← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21721

البيان في مذهب الإمام الشافعي

العمراني

Полный текст (7 092 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

يكن له عيال، أو يقوته ويقوت عياله، ولا يفضل عنه شيء.. فلا يجب عليه الحج؛ لأنه غير واجد للزاد. [مسألة أفضلية الركوب للحج] ] : قال الشافعي: (الركوب في الحج أفضل من المشي فيه) ، ثم قال الشافعي في موضع آخر: (إن أوصى أن يحج عنه ماشيا.. حج عنه ماشيا، ولو نذر الحج ماشيا.. لزمه المشي فيه) . فمن أصحابنا من قال: فيه قولان: أحدهما: أن الركوب أفضل؛ لـ: «أن النبي ـ ﷺ ـ حج راكبا» ، ولأنه أعون على قضاء المناسك، كما قلنا: إن الإفطار يوم عرفة للحاج أفضل. والثاني: أن المشي أفضل من الركوب؛ لما روي عن ابن عباس: أنه قال: (ما آسى على شيء إلا أني وددت أني كنت حججت ماشيا) ؛ لأن الله قال: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧] [الحج: ٢٧] و: (كان الحسين بن علي يمشي في الحج) .

стр. 1752

ومن أصحابنا من قال: الركوب أفضل، قولا واحدا ـ وهي طريقة البغداديين من أصحابنا ـ لما ذكرناه. وأما نصه في (الوصية) : فلا يدل على أن ذلك الأفضل من مذهبه؛ لأنه يجب عليه في الوصية ما وصى به وإن كان غيره أفضل منه، ألا ترى أنه لو أوصى: أن يتصدق بدرهم.. لم يجزه أن يتصدق عنه بدينار، وإن كان أفضل منه. وأما ما روي عن ابن عباس: ففعل النبي ـ ﷺ ـ أولى بالاتباع. [مسألة المستطيع بغيره] وأما المستطيع بغيره: فهو أن يكون معضوبا في بدنه لا يقدر على أن يثبت على مركب إلا بمشقة غير محتملة، أو بلغ من الكبر ما لا يمكنه الاستمساك على المركب، أو كان شابا نضو الخلق لا يستمسك على الراحلة، فإن لم يكن له مال، ولا من يطيعه.. لم يجب عليه الحج؛ للآية. وإن كان له مال يمكنه أن يدفعه إلى من يحج عنه، ولم يجد من يستأجره به.. لم يجب عليه الحج؛ للآية. وإن كان له مال، ووجد من يستأجره بأجرة المثل للحج.. وجب عليه أن يستأجره، فإن فعل ذلك، وإلا.. استقر فرض الحج في ذمته. وبه قال الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأحمد، وإسحاق.

стр. 1753

وقال مالك: (لا يجب عليه أن يستأجر) . دليلنا: ما روى ابن عباس: «أن امرأة من خثعم أتت النبي ـ ﷺ ـ فقالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا، لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: " نعم "، قالت: أينفعه ذلك؟ قال: نعم، كما لو كان على أبيك دين، فقضيته عنه.. نفعه» وسئل علي ﵁ عن شيخ يجد الاستطاعة؟ فقال: (يجهز من يحج عنه) . ولأنها عبادة يجب عليه بإفسادها الكفارة، فجاز أن يقوم غير فعله مقام فعله فيها، كالصوم إذا عجز عنه.. فإنه يفتدي. وإن لم يكن للمعضوب مال، ولكن له من يطيعه بالحج.. فإنه يجب عليه الحج بذلك. وقال أبو حنيفة وأحمد: (لا يجب عليه الحج بطاعة غيره له) . دليلنا: ما روي «عن أبي رزين العقيلي: أنه قال: قلت: يا رسول الله، إن لي أبا شيخا كبيرا لا يستطيع الحج والعمرة ولا الظعن، أفأحج عنه؟ فقال النبي ـ ﷺ ـ: حج عن أبيك واعتمر» ، وروى أبو هريرة: «أن رجلا قال: يا رسول الله، إن

стр. 1754

أمي أسلمت، ولا تكاد أن تثبت على مركب، وإن ربطتها خفت أن تموت، أفأحج عنها؟ فقال ـ ﷺ ـ: حج عن أمك» ، وهذا صيغته صيغة الأمر، والأمر إذا تجرد عن القرائن.. اقتضى الوجوب، فدل على: أنه وجب الحج على المحجوج عنه بوجود من يطيعه، ولهذا أمر المطيع بالحج، ولأنه يمكنه أن يحصل الحج عن نفسه، فلزمه الحج، كما لو قدر على المال. إذا ثبت ما ذكرناه: فإنما نريد بقولنا: (يجب على المعضوب الحج ببذل الطاعة) : وهو أن يكون للمعضوب من يطيعه، ويثق بطاعته إذا أمره بذلك.. فيجب على المعضوب الحج بذلك، سواء بذل له المطيع أو لم يبذل له. وقولنا: (بذل له الطاعة) توسع في الكلام ومجاز فيه؛ لأن الشافعي قال: (متى قدر على من يطيعه في الحج عنه.. لزمه الفرض) . ولا يجب عليه الحج، إلا أن يكون في المطاع ثلاثة شرائط، وفي المطيع ثلاثة شرائط.

стр. 1755

فأما الشرائط في المطاع: فأن يكون لم يحج عن نفسه، وأن يكون ميؤسا من حجه بنفسه بزمانة أو كبر، وأن يكون فقيرا، فأما إذا كان له مال يمكنه أن يستأجر به من يحج عنه.. وجب عليه الحج بماله. وأما الشرائط في المطيع: فأن لا يكون عليه حج واجب: إما فرض أو نذر، وأن يكون المطيع موثوقا بطاعته في أنه يفي بما بذل، فأما إذا كان مشكوكا في طاعته.. فلا يجب عليه؛ لأن العبادة لا تجب بالشك، وأن يكون الباذل ممن يجب عليه الحج بنفسه، بأن تكون الشرائط التسع موجودة فيه. فإن كان فقيرا.. فهل يجب على المطاع الحج إذا كان واثقا بطاعته؟ فيه وجهان: أحدهما: يجب عليه الحج؛ لأنه واجد لمن يطيعه وإن كان بمشقة، فوجب عليه الحج، كما لو زمن ومعه دراهم لا تقوم بأجرة المثل للحج، فرضي رجل بأن يحج بها عنه. والثاني: لا يلزمه، وهو الصحيح؛ لأن المطاع لو كان فقيرا يقدر على المشي بنفسه، لم يجب عليه الحج.. فلأن لا يجب عليه الحج بقدرة غيره على المشي أولى. [فرع وجوب الحج على المطاع] فإن كان هذا المطيع ولدا للمطاع، أو ولد ولده وإن سفل.. وجب على المطاع الحج بذلك، بلا خلاف على المذهب.

стр. 1756

وإن كان أخا له، أو ابن أخ، ومن أشبههما من العصبات، أو أجنبيا عنه ففيه وجهان: أحدهما: لا يجب عليه الحج بطاعته؛ لأن الحج إنما وجب عليه بطاعة الولد؛ لأن ماله كماله؛ بدليل: أن نفقته تجب عليه، ولا يقطع بسرقة ماله، وغير ذلك من الأحكام، وهذا لا يوجد لغير الابن. والثاني: يجب عليه، وهو ظاهر النص؛ لأن الشافعي أطلق ذلك، ولأنه واجد لمن يطيعه في الحج، فأشبه الولد. [فرع وجود المطيع بلا علم المطاع] وإن كان له من يطيعه، وهو لا يعلم به.. فذكر الشيخ أبو حامد في " التعليق ": أن ذلك بمنزلة أن يكون له مال لا يعلم به، بأن يموت مورثه. ولم يذكر حكمه. قال ابن الصباغ، والطبري في " العدة ": يجري ذلك مجرى من نسي الماء في رحله وتيمم وصلى.. هل يسقط عنه الفرض؟ فيه قولان. [فرع استئذان المطيع] ] : وإذا كان له من يطيعه.. فإنه يجب على المطاع أن يأمره بالحج، وإن استأذنه المطيع بالحج عنه.. وجب عليه أن يأذن له. فإن حج عنه بغير إذنه.. لم يجزه. وإن استأذنه، فلم يأذن له.. فإن الحاكم يأمره بأن يأذن له، فإن لم يفعل، وأقام على الامتناع.. فهل يجوز للحاكم أن يأذن للمطيع بالحج عن المطاع؟ فيه وجهان:

стр. 1757

أحدهما: يجوز للحاكم أن يأذن للمطيع، فإذا حج عن المطاع.. وقع عنه، كما إذا كان عليه زكاة أو دين، وامتنع من أدائه.. فإن الحاكم ينوب عنه في ذلك. والثاني: لا يجوز إذن الحاكم بذلك، وهو الصحيح؛ لأن الحج عن الغير بغير إذنه لا يجوز، فلو جوزنا إذن الحاكم في ذلك.. لوقع الحج عنه بغير إذنه مع إمكانه، فلم يجز، ويخالف الزكاة والدين؛ لأن ذلك يتعلق به حق الآدمي، بخلاف الحج عنه. وإن كان للمعضوب مال، ولم يستأجر من يحج عنه.. فقال البغداديون من أصحابنا: لا ينوب عنه الحاكم في الاستئجار وجها واحدا. والفرق بينه وبين الإذن للمطيع: أن له غرضا في تأخير الاستئجار، بأن ينتفع بماله. وأما المسعودي [في " الإبانة " ق ١٧٣] : فحكى فيه وجهين: أحدهما: هذا؛ لأن الحج لا يستأجر عنه؛ لأنه على التراخي. والثاني: يستأجر عنه، قال: وهو الأصح؛ لأن الحج إنما يكون على التراخي في الصحة، فأما إذا زمن.. فقد يضيق وقته، فلم يكن له التأخير. [فرع رجوع الباذل ببذله] وهل يجوز للباذل الرجوع عنه بعد البذل؟ ينظر فيه: فإن كان قد أحرم عن المبذول عنه.. لم يجز له الرجوع؛ لأن الحج يلزم بالشروع فيه. وإن كان لم يحرم عنه.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز له الرجوع؛ لأنه قد لزم المبذول له الحج ببذله، فلزم الباذل. والثاني: يجوز له الرجوع، وهو الصحيح؛ لأنه لا يجب عليه البذل، فلم يلزمه بالبذل حكم. [فرع وجوب الحج على المطاع بيسار ولده أو ببذل الأجنبي] ] : فإن كان الولد المطيع معضوبا، لا يقدر على الحج عن والده بنفسه، ولكن له مال يمكنه أن يستأجر به من يحج عنه، وبذل له ذلك.. فذكر الشيخ أبو حامد،

стр. 1758

والمحاملي، وابن الصباغ في " التعليق " و " المجموع " و " الشامل ": أنه يجب الحج على المبذول له بذلك وجها واحدا؛ لأنا قد أقمنا المطيع مقام المطاع، وقد ثبت أن اليسار الذي في المطيع لو كان في المطاع.. لوجب عليه الحج به، فكذلك إذا كان فيمن أقمناه مقامه.. وجب عليه الحج بذلك. فأما إذا بذل الولد لوالده المال ليستأجر هو به عن نفسه من يحج عنه، أو كان الوالد صحيحا معسرا فبذل له الولد المال ليحج عن نفسه.. ففيه وجهان: أحدهما: يلزمه الحج بذلك، كما يلزمه الحج إذا بذل الحج لا بنفسه. والثاني: لا يلزمه، وهو الصحيح؛ لأنه لا يصير قادرا على الحج إلا بعد تملك المال، وتملك المال اكتساب، والاكتساب لا يجب عليه. والفرق بينه وبين بذل الحج بالبدن: أن الإنسان لا يلحقه كثير منة بعمل البدن، وتلحقه المنة العظيمة بقبول قليل المال. وأما إذا بذل له الأجنبي المال؛ ليستأجر به عن نفسه، أو يحج به عن نفسه.. قال صاحب " الفروع ": فإن قلنا في الولد: لا يلزمه.. ففي الأجنبي أولى أن لا يلزمه. وإن قلنا: يلزمه ببذل الولد له ذلك.. ففي الأجنبي وجهان، الصحيح: أنه لا يلزمه؛ لأن مال ولده كماله في النفقة وغيرها، بخلاف مال الأجنبي. [مسألة الحج على التراخي] ] : إذا وجدت شرائط وجوب الحج.. وجب عليه الحج، ويجوز له أداؤه على التراخي. والمستحب له: أن يقدمه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] [البقرة: ١٤٨] .

стр. 1759

هذا مذهبنا، وبه قال الأوزاعي، والثوري، ومحمد بن الحسن. وقال أبو يوسف: الحج يجب على الفور، فمتى أخر الحج عن أول سنة يمكنه الحج فيها.. أثم، وبه قال مالك، وأحمد، والمزني، وكان الكرخي يقول: هو مذهب أبي حنيفة. وليس بمشهور عنه. واحتجوا بقوله ـ ﷺ ـ: «من وجد من الزاد والراحلة ما يبلغه الحج، فلم يحج.. فليمت: إن شاء يهوديا، أو نصرانيا» ، فلو كان على التراخي.. لما توعده. دليلنا: ما روي: أن فريضة الحج أنزلت سنة ست من الهجرة، وحكى الطبري وجها آخر: أنه كان واجبا قبل الهجرة، وليس بشيء. وبالإجماع: أن النبي ـ ﷺ ـ لم يحج إلا سنة عشر من الهجرة ومعه مياسير الصحابة، مثل: عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وغيرهما، فلو كان الحج على الفور.. لما جاز لهم التأخير مع إمكانه. فإن قيل: إنما أخره النبي ـ ﷺ ـ إلى سنة عشر؛ لأن المشركين صدوه عن المسجد الحرام، أو كان غير واجد للزاد والراحلة إلى سنة عشر. فالجواب: أن هذا غلط؛ لأن النبي ـ ﷺ ـ أحصر بالحديبية سنة ست، وفيها نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] [البقرة: ١٩٦] فخرج إليه سهيل بن عمرو، وصالحه على: أن يرجع إلى المدينة تلك السنة، ثم يرجع إلى مكة العام المقبل، فرجع إلى المدينة، ثم دخل مكة في العام المقبل معتمرا، ولهذا سميت عمرة القضاء، وقد كان يمكنه أن يجعل بدل العمرة الحج.

стр. 1760

وأيضا: فإنه قد فتح مكة سنة ثمان من الهجرة، وصارت دار الإسلام وقد بقي بينه وبين الحج مدة قريبة، ولا يكاد يعدم النفقة لتلك المدة، فلم يقم بمكة، بل أمر عليها عتاب بن أسيد، ورجع إلى المدينة، وأمر أبا بكر على الحج سنة تسع، وأردفه بعلي بن أبي طالب ﵁، وسار بعد ذلك إلى قتال هوازن، فلما فرغ منهم اعتمر من الجعرانة، وقد كان بقي بينه وبين الحج عشرون يوما، فلم يقف بل رجع إلى المدينة، ولم يكن عادما للزاد، لأنه روي: «أنه أهدى في عمرته سبعين

стр. 1761

بدنة» فلما كان سنة عشر، حج من المدينة، وحج معه مياسير الصحابة، فدل على: أن الحج على التراخي. وأما الخبر الذي احتجوا به: فلا يدل على أن الحج على الفور؛ لأن من وجد الزاد والراحلة فلم يحج حتى مات.. فهو متوعد، ونحن نقول: إنه يأثم. ولأن التعلق بظاهر الخبر لا يمكن؛ لأنه يقتضي: أن من وجب عليه الحج، وأمكنه الحج، فلم يفعل حتى مات.. إن موته كموت اليهودي والنصراني، ولا يقول بهذا أحد؛ لأن الإنسان لا يكفر بترك الحج، فعلم: أن المراد بالخبر إذا تركه ولم يعتقد وجوبه.. فإنه يموت إن شاء يهوديا أو نصرانيا. إذا ثبت ما ذكرناه: ووجب عليه الحج، فلم يحج حتى مات.. فهل يأثم بذلك؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها ـ حكاه القفال ـ: أنه لا يأثم بذلك؟ لأنا جاوزنا التأخير، فلم يفعل شيئا محظورا. والثاني ـ حكاه ابن الصباغ: إن خاف الكبر والفقر والضعف، فلم يحج حتى مات.. أثم بذلك. وإن اخترمته المنية قبل خوف الفوات.. لم يأثم؛ لأنه لا يمتنع أن يعلق الحكم على غلبة ظنه، كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] [البقرة: ١٨٠] . وأراد: إذا غلب على ظنه. والثالث ـ وهو المشهور، ولم يذكر الشيخ أبو حامد غيره ـ: أنه يأثم؛ لأنه إنما جاوزنا له التأخير بشرط السلامة، كما جوز للمعلم ضرب الصبي، وللزوج ضرب زوجته بشرط السلامة، فأما إذا أفضى ضربهما إلى التلف.. وجب عليهما الضمان، فكذلك هذا مثله.

стр. 1762

فإذا قلنا بهذا: فمتى يأثم؟ فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه يأثم بتأخيره عن السنة الأخيرة التي فاته الحج بتأخيره عنها؛ لأن الفوات حصل بها. والثاني: يأثم بتأخيره عن السنة الأولى؛ لأنه إنما جوز له التأخير عنها، بشرط أن يفعله بعدها، فإذا لم يفعل.. تبين أنه أثم بتأخيره عنها. والثالث: أنه يأثم لا في وقت بعينه، وإنما يحكم عليه بالموت قبل الحج بالإثم. والرابع: أنه يأثم من حين تبين في نفسه الضعف والكبر؛ لأنه كان من سبيله أن يحج قبل ذلك. فأما إذا دخل عليه وقت الصلاة، وتمكن من فعلها، فلم يصل حتى مات.. فهل يكون عاصيا؟ إن قلنا: لا يكون عاصيا في الحج.. ففي الصلاة أولى أن لا يكون عاصيا. وإن قلنا: يكون عاصيا في الحج.. ففي الصلاة وجهان. والفرق بينهما: أن لوقت الصلاة آخرا معلوما، فلا يكون عاصيا مفرطا بالتأخير إليه، وليس لوقت الحج آخر معلوم؛ لأن آخر وقته العمر، وذلك غير معلوم، فكان من سبيله التعجيل، فإذا لم يفعل.. كان عاصيا. [مسألة الحج عن الميت] ) : إذا وجدت في الإنسان الشرائط التي يجب عليه بها الحج، فمات قبل أن يتمكن من الأداء.. لم يجب عليه القضاء. وحكى الشيخ أبو إسحاق في " المهذب ": أن أبا يحيى البلخي قال: يجب القضاء من ماله. وليس بشيء؛ لأنه مات قبل أن يتمكن من أدائه، فلم يجب عليه القضاء، كما لو هلك المال بعد الحول، وقبل التمكن من أداء الزكاة

стр. 1763

فإن وجدت فيه الشرائط، وتمكن من فعل الحج، فمات.. لم يسقط عنه الحج، وروي ذلك عن ابن عباس، وأبي هريرة. وقال مالك وأبو حنيفة: (يسقط عنه بموته، ولا يجوز الحج عنه، إلا إذا أوصى، ويكون تطوعا) . دليلنا: «أن المرأة الخثعمية قالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: " نعم "، قالت: أو ينفعه ذلك؟ قال: نعم، كما لو كان على أبيك دين، فقضيته.. نفعه» ، فأذن لها بالحج عن أبيها، ولم يسأل عنه: أحي هو أم ميت؟ ولم يفرق بين أن يوصي أو لم يوص، ولأنه شبهه بقضاء الدين، وقضاء الدين يجوز بعد الموت بغير وصية، فكذلك الحج. «وروى ابن عباس: أن امرأة سألته أن يسأل لها رسول الله ـ ﷺ ـ: أن أمها ماتت ولم تحج، فهل يجزئها أن تحج عنها؟ فقال ـ ﷺ ـ: لو كان على أمها دين فقضته عنها.. أما كان يجزئ عنها؟»

стр. 1764

ولأنه حق تدخله النيابة، استقر وجوبه في حال الحياة، فلم يسقط بالموت، كالدين. فقولنا: (تدخله النيابة) احتراز من الصلاة والصوم. وقولنا: (استقر وجوبه في حال الحياة) احتراز منه إذا مات قبل أن يتمكن منه، ومن مال الكتابة؛ لأنه يسقط بموت المكاتب. إذا ثبت هذا: فإن كان له مال.. قضي عنه من رأس المال، وذكر الشافعي في موضع: (أنه لو قيل: إن أوصى بحج.. حج له من الثلث، وإن لم يوص.. لم يحج) . قال صاحب " الإبانة " [ق\ ١٧٤] فمن أصحابنا من جعل هذا قولا آخر. ومنهم من قال: يحج عنه من رأس المال قولا واحدا، وهو الصحيح. وحيث قال: (يحج عنه من ثلثه) إنما قاله حكاية لمذهب أبي حنيفة؛ لأنه مذهبه. وإن اجتمع الحج والدين، وضاقت التركة عنهما.. ففيه ثلاثة أقوال، ذكرناها في الزكاة. وإن لم يكن له مال.. لم يجب على وارثه أن يحج عنه، فإن تطوع عنه وارثه جاز، ويكون بالخيار: بين أن يحج عن نفسه بنفسه، أو يستأجر من يحج عنه من ماله، وإذا فعل ذلك.. سقط الفرض عنه، ولا يفتقر إلى إذنه؛ لأنه خرج عن أن يكون من أهل الإذن. [مسألة النيابة في الحج] ] : الحج تدخله النيابة، ويقع الحج عن المحجوج عنه، وهي رواية الأصول عن أبي حنيفة.

стр. 1765

وروي عنه رواية شاذة، رواها عنه محمد: أن الحج لا يدخله النيابة، وإذا استناب.. وقع الحج عن الحاج، وللمحجوج عنه أجر النفقة. دليلنا: ما ذكرناه من خبر الخثعمية، وخبر ابن عباس، ولأنها عبادة تدخلها الاستنابة، فدخلتها النيابة، كالزكاة. والمراد بقولنا: (الاستنابة) : هو أنه يلزمه أن يدفع المال إلى من يحج عنه. إذا ثبت هذا: فيجوز للرجل أن يحج عن الرجل والمرأة، ويجوز للمرأة أن تحج عن الرجل والمرأة. وقال الحسن بن صالح: يكره أن تحج المرأة عن الرجل. دليلنا: ما ذكرناه من حديث الخثعمية. [فرع مواضع الإنابة في الحج] ] : ويجوز النيابة في حج الفرض في موضعين: أحدهما: في حق الميت: لحديث ابن عباس الذي تقدم. والثاني: في حق من لا يقدر على الثبوت على الراحلة إلا بمشقة شديدة؛ لما ذكرناه من حديث الخثعمية. فأما إذا أراد الصحيح أن يستأجر من يحج عنه حجا واجبا أو تطوعا، أو أراد إنسان أن يحج عن المعضوب بغير إذنه، أو أراد إنسان أن يحج عن الميت حجا ليس بواجب عليه ولم يوص به.. قال الشيخ أبو حامد: فلا يختلف المذهب: أنه لا يجوز النيابة في هذه المسائل. وقال أبو حنيفة وأحمد: (يجوز للصحيح القادر أن يستنيب في حج التطوع) . دليلنا: أنه قادر على أداء الحج بنفسه، فلم تجزه الاستنابة فيه، كالفرض.

стр. 1766

فإذا أراد المعضوب أن يستأجر من يحج عنه تطوعا، أو أوصى الميت أن يحج عنه تطوعا.. فهل يجوز ذلك؟ فيه قولان: أحدهما: يجوز، وهو قول أبي حنيفة ومالك، واختيار الشيخين: أبي حامد، وأبي إسحاق؛ لأن كل عبادة دخلت النيابة في فرضها.. دخلت النيابة في نفلها، كالزكاة، وعكسه الصلاة والصوم. والثاني: لا يجوز، وهو اختيار المحاملي؛ لأنه من عبادة البدن، وإنما دخلت النيابة في الفرض منه لموضع الضرورة، ولا ضرورة إلى التطوع. ودليل هذا القول: ينكسر بالتيمم. إذا ثبت هذا: فإن قلنا: تجوز النيابة في حج التطوع.. جاز للمعضوب أن يستأجر من يحج عنه حجتين وثلاثا وأكثر، وكذلك تجوز الوصية بحجتين وثلاث وأكثر، ويستحق الأجير الأجرة المسماة. وإن قلنا: لا تجوز النيابة في حج التطوع، فخالف المعضوب واستأجر من يحج عنه أو أوصى بذلك، وحج الأجير عنه.. كانت الإجارة فاسدة، ووقع الحج عن الأجير، ولا يستحق الأجير المسمى قولا واحدا، وهل يستحق أجرة المثل؟ فيه قولان: أحدهما: لا يستحق ذلك؛ لأن الإحرام انعقد له، فلم يستحق أجرة، كما لو استأجر صرورة. والثاني: يستحق أجرة المثل؛ لأنه لم يبذل له منافعه إلا بعوض يحصل له، وقد تلفت عليه تلك المنافع؛ لأنه لم يحصل له بالحج فائدة؛ لأن فرضه لم يسقط به، فاستحق أجره، ولا يحصل له ثواب؛ لأن الثواب إنما يكون على القصد، ولم

стр. 1767

يقصد التطوع عن نفسه، فاستحق أجرة المثل، كما لو غصب من رجل شيئا، واستأجر من ينقله من مكان إلى مكان.. فإن الناقل يستحق عليه الأجرة، ويخالف الصرورة؛ فإن الفرض يسقط عنه، فحصل له الثواب. [فرع استحقاق الأجير أجره بصرفه الإحرام لنفسه] ] : إذا أحرم الأجير عن المستأجر في موضع يصح إحرامه عنه فيه، ثم بعد ذلك صرف الأجير الإحرام إلى نفسه، وأتى بالأفعال معتقدا أنها عن نفسه.. لم ينصرف إليه؛ لأن الإحرام إذا انعقد عن شخص.. لم ينتقل إلى غيره، وهل يستحق الأجرة؟ فيه قولان، حكاهما الشيخ أبو حامد: أحدهما: لا أجرة له؛ لأنه قد اعتقد أن الأفعال لنفسه، فلم يستحق أجرتها على غيره. والثاني: يستحق الأجرة، وهو الصحيح؛ لأن النسك حصل للمحجوج عنه، ولا تأثير لما اعتقده الأجير، كما لو استأجره لبناء، فبناه معتقدا أنه لنفسه. [فرع استنابة المريض] وأما المرض: فضربان: ضرب: خفيف لا يخشى منه التلف، كالصداع، ووجع العين والضرس، وما أشبه ذلك، فهذا لا يجوز أن يحج الغير عنه فيه بلا خلاف؛ لأنه متمكن منه بنفسه. و [الضرب الثاني] : إن كان المرض مخوفا، فإن كان غير ميؤس من برئه.. لم يجز له أن يستنيب الغير، وبه قال أحمد. وقال أبو حنيفة: (يجوز) . دليلنا: أنه غير ميؤس من حجه بنفسه، فلا يجوز له الاستنابة، كالفقير.

стр. 1768

إذا ثبت هذا: فإن خالف، فاستناب عن نفسه من حج عنه.. نظرت: فإن برئ من مرضه.. وجب عليه إعادة الحج بنفسه؛ لأن الأول لم يقع عنه. وإن مات من ذلك المرض أو صار ميؤسا منه.. فهل يجزئه؟ فيه قولان: أحدهما: يجزئه لأنا تبينا أن المريض كان ميؤسا منه، حيث اتصل به الموت. والثاني: لا يجزئه؛ لأنه استناب وهو غير ميؤس منه، فأشبه إذا برئ. فأما إذا كان ميؤسا من برئه.. جاز له أن يستنيب. فإن حج عنه.. نظرت: فإن مات.. فقد أجزأه. وإن برئ من مرضه.. ففيه طريقان: [الطريق الأول] : من أصحابنا من قال: فيه قولان كالأولى: [أحدهما] إن قلنا ثَمَّ: يجزئه اعتبارا بما آل إليه.. لم يجزئه هاهنا؛ لأنه آل إلى الصحة. و [الثاني] : إن قلنا ثَمَّ: لا يجزئه اعتبارا بحال الاستنابة.. فهاهنا يجزئه؛ لأن حال الاستنابة كان محكوما بإياس البرء منه. [والطريق الثاني] : من أصحابنا من قال: لا يجزئه قولا واحدا؛ لأنا تبينا أنه لم يكن ميؤسا منه، وإنما أخطأنا في ظننا، فيجب عليه أن يحج بنفسه. فكل موضع قلنا: يصح الحج عن المريض.. استحق الأجير الأجرة المسماة. وكل موضع قلنا: لا يقع الحج عن المريض.. فقد وقع عن الأجير، ولم يستحق الأجرة المسماة، وهل يستحق أجرة المثل؟ فيه قولان، كما قلنا في الأجير، إذا صرف الإحرام إلى نفسه.

стр. 1769

[فرع الاستنابة عن المجنون] ] : الجنون غَيْر ميؤس من زواله، فإذا وجب عليه الحج، ثم جن.. لم يجز أن يستنيب من يحج عنه. قال ابن الصباغ: فإذا استنيب عنه في حال جنونه من يحج عنه، ثم أفاق.. لزمته الإعادة قولا واحدا. فإن مات فيه.. فينبغي أن يكون على القولين، مثل التي قبلها. [مسألة الاستنابة لمن عليه الحج] لا يجوز لمن عليه حجة الإسلام، أو حجة نذر أو قضاء أن يحج عن غيره، وكذلك في العمرة. فإن أحرم عن غيره.. وقع الحج عن الحاج، لا عن المحجوج عنه، وبه قال ابن عباس، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق. وعن أحمد رواية أخرى: (أنه لا ينعقد عنه، ولا عن غيره) . وقال مالك وأبو حنيفة: (يجوز أن يحج عن غيره، وعليه فرض الحج، أو نذره أو قضاؤه) . وقال الثوري: إن كان قادرا على الحج عن نفسه.. لم يجز أن يحج عن غيره، وإن كان غير قادر لعدم الزاد والراحلة. جاز أن يحج عن غيره. دليلنا: ما روى جابر: «أن النبي ـ ﷺ سمع رجلا يلبي عن شبرمة، فقال النبي ـ ﷺ ـ: " ومن شبرمة؟ " قال: أخ لي، أو قريب لي، فقال النبي ـ ﷺ ـ: " أحججت عن نفسك؟ " فقال: لا، قال: فحج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة»

стр. 1770

ومعنى قوله: «حج عن نفسك» أي: استدم هذا الحج عن نفسك؛ لأن المتلبس بالشيء إذا خوطب بفعله.. فمعناه الاستدامة له، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [النساء: ١٣٦] [النساء: ١٣٦] أي استديموا الإيمان. وكقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١] [الأحزاب: ١] وأراد استدام التقى؛ لأن النبي ـ ﷺ لا يفارقه التقى. وقد روي عنه: أنه قال له: «هذه عن نفسك، ثم حج عن شبرمة،» وهذا نص. ولأن الإحرام ركن من أركان الحج، فلم يقع فعله عن غيره وعليه فرضه، كطواف الزيارة. ولا يجوز أن يحج العبد عن غيره وإن كان بإذن سيده؛ لأنه لم يحج عن نفسه حجة الإسلام، فلم يصح أن يحج عن غيره، كالصبي والكافر.

стр. 1771

[فرع إحرام التطوع والنذر لمن عليه حجة الإسلام] وحكم تسمية الصرورة] : ولا يجوز أن يحرم بتطوع الحج والعمرة وعليه فرضهما، وكذلك لا يجوز أن يحرم بهما عن النذر وعليه فرضهما. فإن أحرم عن النذر، أو عن التطوع وعليه حجة الإسلام.. انصرف إلى فرض حجة الإسلام. وقال مالك وأبو حنيفة: (يجوز أن يتطوع بالحج والعمرة وعليه فرضهما، وكذلك يأتي بالنذر عنهما وعليه فرضهما) . دليلنا: أنه أحرم بالحج وعليه فرضه، فوقع عن الفرض، كما لو أحرم مطلقا. فإن أمر المعضوب من يحج عنه عن التطوع، أو عن النذر، وعليه فرضه.. انعقد عن الفرض؛ لأنه قائم مقامه، وحكمه في نفسه هكذا، فكذلك من يقوم مقامه. قال الشافعي: (وأكره أن يسمى من لم يحج صرورة) ؛ لما روى ابن عباس: أن النبي ـ ﷺ ـ قال «لا صرورة في الإسلام» وقال ـ ﷺ «المسلم ليس بصرورة» . والكراهية كراهية تنزيه لا تحريم، و (الصرورة) ـ عند العرب ـ: من لم يحج، أومن لم يتزوج، قال النابغة: لو أنها عرضت لأشمط راهب ... عبد الإله صرورة المتعبد لرنا لبهجتها وحسن حديثها ... ولخاله رشدا وإن لم يرشد

стр. 1772

[مسألة الاستنابة لحجتين في عام واحد] ] : إذا كان على المعضوب حجتان: حجة الإسلام، وحجة نذر، فأحرم عنه رجلان بإذنه، في سنة واحدة.. ففيه وجهان: أحدهما: يجرئه عن حجة الإسلام دون حجة النذر؛ لأنه لا يجوز أن يحج عن نفسه في سنة واحدة حجتين، فكذلك من يقوم مقامه عنه. والثاني: يجزئه عنهما، وهو المنصوص؛ لأنه لا يؤدي إلى وقوع المنذورة قبل حجة الإسلام، بل يقعان معًا. [مسألة وجوب الحج في أشهره] ولا يجوز الإحرام بالحج إلا في أشهر الحج، وروي ذلك عن ابن عباس، وجابر.

стр. 1773

وقال مالك، والثوري، وأبو حنيفة: (يصح إحرامه بالحج، ولكن لا يأتي بشيء، من الأفعال قبل أشهر الحج) . دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] [البقرة: ١٩٧] . وتقدير الآية: وقت إحرام الحج أشهر، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، ولا يجوز أن يكون تقديرها: وقت أفعال الحج أشهر؛ لأن أفعال الحج تقع في يومين أو ثلاثة، فلا تفتقر إلى الأشهر. ولأن الله تعالى قال: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] [البقرة: ١٩٧] و (الفرض) : هو النية، فثبت أنه: أراد الإحرام. ولأن الحج عبادة أفعالها مؤقتة، فكان الإحرام به مؤقتا، كالصلاة. ولأن الإحرام ركن من أركان الحج، فكان مؤقتا، كالوقوف والطواف. إذا ثبت هذا: فأشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر ليال من ذي الحجة، وبه قال ابن الزبير، وابن مسعود، وإحدى الروايتين عن علي وابن عباس.

стр. 1774

وقال أبو حنيفة: (أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر ليال من ذي الحجة، ويوم النحر) ، فخالفنا في يوم النحر. وقال مالك: (أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وجميع ذي الحجة) وهو قول الشافعي في " الإملاء "، والرواية الأخرى عن علي وابن عباس. والصحيح هو الأول؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] [البقرة: ١٩٧] . و (الرفث) : الجماع، والمحرم بالحج يحل له الجماع يوم النحر: لأنه يمكنه أن يطوف ويسعى، ثم يجامع فيه، فثبت أنه: ليس من أشهر الحج؛ ولأن يوم النحر يوم يسن فيه الرمي، فلم يكن من أشهر الحج، كأيام التشريق. وهذا على أبي حنيفة. وعلى مالك: أن أيام ذي الحجة زمان لو اعتمر فيه مضافا إلى حجه.. لم يكن متمتعا، فلم يكن من أشهر الحج، كأيام رمضان، وعكسه: ما قبل يوم النحر. فإن قيل: الأشهر جمع، وأقل الجمع ثلاثة؟ فالجواب: أنه قد يعبر بالجمع عن الاثنين وبعض الثالث، ألا ترى أن الناس يقولون في كتبهم: لثلاث خلون، والمراد به اثنان وبعض الثالثة. [فرع الإحرام بالحج في غير وقته] ] : فإن أحرم بالحج في غير أشهر الحج.. فالمشهور من المذهب - وهو نقل أصحابنا

стр. 1775

البغداديين ـ: أن إحرامه ينعقد بعمرة. وحكى المسعودي [في " الإبانة "، ق \ ١٧٨ و ١٧٩] : أن الشافعي قال في القديم: (يتحلل من فاته الحج بعمل عمرة) . فمن أصحابنا من قال: المراد ـ بنصه هذا في القديم ـ: أن إحرامه لا ينعقد بحج ولا عمرة، ولكن يتحلل كما يتحلل من فاته الحج بعمل عمرة. ومنهم من قال: بل المراد به: إن شاء صرف إحرامه إلى عمرة. والصحيح: أنه ينعقد بعمرة. وقال مالك، والثوري، وأبو حنيفة، وأحمد: (ينعقد إحرامه بالحج، ولكن يكون مكروها) . دليلنا: أن الحج عبادة مؤقتة، فإذا أحرم به في غير وقته.. لم ينعقد إحرامه، وانعقد ما هو من جنسه، كما لو أحرم بالظهر قبل الزوال.. فإن إحرامه ينعقد بنافلة. ولا يصح له الإحرام في الحج في السنة إلا مرة واحدة؛ لأن الوقت يستغرق أفعاله.

стр. 1776

[مسألة الإحرام بالعمرة في جميع السنة] ] : وأما العمرة: فيجوز فعلها في جميع السنة، ولا يكره فعلها في وقت من السنة. وقال أبو حنيفة: (يكره فعلها في خمسة أيام: يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق الثلاث) . وقال أبو يوسف: يكره فعلها يوم النحر، وأيام التشريق. دليلنا: قوله ـ ﷺ ـ: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما» ولم يفرق، ولأن كل وقت لم يكره فيه استدامة العمرة.. لم يكره فيه ابتداؤها، كسائر الأوقات. [فرع تكرار العمرة في السنة] ويجوز أن يعتمر في السنة مرتين، وثلاثا، وأكثر. ويستحب الإكثار منها، وبه قال أبو حنيفة. وقال مالك: (لا يجوز في السنة إلا عمرة واحدة) . وبه قال النخعي، وابن سيرين. دليلنا: قوله ـ ﷺ ـ: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما» ولم يفرق بين أن تكونا في سنة أو سنتين. وروي: «أن عائشة ـ ﵂ اعتمرت في شهر مرتين بأمر النبي ـ ﷺ ـ» .

стр. 1777

وروي عن علي: (أنه كان يعتمر في كل يوم) ، وعن ابن عمر: (أنه كان يعتمر في كل يوم من أيام ابن الزبير) ، ولأن الحج عبادة تتعين في السنة بوقت، فوجب أن تكون من جنس ما يفعل على التوالي والتكرار، كالصوم، ولأن العمرة إنما سميت عمرة؛ لأنها تفعل في جميع العمر. وقيل: سميت بذلك؛ لأنها تفعل في موضع عامر. وقيل: لأن العمرة هي القصد في اللغة، وفيها قصد. ويستحب أن يكثر من العمرة في رمضان؛ لما روي: «أن أم معقل الأسدية قالت: يا رسول الله، إني أريد الحج وجملي أعجف، فقال النبي ـ ﷺ ـ: اعتمري في رمضان، فإن عمرة في رمضان تعدل حجة»

стр. 1778

[فرع الشك في الإحرام بحج أو عمرة] وإن أحرم قبل أشهر الحج، ثم شك: هل أحرم بحج أم بعمرة؟ حكم بإحرامه بعمرة، ولا شك فيها. وإن أحرم بالحج، ثم شك في أشهر الحج: هل كان إحرامه قبل أشهر الحج، أو في أشهر الحج؟ قال الصيمري: فهو في حج؛ لأنه على يقين من هذا الزمان، وفي شك من تقدمه. [مسألة التخيير في كيفية أداء الحج والعمرة] ومن أراد الحج والعمرة في سنة واحدة.. فهو بالخيار بين ثلاثة أشياء: بين أن يفرد، أو يتمتع، أو يقرُِن؛ لما روي عن عائشة ﵂: أنها قالت: «خرجنا مع رسول الله ـ ﷺ ـ عام حجة الوداع، فمنا من أهل بالحج، ومنا من أهل بالعمرة، ومنا من أهل بالحج العمرة ... » .

стр. 1779

إذا ثبت هذا: فالمشهور من المذهب: أن الإفراد والتمتع أفضل من القران، وفي الإفراد والتمتع قولان: أحدهما: أن الإفراد أفضل. والثاني: أن التمتع أفضل. وقال أبو حنيفة والثوري: (القران أفضل من الإفراد والتمتع) ، واختاره المزني، وأبو إسحاق المروزي، وابن المنذر. وحكى صاحب " الفروع ": أنه قول ثالث للشافعي، ذكره في " أحكام القرآن "، وإنما اختلف في ذلك، لاختلاف الرواية في أن النبي ـ ﷺ ـ قرن أو تمتع أو أفرد، فمن قال: إن القران أفضل.. احتج بما روى أنس: «أن النبي ـ ﷺ ـ قال: لبيك بحجة وعمرة»

стр. 1780

وكذلك رواه عمر بن الخطاب وعمران بن الحصين. وإذا قلنا: إن التمتع أفضل ـ وبه قال أحمد بن حنبل ـ فوجهه: ما روي عن علي، وابن عباس، وسعد بن أبي وقاص: «أن النبي ـ ﷺ ـ: تمتع بالحج» ، وروي: «أن النبي ـ ﷺ ـ دخل على حفصة، فقالت: يا رسول الله، ما بال الناس حلوا من عمرتهم، ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال: إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر» .

стр. 1781

وروى جابر: «أن النبي ـ ﷺ ـ قال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت.. لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة» ، فتأسف على ترك التمتع، فعلم أنه أفضل، ولأنه أتى بالعبادتين في وقت شريف، وهو أشهر الحج، فكان أولى. وإذا قلنا: إن الإفراد أفضل.. فإنما نريد به: إذا أتى بالحج، ثم أتى بالعمرة بعده، فأما إذا أتى بالحج دون العمرة.. فالتمتع أفضل. وهذا هو الصحيح. ووجهه: ما روي «عن عائشة ﵂: أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ـ ﷺ ـ في حجة الودع، فقال النبي ـ ﷺ ـ: " من أراد أن يهل بالحج.. فليفعل، ومن أراد أن يهل بالعمرة.. فليفعل، ومن أراد أن يهل بالحج والعمرة.. فليفعل، وأما أنا: فأهل بالحج»

стр. 1782

وروي: «أن رجلا سأل ابن عمر عن حج النبي ـ ﷺ ـ؟ فقال: (أفرد الحج، ولم يقرن، ولم يتمتع) ثم سأله في العام الثاني؟ فقال: أليس قد سألتني في العام الأول، فأخبرتك؟ فقال: إن أنسا يقول: (إنه قد قرن بين الحج والعمرة) فقال ابن عمر (إن أنسا كان يتولج على النساء، وهن متكشفات لصغره لا يستترن منه، وأنا تحت ناقة النبي ـ ﷺ ـ يمسني لعابها، أسمعه يقول: " لبيك بحج» . وروى جابر: «أن النبي ـ ﷺ ـ أحرم إحراما موقوفا لا بحج ولا بعمرة، فلما كان بين الصفا والمروة.. انتظر القضاء، فنزل القضاء، وجعل إحرامه حجا) ، وفي بعض الروايات: (أمر بالحج» . وأما أخبار من روى: «أن النبي ـ ﷺ ـ كان قارنا) ..» فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن من روى الإفراد أعرف بالقصة، وأكثر ضبطا لها؛ لأن عائشة

стр. 1783

- ﵂ زوج النبي ـ ﷺ ـ وهي معه في الليل والنهار، فهي أعرف بأموره، وابن عمر كان بالقرب منه، وتحت ناقته، وجابر بن عبد الله اهتم بنقل المناسك أكثر مما اهتم بها سواهُ، ولهذا وصف: أن إحرام النبي ـ ﷺ ـ كان موقوفا، وأنه انتظر القضاء، وأنس كان صغيرا، كما قال ابن عمر. والجواب الثاني: أن نتأولها، فنقول: خبر أنس: أنه سمعه يقول: «لبيك بحجة وعمرة» أي: لبيك بحجة حين كان محرما بالحج، ولبيك بعمرة حين كان محرما بعمرة، فجمع بينهما في الرواية، وهذا كما روي: «أن النبي ـ ﷺ ـ نهى عن استقبال القبلتين» يعني: الكعبة وبيت المقدس، وأراد: أن ذلك كان في وقتين. وأما حديث علي وابن عباس: «أن النبي ـ ﷺ ـ تمتع بالحج» .. فنحمله على أنه تمتع بالطيب واللباس والحلاق والنساء بعد الفراغ من الحج وقبل العمرة؛ لأنه يسمى تمتعا. وأما حديث حفصة: فليس على ظاهره؛ لأن أصحاب النبي ـ ﷺ ـ لم يكونوا محرمين بالعمرة، وإنما كانوا محرمين بالحج، فكانوا يكرهون الاعتمار في أشهر الحج، فلما قدم النبي ـ ﷺ ـ مكة.. أمر من لم يسق الهدي أن يفسخ إحرام الحج، ويتحلل منه بعمل عمرة، فقولها: «حلوا من عمرتهم» تريد: أنهم حلوا من حجتهم بعمل عمرة، وقولها: «وأنت لم تحل من عمرتك» أي: وأنت لم تحل من إحرامك بعمل عمرة. فقال: «لأني لبدت رأسي، وسقت الهدي، وإنما أمرت بفسخ الحج من لم يسق الهدي» ، ولهذا قال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت.. لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة» ؛ لأن لا أكون في نسك، وهم في نسك غيره؛ لأن التمتع أفضل، ولأن الإفراد مجمع على إباحته، والتمتع والقران مختلف في إباحتهما. فروي عن عمر وعثمان: (أنهما كرها التمتع) ، وكره سلمان بن ربيعة،

стр. 1784

وزيد بن صوحان القران، فكان ما أجمع عليه أولى من المختلف فيه. [مسألة معنى الإفراد والتمتع والقران وإدخال الحج على العمرة] و (الإفراد) : هو أن يحرم بالحج، وبعد التحلل منه يأتي بعمرة. و (التمتع) : أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، وبعد التحلل منها يأتي بالحج في سنته. و (القران) : هو أن يحرم بحجة وعمرة معا. فإن أحرم بعمرة، ثم أدخل الحج في أشهر الحج قبل التلبس بالطواف ... صح ذلك، وكان قارنا؛ لما روي: «أن عائشة ﵂: أحرمت بالعمرة، فلما حصلت بسرف حاضت، فدخل عليها النبي ـ ﷺ ـ وهي تبكي، فقال لها النبي ـ ﷺ ـ: " إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فأهلي بالحج، واصنعي ما يصنع الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت ". وفي رواية أخرى: أنه قال لها: " ارفضي عمرتك، وأهلي

стр. 1785

بالحج» ، والمراد بذلك: ارفضي أفعال عمرتك؛ لأن الحيض يمنعها من الطواف دون الإحرام. يدل على ذلك: أنه قال: «طوافك بالبيت، وسعيك بين الصفا والمروة.. يكفيك بحجك وعمرتك» . فأما إذا طاف للعمرة، أو أخذ في الطواف، وأراد أن يدخل عليها الحج.. لم يصح إحرامه بالحج، نص عليه الشافعي، واختلف أصحابنا في علته: فمنهم من قال: العلة فيه: أنه إذا طاف.. فقد أخذ في التحلل، وقرب أن يخرج من عمرته، وإنما يدخل عليها الحج ما دام زمنها تاما. ومنهم من قال: العلة فيه: أنه قد أتى بمعظم العمرة وأكثر أفعالها، فلم يجز إدخال نسك آخر عليها. وإن استلم الركن للطواف ولم يمش خطوة في الطواف.. ففيه وجهان، حكاهما الصيمري: أحدهما: يصح له الإحرام بالحج؛ لأن الاستلام مقدمة للطواف، وليس منه. والثاني: لا يصح؛ لأنه أول أبعاض الطواف.

стр. 1786

[فرع إدخال الحج على العمرة] ] : وإن أحرم بالعمرة في أشهر الحج، أو في غير أشهر الحج، ثم أدخل عليها الحج في غير أشهر الحج.. لم يصر قارنا، وإنما يتعين إحرامه بالعمرة؛ لأن الإحرام بالحج في غير أشهر الحج لا يصح. وإن أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج، وأدخل عليها الحج في أشهر الحج قبل الطواف.. صح ذلك، وكان قارنا قولا واحدا؛ لأن إحرامه في كل واحد منهما في وقته صحيح. [فرع إدخال العمرة على الحج] ] : وإن أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة.. فهل يصح؟ فيه قولان: [الأول] : قال في القديم: (يصح ويكون قارنا) . وبه قال أبو حنيفة: لأنه أحد النسكين، فصح إدخال الآخر عليه، كالعمرة. [الثاني] : قال في الجديد: (لا يصح إحرامه بالعمرة) . وبه قال أحمد، وهو الصحيح؛ لأن الحج أقوى من العمرة؛ لأن فيه وقوفا ورميا، فلم يصح إدخال الأضعف عليه وإن صح دخوله على العمرة، كما أن الفراش بالنكاح، لما كان أقوى من الفراش بملك اليمين؛ لأنه يتعلق به أحكام كالطلاق والظهار والإيلاء.. صح أن يدخل فراش النكاح على فراش ملك اليمين، وهو إذا كان تحته أمة يطؤها بملك اليمين ثم تزوج أختها.. فإنه يصح النكاح، ويحرم عليه المملوكة، فإن كان عنده زوجة، ثم ملك أختها.. لم يجز له وطء المملوكة.

стр. 1787

إذا ثبت هذا: فإن قلنا بالجديد.. فلا تفريع عليه، وإن قلنا بالقديم.. جاز إدخال العمرة على الحج قبل الوقوف بعرفة. وأما إذا وقف بعرفة، ولم يرم، ولم يطف.. فهل يصح إدخال العمرة هاهنا؟ فيه وجهان مبنيان على التعليلين في أنه لا يصح إدخال الحج على العمرة بعد الطواف: [أحدهما] : فإن قلنا هناك: لا يجوز؛ لأنه قد أتى بمعظم العمرة.. لم يجز هاهنا أيضا؛ لأنه قد أتى بمعظم الحج. و [الثاني] : إن قلنا هناك: لا يجوز؛ لأنه قد أخذ في التحلل.. جاز إدخال العمرة هاهنا على الحج؛ لأنه لا يأخذ في التحلل من الحج إلا بالرمي والطواف. قال الشيخ أبو حامد: ولا يجوز له أن يعتمر وقد بقي عليه شيء من أفعال الحج. فلا يصح له أن يعتمر يوم النحر، ولا في اليوم الأول من أيام التشريق؛ لأن عليه الرمي وهو من أفعال الحج. وأما في اليوم الثاني من أيام التشريق، فإن كان قبل الزوال.. لم يصح؛ لما ذكرناه. وأما بعد الزوال والرمي.. فينظر فيه: فإن نفر وخرج من منى قبل الغروب.. صح له أن يعتمر؛ لأنه بنفره قد سقط عنه رمي يوم الثالث، وإن لم ينفر حتى غابت الشمس.. لزمه رمي يوم الثالث، فلا يجوز له أن يعتمر حتى يرمي في اليوم الثالث.

стр. 1788

[فرع إدخال الحج على عمرة فاسدة] ] : وإن أحرم بالعمرة فأفسدها، ثم أدخل عليها الحج.. ففيه وجهان: أحدهما: ينعقد الحج، ويكون فاسدا؛ لأنه إدخال حج على عمرة، فأشبه إذا كانا صحيحين. والثاني: لا ينعقد الحج، وهو الصحيح؛ لأنه لا يجوز أن يقال: إن إحرامه بالحج يقع صحيحا؛ لأنه مقارن لفاسد، ولا يجوز أن يقال: إنه ينعقد ويكون فاسدا؛ لأنه لم يطرأ على إحرامه ما يفسده، ولا يفسد بالوطء قبله، فلم يبق إلا أن يقال: لا ينعقد أصلا. [مسألة جواز التمتع وشروط وجوب الدم] ] : قد ذكرنا أن التمتع جائز، وهو قول كافة أهل العلم، إلا ما روي عن عمر ـ ﵁ ـ: (أنه كان ينهى عنه) ، فروي عنه: أنه قال: (متعتان كانتا على عهد رسول الله ـ ﷺ ـ أنا أنهى عنهما، بل أعاقب عليهما: متعة النساء، ومتعة الحج) . دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] [البقرة: ١٩٦] . فأباح التمتع، وأوجب فيه الهدي.

стр. 1789

وروت عائشة ﵂: أن النبي ـ ﷺ ـ قال: «من أراد أن يهل بالحج.. فليفعل، ومن أراد أن يهل بالعمرة.. فليفعل، ومن أراد أن يهل بالحج والعمرة.. فليفعل» . وروي: «أن رجلا سأل ابن عمر ﵄ بالشام: أيجوز التمتع؟ فقال: يجوز، فقال: إن أباك كان ينهى عنه، فقال: أرأيت لو فعل رسول الله ـ ﷺ ـ شيئا، ونهى عنه أبي.. أكنت تأخذ بفعل النبي ـ ﷺ ـ أو بنهي أبي؟ فقال: بل بفعل النبي ـ ﷺ ـ قال: (تمتع رسول الله ـ ﷺ ـ وتمتعنا معه» قال الشيخ أبو حامد: وما روي عن عمر، فله تأويلان: أحدهما: أنه كان ينهى عن التمتع الذي فعله أصحاب النبي ـ ﷺ ـ، وهو: أن يحرم بالحج، ثم يفسخه إلى عمرة؛ لأن ذلك كان خاصا لهم؛ لأنهم كانوا لا يرون جواز الاعتمار في أشهر الحج، ففسخ النبي ـ ﷺ ـ حجهم إلى عمرة؛ ليبين لهم جواز الاعتمار في أشهر الحج. والثاني: أن عمر كان ينهى عن التمتع اختيارا منه للإفراد؛ لكي يزيل الإنسان شعره وشعثه في الحج لا في العمرة. إذا ثبت هذا: فإنه يجب على المتمتع دم؛ للآية، وإنما يجب عليه الدم بشروط: الشرط الأول: أن يعتمر في أشهر الحج فإن اعتمر في غير أشهر الحج، ثم حج في أشهره.. لم يلزمه الدم.

стр. 1790

وقال طاووس: بل يلزمه الدم. دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] [البقرة: ١٩٦] . فأقام (إِلَى) مقام (في) ؛ لأن حروف الصفات ينوب بعضها مناب بعض، وهذا يقتضي: أن يأتي بالعمرة في أشهر الحج. ولأنه لم يأت بالعمرة في أشهر الحج. فلم يجب عليه الدم، كالمفرد. فإن أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج، وأتى بأفعالها في أشهر الحج ... ففيه قولان: أحدهما: لا دم عليه، وهو قول قتادة، وأحمد، وإسحاق، وروي ذلك عن جابر؛ لأنه لم يجمع بين النسكين في أشهر الحج، فهو كما لو فرغ من العمرة قبل أشهر الحج. والثاني: عليه الدم، وهو قول الحسن، والحكم، وابن شبرمة؛ لأنه أتى بأفعالها في أشهر الحج، فهو كما لو أحرم بها في أشهر الحج. فإن طاف للعمرة في غير أشهر الحج.. قال الشيخ أبو حامد، والبغداديون من أصحابنا: لا يجب عليه الدم قولا واحدا. وقال القفال: إذا أتى بالحلاق في أشهر الحج وحده، وقلنا: إنه نسك، وأتى بباقي أفعالها في غير أشهر الحج.. فهل يكون متمتعا؟ فيه قولان، كما لو أحرم بها
следующие страницы →