← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21721

البيان في مذهب الإمام الشافعي

العمراني

Полный текст (7 092 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

[باب المسح على الخفين] يجوز المسح على الخفين في الوضوء، وروي ذلك عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وقالت الشيعة، والخوارج:

стр. 142

لا يجوز المسح على الخفين، وهو قول أبي بكر بن داود. وروي عن مالك في ذلك روايات: إحداهن: (يجوز المسح عليه مؤقتًا) كقول الشافعي الجديد. الثانية: (أنه أجاز المسح عليه أبدًا) كقول الشافعي القديم. الثالثة: (أنه يمسح عليه في الحضر دون السفر) . الرابعة: (أنه يمسح عليه في السفر دون الحضر) وهي الصحيحة عنه. والخامسة: (أنه كره المسح على الخفين) . السادسة: رواية رواها ابن أبي ذئب عنه: (أنه أبطل المسح في آخر أيامه) . كقول الشيعة. دليلنا: ما روى بلال: «أن النبي ﷺ توضأ فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه ومسح على خفيه» . وروى المغيرة بن شعبة: «أن النبي ﷺ مسح على الخفين، فقلت: يا رسول الله، أنسيت، لم تخلع الخفين؟ فقال: " بل أنت نسيت، بهذا أمرني ربي » . وهذا أمر اختيار، لا أمر إلزام.

стр. 143

وروي عن الحسن البصري، أنه قال: «حدثني سبعون من أصحاب النبي ﷺ : أنه مسح على الخفين» . ولأن الحاجة تدعو إلي لبسه، وتلحقه المشقة في نزعه، فجاز المسح عليه، كالجبائر. إذا ثبت هذا: فإن الشيخ أبا نصر قال في " المعتمد ": غسل الرجلين أفضل من المسح على الخفين، على قياس قول الشافعي ﵀. وقال الشعبي، والحكم، وحماد: المسح على الخفين أفضل من الغسل، لقوله ﷺ : «إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه» . دليلنا: أن الغسل أصل، والمسح بدل منه، فكان أفضل منه. وأما الخبر: فإنما هو حث على ألا يترك الرخصة رغبة عنها. ولا يجوز مسح الخفين في الغسل الواجب، كغسل الجنابة، والحيض، لما روى صفوان بن عسال المرادي: قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا مسافرين ـ أو سفرًا ـ ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من غائط أو بول، أو نوم ثم نحدث بعد ذلك وضوءًا» ، ولأن الغسل يندر، فلم تدع الحاجة إلى مسح الخفين فيه.

стр. 144

ولا يجوز المسح على الخفين في الغسل المسنون، كغسل الجمعة والعيدين، أي: لا يحكم له بصحة الغسل، لأنه يندر، فهو كغسل الجنابة. [مسألة: توقيت المسح] مسألة: [في توقيت المسح] : روى الزعفراني: أن الشافعي قال في العراق: (يجوز المسح على الخفين من غير توقيت) ، وروي ذلك عن عمر، وابن عمر، وعائشة، وبه قال الليث. ووجهه: ما «روي عن أُبي بن عمارة بكسر العين، من " المؤتلف والمختلف "، وقال في " الاستيعاب ": هو بضم العين عُمارة: أنه قال: يا رسول الله، أمسح على الخف؟ قال: " نعم "، قلت: يومًا، قال: " نعم "، إلى أن بلغ سبعًا، قال: " نعم وما بدا لك» . ولأنه مسح بالماء فلم يتوقت كمسح الرأس. قال الزعفراني: ورجع الشافعي عن هذا قبل رحلته من عندنا إلى مصر، وقال: (يمسح المقيم يومًا وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن) ، وبه قال علي بن أبي

стр. 145

طالب، وابن عباس، وابن مسعود، وهو قول عطاء، وشريح، والأوزاعي، والثوري، وأبي حنيفة، وأصحابه، وهو الأصح، لما روى أبو بكرة: «أن النبي ﷺ أرخص للمقيم يومًا وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن» ، ولأن المسح على الخفين إنما أجيز لتترفه رجله، ولا حاجة بالمقيم إلى ترك رجله في الخف فيما زاد على يوم وليلة، ولا بالمسافر فيما زاد على ثلاثة أيام ولياليهن، بل الحاجة تدعو إلى كشفها، لتسوية لفائفه وإراحة رجله. [مسألة: ابتداء مدة المسح] ] : وابتداء المدة من حين بعد لبس الخفين، لا من حين اللبس، ولا من حين الطهارة بعد الحدث. وقال الأوزاعي، وأحمد، وأبو ثور، وداود: (ابتداء المدة من حين المسح) . دليلنا: ما روي في حديث صفوان بن عسال المرادي: أن النبي ﷺ قال: «من الحدث إلى الحدث» . ولأن زمان الحدث زمان يستباح به المسح، فكان من وقته كبعد المسح. إذا ثبت هذا: فأكثر ما يصلي المقيم بالمسح في الوقت خمس صلوات بغير حيلة ولا عذر، وبالحيلة ست صلوات وهو: أن يحدث بعد اللبس بعد أن توسط وقت الظهر ويصليها، ثم يصليها في اليوم الثاني في أول وقتها، ويمكنه أن يصلي سبع صلوات مع الحيلة والعذر، وهو: أن يصلي في اليوم الأول الظهر في آخر وقتها حين أحدث، ويصليها في اليوم الثاني في أول وقتها، ويقدم إليها العصر في المطر.

стр. 146

وأكثر ما يمكن للمسافر أن يصلي بالمسح من صلوات في وقتها: خمس عشرة صلاة من غير حيلة، ولا عذر، ومع الحيلة ست عشرة صلاة، وبالحيلة والعذر: سبع عشرة صلاة، كما ذكرنا في المقيم. وإن كان السفر معصية، لم يجز له أن يمسح ما زاد على يوم وليلة، لأنه مستفاد بالسفر، والعاصي لا يجوز له الترخص برخص المسافرين. وهل له أن يمسح يومًا وليلة؟ فيه وجهان، حكاهما في " الفروع "، المشهور: أنه يستبيح ذلك. [مسألة: شأن من مسح حضرًا ثم سافر] ] : وإن لبس الخف في الحضر، ثم سافر قبل أن يحدث، ثم أحدث في السفر، فله أن يسمح مسح مسافر، بلا خلاف، لأن ابتداء مدة المسح وابتداء فعله وجد في السفر. وإن أحدث في الحضر، ثم سافر قبل أن يمسح، وقبل أن يخرج وقت الصلاة، ثم مسح في السفر، فإنه يمسح مسح مسافر. وقال المزني: لا يجوز له أن يمسح مسح مسافر، بل يمسح مسح مقيم؛ لأنه قد اجتمع السفر والحضر في وقت المسح. دليلنا: أنه سافر قبل أن يتلبس بالعبادة في وقتها، فكان الاعتبار بفعلها لا بدخول وقتها، كالصلاة. وإن أحدث في الحضر وخرج وقت الصلاة، ثم سافر ومسح في السفر ... ففيه وجهان: [أحدهما] : قال أبو إسحاق: لا يستبيح مسح مسافر، بل يمسح مسح مقيم لا غير؛ لأن المقيم لو خرج عنه وقت الصلاة في الحضر، ثم سافر، فإنه يلزمه إتمام الصلاة، كما لو أحرم بالصلاة في الحضر، ثم سافر فإنه يلزمه أن يتم، فإذا كان خروج وقت الصلاة عنه في الحضر بمنزلة التلبس بالصلاة في الحضر في وجوب إتمامها، فكذلك خروج وقت الصلاة عنه في الحضر بمنزله تلبسه بالمسح في الحضر.

стр. 147

و [الثاني] : قال أبو علي بن أبي هريرة: له أن يمسح مسح مسافر. وهو الصحيح؛ لأنه سافر قبل التلبس بالمسح، فكان له أن يمسح مسح مسافر، كما لو سافر قبل خروج وقت الصلاة. ويخالف الصلاة، فإنه يأتي بها بعد الوقت قضاء، والمسح يأتي به أداء في وقته. وإن أحدث في الحضر ومسح، ثم سافر، أتم مسح مقيم لا غير، وبه قال أحمد، وإسحاق. وقال أبو حنيفة، والثوري: (له أن يمسح مسح مسافر) . دليلنا: أنها عبادة تتغير بالحضر والسفر، فإذا تلبس بها في الحضر، ثم سافر كان الاعتبار بحكم الحضر، كما لو أحرم بالصلاة في الحضر، ثم سافر. وإن أحدث في السفر ومسح، ثم أقام، أتم مسح مقيم لا غير، فإن أقام بعد استكمال مدة مسح المقيم، نزع الخفين. وإن أقام قبل استكماله، كان له أن يتم مسح مقيم لا غير. وقال المزني: يمسح ثلث ما بقي له من المدة من حين الإقامة. دليلنا: أنها عبادة تتغير بالحضر والسفر، فإذا اجتمعا فيها غلب حكم الحضر، كالصلاة. [فرع: نية الإقامة في الصلاة] ] : قال في " الأم " [١/٣٠] : (ولو مسح المسافر يوما وليلة، ثم دخل في الصلاة فنوى الإقامة في الصلاة، بطلت صلاته) ؛ لأنه قد استكمل مسح المقيم، فإذا نوى الإقامة بطل مسحه، فبطلت صلاته. [فرع: الشك في ابتداء المسح] ] : وإذا سافر، ثم شك: هل ابتدأ المسح في السفر، أو في الحضر؟ بنى الأمر على أنه بدأ في الحضر؛ لتكون طهارته صحيحة بيقين، ولا يجوز له

стр. 148

المسح بعد ذلك؛ لأنه شك في إباحته. فإن ذكر بعد ذلك أنه كان ابتداء المسح في السفر، أتم مسح مسافر. فإن صلى بالمسح بعد يوم وليلة مع شكه، ثم تيقن بعد ذلك أن ابتداء المسح كان في السفر، لزمه إعادة ما صلى بالشك؛ لأنه صلاها وهو يعتقد أنه على غير طهارة، فلم يصح. وإن شك: هل كان حدثه وقت الظهر أو وقت العصر؟ بنى الأمر على أنه كان حدثه وقت الظهر؛ ليرجع إلى اليقين. [فرع: لا يمسح في مدة الشك] ] : قال الشافعي رحمة الله: (فإن تيقن أنه صلى بالمسح ثلاث صلوات، وشك: هل صلى الرابعة أم لا؟ أعاد الرابعة، وأخذ في المسح بالأكثر) . وصورتها: أن يتيقن لابس الخف: أنه صلى العصر والمغرب والعشاء بطهارة المسح، وشك: هل أحدث وقت الظهر، وتوضأ للظهر ومسح وصلاها أم أغفلها ولم يصلها؟ فإن عليه إعادة الظهر؛ لأنه شك: هل صلاها أم لا؟ والأصل: أنه ما صلاها حتى يعلم أنه صلاها بيقين. وأما المسح: فإنه يحتسب على أنه أحدث في وقت الظهر، فيكون له المسح إلى مثله من الغد، لأن هذا يقين، وما ذاد عليه شك: هل له فيه المسح أم لا؟ والأصل: أنه لا مسح حتى يعلم جوازه. [مسألة: وصف خف المسح] ] : ويجوز المسح على كل خف صحيح، يمكن متابعة المشي عليه، وهو: التردد عليه لحوائجه، سواء كان من جلد، أو لبد ثخين، أو خرق طبق بعضها فوق بعض، لأن الحاجة تدعو إلى لبسه.

стр. 149

قال الطبري: فإن لبس خفًا من زجاج، جاز المسح عليه، وإن بدا منه لون الرجل، وليس كمن يستر عورته بشيء من الزجاج يبدو منه لون العورة، فإنه لا يصح؛ لأن القصد ستر العورة، وأن لا تراها أعين الناس، وذلك لا يحصل في الزجاج. والقصد في الخف: لبس ما يمكن متابعة المشي عليه، وذلك يمكن في الزجاج. قال الجويني: الواجب في الخف ستر الرجل مع الكعب من الجوانب، ومن أسفلها، ولا يجب سترها من أعلاها؛ لأن ذلك يتعذر، والواجب في العورة سترها من أعلاها ومن الجوانب لا من أسفل؛ لأن ذلك يتعذر. وإن لبس خفًا لا يمكنه التردد عليه في حوائجه، إما: لرقته، أو لثقله، لم يجز المسح عليه؛ لأن الحاجة لا تدعو إلى لبسه. [فرع: المسح على الخف المخرق] ] : وهل يجوز المسح على الخف المخرق؟ ينظر فيه: فإن كان الخرق فوق الكعب.. جاز المسح عليه، لأن عدم ساق الخف لا يمنع من جواز المسح على الخف، فكذلك خرقه. وإن كان الخرق في محل الفرض، فإن كان الخرق يمنع متابعة المشي عليه، لم يجز المسح عليه، لأن الحاجة لا تدعو إلى لبسه. وإن كان الخرق لا يمنع متابعة المشي عليه.. ففيه قولان: [الأول] : قال في القديم: (يجوز) لأنه خف يمكن متابعة المشي عليه، فأشبه الصحيح. و [الثاني] : قال في الجديد: (لا يجوز) ، وهو الصحيح، لأن ما بدا من الرجل فحكمه حكم الغسل، وما استتر، حكمه حكم المسح، والجمع بينهما لا يجوز، كما لو بدت إحدى الرجلين، واستترت الأخرى.

стр. 150

وقال مالك: (إن كبر الخرق وتفاحش، لم يجز المسح عليه، وإن كان دون ذلك، جاز المسح عليه) . وحكى الشيخ أبو حامد: أن هذا قول الشافعي ﵁ في القديم، والأول حكاه الشيخ أبو حامد وابن الصباغ. وقال أبو حنيفة: (إن تخرق قدر ثلاثة أصابع، لم يجز المسح عليه، وإن كان دونها، جاز المسح عليه، لأن الثلاث أكثر أصابع اليد) . دليلنا: أنه خف غير ساتر لجميع قدميه، فلم يجز المسح عليه، كما لو تخرق منه قدر ثلاثة أصابع. وإن بقي في الخف مخارق الإشفى ومنافذ الإبر، فإن لم يبن شيء من الرجل، أو اللفافة، جاز المسح عليه، لأن ذلك لا يمكن الاحتراز منه، وإن كان يبين شيء من محل الفرض من الرجل، أو من اللفافة عليها، قال صاحب " الفروع ": لم يجز المسح عليه. قلت: وهذا إنما يكون على القول الجديد، فأما على القول القديم: فيجوز إذا كان يمكن متابعة المشي عليه. [فرع: خرق الظهارة] فرع: [في خرق الظهارة] : قال في " الأم " [١/٢٩] : (وإن تخرقت ظهارة الخف وبقيت بطانته، جاز المسح عليه) . قال أصحابنا: أراد: إذا كانت البطانة صفيقة يمكن متابعة المشي عليها، فأما إذا كانت رقيقة بحيث لا يمكن متابعة المشي عليها، فإن المسح عليها لا يجوز. وقال في " الأم " [١/٣١] : (وإن كان في الخف شرج ـ بفتح الراء وبعده جيم ـ العرى، فوق الكعب، لم يمنع جواز المسح عليه، وإن كان الشرج تحت الكعب،

стр. 151

فإن كان محلولا، لم يجز المسح على الخف، سواء بانت منه الرجل، أو لم تبن، لأنه إذا مشى بانت منه الرجل، وإن كان مشدودًا، فإن كان في الشد خلل، بحيث إذا مشى بان شيء من الرجل أو اللفافة، لم يجز المسح عليه، وإن لم يكن فيه خلل، جاز المسح عليه) . [فرع: المسح على الجورب] ] : قال الشافعي ﵁: (لا يمسح على جوربين، إلا أن يكون الجوربان مجلدي القدمين إلى الكعبين، حتى يقوم مقام الخف) . قال أصحابنا: والجوارب على ضربين: فـ[الأول] : منه ما يمكن متابعة المشي عليه، بأن يكون ساترًا لمحل الفرض صفيقًا، ويكون له نعل، فيجوز المسح عليه.

стр. 152

قال ابن الصباغ: فأما تجليد القدمين: فليس بشرط، إلا أن يكون الجورب رقيقًا.. فيقوم تجليده مقام صفاقته وقوته، وإنما ذكر الشافعي ﵁ التجليد لأن الغالب من الجوارب الرقة. و [الثاني] : إن كان الجورب لا يمكن متابعة المشي عليه، مثل: أن لا يكون منعل الأسفل، أو كان منعلا، لكنه من خرق رقيقة، بحيث إذا مشى فيه تخرق، لم يجز المسح عليه. هذا مذهبنا، وبه قال مالك وأبو حنيفة. وقال أحمد: (يجوز المسح على الجورب الصفيق، وإن لم يكن له نعل) . وروي ذلك عن عمر، وعلي، وإليه ذهب أبو يوسف، ومحمد، وداود. دليلنا: أنه لا يمكن متابعة المشي عليه، فلم يجز المسح عليه، كالرقيق. [فرع: لبس الجرموق] ] : وإن لبس الجرموق فوق الخف، قال صاحب " المذهب ": وهو خف كبير فوق خف صغير ـ فإن كان الأسفل مخرقًا والأعلى صحيحًا، جاز المسح على الأعلى، لأن الأسفل بمنزلة اللفافة تحت الخف. وإن كان الأعلى مخرقًا، والأسفل صحيحًا.. لم يجز المسح على الأعلى؛ لأن الأعلى بمنزله اللفافة فوق الخف. وإن كانا صحيحين بحيث إذا انفرد كل واحد منهما، جاز المسح عليه، فهل يجوز المسح على الأعلى؟ فيه قولان: [الأول] : قال في القديم، و " الإملاء ": (يجوز المسح عليه) ، وبه قال الثوري، وأبو حنيفة، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، والمزني، لما روي: «أن النبي ﷺ مسح على الموق» .

стр. 153

و (الموق) : الجرموق، ولأنه خف يمكن متابعة المشي عليه، فجاز المسح عليه، كالمنفرد. و [الثاني] : قال في الجديد: (لا يجوز المسح عليه) وبه قال مالك، وهو الصحيح، لأن حاجة عامة الناس لا تدعو إلى لبسهما، وإنما تدعو إليها حاجة خواص الناس، في مواضع مخصوصة، وهي: المواضع التي يكثر فيها المطر والوحل، والبرد الشديد، فلم تتعلق به رخصة عامة، كما لو لبس جبيرة فوق جبيرة، فإنه لا يجوز المسح على العليا. وأما الخبر: فالمراد به الخف المنفرد، ولم ينقل أن النبي ﷺ لبس الجرموق. فإذا قلنا: يجوز المسح على الجرموق، فعن ماذا يكون بدلا؟ فيه ثلاثة أوجه، خرجها أبو العباس ابن سريج: أحدها: يكون بدلا عن الخف، والخف يكون بدلا عن الرجل. والثاني: يكون الجرموق بدلا من الخف، ويكون الخف بدلا من اللفافة. والثالث: أن الجرموق بمنزلة طاقات الخف، وتأتي فوائد ذلك. فإن لبس الجرموق في رجل واحدة، فهل يجوز المسح عليه؟ على القول القديم، فيه وجهان، حكاهما في " الإبانة " [ق\٣٩] . [فرع: المسح على الخف تحت الجرموق] ] : فإذا قلنا: لا يجوز المسح على الجرموق، فأدخل يده في ساقه، ومسح على الخف، فهل يصح؟ فيه وجهان: [أحدهما] : قال الشيخ أبو حامد: لا يصح، لأن الشافعي ﵀ قال: (نزع

стр. 154

الجرموقين، ومسح على الخفين) ؛ ولأن الخف بدل ضعيف، فلم يجز مسحه مع استتاره. و [الثاني] : قال القاضي أبو الطيب: يصح، واختاره ابن الصباغ، كما لو أدخل يده تحت العمامة، ومسح على الرأس، ولأنه لو غسل رجله، وهي في الخف، صح، فكذلك إذا مسح على الخف، وهو في الجرموق، وما ذكره الشافعي، فليس ذلك على سبيل الشرط. وإن قلنا: يجوز المسح على الجرموقين، فهل له أن يدخل يده في ساقه ويمسح على الخف؟ قال القاضي أبو الطيب: يحتمل وجهين: أحدهما: لا يجوز، لأنه إذا جاز المسح على الظاهر، لم يجز المسح على الباطن، كما لو أدخل يده في الخف ومسح على الجلد الذي يلي رجله. والثاني: يجوز المسح ـ وهو اختيار ابن الصباغ ـ لأن كل واحد منهما محل للمسح، فجاز المسح على ما شاء منهما، كما لو مسح بشرة الرأس تحت الشعر. [فرع: الجبيرة تحت الخف] ] : وإن احتاج إلى وضع الجبيرة على رجليه فوضعها، ثم لبس فوقها الخف، فهل يجوز المسح عليه؟ فيه وجهان: أظهرهما: أنه لا يجوز، لأنه ملبوس فوق ممسوح، فلم يجز المسح عليه، كالعمامة. والثاني: يجوز. وبه قال أبو حنيفة، لأنه خف صحيح، يمكن متابعة المشي عليه، فجاز المسح عليه، كما لو لبسه على رجليه ولا جبيرة عليهما. فإن لبس الخف في إحدى الرجلين، والأخرى مريضة لا يجب غسلها، لم يجز المسح على الخف في الرجل الصحيحة. إن قطعت إحدى الرجلين، جاز أن يلبس الخف في الرجل الباقية، ويمسح

стр. 155

عليه إذا لم يبق من محل الفرض المقطوع شيء، وإن بقى شيء من محل الفرض، لم يجز المسح حتى يخففهما، لأن الرخصة إنما تتعلق بلبس الخفين في الرجلين مع وجودهما، لا يلبسه في إحداهما. [فرع: المسح على الخف المغصوب] ] : وإن لبس خفًا مغصوبًا، فهل يجوز المسح عليه؟ فيه وجهان: [أحدهما] قال ابن القاص: لا يجوز، لأن لبسه معصية، فلم يجز المسح عليه، كما لو لبس خفًا من جلد كلب. و [الثاني] : قال عامة أصحابنا: يجوز؛ لأنه خف طاهر يمكن متابعة المشي عليه، فهو كما لو كان ملكه. وأما المعصية: فلا تختص باللبس، فلم تمنع صحة العبادة، كالصلاة في الدار المغصوبة، ويخالف الخف من جلد الكلب، لأن المعصية هنالك لمعنى في الخف، فهو كالصلاة في ثوب نجس. [مسألة: الطهارة شرط لمسح الخف] ] : ولا يجوز المسح على الخف، إلا أن يلبسه على طهارة كاملة. فإن غسل إحدى الرجلين، وأدخلها في الخف، ثم غسل الرجل الأخرى، وأدخلها في الخف، لم يجز المسح حتى ينزع الخف الذي لبسه قبل كمال الطهارة. وهل يشترط نزع خف الرجل الأخرى فيه وجهان: الصحيح: أنه لا يشترط، وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق. وقال أبو حنيفة، والثوري، والمزني، وأبو ثور، وداود: (يجوز المسح) .

стр. 156

دليلنا: ما روى أبو بكرة ﵁: «أن النبي ﷺ أرخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلة، إذا تطهر، فلبس خفيه أن يمسح عليهما» . وهذا يقتضي تقدم الطهارة على اللبس. وروى المغيرة بن شعبة: «أن النبي ﷺ توضأ، فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، فأهويت لأنزع خفية، فقال: " دعهما، فإني لبستهما وهما طاهرتان» ، ومسح عليهما. فعلل بأنه لبس خفيه، ورجلاه طاهرتان، فعلم أن المسح يتعلق بهذا التعليل. [فرع: يشترط لبس الجرموقين على طهارة] ] : وإن لبس الخفين على طهارة، ثم لبس الجرموقين عليهما من غير حدث بينهما، وقلنا: يجوز المسح عليهما، جاز المسح هاهنا عليهما. وإن لبس الخفين على طهارة ثم أحدث، ثم لبس الجرموقين قبل المسح، لم يجز المسح عليهما قولا واحدًا؛ لأنه لبسهما على حدث. وإن لبس الخفين على طهارة، فأحدث، ومسح عليهما، ثم لبس الجرموقين، فهل يجوز المسح عليهما هاهنا؟ فيه وجهان، بناء على القولين في المسح على الخف هل يرفع الحدث؟ فإن قلنا: إنه يرفع الحدث، جاز المسح هاهنا. وإن قلنا: لا يرفع الحدث، لم يجز المسح هاهنا.

стр. 157

[مسألة: لبس المستحاضة ونحوها الخف] ] : إذا دخل على المستحاضة وقت الصلاة المفروضة، فتوضأت، لبست الخفين، وصلت تلك الفريضة، جاز لها أن تصلي بتلك الطهارة ما شاءت من النوافل. فإن أحدثت بغائط أو بول أو نوم بعد أداء الفريضة، جاز لها أن تتوضأ، وتمسح على الخفين، وتصلي به ما شاءت من النوافل. فإن دخل عليها وقت الفريضة الثانية، فأرادت أن تتوضأ، وتمسح على الخفين، وتصلي به تلك الفريضة الثانية، لم يكن لها ذلك. والفرق بين النافلة والفريضة الثانية: أنها حين توضأت للفريضة الأولى، استباحت بذلك الوضوء الفريضة الأولى، وما يتبعها من النوافل، فكانت في حكم الطاهرات في حق الفريضة الأولى، وما يتبعها من النوافل، فلذلك: استباحت النافلة بالمسح، ولا تستبيح أن تصلي بالطهارة الأولى الفريضة الثانية، فكانت في حكمها محدثة، فكذلك لم تستبحها بطهارة المسح. وأما إذا توضأت للفريضة الأولى بعد دخول وقتها، ولبست الخفين، فقبل أن تصليها طرأ عليها حدث غير حدث الاستحاضة، كالغائط والبول والنوم والمس واللمس، فلها أن تتوضأ وتمسح على الخفين، وتصلي به تلك الفريضة، وما شاءت من النوافل، ولا تصلي به فريضة أخرى. وقال زفر: لها أن تصلي به يومًا وليلة. دليلنا: أن الطهارة التي لبست عليها الخفين لا تستبيح بها أكثر من فريضة واحدة، فلم تستبح بالمسح عليها أكثر منها، وإنما استباحت تلك الفريضة؛ لأنها كانت في حقها حين لبست الخف في حكم الطاهرات. فإن انقطع دمها قبل أن تصلي تلك الفريضة، أو بعد ما صلتها وقبل أن تصلي النوافل، بطلت طهارتها، ووجب عليها نزع الخفين، واستئناف الطهارة؛ لأنها طهارة ضرورية، فإذا زالت الضرورة قبل التلبس بالصلاة، بطلت. هذا نقل البغداديين من أصحابنا.

стр. 158

وقال المسعودي [في " الإبانة ": ق\٣٩] : إذا توضأت للفريضة، ولبست الخفين قبل أن تصليها، طرأ عليها حدث غير حدث الاستحاضة، فهل لها أن تمسح على الخف لهذه الفريضة؟ فيه وجهان، بناء على أن طهارة المستحاضة: هل ترفع الحدث السابق؟ فإن قلنا: ترفعه، استباحتها بطهارة المسح. وإن قلنا: لا ترفعه، لم تستبحها بطهارة المسح. وإن تيمم للفريضة لعدم الماء، ولبس الخفين، ثم وجد الماء قبل الصلاة، ففيه وجهان: [أحدهما] : قال أبو العباس: يجوز له أن يتوضأ ويمسح على الخفين، ويصلي به فريضة، كما قلنا في المستحاضة. والثاني ـ وهو المنصوص ـ: (أنه لا يجوز المسح على الخفين) ؛ لأنه لبسهما من غير غسل الرجلين؛ ولأن برؤيته للماء، بطل التيمم، فصار كالمستحاضة إذا انقطع دمها. [مسألة: هيئة مسح الخف] ] : وإذا أراد أن يمسح على الخف، قال الشافعي ﵀: (فأحب أن يغمس يديه في الماء، ثم يضع كفه اليسرى تحت عقب الخف، وكفه اليمنى على أطراف أصابعه، ثم يمر اليمنى إلى ساقه، واليسرى إلى أطراف أصابعه) . وبه قال ابن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، ومالك، وابن المبارك. وقال الثوري، وأبو حنيفة، والأوزاعي، وأحمد: (المستحب: أن يمسح أعلى الخف، دون أسفلة) . وروي ذلك عن أنس، وجابر.

стр. 159

دليلنا: ما روى المغيرة بن شعبة: قال: «وضأت رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فمسح أعلى الخف وأسفله» ؛ ولأنه خارج من الخف يحاذي محل الفرض، فكان المسح عليه مسنونًا كأعلى الخف. [فرع: ما يسن مسحه من الخف] ] : وهل يسن له أن يمسح على عقب الخف، وهو: الموضع الصقيل؟ ظاهر ما نقله المزني: أنه يسن له ذلك. وقال القاضي أبو حامد: نص الشافعي في " البويطي ": أنه يمسح على العقب. ومن أصحابنا من قال فيه قولان: أحدهما: لا يسن له أن يمسح عليه؛ لأنه موضع صقيل يضر به المسح. والثاني: يمسح عليه، وهو الأصح؛ لأنه خارج من الخف يحاذي محل الفرض؛ فهو كأعلاه. ومنهم من قال: يمسح عليه قولا واحدًا؛ لما ذكرناه. وما نقله المزني، يحتمل أن يريد به: أن يضع باطن أصابع يده اليسرى تحت عقب الخف، فتكون راحته على عقبه.

стр. 160

[فرع: ما يكفي من المسح] ] : وكيفما أتى بالمسح على الخف، أجزأه، سواء كان بيده، أو ببعضها، أو بخشبة، أو بخرقة. وسواء مسح قليلا أو كثيرًا فإنه يجزئه. وقال أبو حنيفة: (لا يجزئه، إلا أن يمسح قدر ثلاث أصابع بثلاث أصابع) ، فقدر الممسوح وعين الممسوح به، حتى إن عنده: لو مسح قدر ثلاث أصابع بأصبع واحدة لم يجزئه. وقال زفر: إذا مسح قدر ثلاث أصابع بأصبع واحدة أجزأه، وقال أحمد: (لا يجزئه، إلا أن يسمح أكثر القدم) . دليلنا: ما روي: أن النبي ﷺ قال: «يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن، والمقيم يومًا وليلة» ، ولم يفرق. فإن أصاب الخف بلل المطر، أو نضح عليه الماء، قال الشيخ أبو نصر: فليس للشافعي فيه نص، والذي يجيء على مذهبه: أنه لا يجزئه عن المسح. وقال الثوري، والأوزاعي: يجزئه ذلك عن المسح. وقال إسحاق: إن نوى به المسح، أجزأه. وقال أهل الرأي: إذا خاض الماء، وأصاب ظاهر الخف، أجزأه.

стр. 161

واحتج الشيخ أبو نصر: بأن ما فرضه المسح لم يجز فيه الغسل، كمسح الرأس. وعندي: أنها على وجهين، كما ذكر أصحابنا فيمن غسل رأسه مكان المسح. إذا ثبت ما ذكرناه: فإن اقتصر على مسح القليل من أعلى قدم الخف، أجزأه؛ لأنه يقع عليه اسم المسح. وإن اقتصر على مسح القليل من أسفله، ففيه وجهان: [أحدهما] : قال أبو إسحاق: يجزئه؛ لأنه خارج من الخف يحاذي محل الفرض، فهو كأعلى الخف. و [الثاني] : قال أبو العباس: لا يجزئه، وهو المنصوص؛ لأنه موضع لا يرى من الخف غالبًا، فلم يجز الاقتصار عليه، كمسح باطن الخف الذي يلي الرجل. وإن اقتصر على مسح القليل من عقب الخف فهل يجزئه؟ من أصحابنا من قال: إن قلنا: إنه محل لمسنون المسح، جاز الاقتصار عليه. وإن قلنا: ليس بمحل لمسنون المسح فهل يجوز الاقتصار عليه؟ فيه وجهان. وقال الشاشي: بل هو بالعكس، فإن قلنا: إنه ليس بمحل لمسنون المسح، لم يجز الاقتصار عليه وجهًا واحدًا، كساق الخف. وإن قلنا: إنه محل لمسنون المسح، فهل يجوز الاقتصار عليه؟ فيه وجهان، كأسفله. [مسألة: انقضاء مدة المسح] ] : إذا انقضت مدة المسح وهو على طهارة المسح، أو خلع خفه في أثناء المدة وهو على طهارة المسح، لم يجز له أن يصلي بتلك الطهارة. وقال الحسن البصري: لا يبطل المسح، ويجوز له أن يصلي إلى أن يحدث، فإذا أحدث، لم يمسح.

стр. 162

وقال داود: (يجب عليه نزع الخفين، إذا انقضت مدة المسح، ولا يصلي فيهما، فإذا نزعهما، صلى بطهارته إلى أن يحدث) . دليلنا: أنها طهارة انتهت إلى حال لا يجوز ابتداؤها فلم يجز استدامتها، كالتيمم إذا رأى الماء. وما الذي يصنع في الطهارة؟ قال الشافعي في موضع: (يعيد الوضوء) ، وقال في موضع: (يجزئه غسل رجليه) . واختلف أصحابنا: على أي أصل بناها الشافعي؟ فقال أبو إسحاق: بناها على القولين في تفريق الوضوء: فإن قلنا: يجوز التفريق، كفاه غسل الرجلين. وإن قلنا: لا يجوز التفريق، فعليه استئناف الوضوء. ومنهم من قال: بناها على هذا، لأنه ذكر في " الأم " [١/٣١] ، وفي (كتاب ابن أبي ليلى) : (أنه يستأنف الوضوء) . ومذهبه فيهما: أن تفريق الوضوء جائز، وإنما بناها على أن مسح الخف هل يرفع الحدث عن الرجلين؟ وفيه قولان: [الأول] : فإن قلنا: إنه لا يرفع الحدث كفاه غسل الرجلين. و [الثاني] : إن قلنا: إنه يرفعه لزمه استئناف الطهارة، لأن نزع الخف ينقض الطهارة في الرجلين، فإذا انتقضت الطهارة في بعض الأعضاء، انتقضت في جميعها. ووجه قوله: (إنه لا يرفع الحدث) : أنه مسح، فلم يرفع الحدث كالتيمم. ووجه قوله: (إنه يرفع الحدث) : أنه مسح بالماء، فرفع الحدث، كمسح الرأس. ومنهم من قال: القولان أصل بأنفسهما، غير مبنيين على غيرهما، وهو اختيار ابن الصباغ:

стр. 163

أحدهما: يلزمه استئناف الطهارة. وبه قال الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، لأن الطهارة لما بطلت في الرجلين، بطلت في جميع الأعضاء، لأنها لا تتبعض، كما لو أحدث. والثاني: يكفيه غسل الرجلين. وبه قال أبو حنيفة، والثوري، وأبو ثور، والمزني، لأن مسح الخفين ناب عن غسل الرجلين خاصة، فظهورهما، يبطل به ما ناب عنهما دون غيرهما، كما يبطل التيمم برؤية الماء. [فرع: لا يمسح قبل استقرار القدم في الخف] ] : قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في " الأم " [١/٢٨] : (إذا أكمل الوضوء، ثم أدخل إحدى الرجلين في الخف، ثم أدخل الرجل الأخرى في ساق الخف، فقبل أن تستقر الرجل في قدم الخف أحدث، لم يكن له أن يمسح، لأنه لا يكون متخففًا حتى تقر قدمه في قدم الخف) . وإن أخرج رجله من قدم الخف إلى ساق الخف، ولم يبن شيء من محل الفرض فنص الشافعي في " الأم " [١/٣١] ، والقديم: (أن المسح لا يبطل) . وقال القاضي أبو حامد: يبطل المسح. وهو اختيار القاضي أبو الطيب، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد وإسحاق، لأن استقرار الرجل في الخف شرط في جواز المسح، فإذا تغير بطل، كما لو أحدث قبل أن تستقر في الخف. فإذا قلنا بالأول فالفرق بين ابتداء اللبس وبين استدامته: أن في الابتداء يستبيح به المسح، فلم يستبحه إلا بلبس تام، وليس كذلك في الاستدامة؛ فإنه مستبيح للمسح، فلا يزول إلا بنزع تام.

стр. 164

فإن كان الخف طويلا خارجًا عن العادة، فأخرج رجليه إلى موضع لو كان عليه الخف المعتاد، لبان شيء من محل الفرض، بطل مسحه. [فرع: حكم الجرموق في المدة] ] : وإن مسح على الجرموقين، وقلنا: يجوز المسح عليهما، ثم نزعهما في أثناء المدة، فإن قلنا: إن الجرموق بدل من الخف، والخف بدل من الرجل، فله أن يمسح على الخفين. وهل يلزمه استئناف الطهارة؟ فيه قولان. وإن قلنا: الجرموق بدل من الخف، والخف بدل من اللفافة نزع الخف أيضًا، وهل يلزمه استئناف الطهارة، أو يقتصر على غسل الرجلين؟ فيه قولان. وإن قلنا: الجرموق بمنزلة طاقات الخف، لم يؤثر نزع الجرموق هاهنا. وإن نزع الجرموق من إحدى الرجلين: فإن قلنا: إن الجرموق بدل من الخف، والخف بدل عن الرجل، بنى على أحد الوجهين: هل له أن يمسح الجرموق في إحدى الرجلين؟ فإن قلنا: له ذلك، كان له هاهنا أن يمسح على الجرموق الآخر، وعلى الخف في الرجل الأخرى. وإن قلنا: ليس له ذلك نزع الجرموق الآخر، ومسح على الخفين. وهل يستأنف الطهارة، أو يقتصر على المسح؟ على قولين. وإن قلنا: الجرموق بدل من الخف، والخف بدل من اللفافة، نزع الخف من الرجل التي بقي عليها، ونزع الجرموق والخف من الرجل الأخرى، وغسل الرجلين. وهل يلزمه استئناف الطهارة؟ على قولين. وإن قلنا: الجرموق بمنزلة طاقات الخف، لم يؤثر نزع هذه الجرموق. والله أعلم، وبالله التوفيق.

стр. 165

[باب الأحداث التي تنقض الوضوء] [ مسألة: الخارج من السبيلين] وهي أربعة: الخارج من السبيلين، والغلبة على العقل بنوم أو جنون أو إغماء، ولمس النساء، ومس الفرج. فأما الخارج من السبيلين: فضربان: معتاد ونادر. فأما المعتاد فهو: الغائط، والبول، والريح، والصوت، والمذي، والودي، فجيمع ذلك ينقض الضوء. والأصل فيه: قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦] [المائدة: ٦) . وأصل الغائط: الموضع المطمئن من الأرض، وسمي ما يخرج من الإنسان: غائطًا؛ لأن العادة أن من يريد إخراج ذلك، يتحرى الموضع المطمئن من الأرض، فسمي الخارج باسم ذلك الموضع. ومن السُنَّة: ما روي عن صفوان بن عسال المرادي: أنه قال: «كان النبي ﷺ -

стр. 166

يأمرنا إذا كنا مسافرين ـ أو: سفرًا ـ أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من غائط أو بول أو نوم، ثم نحدث بعد ذلك وضوءًا» . والدليل على أن الريح والصوت ينقضان الوضوء: ما روى أبو هريرة: أن النبي ﷺ قال: «لا وضوء إلا من صوت، أو ريح» . وروي: أن عمر ﵁ كان في جماعة، فشم ريحًا، فقال: (عزمت على من خرج منه هذا أن يقوم ويتوضأ، فقال العباس بن عبد المطلب: كلنا نقوم ونتوضأ، فقاموا وتوضؤوا) فدل على أنهم مجمعون على ذلك. والدليل على أن المذي ينقض الوضوء: ما روي «عن علي كرم الله وجهه: أنه قال: كنت رجلا مذاءً، فجعلت أغتسل في الشتاء حتى تشقق ظهري، فسألت النبي ﷺ فقال: " إنما يكفيك أن تنضح الماء على فرجك، وتتوضأ للصلاة» .

стр. 167

وأما النادر فهو: كالحصى، والدود، وسلس البول، ودم الاستحاضة، وهو ينقض الوضوء عندنا، وبه قال أبو حنيفة، والثوري، وأحمد، وإسحاق. وقال ربيعة: لا ينتقض الوضوء بشيء من ذلك، وقال مالك: (لا ينتقض الوضوء بشيء من ذلك، إلا دم الاستحاضة) . وقال داود: (لا ينتقض الوضوء إلا بالدود والدم) . دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦] ، ولم يفرق بين أن يخرج معتادًا أو غير معتادٍ، ولأنه خارج من مخرج الحدث، فأشبه البول والغائط. قال الصيمري: وأما دم البواسير: فإنه لا ينتقض الوضوء بخروجه، لأنه ليس من نفس الجوف، إلا أن يكون من باسور باطن، فينقض الوضوء. قال في " الأم " [١/١٤] : (إذا خرج ريح من فرج المرأة، أو ذكر الرجل فإنه ينقض الوضوء) . وقال أبو حنيفة: (لا ينقض الوضوء) . دليلنا: قوله ﷺ : «لا وضوء إلا من صوت، أو ريح» ، ولم يفرق، ولأنه أحد السبيلين، فانتقض الوضوء بالريح الخارج منه كالدبر. وكذلك إذا أدخل في فرجه مسبارًا ـ وهو الميل ـ أو قطنًا فخرج منه، أو صب فيه ماء فخرج منه، انتقض الوضوء، لأنه خارج من مخرج الحدث، فهو كالغائط والبول. قال الشاشي: وإن أطلعت دودة رأسها من أحد السبيلين، ثم رجعت فهل ينتقض الوضوء؟ فيه وجهان.

стр. 168

[فرع: انسداد المخرج المعتاد] فرع: [انسداد المخرج] : فإن انسد المخرج المعتاد، وانفتح له مخرج من بدنه، فهل ينتقض الوضوء بالخارج منه؟ ينظر فيه: فإن كان دون المعدة انتقض الوضوء بالخارج منه، لأن الله تعالى أجرى العادة: أنه لا بد للإنسان من موضع يخرج منه الغائط والبول. فإذا اسند المعتاد وانفتح له موضع آخر كان ذلك بمنزلة الأصلي. وإن كان المنفتح فوق المعدة ففيه قولان: أحدهما: ينتقض الوضوء بالخارج منه، للمعنى الذي ذكرناه، إذا كان دون المعدة. والثاني: لا ينتقض الوضوء بالخارج منه؛ لأن ما فوق المعدة يكون الخارج منه قيئًا، و (الغائط) : ما أحالته المعدة ونزل عنها. وإن لم ينسد المخرج الأصلي، وانفتح له موضع آخر فهل ينتقض الوضوء بالخارج منه؟ ينظر فيه: فإن كان دون المعدة، فهل ينتقض الوضوء بالخارج منه؟ من أصحابنا من قال: فيه وجهان، ومنهم من قال: فيه قولان: أحدهما: لا ينتقض. وهو اختيار ابن الصباغ؛ لأن الشافعي ﵁ شرط انسداد الموضع الأصلي؛ ولأن الأصلي إذا كان مفتوحًا كان هذا بمعنى الجائفة، فلم ينتقض الوضوء بالخارج منه. والثاني: ينتقض الوضوء بالخارج منه؛ لأنه مخرج يخرج منه البول والغائط، فهو كالمعتاد.

стр. 169

وإن كان المنفتح فوق المعدة.. فهل ينتقض الوضوء بالخارج منه؟ قال الشيخ أبو حامد، وأكثر أصحابنا: يبنى على القولين، فيما لو انفتح له مخرج فوق المعدة مع انسداد المعتاد: فإن قلنا هناك: لا ينتقض الوضوء بالخارج منه فهاهنا أولى. وإن قلنا هناك: ينتقض الوضوء بالخارج منه فهاهنا وجهان، كما لو انفتح له مخرج دون المعدة، مع انفتاح الأصلي. وأما صاحب " المهذب " فذكر: أنه إذا انفتح له مخرج فوق المعدة، مع انفتاح الأصلي لم ينتقض الوضوء بالخارج منه، من غير تفصيل، ولعله بنى ذلك على الأصح. [فرع: الخنثى المشكل إذا بال من فرجيه] فرع: [الخنثى المشكل] : وأما الخنثى المشكل: إذا بال من فرجيه انتقض وضوؤه. وإن بال من أحدهما، ومن عادته أن يبول منهما في بعض الحالات فقد قال الشيخ أبو علي السنجي: ينتقض وضوؤه ببوله من أحدهما. وقال القاضي أبو الفتوح: يبنى ذلك عندي على من انفتح له مخرج دون المعدة مع انفتاح الأصلي: فإن قلنا في أحد القولين: إن وضوءه ينتقض بالخارج منه انتقض هاهنا. وإن قلنا ثم: لا ينتقض فهاهنا مثله. ولعل السنجي بناه على الأصح عنده.

стр. 170

[مسألة: أحكام النوم] ] : وأما النوم: فعلى أربعة أضرب: أحدها: أن ينام زائلا عن مستوى الجلوس في غير الصلاة، بأن ينام مضطجعًا على جنبه، أو مستلقيًا على قفاه ـ قال الشيخ أبو حامد: وهو نوم الأنبياء عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ـ أو مكبوبًا على وجهه ـ قال: وهو نوم الشياطين ـ أو متكئًا على أحد جنبيه. أو مستندًا على حائط أو غيره، فينتقض وضوؤه في هذه الحالات، سواء تحقق خروج شيء منه، أو لم يتحقق، وهو قول عامة العلماء. وقال أبو موسى الأشعري، وأبو مجلز، وحميد الأعرج، وعمرو بن دينار: (النوم لا ينقض الوضوء، حتى يتحقق خروج الخارج منه) . وبه قالت الشيعة الإمامية. وقال مالك: (النوم اليسير في القعود لا ينقض، والكثير ينقض) . وقال أبو حنيفة: (إذا نام على حالة من أحوال الصلاة في حال الاختيار: إما قائمًا، أو راكعًا، أو ساجدًا لم ينتقض وضوؤه وإن لم يكن في الصلاة. وإن نام مضطجعًا انتقض وضوؤه؛ لأنه لا يصلي مضطجعًا في حال الاختيار) . وبه قال داود. قال المسعودي [في " الإبانة ": ق\٢٤ ـ ٢٥] : وقد نقل البويطي مثل مذهب أبي حنيفة عن الشافعي، فمن أصحابنا من جعل ذلك قولا آخر له، ومنهم من قال: غلط البويطي في النقل. دليلنا: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] [المائدة: ٦] .

стр. 171

قال بعض أهل التفسير: أراد إذا قمتم من النوم، ولأن الآية وردت على سبب، وهو: «أن النبي ﷺ كان في غزاة، ففقدت عائشة ﵂ عقدها، فأقاموا يطلبونه، فناموا، فأصبحوا ولا ماء معهم، فجاء إليها أبو بكر ﵁، فقال: حبست القوم ولا ماء معهم؟! فنزل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] » . والخطاب إذا ورد على سبب فلا بد أن يكون السبب داخلا فيه، فكان النوم مضمرًا فيها. ويدل على أن النوم ينقض: حديث صفوان بن عسال المرادي: أن النبي ﷺ قال: " أو نوم ". وروى علي، ومعاوية: أن النبي ﷺ قال: «العينان وكاء السه، فمن نام فليتوضأ» . و (السه) : حلقة الدبر. قال الشاعر: ادع فعيلا باسمها لا تنسه ... إن فعيلا هي صئبان السه

стр. 172

وقال آخر: شأتك قعين غثها وسمينها ... وأنت السه السفلى إذا دعيت نصر والضرب الثاني: أن ينام قاعدًا متمكنًا من القعود، متربعًا كان أو غير متربع، فهل ينتقض وضوؤه؟ فيه قولان: [أحدهما] : قال في " البويطي ": (ينتقض وضوؤه) . وهو قول المزني، وإسحاق، وأبي عبيد، لعموم قوله ﷺ في حديث صفوان: " أو نوم "، ولقوله ﷺ : «العينان وكاء السه، فمن نام فليتوضأ» . ولم يفرق؛ ولأن ما نقض الوضوء في غير حال القعود، نقضه في حال القعود، كسائر الأحداث. والثاني ـ وهو المشهور ـ: أنه لا ينتقض وضوؤه؛ لما روي: أن النبي ﷺ قال: «من نام قاعدًا فلا وضوء عليه، ومن وضع جنبه فعليه الوضوء» . وهذا أخص من الخبرين الأولين، فقضى به عليهما. وروى أنس: قال: «كان أصحاب النبي ﷺ ينتظرون العشاء، فينامون قعودًا، حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون، ولا يتوضؤون» . ومثل هذا لا يخفى على النبي ﷺ .

стр. 173

وإن نام جالسًا، ثم زال عن حالته، نظرت، فإن زالت أليتاه، أو إحداهما، قبل الانتباه بطلت طهارته. وإن انتبه بزوالهما لم تبطل طهارته. فإن تيقن النوم، وشك هل نام قاعدًا، أو زائلا عن مستوى الجلوس لم ينتقض وضوؤه؛ لأن الأصل بقاؤه على الطهارة. الضرب الثالث: إذا نام في حال الصلاة: إما قائمًا، أو راكعًا، أو ساجدًا فهل ينتقض وضوؤه؟ فيه قولان: [أحدهما] : روى الزعفراني: أن الشافعي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قال في القديم: (لا ينتقض وضوؤه) . وهو قول ابن المبارك؛ لما روي: أن النبي ﷺ قال: «إذا نام العبد في سجوده، باهى الله به ملائكته، يقول: عبدي روحه عندي، وجسده ساجد بين يدي» . فسماه: ساجدًا، فدل على أن وضوءه لم ينتقض. و [الثاني] : قال في الجديد: (ينتقض وضوؤه) . وهو الصحيح؛ لما ذكرناه في حديث علي، وصفوان بن عسال، ولأنه نام زائلا عن مستوى الجلوس، فهو كما لو نام في غير الصلاة. وأما الخبر فالمقصود به: مدحه على الاجتهاد، ومكابرته النوم؛ لأن النائم لا يمدح على فعله. إذا ثبت هذا: قال الشافعي ﵁: (فحد النوم الذي ينقض الوضوء: هو الذي يغلب على العقل، قليلا كان أو كثيرًا. فأما ما لا يغلب على العقل، مثل: طرق النعاس، وحديث النفس فلا ينقض الوضوء. فإن تيقن الرؤيا، وشك في

стр. 174

النوم، انتقض وضوؤه؛ لأن الرؤيا لا تكون إلا في نوم. وإن خطر بباله شيء، فلم يدر أكان ذلك في حديث نفس، أو رؤيا؟ لم يلزمه الوضوء؛ لأن الأصل الطهارة، ولا يزول ذلك الأصل بالشك) . [فرع: زوال العقل] ] : وأما زوال العقل بالجنون والإغماء فينقض الوضوء على أي حال كان؛ لأن حسه أبعد من حس النائم؛ لأن النائم إذا نبه انتبه. قال الشافعي ﵁ في " الأم " [١/٣٢ ـ ٣٣] : وقد قيل: (ما جن إنسان إلا أنزل، فإن كان هكذا، اغتسل المجنون للإنزال، وإن شك فيه أحببت له أن يغتسل احتياطًا) . قال الشيخ أبو حامد، وغيره من أصحابنا: إن كان الغالب من المجنون الإنزال لزمه أن يغتسل بمجرد الجنون، كالنائم مضطجعًا. وإن لم يكن الغالب من حاله الإنزال لم يجب عليه الاغتسال، إلا أن يتحقق الإنزال، كما قلنا فيمن نام قاعدًا. وأما من زال عقله بالسكر، فالبغداديون من أصحابنا قالوا: يجب عليه الوضوء؛ لما ذكرناه في المجنون والمغمى عليه. وقال المسعودي: [في " الإبانة ": ق\٢٤] : لا يجب عليه الوضوء؛ لأنه كالصاحي في ظاهر المذهب، إلا أن يغشى عليه، فحينئذٍ يجبُ عليه الوضوء. وقال: وعلى هذين الوجهين: هل ينعزل وكيله؟ [مسألة: لمس الأنثى] ] : وأما لمس النساء: فإذا وقعت الملامسة بين رجل وامرأة ـ يحل له الاستمتاع بها بحال ـ بأي عضو كان من أبدانهما لا حائل بينهما، انتقض وضوء اللامس منهما،

стр. 175

سواء كان بشهوة أو بغير شهوة. وبه قال ابن مسعود، وابن عمر. والزهري، وربيعة، وزيد بن أسلم. وقال أبو حنيفة وأصحابه: (لا تنتقض الطهارة بذلك) . وبه قال ابن عباس، وعطاء، وطاووس، إلا أن أبا حنيفة، وأبا يوسف قالا: (إذا وطئها فيما دون الفرج وانتشر، انتقضت الطهارة، وكذلك إذا وضع فرجه على فرجها، وإن لم يولج) . وقال مالك وإسحاق: (وإن لمسها بشهوة انتقض وضوؤه. وإن لمسها بغير شهوة لم ينتقض وضوؤه) . قال المسعودي [في " الإبانة ": ق\٢٥] : وخرج الشافعي ﵀ قولا مثل هذا من لمس ذوات المحارم؛ لأنه لا شهوة فيه. وقال داود: (إن قصد لمسها، انتقض الوضوء. وإن لم يقصد، لم ينتقض) . دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦] . وحقيقة اللمس: باليد، ولهذا: «نهى النبي ﷺ عن بيع الملامسة» . وقال الشاعر: لمست بكفي كفه طلب الغنى ... ولم أدر أن الجود من كفه يعدي

стр. 176

وإن لمسها من وراء حائل لم ينتقض الوضوء، سواء كان الحائل صفيقًا أو رقيقًا، بشهوة أم بغير شهوة. وقال مالك: (إن لمسها بشهوة من وراء حائل رقيق انتقض وضوؤه، وإن كان صفيقًا لم ينتقض) . وقال ربيعة: إذا لمسها بشهوة انتقض وضوؤه وإن كان بينهما حائل، سواء كان صفيقًا أو رقيقًا. دليلنا: أن اللمس من وراء حائل لا يقع عليه اسم اللمس، ولهذا: لو حلف لا يلمسها، فلمسها من وراء حائل لم يحنث. [فرع: بيان طهارة الملموس] ] : وإذا لمس أحدهما الآخر من غير حائل فهل ينتقض طهر الملموس؟ فيه قولان: أحدهما: لا ينتقض؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] [النساء: ٤٣] فخصهم بذلك. «وروت عائشة ﵂ قالت: افتقدت رسول الله ﷺ ليلة في الفراش، فظننت أنه قد ذهب إلى بعض نسائه، فقمت أطلبه، فوقعت يدي على أخمص قدمه، وهو يصلي، فلما فرغ من صلاته قال: " أتاك شيطانك» . فلو انتقض طهره لقطع الصلاة.

стр. 177

و (الأخمص) : الموضع المنخفض في باطن القدم. والثاني: ينتقض وضوؤه؛ لأن ما نقض بالتقاء البشرتين استوى فيه اللامس والملموس، كالجماع. وأما الخبر: فيحتمل أنها لمسته من وراء حائل. وإن لمس شعرها أو ظفرها أو سنها فالبغداديون من أصحابنا قالوا: لا ينتقض الوضوء بذلك؛ لأنه لا يلتذ بمسه. والخراسانيون قالوا: هو على وجهين: أحدهما: هذا. والثاني: ينتقض وضوؤه لأنه لمس جزءًا منها. وإن لمس يدًا مقطوعة من امرأة، لم ينتقض وضوؤه عند البغداديين من أصحابنا؛ لأنها بالانفصال زال عنها اسم النساء. وقال الخراسانيون: فيه وجهان: أحدهما: هذا. والثاني: ينتقض، كما لو كانت متصلة. وإن لمس امرأة لا يحل له الاستمتاع بها، بنسب أو رضاع ففيه قولان: أحدهما: ينتقض وضوؤه. وهو اختيار المسعودي [في " الإبانة " ق\٢٥] ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦] . وهذه من النساء. والثاني: لا ينتقض وضوؤه. وهو اختيار الشيخ أبي حامد؛ لأنها ليست بمحل لشهوته، فهو كما لو لمس رجلا. وإن لمس امرأة كانت حلالا له، ثم حرمت عليه على التأبيد، كأم زوجته، وربيبته، فقد اختلف أصحابنا فيه:

стр. 178

فمنهم من قال: فيه قولان، كذوات المحارم. ومنهم من قال: ينتقض وضوؤه قولا واحدًا؛ لأنها كانت تحل له، فهي كأم من وطئها بشبهة. وإن لمس صغيرة لا تُشتهى، أو عجوزًا لا تُشتهى، فإن كانت أجنبية منه، قال الشيخ أبو حامد: فإن أصحابنا يحكون فيها قولين. قال: ولا أعرف للشافعي نصًا في هذا، ولكن أظنهم بنوا ذلك على القولين في ذوات المحارم. وأما الصغائر والعجائز من المحارم، فمبني على القولين في الكبار منهن. فإن قلنا: لا ينتقض وضوؤه بلمس الكبار منهن، فالصغار والعجائز منهن أولى. وإن قلنا: ينتقض وضوؤه بلمس الكبار منهن فهل ينتقض بلمس الصغائر منهن والعجائز؟ على قولين، كالصغائر والعجائز الأجنبيات. [فرع: لمس الميتة] ] : وإن لمس امرأة ميتة، فقد اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: تنتقض طهارته بذلك؛ لأن اللمس إذا نقض الوضوء استوى فيه الحي والميت، كما لو مس فرج ميت. ومنهم من قال: فيه قولان، كلمس الصغائر والعجائز الأجنبيات. وهو اختيار ابن الصباغ؛ لأن الميتة لا تشتهى في العادة. [فرع: لمس الخنثى المشكل] ] : وإن لمس الخنثى المشكل رجلا أو امرأة، أو خنثى مثله لم ينتقض وضوء أحد منهما؛ لجواز أن يكون الخنثى على صفة من لامسه. فإن لمس الخنثى رجلا وامرأة في حالة واحدة، أو في حالتين من غير أن يحدث بينهما وضوء، انتقض وضوؤه، ولم ينتقض وضوء واحد منهما؛ لأنا نتيقن أنه لمس

стр. 179

من ليس كمثله، ولم نتيقن في حق أحدهما أنه لمس من ليس كمثله. والذي يقتضي المذهب: أنه لا يجوز لهذه المرأة أن تأتم بهذا الرجل؛ لأن طهارة أحدهما منتقضة بيقين، فهما كالمجتهدين في إناءين: أحدهما طاهر، والآخر نجس. وإن لمس الخنثى رجلا وخنثى، أو امرأة وخنثى، لم ينتقض وضوء واحد منهم؛ لجواز أن يكون اللامس مثل الملموس. وإن لمس الخنثى رجلا، فصلى الظهر، ثم لمس امرأة، فصلى العصر، قال القاضي: وجب عليه قضاء العصر دون الظهر؛ لأنا نتيقن أن طهره قد انتقض في العصر بيقين. وإن لمس الخنثى رجلا، فصلى الظهر، ثم جدد الطهارة، ثم لمس امرأة، ثم صلى العصر فلا يلزمه إعادة الظهر. وأما العصر: فإن قلنا: إن تجديد الوضوء يرفع الحدث لم يلزمه إعادتها. وإن قلنا: لا يرفع الحدث لزمه إعادتها. [مسألة: مس الفرج] ] : وأما مس الفرج: فقد اختلف العلماء فيه: فذهب الشافعي إلى: (أن الرجل إذا مس ذكره ببطن كفه، أو مست المرأة فرجها ببطن كفها، انتقض وضوؤهما بذلك) . وهو قول عمر، وابن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وعائشة، وأبي هريرة، وابن عباس. وبه قال عطاء، وابن المسيب، وأبان بن عثمان، وعروة بن الزبير، وسليمان بن يسار، والزهري، ومجاهد. وأحمد، وإسحاق. وقال مالك: (ينتقض وضوء الرجل، ولا ينتقض وضوء المرأة) . وذهبت طائفة إلى: (أنه لا ينتقض الوضوء بذلك) . ذهب إليه علي، وابن مسعود،

стр. 180

وعمار بن ياسر، والحسن البصري، وربيعة، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه. وقال جابر بن زيد: إن تعمد مسه انتقض وضوؤه، وإن لم يتعمد مسه لم ينتقض وضوؤه. دليلنا: ما روت بسرة بنت صفون: أن النبي ﷺ قال: «إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ» . وروت عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: «ويل للذين يمسون فروجهم، ثم يصلون، ولا يتوضؤون ". قالت عائشة ﵂: بأبي وأمي، هذا للرجال، أفرأيت النساء؟ قال: " إذا مست إحداكن فرجها فلتتوضأ» . ورواه بضعة عشر نفسًا من الصحابة ﵃، وعمل به أصحاب الحديث. [فرع: أي مس ينقض الطهارة] ؟] : وإن مس فرجه بظهر كفه، أو ساعده لم ينتقض وضوؤه.
следующие страницы →