← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21721

البيان في مذهب الإمام الشافعي

العمراني

Полный текст (7 092 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

دليلنا: أن المعقود عليه قائم مقدور على تسليمه، فلزمه تسليمه، كما قبل التحريم. [فرعٌ: البيع بدراهم رديئة] ] : إذا قال بعتك بألف درهم مكسرة.. قال الصيمري: فقد قال أكثر أصحابنا: يصح. قال: وأظنهم أجازوا ذلك إذا تقاربت قيم المكسرة، فأما إذا اختلفت قيمتها ـ وهي هكذا في وقتنا مختلفة ـ فلا يصح. قال: وإن قال: بعتك بألف مثلمة أو مثقبة.. لم يجز، إذ لا عادة لها معروفة، وإن قال بعتك بألف صحاح ومكسرة.. ففيه وجهان: أحدهما: أنه باطل حتى يتبين قدر كل واحد منهما. والثاني: يصح، فيجعل من كل واحد منهما النصف. [فرعٌ: البيع بنقدين] ] : وإن قال: بعتك بدينار إلا درهمًا.. لم يصح البيع؛ لأن قدر الدرهم من الدينار مجهولٌ، بخلاف الإقرار؛ لأنه يصح بالمجهول. هذا هو المشهور. وحكى الصيمري وجهًا آخر: إذا كانا يعلمان قيمة الدينار من الدرهم.. صحّ البيع. وإن قال: بعتك بألف درهم من صرف عشرين درهما بدينار.. لم يصح؛ لأن المسمى هي الدراهم، وهي مجهولةٌ؛ لأن وصف قيمتها لا تصير به معلومة. وإن كان نقد البلد صرف عشرين درهمًا بدينار.. لم يصح أيضًا؛ لأن السعر يختلف، ولا يختص ذلك بنقد البلد. قال ابن الصبّاغ: وكذلك يفعل الناس هكذا الآن، يسمون الدراهم، وإنما

стр. 2382

يتبايعون بالدينار، ويكون كل قدر معلوم من الدراهم عندهم دينارًا، وهذا لا يصح؛ لأن الدراهم لا يعبر بها عن الدنانير حقيقة ولا مجازًا، ولا يصح البيع عندهم بالكناية. [فرعٌ: الشراء بأجزاء الدينار] ] : إذا اشترى رجل من رجل ثوبًا بنصف دينار.. لزمه تسليم نصف دينار شق، ولا يلزمه تسليم نص دينار صحيح، فإن أعطاه دينارًا صحيحًا نصفه عمّا عليه، ونصفه وديعة عنده، وتراضيا على ذلك.. جاز، فإذا تراضيا، فأراد أحدهما قيمته، وأراد الآخر كسره، وامتنع الآخر.. لم يجبر على ذلك؛ لأنها قسمة إضرار، وإن امتنع من له نصف الدينار من قبض الدينار الصحيح.. لم يجبر على قبضه؛ لأن عليه ضررًا في الشركة. فإن باعه ثوبًا آخر بنصف دينار.. لزمه شقا دينار، فإن أعطاه دينارًا صحيحًا عنهما.. فقد زاده خيرًا، فيلزمه قبوله. وإن باعه الثاني بنصف دينار، على أن يسلم إليه عنه وعن الأول دينارًا صحيحًا، فإن كان البيع الثاني بعد إبرام البيع الأول.. بطل الثاني؛ لأنّه شرط ما لا يلزمه في الثاني، ولا يبطل الأول. وإن كان البيع الثاني في حال خيار الأول.. بطل البيعان، على الصحيح من المذهب. قال الصيمري: وإن قال: بعتك هذا الثوب بنصفي دينار.. لزمه تسليم دينار مضروبٍ؛ لأن ذلك عبارة عن دينار. وإن قال: بعتك هذا بنصف دينار وثلث دينار وسدس دينار.. لم يلزمه أن يعطيه دينارًا صحيحًا.

стр. 2383

[فرعٌ: البيع بنقد مغشوش] ] : وإن باعه أرضًا، أو ثوبًا، أو عرضًا بنقد مغشوش.. نظرت: فإن كان الغش مستهلكًا، وهي الدراهم الزرنيخيّة، التي غِشُّها الزرنيخ والنُّورة ـ ومعنى قولنا: (مستهلكًا) إذا صفيت وسبكت.. لم يكن لغشها قيمة ـ فإن البيع يصح فيها؛ لأن الفضة التي عليها لا تختلط بالغش، وإنما هي مطلية عليه، فصح البيع. وإن كان الغش غير مستهلك ـ وهي الدراهم التي هي مغشوشة بالصفر والنحاس، ودنانير الذهب التي غشّت بالفضة ـ فهل يصح البيع؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يصح؛ لأن المقصود منها غير متميز عما ليس بمقصود، فلم يصح البيع، كما لو شيب اللبن بالماء، وبيع، فإنه لا يصح، ولهذا لم يجوز الشافعي بيع تراب الصاغة وتراب المعادن لهذا المعنى، فكذلك هذا مثله. والثاني: يصح، وهو الأصح؛ لما روي عن عمر ﵁: أنه قال: (من زافت عليه دراهمه.. فليأت بها السوق، وليقل: من يبيعني بها سحق ثوب، أو كذا، أو كذا، ولا يحالف الناس عليها: أنّها جياد) . والسحق من الثياب، الخلق منها؛ ولأن المنع من ذلك يؤدِّي إلى الإضرار؛ لأنه لا يمكنه الانتفاع بها جملةً. قال الصيمري: ولا يثبت هذا النقد في الذمة. وأما بيع بعضها ببعض: فلا يجوز، وجهًا واحدًا، ونحن نذكر ذلك في الربا إن شاء الله

стр. 2384

فإن تبايعا بها، وقلنا: إنه صحيح، ثم بان أن فضتها يسيرة جدًّا.. فهذا عيب فيه، فله الرد. قال الصيمري: وكان شيخنا أبو الفياض يخرج ذلك على وجهين: أحدهما: لا رد له؛ لأن عيبها معلوم في الأصل. والثاني: له الرد؛ لأنه بان أن غشها أكثر من المعتاد. [مسألة: بيع المرقوم] ] : إذا قال رجلٌ لآخر: بعتك هذه السلعة برقمها، أو مما باع به فلان سلعته، وهما لا يعلمان قدر ذلك وقت العقد.. لم يصح البيع؛ لأنه مجهول. وهذا نقل أصحابنا البغداديين. وقال المسعودي [في " الإبانة " [ق\٢٢٥] : إذا باعه السلعة برقمها، وهما لا يعلمان قدره، ثم أعلمه إياه في مجلس البيع قبل التفرق.. فهل يصح؟ فيه وجهان، الأصح: أنه لا يصح. وإن اشترى أرضًا، أو ثوبًا بملء كفِّه دراهم أو دنانير، وهما لا يعلمان عددها.. صح البيع. وقال مالكٌ: (لا يصح) . وجوز ذلك في النقرة والتبر والحلي. دليلنا: أنه معلومٌ بالمشاهدة، فصح كالصبرة والنقرة. وإن قال: بعتك هذه الغنم، كل شاة بدينار، وهما لا يعلمان عددها وقت البيع.. صح العقد. وقال داود: (لا يصح) . دليلنا: أن غرر الجهالة بالثمن ينتفي بعد عدها، فصح.

стр. 2385

[فرعٌ: بيع العربان] ] : و: «نهى النبي ﷺ عن بيع العربان» . قال القتيبي: هو أن يشتري الرجل السلعة، فيدفع درهمًا أو دينارًا، على أنه إن أخذ السلعة بالبيع.. كان المدفوع من الثمن، وإن لم يتم البيع، وردّ السلعة.. كان المدفوع هبة للبائع، ولم يسترجعه منه. قال: ويقال: عربان، وعُربون، وأربان، وأربون، والعامة تقول: عَربون، وهو غير جائز. وقال أحمد: (يصح هذا البيع) . دليلنا: أنه شرط أن يكون للبائع شيء بغير عوض، فلم يصح، كما لو شرطه لأجنبي. [فرعٌ: البيع لاثنين دفعة] إذا كان لرجلٍ عبدٌ، فقال لرجلين: بعتكما هذا العبد بألفٍ، فقالا: قبلنا.. صح البيع؛ لأن الثمن ينقسم على أجزائه، ويكون لكل واحد منهما نصفه بخمسمائة، فإن قال أحدهما: قبلت دون الآخر.. كان له نصف العبد بخمسمائة؛ لأن إيجابه لاثنين بمنزلة العقدين. وإن كان له عبدان، فقال: بعتك يا زيد هذا، وبعتك يا عمرو هذا بألف، فقالا:

стр. 2386

قبلنا.. فقد ذكر الشافعي ﵀ فيمن كاتب عبدين على مال واحد قولين: أحدهما: لا يصح؛ لأن العقد الواحد مع الاثنين عقدان، فإذا لم يبين العوض لكل واحد منهما.. كان مجهولاً، فلم يصح. والثاني: يصح، وينقسم العوض عليهما على قدر قيمتيهما. فقال أبو سعيد الإصطخري: هذا في الكتابة، فأما في البيع: فلا يصح، قولا واحدًا؛ لأن الكتابة لا تفسد بفساد العوض، بخلاف البيع، فإنه يفسد بفساد العوض، فلم يصح. وقال العباس: بل هما سواء، فتكون المسألة على قولين، وهو الصحيح؛ لأن الكتابة أيضا تفسد بفساد العوض. فأمّا إذا قال: بعتكما هذين العبدين بألف، فقالا: قبلنا.. صح البيع، قولاً واحدًا، ويكون لكل واحدٍ منهما نصف العبدين بخمسمائة، كما لو باعهما من رجلٍ واحدٍ، فأمَّا إذا قال أحدُهما: قبلتُ نصفهما بخمسمائة.. صحّ؛ لأنه قبل فيما أوجب له. وهكذا: لو قال أحدهما: قبلتُ، وأطلق، ولم يقبل الآخر.. صح البيع للقابل في نصفهما بخمسمائة؛ لأن إطلاق القبول يرجع إلى مطلق الإيجاب. وإن قال أحدهما: قبلت أحد العبدين، أو قبلت هذا بخمسمائة.. لم يجز؛ لأنه أوجب لهما في العبدين نصفين بينهما، فلا يجوز أن يقبل في أكثر مما أوجب له. وإن قال أحدهما: قبلت نصف أحد هذين العبدين، أو نصف هذا بحصته من الألف.. لم يصح؛ لأنه قبل في بعض ما أوجب له فيه، فقد بعض الصفقة، ولأن حصته من الثمن مجهولة. [فرعٌ: البيع بنقدين غير معينين] ] : إذا قال: بعتك هذا العبد بألف مثقال ذهبًا وفضةً، فقال: قبلت.. لم يصح البيع.

стр. 2387

وقال أبو حنيفة: (يصح البيع، ويكون الثمن نصفين منهما) . دليلنا: أن قدر كل واحد منهما مجهول، فلم يصح العقد، كما لو قال: بعضها ذهب، وبعضها فضة. ولا يجوز البيع بثمن مؤجل إلى أجل مجهول؛ لأنه عوض في البيع، فلم يجز إلى أجل مجهول، كالمسلم فيه. [مسألة: بيع مجهول القدر] إذا باع شاة مذبوحة قبل السلخ.. قال الطبري: فلا يختلف المذهب: أنّه لا يصح البيع، سواءٌ باع اللحم والجلد، أو اللحم دون الجلد؛ لأنه إذا باع اللحم دون الجلد فهو مستورٌ بما لا مصلحة له فيه، فلم يصح، كما لو باع ما في تراب المعدن، أو تراب الصاغة. وإن باع اللحم مع الجلد.. فالمقصود منه اللحم دون الجلد، وهو مستورٌ بما لا مصلحة له فيه، بخلاف الجوز مع اللب، فإنه مستورٌ بما له في مصلحةٌ. وإن سلخ اللحم، وجعله في الجلد، فباعه من غير رؤية.. فهو على الخلاف الذي مضى في بيع خيار الرؤية. إذا ثبت هذا: فإن ابن القاص قال: إذا باع الشواء المسموط، أو السخلة الصغيرة، وهي مذبوحة، قبل سلخها.. فإن ذلك يصح؛ لأن الجلد فيها مأكولٌ، فهو كالدجاجة المذبوحة إذا بيعت في جلدها. قال القفال: وهكذا لو باعها بعد السمط، وقبل الشواء.. فإن ذلك يصح بيعه؛ لأنه من جملة اللحم.

стр. 2388

قال أبو علي السنجي: وكذلك الرؤوس والأكارع المشوية، وغير المشوية، يصح بيعها وعليها جلدها؛ لأنه مأكول. [مسألة: تعليق البيع] ] : ولا يجوز تعليق البيع على شرط مستقبل، بأن يقول: إذا جاء رأس الشهر، أو إذا طلعت الشمس.. فقد بعتك عبدي؛ لـ «أن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر» . وهذا غرر. قال الشافعي ﵀: أخبرني مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع الملامسة وبيع المنابذة» . قال أصحابنا: فأما (الملامسة) : فلها ثلاث تأويلات: إحداهنّ: أن يبيعه شيئًا في ظلمةٍ لا يشاهدُهُ، وإنّما يلمسه بيده، ويكون لمسه له كالمشاهدة، ولا خيار له بعد ذلك.. فهذا لا يجوز؛ للخبر، ولأنه مبيعٌ مجهول الصفة.

стр. 2389

والثاني: أن يبيعه ثوبًا على أنه إذا لمسه.. فقد وجب البيع ولا خيار له في المجلس فلا يجوز البيع؛ للخبر، ولأنه شرط ينافي مقتضى العقد. والثالث ـ حكاه ابن الصباغ ـ: وهو أن يطرح الثوب على المبتاع، فيلمسه، فإذا لمسه.. فهو عقد الشراء، فلا يصح البيع؛ للخبر، ولأن اللمس لا يكون عقدًا. وأمّا (المنابذة) : فلها تأويلان: أحدهما: أن يقول: أي ثوب نبذت إلي.. فقد اشتريته بمائة، أو أي ثوب نبذت إليك.. فقد بعتكه بمائة، فلا يجوز؛ للخبر، ولأن المبيع مجهول. والثاني: أن يقول: بعتك هذا الثوب، على أنّي متى نبذته إليك.. فقد لزم العقد ولا خيار لك. ولا يجوز بيع الحصاة؛ لما روى أبو هريرة: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحصاة» . وله ثلاث تأويلات، حكاها الشيخ أبو حامد: إحداهن: أن يقول: أي ثوب رميت عليه حصاة.. فقد بعتكه بمائة، فلا يصح؛ للخبر، ولأن المبيع مجهول. والثاني: أن يقول بعتك هذا الثوب بمائة، على أني متى رميتُ عليك حصاةً.. فقد انقطع خيار المجلس، فلا يصح؛ للخبر، ولأنه شرط ينافي مقتضى العقد. والثالث: أن يقول: بعتك من هذه الأرض من هاهنا إلى الموضع الذي تنتهي إليه حصاة ترميها، أو أرميها فلا يجوز؛ للخبر، ولأنه بيع مجهول. ولا يجوز بيع حبل الحبلة؛ لما روى الشافعي ﵀، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع حبل الحبلة» .

стр. 2390

قال ابن عمر ﵄: (هو بيع كان يتبايعه أهل الجاهلية، كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة، ثم ينتج الذي في بطنها) . وإلى هذا التفسير ذهب الشافعي ﵀. وقال أبو عبيد: هو بيع نتاج النتاج. قال الشيخ أبو حامد: وهذا أظهر في اللغة، والأول أظهر في الخبر، وأيهما كان.. فلا يصح؛ لأن البيع في التفسير الأول إلى أجل مجهول، وفي الثاني بيع معدوم مجهول. ولا يجوز بيعتان في بيعةٍ؛ لما روى أبو هريرة: «أن النبي ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة واحدة» . وله تأويلان:

стр. 2391

أحدهما: أن يقول: بعتك عبدي هذا بمائة، على أن تبيعني دارك بمائة، فلا يصح؛ للخبر، ولأنه سلم في عقد، وذلك لا يجوز. والثاني: أن يقول: بعتك عبدي هذا بألف حالة، أو بألفين نسيئة، فلا يصح. وقال ابن سيرين: يلزمه البيع بأكثرهما. وهذا لا يصح؛ لأنه لم يعقد على ثمن معلوم. [مسألة: تحرم مبايعة من ماله حرام] ] : ولا يجوز مبايعة من يعلم أن جميع ماله حرامٌ؛ لما روى أبو مسعود البدري: «أن النبي ﷺ نهى عن مهر البغي، وحلوان الكاهن» . و (البغي) : الزانية، قال الله تعالى: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨] [مريم: ٢٨] . وأما (حلوان الكاهن) : فهو ما يعطى الكاهن ويجعل له رشوة على كهانته، يقال منه: حلوت الرجل أحلوه حلوانًا: إذا حبوته بشيء، قال الشاعر: كأني حلوت الشعر يوم مدحتُهُ ... صفا صخرة صماء يبس بلالها فجعل الشعر حلوانًا مثل العطاء.

стр. 2392

وأما مبايعة من معه حلال وحرام من مكس أو ربا: قال الشيخ أبو حامد: وكذلك أخذ الجوائز من السلطان، فإن ذلك على ثلاثة أضرب: الأول: أن يشتري منه، أو يأخذ منه ما يعلم أنه حرام، فهذا لا يجوز، ولا يملكه إذا أخذه، ويجب عليه ردُّه إلى مالكه. والثاني: أن يشتري منه، أو يأخذ منه ما يعلم أنه حلالٌ، إما من إرث، أو اتّهاب، أو غير ذلك، فيصح ذلك، ويكون ما يأخذه حلالاً. الثالث: إذا كان يشك في ذلك، أهو من الحلال، أم من الحرام؟ فالأولى أن لا يبايعه، ولا يأخذ منه؛ لما روى النعمان بن بشير ﵁: أن النبي ﷺ قال: «الحلال بين، والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات، لا يعلمها كثيرٌ من الناس، فمن اتقى الشبهات.. استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات.. وقع في الحرام، كالرَّاعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإنّ حمى الله محارمه» . وروى الحسنُ بن علي ﵄، أن النبي ﷺ قال: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الخير في الطمأنينة، والشر في الريبة» .

стр. 2393

«وروى أبو أمامة ﵁، قال: قلت للنبي ﷺ ما المؤمن؟ قال: "المؤمن من سرّته حسنته، وساءته سيئته". قال: قلت: وما الإثم؟ قال: ما حاك به صدرك، فدعه» . وقال عمر ﵁: (دعوا الربا والريبة) . فإن بايعه وأخذ منه.. صح البيع، وحلّ له ما يأخذه منه. وقال مالك رحمة الله عليه: (إذا علم أن أكثر ماله حرام.. لم يجز مبايعته، ولا الأخذ منه، وإن كان الأكثر منه حلالاً.. جاز) . دليلنا: ما روي: «أن النبي ﷺ رهن درعه عند أبي الشحم اليهودي على شعير

стр. 2394

أخذه منه» . وأنه كان يعلم أن اليهود يتصرفون في الخمر والرّبا وغير ذلك. وروي: أن رجلاً سأل ابن مسعود ﵁، فقال له: إن لي جارًا يُربي، فهل لي أن آخذ منه؟ فقال: (لك مهنؤه، وعليه مأثمه) . وروي: (أن بعض السلاطين وهب من عبد الله بن عمر ﵄ ثيابًا، قيمتها خمسون ألف درهم فردّها، فشفع إليه.. فقبلها) . ولأن الظاهر مما في يده أنّه ملكه.

стр. 2395

قال الشيخ أبو حامد: لأن المشكوك فيه على ثلاثة أضرب: ضربٌ: أصله على الحظر. وضربٌ: أصله على الإباحة. وضربٌ: لا أصل له في الحظر ولا الإباحة. فأمّا الذي أصله على الحظر: مثل: أن يجد شاةً مذبوحة في بلد عبدة الأوثان، أو المجوس، أو في موضع يساوي فيه أهل الشرك والإسلام، فإنه لا يجوز شراؤها، ولا يحل أكلها؛ لأن أصلها على الحظر، وإنما تستباح بالذكاة، ويحتمل أن يكون ذكاها مسلم، ويحتمل أني كون ذكاها مجوسي، أو وثني، وليس أحدهما بأولى من الآخر، والأصل الحظر، وإن وجدها في بلاد الإسلام، أو في موضع أكثر أهله المسلمون.. فيجوز أكلها؛ لأنه يغلب على الظن أنّها ذبيحة مسلم. وأما الذي أصله الإباحة: فهو الماء إذا وجدَه متغيرًا، ولم يعلم بأي شيء تغيره.. فلا يحكم بنجاسته؛ لأن أصله على الإباحة. وأمّا ما لا أصل له في الحظر والإباحة: فهو المال، فمن أكثر ماله حرامٌ، أو تساوى عنده الحلال والحرام.. فيحتمل الذي يؤخذ منه أنه حرامٌ، ويحتمل أنّه حلال، وليس له أصلٌ في الحظر والإباحة، فهذا يكره الأخذ منه، وابتياعه، فإن ابتاعه.. صحّ؛ لأنّ الظاهر أنه ملكه. [فرعٌ: كراهة بيع الشيء لمن يعصي به] ] : ويكره بيع العنب ممن يعصره خمرًا، وبيع السلاح ممن يعصي الله تعالى به؛ لأن فيه إعانة على المعصية، فإن باع منه.. صح البيع؛ لأنه قد لا يعصره خمرًا، وقد لا يعصي الله في السلاح. قال ابن الصبّاغ: وذكر الشيخ أبو حامد في " التعليق ": إذا اعتقد البائع أنه يعصره خمرًا.. فبيعه منه حرامٌ، وإنما يكره إذا كان يشك. قال الشيخ أبو حامد: فإن باعه ليتخذه خمرًا.. فإنه محرمٌ؛ لأنه أعان على

стр. 2396

المعصية، وهو داخل تحت قوله ﷺ : «لعن الله الخمرة، وبائعها، وعاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها» . والبيع جائز، أي: صحيح، فإن باعه على أن يتخذ منه الخمر.. فالبيع باطل. [فرعٌ: حرمة بيع العبد المسلم والمصحف لكافر] ولا يجوز أن يبيع العبد المسلم أو المصحف من الكافر؛ لأنه يعرض المسلم للصغار، والمصحف للابتذال، وكذلك لا يجوز أن تباع منهم كتب السنن والفقه. وحكى الصيمري، عن الشيخ أبي حامد: أنه قال: يجوز أن تباع منهم كتب أبي حنيفة؛ لأنه لا آثار فيها، ولا يجوز أن تباع منهم كتب أصحابه؛ لأنها متضمنة للآثار، فإن باع منهم ما لا يجوز بيعه من ذلك.. فهل ينعقد البيع؟ فيه قولان: أحدهما: لا ينعقد، وبه قال أحمد؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٤١] [النساء: ١٤١] ، ولأنه عقد منع منه لحرمة الإسلام، فلم يصح، كتزويج المسلمة من الكافر، وفيه احترازٌ من النجش والبيع على بيع أخيه. والثاني: يصح البيع، وبه قال أبو حنيفة، وهو الأظهر؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] [البقرة: ٢٧٥] ، ولأنه سبب يملك به العبد الكافر، فملك به العبد المسلم، كالإرث. فإن قلنا بهذا: فهل يمكن الكافر من قبضه بنفسه، أو يؤمر بأن يؤكل مسلما، ليقبضه له؟ فيه وجهان، حكاهما في " الإبانة " [ق\٢٢٦] . ولا يقر على ملكه، بل يؤمر بإزالة ملكه عنه؛ لأن في ذلك إذلالا للإسلام.

стр. 2397

فإن باعه من غيره، أو رهنه، أو أعتقه.. قبل منه، وإن رهنه، أو أجره، أو زوجه.. لم يقبل منه ذلك؛ لأن ذلك لا يزيل ملكه عنه، وإن كاتبه.. ففيه قولان: أحدهما: يقبل منه؛ لأن بالكتابة يصير كالخارج عن ملكه. والثاني: لا يقبل منه؛ لأن الكتابة لا تزيل ملكه، فهي كالتزويج. فإذا قلنا: لا ينعقد ابتياع الكافر للعبد المسلم، فوكل المسلم كافرًا ليشتري عبدًا مسلمًا.. ففيه وجهان: [الأول] : قال القاضي أبو الطيب: لا يصح، كما لا يصح أن يكون الكافر وكيلا للمسلم، ليتزوج له مسلمة. و [الثاني] : قال ابن الصباغ: يصح، كما يصح للفاسق أن يكون وكيلا في البيع، وإن لم يصح أن يكون وليًّا للنكاح. وإن اشترى الكافر أباه المسلم، أو ابنه المسلم، فإن قلنا: يصح ابتياعه للمسلم إذا كان أجنبيًّا، لا يعتق عليه.. فهاهنا أولى. وإن قلنا هناك: لا يصح.. فهاهنا وجهان: أحدهما: لا يصح؛ لأنه يملك به المسلم، فلم يصح كالأجنبي. والثاني: يصح؛ لأن ملكه لا يستقر عليه، وإنما يعتق عليه بالملك، فيحصل له من الكمال بالحرية، أكثر مما يحصل عليه من الصغار بالملك، فصح، كما إذا قال أعتق عبدك عني.. فإنه يصح العتق، كذلك هاهنا. [مسألةٌ: إعتاق الكافر المسلم] قال ابن الصباغ: إذا قال الكافر لآخر: أعتق عني عبدك المسلم عن كفارتي، فأعتقه عنه.. صح، ويدخل في ملكه، ويخرج منه بالعتق، وإنما جاز ذلك؛ لأن قوله أعتقته عنك ليس بتمليك له، وإنما هو إبطال الرق فيه، وإنّما حصل له الملك فيه حكمًا، كما يملكه بالإرث حكمًا.

стр. 2398

[مسألةٌ: شراء ما لا يشاهد] إذا باع قطنًا، واشترط الحب لنفسه، أو باع سمسمًا، واشترط الكسب لنفسه.. فإن البيع باطلٌ؛ لأن المبيع غير مشاهد؛ لأنه إذا باع القطن، واستثنى الحب لنفسه.. فالحب مختلط بالقطن، ولا يشاهد كل القطن. وهكذا: إذا باع السمسم، واستثنى الكسب لنفسه.. فكأنه باع الشيرج، وهو غير مشاهد، فلم يصح البيع، ولأنه لا يخلو: إمّا يسلِّم القطن مع الحب، والسمسم كما هو، أو يمسكه ليحلج القطن، ويستخرج الشيرج، ولا يجوز أن يسلم القطن والسمسم؛ لأنه لا يلزمه تسليم حقه وحق غيره، ولا يجوز أن يمسكه حتى يميز المبيع عمّا ليس بمبيع؛ لأنه يكون في الحقيقة بيعا شرط في تأخير التسليم، وذلك لا يجوز. [فرعٌ: بيع الشاة دون السواقط] وإن قال: بعتك هذه الشاة، إلا سواقطها.. لم يصح، وبه قال أبو حنيفة. وقال مالكٌ رحمةُ الله عليه: (إن كان في الحضر.. لم يصح، وإن كان في السفر.. صح) . دليلنا: «أن النبي ﷺ نهى عن الثنيا في البيع» . ولأنه لو باع سواقطها.. لم يصح، فكذلك إذا استثناها. وإن باع بهيمةً حاملاً أو جاريةً بمملوك.. فإن الحمل يدخل في البيع بمطلق العقد، كسائر أجزائها.

стр. 2399

وإن استثنى البائع الحمل، أو استثنى البائع البيضة في الدجاجة المبيعة.. لم يصح البيع؛ لأن ذلك بمنزلة عضو من أعضائها، بدليل: أنه إذا أعتق الجارية الحامل.. عتق الحمل، ولأنا لو قلنا: يجوز.. لم يخل: إمّا أن يؤمر بتسليم الأم مع حملها، أو يؤمر بتسليمها بعد الوضع، فبطل أن يؤمر بتسليمها مع حملها؛ لأنه لا يؤدي إلى أن يلزمه تسليم المبيع وغيره، وبطل ألا يلزمه التسليم إلاَّ بعد الوضع؛ لأن ذلك يؤدي إلى تأخير تسليم المبيع، فإذا بطل القسمان.. ثبت أنّ البيع باطل. وإن اشترى جارية حاملاً بحر.. لم يصح البيع في الجارية؛ لأن الحر لا يصح بيعه، فيصير كأنه استثناه في البيع، فلم يصح. وإن باع جاريةً، أو بهيمة لبونًا، واستثنى البائع لبنها.. قال ابن الصباغ: فيحتمل عندي وجهين: أحدهما: لا يصح البيع؛ لأنه مجهول، فأشبه الكسب، وحب القطن، والحمل، والبيض. والثاني: يصح؛ لأنه يبقيه على ملكه، فالجهالة فيه لا تؤثر، بخلاف الكسب، وحب القطن، والحمل، والبيض، لأن كل واحد من ذلك لا يقدر على تسليمه عقيب العقد، بخلاف اللبن. [فرعٌ: لا يفرق بين الأمة وطفلها] ] : ولا يجوز أن يفرق بين الجارية وبين ولدها المملوك في البيع والهبة، قبل أن يستكمل الولد سبع سنين؛ لما روى أبو سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال: «لا توله والدةٌ بولدها» . أي: لا يشغل قبلها به.

стр. 2400

ولما روي عن النبي ﷺ : أنه قال: «من فرّق بين والدة وولدها.. فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة» . فإن فرق بينهما بالبيع أو الهبة.. فهل يصح البيع أو الهبة؟ فيه وجهان: المشهور من المذهب: أنه لا يصح؛ لما روى أبو داود في "سننه ": «أن عليا ﵁ فرق بين الأم وولدها، فنهاه النبي ﷺ عن ذلك، وردّ البيع» . وحكى المسعودي [في " الإبانة " [ق\٢٢٢] قولاً للشافعي ﵀ في القديم: (أنه يصح البيع) . وبه قال أبو حنيفة ﵀.

стр. 2401

والأول أصح؛ لأنه تفريق محرم في البيع، فأبطله، كالتفريق بين الجارية وحملها. وهل يجوز التفريق بينهما بعد استكمال الولد سبع سنين، وقبل بلوغه؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجوز؛ لعموم الخبر، ولأنه غير بالغ، فأشبه ما لو لم يستكمل السبع. والثاني: يجوز؛ لأنه مستغن عن الحضانة، فأشبه البالغ. وإن فُرق بين الولد، وبين جدته أم أمه.. فهو كما لو فرق بينه وبين أمه، على ما مضى. وهل يجوز التفريق بينه وبين أبيه؟ فيه وجهان حكاهما الصيمري. وإن فرق بينه وبين أخيه.. جاز. وقال أبو حنيفة: (لا يجوز) . دليلنا: أن القرابة التي بينهما لا تمنع القصاص، فلا تمنع التفريق بينهما في البيع، كابن العم. وقال الشيخ أبو إسحاق في " التعليق " بالخلاف. فإن اشترى جارية وولدها الصغير، ثم تفاسخا البيع في أحدهما.. صح البيع. وأما التفريق بين البهيمة وولدها الصغير بعد استغنائه عن لبنها.. فجائز، وحكى الصيمري فيه وجهين: أحدهما ـ هذا، وهو الأصح ـ: أنه يجوز، كما يجوز له ذبح أحدهما، وذبحهما معًا.

стр. 2402

والثاني: لا يصح؛ لنهيه ﷺ عن تعذيب الحيوان وفي ذلك تعذيب له. وبالله التوفيق.

стр. 2403

[باب ما يفسد البيع من الشروط وما لا يفسده] الشروط في البيع على أربعة أضرب: أحدها: ما هو من مقتضى العقد، مثل: أن يشرط عليه التسليم، أو خيار المجلس، أو ردّه بالعيب إن كان معيبًا، أو الرجوع بالعهدة إن استحق، وما أشبه ذلك.. فهذا لا يفسد البيع؛ لأن إطلاق العقد يقتضي ثبوت ذلك، فكان شرطه لذلك تأكيدًا لما يقتضيه العقد. الشرط الثاني: ما لا يقتضيه العقد، ولكن فيه مصلحة، كالأجل في الثمن، وخيار الثلاث، والرهن، والضمان، والشهادة. وما أشبه ذلك.. فهذا شرطٌ لا يفسد البيع، ويثبت المشروط؛ لأن في ذلك مصلحة للعقد. الشرط الثالث: أن يبيعه عبدًا بشرط أن يعتقه المشتري، فالمنصوص للشافعي ﵀ في عامة كتبه: (أن الشرط صحيح) . وبه قال مالك رحمة الله عليه، وحكى القاضي أبو حامد في " جامعه ": أن أبا ثور روى عن الشافعي ﵀: (أن الشرط باطلٌ، والبيع صحيح) . ومن أصحابنا من قال: القول المخرج للشافعي فيها: (أن الشرط والبيع باطلان) . وهو قول أبي حنيفة ﵀، إلا أن أبا حنيفة يقول: (إذا قبضه المشتري.. ملكه ملكًا ضعيفًا، فإذا أعتقه.. نفذ عتقه، ويلزمه الثمن) . وقال أبو يوسف، ومحمد: يلزمه القيمة. واحتج من ذهب إلى هذا بما روي: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع وشرط» .

стр. 2404

ولأنه شرط يمنع كمال التصرف، فمنع صحة البيع، كما لو باعه بشرط ألا يعتقه، أو بشرط أن يبيعه. ووجه المنصوص: ما روي: «أن بريرة ﵂ كاتبت على نفسها بسبع أواقي ذهب، في كل سنة أوقية، فجاءت إلى عائشة ﵂ تستعينها، فقالت: لا، ولكن إن شئتِ.. عددت لهم مالهم عدَّةً واحدة، على أن يكون ولاؤك لي، فرجعت إليهم، فأخبرتهم، فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم، فذكرت ذلك لعائشة أم المؤمنين، فذكرت عائشة ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : " اشتريها، واشترطي لهم الولاء، وأعتقيها "، فاشترتها، وأعتقتها، ثم صعد رسول الله ﷺ المنبر خطيبًا، فقال: " ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، كل شرط ليس في كتاب الله، فهو باطل، وإن كان مائة شرط، كتاب الله أحق، وشرطه أوثق، والولاء لمن أعتق ". قالت عائشة أم المؤمنين: (فخيرها رسول الله ﷺ ، وكان زوجها عبدًا فاختارت نفسها، ولو كان حرًّا.. لم يخيِّرها رسول الله ﷺ » -) .

стр. 2405

ووجه الدلالة من هذا الخبر: أن هذا البيع إنما كان بشرط العتق، وقد روي في بعض الأخبار: (أن عائشة اشترت بريرة لتعتقها) . وأيضا فإنها إذا اشترطت الولاء لأهلها.. فإنما يكون ذلك في موضع شرط فيه العتق، ولأن للعتق مزية وغلبة في الأحكام، بدليل: أنه إذا أعتق نصف عبده.. عتق الجميع، ولو أعتق شقصًا له من عبدٍ بينه وبين غيره، وكان موسرًا بقيمة باقية.. عتق باقيه، فلم يفسد البيع بشرطه، بخلاف غيره من العقود. فإن قيل: فبريرة كانت مكاتبة، فكيف جاز بيعها؟ قلنا: على القول القديم

стр. 2406

(يجوز بيعها) ، ويكون هذا حجة على صحة البيع للقول القديم، وعلى القول الجديد (لا يصح بيعها) ، فيحمل الخبر على أنها عجزت نفسها عن أداء ما عليها، فعجّزها أهلها، وفسخوا العقد، والفسخ يصح بصريح الفسخ بأن يقول المولى: فسخت الكتابة، ويصح بإزالة الملك بأن يبيعه، أو يهبه، فكأنهم جعلوا بيعهم لها فسخًا لكتابتها. فإن باعه عبدًا بشرط أن يعتقه المشتري، ويكون الولاء للبائع.. فشرط الولاء باطلٌ بلا خلاف على المذهب، وفي البيع قولان: أحدهما: وهو رواية أبي ثور عن الشافعي: (أن البيع صحيح) ؛ لما ذكرناه من حديث عائشة في شراء بريرة ﵂. والثاني ـ وهو المشهور ـ: أن البيع باطلٌ؛ لأنه شرط ليس من مقتضى العقد، ولا من مصلحته، ولم يبن على التغليب، فأبطله، كسائر الشروط الفاسدة. وأمّا تأويل حديث عائشة: فإن النبي ﷺ أراد إبطال ذلك عليهم، وقطع عادتهم في ذلك، فأمر عائشة: (أن تشترط لهم الولاء) ، ثم أبطله؛ ليكون أبلغ في قطع عادتهم في ذلك، كما أنه أمرهم بالإحرام بالعمرة في أشهر الحج، فلم يحرموا؛ لأنهم كانوا لا يرون جواز ذلك، فأحرموا بالحج، ثم فسخ عليهم إحرامهم بالحجّ، وأمرهم بالإحرام بالعمرة؛ ليبالغ في الزجر والردع عن ذلك عما كانوا يعتقدونه، كذلك هذا مثله، فيكون هذا الشرط خاصًّا لعائشة ﵂؛ لهذا المعنى. قال المزني: ويحتمل أن يكون معنى قوله ﵊: «اشترطي لهم الولاء» ؛ أي: اشترطي عليهم الولاء؛ لأن حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض، ألا ترى إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] [الإسراء: ٧] ، أي: فعليها. وهذا التأويل ليس بصحيح؛ لأن النبي ﷺ أبطل شرط الولاء، ولو كانت اشترطت عليهم الولاء لها.. لكان هذا صحيحًا.

стр. 2407

[فرعٌ: البيع بشرط العتق] إذا باعه عبدًا بشرط العتق.. نظرت: فإن أعتقه المشتري.. استقرَّ العقد، وإن امتنع من إعتاقه.. ففيه وجهان: أحدهما: يجبر عليه؛ لأنه عتق لزمه، فإذا امتنع منه أجبر عليه، كما لو نذر عتق عبد، ثم امتنع من إعتاقه. والثاني: لا يجبر؛ لأنه قد ملكه، وثبت للبائع الخيار: بين أن يجيز البيع، وبين أن يفسخه، كما لو شرط أن يرهنه بالثمن رهنا، فامتنع من الرهن. وهذان الوجهان بناءً على أن شرط العتق حقٌ للعبد، أو للبائع، وفيه وجهان: فإن قلنا: إنه حق للعبد.. أُجبر عليه. وإن قلنا: إنه حق للبائع.. ثبت له الخيار. فإن رضي البائع بإسقاط العتق.. فعلى الوجهين: إن قلنا: إنه حقٌ للبائع.. يسقط بإسقاطه، وإن قلنا: إنه حق للعبد.. لم يسقط. وإن مات العبد قبل أن يعتقه المشتري.. ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: يستقر البيع، ولا شيء على المشتري غير الثمن؛ لأن العبد تلف على ملكه، ولا يمكن إجباره على عتقه بعد موت العبد. والثاني: أن البائع يأخذ الثمن، وما نقص منه لأجل العتق؛ لأنه إنما باعه بهذا الثمن لأجل العتق، فإذا لم يتم العتق.. رجع إلى ما نقص. فعلى هذا: إن كان قد باعه بخمسين درهما بشرط العتق، ثم مات العبد قبل أن يعتق.. فإنه يقال: كم كانت قيمته لو بيع من غير شرط العتق؟ فإن قيل: في المثل ستون درهمًا.. قيل: فكم قيمته إذا بيع بشرط العتق؟ فإن قيل: أربعة وخمسون درهمًا.. قيل للبائع: فخذ من المشتري مثل تسع الثمن الذي سمي في العقد، وتسع

стр. 2408

الخمسين: خمسة دراهم وخمسة أتساع درهم، وهو عشر مبلغ الثمن بعد إضافة هذا إلى الخمسين. والوجه الثالث: أن البائع بالخيار: إن شاء.. أجاز البيع، ولا شيء له، وإن شاء.. فسخه، ورجع بقيمة عبده، كما لو كان العبد باقيًا. وإن باعه عبدًا بشرط أن يعتقه بعد شهر.. ففيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ: أحدهما: يصح؛ لأن ثبوت ذلك بالشرط، فكان على ما شرط. والثاني: لا يصح؛ لأنه عتق يتعلق بالعين، فلم يصح التأجيل فيه، كما لو باعه عبدًا بشرط أن لا يسلمه إليه إلا بعد شهر. وإن باعه عبدًا بشرط أن يعتقه المشتري، فباعه المشتري من آخر بشرط أن يعتقه المشتري الثاني.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يصح البيع الثاني؛ لثبوت حق العتق فيه، فلم يصح، كما لو نذر عتق عبد بعينه، فباعه. والثاني: يصح؛ لأن المقصود عتق العبد، وذلك يحصل من الثاني، كما يحصل من الأول، فصح، كما لو وكل الأول في إعتاقه. والأول أصح. وإن باعه أمة بشرط أن يعتقها، فأحبلها المشتري.. فهل يجبر على إعتاقها؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجبر؛ لأن عتقها قد استحق بالإحبال. والثاني: يجبر، وهو الصحيح؛ لأن استحقاقها للعتق قد استحق قبل الإحبال، فلا يجوز تأخيره إلى وقت موته. وإن باعه دارًا أو أرضًا أو عبدًا، بشرط أن يقفه.. ففيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ: أحدهما: يصح البيع والشرط، قياسًا على العتق. والثاني: يبطلان؛ لأن الوقف لا يبنى على التغليب، فلم يصح البيع بشرطه، كما لو باعه ثوبًا بشرط أن يتصدق به.

стр. 2409

الشرط الرابع: أن يبيعه عبدًا على أن لا يعتقه، أو على أن لا يبيعه، أو على أن لا خسارة عليه فيه، ومعنى هذا: أنه متى خسر في ثمنه.. فضمانه على البائع. أو باعه جارية بشرط أن لا يطأها، وما أشبه ذلك.. فالشرط باطلٌ، والبيع باطلٌ، هذا هو المنصوص للشافعي ﵀ في عامة كتبه، وبه قال أبو حنيفة. وروى أبو ثور عن الشافعي: (أن الشرط باطلٌ، والبيع صحيح) . وهو قول ابن أبي ليلى، والحسن البصري، والنخعي ﵏. واحتجوا بحديث عائشة في شرائها لبريرة بشرط أن تعتقها، ويكون الولاء لأهلها. وقال ابن سيرين: الشرط صحيح، والبيع صحيح. دليلنا: ما روي: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع وشرط» . وروي: أن ابن مسعود ﵁ اشترى من امرأته جارية، واشترطت عليه: إنك إن بعتها.. فإنها لي بالثمن، فاستفتى عمر في ذلك، فقال عمر: (لا تقربها وفيها شرط لأحد) . ولأنه شرط لم يبن على التغليب، ولا هو من مصلحة العقد، ولا من مقتضاه، فأبطله، كما لو شرط أن لا يسلم المبيع. فقولنا: (لم يبن على التغليب) احترازٌ ممن شرط إعتاق العبد المبيع؛ لأن العتق بني على التغليب، على ما مضى ذكره. وقولنا: (ولا هو من مصلحة العقد) احترازٌ من شرط الأجل، والرهن والضمان.

стр. 2410

وقولنا: (ولا من مقتضاه) احترازٌ منه إذا شرط ردّه بالعيب عند وجوده ورجوعه بالعهدة عندما يستحق عليه، وأما حديث عائشة: فقد ذكرنا تأويله. [فرعٌ: شرط الانتفاع بالمبيع مدّة] ] : وإن اشترى دارًا، واشترط سكناها شهرًا، أو عبدًا، واستثنى خدمته مدة معلومة، أو جملا، واشترط أن يركبه إلى موضع معين.. فالبغداديون من أصحابنا قالوا: لا يصح البيع، وجهًا واحدًا. وحكى المسعودي [في " الإبانة " ق\٢٢٠] : أنها على وجهين: أحدهما: يصح الشرط والبيع، وبه قال أحمد، وإسحاق، والأوزاعي؛ لما «روى جابرٌ ﵁ قال: (بعت من النبي ﷺ بعيرًا، واشترطت عليه ظهره إلى المدينة» . وروي: (أن عثمان باع دارًا واشترط سُكناها شهرًا) . والثاني: لا يصح البيع، وهو الصحيح؛ لما روي: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع وشرط» . ولأنه شرط لم يبن على التغليب، ولا هو من مصلحة العقد، ولا من مقتضاه، فلم يصح، كما لو شرط أن لا يسلمه المبيع. وأما حديث جابر ﵁: فلأن الشرط وقع بعد العقد وانقضاء الخيار، أو نقول: لم يكن ابتياعًا صحيحًا، وإنما أراد لتناله بركته؛ لما روي «عن جابر رضي الله

стр. 2411

عنه: أنه قال: خرجت مع رسول الله ﷺ في بعض الغزوات، فلحقني رسول الله، فقال: " ما بال جملك؟ "، فقلت: قد أعيا، فتخلف رسول الله ﷺ ، فزجره، فسبق القافلة، ثم قال: " بكم ابتعته؟ "، فقلت: بثلاثة عشر دينارًا، فقال ﷺ : " أتبيعه مني بما ابتعته؟ "، فاستحييت منه، فبعته، فقدمنا المدينة، فرآني خالي، فقال: ما بال جملك؟ فقلت: بعته من رسول الله ﷺ ، فلامني عليه، فجئت إلى رسول الله ﷺ ، فلمّا رآني.. قال: " أتراني ماكستك لآخذ جملك؟ خذ جملك وثمنه، فهما لك» . فلمّا قال: " خذ جملك ".. دلّ على أن الجمل كان ملكًا له، لم يزل عنه. وأمَّا حديث عثمان ﵁ وأرضاه: فالقياس مقدم عليه. إذا ثبت ما ذكرناه: فإن الشرط الباطل إنما يفسد البيع إذا كان في حال العقد، أو بعد العقد، وقبل انقضاء الخيار على الصحيح من المذهب. وقال أبو علي الطبري: إذا قلنا: إن المبيع ينتقل بنفس العقد.. لم تلحق الشروط بالعقد بعد العقد في حال الخيار. وليس بشيء. وأمّا إذا كان الشرط قبل العقد: فإنه لا يلحق بالعقد إن كان صحيحًا، ولا يبطل به العقد إن كان الشرط فاسدًا. [مسألةٌ: البيع بشرط فاسد] باطل] : وإن اشترى جارية بشرط فاسد.. فقد قلنا: إن البيع باطلٌ، ولا يجب على البائع أن يسلِّمها، ولا يجب على المشتري أن يتسلمها، وإن قبضها المشتري.. لم يملكها، وإن تصرف فيها ببيع، أو عتق.. لم ينفذ تصرفه.

стр. 2412

وقال أبو حنيفة: (إذا قبضها المشتري بإذن البائع، وكان قد سمى لها عوضًا له قيمة.. ملكها بالقبض ملكًا ضعيفًا، ولبائعها أن يرجع فيها، فيأخذها مع الزيادة المتصلة والمنفصلة. فإن تصرّف فيها المشتري تصرُّفًا يمنع البائع الرجوع فيها، كالبيع والهبة والعتق والكتابة.. نفذ تصرّفه، وكان للبائع عليه ثمنها. وقيل: قيمتها. وإن اشتراها بما لا قيمة له، كالدم والميتة.. لم يملكها بالقبض) . واحتجُّوا بحديث عائشة في شراء بريرة، وعندهم: أن الشراء كان باطلاً، وإنّما ملكتها بالقبض، ونفذ تصرُّفها فيها بالعتق لذلك. دليلنا: أنه مقبوض عن عقدٍ فاسدٍ.. فلم يملكه به، فوجب أن لا ينفذ به تصرفه، كما لو اشتراها بدم أو ميتة. ولأن الوطء في النكاح الصحيح بمنزلة القبض في البيع الصحيح، بدليل: أنّه يستقر به المسمى في النكاح، والثمن في البيع. ثم ثبت أنه لا يستفيد بالوطء في النكاح الفاسد شيئًا مما يستفيده بالعقد الصحيح من استباحة البضع، والإيلاء، والظهار، والطلاق، فكذلك يجب أن لا يملك بالقبض في البيع الفاسد شيئًا مما يملك بالعقد الصحيح. وأمّا حديث عائشة: فيحتمل أنّها شرطت لهم الولاء قبل العقد، فلذلك لم يبطل البيع، ويحتمل أن القصة كانت خاصّة بعائشة، وأراد النبي ﷺ بذلك قطع عادتهم في ذلك. فإن قبضها المشتري، فإن كانت باقية بحالها لم تزد ولم تنقص.. لزمه ردُّها، وإن أقامت في يده مدة لها أجرة، فإن كانت صانعة.. لزمه أجرة مثلها صانعة، سواءً استخدمها أو لم يستخدمها؛ لأنه ممسك لها بغير حق، وإن كانت غير صانعة.. لزمه أجرة مثلها غير صانعة. ومن أصحابنا من قال: لا تلزمه أجرتها، كما إذا كان المبيع نخلة.. فإنه لا يلزمه رد أجرتها. قال الشيخ أبو حامد: وهذا غلط؛ لأنه ما من جارية إلا ولها أجرة ومنفعة، بأن

стр. 2413

يقول: اسقيني الماء، أو قدِّمي لي الخبز، بخلاف النخلة؛ لأنه ليس لمثلها أجرة، ألا ترى أنه لا يجوز إجارتها، ويجوز إجارة الجارية؟ وإن زادت في يده، فإن كانت الزيادة موجودة لم تتلف.. لزمه رد الجارية، ورد زيادتها، سواء كانت متصلة أو منفصلة؛ لأنها ملك للبائع، وإن تلفت الزيادة، وبقيت الجارية، بأن سمنت في يد المشتري، ثم هزلت، أو تعلمت القرآن أو صنعةً في يده، ثم نسيت ذلك.. لزمه رد الجارية. وهل يلزمه أرش الزيادة؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يلزمه؛ لأن البائع دخل في البيع ليأخذ بدل العين دون بدل الزيادة. والثاني ـ وهو المنصوص ـ: (أنه يلزمه أرش الزيادة التي تلفت في يده) ؛ لأنها حدثت في ملك البائع، فكان له بدلُها، وقول الأول: إن البائع لم يدخل في البيع ليأخذ بدل الزيادة يبطل بالأجرة، فإنه لم يدخل في البيع ليأخذها، ومع هذا: فإنه يستحق الأجرة. وإن قبضها المشتري وهي سمينةٌ، فهزلت في يده، أو قبضها وهي تحفظ القرآن، أو تحسن صنعة، فنسيت ذلك في يده.. لزمه رد الجارية، وأرش النقص؛ لأنه ضمن ذلك بالقبض، فلزمه قيمته إذا تلف، كالغاصب، وإن تلفت الجارية في يده.. لزمه قيمتها. وفي قدرها وجهان: أحدهما: يلزم قيمتها يوم تلفها؛ لأنه مأذون له في إمساكها، فلزمه قيمتها يوم التلف، كالعارية. والثاني ـ وهو الصحيح ـ: أنه يلزمه قيمتها أكثر ما كانت من حين قبضها إلى أن تلفت؛ لأنه قبض مضمون في عين يجب ردّها، فإذا هلكت.. ضمنها بقيمتها أكثر ما كانت من حين القبض إلى حين التلف، كالمغصوب. فقولنا: (قبضٌ مضمونٌ) احترازٌ من قبض الوديعة وغيرها من الأمانات. وقولنا: (في عين يجبُ ردُّها) احترازٌ من قبض المشتري المبيع، فإنه قبض مضمون بالثمن، إلا أنه لا يجب ردّه، ويخالف العارية، فإن المستعير لو ردّها ناقصة بالاستعمال.. لم يجب عليه شيء، بخلاف هذا.

стр. 2414

وإن وطئها المشتري.. لم يجب عليه الحد؛ لأنه يعتقد أنها ملكه، ولأن في الملك اختلافًا، فإن أبا حنيفة يقول: (يملكها بالقبض) وذلك شبهة، فسقط بها الحد، فإن كانت ثيِّبًا.. وجب عليه مهر ثيب؛ لأنها موطوءة لا يملك وطأها، فسقط الحد عن الواطئ للشبهة، فوجب عليه المهر، كما لو وجد امرأةً على فراشه، فظنّها زوجته، فوطئها، فإن كانت بكرًا.. وجب عليه مهر بكر، ووجب عليه أرش الافتضاض مع المهر، فإن قيل: فكيف أوجبتم عليه المهر وقد أذن البائع بوطئها؟ ألا ترى أن الرجل إذا أذن بوطء جاريته.. لم يجب له المهر؟ فالجواب: أنه إنما أذن بوطئها على أنها ملك للمشتري، وهاهنا بان أن الجارية ملك للبائع، والوطء بالشبهة إذا صادف ملك غيره.. أوجب المهر. فإن قيل: هلاَّ قلتم: إنه لا يجب على المشتري أرش البكارة، كما إذا تزوّج امرأةً بكرًا بنكاح فاسدٍ، فافتضّها.. فإنه لا يجب عليه أرش البكارة؟ فالجواب: أن النكاح يتضمن الإذن في الوطء؛ لأنه معقود عليه، والوطء يتضمن إتلاف البكارة، وليس كذلك البيع، فإنه ليس بمعقود على الوطء، ولهذا يجوز له شراء من لا يحل له وطؤها، ولأن الزوجة سلمت نفسها لا على وجه الضمان لبدنها، ولهذا إذا تلفت في يد الزوج.. لم يجب بالإتلاف ديتها بخلاف الأمة المبيعة؛ لأن البيع يقتضي ضمان بدنها. فإن قيل: كيف أوجبتم أرش البكارة مع المهر، ولم يدخل الأرش في المهر؟ فالجواب: أنه إنما وجب الجمع بينهما؛ لأن أرش البكارة وجب بإتلاف ذلك الجزء، والمهر وجب بالاستمتاع، فوجب بدلُهما، ولأن أرش البكارة سبق وجوبه وجوب المهر؛ لأن الافتضاض قد يوجد قبل التقاء الختانين، والمهر لا يجب إلا بالتقائهما، فجرى مجرى من افتضّها بأصبعه، ثم وطئها، إلا أن من افتضّها بأصبعه، ثم وطئها.. يجب عليه أرش البكارة، ومهر ثيّب؛ لأنه لم يستوف اللذة المقصودة بالبكارة، وهاهنا قد وجد منه استيفاء اللذة الكاملة بإزالة البكارة، فوجب عليه مهر بكرٍ، ووجد منه إزالة ذلك الجزء، فوجب عليه بدله.

стр. 2415

وإن أحبلها المشتري.. نظرت: فإن وضعت الولد حيًّا.. فإنّ الولد يكون حرًّا؛ لحصول الشبهة، ويلزمه قيمة الولد؛ لأنه أتلف عليه رقّه، ويقوم عليه يوم الوضع؛ لأنه حال الحيلولة بينه وبين البائع لو كان مملوكًا. وإن نقصت الأم بالحمل، أو بالوضع.. لزم المشتري أرش النقص. وإن وضعت الولد ميِّتًا.. لم يجب على المشتري قيمته؛ لأنه لم توجد منه الحيلولة بين البائع وبين هذا الولد. وإن ضرب ضاربٌ بطنها، فألقت من ضربه جنينًا ميتًا.. وجب على الضارب غرّة عبد، أو أمة مقدّرة بنصف عشر دية أبي الجنين، ويجب لمالك الأمة أقل الأمرين من قيمة الولد يوم الولادة، أو الغرة؛ لأن ضمان الضارب له قام مقام خروجه حيًّا، وله أن يطالب بذلك من شاء من الضارب أو المشتري، فإن كانت الغرة أقل.. لم يجب للبائع أكثر منها، وإن كانت القيمة أقل.. كان له قدر القيمة، والباقي لورثة الجنين. فإن سلم المشتري الجارية إلى البائع حاملاً، فولدت في يد البائع.. لزمه ضمان ما نقصت بالولادة؛ لأنها نقصت بسبب فعله. وإن ماتت من الولادة.. لزم المشتري قيمتها؛ لأنها ماتت بسبب كان في يده. وهل تحمل العاقلة عنه قيمتها؟ فيه قولان، حكاهما الشيخ أبو حامد، بناء على القولين في أن العاقلة هل تحمل قيمة العبد في الجناية؟ ويأتي توجيههما في (العاقلة) إن شاء الله تعالى. ولا تصير هذه الجارية أم ولد للمشتري في الحال. وهل تصير أم ولدٍ له إذا ملكها بعد ذلك؟ فيه قولان:

стр. 2416

أحدهما: لا تصير أم ولد؛ لأنها علقت منه في غير ملكه. والثاني: تصير أم ولد له؛ لأنها علقت منه بحر. [فرعٌ: ما يلزم عن العلم بفساد الشراء] ] : قال الصيمري: وإذا اشترى عبدًا شراءً فاسدًا، وقبضه، وأنفق عليه مدّة، فإن كان المشتري عالمًا بفساد الشراء.. لم يرجع بما أنفق عليه، وإن لم يعلم.. فهل يرجع على البائع بما أنفق عليه؟ فيه وجهان، بناءً على القولين في رجوع الزوج في المهر على الولي إذا غرّه بحرّية الزوجة. [فرعٌ: تلف ثمن البيع الفاسد بعد القبض] ] : قال أبو العباس: إذا باعه عبدًا بيعًا فاسدًا بثمن، وتقابضا، ثم أتلف البائع الثمن.. وجب على المشتري ردّ العبد، ولم يكن له إمساكه إلى أن يأخذ الثمن. وقال أبو حنيفة ﵀: (له إمساكه، وهو أحق به من سائر الغرماء) . دليلنا: أنه لم يقبض العبد وثيقة، وإنما قبضه على أنه ملكه، فإذا بان خلافه.. وجب ردّه. وبالله التوفيق.

стр. 2417

[باب تفريق الصفقة] إذا جمع في البيع بين ما يجوز بيعه وبين ما لا يجوز بيعه؛ بأن باع عبده وحرًّا، أو عبده وعبد غيره.. بطل البيع فيما لا يجوز بيعه، وهو الحر وعبد غيره. وهل يصح بيعه في عبده؟ فيه قولان. وقال أبو حنيفة ﵀: (إذا جمعت الصفقة بين ما هو مالٌ، وبين ما ليس بمال، مثل: أن باع خلاًّ وخمرًا، أو عبدًا وحرًّا، أو شاةً وخنزيرًا.. بطل البيع في الجميع. وإن جمعت الصفقة بين ما هو مالٌ، وما هو في حكم المال، كعبده وأم ولده.. صح البيع في عبده، وبطل في أم ولده. وإن جمعت الصفقة بين مالين، بأن باع عبده وعبد غيره.. لزم البيع في عبده، ووقف البيع في عبد غيره على إجازة مالكه، فإن أجازه.. نفذ، وإن ردّه.. بطل) . ويأتي الدليل عنه. فإذا قلنا: تفرق الصفقة، فيبطل البيع فيما لا يجوز، ويصح فيما يجوز.. فوجهه: أن كل واحد منهما لو أفرده بالعقد.. لثبت له حكمه، فإذا جمع بينهما.. ثبت لكل واحد منهما حكم الانفراد، كما لو باع سيفًا وشقصًا من أرض، ولأنه لمّا لم يجُز أن يقال: يصح البيع فيما لا يجوز بيعه؛ لصحته فيما يجوز بيعه.. لم يجز أن يقال: يبطل البيع فيما يجوز بيعه؛ لبطلانه فيما لا يجوز بيعه، فأجرى حكم كل واحد منهما على ما كان يجري عليه لو أفرده بالبيع.

стр. 2418

وإذا قلنا: لا تفرق الصفقة، ويبطل البيع فيهما.. فاختلف أصحابنا في تعليله: فـ[التعليل الأول] : منهم من قال: لأن الصفقة جمعت حلالاً وحرامًا، فغلّب التحريم، كما لو باع درهمًا بدرهمين، أو تزوج بأختين. فعلى هذا: يبطل البيع فيما يتقسّط الثمن فيه على الأجزاء، بأن باع كرين من طعام، أحدهما له، والآخر لغير، أو باع عبدًا يملك بعضه، وفيما يتقسط الثمن فيه على القيمة، بأن باع عبده وعبد غيره، وكذلك إذا رهن ماله ومال غيره، أو وهب ماله ومال غيره، أو أنكح أخته وأجنبية.. فإنه يبطل نكاح الأجنبية، أو نكح مسلمة ومجوسية، أو محلة ومحرمة بعقد.. بطل النكاح. و [التعليل الثاني] : من أصحابنا من قال: إنما يبطل البيع فيهما لجهالة الثمن؛ لأن الثمن يقسط عليهما، فيسقط ما يقابل ما لا يجوز بيعه، ويبقى ما يقابل ما يجوز بيعه، وذلك مجهولٌ حال العقد، فأبطل العقد، كما لو قال: بعتك هذا بحصته من الثمن، أو رأس المال، أو يرفعه وهما لا يعلمان ذلك. قلت: وهذا التعليل إنما يصح إذا قلنا: إنه يأخذ المبيع بحصته من الثمن. فعلى هذا التعليل: لا يبطل البيع فيما يتقسط فيه الثمن على أجزاء المبيع، ولا يبطل الرهن والهبة والنكاح، وإنما يبطل فيما يتقسط الثمن فيه على القيمة. وأما الدليل على أبي حنيفة ﵀ فنقول: لأن الصفقة جمعت بين ما يجوز بيعه، وبين ما لا يجوز بيعه، فصحّ فيما يجوز، كما لو باع عبده ومكاتبه، أو نقول على الآخر: فوجب أن لا يصح في الكل، كما لو باع حرًّا وعبدًا. إذا ثبت ما ذكرناه: فإن قلنا: إن الصفقة لا تفرق.. رد المبيع، واسترجع الثمن

стр. 2419

إن كانا قد تقابضا. وإن قلنا: إن الصفقة تفرق.. فإن المشتري بالخيار: بين أن يفسخ البيع؛ لأن الصفقة تفرقت عليه، وبين أن يجيزه، فإن اختار أن يجيزه.. فبكم يمسك ما صح فيه البيع؟ فيه قولان: أحدهما: أنه يمسك الجائز بجميع الثمن المسمى؛ لأن عقد البيع إنما يتوجه إلى ما يجوز بيعه، دون ما لا يجوز بيعه، فكأنه لم يذكر في العقد غيره. والثاني: يمسكه بحصته من الثمن، وهو الصحيح؛ لأنه لم يبذل الثمن إلا في مقابلهما، فلا يؤخذ منه جميعه بأحدهما. واختلف أصحابنا في موضع القولين: فمنهم من قال: القولان إذا باع عينين يتقسط الثمن عليهما على قدر قيمتيهما، كالعبدين والثوبين. فأمّا إذا كان المبيع مما يتقسط الثمن على أجزائه، كالكرّين من الطعام، أو عبد بعضه له وبعضه لغيره.. فإنه يمسك الجائز بحصته من الثمن، قولاً واحدًا؛ لأن ما يتقسط الثمن فيه على القيمة يكون ما يخص الجائز مجهول، فدعت الحاجة إلى أن يجب عليه جميع الثمن، بخلاف ما يتقسط الثمن على أجزائه؛ لأن ثمن الجائز معلوم. ومنهم من قال: القولان في الجميع، وهو الصحيح؛ لأن الشافعي نص على القولين في بيع الثمرة بعد بدوّ الصلاح وقبل إخراج الزكاة، والثمرة مما يتقسط الثمن فيها على أجزائها. وإن كان أحد المبيعين غير متقوم، بأن باعه خلاًّ وخمرًا، أو عبدًا وحرًّا، فإن قلنا في التي قبلها: إنّه يمسك الجائز بجميع الثمن.. فكذلك هذا مثله. وإن قلنا: إنه يمسك الجائز بحصته من الثمن.. ففي هذا ثلاثة أوجه: أحدها: يبطل البيع، قولاً واحدًا؛ لأنّ الخمر والحرّ لا قيمة لهما، فلا يمكن تقسيط الثمن عليهما.

стр. 2420

والثاني: حكاه في " الإفصاح ": أنه يمسك الجائز بجميع الثمن، قولاً واحدًا؛ لأنّ الخمر والحرّ لما لم يكن لهما قيمةٌ لتقسيط الثمن عليهما.. لم يبق إلا إيجاب جميع الثمن. والثالث ـ حكاه المسعودي [في " الإبانة " [ق\٢٢٧]ـ: أنه يقدر لو كان متقوّمًا، كم كانت قيمته مع قمية الجائز؟ ويقسم المسمى عليهما على قدر قيمتهما، كما قلنا في الجناية على الحرة التي لا أرش لها مقدّرًا. فإن قلنا: إن المشتري يمسك الجائز بجميع الثمن.. فلا خيار للبائع؛ لأنه لا ضرر عليه. وإن قلنا: إنه يمسك الجائز بحصته من الثمن.. فهل يثبت الخيار للبائع؟ فيه وجهان: أحدهما: يثبت له الخيار؛ لأنه لم يحصل له جميع الثمن، فثبت له الخيارُ، كالمشتري. والثاني: لا خيار له؛ لأنه هو الذي فرّق الصفقة على نفسه، حيث باع ما يجوز بيعه وما لا يجوز. [فرعٌ: بيع المجهول] وإن قال: بعتك هذا العبد وعبدًا آخر مجهولاً بألف.. بطل البيع في المجهول، كما لو باعه منفردًا، وهل يبطل البيع في المعلوم؟ إن قلنا: إن الصفقة لا تفرق.. بطل فيه أيضًا. وإن قلنا: إن الصفقة تفرق، فإن اختار المشتري فسخ البيع في المعلوم.. فلا كلام. وإن اختار إمساكه، فإن قلنا: يمسكه بجميع الألف.. صح. وإن قلنا: يمسكه بالحصة.. بطل البيع أيضا فيه؛ لأنه لا يعلم كم قيمة المجهول ليقسط الثمن عليهما.
следующие страницы →