Полный текст (7 092 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
فـ[الأول] : قال الشيخ أبو حامد في " التعليق ": قال أبو إسحاق: مراد الشافعي ﵀: أن يكون موضع الحلب واحدًا، وهو المكان.
و [الوجه الثاني] : حكى المحاملي وصاحب " الفروع ": أن أبا إسحاق قال: مراد الشافعي: أن يكون الإناء واحدًا.
و [الوجه الثالث] : حكى ابن الصباغ صاحب " الشامل ": أن أبا إسحاق المروزي قال: مراد الشافعي: أن يكون الحالب واحدًا، فاختلفوا في حكاية مذهب أبي إسحاق، وذكروا: أنه الصحيح. وأما خلط اللبنين: فلا يعتبر؛ لأن ذلك يؤدي إلى الربا.
و [القول] الثاني: من أصحابنا من قال: يعتبر أن يحلبا معًا، ويخلطا اللبنين، ثم يقسمانه بالسوية، قال ابن الصباغ على هذا: ولا اعتبار بالتفاضل الذي يحصل فيه؛ لأن أحدهما يسامح الآخر به، كالمسافرين يخلطون أزوادهم، ثم يأكلون، وإن كان قد يأكل بعضهم أكثر من بعض.
و [القول] الثالث: من أصحابنا من قال: يعتبر أن يكون الحالب واحدًا، والإناء واحدًا، ويخلط اللبنين.
والأول أصح: لأن اللبن من النماء، فلا يعتبر فيه الخلط، كالصوف، ويخالف المسافرين؛ لأن كل واحد منهم يدعو الآخر إلى طعامه، فيكون ذلك إباحة منه له.
واختلف أصحابنا في نية الخلطة، وجهان:
فأحدهما: منهم من قال: إنها معتبرة؛ لأن الخلطة تؤثر في الفرض، فافتقرت إلى النية.
والثاني: منهم من قال: لا يعتبر؛ لأن الخلطة إنما أثرت؛ لخفة المؤنة، وذلك موجود من غير نية.
فإن اختل شرط من هذه الشروط.. لم تصح الخلطة، وهذا إنما هو في خلطة الأوصاف.
فأما خلطة الأعيان: فإن هذه الشرائط موجودة فيها ضرورة.
стр. 1332
وقال مالك: (يعتبر ثلاثة شروط لا غير: الراعي، والمسرح، والفحل) .
دليلنا: ما روى سعد بن أبي وقاص: أن النبي ﷺ قال: «والخليطان: ما اجتمعا في الرعي، والسقي، والفحل "، وفي رواية: " والحوض» . فنص على هذه الأشياء، ونبه على ما سواها؛ لأن المؤنة تخف بها.
[فرع: شركة المكاتب أو الذمي]
فإن ملك من تجب عليه الزكاة أربعين شاة، خالط مكاتبًا، أو ذميًا.. لم تصح الخلطة، ووجب على الحر المسلم زكاة المنفرد.
وقال أبو ثور: (تصح الخلطة مع المكاتب) ؛ لأن المكاتب عنده من أهل الزكاة.
وقال أبو حنيفة: (لا تجب على الحر المسلم زكاة المنفرد، كما لا تجب على شريكه) .
والدليل على أبي ثور: أن المكاتب ناقص بالرق، فلم تجب عليه الزكاة، كالقن.
وعلى أبي حنيفة: أن الزكاة تجب عليه إذا كان منفردًا، فلا تسقط عنه الزكاة بخلطة من لا تجب عليه الزكاة، كما لو خلط الأثمان بالصفر والنحاس) .
[مسألة: أنواع الخلطة]
] : وإذا وُجدت الخلطة.. فلا تخلو من ثلاثة أحوال:
إما أن يكون لم يثبت لمال أحدهما حكم الانفراد، أو لم يثبت لمالهما حكم الانفراد، أو ثبت لمال أحدهما دون الآخر حكم الانفراد.
فـ[الأول] إن لم يثبت [لمال] أحدهما حكم الانفراد، بأن ملك كل واحدٍ
стр. 1333
عشرين من الغنم، ثم خلطاها، أو ملك كل واحدٍ أربعين من الغنم، وخلطاها عقيب الملك حولًا.. فإنهما يزكيان زكاة الخلطة.
و [الحال الثاني] : إن ثبت لمالهما حكم الانفراد.. نظرت:
فإن كان حولهما متفقًا، مثلُ: أن ملك كل واحد منهما أربعين من الغنم، أول المحرم، ثم خلطاها أول صفر.. ففيه قولان:
[الأول] : قال في القديم: (يزكيان زكاة الخلطة، فتجبُ عليهما شاةٌ أول المحرم) . وبه قال مالك؛ لقوله ﷺ : «لا يفرق بين مجتمع» ، ولأنه لما كان الاعتبار في قدر الزكاة آخر الحول.. وجب أن تعتبر الخلطة في آخره أيضًا.
و [الثاني] : قال في الجديد: (يزكيان زكاة الانفراد) ، فيجب على كل واحدٍ منهما شاةٌ أول المحرم، وهو الصحيح، وبه قال أحمد؛ لأنهما شخصان ثبت لمالِ كل واحدٍ منهما حكم الانفراد في بعض الحول، فزكيا زكاة الانفراد، كما لو اختلطا أول الحول وانفردا آخره. وأما في الحول الثاني وما بعده: فيزكيان زكاة الخلطة على القولين؛ لأن الخلطة موجودةٌ في جميعه.
وإن كان حولهما مختلفًا، مثل: أن ملك أحدهما في أول المحرم أربعين شاةً، وملك الآخر في أول صفر أربعين، ثم خلطاها في أول ربيع، فإذا بلغا أول المحرم، فإن قلنا بالقول القديم.. أخرج الذي ملك أول المحرم نصف شاةٍ، فإذا بلغا أول صفرٍ.. أخرج الثاني نصف شاةٍ، وعلى هذا في الحول الثاني وما بعده.
وإن قلنا بالقول الجديد.. أخرج كل واحدٍ منهما شاةً عند تمام حوله الأول.
وأما في الحول الثاني وما بعده: ففيه وجهان:
أحدهما ـ وهو المذهب ـ أنهما يزكيان زكاة الخلطة؛ لأنهما صارا خليطين في جميع السنة، إلا أنه لا يجب على كل واحد منهما إلا إخراج نصف شاة عند تمام حوله.
والثاني ـ وهو قول أبي العباس ابن سُريج ـ: أنهما يزكيان زكاة الانفراد في جميع الأحوال، كالسنة الأولى.
стр. 1334
و [الحال الثالث] إن ثبت لمال أحدهما حكم الانفراد دون الآخر، مثل: أن ملك رجل أربعين شاةً أول المحرم، فلما جاء صفر.. خالط بها رجلًا له أربعون شاة، ثم جاء ثالثٌ، فاشترى تلك الأربعين من الثاني، وصورها الشيخ أبو حامد: أن الأول ملك في أول المحرم، وملك الثاني في أول صفر، وخلطاها قبل انفراد الثاني بالحولِ.
قال ابن الصباغ: وهذا يتصور أن تحصل الخلطة عقيب القبول، ولا يعتبر الزمان اليسير.
إذا ثبت هذا: وبلغا أول المحرم، فإن قلنا بقوله القديم.. وجب على الأول نصفُ شاة، وكذلك في الحول الثاني وما بعده.
وإن قلنا بقوله الجديد.. وجب عليه شاةٌ، وأما في الحول الثاني وما بعده: فعلى المذهب: يزكيان زكاة الخلطة، وعلى قول أبي العباس ابن سريج: يزكيان زكاة الانفراد؛ لأن حولهما مختلفٌ.
فإذا بلغا أول صفرٍ، فإن قلنا بالقول القديم.. وجب على الثاني نصف شاةٍ، وإن قلنا بالقول الجديد.. ففيه وجهانِ:
أحدهما: يجب عليه شاةٌ؛ لأن خليطه لم يرتفق بخلطته، فلم يرتفق هو أيضًا.
والثاني: يجب عليه نصف شاةٍ، وهو الصحيح؛ لأنه خليطٌ للأول في جميع السنة.
وما قاله الأول لا يصح؛ لأن أحد الخليطين قد يرتفق بالخلطة دون الآخر، ألا ترى أن في هذه المسألة: إذا حال الحول الثاني على الأول.. فإنه يزكي زكاة الخلطة على المذهب، ثم لو تقاسما قبل تمام الحول الثاني.. وجب على الثاني شاةٌ عند تمام حوله، فقد ارتفق الأول دون الثاني.
[فرع: وجود النصاب نصف حول]
إذا ملك رجلٌ أربعين شاةً، وأقامت في يده نصف الحول، ثم باع نصفها مشاعًا من آخر، فإن حول البائع ينقطع في النصف الذي باع، وهل ينقطع في حوله الذي لم يُبع؟ فيه طريقان:
стр. 1335
أحدهما ـ وهو قول أبي علي بن خيران ـ: أنها على القولين، هل يُبنى حول الخلطة على حول الانفراد؟
فإن قلنا بالقول القديم: (إن حول الخلطة يبنى على حول الانفراد) .. لم ينقطع.
وإن قلنا بالقول الجديد: (إنه لا يبنى) .. انقطع الحول فيما لم يبع، فيستأنفان الحول من يوم البيع. قال: لأن الشافعي ﵀ قال: (فمن له ستون شاةً مضى عليها نصف الحول، ثم باع ثلثها مشاعًا.. إنه يجب على البائع شاةٌ عند تمام حوله) ، ولو صح بناءُ حول الخلطة على حول الانفراد.. لأوجب عليه ثلثي شاةٍ.
والطريق الثاني ـ وهو المنصوص في " المختصر " [١/٢٠٨] و " الأم " [٢/١٣] ، وبه قال أبو العباس، وأبو إسحاق، وعامة أصحابنا ـ: (إن حول البائع لا ينقطع فيما لم يبع، قولًا واحدًا، فيجب عليه نصف شاةٍ عند تمام حوله) ؛ لأن نصيبه لم ينفك من نصابٍ، إما منفردًا، أو مختلطًا؛ لأنه لو كان منفردًا يملك النصاب أول الحول، ثم صار خليطًا للمشتري آخر الحول.. فلم ينقطع الحولُ فيه. هذا الكلام في البائع.
وأما المبتاع: فإن ابتداء حوله من حين الابتياع، فإذا تم حوله.. نظرت في البائع:
فإن كان قد أخرج زكاته من الأربعين.. فلا زكاة على المشتري؛ لأن النصاب نقص قبل الحول.
وإن أخرجها من غير الأربعين، فإن قلنا: إن الزكاة تعلقت بذمة البائع.. لم ينقطع حول المبتاع، فيجب عليه نصف شاةٍ عند تمام حوله.
وإن قلنا: إن الزكاة تتعلق بالعين، فإن نتجت شاةٌ سخلةً مع تمام الحول أو قبله.. لم ينقطع حول المبتاع أيضًا، وإن لم تنتج شاةٌ سخلةً.. ففيه طريقان:
قال عامة أصحابنا: ينقطع حول المبتاع بحؤول الحول على مال البائع؛ لأن أهل الزكاة ملكوا نصف شاة منها، فنقص المال عن النصاب، فإذا أخرج البائع الزكاة من غيرها.. عاد إليه ملك ذلك النصف بالإخراج، فيعتبر حولهما جميعًا من ذلك الوقت.
стр. 1336
وذكر أبو إسحاق في " الشرح ": أن على هذا القول قولين:
أحدهما: هذا.
والثاني: لا ينقطع حول المبتاع؛ لأن رب المال إذا أخرج الزكاة من غير المال.. تبينّا أن المساكين لم يملكوا جزءًا من المال.
والطريق الأول أصح. فأما إذا باع عشرين منها بأعيانها، وسلمها إلى المبتاع من غير تفريق بينهما في المكان.. ففيه وجهان:
أحدهما ـ وهو قول أبي الطيب بن سلمة ـ: أن حكمها حكم الأول.
والثاني: أن حول البائع ينقطع فيما لم يبع، ويستأنفان الحول من حين البيع؛ لأنه لما أفردها بالبيع.. صار كما لو أفردها عن ماله في المكان، ثم باعها.
والأول أصح؛ لأنها لم تنفرد عن ماله في المكان.
[فرع: لا ينقطع الحول فيما لم يبع]
وإن ملك رجلٌ ثمانين شاةً، ومضى عليها نصفُ الحول، ثم باع نصفها مشاعًا.. فإن حول البائع لا ينقطع فيما لم يبع، بلا خلافٍ.
فإذا تم حوله من حين ملكها، فإن قلنا بقوله القديم: (وأن حول الخلطة يبنى على حول الانفراد) .. وجب عليه نصف شاةٍ، ويجبُ على المبتاع نصفُ شاةٍ عند تمام حوله.
وإن قلنا بقوله الجديد: (وأن حول الخلطة لا يبنى على حول الانفراد) .. وجب على البائع شاةٌ عند تمام حوله، وفي المبتاع وجهان:
أحدهما: يجب عليه شاةٌ؛ لأن خليطه لم يرتفق به، فلم يرتفق هو به أيضًا.
والثاني ـ وهو الصحيح ـ أن عليه نصف شاةٍ؛ لأن ماله لم ينفك عن الخلطة في جميع الحول.
стр. 1337
قال الشيخ أبو حامدٍ: هكذا درسها أصحابنا، إلا أني أذهب: أن البائع يجب عليه نصف شاة عند تمام حوله على القولين؛ لأن ماله لم ينفك عن الخلطة في جميع الحول، وكذلك المبتاع: يجب عليه نصف شاةٍ؛ لهذه العلة.
[فرع: انقطاع الحول]
إذا ملك رجلٌ أربعين شاةً في أول المحرم، وملك آخر أربعين في أول المحرم، وأقاما منفردين ستةَ أشهرٍ، ثم باع أحدهما جميع غنمه بجميع الآخر.. انقطع حولُ كل واحدٍ منهما فيما باعَ، واستأنف الحولُ فيما اشترى، فإن بقيا منفردين إلى آخر الحول.. زكيا زكاة الانفراد من حين التبايع، فإن خلطا عقيب التبايع.. صحت الخلطة، وزكيا زكاة الخلطة.
وإن مضى زمانٌ، ثم تخالطا.. فعلى القولين في حال الخلطة: هل يُبنى على حول الانفراد؟
وإن باع كل واحدٍ منهما نصف غنمه مشاعًا بنصف غنم الآخر مشاعًا، ثم تخالطا عقيب التبايع.. فإن حول كل واحدٍ منهما ينقطع فيما باعَ، وهل ينقطع فيما لم يبع؟ فيه طريقان:
قال عامة أصحابنا: لا ينقطع، قولًا واحدًا.
وقال ابن خيران: فيه قولان، وقد مضى ذلك.
فإن قلنا: ينقطع.. استأنف الحول من حين البيع.
وإن قلنا: لا ينقطع.
فإذا بلغا أول المحرم، فإن قلنا بقوله القديم: (وأن حول الخلطة يبنى على حول الانفراد) .. وجب على كل واحدٍ منهما ربعُ شاةٍ؛ لأنه مخالطٌ حال الوجوب بعشرين لسنتين. وإن قلنا بقوله الجديد.. وجب على كل واحدٍ منهما نصف شاةٍ.
فإذا بلغا أول رجب، وهو وقت تبايعهما، فعلى القديم: يجب على كل واحدٍ منهما ربع شاةٍ، وعلى الجديد: فيه وجهان:
стр. 1338
أحدهما: يجب على كل واحدٍ منهما نصفُ شاةٍ؛ لأن شريكه لم يرتفق بخلطته، فلم يرتفق هو به أيضًا.
والثاني: يجب على كل واحدٍ منهما ربعُ شاةٍ؛ لأن هذا المال كان مختلطًا من حين ملك.
[مسألة: اجتماع حول المشتركين]
إذا كان بين رجلين أربعون شاةً، لكل واحدٍ عشرون، ولأحدهما أربعون شاةً منفردةً، واتفق حول الجميع.. ففيها ستة أوجهٍ:
أحدها ـ وهو المنصوص للشافعي، وبه قال عامة أصحابنا ـ (أنه يجب في الجميع شاةٌ، ربعها على صاحب العشرين، وثلاثة أرباعها على صاحب الستين) ؛ لأن مال الرجل الواحد يضم بعضه إلى بعض بحكم الملك وإن افترقت الأماكن به، ثم يضم ذلك إلى مال خليطه، فيصير كأن الثمانين في مكانٍ واحدٍ، فجيب فيها شاةٌ مقسطةٌ على الملكين.
والثاني ـ وهو قولُ أبي علي بن أبي هريرة، وأبي علي الطبري، وقياسُ قول ابن الحداد ـ: أنه يجب على صاحب الستين ثلاثة أرباع شاةٍ، وعلى صاحب العشرين نصفُ شاةٍ؛ لأن مال الرجل يضم بعضه إلى بعض بحكم الملك، وأما صاحب العشرين: فلم يخالط من مال خليطه إلا بعشرين، فلم يرتفق بغيرها.
والثالث ـ وهو اختيار أبي زيد والخضري ـ أنه يجب على صاحب الستين أحد عشر جزءًا من اثني عشر جزءًا من شاةٍ، وعلى صاحب العشرين نصف شاةٍ؛ لأن صاحب الستين لو انفرد بجميع غنمه.. لوجب عليه شاةٌ، فيخص الأربعين التي انفرد بها ثلثا شاةٍ، ولو خالط بجميع غنمه.. لوجب عليه ثلاثةُ أرباع شاةٍ، لكنه لم يخالط منها إلا بعشرين فيجب فيه ربع شاةٍ، فإذا ضممت ثلثي شاةٍ وربعها.. كان ذلك أحد عشر جزءًا من اثني عشر جزءًا، وأما صاحب العشرين: فلم يخالط إلا بعشرين، فلم يرتفق بغيرها.
стр. 1339
والرابع ـ ما حكاه الشيخ أبو حامدٍ، عن أبي علي بن أبي هريرة أيضًا ـ: أنه يجب على صاحب العشرين نصفُ شاةٍ؛ لما ذكرناه، وعلى صاحب الستين شاةٌ؛ لأن له مالًا منفردًا، ومالًا مختلطًا، فغلبت زكاة الانفرادِ؛ لأنها أقوى لكونها مجمعٌ عليها.
والخامسُ ـ يحكى عن أبي العباس ـ: أنه يجب على صاحب الستين شاةٌ وسدس شاةٍ؛ لأن حصة الأربعين ثلثا شاةٍ من زكاة الانفراد، وحصة العشرين نصفُ شاةٍ؛ لكونه مخالطًا بها بعشرين، وعلى صاحب العشرين نصفُ شاةٍ.
قال ابن الصباغ: وهذا ضعيفٌ؛ لأنه ضم الأربعين إلى العشرين، ولم يضم العشرين إلى الأربعين.
والسادس ـ حكاه في " الإبانة " [ق\١١٨] : أنه يجب على صاحب الستين شاةٌ ونصف شاةٍ، وعلى صاحب العشرينَ نصفُ شاةٍ؛ لأن الأربعين منفردةٌ، فجيب فيها شاةٌ، والعشرين مخالطٌ بها بعشرين، فيجبُ فيها نصف شاةٍ، وهذا ضعيفٌ أيضًا؛ لأن مال الرجل الواحد يضم بعضه إلى بعض بحكم الملك وإن تفرقت الأماكنُ به.
إذا ثبت هذا: فقد ذكر الشافعي في " الأم " [٢/١٧] نظير هذه المسألة، فقال: (إذا ملك الرجل أربعين شاةً ببلدٍ، وله أربعون ببلدٍ أخرى، فلما مضى له ستةُ أشهرٍ.. باع نصف إحدى الأربعين مشاعًا من رجلٍ.. انقطع حوله فيما باعَ، ولم ينقطع فيما لم يبع، فإن لم يقاسمه حتى حال الحول على البائع من يوم ملك غنمه.. وجبت عليه شاةٌ، وإذا حال الحول على المبتاع من حين البيع.. وجب عليه نصف شاةٍ) .
قال المحاملي: والقاضي أبو الطيب: إنما أوجب الشافعي على صاحب الستين شاةً؛ لأن حول الخلطة لا يبنى على حول الانفراد، على قوله الجديد، وقد كان منفردًا أول الحول، وأما صاحب العشرين على هذا القول: ففيه وجهان:
أحدهما: يجب عليه ربع شاةٍ؛ لأن ماله لم ينفك عن الخلطة في جميع الحول.
والثاني ـ وهو المنصوص ـ: (أنه يجب عليه نصف شاةٍ) ؛ لأن شريكه لم يرتفق بشركته، فلم يرتفق هو أيضًا بشركته.
стр. 1340
وأما على القول القديم، وهو: (أن حول الخلطة يبنى عل حول الانفراد) : فيجب على صاحب الستين ثلاثة أرباع شاةٍ، وعلى صاحب العشرين ربع شاةٍ.
[فرع: مشاركة جماعة في ستين شاة]
إذا كان لرجل ستون شاةً، فخالط بكل عشرين منها رجلًا له عشرون شاةً، وحالَ الحولُ على الجميع.. ففيه خمسةُ أوجه.
أحدُها: يجب عليهم شاةٌ، على صاحب الستين نصفها، وعلى كل واحدٍ من خلطائه سدسُها؛ لأن مال الرجل الواحد ينضم بعضه إلى بعض بحكم الملك، ثم ينضم ذلك إلى خلطائه، فيصير كالمائة والعشرين في مكان واحدٍ، فوجب فيها شاةٌ مقسطةٌ على الأملاك.
والثاني: يجب على صاحب الستين نصفُ شاةٍ، وعلى كل واحدٍ من خلطائه نصفُ شاةٍ، وهو قول ابن الحداد، واختيار القاضي أبي الطيب بن سلمة؛ لأن مال الرجل ينضم بعضه إلى بعض بحكم الملك، وهو مخالطٌ بجميعه، فانضم مال خلطائه في حقه؛ لكونه مخالطًا لكل واحد منهم، فصارا كما لو خلط بستين شاةً رجلًا له ستون، وكل واحد من خلطائه لم يخالط إلا بعشرين.. فلم يرتفق بغيرها، ولا يرتفق واحدٌ من خلطائه بالآخرين؛ لأنه لا خلطة بينه وبينهما.
والثالث: تجب على صاحب الستين ثلاثةُ أرباع شاةٍ، وعلى كل واحدٍ من خلطائه نصفُ شاةٍ؛ لأن مال صاحب الستين ينضم بعضه إلى بعض بحكم الملك، ولا يمكن ضمه إلى كل واحدٍ من خلطائه، بل ينضم إلى مال واحدٍ منهم، فيصير كأنه مخالطٌ بستين رجلًا له عشرون، فجيب عليه ثلاثة أرباع شاةٍ، وكل واحدٍ من خلطائه لم يخالطه إلا بعشرين، فلم يرتفق بغيرها.
والرابع ـ حكاه القاضي أبو الطيب في " شرح المولدات " ـ: أنه يجب على صاحب الستين شاةٌ ونصفُ شاةٍ، وعلى كل واحدٍ من خلطائه نصف شاةٍ؛ لأن كل عشرين من غنمه منقطعة على من لم يخالطه بها، فيجب أن تكون منقطعةً في حقه أيضًا عن الأربعين التي خالط بها الآخرين، فيجبُ في كل أربعين شاةٌ، عليه نصفها.
стр. 1341
والخامسُ ـ حكاه الشيخ أبو حامدٍ، والمحاملي، وصاحب " المهذب " ـ: أنه يجب على صاحب الستين شاةٌ، على قول من قال في الأولى: يغلب زكاةُ الانفراد؛ لأنه لا يمكن ضم ماله مع تفرقه إلى أموال خلطائه، فيجعل كأنه منفردٌ بالستين، فيجب عليه فيها شاةٌ، وعلى كل واحدٍ من خلطائه نصفُ شاةٍ.
وأما ابن الصباغ: فقال: لا يمكن هذا في هذه المسألة؛ لأنه ليس هاهنا مالٌ منفردٌ، فيغلبُ حكمه.
[فرع: خالط غنمه مع اثنين]
فرعٌ: [خالط غنمه معاثنين] :
وإن كان له أربعون شاةً، فخالط بكل عشرين منها رجلًا له أربعون شاةً:
فعلى الوجه الأول في الفروع قبل هذا: تجب عليهم شاةٌ، على كل واحدٍ ثلثها.
وعلى قول ابن الحداد: يجب على الذي فرق ماله ثلث شاةٍ، وعلى كل واحدٍ من خلطائه ثلثا شاةٍ.
وعلى الوجه الثالث: ينضم ماله بعضه إلى بعض، ثم ينضم إلى أحد خليطيه في حق نفسه، فيجب عليه نصف شاةٍ، وعلى كل واحدٍ من خليطيه ثلثا شاةٍ؛ لأنه لا يرتفق إلا بما خولط به.
وعلى الوجه الرابع ـ الذي قطع مال الرجل بعضه من بعض لافتراقه في الخلطة ـ: يجب عليه ثلثا شاةٍ، في كل عشرين ثلثها، وعلى كل واحدٍ من خليطيه ثلثا شاةٍ.
ويأتي على الوجه الخامس الذي حكاه الشيخُ أبو حامد في تغليب الانفراد: يجبُ على كل من فرق ماله شاةٌ، وعلى كل واحدٍ من خليطيه ثلثا شاةٍ.
[فرع: المشاركة بنصف ما يملك]
وإن كان لرجلٍ عشرٌ من الإبل، فخالط بكل خمسٍ منها رجلًا له خمس عشرةَ من الإبل، وبالخمس الأخرى رجلًا له خمسةَ عشرَ:
стр. 1342
فعلى الوجه الأول ـ وهو المنصوص ـ: (يجب في الجميع بنت لبون: على صاحب العشر ربعها، وعلى كل واحدٍ من خليطيه ثلاثة أثمانها) .
وعلى قول ابن الحداد: يجب على صاحب العشر ربع بنت لبون، وعلى كل واحدٍ من خليطيه ثلاث شياهٍ.
وعلى قول من قطع الخمس عن الخمس الأخرى، قال: يجب على صاحب العشر شاتان، وعلى كل واحدٍ من خلطائه ثلاث شياه، وكذلك: على قول من غلب زكاة الانفراد، وهذا ضعيفٌ.
وعلى قول من ضم بعض ماله إلى بعضٍ، وضمه إلى مال أحد خليطيه، قال: يجب على صاحب العشر خمسا بنت مخاض، وعلى كل واحدٍ من خليطيه ثلاث شياهٍ.
وإن كانت له عشرٌ من الإبل، فخالط بكل خمسٍ رجلًا له عشرونَ:
فعلى الوجه الأول: يجب على الجميع حقةٌ: على صاحب العشر خمسها، وعلى كل واحدٍ من خليطيه خمساها.
وعلى قول ابن الحداد: يجب على صاحب العشر خمس حقةٍ، وعلى كل واحدٍ من خليطيه أربعة أخماس ابنة مخاضٍ.
وعلى قول من قطع أحد ماليه عن الآخر: يجب على صاحب العشرة خمسا بنت مخاضٍ، وعلى كل واحدٍ من خليطيه أربعةً أخماسِ بنت مخاضٍ.
стр. 1343
وعلى قول من ضم مال الرجل الواحد بعضه إلى بعض، وضمه إلى أحد خليطيه: يجب على صاحب العشر ثلثا بنت مخاض، وعلى كل واحدٍ من خليطيه أربعة أخماسِ بنت مخاضٍ.
وعلى قول من غلب زكاة الانفراد: يجب على صاحب العشر شاتان، وعلى كل واحدٍ من خليطيه أربعةُ أخماسِ بنت مخاضٍ.
[مسألة: خلطة الأعيان والأوصاف]
قد ذكرنا: أن الخلطة خلطتان: خلطة أعيان، وخلطة أوصافٍ، وهما سواءٌ في أنه يجب فيهما ما يجب على الواحد.
واختلف قول الشافعي إلى ماذا ينصرف إطلاقُ اسم الخلطة في اللغة وقوله ﷺ : «والخليطان يتراجعان بينهما بالسوية» ؟
فقال في القديم: (ينصرف إلى خلطة الأوصاف) .
وقال في الجديد: (ينصرف إلى خلطة الأعيان) .
إذا ثبت هذا: فالكلام هاهنا في أخذ الساعي الزكاة من المال، وفي التراجع.
فإن كانت الخلطة خلطة الأعيان.. أخذ منه، ولا تراجع بينهما إلا في الإبل التي يجب فيها الغنم، فإن الساعي إذا وجد في يد أحدهما خمسًا من الإبل.. أخذ منه شاةً، ويرجع على خليطه.
وإن كانت خلطة أوصافٍ، فإن كان الفرض موجودًا في مال أحدهما دون الآخر، أو كان بينهما أربعون شاةً.. فإن الساعي يأخذ الفرض من مال أحدهما، بلا خلافٍ؛ لأنه لا يمكنه غير ذلك، وإن أمكنه أن يأخذ زكاة كل واحدٍ منهما من ماله، بأن كان لكل واحدٍ مائة شاةٍ.. ففيه وجهان:
أحدهما ـ وهو قول أبي إسحاق ـ أن الساعي لا يجوز له أن يأخذ من مال أحدهما إلا شاةً؛ لأنه لا حاجة به إلى أن يأخذ ذلك من مال خليطه.
стр. 1344
والثاني ـ وهو قول أبي علي بن أبي هريرة ـ: أنه يجوز له أن يأخذ الكل من مال أحدهما بكل حالٍ؛ لأنه كالمال الواحد.
قال الشيخ أبو حامد: وهذا أشبه بمذهب الشافعي ﵀، والأول أقيسُ.
فإذا أخذ الساعي الزكاة من غير زيادةٍ من مالِ أحدهما.. رجع على خليطه من قيمة المأخوذ بقدر ماله من المال الذي وجبت فيه الزكاة عليهما، فإن اتفقا على قيمة المأخوذ.. فلا كلام، وإن اختلفا، فإن كان للمأخوذ منه بينةٌ بقيمة ما أُخذ منه.. عمل بها، وإن لم يكن له بينةٌ.. فالقولُ قول المرجوع عليه مع يمينه؛ لأنه غارمٌ.
وإن أخذ الساعي من أحدهما أكثر من الفرض بغير تأويل، بأن أخذ من الأربعين شاتين، أو أخذ شاة ربى، أو ماخضًا، أو فحل الغنم، أو سنًا أكبر من سن الفرض.. يرجع المأخوذ منه على خليطه بحصته من قيمة الواجب، لا من الزيادة، مثل: أن يأخذ منه ابنة لبون مكان ابنة مخاضٍ، فإنه يرجع عليه من قيمة ابنة مخاضٍ؛ لأن الساعي ظلمه، فلا يرجع على غير من ظلمه.
وهكذا: لو تطوع أحدهما بتسليم ذلك.. لم يرجع على خليطه إلا من قدر الواجب لا غير؛ لأنه متطوعٌ بالزيادة.
وإن أخذ الساعي من أحدهما أكثر من الواجب بتأويلٍ، بأن أخذ الكبيرة عن الصغار، أو الصحيحة عن المراض على قول مالك ﵀.. رجع المأخوذ منه على خليطه من قيمة ما أخذ منه؛ لئلا يؤدي إلى نقض اجتهاد الإمام.
فإن أخذ من أحدهما قيمة الفرض على مذهب أبي حنيفة.. فهل يرجع على خليطه منهما؟ فيه وجهان:
أحدهما ـ وهو قول أبي إسحاق ـ: أنه لا يرجع عليه بشيء؛ لأن القيمة لا تجزئ عندنا.
والثاني ـ وهو المنصوص في " الأم ": (أنه يرجع عليه بحصته من القيمة) ؛ لأنه أخذه باجتهاده، فأشبه إذا أخذ الكبيرة عن الصغار.
стр. 1345
[مسألة: فيما تصح الخلطة فيه]
] : وهل تصح الخلطة فيما عدا الماشية من الأموالِ: كالدراهم، والدنانير، وأموال التجارة، والزروع، والثمار؟ فيه قولان:
[الأول] : قال في القديم: (لا تأثير لها في ذلك) . وبه قال مالكٌ.
ووجهه: قوله ﷺ : «ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقةٌ» . وهذا عامٌ إذا كان لواحدٍ أو لاثنينِ، ولقوله ﷺ : «والخليطان ما اجتمعا في الرعي والفحل والحوض» .
فثبت: أن ما لا يوجد فيه ذلك.. لا تؤثر فيه الخلطةُ؛ ولأن الخلطة إنما تصح في جنس المال الذي يرتفق بها رب المال تارةً، ويستضر بها تارةً، وهي الماشية؛ لأنه لو كان بين ثلاثةٍ مائة وعشرون من الغنم، لكل واحدٍ أربعون.. لوجب عليهم شاةٌ وحدةٌ عند الاختلاط، ولو تفرقوا.. لوجب على كل واحدٍ شاةٌ. فهذا وجه ارتفاقهم في الخلطة.
وأما وجه استضرارهم: فلو كان بين رجلين أربعون من الغنم.. لوجب عليهما شاةٌ، ولو تفرقا.. لم يجب عليهما شيءٌ.
وأما الخلطةُ في غير المواشي: ففيها مضرةٌ على أرباب الأموال بكل حالٍ من غير ارتفاقٍ، وذلك أنه: إذا كان مال كل واحدٍ منهما أقل من نصابٍ، ويبلغان بمجموعهما النصاب.. وجبت عليهما الزكاة عند الخلطة، وإذا افترقا.. لم يجب عليهما الزكاةٌ.
стр. 1346
ولو كان مع كل واحدٍ منهما نصابٌ، فاختلطا.. فلا مضرة عليهما في الخلطة، ولا منفعة، فلذلك لم تصح الخلطةُ في غير الماشية.
و [الثاني] : قال في الجديد: (تصح الخلطةُ) . وبه قال أحمدُ، وهو الصحيحُ؛ لقوله ﷺ : «لا يفرق بين مجتمعٍ» . وهذا عام في الماشية، وغيرها.
ولأن المؤن تخف في الخلطة، وذلك لأن في عروض التجارة يكون دكانهما واحدًا، وميزانهما وحمالهما واحدًا، وكيالهما واحدًا.
وكذلك في الزروع والثمار: يكون أكارهما واحدًا، وصعادهما واحدا، وسقاؤهما واحدًا، وما جرى هذا المجرى.. فأثرت الخلطة فيهما، كالمواشي.
إذا ثبت هذا: فإن قلنا بالقول القديم: فإن بلغ مال أحدهما نصابًا.. زكاه، وإن لم يبلغ.. لم يجب عليه الزكاة.
وإن قلنا بالقول الجديد: فلا خلاف بين أصحابنا أن خلطة الأعيان تصح بها، وهل تصح في خلطة الأوصاف؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا تصح؛ لأن الاختلاط لا يحصل.
والثاني: يصح، وهو الأصح الصحيح؛ لأن ما صح فيه خلطة الأعيان.. صح فيه خلطة الأوصاف، كالمواشي.
والله أعلم وبالله التوفيق
стр. 1347
[باب زكاة الثمار]
تجب الزكاة في ثمرة النخل والكرم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] الآية [البقرة: ٢٦٧] .
والمرادُ بالإنفاق هاهنا: الزكاة؛ لأنه قال: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] [البقرة: ٢٦٧] .
وإنفاقُ الخبيث ـ وهو الدون ـ في غير الزكاة يجوز، وروى عتاب بن أسيد: أن النبي ﷺ قال في الكرم: «يخرص كما يخرص النخل، فتؤدى زكاته زبيبًا، كما تؤدى زكاة النخل تمرًا» . وإنما جعل النخل أصلًا، ورد إليه الكرم؛ لأنه قد كان ﷺ افتتح خيبر في سنة ستٍّ، وكان بها نخلٌ، و «كان يوجه عبد الله بن رواحة ﵁ يخرصها عليهم» . وكان خرص النخل عندهم مستفيضًا، ثم فتح الطائف
стр. 1348
وهوازن سنة ثمانٍ، وكان بها كرمٌ، فأمرهم بخرصها، كما يخرص النخل.
[مسألة: وجوب الزكاة في بعض الثمار]
ولا تجب الزكاة في التفاح، والسفرجل، والمشمش، والرمان، والتين، والبطيخ، والقثاء، والخيار، والبقول، وطلع الفحال، وما أشبهها مما لا يقتات.
وقال أبو حنيفة: (تجب الزكاة في كل ما يقصد بزراعته نماء الأرض، فيجب في جميع ما تنبته الأرض إلا الحطبَ، والحشيشَ، والقصب الفارسي) .
دليلنا: ما روى معاذٌ ﵁: أن النبي ﷺ قال: «ليس في الخضراوات صدقةٌ» . ولأنه لا يقتات في حال الاختيار.. فلم يجب فيه زكاةٌ، كالحطب، والحشيش.
وهل تجب الزكاة في الزيتون؟ فيه قولان:
[الأول] : قال في القديم: (تجب فيه الزكاة) . وبه قال مالكٌ، والزهري،
стр. 1349
والثوري، والأوزاعي؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾ [الأنعام: ٩٩] [الأنعام: ٩٩] .
ثم قال: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] [الأنعام: ١٤١] .
وقد روي ذلك عن عمر، وابن عباس ﵃.
فإذا قلنا بهذا: لم تجب فيه الزكاة، حتى يبلغ خمسة أوسقٍ، ولا يدخله الخرص؛ لأنه مختلطٌ بورقه، فإن كان من الزيتون الذي لا يجيء منه الزيت، وإنما يؤكل أدمًا، كالبغدادي، فإنه إذا بدا في الصلاح.. أخرج عشره زيتونًا.
وإن كان يجيءُ منه الزيت، كالشامي.. قال الشافعي رحمة الله عليه في القديم: (إن أخرج زيتونًا.. جاز؛ لأنه حالة الادخار له، وأحب أن يخرج عشره زيتًا؛ لأنه نهاية ادخاره) . وحكى ابن المرزبان في جواز إخراج الزيتون وجهين. قال الشيخ أبو حامد: وهذا غلطٌ.
و [الثاني] : قال في الجديد: (لا تجب فيه الزكاة) . وبه قال ابن أبي ليلى؛ لأنها ثمرةٌ لا تقتات في حال الاختيار، فأشبهت التين.
وهل تجب الزكاة في الورس؟ فيه قولان:
[الأول] : قال في القديم: (تجب) ؛ لما روي: (أن أبا بكر ﵁ كتب إلى بني حفاشٍ بذلك) .
стр. 1350
فعلى هذا: تجب الزكاة في قليله وكثيره؛ لأنه لا يوسقُ.
و [الثاني] : قال في الجديد: (لا تجب الزكاة) ؛ لأنه لا يقتات في حال الادخار.
فإذا قلنا بهذا: فلا زكاة في الزعفران.
وإن قلنا بالأول: ففي الزعفران قولان:
أحدهما: تجب فيه الزكاة؛ لأنه طيب كالورس.
والثاني: لا زكاة فيه؛ لأنه نبتٌ لا ساق له، والورس له ساقٌ.
وهل تجب الزكاة في العسل؟ فيه قولان:
[الأول] : قال في القديم: (تجب فيه الزكاة) ؛ لما روي: «أن قومًا أتوا النبي ﷺ بعشور نحلهم، وحمى لهم واديًا» .
و [الثاني] : قال في الجديد: (لا تجب فيه الزكاة) ؛ لما روي: أن النبي ﷺ لما بعث معاذًا إلى اليمن.. قال: «لا تأخذ العشر إلا من أربعة: من الشعير، والحنطة، والعنب، والنخل» .
وروي عن ابن عمر ﵄: أنه قال: (لا زكاة في العسل) . ولا مخالف له.
وهل تجب الزكاة في القرطم، وهو حب العصفر؟ فيه قولان:
стр. 1351
[الأول] : قال في القديم: (تجب) . وروي ذلك عن أبي بكر الصديق ﵁.
فعلى هذا: لا تجب فيه الزكاة حتى يبلغ خمسةَ أوسقٍ، كسائر الحبوب.
و [الثاني] : قال في الجديد: (لا تجب فيه الزكاة؛ لأنه ليس بمقتاتٍ، فأشبه السمسم) .
[مسألة: نصاب الثمار]
ولا تجب الزكاة في ثمرة النخل والكرم، حتى يبلغ يابسه خمسة أوسق، وبه قال جابرٌ، وابن عمر، ومن الفقهاء: مالكٌ، والأوزاعيٌ، والليث، وأبو يوسف، ومحمدٌ، وأحمدُ رحمة الله عليهم.
وقال أبو حنيفة: (تجب الزكاة في كل قليلٍ وكثيرٍ، ولو كانت حبةً واحدةً.. ـ وجب عشرها) .
دليلنا: ما روى أبو سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: «ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقةٌ» .
وروى جابرٌ: أن النبي ﷺ قال: «لا زكاة في نخلٍ ولا كرمٍ حتى تبلغ خمسة أوسقٍ» .
إذا ثبت هذا: فالوسقُ: ستون صاعًا، فذلك ثلاثمائة صاعٍ، والصاعُ: أربعة أمداد، والمد: رطلٌ وثلثٌ، فذلك ألف وستمائة رطلٍ بالبغدادي، وهو ثمانمائة منٍّ؛ لما روى جابرٌ ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لا زكاة في شيءٍ من
стр. 1352
الحرث حتى يبلغ خمسة أوسقٍ، والوسق: ستون صاعًا» . وهل ذلك تحديدٌ، أو تقريبٌ؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه تقريبٌ، فلو نقص منه خمسة أرطالٍ.. لم يؤثر؛ لأن الوسق: حمل بعيرٍ، وذلك يزيد وينقص.
والثاني: أنه تحديدٌ. قال المحاملي: وهو الصحيح؛ لأن النبي ﷺ قال: «والوسق: ستون صاعًا» . فعلم أنه تحديدٌ.
فعلى هذا: لو نقص منه شيءٌ قل أو كثر.. لم تجب الزكاةُ.
[فرع: زكاة الثمار التي لا تجفف]
وإن كان له رطبٌ لم يجئ فيه تمرٌ، أو عنبٌ لم يجئ منه زبيبٌ.. وجبت فيه الزكاة؛ لقوله ﷺ : «ما سقته السماء.. ففيه العشر» .
وكيف يعتبر؟ فيه وجهان:
أحدهما: يعتبر بنفسه، فإن كان يبلغ يابسه خمسة أوسقٍ.. وجبت فيه الزكاة، وإن كان لا يبلغ.. لم تجب فيه؛ لأن الزكاة تجب فيه، فاعتبر بنفسه.
والثاني: يعتبر بغيره، فيقال: لو كان بدل هذه التمرة مما يجفف في العادة.. هل كان يبلغ النصاب؟ فإن كان يبلغ النصاب.. وجبت فيه، وإلا.. فلا تجب؛ لأنه لما لم يمكن أن يعتبر بنفسه.. اعتبر بغيره، كالجناية على الحر التي لا أرش لها مقدرٌ.
стр. 1353
قال ابن الصباغ: فعلى هذا: ينبغي أن يعتبر بأقرب الأرطاب إليه مما يجفف.
فإن قيل: فقد قلتم لا يجيء منه تمرٌ ولا زبيبٌ، ثم قلتم: يعتبر بنفسه؟
فالجواب: أنه ما من رطبٍ إلا ويجيءُ منه تمرٌ، وما من عنبٍ إلا ويجيء منه زبيبٌ، وإنما منه ما لا يقصد إلى تجفيفه؛ لقلة ما يأتي منه.
[مسألة: أنواع التمر]
قال الشافعي: (وثمرُ النخل تختلف، فتثمر النخل، وتجد بتهامة، وهو بنجدٍ بسرٌ وبلحٌ، فيضم بعض ذلك إلى بعض؛ لأنها ثمرة عامٍ وإن كان بينهما الشهر والشهران. وإذا أثمرت في عامٍ قابلٍ.. لم يضمَّ) .
وجملةُ ذلك: أن إدراك الثمرة يختلف باختلاف البلاد، فتسرع في البلاد الحارة، وتتأخر في البلاد الباردة.
فإن كان له نخيلٌ بتهامة ـ وهي مكة وحواليها ـ ونخيلٌ بنجٍد ـ وهي من ذات عرق إلى حرر المدينة ـ ففيها أربع مسائل:
إحداهن: أن يطلعا في وقتٍ واحدٍ، ثم يدركا في وقتٍ واحدٍ، فيضم بعضه إلى بعضٍ؛ لأنهما ثمرة عامٍ واحدٍ.
الثانية: أن يطلعا في وقتٍ واحدٍ، ثم يدرك شيءٌ بعد شيءٍ، فيضم بعضه إلى بعضٍ أيضًا؛ لما ذكرناه.
الثالثة: أن تطلع التهامية ويبدو صلاحها، ثم تطلع النجدية، فالبغداديون من
стр. 1354
أصحابنا قالوا: يضم بعضها إلى بعضٍ؛ لأنها ثمرة عامٍ واحدٍ، وهذا معنى قول الشافعي ﵀: (وإن كان بينهما الشهر والشهران) .
وحكاها صاحب " الإبانة " [ق\ ١٣٦] على وجهين:
أحدهما: هذا، وهو الصحيح. والثاني: لا يضم إليها؛ لأن الزكاة قد وجبت في الأولى قبل حدوث الثانية.
الرابعة: أن تطلع التهامية ويبدو فيها الصلاح وتقطع، ثم تطلع النجدية، فاختلف أصحابنا البغداديون والخراسانيون.
فقال البغداديون: تضم النجدية إلى التهامية؛ لأنهما ثمرة عامٍ واحدٍ؛ لأن الله أجرى العادة أن إدراك الثمار لا تتفق في حالةٍ واحدةٍ ووقتٍ واحدٍ.
وقال الخراسانيون: لا تضم.
[فرع: ضم الثمر بعضه إلى بعض]
فإن أطلعت التهامية وبدا فيها الصلاح فجدت، ثم أطلعت النجدية، إما قبل جداد التهامية، أو بعده.. فقد ذكرنا أن التمرتين يضم بعضهما إلى بعضٍ.
فإن أطلعت التهامية مرة ثانيةً قبل أن تجد النجدية.. لم يضم هذه الثمرة الثانية في التهامية إلى ثمرتها الأولى ولا إلى النجدية؛ لأن هذه ثمرة عامٍ آخر، وإنما تقدمت لشدة حر البلد.
[مسألة: العشر فيما سقي بلا كلفة]
ويجب العشر فيما سقي بغير مؤنةٍ ثقيلةٍ، كماء السماء، والسيح، والبعل: وهو العثري، وهو الشجر الذي يشرب الماء بعروقه من ندى الأرض، وكذلك
стр. 1355
ما يشرب من الماء الذي يجري إليه من نهرٍ، وإن كثرت المؤنة بجره؛ لأن ذلك ليس بمؤنةٍ للزروع، وإنما هو لإصلاح شرب الأرض فيجري مجرى إحياء الموات.
فأما ما سقي بمؤنةٍ ثقيلة، كالنواضح، والدواليب، والغروب.. ففيه نصف العشر.
والدليل عليه: ما روى جابرٌ ﵁: أن النبي ﷺ قال: «ما سقته السماءُ والأنهار.. ففيه العشر، وما سقي بالسواني.. ففيه نصف العشر» .
ولأن لخفةِ المؤنة تأثيرًا في الزكاة، ولهذا وجبت الزكاة في السائمة لخفة مؤنتها، ولم تجب في المعلوفة لثقل مؤنتها.
وإن سقي نصفه بالسيح، ونصفه بالناضح.. وجب فيه ثلاثة أرباع العشر اعتبارًا بالسقيين.
قال الشيخ أبو حامد: والاعتبار بما يعيش به الشجر، فإن عاش بالسيح ثلاثة أشهرٍ، وبالناضح ثلاثة أشهرٍ.. فهما نصفان، وإن سقي بأحدهما أكثر.. ففيه قولان:
أحدهما: يعتبر قدرهما.
قال الشيخ أبو حامد: وهو القياس؛ لأنه لو سقي بهما نصفين.. لقسطت الزكاة عليهما، فكذلك إذا تفاضلا.
والثاني: يعتبر الغالب، فإن كان الغالب السيح.. أخذ منه العشر، وإن كان
стр. 1356
الغالب الناضح.. أخذ منه نصف العشر؛ لأن للغلبة تأثيرًا في الأصول، ولهذا إذا اجتمع الماء والمائع الطاهر.. كان الحكم للغالب.
وفي كيفية اعتبار الغالب وجهان، حكاهما في " الإبانة " [ق\ ١٣٧] :
أحدهما ـ ولم يذكر في " التعليق " غيره ـ: أن الاعتبار بالزمان الذي يعيش فيه الشجر، لا بعدد السقيات؛ لأنه قد يعيش بالسقية الواحدة ما لا يعيش بالسقيات.
والثاني: أن الاعتبار بعدد السقيات، وإليه أومأ الشيخ أبو إسحاق في " المهذب "، حيث قال: يقسط على عدد السقيات.
وإن سقي بهما، وجهل قدر كل واحدٍ منهما.. قال أبو العباس: جعلا نصفين، ووجب فيه ثلاثة أرباع العشر؛ لأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر، فجعل نصفين. فإن كان له حائطان، أحدهما يسقى بالسيح، والآخر بالناضح.. ضم إلى الآخر في إكمال النصاب، وأخرج من المسقي بالسيح العشر، ومن المسقي بالناضح نصف العشر.
قال في " الإبانة " [ق\١٣٨] : إذا كان يسقى بالسيح، فانقطع، واحتيج إلى سقيه بالناضح، فسقي به.. فهل يثبت له حكم ما سقي بالسيح والناضح؟ فيه وجهان:
أحدهما: يثبت له؛ لوجوده.
والثاني: لا يثبت له؛ لأنه كان يسقى بالسيح، والحاجة إلى الناضح نادرةٌ، فلم يثبت حكمه.
قال: وهما كالوجهين فيمن علف السائمة ساعةً، ثم أعادها، وكالوجهين في الخليطين إذا ميزا المالين ساعةً لا غير، ثم خلطاه.
وإن اختلف الساعي ورب المال فيما يُسقى به، أو في قدره.. فالقول قول رب المال مع يمينه، واليمين ـ هاهنا ـ مستحبةٌ؛ لأن دعوى رب المال لا تخالف الظاهر.
فإن كان له حائطان، أحدهما يسقى بالسيح، والآخر بالنواضح.. ضم أحدهما
стр. 1357
إلى الآخر، لإكمال النصاب، وأخرج من الذي يسقى بالسيح العشر، ومن المسقي بالناضح نصف العشر، وإن زادت الثمرة على خمسة أوسقٍ.. وجب فيما زاد بحسابه؛ لأنه يتجزأ من غير ضررٍ، فأشبه الأثمان.
[مسألة: لا تجب الزكاة إلا ببدو الصلاح]
ولا تجب الزكاة في الثمار حتى يبدو الصلاح فيها، وبدوّ الصلاح في النخل: إذا احمر ما يحمر من ثمرتها، أو اصفر ما يصفر منها.
قال الشيخ أبو حامدٍ: وذلك حالة كونها بسرًا؛ لأنها تسلم من الآفة والعاهة، مثل البر.
وإن كان عنبًا أسود.. فحتى يسود، وإن كان أبيض.. قال الشافعي ﵀: (فحتى يتموه) .
فمن أصحابنا من قال.. معنى قوله: (يتموه) : يدور فيه ماء الحلاوة، والتموه: مأخوذٌ من الماء.
ومنهم من قال: معنى قوله: (يتموه) : تبدو فيه الصفرة؛ لأن الشيء إذا بدا اصفراره.. سمي: متموها، ولهذا يقال: موهت الفضة: إذا صفرت بالذهب.
[مسألة: نقص نصاب الزكاة قبل الوجوب]
] : فإذا ملك نصابًا تجب فيه الزكاة من الماشية، أو الدراهم، أو الدنانير، أو الثمار، فنقص نصابها قبل وجوب الزكاة، فإن كان لعذرٍ بأن قضى دينه، أو خفف عن نخله خوفًا عليها.. فإن ذلك ليس بمكروهٍ، ولا تجب عليه الزكاة.
وإن قصد بذلك الفرار من الزكاة.. قال الشيخ أبو حامدٍ: كره ذلك ولم يحرم.
стр. 1358
وإذا حال عليه الحول.. فلا زكاة فيه، وقال مالك، وأحمدٌ: (إذا حال عليها الحول.. وجبت عليه الزكاة) .
دليلنا: قوله ﷺ : «لا زكاة في مالٍ حتى يحول عليه الحول» .
وهذا لم يحل عليه الحول، فلا زكاة فيه، فلم يمنع من بيعه.
[مسألة: بدو صلاح الثمرة في ملكه]
إذا ملك الرجل ثمرة لم يبد فيها الصلاح، من غير شرط القطع، ثم بدا فيها الصلاح، وهي في ملكه.. وجبت عليه الزكاة، وذلك بأن يشتري النخل والثمرة، أو يوصى له بالثمرة، أو كانت النخلة له دون الثمرة، فاشترى الثمرة من مالكها من غير شرط القطع في أحد الوجهين، ثم بدا الصلاح بالثمرة، وهي في ملك الثاني.. وجبت عليه الزكاة؛ لأنه جاء وقت الوجوب وهي في ملكه.
وأما إذا اشترى ثمرة قبل بدو الصلاح فيها بشرط القطع.. صح البيع، فإن قطعها المشتري قبل بدو الصلاح فيها.. فلا كلام، وإن لم يقطعها المشتري حتى بدا الصلاح فيها.. فقد وجبت فيها الزكاة.
فإن اتفقا على قطعها، فإن كان المشتري قد خرصت عليه الثمرة، وضمن نصيب المساكين.. قطعت، وإن لم يخرص عليه.. لم يجز قطعها؛ لأن في ذلك إتلاف حق المساكين، فينفسخ البيع، وترد الثمرة إلى البائع، وتجب عليه الزكاة.
فإن قيل: كيف توجبون الزكاة عليه، وبدو الصلاح كان في ملك المشتري؟
стр. 1359
قلنا: لأن وجوب القطع كان مستفادًا بالشرط، وإنما تعذر لبدو الصلاح، فصار الفسخ مستفادًا بالشرط، فاستند إلى حال العقد، فكأن العقد ارتفع من أصله لا من وقت الفسخ.
وإن اتفقا على تبقية الثمرة على النخل إلى وقت الجداد، فالمشهور من مذهب الشافعي ﵀: أن ذلك جائزٌ، ولا يفسخ البيع، وتجب الزكاة على المشتري؛ لأن الحق لهما، وقد رضيا.
قال الشيخ أبو حامدٍ: وحكى أبو إسحاق قولًا آخر: أن البيع ينفسخ؛ لأنهما لو اتفقا على التبقية حال العقد.. لبطل البيع، فكذلك إذا وجد هذا الشرط المبطل بعد ذلك، قال: وهذا غلطٌ؛ لأن الشرط المبطل إنما يؤثر إذا قارن العقد، ألا ترى أنه لو اشترى عينًا إلى أجل مجهول.. لم يصح، ولو اشتراها إلى أجل معلوم، ثم بعد لزوم البيع اتفقا على أجلٍ مجهولٍ.. لم يؤثر في العقد فكذلك هاهنا.
وإن طلب البائع قطع الثمرة لتخلية نخله، وطلب المشتري تبقيتها إلى الجداد.. فذكر الشيخ أبو حامد والبغداديون من أصحابنا: أن البيع ينفسخ، وترجع الثمرة إلى البائع، فتجب عليه الزكاة؛ لأنه لا يمكن إجبار البائع على هذه التبقية؛ لأن البيع وقع بهذا الشرط، ولا يمكن القطع؛ لأن في ذلك إضرارًا بالمساكين، فلم يبق إلا الفسخ.
وحكى في " الإبانة " [ق\١٤٠] قولين:
أحدهما: ينفسخ البيع؛ لما ذكرناه.
والثاني: لا ينفسخ، ويجبر المشتري على القطع، ويؤخذ منه عشر ثمرته مقطوعًا. وهذا ليس بشيءٍ.
وإن رضي البائع بترك الثمرة إلى أوان الجداد، وطلب المشتري قطعها.. فحكى الشيخ أبو حامدٍ فيه قولين:
أحدهما: يجبر المشتري على التبقية، وهو الصحيح؛ لأن البائع زاده خيرًا، فهو كما لو أسلم إليه طعامًا على صفةٍ، فسلم إليه طعامًا أعلى منه صفةً.
стр. 1360
قال في " الإبانة " [ق\١٤٠] : على هذا: فإن رجع البائع عن الرضا بترك الثمرة.. كان له ذلك؛ لأن رضاه بترك الثمرة إعارةٌ منه للنخل، وللمعير أن يرجع في العارية.
والقول الثاني: أن المشتري لا يجبر على التبقية، بل يفسخ العقد؛ لأنه يقول: إنما دخلت في العقد على أن تحصل لي الثمرة في الحال، ولا آمن التلف إذا تركتها.
[فرع: البيع للذمي قبل بدو الصلاح]
ذكر ابنُ الحداد: إذا باع المسلم نخلًا مثمرًا لم يبد صلحه من ذميٍّ، فبدا صلاحه.. فلا زكاة على واحدٍ منها. فإن وجد الذمي به عيبًا ـ بعد بدو الصلاح ـ فرده بالعيب.. لم تجب الزكاة على البائع؛ لأن وقت الوجوب هو في ملك الذمي، وليس هو من أهل الزكاة.
وإن باعه الذمي من مسلم، فبدا الصلاح فيه في ملك المسلم.. فالزكاة على المسلم، فلو رده بعيبٍ.. لم تسقط عنه الزكاة.
[مسألة: قطع الثمرة قبل بدو الصلاح]
إذا قطع رب المال الثمرة قبل بدو صلاحها.. لم تجب عليه الزكاة؛ لأن ذلك قبل الوجوب.
وهل يكره؟ ينظر فيه:
فإن كان ذلك لعذرٍ، مثل: أن قطعها ليأكلها، أو ليبيعها، أو ليخفف عن نخله.. لم يكره.. وإن قطعها للفرار من وجوب الزكاة، وكانت تبلغ نصابًا لو بقيت.. كره له ذلك، ولم يحرم.. وقد مضى خلاف مالكٍ، وأحمد فيها.
[مسألة: خشي على الثمار التلف]
وإن بدا الصلاح في الثمرة، وأصابها عطشٌ، وخاف أن تشرب الثمرة ماء النخلة، فتتلف النخلة، وكان قبل أوان جدادها.. جاز للمالك أن يقطع من الثمرة.. ما تدعو
стр. 1361
الحاجة إليه في ذلك.. فإن كان الضر يزول بقطع الثمرة.. قطع البعض منها. وإن كان الضرر لا يزول إلا بقطع جميع الثمرة.. قطع جميعها؛ لأن في ذلك حظًا لرب المال يحفظ أصل نخله، وللمساكين في مستقبل الأحوال.
ولا يقطع إلا بمحضر الساعي؛ لأنه نائبٌ عن المساكين، فإذا حضر الساعي قبل القطع، فإن قلنا: إن القسمة فرز الحقين.. فإن الخارص يخرص ما في كل نخله من الرطب، ويفرد حق المساكين في نخلاتٍ بعينها، ويسلمها رب المال إلى الساعي، فإن رأى الساعي الحظ في بيعها وقسمة ثمنها.. فعل، وإن رأى الحظ في قسمتها رطبًا.. قطعها، وقسمها عليهم.
وإن قلنا: إن القسمة بيعٌ.. لم يجز قسمتها على رؤوس النخل، فيسلم رب المال عشر الثمرة مشاعًا إلى الساعي.
فإن رأى الساعي بيعها وتفرقة ثمنها.. باع عشرها مشاعًا، وفرق الثمن.
وإن رأى قسمتها.. سلمها الساعي مشاعًا إلى المساكين.
وإن قطعا الثمرة من النخل.. فهل تصح المقاسمة بالثمرة على هذا القول؟ فيه وجهان:
أحدهما ـ وهو قول الشيخ أبي إسحاق، وابن أبي هريرة، ولم يذكر في " التعليق " و " المجموع " غيره ـ: أن ذلك يصح بالكيل أو الوزن؛ لأن ذلك استيفاءٌ للزكاة لا معاوضةٌ، ألا ترى أن رب المال لو سلم أكثر مما وجب عليه.. صح.
والوجه الثاني ـ وهو اختيار القاضي أبي الطيب، والشيخ أبي إسحاق، وابن الصباغ ـ: أنه لا يصح، كما لا يجوز على رؤوس النخل، على هذا القول، فإن قطع رب المال الثمرة ـ عند خوف العطش ـ من غير إذن الإمام أو الساعي.. فقد أساء، ويعزر إن كان عالمًا.
وما الذي يؤخذ منه؟ روى المزني عن الشافعي ﵀ في " المختصر " [١، \ ٢٢٨] : (أنه يؤخذ من ثمن عشرها، أو عشرها مقطوعة) . وظاهر هذا: أنه مخير.
стр. 1362
وقال في " الأم " [٢/٢٨] : (يأخذ عشرها مقطوعة إن كانت باقية، أو ثمن عشرها إن كان قد استهلكها) . وأراد بالثمن: القيمة.
ولما نقله المزني تأويلان:
أحدهما: أنه أراد ما فسره في " الأم ".
والثاني: أنه أراد: أنه يفعل ما رأى فيه الحظ من أخذ عشرها أو ثمن عشرها.
[مسألة: الخرص بعد بدو الصلاح]
وإذا بدا الصلاح في ثمرة النخل والكرم، فإن الإمام يبعث من يخرصها، ويستفاد بالخرص جواز التضمين على رب المال.
وهل الخرص واجبٌ، أو مستحبٌ؟ قال الصيمري: فيه وجهان:
أحدهما: أنه واجب.
والثاني: أنه مستحب، وهو المشهور.
وقيل: مستحبٌ فيما يدلى، ويجب فيما لم يدل، كنخل الحجاز.
وقال أبو حنيفة: (لا يجوز الخرص، ولا يستفاد به جواز التضمين، وإنما يستفاد بالخرص؛ لئلا يتلفها رب المال أو ينقصها) .
دليلنا: ما روى عتاب بن أسيد: أن النبي ﷺ : «أمر في الكرم أن تخرص كما تخرص النخل» . وروي عن أبي بكر، وعمر: (أنهما أمرا بالخرص) .
واختلف أصحابنا في عدد من يخرص.
فمنهم من قال: فيه قولان.
стр. 1363
أحدهما: لا يجوز أقل من خارصين؛ لما روي: «أن النبي ﷺ بعث عبد الله بن رواحة ﵁ ومعه غيره للخرص على أهل خيبر» ، ولأنهما كالمقومين.
والثاني: يجوز أن يكون واحدًا، وهو الصحيح؛ لما روت عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ بعث عبد الله بن رواحة إلى أهل خيبر خارصًا، وكان يخير اليهود، فيقول: إن شئتم.. فلكم، وإن شئتم.. فعلي» ، ولأنه بمنزلة الحاكم.
وحكى الصيمري قولًا ثالثًا ليس بمشهورٍ: إن كان الخرص على صبيٍّ، أو مجنونٍ، أو غائبٍ، فلا بد من اثنين، وإن كان على غيرهم.. جاز خارصٌ واحدٌ.
وقال أبو العباس، وأبو سعيد الاصطخري: يجوز خارصٌ واحدٌ، قولًا واحدًا؛ لما ذكرناه.
وهل يجوز أن يكون الخارص امرأةً؟ فيه وجهان، حكاهما الشاشي.
قال الشافعي ﵀: (وكيفية الخرص: أن يأتي الخارص النخلة، فيطوف بها، ويرى ما فيها من الأعذاق، ويحزر ما عليها من الرطب، وما يجيء من ذلك من الثمر، ثم يجمل جميع ذلك.
وقال أبو العباس: وقد يجوز أن يعرف ما في كل نخلةٍ من الرطب، ثم يجمل
стр. 1364
رطب جميع النخل، ثم يعرف ما يجيء من ذلك من التمر.
قال أصحابنا: ويصح ما قال أبو العباس، إذا كانت نوعًا واحدًا، إما برنيًا، وإما معقليًا، أو غيرهما، فأما إذا كانت النخل أنواعًا: فلا يصح؛ لأن من الرطب ما يكون كثير الماء قليل اللحم والشحم، فإذا جف.. كان تمره قليلًا، كالسكر والهلياث، ومنها ما يكون قليل الماء كثير اللحم والشحم، فإذا جف.. كان ثمره أكثر، كالبرني والمعقلي.. فلم يصح إلا بأن يحزر رطب كل نخلةٍ وما يجيء منه تمرٌ، فإذا خرصت الثمارُ، وعرف الساعي مبلغ حق المساكين منها.. فإن الثمرة تقر في يد رب المال؛ لأنه أمينٌ عليها، ولأن مؤنة تجفيفها عليه، فأقرت في يده.
فإن ضمن رب المال حق المساكين.. جاز؛ لحديث عبد الله بن رواحة: «أنه كان يضمن أهل خيبر» ويستفيد بهذا الضمان جواز التصرف فيها: بالأكل، والبيع والهبة، وغير ذلك.
قال الشيخُ أبو حامدٍ: ولكن لا يلزم عليه الضمان إلا بعد التصرف؛ لأن ما لا يضمن بالغصب والتسليم.. لم يضمن بالشرط، وإنما يضمن بالإتلاف كالوديعة. فإذا أتلفها أو باعها.. لزمه حق المساكين تمرًا مما خرص عليه، فيستفاد بالخرص التضمين، وبالتضمين التصرف، وبالتصرف لزوم الضمان.
فإن لم يخير رب المال أن يضمن.. لم يجبر على ذلك، وتقر الثمرة في يده، ولا يجوز له التصرف في الثمرة بشيء من وجوه التصرفات؛ لأن المال إما أن يكون مرهونًا بالزكاة، والتصرف بالرهن لا يجوز بغير إذن المرتهن، أو يستحق الفقراء جزءًا من المال، فيصير كالمال المشترك، ولا يجوز لأحد الشريكين التصرف بشيءٍ منه.
стр. 1365
فإذا جفت الثمرة.. أخذ الساعي حق المساكين بالغًا ما بلغ، وكان الباقي لرب المال، وإن تصرف رب المال هاهنا بشيء من الثمرة بأكلٍ أو بيعٍ.. لزمه زكاة ما أتلفه تمرًا بالخرص، فتكون فائدة الخرص في هذه الحالة لزوم الزكاة فيما يتلفه رب المال.
ولو لم تكن خرصت الثمرة، فأتلفها رب المال، أو بعضها.. لزمه زكاة ما أتلفه، وعزر إن كان عالمًا، وإن كان جاهلًا.. لم يعزر، والقول قوله في قدر ما أتلفه.
وما الذي يلزمه دفعه؟
قال الشافعي: (عليه عشرها رطبًا) . واختلف أصحابنا في ذلك:
فمنهم من قال: يلزمه قيمة عشرها رطبًا؛ لأن الرطب لا مثل له.
ومنهم من قال: يضمن عشرها رطبًا، كما لو كان له أربعون شاةً، فأتلفها بعد وجوب الزكاة.. لزمه شاةٌ.
وتأول كلام الشافعي: إذا أفرد نصيب المساكين، واستقر ملكهم عليه. هكذا ذكره ابن الصباغ. وقال الشيخ أبو حامد، والمحاملي في " المجموع ": يلزمه ـ في هذه المسألة ـ زكاة ما أتلفه تمرًا، هذا نقل البغداديين من أصحابنا.
وذكر صاحب " الإبانة " [ق\١٤٠] : لو أتلف رب المال الثمرة بعد الخرص.. فماذا يجب عليه؟ فيه قولان، بناءً على أن الخرص: عبرةٌ، أو تضمينٌ:
فإن قلنا: إنه تضمينٌ.. وجب عليه عشر ما خرص تمرًا؛ لأن الزكاة قد لزمت في ذمته.
وإن قلنا.. عبرةٌ.. فعليه قيمة عشر الثمرة يوم أتلفها.
فإذا كانت الثمرة رطبًا لا يجيء منه تمرٌ، فأتلفها بعد الخرص.. وجب عليه قيمة عشره رطبًا، على القولين؛ لأنه ليس لهذه الثمرة حالة جفافٍ.
стр. 1366
وإن أتلفها رب المال بعد بدو الصلاح، وقبل الخرص، فإن قلنا: الخرص عبرةٌ.. وجب عليه قيمة عشرها يوم أتلفها. وإن قلنا: إنه تضمينٌ.. ففيه وجهان:
أحدهما: يجب عليه قيمة عشرها رطبًا يوم التلف؛ لأن الخرص إنما يكون له حكمٌ إذا وجد، فأما قبله.. فلا حكم له.
والثاني: يجب عليه عشره تمرًا؛ لأنه قد أمكنه تركها إلى أن تصير تمرًا.
قال صاحب " الإبانة " [ق\١٤٠] : وهل له أكل جميع الثمرة بعد الخرص؟ وأراد قبل أن يضمن:
إن قلنا: الخرص تضمينٌ.. فله ذلك، والعشر في ذمته.
وإن قلنا: إنه عبرةٌ.. فليس له أكل القدر الذي هو حق المساكين.
إذا ثبت ما ذكرناه: فقد روى سهل بن أبي حثمة: أن النبي ﷺ قال: «إذا خرصتم.. فاتركوا لهم الثلث، فإن لم تتركوا لهم الثلث.. فاتركوا لهم الربع» .
ولهذا تأويلان:
أحدهما ـ وهو تأويل الشافعي ـ: (أنه أراد: إذا خرصت الثمرة، وأقرت أمانةً في يد رب المال، أو ضمنها، ثم جاء الساعي ليأخذ الزكاة.. فيستحب له أن يترك له ثلث
стр. 1367
الزكاة، أو ربعها في يد رب المال؛ ليفرقها على جيرانه؛ لأنهم يتوقعون ذلك منه) .
والتأويل الثاني: أن الثمرة إذا خرصت ولم يختر رب المال أن يضمن حق المساكين، وأمسكها أمانة في يده.. فقد قلنا: لا يجوز له أن يتصرف في شيء منها؛ لقوله ﷺ : «اتركوا لهم الثلث أو الربع» . ليتصرفوا فيه بالأكل والبيع وغيرهما، فإذا جاء وقت أخذ الزكاة.. أخذ منه زكاة ما تصرف فيه بالخرص.
[فرع: ادعاء تلف الثمرة بعد الخرص]
فإذا ادعى رب المال تلف جميع الثمرة بعد الخرص، فإن ادعى تلفها بأمرٍ ظاهر، كالبرد، والجراد، أو عطش عظيم.. لم يقبل قوله، حتى يقيم البينة على وجود ذلك؛ لأن ذلك مما يمكن إقامة البينة عليه.
فإن اتهمه الساعي أنها لم تتلف بذلك، ولم تشهد البينة أنها تلفت بذلك.. حلف رب المال.
وإن ادعى رب المال أنها تلفت بأمرٍ خفي، مثل: أن قال: سرقت.. لم يطالب بإقامة البينة على ذلك؛ لأن البينة قد تتعذر هاهنا، بل يحلف رب المال.
وهل اليمين في الموضوعين واجبةٌ، أو مستحبة؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنها واجبةٌ، فإن لم يحلف.. أخذت منه الزكاة، لا بالنكول، ولكن بالوجوب المتقدم.
والثاني: أنها مستحبةٌ، فإن لم يحلف.. فلا شيء عليه.
وإن ادعى رب المال أنه تلف بعض الثمرة.. فالحكم في التالف كالحكم فيه إذا ادعى تلف الجميع، فإذا حلف.. لم تجب عليه زكاة التالف، وأما الباقي: فإن كان نصابًا أو أكثر.. أخرج زكاته، وإن كان أقل من نصابٍ، فإن قلنا: إن إمكان الأداء من شرائط الوجوب.. فلا زكاة عليه فيه. وإن قلنا: إن إمكان الأداء من شرائط الضمان.. أخرج زكاة الباقي.
وإن قال: أكلت بعضًا، وتلف بعضٌ، وبقي بعضٌ.. فالحكم في التالف على
стр. 1368
ما مضى، ويضم ما بقي إلى ما أكل، فإن بلغ نصابًا، زكى الجميع، وإن لم يبلغ نصابًا.. فعلى القولين في إمكان الآداء.
[فرع: الثمرة تخرص وتقر بيد صاحب المال]
وإن خرصت الثمرة، وأقرت في يد رب المال: إما أمانة أو ضمانًا، وادعى أنه أحصى مكيلتها، وأن الخارص أخطأ في خرصه، فإن ادعى أنه أخطأ في خرصه فيما يجوز لمثله الخطأ، بأن قال: خرص علي عشرة أوسقٍ، فنقص وسقٌ، أو وسقٌ ونصفٌ، وما أشبه ذلك.. فالقول قول رب المال مع يمينه؛ لأن الخرص حزرٌ وتخمينٌ، ويجوز الخطأ في مثل ذلك، فإن حلف.. سقطت عنه زكاة ذلك، وإن نكل.. فعلى الوجهين.
فإن ادعى أن الخارص أخطأ في النصف أو الثلث.. لم يقبل؛ لأنه لا يخطئ مثل ذلك في العادة.
قال الشيخ أبو حامدٍ: ويقال له: إن شئت أن تدعي دعوى ـ تقبل منك.. فافعل.
وإن ادعى غلطًا يسيرًا، يجري بين الكيلين.. فهل يحط عنه؟ فيه وجهان، حكاهما في " الإبانة " [ق\١٤١] :
أحدهما: يحط عنه؛ لأن ما ادعاه محتملٌ.
والثاني: لا يحط؛ لأنه ذلك يجري بين الكيلين، ولعله لو كاله مرة أخرى، لوفى.
قال أبو العباس: فأما إذا قال: وجدت الثمرة خمسة أوسقٍ.. قبل قوله مع يمينه؛ لأنه لم يكذب الخارص، ويجوز أن تكون الثمرة قد سرقت، فقبل.
стр. 1369
[فرع: ادعاء سرقة الثمار]
قال الشافعي: (فإن قال: سرق بعد ما صيرته إلى الجرين، فإن كان بعد ما يبس، وأمكنه أن يؤدي الزكاة إلى الوالي أو إلى أهل السهمان.. فقد ضمن ما أمكنه، ففرط، وإن لم يمكنه.. فلا ضمان عليه؛ لأنه لم يفرط) .
[مسألة: يؤخذ الأوسط من الثمار]
قال الشافعي: (ويترك لصاحب الحائط أجود الثمار من الكبيس، والبردي، ولا يؤخذ الجعرور، ولا مصران الفأرة، ولا عذقٌ من حبيق، ويؤخذ وسطٌ من الثمر، إلا أن تكون الثمرة كلها برديًا، فيؤخذ منه) .
وجملة ذلك: أنه إذا كان له نخيلٌ، فإذا كان نوعًا واحدًا.. فإنه تؤخذ منه الزكاة، وإن كان أنواعًا، فإن كان أربعة أنواع، أو خمسةً.. أخذ من كل نوع بقسطه؛ لأنه لا يشق. أو كان أنواعًا كثيرة.. ففيه ثلاثة أوجهٍ، حكاها في " الإفصاح ":
أحدها ـ وهو المشهور ـ: أنه لا يؤخذ من الجيد، وهو الكبيس والبردي، ولا من الرديء، وهو مصران الفأرة وعذقٌ من حبيقٍ، ولكن يؤخذ من الجعرور وهو أوسطها؛ لأن الأخذ من كل نوع يشق، فعدل إلى الوسط.
والثاني: يؤخذ من كل نوع بقسطه؛ لأنه أعدل.
والثالث: يؤخذ من الغالب منها؛ لأنه يشق الأخذ من كل نوعٍ، فأخذ من
стр. 1370
الغالب، وهو الأكثر، ولا يؤخذ إلا التمر؛ لقوله ﷺ في الكرم: «تؤخذ زكاته زبيبًا، كما تؤخذ زكاة النخل تمرًا» .
فإن أخذ الساعي الرطب.. وجب رده إن كان باقيًا، وإن كان تالفًا.. ففيه وجهان:
أحدهما: يجب رد قيمته؛ لأنه لا مثل له.
والثاني: يجب رد مثله، وليس بشيء.
وإن كانت النخل لا يأتي منها تمرٌ، أو كرمٌ لا يأتي منه زبيبٌ.. أخذ زكاته رطبًا وعنبًا، والكلام فيه كالنخل إذا خاف عليها العطش، وقد مضى ذكره.
[مسألة: مات مدين والثمرة لم يبدو صلاحها]
إذا مات رجلٌ، وخلف نخلًا، وعليها ثمرةٌ لم يبد صلاحها، وعليه دينٌ يستغرق التركة، فبدا صلاحها قبل بيعها في الدين.. فإن الزكاة تجب فيها على الورثة؛ لأن الدين لا يمنع انتقال الملك إليهم، على مذهب الشافعي، فإن كان لهم مالٌ غير ذلك.. أخرجوا الزكاة منه؛ لأن الوجوب حصل في ملكهم.
وإن لم يكن لهم مالٌ غير الثمرة، فإن قلنا: الزكاة تجب في الذمة، والعين مرتهنةٌ بها.. ففيه وجهان:
أحدهما ـ ولم يذكر القاضي أبو الطيب، والشيخ أبو حامد في " التعليق " غيره ـ: أن الدين أولى؛ لأنهما قد استويا، والدين أسبق، فقدم.
والثاني ـ ذكره ابن الصباغ ـ: أنهما سواءٌ، فإذا استوى حق الله وحق الآدميِّ.. فأيهما أولى بالتقديم؟ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: حق الله تعالى أولى؛ لقوله ﷺ : «فدين الله أحق أن يقضى» .
следующие страницы →