← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21721

البيان في مذهب الإمام الشافعي

العمراني

Полный текст (7 092 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

[فرع إدخال الحج على العمرة] ] : وإن أحرم بالعمرة في أشهر الحج، أو في غير أشهر الحج، ثم أدخل عليها الحج في غير أشهر الحج.. لم يصر قارنا، وإنما يتعين إحرامه بالعمرة؛ لأن الإحرام بالحج في غير أشهر الحج لا يصح. وإن أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج، وأدخل عليها الحج في أشهر الحج قبل الطواف.. صح ذلك، وكان قارنا قولا واحدا؛ لأن إحرامه في كل واحد منهما في وقته صحيح. [فرع إدخال العمرة على الحج] ] : وإن أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة.. فهل يصح؟ فيه قولان: [الأول] : قال في القديم: (يصح ويكون قارنا) . وبه قال أبو حنيفة: لأنه أحد النسكين، فصح إدخال الآخر عليه، كالعمرة. [الثاني] : قال في الجديد: (لا يصح إحرامه بالعمرة) . وبه قال أحمد، وهو الصحيح؛ لأن الحج أقوى من العمرة؛ لأن فيه وقوفا ورميا، فلم يصح إدخال الأضعف عليه وإن صح دخوله على العمرة، كما أن الفراش بالنكاح، لما كان أقوى من الفراش بملك اليمين؛ لأنه يتعلق به أحكام كالطلاق والظهار والإيلاء.. صح أن يدخل فراش النكاح على فراش ملك اليمين، وهو إذا كان تحته أمة يطؤها بملك اليمين ثم تزوج أختها.. فإنه يصح النكاح، ويحرم عليه المملوكة، فإن كان عنده زوجة، ثم ملك أختها.. لم يجز له وطء المملوكة.

стр. 1787

إذا ثبت هذا: فإن قلنا بالجديد.. فلا تفريع عليه، وإن قلنا بالقديم.. جاز إدخال العمرة على الحج قبل الوقوف بعرفة. وأما إذا وقف بعرفة، ولم يرم، ولم يطف.. فهل يصح إدخال العمرة هاهنا؟ فيه وجهان مبنيان على التعليلين في أنه لا يصح إدخال الحج على العمرة بعد الطواف: [أحدهما] : فإن قلنا هناك: لا يجوز؛ لأنه قد أتى بمعظم العمرة.. لم يجز هاهنا أيضا؛ لأنه قد أتى بمعظم الحج. و [الثاني] : إن قلنا هناك: لا يجوز؛ لأنه قد أخذ في التحلل.. جاز إدخال العمرة هاهنا على الحج؛ لأنه لا يأخذ في التحلل من الحج إلا بالرمي والطواف. قال الشيخ أبو حامد: ولا يجوز له أن يعتمر وقد بقي عليه شيء من أفعال الحج. فلا يصح له أن يعتمر يوم النحر، ولا في اليوم الأول من أيام التشريق؛ لأن عليه الرمي وهو من أفعال الحج. وأما في اليوم الثاني من أيام التشريق، فإن كان قبل الزوال.. لم يصح؛ لما ذكرناه. وأما بعد الزوال والرمي.. فينظر فيه: فإن نفر وخرج من منى قبل الغروب.. صح له أن يعتمر؛ لأنه بنفره قد سقط عنه رمي يوم الثالث، وإن لم ينفر حتى غابت الشمس.. لزمه رمي يوم الثالث، فلا يجوز له أن يعتمر حتى يرمي في اليوم الثالث.

стр. 1788

[فرع إدخال الحج على عمرة فاسدة] ] : وإن أحرم بالعمرة فأفسدها، ثم أدخل عليها الحج.. ففيه وجهان: أحدهما: ينعقد الحج، ويكون فاسدا؛ لأنه إدخال حج على عمرة، فأشبه إذا كانا صحيحين. والثاني: لا ينعقد الحج، وهو الصحيح؛ لأنه لا يجوز أن يقال: إن إحرامه بالحج يقع صحيحا؛ لأنه مقارن لفاسد، ولا يجوز أن يقال: إنه ينعقد ويكون فاسدا؛ لأنه لم يطرأ على إحرامه ما يفسده، ولا يفسد بالوطء قبله، فلم يبق إلا أن يقال: لا ينعقد أصلا. [مسألة جواز التمتع وشروط وجوب الدم] ] : قد ذكرنا أن التمتع جائز، وهو قول كافة أهل العلم، إلا ما روي عن عمر ـ ﵁ ـ: (أنه كان ينهى عنه) ، فروي عنه: أنه قال: (متعتان كانتا على عهد رسول الله ـ ﷺ ـ أنا أنهى عنهما، بل أعاقب عليهما: متعة النساء، ومتعة الحج) . دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] [البقرة: ١٩٦] . فأباح التمتع، وأوجب فيه الهدي.

стр. 1789

وروت عائشة ﵂: أن النبي ـ ﷺ ـ قال: «من أراد أن يهل بالحج.. فليفعل، ومن أراد أن يهل بالعمرة.. فليفعل، ومن أراد أن يهل بالحج والعمرة.. فليفعل» . وروي: «أن رجلا سأل ابن عمر ﵄ بالشام: أيجوز التمتع؟ فقال: يجوز، فقال: إن أباك كان ينهى عنه، فقال: أرأيت لو فعل رسول الله ـ ﷺ ـ شيئا، ونهى عنه أبي.. أكنت تأخذ بفعل النبي ـ ﷺ ـ أو بنهي أبي؟ فقال: بل بفعل النبي ـ ﷺ ـ قال: (تمتع رسول الله ـ ﷺ ـ وتمتعنا معه» قال الشيخ أبو حامد: وما روي عن عمر، فله تأويلان: أحدهما: أنه كان ينهى عن التمتع الذي فعله أصحاب النبي ـ ﷺ ـ، وهو: أن يحرم بالحج، ثم يفسخه إلى عمرة؛ لأن ذلك كان خاصا لهم؛ لأنهم كانوا لا يرون جواز الاعتمار في أشهر الحج، ففسخ النبي ـ ﷺ ـ حجهم إلى عمرة؛ ليبين لهم جواز الاعتمار في أشهر الحج. والثاني: أن عمر كان ينهى عن التمتع اختيارا منه للإفراد؛ لكي يزيل الإنسان شعره وشعثه في الحج لا في العمرة. إذا ثبت هذا: فإنه يجب على المتمتع دم؛ للآية، وإنما يجب عليه الدم بشروط: الشرط الأول: أن يعتمر في أشهر الحج فإن اعتمر في غير أشهر الحج، ثم حج في أشهره.. لم يلزمه الدم.

стр. 1790

وقال طاووس: بل يلزمه الدم. دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] [البقرة: ١٩٦] . فأقام (إِلَى) مقام (في) ؛ لأن حروف الصفات ينوب بعضها مناب بعض، وهذا يقتضي: أن يأتي بالعمرة في أشهر الحج. ولأنه لم يأت بالعمرة في أشهر الحج. فلم يجب عليه الدم، كالمفرد. فإن أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج، وأتى بأفعالها في أشهر الحج ... ففيه قولان: أحدهما: لا دم عليه، وهو قول قتادة، وأحمد، وإسحاق، وروي ذلك عن جابر؛ لأنه لم يجمع بين النسكين في أشهر الحج، فهو كما لو فرغ من العمرة قبل أشهر الحج. والثاني: عليه الدم، وهو قول الحسن، والحكم، وابن شبرمة؛ لأنه أتى بأفعالها في أشهر الحج، فهو كما لو أحرم بها في أشهر الحج. فإن طاف للعمرة في غير أشهر الحج.. قال الشيخ أبو حامد، والبغداديون من أصحابنا: لا يجب عليه الدم قولا واحدا. وقال القفال: إذا أتى بالحلاق في أشهر الحج وحده، وقلنا: إنه نسك، وأتى بباقي أفعالها في غير أشهر الحج.. فهل يكون متمتعا؟ فيه قولان، كما لو أحرم بها

стр. 1791

في غير أشهر الحج، وأتى بباقي أفعالها في أشهر الحج. وهذا يوافق قول مالك، وعطاء، والحسن. دليلنا عليهم: أنه أتى بأفعال العمرة في غير أشهر الحج، فهو كما لو تحلل منها في غير أشهر الحج. فإذا قلنا: يجب عليه الدم.. فلا كلام. وإن قلنا: لا يجب عليه الدم.. فقال أبو العباس بن سريج: إنما لا يجب عليه الدم، إذا مر بالميقات قبل أشهر الحج، فأما إذا مر بالميقات في أشهر الحج.. لزمه الدم؛ لأنه مر بالميقات في أشهر الحج، وهو مريد للحج. والشرط الثاني: أن يحج من سنته، وهل يشترط أن يجمع بين الحج والعمرة في شهر واحد؟ فيه وجهان: [أحدهما] : قال عامة أصحابنا: لا يشترط. و [الثاني] : قال أحمد وأبو علي بن خيران: (يشترط) . فأما إذا اعتمر في سنة، ثم حج في عام آخر.. لم يجب عليه الدم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] [البقرة: ١٩٦] . ولأنه لم يجمع بين النسكين في أشهر الحج، فلم يلزمه الدم، كالمفرد. والشرط الثالث: أن لا يعود لإحرام الحج إلى ميقات بلده، فإن عاد إلى ميقات

стр. 1792

بلده، وأحرم منه بالحج.. لم يجب عليه الدم؛ لأنه إنما وجب عليه الدم لأجل ترك الميقات للحج، وهذا لم يتركه. قال الطبري: وهكذا لو لم يرجع إلى ميقات بلده الذي مر به، لكن رجع إلى مثل تلك المسافة من ناحية أخرى، وأحرم بالحج منها.. لم يجب عليه الدم. وذكر صاحب " الإبانة " (ق\١٨٧) : أنه إذا سافر بعد عمرته سفرا تقصر فيه الصلاة، ثم حج من سنته.. أنه لا دم عليه. فعلى قياس ما ذكره الطبري، وصاحب " الإبانة ": إذا أحرم الأفقي بالعمرة في أشهر الحج من ميقات بلده، وتحلل منها، ثم خرج إلى مدينة رسول الله ـ ﷺ وأحرم بالحج من ذي الحليفة، ثم حج من سنته.. فإنه لا يجب عليه دم التمتع. قال ابن الصباغ: ذكر الشيخ أبو حامد: أن الشافعي قال في القديم: (إذا مر بالميقات، ولم يحرم بالعمرة منه حتى صار بينه وبين مكة مسافة لا تقصر فيها الصلاة، فأحرم بالعمرة من هناك.. لم يلزمه دم التمتع) ؛ لأنه صار من حاضري المسجد الحرام، وإنما يجب عليه دم لترك الميقات. [فرع إحرام المتمتع والتعريف بحاضري المسجد الحرام] فرع: [إحرام المتمتع من مكة أو من خارجها والتعريف بحاضري المسجد الحرام] : إذا لم يرد المتمتع العود إلى ميقات بلده.. فإنه يحرم بالحج من مكة، وفي موضع استحباب الإحرام منها قولان، حكاهما في " العدة ":

стр. 1793

أحدهما: أن الأفضل أن يطوف بالبيت سبعا، ثم يصلي ركعتي الطواف، ثم يحرم. والثاني: أن الأفضل أن يحرم من جوف منزله، ثم يطوف بالبيت بعد ذلك محرما. فإن أحرم بالحج من مكة، ثم رجع إلى ميقات بلده محرما بالحج قبل التلبس بشيء من أفعال الحج.. فهل يسقط عنه دم التمتع؟ فيه وجهان: أحدهما: يسقط؛ لأنه مر بالميقات محرما بالحج قبل الوقوف، فهو كما لو أحرم منه. والثاني: لا يسقط، وبه قال مالك؛ لأن له ميقاتين يجب عليه الدم بالإحرام من أحدهما فإن أحرم منه.. لم يسقط عنه الدم بالعود إلى الآخر، كما لو عاد بعد الوقوف. وقال أبو حنيفة: (لا يسقط عنه الدم حتى يعود إلى بلده) . دليلنا: أن بلده موضع لا يجب عليه الإحرام منه بابتداء الشرع، فلا يسقط عنه الدم بالعود إليه، كسائر البلاد. وإن خرج من مكة إلى الحل، وأحرم بالحج من هنالك.. فقد ترك ميقاته، فإن عاد إلى مكة محرما قبل الوقوف.. كان كما لو أحرم من مكة. وإن مضى إلى عرفات قبل أن يعود إلى مكة.. ففيه وجهان: [أحدهما] : قال عامة أصحابنا: يجب عليه دمان: دم التمتع، ودم لترك الإحرام من مكة.

стр. 1794

و [الثاني] : قال ابن الصباغ: لا يجب عليه إلا دم واحد؛ لأن دم التمتع إنما وجب لترك الإحرام بالحج من ميقات بلده، ولا فرق بين أن يترك من الميقات مسافة قليلة أو كثيرة، فإنه لا يجب عليه إلا دم واحد. وإن أحرم بالحج من موضع من الحرم خارج مكة، ولم يعد إلى مكة قبل الوقوف.. فهل هو كمن أحرم من مكة؟ قال ابن الصباغ: من أصحابنا من قال: فيه قولان، ومنهم من قال: فيه وجهان: أحدهما: أنه كمن أحرم من مكة؛ لأن مكة والحرم في الحرمة سواء، كما نقول في ذبح الهدي، وتحريم الصيد والشجر. والثاني: أنه كمن أحرم من الحل؛ لأن مكة صارت ميقاتا له، فهو كمن لزمه الإحرام من قرية، فخرج عنها وأحرم. والشرط الرابع: أن يكون من غير حاضري المسجد الحرام؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] [البقرة: ١٩٦] . إذا ثبت هذا: في (حاضروا المسجد الحرام) : من كان بالحرم، أو كان في موضع بينه وبين الحرم مسافة لا تقصر فيها الصلاة. وقال ابن عباس: (حاضروا المسجد الحرام: من كان بالحرم خاصة لا غير) وبه قال مجاهد، والثوري.

стр. 1795

وقال مالك: (حاضرو المسجد الحرام: أهل مكة، ومن كان بذي طوى لا غير) . وقال أبو حنيفة، ومكحول: (حاضرو المسجد الحرام: من كان داره دون الميقات) . دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] [البقرة: ١٩٦] . فكل موضع ذكر الله تعالى المسجد، فإنما أراد به الحرم كله لا المسجد بنفسه، وذلك كقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١] [الإسراء: ١] ، وأراد به بيت خديجة ﵂. وقَوْله تَعَالَى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الفتح: ٢٥] [الفتح: ٢٥] وأراد به الحرم. وقَوْله تَعَالَى في المشركين: ﴿فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨] [التوبة: ٢٨] . ولا خلاف بين أهل العلم: أنه لا يجوز للمشرك دخول الحرم، وإذا كان كذلك.. فحاضرو الشيء من كان مجاورا له وبالقرب منه، بدليل أنه يقال: فلان بحضرة دار فلان، وإنما يراد به: أنه بالقرب منه، ويقال: فلان بحضرة الأمير، وإنما يراد: بالقرب منه.

стр. 1796

[مسألة تمتع وقران حاضري المسجد الحرام] ] : فإن تمتع من كان من حاضري المسجد الحرام، أو قرن ... صح تمتعه وقرانه، ولكن لا يجب عليه دم، وبه قال مالك. وقال أبو حنيفة: (لا يصح منه تمتع ولا قران، فإن أحرم بهما.. ارتفضت عمرته، فإن أحرم بالحج بعدما فعل شوطا من الطواف للعمرة.. ارتفض حجه) في قول أبي حنيفة، و (ارتفضت عمرته) في قول أبي يوسف ومحمد، (فإن أحرم بعد ما أتى بأكثر الطواف.. مضى فيهما، ولزمه دم جبران) . دليلنا: أن من لا يكره له الإفراد.. لم يكره له التمتع والقران، كالأفقي. [فرع تمتع المكي من خارج مكة] ] : وإن خرج المكي إلى بعض الآفاق لحاجة، ثم رجع وأحرم بالعمرة منها، أو من ميقاتها في أشهر الحج، وحج من عامه.. لم يلزمه الدم. وقال طاووس: يلزمه الدم. دليلنا: أن من لا يلزمه الدم إذا تمتع من بلده.. لم يلزمه الدم وإن تمتع من غير بلده، كما لو لم يحج من سنته. وإن كان مولده ومنشؤه مكة، فانتقل عنها إلى غيرها، ثم عاد إلى مكة متمتعا أو قارنا ... لزمه الدم؛ لأنه خرج بالانتقال عن أن يكون من أهلها. وإن كان من غير حاضري المسجد الحرام، فخرج من بيته يقصد مكة متمتعا ناويا للمقام بمكة بعد فراغه من الحج، فتمتع أو قرن.. لم يسقط عنه الدم؛ لأنه لا يصير مقيما إلا بالنية والفعل.

стр. 1797

فإذا استوطنها ثم تمتع بعد ذلك، أو قرن.. فلا دم عليه؛ لأنه صار من حاضري المسجد الحرام. [فرع تعدد المنزل للمتمتع] إذا كان للرجل منزلان، أحدهما من الحرم على مسافة تقتصر فيها الصلاة، والآخر منه على مسافة لا تقصر فيها الصلاة، فتمتع بالعمرة إلى الحج.. قال الشافعي: (فأحب إلي أن يهرق دما بكل حال، فإن أبى إلا ما يلزمه.. نظر في مقامه: في أي المنزلين أكثر؟ فيكون حكمه حكم ذلك المنزل، فإن استوى مقامه فيهما.. نظر إلى ماله: في أي المنزلين أكثر؟ فيكون الحكم له فإن استويا في ذلك.. نظر إلى بيته في الإقامة بعد فراغه من الحج، فيكون الحكم له) ، فإن استويا في ذلك.. قال أصحابنا: ينظر إلى الموضع الذي أنشأ منه العمرة، فيكون الحكم له. [فرع نية التمتع] وهل يشترط نية التمتع؟ فيه وجهان: أحدهما: أنها ليست بشرط؛ لأن الدم إنما وجب عليه لتركه الإحرام بالحج من

стр. 1798

ميقات بلده، وهذا المعنى موجود وإن لم ينو التمتع. والثاني: أنها شرط في وجود الدم؛ لأنه جمع بين العبادتين في وقت إحداهما، فافتقرت إلى النية، كالجمع بين الصلاتين. فإذا قلنا بهذا: فهل من شرط هذه النية أن تكون عند الإحرام بالعمرة، أو يكفي أن ينوي ذلك في نية الجمع قبل الفراغ من أفعال العمرة؟ فيه وجهان، بناء على القولين في نية الجمع بين الصلاتين في وقت الأولى. وهل يشترط أن تكون العمرة والحج من شخص واحد؟ فيه وجهان: [أحدهما] : قال عامة أصحابنا: لا يشترط ذلك. و [الثاني] : قال الخضري: يشترط ذلك. والأول أصح. [فرع العمرة بعد الحج أو القران من أدنى الحل لنفسه أو عن غيره] ] : قال الشافعي في القديم: (إذا حج الإنسان عن نفسه من الميقات في أشهر الحج فلما تحلل منه اعتمر عن نفسه من أدنى الحل، أو تمتع أو قرن عن نفسه من الميقات فلما فرغ أحرم بالعمرة عن نفسه من أدنى الحل.. فلا دم عليه في ذلك كله؛ لإحرامه بالعمرة المتأخرة عن الحج من أدنى الحل) . وكذلك لو أفرد عن غيره الحج من الميقات ثم اعتمر عنه من أدنى الحل، أو

стр. 1799

تمتع أو قرن عنه من الميقات ثم أحرم عنه بالعمرة من أدنى الحل.. لم يجب عليه غير دم التمتع أو القران؛ لأن عمل الأجير كعمل المستأجر. فأما إذا اعتمر عن نفسه من الميقات ثم حج عن غيره من مكة، أو حج عن نفسه من الميقات ثم اعتمر عن غيره من أدنى الحل.. فعليه الدم في هاتين المسألتين، خلافا لأبي حنيفة. دليلنا: أن الإحرامين إذا كانا عن شخصين.. فإنه يستحق فعلهما جميعا من الميقات، فإذا ترك الميقات لأحدهما.. وجب عليه الدم لأجله، كمن مر بالميقات مريدا للنسك، فلم يحرم منه، وأحرم من دونه، ولم يعد إليه قبل التلبس بنسك. قلت: وعلى قياس هذا: ما يفعل الأجير في وقتنا: أنه يحرم بالعمرة عن المستأجر من الميقات، فإذا تحلل منها أقام يعتمر عن نفسه من أدنى الحل، ثم يحرم

стр. 1800

بالحج عن المستأجر من مكة.. فيجب عليه للعمرة الأولى عن نفسه من أدنى الحل دم؛ لما ذكرناه فيما قبلها، ولا يجب عليه الدم لأجل ما بعدها من العمر؛ لأن المأجور عليه أن يحرم عن نفسه من الميقات بنسك واحد لا غير. [فرع فقد بعض شروط التمتع المعتبرة في وجوب الدم] ] : ذكر الطبري في " العدة ": إذا عدمت بعض الشرائط المعتبرة في وجوب الدم في التمتع. فهل يقع عليه اسم المتمتع؟ اختلف أصحابنا فيه: قال الشيخ أبو حامد: يقع عليه اسم المتمتع، إلا أنه لا يجب عليه الدم، لفقد الشرائط. وقال القفال: لا يسمى متمتعا، وهذه الشرائط معتبرة في استحقاق هذا الاسم. وحكي: أن الشافعي نص على هذا. [مسألة حل محظورات الإحرام لتحلل المتمتع] ] : إذا فرغ المتمتع من أفعال العمرة.. فله أن يتحلل ويتمتع بالطيب واللباس والنساء وغير ذلك، سواء ساق الهدي أو لم يسق، وبه قال مالك. وقال أبو حنيفة، وأحمد: (إن لم يكن معه الهدي.. فله أن يتحلل، وإن كان معه هدي.. لم يجز له أن يتحلل، بل يقيم حتى يحرم بالحج، ثم يتحلل منهما جميعا) . واحتجوا بما روي: «أن النبي ـ ﷺ ـ دخل على حفصة في حجة الوداع، فقالت له: يا رسول الله، ما بال الناس قد حلوا من عمرتهم، ولم تحل من عمرتك؟ فقال:

стр. 1801

إني لبدت رأسي، وقلدت هديي.. فلا أحل حتى أنحر» . دليلنا: أنه متمتع أكمل أفعال العمرة، فكان له التحلل، كما لو لم يكن معه هدي. وأما حديث حفصة: فلا حجة فيه؛ لأنه كان مفردا عندنا، وقارنا عندهم، ولم يكن متمتعا، بدليل ما روى جابر: أن النبي ـ ﷺ ـ قال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت.. لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة» ومحال أن يكون متمتعا، ويتأسف على العمرة. وأما معنى قول حفصة: «ما بال الناس قد حلوا من عمرتهم، ولم تحل أنت من عمرتك» فمعناه: لم يحل بعمرة، كما حل الناس من حجهم بعمرة؛ لأن النبي ـ ﷺ ـ كان قد فسخ الحج على من لم يكن معه هدي من الصحابة؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن الاعتمار في أشهر الحج لا يجوز، فأمرهم بالفسخ؛ ليبين لهم الجواز. [فرع فسخ الحج إلى العمرة] ) : ومن أحرم بالحج.. لم يجز له فسخه إلى العمرة، وبه قال عامة الفقهاء. وقال أحمد: (يجوز ذلك لمن لم يكن معه هدي) ، واحتج بما روى جابر: «أن النبي ـ ﷺ ـ أحرم هو وأصحابه بالحج وليس مع أحد منهم هدي، إلا النبي ـ ﷺ ـ وطلحة، فأمر النبي ـ ﷺ ـ من لم يكن معه هدي أن يفسخ الحج، ويحرم بالعمرة» . دليلنا: ما «روى بلال بن الحارث، قال: قلت: يا رسول الله، الفسخ لنا خاصة أو لمن بعدنا؟ فقال: بل لنا خاصة» ، ولأنه عبادة لا يخرج منها بالفساد، فلا يخرج منها بالفسخ، كالعمرة.

стр. 1802

وأما الحديث المذكور في الفسخ: فأومأ الشافعي ﵁ في " الأم " [٢/١٠٩] إلى: أن النبي ـ ﷺ ـ وأصحابه أحرموا إحراما موقوفا، فلما انتظر النبي ـ ﷺ ـ القضاء بين الصفا والمروة.. نزل عليه القضاء: «من ساق الهدي.. فليجعله حجا، ومن لم يسق الهدي.. فليجعله عمرة» ، وروي ذلك عن طاووس. فإن كان على هذا التأويل.. فهو جائز في وقتنا هذا. قال الشيخ أبو حامد: والمشهور في الأخبار خلاف هذا، وأن النبي ـ ﷺ أحرم هو وأصحابه بالحج، فلما دخل مكة.. فسخ الحج على من لم يكن معه هدي، وأمرهم بالإحرام بالعمرة، وإنما فعل ذلك؛ ليبين جواز الاعتمار في أشهر الحج؛ لأن أهل الجاهلية كانوا لا يرون ذلك، ويقولون: (هو من أفجر الفجور، ويقولون: إذا عفا الأثر، وبرأ الدبر، وانسلخ صفر.. حلت العمرة لمن اعتمر) فأحب النبي ـ ﷺ ـ أن يبين الجواز بأظهر ما يكون، ففسخ عليهم الحج، وإنما خص بالفسخ من لم يكن معه هدي؛ لأنه فرضهم الصوم، ولا ضرر عليهم في الصوم بمكة، ولو فسخها على الذين معهم هدي.. لاحتاجوا إلى ذبح هديهم بمكة، وفي ذلك ضرر؛ لأنهم يحرمون بالحج من مكة، والمتمتع يذبح هديه إذا أحرم بالحج، فكان يصير سنة الذبح بمكة، وفي ذلك ضرر؛ لأنها تتلوث بالدم، فتركهم على إحرامهم لكي يذبحوا بمنى، وتكون سنة الذبح بها، ولا تتلوث مكة بالدم.

стр. 1803

فإذا كان على هذا التأويل.. فإن الفسخ يكون خاصا لأصحاب النبي ـ ﷺ ـ، وهذا هو الصحيح؛ لما ذكرناه من حديث بلال بن الحارث. [مسألة وقت إحرام المتمتع بالحج] إذا تحلل المتمتع من عمرته، وكان واجدا للهدي.. فالمستحب له أن يحرم بالحج يوم التروية: وهو اليوم الثامن، فيحرم بعد الزوال متوجها إلى منى. وقال مالك: (يستحب له الإحرام عنه إهلال ذي الحجة) . دليلنا: ما روى جابر: أن النبي ـ ﷺ ـ قال: «إذا توجهتم إلى منى رائحين.. فأهلوا بالحج» . وإن كان عادما للهدي.. ففرضه الصوم، ويستحب له أن يفرغ من صوم الثالث يوم التروية، ولا يجوز الصوم قبل الإحرام بالحج على ما يأتي بيانه، إن شاء الله تعالى.

стр. 1804

[مسألة وقت وجوب دم التمتع] وأما وقت وجوب دم التمتع على من وجدت فيه شرائطه ... فيجب - عندنا - إذا أحرم بالحج، وبه قال أبو حنيفة. وقال عطاء: لا يجب حتى يقف بعرفة. وقال مالك: (لا يجب حتى يرمي جمرة العقبة) ، فاعتبر كمال الحج. دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] [البقرة: ١٩٦] . وهذا قد فعل ذلك؛ لأن ما جعل غاية.. فوجود أوله كاف، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] [البقرة: ١٨٧] . ولأن الشرائط توجد بوجود الإحرام بالحج، فتعلق الوجوب فيه. وأما وقت نحره: فالأفضل أن لا يذبح إلا يوم النحر، فإن ذبح بعد الإحرام بالحج، وقبل يوم النحر.. جاز عندنا. وقال مالك وأبو حنيفة: (لا يجوز) . دليلنا: أنه دم يتعلق بالإحرام، فجاز إخراجه قبل يوم النحر، كدم الطيب واللباس. وإن ذبح بعد الفراغ من العمرة، وقبل الإحرام بالحج.. ففيه قولان، حكاهما أبو علي في " الإفصاح "، وحكاهما المسعودي [في " الإبانة " ق \ ١٨٤] وجهين: أحدهما: لا يجوز؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] [البقرة: ١٩٦] . وما لم يحرم بالحج.. فلم يوجد التمتع. ولأن للهدي عملا يتعلق به عمل البدن، وهو تفرقة الهدي، فلم يجز تقديمه على وجوبه، كالصوم.

стр. 1805

والثاني: يجوز، وهو الصحيح؛ لأنه حق مال يتعلق بأسباب، فإذا وجد شرطها أو أكثرها.. جاز تقديمه على ما بقي منها، كالزكاة بعد ملك النصاب، وقبل الحول، وككفارة اليمين بعد الحلف، وقبل الحنث. وإن أراد أن يذبح بعد الإحرام بالعمرة، وقبل الفراغ منها.. فالبغداديون من أصحابنا قالوا: لا يجزئه وجها واحدا. وأما المسعودي [في " الإبانة " ق \ ١٨٥] ، فقال: إذا قلنا: يجوز أن يذبح بعد الفراغ من العمرة وقبل الإحرام بالحج.. فهل يجوز له أن يذبح قبل الفراغ من العمرة؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز له؛ لأنه قد وجد بعض أسباب وجوبه، وهو الشروع في العمرة، فصار كما لو ذبح بعد الفراغ من العمرة. والثاني: لا يجزئه، وهو الصحيح؛ لأن أحد سببي الوجوب بكماله - وهو العمرة ـ لم يوجد، فصار كما لو ذبح قبل الإحرام بالعمرة. [مسألة انتقال المتمتع من الهدي إلى الصوم] ] : وإذا كان المتمتع واجدا للهدي في موضعه.. لم يجز له الانتقال إلى الصوم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] [البقرة: ١٩٦] . فنقله إلى الصوم، بشرط عدم الهدي. وإن كان عادما للهدي في موضعه، وفي بلده.. جاز له الانتقال إلى الصوم،

стр. 1806

وهو: صوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع؛ للآية، وهكذا إذا كان عادما له في موضع. وإن كان واجدا له في بلده.. كان له أن ينتقل إلى الصوم؛ لأنا لو لم نجوز له الصوم.. فاته الدم والصوم؛ لأن وقت الدم يوم النحر وأيام التشريق، ووقت صوم الثلاث قبل يوم النحر، وبالتأخير يفوتان جميعا. إذا ثبت هذا: فلا يجوز له أن يصوم الثلاث قبل الإحرام بالحج، وروي ذلك عن ابن عمر وعائشة ﵄. وقال أبو حنيفة: (يجوز له صوم الثلاث بعد الإحرام بالعمرة، وقبل التحلل منها) ، وهي إحدى الروايتين عن أحمد. والرواية الأخرى عنه: (يصومها بعد الفراغ منها) وهو قول عطاء. دليلنا: أنه صوم واجب، فلا يجوز تقديمه على وقت وجوبه، كسائر الصوم

стр. 1807

الواجب، ولأنه وقت لا يجوز فيه فعل المبدل، فلم يجز فيه فعل البدل، كما قبل الإحرام بالعمرة. إذا تقرر ما ذكرناه: وأراد المتمتع أن يصوم الثلاث بعد الإحرام بالحج.. فالأفضل: أن يفرغ منها قبل يوم عرفة؛ لأن الأفضل للحاج أن يكون مفطرا يوم عرفة؛ لأن النبي ـ ﷺ ـ كان مفطرا فيه؛ ولأن ذلك أقوى له على الدعاء. وإن صام يوم عرفة منها.. جاز؛ لما روت عائشة ﵂: أن النبي ـ ﷺ ـ قال: «يصوم المتمتع إذا لم يجد الهدي ثلاثة أيام إلى يوم النحر» ، ولا يجوز أن يصوم يوم النحر؛ لـ: (أن النبي ـ ﷺ ـ نهى عن صيامه) . وهل يجوز صوم الثلاث في أيام التشريق؟ فيه قولان، ذكرناهما في الصيام. [فرع لا يفوت صوم الثلاث بفوات عرفة] صوم الثلاث لا يفوت بفوات يوم عرفة. فإن قلنا: يجوز صوم أيام التشريق.. صام فيها، ويكون مؤديا للصوم، لا قاضيا.

стр. 1808

وإن قلنا: لا يجوز صوم أيام التشريق.. صام بعدها، ويكون قاضيا. وقال أبو حنيفة: (إذا لم يصم الثلاث قبل يوم النحر.. سقط الصوم، ولم يقض، ولكن استقر عليه الهدي في ذمته، ويلزمه دم آخر؛ لتأخير الصوم عن وقته) . وحكى الشيخ أبو حامد: أن أبا إسحاق خرج قولا آخر: أن الصوم يسقط، ولا يقضى، ولكن يجب في ذمته دم تمتع إلى أن يقدر، وحكاه في، " المجموع " و " الشامل " عن أبي العباس. ووجهه: أن الله تعالى أمر بالهدي مطلقا، وأمر بالصوم عند عدم الهدي مقيدا بوقت، فإذا فات وقت الصوم.. وجب أن يرجع إلى الهدي المطلق.

стр. 1809

دليلنا - على أبي حنيفة ـ: أنه صوم واجب، فلا يسقط بفوات وقته، كصوم رمضان. ودليلنا - على بطلان القول المخرج ـ: أن الصوم بدل عن الهدي، فإذا فات الصوم.. وجب قضاؤه بالصوم لا بالهدي، ولأنا لو ألزمناه الهدي ... لأدى إلى أن يكون المبدل بدلا، وهذا لا يجوز. [فرع موت المتمتع قبل التمكن من الصوم] ] : فإن أحرم المتمتع بالحج وهو عادم للهدي.. فإن فرضه الصوم، فلو مات قبل أن يتمكن من الصوم.. ففيه قولان: أحدهما: يسقط عنه الصوم، ويهدى عنه من ماله؛ لأن الصوم قد فات بموته، ولا يمكن أن يصام عنه، ويمكن أن يهدى عنه. والثاني: لا يجب عليه الهدي من ماله؛ لأنه لم يجب في حياته، فلم يجب بعد

стр. 1810

موته، ولا يصام عنه؛ لأن النيابة في الصوم لا تجوز، ولا يجب أن يطعم عنه؛ لأن الإطعام إنما يجب عن صوم تمكن منه. [فرع الصوم بدل عن الهدي وبيان وقته] ] : ويصوم سبعة أيام إذا رجع، والعشر كلها بدل عن الهدي. وقال أبو حنيفة: (الثلاثة وحدها بدل عن الهدي، وأما السبع: فليست ببدل) . دليلنا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] [البقرة: ١٩٦] . فعلق وجوبها بعدم الهدي، فكان الجميع بدلا منه، كالثلاثة الأيام. وللشافعي في الرجوع - الذي هو وقت لجواز صوم السبع - قولان: أحدهما - نقله المزني وحرملة ـ: (أنه الرجوع إلى الأهل والوطن) . وهو الصحيح. واختلف أصحابنا: في القول الثاني: فمنهم من قال: هو إذا فرغ من أفعال الحج، وهو قول أبي حنيفة وأحمد. ووجهه: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] [البقرة: ١٩٦] . والرجوع يجب أن يكون رجوعا عن المذكور، وهو الحج، ولأنه متمتع فرغ من أفعال الحج، فجاز له صوم السبع، كما لو أقام بمكة. ومن أصحابنا من قال: القول الثاني: هو إذا أخذ في السير خارجا من مكة، وبه قال مالك، وهو المذكور في " المهذب "؛ لأن ابتداء الرجوع هو الابتداء بالسير

стр. 1811

من مكة. ووجه - ما نقل المزني وحرملة -: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] [البقرة: ١٩٦] . ولا يجوز أن يكون المراد به الفراغ من أفعال الحج؛ لأنه لا يصح أن يقال: رجعت عن فعل كذا، ولو أراد ذلك.. لقال: وسبعة إذا فرغتم، وإنما يقال ذلك لمن رجع إلى وطنه. وروى جابر: أن النبي ﷺ قال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت.. لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة، فمن كان معه هدي.. فليهد، ومن لم يكن معه هدي.. فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله» . فإذا قلنا بهذا، فصام السبع قبل أن يرجع إلى وطنه.. لم يجزه. وإذا قلنا: إن الرجوع هو الفراغ من أفعال الحج، أو إذا أخذ في السير، فأخره حتى رجع إلى أهله، ثم صامها.. أجزأه. وإن صامها في ابتداء السير.. أجزأه، وفي الأفضل قولان: أحدهما: أن تقديمه أفضل؛ لأن فعل العبادة في أول وقتها أفضل. والثاني: أن تأخيره إلى الوطن أفضل - وبه قال مالك - ليخرج بذلك من الخلاف. [فرع تأخير صوم الثلاثة عن وقتها وتتابع العشر] ] : إذا أخر صوم الثلاثة إلى أن رجع إلى وطنه، أو إلى أن فرغ من أفعال الحج، أو أخذ في السير.. فقد ذكرنا: أن صوم الثلاثة لا يفوت، على المشهور من المذهب، ولكن يصومها قضاء، وقد اجتمعت عليه مع صوم السبعة الأيام، وهل يجب عليه

стр. 1812

التفريق بينهما؟ حكى البغداديون من أصحابنا فيها وجهين، وحكاهما المسعودي [في " الإبانة " ق\١٨٦] قولين: أحدهما: لا يجب التفريق بينهما، ويجوز أن يوالي بينهما ـ وبه قال أحمد - لأن التفريق بينهما إنما كان في الأداء لأجل الوقت، وقد فات الوقت، فسقط التفريق، كالتفريق بين الظهر والعصر. والثاني: يجب التفريق بينهما في القضاء، وهو الصحيح؛ لأن التفريق بينهما وجب من حيث الفعل؛ لأنه أمر أن يصوم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع، والرجوع فعل، وما وجب الترتيب فيه من ناحية الفعل.. لم يسقط الترتيب فيه بفوات الوقت، كترتيب أفعال الصلاة. فإذا قلنا بالأول.. صام العشرة، كيف شاء. وإن قلنا بالثاني.. فلا يجب عليه التفريق بين الثلاثة بنفسها، ولا بين السبعة بنفسها، بل: إن شاء صام الثلاثة متتابعا، وإن شاء متفرقا، وكذلك السبعة. وإنما يجب التفريق بين السبعة والثلاثة. قال الشيخ أبو إسحاق صاحب " المهذب ": والفرق بينهما بمقدار ما وجب التفريق بينهما في الأداء. ومعنى هذا: أنه يبنى على أصلين: أحدهما: في صوم أيام التشريق، هل يصح عن المتمتع؟

стр. 1813

والثاني: الرجوع المذكور في الآية. وفي كل واحد من الأصلين قولان، مضى بيان ذلك. فإذا قلنا بالقول القديم، وأن صوم أيام التشريق يجوز للمتمتع.. بني على القولين في الرجوع المذكور في الآية. فإن قلنا: إن الرجوع هو الفراغ من أفعال الحج، أو الأخذ في السير.. لم يلزمه هاهنا تفريق؛ لأنه كان يمكنه في الأداء أن يصوم الثلاثة في أيام التشريق، ثم يصوم بعدها السبعة؛ لأنه يفرغ من أفعال الحج في أيام التشريق، ويبتدئ بالسير فيها إلى بلده. وإن قلنا: إن الرجوع هو الرجوع إلى وطنه.. قال أصحابنا: فإنه يفرق بينهما هاهنا بقدر مسافة السفر إلى وطنه؛ لأنه كان يمكنه أن يصوم الثلاثة الأيام في أيام التشريق، ثم يسير إلى وطنه. قلت: وينبغي أن يقال على هذا: يلزمه التفريق بقدر مسافة السفر إلى وطنه إلا يوما؛ لأنه كان يمكنه أن يصوم الثلاث في أيام التشريق، وينفر في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد الرمي وطواف الوداع، فيجتمع في اليوم الثالث من أيام التشريق الصوم عن الثلاث، والسفر إلى بلده. وإن قلنا بقوله الجديد، وأن صوم أيام التشريق لا يجوز للمتمتع.. بني على القولين في الرجوع. فإن قلنا: إنه بالفراغ من أفعال الحج أو الابتداء في السير إلى بلده.. لزمه أن يفرق بينهما هاهنا بأربعة أيام؛ لأنه كان يمكنه في الأداء أن يجعل آخر الثلاثة يوم عرفة، ثم يفطر يوم النحر وأيام التشريق ثلاثا، وفيها يفرغ من الحج، أو يبتدئ السير. وإن قلنا: إن الرجوع هو الرجوع إلى وطنه.. لزمه أن يفرق بينهما بأربعة أيام، وقدر مسافة سفره إلى بلده؛ لأن أقل ما يمكنه على هذا أن يجعل آخر الثلاثة يوم عرفة، ثم يفطر يوم النحر وأيام التشريق، ثم يرجع إلى وطنه، وتعتبر مدة السير المعتاد، هكذا ذكر أصحابنا.

стр. 1814

قلت: ويحتمل على هذا القول، أن يقال: لا يجب عليه التفريق إلا بثلاثة أيام ومدة سيره إلى وطنه؛ لأنه كان يمكنه في الأداء أن يجعل آخر الثلاثة يوم عرفة، ثم يقف بمنى يوم النحر واليومين الأولين من أيام التشريق، ثم ينفر في النفر الأول، وهو بعد الزوال في اليوم الثاني من أيام التشريق، ويروح إلى مكة ويودع، ثم يبتدئ بالسير إلى بلده آخر الثاني من أيام التشريق. إذا ثبت هذا: فذكر الشافعي في " الإملاء ": (أن أقل ما يفرق بينهما بيوم) ، واختلف أصحابنا: من أي معنى أخذه الشافعي؟ فقال أبو إسحاق: إنما قال الشافعي هذا، إذا قلنا: يجوز صوم أيام التشريق عن الثلاث.. جاز أن يصام فيها كل صوم له سبب؛ لأنه كان يمكنه أن يفرغ من الثلاثة يوم عرفة، ثم يفطر يوم النحر، ثم يصوم أيام التشريق عن السبع. ومنهم من قال: لم يأخذه الشافعي من هذا؛ لأن صوم السبع لا يصح في أيام التشريق؛ لأنا إن قلنا: إن الرجوع هو الفراغ من أفعال الحج.. فلا يمكنه أن يفرغ من أفعاله أول يوم من أيام التشريق، فيكون التفريق بيوم. وإن قلنا: الرجوع هو الرجوع إلى وطنه.. لم يمكنه ذلك إلى أول يوم من أيام التشريق. وإنما قال الشافعي: (يفرق بينهما بيوم) ؛ لأن الله - تعالى - أمر بالتفريق بينهما، وأقله يوم، لا كما ذكره أبو إسحاق. فإن صام العشر متتابعة.. أجزأته الثلاثة الأولى. فإن قلنا: يجب التفريق

стр. 1815

بيوم ... لم يجزه صوم يوم الرابع، وهل يجزئه ما بعد الرابع؟ فيه وجهان، حكاهما في " الإبانة " [ق \ ١٨٦ ـ ١٨٧] : أحدهما: لا يجزئه؛ لأنه إذا صام اليوم الخامس.. كان عنده هو الثاني من السبع، فلم يجزه عن الأول منها، وكذلك ما بعده. والثاني: يجزئه، وهو الصحيح، ولم يذكر الشيخ أبو حامد في " التعليق " غيره، وعليه التفريع. فعلى هذا: يصوم يوما بعد العشر. وإن قلنا: يجب التفريق بينهما بأربعة أيام.. لم يجزه الرابع والخامس والسادس والسابع، ويجزئه الثامن والتاسع والعاشر عن السبع، ثم يصوم أربعة أيام بعد ذلك. وإن قلنا: يفرق بينهما بأربعة أيام، وبمسافة السفر إلى بلده.. قضى صوم السبع إذا مر هذا القدر من الزمان. [فرع موت المتمتع قبل الصوم وبعد التمكن] وإن مات بعدما تمكن من صوم العشرة الأيام، فإن قلنا بقوله القديم: (إن النيابة تدخل في الصوم) .. صام عنه وليه. وإن قلنا بقوله بالجديد: (إن النيابة لا تدخل في الصوم) ، وهو الصحيح.. تُصُدِّقَ عنه عن كل يوم مد من طعام. قال الشيخ أبو إسحاق في " الشرح ": وهذا أولى من قول الشافعي: إنه يتصدق عنه عن كل يوم بدرهم، أو ثلث شاة. يومئ إلى: أن في ذلك ثلاثة أقوال. قال أصحابنا: وهذه الأقوال إنما هي في إتلاف شعره أو ظفره، وليست هاهنا.

стр. 1816

[مسألة وجود الهدي بعد الشروع بالصيام] ] : إذا دخل في صوم الثلاث، ثم وجد الهدي.. لم يلزمه الانتقال إليه. وقال أبو حنيفة: (يلزمه الانتقال إليه) ، ووافقنا أبو حنيفة: أنه إذا وجد الهدي بعد صوم الثلاث.. لا يلزمه الانتقال إليه، وإنما يستحب له الانتقال إليه. دليلنا: أن صوم الثلاث لزمه عند عدم الهدي، فلا يلزمه الانتقال إليه بعد الدخول فيه لوجود الهدي، كصوم السبع. فأما إذا أحرم بالحج، وهو عادم للهدي، فقبل أن يدخل في الصوم وجد الهدي.. فهل يلزمه الانتقال إليه؟ يبنى على: أن الاعتبار بالكفارة حال الوجوب، أو حال الأداء، أو أغلظ الحالين، وفي ذلك ثلاثة أقوال، يأتي ذكرها في (الظهار) إن شاء الله تعالى. [مسألة وجوب الدم على القارن] ] : ويجب على القارن دم، وهو شاة، وبه قال مالك وأبو حنيفة. وقال الشعبي: عليه بدنة. وقال داود: (لا دم عليه) وحكي: أن ابن داود دخل مكة، فسئل: هل على

стр. 1817

القارن دم؟ فقال: لا دم عليه، فجروه برجله، وهذا لشهرة الأمر بينهم في وجوب الدم عليه. دليلنا: ما روي: أن النبي ـ ﷺ ـ قال: «من قرن بين الحج والعمرة.. فليهرق دما» . وروت عائشة ﵂: «أن النبي ـ ﷺ ـ أهدى عن نسائه بقرة وكن قارنات» . وهذا يرد قول الشعبي وداود. قال الشافعي: (والقارن أخف حالا من المتمتع) . قال أصحابنا: فيحتمل أن يكون أراد بهذا ردا على الشعبي، حيث قال: عليه بدنة؛ لأن القارن أحرم بالنسكين من الميقات، والمتمتع أحرم من الميقات بأحد النسكين، ولأن المتمتع إذا فرغ من عمرته، يتمتع بالطيب واللباس والنساء وغير ذلك، والقارن لا يكون له ذلك، فإذا لم يجب على المتمتع بدنة.. فلأن لا يجب على القارن بدنة أولى.

стр. 1818

ويحتمل أن يكون أراد بذلك ردا على داود؛ لأن أفعال القارن أخف من أفعال المتمتع؛ لأنه يكتفي بإحرام واحد، وطواف واحد، وسعي واحد. بخلاف المتمتع، فإذا وجب الدم على المتمتع.. فالقارن أولى بالإيجاب عليه. [وبالله التوفيق]

стр. 1819

[باب المواقيت] وهي خمسة: منها: ذو الحليفة، وهو ميقات أهل المدينة. الثاني: الجحفة، وهو ميقات أهل الشام والمغرب. الثالث: يلملم. وروي: ألملم. وهو ميقات أهل تهامة واليمن. الرابع: قرن المنازل، وهو ميقات نجد اليمن وسائر النجدات. الخامس: ذات عرق، وهو ميقات أهل العراق وجميع أهل المشرق. ولا خلاف: أن المواقيت الأربعة الأولى وقتها رسول الله ـ ﷺ ـ؛ لما روي عن ابن عباس: أنه قال: «وقت رسول الله ـ ﷺ ـ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، وقال: " هن لأهلهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن كان يريد الحج والعمرة، ومن كان من دونهن.. فمهله من أهله، وكذلك أهل مكة يهلون منها»

стр. 1820

وأما ذات عرق: فاختلف أهل العلم فيه: فقال طاووس: لم يوقته رسول الله ـ ﷺ ـ وإنما قاسه المسلمون على قرن. قال الشافعي: (ولا أحسبه إلا ما قال طاووس) . ووجهه: ما روي: (أنه قيل لعمر ﵁: لم يوقت رسول الله ـ ﷺ لأهل المشرق شيئا؟ فقال: انظروا ما حاذى طريقهم فقيسوه عليه. فقيل: قرن، قال قيسوه على قرن، فقال بعضهم: ذات عرق، وقال بعضهم العقيق، قال: فوقت لهم عمر ـ ﵁ ـ ذات عرق) . وقال عطاء: (بل وقت رسول الله ـ ﷺ ـ لأهل المشرق ذات عرق) . ووجهه: ما روى جابر: «أن النبي ـ ﷺ ـ وقت لأهل المشرق ذات عرق» ،

стр. 1821

«وروى الحارث بن عمرو بن الحارث قال: أتيت النبي ـ ﷺ ـ وهو بمنى، وقد أطاف به الناس، وكانت العرب تحبه، وتقول إذا رأته: هذا وجه مبارك، فسمعته وقت لأهل المشرق ذات عرق» وروت عائشة ﵂: «أن النبي ـ ﷺ ـ وقت لأهل العراق ذات عرق» . قال الشيخ أبو حامد: وهذا هو الصحيح، ولعل الشافعي لم تبلغه هذه الأخبار. فإن قيل: فأهل المشرق لم يكونوا مسلمين يومئذ. قيل: لأنه قد عرف أنها تفتح وتصير دار إسلام، ولهذا قال ـ ﷺ ـ: «زويت لي الأرض، فأريت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها» .

стр. 1822

قال الشافعي: (ولو أهل أهل المشرق من العقيق.. كان أحب إلي) ؛ لأنه لم يثبت عنده: أن النبي ـ ﷺ ـ وقت لهم ذات عرق، وإنما أخذ قياسا، والعقيق أبعد منه فكان أولى. إذا ثبت هذا: فأبعد المواقيت ذو الحليفة؛ لأنه على عشر مراحل من مكة، وعلى [ستة] أميال من المدينة، وتاليه في البعد الجحفة. وأما المواقيت الثلاثة الأخرى: فهي على مسافة واحدة، بينها وبين مكة ليلتان قاصدتان. وهذه المواقيت لأهلها ولكل من مر عليها من غير أهلها ممن أراد حجا أو عمرة، فإذا جاء الشامي من طريق أهل العراق.. فميقاته ميقات أهل العراق، وكذلك إن جاء العراقي من طريق الشام.. فميقاته ميقاتهم؛ لما ذكرناه من حديث ابن عباس. وإن سلك طريقا لا ميقات فيه.. اجتهد، وأحرم من حذو الميقات الذي يحاذي تلك الطريق؛ لأن عمر ﵁ أمر أهل المشرق بذلك. فإن كان في حذو طريقه ميقاتان: أحدهما أبعد من مكة، والآخر أقرب إليها ... فالمستحب له: أن يحرم من حذو أبعدهما من مكة؛ لكي لا يجاوز حذو الميقات بغير إحرام. وإن أحرم من حذو أقربهما إلى مكة.. جاز.

стр. 1823

[مسألة من داره بين مكة والميقات] ] : ومن كان داره بين مكة وبين الميقات.. فميقاته من قريته، فإن كان يسكن قرية أو محلة.. فالمستحب له: أن يحرم من أبعد طرفيها من مكة، فإن أحرم من أقرب طرفيها إلى مكة.. جاز، هذا مذهبنا. وقال مجاهد: إن كان داره بين مكة والميقات.. أهل من مكة. وقال أبو حنيفة: (يحرم من موضعه، فإن لم يفعل.. لم يدخل الحرم إلا محرما، فإن دخله غير محرم.. خرج من الحرم، وأحرم من حيث شاء) . دليلنا: حديث ابن عباس. [فرع زوال معالم الميقات] ] : إذا كان الميقات قرية، فخربت، وانتقل أهلها عنها.. كان الميقات موضع القرية الأولى وإن انتقل الاسم إلى الثانية، سواء انتقلوا إلى أقرب من الأولى إلى مكة، أو إلى أبعد منها؛ لما روي: أن سعيد بن جبير رأى رجلا يحرم من ذات عرق، فأخذ بيده، وقطع به الوادي حتى بلغ به المقابر، وقال له: أحرم من هاهنا؛ فإن هذه ذات عرق الأولى، وإنما انتقل الناس عنها. [فرع الإحرام من ميقات بعد مجاوزته ميقاتا] ولا يجوز لمن مر بذي الحليفة، وهو مريد للنسك أن يجاوزه بغير إحرام. وقال أبو حنيفة وأبو ثور: (الأولى أن يحرم من ذي الحليفة، فإن ترك الإحرام منها، وأحرم من الجحفة.... جاز ولا دم عليه) ، وروي عن عائشة ﵂:

стр. 1824

(أنها كانت إذا أرادت الحج.. أحرمت به من ذي الحليفة، وإن أرادت العمرة أحرمت بها من الجحفة) . دليلنا: حديث ابن عباس. [مسألة جواز الإحرام من داره أو ميقاته] ] : ومن كان داره فوق الميقات.. جاز له أن يحرم من داره، وجاز له أن يحرم من الميقات، وفي الأفضل قولان: أحدهما: أن الأفضل أن يحرم من بلده ـ وبه قال أبو حنيفة. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] [البقرة: ١٩٦] . وروي عن عمر، وعلي ﵄: أنهما قالا: (إتمامها أن تحرم بهما من دويرة أهلك) ولأنه إذا أحرم بهما من داره.. كان أكثر عملا، ولهذا روي عن النبي ـ ﷺ ـ أنه قال: «من أحرم من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام بحجة أو عمرة.. غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ووجبت له الجنة»

стр. 1825

والثاني: أن الأفضل أن يحرم من الميقات؛ لأن النبي ـ ﷺ ـ أحرم من الميقات، ولا يفعل إلا الأفضل، ولأنه أقل تغريرا بالعبادة، ولهذا روي: أنه سئل ابن عباس عن رجلين: أحدهما كثير الطاعة كثير المعصية، والآخر قليل الطاعة قليل المعصية، أيهما أفضل؟ فقال: (السلامة لا يعدلها عندي شيء) . هذه طريقة البغداديين من أصحابنا. وقال القفال: الأفضل أن يحرم من دويرة أهله قولا واحدا، وإنما كره الشافعي للرجل أن يتشبه بالمحرمين، فيتجرد عن ثيابه قبل الإحرام، وقد يفعله بعض الناس. [فرع ترك الإحرام من الميقات ودخول مكة لحاجة] ] : ومن مر على الميقات، فإن كان يريد النسك.. لم يجز له أن يتجاوزه حتى يحرم؛ لما ذكرناه. فإن أراد دخول مكة لحاجة لا تتكرر.. فهل يلزمه الإحرام؟ في قولان، مضى ذكرهما. وإن أراد دخول مكة لحاجة تتكرر، أو أراد دخول موضع دون الحرم.. لم يلزمه الإحرام. فإن بدا له بعد مجاوزته الميقات، وأراد النسك.. لزمه الإحرام من موضعه، كمن داره دون الميقات. وقال أحمد وإسحاق: (يلزمه أن يعود إلى الميقات، ويحرم منه) . دليلنا: أنه مر بالميقات، وهو غير مريد للنسك.. فلم يلزمه الرجوع إليه، كما لو لم يرد النسك بعد ذلك.
следующие страницы →