، فَهَلَكَ فِي الضَّرْبِ. فَلَا ضَمَانَ لِأَنَّهُ تَوَلَّدَ مِنْ مَأْذُونٍ فِيهِ، كَمَا لَوْ أَذِنَ فِي الْوَطْءِ فَأَحْبَلَ.
وَمِنْهَا: قَالَ مَالِكُ أَمْرِهِ: اقْطَعْ يَدِي، فَفَعَلَ، فَسَرَى، فَهَدْرٌ، عَلَى الْأَظْهَر، وَمِنْهَا: لَوْ قُطِعَ قِصَاصًا، أَوْ حَدًّا، فَسَرَى: فَلَا ضَمَانَ، وَمِنْهَا: تَطَيَّبَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، فَسَرَى إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ بَعْدَ الْإِحْرَام فَلَا فِدْيَةَ فِيهِ.
وَمِنْهَا: مَحَلّ الِاسْتِجْمَارِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، فَلَوْ عَرِقَ فَتَلَوَّثَ مِنْهُ. فَالْأَصَحُّ الْعَفْوُ.
وَمِنْهَا: لَوْ سَبَقَ مَاءُ الْمَضْمَضَة، أَوْ الِاسْتِنْشَاقِ إلَى جَوْفِهِ، وَلَمْ يُبَالِغْ. لَمْ يُفْطِرْ فِي الْأَصَحِّ بِخِلَافِ مَا إذَا بَالَغَ، لِأَنَّهُ تَوَلُّدٌ مِنْ مَنْهِيٍّ عَنْهُ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْقَاعِدَة مَا كَانَ مَشْرُوطًا بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ، كَضَرْبِ الْمُعَلِّمِ، وَالزَّوْجِ، وَالْوَلِيِّ، وَتَعْزِيرِ الْحَاكِم وَإِخْرَاجِ الْجَنَاحِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
[الْقَاعِدَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: السُّؤَالُ مُعَادٌ فِي الْجَوَابِ]
ِ " فَلَوْ قِيلَ لَهُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِخْبَارِ: أَطَلَّقْت زَوْجَتَكَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ كَانَ إقْرَارًا بِهِ، يُؤَاخَذُ بِهِ فِي الظَّاهِرِ. وَلَوْ كَانَ كَاذِبًا.
وَلَوْ قِيلَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْتِمَاسِ الْإِنْشَاءِ، فَاقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: نَعَمْ، فَقَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كِنَايَةٌ لَا يَقَعُ إلَّا بِالنِّيَّةِ.
стр. 140
وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ صَرِيحٌ ; لِأَنَّ السُّؤَالَ مُعَادٌ فِي الْجَوَابِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: طَلَّقْتهَا وَحِينَئِذٍ: لَا يَقْدَحُ كَوْنُهُ صَرِيحًا فِي حَصْرِهِمْ أَلْفَاظَ الصَّرِيح فِي الطَّلَاقِ، وَالْفِرَاقِ، وَالسَّرَاحِ، وَلَوْ قَالَتْ: أَبِنِّي بِأَلْفٍ، فَقَالَ: أَبَنْتُكِ وَنَوَى الزَّوْجُ الطَّلَاقَ دُونَهَا، فَوَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ ; لِأَنَّ كَلَامَهُ جَوَابٌ عَلَى سُؤَالِهَا، فَكَأَنَّ السُّؤَالَ مُعَادٌ فِي الْجَوَاب، وَهِيَ لَمْ يُوجَدْ مِنْهَا الْقَبُولُ لِعَدَمِ نِيَّة الْفِرَاق، وَهُوَ إنَّمَا رَضِيَ بِعِوَضٍ. وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ الْإِمَامُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَقَعُ رَجْعِيًّا. وَيُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى ابْتِدَاءِ خِطَابٍ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ، وَرَجَّحَهُ الْبَغَوِيّ.
وَمِنْ فُرُوع الْقَاعِدَةِ: مَسَائِلُ الْإِقْرَار كُلِّهَا.
إذَا قَالَ: لِي عَنْدك كَذَا ; فَقَالَ: نَعَمْ، أَوْ لَيْسَ عَلَيْك كَذَا، فَقَالَ أَجَلْ فِي الصُّورَتَيْنِ، فَهُوَ إقْرَارٌ بِمَا سَأَلَهُ عَنْهُ.
وَلَوْ قَالَ: لِي عَلَيْك مِائَةٌ، فَقَالَ: إلَّا دِرْهَمًا، فَفِي كَوْنِهِ مُقِرًّا بِمَا عَدَا الْمُسْتَثْنَى وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ ; لِأَنَّ الْإِقْرَارَ لَا يَثْبُتُ بِالْمَفْهُومِ.
[الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: لَا يُنْسَبُ لِلسَّاكِتِ قَوْلٌ]
ٌ " هَذِهِ عِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَلِهَذَا لَوْ سَكَتَ عَنْ وَطْءِ أَمَتِهِ لَا يَسْقُطُ الْمَهْرُ قَطْعًا، أَوْ عَنْ قَطْعِ عُضْوٍ مِنْهُ، أَوْ إتْلَافِ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الدَّفْعِ لَمْ يَسْقُطْ ضَمَانُهُ، بِلَا خِلَافٍ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَذِنَ فِي ذَلِكَ.
وَلَوْ سَكَتَتْ الثَّيِّبُ عِنْدَ الِاسْتِئْذَان فِي النِّكَاحِ. لَمْ يَقُمْ مَقَامَ الْإِذْنِ قَطْعًا.
وَلَوْ عَلِمَ الْبَائِعُ بِوَطْءِ الْمُشْتَرِي الْجَارِيَةَ فِي مِقْدَارِ مُدَّةِ الْخِيَارِ. لَا يَكُونُ إجَازَةً فِي الْأَصَحِّ.
وَلَوْ حُمِلَ مِنْ مَجْلِس الْخِيَارِ، وَلَمْ يُمْنَعْ مِنْ الْكَلَامِ. لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهُ فِي الْأَصَحِّ.
وَخَرَجَ عَنْ الْقَاعِدَة صُوَرٌ: مِنْهَا: الْبِكْرُ سُكُوتُهَا فِي النِّكَاحِ إذْنٌ لِلْأَبِ وَالْجَدِّ قَطْعًا، وَلِسَائِرِ الْعَصَبَةِ وَالْحَاكِمِ فِي الْأَصَحّ.
وَمِنْهَا سُكُوتُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْجَوَابِ، بَعْدَ عَرْضِ الْيَمِينِ عَلَيْهِ، يَجْعَلُهُ كَالْمُنْكِرِ النَّاكِلِ. وَتُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي.
وَمِنْهَا: لَوْ نَقَضَ بَعْضُ أَهْلِ الذِّمَّةِ. وَلَمْ يُنْكِرْ الْبَاقُونَ بِقَوْلٍ، وَلَا فِعْلٍ، بَلْ سَكَتُوا انْتَقَضَ فِيهِمْ أَيْضًا.
стр. 141
وَمِنْهَا: لَوْ رَأَى السَّيِّدُ عَبْدَهُ يُتْلِفُ مَالًا لِغَيْرِهِ، وَسَكَتَ عَنْهُ ضَمِنَهُ.
وَمِنْهَا: إذَا سَكَتَ الْمُحْرِم، وَقَدْ حَلَقَهُ الْحَلَالُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى مَنْعِهِ لَزِمَهُ الْفِدْيَةُ عَلَى الْأَصَحّ.
وَمِنْهَا: لَوْ بَاعَ الْعَبْدُ الْبَالِغَ، وَهُوَ سَاكِتٌ. صَحَّ الْبَيْعُ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَعْتَرِفَ بِأَنَّ الْبَائِعَ سَيِّدُهُ فِي الْأَصَحِّ.
وَمِنْهَا: الْقِرَاءَةُ عَلَى الشَّيْخ وَهُوَ سَاكِتٌ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ نُطْقِهِ فِي الْأَصَحِّ.
وَمِنْهَا: مَسَائِلُ أُخَر. ذَكَرَهَا الْقَاضِي جَلَالُ الدِّينِ الْبُلْقِينِيُّ، أَكْثَرُهَا عَلَى ضَعِيفٍ، وَبَعْضُهَا اقْتَرَنَ بِهِ فِعْلٌ قَامَ مَقَامَ النُّطْقِ، وَبَعْضُهَا فِيهِ نَظَرٌ.
[الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَة عَشْرَة: مَا كَانَ أَكْثَرَ فِعْلًا كَانَ أَكْثَرَ فَضْلًا]
" أَصْلُهُ قَوْلُهُ ﷺ لِعَائِشَةَ «أَجْرُكِ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَمِنْ ثَمَّ كَانَ فَصْلُ الْوِتْرِ أَفْضَلَ مِنْ وَصْلِهِ ; لِزِيَادَةِ النِّيَّةِ، وَالتَّكْبِيرِ، وَالسَّلَامِ. وَصَلَاةُ النَّفْلِ قَاعِدًا عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِم. وَمُضْطَجِعًا عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْقَاعِدِ.
وَإِفْرَادُ النُّسُكَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ الْقِرَانِ.
وَخَرَجَ عَنْ ذَلِكَ الصُّوَرُ: الْأُولَى: الْقَصْرُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِتْمَام بِشَرْطِهِ.
الثَّانِيَةُ: الضُّحَى أَفْضَلُهَا ثَمَانٍ، وَأَكْثَرُهَا: اثْنَتَا عَشْرَ. وَالْأَوَّلُ أَفْضَلُ، تَأَسِّيًا بِفِعْلِهِ. ﷺ
الثَّالِثَةُ: الْوِتْرُ بِثَلَاثٍ. أَفْضَلُ مِنْهُ بِخَمْسٍ، أَوْ سَبْعٍ، أَوْ تِسْعٍ، عَلَى مَا قَالَهُ فِي الْبَسِيطِ تَبَعًا لِشَيْخِهِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَالْمَجْزُومُ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ خِلَافُهُ، وَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُ أَفْضَلَ مِنْهُ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ الرُّويَانِيِّ، وَأَبِي الطَّيِّبِ.
وَقَالَ ابْنُ الْأُسْتَاذِ: يَنْبَغِي الْقَطْعُ بِهِ.
الرَّابِعَةُ: قِرَاءَةُ سُورَةٍ قَصِيرَةٍ فِي الصَّلَاةِ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضِ سُورَةٍ، وَإِنْ طَالَ، كَمَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي ; لِأَنَّهُ الْمَعْهُودُ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ غَالِبًا.
الْخَامِسَةُ: الصَّلَاةُ مَرَّةً فِي الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ فِعْلِهَا وَحْدَهُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً.
السَّادِسَةُ: صَلَاةُ الصُّبْحِ أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ الصَّلَوَات، مَعَ أَنَّهَا أَقْصَرُ مِنْ غَيْرِهَا.
السَّابِعَةُ: رَكْعَةُ الْوِتْرِ أَفْضَلُ مِنْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، عَلَى الْجَدِيدِ، بَلْ مِنْ التَّهَجُّدِ فِي اللَّيْلِ، وَإِنْ كَثُرَتْ رَكَعَاتُهُ. ذَكَرَهُ فِي الْمَطْلَبِ.
قَالَ: وَلَعَلَّ سَبَبَهُ انْسِحَابُ حُكْمِهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَهَا.
الثَّامِنَةُ: تَخْفِيفُ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، أَفْضَلُ مِنْ تَطْوِيلِهِمَا.
التَّاسِعَةُ: صَلَاةُ الْعِيدِ، أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْكُسُوفِ، مَعَ كَوْنِهَا أَشَقَّ، وَأَكْثَرَ عَمَلًا.
стр. 142
الْعَاشِرَةُ: الْجَمْعُ بَيْن الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاق بِثَلَاثِ غَرْفَاتٍ، وَالْفَصْلُ بِغُرْفَتَيْنِ أَفْضَل مِنْهُ بِسِتٍّ.
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: التَّصَدُّقُ بِالْأُضْحِيَّةِ بَعْد أَكْل لُقَمٍ يُتَبَرَّكُ بِهَا أَفْضَلُ مِنْ التَّصَدُّق بِجَمِيعِهَا.
الثَّانِيَةَ عَشْرَة: الْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ أَفْضَلُ مِنْهُ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ فِي الْأَظْهَرِ.
الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: الْحَجُّ، وَالْوُقُوفُ رَاكِبًا أَفْضَلُ مِنْهُ مَاشِيًا، تَأَسِّيًا بِفِعْلِهِ ﷺ فِي الصُّورَتَيْنِ.
تَنْبِيهٌ: أَنْكَرَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ كَوْنَ الشَّاقِّ أَفْضَلَ. وَقَالَ: إنْ تَسَاوَى الْعَمَلَانِ مِنْ كُلّ وَجْهٍ فِي الشَّرَفِ، وَالشَّرَائِطِ، وَالسُّنَنِ، كَانَ الثَّوَابُ عَلَى أَشَقِّهِمَا أَكْثَرَ، كَاغْتِسَالٍ فِي الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ، سَوَاءٌ فِي الْأَفْعَالِ، وَيَزِيدُ أَجْرُ الِاغْتِسَال فِي الشِّتَاءِ بِتَحَمُّلِ مَشَقَّةِ الْبَرْدِ، فَلَيْسَ التَّفَاوُتُ فِي نَفْسِ الْعَمَلَيْنِ، بَلْ فِيمَا لَزِمَ عَنْهُمَا.
وَكَذَلِكَ مَشَاقُّ الْوَسَائِلِ، كَقَاصِدِ الْمَسَاجِدِ، أَوْ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ مِنْ مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ، وَآخَرَ مِنْ بَعِيدٍ، فَإِنَّ ثَوَابَهُمَا يَتَفَاوَتُ بِتَفَاوُتِ الْوَسِيلَةِ، وَيَتَسَاوَيَانِ مِنْ جِهَةِ الْقِيَامِ بِأَصْلِ الْعِبَادَةِ، وَإِنْ لَمْ يَتَسَاوَ الْعَمَلَانِ، فَلَا يُطْلَقُ الْقَوْلُ بِتَفْضِيلِ أَشَقِّهِمَا. بِدَلِيلِ أَنَّ الْإِيمَانَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ، مَعَ سُهُولَتِهِ وَخِفَّتِهِ عَلَى اللِّسَانِ، وَكَذَلِكَ الذِّكْرُ، عَلَى مَا شَهِدَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ، وَكَذَلِكَ إعْطَاءُ الزَّكَاة مَعَ طِيبِ النَّفْسِ، أَفْضَلُ مِنْ إعْطَائِهَا مَعَ الْبُخْلِ، وَمُجَاهَدَة النَّفْسِ، وَكَذَلِكَ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَاهِرَ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَجَعَلَ الَّذِي يَقْرَؤُهُ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ، وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ.
[الْقَاعِدَةُ الْعِشْرُونَ: الْمُتَعَدِّي أَفْضَلُ مِنْ الْقَاصِرِ]
ِ " " وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَأَبُوهُ: لِلْقَائِمِ بِفَرْضِ الْكِفَايَة مَزِيَّةٌ عَلَى الْعَيْن ; لِأَنَّهُ أَسْقَطَ الْحَرَجَ عَنْ الْأُمَّةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: طَلَبُ الْعِلْمِ، أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّافِلَة.
وَأَنْكَرَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ هَذَا الْإِطْلَاقُ أَيْضًا. وَقَالَ: قَدْ يَكُونُ الْقَاصِرُ أَفْضَلَ كَالْإِيمَانِ. وَقَدْ قَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ . التَّسْبِيحَ عَقِبَ الصَّلَاةِ عَلَى الصَّدَقَةِ: وَقَالَ: «خَيْرُ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ» .
«وَسُئِلَ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: إيمَانٌ بِاَللَّهِ، ثُمَّ جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ حَجٌّ مَبْرُورٌ» وَهَذِهِ كُلّهَا قَاصِرَةٌ.
стр. 143
ثُمَّ اخْتَارَ تَبَعًا لِلْغَزَالِيِّ فِي الْإِحْيَاءِ: أَنَّ أَفْضَلَ الطَّاعَاتِ عَلَى قَدْرِ الْمَصَالِح النَّاشِئَةِ عَنْهَا.
[الْقَاعِدَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ: الْفَرْضُ أَفْضَلُ مِنْ النَّفْلِ]
ِ " قَالَ ﷺ فِيمَا يَحْكِيهِ عَنْ رَبِّهِ «وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ الْمُتَقَرِّبُونَ بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِمْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: قَالَ الْأَئِمَّةُ: خَصَّ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ بِإِيجَابِ أَشْيَاءَ لِتَعْظِيمِ ثَوَابِهِ، فَإِنَّ ثَوَابَ الْفَرَائِضِ يَزِيدُ عَلَى ثَوَابِ الْمَنْدُوبَاتِ بِسَبْعِينَ دَرَجَة.
وَتَمَسَّكُوا بِمَا رَوَاهُ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ «مَنْ تَقَرَّبَ فِيهِ بِخَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ كَانَ كَمَنْ أَدَّى فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَمَنْ أَدَّى فَرِيضَةً فِيهِ، كَانَ كَمَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ» فَقَابَلَ النَّفَلَ فِيهِ بِالْفَرْضِ فِي غَيْره، وَقَابَلَ الْفَرْضَ فِيهِ بِسَبْعِينَ فَرْضًا فِي غَيْرِهِ، فَأَشْعَرَ هَذَا بِطَرِيقِ الْفَحْوَى أَنَّ الْفَرْضَ يَزِيدُ عَلَى النَّفْلِ سَبْعِينَ دَرَجَةً اهـ.
قَالَ ابْنُ السُّبْكِيّ: وَهَذَا أَصْلُ مُطَّرِدٌ لَا سَبِيلَ إلَى نَقْضِهِ بِشَيْءٍ مِنْ الصُّوَرِ، وَقَدْ اُسْتُثْنِيَ فُرُوعٌ:
أَحَدُهَا: إبْرَاءِ الْمُعْسِرِ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ إنْظَارِهِ، وَإِنْظَارُهُ وَاجِبٌ، وَإِبْرَاؤُهُ مُسْتَحَبٌّ.
وَقَدْ انْفَصَلَ عَنْهُ التَّقِيُّ السُّبْكِيُّ بِأَنَّ الْإِبْرَاء يَشْتَمِلُ عَلَى الْإِنْظَارِ اشْتِمَالَ الْأَخَصّ عَلَى الْأَعَمِّ، لِكَوْنِهِ تَأْخِيرًا لِلْمُطَالَبَةِ، فَلَمْ يَفْضُلْ نَدْب وَاجِبًا ; وَإِنَّمَا فَضَلَ وَاجِب. وَهُوَ الْإِنْظَارُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الْإِبْرَاءُ، وَزِيَادَةٌ " وَهُوَ خُصُوصُ الْإِبْرَاءِ " وَاجِبًا آخَرَ. وَهُوَ مُجَرَّدُ الْإِنْظَارِ.
قَالَ ابْنُهُ: أَوْ يُقَالُ: إنَّ الْإِبْرَاءَ مُحَصَّلٌ لِمَقْصُودِ الْإِنْظَارِ وَزِيَادَةٍ مِنْ غَيْرِ اشْتِمَالِهِ عَلَيْهِ.
قَالَ: وَهَذَا عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيم أَنَّ الْإِبْرَاءَ أَفْضَلُ، وَغَايَةُ مَا اسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٠] وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ افْتِتَاحَ كَلَامٍ، فَلَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْإِبْرَاءَ أَفْضَلُ، وَيُتَطَرَّقُ مِنْ هَذَا إلَى أَنَّ الْإِنْظَارَ أَفْضَلُ: لِشِدَّةِ مَا يَنَالُ الْمَنْظَرُ مِنْ أَلَمِ الصَّبْرِ، مَعَ تَشْوِيف الْقَلْب. وَهَذَا فَضْلٌ لَيْسَ فِي الْإِبْرَاءِ الَّذِي انْقَطَعَ فِيهِ الْيَأْسُ.
الثَّانِي: ابْتِدَاءُ السَّلَامِ، فَإِنَّهُ سُنَّةٌ: وَالرَّدُّ وَاجِبٌ، وَالِابْتِدَاءُ أَفْضَلُ، لِقَوْلِهِ ﷺ «وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ صَاحِبَهُ بِالسَّلَامِ» .
стр. 144
وَحَكَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ وَجْهَيْنِ: فِي أَنَّ الِابْتِدَاءَ أَفْضَلُ أَوْ الْجَوَابَ.
وَنُوزِعَ فِي ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّ الِابْتِدَاءَ أَفْضَلُ مِنْ الْجَوَابِ، بَلْ إنَّ الْمُبْتَدِئَ خَيْرٌ مِنْ الْمُجِيبِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُبْتَدِئَ فَعَلَ حَسَنَةً وَتَسَبَّبَ إلَى فِعْلِ حَسَنَةٍ. وَهِيَ الْجَوَابُ مَعَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الِابْتِدَاءُ مِنْ حُسْنِ الطَّوِيَّةِ، وَتَرْكِ الْهَجْرِ وَالْجَفَاءِ، الَّذِي كَرِهَهُ الشَّارِعُ.
الثَّالِثُ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: صَلَاةُ نَافِلَةٍ وَاحِدَةٍ أَفْضَلُ مِنْ إحْدَى الْخَمْسِ الْوَاجِبِ فِعْلُهَا عَلَى مَنْ تَرَكَ وَاحِدَة مِنْهَا، وَنَسِيَ عَيْنَهَا.
قُلْت: لَمْ أَرَ مَنْ تَعَقَّبَهُ، وَهُوَ أَوْلَى بِالتَّعَقُّبِ مِنْ الْأَوَّلَيْنِ. وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ صَلَاةَ نَافِلَةٍ وَاحِدَةٍ أَفْضَلُ مِنْ إحْدَى الْخَمْسِ الْمَذْكُورَةِ، فِيهِ نَظَرٌ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ: أَنَّهَا إنْ لَمْ تَزِدْ عَلَيْهَا فِي الثَّوَابِ لَا تَنْقُصُ عَنْهَا.
الرَّابِعُ: الْأَذَانُ سُنَّة وَهُوَ عَلَى مَا رَجَّحَهُ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: أَفْضَلُ مِنْ الْإِمَامَةِ، وَهِيَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، أَوْ عَيْنٍ.
وَقَدْ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ السُّبْكِيُّ فِي الْحَلَبِيَّاتِ، فَأَجَابَ بِوُجُوهٍ: مِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْجَمَاعَةِ فَرْضًا كَوْنُ الْإِمَامَةِ فَرْضًا. لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ: تَتَحَقَّقُ بِنِيَّةِ الْمَأْمُومِ الِائْتِمَامَ، دُونَ نِيَّةِ الْإِمَامِ.
وَلَوْ نَوَى الْإِمَامُ فَنِيَّتُهُ مُحَصِّلَةٌ لِجُزْءِ الْجَمَاعَةِ. وَالْجُزْءُ هُنَا: لَيْسَ مِمَّا يُتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْكُلُّ لِمَا بَيَّنَاهُ، فَلَمْ يَلْزَمْ وُجُوبُهُ، وَإِذَا لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْإِمَامَةَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَلَمْ يَحْصُلْ تَفْضِيلُ نَفْلِ عَلَى فَرْضٍ، وَإِنَّمَا نِيَّةُ الْإِمَامِ شَرْط فِي حُصُولِ الثَّوَابِ لَهُ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْجَمَاعَةِ صِفَةٌ لِلصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ، وَالْأَذَانُ عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، وَالْقَاعِدَةُ الْمُسْتَقِرَّةُ فِي أَنَّ الْفَرْضَ أَفْضَلُ مِنْ النَّفْلِ فِي الْعِبَادَتَيْنِ الْمُسْتَقِلَّتَيْنِ أَوْ فِي الصِّفَتَيْنِ.
أَمَّا فِي عِبَادَةٍ، وَصِفَةٍ، فَقَدْ تَخْتَلِفُ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْأَذَانَ وَالْجَمَاعَةَ جِنْسَانِ، وَالْقَاعِدَةُ الْمُسْتَقِرَّةُ فِي أَنَّ الْفَرْضَ أَفْضَلُ مِنْ النَّفْلِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ أَمَّا فِي الْجِنْسَيْنِ: فَقَدْ تَخْتَلِفُ، فَإِنَّ الصَّنَائِعَ وَالْحِرَفَ فُرُوضُ كِفَايَاتٍ، وَيَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ وَاحِدَةً مِنْ رَذَائِلِهَا أَفْضَلُ مِنْ تَطَوُّعِ الصَّلَاةِ، وَإِنْ سَلِمَ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ فِيهِ خُرُوجًا مِنْ الْإِثْمِ، فَفِي تَطَوُّعِ الصَّلَاةِ مِنْ الْفَضَائِلِ مَا قَدْ يُجْبِرُ ذَلِكَ، أَوْ يَزِيدُ عَلَيْهِ، وَجِنْسُ الْفَرْضِ أَفْضَلُ مِنْ جِنْسِ النَّفْلِ.
وَقَدْ يَكُونُ فِي بَعْضِ الْجِنْسِ الْمَفْضُولِ مَا يَرْبُو عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِ الْجِنْسِ الْفَاضِلِ، كَتَفْضِيلِ بَعْضِ النِّسَاءِ عَلَى بَعْضِ الرِّجَالِ.
стр. 145
وَإِذَا تُؤُمِّلَ مَا جَمَعَهُ الْأَذَانُ مِنْ الْكَلِمَاتِ الْعَظِيمَةِ وَمَعَانِيهَا وَدَعْوَتِهَا ظَهَرَ تَفْضِيلُهُ وَأَنَّى يُدَانِيهِ صِنَاعَةٌ؟ قِيلَ: إنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ.
الْخَامِسُ: الْوُضُوءُ قَبْلَ الْوَقْتِ سُنَّةٌ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي الْوَقْتِ صَرَّحَ بِهِ الْقَمُولِيُّ فِي الْجَوَاهِرِ وَإِنَّمَا يَجِبُ بَعْدَ الْوَقْتِ، وَقُلْت قَدِيمًا:
الْفَرْضُ أَفْضَلُ مِنْ تَطَوُّعِ عَابِدٍ ... حَتَّى وَلَوْ قَدْ جَاءَ مِنْهُ بِأَكْثَرَ
إلَّا التَّطَهُّرَ قَبْلَ وَقْتٍ وَابْتِدَا ... لِلسَّلَامِ كَذَاكَ إبْرَا مُعْسِرَ
[الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَة وَالْعِشْرُونَ: الْفَضِيلَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِنَفْسِ الْعِبَادَة أَوْلَى مِنْ الْمُتَعَلِّقَة بِمَكَانِهَا]
" قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّب: هَذِهِ قَاعِدَةٌ مُهِمَّةٌ صَرَّحَ بِهَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَهِيَ مَفْهُومَةٌ مِنْ كَلَامِ الْبَاقِينَ.
وَيَتَخَرَّجُ عَلَيْهَا مَسَائِلُ مَشْهُورَةٌ: مِنْهَا: الصَّلَاةُ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ خَارِجَهَا فَإِنْ لَمْ يَرْجُ فِيهَا الْجَمَاعَة وَكَانَتْ خَارِجَهَا فَالْجَمَاعَة خَارِجَهَا أَفْضَلُ.
وَمِنْهَا: صَلَاةُ الْفَرْضِ فِي الْمَسْجِد أَفْضَلُ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ.
فَلَوْ كَانَ مَسْجِدٌ لَا جَمَاعَةَ فِيهِ وَهُنَاكَ جَمَاعَةٌ فِي غَيْرِهِ فَصَلَاتُهَا مَعَ الْجَمَاعَةِ خَارِجَهُ أَفْضَلُ مِنْ الِانْفِرَادِ فِي الْمَسْجِدِ.
وَمِنْهَا: صَلَاةُ النَّفْلِ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي الْمَسْجِدِ لِأَنَّ فِعْلَهَا فِي الْبَيْتِ فَضِيلَةٌ تَتَعَلَّقُ بِهَا، فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِتَمَامِ الْخُشُوع وَالْإِخْلَاصِ. وَأَبْعَدُ مِنْ الرِّيَاءِ وَشُبَهِهِ حَتَّى أَنَّ صَلَاةَ النَّفْلِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ لِذَلِكَ.
وَمِنْهَا: الْقُرْبُ مِنْ الْكَعْبَةِ فِي الطَّوَافِ مُسْتَحَبٌّ وَالرَّمَلُ مُسْتَحَبٌّ، فَلَوْ مَنَعَتْهُ الزَّحْمَةُ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يُمْكِنْهُ الرَّمَلُ مَعَ الْقُرْبِ، وَأَمْكَنَهُ مَعَ الْبُعْدِ، فَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الرَّمَلِ مَعَ الْبُعْدِ أَوْلَى مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْقُرْبِ بِلَا رَمَلٍ، لِذَلِكَ.
وَخَرَجَ عَنْ ذَلِكَ صُوَرٌ: مِنْهَا: الْجَمَاعَةُ الْقَلِيلَةُ فِي الْمَسْجِدِ الْقَرِيبِ إذَا خَشِيَ التَّعْطِيلَ لَوْ لَمْ يَحْضُرْ فِيهِ. أَفْضَل مِنْ الْكَثِيرَةِ فِي غَيْرِهِ.
وَمِنْهَا الْجَمَاعَةُ فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي غَيْرِهِ وَإِنْ كَثُرَتْ، صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ، لَكِنْ خَالَفَهُ أَبُو الطَّيِّبِ.
следующие страницы →