← Акыда

Акыда · id 21720

الاعتصام للشاطبي ت الهلالي

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (859 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

الْحُدَاءُ وَغَيْرُهُ، وَلَيْسَ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنْ دَلَائِلِ التَّحْرِيمِ مَا فِي الْخَمْرِ، فَظَهَرَ ذَمُّ الَّذِينَ يُخْسَفُ بِهِمْ وَيُمْسَخُونَ، إِنَّمَا فُعِلَ ذَلِكَ بِهِمْ مِنْ جِهَةِ التَّأْوِيلِ الْفَاسِدِ الَّذِي اسْتَحَلُّوا بِهِ الْمَحَارِمَ بِطَرِيقِ الْحِيلَةِ وَأَعْرَضُوا عَنْ مَقْصُودِ الشَّارِعِ وَحِكْمَتِهِ فِي تَحْرِيمِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ. وَقَدْ خَرَّجَ ابْنُ بَطَّةَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَسْتَحِلُّونَ فِيهِ الرِّبَا بِالْبَيْعِ» قَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي الْعِينَةَ. وَرُوِيَ فِي اسْتِحْلَالِ الرِّبَا حَدِيثٌ رَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَوَّلُ دِينِكُمْ نُبُوَّةٌ وَرَحْمَةٌ، ثُمَّ مُلْكٌ وَجَبْرِيَّةٌ، ثُمَّ مُلْكٌ عَضُوضٌ يُسْتَحَلُّ فِيهِ الْحَرِيرُ وَالْحِرُّ» يُرِيدُ اسْتِحْلَالَ الْفُرُوجِ الْحَرَامِ، وَالْحِرُّ بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ الْمُخَفَّفَةِ الْفَرْجُ، قَالُوا: وَيُشْبِهُ ـ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ـ أَنْ يُرَادَ بِذَلِكَ ظُهُورُ اسْتِحْلَالِ نِكَاحِ الْمُحَلِّلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ اسْتِحْلَالَ الْفُرُوجِ الْمُحَرَّمَةِ، فَإِنَّ الْأُمَّةَ لَمْ يَسْتَحِلَّ أَحَدٌ مِنْهَا الزِّنَا الصَّرِيحَ، وَلَمْ يُرِدْ بِالِاسْتِحْلَالِ مُجَرَّدَ الْفِعْلِ، فَإِنَّ هَذَا لَمْ يَزَلْ مَعْمُولًا فِي النَّاسِ، ثُمَّ لَفْظُ الِاسْتِحْلَالِ إِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْأَصْلِ فِيمَنِ اعْتَقَدَ الشَّيْءَ حَلَالًا، وَالْوَاقِعُ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّ هَذَا الْمُلْكَ الْعَضُوضَ

стр. 562

الَّذِي كَانَ بَعْدَ الْمُلْكِ وَالْجَبْرِيَّةِ قَدْ كَانَ فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ التَّابِعِينَ، فِي تِلْكَ الْأَزْمَانِ صَارَ فِي أُولِي الْأَمْرِ مَنْ يُفْتِي بِنِكَاحِ الْمُحَلِّلِ وَنَحْوِهِ، وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ يُفْتِي بِهِ أَصْلًا. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ الْمَشْهُورِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : «لَعَنَ آكِلَ الرِّبَا وَشَاهِدَيْهِ وَكَاتِبَهُ وَالْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ». وَرَوَى أَحْمَدُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا ظَهَرَ فِي قَوْمٍ الرِّبَا وَالزِّنَا إِلَّا أَحَلُّوا بِأَنْفُسِهِمْ عِقَابَ اللَّهِ» فَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ التَّحْلِيلَ مِنَ الزِّنَا، كَمَا يُشْعِرُ أَنَّ الْعِينَةَ مِنَ الرِّبَا. وَقَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَوْقُوفًا قَالَ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يُسْتَحَلُّ فِيهِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ: يَسْتَحِلُّونَ الْخَمْرَ بِأَسْمَاءٍ يُسَمُّونَهَا بِهَا، وَالسُّحْتَ بِالْهَدِيَّةِ، وَالْقَتْلَ بِالرَّهْبَةِ، وَالزِّنَا بِالنِّكَاحِ، وَالرِّبَا بِالْبَيْعِ، فَإِنَّ الثَّلَاثَةَ الْمَذْكُورَةَ أَوَّلًا قَدْ سُنَّتْ، وَأَمَّا السُّحْتُ الَّذِي هُوَ الْعَطِيَّةُ لِلْوَالِي وَالْحَاكِمِ وَنَحْوِهِمَا بِاسْمِ الْهَدِيَّةِ فَهُوَ ظَاهِرٌ، وَاسْتِحْلَالُ الْقَتْلِ بِاسْمِ الْإِرْهَابِ الَّذِي يُسَمِّيهِ وُلَاةُ الظُّلْمِ سِيَاسَةَ وَأُبَّهَةَ الْمُلْكِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَظَاهِرٌ أَيْضًا، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ شَرِيعَةِ الْقَتْلِ الْمُخْتَرَعَةِ.

стр. 563

وَقَدْ وَصَفَ النَّبِيُّ ﷺ الْخَوَارِجَ بِهَذَا النَّوْعِ مِنَ الْخِصَالِ فَقَالَ: «إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يَتَجَاوَزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَيَدْعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ». وَلَعَلَّ هَؤُلَاءِ الْمُرَادُونَ بُقُولُهُ ﵊ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا» الْحَدِيثَ. يَدُلُّ عَلَيْهِ تَفْسِيرُ الْحَسَنِ قَالَ: يُصْبِحُ مُحَرِّمًا لِدَمِ أَخِيهِ وَعِرْضِهِ وَيُمْسِي مُسْتَحِلًّا، إِلَى آخِرِهِ. وَقَدْ وَضَعَ الْقَتْلَ شَرْعًا مَعْمُولًا بِهِ عَلَى غَيْرِ سُنَّةِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ الْمُتَسَمِّي بِالْمَهْدِيِّ الْمَغْرِبِيِّ الَّذِي زَعَمَ أَنَّهُ الْمُبَشَّرُ بِهِ فِي الْأَحَادِيثِ، فَجَعَلَ الْقَتْلَ عِقَابًا فِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ صِنْفًا، ذَكَرُوا مِنْهَا: الْكَذِبَ، وَالْمُدَاهَنَةَ، وَأَخَذَهُمْ أَيْضًا بِالْقَتْلِ فِي تَرْكِ امْتِثَالِ أَمْرِ مَنْ يُسْتَمَعُ أَمْرُهُ وَبَايَعُوهُ عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَ يَعِظُهُمْ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَيُذَكِّرُهُمْ، وَمَنْ لَمْ يَحْضُرْ أُدِّبَ، فَإِنْ تَمَادَى قُتِلَ، وَكُلُّ مَنْ لَمْ يَتَأَدَّبْ بِمَا أُدِّبَ بِهِ ضُرِبَ بِالسَّوْطِ الْمَرَّةَ وَالْمَرَّتَيْنِ، فَإِنْ ظَهَرَ مِنْهُ عِنَادٌ فِي تَرْكِ امْتِثَالِ الْأَوَامِرِ قُتِلَ، وَمَنْ دَاهَنَ عَلَى أَخِيهِ أَوْ أَبِيهِ أَوْ مَنْ يَكْرُمُ عَلَيْهِ أَوِ الْمُقَدَّمِ عَلَيْهِ قُتِلَ. وَكُلُّ مَنْ شَكَّ فِي عِصْمَتِهِ قُتِلَ أَوْ شَكَّ فِي أَنَّهُ الْمَهْدِيُّ الْمُبَشَّرُ بِهِ، وَكُلُّ مَنْ خَالَفَ أَمْرُهُ، أَمْرَ الصَّحَابَةِ

стр. 564

فَعَرَّوْهُ، فَكَانَ أَكْثَرَ تَأْدِيبِهِ الْقَتْلُ ـ كَمَا تَرَى ـ. كَمَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ رَأْيِهِ أَنْ لَا يُصَلِّيَ خَلَفَ إِمَامٍ أَوْ خَطِيبٍ يَأْخُذُ أَجْرًا عَلَى الْإِمَامَةِ أَوِ الْخَطَابَةِ، وَكَذَلِكَ لُبْسُ الثِّيَابِ الرَّفِيعَةِ ـ وَإِنْ كَانَتْ حَلَالًا ـ فَقَدْ حَكَوْا عَنْهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَفْحِلَ أَمْرُهُ أَنَّهُ تَرَكَ الصَّلَاةَ خَلْفَ خَطِيبِ أَغِمَاتٍ بِذَلِكَ السَّبَبِ، فَقَدِمَ خَطِيبٌ آخَرُ فِي ثِيَابٍ حَفِيلَةٍ تُبَايِنُ التَّوَاضُعَ ـ بِزَعْمِهِمْ ـ فَتَرَكَ الصَّلَاةَ خَلْفَهُ. وَكَانَ مِنْ رَأْيِهِ تَرْكُ الرَّأْيِ وَاتِّبَاعُ مَذَاهِبِ الظَّاهِرِيَّةِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَهُوَ بِدْعَةٌ ظَهَرَتْ فِي الشَّرِيعَةِ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ، وَمِنْ رَأْيِهِ أَنَّ التَّمَادِيَ عَلَى ذَرَّةٍ مِنَ الْبَاطِلِ كَالتَّمَادِي عَلَى الْبَاطِلِ كُلِّهِ. وَذَكَرَ فِي كِتَابِ " الْإِمَامَةِ " أَنَّهُ هُوَ الْإِمَامُ، وَأَصْحَابُهُ هُمُ الْغُرَبَاءُ الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ: «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ»، وَقَالَ فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ: جَاءَ اللَّهُ بِالْمَهْدِيِّ، وَطَاعَتُهُ صَافِيَةٌ نَقِيَّةٌ لَمْ يُرَ مِثْلُهَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ، وَأَنَّ بِهِ قَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَبِهِ تَقُومُ، وَلَا ضِدَّ لَهُ وَلَا مِثْلَ وَلَا نِدَّ، انْتَهَى. وَكَذَبَ، فَالْمَهْدِيُّ عِيسَى ﵇. وَكَانَ يَأْمُرُهُمْ بِلُزُومِ الْحِزْبِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ، فَأَمَرَ الْمُؤَذِّنِينَ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ أَنْ يُنَادُوا: " أَصْبَحَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ " إِشْعَارًا ـ زَعَمُوا ـ بِأَنَّ الْفَجْرَ قَدْ طَلَعَ لِإِلْزَامِ الطَّاعَةِ، وَلِحُضُورِ الْجَمَاعَةِ، وَلِلْغُدُوِّ لِكُلِّ مَا يُؤَمَرُونَ بِهِ.

стр. 565

وَلَهُ اخْتِرَاعَاتٌ وَابْتِدَاعَاتٌ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا، وَجَمِيعُ ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ قَائِلٌ بِرَأْيِهِ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ، مَعَ زَعْمِهِ أَنَّهُ قَائِلٌ بِالرَّأْيِ. وَهُوَ التَّنَاقُضُ بِعَيْنِهِ. فَقَدْ ظَهَرَ إِذَنْ جَرَيَانُ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ عَلَى الِابْتِدَاعِ. وَأَمَّا كَوْنُ الزَّكَاةِ مَغْرَمًا، فَالْمَغْرَمُ مَا يَلْزَمُ أَدَاؤُهُ مِنَ الدُّيُونِ وَالْغَرَامَاتِ، كَانَ الْوُلَاةُ يُلْزِمُونَهَا النَّاسَ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى قِلَّةِ مَالِ الزَّكَاةِ أَوْ كَثْرَتِهِ أَوْ قُصُورِهِ عَنِ النِّصَابِ أَوْ عَدَمِ قُصُورِهِ، بَلْ يَأْخُذُونَهُمْ بِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ إِلَى الْمَوْتِ، وَكَوْنُ هَذَا بِدَعَةً، ظَاهِرٌ. وَأَمَّا ارْتِفَاعُ الْأَصْوَاتِ فِي الْمَسَاجِدِ فَنَاشِئٌ عَنْ بِدْعَةِ الْجِدَالِ فِي الدِّينِ، فَإِنَّ مِنْ عَادَةِ قِرَاءَةِ الْعِلْمِ وَإِقْرَائِهِ وَسَمَاعِهِ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسَاجِدِ، وَمِنْ آدَابِهِ أَنْ لَا تُرْفَعَ فِيهِ الْأَصْوَاتُ فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ، فَمَا ظَنُّكَ بِهِ فِي الْمَسَاجِدِ؟ فَالْجِدَالُ فِيهِ زِيَادَةُ الْهَوَى، فَإِنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فِي الْأَصْلِ. فَقَدْ جَعَلَ الْعُلَمَاءُ مِنْ عَقَائِدِ الْإِسْلَامِ تَرْكَ الْمِرَاءِ وَالْجِدَالِ فِي الدِّينِ. وَهُوَ الْكَلَامُ فِيمَا لَمْ يُؤْذَنْ فِي الْكَلَامِ فِيهِ. كَالْكَلَامِ فِي الْمُتَشَابِهَاتِ مِنَ الصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ وَغَيْرِهِمَا. وَكَمُتَشَابِهَاتِ الْقُرْآنِ. وَلِأَجْلِ ذَلِكَ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: «تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] قَالَ: فَإِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيهِ فَهُمُ الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ»

стр. 566

وَفِي الْحَدِيثِ: «مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ»، وَجَاءَ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تُمَارُوا فِي الْقُرْآنِ فَإِنَّ الْمِرَاءَ فِيهِ كُفْرٌ» وَعَنْهُ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الْقُرْآنَ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَلَا تُكَذِّبُوا بَعْضَهُ بِبَعْضِ مَا عَلِمْتُمْ مِنْهُ فَاقْبَلُوهُ وَمَا لَمْ تَعْلَمُوهُ فَكِلُوهُ إِلَى عَالِمِهِ»، وَقَالَ ﵇: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ. فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ فَقُومُوا عَنْهُ»، وَخَرَّجَ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ قَالَ: إِيَّاكُمْ وَالْخُصُومَاتِ فِي الدِّينِ فَإِنَّهَا تُحْبِطُ الْأَعْمَالَ. وَقَالَ النَّخْعِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: ٦٤] قَالَ: الْجِدَالَ وَالْخُصُومَاتِ فِي الدِّينِ. وَقَالَ مَعْنُ بْنُ عِيسَى: انْصَرَفَ مَالِكٌ يَوْمًا إِلَى الْمَسْجِدِ وَهُوَ مُتَّكِئٌ

стр. 567

عَلَى يَدِي، فَلَحِقَهُ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو الْجَدِيرَةِ يُتَّهَمُ بِالْإِرْجَاءِ. فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ! اسْمَعْ مِنِّي شَيْئًا أُكَلِّمُكَ بِهِ وَأُحَاجُّكَ بِرَأْيِي. فَقَالَ لَهُ: احْذَرْ أَنْ أَشْهَدَ عَلَيْكَ. قَالَ: وَاللَّهِ مَا أُرِيدَ إِلَّا الْحَقَّ، اسْمَعْ مِنِّي فَإِنْ كَانَ صَوَابًا فَقُلْ بِهِ أَوْ فَتَكَلَّمْ. قَالَ: فَإِنْ غَلَبَتْنِي؟ قَالَ: اتَّبَعَنِي. قَالَ: فَإِنْ غَلَبْتُكَ؟ قَالَ: اتَّبَعْتُكَ. قَالَ: فَإِنْ جَاءَ رَجُلٌ فَكَلَّمْنَاهُ فَغَلَبْنَاهُ؟ قَالَ: اتَّبَعَنَا. فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: يَا عَبْدَ اللَّهِ! بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا بِدِينٍ وَاحِدٍ وَأَرَاكَ تَنْتَقِلُ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: مَنْ جَعَلَ دِينَهُ عَرَضًا لِلْخُصُومَاتِ أَكْثَرَ التَّنَقُّلَ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ الْجِدَالُ فِي الدِّينِ بِشَيْءٍ. وَالْكَلَامُ فِي ذَمِّ الْجِدَالِ كَثِيرٌ. فَإِذَا كَانَ مَذْمُومًا فَمَنْ جَعَلَهُ مَحْمُودًا وَعَدَّهُ مِنَ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ بِإِطْلَاقٍ فَقَدِ ابْتَدَعَ فِي الدِّينِ. وَلَمَّا كَانَ اتِّبَاعُ الْهَوَى أَصْلَ الِابْتِدَاعِ لَمْ يَعْدَمْ صَاحِبُ الْجِدَالِ أَنْ يُمَارِيَ وَيَطْلُبَ الْغَلَبَةَ، وَذَلِكَ مَظِنَّةُ رَفْعِ الْأَصْوَاتِ. فَإِنْ قِيلَ: عَدَدْتَ رَفْعَ الْأَصْوَاتِ مِنْ فُرُوعِ الْجِدَالِ وَخَوَاصِّهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَرَفْعُ الْأَصْوَاتِ قَدْ يَكُونُ فِي الْعِلْمِ، وَلِذَلِكَ كُرِهَ رَفْعُ الْأَصْوَاتِ فِي الْمَسْجِدِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْعِلْمِ أَوْ فِي غَيْرِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَبْسُوطِ: رَأَيْتُ مَالِكًا يَعِيبُ عَلَى أَصْحَابِهِ رَفْعَ أَصْوَاتِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ. وَعَلَّلَ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ بِعِلَّتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يُنَزِّهَ الْمَسْجِدَ عَنْ مِثْلِ هَذَا لِأَنَّهُ أُمِرَ

стр. 568

بِتَعْظِيمِهِ وَتَوْقِيرِهِ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ مَبْنِيٌّ لِلصَّلَاةِ، وَقَدْ أُمِرْنَا أَنْ نَأْتِيَهَا وَعَلَيْنَا السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، فَأَنْ يُلْزَمَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهَا الْمُتَّخَذِ لَهَا أَوْلَى. وَرَوَى مَالِكٌ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ بَنَى رَحْبَةً بَيْنَ نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ تُسَمَّى الْبُطَيْحَاءَ وَقَالَ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَلْغَطَ أَوْ يُنْشِدَ شِعْرًا أَوْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ فَلْيَخْرُجْ إِلَى هَذِهِ الرَّحْبَةِ. فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَمِنْ أَيْنَ يَدُلُّ ذَمُّ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى الْجَدَلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ؟ فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ مِنْ خَوَاصِّ الْجَدَلِ الْمَذْمُومِ، أَعْنِي: فِي أَكْثَرِ الْأَمْرِ دُونَ الْفَلَتَاتِ؛ لِأَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ وَالْخُرُوجَ عَنِ الِاعْتِدَالِ فِيهِ نَاشِئٌ عَنِ الْهَوَى فِي الشَّيْءِ الْمُتَكَلَّمِ فِيهِ، وَأَقْرَبُ الْكَلَامِ الْخَاصِّ بِالْمَسْجِدِ إِلَى رَفْعِ الصَّوْتِ، الْكَلَامُ فِيمَا لَمْ يُؤْذَنْ فِيهِ، وَهُوَ الْجِدَالُ الَّذِي نَبَّهَ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ. وَأَيْضًا؛ لَمْ يَكْثُرِ الْكَلَامُ جِدًّا فِي نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِلْمِ فِي الزَّمَانِ الْمُتَقَدِّمِ إِلَّا فِي عِلْمِ الْكَلَامِ، وَإِلَى غَرَضِهِ تَصَوَّبَتْ سِهَامُ النَّقْدِ وَالذَّمِّ، فَهُوَ إِذًا هَوًى. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَيْرَةَ بْنِ أَبِي نَاجِيَةَ الْمِصْرِيِّ أَنَّهُ رَأَى قَوْمًا يَتَعَارُّونَ فِي الْمَسْجِدِ وَقَدْ عَلَتْ أَصْوَاتُهُمْ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ قَوْمٌ قَدْ مَلُّوا الْعِبَادَةَ، وَأَقْبَلُوا

стр. 569

عَلَى الْكَلَامِ، اللَّهُمَّ أَمِتْ عُمَيْرَةَ، فَمَاتَ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ فِي الْحَجِّ، فَرَأَى رَجُلٌ فِي النَّوْمِ قَائِلًا يَقُولُ: مَاتَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ نِصْفُ النَّاسِ فَعَرَفْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَجَاءَ مَوْتُ عُمَيْرَةَ هَذَا. وَالثَّانِي: أَنَّا لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ مُجَرَّدَ رَفْعِ الْأَصْوَاتِ يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا لَكَانَ أَيْضًا مِنَ الْبِدَعِ إِذَا عُدَّ كَأَنَّهُ مِنَ الْجَائِزِ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعِلْمِ فَصَارَ مَعْمُولًا بِهِ لَا نَفْيَ وَلَا يَكُفُّ عَنْهُ فَجَرَى مَجْرَى الْبِدَعِ الْمُحْدَثَاتِ. وَأَمَّا تَقْدِيمُ الْأَحْدَاثِ عَلَى غَيْرِهِمْ، فَمِنْ قَبِيلِ مَا تَقَدَّمَ فِي كَثْرَةِ الْجُهَّالِ وَقِلَّةِ الْعِلْمِ، كَانَ ذَلِكَ التَّقْدِيمُ فِي رَيْبِ الْعِلْمِ أَوْ غَيْرِهِ، لِأَنَّ الْحَدَثَ أَبَدًا أَوْ فِي غَالِبِ الْأَمْرِ غِرٌّ لَمْ يَتَحَنَّكْ، وَلَمْ يَرْتَضْ فِي صِنَاعَةِ رِيَاضَةٍ تُبْلِغُهُ مَبَالِغَ الرَّاسِخِينَ الْأَقْدَامَ فِي تِلْكَ الصِّنَاعَةِ، وَلِذَلِكَ قَالُوا فِي الْمَثَلِ: وَابْنُ اللَّبُونِ إِذَا مَا لَزَّ فِي قَرْنٍ ... لَمْ يَسْتَطِعْ صَوْلَةِ الْبُزْلِ الْقَنَاعِيسِ هَذَا إِنْ حَمْلَنَا عَلَى حَدَاثَةِ السِّنِّ، وَهُوَ نَصٌّ فِي ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، فَإِنْ حَمَلْنَاهُ عَلَى حَدَثَانِ الْعَهْدِ بِالصِّنَاعَةِ، وَيَحْتَمِلُهُ قَوْلُهُ: «وَكَانَ زَعِيمُ الْقَوْمِ أَرْذَلَهُمْ» وَقَوْلُهُ: «وَسَادَ الْقَبِيلَةَ فَاسِقُهُمْ» وَقَوْلُهُ: «إِذَا أُسْنِدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ» فَالْمَعْنَى فِيهَا وَاحِدٌ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ الْعَهْدَ بِالشَّيْءِ لَا يَبْلُغُ مَبَالِغَ الْقَدِيمِ الْعَهْدِ فِيهِ. وَلِذَلِكَ يُحْكَى عَنِ الشَّيْخِ أَبِي مَدْيَنَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْأَحْدَاثِ الَّذِينَ نَهَى شُيُوخُ الصُّوفِيَّةِ عَنْهُمْ، فَقَالَ: الْحَدَثُ الَّذِي لَمْ يَسْتَكْمِلِ الْأَمْرَ بَعْدُ،

стр. 570

وَإِنْ كَانَ ابْنَ ثَمَانِينَ سَنَةً. فَإِذَا تَقْدِيمُ الْأَحْدَاثِ عَلَى غَيْرِهِمْ، مِنْ بَابِ تَقْدِيمِ الْجُهَّالِ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِيهِمْ: سُفَهَاءَ الْأَحْلَامِ وَقَالَ: «يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ» إِلَى آخِرِهِ، وَهُوَ مُنَزَّلٌ عَلَى الْحَدِيثِ الْآخَرِ فِي الْخَوَارِجِ: «إِنَّ مِنْ ضَئْضَئِ هَذَا قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ» إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ، يَعْنِي أَنَّهُمْ لَمْ يَتَفَقَّهُوا فِيهِ، فَهُوَ فِي أَلْسِنَتِهِمْ لَا فِي قُلُوبِهِمْ. وَأَمَّا لَعْنُ آخِرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوَّلَهَا، فَظَاهِرٌ مِمَّا ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ عَنْ بَعْضِ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ، فَإِنَّ الْكَامِلِيَّةَ مَنَ الشِّيعَةِ كَفَّرَتِ الصَّحَابَةَ ﵃، حِينَ لَمْ يَصْرِفُوا الْخِلَافَةَ إِلَى عَلِيٍّ ﵁ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَفَّرَتْ عَلِيًّا ﵁ حِينَ لَمْ يَأْخُذْ بِحَقِّهِ فِيهَا. قَالَ مُصْعَبُ الزُّبَيْرِيِّ وَابْنُ نَافِعٍ: دَخَلَ هَارُونُ (يَعْنِي الرَّشِيدَ) الْمَسْجِدَ فَرَكَعَ، ثُمَّ أَتَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَتَى مَجْلِسَ مَالِكٍ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، ثُمَّ قَالَ لـ مَالِكٍ: هَلْ لِمَنْ سَبَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْفَيْءِ حَقٌّ؟ قَالَ: لَا! وَلَا كَرَامَةَ وَلَا مَسَرَّةَ، قَالَ: مَنْ أَيْنَ قُلْتَ ذَلِكَ؟ قَالَ: قَالَ اللَّهُ : ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩] فَمَنْ عَابَهُمْ فَهُوَ كَافِرٌ، وَلَا حَقَّ لِكَافِرٍ فِي الْفَيْءِ.

стр. 571

وَاحْتَجَّ مَرَّةً أُخْرَى فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨] إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ الثَّلَاثِ قَالَ: فِيهِمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِينَ هَاجَرُوا مَعَهُ، وَأَنْصَارُهُ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠] فَمَنْ عَدَا هَؤُلَاءِ فَلَا حَقَّ لَهُمْ فِيهِ، وَفِي فِعْلِ خَوَاصِّ الْفَرْقِ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرٌ. وَأَمَّا بَعْثُ الدَّجَّالِينَ، فَقَدْ كَانَ ذَلِكَ جُمْلَةً، مِنْهُمْ مَنْ تَقَدَّمَ فِي زَمَانِ بَنِي الْعَبَّاسِ وَغَيْرِهِمْ. وَمِنْهُمْ مَعْدٌ مِنَ الْعُبَيْدِيَةِ الَّذِينَ مَلَكُوا إِفْرِيقِيَّةَ، فَقَدَ حَكَى عَنْهُ أَنَّهُ جَعَلَ الْمُؤَذِّنَ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ مَعْدًا رَسُولَ اللَّهِ، عِوَضًا مِنْ كَلِمَةِ الْحَقِّ أَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَهُمُ الْمُسْلِمُونَ بِقَتْلِهِ ثُمَّ رَفَعُوهُ إِلَى مَعْدٍ لِيَرَوْا هَلْ هَذَا عَنْ أَمْرِهِ؟ فَلَمَّا انْتَهَى كَلَامُهُمْ إِلَيْهِ، قَالَ: أُرْدُدْ عَلَيْهِمْ أَذَانَهُمْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ. وَمَنْ يَدَّعِي لِنَفْسِهِ الْعِصْمَةَ، فَهُوَ شِبْهُ مَنْ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ، وَمَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ بِهِ قَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ، فَقَدْ جَاوَزَ دَعْوَى النُّبُوَّةِ، وَهُوَ الْمَغْرِبِيُّ الْمُتَسَمَّى بِالْمَهْدِيِّ. وَقَدْ كَانَ فِي الزَّمَانِ الْقَرِيبِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْفَازَازِيَّ ادَّعَى النُّبُوَّةَ، وَاسْتَظْهَرَ عَلَيْهَا بِأُمُورٍ مُوهِمَةٍ لِلْكَرَامَاتِ، وَالْإِخْبَارِ بِالْمُغَيَّبَاتِ، وَمُخَيَّلَةٍ

стр. 572

لِخَوَارِقِ الْعَادَاتِ، تَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْعَوَامِّ جُمْلَةً، وَلَقَدْ سَمِعْتُ بَعْضَ طَلَبَةِ ذَلِكَ الْبَلَدَ الَّذِي احْتَلَّهُ هَذَا الْبَائِسُ ـ وَهُوَ مَالِقَةُ ـ آخِذًا يَنْظُرُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] وَهَلْ يُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ؟ وَجَعَلَ يَطْرُقُ إِلَيْهِ الِاحْتِمَالَاتِ، لِيُسَوِّغَ إِمْكَانَ بَعْثِ نَبِيٍّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَكَانَ مَقْتَلُ هَذَا الْمُفْتَرِي عَلَى يَدِ شَيْخِ شُيُوخِنَا أَبِي جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵀. وَلَقَدْ حَكَى بَعْضُ مُؤَلِّفِي الْوَقْتِ قَالَ: حَدَّثَنِي شَيْخُنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنِ الْجَيَّابِ قَالَ: لَمَّا أَمَرَ بِالتَّأَهُّبِ يَوْمَ قَتْلِهِ وَهُوَ فِي السِّجْنِ الَّذِي أُخْرِجَ مِنْهُ إِلَى مَصْرَعِهِ جَهَرَ بِتِلَاوَةِ سُورَةِ يس، فَقَالَ أَحَدُ الزَّعْرَةِ مِمَّنْ جَمَعَ السِّجْنُ بَيْنَهُمَا: اقْرَأْ قُرْآنَكَ، لِأَيِّ شَيْءٍ تَنْفَصِلُ عَلَى قُرْآنِنَا الْيَوْمَ؟ أَوْ فِي مَعْنَى هَذَا، فَتَرَكَهَا مَثَلًا بِلَوْذَعِيَّتِهِ. وَأَمَّا مُفَارَقَةُ الْجَمَاعَةِ، فَبِدْعَتُهَا ظَاهِرَةٌ، وَلِذَلِكَ يُجَازِي مُفَارَقَتَهَا بِالْمِيتَةِ الْجَاهِلِيَّةِ. وَقَدْ ظَهَرَ فِي الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ سَلَكَ مَسْلَكَهُمْ كَالْعُبَيْدِيَّةِ وَأَشْبَاهِهِمْ. فَهَذِهِ أَيْضًا مِنْ جُمْلَةِ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الْأَحَادِيثُ. وَبَاقِي الْخِصَالِ الْمَذْكُورَةِ عَائِدٌ إِلَى نَحْوٍ آخَرَ، كَكَثْرَةِ النِّسَاءِ وَقِلَّةِ الرِّجَالِ، وَتَطَاوُلِ النَّاسِ فِي الْبُنْيَانِ، وَتَقَارُبِ الزَّمَانِ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ أَكْثَرَ الْحَوَادِثِ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَنَّهَا تَقَعُ وَتَظْهَرُ وَتَنْتَشِرُ أُمُورٌ مُبْتَدَعَةٌ عَلَى مُضَاهَاةِ التَّشْرِيعِ، لَكِنْ مِنْ جِهَةِ التَّعَبُّدِ، لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا عَادِيَّةً، وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَعْصِيَةِ الَّتِي هِيَ بِدْعَةٌ،

стр. 573

وَالْمَعْصِيَةِ الَّتِي هِيَ لَيْسَتْ بِبِدْعَةٍ. وَأَنَّ الْعَادِيَّاتِ مِنْ حَيْثُ هِيَ عَادِيَّةٌ لَا بِدْعَةَ فِيهَا، وَمِنْ حَيْثُ يَتَعَبَّدُ بِهَا أَوْ تُوضَعُ وَضْعَ التَّعَبُّدِ تَدْخُلُهَا الْبِدْعَةُ، وَحَصَلَ بِذَلِكَ اتِّفَاقُ الْقَوْلَيْنِ، وَصَارَ الْمَذْهَبَانِ مَذْهَبًا وَاحِدًا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. [فَصْلٌ فُشْوُ الْمَعَاصِي وَالْمُنْكِرَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ وَالْعَمَلُ بِهَا هَلْ يُعَدُّ بِدْعَةً] فَإِنْ قِيلَ: أَمَّا الِابْتِدَاعُ، بِمَعْنَى أَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ التَّشْرِيعِ عَلَى وَجْهِ التَّعَبُّدِ فِي الْعَادِيَاتِ مِنْ حَيْثُ هُوَ تَوْقِيتٌ مَعْلُومٌ مَعْقُولٌ، فَإِيجَابُهُ أَوْ إِجَازَتُهُ بِالرَّأْيِ ـ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَمْثِلَةِ بِدَعِ الْخَوَارِجِ وَمَنْ دَانَاهُمْ مِنَ الْفِرَقِ الْخَارِجِيَّةِ عَنِ الْجَادَّةِ ـ فَظَاهَرَ. وَمِنْ ذَلِكَ، الْقَوْلُ بِالتَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيِّ، وَالْقَوْلِ بِتَرْكِ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. فَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ بِدْعَةٌ قَدْ تَبَيَّنَ وَجْهُهُ وَاتَّضَحَ مَغْزَاهُ، وَإِنَّمَا يَبْقَى وَجْهٌ آخَرُ يُشْبِهُهُ وَلَيْسَ بِهِ، وَهُوَ أَنَّ الْمَعَاصِي وَالْمُنْكِرَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ قَدْ تَظْهَرُ وَتَفْشُو، وَيَجْرِي الْعَمَلُ بِهَا بَيْنَ النَّاسِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقَعُ لَهَا إِنْكَارٌ مِنْ خَاصٍّ وَلَا عَامٍّ، فَمَا كَانَ مِنْهَا هَذَا شَأْنُهُ: هَلْ يُعَدُّ مِثْلُهُ بِدَعَةً أَمْ لَا؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَهَا نَظَرَانِ: أَحَدُهُمَا: نَظَرٌ مِنْ حَيْثُ وُقُوعِهَا وَاعْتِقَادًا فِي الْأَصْلِ، فَلَا شَكَّ أَنَّهَا مُخَالَفَةٌ لَا بِدْعَةٌ، إِذْ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ كَوْنِ الْمَمْنُوعِ وَالْمَكْرُوهِ غَيْرَ بِدْعَةٍ أَنْ لَا يَنْشُرَهَا وَلَا يُظْهِرُهَا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ أَنْ تُنْشَرَ، بَلْ لَا تَزُولُ الْمُخَالَفَةُ ظَهَرَتْ أَوْ لَا، وَاشْتُهِرَتْ أَمْ لَا، وَكَذَلِكَ دَوَامُ الْعَمَلِ أَوْ عَدَمِ دَوَامِهِ لَا يُؤَثِّرُ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَالْمُبْتَدَعُ قَدْ يُقَامُ عَنْ بِدْعَةٍ، وَالْمُخَالِفُ قَدْ يَدُومُ عَلَى

стр. 574

مُخَالَفَتِهِ إِلَى الْمَوْتِ، عِيَاذًا بِاللَّهِ. وَالثَّانِي: نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ مَا يَقْتَرِنُ بِهَا مِنْ خَارِجٍ، فَالْقَرَائِنُ قَدْ تَقْتَرِنُ، فَتَكُونُ سَبَبًا فِي مَفْسَدَةٍ حَالِيَّةٍ، وَفِي مَفْسَدَةٍ مَالِيَّةٍ، كِلَاهُمَا رَاجِعٌ إِلَى اعْتِقَادِ الْبِدْعَةِ. أَمَّا الْحَالِيَّةُ فَبِأَمْرَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَعْمَلَ بِهَا الْخَوَاصُّ مِنَ النَّاسِ عُمُومًا، وَخَاصَّةً الْعُلَمَاءَ خُصُوصًا، وَتَظْهَرُ مِنْ جِهَتِهِمْ. وَهَذِهِ مَفْسَدَةٌ فِي الْإِسْلَامِ يَنْشَأُ عَنْهَا عَادَةً مِنْ جِهَةِ الْعَوَامِّ اسْتِسْهَالِهَا وَاسْتِجَازَتِهَا، لِأَنَّ الْعَالِمَ الْمُنْتَصِبَ مُفْتِيًا لِلنَّاسِ بِعَمَلِهِ كَمَا هُوَ مُفْتٍ بِقَوْلِهِ. فَإِذَا نَظَرَ إِلَيْهِ النَّاسُ يَعْمَلُ مَا يَأْمُرُ هُوَ بِمُخَالَفَتِهِ حَصَلَ فِي اعْتِقَادِهِمْ جَوَازُهُ، وَيَقُولُونَ: لَوْ كَانَ مَمْنُوعًا أَوْ مَكْرُوهًا لَامْتَنَعَ مِنْهُ الْعَالَمُ. هَذَا، وَإِنْ نَصَّ عَلَى مَنْعِهِ أَوْ كَرَاهَتِهِ، فَإِنَّ عَمَلَهُ مُعَارِضٌ لِقَوْلِهِ، فَإِمَّا أَنْ يَقُولَ الْعَامِّيُّ: إِنَّ الْعَالِمَ خَالَفَ بِذَلِكَ، وَيَجُوزُ عَلَيْهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَهُمْ عُقَلَاءُ النَّاسُ، وَهُمُ الْأَقَلُّونَ. وَإِمَّا أَنْ يَقُولَ: أَنَّهُ وَجَدَ فِيهِ رُخْصَةً، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ كَمَا قَالَ لَمْ يَأْتِ بِهِ فَيُرَجِّحُ بَيْنَ قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ. وَالْفِعْلُ أَغْلَبُ مِنَ الْقَوْلِ فِي جِهَةِ التَّأَسِّي ـ كَمَا تَبَيَّنَ فِي كِتَابِ " الْمُوَافَقَاتِ " ـ فَيَعْمَلُ الْعَامِّيُّ بِعَمَلِ الْعَالِمِ، تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِهِ، فَيَعْتَقِدُهُ جَائِزًا، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْأَكْثَرُونَ. فَقَدْ صَارَ عَمَلُ الْعَالِمِ عِنْدَ الْعَامِّيِّ حُجَّةً، كَمَا كَانَ قَوْلُهُ حُجَّةً عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْعُمُومِ فِي الْفُتْيَا، فَاجْتَمَعَ عَلَى الْعَامِّيِّ الْعَمَلُ مَعَ اعْتِقَادِ الْجَوَازِ بِشُبْهَةِ دَلِيلٍ، وَهَذَا عَيْنُ الْبِدْعَةِ.

стр. 575

بَلْ لَقَدْ وَقَعَ مِثْلُ هَذَا فِي طَائِفَةٍ مِمَّنْ تَتَمَيَّزُ عَنِ الْعَامَّةِ بِانْتِصَابٍ فِي رُتْبَةِ الْعُلَمَاءِ، فَجَعَلُوا الْعَمَلَ بِبِدْعَةِ الدُّعَاءِ بِهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِ فِي آثَارِ الصَّلَوَاتِ، وَقِرَاءَةِ الْحِزْبِ حُجَّةٌ فِي جَوَازِ الْعَمَلِ بِالْبِدَعِ فِي الْجُمْلَةِ، وَأَنَّ مِنْهَا مَا هُوَ حَسَنٌ، وَكَانَ مِنْهُمْ مَنِ ارْتَسَمَ فِي طَرِيقَةِ التَّصَوُّفِ فَأَجَازَ التَّعَبُّدَ لِلَّهِ بِالْعِبَادَاتِ الْمُبْتَدَعَةِ، وَاحْتَجَّ بِالْحِزْبِ وَالدُّعَاءِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَمِنْهُمْ مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ مَا عَمِلَ بِهِ إِلَّا لِمُسْتَنَدٍ، فَوَضَعَهُ فِي كِتَابٍ وَجَعَلَهُ فِقْهًا كَبَعْضِ أَمَارِيدِ الرَّسِّ مِمَّنْ قَيَّدَ عَلَى الْأُمَّةِ ابْنَ زَيْدٍ. وَأَصِلُ جَمِيعَ ذَلِكَ سُكُوتُ الْخَوَاصِّ عَنِ الْبَيَانِ، وَالْعَمَلِ بِهِ عَلَى الْغَفْلَةِ، وَمِنْ هُنَا تُسْتَشْنَعُ زَلَّةُ الْعَالِمِ، فَقَدْ قَالُوا: ثَلَاثٌ تَهْدُمُ الدِّينَ: زَلَّةُ الْعَالِمِ، وَجِدَالُ مُنَافِقٍ بِالْقُرْآنِ، وَأَئِمَّةٌ ضَالُّونَ. وَكُلُّ ذَلِكَ عَائِدٌ وَبَالُهُ عَلَى الْعَالَمِ، وَزَلَلُهُ الْمَذْكُورُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: زَلَلُهُ فِي النَّظَرِ حَتَّى يُفْتِيَ بِمَا خَالَفَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فَيُتَابِعُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ الْفُتْيَا بِالْقَوْلِ.

стр. 576

وَالثَّانِي مِنْ قِسْمَيِ الْمُفْسِدَةِ الْحَالِيَّةِ: أَنْ يَعْمَلَ بِهَا الْعَوَّامُّ وَتُشِيعَ فِيهِمْ وَتَظْهَرَ فَلَا يُنْكِرُهَا الْخَوَاصُّ وَلَا يَرْفَعُونَ لَهَا رُءُوسَهُمْ وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى الْإِنْكَارِ فَلَمْ يَفْعَلُوا، فَالْعَامِّيُّ مِنْ شَأْنِهِ إِذَا رَأَى أَمْرًا يَجْهَلُ حُكْمَهُ يَعْمَلُ الْعَامِلُ بِهِ فَلَا يُنْكِرُهَا عَلَيْهِ، اعْتَقِدُ أَنَّهُ جَائِزٌ وَأَنَّهُ حَسَنٌ، أَوْ أَنَّهُ مَشْرُوعٌ بِخِلَافِ مَا إِذَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ عَيْبٌ، أَوْ أَنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٌ، أَوْ أَنَّهُ لَيْسَ مَنْ فِعْلِ الْمُسْلِمِينَ. هَذَا أَمْرٌ يَلْزَمُ مَنْ لَيْسَ بِعَالِمٍ بِالشَّرِيعَةِ، لِأَنَّ مُسْتَنَدَهُ الْخَوَاصَّ وَالْعُلَمَاءَ فِي الْجَائِزِ أَوْ غَيْرِ الْجَائِزِ. فَإِذَا عَدِمَ الْإِنْكَارَ مِمَّنْ شَأْنُهُ الْإِنْكَارُ، مَعَ ظُهُورِ الْعَمَلِ وَانْتِشَارِهِ وَعَدَمِ خَوْفِ الْمُنْكِرِ وَوُجُودِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، دَلَّ عِنْدَ الْعَوَامِّ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ جَائِزٌ لَا حَرَجَ فِيهِ، فَنَشَأَ فِيهِ هَذَا الِاعْتِقَادُ الْفَاسِدُ بِتَأْوِيلٍ يَقْنَعُ بِمِثْلِهِ مَنْ كَانَ مِنَ الْعَوَامِّ فَصَارَتِ الْمُخَالَفَةُ بِدَعَةً، كَمَا فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْعَالِمَ فِي النَّاسِ قَائِمٌ مَقَامَ النَّبِيِّ ﵊، وَالْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، فَكَمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَدُلُّ عَلَى الْأَحْكَامِ بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ وَإِقْرَارِهِ، كَذَلِكَ وَارِثُهُ يَدُلُّ عَلَى الْأَحْكَامِ بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ وَإِقْرَارِهِ. وَاعْتَبَرَ ذَلِكَ بِبَعْضِ مَا أَحْدَثَ فِي الْمَسَاجِدِ مِنَ الْأُمُورِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا فَلَمْ يُنْكِرْهَا الْعُلَمَاءُ، أَوْ عَمِلُوا بِهَا فَصَارَتْ بَعْدُ سُنَنًا وَمَشْرُوعَاتِ، كَزِيَادَتِهِمْ مَعَ الْآذَانِ: أَصْبَحَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَالْوُضُوءُ لِلصَّلَاةِ

стр. 577

وَتَأَهَّبُوا، وَدُعَاءُ الْمُؤَذِّنِينَ بِاللَّيْلِ فِي الصَّوَامِعِ، وَرُبَّمَا احْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ وَبِمَا وُضِعَ فِي نَوَازِلِ ابْنِ سَهْلٍ غَفْلَةً عَمَّا أُخِذَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَقَدْ قَيَّدْنَا فِي ذَلِكَ جُزْءًا مُفْرَدًا فَمَنْ أَرَادَ الشِّفَاءَ فِي الْمَسْأَلَةِ فَعَلَيْهِ بِهِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ [أَبِي عُمَيْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنَ الْأَنْصَارِ، قَالَ]: «اهْتَمَّ النَّبِيُّ ﷺ لِلصَّلَاةِ كَيْفَ يَجْمَعُ النَّاسَ لَهَا، فَقِيلَ: انْصِبْ رَايَةً عِنْدَ حُضُورِ الصَّلَاةِ فَإِذَا رَأَوْهَا أَذِنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. فَلَمْ يُعْجِبْهُ ذَلِكَ ـ قَالَ ـ فَذَكَرَ لَهُ الْقِنْعَ، يَعْنِي الشَّبُّورَ، وَفِي رِوَايَةٍ شَبُّورَ الْيَهُودِ فَلَمْ يُعْجِبْهُ، وَقَالَ: هُوَ مِنْ أَمْرِ الْيَهُودِ، قَالَ: فَذُكِرَ لَهُ النَّاقُوسُ، فَقَالَ: هُوَ مِنْ أَمْرِ النَّصَارَى، فَانْصَرَفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبَدِ رَبِّهِ وَهُوَ مُهْتَمٌّ لِهَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأُرِيَ الْأَذَانَ فِي مَنَامِهِ» إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ. وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: «ذَكَرُوا أَنْ يُعَلِّمُوا وَقْتَ الصَّلَاةِ بِشَيْءٍ يَعْرِفُونَهُ، فَذَكَرُوا أَنْ يُنَوِّرُوا نَارًا، أَوْ يَضْرِبُوا نَاقُوسًا فَأُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَيُوَتِرَ الْإِقَامَةَ». وَالْقَنْعُ وَالشَّبُّورُ ـ هُوَ الْبُوقُ ـ وَهُوَ الْقَرْنُ الَّذِي وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄. فَأَنْتَ تَرَى كَيْفَ كَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ شَأْنَ الْكُفَّارِ فَلَمْ يَعْمَلْ عَلَى مُوَافَقَتِهِ. فَكَانَ يَنْبَغِي لِمَنِ اتَّسَمَ بِسِمَةِ الْعِلْمِ أَنْ يُنْكِرَ مَا أَحْدَثَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْمَسَاجِدِ إِعْلَامًا بِالْأَوْقَاتِ أَوْ غَيْرَ إِعْلَامٍ بِهَا،

стр. 578

أَمَّا الرَّايَةُ فَقَدْ وُضِعَتْ إِعْلَامًا بِالْأَوْقَاتِ، وَذَلِكَ شَائِعٌ فِي بِلَادِ الْمَغْرِبِ، حَتَّى إِنَّ الْأَذَانَ مَعَهَا قَدْ صَارَ فِي حُكْمِ التَّبَعِ. وَأَمَّا الْبُوقُ، فَهُوَ الْعَلَمُ فِي رَمَضَانَ عَلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَدُخُولِ وَقْتِ الْإِفْطَارِ، ثُمَّ هُوَ عَلَمٌ أَيْضًا بِالْمَغْرِبِ وَالْأَنْدَلُسِ عَلَى وَقْتِ السُّحُورِ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً، وَالْحَدِيثُ قَدْ جُعِلَ عَلَمًا لِانْتِهَاءِ نِدَاءِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ. وَفِي مُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ: «لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ نِدَاءُ بِلَالٍ مِنْ سَحُورِهِ فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ لِيُرْجِعَ قَائِمَكُمْ وَيُوقِظَ نَائِمَكُمْ» الْحَدِيثَ. فَقَدْ جَعَلَ أَذَانَ بِلَالٍ لِأَنْ يَنْتَبِهَ النَّائِمُ لِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ سَحُورِهِ وَغَيْرِهِ، فَالْبُوقُ، مَا شَأْنُهُ؟ وَقَدْ كَرِهَهُ ﵊، وَمِثْلُهُ النَّارُ الَّتِي تُرْفَعُ دَائِمًا فِي أَوْقَاتِ اللَّيْلِ وَبِالْعَشَاءِ وَالصُّبْحِ فِي رَمَضَانَ أَيْضًا، إِعْلَامًا بِدُخُولِهِ، فَتُوقَدُ فِي دَاخِلِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ فِي وَقْتِ السُّحُورِ، ثُمَّ تُرْفَعُ فِي الْمَنَارِ إِعْلَامًا بِالْوَقْتِ، وَالنَّارُ شِعَارُ الْمَجُوسِ فِي الْأَصْلِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ الْبَخُورَ فِي الْمَسْجِدِ بَنُو بَرْمَكَ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ ـ مَلَّكَهُمَا الْوَالِي أَمْرَ الدِّينِ فَكَانَ

стр. 579

مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ حَاجِبًا وَيَحْيَى وَزِيرًا ثُمَّ ابْنُهُ جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى ـ قَالَ ـ وَكَانُوا بَاطِنِيَّةً يَعْتَقِدُونَ آرَاءَ الْفَلَاسِفَةِ، فَأَحْيَوُا الْمَجُوسِيَّةَ، وَاتَّخَذُوا الْبَخُورَ فِي الْمَسَاجِدِ ـ وَإِنَّمَا تَطِيبُ بِالْخَلُوقِ ـ فَزَادُوا التَّجْمِيرَ وَيُعَمِّرُونَهَا بِالنَّارِ مَنْقُولَةً حَتَّى يَجْعَلُوهَا عِنْدَ الْأَنْدَلُسِ بِبَخُورِهَا ثَابِتَةً. انْتَهَى. وَحَاصِلُهُ أَنَّ النَّارَ لَيْسَ إِيقَادُهَا فِي الْمَسَاجِدِ مِنْ شَأْنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَلَا كَانَتْ مِمَّا تُزَيَّنُ بِهَا الْمَسَاجِدُ أَلْبَتَّةَ، ثُمَّ أُحْدِثَ التَّزْيِينُ بِهَا حَتَّى صَارَتْ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُعَظَّمُ بِهِ رَمَضَانُ، وَاعْتَقَدَ الْعَامَّةُ هَذَا كَمَا اعْتَقَدُوا طَلَبَ الْبُوقِ فِي رَمَضَانَ فِي الْمَسَاجِدِ، حَتَّى لَقَدْ سَأَلَ بَعْضٌ عَنْهُ: أَهُوَ سُنَّةٌ أَمْ لَا؟ وَلَا يَشُكُّ أَحَدٌ أَنَّ غَالِبَ الْعَوَامِّ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْأُمُورِ مَشْرُوعَةٌ عَلَى الْجُمْلَةِ فِي الْمَسَاجِدِ، وَذَلِكَ بِسَبَبِ تَرْكِ الْخَوَاصِّ الْإِنْكَارَ عَلَيْهِمْ. وَكَذَلِكَ أَيْضًا لَمَّا لَمْ يُتَّخَذِ النَّاقُوسُ لِلْإِعْلَامِ، حَاوَلَ الشَّيْطَانُ فِيهِ بِمَكِيدَةٍ أُخْرَى فَعُلِّقَ بِالْمَسَاجِدِ وَاعْتُدَّ بِهِ فِي جُمْلَةِ الْالَآتِ الَّتِي تُوقَدُ عَلَيْهَا النِّيرَانَ وَتُزَخْرَفُ بِهَا الْمَسَاجِدُ، زِيَادَةً إِلَى زَخْرَفَتِهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ، كَمَا تُزَخْرَفُ الْكَنَائِسُ وَالْبِيَعُ. وَمِثْلُهُ إِيقَادُ الشَّمْعِ بِعَرَفَةَ لَيْلَةَ الثَّامِنِ، ذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّهَا مِنَ الْبِدَعِ الْقَبِيحَةِ، وَأَنَّهَا ضَلَالَةٌ فَاحِشَةٌ جُمِعَ فِيهَا أَنْوَاعٌ مِنَ الْقَبَائِحِ. مِنْهَا إِضَاعَةُ الْمَالِ فِي غَيْرِ وَجْهِهِ، وَمِنْهَا إِظْهَارُ شَعَائِرِ الْمَجُوسِ، وَمِنْهَا اخْتِلَاطُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالشَّمْعُ بَيْنَهُمْ وَوُجُوهُهُمْ بَارِزَةٌ، وَمِنْهَا تَقْدِيمُ دُخُولِ عَرَفَةَ قَبْلَ وَقْتِهَا الْمَشْرُوعِ. اهـ.

стр. 580

وَقَدْ ذَكَرَ الطَّرْطُوشِيُّ فِي إِيقَادِ الْمَسَاجِدِ فِي رَمَضَانَ بَعْضَ هَذِهِ الْأُمُورِ وَذَكَرَ أَيْضًا قَبَائِحَ سِوَاهَا. فَأَيْنَ هَذَا كُلُّهُ مِنْ إِنْكَارِ مَالِكٍ لِتَنَحْنُحِ الْمُؤَذِّنِ أَوْ ضَرْبِهِ الْبَابَ لِيُعْلِمَ بِالْفَجْرِ، أَوْ وَضْعِ الرِّدَاءِ؟ وَهُوَ أَقْرَبُ مَرَامًا وَأَيْسَرُ خَطْبًا مِنْ أَنْ تُنْشَأَ بِدَعٌ مُحْدَثَاتٌ، يَعْتَقِدُهَا الْعَوَامُّ سُنَنًا بِسَبَبِ سُكُوتِ الْعُلَمَاءِ وَالْخَوَاصِّ عَنِ الْإِنْكَارِ وَسَبَبِ عَمَلِهِمْ بِهَا.؟! وَأَمَّا الْمَفْسَدَةُ الْمَالِيَّةُ فَهِيَ عَلَى فَرْضِ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ عَامِلِينَ بِحُكْمِ الْمُخَالَفَةِ، وَأَنَّهَا قَدْ يَنْشَأُ الصَّغِيرُ عَلَى رُؤْيَتِهَا وَظُهُورِهَا، وَيَدْخُلُ فِي الْإِسْلَامِ أَحَدٌ مِمَّنْ يَرَاهَا شَائِعَةً ذَائِعَةً فَيَعْتَقِدُونَهَا جَائِزَةً أَوْ مَشْرُوعَةً. لِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ إِذَا فَشَا فِي النَّاسِ فِعْلُهَا مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ، لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْجَاهِلِ بِهَا فَرْقٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَائِرِ الْمُبَاحَاتِ أَوِ الطَّاعَاتِ. وَعِنْدَنَا كَرَاهِيَةُ الْعُلَمَاءِ أَنْ يَكُونَ الْكُفَّارُ صَيَارِفَةً فِي أَسْوَاقِ الْمُسْلِمِينَ لِعَمَلِهِمْ بِالرِّبَا، فَكُلُّ مَنْ يَرَاهُمْ مِنَ الْعَامَّةِ صَيَارِفَ وَتُجَّارًا فِي أَسْوَاقِنَا مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ يَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ كَذَلِكَ. وَأَنْتَ تَرَى مَذْهَبَ مَالِكٍ الْمَعْرُوفَ فِي بِلَادِنَا أَنَّ الْحُلِيَّ الْمَصْنُوعَ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِجِنْسِهِ إِلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ، وَلَا اعْتِبَارَ بِقِيمَةِ الصِّيَاغَةِ أَصْلًا، وَالصَّاغَةُ عِنْدَنَا كُلُّهُمْ أَوْ غَالِبُهُمْ يَتَبَايَعُونَ عَلَى ذَلِكَ أَنْ يَسْتَفْضِلُوا قِيمَةَ الصِّيَاغَةِ أَوْ إِجَارَتَهَا، وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُمْ!

стр. 581

وَلَمْ يَزَلِ الْعُلَمَاءُ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ يَتَحَفَّظُونَ مِنْ أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، حَتَّى كَانُوا يَتْرُكُونَ السُّنَنَ، خَوْفًا مِنِ اعْتِقَادِ الْعَوَامِّ أَمْرًا هُوَ أَشَدُّ مِنْ تَرْكِ السُّنَنِ، وَأَوْلَى أَنْ يَتْرُكُوا الْمُبَاحَاتِ أَنْ لَا يُعْتَقَدَ فِيهَا أَمْرٌ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ، وَقَدْ مَرَّ بَيَانُ هَذَا فِي بَابِ الْبَيَانِ مِنْ كِتَابِ الْمُوَافَقَاتِ. فَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ كَانَ لَا يَقْصُرُ فِي السَّفَرِ فَيُقَالُ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ قَصَرْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَيَقُولُ: بَلَى وَلَكِنِّي إِمَامُ النَّاسِ فَيَنْظُرُ إِلَيَّ الْأَعْرَابُ وَأَهْلُ الْبَادِيَةِ أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فَيَقُولُونَ: هَكَذَا فُرِضَتْ. قَالَ الطَّرْطُوشِيُّ: تَأَمَّلُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ! فَإِنَّ فِي الْقَصْرِ قَوْلَيْنِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ: مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: فَرِيضَةٌ، وَمَنْ أَتَمَّ فَإِنَّمَا يُتِمُّ وَيُعِيدُ أَبَدًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: سُنَّةٌ، يُعِيدُ مَنْ أَتَمَّ فِي الْوَقْتِ، ثُمَّ اقْتَحَمَ عُثْمَانُ تَرْكَ الْفَرْضِ أَوِ السُّنَّةِ لَمَّا خَافَ مِنْ سُوءِ الْعَاقِبَةِ أَنْ يَعْتَقِدَ النَّاسُ أَنَّ الْفَرْضَ رَكْعَتَانِ. وَكَانَ الصَّحَابَةُ ﵃ لَا يُضَحُّونَ (يَعْنِي أَنَّهُمْ لَا يَلْتَزِمُونَ الْأُضْحِيَّةَ). قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ أَسَدٍ: شَهِدْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ لَا يُضَحِّيَانِ مَخَافَةَ أَنْ يُرَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ. وَقَالَ بِلَالٌ: لَا أُبَالِي أَنْ أُضَحِّيَ بِكَبْشَيْنِ أَوْ بِدِيكٍ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ كَانَ يَشْتَرِي لَحْمًا بِدِرْهَمٍ يَوْمَ الْأَضْحَى، وَيَقُولُ لِعِكْرِمَةَ: مَنْ سَأَلَكَ فَقُلْ هَذِهِ أُضْحِيَّةُ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِنِّي لَأَتْرُكُ أُضْحِيَّتِي ـ وَإِنِّي لَمِنْ أَيْسَرِكُمْ ـ مَخَافَةَ أَنْ يُظَنَّ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ.

стр. 582

وَقَالَ طَاوُسٌ: مَا رَأَيْتُ بَيْتًا أَكْثَرَ لَحْمًا وَخُبْزًا وَعِلْمًا مِنْ بَيْتِ ابْنِ عَبَّاسٍ، يَذْبَحُ وَيَنْحَرُ كُلَّ يَوْمٍ، ثُمَّ لَا يَذْبَحُ يَوْمَ الْعِيدِ. وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ لِئَلَّا يَظُنَّ النَّاسُ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ. وَكَانَ إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ. قَالَ الطَّرْطُوشِيُّ: وَالْقَوْلُ فِي هَذَا كَالَّذِي قَبْلَهُ، وَإِنَّ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ قَوْلَيْنِ فِي الْأُضْحِيَّةِ. أَحَدُهُمَا سُنَّةٌ، وَالثَّانِي وَاجِبَةٌ، ثُمَّ اقْتَحَمَتِ الصَّحَابَةُ تَرْكَ السُّنَّةِ حَذَرًا مِنْ أَنْ يَضَعَ النَّاسُ الْأَمْرَ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ فَيَعْتَقِدُونَهَا فَرِيضَةً. قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ فِي صِيَامِ سِتَّةٍ بَعْدَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ: أَنَّهُ لَمْ يَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ يَصُومُهَا. قَالَ: وَلَمْ يَبْلُغْنِي ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ، وَأَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ يَكْرَهُونَ ذَلِكَ وَيَخَافُونَ بِدْعَتَهُ، وَأَنْ يُلْحِقَ أَهْلُ الْجَهَالَةِ وَالْجَفَاءِ بِرَمَضَانَ مَا لَيْسَ مِنْهُ لَوْ رَأَوْا فِي ذَلِكَ رُخْصَةً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَرَأَوْهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ. فَكَلَامُ مَالِكٍ هُنَا لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْفَظِ الْحَدِيثَ كَمَا تَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ، بَلْ لَعَلَّ كَلَامَهُ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ يَعْلَمُهُ، لَكِنَّهُ لَمْ يَرَ الْعَمَلَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مُسْتَحَبًّا فِي الْأَصْلِ، لِئَلَّا يَكُونَ ذَرِيعَةً لِمَا قَالَ، كَمَا فَعَلَ الصَّحَابَةُ ﵃ فِي الْأُضْحِيَّةِ، وَعُثْمَانُ فِي الْإِتْمَامِ فِي السَّفَرِ. وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ مَا هُوَ أَغْرَبُ مِنْ هَذَا وَإِنْ كَانَ هُوَ الْأَصْلَ، فَذَكَرَ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا إِذَا صَلَّوْا فِي الصَّحْنِ مِنْ جَامِعِ الْبَصْرَةِ أَوِ الطُّرْقَةِ وَرَفَعُوا مِنَ السُّجُودِ مَسَحُوا جِبَاهَهُمْ مِنَ التُّرَابِ، لِأَنَّهُ كَانَ مَفْرُوشًا، فَأَمَرَ زِيَادٌ بِإِلْقَاءِ الْحَصَا فِي صَحْنِ الْمَسْجِدِ، وَقَالَ: لَسْتُ آمَنُ مِنْ أَنْ يَطُولَ

стр. 583

الزَّمَانُ فَيَظُنُّ الصَّغِيرُ إِذَا نَشَأَ أَنَّ مَسْحَ الْجَبْهَةِ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ سُنَّةٌ فِي الصَّلَاةِ، وَهَذَا فِي مُبَاحٍ، فَكَيْفَ بِهِ فِي الْمَكْرُوهِ أَوِ الْمَمْنُوعِ؟ وَلَقَدْ بَلَغَنِي فِي هَذَا الزَّمَانِ عَنْ بَعْضِ مَنْ هُوَ حَدِيثُ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ أَنَّهُ قَالَ فِي الْخَمْرِ: لَيْسَتْ بِحَرَامٍ وَلَا عَيْبَ فِيهَا، وَإِنَّمَا الْعَيْبُ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا مَا لَا يَصْلُحُ كَالْقَتْلِ وَشِبْهِهِ. وَهَذَا الِاعْتِقَادُ لَوْ كَانَ مِمَّنْ نَشَأَ فِي الْإِسْلَامِ كَانَ كُفْرًا، لِأَنَّهُ إِنْكَارٌ لِمَا عُلِمَ مِنْ دِينِ الْأُمَّةِ ضَرُورَةً. وَسَبَبُ ذَلِكَ تَرْكُ الْإِنْكَارِ مِنَ الْوُلَاةِ عَلَى شَارِبِهَا، وَالتَّخْلِيَةُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اقْتِنَائِهَا، وَشُهْرَتُهُ بِحَارَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِيهَا، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ. وَلَا مَعْنَى لِلْبِدْعَةِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ فِي اعْتِقَادِ الْمُبْتَدِعِ مَشْرُوعًا وَلَيْسَ بِمَشْرُوعٍ. وَهَذَا الْحَالُ مُتَوَقَّعٌ أَوْ وَاقِعٌ، فَقَدْ حَكَى الْقَرَافِيُّ عَنِ الْعَجَمِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ السِّتَّةَ الْأَيَّامِ مِنْ شَوَّالٍ مُلْحَقَةٌ عِنْدَهُمْ بِرَمَضَانَ، لِإِبْقَائِهِمْ حَالَةَ رَمَضَانَ الْخَاصَّةَ بِهِ كَمَا هِيَ إِلَى تَمَامِ السِّتَّةِ الْأَيَّامَ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ عِنْدَنَا مِثْلُهُ، وَقَدْ مَرَّ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ. وَجَمِيعُ هَذَا مَنُوطٌ إِثْمُهُ بِمَنْ يَتْرُكُ الْإِنْكَارَ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَوْ غَيْرِهِمْ، أَوْ مَنْ يَعْمَلُ بِبَعْضِهَا بِمَرْأَى مِنَ النَّاسِ أَوْ فِي مَوَاقِعِهِمْ، فَإِنَّهُمُ الْأَصْلُ فِي انْتِشَارِ هَذِهِ الِاعْتِقَادَاتِ فِي الْمَعَاصِي أَوْ غَيْرِهَا. [نُشُوءُ الْبِدَعِ] وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَالْبِدْعَةُ تَنْشَأُ عَنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ.

стр. 584

أَحَدُهَا: وَهُوَ أَظْهَرُ الْأَقْسَامِ ـ أَنْ يَخْتَرِعَهَا الْمُبْتَدِعُ. وَالثَّانِي: أَنْ يَعْمَلَ بِهَا الْعَالِمُ عَلَى وَجْهِ الْمُخَالَفَةِ، فَيَفْهَمَهَا الْجَاهِلُ مَشْرُوعَةً. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَعْمَلَ بِهَا الْجَاهِلُ مَعَ سُكُوتِ الْعَالِمِ عَنِ الْإِنْكَارِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ، فَيَفْهَمَ الْجَاهِلُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمُخَالَفَةٍ. وَالرَّابِعُ: مِنْ بَابِ الذَّرَائِعِ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ فِي أَصْلِهِ مَعْرُوفًا، إِلَّا أَنَّهُ يَتَبَدَّلُ الِاعْتِقَادُ فِيهِ مَعَ طُولِ الْعَهْدِ بِالذِّكْرَى. إِلَّا أَنَّ هَذِهِ الْأَقْسَامَ لَيْسَتْ عَلَى وِزَانٍ وَاحِدٍ، وَلَا يَقَعُ اسْمُ الْبِدْعَةِ عَلَيْهَا بِالتَّوَاطُؤِ، بَلْ هِيَ فِي الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ عَلَى تَفَاوُتٍ: - فَالْأَوَّلُ هُوَ الْحَقِيقُ بِاسْمِ الْبِدْعَةِ، فَإِنَّهَا تُؤْخَذُ عِلَّةً بِالنَّصِّ عَلَيْهَا. - وَيَلِيهِ الْقِسْمُ الثَّانِي، فَإِنَّ الْعَمَلَ يُشْبِهُهُ التَّنْصِيصُ بِالْقَوْلِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ أَبْلَغَ مِنْهُ فِي مَوَاضِعَ ـ كَمَا تَبَيَّنَ فِي الْأُصُولِ ـ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْزِلُ هَاهُنَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ مَنْزِلَةَ الدَّلِيلِ، إِذِ الْعَالِمُ قَدْ يَعْمَلُ وَيَنُصُّ عَلَى قُبْحِ عَمَلِهِ، وَلِذَلِكَ قَالُوا: لَا تَنْظُرْ إِلَى عَمَلِ الْعَالِمِ، وَلَكِنْ سَلْهُ يَصْدُقْكَ. وَقَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ أَوْ غَيْرُهُ: اعْمَلْ بِعِلْمِي وَلَا تَنْظُرْ إِلَى عَمَلِي يَنْفَعْكَ عِلْمِي وَلَا يَضْرُرْكَ تَقْصِيرِي وَيَلِيهِ الْقِسْمُ الثَّالِثُ: فَإِنَّ تَرْكَ الْإِنْكَارِ ـ مَعَ أَنَّ رُتْبَةَ الْمُنْكِرِ رُتْبَةُ مَنْ يُعَدُّ ذَلِكَ مِنْهُ إِقْرَارًا ـ يَقْتَضِي أَنَّ الْفِعْلَ غَيْرُ مُنْكَرٍ، وَلَكِنْ يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ مَا قَبْلَهُ، لِأَنَّ الصَّوَارِفَ لِلْقُدْرَةِ كَثِيرَةٌ، قَدْ يَكُونُ التَّرْكُ لِعُذْرٍ بِخِلَافِ الْفِعْلِ، فَإِنَّهُ لَا عُذْرَ فِي فِعْلِ الْإِنْسَانِ بِالْمُخَالَفَةِ مَعَ عِلْمِهِ بِكَوْنِهِ مُخَالَفَةً.

стр. 585

وَيَلِيهِ الْقِسْمُ الرَّابِعُ، لِأَنَّ الْمَحْظُورَ الْحَالِيَّ فِيمَا تَقَدَّمَ غَيْرُ وَاقِعٍ فِيهِ بِالْعَرْضِ، فَلَا تَبْلُغُ الْمَفْسَدَةُ الْمُتَوَقَّعَةُ أَنْ تَعَدَّى رُتْبَةَ الْوَاقِعَةِ أَصْلًا، فَلِذَلِكَ كَانَتْ مِنْ بَابِ الذَّرَائِعِ، فَهِيَ إِذًا لَمْ تَبْلُغْ أَنْ تَكُونَ فِي الْحَالِ بِدْعَةً، فَلَا تَدْخُلُ بِهَذَا النَّظَرِ تَحْتَ حَقِيقَةِ الْبِدْعَةِ. وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ؛ فَالْمُخَالَفَةُ فِيهِ بِالذَّاتِ، وَالْبِدْعَةُ مِنْ خَارِجٍ، إِلَّا أَنَّهَا لَازِمَةٌ لُزُومًا عَادِيًّا، وَلُزُومُ الثَّانِي أَقْوَى مِنْ لُزُومِ الثَّالِثِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 586

[الْبَابُ الثَّامِنُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْبِدَعِ وَالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ وَالِاسْتِحْسَانِ] [كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَدُّوا أَكْثَرَ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ بِدَعًا وَنَسَبُوهَا إِلَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ] هَذَا الْبَابُ يُضْطَرُّ إِلَى الْكَلَامِ فِيهِ عِنْدَ النَّظَرِ فِيمَا هُوَ بِدْعَةٌ وَمَا لَيْسَ بِبِدْعَةٍ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَدُّوا أَكْثَرَ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ بِدَعًا، وَنَسَبُوهَا إِلَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَجَعَلُوهَا حُجَّةً فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنْ اخْتِرَاعِ الْعِبَادَاتِ. وَقَوْمٌ جَعَلُوا الْبِدَعَ تَنْقَسِمُ بِأَقْسَامِ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، فَقَالُوا: إِنَّ مِنْهَا مَا هُوَ وَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ، وَعَدُّوا مِنَ الْوَاجِبِ كَتْبَ الْمُصْحَفِ وَغَيْرِهِ، وَمِنَ الْمَنْدُوبِ الِاجْتِمَاعُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ الْمَصَالِحَ الْمُرْسَلَةَ يَرْجِعُ مَعْنَاهَا إِلَى اعْتِبَارِ الْمُنَاسِبِ الَّذِي لَا يَشْهَدُ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ، فَلَيْسَ لَهُ عَلَى هَذَا شَاهِدٌ شَرْعِيٌّ عَلَى الْخُصُوصِ، وَلَا كَوْنُهُ قِيَاسًا بِحَيْثُ إِذَا عُرِضَ عَلَى الْعُقُولِ تَلَقَّتْهُ بِالْقَبُولِ. وَهَذَا بِعَيْنِهِ مَوْجُودٌ فِي الْبِدَعِ الْمُسْتَحْسَنَةِ، فَإِنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى أُمُورٍ فِي الدِّينِ مَصْلَحِيَّةٍ ـ فِي زَعْمِ وَاضِعِيهَا ـ فِي الشَّرْعِ عَلَى الْخُصُوصِ وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنْ كَانَ اعْتِبَارُ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ حَقًّا، فَاعْتِبَارُ الْبِدَعِ الْمُسْتَحْسَنَةِ حَقٌّ، لِأَنَّهُمَا يَجْرِيَانِ مِنْ وَادٍ وَاحِدٍ. وَإِنْ لَمْ يَكُنِ اعْتِبَارُ الْبِدَعِ

стр. 587

حَقًّا، لَمْ يَصِحَّ اعْتِبَارُ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ الْقَوْلَ بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، بَلْ قَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْأُصُولِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ. فَذَهَبَ الْقَاضِي وَطَائِفَةٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ إِلَى رَدِّهِ، وَأَنَّ الْمَعْنَى لَا يُعْتَبَرُ مَا لَمْ يَسْتَنِدْ إِلَى أَصْلٍ. وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى اعْتِبَارِ ذَلِكَ، وَبَنَى الْأَحْكَامَ عَلَيْهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَمُعْظَمُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى التَّمَسُّكِ بِالْمَعْنَى الَّذِي لَمْ يَسْتَنِدْ إِلَى أَصْلٍ صَحِيحٍ، لَكِنْ بِشَرْطِ قُرْبِهِ مِنْ مَعَانِي الْأُصُولِ الثَّابِتَةِ هَذَا مَا حَكَى الْإِمَامُ الْجُوَيْنِيُّ. وَذَهَبَ الْغَزَالِيُّ إِلَى أَنَّ الْمُنَاسِبَ إِنْ وَقَعَ فِي رُتْبَةِ التَّحْسِينِ وَالتَّزْيِينِ لَمْ يُعْتَبَرْ حَتَّى يَشْهَدَ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ، وَإِنْ وَقَعَ فِي رُتْبَةِ الضَّرُورِيِّ فَمَيْلُهُ إِلَى قَبُولِهِ، لَكِنْ بِشَرْطٍ. قَالَ: وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَيْهِ اجْتِهَادُ مُجْتَهِدٍ. وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي الرُّتْبَةِ الْمُتَوَسِّطَةِ، وَهِيَ رُتْبَةُ الْحَاجِيِّ، فَرَدَّهُ فِي " الْمُسْتَصْفَى " وَهُوَ آخِرُ قَوْلَيْهِ، وَقَبِلَهُ فِي " شِفَاءِ الْعَلِيلِ " كَمَا قَبِلَ مَا قَبْلَهُ. وَإِذَا اعْتُبِرَ مِنَ الْغَزَالِيِّ اخْتِلَافُ قَوْلِهِ، فَالْأَقْوَالُ خَمْسَةٌ، فَإِذًا الرَّادُّ لِاعْتِبَارِهَا لَا يَبْقَى لَهُ فِي الْوَقَائِعِ الصَّحَابِيَّةِ مُسْتَنَدٌ إِلَّا أَنَّهَا بِدْعَةٌ مُسْتَحْسَنَةٌ ـ كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فِي الِاجْتِمَاعِ

стр. 588

لِقِيَامِ رَمَضَانَ: نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ ـ إِذْ لَا يُمْكِنُهُمْ رَدُّهَا، لِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَيْهَا. وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الِاسْتِحْسَانِ؛ فَإِنَّهُ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُتَقَدِّمُونَ رَاجِعٌ إِلَى الْحُكْمِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَالنَّافِي لَهُ لَا يَعُدُّ الِاسْتِحْسَانَ سَبَبًا؛ فَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْأَحْكَامِ أَلْبَتَّةَ، فَصَارَ كَالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ إِذَا قِيلَ بِرَدِّهَا. فَلَمَّا كَانَ هَذَا الْمَوْضِعُ مَزَلَّةَ قَدَمٍ، لِأَهْلِ الْبِدَعِ أَنْ يَسْتَدِلُّوا عَلَى بِدْعَتِهِمْ مِنْ جِهَتِهِ؛ كَانَ الْحَقُّ الْمُتَعَيَّنُ النَّظَرَ فِي مَنَاطِ الْغَلَطِ الْوَاقِعِ لِهَؤُلَاءِ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمَصَالِحَ الْمُرْسَلَةَ لَيْسَتْ مِنَ الْبِدَعِ فِي وِرْدٍ وَلَا صَدْرٍ، بِحَوْلِ اللَّهِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ. فَنَقُولُ: [أَقْسَامُ الْمَعْنَى الْمُنَاسِبِ الَّذِي يُرْبَطُ بِهِ الْحُكْمُ] الْمَعْنَى الْمُنَاسِبُ الَّذِي يُرْبَطُ بِهِ الْحُكْمُ لَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَشْهَدَ الشَّرْعُ بِقَبُولِهِ، فَلَا إِشْكَالَ فِي صِحَّتِهِ، وَلَا خِلَافَ فِي إِعْمَالِهِ، وَإِلَّا كَانَ مُنَاقَضَةً لِلشَّرِيعَةِ، كَشَرِيعَةِ الْقِصَاصِ حِفْظًا لِلنُّفُوسِ وَالْأَطْرَافِ وَغَيْرِهَا. وَالثَّانِي: مَا شَهِدَ الشَّرْعُ بِرَدِّهِ فَلَا سَبِيلَ إِلَى قَبُولِهِ، إِذِ الْمُنَاسَبَةُ لَا تَقْتَضِي الْحُكْمَ لِنَفْسِهَا، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مَذْهَبُ أَهْلِ التَّحْسِينِ الْعَقْلِيِّ، بَلْ إِذَا ظَهَرَ الْمَعْنَى وَفَهِمْنَا مِنَ الشَّرْعِ اعْتِبَارَهُ فِي اقْتِضَاءِ الْأَحْكَامِ، فَحِينَئِذٍ نَقْبَلُهُ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْمَصْلَحَةِ عِنْدَنَا مَا فُهِمَ رِعَايَتُهُ فِي حَقِّ الْخَلْقِ مِنْ جَلْبِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَسْتَقِلُّ الْعَقْلُ بِدَرْكِهِ عَلَى حَالٍ، فَإِذَا لَمْ يَشْهَدِ الشَّرْعُ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ الْمَعْنَى، بَلْ [شَهِدَ] بِرَدِّهِ، كَانَ مَرْدُودًا بِاتِّفَاقِ

стр. 589

الْمُسْلِمِينَ. وَمِثَالُ [ذَلِكَ] مَا حَكَى الْغَزَالِيُّ عَنْ بَعْضِ أَكَابِرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى بَعْضِ السَّلَاطِينِ فَسَأَلَهُ عَنِ الْوِقَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، فَقَالَ: عَلَيْكَ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ. فَلَمَّا خَرَجَ رَاجَعَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَقَالُوا لَهُ: الْقَادِرُ عَلَى إِعْتَاقِ الرَّقَبَةِ كَيْفَ يُعْدَلُ بِهِ إِلَى الصَّوْمِ وَالصَّوْمُ وَظِيفَةُ الْمُعْسِرِينَ، وَهَذَا الْمَلِكُ يَمْلِكُ عَبِيدًا غَيْرَ مَحْصُورِينَ؟ فَقَالَ لَهُمْ: لَوْ قُلْتُ لَهُ عَلَيْكَ إِعْتَاقُ رَقَبَةٍ لَاسْتَحْقَرَ ذَلِكَ وَأَعْتَقَ عَبِيدًا مِرَارًا، فَلَا يَزْجُرُهُ إِعْتَاقُ الرَّقَبَةِ وَيَزْجُرُهُ صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ. فَهَذَا الْمَعْنَى مُنَاسِبٌ، لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ، مَقْصُودُ الشَّرْعِ مِنْهَا الزَّجْرُ، وَالْمَلِكُ لَا يَزْجُرُهُ الْإِعْتَاقُ وَيَزْجُرُهُ الصِّيَامُ. وَهَذِهِ الْفُتْيَا بَاطِلَةٌ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ بَيْنَ قَائِلَيْنِ: قَائِلٌ بِالتَّخْيِيرِ، وَقَائِلٌ بِالتَّرْتِيبِ، فَيُقَدِّمُ الْعِتْقَ عَلَى الصِّيَامِ، فَتَقْدِيمُ الصِّيَامِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْغَنِيِّ لَا قَائِلَ بِهِ. عَلَى أَنَّهُ قَدْ جَاءَ عَنْ مَالِكٍ شَيْءٌ يُشْبِهُ هَذَا، لَكِنَّهُ عَلَى صَرِيحِ الْفِقْهِ. قَالَ يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ: حَنَثَ الرَّشِيدُ فِي يَمِينٍ فَجَمَعَ الْعُلَمَاءَ فَأَجْمَعُوا أَنَّ عَلَيْهِ عِتْقَ رَقَبَةٍ. فَسَأَلَ مَالِكًا. فَقَالَ: صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَاتَّبَعَهُ عَلَى ذَلِكَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ مِنْ فُقَهَاءِ قُرْطُبَةَ. حَكَى ابْنُ بِشْكُوَالَ أَنَّ الْحَكَمَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَرْسَلَ فِي الْفُقَهَاءِ وَشَاوَرَهُمْ فِي مَسْأَلَةٍ نَزَلَتْ بِهِ، فَذَكَرَ لَهُمْ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ عَمَدَ إِلَى إِحْدَى كَرَائِمِهِ وَوَطِئَهَا فِي رَمَضَانَ، فَأَفْتَوْا بِالْإِطْعَامِ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ سَاكِتٌ.

стр. 590

فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: مَا يَقُولُ الشَّيْخُ فِي فَتْوَى أَصْحَابِهِ؟ فَقَالَ لَهُ: لَا أَقُولُ بِقَوْلِهِمْ، وَأَقُولُ بِالصِّيَامِ. فَقِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ مَذْهَبُ مَالِكٍ الْإِطْعَامُ؟ فَقَالَ لَهُمْ: تَحْفَظُونَ مَذْهَبَ مَالِكٍ، إِلَا إِنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ مُصَانَعَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. إِنَّمَا أَمَرَ بِالْإِطْعَامِ لِمَنْ لَهُ مَالٌ، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَا مَالَ لَهُ، إِنَّمَا هُوَ بَيْتُ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَخَذَ بِقَوْلِهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَشَكَرَ لَهُ عَلَيْهِ اهـ. وَهَذَا صَحِيحٌ. نَعَمْ ـ حَكَى ابْنُ بَشْكُوَالَ أَنَّهُ اتَّفَقَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ مِثْلُ هَذَا فِي رَمَضَانَ، فَسَأَلَ الْفُقَهَاءَ عَنْ تَوْبَتِهِ مِنْ ذَلِكَ وَكَفَّارَتِهِ. فَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: يُكَفِّرُ ذَلِكَ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ. فَلَمَّا بَرَزَ ذَلِكَ مِنْ يَحْيَى سَكَتَ سَائِرُ الْفُقَهَاءِ حَتَّى خَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ، فَقَالُوا لِيَحْيَى: مَا لَكَ لَمْ تُفْتِهِ بِمَذْهَبِنَا عَنْ مَالِكٍ مِنْ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْعِتْقِ وَالطَّعَامِ وَالصِّيَامِ؟ فَقَالَ لَهُمْ: لَوْ فَتَحْنَا لَهُ هَذَا الْبَابَ سَهُلَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَأَ كُلَّ يَوْمٍ وَيُعْتِقَ رَقَبَةً، وَلَكِنْ حَمَلْتُهُ عَلَى أَصْعَبِ الْأُمُورِ لِئَلَّا يَعُودَ. فَإِنْ صَحَّ هَذَا عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى ﵀، وَكَانَ كَلَامُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، كَانَ مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ. (الثَّالِثُ): مَا سَكَتَتْ عَنْهُ الشَّوَاهِدُ الْخَاصَّةُ، فَلَمْ تَشْهَدْ بِاعْتِبَارِهِ وَلَا بِإِلْغَائِهِ. فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَرِدَ نَصٌّ عَلَى وَفْقِ ذَلِكَ الْمَعْنَى، كَتَعْلِيلِ مَنْعِ الْقَتْلِ لِلْمِيرَاثِ، فَالْمُعَامَلَةُ بِنَقِيضِ الْمَقْصُودِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَمْ يَرِدْ نَصٌّ عَلَى وَفْقِهِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ لَا عَهْدَ بِهَا فِي تَصَرُّفَاتِ الشَّرْعِ بِالْفَرْضِ وَلَا بِمُلَائِمِهَا بِحَيْثُ يُوجَدُ لَهَا جِنْسٌ مُعْتَبَرٌ، فَلَا يَصِحُّ التَّعْلِيلُ بِهَا، وَلَا بِنَاءُ الْحُكْمِ عَلَيْهَا بِاتِّفَاقٍ،

стр. 591

وَمِثْلُ هَذَا تَشْرِيعٌ مِنَ الْقَائِلِ بِهِ فَلَا يُمْكِنُ قَبُولُهُ. وَالثَّانِي: أَنْ يُلَائِمَ تَصَرُّفَاتِ الشَّرْعِ، وَهُوَ أَنْ يُوجَدَ لِذَلِكَ الْمَعْنَى جِنْسٌ اعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ فِي الْجُمْلَةِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ مُعَيَّنٍ، وَهُوَ الِاسْتِدْلَالُ الْمُرْسَلُ، الْمُسَمَّى بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ وَلَا بُدَّ مِنْ بَسْطِهِ بِالْأَمْثِلَةِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ وَجْهُهُ بِحَوْلِ اللَّهِ. [أَمْثِلَةٌ تُوَضِّحُ الْوَجْهَ الْعَمَلِيَّ فِي الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ] [جَمْعُ الْقُرْآنِ] وَلِنَقْتَصِرِ عَلَى عَشَرَةِ أَمْثِلَةٍ لِلْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ أَحَدُهَا: أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اتَّفَقُوا عَلَى جَمْعِ الْمُصْحَفِ، وَلَيْسَ ثَمَّ نَصٌّ عَلَى جَمْعِهِ وَكَتْبِهِ أَيْضًا، بَلْ قَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: كَيْفَ نَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ ﵁ مَقْتَلَ (أَهْلِ) الْيَمَامَةِ، وَإِذَا عِنْدَهُ عُمَرُ ﵁ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: (إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ): إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ فِي الْمَوَاطِنِ كُلِّهَا فَيَذْهَبَ قُرْآنٌ كَثِيرٌ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ لِي: هُوَ ـ وَاللَّهِ ـ خَيْرٌ. فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي فِي ذَلِكَ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لَهُ، وَرَأَيْتُ فِيهِ الَّذِي رَأَى عُمَرُ. قَالَ زَيْدٌ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ، قَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ. قَالَ زَيْدٌ: فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ

стр. 592

مِنْ ذَلِكَ. فَقُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ يُرَاجِعُنِي فِي ذَلِكَ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ صَدْرَيْهِمَا فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الرِّقَاقِ وَالْعُسُبِ وَاللِّخَافِ، وَمِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ. فَهَذَا عَمَلٌ لَمْ يُنْقَلْ فِيهِ خِلَافٌ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ. ثُمَّ رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ كَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّامِ وَأَهْلَ الْعِرَاقِ فِي فَتْحِ أَرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ، فَأَفْزَعَهُ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْقُرْآنِ، فَقَالَ لِعُثْمَانَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أَدْرِكْ هَذِهِ الْأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْكِتَابِ كَمَا اخْتَلَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ: أَرْسِلِي إِلَيَّ بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّهَا عَلَيْكِ، فَأَرْسَلَتْ حَفْصَةُ بِهَا إِلَى عُثْمَانَ، فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَإِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَنْسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ، ثُمَّ قَالَ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَةِ: مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّهُ نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ. قَالَ: فَفَعَلُوا، حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ، بَعَثَ عُثْمَانُ فِي كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِنْ تِلْكَ الْمَصَاحِفِ الَّتِي نَسَخُوهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ. فَهَذَا أَيْضًا إِجْمَاعٌ آخَرُ فِي كَتْبِهِ وَجَمْعِ النَّاسِ عَلَى قِرَاءَةٍ لَمْ يَحْصُلْ

стр. 593

فِيهَا فِي الْغَالِبِ اخْتِلَافٌ. لِأَنَّهُمْ لَمْ يَخْتَلِفُوا إِلَّا فِي الْقِرَاءَاتِ ـ حَسْبَمَا نَقَلَهُ الْعُلَمَاءُ الْمُعْتَنُونَ بِهَذَا الشَّأْنِ ـ فَلَمْ يُخَالِفْ فِي الْمَسْأَلَةِ إِلَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَإِنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ طَرْحِ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْقِرَاءَةِ الْمُخَالِفَةِ لِمَصَاحِفِ عُثْمَانَ، وَقَالَ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ! وَيَا أَهْلَ الْكُوفَةِ: اكْتُمُوا الْمَصَاحِفَ الَّتِي عِنْدَكُمْ وَغُلُّوهَا، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] وَأَلْقَوْا إِلَيْهِ بِالْمَصَاحِفِ. فَتَأَمَّلْ كَلَامَهُ فَإِنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ فِي جَمْعِهِ، وَإِنَّمَا خَالَفَ أَمْرًا آخَرَ؛ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بَلَغَنِي أَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ رِجَالٌ مِنْ أَفَاضِلِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَلَمْ يَرِدْ نَصٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَا صَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُمْ رَأَوْهُ مَصْلَحَةً تُنَاسِبُ تَصَرُّفَاتِ الشَّرْعِ قَطْعًا، فَإِنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى حِفْظِ الشَّرِيعَةِ، وَالْأَمْرُ بِحِفْظِهَا مَعْلُومٌ، وَإِلَى مَنْعِ الذَّرِيعَةِ لِلِاخْتِلَافِ فِي أَصْلِهَا الَّذِي هُوَ الْقُرْآنُ، وَقَدْ عُلِمَ النَّهْيُ عَنِ الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ. وَإِذَا اسْتَقَامَ هَذَا الْأَصْلُ فَاحْمِلْ عَلَيْهِ كَتْبَ الْعِلْمِ مِنَ السُّنَنِ وَغَيْرِهَا، إِذَا خِيفَ عَلَيْهَا الِانْدِرَاسُ، زِيَادَةً عَلَى مَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ مِنَ الْأَمْرِ بِكَتْبِ الْعِلْمِ. وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يَكُونَ كَتْبُ هَذَا الْكِتَابِ الَّذِي وَضَعْتُ يَدِي فِيهِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، لِأَنِّي رَأَيْتُ بَابَ الْبِدَعِ فِي كَلَامِ الْعُلَمَاءِ مُغْفَلًا جِدًّا؛ إِلَّا مِنَ النَّقْلِ

стр. 594

الْجَلِيِّ؛ كَمَا نَقَلَ ابْنُ وَضَّاحٍ، أَوْ يُؤْتَى بِأَطْرَافٍ مِنَ الْكَلَامِ لَا يَشْفِي الْغَلِيلَ بِالتَّفَقُّهِ فِيهِ كَمَا يَنْبَغِي، وَلَمْ أَجِدْ عَلَى شِدَّةِ بَحْثِي عَنْهُ إِلَّا مَا وَضَعَ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ الطَّرْطُوشِيُّ، وَهُوَ يَسِيرُ فِي جَنْبِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِيهِ، وَإِلَّا مَا وَضَعَ النَّاسُ فِي الْفِرَقِ الثِّنْتَيْنِ وَالسَّبْعِينَ، وَهُوَ فَصْلٌ مِنْ فُصُولِ الْبَابِ وَجُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ، فَأَخَذْتُ نَفْسِي بِالْعَنَاءِ فِيهِ، عَسَى أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ وَاضِعُهُ، وَقَارِؤُهُ، وَنَاشِرُهُ، وَكَاتِبُهُ، وَالْمُنْتَفِعُ بِهِ، وَجَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ. إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَمُسْدِيهِ بِسَعَةِ رَحْمَتِهِ. [اتِّفَاقُ الصَّحَابَةِ عَلَى حَدِّ شَارِبِ الْخَمْرِ] الْمِثَالُ الثَّانِي: اتِّفَاقُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى حَدِّ شَارِبِ الْخَمْرِ اتَّفَقَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى حَدِّ شَارِبِ الْخَمْرِ ثَمَانِينَ، وَإِنَّمَا مُسْتَنَدُهُمْ فِيهِ الرُّجُوعُ إِلَى الْمَصَالِحِ وَالتَّمَسُّكُ بِالِاسْتِدْلَالِ الْمُرْسَلِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: لَمْ يَكُنْ فِيهِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدٌّ مُقَدَّرٌ، وَإِنَّمَا جَرَى الزَّجْرُ فِيهِ مَجْرَى التَّعْزِيرِ، وَلَمَّا انْتَهَى الْأَمْرُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ قَرَّرَهُ عَلَى طَرِيقِ النَّظَرِ بِأَرْبَعِينَ، ثُمَّ انْتَهَى الْأَمْرُ إِلَى عُثْمَانَ ﵁ فَتَتَابَعَ النَّاسُ فَجَمَعَ الصَّحَابَةَ ﵃ فَاسْتَشَارَهُمْ، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: مَنْ سَكِرَ هَذَى وَمَنْ هَذَى افْتَرَى، فَأَرَى عَلَيْهِ حَدَّ الْمُفْتَرِي. وَوَجْهُ إِجْرَاءِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ الْمُرْسَلِ أَنَّ الصَّحَابَةَ أَوِ الشَّرْعَ يُقِيمُ الْأَسْبَابَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ مَقَامَ الْمُسَبَّبَاتِ، وَالْمَظِنَّةَ مَقَامَ الْحِكْمَةِ، فَقَدْ جَعَلَ الْإِيلَاجَ فِي أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ يَجْرِي مَجْرَى الْإِنْزَالِ، وَجَعَلَ الْحَافِرَ لِلْبِئْرِ فِي مَحَلِّ الْعُدْوَانِ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مُرْدًى كَالْمُرْدِي نَفْسَهُ،

стр. 595

وَحَرَّمَ الْخَلْوَةَ بِالْأَجْنَبِيَّةِ حَذَرًا مِنَ الذَّرِيعَةِ إِلَى الْفَسَادِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْفَسَادِ، فَرَأَوُا الشُّرْبَ ذَرِيعَةً إِلَى الِافْتِرَاءِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ كَثْرَةُ الْهَذَيَانِ، فَإِنَّهُ أَوَّلُ سَابِقٍ إِلَى السَّكْرَانِ ـ قَالُوا ـ فَهَذَا مِنْ أَوْضَحِ الْأَدِلَّةِ عَلَى إِسْنَادِ الْأَحْكَامِ إِلَى الْمَعَانِي الَّتِي لَا أَصُولُ لَهَا (يَعْنِي: عَلَى الْخُصُوصِ بِهِ) وَهُوَ مَقْطُوعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃. [قَضَاءُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بِتَضْمِينِ الصُّنَّاعِ] الْمِثَالُ الثَّالِثُ: إِنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ قَضَوْا بِتَضْمِينِ الصُّنَّاعِ إِنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ قَضَوْا بِتَضْمِينِ الصُّنَّاعِ. قَالَ عَلِيٌّ ﵁: لَا يُصْلِحُ النَّاسَ إِلَّا ذَاكَ، وَوَجْهُ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ أَنَّ النَّاسَ لَهُمْ حَاجَةٌ إِلَى الصُّنَّاعِ، وَهُمْ يَغِيبُونَ عَنِ الْأَمْتِعَةِ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ، وَالْأَغْلَبُ عَلَيْهِمُ التَّفْرِيطُ وَتَرْكُ الْحِفْظَ، فَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ تَضْمِينُهُمْ مَعَ مَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَى اسْتِعْمَالِهِمْ لَأَفْضَى ذَلِكَ إِلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا تَرْكُ الِاسْتِصْنَاعِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَذَلِكَ شَاقٌّ عَلَى الْخَلْقِ، وَإِمَّا أَنْ يَعْمَلُوا وَلَا يُضَمَّنُوا ذَلِكَ بِدَعْوَاهُمُ الْهَلَاكَ وَالضَّيَاعَ، فَتَضِيعُ الْأَمْوَالُ، وَيَقِلُّ الِاحْتِرَازُ، وَتَتَطَرَّقُ الْخِيَانَةُ، فَكَانَتِ الْمَصْلَحَةُ التَّضْمِينَ. هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: لَا يُصْلِحُ النَّاسَ إِلَّا ذَاكَ. وَلَا يُقَالُ: إِنَّ هَذَا نَوْعٌ مِنَ الْفَسَادِ وَهُوَ تَضْمِينُ الْبَرِيءِ. إِذْ لَعَلَّهُ مَا أَفْسَدَ، وَلَا فَرَّطَ، فَالتَّضْمِينُ مَعَ ذَلِكَ كَانَ نَوْعًا مِنَ الْفَسَادِ. لِأَنَّا نَقُولُ: إِذَا تَقَابَلَتِ الْمَصْلَحَةُ وَالْمَضَرَّةُ فَشَأْنُ الْعُقَلَاءِ النَّظَرُ إِلَى التَّفَاوُتِ وَوَقْعُ التَّلَفِ مِنَ الصُّنَّاعِ مِنْ غَيْرِ تَسَبُّبٍ وَلَا تَفْرِيطٍ بَعِيدٌ، وَالْغَالِبُ الْفَوْتِ فَوْتُ الْأَمْوَالِ، وَأَنَّهَا لَا تَسْتَنِدُ إِلَى التَّلَفِ السَّمَاوِيِّ، بَلْ تَرْجِعُ إِلَى صُنْعِ الْعِبَادِ عَلَى الْمُبَاشَرَةِ أَوِ التَّفْرِيطِ. وَفِي الْحَدِيثِ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»

стр. 596

تَشْهَدُ لَهُ الْأُصُولُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، فَإِنَّ «النَّبِيَّ ﷺ نَهَى (عَنْ) أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ»، وَقَالَ: «دَعِ النَّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ» وَقَالَ: «لَا تَلْقَوُا الرُّكْبَانَ بِالْبَيْعِ حَتَّى يُهْبَطَ بِالسِّلَعِ (إِلَى) الْأَسْوَاقِ» وَهُوَ مِنْ بَابِ تَرْجِيحِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الْخَاصَّةِ، فَتَضْمِينُ الصُّنَّاعِ مِنْ ذَلِكَ الْقَبِيلِ. [اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي الضَّرْبِ بِالتُّهَمِ] الْمِثَالُ الرَّابِعُ: أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي الضَّرْبِ بِالتُّهَمِ إِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي الضَّرْبِ بِالتُّهَمِ. وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى جَوَازِ السَّجْنِ فِي التُّهَمِ، وَإِنْ كَانَ السَّجْنُ نَوْعًا مِنَ الْعَذَابِ، وَنَصَّ أَصْحَابُهُ عَلَى جَوَازِ الضَّرْبِ، وَهُوَ عِنْدَ الشُّيُوخِ مِنْ قَبِيلِ تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الضَّرْبُ وَالسَّجْنُ بِالتُّهَمِ لَتَعَذَّرَ اسْتِخْلَاصُ الْأَمْوَالِ مِنْ أَيْدِي السُّرَّاقِ وَالْغُصَّابِ، إِذْ قَدْ يَتَعَذَّرُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ، فَكَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي التَّعْذِيبِ وَسِيلَةً إِلَى التَّحْصِيلِ بِالتَّعْيِينِ وَالْإِقْرَارِ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا فَتْحُ بَابِ تَّعْذِيبِ الْبَرِيءِ! قِيلَ: فَفِي الْإِعْرَاضِ عَنْهُ إِبْطَالُ اسْتِرْجَاعِ الْأَمْوَالِ. بَلِ الْإِضْرَابُ عَنِ التَّعْذِيبِ أَشَدُّ ضَرَرًا، إِذْ لَا يُعَذَّبُ أَحَدٌ لِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، بَلْ مَعَ اقْتِرَانِ قَرِينَةٍ تَحِيكُ فِي النَّفْسِ، وَتُؤَثِّرُ فِي الْقَلْبِ نَوْعًا مِنَ الظَّنِّ. فَالتَّعْذِيبُ فِي الْغَالِبِ لَا يُصَادِفُ الْبَرِيءَ، وَإِنْ أَمْكَنَ مُصَادَفَتُهُ فَتُغْتَفَرُ؛ كَمَا اغْتُفِرَتْ فِي تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ.

стр. 597

فَإِنْ قِيلَ: لَا فَائِدَةَ فِي الضَّرْبِ، وَهُوَ لَوْ أَقَرَّ لَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ. فَالْجَوَابُ إِنَّ لَهُ فَائِدَتَيْنِ: (إِحْدَاهُمَا): أَنْ يُعَيِّنَ الْمَتَاعَ فَتَشْهَدُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ لِرَبِّهِ، وَهِيَ فَائِدَةٌ ظَاهِرَةٌ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ غَيْرَهُ قَدْ يَزْدَجِرُ حَتَّى لَا يَكْثُرَ الْإِقْدَامُ. فَتَقِلَّ أَنْوَاعُ هَذَا الْفَسَادِ. وَقَدْ عَدَّ لَهُ سَحْنُونُ فَائِدَةً ثَالِثَةً وَهُوَ الْإِقْرَارُ حَالَةَ التَّعْذِيبِ بِأَنَّهُ يُؤْخَذُ عِنْدَهُ بِمَا أَقَرَّ فِي تِلْكَ الْحَالِ. قَالُوا: وَهُوَ ضَعِيفٌ. فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] وَلَكِنْ نَزَّلَهُ سَحْنُونُ عَلَى مَنْ أُكْرِهَ بِطَرِيقٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ كَمَا إِذَا أُكْرِهَ عَلَى طَلَاقِ زَوْجَتِهِ، أَمَّا إِذَا أُكْرِهَ بِطْرِيقٍ صَحِيحٍ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِهِ. فَالْكَافِرُ يُسْلِمُ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ فَإِنَّهُ مَأْخُوذٌ بِهِ، وَقَدْ تَتَّفِقُ لَهُ بِهَذِهِ الْفَائِدَةِ عَلَى مَذْهَبِ غَيْرِ سَحْنُونَ إِذَا أَقَرَّ حَالَةَ التَّعْذِيبِ ثُمَّ تَمَادَى عَلَى الْإِقْرَارِ بَعْدَ أَمْنِهِ فَيُؤْخَذُ بِهِ. قَالَ الْغَزَالِيُّ بَعْدَمَا حَكَى عَنِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ لَا يَقُولُ بِذَلِكَ، وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَالْمَسْأَلَةُ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ. قَالَ: وَلَسْنَا نَحْكُمُ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ عَلَى الْقَطْعِ، فَإِذَا وَقَعَ النَّظَرُ فِي تَعَارُضِ الْمَصَالِحِ، كَانَ ذَلِكَ قَرِيبًا مِنَ النَّظَرِ فِي تَعَارُضِ الْأَقْيِسَةِ الْمُؤَثِّرَةِ.

стр. 598

[تَوْظِيفُ الْإِمَامِ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ عِنْدَ الْحَاجَةِ] الْمِثَالُ الْخَامِسُ: إِنَّا إِذَا قَرَّرْنَا إِمَامًا مُطَاعًا مُفْتَقِرًا إِلَى تَكْثِيرِ الْجُنُودِ لِسَدِّ الثُّغُورِ وَحِمَايَةِ الْمُلْكِ الْمُتَّسِعِ الْأَقْطَارِ، وَخَلَا بَيْتُ الْمَالِ وَارْتَفَعَتْ حَاجَاتُ الْجُنْدِ إِلَى مَا لَا يَكْفِيهِمْ، فَلِلْإِمَامِ - إِذَا كَانَ عَدْلًا - أَنْ يُوَظِّفَ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ مَا يَرَاهُ كَافِيًا لَهُمْ فِي الْحَالِ، إِلَى أَنْ يَظْهَرَ مَالُ بَيْتِ الْمَالِ، ثُمَّ إِلَيْهِ النَّظَرُ فِي تَوْظِيفِ ذَلِكَ عَلَى الْغَلَّاتِ وَالثِّمَارِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، كَيْلَا يُؤَدِّيَ تَخْصِيصُ النَّاسِ بِهِ (إِلَى) إِيحَاشِ الْقُلُوبِ، وَذَلِكَ يَقَعُ قَلِيلًا مِنْ كَثِيرٍ بِحَيْثُ لَا يُحْجِفُ بِأَحَدٍ وَيَحْصُلُ الْغَرَضُ الْمَقْصُودُ. وَإِنَّمَا لَمْ يُنْقَلْ مِثْلُ هَذَا عَنِ الْأَوَّلِينَ لِاتِّسَاعِ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ فِي زَمَانِهِمْ بِخِلَافِ زَمَانِنَا، فَإِنَّ الْقَضِيَّةَ فِيهِ أَحْرَى، وَوَجْهُ الْمَصْلَحَةِ هَنَا ظَاهِرٌ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْعَلِ الْإِمَامُ ذَلِكَ النِّظَامَ بَطَلَتْ شَوْكَةُ الْإِمَامِ، وَصَارَتْ دِيَارُنَا عُرْضَةً لِاسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ. وَإِنَّمَا نِظَامُ ذَلِكَ كُلِّهِ شَوْكَةُ الْإِمَامِ بِعَدْلِهِ، فَالَّذِينَ يَحْذَرُونَ مِنَ الدَّوَاهِي لَوِ انْقَطَعَ عَنْهُمُ الشَّوْكَةُ، يَسْتَحْقِرُونَ بِالْإِضَافَةِ إِلَيْهَا أَمْوَالَهُمْ كُلَّهَا، فَضْلًا عَنِ الْيَسِيرِ مِنْهَا. فَإِذَا عُورِضَ هَذَا الضَّرَرُ الْعَظِيمُ بِالضَّرَرِ اللَّاحِقِ لَهُمْ بِأَخْذِ الْبَعْضِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، فَلَا يُتَمَارَى فِي تَرْجِيحِ الثَّانِي عَنِ الْأَوَّلِ. وَهُوَ مِمَّا يُعْلَمُ مِنْ مَقْصُودِ الشَّرْعِ قَبْلَ النَّظَرِ فِي الشَّوَاهِدِ. وَالْمُلَاءَمَةُ الْأُخْرَى، أَنَّ الْأَبَ فِي طِفْلِهِ، أَوِ الْوَصِيَّ فِي يَتِيمِهِ، أَوِ الْكَافِلَ فِيمَنْ يَكْفُلُهُ، مَأْمُورٌ بِرِعَايَةِ الْأَصْلَحِ لَهُ، وَهُوَ يَصْرِفُ مَالَهُ إِلَى وُجُوهٍ مِنَ النَّفَقَاتِ أَوِ الْمُؤَنِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهَا. وَكُلُّ مَا يَرَاهُ سَبَبًا لِزِيَادَةِ مَالِهِ أَوْ حِرَاسَتِهِ مِنَ التَّلَفِ جَازَ لَهُ بَذْلُ الْمَالِ فِي تَحْصِيلِهِ، وَمَصْلَحَةُ الْإِسْلَامِ عَامَّةٌ لَا

стр. 599

تَتَقَاصَرُ عَنْ مَصْلَحَةِ طِفْلٍ، وَلَا نَظَرُ إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ يَتَقَاعَدُ عَنْ نَظَرِ وَاحِدٍ مِنَ الْآحَادِ فِي حَقِّ مَحْجُورِهِ. وَلَوْ وَطِئَ الْكُفَّارُ أَرْضَ الْإِسْلَامِ لَوَجَبَ الْقِيَامُ بِالنُّصْرَةِ، وَإِذَا دَعَاهُمُ الْإِمَامُ وَجَبَتِ الْإِجَابَةُ، وَفِيهِ إِتْعَابُ النُّفُوسِ وَتَعْرِيضُهَا إِلَى الْهَلَكَةِ، زِيَادَةً إِلَى إِنْفَاقِ الْمَالِ. وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِحِمَايَةِ الدِّينِ، وَمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ. فَإِذَا قَدَّرْنَا هُجُومَهُمْ وَاسْتَشْعَرَ الْإِمَامُ فِي الشَّوْكَةِ ضَعْفًا وَجَبَ عَلَى الْكَافَّةِ إِمْدَادُهُمْ، كَيْفَ وَالْجِهَادُ فِي كُلِّ سَنَةٍ وَاجِبٌ عَلَى الْخَلْقِ؟! وَإِنَّمَا يَسْقُطُ بِاشْتِغَالِ الْمُرْتَزَقَةِ بِهِ، فَلَا يُتَمَارَى فِي بَذْلِ الْمَالِ لِمِثْلِ ذَلِكَ. وَإِذَا قَدَّرْنَا انْعِدَامَ الْكُفَّارِ الَّذِينَ يُخَافُ مِنْ جِهَتِهِمْ، فَلَا يُؤْمَنُ (مِنَ) انْفِتَاحِ بَابِ الْفِتَنِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَالْمَسْأَلَةُ عَلَى حَالِهَا كَمَا كَانَتْ، وَتَوَقُّعُ الْفَسَادِ عَتِيدٌ، فَلَا بُدَّ مِنَ الْحُرَّاسِ. فَهَذِهِ مُلَاءَمَةٌ صَحِيحَةٌ، إِلَّا أَنَّهَا فِي مَحَلِّ ضَرُورَةٍ، فَتُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا، فَلَا يَصِحُّ هَذَا الْحُكْمُ إِلَّا مَعَ وُجُودِهَا. وَالِاسْتِقْرَاضُ فِي الْأَزَمَاتِ إِنَّمَا يَكُونُ حَيْثُ يُرْجَى لِبَيْتِ الْمَالِ دَخْلٌ يُنْتَظَرُ أَوْ يُرْتَجَى، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يُنْتَظَرْ شَيْءٌ وَضَعُفَتْ وُجُوهُ الدَّخْلِ بِحَيْثُ لَا يُغْنِي كَبِيرُ شَيْءٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ جَرَيَانِ حُكْمِ التَّوْظِيفِ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ نَصَّ عَلَيْهَا الْغَزَالِيُّ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ، وَتَلَاهُ فِي تَصْحِيحِهَا ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي " أَحْكَامِ الْقُرْآنِ لَهُ "، وَشَرْطُ جَوَازِ ذَلِكَ كُلِّهِ عِنْدَهُمْ عَدَالَةُ الْإِمَامِ، وَإِيقَاعُ التَّصَرُّفِ فِي أَخْذِ الْمَالِ وَإِعْطَائِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ.

стр. 600

[مُعَاقَبَةُ الْإِمَامِ بِأَخْذِ الْمَالِ عَلَى بَعْضِ الْجِنَايَاتِ] الْمِثَالُ السَّادِسُ: أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ أَرَادَ أَنْ يُعَاقِبَ بِأَخْذِ الْمَالِ عَلَى بَعْضِ الْجِنَايَاتِ [فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ؟] فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ حَسْبَمَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ. عَلَى أَنَّ الطَّحَاوِيَّ حَكَى، أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ فَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَنْعِهِ. فَأَمَّا الْغَزَالِيُّ فَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الْغَرِيبِ الَّذِي لَا عَهْدَ بِهِ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَا يُلَائِمُ تَصَرُّفَاتِ الشَّرْعِ، مَعَ أَنَّ هَذِهِ الْعُقُوبَةَ الْخَاصَّةَ لَمْ تَتَعَيَّنْ، لِشَرْعِيَّةِ الْعُقُوبَاتِ الْبَدَنِيَّةِ بِالسِّجْنِ وَالضَّرْبِ وَغَيْرِهِمَا. قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ شَاطَرَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فِي مَالِهِ، حَتَّى أَخَذَ رَسُولُهُ فَرْدَ نَعْلِهِ وَشَطْرَ عِمَامَتِهِ. قُلْنَا: الْمَظْنُونُ مِنْ عُمَرَ أَنَّهُ لَمْ يَبْتَدِعِ الْعِقَابَ بِأَخْذِ الْمَالِ عَلَى خِلَافِ الْمَأْلُوفِ مِنَ الشَّرْعِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِعَلَمِ عُمَرَ بِاخْتِلَاطِ مَالِهِ بِالْمَالِ الْمُسْتَفَادِ مِنَ الْوِلَايَةِ وَإِحَاطَتِهِ بِتَوْسِعَتِهِ، فَلَعَلَّهُ ضَمِنَ الْمَالِ فَرَأَى شَطْرَ مَالِهِ مِنْ فَوَائِدَ الْوِلَايَةِ فَيَكُونُ اسْتِرْجَاعًا لِلْحَقِّ لَا عُقُوبَةً فِي الْمَالِ، لِأَنَّ هَذَا مِنَ الْغَرِيبِ الَّذِي لَا يُلَائِمُ قَوَاعِدَ الشَّرْعِ. هَذَا مَا قَالَهُ. وَلِمَا فَعَلَ عُمَرُ ﵁ وَجْهٌ آخَرُ غَيْرُ هَذَا، وَلَكِنَّهُ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى الْعُقُوبَةِ بِالْمَالِ كَمَا قَالَ الْغَزَالِيُّ. وَأَمَّا مَذْهَبُ مَالِكٍ فَإِنَّ الْعُقُوبَةَ فِي الْمَالِ عِنْدَهُ ضَرْبَانِ: (أَحَدُهُمَا): كَمَا صَوَّرَهُ الْغَزَالِيُّ، فَلَا مِرْيَةَ فِي أَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، عَلَى أَنَّ ابْنَ الْعَطَّارِ فِي " رَقَائِقِهِ " صَغَى إِلَى إِجَازَةِ ذَلِكَ، فَقَالَ: فِي
следующие страницы →