← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21721

البيان في مذهب الإمام الشافعي

العمراني

Полный текст (7 092 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

لغيره، فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠] الآية [الحشر: ١٠] . قال الشافعي: (وإذا تهيأ الإمام للاستسقاء، فسقوا قبل أن يخرج.. استحب له أن يخرج، ويستسقي، ويشكر الله تعالى على ذلك، ويستزيده من المطر) فإن استدام المطر حتى تأذى الناس به، وخافوا أن يهدم البيوت.. جاز أن يدعو الله تعالى أن يحبسه عنهم، ويصرفه إلى حيث ينفع ولا يضر من الآكام وبطون الأودية؛ لما ذكرناه في الخبر الأول في أول الباب. وروي: أن النبي ﷺ كان يقول في دعائه في الاستسقاء: «اللهم سُقْيَا رَحْمَةٍ، ولا سقيا عذاب، ولا محق ولا بلاء، ولا هدم، ولا غرق، اللهم على الظراب، ومنابت الشجر، وبطون الأودية، اللهم حوالينا ولا علينا» . [مسألة لا يلزم الخروج للاستسقاء إلا في الجدب] قال الشافعي: (وإن نذر الإمام أن يستسقي.. لزمه ذلك، ولا يلزمه أن يخرج الناس، وإن أخرجهم.. لم يلزمهم الخروج معه؛ لأنه ليس له أن يكرههم على الخروج في غير حال الجدب) . قال الشيخ أبو حامد: وهذا يدل على أن للإمام أن يكرههم على الخروج في حال الجدب.

стр. 1122

وإن نذر غير الإمام أن يستسقي.. لزمه ذلك؛ لأنه نذر طاعة، فإن نذر أن يستسقي بالناس.. لزمه في نفسه دون الناس؛ لأنه لا يملك إخراجهم. ويستحب أن يُخرج معه من يقدر عليه من ولده وعبده وأهله، ويجزئه أن يستسقي في داره، أو في المسجد؛ لأن الاستسقاء هو الدعاء، وذلك لا يختص بالمسجد. قال الشافعي: (وإن نذر غير الإمام أن يستسقي، ويخطب.. لزمه أن يستسقي، ويخطب، ويجزئه أن يخطب قائمًا وقاعدًا) . وإن كان هناك ناسٌ.. قال الشيخ أبو حامد: لزمه أن يخطب قائمًا. وإن نذر أن يخطب على المنبر.. جاز أن يخطب على المنبر، أو على راحلته، أو نشز من الأرض؛ لأنه لا يختص بمكان دون مكان. قال الشافعي: (وأحبُّ أنْ يتمطر الإنسان في أول مطر حتى يصيب ثيابه وبدنه؛ لما روي: أن «النبي ﷺ كان إذا جاء أول المطر.. خرج حتى يصيب جسده منه، ويقول: "إنه قريب عهد بربه» . وروي: (أن ابن عباس كان إذا جاء المطر، يأمر عبده أن يخرج رحله وفراشه على المطر، فقيل له في ذلك؟ فقال: أما قرأت: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق: ٩] [ق: ٩] ؟!

стр. 1123

فأحب أن ينالني من بركته) . وروي: أن النبي ﷺ كان إذا سال الوادي.. قال لأصحابه: «اخرجوا بنا إلى هذا الذي سمَّاه الله طهورًا، فنتطهَّر منه، ونحمد الله عليه» . ويستحب أن يدعو عند نزول الغيث؛ لما روى الشافعي بإسناده: أن النبي ﷺ قال: «اطلبوا استجابة الدُّعاء عند ثلاث: عند التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة، ونزول الغيث» . [فرع المطر من فضل الله تعالى] روى الشافعي في " الأمِّ " [١ ٢٢٣] : «عن زيد بن خالد، قال: (صلَّى بنا رسول الله ﷺ الصبح بالحديبية في إثر سماء كانت من الليل، ثم قال: "أتدرون ما قال ربكم؟ "، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "قال: أصبح من عبادي مؤمن بي كافرٌ بالكوكب، وكافرٌ بي مؤمن بالكوكب، فمن قال: مطرنا بفضل الله ورحمته.. فذلك مؤمن بي كافرٌ بالكوكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا.. فذلك كافرٌ بي مؤمن بالكوكب» .

стр. 1124

و (الأنواء) : هي البروج، وهي ثمانية وعشرون نجمًا، يطلع في كل ثلاثة عشر يومًا منها واحد، ويغيب رقيبه، والنوء: هو النهوض، فمن قال: إن النوء هو الممطر.. فذلك كافرٌ، وإن أراد: أنه وقت أجرى الله تعالى العادة بمجيء المطر فيه.. فيكره أن يقال ذلك، ولكن لا يكفر قائله. وقد روى عن عمر: أنه قال في يوم جمعة على المنبر: (كم بقي من نوء الثُريَّا؟ فقال العباس: العواء، ودعا الناس حتى نزل من المنبر، فَمُطِروا مطرًا أحيا الناس) . [فرع إشفاقه ﷺ من البرق والرعد] وروي: «أن النبي ﷺ كان إذا برقت السماء، أو رعدت.. عُرف ذلك في وجهه، فإذا نزل المطر.. سري عنه» . قال الشافعي: (ولا ينبغي لأحد أن يسب الريح.. فإنها خلق لله مطيعة) . وروي عن النبي ﷺ : أنه قال: «الريح من روح الله، تأتي بالرحمة، وتأتي بالعذاب، فلا تسبُّوها، واسألوا الله خيرها، وعُوذُوا به من شرها» .

стр. 1125

وروي عن عروة: أنه قال: (إذا رأى أحدكم البرق.. فلا يشير إليه) . قال الشافعي: (حكي عن مجاهد، أنه قال: الرعد ملك، والبرق بياض جناحيه إذا نشرهما، وما أحسن ما قال؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ [الرعد: ١٣] [الرعد: ١٣] . ويستحب لمن سمع الرعد أن يسبح؛ لما روي عن ابن عباس: قال: (كنا مع عمر ﵁ في سفر، فأصابنا رعد وبرق وبرد، فقال لنا كعب: من قال حين يسمع الرعد: سبحان من يسبح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته (ثلاثًا) .. عوفي من ذلك الرعد، فقلنا ذلك، فعوفينا) . وروي عن بعض الصحابة: أنه كان إذا سمع الرعد.. قال: (سبحان من سبحت له) . وبالله التوفيق.

стр. 1126

[كتاب الجنائز] [ باب ما يفعل بالميت]

стр. 1127

كتاب الجنائز باب ما يفعل بالميت يستحب لكل أحد أن يكثر من ذكر الموت في جميع أحواله؛ لما روي: أن النبي ﷺ قال: «أكثروا من ذكر هاذم اللذات". "فما ذكر في كثير ... إلا وقلله، ولا ذكر في قليل إلا وكثره» . وروي: (أنه كان منقوشًا على خاتم عمر ﵁: كفى بالموت واعظًا يا عمر) .

стр. 1128

وروي: أن النبي ﷺ قال: «استحيوا من الله حق الحياء" فقيل له: وكيف ذلك: قال: "من حفظ الرأس وما حوى، والبطن وما وعى، وترك زينة الحياة الدنيا، وذكر الموتى والبلى ... فقد استحيا من الله حق الحياء» . وروي: (الجوف وما وعى) فقيل: معناه: البطن والفرج، فيكون تأويله: ألا يضع في بطنه إلا حلالاً، ولا يضع فرجه إلا في حلال. وقيل: بل أراد (بالجوف) : القلب، (وما وعى) : من معرفة الله والعلم بحلاله وحرامه، وأن لا يضيع ذلك. وأما (الرأس) : فقال أبو عبيد: أراد به الدماغ، وإنما خص به القلب والدماغ؛ لأنهما مجمع العقل ومسكنه. ويستحب أن يستعد للموت: بالخروج من المظالم، وإصلاح المشاجر له، والإقلاع عن المعاصي، والإقبال على الطاعات؛ لأنه لا يأمن أن يأتيه الموت فجأة، واستحبابنا ذلك في حال المرض أشد؛ لأنه سبب الموت. [مسألة: الصبر عند المرض والابتلاء] ومن مرض ... استحب له أن يصبر عليه؛ لما روي: «أن امرأة قالت: (يا رسول الله، ادع الله أن يشفيني، فقال: "إن شئت دعوت الله فشفاك، وإن شئت ... فاصبري، ولا حساب عليك"، فقالت: أصبر ولا حساب علي»

стр. 1129

ويكره للمريض الأنين، لما روي عن طاووس: أنه كره له ذلك. ويكره للمريض أن يتمنى الموت وإن اشتد مرضه؛ لما روي عن النبي ﷺ : أنه قال: «لا يتمنين أحدكم الموت، لضيق نزل به، وليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي» . ويستحب له أن يتداوى؛ لقوله ﷺ : «إن الله تعالى أنزل الداء والدواء، فتداووا، ولا تداووا بالحرام» . ويستحب للإنسان أن يحسن ظنه بالله تعالى في حياته، وعند وفاته؛ لما روى جابر: أنه قال: «سمعت النبي ﷺ قبل موته بثلاث يقول: لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى»

стр. 1130

وروي: أن النبي ﷺ قال: «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء» . وروي: «أن النبي ﷺ دخل على شاب، وهو يكابد الموت، فقال: "كيف تجدك؟ "، فقال: أرجو الله يا رسول الله، وأخاف من ذنوبي، فقال ﷺ : لا يجتمعان في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو، وأمنه مما يخاف» ويستحب عيادة المريض، لما روي عن البراء بن عازب، أنه قال: «أمرنا رسول الله ﷺ باتباع الجنائز، وعيادة المريض، وإجابة الداعي، ونصرة المظلوم، وإبرار القسم، ورد السلام، وتشميت العاطس» .

стр. 1131

وروى علي ﵁ وأرضاه: أن النبي ﷺ قال: «ما من مسلم يعود مسلمًا غدوة وعشية ... إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن عاده عشية صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح، فإن رجا له العافية ... دعا له بها» . والمستحب: أن يقول: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك (سبع مرات) ؛ لما روي: أن النبي ﷺ قال: «من قال ذلك سبع مرات عند مريض لم يحضره أجله ... عافاه الله من مرضه» . ويستحب أن يبشره بالعافية؛ لما روى أبو سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال: «إذا دخلتم على المريض ... فنفسوا له في أجله، فإن ذلك لا يرد شيئًا، ويطيب نفسه» . وإن رآه منزولاً به، فالمستحب: أن يلقنه قول: لا إله إلا الله؛ لقوله ﷺ : «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله»

стр. 1132

والمستحب: أن لا يقول له: قل: لا إله إلا الله، ولكن يقول عنده؛ لأنه ربما ضاق صدره إذا قال له: قل: لا إله إلا الله، فقال: لا، فيكفر، ولا يكثر عليه. قال المحاملي: بل يلقنه ثلاث مرات، فإذا قالها ... لم يلقن إلا أن يتكلم بكلام غيرها؛ لقوله ﷺ : «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» . ويستحب أن يوضع على جنبه الأيمن، ويستقبل القبلة بجميع بدنه، كما يوضع الميت في لحده؛ لقوله ﷺ : «إذا نام أحدكم ... فليتوسد يمينه» . وقال ﷺ : «خير المجالس ما استقبل به القبلة» . فاستحب أن يموت على أشرف الهيئات. وروي: أن فاطمة ابنة رسول الله ﷺ قالت لأم ولد رافع: (ضعي فراشي هاهنا، واستقبلي بي القبلة، ثم قامت، واغتسلت كأحسن ما يغتسل، ولبست ثيابًا جددًا، ثم

стр. 1133

قالت: تعلمين أني مقبوضة الآن، ثم استقبلت القبلة، وتوسدت يمينها) . قال الشافعي ﵀: (فإن لم يكن ذلك لضيق المكان ... ألقي على قفاه حتى يكون بوجهه وقدميه مستقبل القبلة) . ويستحب أن يُقرأ عنده سورة (يس) ؛ لما روي: أن النبي ﷺ قال: «اقرؤوا على موتاكم يس» . ويستحب أن يقرأ عنده سورة (الرعد) ؛ لما روي عن جابر بن زيد: أنه قال: اقرؤوا على موتاكم سورة الرعد؛ فإنها تهون عليه خروج الروح. [مسألة: ما يسن فعله بالميت] إذا مات الميت ... استحب أن يُفعل به سبعة أشياء: أحدها: أن يتولى أرفق أهله به - إما ولده، أو والده - إغماض عينيه بأسهل ما يقدر عليه، لما روت أم سلمة: «أن النبي ﷺ أغمض أبا سلمة لما مات، وقال: "إن البصر يتبع الروح» ، ولأنه إذا لم يفعل ذلك ... بقيت عيناه مفتوحتين، فقبح

стр. 1134

منظره، وإذا أغمضتا ... بقي كالنائم. الثاني: أن يشد لحيه الأسفل بعصابة عريضة أو عمامة، ويربطها فوق رأسه؛ لئلا يبقى فوه مفتوحًا، فتدخل إليه الهوام. الثالث: أن يلين مفاصله، فيرد ذراعيه إلى عضديه، ثم يمدهما، ويرد أصابع يديه إلى كفيه، ثم يمدها، ويرد فخذيه إلى بطنه، وساقيه إلى فخذيه، ثم يمدهما؛ ليكون أسهل على غاسله، وذلك: أن الروح إذا فارق البدن ... كان البدن حارًا، لقرب مفارقة الروح، ثم تبرد، فإذا لين عقيب خروجه لانت وإذا لم يلين ... بقيت جافة. الرابع: أن ينزع عنه ثيابه التي مات فيها. قال الشافعي: (سمعت أهل التجربة يقولون: إن الثياب تحمى عليه، فيسرع إليه الفساد) . الخامس: أن يسجى جميع بدنه بثوب؛ لما روت عائشة أم المؤمنين: «أن النبي ﷺ لما مات ... سجي بثوب حبرة» . السادس: أن يترك على شيء مرتفع من الأرض: إما سرير أو لوح؛ لئلا تصيبه نداوة الأرض، فيتغير ريحه. السابع: أن يثقل بطنه بحديدة، أو طين رطب؛ لما روي: أن مولى لأنس مات، فقال أنس: (ضعوا على بطنه حديدة؛ لئلا ينتفخ) .

стр. 1135

قال الشافعي: (وأول ما يبدأ به ولي الميت بعد ذلك أن يقضي دينه إن كان عليه، أو يحتال به على نفسه) ؛ لقوله ﷺ : «نفس المؤمن معلقة بدينه» ، وروي: «مرتهنة بدينه، حتى يقضى عنه» ، وإن كان قد وصى بوصية ... نفذت؛ لكي يتعجل له منفعتها. [مسألة: التحقق من الموت قبل الدفن] فإذا مات بمرض وعلة معروفة ... لم يدفن حتى تظهر فيه علامات الموت؛ لأنه قد يغشى عليه، فيخيل إليهم أنه قد مات. وذكر الشافعي ﵀ للموت أربع علامات: (إحداهن: أن تسترخي قدماه، فينصبان، فلا ينتصبان. الثانية: أن تميل أنفه. الثالثة: أن تمتد جلدة وجهه. الرابعة: أن ينخلع كفه من ذراعه) .

стр. 1136

وذكر أصحابنا علامة خامسة: وهو: أن ينخسف صدغاه. فإذا شوهدت هذه العلامات فيه، مع تقدم المرض ... تحقق بذلك موته. وإن مات فجأة بغير علة، كأن يموت من فزع، أو غرق، وما أشبه ذلك ... فإنه ينتظر حتى يتحقق موته. فإذا تحقق موته في هذا، أو في القسم قبله. فالسنة: أن يبادر إلى تجهيزه ودفنه؛ لقوله ﷺ : «ثلاثة لا تؤخروهن: الصلاة، والجنازة، والأيم إذا وجدت كفؤًا» . وروي: «أن النبي ﷺ دخل على طلحة بن البراء يعوده، فقال: "ما أرى الموت إلا قد ذهب بطلحة، فإذا مات ... فآذنوني، وبادروا به، فما ينبغي لجيفة مسلم أن يكون بين ظهراني أهله» . وبالله التوفيق

стр. 1137

[باب غسل الميت] غسل الميت فرض من فروض الكفاية، يجب على من علمه ميتًا أن يتولاه، فإذا قام به البعض ... سقط الفرض عن الباقين؛ لما روي: «أن النبي ﷺ قال في الرجل الذي سقط عن بعيره، فمات: اغسلوه بماء وسدر» قال أصحابنا: وهو إجماع لا خلاف فيه. [مسألة: المقدم لغسل الميت] فإن كان الميت رجلاً لا زوجة له: فأولى الناس بغسله الأب، ثم الجد أبو الأب وإن علا، ثم الابن، ثم ابن الابن وإن سفل، ثم الأخ، ثم ابن الأخ وإن سفل، ثم العم، ثم ابن العم وإن سفل، على ترتيب العصبات. وإنما قدمنا الأب والجد على الابن، لأنهم أكثر شفقة عليه من الابن. وإن كان له زوجة ... جاز لها غسله. قال أصحابنا: وهو إجماع لا خلاف فيه، إلا رواية تروى عن أحمد: أنه قال: (لا يجوز لها) .

стр. 1138

والدليل عليه: ما روي عن عائشة أم المؤمنين ﵂: أنها قالت: (لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا ... ما غسل رسول الله ﷺ غير نسائه) . وروي: (أن أبا بكر أوصى أن تغسله امرأته، وهي: أسماء ابنة عميس) ، ولا مخالف له، وهل تقدم الزوجة على الأب والجد وسائر القرابات؟ فيه وجهان: أحدهما: تقدم؛ لأن لها النظر إلى عورته، بخلاف القرابات فيه. والثاني: تقدم القرابة عليها، كما يقدمون في الصلاة عليه. والأول أقيس؛ لما ذكرناه من حديث عائشة وأبيها، فإن النبي ﷺ وأبا بكر

стр. 1139

- ﵁ كان لهما قرابة من الرجال. ويخالف الصلاة؛ لأن المرأة لا مدخل لها في التقدم بالصلاة على الميت. قال أبو المحاسن من أصحابنا: وإن مات رجل وامرأته حامل، فوضعت قبل أن تغسله ... حل لها غسله بعد الوضع. وقال أبو حنيفة: (ليس لها أن تغسله) . دليلنا: أنه مات على الزوجية التامة، فأشبه إذا بقيت عدتها. وإن كان له نساء من ذوات محارمه، كأمه، وجدته، وأخته، ومن أشبههن، فالذي يقتضي المذهب: أنه يجوز لهن غسله، كما يجوز له غسلهن، إلا أن الرجال والزوجة يقدمون عليهن. وإن كان الميت امرأة، ولا زوج لها ... فالنساء أحق بغسلها من الرجال، سواء كن محارم لها، أو أجنبيات؛ لأنهن أوسع في باب النظر، وأولاهن ذوات رحم محرم، وهن: كل من لو كانت رجلاً لم يحل له أن يتزوج بها، مثل: الأم، والجدة، والأخت، وابنة الأخ، وابنة الأخت، ومن أشبههن، ثم ذات رحم غير محرم، مثل: ابنة العم، ثم الأجنبيات. فإن لم يكن هناك نساء ... غسلها أقاربها من الرجال، من كان ذا رحم محرم لها، كالأب، ثم الجد، ثم الابن، ثم ابن الابن، ثم الأخ، ثم ابن الأخ، ثم العم، وهم عصبة لها ومحرم. فإن اجتمع الخال وابن الأخت مع ابن العم ... غسلها الخال، أو ابن الأخت؛ لأنهما من ذوي الأرحام المحرمين، وابن العم ليس من المحرمين، بل هو عصبة لا غير.

стр. 1140

وإن ماتت امرأة، ولها زوج ... جاز له غسلها، وبه قال مالك، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق. وقال أبو حنيفة: (لا يجوز له غسلها) . دليلنا: ما «روت عائشة: أن النبي ﷺ قال: "لو مت قبلي ... لغسلتك ودفنتك» . وروي: (أن فاطمة الزهراء ابنة رسول الله ﷺ لما ماتت ... أوصت أن يغسلها علي ﵁ وأسماء ابنة عميس ﵂، فغسلاها) وظهر ذلك في

стр. 1141

الصحابة، ولم ينكره أحد، فدل على أنه إجماع. ولأنه أحد الزوجين، فجاز له غسلها، كالزوجة. ولأن النظر الذي يستفاد بعقد النكاح نظران: نظر شهوة، ونظر حرمة، فإن مات أحد الزوجين ... بطل جواز النظر بالشهوة، وبقي جواز النظر بالحرمة. إن ثبت هذا: فهل يقدم الزوج على غيره؟ فيه وجهان، كالوجهين في الزوجة، هل تقدم على الرجال، وقد مضى توجيههما. فإن قلنا: تقدم الزوجة على الرجال ... قدم الزوج - هاهنا - على النساء والرجال من أقاربها؛ لأنه أوسع في باب النظر منهن ومنهم. وإن قلنا: يقدم الرجال على الزوجة ... قدم النساء - هاهنا - ثم القرابات المحرمون من الرجال، ثم الزوج. وإن مات وله امرأتان أو أكثر في حالة واحدة ... أقرع بينهما بتقديم الغسل؛ لأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى. وإن طلق زوجته طلاقًا رجعيًا، ثم مات أحدهما ... لم يجز للآخر غسله. وقال مالك ﵀ في إحدى الروايتين عنه: (يجوز له أن يغسلها) . دليلنا: أنها محرمة الوطء عليه، فأشبهت المبتوتة.

стр. 1142

[مسألة: عدم وجود مغسل من جنسه] مسألة: [في عدم وجود مغسل من جنسه] : إذا مات رجل بين نسوة لا محرم له منهن، أو ماتت امرأة بين رجال لا محرم لها منهم ... ففيه وجهان: أحدهما: ييمم ولا يغسل، وهو قول ابن المسيب، وحماد، ومالك، وأبي حنيفة رحمة الله عليهم، لأن في غسله النظر إلى من ليس بمحرم. والثاني: وبه قال قتادة، والزهري، والنخعي رحمة الله عليهم: أنه يجعل على الميت ثوب، ويصب الماء من تحت الثوب، ويمر الغاسل يده عليه، وعليها خرقة؛ لأنه يمكن غسله بذلك. وقال الأوزاعي: (لا ييمم، ولا يغسل، بل يدفن) . واختار هذا الشيخ أبو نصر في " المعتمد ". دليلنا: أن غسله ممكن، على ما ذكرناه، فلم يسقط فرضه. وإن مات خنثى مشكل، وليس هناك أحد من ذوي محارمه من الرجال والنساء ... ففيه أربعة أوجه: وجهان حكاهما فيه ابن الصباغ، وهما الوجهان في التي قبل هذه في الرجل إذا مات وليس له قرابة، لا من الرجال، ولا من النساء المحرمات عليه، ووجهان حكاهما أصحابنا الخراسانيون فيه: أحدهما: يُشترى له جارية من ماله إن كان له مال، أو من بيت المال إن لم يكن له مال؛ لأنه لا يجوز للرجال غسله؛ لجواز أن تكون امرأة، ولا يجوز للنساء غسله؛ لجواز أن يكون رجلاً، ولا بد من غسله، ولا طريق إلى جواز غسله إلا بذلك.

стр. 1143

والوجه الثاني - وهو قول القفال -: أنه يغسله الرجال والنساء استصحابًا لحكمه في حال الصغر؛ لأن الصغير من الرجال والنساء يجوز للنساء والرجال غسله. فإن كان الخنثى ذميًا، ولا مال له ... لم يكن فيه إلا الأوجه الثلاثة ويسقط شراء الجارية له من بيت المال؛ لأنه لا حق له في بيت المال. فإذا قلنا: يُشترى له جارية، فاشتريت من ماله ... فإنها تكون لوارثه، كسائر أمواله، وإن اشتريت للمسلم من بيت المال اشتريت من سهم المصالح، فإذا فرغت من غسله وتكفينه ... بيعت، وأعيد ثمنها إلى بيت المال، ولا حق لوارثه فيها. [فرع: غسل الصغير] قد ذكرنا: أن الصغير من الرجال والنساء يجوز للرجال والنساء غسله. قال الشيخ أبو نصر في " المعتمد ": وليس في سنه نص، والذي يجيء على المذهب: أنه ما لم يكن مميزًا ... غسله الرجال والنساء. وقال الحسن ﵀: ما لم يفطم. وقال مالك رحمة الله عليه: (ما له دون سبع سنين) ، وقال أبو حنيفة: (ما لم يتكلم) . [فرع: يغسل السيد أمته] ] : وإن ماتت أم ولده، أو أمته القنة ... جاز للسيد غسلها. وقال أبو حنيفة: (لا يجوز) ؛ لأنه لا يجوز له وطؤها. دليلنا: أنه يلزمه الإنفاق عليها بحكم الملك، فكان له غسلها، كالحية.

стр. 1144

وإذا مات السيد: فهل يجوز لأم الولد غسله؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز، وبه قال أبو حنيفة؛ لأنها عتقت بموته، فصارت أجنبية منه. والثاني: يجوز؛ لأنه لما جاز له غسلها ... جاز لها غسله، كالزوجة. وهل لأمته القنة غسله؟ فيه وجهان، حكاهما أصحابنا الخراسانيون: أحدهما: يجوز لها غسله، كما يجوز له غسلها. والثاني: لا يجوز، لأنها أجنبية منه، إذ صارت ملكًا لوارثه. [مسألة: غسل الكافر] وإن مات كافر ... جاز غسله؛ لـ: «أن النبي ﷺ أمر عليًا ﵁ أن يغسل أباه» ، ولو لم يكن جائزًا لما أمره بغسله. فإن كان له قرابة مسلمون، وقرابة كفار، وتنازعوا في غسله ... فالكفار أولى؛ لأنه لا موالاة بينه وبين المسلمين.

стр. 1145

فإن لم يغسله الكافر، أو لم يكن له ولي كافر، جاز لوليه المسلم غسله، وكفنه، ودفنه، ولا يجوز له الصلاة عليه. وقال مالك رحمة الله عليه: (لا يجوز له غسله، ولا يجوز الصلاة عليه) . دليلنا: ما روي: «أن النبي ﷺ أمر عليًا أن يغسل أباه» ، ولو لم يجز له غسله، لما أمره به. ولأن الله تعالى قال: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] [لقمان: ١٥] . ومن المعروف غسله إذا مات، ويخالف الصلاة، فإن القصد بها الترحم عليه، والترحم عليه لا يجوز، والقصد بالغسل التنظيف، وذلك يحصل بغسله. [فرع: غسل الذمية ونية الغسل] وإن ماتت ذمية، ولها زوج مسلم ... جاز له غسلها؛ لأن النكاح يجري مجرى النسب. وإن مات المسلم وله زوجة ذمية ... قال الشافعي: (كرهت لها أن تغسله، فإن غسلته أجزأه؛ لأن القصد منه التنظيف، وذلك يحصل بغسلها) . فمن أصحابنا من قال: لا يفتقر غسل الميت إلى النية، واستدل بما ذكره الشافعي في غسل الذمية للمسلم؛ لأنها لو كانت واجبة ... لما صحت من الكافرة، ولأن القصد منه التنظيف، فلم يفتقر إلى النية، كإزالة النجاسة. ومنهم من قال: إنه يفتقر إلى النية، فينوي الغاسل أنه غسل واجب؛ لأن الشافعي

стр. 1146

- ﵀ قال: (إذا وجد الغريق ... غسل) ، فلما لم يكتف بإصابته الماء علم أن النية واجبة. ولأنه غسل لا يتعلق بإزالة عين، فوجبت فيه النية، كغسل الجنابة. ومن قال بالأول ... قال: لم يوجب الشافعي ﵀ غسل الغريق لعدم النية، وإنما أوجبه لعدم فعل الآدمي فيه؛ لأن غسل الميت يجب علينا، فلما لم يفعله الآدمي لم يسقط الفرض عنا. [مسألة: ستر موضع الغسل] قال الشافعي ﵀: (ويستر موضعه الذي يغسل فيه، فلا يراه إلا غاسله ومن لا بد له من معونته عليه، ويغضون أبصارهم عنه، إلا فيما لا يمكن غيره، ليعرف الغاسل ما غسل؛ لأنه قد يكون فيه عيب يكتمه) . وينبغي أن يكون الغاسل ثقة؛ لما روي عن ابن عمر ﵁ وأرضاه: أنه قال: (لا يغسل موتاكم إلا المأمونون) . ولأنه إذا لم يكن ثقة ... لم يؤمن أن لا يستوفي الغسل، أو يظهر ما يرى من قبيح، ويخفي ما يرى من جميل. ويستحب أن لا يكون مع الغاسل إلا من لا بد له من معونته. ويستحب أن يغسل في قميص رقيق؛ لكي إذا صب الماء ... نزل، ولم يقف، فإن كانت أكمام القميص واسعة أدخل الغاسل فيه يده، وصب الماء من فوق القميص،

стр. 1147

وإن كانت أكمامه ضيقة ... فإن الشافعي قال: (ينزع القميص، ويطرح على عورته خرقة، ويغسل) . وقال أبو علي بن أبي هريرة: فيشق فوق الدخاريص، ويدخل يده فيه، هذا مذهبنا، وبه قال مالك، وأحمد. وقال أبو حنيفة: (الأفضل أن يجرد، ولا يغسل في قميص) . دليلنا: ما روي عن عائشة أم المؤمنين: أنها قالت: «لما مات رسول الله ﷺ سمعنا صوتًا، ولم ندر من يتكلم: اغسلوا نبي الله في ثيابه، فغسل رسول الله ﷺ في قميصه، والماء يصب من فوق القميص» ، ولأن ذلك أستر، فكان أولى. [مسألة: موضع الميت حال الغسل] قال المزني: ويفضى بالميت إلى مغتسله، ويكون كالمنحدر قليلاً، ويعاد تليين مفاصله، وهذا صحيح، إذا أريد غسل الميت، فإنه يجعل على ألواح، ويكون منحدرًا من قبل رجليه؛ لئلا يقف الماء، فيستنقع الميت فيه، وتسترخي مفاصله. قال أصحابنا: وأما تليين مفاصله عند الغسل: فلا يعرف في شيء من كتب الشافعي ﵀، ولا يحتاج إليه؛ لأن بدنه قد برد، فلا ينفعه ذلك. فلا معنى لما ذكره المزني من ذلك. ويستحب أن يكون مع الغاسل ثلاثة آنية: إناء كبير، كالحب، يكون فيه الماء بالبعد منه؛ لئلا يتطاير إليه شيء من النجاسة إن كان هناك.

стр. 1148

وإناء صغير أصغر من الأول بقرب الغاسل. وإناء صغير بيد المعين يغرف به من الإناء الكبير إلى الذي هو أصغر منه، ثم من ذلك الإناء إلى الميت. والماء البارد أولى من المسخن، إلا أن يكون بالميت وسخ لا يزيله إلا المسخن، أو كان البرد شديدًا لا يقدر الغاسل على استعمال الماء البارد، فلا بأس بالمسخن. وقال أبو حنيفة: (المسخن أولى بكل حال) . دليلنا: أن البارد يشد بدنه، والمسخن يرخيه، فكان البارد أولى. [فرع: إعداد الغاسل الخرق ونحوها] ويعد الغاسل خرقتين، فيلف إحداهما على يديه، ويغسل بها فرجيه، وأسفله، ويرمي بها، ويأخذ الأخرى، فيغسل بها بقية بدنه، ولو غسل كل عضو بخرقة ... كان أولى؛ لما روي: (أن عليا ﵁ غسل النبي ﷺ وبيديه خرقة يتبع بها ما تحت القميص) . ولو غسل الخرقة التي نجاه بها، وغسل بها بدنه ... جاز. ولا يجوز للغاسل أن يمس عورة الميت بيديه، ولا ينظر إليها، كما لا يجوز له ذلك في حال حياته، ويغض بصره عن سائر بدنه، إلا ما لا بد له منه.

стр. 1149

ويستحب أن يكون بقربه مجمرة فيها بخور أو عود؛ لئلا يظهر ريح شيء إن خرج من الميت، فتضعف نفس الغاسل ومن يعينه. [مسألة: كيفية الغسل] وأول ما يبدأ به الغاسل: أن يجلس الميت إجلاسًا رفيقًا، ويكون جلوسه مائلاً على ظهره، ولا ينصبه نصبًا مستويًا؛ لأنه إذا نصبه نصبًا مستويًا ... لم يخرج منه شيء، ويمر يده على بطنه إمرارًا بليغًا؛ لما روي: (أن عبد الله بن عمر ﵄ وأرضاهما غسل عبد الله بن عبد الرحمن، فنفضه نفضًا شديدًا، وعصره عصرًا شديدًا، ثم غسله) . ولأنه إذا فعل به ذلك، وكان في جوفه شيء ... خرج منه، وإذا لم يفعل به ذلك ربما خرج منه ما بجوفه بعد كمال غسله، أو بعد تكفينه، فيفسد بدنه أو كفنه. ويلف الغاسل على يده إحدى الخرقتين المعدتين، فيدخل يده التي تلف الخرقة عليها بين فخذيه، ويصب عليه الماء، فيغسل بها مذاكيره، ويصب عليه الماء صبًا كثيرًا؛ ليذهب ما خرج من جوفه، ثم يرمي بهذه الخرقة، ويغسل يديه بماء وأشنان إن كان عليها نجاسة، ثم يأخذ الخرقة الأخرى، ويلفها على يده، فيوضئ

стр. 1150

الميت، فيبدأ بالمضمضة والاستنشاق، ويدخل أصابعه في فمه، ويمرها على ظاهر أسنانه بالماء، ولا يفغر فاه، أي: لا يفتحه، ويدخل أصبعه في خيشومه؛ ليزيل وسخًا إن كان هناك، ثم يغسل وجهه ويديه، ويمسح رأسه، ويغسل رجليه. وقال أبو حنيفة: (لا تستحب المضمضة والاستنشاق في غسل الميت) . دليلنا: «قوله ﷺ لمن غسل ابنته: ابدأن بمواضع الوضوء منها» ومعلوم: أن موضع المضمضة والاستنشاق من مواضع الوضوء، ثم يغسل رأسه، ثم لحيته، بالماء والسدر والخطمي. وقال النخعي: يبدأ بلحيته قبل رأسه. دليلنا: أنه إذا غسل لحيته أولاً، ثم غسل رأسه ... نزل الماء والسدر إلى لحيته، فيحتاج إلى غسلها من ذلك ثانيًا. وإذا بدأ بغسل رأسه، لم ينزل من لحيته إلى رأسه شيء، فكانت البداية بالرأس أولى. وإن كان شعر الرأس واللحية متلبدًا ... سرحهما بمشط منفرج الأسنان.

стр. 1151

وقال أبو حنيفة: (لا يسرحهما بمشط) . دليلنا: ما روي «عن أم عطية: أنها قالت (ضفرنا شعر ابنة رسول الله ﷺ ثلاثة قرون، وألقيناها خلفها» . وهذا لا يكون إلا بعد التسريح. ولقوله ﷺ : «افعلوا بميتكم ما تفعلون بعروسكم» . ومعلوم: أن شعر العروس يسرح، فكذلك شعر الميت. ثم يغسل صفحة عنقه اليمنى، ثم شق صدره، وجنبه، وفخذه، وساقه الأيمن، ثم يعود إلى شقه الأيسر، فيغسله من صفحة عنقه الأيسر كذلك، ثم يحرفه على جانبه الأيسر، فيغسل جانب ظهره الأيمن وقفاه إلى ساقه الأيمن، ثم يحرفه على جانبه الأيمن، فيغسل جانب ظهره الأيسر وقفاه إلى ساقه الأيسر.

стр. 1152

وقال الشافعي ﵀ في موضع آخر: (إنه يغسل جانبه الأيمن من مقدمه ويحوله، ثم يغسل جانب ظهره الأيمن، ثم يعود إلى جانبه الأيسر من مقدمه، فيغسله، ثم يحوله، ويغسل جانب ظهره الأيسر، وأيها فعل ... أجزأه) ، إلا أن الأول أولى، ويكون ذلك بالماء المخلوط فيه السدر. وإن كان عليه وسخ كثير لا يزول إلا بالأشنان ... لم يكن باستعماله بأس، فإذا فرغ من غسله بالماء المخلوط فيه السدر، صب عليه الماء القراح - وهو الذي لا يخالطه غيره - من قرنه إلى قدميه، على جميع بدنه، ويكون الغسل المعتد به هو هذا الغسل بالماء القراح، دون الغسل بالماء والسدر. وقال أبو إسحاق المروزي: يعتد بالغسل بالماء والسدر من الغسلات. وليس بشيء؛ لأن الشافعي ﵀ قال: (وكل ما صب عليه الماء بعد السدر، حسب ذلك غسلاً) ، ولأن الماء إذا خلط فيه السدر ... سلب صفته. إذا ثبت هذا: فإنه يستحب أن يغسل وترًا، ثلاث مرات، أو خمسًا، أو سبعًا، كما ذكرناه، في كل مرة يغسل بالماء والسدر، ثم يصب عليه الماء القراح، فيحتسب الغسل بالماء القراح، ويستحب أن يجعل الكافور في الماء القراح في كل غسلة، فإن لم يمكن ... ترك في الغسلة الأخيرة. وقال أبو حنيفة: (يغسل ثلاث مرات، أولها: بالماء القراح، والثانية: بالماء والسدر، والثالثة: بالماء القراح، ولا يستحب الكافور) . وقال مالك: (لا حد في الغسل) .

стр. 1153

دليلنا: ما روت أم عطية: «أن النبي ﷺ قال في غسل ابنته: "اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا بماء وسدر، أو أكثر إن رأيتن ذلك، واجعلن في الغسلة الأخيرة كافورًا، أو شيئًا من كافور» . وظاهر الخبر يقتضي: أن كل غسلة منها تكون بالسدر. والواجب غسل مرة واحدة؛ لقوله ﷺ في المحرم الذي خر من بعيره: «اغسلوه بماء وسدر» . وذلك لا يقتضي أكثر من مرة، ولأن غسل الحي يجزئ مرة واحدة، فكذلك غسل الميت. ويستحب أن يمر يده على بطنه، ويعصرها في كل مرة، إلا أنه يبالغ في المرة الأولى، ويرفق فيما بعدها، ويتفقده عند آخر غسلة، فإن خرج من أحد فرجيه شيء ... قال الشافعي ﵀: (يعاد غسله) ، واختلف أصحابنا فيه: فقال المزني وغيره من أصحابنا: يجب غسل الموضع لا غير، وهو قول مالك، والثوري، وأبي حنيفة رحمة الله عليهم؛ لأن غسله قد صح، فلا يبطل بالحدث، كالجنب إذا اغتسل، ثم أحدث، وقول الشافعي ﵀: (يعاد غسله) أراد: استحبابًا، لا وجوبًا. وقال أبو إسحاق: يجب غسل الموضع، وغسل أعضاء الوضوء، كالحي إذا اغتسل من الجنابة، ثم أحدث. وقال أبو علي بن أبي هريرة: يجب إعادة غسل جميع بدنه، وهو قول أحمد ﵀؛ لأنه خاتمة طهارته. قال الشيخ أبو حامد: وهذا أضعف الوجوه، والأول هو الصحيح.

стр. 1154

[فرع: تنشيف المغسل] فإذا فرغ من غسله ... قال الشافعي ﵀ (فإنه ينشف في ثوب، ثم يصير في أكفانه، وإنما كان كذلك؛ لأن عادة الحي إذا اغتسل أن ينشف في ثوب، ثم يلبس ثيابه، فكذلك الميت، ولأنه إذا لم يفعل ذلك ابتلت أكفانه، وأسرع الفساد إليها) . وإن تعذر غسل الميت؛ لعدم الماء أو لغيره ... يمم؛ لأنه غسل لا يتعلق بإزالة عين، فناب التيمم عنه عند العجز، كغسل الجنابة. [مسألة: غسل الجنب والحائض للميت] يجوز للجنب والحائض غسل الميت، وكره ذلك الحسن، وابن سيرين، وقال مالك ﵀: (لا يغسله الجنب) . دليلنا: أن الجنب والحائض طاهران، فلم يمنعا من غسل الميت. وإن مات الجنب أو الحائض ... غسلا غسلاً واحدًا. وقال الحسن: يغسلان غسلين، وهذا ليس بصحيح؛ لأن موجبهما واحد، وهو الحدث، فتداخلا، كغسل الجنابة والحيض في حال الحياة. [مسألة: لا يختن الأقلف بعد موته] ] : وإذا مات الرجل، وهو أغلف لم يختن ... فهل يختن بعد موته؟ فيه وجهان، حكاهما في " الفروع ": أحدهما: يختن، صغيرًا كان أو كبيرًا. والثاني: إن كان صغيرًا، لم يختن، وإن كان كبيرًا ... ختن.

стр. 1155

وقال سائر أصحابنا: لا يختن، من غير تفصيل؛ لأنه قطع عضو، والميت لا يقطع منه عضو. وأما تقليم الأظافر، وحف شاربه، وحلق عانته، ونتف إبطه: فقال الشيخ أبو حامد: لا خلاف على المذهب: أنه لا يستحب، ولكن هل يكره؟ فيه قولان: أحدهما: يكره؛ لأنه متصل بالميت، فلم يقطع منه، كموضع الختان. فإن قلنا بهذا: أخذ الغاسل خلة من شجرة لينة لا تجرح، ويتبع بها ما تحت أظافيره. والثاني: لا يكره؛ لقوله ﷺ : «افعلوا بميتكم، ما تفعلون بعروسكم» . والعروس يفعل به هذا، فكذلك الميت. وروي: (أن سعد بن أبي وقاص ﵁ وأرضاه: غسل ميتًا، فدعا بموسى، وحلقه) . ولا يعرف له مخالف. فإذا قلنا بهذا: فإن شاء ... حلقه بالنورة، وإن شاء بالموسى. وأما شعر رأسه: فقد قال الشافعي ﵀: لا يحلق؛ لأن شعر الرأس إنما يحلق لزينة، أو نسك، والميت لا يزين، ولا نسك عليه.

стр. 1156

وقال أبو إسحاق: فإن كان شعره جمة ... لم يحلق؛ لأن حلقه ليس بزينة في حقه، وإن كان ممن يحلق رأسه في حياته في العادة فحلقه تنظيف في حقه، وهل يكره حلقه؟ على القولين في حلق شعر العانة، والمذهب الأول. [فرع: غسل المرأة كالرجل] وإن كان الميت امرأة ... كان غسلها كغسل الرجل، وإن كان لها شعر ضفر بعد الغسل ثلاث ضفائر، وألقين خلفها. وقال أبو حنيفة: (لا يسرح، ويجعل بين يديها) . دليلنا: ما ذكرناه من حديث أم عطية في غسل ابنة رسول الله ﷺ . [مسألة: غسل المغسل] وإذا فرغ الغاسل من غسل الميت ... اغتسل، وهل يجب ذلك عليه، أو يستحب؟ فيه قولان: أحدهما: يستحب، ولا يجب، وبه قال ابن عباس، وابن عمر، وعائشة ﵃؛ لأن الميت طاهر، ومن غسله طاهر، فهو كما لو غسل جنبًا. والثاني: يجب، وبه قال علي، وأبو هريرة ﵄؛ لما روى أبو هريرة: أن النبي ﷺ قال: «من غسل ميتًا ... فليغتسل، ومن مسه فليتوضأ» .

стр. 1157

والأول أصح، والخبر محمول على الاستحباب، بدليل: ما روى ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: «لا غسل عليكم من غسل ميتكم، حسبكم أن تغسلوا أيديكم» . وروي عن عائشة ﵂: أنها قالت: (أأنجاس موتاكم؟!) ، تريد بذلك: الإنكار على من قال بوجوب الغسل من غسل الميت. وأما قول النبي ﷺ : «والوضوء من مسه» : فيحتمل أنه أراد: من مس ذكره، ويحتمل أنه أراد: الوضوء، لا لأجل مسه، ولكن لأجل الصلاة عليه عند مسه، حتى لا تفوته الصلاة إذا اشتغل بالوضوء بعد غسله، ويحتمل أنه أراد: غسل اليد. إذا ثبت: أن الغسل من غسل الميت لا يجب ... فهل هو آكد، أو غسل الجمعة؟ فيه قولان: أحدهما: أن غسل الجمعة آكد؛ لأن الأخبار فيه أثبت. والثاني: أن الغسل من غسل الميت آكد، وهو الأصح؛ لأنه مختلف في وجوبه عندنا، بخلاف غسل الجمعة.

стр. 1158

ويستحب لمن غسل ميتًا، فرأى ما يعجبه، مثل: تهلل وجهه، وما أشبه ذلك ... أن يتحدث به، وإن رأى ما يكرهه، مثل: اسوداد وجهه، وما أشبه ذلك أن لا يتحدث به؛ لما روى أبو رافع: أن النبي ﷺ قال: «من غسل ميتًا، فكتم عليه ... غفر الله له أربعين مرة» . وإن كان الميت مبتدعًا مظهرًا لبدعته، ورأى الغاسل منه ما يكرهه، فالذي يقتضي القياس: أن يتحدث به الغاسل في الناس، ليكون ذلك زجرًا للناس عن البدعة. والله أعلم، وبالله التوفيق

стр. 1159

[باب الكفن] وتكفين الميت فرض على الكفاية؛ لقوله ﷺ في المحرم الذي خر من بعيره، فمات: «وكفنوه في ثوبيه اللذين مات فيهما» . ويجب الكفن ومؤنة الغسل والدفن من رأس مال الميت مقدمًا على الدين، سواء كان موسرًا أو معسرًا، وبه قال مالك، وأبو حنيفة رحمة الله عليهما. وقال الزهري، وطاووس: إن كان موسرًا، فمن رأس ماله، وإن كان معسرًا، فمن ثلثه. وقال خلاس بن عمرو: يجب من ثلثه بكل حال. دليلنا: قوله ﷺ في الذي سقط من بعيره، فوقص، فمات: «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه اللذين مات فيهما» . ولم يسأل، هل يخرجان من ثلثه، أم لا؟ أو هل هو موسر، أو معسر؟. وروي: «أن رجلاً من الأنصار مات، فقدموا جنازته إلى النبي ﷺ ليصلي عليه، فقال: "هل على صاحبكم دين؟ "، فقالوا: نعم، عليه ديناران، فقال ﷺ : "صلوا على صاحبكم"، فتحملها أبو قتادة، فصلى النبي ﷺ عليه» .

стр. 1160

فلو كان الكفن محتسبًا من الثلث ... لوجب صرف كفنه في الدينارين. فإن قال بعض الورثة: أنا أكفنه من مالي، وقال بعضهم: بل يكفن من التركة ... كفن من التركة؛ لأن في كفنه من مال بعض الورثة منة على الباقين، فلم يلزمهم قبولها. وإن كان الميت امرأة لها زوج، ففيه وجهان: أحدهما - وهو قول أبي إسحاق -: أنه يجب على زوجها؛ لأن من وجبت كسوته على شخص في حال الحياة ... وجب كفنه عليه في الموت، كالمملوك. والثاني - وهو قول أبي علي بن أبي هريرة -: إنه لا يجب على الزوج، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد؛ لأن الكسوة إنما وجبت عليه في حياتها؛ لأجل تمكينها له من الاستمتاع، وقد عدم ذلك بموتها. فعلى هذا: يجب في مالها، فإن لم يكن لها مال ... فعلى قرابتها الذين تلزمهم نفقتها لو لم يكن لها زوج، فإن لم يكن ففي بيت المال. والأول أصح. [مسألة: أقل الكفن] وأقل ما يجب في الكفن ما يستر به عورة الميت. ومن أصحابنا من قال: يجب ثوب في الرجل والمرأة؛ لأن ما دونه لا يسمى كفنًا. والأول أصح؛ لما روي: «أن مصعب بن عمير قتل يوم أحد، ولم يكن له إلا
следующие страницы →