← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21721

البيان في مذهب الإمام الشافعي

العمراني

Полный текст (7 092 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

وقال أبو إسحاق: فإن كان شعره جمة ... لم يحلق؛ لأن حلقه ليس بزينة في حقه، وإن كان ممن يحلق رأسه في حياته في العادة فحلقه تنظيف في حقه، وهل يكره حلقه؟ على القولين في حلق شعر العانة، والمذهب الأول. [فرع: غسل المرأة كالرجل] وإن كان الميت امرأة ... كان غسلها كغسل الرجل، وإن كان لها شعر ضفر بعد الغسل ثلاث ضفائر، وألقين خلفها. وقال أبو حنيفة: (لا يسرح، ويجعل بين يديها) . دليلنا: ما ذكرناه من حديث أم عطية في غسل ابنة رسول الله ﷺ . [مسألة: غسل المغسل] وإذا فرغ الغاسل من غسل الميت ... اغتسل، وهل يجب ذلك عليه، أو يستحب؟ فيه قولان: أحدهما: يستحب، ولا يجب، وبه قال ابن عباس، وابن عمر، وعائشة ﵃؛ لأن الميت طاهر، ومن غسله طاهر، فهو كما لو غسل جنبًا. والثاني: يجب، وبه قال علي، وأبو هريرة ﵄؛ لما روى أبو هريرة: أن النبي ﷺ قال: «من غسل ميتًا ... فليغتسل، ومن مسه فليتوضأ» .

стр. 1157

والأول أصح، والخبر محمول على الاستحباب، بدليل: ما روى ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: «لا غسل عليكم من غسل ميتكم، حسبكم أن تغسلوا أيديكم» . وروي عن عائشة ﵂: أنها قالت: (أأنجاس موتاكم؟!) ، تريد بذلك: الإنكار على من قال بوجوب الغسل من غسل الميت. وأما قول النبي ﷺ : «والوضوء من مسه» : فيحتمل أنه أراد: من مس ذكره، ويحتمل أنه أراد: الوضوء، لا لأجل مسه، ولكن لأجل الصلاة عليه عند مسه، حتى لا تفوته الصلاة إذا اشتغل بالوضوء بعد غسله، ويحتمل أنه أراد: غسل اليد. إذا ثبت: أن الغسل من غسل الميت لا يجب ... فهل هو آكد، أو غسل الجمعة؟ فيه قولان: أحدهما: أن غسل الجمعة آكد؛ لأن الأخبار فيه أثبت. والثاني: أن الغسل من غسل الميت آكد، وهو الأصح؛ لأنه مختلف في وجوبه عندنا، بخلاف غسل الجمعة.

стр. 1158

ويستحب لمن غسل ميتًا، فرأى ما يعجبه، مثل: تهلل وجهه، وما أشبه ذلك ... أن يتحدث به، وإن رأى ما يكرهه، مثل: اسوداد وجهه، وما أشبه ذلك أن لا يتحدث به؛ لما روى أبو رافع: أن النبي ﷺ قال: «من غسل ميتًا، فكتم عليه ... غفر الله له أربعين مرة» . وإن كان الميت مبتدعًا مظهرًا لبدعته، ورأى الغاسل منه ما يكرهه، فالذي يقتضي القياس: أن يتحدث به الغاسل في الناس، ليكون ذلك زجرًا للناس عن البدعة. والله أعلم، وبالله التوفيق

стр. 1159

[باب الكفن] وتكفين الميت فرض على الكفاية؛ لقوله ﷺ في المحرم الذي خر من بعيره، فمات: «وكفنوه في ثوبيه اللذين مات فيهما» . ويجب الكفن ومؤنة الغسل والدفن من رأس مال الميت مقدمًا على الدين، سواء كان موسرًا أو معسرًا، وبه قال مالك، وأبو حنيفة رحمة الله عليهما. وقال الزهري، وطاووس: إن كان موسرًا، فمن رأس ماله، وإن كان معسرًا، فمن ثلثه. وقال خلاس بن عمرو: يجب من ثلثه بكل حال. دليلنا: قوله ﷺ في الذي سقط من بعيره، فوقص، فمات: «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه اللذين مات فيهما» . ولم يسأل، هل يخرجان من ثلثه، أم لا؟ أو هل هو موسر، أو معسر؟. وروي: «أن رجلاً من الأنصار مات، فقدموا جنازته إلى النبي ﷺ ليصلي عليه، فقال: "هل على صاحبكم دين؟ "، فقالوا: نعم، عليه ديناران، فقال ﷺ : "صلوا على صاحبكم"، فتحملها أبو قتادة، فصلى النبي ﷺ عليه» .

стр. 1160

فلو كان الكفن محتسبًا من الثلث ... لوجب صرف كفنه في الدينارين. فإن قال بعض الورثة: أنا أكفنه من مالي، وقال بعضهم: بل يكفن من التركة ... كفن من التركة؛ لأن في كفنه من مال بعض الورثة منة على الباقين، فلم يلزمهم قبولها. وإن كان الميت امرأة لها زوج، ففيه وجهان: أحدهما - وهو قول أبي إسحاق -: أنه يجب على زوجها؛ لأن من وجبت كسوته على شخص في حال الحياة ... وجب كفنه عليه في الموت، كالمملوك. والثاني - وهو قول أبي علي بن أبي هريرة -: إنه لا يجب على الزوج، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد؛ لأن الكسوة إنما وجبت عليه في حياتها؛ لأجل تمكينها له من الاستمتاع، وقد عدم ذلك بموتها. فعلى هذا: يجب في مالها، فإن لم يكن لها مال ... فعلى قرابتها الذين تلزمهم نفقتها لو لم يكن لها زوج، فإن لم يكن ففي بيت المال. والأول أصح. [مسألة: أقل الكفن] وأقل ما يجب في الكفن ما يستر به عورة الميت. ومن أصحابنا من قال: يجب ثوب في الرجل والمرأة؛ لأن ما دونه لا يسمى كفنًا. والأول أصح؛ لما روي: «أن مصعب بن عمير قتل يوم أحد، ولم يكن له إلا

стр. 1161

نمرة، إذا غطي بها رأسه ... بدت رجلاه، وإذا غطي بها رجلاه بدا رأسه، فقال النبي ﷺ : غطوا بها رأسه، واجعلوا على رجليه من الإذخر» و (النمرة) : الشملة المخططة. وأما المستحب في كفن الرجل: فثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة. وقال أبو حنيفة: (يستحب القميص فيها) . دليلنا: ما روي عن عائشة: أنها قالت: «كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة» وروي: (أن عمر كفن في ثلاثة أثواب، بردتين سحوليتين، وثوب كان يلبسه) . قال ابن الصباغ: و (سحول) - بفتح السين -: مدينة بناحية اليمن يعمل فيها، و (السحول) - بضم السين -: هي الثياب الشديدة البياض. وقد روى الترمذي: «أن النبي ﷺ كفن في ثلاثة أثواب بيض يمانية» .

стр. 1162

وروى أبو عبيد الهروي: «أن النبي ﷺ كفن في ثوبين صحاريين» . وأما الجائز في كفن الرجل: فخمسة أثواب؛ لما روي: (أن ابن عمر كان يكفن أهله في خمسة أثواب فيها قميص وعمامة) . فإن كان في الكفن قميص وعمامة ... جُعلا تحت الثياب؛ لأن إظهارهما زينة، وليس حاله حال زينة، ويكره الزيادة على ذلك؛ لأنه سرف. ويستحب أن يكفن الصغير في ثلاثة أثواب. وقال أبو حنيفة: (يكفن في خرقتين) . دليلنا: أنه لما ساوى الكبير في صفة الكفن ... ساواه في قدره، كحال الحياة. وأما صفة الكفن: فإن الشافعي قال: (أستحب أن يكون ثلاثة أثواب بيض رياط) . وقال أبو حنيفة: (يكون فيهما برد حبرة) . دليلنا: «أن النبي ﷺ كفن في ثلاثة أثواب بيض» ، وروي: أن النبي ﷺ قال: «البسوا البياض، وكفنوا فيها موتاكم، فإنها أطيب وأطهر» . وأما (الرياط) : فواحدتها: ريطة، وهي الملاءة البيضاء التي ليست ملفقة من ثوبين. وإن اختلف الورثة في قدر الكفن ... قال بعضهم: يكفن بثلاثة أثواب، وقال بعضهم: يكفن بثوب، وقال بعضهم: يكفن بما يستر عورته ففيه ثلاثة أوجه:

стр. 1163

أحدها: أنه يقدم قول من دعا إلى الثلاث؛ لأنه هو الكفن المسنون. والثاني: يقدم قول من دعا إلى ثوب؛ لأنه يعم ويستر البدن. والثالث - حكاه في " الفروع " -: أنه يقدم قول من دعا إلى ما يستر العورة إذا قلنا: إنه الواجب؛ لأنه هو الواجب. فإن كان الميت موسرًا ... كفن في ثياب مرتفعة، وإن كان متوسطًا ففي ثياب متوسطة، وإن كان معسرًا ... ففي ثياب أدنى من المتوسطة، اعتبارًا بحاله في الحياة. وتكره المغالاة في الكفن؛ لما روي: أن النبي ﷺ قال: «لا تغالوا في الكفن، فإنه يسلب سلبًا سريعًا، فإما يبدل خيرًا منه، أو شرًا منه» . ويستحب أن يبخر الكفن على مشجب أو عود؛ لما روي: أن النبي ﷺ قال: «إذا جمرتم الميت ... فجمروه ثلاثًا» . ولأنه ربما ظهر من الميت شيء، فيغلبه ريح البخور، ولهذا قال بعض أصحابنا: يستحب أن يبخر عند الميت من حين يموت؛ لهذه العلة.

стр. 1164

[مسألة: بسط أوسع وأحسن الثياب أولاً في الكفن] مسألة: [بسط أوسع وأحسن الثياب أولاً] : ويستحب أن تبسط أحسن الثياب وأوسعها، ويذر عليه الحنوط، ثم يبسط الذي بعده، ويذر عليه الحنوط ثم الذي دونها، اعتبارًا بالحي، فإنه يجعل أحسن ثيابه ظاهرًا، ثم يذر عليه الحنوط. قال ابن الصباغ: وظاهر ما نقله المزني يقتضي: ألا يذر على الثالث الحنوط؛ لأنه قال: يذر فيما بينهما الحنوط، إلا أن أصحابنا لا يختلفون أنه يذر عليه الحنوط؛ لأنه أولى بذلك، فإنه يلي الميت. ثم يحمل الميت مستورًا، حتى يوضع على الأكفان ملقى على قفاه، ويؤخذ قطن منزوع الحب، ويذر عليه الحنوط والكافور، ويدخل بين أليتيه إدخالاً بليغًا؛ ليرد شيئًا إن خرج منه. وقد ظن المزني أن الشافعي أراد: أنه يدخل في دبره، وقال أصحابنا: ليس كما ظن، وإنما أراد الشافعي: أنه يجعل كالموزة، ويدخل بين إليتيه؛ لأنه قال: (ليرد شيئًا إن خرج منه) ، فلو كان أراد إدخاله في دبره، لكان يقول: ليمنع شيئًا إن خرج. قال الشافعي: (ويشد عليه خرقة مشقوقة الطرفين بإحدى أليتيه وعانته، ثم تشد عليه كما يشد التبان الواسع) . قال الشيخ أبو حامد: وهذا الشد لا يحتاج إليه في الميت إلا إن كان به علة قيام، أو خشي عليه أن يخرج منه، فيؤخذ لبد، فيشد عليه من فوق أليتيه، فإن لم

стр. 1165

يكن لبد، فخرقة، فأما شق الطرف: فلا يحتاج إليه في الميت، وإنما ذكره الشافعي في (المستحاضة) ؛ لأنها تنصرف وتمشي، وأما الميت: فلا يحتاج أن يشد ذلك عليه. قال ابن الصباغ: وقد قيل: يشد ذلك بخيط، والتبان: السراويل بلا تكة. ويؤخذ قطن منزوع الحب، ويذر عليه الحنوط والكافور، ويترك على الفم، والمنخرين، والعينين، والأذنين، وعلى جراح نافذة إن كانت فيه؛ ليخفى ما يظهر من الرائحة من هذه المواضع. ويذر الحنوط والكافور على قطن منزوع الحب، ويجعل على مواضع السجود من بدنه؛ لما روي عن ابن مسعود: أنه قال: (يتبع بالطيب مساجده) ، ولأنها شرفت بالسجود، فاستحب تطييبها. ويستحب أن يطيب رأسه ولحيته؛ لأن الحي يطيبهما إذا تطيب، وإن حنط جميع بدنه بالكافور والحنوط ... فلا بأس؛ لأنه يقويه. قال الشافعي: (وإن حنط بالمسك والعنبر ... فلا بأس) . وقال عطاء، وطاووس: لا يطيب بالمسك. دليلنا: ما روي: أن النبي ﷺ قال: «المسك من أطيب الطيب» ، وروي: عن علي ﵁: أنه قال: (اجعلوا في حنوطي المسك، فإنه من بقية حنوط رسول الله ﷺ ) . وهل يجب الحنوط والكافور؟ فيه قولان، وقيل: هما وجهان:

стр. 1166

أحدهما: يجب؛ لأن العادة جرت به. والثاني: لا يجب، كما لا يجب الطيب في حق المفلس. فإذا فرغ من ذلك ... أدرج في ثوب. قال الشافعي في موضع: (يثني صنفة الثوب من جانبه الأيمن، ويمده إلى جانبه الأيسر، ثم يأخذ صنفة الثوب من جانبه الأيسر، ويمده إلى جانبه الأيمن) . وقال في موضع آخر: (بل يأخذ حاشية الثوب من جانبه الأيسر، ويمده إلى جانبه الأيمن، ثم يأخذ حاشية الثوب من جانبه الأيمن، ويمده إلى جانبه الأيسر، ويكون العالي ما على كتفه الأيسر) . فمن أصحابنا من قال: فيه قولان: ومنهم من قال: هي على قول واحد، وأنه يبتدأ بالأيسر على الأيمن، ثم بالأيمن على الأيسر، وهو الأصح؛ لأن هذا عادة الحي في الرداء أو الطيلسان. ثم يفعل ببقية الأكفان كذلك، ويجعل ما يلي الرأس من زيادة الأكفان أكثر مما يلي الرجلين، كالحي ما على رأسه أكثر، ويرد ما بقي عند رأسه على وجهه، وما بقي عند رجليه على ظهر قدميه، فإن خافوا أن تنتشر الأكفان ... عقدوها عليه، فإذا أدخلوه القبر حلوها؛ لأنه يكره أن يكون معه في القبر شيء معقود، ولهذا استحب ألا يكون معه شيء مخيط، ولأن الانتشار قد أمن منه. وإن كان الكفن قصيرًا لا يعم بدنه ... ستر به عورته، وما بقي من ستر عورته غطي به صدره ورأسه؛ لما ذكرناه في حديث مصعب بن عمير.

стр. 1167

[مسألة: تكفين المرأة] وأما المرأة: فإنه يستحب أن تكفن في خمسة أثواب. قال القاضي أبو الفتوح: وكذلك الخنثى يستحب أن يكفن في خمسة أثواب، كالمرأة، وهل يستحب أن يكون أحدها درعا؟ فيه قولان: أحدهما: لا يستحب؛ لأنها ميتة، فلم يستحب في كفنها المخيط، كالرجل، ولأن الدرع إنما تحتاج إليه المرأة؛ لتستتر به في تصرفها، والميت لا يتصرف. فعلى هذا: تؤزر بإزار، وتخمر بخمار، وتدرج في ثلاثة أثواب. والثاني: يستحب أن يكون أحدها درعًا. قال الشيخ أبو حامد: وهو الصحيح؛ لما روي عن أم عطية: أنها قالت: «لما غسلنا ابنة رسول الله ﷺ كان جالسًا على الباب يناولنا الأكفان واحدًا واحدًا، فناولنا إزارًا، ودرعًا، وخمارًا، وثوبين» ولأن أفضل حال الإنسان، إذا كان محرمًا، فلما كان للمرأة المحرمة لبس المخيط، فكذلك بعد الموت. فعلى هذا: تؤزر بإزار، وتلبس الدرع، وتخمر بخمار، وتدرج بثوبين. قال الشافعي: (ثم يشد على صدرها ثوب؛ ليجمع أثوابها) . فقال الشيخ أبو إسحاق: هذا ثوب سادس ليس من جملة الأكفان، فيحل عنها في القبر.

стр. 1168

وقال أبو العباس: هو من جملة الأكفان، ولكن يكون فوق اللفافة؛ لأن الشافعي لم يذكر أنه يحل. والأول أشبه بقول الشافعي؛ لأنه قال: (يجمع عليها الثياب) . وهذا يقتضي أن يكون أعلاها. [فرع: كراهة المعصفر للمرأة] ويكره أن تكفن المرأة في المعصفر والمزعفر. وقال أبو حنيفة: (لا يكره) . وبه قال بعض أصحابنا. دليلنا: قوله ﷺ في الثياب البيض: «وكفنوا فيها موتاكم» . وهذا يعم الرجال والنساء. قال الصيمري: ولا يستحب أن يعد الرجل كفنه في حياته، لئلا يحاسب عليه. [مسألة: تكفين المحرم] إذا مات محرم ... لم ينقطع إحرامه بموته، فلا يلبس المخيط، ولا يخمر رأسه، ولا يقرب طيبًا في بدنه، ولا في ثيابه، ولا يجعل الكافور في الماء الذي يغسل به. هذا مذهبنا، وبه قال من الصحابة: عثمان، وعلي، وابن عباس ﵃ وأرضاهم، ومن التابعين: عطاء، ومن الفقهاء: الثوري، وأحمد، وإسحاق. وذهبت طائفة إلى: أن بموته ينقطع حكم إحرامه، فيلبس المخيط، ويخمر رأسه، ويطيب. ذهب إليه من الصحابة: ابن عمر، وعائشة، ومن الفقهاء: الأوزاعي، ومالك، وأبو حنيفة وأصحابه. دليلنا: ما روى ابن عباس: «أن رجلاً محرمًا خر من بعيره، فوقص، فمات،

стр. 1169

فقال النبي ﷺ : "اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه اللذين مات فيهما، ولا تخمروا رأسه، ولا تقربوه طيبًا، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا» . وروي: "ملبدًا". فإن طيبه إنسان ... لم تجب الفدية على الذي طيبه؛ لأن الطيب في الإحرام يتعلق به حقان: حق لله، وحق للآدمي، فحق الآدمي: هو الانتفاع بالطيب، وحق الله: التحريم، والفدية تجب في مقابلة الانتفاع به، وإذا مات زال انتفاعه بالطيب، فسقطت الفدية، وحق الله لم يزل بموت المحرم، فلم يسقط التحريم. وهذا كما نقول في الجناية على الآدمي: يتعلق بها حقان: حق الله تعالى، وهو التحريم، وحق الآدمي، وهو القصاص، أو الأرش. فإذا مات إنسان، ثم جنى عليه إنسان ... لم يلزمه القصاص ولا الأرش؛ لزوال حقه بموته، وكان عليه الإثم، لحق الله تعالى. [فرع: تطييب المعتدة] وإن ماتت معتدة عن الوفاة ... فهل يسقط تحريم الطيب؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يسقط، كالمحرمة. والثاني: يسقط؛ لأن المعتدة إنما حرم عليها الطيب؛ لئلا يدعوها ذلك إلى النكاح، وذلك لا يوجد بعد الموت، فسقط التحريم. وبالله التوفيق

стр. 1170

[باب الصلاة على الميت] الصلاة على الميت فرض على الكفاية، لقوله ﷺ : «صلوا على من قال: لا إله إلا الله» . وفرض الكفاية كفرض الأعيان في ابتداء الوجوب؛ لأن فرض الأعيان يجب على كل واحد بعينه، وفرض الكفاية أيضًا يجب على كل أحد علم بالميت إلا أنهما يختلفان في الفعل، ففرض الكفاية إذا قام به بعض الناس ... سقط الفرض عنهم وعن غيرهم، وفرض الأعيان لا يسقط عن أحد بفعل غيره. إذا ثبت هذا: ففي أدنى ما يسقط به فرض الصلاة على الميت قولان، حكاهما أصحابنا البغداديون. أحدهما: ثلاثة؛ لقوله ﷺ : «صلوا على من قال: لا إله إلا الله» . وقوله ﷺ : "صلوا" خطاب للجمع، وأقل الجمع ثلاثة. والثاني: يسقط الفرض بواحد؛ لأنها صلاة لا تفتقر إلى الجماعة، فلم تفتقر إلى العدد، كسائر الصلوات. وقولنا: (لا تفتقر إلى الجماعة) احتراز من الجمعة، فإنها لا تصح فرادى، فلذلك اشترط العدد فيها. وأصحابنا الخراسانيون يحكون فيها ثلاثة أوجه: أحدها: ثلاثة. والثاني: واحد.

стр. 1171

والثالث أربعة. وهل يسقط الفرض بصلاة النساء؟ فيه وجهان، قال صاحب " الإبانة " [ق \ ١٠٨] : لا يسقط الفرض بفعلهن، واختار القاضي أبو الفتوح؛ لقوله ﷺ : «صلوا على من قال: لا إله إلا الله» . وهذا خطاب للذكور. فعلى هذا: إذا صلى عليه الخنثى المشكل ... لم يسقط الفرض. وقال صاحب " المجموع ": يسقط الفرض بفعلهن، كالغسل. وذكر الشيخ أبو حامد: أن الرجال إذا كانوا موجودين، فالفرض لا يتوجه على النساء، وهذا يدل من قوله: إذا عدم الرجال ... توجه الفرض عليهن. والسنة: أن تصلى في جماعة؛ لنقل الخلف عن السلف. ويستحب أن يكونوا ثلاثة صفوف؛ لما روي «عن مالك بن هبيرة: أنه كان إذا صلى على ميت، فتقال الناس، جزأهم ثلاثة صفوف، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى عليه ثلاثة صفوف ... فقد أوجب» .

стр. 1172

وروت عائشة: أن النبي ﷺ قال: «لا يموت من المسلمين ميت فيصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون أن يكونوا مائة، فيشفعون له، إلا شفعوا له» . قال الشيخ أبو إسحاق: وإن اجتمع نسوة، ولا رجل معهن ... صلين على الميت فرادى؛ لأن النساء لا يسن لهن الجماعة في الصلاة على الميت، فإن صلين جماعة فلا بأس. [مسألة: نعي الموتى] ويكره نعي الميت، وهو: أن ينادى في الناس: إن فلانًا قد مات؛ ليشهدوا جنازته، وحكى الصيدلاني وجهًا آخر: أنه لا يكره؛ لأن النبي ﷺ : «نعى النجاشي للناس» . وقال النخعي: لا بأس أن تعرف قرابة الميت. دليلنا: ما روى عبد الله بن مسعود: أن النبي ﷺ قال: «إياكم والنعي، فإنه من عمل الجاهلية» . قال عبد الله: والنعي: أذان بالميت.

стр. 1173

وقال حذيفة: (إذا مت، فلا تؤذنوا بي أحدًا، فإني أخاف أن يكون نعيًا) . [مسألة: الأولى بالصلاة على الميت] ] : وأولى الناس بالصلاة على الميت: الأب، ثم الجد وإن علا، ثم الابن، ثم ابن الابن وإن سفل، ثم الأخ ثم بنوه، ثم العم، ثم بنوه، ثم يقدم الأقرب فالأقرب. وقال مالك رحمة الله عليه: (يقدم الابن على الأب) ؛ لأنه أقوى تعصيبًا منه في الميراث. دليلنا: أن المقصود من الصلاة على الميت الدعاء له، والأب يساوي الابن في الإدلاء إلى الميت، ويزيد على الابن بأنه أحنى على الميت، وأكثر شفقة منه، فقدم؛ لأن دعاءه أرجى إجابة. [فرع: لا ولاية للزوج في التقدم] ولا ولاية للزوج في التقدم بالصلاة على زوجته. وقال الشعبي، وعطاء، وعمر بن عبد العزيز، وإسحاق رحمة الله عليهم: هو أولى من القريب. وروي ذلك عن ابن عباس ﵄.

стр. 1174

وقال أبو حنيفة: (لا ولاية له، إلا أنه يكره لابنه أن يتقدم عليه، فيقدم الزوج هاهنا) . دليلنا: أنه لا ولاية له، فلم يقدم على العصبات، كتزويج الزوج جارية زوجته. وما قاله أبو حنيفة يبطل بتقديم الأب مع الجد. وإن اجتمع أخ لأب وأم، وأخ لأب ... فمن أصحابنا من قال: فيهما قولان: أحدهما: أنهما سواء. والثاني: يقدم الأخ للأب والأم، كما قلنا فيهما إذا اجتمعا في ولاية النكاح، وتحمل العقل. ومنهم من قال: يقدم هاهنا الأخ للأب والأم، قولاً واحدًا، لأن للأم مدخلاً في الصلاة على الميت؛ لأنها تصلي عليه مأمومة ومنفردة، فقدم من يدلي بها، كما يقدم من يدلي بها في الميراث، حين كان لها مدخل في الميراث. وإن لم يكن من العصبة، ولا مدخل لها في ولاية النكاح، ولا في تحمل العقل، فإن قلنا: إنهما سواء ... فأولادهما سواء، وإن قلنا: يقدم ذو القرابتين قدم ابنه على ابن الآخر. وإن اجتمع عمان، أحدهما: يدلي بالأب والأم، والآخر: يدلي بالأب. فعلى الطريقين. وكذلك: إذا كان هناك ابنا عم، أحدهما: أخ لأم، فعلى الطريقين. وإن اجتمع أخوان، أحدهما: حر، والآخر: مملوك ... فالحر أولى. وإن كان هناك أخ هو عبد، وعم حر ... ففيه وجهان، حكاهما في " الإبانة " [ق\١٠٧] : أحدهما: العبد أولى؛ لأنه أقرب.

стр. 1175

والثاني - وهو المنصوص، ولم يذكر أصحابنا البغداديون غيره -: (أن العم أولى) ؛ لأنه أكمل. قال أصحابنا: وقد سها المزني في نقله، حيث قال: (والولي الحر أولى من الولي المملوك) ، وقالوا: لا يسمى المملوك وليًا، بل قد قال الشافعي في " الأم " [١/٢٤٤] : (والولي الحر أولى من المملوك) . قال صاحب " الإبانة " [ق\١٠٧] : والقريب المملوك أولى من الأجنبي الحر؛ لأنه أرجى إجابة. [فرع: اجتماع وليين في رتبة] فإن اجتمع وليان في درجة واحدة ... ففيه وجهان: أحدهما: يقدم الأفقه، كما قلنا في الصلاة المفروضة. والثاني - وهو المنصوص -: (أنه يقدم الأسن) ، والفرق بينهما: أن الحق في الصلاة المفروضة لله، فقدم الأفقه؛ لأنه أعرف بحق الله، والحق - هاهنا - للميت، فقدم الأسن؛ لأنه أرجى إجابة، ولهذا قال ﷺ : «إن الله يستحيي أن يرد للشيخ دعوة» . وقال ﷺ : «إن من إجلال الله وكرمه إكرام ذي الشيبة المسلم» . فإن لم يكن الأسن محمود الطريقة ... قدم الأفقه، وكذلك إذا استويا في

стр. 1176

السن ... قدم الأفقه؛ لأن له مزية بالفقه، فإن استويا في ذلك أقرع بينهما؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر. وإن اجتمع الولي والوالي ... ففيه قولان: [الأول] : قال في القديم: (يقدم الوالي) . وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وأحمد، وإسحاق؛ لقوله ﷺ : «لا يؤم الرجل في سلطانه» . وروي: أن الحسن بن علي ﵁ لما مات ... دفع الحسين بن علي في قفا سعيد بن العاص، وهو وال يومئذ بالمدينة، وقال: (تقدم، فلولا السنة ما قدمتك) . و [الثاني] : قال في الجديد: (الولي أولى) . وهو الصحيح؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦] [الأحزاب: ٦] ، وهذا عام في الصلاة وغيرها، ولأنها ولاية مستحقة بالنسب، فقدم الولي فيها على الوالي، كولاية النكاح. وأما الخبر: فمحمول على صلاة الفرض.

стр. 1177

وأما تقديم الحسين ﵁: فخاف إن منعه ذلك أن تكون فتنة، والسنة: إطفاء الشر، ويحتمل أن يكون الحسين ﵁ قد صلى عليه قبل ذلك. [فرع: وصى أن يصلي عليه رجل] إذا أوصى الميت أن يصلي عليه رجل ... لم يقدم على الأولياء. وقال أنس بن مالك، وزيد بن أرقم: (الوصي أولى) ، وهو قول أحمد، وإسحاق. وقال مالك: (إن كان الوصي ممن يرجى دعاؤه ... قدم على الولي) . دليلنا: أنها ولاية ترتبت فيها العصبات، فلم يقدم الوصي على العصبات، كولاية النكاح. فإن غاب الولي الأقرب، واستناب من يصلي ... فالذي استنابه أولى من القريب البعيد الحاضر. وقال أبو حنيفة: (القريب الحاضر أولى) . دليلنا: أن الغائب على ولايته، فكان من استنابه أولى من الولي البعيد الحاضر، كما لو كان الولي القريب حاضرًا، واستناب غيره. [فرع: يقدم المملوك والصبي على النساء] وإن كان ميت في فلاة، ومعه نساء ومملوك وصبي يعقل ... فالمملوك والصبي أولى منهن، والمملوك أولى من الصبي؛ لأن المملوك مكلف، فإن لم يكن إلا النساء صلين عليه فرادى، فإن صلين عليه جماعة ... قامت إمامتهن في وسطهن. وقال أبو حنيفة: (يصلين عليه جماعة) . دليلنا: أن النساء لم يسن لهن الصلاة على الجنازة ... فلم يشرع لهن الجماعة.

стр. 1178

هكذا ذكر ابن الصباغ، وهذا يدل عليه من قوله: إن الفرض لا يسقط بصلاتهن. وقد مضى ذكر ذلك. [مسألة: شروط صلاة الجنازة] ومن شروط صحة صلاة الجنازة: الطهارة بالماء عند وجوده، أو التيمم عند عدمه، أو الخوف من استعماله، وهو قول كافة أهل العلم. وقال الشعبي، وابن جرير: الطهارة ليست من شرط صحة صلاة الجنازة، وبه قال الشيعة؛ لأن المقصود منها الدعاء. وقال أبو حنيفة: (إن خاف فوتها بالاشتغال بالطهارة بالماء ... تيمم لها مع وجود الماء) . وقد مضى الخلاف فيها لأبي حنيفة في التيمم. ودليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] الآية. [المائدة:٦] . وقوله ﷺ : «لا يقبل الله صلاة إلا بطهور» . ولم يفرق بين صلاة الجنازة وغيرها. ولأن صلاة الجنازة تفتقر إلى ستر العورة، والطهارة من النجاسة، واستقبال القبلة، فافتقرت إلى الطهارة عن الحدث، كسائر الصلوات. [مسألة: صلاة الجنازة في المسجد] لا تكره الصلاة على الجنازة في المسجد. وقال مالك، وأبو حنيفة رحمة الله عليهما: (تكره) .

стр. 1179

دليلنا: ما روي: «أن عائشة أم المؤمنين ﵂: أمرت بجنازة سعد بن أبي وقاص ﵁ وأرضاه أن تدخل المسجد، ليصلى عليها، فأنكر عليها ذلك، فقالت: (ما أسرع ما نسي الناس، ما صلى رسول الله ﷺ على سهيل ابن بيضاء وأخيه إلا في المسجد» ولا تكره الصلاة على الميت في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها. وقال الأوزاعي: (تكره) . وقال مالك، وأبو حنيفة: (لا تجوز في الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها؛ لأجل الوقت، وتجوز في الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها؛ لأجل الفعل) . وقد مضى ذكر ذلك. [فرع: موقف الإمام في الجنازة] ] : وفي مسنون موقف الإمام من الرجل وجهان: أحدهما - وهو قول الشيخ أبي حامد -: أن يقف عند رأسه.

стр. 1180

والثاني - وهو قول أبي علي الطبري -: أنه عند صدره. وأما المرأة: فلا يختلف أصحابنا فيها، بل يقف الإمام عند عجيزتها، وكذلك الخنثى يقف عند عجيزته، كالمرأة. وقال أبو حنيفة: (يقف عند صدر الرجل والمرأة) . وقال مالك رحمة الله عليه: (يقف من الرجل عند وسطه، ومن المرأة عند منكبيها) . دليلنا: ما روى سمرة بن جندب: «أن النبي ﷺ صلى على امرأة ماتت في نفاسها، فقام وسطها» . «وروى أبو غالب: قال: (كنت في سكة المدينة، يعني: البصرة، فمرت جنازة معها ناس كثير، فقيل: هذه جنازة عبد الله بن عمير، فتبعتها، فإذا برجل عليه كساء رقيق، وعلى رأسه خرقة تقيه من الشمس، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا أنس بن مالك ﵁، فلما وضعت الجنازة ... قام أنس، فصلى عليها، وأنا خلفه، لا يحول بيني وبينه شيء، فقام عند رأسه، فكبر أربعًا، ثم ذهب، فقعد، فقالوا: يا أبا حمزة، المرأة الأنصارية، فأتي بها، وعليها نعش أخضر، فقام عند عجيزتها، وصلى عليها صلاته على الرجل، فقال له العلاء بن زياد: يا أبا حمزة، هكذا كانت صلاة رسول الله ﷺ يكبر أربعًا، ويقوم عند رأس الرجل، وعند عجيزة المرأة؟ قال: نعم، فلما فرغ قال: احفظوا» . وذكر الترمذي: أن المرأة كانت من قريش.

стр. 1181

[مسألة: اجتماع جنائز] وإن اجتمع جنائز ... فالأولى أن يفرد كل جنازة بصلاة، فإن أراد الإمام أن يصلي على جميعها صلاة واحدة جاز؛ لأن القصد من ذلك الدعاء، وذلك يحصل بصلاة واحدة. فإن كانت الجنائز جنسًا: إما رجالاً، أو نساء ... ففي كيفية وضعها وجهان، حكاهما في " الإبانة " [ق\١٠٧] : أحدهما: يوضع رأس كل واحد عند رجل الآخر. والثاني: يوضع كل واحد بجنب الآخر، كالصف، ويقدم إلى الإمام أفضلهم، وهذه طريقة أصحابنا البغداديين، وهو الصحيح.

стр. 1182

وإن اجتمع جنازة رجل، وصبي، وخنثى، وامرأة: فإن الرجل يكون مما يلي الإمام، ثم الصبي بعده، ثم الخنثى، ثم المرأة مما يلي القبلة. وقال القاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، والحسن البصري، وسعيد بن المسيب: يكون الرجل مما يلي القبلة، والمرأة مما يلي الإمام؛ لأن أشرف المواضع ما يلي القبلة، فخص الرجل بها، كما إذا دفنا معًا في اللحد. دليلنا: ما روي عن عمار بن أبي عمار: أنه قال: (لما ماتت أم كثلوم بنت علي بن أبي طالب، وابنها زيد بن عمر بن الخطاب، فصلى عليهما سعيد بن زيد، فجعل زيدًا مما يليه، وأمه مما يلي القبلة، وفي القوم الحسن، والحسين، وابن عباس، وأبو هريرة، حتى عد ثمانين من الصحابة ﵃، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: هكذا السنة) . وروي: (أن ابن عمر ﵄ وأرضاهما صلى على تسع جنائز، رجالاً ونساء، فجعل الرجال مما يلي الإمام، والنساء مما يلي القبلة) . ولأن الرجال يلون الإمام في جميع الصلوات، فكذلك هاهنا، ويخالف اللحد؛ لأنه ليس ثم إمام، فاعتبرت القبلة، وهاهنا إمام، فاعتبر القرب منه.

стр. 1183

[فرع: اختلاف أولياء الموتى] وإن اختلف أولياؤهم فيمن يوضع للصلاة أولاً؟ فإن كان الأموات رجالاً أو نساء ... قدم السابق؛ لأن له مزية السبق. وإن كان رجلاً وامرأة ... قال الشافعي ﵀: (قدم الرجل، سواء كانت المرأة سابقة أو مسبوقة؛ لأن سنة موقف المرأة أن تكون خلف الرجل) . وإن كان رجلا وصبيًا: فإن كان الرجل هو السابق ... قدم إلى الإمام، وإن كانت جنازة الصبي سابقة، قال الشافعي ﵀: (لم أؤخره؛ لأن له حق السبق، وقد يقف مع الرجل في الموقف، بخلاف المرأة مع الرجل) . [مسألة: صلاة الجنازة قائمًا] إذا أراد الصلاة على الميت ... قام، فإن صلى عليه قاعدًا مع القدرة على القيام لم تصح. وقال أبو حنيفة: (يصح) . دليلنا: أنها صلاة مفروضة، فوجب فيها القيام مع القدرة عليه، كسائر الصلوات المفروضة. ويجب أن ينوي الصلاة المفروضة، ويجب أن ينوي الصلاة على الميت؛ لأنها صلاة، فوجبت لها النية، كسائر الصلوات، ولا يفتقر أن ينوي أن الميت رجل أو امرأة. فإن نوى أن يصلي على هذا الرجل الميت، فبان الميت امرأة، أو نوى أن يصلي على المرأة، فبان رجلاً ... قال المسعودي [في " الإبانة " ق\١٠٨] : لم يجزه. ولا يجوز أن ينوي بها سنة؛ لأنها لا يتنفل بمثلها؛ ولأنها تتعين بالدخول فيها. وهل يلزمه أن ينوي أنها فريضة؟ قال الصيدلاني: فيه وجهان، كما قلنا في سائر الصلوات المفروضة.

стр. 1184

[فرع: التكبير على الجنازة أربعًا] ويكبر أربعًا، وبه قال عمر، وابن عمر ﵄، وعقبة بن عامر، والأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة، ومالك، وأحمد، وداود رحمة الله عليهم. وقال ابن عباس ﵄: (يكبر ثلاث تكبيرات) . وبه قال ابن سيرين، وجابر بن زيد رحمة الله عليهما. و: (كان علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه يكبر على من كان بدريًا ست تكبيرات، وعلى غيره من الصحابة خمس تكبيرات، وعلى غير الصحابة أربع تكبيرات) . وقال ابن مسعود ﵁: «كبر رسول الله ﷺ على الجنائز، تسعًا، وسبعًا، وخمسًا، وأربعًا، فكبروا ما كبر الإمام» . وقال زيد بن أرقم، وحذيفة بن اليمان: (يكبر خمسًا) ، وإليه ذهبت الشيعة. دليلنا: ما روي: «أن النبي ﷺ نعى النجاشي لأصحابه ﵃ في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم، وكبر أربعًا» .

стр. 1185

وروى ابن عباس ﵄: «أن آخر ما كان كبر رسول الله ﷺ على الجنازة أربعًا» وكذلك حديث أنس ﵁ الذي مضى ذكره. وروى أبي بن كعب ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إن الملائكة صلت على آدم ﷺ ، وكبرت عليه أربعًا، وقالت: هذه سنتكم يا بني آدم» . فإن كبر خمسًا عامدًا ... فقد ذكر في " الإبانة " [ق\١٠٨] وجهين: أحدهما: تبطل صلاته، كما قلنا: لو زاد في الصلاة ركعة عامدًا. والثاني: لا تبطل؛ لأنه زاد ذكرًا، وهذا هو الصحيح.

стр. 1186

ويستحب أن يرفع يديه حذو منكبيه في كل تكبيرة. وقال مالك، وأبو حنيفة: (لا يرفع يديه، إلا في الأولى) . دليلنا: ما روي عن ابن عمر، وأنس: (أنهما كانا يفعلان ذلك في التكبيرات كلها) . ولأنها تكبيرة في صلاة الجنازة ... فسن فيها رفع اليدين كالأولى. [مسألة: قراءة الفاتحة] ] : ثم يقرأ بعد التكبيرة الأولى فاتحة الكتاب، وهي واجبة، وبه قال أحمد رحمة الله عليه، وإسحاق، وداود. وروي ذلك عن ابن عباس، وابن مسعود، وابن الزبير ﵃. وقال مالك، وأبو حنيفة، والثوري: (لا يقرأ فيها شيئًا من القرآن) . وقال مالك: (أكره القراءة، وإنما يأتي بعد الأولى بالتحميد) . دليلنا: ما روي عن جابر ﵁: «أن النبي ﷺ كبر على الميت أربعًا، وقرأ بعد التكبيرة الأولى بأم القرآن» . ولأنها صلاة يجب فيها القيام فوجب فيها القراءة، كسائر الصلوات. وهل يسن دعاء التوجه والتعوذ قبلها والسورة بعدها؟ فيه وجهان:

стр. 1187

[الأول] : قال عامة أصحابنا: لا يسن شيء من ذلك؛ لأنها مبنية على الحذف والإيجاز. و [الثاني] : من أصحابنا من قال: يسن ذلك كله، كما يسن في غيرها من الصلوات. وهل يسن الجهر بالقراءة فيها؟ فيه وجهان: [أحدهما] : قال عامة أصحابنا: لا يسن ذلك، سواء صلاها ليلاً أو نهارًا؛ لما روي عن ابن عباس ﵄: أنه جهر بالقراءة فيها، وقال: (إني لم أجهر فيها؛ لأن الجهر مسنون فيها، ولكن أحببت أن تعلموا أن لها قراءة واجبة) . و [الثاني] : قال الداركي: يجهر فيها، إن صلى بالليل، كالمغرب والعشاء. وليس بشيء. [مسألة: ما يقال عقب التكبيرة الثانية] فإذا كبر الثانية ... صلى على النبي ﷺ وهو واجب؛ لقوله ﷺ : «لا صلاة لمن لم يصل على نبيه»

стр. 1188

قال الشيخ أبو حامد: وهو إجماع. قال الشافعي: (ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ولا يجب، وإنما يستحب) ؛ لأن في سائر الصلوات يدعو للمؤمنين والمؤمنات بعد الصلاة على النبي ﷺ . ونقل المزني: (أنه إذا كبر الثانية ... حمد الله، وصلى على النبي ﷺ ) . قال أصحابنا: وهذا لا يعرف للشافعي ﵀، ولأن هذا ليس بموضع حمد. [مسألة: الدعاء للميت بعد الثالثة] ثم يكبر الثالثة، ويدعو للميت، وذلك واجب؛ لما روى أبو هريرة: أن النبي ﷺ قال: «إذا صليتم على موتاكم ... فأخلصوا لهم بالدعاء» . ولأن القصد من الصلاة عليه الدعاء له، فلا ينبغي الإخلال به. وأما صفة الدعاء: فقد روي عن النبي ﷺ أدعية مختلفة، إلا أن أكثر ما نقل عنه: أنه كان يقول: «اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا ... فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام ".

стр. 1189

وزاد ابن الصباغ في أوله، وهو: اللهم اغفر لأولنا وآخرنا، وفي آخره: فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده» قال: وعليه أكثر أهل خراسان. قال الشافعي ﵀: (ولا وقف فيه، فأي دعاء دعا فيه ... أجزأه) . واختار ﵀ دعاء ذكره في " الأم " [١/٢٤٠] : (اللهم هذا عبدك وابن عبدك وابن أمتك، كان يشهد أن لا إله إلا أنت، وأن محمدًا عبدك ورسولك، وأنت أعلم به، اللهم، إن كان محسنًا فزد في إحسانه، وارفع درجته، وقه عذاب القبر، وهول يوم القيامة، وابعثه من الآمنين، وإن كان مسيئًا ... فتجاوز عن سيئاته، وبلغه بمغفرتك وطولك درجات المحسنين، اللهم إنه قد فارق ما كان يحب من سعة الدنيا وأهلها وغيره، وصار إلى ظلمة القبر وضيقه، وجئناك شفعاء له، نرجو له مغفرتك، اللهم إنه فقير إلى رحمتك، وأنت غني عن عذابه) . ونقل المزني عنه [في " المختصر " (١/١٨٣) دعاء أطول منه، وهو: (اللهم هذا عبدك، وابن عبدك، خرج من روح الدنيا وسعتها، ومحبوبه وأحباؤه فيها، إلى ظلمة القبر وما هو لاقيه، كان يشهد أن لا إله إلا أنت، وأن محمدًا عبدك ورسولك، وأنت أعلم به، اللهم نزل بك، وأنت خير منزول به، وأصبح فقيرًا إلى رحمتك، وأنت غني عن عذابه، وقد جئناك راغبين إليك شفعاء له، اللهم إن كان محسنًا ... فزد في إحسانه، وإن كان مسيئًا فتجاوز عنه، ولقه برحمتك رضاك، وقه فتنة القبر وعذابه، وافسح له في قبره، وجاف الأرض عن جنبيه، ولقه برحمتك الأمن من

стр. 1190

عذابك حتى تبعثه إلى جنتك، يا أرحم الراحمين) . ومعنى قولنا: (كان يشهد أن لا إله إلا أنت) ، أي: إنما دعوناك له؛ لأنه كان يشهد. وإن كان الميت صغيرًا ... قال في موضع الدعاء له: اللهم اجعله فرطًا وذخرًا وأجرًا، ويدعو لأبويه، فيقول: اللهم اجعله لهما سلفًا وذخرًا، وفرطًا وغبطة واعتبارًا. [مسألة: الدعاء بعد الرابعة] فإذا كبر الرابعة ... فروى المزني: (إنه يسلم) . وذكر الشافعي في موضع آخر: (أنه إذا كبر الرابعة، قال: اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده) . قال أصحابنا: وليست على قولين، ولا اختلاف حالين، وإنما ذكره في موضع، وأغفله في آخر، وليس بواجب. ثم يسلم، وذلك واجب؛ لقوله ﷺ : «مفتاح الصلاة الوضوء، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» . وهل يسن تسليمتان، أو تسليمة واحدة؟ فيه قولان، كسائر الصلوات.

стр. 1191

[مسألة: من سبق ببعض التكبيرات في صلاة الجنازة] مسألة: [من سبق ببعض التكبيرات] : فإن فاته الإمام ببعض التكبيرات ... فإنه يكبر، ولا ينتظر تكبيرة الإمام. وقال أبو حنيفة، وأحمد: (لا يكبر، بل ينتظر تكبيرة الإمام، فيكبر معه) . دليلنا: أنه مدرك للإمام، فدخل معه، كسائر الصلوات. إذا ثبت هذا: وأدرك المأموم الإمام في القراءة ... فإنه يكبر، ويقرأ، فإذا كبر الإمام الثانية، فإن كان المأموم قد فرغ من القراءة كبر الثانية، وإن لم يفرغ من القراءة ... فهل يقطع القراءة ويكبر، أو يتم القراءة؟ فيه وجهان: كالمسبوق إذا ركع الإمام قبل إتمام القراءة. فإذا قلنا: يقطع القراءة ويكبر ... فهل يتم القراءة بعد التكبيرة الثانية؟ فيها وجهان، خرجهما ابن الصباغ: أحدهما: يتم القراءة؛ لأن محلها القيام، وهو باق. والثاني: لا يتمها؛ لأن محلها ما قبل التكبيرة الثانية. فإن أدركه بعد التكبيرة الثانية ... فإنه يكبر، ويقرأ ما يقتضيه ترتيب صلاته، لا ما يقتضيه ترتيب صلاة الإمام. فإذا سلم الإمام، وقد بقي عليه شيء من التكبيرات ... أتى بهن. وقال الأوزاعي: (لا يأتي بهن) . دليلنا: قوله ﷺ : «وما فاتكم فاقضوا» . وهل يجب عليه أن يأتي بالذكر بين التكبيرات؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجب عليه أن يأتي به؛ لأن الميت يرفع.

стр. 1192

والثاني: يجب عليه أن يأتي به، كما لو كان الميت غائبًا. [مسألة: تعجيل الدفن] ] : إذا صلي على الميت ... بودر إلى دفنه، ولا يوضع لمن أراد أن يصلي عليه ثانيًا، إلا أن يكون وليه لم يصل عليه، فجاء ليصلي، فإن لم يخش تغير الميت فلا بأس أن يوضع ليصلي عليه. قال الشافعي ﵀: (فإن صلى عليه بعض الأولياء والناس، ثم جاء ولي آخر كان غائبًا، فأراد الصلاة عليه ... لم توضع له الجنازة، فإن وضعت له رجوت أن لا يكون به بأس، ومن فاتته الصلاة ... صلى على القبر) . وإليه ذهب ابن سيرين، وأحمد رحمة الله عليهما. وقال مالك، وأبو حنيفة: (لا تجوز الصلاة على القبر، إلا أن يكون الميت قد دفن بغير صلاة، فيجوز أن يصلى على القبر إلى ثلاثة أيام، وبعد الثلاث: لا يجوز، وإن صلي عليه ... لم يصل على القبر إلا الولي، أو الوالي، أو إمام الحي) . دليلنا: ما روي: «أن امرأة مسكينة مرضت، فقال النبي ﷺ : "إذا ماتت ... فآذنوني"، فماتت ليلاً، فدفنوها، ولم يوقظوا رسول الله ﷺ ، فلما أصبح أخبر بذلك، فقال: "آلا آذنتموني؟ "، فقالوا: كرهنا أن نوقظك، فخرج النبي ﷺ إلى قبرها، ووقف بالناس، وصلى عليها، وكبر أربعًا» .

стр. 1193

فإن قالوا: فالنبي ﷺ هو الإمام. قلنا: قد أجاز النبي ﷺ صلاتهم عليها. وروي: «أن النبي ﷺ قدم المدينة، وقد مات البراء بن معرور وكان قد أوصى له، فقبل وصيته، وصلى على قبره بعد شهر» . إذا ثبت هذا: فإلى أي وقت تجوز الصلاة على القبر؟ فيه أربعة أوجه: أحدها: إلى شهر، وبه قال أحمد رحمة الله عليه؛ لأن النبي ﷺ صلى على قبر البراء بن معرور، وعلى أم سعد بن عبادة ﵄ بعدما دفنا بشهر، ولم ينقل أكثر منه. والثاني: ما لم يبل جسده ويذهب؛ لأنه إذا كان باقيًا ... فهو بمنزلة حال الموت. والثالث: يصلي عليه من كان من أهل فرض الصلاة عليه؛ لأنه من أهل الخطاب بالصلاة عليه، فأما من ولد أو بلغ بعد موته: فلا يصلي عليه؛ لأنه لم يكن من أهل الخطاب بالصلاة عليه.

стр. 1194

والرابع: أن يصلى عليه أبدًا؛ لأن القصد منها الدعاء له، وذلك يوجد بعد طول المدة. فأما الصلاة على قبر النبي ﷺ : فلا تجوز على الأوجه الثلاثة الأولى؛ لأنه قد مضى أكثر من شهر، ولأنا لا نعلم بقاءه في القبر؛ لأن الأنبياء يرفعون من قبورهم، ولأنا لم نكن من أهل الخطاب بالصلاة عليه عند موته. وأما على الوجه الرابع: فاختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: تجوز الصلاة عليه. ولم يذكر الشيخ أبو حامد غيره، قال: وكذلك لو صلى على قبر آدم ﵊ ... جاز ذلك، كما يجوز ذلك في حق سائر الموتى. ومنهم من قال: لا يجوز. حكاه ابن الصباغ وغيره؛ لقوله ﷺ : «لا تتخذوا قبري مسجدًا» . وروي: «لا تتخذوا قبري وثنًا، فإنما هلك بنو إسرائيل؛ لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» . وهل يستحب لمن صلى على الميت أن يعيد الصلاة عليه مع من لم يصل عليه؟ فيه وجهان: أحدهما: يستحب، كما قلنا في سائر الصلوات. والثاني: لا يستحب؛ لأن صلاته الثانية نفل، وصلاة الجنازة لا يتنفل بمثلها.

стр. 1195

[مسألة: الصلاة على الغائب] وتجوز الصلاة على الميت الغائب عن البلد، فيتوجه المصلي إلى القبلة، ويصلي عليه بالنية، سواء كان الميت في جهة القبلة أو لم يكن، وبه قال أحمد بن حنبل رحمة الله عليه. وقال مالك، وأبو حنيفة: (لا تجوز الصلاة على الغائب) . دليلنا ما روي: «أن النبي ﷺ نعى النجاشي لأصحابه يوم مات، وخرج بهم إلى المصلى، وصف بهم، وكبر أربعًا» . هذا إذا كان الميت في بلد أخرى، أو قرية أخرى، وبينهما مسافة، سواء كان ما بينهما قريبًا أو بعيدًا. فإن كان الميت في طرف البلد ... لم يجز أن يصلي عليه حتى يحضر عنده؛ لأنه يمكنه ذلك. وإن كان بحضرة الجنازة، فتقدم عليها، وصلى، وهي خلفه ظهره ... ففيه وجهان، حكاهما في " الإبانة " [ق\١٠٧] : أحدهما: يجوز، كما لو كان الميت غائبًا. والثاني: لا يجوز؛ لأن الأصول فرقت بين حال الضرورة والإمكان، وهاهنا: أمكنه أن تكون الجنازة أمامه. [مسألة: وجود جزء من الميت] إذا وجد بعض الميت ... فإنه يجب غسله والصلاة عليه، سواء وجد أكثر البدن أو أقله، حتى لو وجد منه أصبع بعد أن علم أنه انفصل من ميت، وبه قال أحمد
следующие страницы →