Полный текст (7 092 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وإن لمسها من وراء حائل لم ينتقض الوضوء، سواء كان الحائل صفيقًا أو رقيقًا، بشهوة أم بغير شهوة.
وقال مالك: (إن لمسها بشهوة من وراء حائل رقيق انتقض وضوؤه، وإن كان صفيقًا لم ينتقض) .
وقال ربيعة: إذا لمسها بشهوة انتقض وضوؤه وإن كان بينهما حائل، سواء كان صفيقًا أو رقيقًا.
دليلنا: أن اللمس من وراء حائل لا يقع عليه اسم اللمس، ولهذا: لو حلف لا يلمسها، فلمسها من وراء حائل لم يحنث.
[فرع: بيان طهارة الملموس]
] : وإذا لمس أحدهما الآخر من غير حائل فهل ينتقض طهر الملموس؟ فيه قولان:
أحدهما: لا ينتقض؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] [النساء: ٤٣] فخصهم بذلك.
«وروت عائشة ﵂ قالت: افتقدت رسول الله ﷺ ليلة في الفراش، فظننت أنه قد ذهب إلى بعض نسائه، فقمت أطلبه، فوقعت يدي على أخمص قدمه، وهو يصلي، فلما فرغ من صلاته قال: " أتاك شيطانك» . فلو انتقض طهره لقطع الصلاة.
стр. 177
و (الأخمص) : الموضع المنخفض في باطن القدم.
والثاني: ينتقض وضوؤه؛ لأن ما نقض بالتقاء البشرتين استوى فيه اللامس والملموس، كالجماع.
وأما الخبر: فيحتمل أنها لمسته من وراء حائل.
وإن لمس شعرها أو ظفرها أو سنها فالبغداديون من أصحابنا قالوا: لا ينتقض الوضوء بذلك؛ لأنه لا يلتذ بمسه.
والخراسانيون قالوا: هو على وجهين:
أحدهما: هذا.
والثاني: ينتقض وضوؤه لأنه لمس جزءًا منها.
وإن لمس يدًا مقطوعة من امرأة، لم ينتقض وضوؤه عند البغداديين من أصحابنا؛ لأنها بالانفصال زال عنها اسم النساء.
وقال الخراسانيون: فيه وجهان:
أحدهما: هذا.
والثاني: ينتقض، كما لو كانت متصلة.
وإن لمس امرأة لا يحل له الاستمتاع بها، بنسب أو رضاع ففيه قولان:
أحدهما: ينتقض وضوؤه. وهو اختيار المسعودي [في " الإبانة " ق\٢٥] ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦] . وهذه من النساء.
والثاني: لا ينتقض وضوؤه. وهو اختيار الشيخ أبي حامد؛ لأنها ليست بمحل لشهوته، فهو كما لو لمس رجلا.
وإن لمس امرأة كانت حلالا له، ثم حرمت عليه على التأبيد، كأم زوجته، وربيبته، فقد اختلف أصحابنا فيه:
стр. 178
فمنهم من قال: فيه قولان، كذوات المحارم.
ومنهم من قال: ينتقض وضوؤه قولا واحدًا؛ لأنها كانت تحل له، فهي كأم من وطئها بشبهة.
وإن لمس صغيرة لا تُشتهى، أو عجوزًا لا تُشتهى، فإن كانت أجنبية منه، قال الشيخ أبو حامد: فإن أصحابنا يحكون فيها قولين. قال: ولا أعرف للشافعي نصًا في هذا، ولكن أظنهم بنوا ذلك على القولين في ذوات المحارم. وأما الصغائر والعجائز من المحارم، فمبني على القولين في الكبار منهن.
فإن قلنا: لا ينتقض وضوؤه بلمس الكبار منهن، فالصغار والعجائز منهن أولى.
وإن قلنا: ينتقض وضوؤه بلمس الكبار منهن فهل ينتقض بلمس الصغائر منهن والعجائز؟ على قولين، كالصغائر والعجائز الأجنبيات.
[فرع: لمس الميتة]
] : وإن لمس امرأة ميتة، فقد اختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: تنتقض طهارته بذلك؛ لأن اللمس إذا نقض الوضوء استوى فيه الحي والميت، كما لو مس فرج ميت.
ومنهم من قال: فيه قولان، كلمس الصغائر والعجائز الأجنبيات. وهو اختيار ابن الصباغ؛ لأن الميتة لا تشتهى في العادة.
[فرع: لمس الخنثى المشكل]
] : وإن لمس الخنثى المشكل رجلا أو امرأة، أو خنثى مثله لم ينتقض وضوء أحد منهما؛ لجواز أن يكون الخنثى على صفة من لامسه.
فإن لمس الخنثى رجلا وامرأة في حالة واحدة، أو في حالتين من غير أن يحدث بينهما وضوء، انتقض وضوؤه، ولم ينتقض وضوء واحد منهما؛ لأنا نتيقن أنه لمس
стр. 179
من ليس كمثله، ولم نتيقن في حق أحدهما أنه لمس من ليس كمثله.
والذي يقتضي المذهب: أنه لا يجوز لهذه المرأة أن تأتم بهذا الرجل؛ لأن طهارة أحدهما منتقضة بيقين، فهما كالمجتهدين في إناءين: أحدهما طاهر، والآخر نجس.
وإن لمس الخنثى رجلا وخنثى، أو امرأة وخنثى، لم ينتقض وضوء واحد منهم؛ لجواز أن يكون اللامس مثل الملموس.
وإن لمس الخنثى رجلا، فصلى الظهر، ثم لمس امرأة، فصلى العصر، قال القاضي: وجب عليه قضاء العصر دون الظهر؛ لأنا نتيقن أن طهره قد انتقض في العصر بيقين.
وإن لمس الخنثى رجلا، فصلى الظهر، ثم جدد الطهارة، ثم لمس امرأة، ثم صلى العصر فلا يلزمه إعادة الظهر. وأما العصر:
فإن قلنا: إن تجديد الوضوء يرفع الحدث لم يلزمه إعادتها.
وإن قلنا: لا يرفع الحدث لزمه إعادتها.
[مسألة: مس الفرج]
] : وأما مس الفرج: فقد اختلف العلماء فيه:
فذهب الشافعي إلى: (أن الرجل إذا مس ذكره ببطن كفه، أو مست المرأة فرجها ببطن كفها، انتقض وضوؤهما بذلك) . وهو قول عمر، وابن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وعائشة، وأبي هريرة، وابن عباس. وبه قال عطاء، وابن المسيب، وأبان بن عثمان، وعروة بن الزبير، وسليمان بن يسار، والزهري، ومجاهد. وأحمد، وإسحاق.
وقال مالك: (ينتقض وضوء الرجل، ولا ينتقض وضوء المرأة) .
وذهبت طائفة إلى: (أنه لا ينتقض الوضوء بذلك) . ذهب إليه علي، وابن مسعود،
стр. 180
وعمار بن ياسر، والحسن البصري، وربيعة، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه.
وقال جابر بن زيد: إن تعمد مسه انتقض وضوؤه، وإن لم يتعمد مسه لم ينتقض وضوؤه.
دليلنا: ما روت بسرة بنت صفون: أن النبي ﷺ قال: «إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ» . وروت عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: «ويل للذين يمسون فروجهم، ثم يصلون، ولا يتوضؤون ". قالت عائشة ﵂: بأبي وأمي، هذا للرجال، أفرأيت النساء؟ قال: " إذا مست إحداكن فرجها فلتتوضأ» .
ورواه بضعة عشر نفسًا من الصحابة ﵃، وعمل به أصحاب الحديث.
[فرع: أي مس ينقض الطهارة]
؟] : وإن مس فرجه بظهر كفه، أو ساعده لم ينتقض وضوؤه.
стр. 181
وقال عطاء، والأوزاعي: ينتقض.
دليلنا: ما روي: أن النبي ﷺ قال: «إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره فليتوضأ» .
و (الإفضاء) ـ عند أهل اللغة ـ: بباطن الكف، تقول العرب: أفضيت بيدي مبايعًا، وأفضيت بيدي ساجدًا.
وإن مسه بحرف يده، أو بما بين الأصابع، أو برؤوس الأصابع، ففيه وجهان:
أحدهما ـ وهو المذهب ـ: أنه لا ينتقض لأنه ليس بآلة لمسه، فهو كما لو مس بظهر الكف.
والثاني: ينتقض؛ لأن خلقته كخلقة الباطن.
وإن كان له أصبع زائدة، أو كف زائدة في محل الفرض، فمس الفرج بباطنها، ففيه وجهان:
أحدهما: لا ينتقض وضوؤه؛ لأن الخبر ورد في المس، وذلك ينصرف إلى اليد المعهودة، وهي الأصلية.
والثاني ـ وهو الصحيح ـ: أنه ينتقض؛ لأن الزائدة تدخل في اسم اليد، ولهذا يجب غسلها في الوضوء مع الأصلية.
стр. 182
[فرع: من له ذكران]
] : وإن خلق له ذكران، فمس أحدهما قال المسعودي [في " الإبانة " ق\٢٥ ـ ٢٦] : فإن كانا عاملين انتقض وضوؤه؛ لأنه يقع عليه اسم الذكر. وإن كان أحدهما غير عامل، فمس غير العامل لم ينتقض وضوؤه.
وإن مس ذكرًا مسدودًا لا يخرج منه مني، ففيه وجهان، حكاهما الصيمري:
أصحهما: أنه ينتقض وضوؤه؛ لأنه يقع عليه اسم الذكر.
والثاني: لا ينتقض وضوؤه؛ لأنه لا يخرج منه مني، فهو كسائر الأعضاء. وهذا يبطل بذكر الصبي والعنين.
[فرع: مس حلقة الدبر]
] : وإن مس حلقة دبره، أو دبر غيره انتقض وضوؤه.
وحكى ابن القاص: أن الشافعي قال في القديم: (لا ينتقض وضوؤه) . وهو قول مالك، وداود؛ لأنه لا يقصد إلى مسه بشهوة.
قال أصحابنا: لم يوجد هذا للشافعي ﵀ في قديم ولا جديد.
والدليل على أنه ينقض: ما روي أن النبي ﷺ قال: «أيما رجل مس فرجه، فليتوضأ» .
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (والدبر في معنى الفرج، فوجب أن يقاس عليه) .
قال ابن الصباغ: وإن مس بذكره دبر غيره انتقض وضوؤه؛ لأنه آلة مسه.
مس المخرج غير الأصلي
стр. 183
فرع: [مس المخرج غير الأصلي] : وإن انفتح له مخرج غير الأصلي فهل ينتقض الوضوء بمسه؟
كل موضع قلنا: لا ينتقض الوضوء بالخارج منه، لم ينتقض الوضوء بمسه.
وكل موضع قلنا: ينتقض الوضوء بالخارج منه، فهل ينتقض الوضوء بمسه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا ينتقض الوضوء بمسه؛ لأنه لا يقع عليه اسم الفرج.
والثاني: ينتقض؛ لأنه مخرج ينتقض الوضوء بالخارج منه، فأشبه الأصلي.
وهكذا الوجهان: في وجوب الغسل من الإيلاج فيه، وفي جواز استنجائه منه بالأحجار، وفي وجوب ستره من الرجل إذا كان فوق السرة، وفي وجوب المهر بالإيلاج فيه، وفي حصول الإحلال بالإيلاج فيه.
[فرع: انتقاض الوضوء بمس الفرج]
] : وإن مس فرج غيره من كبير، أو صغير، أو حي، أو ميت، انتقض وضوء الماس.
وقال داود: (لا ينتقض وضوؤه بمس ذلك من غيره) .
وقال الزهري، والأوزاعي، ومالك: (لا ينتقض الوضوء بمس ذلك من الصغير) .
وقال إسحاق بن راهويه: لا ينتقض بمس ذلك من ميت.
دليلنا: ما روي في بعض ألفاظ حديث بسرة: أن النبي ﷺ قال: «من مس ذكره فعليه الوضوء» ، ولأنه مس فرج آدمي متصل به، فانتقض وضوؤه، كما
стр. 184
لو مس ذلك بنفسه، ولأنه إذا انتقض وضوؤه بمسه ذلك من نفسه، ولم يهتك به حرمة، فلأن ينتقض بمسه لذلك من غيره، وقد هتك به حرمة ذلك الغير أولى.
وهل ينتقض وضوء الممسوس؟
من أصحابنا الخراسانيين من قال: فيه قولان، كالملموس.
وأكثرهم قالوا: لا ينتقض وضوؤه قولا واحدًا. وهو الأصح؛ لأنه علق الطهارة على المماسة، ولم تحصل هاهنا إلا من واحد، بخلاف الملامسة، فإنها تحصل بين اثنين، وإن كانت من واحد.
وإن مس ذكرًا مقطوعًا ففيه وجهان:
أحدهما: ينتقض وضوؤه؛ لقوله ﷺ : «من مس الذكر فعليه الوضوء» . ولأنه يقع عليه اسم الذكر، وإن كان مقطوعًا.
والثاني: لا ينتقض وضوؤه؛ لأن المقطوع لا يقصد مسه في العادة، فهو كما لو مسه بظهر كفه.
[فرع: مس الخصيتين]
] : وإن مس أنثييه، وأليته، أو عانته لم ينتقض وضوؤه.
وحكي عن عروة بن الزبير: أنه قال: (ينتقض وضوؤه) .
دليلنا: قوله ﷺ : «من أفضى منكم بيده إلى ذكره فليتوضأ» . فخص الذكر بذلك، ولأنه مس من بدنه غير السبيلين، فلم ينتقض وضوؤه، كما لو مس فخذه.
وإن مس فرج بهيمة لم ينتقض وضوؤه.
وحكى ابن عبد الحكم عن الشافعي: أنه قال: (ينتقض وضوؤه) . وهو قول
стр. 185
الليث؛ لما روي أن النبي ﷺ قال: «من مس الفرج الوضوء» ووجه القول المشهور: أنه لما لم ينتقض الوضوء بمس الأنثى من البهائم، لم ينتقض بمس فرج البهيمة، ولأن البهيمة لا حرمة لها، ولا تعبد عليها.
وأما الخبر: فلا يعرف هذا اللفظ فيه، وإن صح فإن إطلاق ذلك لا ينصرف إلى البهيمة.
[فرع: مس الخنثى أحد فرجيه]
] : وأما الخنثى المشكل: إذا مس أحد فرجيه لم ينتقض وضوؤه؛ لجواز أن يكون ذلك خلقة زائدة.
فإن مس أحدهما، وصلى الظهر، ثم مس الآخر، وصلى العصر، لزمه إعادة العصر دون صلاة الظهر؛ لأن بمسه الثاني انتقضت طهارته بيقين.
وإن مس أحدهما، وصلى الظهر، ثم توضأ، ومس الثاني، وصلى العصر ففيه وجهان، حكاهما في " الإبانة " [ق\٢٦] :
أحدهما: يلزمه إعادة الصلاتين؛ لأنه قد صلى إحداهما بغير طهارة بيقين، فإذا أشكل عينها لزمه إعادتهما، كما لو نسي صلاة من صلاتين لا يعرف عينها.
والثاني ـ وهو المذهب ـ: أنه لا يلزمه قضاء واحدة منها؛ لأنهما حادثتان لم يتعين الخطأ في واحدة منهما، فهما كرجلين قال أحدهما: إن كان هذا الطائر غرابًا فنسائي طوالق، وقال الآخر: إن لم يكن غرابًا فنسائي طوالق، فطار ولم يعرف فإنه لا يطلق نساء واحد منهما.
وإن مس الخنثى ببطن كفه ذكر رجل، أو فرج امرأة انتقض وضوء الخنثى، سواء كان الممسوس أجنبيًا منه، أو من ذوي محارمه؛ لأنه قد وجد منه المس لا اللمس. ولا ينتقض وضوء الممسوس؛ لجواز أن يكون الخنثى مثل من مسه.
وإن وضع الخنثى ذكره على فرج امرأة، أو دبرها، لم ينتقض وضوء واحد منهما؛ لجواز أن يكون الخنثى امرأة، وهذه خلقة زائدة فيه.
стр. 186
[فرع: مس الخنثى]
] : وإن مس رجل ذكر خنثى مشكل انتقض وضوء الرجل؛ لأنه إن كان الخنثى رجلا فقد وجد المس، وإن كان امرأة فقد وجد اللمس. ولا ينتقض وضوء الخنثى؛ لجواز أن يكون رجلا.
وإن مس رجل فرج خنثى لم ينتقض وضوء واحد منهما؛ لجواز أن يكون الخنثى رجلا، وهذه خلقة زائدة فيه.
وإن مست امرأة فرج خنثى انتقض وضوء المرأة؛ لأنه قد وجد: إما المس، وإما اللمس، ولا ينتقض وضوء الخنثى؛ لجواز أن تكون امرأة.
وإن مست امرأة ذكر خنثى لم ينتقض وضوء واحد منهما؛ لجواز أن يكون الخنثى امرأة، وهذه خلقة زائدة فيها.
وإن مس ماس فرجي الخنثى انتقض وضوء الماس؛ لأنه قد وجد مس الفرج الأصلي بيقين، ولا ينتقض وضوء الخنثى؛ لجواز أن يكون كمن مسه.
وإن كان هناك خنثيان مشكلان، فمس أحدهما أحد فرجي الآخر لم ينتقض وضوء واحد منهما؛ لجواز أن يكونا على صفة واحدة، والفرج الممسوس خلقة زائدة.
وإن مس هذا ذكر هذا، ومس هذا فرج هذا، فإنا لا نوجب الطهارة على أحدهما؛ لأنهما إن كانا رجلين، فقد انتقض وضوء ماس الذكر. وإن كانا امرأتين، انتقض وضوء ماس الفرج. وإن كان أحدهما رجلا، والآخر امرأة انتقض وضوؤهما.
فإذا احتمل هذه الاحتمالات فإنا نتيقن أن أحدهما قد انتقض طهره، ولكنا لا نعرفه بعينه، فلم نوجب على أحدهما الطهارة، وهذا مراد صاحب " المهذب " [١/٢٣] بقوله: و (كذا) لو تيقنا أنه انتقض طهر أحدهما، ولم نعرفه بعينه.
стр. 187
[فرع: السهو كالعمد في النقض]
] : وما أوجب الطهارة فعمده وسهوه سواء؛ لأن النبي ﷺ أوجب الطهارة من النوم، والنائم لا يحس بما يخرج منه، ولا يقصد إليه.
«وروي عن علي ﵁: أنه قال: كنت رجلا مذاءً، وكنت أغتسل في الشتاء حتى تشقق ظهري، فاستحييت أن أسأل النبي ﷺ لمكان ابنته مني، فسألت المقداد أن يسأله، فسأله، فقال: " ينضح فرجه بالماء، ويتوضأ» . وقال: «كل فحل مذاء» ، فأوجب ﷺ الوضوء من المذي، وإن كان يخرج بغير اختياره.
[مسألة: أمور لا تنقض الوضوء]
] : وأما دم الفصد، والحجامة، والرعاف، والقيح، والقيء، فلا ينقض الوضوء، سواء كان قليلا أو كثيرًا.
وروي ذلك عن ابن عمر ﵄، وابن عباس، وابن أبي أوفى، وأبي هريرة، وعائشة، وجابر بن زيد، وبه قال سعيد بن المسيب، ومكحول، وربيعة، ومالك.
وقال أبو حنيفة: (كل نجس خرج من البدن فإنه ينقض الوضوء إذا سال. وإن وقف على رأس الجرح لم ينقض) . وقال في القيء: (إن ملأ الفم نقض
стр. 188
الوضوء، وإن كان دونه لم ينقض) . وبه قال الأوزاعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق.
دليلنا: ما روى أنس: «أن النبي ﷺ احتجم وصلى، ولم يزد على غسل محاجمه» .
وروى أبو الدرداء، قال: «قاء رسول الله ﷺ فأفطر» ، وقال ثوبان: «وأنا صببت له وضوءًا» ، فقلت: يجب الوضوء من القيء؟ فقال: (لو كان واجبًا لوجدته في كتاب الله تعالى) .
ولأنه لو انتقض الوضوء بالكثير من ذلك لانتقض باليسير منه، كالغائط. ولما لم ينتقض باليسير منه لم ينتقض بالكثير منه، كالبصاق والمخاط.
[فرع: لا يجب الوضوء مما مست النار]
] : ولا يجب الوضوء بأكل ما مسته النار، وهو قول الخلفاء الأربعة، وابن عباس، وأبي أمامة، وأبي الدرداء.
وذهب الحسن البصري، والزهري، وعمر بن عبد العزيز، وأبو مجلز، وأبو قلابة إلى: (أنه يجب الوضوء من ذلك) . وروي ذلك: عن ابن عمر، وأبي
стр. 189
طلحة، وأنس، وأبي موسى، وعائشة، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة؛ لما روي: أن النبي ﷺ قال: «توضؤوا مما مسته النار، أو مما غيرته النار» .
دليلنا: ما روي عن جابر: أنه قال: «كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مسته النار» ، وهذا يدل على أن الأول منسوخ بهذا.
ولا ينتقض الوضوء بأكل لحم الجزور.
وقال أحمد بن حنبل: (ينتقض الوضوء بذلك) . وحكى ابن القاص في " التلخيص ": أن هذا قول الشافعي في القديم؛ لما روي: «أن النبي ﷺ سُئل: أنتوضأ من لحم الغنم؟ فقال: " لا "، فقيل له: أنتوضأ من لحم الإبل، فقال: " نعم» .
стр. 190
والأول هو المشهور: لما روى ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «الوضوء مما يخرج، لا مما يدخل» .
وما رووه محمول على غسل اليد؛ لأن الوضوء إذا أضيف إلى الطعام اقتضى ذلك غسل اليد، لما روي عن بعض الصحابة: أنه قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا بالوضوء قبل الطعام وبعده» ، وإنما فرق بين لحوم الإبل والغنم؛ لأن لحوم الغنم في الحجاز لا زهومة لها، بخلاف لحوم الإبل.
[فرع: القهقهة في الصلاة لا تنقض الوضوء]
] : ولا ينتقض الوضوء بقهقهة المصلي، وبه قال جابر، وأبو موسى، وعطاء، وعروة، والزهري، ومكحول، ومالك.
وقال الشعبي، والنخعي، والثوري وأبو حنيفة: (ينتقض الوضوء به، ويبطل الصلاة) ؛ لما روي: أن النبي ﷺ قال: «من قهقه في صلاته فليعد الوضوء والصلاة» .
стр. 191
وروي: «أن النبي ﷺ صلى بقوم من أصحابه، فأتى ضرير فتردى في بئر، فقهقه بعض من كان خلفه، فلما فرغ أمره بإعادة الوضوء والصلاة» .
ودليلنا: قوله ﷺ : «المقهقه في الصلاة يعيد الصلاة، ولا يعيد الوضوء» . وروي عنه ﷺ : أنه قال: «الضاحك في الصلاة كالمتكلم» .
ولأن كل ما لا ينقض الوضوء خارج الصلاة، لم ينقضه داخل الصلاة، كالكلام.
وأما خبرهم الأول: فنحمله على أنه يعيد الصلاة وجوبًا، والوضوء استحبابًا، بدليل ما رويناه. وخبرهم الثاني: مرسل على أنه لا يظن ذلك بالصحابة؛ لأنهم كانوا خيار الأمة، ووصفهم الله بالرحمة والرأفة، فكيف يضحكون من رجل وقع في بئر؟.
وإن صح حملناه على الاستحباب، بدليل ما ذكرناه.
[فرع: لا وضوء من فحش الكلام]
] : قال في " الأم " [١/١٨] : (ولا وضوء من الكلام، وإن عظم، ولا في إيذاء أحدٍ، ولا في قذف) .
стр. 192
قال ابن الصباغ: وهذا إجماع، غير أنه قد روي عن ابن مسعود: أنه قال: (لأن أتوضأ من الكلمة الخبيثة أحب إلي من أن أتوضأ من الطعام الطيب) .
وقالت عائشة ﵂: (يتوضأ أحدكم من الطعام الطيب، ولا يتوضأ من الكلمة العوراء؟!) .
وقال ابن عباس: (الحدث حدثان: حدث الفرج، وحدث اللسان، وأشدهما: حدث اللسان) .
فقال ابن الصباغ: الأشبه بذلك: أنهم أرادوا غسل الفم. وظاهر كلام الشيخ أبي إسحاق في " المهذب "، والشيخ أبي نصر: أنهم أرادوا به الوضوء الكامل.
[مسألة: لا يؤثر الشك في الحدث]
] : ومن تيقن بحدث، وشك في الطهارة بنى على تيقن الحدث، بلا خلاف؛ لأن الحدث يقين، فلا يرتفع بالشك.
وإن تيقن الطهارة وشك في الحدث بنى على يقين الطهارة عندنا، سواء كان في الصلاة أو خارجًا منها.
وقال مالك: (يبني على الحدث، سواء كان في الصلاة، أو خارجًا منها) .
وقال الحسن: إن كان في الصلاة بنى على يقين الطهارة، وإن كان في غير الصلاة بنى على يقين الحدث، وتوضأ.
دليلنا: ما روي: «أن النبي ﷺ : سُئل عن الرجل يخيل إليه الشيء في الصلاة؟
стр. 193
فقال: " لا ينفتل حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا» وروي أن النبي ﷺ قال: «إن الشيطان ليأتي أحدكم وهو في الصلاة، فينفخ بين أليتيه، فيقول: أحدثت أحدثت، فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا» .
وإن تيقن الطهارة والحدث، وشك في السابق منهما، ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يجب عليه الوضوء؛ لأنه قد تيقنهما، وليس لأحدهما مزية على الآخر، فلم يجز له دخول الصلاة بطهارة مشكوك فيها.
والثاني: ذكره ابن القاص، وهو المشهور: أنه ينظر إلى الحال التي يتيقنها من نفسه قبلهما: فإن كانت حالة حدث فهو الآن متطهر، لأنه قد تيقن أن الطهارة وردت على الحدث السابق فأزالته، وهو يشك في ارتفاع هذه الطهارة بحدث، والأصل: بقاؤها.
وإن كانت حالته قبلهما حالة طهر فهو الآن محدث؛ لأنه قد تيقن أن الحدث ورد على الطهارة فأزالها، ثم صار يشك: هل ارتفع هذا الحدث بطهارة بعده؟ والأصل: أنه لم يرتفع.
والوجه الثالث: حكاه الطبري في " العدة ": أنه ينظر إلى الحالة التي تيقنها من نفسه قبلهما فيبني الأمر عليها؛ لأنه يتعارض اليقينان بعده بالطهارة والحدث فيسقطان، ويبقى على الحالة الأولى، وهذا أضعف الوجوه.
[فرع: طهارة المرتد]
] : وإن توضأ أو تيمم، ثم ارتد ففيه ثلاثة أوجه:
стр. 194
أحدها: يبطلان؛ لأن ذلك أعظم من الحدث.
والثاني: لا يبطلان؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] [المائدة: ٦] .
وقال ﷺ في حديث صفوان: «إلا من غائط، أو بول، أو نوم» فاقتضى أن جميع ذلك نواقض الوضوء.
والثالث: يبطل التيمم، ولا يبطل الوضوء؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث، فضعف أمره، فبطل بالردة، والوضوء يرفع الحدث فقوي أمره، فلم يبطل بالردة.
[مسألة: لا صلاة ونحوها إلا بطهارة]
] : لا يجوز للمحدث فعل الصلاة؛ لقوله ﷺ «لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول» .
ولا يصح له الطواف، خلافًا لأبي حنيفة، ويأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
стр. 195
ودليلنا: قوله ﷺ : «الطواف بالبيت صلاة» .
ولا يجوز للمحدث مس المصحف، ولا مس حواشيه، ولا مس جلده المتصل به.
ولا يجوز له حمله بعلاقة، ولا بغير علاقة.
وقال داود: (يجوز له مسه) .
وقال بعض أصحاب أبي حنيفة الخراسانيين: يجوز له مس حواشيه التي لا كتاب فيها، ويجوز له مس جلده.
وقال أحمد: (يجوز له حمله بعلاقة، أو بغير علاقة) .
وقال أبو حنيفة: (يجوز له حمله بعلاقة، ولا يجوز له حمله بغير علاقة) . وبه قال حماد، وعطاء، والحسن.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] [الواقعة: ٧٩] .
وروي: أن النبي ﷺ قال في كتاب عمرو بن حزم: «لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر» .
стр. 196
وأما الدليل على أنه لا يجوز مس حواشيه، ودفتيه؛ فلأنه جزء من المصحف فلم يجز للمحدث مسه، كموضع الكتابة.
وأما الدليل على من أجاز حمله؛ فلأن الحمل أعظم في الهتك من المس، فإذا منع المحدث من مسه، فلأن يمنع من حمله أولى.
[فرع: حكم ما زين بآيات القرآن]
] ويجوز للمحدث: أن يمس ثوبا أو بساطا نقش عليه القرآن؛ لأن القصد منه التزين، دون القرآن.
وفيه وجه آخر: أنه لا يجوز. وليس بشيءٍ.
وهل يجوز للمحدث: أن يقلب أوراق المصحف بين يديه بخشبة من غير أن يحمله، أو يكتب القرآن علي شيء غير حامل له؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز. وهو اختيار المسعودي في [" الإبانة " ق\٢٠] ؛ لأن ما بيده منسوب إليه، فلم يجز له مس القرآن به، كما لا يجوز له مسه بيده.
والثاني: يجوز. وهو قول البغداديين من أصحابنا؛ لأنه غير ماس له، ولا حامل.
وهل يجوز للصبيان حمل الألواح التي فيها القرآن وهم محدثون؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز. كما لا يجوز ذلك لغيرهم.
стр. 197
فعلى هذا: على الولي والمعلم أن يأمرهم بالطهارة لذلك، فإن لم يفعل ـ أثم بذلك هو دون الصبي.
والثاني: يجوز؛ لأن حاجتهم إلي ذلك كثيرة، وطهارتهم لا تنحفظ، فلو اشترطنا طهارتهم، لأدى ذلك إلى تنفيرهم.
وإن حمل متاعًا وفي جملته مصحف، فهل يجوز؟ فيه وجهان، حكاهما في " الإبانة " [ق\٢٠] :
أحدهما: لا يجوز. لأنه يحمل القرآن.
والثاني: يجوز. وهو قول أصحابنا البغداديين؛ لأن المقصود منه حمل المتاع، فعفي عما فيه من القرآن؛ لما روي: أن النبي ﷺ كتب إلى المشركين ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا﴾ [آل عمران: ٦٤] [آل عمران: ٦٤] .
وإن حمل كتابا من كتب الفقه، وفيه شيء من القرآن، أو حمل دنانير أو دراهم عليها نقش القرآن، ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنه يحمل القرآن.
والثاني: يجوز؛ لأن المقصود بها غير القرآن، ولأن ذلك يشق.
وهل يجوز للمحدث حمل تفسير القرآن؟
قال الشاشي: اختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: إن كان القرآن أكثر، لم يجز. وإن كان التفسير أكثر، ففيه وجهان، ككتب الفقه التي فيها آيات من القرآن.
стр. 198
ومنهم من قال: إن كان القرآن متميزًا عن التفسير، بأن كتب القرآن صدرا في خط غليظ، وتفسيره تحته بخط أدق منه، لم يجز حمله. وإن لم يتميز عنه في الخط، كره له حمله.
قال الشاشي: وهذا لا معنى له؛ لأنه إذا لم يترك شيئا من القرآن، فهو مصحف أودع فيه، فلم يجز للمحدث حمله.
وإن كان في موضع من بدنه نجاسة، فمس المصحف بغيره من بدنه وهو متطهر، فهل يجوز؟ فيه وجهان:
[أحدهما] : قال القاضي أبو القاسم الصيمري: لا يجوز، كما لا يجوز للمحدث مس المصحف بظهره.
و [الثاني] : قال عامة أصحابنا: يجوز. وهو الصحيح؛ لأن النجاسة لا تتعدى محلها، بخلاف الحدث.
وبالله التوفيق
стр. 199
[باب الاستطابة]
إذا أراد قضاء الحاجة، ومعه شيء عليه اسم الله تعالى، أو شيء من القرآن، فالمستحب له: أن ينحيه عنه؛ لما روى أنس: «أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء، وضع خاتمه» . وإنما وضعه؛ لأنه كان مكتوبا عليه: محمد رسول الله. ثلاثة أسطر.
وهل يختص ذلك بالبنيان، أو يشترك فيه البنيان والصحراء؟ اختلف أصحابنا فيه: فقال الشيخ أبو حامد: يختص ذلك بالبنيان.
وقال المحاملي، وصاحب " المذهب ": يشترك فيه البنيان والصحراء.
وقال الشيخ أبو حامد: ومما يختص به البنيان دون الصحراء، إذا أراد دخول الخلاء: أن يقول عند دخوله: بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، لما روي: أن النبي ﷺ قال: «ستر ما بين عورات أمتي، وأعين الجن: بسم الله» .
وروي: أنه ﷺ كان يقول إذا أراد دخول الخلاء: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث» .
стр. 200
وروي عنه ﷺ أنه كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الخبيث المخبث، الرجس النجس الشيطان الرجيم» .
قال أبو عبيد: (الخبث) : الشر، و (الخبائث) : الشياطين، وأما (الخبيث) : فهو الخبيث بنفسه، و (المخبث) : هو المخبث لغيره.
ويستحب إذا خرج أن يقول: «الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني، وأمسك لي ما ينفعني» . لما روي: (أن النبي ﷺ كان يقول ذلك) . ويستحب أن يقول مع ذلك: «غفرانك، غفرانك» . لما روت عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان يقول ذلك.
ويستحب أن يقدم في الدخول رجله اليسرى، وفي الخروج رجله اليمنى؛ لأن الدخول أدنى فقدمت فيه اليسار، والخروج أعلى فقدمت فيه اليمنى.
ويستحب لمن أراد قضاء الحاجة في الصحراء أن يبعد في المذهب؛ لما روى المغيرة بن شعبة: «أن النبي ﷺ كان إذا ذهب إلى الغائط، أبعد، بحيث لا يراه أحد» .
стр. 201
ويستحب أن يستتر عن العيون بشيء؛ لما روى أبو هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «من أتي الغائط فليستتر» .
«وروى جابر قال: خرجت مع رسول الله ﷺ في سفر، فرأى شجرتين بينهما نحو أربعة أزرع، فقال: " يا جابر، اذهب إلى تلك الشجرة، فقل لها: قال لك رسول الله ﷺ الحقي بصاحبتك؛ فإنه يريد أن يجلس وراءكما "، فقلت لها ذلك، فلحقت بصاحبتها، فجلس رسول الله ﷺ وراءهما، فلما قضى حاجته وقام، عادت إلى مكانها» .
[مسألة: حكم استقبال القبلة حال قضاء الحاجة]
] : وأما استقبال القبلة بالغائط والبول، فاختلف العلماء في جواز ذلك.
فذهب الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلى: (أنه يجوز ذلك في البنيان، ولا يجوز ذلك في الصحراء، فإن فعل ذلك ذاكرا عالما بتحريمه أثم) . وروي ذلك عن العباس بن عبد المطلب، وابن عمر، وبه قال مالك وإسحاق.
وذهب أبو حنيفة إلى: (أن ذلك لا يجوز في البنيان، ولا في الصحراء) . وبه قال أبو أيوب الأنصاري، والنخعي.
وذهب عروة بن الزبير، وربيعة، وداود إلى: (أنه يجوز ذلك في البنيان والصحراء) .
دليلنا: ما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: «إنما أنا لكم مثل الوالد، فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط، فلا يستقبل القبلة لغائط ولا بول، وليستنج بثلاثة أحجار» .
стр. 202
ونهى عن الروث والرمة، وهذا دليل على منع ذلك في الصحراء.
وأما الدليل على جواز ذلك في البنيان: فما روت عائشة ﵂ قالت: «ذكر لرسول الله ﷺ : أن قوما يكرهون استقبال القبلة بفروجهم، فقال: " أوقد فعلوا ذلك؟ استقبلوا بمقعدتي إلى القبلة» . وكان ذلك في البنيان.
وروى ابن عمر، قال: «اطلعت على إجار ببيت حفصة، فرأيت رسول الله ﷺ يقضي حاجته قاعدا على لبنتين، مستقبل الشام، مستدبرا القبلة» . فإن قيل: كيف جاز لابن عمر أن ينظر إلى النبي ﷺ على تلك الحال؟.
قلنا: يحتمل أنه لم يقصد النظر، ولكن فاجأته النظرة، ويحتمل أنه رأى ظهره وأعالي بدنه.
وإذا ثبت هذا: فروى معقل بن أبي معقل الأسدي: «أن النبي ﷺ نهى عن استقبال القبلتين» . فتأول أصحابنا ذلك بتأويلين:
أحدهما: أن النبي ﷺ كان ينهى عن استقبال بيت المقدس، حين كان قبلة، ثم نهى عن استقبال الكعبة، حين صارت قبلة، فجمع الراوي بينهما.
стр. 203
والثاني أن هذا ورد على أهل المدينة، ومن كان في سمتهم من البلدان؛ لأن من هناك إذا استقبل الكعبة، استدبر بيت المقدس، وإذا استدبر الكعبة، استقبل بيت المقدس. وسمي بيت المقدس قبلة؛ لأنه كان قبلة على عادة العرب في استصحاب الاسم بعد زواله.
[فرع: حكم استقبال القبلة في الأبنية]
] : البنيان الذي يجوز فيه استقبال القبلة واستدبارها.
قال المسعودي [في " الإبانة " ق\٢١] : يجب ألا يكون البناء أقل من مؤخرة الرحل، ويشترط أن يكون بقرب البناء، فإن كان بينه وبين البناء أكثر مما بين الصفين، كان كالصحراء.
ولا يشترط البناء والتسقيف، بل لو كان بينه وبين القبلة دابة، أو أرسل ثوبه من خلفه، كان كالبناء؛ لأن ذلك يستره عن القبلة.
فإن كان في وهدة من الأرض، وبينه وبين القبلة شيء يستره من الأرض، أو كان بينهما شجرة، ففيه وجهان:
أحدهما: لا يكون ذلك كالبنيان، لأنه يقع عليه اسم الصحراء.
والثاني ـ وهو الصحيح ـ: أنه يكون كالبنيان؛ لأن ذلك يستره عن القبلة، فهو كالبنيان.
ولا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض؛ لما روى ابن عمر: «أن النبي ﷺ لم يرفع ثوبه، حين رآه من فوق سطح بيت حفصة حتى دنا من الأرض» .
стр. 204
[فرع: تهيئة مكان البول وما يكره فيه من أمور]
[تهيئة مكان البول وما يكره فيه من أمور] : وإذا أراد أن يبول، ارتاد لبوله موضعا لينا؛ لا يترشش عليه البول: إما رملا، أو ترابا لينا، فإن كان الموضع صلبا، دقه بحجر؛ لما «روى أبو موسى الأشعري، قال: كنت مع النبي ﷺ ذات يوم، فأراد أن يبول، فأتى دمثا في أصل جدار، فبال فيه، ثم قال: " إذا أراد أحدكم أن يبول، فليرتد لبوله، ولا يستقبل الريح؛ فإنها ترده عليه» . و (الدمث) : الموضع اللين. وروي: «أن النبي ﷺ كان يتمخر الريح إذا أراد أن يبول» .
ويستحب أن يجلس إذا أراد أن يبول، ويكره أن يبول قائما من غير عذر؛ لما روي عن عمر: أنه قال: (ما بلت قائما منذ أسلمت) .
وقال ابن مسعود: (من الجفاء أن تبول وأنت قائم) . ولأنه لا يأمن أن يترشش عليه.
وروي عن بعض أزواج النبي ﷺ : أنها قالت: «كان النبي ﷺ إذا أراد أن يبول تفاج؛ حتى إنا لنأوي له» .
стр. 205
فإن كان له عذر عن الجلوس، لم يكره له البول قائما؛ لما روي: «أن النبي ﷺ بال قائما لعلة بمأبضه» و (المأبض) : ما تحت الركبة من كل حيوان.
ويكره أن يبول في جحر من الأرض؛ لما روي: «أن النبي ﷺ نهى عن البول في الجحر، قيل لقتادة: فما بال الجحر؟ فقال: يقال: إنها مساكن الجن» .
وقيل: إن سعد بن عبادة خرج إلى الشام، فسمع أهله هاتفا يهتف في داره ويقول:
نحن قتلنا سيد الخز ... رج سعد بن عباده
قد رميناه بسهمي ... ن فلم نخط فؤاده
ففزع أهله من ذلك، وتعارفوا خبره، فكان قد مات في تلك الليلة.
وقيل: إنه قد كان جلس يبول في جحر، فاستلقى ميتا.
ولأنه لا يؤمن أن يخرج من الجحر بالبول شيء يلسعه، أو يرد عليه بوله.
ويكره أن يبول في الماء الراكد؛ لما روي: «أن النبي ﷺ نهى عن البول في الماء الراكد» ؛ لأنه ربما أفسده.
ويكره أن يبول في الظل، والطريق، والموارد؛ لما روي: أن النبي ﷺ قال:
стр. 206
«اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل المقصود» .
قال أبو عبيد: فسميت ملاعن؛ لأن من رأى ذلك، قال: من فعل هذا، لعنه الله؟!
ويكره أن يبول في مساقط الثمار؛ لأنه يقع عليه فينجس.
ويكره أن يبول في موضع ويتوضأ فيه؛ لما روي: أن النبي ﷺ قال: «لا يبولن أحدكم في مستحمه، ثم يتوضأ فيه؛ فإن عامة الوسواس منه» .
ولا بأس أن يبول في الإناء؛ لما روي: «أنه كان للنبي ﷺ قدح يبول فيه بالليل يوضع تحت سريره» .
[فرع: كراهة استقبال النيرين]
] : قال الصيمري: ويكره له استقبال الشمس والقمر، واستدبارهما بفرجه، ولا يحرم.
ويستحب لمن كان في قضاء حاجته أن يقنع رأسه، ولا ينظر إلى فرجه، ولا إلى
стр. 207
ما يخرج منه، ولا يرفع بصره إلى السماء، ولا يعبث بيده.
ويكره أن يتكلم على الخلاء؛ لما روي: أن النبي ﷺ قال: «لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان، فإن الله يمقت على ذلك» .
ويكره له أن يرد السلام؛ لما روي: «أن المهاجر بن قنفذ سلم على النبي ﷺ وهو يبول، فلم يرد عليه حتى توضأ، ثم رد عليه، وقال: " كرهت أن أذكر الله تعالى إلا على طهر» .
ويكره أن يحمد الله تعالى إذا عطس، أو يجيب المؤذن؛ لقوله ﷺ : «كرهت أن أذكر الله تعالى إلا على طهر» .
ويستحب أن يتكئ على رجله اليسرى، لما روي: أن النبي ﷺ قال: «إذا قعد أحدكم لحاجته، فليعتمد على رجله اليسرى» . ولأنه أسهل في قضاء الحاجة.
ويستحب له ألا يطيل الجلوس على قضاء الحاجة؛ لما روي عن لقمان أنه قال: (إن طول القعود على الحاجة، تتجع منه الكبد، ويأخذ منه الباسور، فاقعد هوينا واخرج) .
стр. 208
وإذا بال، تنحنح ومسح ذكره من مجامع عروقه؛ لما روي: أن النبي ﷺ قال: «إذا بال أحدكم، فلينتر ذكره ثلاث مرات» . ولأنه يخرج إن كان هناك بقية.
[مسألة: حكم الاستنجاء]
] : الاستنجاء واجب من الغائط، فإن صلى قبل أن يستنجي لم تصح صلاته، وبه قال مالك في إحدى الروايتين، وأحمد، وإسحاق، وداود.
وقال أبو حنيفة: (لا يجب، بل هو مستحب) . وهي الرواية الثانية عن مالك، وحكي ذلك عن المزني. وقدر أبو حنيفة النجاسة التي تصيب البدن والثوب بموضع الاستنجاء، وقال: (لا يجب إزالتها) . وقدرها أيضًا بالدرهم الأسود البغلي.
وإنما يعتبر هذا القدر في المساحة دون السمك، فلو علت أيضًا شبرًا أو أكثر، ولم تزد مساحتها على قدر الدرهم لم يجب إزالتها.
دليلنا: ما روى أبو هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «وليستنج بثلاثة أحجار» . وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب، ولأنها نجاسة لا تلحق المشقة في إزالتها غالبًا، فلم تصح الصلاة معها، كما لو زادت على قدر الدرهم.
ويجب الاستنجاء من البول، كما يجب من الغائط.
стр. 209
وقال أبو حنيفة: (لا يجب الاستنجاء منه) .
دليلنا: ما روى ابن عباس رضى الله عنهما: «أن النبي ﷺ مر بقبرين، فقال: " إنهما يعذبان، وما يعذبان بكبير، أما أحدهما: فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر: فكان لا يستنزه من البول» . وروي «لا يستبرئ من البول»
وروي أن عبد الله بن عمر خرج في سفر، قال: فدفع بي الطريق إلى مقبرة، فأويت إلى امرأة، فلما جنني الليل سمعت صوتًا من المقبرة وهو يقول: شن وما شن، بول وما بول، فجزعت من ذلك، فقلت للمرأة: ما هذا؟ فقالت: ولدي، قدم علينا رجل في يوم صائف شديد الحر، فاستسقى ماء، فقال ولدي: قم إلى الشن، فاشرب منه، ولم يكن في الشن شيء، فقام ليشرب، فلم ير فيه شيئًا، فوقع فمات، وكان لا يستبرئ من البول، وكنت أنهاه عن ذلك، فلا ينتهي، فلما مات دفنته في هذه المقبرة، فكلما جن الليل يصيح: شن وما شن، بول وما بول. فحدث ابن عمر النبي ﷺ ، فـ: «نهى النبي ﷺ أن يسافر الرجل وحده» .
قال أصحابنا: فيحتمل أن يكون نهى عن ذلك؛ لأن ابن عمر جزع مما أصابه، ويحتمل أن يكون لأجل ما أصاب الرجل من العطش.
[فرع: حكم الخارج غير البول والغائط]
] : قال ابن الصباغ: ولا يجب الاستنجاء من المني، ولا من الريح؛ لأنهما طاهران، فلا يجب منهما الاستنجاء.
стр. 210
وإن خرج منه حصاة أو دودة، عليها رطوبة وجب منها الاستنجاء. وإن كان لا رطوبة عليها، فهل يجب منها الاستنجاء؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يجب؛ لأنه لا بلل معه، فهو كالريح.
والثاني: يجب؛ لأنه لا يخلو من بلل. والأول أصح. قال ابن الصباغ: وإن خرجت منه بعرة، لا بلل عليها، فهي كالدودة والحصاة التي لا رطوبة معها.
[مسألة: تقديم الاستنجاء على الوضوء]
] : والمستحب: أن يستنجي أولا، ثم يتوضأ إن كان واجدًا للماء قادرًا على استعماله. وإن كان عاجزًا عن الماء، أو عن استعماله، تيمم بعد الاستنجاء. فإن توضأ ثم استنجى، أو تيمم ثم استنجى، ولم يمس شيئًا من عورته فهل يصح؟ اختلف أصحابنا فيهما على ثلاث طرق:
فـ[الأول] : قال أبو علي في " الإفصاح " قولان.
و [الثاني] : قال أبو العباس ابن القاص: يصح الوضوء قولا واحدًا، وفي التيمم قولان.
و [الثالث] : قال أكثر أصحابنا: يصح الوضوء، ولا يصح التيمم قولا واحدًا. والفرق بينهما: أن الوضوء يرفع الحدث، وذلك يصح مع بقاء النجاسة. والتيمم لا يرفع الحدث، وإنما يستباح به فعل الصلاة، فلم يصح مع بقاء النجاسة.
فإذا قلنا: لا يصح تيممه قبل أن يستنجي، فكان على بدنه نجاسة في غير موضع الاستنجاء، فتيمم قبل إزالتها فهل يصح تيممه؟ فيه وجهان:
أحدهما ـ وهو المنصوص في " الأم " ـ: (أنه لا يصح؛ لما ذكرناه في النجاسة في موضع الاستنجاء) .
والثاني ـ وهو قول أبي علي الطبري ـ: أنه يصح. والفرق ـ بين النجاسة على موضع الاستنجاء، وبين غيره من البدن ـ: أن خروج النجاسة إلى موضع الاستنجاء
стр. 211
توجب الطهارة، فجاز أن يكون بقاؤها فيه يمنع صحة الطهارة. وليس كذلك النجاسة في غير موضع الاستنجاء، فإن خروجها إليه لا يوجب الطهارة، فكان بقاؤها فيه لا يمنع صحة الطهارة.
[مسألة: أفضلية استعمال الحجر والماء معًا]
] : وإذا أراد الاستنجاء، وكان الخارج غائطًا أو بولا، ولم يجاوز الموضع المعتاد، فالأفضل أن يستنجي بالأحجار أولا، ثم بالماء بعده.
وحكى ابن المنذر، عن سعد بن أبي وقاص، وابن الزبير، وحذيفة: أنهم كانوا لا يرون استعمال الماء.
وقال سعيد بن المسيب: ما يفعل ذلك إلا النساء. وقال عطاءٌ: غسل الدبر محدث.
وكان الحسن لا يغسل بالماء.
دليلنا: ما روي عن أبي هريرة: أنه قال: (إن هذه الآية نزلت في أهل قباء: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨] [التوبة: ١٠٨] . قال: وكانوا يستنجون بالماء) .
وقال جابر، وأنس: لما نزلت هذه الآية دعا النبي ﷺ الأنصار، فقال: «إن الله قد أحسن عليكم الثناء، فما تصنعون؟ " فقالوا: نتوضأ للصلاة، ونغتسل من الجنابة، فقال: " هل غير هذا؟ " فقالوا: لا، إلا أن أحدنا إذا خرج من الخلاء أحب أن يستنجي بالماء، فقال رسول الله ﷺ : " هو ذاك، فعليكم به» .
стр. 212
وهذا يدل على: أنهم كانوا يستعملون الحجارة أولا؛ لأنهم لا يخرجون إلا بعد استعمال الحجارة. وقد روي: أنهم قالوا: (نتبع الحجارة الماء) .
فإن أراد الاقتصار على أحدهما فالأفضل: أن يقتصر على الماء؛ لأنه أبلغ في الإنقاء.
وإن أراد الاقتصار على الأحجار جاز، سواء كان الماء موجودًا أو معدومًا.
وقال قوم من الزيدية، والقاسمية: لا يجوز الاقتصار على الأحجار، مع وجود الماء.
دليلنا: ما روت عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار، يستطيب بها، فإنها تجزئ عنه» .
وروت عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ بال، فقام عمر خلفه بكوز من ماء، فقال: " ما هذا يا عمر؟ "، فقال: ماء تتوضأ به، فقال: " ما أمرت كلما بلت أن أتوضأ، ولو فعلت ذلك لكان سنة» . وهذا يبطل ما قالوه.
стр. 213
[فرع: كيفية الإنقاء]
] : إذا استنجى بالماء لزمه إذهاب الأجزاء، وإذهاب الرائحة، لأن بقاء الرائحة يدل على بقاء الأجزاء.
وإذا استنجى بالأحجار لزمه أبعد الأمرين من الإنقاء، واستيفاء ثلاثة أحجار، فإن لم ينق بالثالث لزمه أن يزيد رابعًا. فإن أنقى بالرابع أجزأه، ولا يلزمه استيفاء ستة أحجار.
وحكى في " الفروع ": أن ابن خيران قال: يلزمه ذلك. وليس بشيء؛ لأن المقصود قد حصل.
وإن أنقى بحجر أو بحجرين لزمه استيفاء الثلاثة.
وقال مالك، وداود: (لا يلزمه ذلك) ، وحكي ذلك عن بعض أصحابنا، وليس بمشهور.
دليلنا: قوله ﷺ : «وليستنج أحدكم بثلاثة أحجار» . وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب.
وقال سلمان ﵁: «أمرنا رسول الله ﷺ : أن لا نجتزئ بأقل من ثلاثة أحجار» .
стр. 214
فإن استنجى بحجر له ثلاثة أحرف، فمسح بكل حرف مرة، وأنقى أجزأه؛ لأن المقصود قد حصل، وهو المسح والإنقاء، فصار كما لو مسح بثلاثة أحجار وأنقى.
و (الإنقاء) ـ في الأحجار ـ هو: أن لا يبقى إلا أثر لاصق لا يزيله إلا الماء، فيعفى عن ذلك الأثر؛ لأنا قد بينا أن استعمال الماء غير واجب.
قال الصيدلاني: فلو عرق محل النجو وجاوزه، نجسه، ووجب عليه غسله بالماء. وإن لم يجاوزه عفي عنه، على الأصح.
قال الصيمري: وإن بقيت بعد الأحجار بقية يخرجها حجر صغير، أو ما صغرَ من الخزف ففيه وجهان:
أحدهما: يلزمه إخراجها، كما لو بقيت بقية يخرجها حجر كبير.
والثاني: لا يلزمه، كما لا يلزمه إخراج الأثر اللاصق الذي لا يزيله إلا الماء.
[فرع: كيفية الاستجمار]
] : قال أصحابنا: وأما كيفية الاستنجاء بالأحجار: فليس فيه تقدير واجب، وإنما يجب أن يمر كل حجر من الأحجار الثلاثة على كل موضع من مواضع الاستنجاء.
وأما كيفية الاستنجاء: ففيه وجهان:
[أحدهما] : قال أبو إسحاق: يأخذ حجرًا فيمره على الصفحة اليمنى ويرمي به، ثم يأخذ حجرا آخر فيمره على الصفحة اليسرى ويرمي به، ثم يأخذ حجرًا فيمره من مقدم على المسربة ويرمي به، لما روى سهل بن سعد: أن النبي ﷺ قال: «يكفي أحدكم إذا قضى حاجته أن يستنجي بثلاثة أحجار: حجرين للصفحتين، وحجر للمسربة» .
стр. 215
و [الثاني] : قال أبو علي بن أبي هريرة: يأخذ حجرًا فيمره من مقدم صفحته اليمنى إلى مؤخرها، ثم يديره إلى اليسرى من مؤخرها إلى مقدمها، ثم يأخذ حجرًا ثانيًا فيمره من مقدم صفحته اليسرى إلى مؤخرها، ويديره من مؤخر صفحته اليمنى إلى مقدمها، ثم يأخذ حجرًا ثالثًا فيمره على جميعهما وعلى المسربة؛ لما روي: أن النبي ﷺ قال: «يقبل بحجر، ويدبر بحجر، ويحلق بالثالث» . وهذا أصح؛ لأنه يستعمل جميع الأحجار، في جميع مواضع الاستنجاء.
[فرع: كيفية استنجاء غير الرجل]
] : واستنجاء المرأة في الدبر كاستنجاء الرجل.
وأما استنجاؤها من البول: فإن كانت بكرًا فإنها تستنجي في مواضع البول بالأحجار والماء كالرجل.
وأما موضع البكارة: فلا تعلق للبول فيه؛ لأنه مسدود تحت ثقبة البول، ولا يصل إليه البول، ولكن يستحب لها: أن تدخل أصبعها في الثقب الذي في الفرج، فإن لم تفعل لم يلزمها شيء.
وأما الثيب: فإنها إذا جلست للبول انفرج ذلك الموضع، فربما ينزل إليه البول، فإن تحققت وصول البول إلى موضع البكارة ـ وهو مدخل الذكر، ومخرج الحيض،
следующие страницы →