Полный текст (7 092 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.
стр. 2696
فإن كان لشدة حر الزمان.. لزم المسلم قبوله. وإن كان لرقة في الأصل.. لم يلزمه قبوله؛ لأنه عيب فيه. ولا يجوز السلم فيه إلا وزنًا.
وإن أسلم في اللبن.. وصفه بالنوع، فيقول: لبن بقر أو ضأن أو معز، جيدٌ أو رديءٌ، ويذكر ما ترعى الماشية.
وقال ابن الصبّاغ: ويقول: معلوفة أو راعية، ولا يحتاج إلى ذكر الحليب؛ لأنه لا يصح السلم فيه إلا في الحليب، فأمّا الحامض منه.. فلا يصح السلم فيه؛ لأنه معيب.
قال الشافعي: (فإن أسلم في حليب يوم أو يومين.. جاز) .
قال ابنُ الصبَّاغ: ذكر ذلك تأكيدًا لا شرطًا.
وقال الشيخ أبو حامد: إن كان ببلدٍ يبقى اللبن حليبًا يومًا أو يومين.. جاز أن يسلم في حليب يومين.
قال الشافعي: (وأقل حدِّ الحليب: أن تقل حلاوته، وإذا قلت حلاوته.. خرج عن أن يكون حليبًا) .
قال الشيخ أبو حامد: ويجوز السلم فيه كيلا ووزنًا، فإن أسلم فيه كيلا.. لم يكله حتى تسكن رغوته؛ لأنها تؤثر في الكيل. وإن أسلم فيه وزنًا، فإن قال أهل الخبرة: إن كان لتلك الرغوة في الوزن أثر.. لم يوزن حتى تسكن. وإن قالوا: لا تأثير لها.. وزن كما هو.
[فرعٌ: السلم في الجبن]
] : ويجوز السلم في الجبن، ويصفه بصفات اللبن، ويذكر مع ذلك البلد؛ لأنه يختلف، ويذكر: أنه رطب، أو يابس. فإن أسلم في رطب، فإنه إذا أخرج، وترك
стр. 2697
على موضع حتى نزل منه الماء، وبقي كالخاثر.. لزم المسلم قبوله. وإن أسلم في اليابس.. لزمه أن يقبل أدنى ما يتناوله اسم اليبس، وقد مضى ذكر اللِّبَأ.
[فرعٌ: السلم في الصوف والوبر]
ويجوز السلم في الصوف، فيذكر سبعة أوصاف:
فيقول: صوف غنم بلد كذا؛ لأنه يختلف باختلاف البُلدان. ويذكر اللون، فيقول: أبيض أو أسود أو أحمر. ويقول: طويل أو قصير؛ لأن الطويل خير من القصير. ويقول: جيد أو رديء. ويقول: صوف إناث أو ذكور؛ لأن صوف الإناث أنعم. ويذكر الزمان: خريفي أو ربيعي؛ لأن صوف الخريف أنظف؛ لأنه عقيب الصيف، وصوف الربيع رديء.
قال الشافعي: (ويقول: نقي خالص من الشوك والبعر، مغسول) .
قال أصحابنا: وهذا احتياط، فإن لم يذكر ذلك.. جاز؛ لأنه يجب دفعه كذلك.
قال الشافعي: (وكذلك الوبر والشعر، يجوز السلم فيهما، ويصفهما بصفات الصوف، ولا يجوز السلم في ذلك إلا وزنًا) .
[فرعٌ: السلم في القطن]
] : ويجوز السلم في (الكرسف) : وهو القطن، ويذكر فيه ستة أوصاف:
فيقول: قطن تهامة أو أبين. ويذكر اللون، فيقول: أبيض أو أسمر. ويقول:
стр. 2698
ليِّنٌ أو خشنٌ. جيّد أو رديء. ويقول: طويل الشعر أو قصيره؛ لأن ذلك يختلف.
فإن شرط منزوع الحب.. جاز، ولزمه ذلك. وإن أطلق.. كان عليه أن يأخذه بحبه؛ لأن الحب فيه بمنزلة النوى في التمر.
فإن اختلف قديمه وحديثه.. ذكره. فإن أعطاه رطبا.. لم يلزمه قبوله؛ لأن الإطلاق يقتضي قطنًا جافًّا.
فإن أسلم في القطن في جوزه.. لم يصح؛ لأنه مستور بما لا مصلحة له فيه، ولأنه لا يجوز بيعه في جوزه، فلم يصح السلم عليه فيه، بخلاف الجوز واللوز؛ لأنه مستور بما له فيه مصلحة.
وإن أسلم في غزله.. لزمه وصفه بصفات القطن، إلا الطول والقصر، فلا يذكره. ويذكر فيه غليظ، أو دقيق.
[فرعٌ: السلم في الحرير]
] : وإن أسلم في الإبريسم.. ذكر نوعه، فيقول: إبريسم خوارزمي أو بغذاذي، أو غير ذلك من البلاد، ويذكر لونه فيقول: أبيض أو أصفر أو أحمر، جيد أو رديء. ويقول: طويل أو أقصير، دقيق أو غليظ.
وإن أسلم في القز، فإن كان فيه الدود.. لم يصح، حيًّا كان أو ميتًا؛ لأنه إن كان حيًّا.. فلا مصلحة في تركه فيه. وإن كان ميتا.. فلا يجوز بيعه. والقز وزنه مجهول. وإن كان قد خرج منه الدود.. جاز السلم فيه؛ لأنه يمكن وزنه.
[فرعٌ: السلم في الخشب]
] : وإن أراد أن يسلم على الخشب.. فالخشب على ثلاثة أضرب:
стр. 2699
ضرب: يراد للبناء، فإذا أسلم فيه.. ذكر نوعه، فيقول: خشبه من ساج أو صنوبر أو غلب، ويذكر لونه أبيض أو أحمر أو أصفر أو أسود، رطب أو يابس، ويذكر طوله وعرضه، أو دوره وسمكه. ويقول: جيد أو رديء.
وإن ذكر مع ذلك الوزن.. جاز، وجهًا واحدًا، بخلاف الثوب؛ لأن النساج لا يمكنه أن ينسج ثوبا بصفات معلومة من غزل مقدر إلا نادرا، بخلاف الخشب، فإنه إذا أراد وزنه.. أمكن أخذ شيء منه. وإن لم يذكر الوزن.. جاز.
ولا يلزم المسلم أن يأخذ ما فيه عقد؛ لأن ذلك عيب. ويجب دفعه ذلك إليه من طرفه إلى طرفه بالعرض والسمك والدور الذي شرطه. وإن كان أحد طرفيه أدق.. لم يجبر على قبوله. وإن كان أحد طرفيه أغلظ.. قال ابن الصباغ: فقد زاده خيرًا.
الضرب الثاني ـ من الخشب ـ: ما يراد للقسي، فيذكر لونه ونوعه، ويقول: جيد أو رديء، رطب أو يابس، جبلي أو سهلي؛ لأنه يختلف؛ لأن الجبلي أقوى.
فإن كان للقِسيِّ العربية.. ذكر الطول والعرض. وإن كان للقسي العجمية.. لم يحتج إلى ذكر الطول والعرض؛ لأنه يكون قطعًا صغارًا، أو يكون موزونًا.
والضرب الثالث: ما يراد للوقود، فيذكر نوعه، ويقول: خوطٌ قرضٌ أو عسق صغارًا أو كبارًا أو وسطًا، رطبٌ أو يابسٌ، جيدٌ أو رديء. ولا يذكر اللون؛ لأن ليس بمقصود. ويذكر وزنه.
стр. 2700
[فرعٌ: السلم في الأحجار والآجرِّ]
ِّ] : ويجوز السلم في الأحجار، وهي على ثلاثة أضرب:
ضرب: يراد للأرحية، فيصفها بالنوع، فيقول: من حجار بلد كذا وكذا، ويذكر اللون والدور والثخن، جيد أو رديء.
فإن شرط وزنه.. جاز. فإذا أراد وزنه، فإن أمكن وزنه بالقبان.. وزنه به. وإن لم يمكن وزنه بذلك.. وزنه بالسفينة، فيترك فيها، وينظر إلى أي حدٍّ تغوص في الماء، ثم توضع مكانه أحجار صغار أو رمل، حتى تغوص السفينة إلى ذلك الحد الذي غاصت فيه مع الحجر، ثم تخرج، ويزنها، فيعرف أن ذلك وزن ذلك الحجر.
والضرب الثاني ـ من الأحجار ـ: ما يراد للبناء، فيذكر نوعها بإضافتها إلى البلد، وطولها وعرضها ولونها، ويقول: جيد أو رديء، ويقول: صغار أو كبار.
والضرب الثالث: أحجار تراد للأبنية، فيذكر نوعها بذكر بلدها، ويذكر لونها، جيدًا أو رديئًا، ويذكر طولها وعرضها وسمكها وتدويرها. وإن ذكر الوزن.. جاز. وإن لم يذكر.. لم يفسد.
ويجوز السلم في الآجر، ويذكر طوله وعرضه والدور والثخن. ويجوز السلم في اللبن، ويصفه بما ذكرناه.
قال ابن الصباغ: وإن شرط في اللبن أن يطبخه.. لم يجز؛ لأنه قد يفسد.
стр. 2701
[فرعٌ: السلم في أنواع الطيب]
] : ويجوز السلم في المسك والعنبر والكافور. قال الشافعي: (وأخبرني عدلٌ ممن أثق بخبره: أن العنبر نباتٌ يخلقه الله في البحر، ومنه: الأشهب والأخضر والأبيض) . فيذكر لونه، وإن كان يختلف باختلاف البلاد.. قال: عنبر بلد كذا، جيد أو رديء، ويذكر قطعة وزنها كذا إن كان يوجد قطعة وزنها ذلك. فإن شرط قطعة.. لم يجبر على قبول قطعتين. وإن أطلق ذلك.. كان له أن يعطيه صغارًا أو كبارًا.
وأما العود: فلا بد من ذكر نوعه بإضافته إلى البلد، ويرجع في صفات كل ما لا يعرفه المتعاقدان إلى أهل الخبرة به.
[مسألة: في بيان الأجل]
وإن أسلم في مؤجل.. وجب بيان الأجل؛ لحديث ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: «من أسلف.. فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم» ، ولأن الأجل إذا كان مجهولاً.. تعذرت المطالبة والقبض، فيبطل المقصود، فلم يصح.
إذا ثبت هذا: فـ (الأجل المعلوم) : أن يسلم إلى شهر من شهور العرب، أو شهور الروم، أو الفرس، ويكون ذلك معلومًا عندهما. وكذلك: إذا أسلم إلى عيد الفطر أو الأضحى، أو أسلم إلى النيروز أو المهرجان، وهما عيدان من أعياد اليهود
стр. 2702
معروفان عند المسلمين واليهود.. فإن ذلك يصح إذا كان المتعاقدان يعرفان ذلك. وإن كانا لا يعلمان ذلك.. لم يصح؛ لأن الاعتبار بهما.
وإن أسلم إلى النفر الأول أو الثاني.. جاز، وذلك لأهل مكة؛ لأنه معروف عندهم، وهل يجوز لغيرهم؟ فيه وجهان، حكاهما الشاشي عن " الحاوي "، قال: والأصح: إن كانا يعرفان وقت ذلك.. صح.
وإن أسلم إلى (يوم القر) : وهو يوم الحادي عشر من ذي الحجة.. قال الشاشي: فهل يصح لأهل مكة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يصح، كما لو أسلم إلى يوم النفر.
والثاني: لا يصح؛ لأنه لا يعرفه إلا خواصهم.
وإن أسلم إلى جمادى أو ربيع، ولم يبين أنه الأول أو الثاني.. ففيه وجهان:
أحدهما: من أصحابنا من قال: لا يصح؛ لأنه مجهول.
والثاني ـ وهو المذهب ـ: أنه يصح؛ لأن الشافعي قال: (وإذا أسلم إلى النفر وأطلق.. صح، وحمل على النفر الأول) وإذا أسلم إلى عقب شهر كذا.. قال في (الإفصاح) : لم يصح؛ لأن عقب الشهر يقع على بقية الشهر، وعلى أول الشهر الذي بعده، وذلك مجهول، فلم يصح.
[فرعٌ: السلم إلى وقت مجهول]
وإن أسلم إلى عطاء السلطان الجند.. لم يجز؛ لأنه يختلف. فإن قال: إلى وقت العطاء، وكان له وقت معلوم.. صحّ. وإن قال: إلى الحصاد، أو الموسم، أو إلى قدوم الحاجّ، أو إلى الشتاء، أو إلى الصيف.. لم يجز، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك، وأبو ثور: (يصح السلم إلى العطاء، والحصاد، والدياس) .
стр. 2703
دليلنا: ما روي عن ابن عبَّاس: أنه قال: (لا تبايعوا إلى الحصاد والدياس، ولا تبايعوا إلاّ إلى أجل معلوم) .
ولأن ذلك يتقدم ويتأخر، فلم يصح، كما لو قال: إلى مجيء المطر.
وإن أسلم إلى عيد من أعياد اليهود والنصارى، كالشعانين، وعيد الفطير.. قال الشافعي: (لم يصح؛ لأن هذا لا يعرفه المسلمون، ولأنهم يقدمونه ويؤخرونه على حساب لهم) .
وقال أبو إسحاق: إن علم المسلمون منه مثل ما يعلمونه.. جاز أن يجعلوه أجلاً في السلم.
[فرعٌ: وقت حلول الأجل لو أسلمه إلى يوم كذا]
إذا قال: أسلمت إليك إلى يوم كذا.. كان المحل إذا طلع الفجر من ذلك اليوم. وإن قال: إلى ليلة كذا.. كان المحل إذا غربت الشمس من اليوم الذي قبل تلك
стр. 2704
الليلة. وإن قال: إلى شهر كذا، أو رأس شهر كذا أو غرته أو أوله.. كان المحل إذا غربت الشمس من آخر يوم من الشهر الذي قبل هذا الشهر؛ لأن اليوم اسم لبياض النهار، والشهر يشتمل على الليل والنهار. وإن قال: محله من يوم كذا، أو في شهر كذا، أو محله يوم كذا أو شهر كذا.. ففيه وجهان:
[أحدهما] : قال أبو علي بن أبي هريرة: يصح، ويتعلق بأوله ـ وبه قال أبو حنيفة ـ كما لو قال لها: أنت طالق في يوم كذا.. فإنه يتعلق بأوله.
والثاني ـ وبه قال عامّة أصحابنا ـ: أنه لا يصح؛ لأنه يقع على جميع أجزاء اليوم والشهر، وذلك مجهول، فلم يصح. والفرق بين الطلاق والسلم: أن الطلاق يصح أن يعلق بالمجهول والغرر، بخلاف العقود.
قال ابن الصباغ: وهذا الفرق ليس بصحيح عندي؛ لأنه لو كان مجهولاً.. لوجب أن يصح ولا يتعلق بأوله، بل يتعلق بوقت منه يقف على بيانه، فإذا فات جميعه.. وقع، فلمّا تعلق بأوله.. اقتضى ذلك: أن الإطلاق يقتضيه.
وإن قال: أسلمت إليك في كذا، بأن تسلمه إلي من هذا اليوم إلى رأس الشهر.. لم يصح؛ لأنه لا يدري أي يوم يطالبه به، ولا كم يطالبه به، في كل يوم.
[فرعٌ: أسلم إلى عدة شهور ولم يعين]
] : إذا قال: أسلمت إليك إلى خمسة أشهر أو ستة أشهر.. انصرف ذلك إلى الشهور العربية، والدليل عليه: قَوْله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] [البقرة: ١٨٩] . فجعلها علمًا للمواقيت، فانصر الإطلاق إليها. فإن كان حين العقد أول الشهر لم يمض جزء منه.. اعتبر الجميع بالأهلة، تامة كانت الشهور أو ناقصة؛ لأن الاعتبار بما بين الهلالين. وإن كان حين العقد قد مضى جزء من الشهر..عد ما بقي من هذا الشهر من الأيام، ثم اعتبر ما بعده من الشهور بالأهلة، تامة كانت أو ناقصة، وتمم الشهر الأول بعد ذلك بالعدد. هكذا ذكر الشيخ أبو حامد في " التعليق "، وابن الصباغ.
стр. 2705
وذكر في " المهذب ": إن كان العقد في الليلة التي رؤي فيها الهلال.. اعتبر الجميع بالأهلة. وإن كان العقد في أثناء الشهر.. اعتبر الشهر الأول بالعدد، وما بعده بالأهلة.
[فرعٌ: أسلم وشرط الحلول أو زاد أو نقص في الأجل]
] : وإن أسلم في شيء وشرط: أنه حال.. صح. وإن أطلق.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يصح السلم؛ لأن العقد يقع على مجهول؛ لأنه لم يذكر الحلول ولا التأجيل.
والثاني: يصح ويكون حالاًّ؛ لأن ما جاز حالاًّ ومؤجلاً.. حمل إطلاقه على الحال، كالثمن في البيع. وفيه احترازٌ من الكتابة؛ لأنها لا تصح حالة، وإذا أطلق العقد.. لم يصح.
وإن أسلم في شيء، وشرط: أنه حالٌّ، ثم اتفقا على تأجيله، أو أسلم على مؤجل، ثم اتفقا على حلوله، أو زادا في الأجل أو نقصا منه، فإن كان ذلك بعد التفرق.. لم يلحق بالعقد.
وقال أبو حنيفة: (يلحق بالعقد) . وإن كان قبل التفرق.. لحق بالعقد. وقال أبو عليّ الطبري: إذا قلنا: إن الملك ينتقل إلى المشتري بنفس العقد.. لم يلحق بالعقد. وقد مضى ذكر هذا في (المرابحة) .
[فرعٌ: أسلم في جنسين إلى أجل أو العكس]
] : إذا أسلم إليه شيئًا في جنس إلى أجلين أو آجال، أو أسلم إليه شيئًا في جنسين إلى أجل، مثل: أن قال: أسلمت إليك هذا الدينار في كذا وكذا رطل لحم، وتدفع إليّ كل يوم منه رطلا، أو قال: أسلمت إليك هذا الدينار بخسمة أذهاب بر، وخمسة أذهاب ذرة.. ففيه قولان:
стр. 2706
أحدهما: لا يصح ـ وهو ضعيف ـ لأن ما يقابل أبعدهما أجلا من رأس المال أقل مما يقابل أقربهما أجلا، وما يقابل أحد الجنسين أقل مما يقابل الآخر، وذلك مجهول، فلم يصح. وهذا القول بناء على أن رأس المال يجب أن يكون معلومًا.
والثاني: يصح السلم ـ وبه قال مالك، وهو الأصح ـ لأن كل بيع جاز إلى أجل واحد.. جاز إلى أجلين، كبيع الأعيان ـ وفيه احتراز من الكتابة ـ أو كل بيع جاز على جنسين في عقدين.. جاز عليهما في عقد واحد، كبيع الأعيان.
[مسألةٌ: موضع التسليم]
] : وأمّا بيان موضع القبض: فهل يشترط ذلك في صحة السلم؟
قال في " الأم ": (لا بدّ من ذكره) . وقال في موضع: (يستحب) .
واختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: هي على حالين:
فحيث قال: (لا بدّ من ذكره) أراد: إذا كان السلم في موضع لا يصلح للتسليم.
قال الشيخ أبو حامد: وذلك كالصحراء أو البادية.
وحيث قال: (يستحب) أراد: إذا كان السلم في بلد أو مصر.
والفرق بينهما: أن الصحراء والبادية لا تصلح للتسليم، فيكون موضع التسليم مجهولاً، فلم يصح، والبلد والمصر يصلح للتسليم.
فإذا أطلق العقد.. حمل على موضع العقد، كما إذا أطلق العقد في موضع فيه نقد غالب.
ومنهم من قال: إن كان السلم في الصحراء.. وجب بيان موضع التسليم، قولاً واحدًا. وإن كان في مصر.. ففيه قولان:
стр. 2707
أحدهما: لا يفتقر إلى ذكره، كبيع العين بنقد مطلق، في موضع فيه نقد غالب.
والثاني: يفتقر إلى ذكره، كما إذا كان في الصحراء.
هكذا ذكر الشيخ أبو حامد، وذكر الشيخ أبو إسحاق في " المهذب ": إذا كان السلم في موضع يصلح للتسليم.. ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يفتقر إلى ذكر موضع القبض؛ لأن الغرض يختلف باختلافه.
والثاني: لا يفتقر إلى ذكره، كبيع الأعيان.
والثالث: إن كان لحمل المسلم فيه مؤنة.. وجب بيان موضع التسليم، وإن لم يكن لحمله مؤنة.. لم يجب ـ وهذا قول ابن القاص، واختيار القاضي أبي الطيب، وبه قال أبو حنيفة ـ لأن الثمن يختلف باختلاف ما لحمله مؤنة، ولا يختلف بما ليس لحمله مؤنة.
[مسألةٌ: قبض المال في المجلس]
] : ولا يجوز تأخير قبض رأس مال السلم عن المجلس، فإن تفرقا قبل ذلك.. بطل العقد، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد.
وقال مالك: (إن تأخر قبضه بعد افتراقهما يومًا أو يومين أو ثلاثًا.. لم يبطل، وإن تأخر أكثر من ذلك.. بطل) .
دليلنا: قوله ﷺ : «من أسلف.. فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم» . و (الاستسلاف) : عبارة عن التعجيل، فظاهر الخبر: أن ذلك شرط في العقد.
ولأن السلم مشتق من (الإسلام) : وهو التسليم، فوجب أن يختص بمعنًى يضاهي الاسم.
ولأن من شرط أحد العوضين في السلم: أن يكون في الذمة، فلو جاز تأخير الآخر عن المجلس.. لصار في معنى بيع الدين بالدين؛ لأن رأس المال قد يكون موصوفًا
стр. 2708
في الذمة، فإذا جوزنا تأخيره عن المجلس.. كان في معنى بيع الكالئ بالكالئ، فلم يجز.
إذا ثبت هذا: فإن الشيخ أبا حامد قال: البيوع على ثلاثة أضرب:
بيع خالص، وسلم خالص، وبيع معناه معنى السلم ولفظه لفظ البيع.
فأمَّا (البيع الخالص) : فأن يبيع ثوبًا، أو سلعة معينة بثمن في الذمة، أو بثمن معين، فلا يشترط قبض شيء منهما في الملجس؛ لما ذكرناه.
وأمّا (السلم الخالص) : فهو أن يقول: أسلمت إليك كذا، في ثوب صفته كذا، فمن شرطه قبض رأس مال السلم في المجلس؛ لما ذكرناه.
وأمّا (السلم بلفظ البيع) : فهو أن يقول: اشتريت منك ثوبًا صفته كذا وكذا، بشيء يذكره، فهذا لفظه لفظ البيع، ومعناه معنى السلم، فهل يراعى معنى اللفظ، ولا يشترط فيه قبض رأس المال في المجلس؟ أو يراعى معناه: وهو السلم، ولا بد من قبض رأس المال في المجلس؟ فيه وجهان، مضى ذكرهما في أوّل الباب.
[فرعٌ: رأس مال السلم بالذمة أو معين]
] : إذا كان رأس مال السلم عرضًا في الذمة.. فيجب ذكر صفاته؛ لأنه عوض في الذمة غير معلوم بالعرف، فوجب ذكر صفاته، كالمسلم فيه.
فإن كان رأس المال نقدًا مطلقًا في الذمة، فإن كانا في بلدٍ فيه نقد غالب.. انصرف الإطلاق إليه، كما نقول في بيع الأعيان. وإن كانا في بلد فيه نقودٌ ليس بها نقدٌ غالبٌ.. لم يصح السلم حتى يبيِّنا واحدًا منها، كما قلنا في بيع الأعيان.
стр. 2709
وإن كان رأس المال معيَّنًا.. فهل يفتقر إلى معرفة قدره وصفاته؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يجوز أن يكون جزافًا، ولا بد من ذكر صفاته؛ لأنه أحد العوضين في السلم، فلم يجز أن يكون جزافًا، ولا غير معلوم الصفة، كالعوض الآخر، وهو المسلم فيه، ولأن عقد السلم لا يقع منبرمًا، وإنما يقع مراعى، وربما انفسخ العقد، فيحتاج أن يرجع المسلم إلى رأس المال، فإذا كان جزافًا، أو غير معلوم الصفة.. لم يمكنه الرجوع إليه.
فعلى هذا: لا يجوز أن يكون رأس المال ما لا يصح السلم فيه، كاللؤلؤ والزبرجد، أو ما عملت فيه النار، كالخبز والشواء.
والقول الثاني: يصح السلم وإن كان رأس المال جزافًا، ولا يفتقر إلى ذكر صفاته؛ لقوله ﷺ : «من أسلف.. فليسلف في كيل معلوم» . ولم يفرق بين أن يكون رأس المال معلومًا موصوفًا، أو جزافًا غير موصوف. ولأنها عين يتناولها العقد بالإشارة إليها، فاستغني عن معرفة قدرها وصفتها، كالبيع.
فعلى هذا: يجوز أن يكون رأس المال ما لا يصح السلم فيه.
[فرعٌ: وجد رأس المال معيبًا بعد التفرق]
إذا قبض المسلم إليه رأس المال، فوجده معيبًا بعد التفرق، فإن كان العيب من غير جنس رأس المال، مثل: أن يسلم إليه دراهم، فوجدها رصاصًا أو نحاسًا.. بطل السلم؛ لأنهما تفرّقا قبل قبض رأس المال. وإن كان العيب من جنسه، مثل: أن وجد الدراهم مضطربة السكة، أو كانت فضتها خشنة.. نظرت:
فإن كان العقد وقع على عينها.. فالمسلم إليه بالخيار: بين أن يرضى بها، وبين أن يردّها أو يفسخ العقد. ولا يمكنه أن يطالب ببدلها؛ لأن العقد وقع على عينها.
وإن كان العقد وقع على دراهم في الذمة، ثم عين تلك الدراهم عنها.. فهل له أن يطالب ببدلها بعد التفرق؟ فيه قولان، قد مضى ذكرهما في (الصرف) .
стр. 2710
[فرعٌ: الاختلاف في قبض القيمة]
] : إذا أسلم إلى رجل دراهم في شيء، فحصلت الدراهم في يد المسلم إليه، ثم اختلفا، فقال المسلم: أقبضتك هذه الدراهم بعد التفرق، وأقام على ذلك بينة، وقال المسلم إليه: بل أقبضتنيها قبل التفرق، وأقام على ذلك بينة.. قال أبو العباس: فبينة المسلم إليه أولى؛ لأنها مثبتة، والأخرى نافية، والمثبتة أولى.
وكذلك: لو كانت الدراهم في يد المسلم، فقال المسلم إليه: أقبضتني في المجلس، وأودعتها عندك، أو غصبتني عليها، وأقام على ذلك بينة، وقال المسلم: ما أقبضتك، وأقام على ذلك بينة.. فبينة المسلم إليه أولى؛ لأن بينته مثبتة.
والله أعلم، وبالله التوفيق
стр. 2711
[باب تسليم المسلم فيه]
إذا حل دين السلم.. وجب على المسلم إليه تسليم المسلم فيه على ما اقتضاه العقد، فإن كان المسلم فيه تمرًا.. قال الشافعي: (فليس على المسلم أن يأخذه إلا جافًّا) .
قال أصحابنا: ولم يرد بهذا: أن يكون مشمَّسًا، وإنما أراد به: إذا بلغ إلى حالة الادخار، وعليه أن يأخذه، وهو: إذا وقع عليه اسم الجفاف، وإن لم يتناه جفافه. وإن كان المسلم فيه رطبا.. لزمه ما يقع عليه اسم الرطب، ولا يلزمه أن يقبل بُسرًا، ولا مذنَّبًا، ولا منصَّفًا، ولا مشدَّخًا.
فأمَّا (المذنَّب) : فهو الذي أرطب في أذنابه لا غير.
وأمّا (المنصَّف) : فهو الذي نصفه بسر، ونصفه رطب.
وأمّا (المشدَّخ) : فذكر الشيخ أبو حامد: أن المشدخ هو الذي ضرب بالخشب، حتى صار رطبا، فلا يلزمه قبوله؛ لأنه لا يتناوله اسم الرطب. وإن تناوله.. فيكون رطبًا مفتوتًا.
وقيل: إنهم يشمِّسون البسر، ثم يلدكونه بكساء صوف غليظ، وما أشبهه، فيصير طعمه طعم الرطب، يفعلون ذلك؛ استعجالاً لأكل الرطب من البسر قبل الإرطاب. ولعل الشيخ أبا حامد أراد: أنهم يضربون البسر بالخشب؛ ليصير طعمه طعم الرطب.
وإن كان المسلم فيه طعامًا.. لزمه أن يدفع إليه طعامًا نقيًّا من الشعير، والزُّؤان، وعقد التبن؛ لأن هذه الأشياء تنقصه عن الكيل والوزن. وإن كان فيه قليل تراب أو شيء من دُقاق التبن.. نظرت:
стр. 2712
فإن أسلم فيه كيلا.. لزمه قبوله؛ لأن ذلك لا يؤثر في الكيل.
وإن أسلم فيه وزنًا.. لم يلزمه قبوله؛ لأن ذلك يؤثر في الوزن، فيكون المقبوض دون حقه.
[مسألةٌ: قبض المسلم فيه والزيادة أو النقصان عليه]
] : إذا أسلم إليه في شيء، فأتى المسلم إليه بالمسلم فيه.. لم يخل من ثلاثة أحوال: إما أن يأتيه بالمسلم فيه على الصفة المشروطة، أو يأتي بأدنى منه، أو يأتي بأعلى منه.
فـ[أحدها] : إن أتاه على صفة المسلم فيه، بأن أسلم إليه بطعام جيد، فأتاه بطعام يقع عليه اسم الجيد وإن كان غيره أجود منه.. لزمه أن يقبله.
و [ثانيها] : إن أتى به أردأ من المسلم فيه، بأن أتاه بطعام رديء.. لم يلزمه قبوله؛ لأنه دون ما شرط. وإن قال المسلم إليه: خذ هذا، وأعطيك عن الجودة عوضًا.. لم يصح؛ لأنه بيع صفة، والصفة لا تفرد بالبيع، ولأنه بيع جزء من المسلم فيه قبل القبض.
و [ثالثها] : إن أتاه بأعلى من المسلم فيه.. فلا تخلو الزيادة من أربعة أحوال:
إما أن تكون زيادة في الصفة، أو في العدد، أو في الجنس، أو في النوع.
فـ[أحدها] : إن كانت الزيادة في الصفة، مثل: أن يسلم إليه في طعام رديء، فجاءه بطعام جيد، فإن رضي المسلم إليه بتسليمه عمّا في ذمته.. لزم المسلم قبوله؛ لأنها زيادة لا تتميز، فإذا رضي المسلم إليه بتسليمها.. لزم المسلم قبولها، كما لو أصدق امرأته عينًا، فزادت في يدها زيادة لا تتميّز، ثم طلقها قبل الدخول، ورضيت المرأة بتسليم نصف العين مع زيادتها.. فإن الزوج يلزمه قبولها.
وإن لم يتطوع المسلم إليه بتسليمها، بل طلب عن الجودة عوضًا.. لم يصح؛ لأن الجودة صفة، فلا يجوز إفرادها في العقد.
стр. 2713
و [ثانيها] : إن كانت الزيادة في العدد، مثل: أن يسلم إليه بخمسة أذهاب حنطة، فجاءه بعشرة أذهاب حنطة.. لم يلزم المسلم قبول ما زاد على الخمسة؛ لأن ذلك ابتداءً هبة، فلم يجبر على قبولها.
و [ثالثها] : إن كانت الزيادة في الجنس، مثل: أن يسلم إليه على ذرة، فأعطاه عن الذرة حنطة.. لم يلزمه قبول ذلك، فإن قبله.. لم يصح؛ لما رواه أبو سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال: «من أسلف في شيء.. فلا يصرفه إلى غيره» .
و [رابعها] : إن كانت الزيادة في النوع، مثل: أن يسلم إليه على ذرة حمراء، فجاءه عنها بذرة بيضاء.. فحكى الشيخ أبو حامد فيه وجهين:
أحدهما: يلزم المسلم قبوله.
وهذا القائل يدعي: أن هذا ظاهر مذهب الشافعي؛ لأنه قال: (وأصل ما يلزم المسلم قبول ما سلف فيه، هو أن يأتيه به من جنسه) . وهذا قد أتى به من جنسه. ولأنه قد أعطاه من جنس حقِّه، وفيه زيادةٌ لا تتميز، فأشبه ما لو أسلم في نوع رديء، فأعطاه من ذلك النوع جيِّدًا.. فإنه يلزمه قبوله.
والثاني: لا يلزمه قبول؛ لأنه لم يأت به على الصفة التي اشترط عليه، فلا يلزمه قبوله، كما لو أتاه بجنس آخر.
стр. 2714
وهذا القائل يقول: يجوز أن يقبل؛ لأنه من جنس حقه.
وقال القاضي أبو الطيب: الوجهان في الجواز، فأما الوجوب: فلا يجب عليه قبوله، وجهًا واحدًا. وهو اختيار الشيخ أبي إسحاق في " المهذب ".
وإن أسلم إليه في ذرة بيضاء، فجاءه عنها بذرة حمراء.. فلا يلزمه قبولها، وجهًا واحدًا، وهل يجوز له قبولُها؟ يحتمل أن تكون على الوجهين في المسألة قبلها.
[فرعٌ: كيفية استعمال المكيال]
] : إذا أسلم إليه في مكيل.. قال الشافعي: (فليس له أن يدق المكيال، ولا أن يزلزله، ولا أن يكنف بيديه على رأسه؛ لأن هذه زيادة في الكيل. ولكن له ما حمله المكيال، وهو أن يكال برأسه) . وهذا صحيح، كما قال: (ليس له أن يدق رأسه، ولا أن يزلزله، ولا أن يكنف بيديه على رأسه؛ لأن هذا زيادةٌ في الكيل، ولكن له ما حمله المكيال، وهو أن يكال برأسه) .
[فرعٌ: تقديم التسليم عن الوقت المعين أو بعده]
] : وإن أسلم إليه في شيء إلى محل، فجاءه به المسلم إليه قبل المحل، فامتنع المسلم من قبضه، فإن كان المسلم فيه مما يلحقه التغير والتلف إلى وقت المحل، بأن كان لحمًا أو رطبًا أو سائر الفواكه الرطبة.. لم يلزم المسلم قبوله؛ لأن له غرضًا في تأخيره، بأن يحتاج إلى أكله أو طعامه في ذلك الوقت.
وكذلك: إن كان المسلم فيه حيوانًا.. لم يلزمه قبوله قبل المحل؛ لأنه يخاف عليه التلف، ويحتاج إلى العلف إلى ذلك الوقت.
وإن كان لا يخاف عليه التغيُّر ولا التلف، ولكن يحتاج إلى مكان يحفظه فيه،
стр. 2715
يلزمه عليه مؤنة، كالحنطة والقطن.. لم يلزمه قبوله؛ لأن عليه ضررًا في المؤنة في حفظه إلى وقت المحل.
فإن كان لا يحتاج إلى مؤنة في حفظه، كالحديد الرصاص والنحاس الذي يستعمل، فإن كان الوقت مخوفًا..لم يلزمه قبوله؛ لأنه يخاف عليه التلف إلى وقت المحل. وإن كان الوقت آمنًا.. لزمه قبوله؛ لأنه لا ضرر عليه في قبوله. فإن لم يقبله.. قبله الحاكم وحفظه؛ لما رُوي: (أن أنس بن مالك كاتب عبدًا له على مال، فجاءه العبد بالمال قبل المحل، فلم يقبله منه أنس، فأتى به العبد عمر بن الخطاب ﵁، فأخذ المال منه، وتركه في بيت المال، وقال للعبد: قد عتقت) .
وإن سأل المسلِم المسلَم إليه: أن يقدِّم له المسلَم فيه قبل المحل.. لم يلزم المسلَم إليه تقديمه؛ لأن ذلك يبطل فائدة التأجيل.
وإن قال المسلم إليه: انتقص لي من الدين؛ لأقدمه لك، ففعل.. لم يصح القبض؛ لأنه بيع أجل، والأجل لا يفرد بالبيع.
فإن جاء المسلم إليه المسلم بالمسلم فيه، بعد حلول الدين على صفته، فامتنع المسلم من قبضه.. قال له الحاكم: إما أن تقبضه، أو تبرِّئ المسلم إليه منه. وسواء كان للمسلم غرض في الامتناع أو لا غرض له؛ لأن للمسلم إليه غرضًا في الدفع، وهو أن يبرأ مما عليه من الحق، وقد حل الحق. وإن لم يفعل المسلم ذلك.. قبضه الحاكم عنه، وبريء المسلم إليه؛ لأن الحاكم ينوب عن الممتنع، ولا يملك الحاكم الإبراء؛ لأنه لا نظر للمسلم في الإبراء عنه، وله حظٌّ في حفظ ماله.
стр. 2716
[فرعٌ: عدم الالتزام بشروط السلم]
] : إذا تعين موضع التسليم، بإطلاق العقد أو بالشرط، فجاءه به في غير ذلك الموضع.. لم يجبر المسلم على قبوله؛ لأنه يفوت عليه غرضه في ذلك الموضع. فإن بذل له أجرة حمله إلى ذلك الموضع.. لم يلزمه قبوله، ولم يجز له أخذ الأجرة؛ لأن بدل العوض عن المسلم فيه لا يجوز، فكذلك في تسليمه في موضع.
وإن جعله نائبًا عنه في حمله إلى ذلك الموضع.. لم يكن المسلم قابضًا له، بل يفتقر إلى تسليمه إيّاه في الموضع المعين، أو في غيره إذا رضي المسلم بذلك.
وإن أسلم إليه في شيء كيلا، فأعطاه إيّاه وزنًا، أو أسلم إليه فيه وزنًا، فأعطاه كيلا.. لم يصح القبض؛ لأن الكيل والوزن يختلفان؛ لأن الوزين يقل كيله ويكثر وزنه، والخفيف يقل وزنه ويكثر كيله.
[مسألةٌ: لا اعتبار بكيل المسلَم إليه]
] : قال الشافعي: (ولو أعطاه طعامًا، فصدَّقه في كيله.. لم يجز، فإن قبضه.. فالقول قول القابض مع يمينه) . وجملة ذلك: أنه إذا كان له في ذمة رجل طعام مكيل، أو اشترى منه عشرة أقفزةٍ من صبرةٍ بعينِها، فسلَّم إليه من عليه الطعام طعامًا من غير كيل، وأخبره بكيله، فصدقه على كيله، أو لم يصدقه.. لم يجز له قبضه بغير كيل؛ لأن المستحق عليه القبض بالكيل، فإذا قبضه من غير كيل.. لم يصح القبض. فإن كان الطعام باقيًا.. ردّه على البائع، ثم يكيله على المسلم، فإن كان وفق حقه.. فلا كلام، وإن كان دون حقه.. استوفى منه حقَّه، وإن كان أكثر من حقِّه.. كان الفضل للمسلم إليه. فإن تلف الطعام في يد القابض قبل أن يكال عليه.. تلف من ضمانه؛ لأنه قبضه لنفسه، فإن اتَّفقا على قدره.. فلا كلام، وإن اختلفا في قدره، فادّعى القابض: أنه كان دون حقه، وادّعى مالك الطعام: أنه قدر حقه وأكثر.. فالقول قول القابض مع يمينه،
стр. 2717
سواء ادعى نقصانًا قليلاً كان أو كثيرًا ـ نصَّ عليه الشافعيُّ في (الصرف) ـ لأن الأصل عدم القبض وبقاء الحق، فلا يبرأ من عليه الحق، إلا من القدر الذي يقر به القابض.
فإن قيل: كيف سمعت دعوى القابض في النقصان، وقد قال الشافعي في المسألة: (فصدقه في كيله) ؟
قال أصحابنا: لم يُرد الشافعي: أنه اعترف بصحة الكيل، وإنما هو قبول قول المخبر، وحمل قوله على الصدق، فإن بان له أنه بخلافه.. سمعت دعواه.
قال الشيخ أبو حامد: إذا ثبت هذا: فإنه يكون قبضًا فاسدًا، فإن المسلم إذا قبضه وكان قدر حقِّه وزيادة عليه.. فإنه يملك بقدر حقه بالقبض، وينتقل الضمان إليه، وتبرأ ذمة البائع عنه.
وهل يجوز للقابض التصرف فيه؟ نظرت:
فإن أراد أن يتصرف في الجميع.. لم يجز؛ لأن للبائع فيه تعلقًا؛ لأنه ربما إذا كيل يخرج زيادة على قدر ما يستحق القابض، فلم يصح تصرفه في الجميع.
فإن أراد أن يبيع منه قدر ما يتحقق أنه يخصه، بأن باع نصف قفيز منه، وله قفيز.. ففيه وجهان:
[أحدهما] : قال أبو إسحاق: يصح؛ لأن ذلك الشيء في ملكه، وانتقل الضمان إليه، ويعلم أنه قدر حقه، فجاز بيعه فيه.
و [الثاني] : قال أبو عليِّ بن أبي هريرة: لا يصح بيعه، وهو المنصوص في (الصرف) ، ولأن العلقة باقية بينه وبين البائع. قال فيه: (لأن ماله غير متميِّز عن مال البائع، فلم يصح بيعه فيه) .
стр. 2718
[مسألةٌ: لا يصح بيع المسلم فيه قبل قبضه]
] : قال الشافعي في " الأم " [٣/٦١] : (ولو أسلم في طعام، وباع طعامًا آخر، فأحضر المشتري منه أكياله من بائعه، وقال: أكتاله لك.. لم يجز؛ لأنه بيع الطعام قبل القبض) .
واختلف أصحابنا في صورة هذه المسألة:
فمنهم من قال: صورتها: أن يسلم زيدٌ إلى عمرٍو في طعام، فلمَّا حل الأجل.. باع زيد الطعام الذي له في ذمة عمرو من خالد قبل قبضه، فإن هذا لا يصح؛ لما روى أبو سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال: «من أسلف في شيء.. فلا يصرفه إلى غيره» ، ولأن بيع الطعام المشترى قبل القبض لا يصح وإن كان مُعيَّنًا، فلأن لا يصح بيع المسلم فيه قبل القبض أولى.
قال: وتعليله يدل عليه؛ لأنه قال: (لأنه بيع الطعام قبل القبض) .
قال: وقول الشافعي: (وباع طعامًا آخر) يريد: باع ذلك الطعام من آخر.
وقال أكثر أصحابنا: ما ذكره هذا القائل صحيح في الفقه، ولكن ليس هذا صورة المسألة التي ذكرها الشافعي، وإنما صورتها: أن يكون لزيد طعام في ذمة عمرو سَلَمٌ، وفي ذمة زيد لخالد طعام سلم، فقال زيد لخالد: أحضر أكيال ما لي عند عمرو لأكتاله لك.. فإنه لا يصح؛ لما روى جابر: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع الطعام، حتى يجري فيه الصاعان» .
стр. 2719
والدليل على أن هذا مراده فيما ذكر: أنه قال: (وباع طعامًا آخر) . ولو أراد بيع ذلك الطعام.. لقال: وباع ذلك الطعام آخر. ولأنه قال بعدها: (ولو قال: أكتاله لنفسي، وخذه بالكيل.. لم يجز) . ولو كان قد باعه الطعام قبل القبض.. لم يكن لحضوره واكتياله لنفسه معنًى.
قالوا: وأمّا تعليله: فإنما أراد: أن هذا مثل بيع الطعام قبل القبض؛ لأنه لا يضمنه قبل أن يقبضه، كما لا يجوز بيعه قبل قبضه.
إذا ثبت هذا: ففيه خمس مسائل:
إحداهن: أن يقول زيد لخالد: احضر معي حتى أكتاله لك، فاكتاله زيد لخالد من عمرو، فلا يصح القبض لخالد، وجهًا واحدًا؛ لحديث جابر: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع الطعام، حتى يجري فيه الصاعان: صاع البائع، وصاع المشتري» . وهذا لم يجر فيه الصاعان، ولأنه لا يستحق على عمرٍو شيئًا، فلم يصح القبض له منه. وهل يصح القبض لزيد من عمرو؟ فيه وجهان، بناء على القولين في السيد، إذا باع نجوم المكاتب ـ وقلنا: لا يصح القبض ـ فقبض المشتري النجوم.. فهل يعتق المكاتب؟ فيه وجهان:
أحدهما: إن قلنا: يصح قبض زيد لنفسه.. كاله لخالد مرة ثانية.
و [الثاني] : إن قلنا: لا يصح قبض زيد لنفسه.. رد الطعام إلى عمرو؛ ليكيله لزيد، ثم يكيله زيد لخالد.
стр. 2720
وإن اختلف زيدٌ وعمرٌو في المقبوض.. فالقول قول زيد مع يمينه. وإنما يقبل قوله مع اليمين، إذا كان ما يدّعيه محتملاً، فأمّا إذا ادّعى تفاوتًا كثيرًا: لم يقبل قوله؛ لأن هذا القدر لا يتفاوت. وهكذا: لو اختلف زيد وخالد فيما قبض خالد.. فالقول قول خالد مع يمينه إذا كان ما يدّعيه تفاوتًا يسيرًا، وإن كان تفاوتًا كثيرًا.. لم يقبل قوله؛ لأن مثل ذلك لا يتفاوت.
المسألة الثانية: أن يقول زيد لخالد: اذهب، فاكتل الطعام لنفسك من عمرو، ففعل، فإن قبض خالد لنفسه لا يصح، وجهًا واحدًا؛ لأنه لا شيء له في ذمة عمرو. وهل يصح قبض خالد من عمرو لزيد؟ على الوجهين.
المسألة الثالثة: أن يقول زيد لخالد: احضر معي حتى أكتاله من عمرو لنفسي، ثم تأخذه بذلك الكيل، فحضر، فاكتاله زيد لنفسه، ثم سلّمه زيد إلى خالد جزافًا من غير كيل، صح قبض زيد لنفسه؛ لأنه قبضه لنفسه قبضًا صحيحًا، ولا يصح قبض خالد من زيد؛ لأنه قبضه من غير كيل.
المسألة الرابعة: إذا اكتاله زيد لنفسه من عمرو، ثم كاله زيد لخالد مرة ثانية.. صح القبضان؛ لأن الطعام قد جرى فيه الصاعان.
المسألة الخامسة: أن يكتاله زيد لنفسه من عمرو، ثم يسلمه إلى خالد عمّا عليه له وهو في المكيال، فإن قبض زيد لنفسه من عمرو صحيح، وهل يصح قبض خالد من زيد؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح؛ لحديث جابر: (أن «النبي ﷺ نهى عن بيع الطعام، حتى يجري فيه الصاعان» . وهذا يقتضي كيلا بعد كيل.
والثاني: يصح؛ لأن استدامة الكيل بمنزلة ابتدائه، بدليل: أنه لو أسلم إليه بذهب طعام، فابتدأ المسلم إليه وكاله للمسلم.. صح، ولو كال الطعام بالذهب عند السلم، فسلمه إليه.. صح، فكذلك هاهنا مثله.
стр. 2721
[مسألةٌ: دفع المسلم إليه بدلاً إلى المسلم دراهم]
] : وإن كان لزيد في ذمة عمرو طعام من سلم، فدفع عمرو إلى زيد دراهم، وقال اشتر بها لنفسك طعامًا، مثل الطعام الذي لك عليَّ، ففعل.. لم يجز؛ لأن الدراهم ملك لعمرو، فلا يجوز أن يكون عوضها ملكًا لزيد. فإن اشترى زيد الطعام بعين الدراهم.. لم يصح الشراء، وإن اشترى زيدٌ الطعام بدراهم في ذمته، ثم سلَّم تلك الدراهم عمّا في ذمّته.. صح الشراء لنفسه، ولا تبرأ ذمته بتسليم تلك الدراهم؛ لأنه لا يملكها، وعليه ضمانها. وإن قال عمرٌو لزيد: اشتر بها لي طعامًا، واقبضه لنفسك.. فإن الشراء يصح لعمرو؛ لأنه اشتراه له، ولا يصح القبض لزيد؛ لأنه لا يصح أن يكون قابضًا لنفسه من نفسه. وهل يصح القبض لعمرٍو؟ فيه وجهان، كالوجهين في المسألة قبلها.
وإن قال: اشتره لي واقبضه لي، ثم اقبضه لنفسك، أو خذه بذلك الكيل لنفسك.. فإن الشراء والقبض يصح لعمرو، ولا يصح القبض لزيد؛ لأنه لا يجوز أن يقبض لنفسه من نفسه.
[فرعٌ: إحالة صاحب القرض على من له سلم]
وإن كان لزيد في ذمة عمرو طعام من جهة القرض، ولخالد في ذمة زيد طعام من جهة السَّلَم، فأحال زيد خالدًا بالطعام الذي له عليه على عمرو.. لم تصح الحوالة؛ لأن خالدًا يبيع طعامه الذي له على زيد من السلم بالطعام الذي لزيد من جهة القرض، وقد بيّنّا: أن بيع المسلم فيه قبل القبض لا يصح، فالفساد هاهنا من جهة خالد.
وإن كان الطعامان من السلم.. لم تصح الحوالة؛ لما ذكرناه، والفساد هاهنا من الطرفين.
وإن كان الطعامان من جهة القرض.. فهل تصح الحوالة بهما؟ فيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو حامد:
стр. 2722
أحدهما: يصح ـ وهو الصحيح ـ لأن بيع القرض يصح قبل القبض، وكل واحد منهما قرض، ولأن كل واحدٍ منهما مستقر في الذمة، فجاز أن يعتاض من ذمة إلى ذمة، بخلاف السلم.
والثاني: لا تصح؛ لأن الحوالة لو صحّت في الطعام، إذا كان من جهة القرض.. لصحَّت وإن كان من جهة البيع، كالدراهم والدنانير لمّا جازت الحوالة بهما إذا كانا من جهة القرض.. جازت أيضًا إذا كانا من جهة البيع. فلمّا لم تجز الحوالة بالطعام إذا كان من جهة البيع.. لم تصح إذا كانت من جهة القرض.
[فرعٌ: الشركة والتولية في السلم]
] : لا تجوز الشركة والتولية في المسلم فيه قبل القبض.
و (الشركة) : أن يقول المسلم لغيره: أشركتك في نصف المسلم فيه بنصف الثمن، فيكون ذلك بيعًا لنصف المسلم فيه.
و (التولية) : أن يقول وليتكه بجميع الثمن، أو ولّيتك نصفه بنصف الثمن.
وقال مالك: (تجوز) .
دليلنا: أنها معاوضة في المسلم فيه قبل قبضه، فلم يجز، كما لو كان بلفظ البيع.
[فرعٌ: مسائل بالقضاء المشروط في المسلم فيه]
] : ذكر الشافعي في (الصرف) أربع مسائل:
إحداهن: لو كان في ذمة رجل لغيره طعام، فسأل من عليه الطعام من له الطعام:
стр. 2723
أن يبيعه طعامًا، بشرط أن يقضيه ما له عليه منه، فباعه منه بهذا الشرط.. فالبيع باطل؛ لأن هذا شرط ينافي مقتضى العقد، فأبطله.
الثانية: إذا باع منه طعامًا مطلقًا، ونيتُهما أن يقضيه منه.. صح البيع؛ لأنه بيع مطلق.
الثالثة: أن يقول من له الطعام لمن عليه: اقضني ما لي عليك على أن أبيعكه، فقضاه.. صح القبض؛ لأن هذا قبض مستحق عليه، فإذا قضاه.. وقع عن المقبوض. والقابض بالخيار: بين أن يبيعه منه أو لا يبيعه؛ لأن هذا وعدٌ وعده، فكان بالخيار في الوفاء به.
الرابعة: أن يقول من له الطعام: اقضني أكثر مما أستحقه أو أجود منه، بشرط أن أبيعه منك، فقضاه كذلك.. لم يصح القبض؛ لأن هذا غير مستحق عليه، فكان قبضًا فاسدًا.
قال الشيخ أبو حامد: فيجب عليه أن يرد الزيادة، وإن قضاه من غير جنس حقه.. ردّه وأخذ قدر حقه من جنسه، ثم إن شاء باعه منه، وإن شاء لم يبعه.
[مسألةٌ: وجود عيب بالمسلم فيه بعد القبض]
] : إذا قبض المسِلم المسلَم فيه، فوجد به عيبًا.. فهو بالخيار: بين أن يرضى به معيبًا، وبين أن يرده ويطالب بالمسلَم فيه سليمًا؛ لأن إطلاق العقد يقتضي السليم. فإذا أخذ المعيب ورده.. رجع في الذي له في ذمة المسلَم إليه.
وإن حدث عند المسلِم بالمقبوض عيب آخر.. فله أن يطالب بأرش العيب الموجود قبل القبض، إلا أن يرضى المسلَم إليه بأخذه معيبًا.. فلا يثبت للمسلم المطالبة بالأرش.
وقال أبو حنيفة: (ليس للمسلم المطالبة بالأرش؛ لأن رجوعه بالأرش أخذ عوض عن الجزء الفائت، وبيع المسلَم فيه قبل القبض لا يجوز) .
دليلنا: أنه عوض يجوز ردُّه بالعيب، فإذا سقط الرد بحدوث عيب.. ثبت له
стр. 2724
الرجوع بالأرش، كبيع الأعيان. وأمَّا قوله: (إن الرجوع بالأرش أخذ عوض عن الجزء الفائت، وبيع المسلم فيه لا يجوز قبل القبض) فغير صحيح؛ لأن بيع المبيع المعيَّن قبل القبض لا يصح، وقد جاز أخذ الأرش عنه. ولأن ذلك فسخ العقد في الجزء الفائت، وليس ببيع، ولهذا يكون بحسب الثمن المسمى في العقد.
[مسألةٌ: فقد المسلم فيه عند حلول لأجل]
مسألةٌ: [فقد المسلم فيه عند حلول الأجل] : إذا أسلم في شيء مؤجّل إلى وقت، الغالب وجود المسلم فيه في ذلك الوقت، فجاء ذلك الوقت، ولم يوجد ذلك الشيء ـ كالثمرة إذا انقطعت ـ وتعذر القبض حتى نفد ذلك الشيء المسلم فيه.. ففيه قولان:
أحدهما: ينفسخ السلم؛ لأن المعقود عليه قد تعذر تسليمه، فانفسخ العقد، كما لو اشترى منه قفيزًا من صبرة، فتلفت الصبرة قبل القبض. ولأنه لو أسلم إليه في ثمرة بلدٍ بعينه، كبغداد.. صح السلم، ولم يكن للمسلَم إليه أن يدفع إليه من ثمرة غير بغداد. وكذلك: إذا أسلم إليه في ثمرة عام.. لم يكن له أن يدفع إليه من ثمرة غير ذلك العام.
والقول الثاني: لا ينفسخ السَّلم، ولكن يثبت للمسلم الخيار: بين أن يفسخ العقد، وبين أن لا يفسخ ويصبر إلى أن يوجد المسلم فيه، وبه قال أبو حنيفة، وهو الصحيح؛ لأن المعقود عليه في الذمة لم يتلف، بدليل: أنه لو أسلم إليه في الرطب من ثمرة عامين، فقدم المسلم إليه في العام الأول ما يجب فيه في العام الثاني.. جاز.
وإن انقطع بعض المسلم فيه، ووجد البعض:
فإن قلنا: إن السلم ينفسخ إذا عدم جميع المسلم فيه.. انفسخ السلم هاهنا في القدر المفقود من المسلم فيه. وهل ينفسخ في الموجود منه؟ فيه طريقان، كما قلنا فيمن اشترى عبدين، فتلف أحدهما قبل القبض:
стр. 2725
[الأول] : من أصحابنا من قال: فيه قولان.
و [الطريق الثاني] : منهم من قال: لا ينفسخ، قولاً واحدًا.
فإذا قلنا: ينفسخ.. فلا كلام. وإذا قلنا: لا ينفسخ.. ثبت للمسلم الخيار في الفسخ؛ لأن الصفقة تفرّقت عليه. فإن فسخ.. فلا كلام، وإن لم يفسخ.. أخذ الموجود، وهل يأخذه بجميع الثمن أو بحصته؟ فيه قولان، حكاهما الشيخ أبو حامد، وابن الصبّاغ.
قلت: وعلى قياس ما ذكر في " المهذب " هناك: أنه يأخذه هاهنا بحصّته من (الثمن) : وهو رأس مال السلم، قولاً واحدًا.
فإذا قلنا: يأخذه بجميع الثمن.. فلا خيار للمسلم إليه. وإن قلنا: يأخذه بحصته.. فهل للمسلم إليه الخيار؟ فيه وجهان، حكاهما ابن الصبّاغ.
وإن قلنا: إن المسلم فيه إذا انقطع جميعه لا ينفسخ السلم، بل يثبت للمسلم الخيار.. ثبت له أيضًا هاهنا الخيار ليأخذ بعض حقه. فإذا اختار أن يفسخ السلم في المفقود والموجود.. جاز؛ لتفرق حقِّه عليه.
وإن اختار أن يفسخ السلم في المفقود، ويقره في الموجود.. فهل له ذلك؟ فيه قولان، بناء على القولين في تفريق الصفقة.
فإن قلنا: يجوز، ففسخ السلم في المفقود.. فبكم يأخذ الموجود؟ على ما مضى.
[مسألةٌ: الإقالة فسخ]
] : الإقالة فسخ، وليست ببيع، على المشهور من المذهب، سواء كان قبل القبض أو بعده، وبه قال أبو حنيفة، إلاَّ أنه يقول: (هي بيع في حق غير المتعاقدين، فتثبت بها الشفعة) .
وقال أبو يوسف: إن كان قبل القبض.. فهو فسخ، وإن كان بعد القبض.. فهي بيع.
стр. 2726
وقال مالك: (هي بيع بكل حال) . وحكى القاضي أبو الطيب: أنه القول القديم للشافعي. وأمَّا الشيخ أبو حامد: فحكاه وجهًا لبعض أصحابنا.
دليلنا: أن المبيع عاد إلى البائع بلفظ لا ينعقد به البيع، فكان فسخًا، كالردِّ بالعيب.
إذا ثبت هذا: فإن أسلم رجل إلى غيره شيئًا في شيء، ثم تقايلا في عقد السلم.. صحّ ـ وقد وافَقَنا مالك على ذلك ـ وهذا من أوضح دليل على: أن الإقالة فسخ؛ لأنها لو كان بيعًا.. لما صحَّ في المسلَم فيه قبل القبض، كما لا يصح بيعُهُ.
وإن أقاله في بعض المسلم فيه.. صح في القدر الذي أقاله.
وقال ابن أبي ليلى: تكون إقالة في الجميع.
وقال ربيعة، ومالك، والليث: (لا يصح) .
دليلنا: أن الإقالة مندوبٌ إليها، بدليل قوله ﷺ : «من أقال نادمًا في بيع.. أقاله الله نفسه يوم القيامة» . وما جاز في جميع المبيع.. جاز في بعضه، كالإبراء والإنظار.
وإن أقاله بأكثر من الثمن، أو بأقل منه، أو بجنس آخر.. لم تصح الإقالة.
وقال أبو حنيفة: (تصح الإقالة، ويجب ردُّ الثمن المسمى في العقد) .
دليلنا: أن المسلم أو المشتري لم يسقط حقه من المبيع، إلاَّ بشرط العوض الذي شرطه، فإذا لم يصح له العوض.. لم تصح له الإقالة، كما لو اشترى منه داره بألف، بشرط أن يبيعه غلامه بألف.
стр. 2727
[فرع: ضمان المسلم فيه والصلح عليه]
] : وإن ضمن ضامن عن المسلم إليه المسلم فيه، ثم إن الضامن صالح المسلم عمَّا في ذمة المسلم إليه، بمثل رأس مال السلم.. لم يصح الصلح؛ لأن الضامن لا يملك المسلم فيه فيتعوض عنه. فأمّا إذا صالحَ المسلِمُ المسلَمُ إليه، بمثل رأس مال السلم.. قال أبو العبّاس: صح الصلح، وكان إقالةً؛ لأن (الإقالة) هو: أن يسترد ما دفع، ويعطي ما أخذ، وهذا مثله.
[فرع: فسخ عقد السلم]
] : وإذا انفسخ عقد السلم بالفسخ أو الانفساخ.. سقط المسلم فيه عن ذمة المسلم إليه، ورجع المسلم إلى رأس مال السلم، فإن كان باقيًا.. أخذه، وإن كان تالفًا.. رجع إلى مثله إن كان له مثل، وإن كان لا مثل له.. رجع إلى قيمته. وإن أراد أن يسلمه في شيء آخر.. لم يجز؛ لأنه بيع دين بدين.
وإن أراد أن يأخذ عنه عوضًا.. نظرت:
فإن كان رأس المال من أموال الرّبا.. نظرت:
فإن أراد أن يأخذ منه ما هو من جنسه.. جاز أن يأخذ ما هو مثله، ولم يجز أن يأخذ أكثر منه ولا أقل منه، ولا يصح أن يتفرَّقا قبل قبضه.
وإن أراد أن يأخذ عنه من غير جنسه، إلا أنه جمعتهما علَّة واحدة في الربا، كالدراهم والدنانير.. جاز أن يأخذ أكثر منه وأقل منه، إلا أنه لا يصح أن يتفرقا قبل قبض العوض، كما قلنا في البيع.
وإن أراد أن يأخذ منه عوضًا ليس من أموال الربا، كالثياب والدواب، أو كان رأس المال من غير أموال الرّبا.. صح ذلك أيضًا. وهل يشترط فيه القبض قبل التفرق؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يشترط ذلك؛ لئلا يتفرّقا والعوض والمعوَّض في ضمان واحد.
стр. 2728
والثاني: لا يشترط ذلك، كما لو اشترى أحدهما بالآخر.
وإن اختلفا في قدر رأس مال السلم.. فالقول قول المسلم إليه مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته مما زاد على ما أقر به.
وإن اختلفا في قدر المسلم فيه، أو في الأجل أو في قدره.. تحالفا.
وإن اتَّفقا على الأجل، واختلفا في انقضائه، فادّعى المسلم انقضاء الأجل، وادَّعى المسلم إليه بقاءه.. فالقول قول المسلم إليه مع يمينه؛ لأن الأصل بقاؤه.
والله أعلم
стр. 2729
[باب القرض]
الإقراض مستحب، وفعل من أفعال البر؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] [المائدة: ٢] . وفي الإقراض إعانةٌ على البر.
وروى أبو هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «من كشف عن مسلم كربة من كرب الدنيا.. كشف الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر.. يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر على مسلم.. ستر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه» . والقرض مما تفرج به الكرب.
стр. 2730
وقد رُوي عن ابن عبّاس، وابن مسعود، وأبي الدرداء: أنهم قالوا: (لئن نقرض مرتين.. أحب إلينا من أن نتصدق مرة) .
وقال بعضهم: إنما كان القرض خيرًا من الصدقة؛ لأن الصدقة قد تدفع إلى من هو غنيٌّ عنها، ولا يسأل إنسان القرض إلا وهو محتاج إليه.
[مسألة: أركان القرض وشروطه]
] : ولا يصح القرض إلاَّ من جائز التصرف في المال؛ لأنه عقد على المال، فلم يصح إلا جائز التصرف فيه، كالبيع. ولا يصح إلاَّ بالإيجاب والقبول؛ لأنه تمليك
стр. 2731
آدميٍّ، فافتقر إلى الإيجاب والقبول، كالبيع والهبة، وفيه احترازٌ من العتق.
وينعقد بلفظ القرض والسلف؛ لأنه قد ثبت له عرف الاستعمال. وسمي القرض: قرضًا؛ لأنه قطع له من ماله قطعة، ومن قطع منه شيئًا.. فقد قرضه. وينعقد بما يؤدي معنى ذلك، فإن قال: ملَّكتك هذا، على أن ترد عليَّ بدلَه.. كان قرضًا، وإن قال: ملَّكتك هذا، ولم يذكر البدل.. فهو هبة.
وإن اختلفا فيه.. فالقول قول الموهوب له؛ لأن الظاهر معه.
قال الشيخ أبو إسحاق: فإن قال: أقرضتك ألفا، وقبل، وتفرقا، ثم دفع إليه إلفا، فإن لم يطل الفصل.. جاز؛ لأن الظاهر أنه قصد الإيجاب. وإن طال الفصل.. لم يجز حتى يعيد لفظ القرض؛ لأنه لا يمكنه البناء على العقد مع طول الفصل.
[مسألة: الخيار في القرض وفسخه]
] : ولا يثبت في القرض خيار المجلس، ولا خيار الشرط؛ لأن الخيار يراد للفسخ، وكل واحد منهم يملك أن يفسخ القرض متى شاء، فلا معنى لإثبات الخيار.
ولو أقرضه شيئًا إلى أجل.. لم يلزم الأجل، وكان حالاًّ. وهكذا: لو كان له عنده ثمن حالٌّ فأجَّله، أو كان مؤجَّلاً فزاد في أجله.. لم يلزم ذلك.
وقال مالك - رحمة الله عليه -: (يدخل الأجل في ابتداء القرض، بأن يقرضه إلى أجل، ويدخل في انتهائه، بأن يقرضه حالاًّ، ثم يؤجِّله له، فيتأجَّلَ) .
ووافقنا أبو حنيفة ﵀: (أن الأجل لا يدخل في القرض، وأمّا الثمن الحالُّ: فيتأجل بالتأجيل) .
دليلنا على مالك: أن الأجل يقتضي جزءًا من العوَض، والقرض لا يحتمل الزيادة والنقصان في عوضه، فلم يجز شرط الأجل فيه.
وأمّا الدليل على أبي حنيفة: فقوله ﷺ : «كل شرط ليس في كتاب الله.. فهو باطل» ، وتأجيل الحق الحالِّ ليس في كتاب الله تعالى، فكان باطلاً، ولأنه حقٌّ مستقرٌّ فلم يتأجَّل بالتأجيل، كالقرض.
стр. 2732
وقولنا: (مستقرٌّ) احترازٌ من الثمن في مدة الخيار؛ ولأنه إنظار تبرَّع به، فلم يلزمه، كالمرأة إذا وجدت زوجها عِنِّينًا، فأجَّلَته، ثم رجعت عن ذلك.. فإن لها ذلك.
[فرعٌ: يصح الرهن في القرض]
] : ويجوز شرط الرهن في القرض؛ لـ: «أنَّ النبي ﷺ رهن درعه على شعير استقرضه من يهودي» . ويجوز عقد القرض بشرط الضمين فيه، وبشرط أن يقر عند الحاكم، أو يشهد؛ لأنه وثيقة فيه، فجاز شرطه فيه، كالرهن.
[مسألةٌ: ما تملك به العين المستقرضة]
] : ومتى يملك المستقرض العين التي استقرضها؟ فيه وجهان:
[أحدهما] : من أصحابنا من قال: لا يملكها إلاَّ بالتصرُّف بالبيع أو الهبة أو بأن يتلفها أو تتلف في يده؛ لأن للمقرض أن يرجع في العين، وللمستقرض أن يردّها. ولو ملكها المستقرض بالقبض.. لم يملك واحدٌ منهما فسخ ذلك.
فعلى هذا: إن استقرض حيوانًا.. كانت نفقته على المقرض إلى أن يتلفه المستقرض. وإن استقرض أباه.. لم يعتق عليه بالقبض.
و [الثاني] : منهم من قال: يملكها المستقرض بالقبض. قال الشيخ أبو حامد: وهو الصحيح؛ لأنه بالقبض يملك التصرف فيها في جميع الوجوه، فلو لم يملكها بالقبض.. لما ملك التصرف فيها بما فيه حظٌّ، وبما لا حظَّ فيه. وأمَّا الرجوع في العين المقرضة: فلا خلاف بين أصحابنا: أنَّ للمستقرض أن
стр. 2733
يردَّها على المقرض، وأمَّّا المقرض: فهل له أن يرجع فيها وهي في يد المستقرض؟
من أصحابنا من قال: إن قلنا: إنَّ المستقرض ملكها بالقبض.. لم يكن للمقرض أن يرجع فيها بغير رضا المستقرض، وإن قلنا: إنَّ المستقرض لا يملكها إلاَّ بالتصرُّف.. فللمقرض أن يرجع فيها.
ومنهم من قال: للمقرض أن يرجع فيها بكل حال، وهو المنصوص، ولا يكون جواز رجوع المقرض فيها مانعًا من ثبوت الملك للمستقرض فيها قبل التصرُّف، ألا ترى أن الأب إذا وهب لابنه شيئًا، وأقبضه إيَّاه.. فإن الابن قد ملكه، وللأب أن يرجع فيه؟
وكذلك: إذا اشترى كل واحد سلعة بسلعة، ثم وجد كل واحدٍ منهما بما صار إليه عيبًا.. فإن لكل واحد منهما أن يرجع في سلعته وإن كانت ملكًا للآخر. ويبطل بما لو تصرَّف هذا المستقرض بالعين المستقرضة، ثم رجعت إليه.. فإن للمقرض أن يرجع فيها، ولا يدلُّ ذلك على: أنَّ المستقرض لم يكن مالكًا للعين وقت التصرُّف فيها. فعلى هذا: إذا اقترض حيوانًا، وقبضه.. كانت نفقته على المستقرض. وإن اقترض أباه، وقبضه.. صحَّ، وعتق عليه.
[فرعٌ: يملك الضيف الطعام]
واختلف أصحابنا فيمن قدَّم إلى غير طعامًا، وأباح له أكله.. متى يملكه المقدَّم إليه؟
فـ[الأول] : منهم من قال: يملكه بالتناول، فإذا أخذ لقمة بيده.. ملكها، كما إذا وهبه شيئًا، وأقبضه إيَّاه.
فعلى هذا: لو أراد المقدِّم أن يسترجعها منه بعد أن أخذها بيده.. لم يكن له ذلك.
و [الثاني] : منهم من قال: يملكه بتركه في الفم.
فعلى هذا: للمقدِّم أن يرجع فيه ما لم يتركه المقدِّم إليه في فيهِ.
стр. 2734
و [الثالث] : منهم من قال: لا يملكه إلا بالبلع.
و [الرابع] : حكاه في " المهذب ": أنه لا يملكه بالأكل، بل يأكله وهو على ملك صاحبه.
فإذا قلنا: إن المقدم إليه ملكه بأخذه باليد، أو بتركه في الفم.. فهل له أن يبيحه لغيره، أو يتصرف فيه بغير ذلك؟ فيه وجهان:
[أحدهما] : قال عامَّة أصحابنا: لا يجوز له ذلك، لأنه أباح له انتفاعًا صحيحًا مخصوصًا، فلا يجوز له أن ينتفع به لغيره، كما لو أعاره ثوبًا.. لم يكن له أن يعيره غيره.
و [الثاني] : قال الشيخ أبو حامد، والقاضي أبو الطيب: له أن يفعل به ما شاء من وجوه التصرفات، مثل: البيع، والهبة لغيره؛ لأنه يملكه، فهو كما لو وهبه شيئًا وأقبضه إيّاه.
قال ابن الصبّاغ: وهذا الذي قالاه لا يجيءُ على أصولهما؛ لأن من شرط الهبة عندهما القبول والإيجاب والإذن بالقبض، إلاَّ أن يتضمَّنها العتق لقوَّته، ولم يوجد ذلك هاهنا. ولأن الإذن بالتناول إنَّما تضمَّن إباحة الأكل، فلا يصح أن يحصل به الملك، ولو كان ذلك صحيحًا.. لجاز له تناول جميع الذي قدم إليه، وينصرف به إلى بيته. وكذلك: إذا قلنا: بتركه في فيه.. فإنه لم يحصل الأكل المأذون فيه، وإنَّما يملكه بالبلع.
وقال: وعندي: أنَّ بالبلع يبطل معنى الملك فيه، ويصير كالتالف.
قال: والأوجه في ذلك: أن يكون إذنًا في الإتلاف لا تمليك فيه.
[مسألةٌ: ما يصح قرضه]
] : ويصح القرض في كل عين يصح بيعها، وتضبط صفتها، كما قلنا في السلم. وأمّا ما لا يضبط بالصفة، كالجواهر وما عملت فيه النار.. فهل يصح قرضها؟ فيه وجهان، بناءً على الوجهين فيما يجب ردُّه بالقرض فيما لا مثل له:
стр. 2735
فإن قلنا: يجب ردُّ القيمة.. جاز قرض هذه الأشياء.
وإن قلنا: يجب ردُّ المثل فيها.. لم يجز قرضها، ويأتي توجيههما.
[فرعٌ: قرض الدراهم المزيفة]
] : قال الصيمري: ولا يجوز قرض الدراهم المزيفة، ولا الزرنيخية، ولا المحمول عليها ولو تعامل بها الناس. فلو أقرضه دراهم أو دنانير، ثم حرمت.. لم يكن له إلاَّ ما أقرض. وقيل: قيمتها يوم حرمت.
ولا يصح القرض إلاَّ في مال معلوم، فإن أقرضه دراهم غير معلومة الوزن، أو طعامًا غير معلوم الكيل.. لم يصحَّ؛ لأنه إذا لم يعلم قدر ذلك.. لم يمكنه القضاء.
[مسألة: قرض الجواري]
] : ويجوز قرض غير الجواري من الحيوان، كالعبيد والأنعام، وغيرهما ممَّا يصح بيعها، ويضبط وصفها.
وقال أبو حنيفة: (لا يصح قرضها) . وبنى ذلك على أصله: أن السلم لا يصح فيها. دليلنا: ما «روى أبو رافع ﵁: أن رسول الله ﷺ استسلف من أعرابي بَكْرًا، فقدمت عليه إبلٌ من إبل الصدقة، فأمرني أن أقضيه، فقلت: لم أجِد في الإبل إلا جملاً خيارًا رباعيًّا، فقال: " اقضه إيّاه، فإن خير الناس أحسنهم قضاءً» .
следующие страницы →