Полный текст (7 092 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
«وروى الحارث بن عمرو بن الحارث قال: أتيت النبي ـ ﷺ ـ وهو بمنى، وقد أطاف به الناس، وكانت العرب تحبه، وتقول إذا رأته: هذا وجه مبارك، فسمعته وقت لأهل المشرق ذات عرق» وروت عائشة ﵂: «أن النبي ـ ﷺ ـ وقت لأهل العراق ذات عرق» .
قال الشيخ أبو حامد: وهذا هو الصحيح، ولعل الشافعي لم تبلغه هذه الأخبار.
فإن قيل: فأهل المشرق لم يكونوا مسلمين يومئذ.
قيل: لأنه قد عرف أنها تفتح وتصير دار إسلام، ولهذا قال ـ ﷺ ـ: «زويت لي الأرض، فأريت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها» .
стр. 1822
قال الشافعي: (ولو أهل أهل المشرق من العقيق.. كان أحب إلي) ؛ لأنه لم يثبت عنده: أن النبي ـ ﷺ ـ وقت لهم ذات عرق، وإنما أخذ قياسا، والعقيق أبعد منه فكان أولى.
إذا ثبت هذا: فأبعد المواقيت ذو الحليفة؛ لأنه على عشر مراحل من مكة، وعلى [ستة] أميال من المدينة، وتاليه في البعد الجحفة.
وأما المواقيت الثلاثة الأخرى: فهي على مسافة واحدة، بينها وبين مكة ليلتان قاصدتان.
وهذه المواقيت لأهلها ولكل من مر عليها من غير أهلها ممن أراد حجا أو عمرة، فإذا جاء الشامي من طريق أهل العراق.. فميقاته ميقات أهل العراق، وكذلك إن جاء العراقي من طريق الشام.. فميقاته ميقاتهم؛ لما ذكرناه من حديث ابن عباس.
وإن سلك طريقا لا ميقات فيه.. اجتهد، وأحرم من حذو الميقات الذي يحاذي تلك الطريق؛ لأن عمر ﵁ أمر أهل المشرق بذلك.
فإن كان في حذو طريقه ميقاتان: أحدهما أبعد من مكة، والآخر أقرب إليها ... فالمستحب له: أن يحرم من حذو أبعدهما من مكة؛ لكي لا يجاوز حذو الميقات بغير إحرام. وإن أحرم من حذو أقربهما إلى مكة.. جاز.
стр. 1823
[مسألة من داره بين مكة والميقات]
] : ومن كان داره بين مكة وبين الميقات.. فميقاته من قريته، فإن كان يسكن قرية أو محلة.. فالمستحب له: أن يحرم من أبعد طرفيها من مكة، فإن أحرم من أقرب طرفيها إلى مكة.. جاز، هذا مذهبنا. وقال مجاهد: إن كان داره بين مكة والميقات.. أهل من مكة.
وقال أبو حنيفة: (يحرم من موضعه، فإن لم يفعل.. لم يدخل الحرم إلا محرما، فإن دخله غير محرم.. خرج من الحرم، وأحرم من حيث شاء) .
دليلنا: حديث ابن عباس.
[فرع زوال معالم الميقات]
] : إذا كان الميقات قرية، فخربت، وانتقل أهلها عنها.. كان الميقات موضع القرية الأولى وإن انتقل الاسم إلى الثانية، سواء انتقلوا إلى أقرب من الأولى إلى مكة، أو إلى أبعد منها؛ لما روي: أن سعيد بن جبير رأى رجلا يحرم من ذات عرق، فأخذ بيده، وقطع به الوادي حتى بلغ به المقابر، وقال له: أحرم من هاهنا؛ فإن هذه ذات عرق الأولى، وإنما انتقل الناس عنها.
[فرع الإحرام من ميقات بعد مجاوزته ميقاتا]
ولا يجوز لمن مر بذي الحليفة، وهو مريد للنسك أن يجاوزه بغير إحرام.
وقال أبو حنيفة وأبو ثور: (الأولى أن يحرم من ذي الحليفة، فإن ترك الإحرام منها، وأحرم من الجحفة.... جاز ولا دم عليه) ، وروي عن عائشة ﵂:
стр. 1824
(أنها كانت إذا أرادت الحج.. أحرمت به من ذي الحليفة، وإن أرادت العمرة أحرمت بها من الجحفة) .
دليلنا: حديث ابن عباس.
[مسألة جواز الإحرام من داره أو ميقاته]
] : ومن كان داره فوق الميقات.. جاز له أن يحرم من داره، وجاز له أن يحرم من الميقات، وفي الأفضل قولان:
أحدهما: أن الأفضل أن يحرم من بلده ـ وبه قال أبو حنيفة. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] [البقرة: ١٩٦] .
وروي عن عمر، وعلي ﵄: أنهما قالا: (إتمامها أن تحرم بهما من دويرة أهلك) ولأنه إذا أحرم بهما من داره.. كان أكثر عملا، ولهذا روي عن النبي ـ ﷺ ـ أنه قال: «من أحرم من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام بحجة أو عمرة.. غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ووجبت له الجنة»
стр. 1825
والثاني: أن الأفضل أن يحرم من الميقات؛ لأن النبي ـ ﷺ ـ أحرم من الميقات، ولا يفعل إلا الأفضل، ولأنه أقل تغريرا بالعبادة، ولهذا روي: أنه سئل ابن عباس عن رجلين: أحدهما كثير الطاعة كثير المعصية، والآخر قليل الطاعة قليل المعصية، أيهما أفضل؟ فقال: (السلامة لا يعدلها عندي شيء) . هذه طريقة البغداديين من أصحابنا.
وقال القفال: الأفضل أن يحرم من دويرة أهله قولا واحدا، وإنما كره الشافعي للرجل أن يتشبه بالمحرمين، فيتجرد عن ثيابه قبل الإحرام، وقد يفعله بعض الناس.
[فرع ترك الإحرام من الميقات ودخول مكة لحاجة]
] : ومن مر على الميقات، فإن كان يريد النسك.. لم يجز له أن يتجاوزه حتى يحرم؛ لما ذكرناه.
فإن أراد دخول مكة لحاجة لا تتكرر.. فهل يلزمه الإحرام؟ في قولان، مضى ذكرهما.
وإن أراد دخول مكة لحاجة تتكرر، أو أراد دخول موضع دون الحرم.. لم يلزمه الإحرام.
فإن بدا له بعد مجاوزته الميقات، وأراد النسك.. لزمه الإحرام من موضعه، كمن داره دون الميقات.
وقال أحمد وإسحاق: (يلزمه أن يعود إلى الميقات، ويحرم منه) .
دليلنا: أنه مر بالميقات، وهو غير مريد للنسك.. فلم يلزمه الرجوع إليه، كما لو لم يرد النسك بعد ذلك.
стр. 1826
قال الشافعي: (وروي: أن ابن عمر أهل من الفرع) ، والفرع دون الميقات إلى مكة، وله تأويلان:
أحدهما: يحتمل أن يكون جاء إلى الفرع في حاجة له، ثم بدا له النسك ... فإن ميقاته مكانه.
والثاني: أن ابن عمر كان بمكة، فرجع بنية أن يذهب إلى بيته، فلما بلغ الفرع، بدا له أن يرجع إلى مكة.. فميقاته مكانه؛ لأنه موضع نيته.
[فرع تجاوز الميقات من غير إحرام والرجوع إليه]
] : إذا بلغ إلى الميقات وهو مريد للنسك، فلم يحرم منه، وجاوزه.. نظرت: فإن رجع إليه وهو محل، ثم أحرم منه.. فلا دم عليه بلا خلاف. وإن أحرم دون الميقات.. صح إحرامه.
وهل يجب عليه الرجوع إليه بعد إحرامه أو قبل إحرامه؟ ينظر فيه:
فإن كان له عذر بأن يخاف فوات الحج، أو به مرض شاق، أو يخاف على نفسه أو ماله.. لم يجب عليه الرجوع؛ لوجود العذر، وقد أثم بالمجاوزة، ولا يأثم بترك الرجوع. وإن أمكنه الرجوع.. وجب عليه الرجوع؛ لما روي: (أن ابن عباس كان يرد من جاوز الميقات غير محرم) فإن لم يرجع.. فقد أثم بالمجاوزة وبترك الرجوع.
وأما وجوب الدم عليه: فإن لم يرجع أصلا، أو رجع وقد تلبس بالوقوف، أو
стр. 1827
بطواف القدوم.. استقر عليه الدم، ولم يسقط عنه. وإن عاد قبل أن يتلبس بشيء من أفعال النسك.. فهل يسقط عنه الدم؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها ـ حكاه ابن الصباغ، والشيخ أبو حامد ـ: أنه لا يسقط عنه الدم ـ وهو قول مالك، وأحمد، وزفر ـ لأنه أحرم دون الميقات، فلم يسقط عنه الدم بالرجوع إليه، كما لو رجع بعدما تلبس بنسك.
والثاني ـ حكاه في " الإبانة " [ق\١٧٩]-: إن عاد قبل أن يبلغ مسافة القصر من الميقات.. فلا دم عليه؛ لأنه قريب، وإن عاد بعدما بلغ مسافة القصر من الميقات.. لم يسقط عنه الدم؛ لأنه بعيد.
والثالث. وهو المشهور.: أنه لا دم عليه؛ لأنه حصل في الميقات محرما، فلم يجب عليه الدم، كما لو أحرم منه.
وهل يكون مسيئا بالمجاوزة، إذا عاد إلى الميقات؟ فيه وجهان، حكاهما في " الفروع ":
الظاهر: أنه لا يكون مسيئا؛ لأنه قد حصل فيه محرما.
والثاني: يصير مسيئا؛ لأن الإساءة قد حصلت بنفس المجاوزة، فلا تسقط عنه بالعود.
وقال أبو حنيفة: (إن عاد إلى الميقات ملبيا.. سقط عنه الدم، وإن لم يلب.. لم يسقط عنه الدم) .
وقال عطاء، والحسن، والنخعي: لا شيء على من ترك الإحرام من الميقات.
وقال ابن الزبير: (يقضي حجه، ثم يعود إلى الميقات، فيهل منه بعمرة) .
وقال سعيد بن جبير: لا حج له
стр. 1828
دليلنا ـ على أبي حنيفة ـ: أنه عاد إلى الميقات محرما قبل التلبس بنسك، فسقط عنه الدم، كما لو لبى.
وعلى الآخرين: قوله ـ ﷺ ـ: «من ترك نسكا.. فعليه دم» .
[فرع الإحرام من موضع فوق الميقات]
] : ومن نذر الإحرام من موضع فوق الميقات، أو استأجر أجيرا ليحرم من موضع فوق الميقات.. كان حكمه حكم الميقات في حقه في جميع ما ذكرناه؛ لأنه لزمه الإحرام منه، فأشبه ميقات البلد.
[فرع دخول مكة من غير إحرام والإحرام من غير ميقاته]
] : سمعت الشريف العثماني ﵀ من أصحابنا يقول: المدني إذا جاوز ذا الحليفة غير محرم، وهو مريد للنسك، فبلغ مكة من غير إحرام، ثم خرج منها إلى ميقات بلد آخر، مثل ذات عرق أو يلملم أو الجحفة، وأحرم منه.. فإنه لا دم عليه لمجاوزته ذا الحليفة؛ لأنه لا حكم لإرادته النسك لمَّا بلغ مكة غير محرم، فصار كمن دخل مكة غير محرم.. فإنه لا دم عليه.
стр. 1829
[فرع حكم المار من الميقات من غير المكلفين]
] : وإن مر كافر بالميقات، وهو مريد للنسك، فجاوزه، ثم أسلم وأحرم دونه، ولم يعد إليه.. فعليه دم.
وقال أبو حنيفة والمزني: (لا دم عليه) .
دليلنا: أنه جاوز الميقات مريدا للنسك، وأحرم دونه، ولم يعد إليه، فوجب عليه الدم، كالمسلم.
وإن أحرم الصبي أو العبد من الميقات وجاوزه، ثم بلغ الصبي أو أعتق العبد قبل الوقوف بعرفة، أو في حال الوقوف بعرفة.. فقد ذكرنا: أنه يجزئهما عن حجة الإسلام.
فإن لم يرجعا إلى الميقات قبل التلبس بنسك.. فهل يجب عليهما الدم؟ طريقان:
[أحدهما] : قال أبو الطيب بن سلمة، وأبو سعيد الإصطخري: لا يجب عليهما الدم قولا واحدا؛ لأنهما أتيا بحجة الإسلام من الميقات، فلم يجب عليهما الدم، كما لو كانا كاملين في حال الإحرام.
و [الثاني] : من أصحابنا من قال: فيه قولان ـ ولم يذكر في (المهذب) غير هذا ـ:
أحدهما: لا يجب عليهما الدم، وقال القاضي أبو حامد وهو الصحيح؛ لما ذكرناه.
والثاني: يجب عليهما الدم؛ لأن الإحرام من الميقات كان نافلة، وإنما وقع الإحرام عن فرضهما من حين كملا، فكأن الإحرام من الميقات لم يكن.
стр. 1830
[مسألة ميقات المكي]
] : وأما المكي: فميقاته للحج مكة؛ لما روي في حديث ابن عباس، ثم كذلك أهل مكة يهلون من مكة، فإن خرج من مكة إلى الحل وأحرم بالحج منه.. كان كغير المكي إذا جاوز الميقات وأحرم دونه، وقد بيناه.
وإن أحرم من موضع من الحرم خارج مكة.. فهل هو كمكة؟ فيه قولان، وقيل وجهان، وقد مضى ذكرهما.
وأما إذا أراد الإحرام بالعمرة.. فميقاته أدنى الحل.
والأفضل: أن يحرم من الجعرانة؛ لـ: (أن النبي ـ ﷺ اعتمر منها في السنة التي قاتل أهل حنين) .
فإن أخطأه ذلك.. فمن التنعيم؛ لـ: (أن النبي ـ ﷺ ـ أعمر عائشة منها) .
فإن أخطأه ذلك.. فمن الحديبية؛ لـ: (أن النبي ـ ﷺ ـ: صلى بها، وأراد المدخل في عمرته منها) . هذا الذي ذكره المزني في " المختصر " [٢/٥١] .
وقال الشيخ أبو حامد: والذي يقتضيه المذهب: أن الاعتمار بعد الجعرانة، من الحديبية أفضل من التنعيم؛ لـ: (أن النبي ـ ﷺ ـ نزل بها، وصلى بها، وأراد أن يدخل منها بعمرة) ، ولأنها أبعد من الحرم من التنعيم، وكلما بعد الإنسان.. كان أفضل.
стр. 1831
فإن أحرم المكي بالعمرة من مكة.. نظرت:
فإن خرج إلى الحل قبل الطواف، ثم رجع وطاف وسعى.. صحت عمرته، ولا شيء عليه؛ لأنه قد زاد خيرا.
وإن طاف وسعى قبل أن يخرج إلى الحل.. فقد قال الشيخ أبو حامد، وغيره من أصحابنا البغداديين: يصح إحرامه بالعمرة بلا خلاف، ولكن هل يعتد بطوافه وسعيه؟
فيه قولان:
أحدهما: يعتد بهما، ولكن عليه دم لترك الميقات، كغير المكي إذا جاوز الميقات، وأحرم دونه، ولم يعد إليه.
فعلى هذا: الحل ليس بشرط في العمرة.
والثاني: لا يعتد بالطواف والسعي؛ لأن العمرة نسك من شرطها الطواف، فكان من شرطها الجمع بين الحل والحرم، كالحج.
فعلى هذا: يكون باقيا على إحرامه إلى أن يخرج إلى الحل، ثم يرجع ويطوف ويسعى.
وأما المسعودي [في " الإبانة " ق \ ١٨١] فقال هل يصح إحرامه بالعمرة؟ فيه قولان، ووجهه: ما قاله.
والله أعلم
стр. 1832
[باب الإحرام وما يحرم فيه]
ينبغي لمن أراد أن يحرم: أن يتجرد عن ثيابه، فيغتسل؛ لما روى زيد بن ثابت «أن النبي ـ ﷺ ـ تجرد عن ثيابه لإحرامه، واغتسل» .
قال الشافعي: (لم أترك الغسل للإحرام قط، ولقد اغتسلت وأنا مريض أخاف من الماء، وما صحبت أحدا أقتدي به ترك الغسل للإحرام) .
ويستحب الغسل للرجل والصبي والمرأة والحائض والنفساء؛ لما روى جابر قال: «ولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر ﵃ بذي الحليفة، فأمرها النبي ـ ﷺ ـ أن تغتسل وتحرم» ، وروى ابن عباس: أن النبي ـ ﷺ ـ قال: «النفساء
стр. 1833
والحائض إذا أتتا على المواقيت.. تغتسلان وتحرمان، وتقضيان المناسك كلها، غير الطواف بالبيت» .
ولأن الحيض والنفاس لا ينافيان هذه العبادة، فلا يمنعان الاغتسال لها.
قال الشافعي: (ومتى حاضت المرأة، أو نفست في الميقات أو قبله، فإن أمكنها أن تقف حتى تطهر فتغتسل وتحرم.. أحببت لها أن تقف لتدخل في الإحرام على أكمل أحوالها، فإن لم يمكنها ذلك.. اغتسلت وأحرمت) ؛ لـ: «أن النبي ـ ﷺ ـ أذن لعائشة أن تحرم بالحج وهي حائض» و: «أذن لأسماء بنت عميس أن تحرم وهي نفساء» .
إذا ثبت هذا: فإن الغسل للإحرام ليس بواجب.
وقال الحسن البصري: إذا نسي الغسل عند إحرامه.. اغتسل إذا ذكره.
فإن أراد: أن ذلك مستحب.. فهو وفاق، وإن أراد: أنه واجب.. فالدليل عليه: أنه لو كان واجبا.. لما أمر به من لا يصح منه الغسل، وهو الحائض والنفساء كغسل الجنابة. ولأنه غسل لأمر مستقبل، فلم يكن واجبا، كغسل الجمعة والعيدين.
فإن لم يجد الماء.. تيمم؛ لأن التيمم ينوب عن الغسل الواجب، فناب عن المسنون.
[فرع الأماكن التي يستحب لها الغسل]
] : قال الشافعي في الجديد: (ويستحب الاغتسال للحج في سبعة مواطن:
للإحرام، ولدخول مكة، وللوقوف بعرفة، وللوقوف بالمزدلفة، ولرمي الجمار الثلاث في أيام التشريق، ولا يستحب ذلك لرمي جمرة العقبة؛ لأن الناس لا يجتمعون لها)
стр. 1834
وزاد في القديم ثلاث اغتسالات: (لطواف الزيارة، ولطواف الوداع، وللحلق) ولم يحك الشيخ أبو حامد الغسل للحلق، وإنما حكاه القاضي أبو الطيب.
[مسألة ما يلبسه المحرم]
] : فإذا فرغ المريد للإحرام من الاغتسال.. فإنه يلبس إزارا ورداء، ويكشف رأسه، ويخلع خفيه، ويلبس نعلين، لما روى ابن عمر أن النبي ـ ﷺ ـ قال: «ليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين» .
والمستحب: أن يكون ثوباه أبيضين؛ لقوله ـ ﷺ ـ: «خير ثيابك البياض فألبسوها أحياءكم، وكفنوا فيها موتاكم» والمحرم على أكمل أحواله، فاستحب له أفضل الثياب.
والجديد أحب إلينا من المغسول، فإن لم يجد جديدا.. لبس مغسولا.
стр. 1835
[فرع الطيب للمحرم]
] : فإذا فرغ من الاغتسال، ولبس الثوبين.. فالمستحب له: أن يتطيب قبل إحرامه، ولا فرق بين أن يتطيب بطيب تبقى عينه أو أثره، كالمسك والغالية والعود، وبين أن يتطيب بطيب لا تبقى عينه أو أثره، وروي ذلك عن ابن عباس، وابن الزبير، وسعد بن أبي وقاص، ومعاوية، وعائشة، وأم حبيبة وهو قول أبي حنيفة وأحمد وأبي يوسف.
وحكى صاحب " الفروع " وجها آخر لبعض أصحابنا: أنه لا يتطيب بطيب تبقى عينه. وليس بشيء.
стр. 1836
وقال مالك وعطاء: (يكره له أن يتطيب بطيب تبقى رائحته بعد الإحرام) .
وروي ذلك عن عمر بن الخطاب.
واحتجوا: بما «روى يعلى بن أمية قال: (كنا عند رسول الله ـ ﷺ بالجعرانة، فأتاه رجل أعرابي، وعليه مقطعة ـ يعني: جبة وهو متضمخ بالخلوق. وفي بعض الروايات: عليه ردع من زعفران ـ فقال: يا رسول الله أحرمت بعمرة، وعلي هذه وأنا متضمخ بالخلوق، فقال رسول الله ـ ﷺ ـ: " ما كنت تصنع في حجك؟ " قال: كنت أنزع عني هذه المقطعة، وأغسل عني هذا الخلوق، فقال له ـ ﷺ ـ: " ما كنت صانعا في حجك.. فاصنعه في عمرتك» .
ودليلنا: ما روي «عن عائشة ﵂: أنها قالت: (طيبت رسول الله ـ ﷺ ـ، لإحرامه حين أحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت» ، وروي عنها: أنها قالت: «رأيت وبيص المسك في مفرق رسول الله ـ ﷺ ـ بعد ثلاث من إحرامه» .
ولأن الطيب معنى يراد للاستدامة والبقاء، فلم يمنع الإحرام من استدامته كالنكاح.
стр. 1837
وأما حديث يعلى بن أمية: فإنما ذلك لأن الخلوق فيه الزعفران، والرجل ممنوع من لبس المزعفر؛ لما روى ابن عمر: «أن النبي ـ ﷺ ـ نهى الرجل عن لبس المزعفر» .
قال أبو علي الطبري في " الإفصاح "، والشيخ أبو حامد: ويستوي في النهي عن المزعفر الرجل الحلال والمحرم؛ للخبر المذكور.
وأيضا: فإن خبرنا متأخر عن خبر يعلى بن أمية، فكان ناسخا له.
[فرع انتشار الطيب بالعرق وتطييب الثوب]
] : فإن تطيب قبل الإحرام، ثم عرق بعد الإحرام، وسال الطيب من موضع من بدنه إلى موضع آخر منه.. ففيه وجهان:
أحدهما: عليه الفدية: لأنه حصل الطيب على موضع من بدنه بعد الإحرام بعد أن لم يكن عليه بسبب فعله، فوجبت عليه الفدية به، كما لو طيبه ابتداء.
والثاني ـ وهو المذهب ـ: أنه لا فدية عليه: لما روي عن عائشة ﵂: أنها قالت: «كنا إذا أردنا الإحرام.. نضمد جباهنا بالسك المطيب، فإذا عرقت إحدانا، سال ذلك على وجهها.. فيراه رسول الله ـ ﷺ ـ فلا ينكر عليها» . ولأنه ليس بتطيب من جهته بعد الإحرام، فهو كما لو ثبت مكانه.
стр. 1838
فإن نقل الطيب من موضع في بدنه إلى موضع غيره، أو تعمد مسه، أو نحاه من موضعه ورده إليه.. وجبت عليه الفدية، كما لو تطيب ابتداء.
وإن طيب ثوبا ولبسه، ثم أحرم.. ففيه ثلاثة أوجه، حكاها المسعودي [في " الإبانة " ق\١٩١] :
أحدها: يجوز، كما لو طيب بدنه.
والثاني: لا يجوز؛ لأن الطيب يبقى على الثوب، ولا يستهلك بخلاف البدن.
والثالث ـ وهي طريقة أصحابنا البغداديين ـ: إن استدام لبسه.. فلا شيء عليه، كما لو طيب بدنه واستدام الطيب عليه.
وإن نزع الثوب في الإحرام، ثم رده.. فعليه الفدية، كما لو ابتدأ الطيب في بدنه أوثيابه.
[مسألة من يستحب له الحناء والطيب]
] : وأما المرأة: فإذا أرادت الإحرام.. فيستحب لها أن تختضب بالحناء قبل الإحرام؛ لما روي «عن عبد الله بن دينار: أنه قال: (من السنة أن تختضب المرأة إذا أرادت الإحرام» وإذا قال الصحابي أو التابعي: (من السنة كذا) .. اقتضى سنة رسول الله ـ ﷺ ـ.
стр. 1839
وأما الخنثى المشكل: فقال القاضي أبو الفتوح في كتاب (الخناثى) : لا يسن له الخضاب للإحرام، كالرجل.
ويستحب للمرأة أن تختضب بالحناء في كل وقت إذا كانت ذات زوج؛ لأن هذا زينة وجمال، وقد استحب لها التجمل للزوج. وروي: أن النبي ـ ﷺ ـ مدت إليه امرأة يدها لتبايعه، فقال ـ ﷺ ـ: «يد رجل أم يد امرأة؟ " فقالت: بل يد امرأة، فقال ـ ﷺ ـ: " ما أدري، فأين الخضاب؟!» .
وإن كانت غير ذات زوج، ولم ترد الإحرام.. لم يستحب لها الخضاب، بل يكره لها ذلك؛ لأنه لا زوج لها تتزين له، وربما غرت الناس، فافتتنوا بها.
ويستحب للمرأة إذا أرادت الإحرام أن تتطيب، كما يستحب ذلك للرجل؛ لما روي «عن عائشة ﵂: أنها قالت: (خرجنا مع رسول الله ـ ﷺ ـ إلى مكة، فلما كان عند الإحرام.. ضمدنا جباهنا بالسك، فكنا إذا عرقنا، سال على وجوهنا.. فيراه رسول الله ـ ﷺ ـ ولا ينكره» .
إذا ثبت هذا: فيستحب ذلك للشابة والعجوز.
والفرق بينه وبين الجمعة، حيث قلنا: لا يستحب ذلك في حقها إذا أرادت حضور الجمعة؛ لأن موضع حضور الجمعة أضيق؛ لأنها تقعد بالقرب من الرجال، ولهذا لم
стр. 1840
يسن للشابة حضور الجمعة، وليس كذلك الإحرام؛ لأن موضعه واسع لا يؤدي إلى اختلاطهن بالرجال، ولهذا لم يفرق في حضوره بين العجوز والشابة.
[مسألة ركعتا الإحرام وأفضلية وقته]
إذا فرغ المريد للنسك مما ذكرناه.. فالمستحب له: أن يصلي ركعتين، ثم يحرم؛ لما روى ابن عباس، وجابر بن عبد الله: «أن النبي ـ ﷺ ـ صلى بذي الحليفة ركعتين، ثم أحرم» .
قال الشيخ أبو حامد: فإن أراد أن يحرم في وقت لا يجوز فيه الصلاة، وهو بعد صلاة الصبح، وقبل طلوع الشمس، أو عند غروبها، وما أشبه ذلك من الأوقات المنهي عنها.. نظرت: فإن أمكنه أن يقف حتى تطلع الشمس، وتحل الصلاة، ثم يصلي ويحرم.. فعل ذلك؛ لأن الركعتين زيادة قربة وطاعة. وإن لم يمكنه ذلك.. فإنه يحرم بغير صلاة؛ لأن ابتداء النافلة في ذلك الوقت لا يجوز. قال المسعودي [في " الإبانة " ق \ ٧٨] : ولأن سبب الصلاة متأخر عنها.
فإذا فرغ من الركعتين.. فهل الأفضل أن يحرم عقيبهما، أو حتى تنبعث به راحلته، أو يبتدئ بالسير إن كان ماشيا؟ فيه قولان:
[الأول] : قال في القديم: (الأفضل أن يحرم عقيب الركعتين) . وبه قال أبو حنيفة.
стр. 1841
و [الثاني] : قال في الجديد: (الأفضل أن يحرم إذا انبعثت به راحلته إن كان راكبا، أو إذا ابتدأ بالسير إن كان ماشيا) .
وقال مالك: (يحرم إذا أشرف على البيداء) .
فإذا قلنا بالقديم.. فوجهه: ما روي «عن سعيد بن جبير: أنه قال: قلت لابن عباس: عجبت من اختلاف أصحاب النبي ـ ﷺ ـ في إحرامه حين أوجب! فقال بعضهم: أهل حين فرغ من الصلاة، وقال بعضهم: أهل حين انبعثت به راحلته، وقال بعضهم: أهل حين أشرف على البيداء. فقال ابن عباس: (أنا أعلم الناس بذلك: إن النبي ـ ﷺ ـ لما أتى مسجده بذي الحليفة.. صلى ركعتين، ثم أوجب في مجلسه، فحفظه قوم، وقالوا: أهل حين فرغ من الصلاة، فلما ركب وانبعثت به راحلته.. أهل، فأدركه قوم، وقالوا: أهل حين انبعثت به راحلته، فلما أشرف على البيداء.. أهل، فأدركه قوم، فقالوا: أهل حين أشرف على البيداء» .
وإذا قلنا بقوله الجديد.. فوجهه: ما روى ابن عمر: «أن النبي ـ ﷺ ـ لم يكن يهل حتى تنبعث به راحلته» ، وهذا نفي وإثبات. وروى جابر: أن النبي ـ ﷺ ـ قال:
«إذا رحتم إلى منى متوجهين.. فأهلوا بالحج» .
стр. 1842
[فرع انعقاد الإحرام بغير تلبية ولا بد من النية]
وينوي الإحرام، ويستحب له أن يلبي، فإن نوى الإحرام، ولم يلب.... انعقد إحرامه.
وقال أبو عبد الله الزبيري: لا ينعقد إحرامه إلا بالنية والتلبية. قال في " الإفصاح ": وبه قال ابن خيران.
وقال مالك وأبو حنيفة: (لا ينعقد إحرامه إلا بالنية والتلبية، أو بالنية وسوق الهدي) .
دليلنا: أنها عبادة لا يجب النطق في آخرها، فلم يجب في أولها، كالصوم والطهارة، وعكسه الصلاة.
فإن لبى ولم ينو.. لم ينعقد إحرامه.
وقال داود: (ينعقد إحرامه بالتلبية دون النية) ، وحكي أن أبا العباس ابن سريج قال لداود: صف لنا تلبية رسول الله ﷺ فذكرها، فقال له: صرت محرما، فقال: لقد تزببت حصرما.
ودليلنا: قوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنية، ولكل امرئ ما نوى» ، ولأنها عبادة محضة طريقها الأفعال، فلم تصح من غير نية، كالصلاة والصوم.
[فرع تعيين النسك بالنية]
] : وله أن يعين ما يحرم به من إفراد أو تمتع أو قران.
فإن لبى بحج ونوى عمرة، أو لبى بعمرة ونوى حجا.. انعقد إحرامه بما نواه، لا بما لبى به؛ لأن النسك ينعقد بالنية دون التلبية.
وإن أحرم إحراما مطلقا، ولم ينو حجا ولا عمرة ولا قرانا.. صح إحرامه، وكان له أن يصرفه إلى أي وجوه الإحرام شاء.
стр. 1843
والدليل عليه: ما روى طاووس: «أن النبي ﷺ لم يسم حجا ولا عمرة حتى وقف بين الصفا والمروة، ينتظر القضاء.. فأمر أن يهل بالحج» ، وروي: «أن علي بن أبي طالب ﵁ قدم من اليمن، فقال له النبي ﷺ : " بم أهللت؟ " قال: قلت: أهللت إهلالا كإهلال النبي ﷺ ، قال: " فأقم على إحرامك "، وفي رواية أخرى: أنه قال: " أما إني سقت الهدي.. فلا أحل حتى أنحر» ، وكذلك روي: أن أبا موسى الأشعري فعل كذلك.
وهي الأفضل أن يطلق إحرامه، أو يعين ما أحرم به؟ فيه قولان:
أحدهما: أن الإطلاق أفضل؛ لما ذكرناه من حديث طاووس، ولأنه أقل غررا؛ لأنه يصرفه إلى الأسهل.
والثاني: أن التعيين أفضل؛ لأن جابرًا روى: «أن النبي ﷺ وأصحابه أحرموا بالحج» وهذا أولى؛ لأن حديث طاووس مرسل، ولأنه يكون عالما بما يدخل به من العبادة.
стр. 1844
وهل الأفضل أن يذكر ما أحرم به في تلبيته، أو يقتصر على النية فقط؟ فيه وجهان:
أحدهما - وهو المنصوص للشافعي -: أن الأفضل أن لا ينطق بما أحرم به.
و [الثاني] : من أصحابنا من قال: الأفضل أن ينطق بما أحرم به - وبه قال أحمد - لما روى عمر ﵁: «أن النبي ﷺ قال - وهو بالعقيق -: " أتاني الليلة آت من عند ربي ، فقال لي: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: حجة في عمرة» ولأن ذلك أبعد عن النسيان.
ووجه الأول: حديث طاووس، وما حكي: أن ابن عمر سمع رجلا يقول: لبيك بحجة، فدفع في صدره، وقال: (هو يعلم ما في نفسك) ، ولأن التلبية ذكر لله تعالى، وتسمية النسك ليست بذكر لله ، فلم يستحب أن يشوب ذكر الله بما ليس بذكر له.
[فرع إطلاق النية في الإحرام]
فإن أحرم إحراما مطلقا.. فله أن يصرفه إلى الحج، أو العمرة، أو إليهما.
فإن طاف، أو وقف بعرفة قبل أن يصرف إحرامه إلى شيء ... لم ينصرف إحرامه بنفس الطواف أو الوقوف، بل لو صرف إحرامه بعد الطواف إلى الحج.. وقع الطواف عن طواف القدوم.
стр. 1845
وقال أبو حنيفة: (إذا طاف.. انصرف إحرامه إلى العمرة، وإن وقف بعرفة.. انصرف إلى الحج) .
دليلنا: أن نية التعيين شرط، ولم يوجد منه ذلك، فلم يتعين عليه بفعل النسك، كما لو طاف أو وقف قبل الإحرام.
[فرع تعليق الإحرام بإحرام الغير]
وإن أحرم كإحرام زيد.. صح؛ لما ذكرناه من حديث علي: أنه قال: «أهللت إهلالا كإهلال النبي ﷺ » -) ، ثم ينظر فيه: فإن كان زيد قد أحرم بنسك معين.. انصرف إحرام هذا الذي علق إحرامه عليه إلى النسك الذي أحرم به زيد. وإن أحرم زيد إحراما موقوفا.. كان إحرام هذا الرجل موقوفا أيضا، ولكل واحد منهما أن يصرف إحرامه إلى ما شاء، ولا يتعين على هذا أن يصرف إحرامه إلى ما صرف زيد إحرامه إليه.
وإن أحرم زيد إحراما موقوفا، ثم صرف إحرامه إلى نسك معين، ثم علق رجل إحرامه بإحرام زيد بعد ذلك، فإن قال: أحرمت بإحرام كابتداء إحرام زيد.. انعقد إحرامه موقوفا، وله أن يصرف إحرامه إلى ما شاء، ولا يتعين عليه بما صرف زيد إليه إحرامه. وإن قال: كإحرام زيد الآن.. انعقد إحرامه بما صرف زيد إحرامه إليه.
وإن بان أن زيدا لم يحرم.. انعقد إحرام هذا موقوفا؛ لأنه قد عقد الإحرام،
стр. 1846
وإنما علق التعيين على إحرام زيد، فإذا بان أن زيدا لم يحرم.. انعقد إحرام هذا موقوفا.
وإن لم يعلم ما أحرم به زيد، بأن مات أو جن أو عاد وتعذر العلم بإحرامه.. فقال البغداديون من أصحابنا: لزمه أن يقرن؛ لأنه اليقين، والفرق بينه وبين من أحرم بنسك معين، ثم نسيه، حيث جوزنا له التحري في أحد القولين؛ لأنه يمكنه أن يتحرى في فعل نفسه، ولا يمكنه ذلك في فعل غيره.
وقال المسعودي [في " الإبانة " ق\١٨٣] : هي على قولين، كمن شك في تعيين ما أحرم به، على ما يأتي ذكرهما.
[مسألة الإحرام بنسكين متفقين]
إذا أحرم بحجتين، أو عمرتين، أو أحرم بحجة ثم أدخل عليها حجا، أو أحرم بعمرة ثم أدخل عليها عمرة.. لم ينعقد إحرامه إلا بواحد من النسكين.
وقال أبو حنيفة: (ينعقد إحرامه بهما، [ولا يمكنه] المضي فيهما، فترتفض إحداهما) ، واختلفوا متى ترتفض؟.
فقال أبو يوسف: تنتقض في الحال.
وقال أبو حنيفة ومحمد: (ترتفض إذا أخذ في السير، فلو أحصر مكانه.. تحلل منهما) .
دليلنا: أنه لا يمكنه المضي فيهما، فلم يصح الدخول فيهما، قياسا على صوم النذر وصوم رمضان.
[فرع الإحرام عن رجلين]
فإن استأجره رجلان ليحج عنهما، فأحرم عنهما جميعا.. انعقد الإحرام للأجير؛ لأن الإحرام الواحد لا ينعقد عن اثنين، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فانعقد الإحرام لنفسه دونهما.
стр. 1847
وإن أحرم عن أحدهما لا بعينه.. قال ابن الصباغ: انعقد إحرامه، وكان له أن يصرفه إلى أيهما شاء قبل أن يتلبس بشيء من أفعال النسك. وبه قال أبو حنيفة ومحمد.
وقال أبو يوسف: يقع عن نفسه.
دليلنا: أن ما ملك تعيينه في الابتداء.. ملك الإحرام به مطلقا، ثم يعينه، كالإحرام عن نفسه.
وإن استأجره رجل ليحج عنه، فأحرم عن المستأجر، وعن نفسه بحج.. انعقد الإحرام بالحج عن نفسه؛ لأن الإحرام انعقد، ولم يصح عن غيره، فوقع عن نفسه، كالصرورة.
وإن استأجره رجل ليحج عنه، فأحرم بالعمرة عن نفسه وبالحج عن المستأجر، وقرن بينهما.. فقد قال الشافعي في " المنسك الكبير ": (كان الحج والعمرة عن الأجير؛ لأن الإحرام واحد، فلا يجوز أن يقع عن اثنين، ولا يجوز أن يقع عن غيره مع نيته له عن نفسه) . قال الشيخ أبو حامد في " التعليق ": وقد أومأ الشافعي في القديم إلى: أنهما يقعان على ما نوى، العمرة عن نفسه، والحج عن المستأجر.
ومن أصحابنا من قال: يقعان معا عي المستأجر؛ لأن العمرة تتبع الحج، والحج لا يتبعها.
والأول أصح.
[مسألة الشك في النسك]
إذا أحرم بنسك معين، ثم شك بماذا أحرم؟ ففيه قولان:
[أحدهما] : قال في القديم: (إنه يتحرى، ويبني على ما يغلب على ظنه أنه أحرم به) ؛ لأن هذا اشتباه في شرط من شرائط العبادة، فكان له الاجتهاد فيه، كالإناءين والقبلة.
стр. 1848
فعلى هذا: يعمل على ما يغلب على ظنه، والمستحب له: أن يقرن.
و [الثاني] : قال في الجديد: (إنه يلزمه أن يقرن) ، وهو الصحيح؛ لأنه شك لحقه في فعله بعد التلبس بالعبادة، فلم يكن له الاجتهاد، وإنما يلزمه اليقين، كمن شك في عدد الركعات، ويخالف الإناءين والقبلة؛ لأن له على ذلك هناك أمارات يرجع إليها عند الاشتباه، وهاهنا لا أمارة له على نفسه يرجع إليها.
فعلى هذا: يلزمه أن ينوي القران.
ونقل المزني: (أنه يصير قارنا) ، وليس هذا على ظاهره، بل أراد: أنه يلزمه نية القران.
وهل يجزئه ما يأتي به عن فرض الحج والعمرة؟ ينظر فيه:
فإن طرأ عليه هذا الشك قبل أن يفعل شيئا من المناسك بعد الإحرام، ونوى القران.. أجزأه الحج، بلا خلاف على المذهب؛ لأنه إن كان قد أحرم به.. فقد انعقد، وإن كان قد أحرم بعمرة.. فقد أدخل عليها الحج قبل الطواف، وذلك جائز.
وأما العمرة: فإن قلنا: يجوز إدخالها على الحج.. سقط عنه فرض العمرة أيضا ووجب عليه دم القران. وإن قلنا: لا يجوز إدخال العمرة على الحج.. فهل تجزئه: العمرة هاهنا؟ فيه وجهان:
[أحدهما] : قال أبو إسحاق في " الشرح ": تجزئه العمرة أيضا؛ لأن إدخال
стр. 1849
العمرة على الحج إنما لا يجوز من غير حاجة، وهاهنا به حاجة إلى إدخالها.
فعلى هذا: يجب عليه دم القران أيضا.
والثاني - وهو قول عامة أصحابنا، وهو الصحيح -: أنه لا تجزئه العمرة؛ لجواز أن يكون قد أحرم بالحج، والفرض لا يسقط بالشك.
فعلى هذا: هل يجب عليه دم القران؟ فيه وجهان:
أحدهما - وهو الصحيح -: أنه لا يجب عليه؛ لأنا لم نحكم له بالقران، والأصل براءة ذمته منه.
والثاني: يجب عليه: لجواز أن يكون قارنا.
وإن طرأ عليه هذا الشك قبل طواف القدوم، وبعد أن وقف بعرفة، وكان وقت الوقوف باقيا.. فإنه ينوي القران، ويقف بعرفة، ويجزئه الحج، وهذا مراد الشيخ أبي إسحاق في " المهذب " بقوله: إذا نسي بعد الوقوف، وقبل طواف القدوم.
وأما العمرة.. فهل يسقط عنه فرضها؟ إن قلنا: يجوز إدخالها على الحج بعد الوقوف.. سقط عنه فرضها، وكان عليه دم القران. وإن قلنا: لا يجوز إدخالها على الحج بعد الوقوف، أو لا يجوز إدخالها عليه أصلا.. لم يسقط عنه فرضها، وفي دم القران وجهان، مضى توجيههما.
وإن طرأ عليه هذا الشك بعد الوقوف بعرفة وبعد فوات وقته، وقبل طواف القدوم، ونوى القران.. لم يجزه عن الحج؛ لجواز أنه لم يحرم به إلا وقد فات الوقوف.
وأما العمرة: فإن قلنا: لا يجوز إدخالها على الحج أصلا، أو قلنا: يجوز إدخالها عليه قبل الوقوف لا غير، ولا يجوز بعده.. لم تجزه العمرة أيضا. وإن قلنا: يجوز إدخالها على الحج بعد الوقوف.. أجزأته العمرة.
стр. 1850
وإن طرأ عليه هذا الشك بعد طواف القدوم، وبعد الوقوف بعرفة.. لم يجزه الحج؛ لجواز أنه لم يحرم به إلا وقد طاف للعمرة.
وأما العمرة: فإن قلنا: لا يجوز إدخالها على الحج أصلا، أو قلنا: يجوز إدخالها قبل الوقوف لا غير.. لم تجزه العمرة أيضا. وإن قلنا: يجوز إدخالها على الحج بعد الوقوف.. أجزأته العمرة.
وإن طرأ عليه هذا الشك بعد طواف القدوم، وقبل الوقوف بعرفة. فإن قلنا: يجوز إدخال العمرة على الحج، أو نوى القران.. صحت له العمرة، ولا يصح له الحج؛ لأنه لا يجوز له إدخال الحج على العمرة بعد الطواف. وإن قلنا: لا يجوز إدخال العمرة على الحج.. لم يصح له الحج ولا العمرة؛ لأنه يحتمل أنه كان معتمرا، فلا يصح إدخال الحج عليها بعد الطواف، ويحتمل أنه كان حاجا، وإدخال العمرة على الحج لا يجوز.
قال ابن الحداد: فإن أراد أن يجزئه الحج.. فإنه لا ينوي القران، ولكن يسعى، بين الصفا والمروة، ويحلق رأسه، ثم يحرم بالحج؛ لأنه إن كان معتمرا.. فهذا وقت الحلاق والتحلل، وإن كان حاجا أو قارنا.. فلا يضره تجديد إحرام آخر.
وذكر في " المهذب ": أنه يعيد الطواف. ولا معنى له؛ لأنه قد طاف.
وقال أبو زيد المروزي: إن كان الرجل فقيها، وفعل ما قال ابن الحداد باجتهاده.. فلا كلام، وأما إذا استفتى.. فإنا لا نفتي بجواز الحلاق؛ لأنه يحتمل أن يكون محرما بالحج، فلا يجوز له الحلق قبل وقته.
قال القاضي أبو الطيب: ويمكن ابن الحداد أن يجيب، فيقول: الحلق يستباح للحاجة إليه، وبه هاهنا حاجة إليه لئلا يلغو عمله، فلا يحتسب له بحجة ولا عمرة.
فإذا قلنا بقول ابن الحداد.. وجب عليه دم؛ لأنه إن كان معتمرا.. فعليه دم التمتع، وإن كان حاجا أو قارنا.. فقد حلق في غير وقته.
стр. 1851
ومن أصحابنا من قال: يجب عليه دمان؛ لجواز أن يكون قارنا، فيجب عليه: دم القران، ودم الحلاق. وهذا ليس بشيء؛ لأن الأصل براءة ذمته مما زاد على دم واحد.
[مسألة أحوال التلبية]
قال الشافعي: (ويلبي المحرم قائما وقاعدا، وراكبا ونازلا، وجنبا ومتطهرا) .
وهذا صحيح؛ لما روى أبو هريرة: أن النبي ﷺ قال: «ما أهل مهل قط ... إلا بشر، ولا كبر مكبر قط
إلا بشر " قيل: يا رسول الله، بالجنة؟ قال: " نعم» ، وروي عن ابن عباس: أنه قال: (التلبية زينة الحج) .
وسئل محمد ابن الحنفية عن الجنب يلبي؟ فقال: نعم.
ويستحب ذلك للحائض؛ لما روي: «أن النبي ﷺ قال لعائشة - وقد حاضت وهي محرمة -: " اصنعي ما يصنع الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت» ، والحاج يلبي، فكذلك الحائض.
ويستحب أن يلبي عند اصطدام الرفاق، وعند الإشراف، والهبوط؛ لما روي:
стр. 1852
«أن النبي ﷺ كان يلبي إذا رأى ركبا، أو علا أكمة، أو هبط واديا» .
ويستحب أن يلبي في أدبار المكتوبة، وفي إقبال الليل والنهار؛ لأنه روي ذلك عن بعض السلف، ولأنه وقت صعود ملائكة النهار، ونزول ملائكة الليل.
ويستحب أن يلبي في مسجد مكة، ومسجد الخيف بمنى، ومسجد إبراهيم ﵊ بعرفات، وفيما عدا هذا من المساجد قولان:
[الأول] : قال في القديم: (لا يلبي) .
و [الثاني] : قال في الجديد: (يلبي) ، وهو الأصح؛ لعموم الأمر بالتلبية ولأنه مسجد بني للجماعة، فاستحب فيه التلبية، كالمساجد الثلاثة.
وأما التلبية في حال الطواف: فقال في القديم: (لا يلبي، وإن لبى.. لم يجهر به) لما روي عن ابن عمر: (أنه كان لا يلبي في الطواف) ، وروي عن
стр. 1853
سفيان: أنه قال: ما علمت أن أحدا كان يلبي في الطواف إلا عطاء بن السائب، فأخبر: أن هذا إجماع، ولأن للطواف ذكرا يختص به.
وقال في " الإملاء ": (وأحب ترك التلبية في الطواف للأثر، فإن لبى.. فلا بأس) . والأثر هو: ما ذكرناه عن ابن عمر وسفيان.
وأما التلبية في السعي: فقال الشافعي في " الإملاء ": (فلا بأس أن يلبي المحرم على الصفا والمروة، وبينهما، غير أني أحب له تركها؛ لأن الذي روي عن النبي ﷺ الوقوف عليهما والتكبير والدعاء، فكذلك بينهما، فأحب له من ذلك ما فعله النبي ﷺ من غير أن أكره التلبية) .
وهاتان المسألتان إنما تتصوران في المحرم بالحج، إذا طاف طواف القدوم، وسعى بعده للحج. فأما في طواف الفرض في الحج، أو في طواف العمرة وسعيها.. فلا يتصور له ذلك.
ويستحب له رفع الصوت بالتلبية؛ لما روى زيد بن خالد الجهني: «أن النبي ﷺ قال: " أتاني جبريل، فقال: يا محمد، مر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية؛ فإنها من شعائر الحج» ، وروى أبو بكر «أن النبي ﷺ سئل: أي الحج
стр. 1854
أفضل؟ فقال: " العج والثج» ، ومعنى (العج) : رفع الصوت بالتلبية، و (الثج) : إسالة دم الهدي، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾ [النبأ: ١٤] [النبأ: ١٤] ، وروي: «أن أصحاب النبي ﷺ كانوا لا يبلغون الروحاء.. حتى تبح حلوقهم» يعني: من رفع الصوت في التلبية.
وإن كانت امرأة ... لا ترفع صوتها؛ لأنه يخاف الافتتان بها.
وإن كان خنثى.. لم يرفع الصوت: لجواز أن يكون امرأة.
[مسألة صفة التلبية وما يقول إذا فرغ منها]
] : والتلبية أن يقول: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) ؛ لما روى ابن عمر: (أن النبي ﷺ كان يلبي هكذا) .
стр. 1855
وهل تكره الزيادة على ذلك؟
قال المسعودي [في " الإبانة " ق\ ١٨٢] : يكره؛ لما روي: «أن سعد بن أبي وقاص سمع ابنه يلبي ويقول: (لبيك يا ذا المعارج) ، فقال: (يا بني، أما إنه ذو المعارج، ولكنا لم نقل هكذا على عهد رسول الله ﷺ »
وقال الشيخ أبو حامد: وذكر أهل العراق عن الشافعي: (أنه تكره الزيادة على ذلك) وغلطوا، بل لا يكره ذلك، ولا يستحب ذلك؛ لما روي في بعض الأخبار: «أن النبي ﷺ قال في تلبيته: " لبيك حقا حقا، عبودية ورقا» . وروي: أن النبي ﷺ اجتمع عليه الناس، فلما تفرقوا عنه.. أعجبه ذلك، فقال: «لبيك إن
стр. 1856
العيش عيش الآخرة» وروي: أن ابن عمر كان يزيد في تلبيته: (لبيك وسعديك والخير بيديك، والرغبة إليك والعمل) ، فدل على: أنه لا يكره الزيادة.
إذا ثبت هذا: فيجوز كسر الهمزة من قوله: " إن الحمد " وفتحها، فالكسر على معنى الابتداء وهو أولى، والفتح بمعنى؛ لأن الحمد والنعمة لك.
و (التلبية) : مأخوذة من قولهم: ألب بالمكان، إذا لزمه وأقام فيه، ومعناه: أنا مقيم عند طاعتك، وعلى أمرك، غير خارج عن ذلك، ولا شارد عنه، ثم ثنوه للتأكيد.
قال الهروي: ومعنى " وسعديك "؛ أي ساعدت طاعتك مساعدة بعد مساعدة.
فإذا فرغ من التلبية ... صلى على النبي ﷺ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] [الانشراح: ٤] ، يقول: «لا أذكر إلا وتذكر معي» .
стр. 1857
ثم يسأل الله رضوانه والجنة، ويستعيذ برحمته من النار؛ لما روى خزيمة بن ثابت: (أن النبي ﷺ كان يسأل الله ذلك بعد التلبية) .
[فرع التكلم أثناء التلبية وترجمتها]
قال الشافعي: (ولا بأس أن يرد الملبي السلام، ويأمر ببعض حاجته، غير أني لا أحب له أن يأمر بحاجته. ويرد السلام؛ لأن الرد فرض، والتلبية سنة) .
قال: (والأعجمي أن أحسن التلبية بالعربية، وإلا.. لبى بها بلسانه) .
وقال أبو حنيفة: (يلبي بأي لغة شاء) ، كما قال في التكبير، وقد مضى الدليل عليه في الصلاة.
[مسألة حلق الشعر للمحرم]
وإذا أحرم.. حرم عليه حلق رأسه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]
стр. 1858
[البقرة: ١٩٦] . ويحرم عليه حلق شعر البدن.
وقال أهل الظاهر: (لا يحرم عليه غير حلق شعر الرأس) .
دليلنا: أنه شعر يتنظف به ويترفه، فلم يجز للمحرم حلقه، كشعر الرأس، وتجب به الفدية؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] [البقرة: ١٩٦] .
قال ابن عباس: (معنى قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ [البقرة: ١٩٦] أي: برأسه قروح [أو] فيه أذى) ، ومعني الآية: فحلق.. ففدية.
وروي: «أن النبي ﷺ مر بكعب بن عجرة وهو بالحديبية قبل أن يدخل مكة وهو محرم، وهو يوقد تحت برمة له - والقمل ينحدر من رأسه - فقال له النبي ﷺ : " أتوذيك هوام رأسك يا كعب؟ " فقال: نعم، قال: " احلقه، وانسك شاة، أو صم ثلاثة أيام، أو تصدق بثلاثة آصع على ستة مساكين» .
стр. 1859
[فرع حلق المحرم شعر الحلال]
ويجوز للمحرم حلق شعر الحلال، ولا شيء عليه بذلك.
وقال أبو حنيفة: (لا يجوز له ذلك، فإن فعل.. لزمه أن يتصدق بصدقة) .
وقال مالك في إحدى الروايتين: (تلزمه الفدية) .
ودليلنا: أنه شعر لا يتعلق به حرمة الإحرام، فلم يمنع من إزالته، ولا يجب عليه بإزالته شيء، كشعر البهيمة.
[مسألة تقليم الأظافر للمحرم وإبانة أحد أعضائه]
ويحرم عليه تقليم شيء من أظفاره؛ لأنه يقع به الترفه والنظافة، وهو مما ينمو، فحرم عليه، كالشعر، وتجب به الفدية قياسا على الشعر.
فإن قطع المحرم يده، وعليها شعر وأظفار.. لم تجب عليه الفدية؛ لأن الشعر والظفر تابع لليد، فلا تنفرد بضمان، واليد لا يضمنها بالفدية، كذلك الشعر والظفر، بدليل: أنه لو كانت له زوجة صغيرة، فأرضعتها أمه.. انفسخ النكاح، وضمنت له المهر، ولو قتلتها.. انفسخ النكاح، ولم تضمن المهر.
[مسألة غطاء رأس ووجه المحرم]
ولا يجوز للرجل المحرم أن يغطي رأسه بمخيط ولا بغير مخيط، ويجوز له أن يغطي وجهه بغير المخيط.
وقال مالك وأبو حنيفة: (لا يجوز له أن يغطي وجهه، فإن فعل.. كان عليه الفدية) .
стр. 1860
دليلنا: ما روى ابن عباس: «أن النبي ﷺ قال في المحرم الذي خر من بعيره فمات: " كفنوه في ثوبيه اللذين مات فيهما، ولا تقربوه طيبا، ولا تخمروا رأسه وخمروا وجهه» .
وروي: أن النبي ﷺ قال في المحرم: «لا يلبس عمامة ولا برنسا» ، والعمامة ليست بمخيطة، والبرنس مخيط، ولأن الوجه عضو لا يتعلق النسك بحلق شعره، فوجب أن يجوز للمحرم ستره، كسائر البدن.
فإن غطى رأسه ... وجبت فيه الفدية؛ لأنه فعل محرم في الإحرام، فوجبت به الفدية، كحلق الرأس.
[فرع عصابة المحرم]
وإن عصب رأسه بخيط.. قال المسعودي [في " الإبانة " ق \ ١٨٨] : فلا بأس به؛ لأنه لا يقصد به الستر. وإن تعصب بعصابة.. فعليه الفدية؛ لأنه يقصد بها الستر.
следующие страницы →