← Акыда

Акыда · id 21720

الاعتصام للشاطبي ت الهلالي

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (859 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

إِلَى مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ. وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ قَدْ سَبَقَ إِلَيْهَا إِمَامَ الْحَرَمَيْنِ لَكِنْ فِي انْقِسَامِ الْمَعَاصِي إِلَى الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ فَقَالَ: الْمَرَضِيُّ عِنْدَنَا أَنَّ كُلَّ ذَنَبٍ كَبِيرٌ وَعَظِيمٌ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مُخَالَفَةِ اللَّهِ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ: مَعْصِيَةُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَعْصِيَةِ الْعِبَادِ، قَوْلًا مُطْلَقًا، إِلَّا أَنَّهَا وَإِنْ عَظُمَتْ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، فَإِذَا نُسِبَ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ تَفَاوَتَتْ رُتَبُهَا. ثُمَّ ذَكَرَ مَعْنًى مَا تَقَدَّمَ، وَلَمْ يُوَافِقْهُ غَيْرُهُ عَلَى مَا قَالَ وَإِنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ فِي النَّظَرِ وَقَعَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي كِتَابِ الْمُوَافِقَاتِ. وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ يَأْبَى ذَلِكَ ـ حَسْبَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ ـ وَالظَّوَاهِرُ فِي الْبِدَعِ لَا تَأْبَى كَلَامَ الْإِمَامِ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهَا ـ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ ـ فَصَارَ اعْتِقَادُ الصَّغَائِرِ فِيهَا يَكَادُ يَكُونُ مِنَ الْمُتَشَابِهَاتِ، كَمَا صَارَ اعْتِقَادُ نَفْيِ الْكَرَاهِيَةِ التَّنْزِيهُ عَنْهَا مِنَ الْوَاضِحَاتِ. فَلْيَتَأَمَّلْ هَذَا الْمَوْضِعَ أَشَدَّ التَّأَمُّلِ وَيُعْطِ مِنَ الْإِنْصَافِ حَقَّهُ، وَلَا يَنْظُرْ إِلَى خِفَّةِ الْأَمْرِ فِي الْبِدْعَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى صُورَتِهَا وَإِنْ دَقَّتْ، بَلْ يَنْظُرُ إِلَى مُصَادَمَتِهَا لِلشَّرِيعَةِ وَرَمْيِهَا لَهَا بِالنَّقْصِ وَالِاسْتِدْرَاكِ، وَأَنَّهَا لَمْ تُكَمَّلْ بَعْدُ حَتَّى يُوضَعَ فِيهَا، بِخِلَافِ سَائِرِ الْمَعَاصِي فَإِنَّهَا لَا تَعُودُ عَلَى الشَّرِيعَةِ بِتَنْقِيصٍ وَلَا غَضٍّ مِنْ جَانِبِهَا، بَلْ صَاحِبُ الْمَعْصِيَةِ مُتَنَصِّلٌ مِنْهَا، مُقِرٌّ لِلَّهِ بِمُخَالَفَتِهِ لِحُكْمِهَا. وَحَاصِلُ الْمَعْصِيَةِ أَنَّهَا مُخَالِفَةٌ فِي فِعْلِ الْمُكَلَّفِ لِمَا يُعْتَقَدُ صِحَّتَهُ مِنَ الشَّرِيعَةِ. وَالْبِدْعَةُ حَاصِلُهَا مُخَالَفَةٌ فِي اعْتِقَادِ كَمَالِ الشَّرِيعَةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ

стр. 527

مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: مِنْ أَحْدَثِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَلَفُهَا فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَانَ الرِّسَالَةَ، لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] إِلَى آخِرِ الْحِكَايَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ. وَمِثْلُهَا جَوَابُهُ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ مِنَ الْمَدِينَةِ وَقَالَ: أَيُّ فِتْنَةٍ فِيهَا؟ إِنَّمَا هِيَ أَمْيَالٌ أَزِيدُهَا. فَقَالَ: وَأَيُّ فِتْنَةٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَظُنَّ أَنَّكَ فَعَلْتَ فِعْلًا قَصَّرَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، إِلَى آخِرِ الْحِكَايَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ أَيْضًا، فَإِذَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فِي الْبِدَعِ مَا هُوَ صَغِيرَةٌ. فَالْجَوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ يَصِحُّ بِطَرِيقَةٍ يُظْهِرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّهَا تَحْقِيقٌ فِي تَشْقِيقِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَذَلِكَ أَنَّ صَاحِبَ الْبِدْعَةِ يَتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِكَوْنِهَا بِدْعَةً وَأَنْ يَكُونَ غَيْرَ عَالِمٍ بِذَلِكَ. وَغَيْرُ الْعَالِمِ بِكَوْنِهَا بِدْعَةً عَلَى ضَرْبَيْنِ، وَهُمَا الْمُجْتَهِدُ فِي اسْتِنْبَاطِهَا وَتَشْرِيعِهَا، وَالْمُقَلِّدُ لَهُ فِيهَا. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَالتَّأْوِيلُ يُصَاحِبُهُ فِيهَا وَلَا يُفَارِقُهُ إِذَا حَكَمْنَا لَهُ بِحُكْمِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّهُ مُصَادِمٌ لِلشَّارِعِ مُرَاغَمٌ لِلشَّرْعِ بِالزِّيَادَةِ فِيهِ أَوِ النُّقْصَانِ مِنْهُ أَوِ التَّحْرِيفِ لَهُ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَأْوِيلٍ كَقَوْلِهِ: هِيَ بِدْعَةٌ وَلَكِنَّهَا مُسْتَحْسَنَةٌ أَوْ يَقُولُ: إِنَّهَا بِدْعَةٌ وَلَكِنِّي رَأَيْتُ فُلَانًا الْفَاضِلَ يَعْمَلُ بِهَا أَوْ يُقِرُّ بِهَا وَلَكِنَّهُ يَفْعَلُهَا لِحَظٍّ عَاجِلٍ، كَفَاعِلِ الذَّنْبِ لِقَضَاءِ حَظِّهِ الْعَاجِلِ خَوْفًا عَلَى حَظِّهِ، أَوْ فِرَارًا مِنْ خَوْفٍ عَلَى حَظِّهِ، أَوْ فِرَارًا مِنَ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ فِي اتِّبَاعِ السُّنَّةِ،

стр. 528

كَمَا هُوَ الشَّأْنُ الْيَوْمَ فِي كَثِيرٍ مِمَّنْ يُشَارُ إِلَيْهِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَأَمَّا غَيْرُ الْعَالِمِ وَهُوَ الْوَاضِعُ لَهَا، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَعْتَقِدَهَا بِدَعَةً، بَلْ هِيَ عِنْدَهُ مِمَّا يَلْحَقُ الْمَشْرُوعَاتِ، كَقَوْلِ مِنْ جَعْلِ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ يُصَامُ لِأَنَّهُ يَوْمُ مَوْلِدِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَجَعْلَ الثَّانِي عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مُلْحَقًا بِأَيَّامِ الْأَعْيَادِ لِأَنَّهُ ﵇ وُلِدَ فِيهِ، وَكَمَنَ عَدَّ السَّمَاعَ وَالْغَنَاءَ مِمَّا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَجْلِبُ الْأَحْوَالَ السُّنِّيَّةَ، أَوْ رَغِبَ فِي الدُّعَاءِ بِهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِ فِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ دَائِمًا بِنَاءً عَلَى مَا جَاءَ فِي ذَلِكَ حَالَةُ الْوَاحِدَةِ، أَوْ زَادَ فِي الشَّرِيعَةِ أَحَادِيثَ مَكْذُوبَةً لِيَنْصُرَ فِي زَعْمِهِ سُنَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ . فَلَمَّا قِيلَ لَهُ: إِنَّكَ تَكْذِبُ عَلَيْهِ وَقَدْ قَالَ: «مِنْ كَذَبَ عَلِيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» قَالَ: لَمْ أَكْذِبْ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا كَذَبْتُ لَهُ. أَوْ نَقَّصَ مِنْهَا تَأْوِيلًا عَلَيْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي ذَمِّ الْكُفَّارِ: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨] فَأَسْقَطَ اعْتِبَارَ الْأَحَادِيثِ الْمَنْقُولَةِ بِالْآحَادِ لِذَلِكَ وَلِمَا أَشْبَهَ، لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ ظَنِّيٌّ، فَهَذِهِ كُلُّهَا مِنْ قِبَلِ التَّأْوِيلِ. وَأَمَّا الْمُقَلِّدُ فَكَذَلِكَ أَيْضًا لِأَنَّهُ يَقُولُ: فُلَانٌ الْمُقْتَدَى بِهِ يَعْمَلُ بِهَذَا الْعَمَلِ وَيُثْنِي عَلَيْهِ، كَاتِّخَاذِ الْغِنَاءِ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ طَرِيقَةِ التَّصَوُّفِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ شُيُوخَ التَّصَوُّفِ قَدْ سَمِعُوهُ وَتَوَاجَدُوا عَلَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَاتَ بِسَبَبِهِ، وَكَتَمْزِيقِ الثِّيَابِ عِنْدَ التَّوَاجُدِ بِالرَّقْصِ وَسِوَاهُ لِأَنَّهُمْ قَدْ فَعَلُوهُ، وَأَكْثَرُ مَا يَقَعُ مِثْلَ هَذَا فِي هَؤُلَاءِ الْمُنْتَمِينَ إِلَى التَّصَوُّفِ. وَرُبَّمَا احْتَجُّوا عَلَى بِدْعَتِهِمْ بِالْجُنَيْدِ وَالْبَسْطَامِيِّ وَالشِّبْلِيِّ وَغَيْرِهِمْ فِيمَا صَحَّ عِنْدَهُمْ أَوْ لَمْ يَصِحَّ، وَيَتْرُكُونَ أَنْ يَحْتَجُّوا بِسُنَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَهِيَ الَّتِي

стр. 529

لَا شَائِبَةَ فِيهَا إِذَا نَقَلَهَا الْعُدُولُ وَفَسَّرَهَا أَهْلُهَا الْمُكِبُّونَ عَلَى فَهْمِهَا وَتَعَلُّمِهَا. وَلَكِنَّهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَا يُقِرُّونَ بِالْخِلَافِ لِلسَّنَةِ بَحْثًا، بَلْ يَدْخُلُونَ تَحْتَ أَذْيَالِ التَّأْوِيلِ، إِذْ لَا يَرْضَى مُنْتَمٍ إِلَى الْإِسْلَامِ بِإِبْدَاءِ صَفْحَةِ الْخِلَافِ لِلسُّنَّةِ أَصْلًا. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَوْلُ مَالِكٍ: مَنْ أَحْدَثَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَلَفُهَا فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَانَ الرِّسَالَةَ. وَقَوْلُهُ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ مِنَ الْمَدِينَةِ: أَيُّ فِتْنَةٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَظُنَّ أَنَّكَ سَبَقْتَ إِلَى فَضِيلَةٍ قَصَّرَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ إِلَى آخِرِ الْحِكَايَةِ، إِنَّهَا إِلْزَامٌ لِلْخَصْمِ عَلَى عَادَةِ أَهْلِ النَّظَرِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: يَلْزَمُكَ فِي هَذَا الْقَوْلِ كَذَا. لِأَنَّهُ يَقُولُ: قَصَدْتُ إِلَيْهِ قَصْدًا، لِأَنَّهُ لَا يَقْصِدُ إِلَى ذَلِكَ مُسْلِمٌ، وَلَازِمُ الْمَذْهَبِ: هَلْ هُوَ مَذْهَبٌ أَمْ لَا؟ هِيَ مَسْأَلَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا بَيْنَ أَهْلِ الْأُصُولِ، وَالَّذِي كَانَ يَقُولُ بِهِ شُيُوخُنَا الْبِجَائِيُّونَ وَالْمَغْرِبِيُّونَ وَيَرَوْنَ أَنَّهُ رَأْيُ الْمُحَقِّقِينَ أَيْضًا: أَنَّ لَازِمَ الْمَذْهَبِ لَيْسَ بِمَذْهَبٍ، فَلِذَلِكَ إِذَا قُرِّرَ عَلَى الْخَصْمِ أَنْكَرَهُ غَايَةَ الْإِنْكَارِ، فَإِذًا اعْتِبَارُ ذَلِكَ الْمَعْنَى عَلَى التَّحْقِيقِ لَا يَنْهَضُ، وَعِنْدَ ذَلِكَ تَسْتَوِي الْبِدْعَةُ مَعَ الْمَعْصِيَةِ صَغَائِرٌ وَكَبَائِرٌ، فَكَذَلِكَ الْبِدَعُ. ثُمَّ إِنَّ الْبِدَعَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: كُلِّيَّةٌ وَجُزْئِيَّةٌ، فَأَمَّا الْكُلِّيَّةُ فَهِيَ السَّارِيَةُ فِيمَا لَا يَنْحَصِرُ مِنْ فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وَمِثَالُهَا بِدَعُ الْفِرَقِ الثَّلَاثِ وَالسَّبْعِينَ، فَإِنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِالْكُلِّيَّاتِ مِنْهَا دُونَ الْجُزْئِيَّاتِ،

стр. 530

حَسْبَمَا يَتَبَيَّنُ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَأَمَّا الْجُزْئِيَّةُ فَهِيَ الْوَاقِعَةُ فِي الْفُرُوعِ الْجُزْئِيَّةِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ دُخُولُ هَذَا الضَّرْبِ مِنَ الْبِدَعِ تَحْتَ الْوَعِيدِ بِالنَّارِ، وَإِنْ دَخَلَتْ تَحْتَ الْوَصْفِ بِالضَّلَالِ، كَمَا لَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي سَرِقَةِ لِقِمَّةٍ أَوِ التَّطْفِيفِ بِحَبَّةٍ، وَإِنْ كَانَ دَاخِلًا تَحْتَ وَصْفِ السَّرِقَةِ، بَلِ الْمُتَحَقِّقُ دُخُولُ عَظَائِمِهَا وَكُلِّيَّاتِهَا كَالنِّصَابِ فِي السَّرِقَةِ فَلَا تَكُونُ تِلْكَ الْأَدِلَّةُ وَاضِحَةُ الشُّمُولِ لَهَا، أَلَّا تَرَى أَنَّ خَوَاصَّ الْبِدَعِ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ فِي أَهْلِ الْبِدَعِ الْجُزْئِيَّةِ غَالِبًا كَالْفِرْقَةِ، وَالْخُرُوجِ عَنِ الْجَمَاعَةِ وَإِنَّمَا تَقَعُ الْجُزْئِيَّاتُ فِي الْغَالِبِ كَالزَّلَّةِ، وَالْفَلْتَةِ وَلِذَلِكَ لَا يَكُونُ اتِّبَاعُ الْهَوَى فِيهَا مَعَ حُصُولِ التَّأْوِيلِ فِي فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْفُرُوعِ، وَلَا الْمَفْسَدَةُ الْحَاصِلَةُ بِالْجُزْئِيَّةِ كَالْمُفْسِدَةِ الْحَاصِلَةِ بِالْكُلِّيَّةِ. فَعَلَى هَذَا ; إِذَا اجْتَمَعَ فِي الْبِدْعَةِ وَصْفَانِ، كَوْنُهَا جُزْئِيَّةً، وَكَوْنُهَا بِالتَّأْوِيلِ صَحَّ أَنْ تَكُونَ صَغِيرَةً ـ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ـ وَمِثَالُهُ، مَسْأَلَةُ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ قَائِمًا لَا يَجْلِسُ، وَضَاحِيًا يَسْتَظِلُّ، وَمَنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِمَّا أَحَلَّ اللَّهُ مِنَ النَّوْمِ أَوْ لَذِيذِ الطَّعَامِ أَوِ النِّسَاءِ أَوِ الْأَكْلِ بِالنَّهَارِ. . . وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَيَأْتِي. غَيْرَ أَنَّ الْكُلِّيَّةَ وَالْجُزْئِيَّةَ قَدْ تَكُونُ ظَاهِرَةً، وَقَدْ تَكُونُ خَفِيَّةً كَمَا أَنَّ التَّأْوِيلَ قَدْ يُقَرِّبُ مَأْخَذَهُ، وَقَدْ يُبَعِّدُ فَيَقَعُ الْإِشْكَالُ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا الْفَصْلِ فَيَعُدُّ كَبِيرَةً مَا هُوَ مِنَ الصَّغَائِرِ، وَبِالْعَكْسِ فَيُوكَلُ النَّظَرُ فِيهِ إِلَى الِاجْتِهَادِ

стр. 531

[فَصْلٌ شُرُوطُ كَوْنِ الْبِدْعَةِ صَغِيرَةً] [أَنْ لَا يُدَاوِمَ عَلَى الْبِدْعَةِ] وَإِذَا قُلْنَا: إِنَّ مِنَ الْبِدَعِ مَا يَكُونُ صَغِيرَةً، فَذَلِكَ بِشُرُوطٍ: أَحَدُهَا: أَنْ لَا يُدَاوِمَ عَلَيْهَا، فَإِنَّ الصَّغِيرَةَ مِنَ الْمَعَاصِي لِمَنْ دَاوَمَ عَلَيْهَا تَكْبُرُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ نَاشِئٌ عَنِ الْإِصْرَارِ عَلَيْهَا، وَالْإِصْرَارُ عَلَى الصَّغِيرَةِ يُصَيِّرُهَا كَبِيرَةً، وَلِذَلِكَ قَالُوا: " لَا صَغِيرَةَ مَعَ إِصْرَارٍ، وَلَا كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفَارٍ " فَكَذَلِكَ الْبِدْعَةُ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ، إِلَّا أَنَّ الْمَعَاصِيَ مِنْ شَأْنِهَا فِي الْوَاقِعِ أَنَّهَا قَدْ يُصِرُّ عَلَيْهَا، وَقَدْ لَا يُصِرُّ عَلَيْهَا، وَعَلَى ذَلِكَ يَنْبَنِي طَرْحُ الشَّهَادَةِ وَسُخْطَةُ الشَّاهِدِ بِهَا أَوْ عَدَمُهُ، بِخِلَافِ الْبِدْعَةِ فَإِنَّ شَأْنَهَا فِي الْمُدَاوَمَةِ وَالْحِرْصِ عَلَى أَنْ لَا تُزَالَ مِنْ مَوْضِعِهَا وَأَنْ تَقُومَ عَلَى تَارِكِهَا الْقِيَامَةُ، وَتَنْطَلِقَ عَلَيْهِ أَلْسِنَةُ الْمَلَامَةِ، وَيُرْمَى بِالتَّسْفِيهِ وَالتَّجْهِيلِ، وَيُنْبَزُ بِالتَّبْدِيعِ وَالتَّضْلِيلِ، ضِدَّ مَا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُ هَذِهِ

стр. 532

الْأُمَّةِ، وَالْمُقْتَدَى بِهِمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ الِاعْتِبَارُ وَالنَّقْلُ، فَإِنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ كَانَ مِنْ شَأْنِهِمِ الْقِيَامُ بِالنَّكِيرِ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ إِنْ كَانَ لَهُمْ عُصْبَةٌ، أَوْ لَصَقُوا بِسُلْطَانٍ تَجْرِي أَحْكَامُهُ فِي النَّاسِ وَتَنْفُذُ أَوَامِرُهُ فِي الْأَقْطَارِ، وَمَنْ طَالَعَ سَيْرَ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يَخْفَى. وَأَمَّا النَّقْلُ، فَمَا ذَكَرَهُ السَّلَفُ مِنْ أَنَّ الْبِدْعَةَ إِذَا أُحْدِثَتْ لَا تَزِيدُ إِلَّا مُضِيًّا، وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ الْمَعَاصِي، فَقَدْ يَتُوبُ صَاحِبُهَا وَيُنِيبُ إِلَى اللَّهِ، بَلْ قَدْ جَاءَ مَا يَشُدُّ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْفِرَقِ، حَيْثُ جَاءَ فِي بَعْضُ الرِّوَايَاتِ: تَتَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الْأَهْوَاءُ كَمَا يَتَجَارَى الْكَلْبُ بِصَاحِبِهِ وَمِنْ هُنَا جَزَمَ السَّلَفُ بِأَنَّ الْمُبْتَدِعَ لَا تَوْبَةَ لَهُ مِنْهَا حَسْبَمَا تَقَدَّمَ. [أَنْ لَا يَدْعُوَ إِلَى الْبِدْعَةِ] وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَدْعُوَ إِلَيْهَا، فَإِنَّ الْبِدْعَةَ قَدْ تَكُونُ صَغِيرَةً بِالْإِضَافَةِ، ثُمَّ يَدْعُو مُبْتَدِعُهَا إِلَى الْقَوْلِ بِهَا وَالْعَمَلِ عَلَى مُقْتَضَاهَا فَيَكُونُ إِثْمُ ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ الَّذِي أَثَارَهَا، وَسَبَبُ كَثْرَةِ وُقُوعِهَا وَالْعَمَلِ بِهَا، فَإِنَّ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ قَدْ أَثْبَتَ: «أَنَّ كُلَّ مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا» وَالصَّغِيرَةُ مَعَ الْكَبِيرَةِ إِنَّمَا تَفَاوُتُهَا بِحَسَبِ كَثْرَةِ الْإِثْمِ وَقِلَّتِهِ، فَرُبَّمَا تُسَاوِي الصَّغِيرَةُ ـ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ـ الْكَبِيرَةَ أَوْ تُرْبِي عَلَيْهَا.

стр. 533

فَمِنْ حَقِّ الْمُبْتَدِعِ إِذَا ابْتُلِيَ بِالْبِدْعَةِ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا يَحْمِلَ مَعَ وِزْرِهِ وَزَرَ غَيْرِهِ. وَفِي هَذَا الْوَجْهِ قَدْ يَتَعَذَّرُ الْخُرُوجُ، فَإِنَّ الْمَعْصِيَةَ فِيمَا بَيْنُ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ يَرْجُو فِيهَا مِنَ التَّوْبَةِ وَالْغُفْرَانِ مَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ مَعَ الدُّعَاءِ إِلَيْهَا، وَقَدْ مَرَّ فِي بَابِ ذَمِّ الْبِدَعِ وَبَاقِي الْكَلَامِ فِي الْمَسْأَلَةِ سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ. [أَنْ لَا تَفْعَلَ الْبِدْعَةَ فِي مُجْتَمَعَاتِ النَّاسِ أَوْ فِي مَوَاضِعِ إِقَامَةِ السُّنَنِ] وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا تَفْعَلُ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي هِيَ مُجْتَمَعَاتُ النَّاسِ، أَوِ الْمَوَاضِعُ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا السُّنَنُ، وَتُظْهَرُ فِيهَا أَعْلَامُ الشَّرِيعَةِ، فَأَمَّا إِظْهَارُهَا فِي الْمُجْتَمَعَاتِ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ أَوْ بِمَنْ يُحْسِنُ بِهِ الظَّنَّ فَذَلِكَ مِنْ أَضَرِّ الْأَشْيَاءِ عَلَى سُنَّةِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهَا لَا تَعْدُو أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُقْتَدَى بِصَاحِبِهَا فِيهَا، فَإِنَّ الْعَوَامَّ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ، لَا سِيَّمَا الْبِدَعَ الَّتِي وُكِلَ الشَّيْطَانُ بِتَحْسِينِهَا لِلنَّاسِ، وَالَّتِي لِلنُّفُوسِ فِي تَحْسِينِهَا هَوًى، وَإِذَا اقْتُدِيَ بِصَاحِبِ الْبِدْعَةِ الصَّغِيرَةِ كَبُرَتْ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، لِأَنَّ كُلَّ مَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا، فَعَلَى حَسَبِ كَثْرَةِ الْأَتْبَاعِ يَعْظُمُ عَلَيْهِ الْوِزْرُ. وَهَذَا بِعَيْنِهِ مَوْجُودٌ فِي صَغَائِرَ الْمَعَاصِي، فَإِنَّ الْعَالِمَ مَثَلًا إِذَا أَظْهَرَ الْمَعْصِيَةَ ـ وَإِنْ صَغُرَتْ ـ سَهُلَ عَلَى النَّاسِ ارْتِكَابُهَا، فَإِنَّ الْجَاهِلَ يَقُولُ: لَوْ كَانَ هَذَا الْفِعْلُ كَمَا قَالَ مِنْ أَنَّهُ ذَنْبٌ، لَمْ يَرْتَكِبْهُ، وَإِنَّمَا ارْتَكَبَهُ لِأَمْرٍ عَلِمَهُ دُونَنَا. فَكَذَلِكَ الْبِدْعَةُ إِذَا أَظْهَرَهَا الْعَالِمُ الْمُقْتَدَى فِيهَا، لَا مَحَالَةَ، فَإِنَّهَا فِي مَظِنَّةِ التَّقَرُّبِ فِي ظَنِّ الْجَاهِلِ، لِأَنَّ الْعَالِمَ يَفْعَلُهَا عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ، بَلِ الْبِدْعَةُ أَشَدُّ فِي هَذَا الْمَعْنَى، إِذِ الذَّنْبُ قَدْ لَا يُتْبِعُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْبِدْعَةِ

стр. 534

فَلَا يَتَحَاشَى أَحَدٌ عَنِ اتِّبَاعِهِ إِلَّا مَنْ كَانَ عَالِمًا بِأَنَّهَا بِدْعَةٌ مَذْمُومَةٌ، فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ فِي دَرَجَةِ الذَّنْبِ، فَإِذَا كَانَتْ كَذَلِكَ صَارَتْ كَبِيرَةً بِلَا شَكٍّ، فَإِنْ كَانَ دَاعِيًا إِلَيْهَا فَهُوَ أَشَدُّ، وَإِنْ كَانَ الْإِظْهَارُ بَاعِثًا عَلَى الِاتِّبَاعِ، فَبِالدُّعَاءِ يَصِيرُ أَدْعَى إِلَيْهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ابْتَدَعَ بِدْعَةً فَدَعَا النَّاسَ إِلَيْهَا فَاتُّبِعَ، وَأَنَّهُ لَمَّا عَرَفَ ذَنْبَهُ عَمِدَ إِلَى تَرْقُوَتِهِ فَنَقَبَهَا فَأَدْخَلَ فِيهَا حَلْقَةً ثُمَّ جَعَلَ فِيهَا سِلْسِلَةً ثُمَّ أَوْثَقَهَا فِي شَجَرَةٍ فَيَجْعَلُ يَبْكِي وَيَعِجُّ إِلَى رَبِّهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيِّ تِلْكَ الْأُمَّةِ أَنْ لَا تَوْبَةَ لَهُ قَدْ غَفَرَ لَهُ الَّذِي أَصَابَ. فَكَيْفَ بِمَنْ ضَلَّ فَصَارَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؟ وَأَمَّا اتِّخَاذُهَا فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا السُّنَنُ فَهُوَ كَالدُّعَاءِ إِلَيْهَا بِالتَّصْرِيحِ، لِأَنَّ عَمَلَ إِظْهَارِ الشَّرَائِعِ الْإِسْلَامِيَّةِ يُوهِمُ أَنَّ كُلَّ مَا أَظْهَرَ فِيهَا فَهُوَ مِنَ الشَّعَائِرِ، فَكَأَنَّ الْمَظْهَرَ لَهَا يَقُولُ: هَذِهِ سُنَّةٌ فَاتَّبِعُوهَا. قَالَ أَبُو مُصْعَبٍ: قَدِمَ عَلَيْنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ فَصَلَّى وَوَضَعَ رِدَاءَهُ بَيْنَ يَدَيِ الصَّفِّ، فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ رَمَقَهُ النَّاسُ بِأَبْصَارِهِمْ وَرَمَقُوا مَالِكًا ـ وَكَانَ قَدْ صَلَّى خَلْفَ الْإِمَامِ ـ فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: مَنْ هَاهُنَا مِنَ الْحَرَسِ؟ فَجَاءَهُ نَفْسَانِ فَقَالَ: خُذَا صَاحِبَ هَذَا الثَّوْبِ فَاحْبِسَاهُ: فَحُبِسَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ ابْنُ مَهْدِيٍّ فَوَجَّهَ إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: مَا خِفْتَ اللَّهَ وَاتَّقَيْتَهُ أَنْ وَضَعْتَ ثَوْبَكَ بَيْنَ يَدَيْكَ فِي الصَّفِّ، وَشَغَلْتَ الْمُصَلِّينَ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ، وَأَحْدَثْتَ فِي مَسْجِدِنَا شَيْئًا مَا كُنَّا نَعْرِفُهُ؟ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي مَسْجِدِنَا حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» فَبَكَى ابْنُ مَهْدِيٍّ وَآلَى عَلَى نَفْسِهِ

стр. 535

أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ أَبَدًا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا فِي غَيْرِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ قَالَ: فَقَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ! تُصَلِّي مُسْتَلِبًا؟ فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، إِنَّهُ كَانَ يَوْمًا حَارًّا ـ كَمَا رَأَيْتَ، فَثَقُلَ رِدَائِي عَلَيَّ. فَقَالَ: آللَّهُ مَا أَرَدْتُ بِذَلِكَ الطَّعْنَ عَلَى مَنْ مَضَى وَالْخِلَافَ عَلَيْهِ؟ قُلْتُ: آللَّهُ، قَالَ: خَلِّيَاهُ. وَحَكَى ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ: ثَوَّبَ الْمُؤَذِّنُ بِالْمَدِينَةِ فِي زَمَانِ مَالِكٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَالِكٌ فَجَاءَهُ، فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: مَا هَذَا الَّذِي تَفْعَلُ؟ فَقَالَ: أَرَدْتُ أَنْ يَعْرِفَ النَّاسُ طُلُوعَ الْفَجْرِ فَيَقُومُونَ. فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: لَا تَفْعَلْ، لَا تُحْدِثْ فِي بَلَدِنَا شَيْئًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ، قَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهَذَا الْبَلَدِ عَشْرَ سِنِينَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ فَلَمْ يَفْعَلُوا هَذَا، فَلَا تُحْدِثْ فِي بَلَدِنَا مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ، فَكَفَّ الْمُؤَذِّنُ عَنْ ذَلِكَ وَأَقَامَ زَمَانًا، ثُمَّ إِنَّهُ تَنَحْنَحَ فِي الْمَنَارَةِ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَالِكٌ فَقَالَ لَهُ: مَا الَّذِي تَفْعَلُ؟ قَالَ: أَرَدْتُ أَنْ يَعْرِفَ النَّاسُ طُلُوعَ الْفَجْرِ. فَقَالَ لَهُ: أَلَمْ أَنْهَكَ أَنْ لَا تُحْدِثَ عِنْدِنَا مَا لَمْ يَكُنْ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا نَهَيْتَنِي عَنِ التَّثْوِيبِ. فَقَالَ لَهُ: لَا تَفْعَلْ. فَكَفَّ زَمَانًا. ثُمَّ جَعَلَ يَضْرِبُ الْأَبْوَابَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَالِكٌ فَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِي تَفْعَلُ؟ فَقَالَ: أَرَدْتُ أَنْ يَعْرِفَ النَّاسُ طُلُوعَ الْفَجْرِ. فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: لَا تَفْعَلْ، لَا تُحْدِثْ فِي بَلَدِنَا مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ. قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ: وَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ التَّثْوِيبَ ـ قَالَ ـ وَإِنَّمَا أَحْدَثَ هَذَا بِالْعِرَاقِ. قِيلَ لـ ابْنِ وَضَّاحٍ: فَهَلْ كَانَ يَعْمَلُ بِهِ بِمَكَّةَ أَوِ الْمَدِينَةِ أَوْ مِصْرَ أَوْ

стр. 536

غَيْرِهَا مِنَ الْأَمْصَارِ؟ فَقَالَ: مَا سَمِعْتُهُ إِلَّا عِنْدَ بَعْضِ الْكُوفِيِّينَ وَالْإِبَاضِيِّينَ. فَتَأَمَّلْ كَيْفَ مَنَعَ مَالِكٌ مِنْ إِحْدَاثِ أَمْرٍ يَخِفُّ شَأْنُهُ عِنْدَ النَّاظِرِ فِيهِ بِبَادِئِ الرَّأْيِ وَجَعْلِهِ أَمْرًا مُحْدَثًا، وَقَدْ قَالَ فِي التَّثْوِيبِ: إِنَّهُ ضَلَالٌ، وَهُوَ بَيِّنٌ، لِأَنَّ: «كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» وَلَمْ يُسَامِحْ لِلْمُؤَذِّنِ فِي التَّنَحْنُحِ وَلَا فِي ضَرْبِ الْأَبْوَابِ، لِأَنَّ ذَلِكَ جَدِيرٌ بِأَنْ يُتَّخَذَ سُنَّةً، كَمَا مَنَعَ مِنْ وَضْعِ رِدَاءِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ خَوَّفَ أَنْ يَكُونَ حَدَثًا أَحْدَثَهُ. وَقَدْ أَحْدَثَ بِالْمَغْرِبِ الْمُتَسَمَّى بِالْمَهْدِيِّ تَثْوِيبًا عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَهُوَ قَوْلُهُمْ أَصْبَحَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ إِشْعَارًا بِأَنَّ الْفَجْرَ قَدْ طَلَعَ، لِإِلْزَامِ الطَّاعَةِ، وَلِحُضُورِ الْجَمَاعَةِ، وَلِلْغَدِ وَلِكُلِّ مَا يُؤْمَرُونَ بِهِ. فَيَخُصُّهُ هَؤُلَاءِ الْمُتَأَخِّرُونَ تَثْوِيبًا بِالصَّلَاةِ كَالْأَذَانِ. وَنَقَلَ أَيْضًا إِلَى أَهْلِ الْمَغْرِبِ الْحِزْبَ الْمُحْدَثَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَهُوَ الْمُعْتَادُ فِي جَوَامِعِ الْأَنْدَلُسِ وَغَيْرِهَا، فَصَارَ ذَلِكَ كُلُّهُ سَنَةً فِي الْمَسَاجِدِ إِلَى الْآنَ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَقَدْ فَسَّرَ التَّثْوِيبَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ مَالِكٌ بِأَنَّ الْمُؤَذِّنَ كَانَ إِذَا أَذَّنَ فَأَبْطَأَ النَّاسُ قَالَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَّاحِ. وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِمْ عِنْدَنَا: الصَّلَاةُ ـ رَحِمَكُمُ اللَّهُ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ دَخَلَ مَسْجِدًا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، فَثَوَّبَ الْمُؤَذِّنُ، فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَقَالَ: اخْرُجْ بِنَا مِنْ عِنْدِ هَذَا الْمُبْتَدَعِ وَلَمْ يَصُلِّ فِيهِ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا نَحْوٌ مِمَّا كَانَ يَفْعَلُ عِنْدَنَا بِجَامِعِ قُرْطُبَةَ مِنْ أَنْ

стр. 537

يُفْرِدُ الْمُؤَذِّنُ بَعْدَ أَذَانِهِ قَبْلَ الْفَجْرِ النِّدَاءَ عِنْدَ الْفَجْرِ بِقَوْلِهِ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ: ثُمَّ ـ قَالَ ـ وَقِيلَ: إِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ قَوْلَ الْمُؤَذِّنِ فِي أَذَانِهِ: حَيَّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ. لِأَنَّهَا كَلِمَةٌ زَادَهَا فِي الْأَذَانِ مَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ مِنَ الشِّيعَةِ. وَوَقَعَ فِي الْمَجْمُوعَةِ أَنَّ مَنْ سَمِعَ التَّثْوِيبَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ خَرَجَ عَنْهُ، كَفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ ﵄. وَفِي الْمَسْأَلَةِ كَلَامٌ، الْمَقْصُودُ مِنْهُ التَّثْوِيبُ الْمَكْرُوهُ الَّذِي قَالَ فِيهِ مَالِكٌ: إِنَّهُ ضَلَالٌ، وَالْكَلَامُ يَدُلُّ عَلَى التَّشْدِيدِ فِي الْأُمُورِ الْمُحْدَثَةِ أَنْ تَكُونَ فِي مَوَاضِعِ الْجَمَاعَةِ، أَوْ فِي الْمَوَاطِنِ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا السُّنَنُ، وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الْمَشْرُوعَاتِ أَشَدَّ الْمُحَافَظَةِ، لِأَنَّهَا إِذَا أُقِيمَتْ هُنَالِكَ أَخَذَهَا النَّاسُ وَعَمِلُوا بِهَا، فَكَانَ وِزْرُ ذَلِكَ عَائِدًا عَلَى الْفَاعِلِ أَوَّلًا، فَيَكْثُرُ وِزْرُهُ وَيَعْظُمُ خَطَرُ بِدْعَتِهِ. [أَنْ لَا يَسْتَصْغِرَ الْبِدْعَةَ وَلَا يَسْتَحْقِرَهَا] وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ لَا يَسْتَصْغِرَهَا وَلَا يَسْتَحْقِرُهَا ـ وَإِنْ فَرَضْنَاهَا صَغِيرَةً ـ فَإِنَّ ذَلِكَ اسْتِهَانَةٌ بِهَا، وَالِاسْتِهَانَةُ بِالذَّنْبِ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِعِظَمِ مَا هُوَ صَغِيرٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الذَّنْبَ لَهُ نَظَرَانِ: نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ رُتْبَتِهِ فِي الشَّرْطِ، وَنَظَرٌ مِنْ جِهَةِ مُخَالَفَةِ الرَّبِّ الْعَظِيمُ بِهِ، فَأَمَّا النَّظَرُ الْأَوَّلُ فَمِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ يُعَدُّ صَغِيرًا إِذَا فَهِمْنَا مِنَ الشَّرْعِ أَنَّهُ صَغِيرٌ، لِأَنَّا نَضَعُهُ حَيْثُ وَضَعَهُ الشَّرْعُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى اعْتِقَادِنَا فِي الْعَمَلِ بِهِ حَيْثُ نَسْتَحْرِمُ جِهَةَ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ بِالْمُخَالَفَةِ، وَالَّذِي كَانَ يَجِبُ فِي حَقِّنَا أَنْ نَسْتَعْظِمَ

стр. 538

ذَلِكَ جِدًّا، إِذْ لَا فَرْقَ فِي التَّحْقِيقِ بَيْنَ الْمُوَاجَهَتَيْنِ ـ الْمُوَاجَهَةُ بِالْكَبِيرَةِ، وَالْمُوَاجَهَةُ بِالصَّغِيرَةِ. وَالْمَعْصِيَةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ مَعْصِيَةٌ لَا يُفَارِقُهَا النَّظَرَانِ فِي الْوَاقِعِ أَصْلًا، لِأَنَّ تَصَوُّرَهَا مَوْقُوفٌ عَلَيْهِمَا، فَالِاسْتِعْظَامُ لِوُقُوعِهَا مَعَ كَوْنِهَا يُعْتَقَدُ فِيهَا أَنَّهَا صَغِيرَةٌ لَا يَتَنَافَيَانِ، لِأَنَّهُمَا اعْتِبَارَانِ مِنْ جِهَتَيْنِ: فَالْعَاصِي وَإِنْ كَانَ يَعْمَلُ الْمَعْصِيَةَ لَمْ يَقْصِدْ بِتَعَمُّدِهِ الِاسْتِهَانَةَ بِالْجَانِبِ الْعَلِيِّ الرَّبَّانِيِّ، وَإِنَّمَا قَصَدَ اتِّبَاعِ شَهْوَتِهِ مَثَلًا فِيمَا جَعَلَهُ الشَّارِعُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا، فَيَقَعُ الْإِثْمُ عَلَى حَسَبِهِ، كَمَا أَنَّ الْبِدْعَةَ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا صَاحِبُهَا مُنَازَعَةَ الشَّارِعِ وَلَا التَّهَاوُنَ بِالشَّرْعِ، وَإِنَّمَا قَصَدَ الْجَرْيَ عَلَى مُقْتَضَاهُ، لَكِنْ بِتَأْوِيلٍ زَادَهُ وَرَجَّحَهُ عَلَى غَيْرِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا تَهَاوَنَ بِصِغَرِهَا فِي الشَّرْعِ فَإِنَّهُ إِنَّمَا تَهَاوَنَ بِمُخَالَفَةِ الْمَلِكِ الْحَقِّ، لِأَنَّ النَّهْيَ حَاصِلٌ وَمُخَالَفَتُهُ حَاصِلَةٌ، وَالتَّهَاوُنُ بِهَا عَظِيمٌ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ: لَا تَنْظُرْ إِلَى صِغَرِ الْخَطِيئَةِ وَانْظُرْ إِلَى عَظَمَةِ مَنْ وَاجَهْتَهُ بِهَا. وَفِي الصَّحِيحِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرُ، قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمُكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ فِي بَلَدِكُمْ هَذَا أَبَدًا، وَلَا تَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ»، فَقَوْلُهُ ﵊: فَسَيَرْضَى بِهِ دَلِيلٌ عَلَى عِظَمِ الْخَطْبِ فِيمَا

стр. 539

يُسْتَحْقَرُ. وَهَذَا الشَّرْطُ مِمَّا اعْتَبَرَهُ الْغَزَالِيُّ فِي هَذَا الْمَقَامِ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي الْإِحْيَاءِ أَنَّ مِمَّا تَعْظُمُ بِهِ الصَّغِيرَةُ أَنْ يَسْتَصْغِرَهَا. (قَالَ): فَإِنَّ الذَّنْبَ كُلَّمَا اسْتَعْظَمَهُ الْعَبْدُ مِنْ نَفْسِهِ صَغُرَ عِنْدَ اللَّهِ، وَكُلَّمَا اسْتَصْغَرَهُ كَبُرَ عِنْدَ اللَّهِ. ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ وَبَسَطَهُ. فَإِذَا تَحَصَّلَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ فَإِذْ ذَاكَ يُرْجَى أَنْ تَكُونَ صَغِيرَتُهَا صَغِيرَةً، فَإِنْ تَخَلَّفَ شَرْطٌ مِنْهَا أَوْ أَكْثَرُ صَارَتْ كَبِيرَةً، أَوْ خِيفَ أَنْ تَصِيرَ كَبِيرَةً، كَمَا أَنَّ الْمَعَاصِيَ كَذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 540

[الْبَابُ السَّابِعُ فِي الِابْتِدَاعِ هَلْ يَدْخُلُ فِي الْأُمُورِ الْعَادِيَّةِ أَمْ يَخْتَصُّ بِالْأُمُورِ الْعِبَادِيَّةِ] [الِابْتِدَاعُ فِي الْأُمُورِ الْعِبَادِيَّةِ] قَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِّ الْبِدْعَةِ مَا يَقْتَضِي الْخِلَافَ فِيهِ: هَلْ يَدْخُلُ فِي الْأُمُورِ الْعَادِيَّةِ أَمْ لَا؟ أَمَّا الْعِبَادِيَّةُ فَلَا إِشْكَالَ فِي دُخُولِهِ فِيهَا، وَهِيَ عَامَّةُ الْبَابِ، إِذِ الْأُمُورُ الْعِبَادِيَّةُ إِمَّا أَعْمَالٌ قَلْبِيَّةٌ وَأُمُورٌ اعْتِقَادِيَّةٌ، وَإِمَّا أَعْمَالُ جَوَارِحَ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَكِلَا الْقِسْمَيْنِ قَدْ دَخَلَ فِيهِ الِابْتِدَاعُ كَمَذْهَبِ الْقَدَرِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ، وَالْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَكَذَلِكَ مَذْهَبُ الْإِبَاحَةِ وَاخْتِرَاعِ الْعِبَادَاتِ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ وَلَا أَصْلٍ مَرْجُوعٍ إِلَيْهِ. [الِابْتِدَاعُ فِي الْأُمُورِ الْعَادِيَّةِ] وَأَمَّا الْعَادِيَّةُ فَاقْتَضَى النَّظَرُ وُقُوعَ الْخِلَافِ فِيهَا وَأَمْثِلَتُهَا ظَاهِرَةٌ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي تَقْسِيمِ الْبِدَعِ، كَالْمُكُوسِ، وَالْمُحْدَثَةِ مِنَ الْمَظَالِمِ، وَتَقْدِيمِ الْجُهَّالِ عَلَى الْعُلَمَاءِ فِي الْوِلَايَاتِ الْعِلْمِيَّةِ، وَتَوْلِيَةِ الْمَنَاصِبِ الشَّرِيفَةِ مَنْ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ بِطْرِيقِ الْوِرَاثَةِ، وَإِقَامَةِ صُوَرِ الْأَئِمَّةِ وَوُلَاةِ الْأُمُورِ وَالْقُضَاةِ، وَاتِّخَاذِ الْمَنَاخِلِ وَغَسْلِ الْيَدِ بِالْأُشْنَانِ وَلُبْسِ الطَّيَالِسِ وَتَوْسِيعِ الْأَكْمَامِ. . . وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ فِي الزَّمَنِ الْفَاضِلِ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ؛ فَإِنَّهَا أُمُورٌ جَرَتْ فِي النَّاسِ وَكَثُرَ الْعَمَلُ بِهَا، وَشَاعَتْ وَذَاعَتْ؛ فَلَحِقَتْ بِالْبِدَعِ، وَصَارَتْ كَالْعِبَادَاتِ الْمُخْتَرَعَةِ

стр. 541

الْجَارِيَةِ فِي الْأُمَّةِ، وَهَذَا مِنَ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى مَا قُلْنَا، وَإِلَيْهِ مَالَ الْقَرَافِيُّ وَشَيْخُهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ السَّلَفِ. فَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ ـ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الطُّوسِيُّ ـ فَقَالَ لِي: اشْتَرِ كَبْشَيْنِ عَظِيمَيْنِ، وَدَفَعَ إِلَيَّ دَرَاهِمَ، فَاشْتَرَيْتُ لَهُ، وَأَعْطَانِي عَشَرَةً أُخْرَى، وَقَالَ لِي: اشْتَرِ بِهَا دَقِيقًا وَلَا تَنْخُلْهُ وَاخْبِزْهُ، قَالَ: فَنَخَلْتُ الدَّقِيقَ وَخَبَزْتُهُ ثُمَّ جِئْتُ بِهِ، فَقَالَ: نَخَلْتَ هَذَا؟ وَأَعْطَانِي عَشَرَةً أُخْرَى وَقَالَ: اشْتَرِ بِهِ دَقِيقًا وَلَا تَنْخُلْهُ وَاخْبِزْهُ. فَخَبَزْتُهُ وَحَمَلْتُهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لِي: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْعَقِيقَةُ سُنَّةٌ، وَنَخْلُ الدَّقِيقِ بِدْعَةٌ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي السُّنَّةِ بِدْعَةٌ، وَلَمْ أُحِبَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْخُبْزُ فِي بَيْتِي بَعْدَ أَنْ كَانَ بِدْعَةً. وَمُحَمَّدُ بْنُ أَسْلَمَ هَذَا هُوَ الَّذِي فَسَّرَ بِهِ الْحَدِيثَ إِسْحَاقُ ابْنُ رَاهَوَيْهِ حَيْثُ سُئِلَ عَنِ السَّوَادِ الْأَعْظَمِ فِي قَوْلِهِ ﵊: «عَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ» فَقَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ أَسْلَمَ وَأَصْحَابُهُ، حَسْبَمَا يَأْتِي ـ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ـ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ. - وَأَيْضًا، فَإِنْ تُصُوِّرَ فِي الْعِبَادَاتِ وُقُوعُ الِابْتِدَاعِ وَقَعَ فِي الْعَادَاتِ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فَالْأُمُورُ الْمَشْرُوعَةُ تَارَةً تَكُونُ عِبَادِيَّةً وَتَارَةً عَادِيَّةً، فَكِلَاهُمَا مَشْرُوعٌ مِنْ قِبَلِ الشَّارِعِ، فَكَمَا تَقَعُ الْمُخَالَفَةُ بِالِابْتِدَاعِ فِي أَحَدِهِمَا تَقَعُ فِي الْآخَرِ. وَوَجْهٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ أَنَّ الشَّرْعَ جَاءَ بِالْوَعْدِ بِأَشْيَاءَ تَكُونُ فِي آخِرِ

стр. 542

الزَّمَانِ هِيَ خَارِجَةً عَنْ سُنَّتِهِ، فَتَدْخُلُ فِيمَا تَقَدَّمَ تَمْثِيلُهُ، لِأَنَّهَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ. فَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا. قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ»، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ» وَفِي رِوَايَةٍ «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً». وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا: «إِذَا أُسْنِدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرُوا السَّاعَةَ». وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ، وَيُقْبَضُ الْعِلْمُ، وَيُلْقَى الشُّحُّ، وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرُ الْهَرَجُ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّمَا هُوَ؟ قَالَ: الْقَتْلُ الْقَتْلُ». وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ

стр. 543

لَأَيَّامًا يَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ وَيُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ، وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرَجُ، وَالْهَرَجُ الْقَتْلُ». وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁. قَالَ: «حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ، رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الْآخَرَ. حَدَّثَنَا: أَنَّ الْأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جُدُرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ وَحَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِهَا ثُمَّ قَالَ: يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الْوَكْتِ، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ، فَيَبْقَى أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْمَجْلِ، كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رَجْلِكَ فَنُفِضَ فَتَرَاهُ يَنْتَثِرُ وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، وَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ وَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الْأَمَانَةَ. فَيُقَالُ: إِنَّ فِي بَنِي فَلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا. وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: مَا أَعْقَلَهُ! وَمَا أَظْرَفَهُ! وَمَا أَجْلَدَهُ! وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ» الْحَدِيثَ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ، يَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ: دَعَوَتُهُمَا وَاحِدَةٌ، وَحَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولٌ، وَحَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ، ثُمَّ قَالَ: وَحَتَّى يَتَطَاوَلَ النَّاسُ فِي الْبُنْيَانِ» إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ.

стр. 544

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَقُولُونَ مِنْ قَوْلِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ.» وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضِ الدُّنْيَا» ، وَفَسَّرَ ذَلِكَ الْحَسَنُ قَالَ: يُصْبِحُ مُحَرِّمًا لِدَمِ أَخِيهِ وَعِرْضِهِ وَمَالِهِ، وَيُمْسِي مُسْتَحِلًّا لَهُ، كَأَنَّهُ تَأَوَّلَهُ عَلَى الْحَدِيثِ الْآخَرِ. «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ»، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ، وَيَفْشُوَ الزِّنَا، وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ، وَتَكْثُرَ النِّسَاءُ، وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، حَتَّى يَكُونَ لِلْخَمْسِينَ امْرَأَةً قَيِّمٌ وَاحِدٌ».

стр. 545

وَمِنْ غَرِيبِ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا فَعَلَتْ أُمَّتِي خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً حَلَّ بِهَا الْبَلَاءُ. قِيلَ: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إِذَا صَارَ الْمَغْنَمُ دُوَلًا، وَالْأَمَانَةُ مَغْنَمًا، وَالزَّكَاةُ مَغْرَمًا، وَأَطَاعَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ وَعَقَّ أُمَّهُ، وَبَرَّ صَدِيقَهُ، وَجَفَا أَبَاهُ، وَارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَكَانَ زَعِيمُ الْقَوْمِ أَرْذَلَهُمْ، وَأُكْرِمَ الرَّجُلُ مَخَافَةَ شَرِّهِ، وَشُرِبَتِ الْخُمُورُ، وَلُبِسَ الْحَرِيرُ، وَاتُّخِذَتِ الْقِيَانُ وَالْمَعَازِفُ، وَلَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوَّلَهَا. فَلْيَرْتَقِبُوا عِنْدَ ذَلِكَ رِيحًا حَمْرَاءَ، وَزَلْزَلَةً وَخَسْفًا، أَوْ مَسْخًا وَقَذْفًا». وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَرِيبٌ مِنْ هَذَا. وَفِيهِ: «سَادَ الْقَبِيلَةَ فَاسِقُهُمْ، وَكَانَ زَعِيمُ الْقَوْمِ أَرْذَلَهُمْ» وَفِيهِ: «ظَهَرَتِ الْقِيَانُ وَالْمَعَازِفُ»، وَفِي آخِرِهِ: «فَلْيَرْتَقِبُوا عِنْدَ ذَلِكَ رِيحًا حَمْرَاءَ، وَزَلْزَلَةً، وَخَسْفًا، وَمَسْخًا، وَقَذْفًا، وَآيَاتٍ تَتَابَعُ، كَنِظَامٍ بَالٍ قُطِعَ سِلْكُهُ فَتَتَابَعَ». فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ وَأَمْثَالُهَا مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ يَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَهُ إِنَّمَا هُوَ ـ فِي الْحَقِيقَةِ ـ تَبْدِيلُ الْأَعْمَالِ الَّتِي كَانُوا أَحَقَّ بِالْعَمَلِ بِهَا،

стр. 546

فَلَمَّا عُوِّضُوا مِنْهَا غَيْرَهَا، وَفَشَا فِيهَا كَأَنَّهُ مِنَ الْمَعْمُولِ بِهِ تَشْرِيعًا، كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْحَوَادِثِ الطَّارِئَةِ عَلَى نَحْوِ مَا بُيِّنَ فِي الْعِبَادَاتِ. وَالَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالْعِبَادَاتِ لَا يُسَلِّمُونَ جَمِيعَ الْأَوَّلُونَ. أَمَّا مَا تَقَدَّمَ عَنِ الْقَرَافِيِّ وَشَيْخِهِ، فَقَدْ مَرَّ الْجَوَابُ عَنْهُ، فَإِنَّهَا مَعَاصٍ فِي الْجُمْلَةِ، وَمُخَالَفَاتٌ لِلْمَشْرُوعِ، كَالْمُكُوسِ وَالْمَظَالِمِ وَتَقْدِيمِ الْجُهَّالِ عَلَى الْعُلَمَاءِ. . . وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَالْمُبَاحُ مِنْهَا كَالْمَنَاخِلِ، إِنْ فُرِضَ مُبَاحًا ـ كَمَا قَالُوا ـ فَإِنَّمَا إِبَاحَتُهُ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ فَلَا ابْتِدَاعَ فِيهِ. وَإِنْ فُرِضَ مَكْرُوهًا ـ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَسْلَمَ ـ فَوَجْهُ الْكَرَاهِيَةِ عِنْدَهُ كَوْنُهَا عُدَّتْ مِنَ الْمُحْدَثَاتِ، إِذْ فِي الْأَمْرِ: أَوَّلُ مَا أُحْدِثَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَنَاخِلُ ـ أَوْ كَمَا قَالَ ـ فَأَخَذَ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ مَنْ أَخَذَ بِهِ، كَمُحَمَّدِ بْنِ أَسْلَمَ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ نَاحِيَةِ السَّرَفِ وَالتَّنَعُّمِ الَّذِي أَشَارَ إِلَى كَرَاهِيَتِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] الْآيَةَ، لَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ بِدْعَةٌ. وَقَوْلُهُمْ: كَمَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي الْعِبَادَاتِ يُتَصَوَّرُ فِي الْعَادَاتِ مُسَلَّمٌ، وَلَيْسَ كَلَامُنَا فِي الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْوُقُوعِ، وَفِيهِ

стр. 547

النِّزَاعُ. - وَأَمَّا مَا احْتَجُّوا بِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ فَلَيْسَ فِيهَا عَلَى الْمَسْأَلَةِ دَلِيلٌ وَاحِدٌ، إِذْ لَمْ يُنَصَّ عَلَى أَنَّهَا بِدَعٌ أَوْ مُحْدَثَاتٌ، أَوْ مَا يُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى. - وَأَيْضًا إِنْ عَدُّوا كُلَّ مُحْدَثِ الْعَادَاتِ بِدَعَةً، فَلْيَعُدُّوا جَمِيعَ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مِنَ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلَابِسِ وَالْكَلَامِ وَالْمَسَائِلِ النَّازِلَةِ الَّتِي لَا عَهْدَ بِهَا فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ بِدْعًا، وَهَذَا شَنِيعٌ، فَإِنَّ مِنَ الْعَوَائِدِ مَا تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْأَزْمَانِ وَالْأَمْكِنَةِ وَالِاسْمِ، فَيَكُونُ كُلُّ مَنْ خَالَفَ الْعَرَبَ الَّذِينَ أَدْرَكُوا الصَّحَابَةَ وَاعْتَادُوا مِثْلَ عَوَائِدِهِمْ غَيْرَ مُتَّبِعِينَ لَهُمْ، هَذَا مِنَ الْمُسْتَنْكَرِ جِدًّا. نَعَمْ؛ لَا بُدَّ مِنَ الْمُحَافَظَةِ فِي الْعَوَائِدِ الْمُخْتَلِفَةِ عَلَى الْحُدُودِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْقَوَانِينِ الْجَارِيَةِ عَلَى مُقْتَضَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. - وَأَيْضًا، فَقَدْ يَكُونُ الْتِزَامُ الزِّيِّ الْوَاحِدِ وَالْحَالَةِ الْوَاحِدَةِ أَوِ الْعَادَةِ الْوَاحِدَةِ تَعَبًا وَمَشَقَّةً لِاخْتِلَافِ الْأَخْلَاقِ وَالْأَزْمِنَةِ وَالْأَحْوَالِ، وَالشَّرِيعَةُ تَأْبَى التَّضْيِيقَ وَالْحَرَجَ فِيمَا دَلَّ الشَّرْعُ عَلَى جَوَازِهِ وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ مُعَارِضٌ. وَإِنَّمَا جَعَلَ الشَّارِعُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ فَسَادِ الزَّمَانِ وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ لِظُهُورِهَا وَفُحْشِهَا (بِالنِّسْبَةِ) إِلَى مُتَقَدَّمِ الزَّمَانِ، فَإِنَّ الْخَيْرَ كَانَ أَظْهَرَ، وَالشَّرَّ كَانَ أَخْفَى وَأَقَلَّ، بِخِلَافِ آخِرِ الزَّمَانِ فَإِنَّ الْأَمْرَ فِيهِ عَلَى الْعَكْسِ، وَالشَّرُّ فِيهِ أَظْهَرُ وَالْخَيْرُ أَخْفَى وَأَقَلُّ. وَأَمَّا كَوْنُ تِلْكَ الْأَشْيَاءُ بِدَعًا؛ فَغَيْرُ مَفْهُومٍ عَلَى الطَّرِيقَتَيْنِ فِي حَدِّ

стр. 548

الْبِدْعَةِ، فَرَاجِعِ النَّظَرَ فِيهَا تَجِدْهُ كَذَلِكَ. وَالصَّوَابُ فِي الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَةٌ أُخْرَى وَهِيَ تَجْمَعُ شَتَاتَ النَّظَرَيْنِ، وَتُحَقِّقُ الْمَقْصُودَ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ، وَهُوَ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ تَرْجَمَةُ هَذَا الْبَابِ، فَلْنُفْرِدْهُ فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَتِهِ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ. [فَصْلٌ أَفْعَالُ الْمُكَلَّفِينَ الَّتِي تَكُونُ مِنْ قَبِيلِ الْعَادَاتِ هَلْ يَدْخُلُ فِيهَا الْبِدَعُ] أَفْعَالُ الْمُكَلَّفِينَ ـ بِحَسَبِ النَّظَرِ الشَّرْعِيِّ فِيهَا ـ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ مِنْ قَبِيلِ التَّعَبُّدَاتِ. وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ مِنْ قَبِيلِ الْعَادَاتِ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ: فَلَا نَظَرَ فِيهِ هَاهُنَا. وَأَمَّا الثَّانِي: وَهُوَ الْعَادِيُّ فَظَاهِرُ النَّقْلِ عَنِ السَّلَفِ الْأَوَّلِينَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ تَخْتَلِفُ فِيهَا، فَمِنْهُمْ مَنْ يُرْشِدُ كَلَامُهُ إِلَى أَنَّ الْعَادِيَّاتِ كَالْعِبَادِيَّاتِ، فَكَمَا أَنَّا مَأْمُورُونَ فِي الْعِبَادَاتِ بِأَنْ لَا نُحْدِثَ فِيهَا، فَكَذَلِكَ الْعَادِيَّاتُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْلَمَ، حَيْثُ كَرِهَ فِي سُنَّةِ الْعَقِيقَةِ مُخَالَفَةَ مَنْ قَبِلَهُ فِي أَمْرٍ عَادِيٍّ، وَهُوَ اسْتِعْمَالُ الْمَنَاخِلِ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ مَعْقُولُ الْمَعْنَى نَظَرًا مِنْهُ ـ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ـ إِلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِاتِّبَاعِ الْأَوَّلِينَ عَلَى الْعُمُومِ غَلَبَ عَلَيْهِ جِهَةُ التَّعَبُّدِ، وَيَظْهَرُ أَيْضًا مِنْ كَلَامِ مَنْ قَالَ: أَوَّلُ مَا أَحْدَثَ النَّاسُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَنَاخِلُ. وَيُحْكَى عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ أَنَّهُ قَالَ: لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ مَنْ كَانَ قَبْلِي لَكَانَتِ الْجَبَّانَةُ مَسْكَنِي إِلَى أَنْ أَمُوتَ. وَالسُّكْنَى أَمْرٌ عَادِيٌّ بِلَا إِشْكَالٍ.

стр. 549

وَعَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ يَكُونُ قِسْمُ الْعَادِيَّاتِ دَاخِلًا فِي قِسْمِ الْعِبَادَيَّاتِ، فَدُخُولُ الِابْتِدَاعِ فِيهِ ظَاهِرٌ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى خِلَافِ هَذَا. وَعَلَيْهِ نَبْنِي الْكَلَامَ فَنَقُولُ: ثَبَتَ فِي الْأُصُولِ الشَّرْعِيَّةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي كُلِّ عَادِيٍّ مِنْ شَائِبَةِ التَّعَبُّدِ، لِأَنَّ مَا لَمْ يُعْقَلْ مَعْنَاهُ عَلَى التَّفْصِيلِ مِنَ الْمَأْمُورِ بِهِ أَوِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ؛ فَهُوَ الْمُرَادُ بِالتَّعَبُّدِيِّ، وَمَا عُقِلَ مَعْنَاهُ وَعُرِفَتْ مَصْلَحَتُهُ أَوْ مَفْسَدَتُهُ فَهُوَ الْمُرَادُ بِالْعَادِيِّ، فَالطَّهَارَاتُ وَالصَّلَوَاتُ وَالصِّيَامُ وَالْحَجُّ كُلُّهَا تَعَبُّدِيٌّ، وَالْبَيْعُ وَالنِّكَاحُ وَالشِّرَاءُ وَالطَّلَاقُ وَالْإِجَارَاتُ وَالْجِنَايَاتُ كُلُّهَا عَادِيٌّ، لِأَنَّ أَحْكَامَهَا مَعْقُولَةُ الْمَعْنَى، وَلَا بُدَّ فِيهَا مِنَ التَّعَبُّدِ، إِذْ هِيَ مُقَيَّدَةٌ بِأُمُورٍ شَرْعِيَّةٍ لَا خِيرَةَ لِلْمُكَلَّفِ فِيهَا؛ كَانَتِ اقْتِضَاءً أَوْ تَخْيِيرًا؛ فَإِنَّ التَّخْيِيرَ فِي التَّعَبُّدَاتِ إِلْزَامٌ، كَمَا أَنَّ الِاقْتِضَاءَ إِلْزَامٌ ـ حَسْبَمَا تَقَرَّرَ بُرْهَانُهُ فِي كِتَابِ " الْمُوَافَقَاتِ " ـ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ - فَقَدْ ظَهَرَ اشْتِرَاكُ الْقِسْمَيْنِ فِي مَعْنَى التَّعَبُّدِ، فَإِنْ جَاءَ الِابْتِدَاعُ فِي الْأُمُورِ الْعَادِيَّةِ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ؛ صَحَّ دُخُولُهُ فِي الْعَادِيَّاتِ كَالْعِبَادِيَّاتِ، وَإِلَّا فَلَا. وَهَذِهِ هِيَ النُّكْتَةُ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْهَا حُكْمُ الْبَابِ، وَيَتَبَيَّنُ ذَلِكَ بِالْأَمْثِلَةِ: فَمِمَّا أَتَى بِهِ الْقَرَافِيُّ وَضْعُ الْمُكُوسِ فِي مُعَامَلَاتِ النَّاسِ، فَلَا يَخْلُو هَذَا الْوَضْعُ الْمُحَرَّمُ أَنْ يَكُونَ عَلَى قَصْدِ حَجْرِ التَّصَرُّفَاتِ وَقْتًا مَا، أَوْ فِي حَالَةٍ مَا، لِنَيْلِ حُطَامِ الدُّنْيَا، عَلَى هَئْيَةِ غَصْبِ الْغَاصِبِ، وَسَرِقَةِ السَّارِقِ، وَقَطْعِ الْقَاطِعِ لِلطَّرِيقِ. . .، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، أَوْ يَكُونَ عَلَى قَصْدِ وَضْعِهِ عَلَى النَّاس؛ كَالدِّينِ الْمَوْضُوعِ وَالْأَمْرِ الْمَحْتُومِ عَلَيْهِمْ دَائِمًا، أَوْ فِي أَوْقَاتٍ مَحْدُودَةٍ، عَلَى كَيْفِيَّاتٍ مَضْرُوبَةٍ، بِحَيْثُ تُضَاهِي الْمَشْرُوعَ الدَّائِمَ

стр. 550

الَّذِي يُحْمَلَ عَلَيْهِ الْعَامَّةُ وَيُؤْخَذُونَ بِهِ وَتُوَجَّهُ عَلَى الْمُمْتَنِعِ مِنْهُ الْعُقُوبَةُ، كَمَا فِي أَخْذِ زَكَاةِ الْمَوَاشِي وَالْحَرْثِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. فَأَمَّا الثَّانِي فَظَاهِرٌ أَنَّهُ بِدْعَةٌ، إِذْ هُوَ تَشْرِيعُ زَائِدٌ، وَإِلْزَامٌ لِلْمُكَلَّفِينَ يُضَاهِي إِلْزَامَهُمُ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَالدِّيَاتِ الْمَضْرُوبَةَ، وَالْغَرَامَاتِ الْمَحْكُومِ بِهَا فِي أَمْوَالِ الْغُصَّابِ وَالْمُعْتَدِينَ، بَلْ صَارَ فِي حَقِّهِمْ كَالْعِبَادَاتِ الْمَفْرُوضَةِ، وَاللَّوَازِمِ الْمَحْتُومَةِ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ يَصِيرُ بِدْعَةً بِلَا شَكٍّ، لِأَنَّهُ شَرْعٌ مُسْتَدْرَكٌ وَسُنَنٌ فِي التَّكْلِيفِ مَهِيعٌ. فَتَصِيرُ الْمُكُوسُ - عَلَى هَذَا الْفَرْضِ - لَهَا نَظَرَانِ: نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا مُحَرَّمَةً عَلَى الْفَاعِلِ أَنْ يَفْعَلَهَا كَسَائِرِ أَنْوَاعِ الظُّلْمِ، وَنَظَرٌ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا اخْتِرَاعًا لِتَشْرِيعٍ يُؤْخَذُ بِهِ النَّاسُ إِلَى الْمَوْتِ كَمَا يُؤْخَذُونَ بِسَائِرِ التَّكَالِيفِ، فَاجْتَمَعَ فِيهَا نَهْيَانِ: نَهْيٌ عَنِ الْمَعْصِيَةِ، وَنَهْيٌ عَنِ الْبِدْعَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مَوْجُودًا فِي الْبِدَعِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا يُوجَدُ بِهِ النَّهْيُ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا تَشْرِيعًا مَوْضُوعًا عَلَى النَّاسِ أَمْرَ وُجُوبٍ أَوْ نَدْبٍ، إِذْ لَيْسَ فِيهِ جِهَةٌ أُخْرَى يَكُونُ بِهَا مَعْصِيَةً، بَلْ نَفْسُ التَّشْرِيعِ هُوَ نَفْسُ الْمَمْنُوعِ. - وَكَذَلِكَ تَقْدِيمُ الْجُهَّالِ عَلَى الْعُلَمَاءِ، وَتَوْلِيَةُ الْمَنَاصِبِ الشَّرِيفَةِ مَنْ لَا يَصْلُحُ بِطَرِيقِ التَّوْرِيثِ، هُوَ مِنْ قَبِيلِ مَا تَقَدَّمَ، فَإِنَّ جَعْلَ الْجَاهِلِ فِي مَوْضِعِ الْعَالِمِ حَتَّى يَصِيرَ مُفْتِيًا فِي الدِّينِ، وَمَعْمُولًا بِقَوْلِهِ فِي الْأَمْوَالِ وَالدِّمَاءِ وَالْأَبْضَاعِ وَغَيْرِهَا، مُحَرَّمٌ فِي الدِّينِ، وَكَوْنُ ذَلِكَ يُتَّخَذُ دَيْدَنًا حَتَّى يَصِيرَ الِابْنُ مُسْتَحِقًّا لِرُتْبَةِ الْأَبِ ـ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ رُتْبَةَ الْأَبِ فِي ذَلِكَ الْمَنْصِبِ ـ بِطَرِيقِ الْوِرَاثَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، بِحَيْثُ يَشِيعُ هَذَا الْعَمَلُ وَيَطَّرِدُ وَيَرِدُهُ النَّاسُ؛ كَالشَّرْعِ الَّذِي لَا يُخَالَفُ؛ بِدَعَةً بِلَا إِشْكَالٍ، زِيَادَةً إِلَى الْقَوْلِ بِالرَّأْيِ غَيْرِ

стр. 551

الْجَارِي عَلَى الْعِلْمِ، وَهُوَ بِدْعَةٌ أَوْ سَبَبُ الْبِدْعَةِ كَمَا سَيَأْتِي تَفْسِيرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَهُوَ الَّذِي بَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: «حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» وَإِنَّمَا ضَلُّوا لِأَنَّهُمْ أَفْتَوْا بِالرَّأْيِ إِذْ لَيْسَ عِنْدَهُمْ عِلْمٌ. وَأَمَّا إِقَامَةُ الْأَئِمَّةِ وَالْقُضَاةِ وَوُلَاةِ الْأَمْرِ عَلَى خِلَافِ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْبِدْعَةَ لَا تُتَصَوَّرُ هُنَا، وَذَلِكَ صَحِيحٌ، فَإِنْ تَكَلَّفَ أَحَدٌ فِيهَا ذَلِكَ فَيَبْعُدُ جِدًّا، وَذَلِكَ بِفَرْضِ أَنْ يُعْتَقَدَ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ أَنَّهُ مِمَّا يَطْلُبُ بِهِ الْأَئِمَّةُ عَلَى الْخُصُوصِ تَشْرِيعًا خَارِجًا عَنْ قَبِيلِ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ، بِحَيْثُ يُعَدُّ مِنَ الدِّينِ الَّذِي يَدِينُ بِهِ هَؤُلَاءِ الْمَطْلُوبُونَ بِهِ، أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ مِمَّا يُعَدُّ خَاصًّا بِالْأَئِمَّةِ دُونَ غَيْرِهِمْ، كَمَا يَزْعُمُ بَعْضُهُمْ: أَنَّ خَاتَمَ

стр. 552

الذَّهَبِ جَائِزٌ لِذَوِي السُّلْطَانِ، أَوْ يَقُولُ: إِنَّ الْحَرِيرَ جَائِزٌ لَهُمْ لُبْسُهُ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَهَذَا أَقْرَبُ مِنَ الْأَوَّلِ فِي تَصَوُّرِ الْبِدْعَةِ فِي حَقِّ هَذَا الْقِسْمِ. وَيُشْبِهُهُ عَلَى قُرْبٍ زَخْرَفَةُ الْمَسَاجِدِ، إِذْ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ تَرْفِيعِ بُيُوتِ اللَّهِ، وَكَذَلِكَ تَعْلِيقُ الثُّرَيَّاتِ الْخَطِيرَةِ الْأَثْمَانِ، حَتَّى يُعَدَّ الْإِنْفَاقُ فِي ذَلِكَ إِنْفَاقًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَكَذَلِكَ إِذَا اعْتَقَدَ فِي زَخَارِفِ الْمُلُوكِ وَإِقَامَةِ صُوَرِهِمْ أَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ تَرْفِيعِ الْإِسْلَامِ وَإِظْهَارِ مَعَالِمِهِ وَشَعَائِرِهِ، أَوْ قَصَدَ ذَلِكَ فِي فِعْلِهِ أَوَّلًا بِأَنَّهُ تَرْفِيعٌ لِلْإِسْلَامِ لِمَا لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ بِهِ، وَلَيْسَ مَا حَكَاهُ الْقَرَافِيُّ عَنْ مُعَاوِيَةَ مِنْ قَبِيلِ هَذِهِ الزَّخَارِفِ، بَلْ مِنْ قَبِيلِ الْمُعْتَادِ فِي اللِّبَاسِ وَالِاحْتِيَاطِ فِي الْحِجَابِ مَخَافَةً مِنِ انْخِرَاقِ خَرْقٍ يَتَّسِعُ فَلَا يُرْفَعُ ـ هَذَا إِنْ صَحَّ مَا قَالَ، وَإِلَّا، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَى نَقْلِ الْمُؤَرِّخِينَ وَمَنْ لَا يُعْتَبَرُ مِنَ الْمُؤَلِّفِينَ، وَأَحْرَى أَلَّا يَنْبَنِيَ عَلَيْهِ حُكْمٌ. - وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْمَنَاخِلِ فَقَدْ مَرَّ مَا فِيهَا، وَالْمُعْتَادُ فِيهَا أَنَّهُ لَا يُلْحِقُهَا أَحَدٌ بِالدِّينِ، وَلَا بِتَدْبِيرِ الدُّنْيَا بِحَيْثُ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ كَالتَّشْرِيعِ، فَلَا نَطُولُ بِهِ. وَعَلَى ذَلِكَ التَّرْتِيبِ يُنْظَرُ فِيمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ، فَتَبَيَّنْ مَجَالَ الْبِدْعَةِ فِي الْعَادِيَّاتِ مِنْ مَجَالِ غَيْرِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا فِيهَا كَلَامٌ فَرَاجِعْهُ إِنِ احْتَجْتَ إِلَيْهِ. وَأَمَّا وَجْهُ النَّظَرِ فِي أَمْثِلَةِ الْوَجْهِ الثَّالِثِ مِنْ أَوْجُهِ دُخُولِ الِابْتِدَاعِ فِي

стр. 553

الْعَادَاتِ عَلَى مَا أُرِيدَ تَحْقِيقُهُ، فَنَقُولُ: إِنَّ مَدَارِكَ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ عَلَى بِضْعَ عَشْرَةَ خَصْلَةً، يُمْكِنُ رَدُّهَا إِلَى أُصُولٍ هِيَ كُلُّهَا أَوْ غَالِبُهَا بِدَعٌ، وَهِيَ قِلَّةُ الْعِلْمِ وَظُهُورُ الْجَهْلِ، وَالشُّحُّ وَقَبْضُ الْأَمَانَةِ، وَتَحْلِيلُ الدِّمَاءِ وَالزِّنَا وَالْحَرِيرُ وَالْغِنَاءُ وَالرِّبَا وَالْخَمْرُ، وَكَوْنُ الْمَغْنَمِ دُوَلًا، وَالزَّكَاةُ مَغْرَمًا، وَارْتِفَاعُ الْأَصْوَاتِ فِي الْمَسَاجِدِ، وَتَقْدِيمُ الْأَحْدَاثِ، وَلَعْنُ آخِرِ الْأُمَّةِ أَوَّلَهَا، وَخُرُوجُ الدَّجَّالِينَ، وَمُفَارَقَةُ الْجَمَاعَةِ. - أَمَّا قِلَّةُ الْعِلْمِ وَظُهُورُ الْجَهْلِ فَبِسَبَبِ التَّفَقُّهِ لِلدُّنْيَا، وَهَذَا إِخْبَارٌ بِمُقْدِمَةٍ أَنْتَجَتْهَا الْفُتْيَا بِغَيْرِ عِلْمٍ ـ حَسْبَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ» إِلَى آخِرِهِ ـ وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ قَائِدٍ يَقُودُهُمْ فِي الدِّينِ بِجَرَائِمِهِمْ، وَإِلَّا؛ وَقَعَ الْهَرَجُ وَفَسَدَ النِّظَامُ، فَيُضْطَرُّونَ إِلَى الْخُرُوجِ إِلَى مَنِ انْتَصَبَ لَهُمْ مَنْصِبَ الْهِدَايَةِ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمُّونَهُ عَالِمًا، فَلَا بُدَّ أَنْ يَحْمِلَهُمْ عَلَى رَأْيِهِ فِي الدِّينِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ جَاهِلٌ، فَيُضِلُّهُمْ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ؛ كَمَا أَنَّهُ ضَالٌّ عَنْهُ، وَهَذَا عَيْنُ الِابْتِدَاعِ، لِأَنَّهُ التَّشْرِيعُ بِغَيْرِ أَصْلٍ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ. وَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤْتَى النَّاسُ قَطُّ مِنْ قِبَلِ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّمَا يُؤْتُونَ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ إِذَا مَاتَ عُلَمَاؤُهُمْ أَفْتَى مَنْ لَيْسَ بِعَالَمٍ فَيُؤْتَى النَّاسُ مَنْ قِبَلِهِ، وَسَيَأْتِي لِهَذَا الْمَعْنَى بَسْطٌ أَوْسَعُ مِنْ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَأَمَّا الشُّحُّ؛ فَإِنَّهُ مُقَدِّمَةٌ لِبِدْعَةِ الِاحْتِيَالِ عَلَى تَحْلِيلِ الْحَرَامِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ يَشُحُّونَ بِأَمْوَالِهِمْ فَلَا يَسْمَحُونَ بِتَصْرِيفِهَا فِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الشِّيَمِ؛ كَالْإِحْسَانِ بِالصَّدَقَاتِ وَالْهِبَاتِ وَالْمُوَاسَاةِ وَالْإِيثَارِ

стр. 554

عَلَى النَّفْسِ. وَيَلِيهِ أَنْوَاعُ الْقَرْضِ الْجَائِزِ، وَيَلِيهِ التَّجَاوُزُ فِي الْمُعَامَلَاتِ بِإِنْظَارِ الْمُعْسِرِ، وَبِالْإِسْقَاطِ كَمَا قَالَ: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وَهَذَا كَانَ شَأْنَ مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ. ثُمَّ نَقَصَ الْإِحْسَانُ بِالْوُجُوهِ الْأُوَلِ. فَتَسَامَحَ النَّاسُ بِالْقَرْضِ. ثُمَّ نَقَصَ ذَلِكَ حَتَّى صَارَ الْمُوسِرُ لَا يَسْمَحُ بِمَا فِي يَدَيْهِ فَيُضْطَرُّ الْمُعْسِرُ إِلَى أَنْ يَدْخُلَ فِي الْمُعَامَلَاتِ الَّتِي ظَاهِرُهَا الْجَوَازُ وَبَاطِنُهَا الْمَنْعُ؛ كَالرِّبَا وَالسَّلَفِ الَّذِي يَجُرُّ النَّفْعَ، فَيَجْعَلُ بَيْعًا فِي الظَّاهِرِ، وَيَجْرِي فِي النَّاسِ شَرْعًا شَائِعًا، وَيَدِينُ بِهِ الْعَامَّةُ، وَيَنْصِبُونَ هَذِهِ الْمُعَامَلَاتِ مَتَاجِرَ، وَأَصْلُهَا الشُّحُّ بِالْأَمْوَالِ وَحَبُّ الزَّخَارِفِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالشَّهَوَاتِ الْعَاجِلَةِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَالْحَرِيُّ أَنْ يَصِيرَ ذَلِكَ ابْتِدَاعًا فِي الدِّينِ، وَأَنْ يُجْعَلَ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا انْتِجَاعٌ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ، وَتَكَلُّفٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ. فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَوْلَا أَنَّ ذَلِكَ مَفْهُومٌ مِنَ الشَّرْعِ لَمَا قِيلَ بِهِ، فَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا ضَنَّ النَّاسُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، وَتَبَايَعُوا بِالْعِينَةِ، وَاتَّبَعُوا أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَتَرَكُوا الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ بَلَاءً فَلَا يَرْفَعُهُ حَتَّى يُرَاجِعُوا دِينَهُمْ». وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا وَقَالَ فِيهِ: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْتَزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ.»

стр. 555

فَتَأَمَّلْ كَيْفَ قَرَنَ التَّبَايُعَ بِالْعِينَةِ بِضِنَّةِ النَّاسِ، فَأَشْعَرَ بِأَنَّ التَّبَايُعَ بِالْعِينَةِ يَكُونُ عَنِ الشُّحِّ بِالْأَمْوَالِ، وَهُوَ مَعْقُولٌ فِي نَفْسِهِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَتَبَايَعُ أَبَدًا هَذَا التَّبَايُعَ وَهُوَ يَجِدُ مَنْ يُسْلِفُهُ أَوْ مَنْ يُعِينُهُ فِي حَاجَتِهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ سَفِيهًا لَا عَقْلَ لَهُ. وَيَشْهَدُ لِهَذَا الْمَعْنَى مَا خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ عَضُوضٌ يَعَضُّ الْمُوسِرُ عَلَى مَا فِي يَدِهِ، وَلَمْ يُؤْمَرْ بِذَلِكَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩]، وَيَنْهدُ شِرَارُ خَلْقِ اللَّهِ يُبَايِعُونَ كُلَّ مُضْطَرٍّ، أَلَا إِنَّ بَيْعَ الْمُضْطَرِّ حَرَامٌ ; الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخُونُهُ، إِنْ كَانَ عِنْدَكَ خَيْرٌ فَعُدْ بِهِ عَلَى أَخِيكَ وَلَا تَزِدْهُ هَلَاكًا إِلَى هَلَاكِهِ. وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الثَّلَاثَةُ ـ وَإِنْ كَانَتْ أَسَانِيدُهَا لَيْسَتْ هُنَاكَ ـ مِمَّا يُعَضِّدُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَهُوَ خَبَرٌ حَقٌّ فِي نَفْسِهِ يَشْهَدُ لَهُ الْوَاقِعُ. قَالَ بَعْضُهُمْ: عَامَّةُ الْعِينَةِ إِنَّمَا تَقَعُ مِنْ رَجُلٍ يُضْطَرُّ إِلَى نَفَقَةٍ يَضِنُّ

стр. 556

عَلَيْهِ الْمُوسِرِ بِالْقَرْضِ إِلَى أَنْ يُرْبِحَهُ فِي الْمِائَةِ مَا أَحَبَّ، فَيَبِيعُهَا ثَمَنُ الْمِائَةِ بِضَعْفِهَا أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَفَسَّرَ بَيْعُ الْمُضْطَرِّ بِبَيْعِ الْعِينَةِ، وَبَيْعُ الْعِينَةِ إِنَّمَا هُوَ الْعَيْنُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا إِلَى أَجَلٍ ـ حَسْبَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي الْفِقْهِيَّاتِ ـ فَقَدْ صَارَ الشُّحُّ إِذًا سَبَبًا فِي دُخُولِ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ فِي الْبُيُوعِ. فَإِنْ قِيلَ: كَلَامُنَا فِي الْبِدْعَةِ فِي فَسَادِ الْمَعْصِيَةِ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ بُيُوعٌ فَاسِدَةٌ فَصَارَتْ مِنْ بَابٍ آخَرَ لَا كَلَامَ لَنَا فِيهِ. فَالْجَوَابُ: أَنَّ مَدْخَلَ الْبِدْعَةِ هَاهُنَا مِنْ بَابِ الِاحْتِيَالِ الَّذِي أَجَازَهُ بَعْضُ النَّاسِ، فَقَدْ عَدَّهُ الْعُلَمَاءُ مِنَ الْبِدَعِ الْمُحْدَثَاتِ، حَتَّى قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي كِتَابٍ وُضِعَ فِي الْحِيَلِ: مَنْ وَضَعَ هَذَا فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ سَمِعَ بِهِ فَرَضِيَ بِهِ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ حَمَلَهُ مِنْ كُورَةٍ إِلَى كُورَةٍ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَرَضِيَ بِهِ فَهُوَ كَافِرٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ وَقَعَ فِيهِ الِاحْتِيَالَاتُ بِأَشْيَاءَ مُنْكَرَةٍ، حَتَّى احْتَالَ عَلَى فِرَاقِ الزَّوْجَةِ زَوْجَهَا بِأَنْ تَرْتَدَّ. وَقَالَ إِسْحَاقُ ابْنُ رَاهَوَيْهِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ: أَنَّ ابْنَ الْمُبَارَكَ قَالَ فِي قِصَّةِ بِنْتِ أَبِي رَوْحٍ حَيْثُ أُمِرَتْ بِالِارْتِدَادِ، وَذَلِكَ فِي أَيَّامِ أَبِي غَسَّانَ: فَذَكَرَ شَيْئًا. ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَهُوَ مُغَضَّبٌ: أَحْدَثُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَمَنْ كَانَ أَمَرَ بِهَذَا فَهُوَ كَافِرٌ. وَمَنْ كَانَ هَذَا الْكِتَابُ عِنْدَهُ أَوْ فِي بَيْتِهِ لِيَأْمُرَ به أَوْ صَوَّبَهُ وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ فَهُوَ كَافِرٌ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ المُبَارَكٍ: مَا أَرَى الشَّيْطَانَ يُحْسِنُ مِثْلَ هَذَا، حَتَّى جَاءَ هَؤُلَاءِ فَأَفَادَهَا مِنْهُمْ فَأَشَاعَهَا حِينَئِذٍ، وَلَوْ كَانَ يُحْسِنُهَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يُمْضِيهَا فِيهِمْ، حَتَّى جَاءَ هَؤُلَاءِ. وَإِنَّمَا وُضِعَ هَذَا الْكِتَابُ وَأَمْثَالُهُ لِيَكُونَ حُجَّةً عَلَى زَعْمِهِمْ فِي أَنْ يَحْتَالُوا لِلْحَرَامِ حَتَّى يَصِيرَ حَلَالًا، وَلِلْوَاجِبِ حَتَّى يَكُونَ غَيْرَ وَاجِبٍ. وَمَا

стр. 557

أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الْخَارِجَةِ عَنْ نِظَامِ الدِّينِ، كَمَا أَجَازُوا نِكَاحَ الْمُحَلِّلِ، وَهُوَ احْتِيَالٌ عَلَى رَدِّ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا لِمَنْ طَلَّقَهَا، وَأَجَازُوا إِسْقَاطَ فَرْضِ الزَّكَاةِ بِالْهِبَةِ الْمُسْتَعَارَةِ، وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ؛ فَقَدْ ظَهَرَ وَجْهُ الْإِشَارَةِ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ الْمَذْكُورِ فِيهَا الشُّحُّ، وَأَنَّهَا تَتَضَمَّنُ ابْتِدَاعًا كَمَا تَتَضَمَّنُ مَعَاصِيَ جَمَّةً. وَأَمَّا قَبْضُ الْأَمَانَةِ فَعِبَارَةٌ عَنْ شُيُوعِ الْخِيَانَةِ، وَهِيَ مِنْ سِمَاتِ أَهْلِ النِّفَاقِ، وَلَكِنْ قَدْ صَارَ فِي النَّاسِ بَعْضُ أَنْوَاعِهَا تَشْرِيعًا، وَحُكِيَتْ عَنْ قَوْمٍ مِمَّنْ يَنْتَمِي إِلَى الْعِلْمِ كَمَا حُكِيَتْ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ، فَإِنَّ أَهْلَ الْحِيَلِ الْمُشَارِ إِلَيْهِمْ إِنَّمَا بَنَوْا فِي بَيْعِ الْعِينَةِ عَلَى إِخْفَاءِ مَا لَوْ أَظْهَرُوهُ لَكَانَ الْبَيْعُ فَاسِدًا، فَأَخْفَوْهُ لِتَظْهَرَ صِحَّتُهُ، فَإِنَّ بَيْعَهُ الثَّوْبَ بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ إِلَى أَجَلٍ، لَكِنَّهُمَا أَظْهَرَا وَسَاطَةَ الثَّوْبِ، وَأَنَّهُ هُوَ الْمَبِيعُ وَالْمُشْتَرَى، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بِدَلِيلِ الْوَاقِعِ. وَكَذَلِكَ يَهَبُ مَالَهُ عِنْدَ رَأْسِ الْحَوْلِ قَائِلًا بِلِسَانِ حَالِهِ وَمَقَالِهِ: أَنَا غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَى هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنِّي، ثُمَّ يَهَبُهُ، فَإِذَا جَاءَ الْحَوْلُ الْآخَرُ قَالَ الْمَوْهُوبُ لَهُ لِلْوَاهِبِ مِثْلَ الْمَقَالَةِ الْأُولَى، وَالْجَمِيعُ فِي الْحَالَيْنِ، - بَلْ فِي الْحَوْلَيْنِ - فِي تَصْرِيفِ الْمَالِ سَوَاءٌ، أَلَيْسَ هَذَا خِلَافَ الْأَمَانَةِ؟! وَالتَّكْلِيفُ مَنْ أَصْلِهِ أَمَانَةٌ فِيمَا بَيْنُ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ، فَالْعَمَلُ بِخِلَافِهِ خِيَانَةٌ. وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ كَانَ يَحْقِرُ الزِّينَةَ وَيَرُدُّ مِنَ الْكَذِبِ، وَمَعْنَى الزِّينَةِ التَّدْلِيسُ بِالْعُيُوبِ، وَهَذَا خِلَافُ الْأَمَانَةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. وَأَيْضًا فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأُمَرَاءِ يَحْتَاجُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ اعْتِقَادًا مِنْهُمْ أَنَّهَا لَهُمْ دُونَ الْمُسْلِمِينَ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَقِدُ نَوْعًا مِنْ ذَلِكَ فِي الْغَنَائِمِ الْمَأْخُوذَةَ

стр. 558

عَنْوَةً مِنَ الْكُفَّارِ، فَيَجْعَلُونَهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَيَحْرِمُونَ الْغَانِمِينَ مِنْ حُظُوظِهِمْ مِنْهَا تَأْوِيلًا عَلَى الشَّرِيعَةِ بِالْعُقُولِ. فَوَجْهُ الْبِدْعَةِ هَا هَنَا ظَاهِرٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ فِي تَمْثِيلِ الْبِدَعِ الدَّاخِلَةِ فِي الضَّرُورِيَّاتِ فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا. وَيَدْخُلُ تَحْتَ هَذَا النَّمَطِ كَوْنُ الْغَنَائِمِ تَصِيرُ دُوَلًا، وَقَوْلُهُ: «سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمَرَاءَ تُنْكِرُونَهَا، ثُمَّ قَالَ: أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ.» وَأَمَّا تَحْلِيلُ الدِّمَاءِ وَالرِّبَا وَالْحَرِيرِ وَالْغِنَاءِ وَالْخَمْرِ، فَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَيَشَرْبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا» ـ زَادَ ابْنُ مَاجَهْ ـ «يُعْزَفُ عَلَى رُءُوسِهِمْ بِالْمَعَازِفِ وَالْقَيْنَاتِ، يَخْسِفُ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ، وَيَجْعَلُ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ»

стр. 559

وَخَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي عَامِرٍ وَأَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ فِيهِ: «لِيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْخَزَّ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ، وَلِيَنْزِلنَ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ، تَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِحَةٌ لَهُمْ يَأْتِيهِمْ رَجُلٌ لِحَاجَةٍ فَيَقُولُونَ: ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا، فَيُبَيِّتُهُمُ اللَّهُ وَيَضَعُ الْعِلْمَ، وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.» وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ: «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْخِزَّ وَالْحَرِيرَ» ـ وَقَالَ فِي آخِرِهِ ـ «يَمْسَخُ مِنْهُمْ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ». وَالْخَزُّ هُنَا نَوْعٌ مِنَ الْحَرِيرِ لَيْسَ الْخَزُّ الْمَأْذُونُ فِيهَا الْمَنْسُوجُ مِنْ حَرِيرٍ وَغَيْرِهِ. وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: «وَلِيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ» يَعْنِي ـ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ـ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُسْتَحِلِّينَ، وَالْمَعْنَى إِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُسْتَحِلِّينَ يَنْزِلُ مِنْهُمْ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ، وَهُوَ الْجَبَلُ، فَيُوَاعِدُهُمْ إِلَى الْغَدِ، فَيُبَيِّتُهُمُ اللَّهُ ـ وَهُوَ أَخْذُ الْعَذَابِ لَيْلًا ـ وَيَمْسَخُ مِنْهُمْ آخَرِينَ؛ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ كَمَا فِي الْحَدِيثِ حَيْثُ قَالَ: «يَخْسِفُ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ وَيَمْسَخُ مِنْهُمْ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ». وَكَأَنَّ الْخَسْفَ هَاهُنَا التَّبْيِيتُ الْمَذْكُورَ فِي الْآخَرِ.

стр. 560

وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اسْتَحَلُّوا هَذِهِ الْمَحَارِمَ كَانُوا مُتَأَوِّلِينَ فِيهَا حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ الشَّرَابَ الَّذِي شَرِبُوهُ لَيْسَ هُوَ الْخَمْرُ، وَإِنَّمَا لَهُ اسْمٌ آخَرُ، إِمَّا النَّبِيذُ أَوْ غَيْرُهُ، وَإِنَّمَا الْخَمْرُ عَصِيرُ الْعِنَبِ النَّيِّءِ، وَهَذَا رَأْيُ طَائِفَةٍ مِنَ الْكُوفِيِّينَ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَإِنَّمَا أَتَى عَلَى هَؤُلَاءِ حَيْثُ اسْتَحَلُّوا الْمُحَرَّمَاتِ بِمَا ظَنُّوهُ مِنِ انْتِفَاءِ الِاسِمِ، وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى وُجُودِ الْمَعْنَى الْمُحَرَّمِ وَثُبُوتِهِ. قَالَ: وَهَذِهِ بِعَيْنِهَا شُبْهَةُ الْيَهُودِ فِي اسْتِحْلَالِهِمْ أَخْذَ الْحِيتَانِ يَوْمَ الْأَحَدِ بِمَا أَوْقَعُوهَا بِهِ يَوْمَ السَّبْتِ فِي الشُّبَّاكِ وَالْحَفَائِرِ مِنْ فِعْلِهِمْ يَوْمَ الْجُمْعَةِ حَيْثُ قَالُوا: لَيْسَ هَذَا بِصَيْدٍ وَلَا عَمَلٍ يَوْمَ السَّبْتِ، وَلَيْسَ هَذَا بِاسْتِبَاحَةِ السَّبْتِ. بَلِ الَّذِي يَسْتَحِلُّ الْخَمْرَ زَاعِمًا (أَنَّهُ) لَيْسَ خَمْرًا مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ مَعْنَاهُ الْخَمْرَ وَمَقْصُودُهُ مَقْصُودُ الْخَمْرُ، أَفْسَدَ تَأْوِيلًا مِنْ جِهَةِ أَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ قِيَاسًا، فَلَئِنْ كَانَ مِنَ الْقِيَاسِ مَا هُوَ حَقٌّ، فَإِنَّ قِيَاسَ الْخَمْرِ الْمَنْبُوذَةِ عَلَى الْخَمْرِ الْعَصِيرَةِ مِنَ الْقِيَاسِ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ. وَهُوَ مِنَ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ. إِذْ لَيْسَ بَيْنَهُمَا مِنَ الْفَرْقِ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ مُؤَثِّرٌ فِي التَّحْرِيمِ. فَإِذَا كَانَ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورُونَ فِي الْحَدِيثِ إِنَّمَا شَرِبُوا الْخَمْرَ اسْتِحْلَالًا لَهَا لَمَّا ظَنُّوا أَنَّ الْمُحَرَّمَ مُجَرَّدُ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اللَّفْظُ، وَظَنُّوا أَنَّ لَفْظَ الْخَمْرِ لَا يَقَعُ عَلَى غَيْرِ عَصِيرِ الْعِنَبِ النِّيِّءِ فَشُبْهَتُهُمْ فِي اسْتِحْلَالِ الْحَرِيرِ وَالْمَعَازِفِ أَظْهَرُ بِأَنَّهُ أُبِيحَ الْحَرِيرُ لِلنِّسَاءِ مُطْلَقًا، وَلِلرِّجَالِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، فَكَذَلِكَ الْغِنَاءُ وَالدُّفُّ قَدْ أُبِيحُ فِي الْعُرْسِ وَنَحْوِهِ، وَأُبِيحَ مِنْهُ

стр. 561

الْحُدَاءُ وَغَيْرُهُ، وَلَيْسَ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنْ دَلَائِلِ التَّحْرِيمِ مَا فِي الْخَمْرِ، فَظَهَرَ ذَمُّ الَّذِينَ يُخْسَفُ بِهِمْ وَيُمْسَخُونَ، إِنَّمَا فُعِلَ ذَلِكَ بِهِمْ مِنْ جِهَةِ التَّأْوِيلِ الْفَاسِدِ الَّذِي اسْتَحَلُّوا بِهِ الْمَحَارِمَ بِطَرِيقِ الْحِيلَةِ وَأَعْرَضُوا عَنْ مَقْصُودِ الشَّارِعِ وَحِكْمَتِهِ فِي تَحْرِيمِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ. وَقَدْ خَرَّجَ ابْنُ بَطَّةَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَسْتَحِلُّونَ فِيهِ الرِّبَا بِالْبَيْعِ» قَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي الْعِينَةَ. وَرُوِيَ فِي اسْتِحْلَالِ الرِّبَا حَدِيثٌ رَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَوَّلُ دِينِكُمْ نُبُوَّةٌ وَرَحْمَةٌ، ثُمَّ مُلْكٌ وَجَبْرِيَّةٌ، ثُمَّ مُلْكٌ عَضُوضٌ يُسْتَحَلُّ فِيهِ الْحَرِيرُ وَالْحِرُّ» يُرِيدُ اسْتِحْلَالَ الْفُرُوجِ الْحَرَامِ، وَالْحِرُّ بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ الْمُخَفَّفَةِ الْفَرْجُ، قَالُوا: وَيُشْبِهُ ـ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ـ أَنْ يُرَادَ بِذَلِكَ ظُهُورُ اسْتِحْلَالِ نِكَاحِ الْمُحَلِّلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ اسْتِحْلَالَ الْفُرُوجِ الْمُحَرَّمَةِ، فَإِنَّ الْأُمَّةَ لَمْ يَسْتَحِلَّ أَحَدٌ مِنْهَا الزِّنَا الصَّرِيحَ، وَلَمْ يُرِدْ بِالِاسْتِحْلَالِ مُجَرَّدَ الْفِعْلِ، فَإِنَّ هَذَا لَمْ يَزَلْ مَعْمُولًا فِي النَّاسِ، ثُمَّ لَفْظُ الِاسْتِحْلَالِ إِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْأَصْلِ فِيمَنِ اعْتَقَدَ الشَّيْءَ حَلَالًا، وَالْوَاقِعُ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّ هَذَا الْمُلْكَ الْعَضُوضَ

стр. 562

الَّذِي كَانَ بَعْدَ الْمُلْكِ وَالْجَبْرِيَّةِ قَدْ كَانَ فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ التَّابِعِينَ، فِي تِلْكَ الْأَزْمَانِ صَارَ فِي أُولِي الْأَمْرِ مَنْ يُفْتِي بِنِكَاحِ الْمُحَلِّلِ وَنَحْوِهِ، وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ يُفْتِي بِهِ أَصْلًا. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ الْمَشْهُورِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : «لَعَنَ آكِلَ الرِّبَا وَشَاهِدَيْهِ وَكَاتِبَهُ وَالْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ». وَرَوَى أَحْمَدُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا ظَهَرَ فِي قَوْمٍ الرِّبَا وَالزِّنَا إِلَّا أَحَلُّوا بِأَنْفُسِهِمْ عِقَابَ اللَّهِ» فَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ التَّحْلِيلَ مِنَ الزِّنَا، كَمَا يُشْعِرُ أَنَّ الْعِينَةَ مِنَ الرِّبَا. وَقَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَوْقُوفًا قَالَ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يُسْتَحَلُّ فِيهِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ: يَسْتَحِلُّونَ الْخَمْرَ بِأَسْمَاءٍ يُسَمُّونَهَا بِهَا، وَالسُّحْتَ بِالْهَدِيَّةِ، وَالْقَتْلَ بِالرَّهْبَةِ، وَالزِّنَا بِالنِّكَاحِ، وَالرِّبَا بِالْبَيْعِ، فَإِنَّ الثَّلَاثَةَ الْمَذْكُورَةَ أَوَّلًا قَدْ سُنَّتْ، وَأَمَّا السُّحْتُ الَّذِي هُوَ الْعَطِيَّةُ لِلْوَالِي وَالْحَاكِمِ وَنَحْوِهِمَا بِاسْمِ الْهَدِيَّةِ فَهُوَ ظَاهِرٌ، وَاسْتِحْلَالُ الْقَتْلِ بِاسْمِ الْإِرْهَابِ الَّذِي يُسَمِّيهِ وُلَاةُ الظُّلْمِ سِيَاسَةَ وَأُبَّهَةَ الْمُلْكِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَظَاهِرٌ أَيْضًا، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ شَرِيعَةِ الْقَتْلِ الْمُخْتَرَعَةِ.

стр. 563

وَقَدْ وَصَفَ النَّبِيُّ ﷺ الْخَوَارِجَ بِهَذَا النَّوْعِ مِنَ الْخِصَالِ فَقَالَ: «إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يَتَجَاوَزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَيَدْعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ». وَلَعَلَّ هَؤُلَاءِ الْمُرَادُونَ بُقُولُهُ ﵊ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا» الْحَدِيثَ. يَدُلُّ عَلَيْهِ تَفْسِيرُ الْحَسَنِ قَالَ: يُصْبِحُ مُحَرِّمًا لِدَمِ أَخِيهِ وَعِرْضِهِ وَيُمْسِي مُسْتَحِلًّا، إِلَى آخِرِهِ. وَقَدْ وَضَعَ الْقَتْلَ شَرْعًا مَعْمُولًا بِهِ عَلَى غَيْرِ سُنَّةِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ الْمُتَسَمِّي بِالْمَهْدِيِّ الْمَغْرِبِيِّ الَّذِي زَعَمَ أَنَّهُ الْمُبَشَّرُ بِهِ فِي الْأَحَادِيثِ، فَجَعَلَ الْقَتْلَ عِقَابًا فِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ صِنْفًا، ذَكَرُوا مِنْهَا: الْكَذِبَ، وَالْمُدَاهَنَةَ، وَأَخَذَهُمْ أَيْضًا بِالْقَتْلِ فِي تَرْكِ امْتِثَالِ أَمْرِ مَنْ يُسْتَمَعُ أَمْرُهُ وَبَايَعُوهُ عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَ يَعِظُهُمْ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَيُذَكِّرُهُمْ، وَمَنْ لَمْ يَحْضُرْ أُدِّبَ، فَإِنْ تَمَادَى قُتِلَ، وَكُلُّ مَنْ لَمْ يَتَأَدَّبْ بِمَا أُدِّبَ بِهِ ضُرِبَ بِالسَّوْطِ الْمَرَّةَ وَالْمَرَّتَيْنِ، فَإِنْ ظَهَرَ مِنْهُ عِنَادٌ فِي تَرْكِ امْتِثَالِ الْأَوَامِرِ قُتِلَ، وَمَنْ دَاهَنَ عَلَى أَخِيهِ أَوْ أَبِيهِ أَوْ مَنْ يَكْرُمُ عَلَيْهِ أَوِ الْمُقَدَّمِ عَلَيْهِ قُتِلَ. وَكُلُّ مَنْ شَكَّ فِي عِصْمَتِهِ قُتِلَ أَوْ شَكَّ فِي أَنَّهُ الْمَهْدِيُّ الْمُبَشَّرُ بِهِ، وَكُلُّ مَنْ خَالَفَ أَمْرُهُ، أَمْرَ الصَّحَابَةِ

стр. 564

فَعَرَّوْهُ، فَكَانَ أَكْثَرَ تَأْدِيبِهِ الْقَتْلُ ـ كَمَا تَرَى ـ. كَمَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ رَأْيِهِ أَنْ لَا يُصَلِّيَ خَلَفَ إِمَامٍ أَوْ خَطِيبٍ يَأْخُذُ أَجْرًا عَلَى الْإِمَامَةِ أَوِ الْخَطَابَةِ، وَكَذَلِكَ لُبْسُ الثِّيَابِ الرَّفِيعَةِ ـ وَإِنْ كَانَتْ حَلَالًا ـ فَقَدْ حَكَوْا عَنْهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَفْحِلَ أَمْرُهُ أَنَّهُ تَرَكَ الصَّلَاةَ خَلْفَ خَطِيبِ أَغِمَاتٍ بِذَلِكَ السَّبَبِ، فَقَدِمَ خَطِيبٌ آخَرُ فِي ثِيَابٍ حَفِيلَةٍ تُبَايِنُ التَّوَاضُعَ ـ بِزَعْمِهِمْ ـ فَتَرَكَ الصَّلَاةَ خَلْفَهُ. وَكَانَ مِنْ رَأْيِهِ تَرْكُ الرَّأْيِ وَاتِّبَاعُ مَذَاهِبِ الظَّاهِرِيَّةِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَهُوَ بِدْعَةٌ ظَهَرَتْ فِي الشَّرِيعَةِ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ، وَمِنْ رَأْيِهِ أَنَّ التَّمَادِيَ عَلَى ذَرَّةٍ مِنَ الْبَاطِلِ كَالتَّمَادِي عَلَى الْبَاطِلِ كُلِّهِ. وَذَكَرَ فِي كِتَابِ " الْإِمَامَةِ " أَنَّهُ هُوَ الْإِمَامُ، وَأَصْحَابُهُ هُمُ الْغُرَبَاءُ الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ: «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ»، وَقَالَ فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ: جَاءَ اللَّهُ بِالْمَهْدِيِّ، وَطَاعَتُهُ صَافِيَةٌ نَقِيَّةٌ لَمْ يُرَ مِثْلُهَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ، وَأَنَّ بِهِ قَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَبِهِ تَقُومُ، وَلَا ضِدَّ لَهُ وَلَا مِثْلَ وَلَا نِدَّ، انْتَهَى. وَكَذَبَ، فَالْمَهْدِيُّ عِيسَى ﵇. وَكَانَ يَأْمُرُهُمْ بِلُزُومِ الْحِزْبِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ، فَأَمَرَ الْمُؤَذِّنِينَ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ أَنْ يُنَادُوا: " أَصْبَحَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ " إِشْعَارًا ـ زَعَمُوا ـ بِأَنَّ الْفَجْرَ قَدْ طَلَعَ لِإِلْزَامِ الطَّاعَةِ، وَلِحُضُورِ الْجَمَاعَةِ، وَلِلْغُدُوِّ لِكُلِّ مَا يُؤَمَرُونَ بِهِ.

стр. 565

وَلَهُ اخْتِرَاعَاتٌ وَابْتِدَاعَاتٌ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا، وَجَمِيعُ ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ قَائِلٌ بِرَأْيِهِ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ، مَعَ زَعْمِهِ أَنَّهُ قَائِلٌ بِالرَّأْيِ. وَهُوَ التَّنَاقُضُ بِعَيْنِهِ. فَقَدْ ظَهَرَ إِذَنْ جَرَيَانُ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ عَلَى الِابْتِدَاعِ. وَأَمَّا كَوْنُ الزَّكَاةِ مَغْرَمًا، فَالْمَغْرَمُ مَا يَلْزَمُ أَدَاؤُهُ مِنَ الدُّيُونِ وَالْغَرَامَاتِ، كَانَ الْوُلَاةُ يُلْزِمُونَهَا النَّاسَ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى قِلَّةِ مَالِ الزَّكَاةِ أَوْ كَثْرَتِهِ أَوْ قُصُورِهِ عَنِ النِّصَابِ أَوْ عَدَمِ قُصُورِهِ، بَلْ يَأْخُذُونَهُمْ بِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ إِلَى الْمَوْتِ، وَكَوْنُ هَذَا بِدَعَةً، ظَاهِرٌ. وَأَمَّا ارْتِفَاعُ الْأَصْوَاتِ فِي الْمَسَاجِدِ فَنَاشِئٌ عَنْ بِدْعَةِ الْجِدَالِ فِي الدِّينِ، فَإِنَّ مِنْ عَادَةِ قِرَاءَةِ الْعِلْمِ وَإِقْرَائِهِ وَسَمَاعِهِ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسَاجِدِ، وَمِنْ آدَابِهِ أَنْ لَا تُرْفَعَ فِيهِ الْأَصْوَاتُ فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ، فَمَا ظَنُّكَ بِهِ فِي الْمَسَاجِدِ؟ فَالْجِدَالُ فِيهِ زِيَادَةُ الْهَوَى، فَإِنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فِي الْأَصْلِ. فَقَدْ جَعَلَ الْعُلَمَاءُ مِنْ عَقَائِدِ الْإِسْلَامِ تَرْكَ الْمِرَاءِ وَالْجِدَالِ فِي الدِّينِ. وَهُوَ الْكَلَامُ فِيمَا لَمْ يُؤْذَنْ فِي الْكَلَامِ فِيهِ. كَالْكَلَامِ فِي الْمُتَشَابِهَاتِ مِنَ الصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ وَغَيْرِهِمَا. وَكَمُتَشَابِهَاتِ الْقُرْآنِ. وَلِأَجْلِ ذَلِكَ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: «تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] قَالَ: فَإِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيهِ فَهُمُ الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ»
следующие страницы →