Полный текст (7 092 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.
стр. 2731
آدميٍّ، فافتقر إلى الإيجاب والقبول، كالبيع والهبة، وفيه احترازٌ من العتق.
وينعقد بلفظ القرض والسلف؛ لأنه قد ثبت له عرف الاستعمال. وسمي القرض: قرضًا؛ لأنه قطع له من ماله قطعة، ومن قطع منه شيئًا.. فقد قرضه. وينعقد بما يؤدي معنى ذلك، فإن قال: ملَّكتك هذا، على أن ترد عليَّ بدلَه.. كان قرضًا، وإن قال: ملَّكتك هذا، ولم يذكر البدل.. فهو هبة.
وإن اختلفا فيه.. فالقول قول الموهوب له؛ لأن الظاهر معه.
قال الشيخ أبو إسحاق: فإن قال: أقرضتك ألفا، وقبل، وتفرقا، ثم دفع إليه إلفا، فإن لم يطل الفصل.. جاز؛ لأن الظاهر أنه قصد الإيجاب. وإن طال الفصل.. لم يجز حتى يعيد لفظ القرض؛ لأنه لا يمكنه البناء على العقد مع طول الفصل.
[مسألة: الخيار في القرض وفسخه]
] : ولا يثبت في القرض خيار المجلس، ولا خيار الشرط؛ لأن الخيار يراد للفسخ، وكل واحد منهم يملك أن يفسخ القرض متى شاء، فلا معنى لإثبات الخيار.
ولو أقرضه شيئًا إلى أجل.. لم يلزم الأجل، وكان حالاًّ. وهكذا: لو كان له عنده ثمن حالٌّ فأجَّله، أو كان مؤجَّلاً فزاد في أجله.. لم يلزم ذلك.
وقال مالك - رحمة الله عليه -: (يدخل الأجل في ابتداء القرض، بأن يقرضه إلى أجل، ويدخل في انتهائه، بأن يقرضه حالاًّ، ثم يؤجِّله له، فيتأجَّلَ) .
ووافقنا أبو حنيفة ﵀: (أن الأجل لا يدخل في القرض، وأمّا الثمن الحالُّ: فيتأجل بالتأجيل) .
دليلنا على مالك: أن الأجل يقتضي جزءًا من العوَض، والقرض لا يحتمل الزيادة والنقصان في عوضه، فلم يجز شرط الأجل فيه.
وأمّا الدليل على أبي حنيفة: فقوله ﷺ : «كل شرط ليس في كتاب الله.. فهو باطل» ، وتأجيل الحق الحالِّ ليس في كتاب الله تعالى، فكان باطلاً، ولأنه حقٌّ مستقرٌّ فلم يتأجَّل بالتأجيل، كالقرض.
стр. 2732
وقولنا: (مستقرٌّ) احترازٌ من الثمن في مدة الخيار؛ ولأنه إنظار تبرَّع به، فلم يلزمه، كالمرأة إذا وجدت زوجها عِنِّينًا، فأجَّلَته، ثم رجعت عن ذلك.. فإن لها ذلك.
[فرعٌ: يصح الرهن في القرض]
] : ويجوز شرط الرهن في القرض؛ لـ: «أنَّ النبي ﷺ رهن درعه على شعير استقرضه من يهودي» . ويجوز عقد القرض بشرط الضمين فيه، وبشرط أن يقر عند الحاكم، أو يشهد؛ لأنه وثيقة فيه، فجاز شرطه فيه، كالرهن.
[مسألةٌ: ما تملك به العين المستقرضة]
] : ومتى يملك المستقرض العين التي استقرضها؟ فيه وجهان:
[أحدهما] : من أصحابنا من قال: لا يملكها إلاَّ بالتصرُّف بالبيع أو الهبة أو بأن يتلفها أو تتلف في يده؛ لأن للمقرض أن يرجع في العين، وللمستقرض أن يردّها. ولو ملكها المستقرض بالقبض.. لم يملك واحدٌ منهما فسخ ذلك.
فعلى هذا: إن استقرض حيوانًا.. كانت نفقته على المقرض إلى أن يتلفه المستقرض. وإن استقرض أباه.. لم يعتق عليه بالقبض.
و [الثاني] : منهم من قال: يملكها المستقرض بالقبض. قال الشيخ أبو حامد: وهو الصحيح؛ لأنه بالقبض يملك التصرف فيها في جميع الوجوه، فلو لم يملكها بالقبض.. لما ملك التصرف فيها بما فيه حظٌّ، وبما لا حظَّ فيه. وأمَّا الرجوع في العين المقرضة: فلا خلاف بين أصحابنا: أنَّ للمستقرض أن
стр. 2733
يردَّها على المقرض، وأمَّّا المقرض: فهل له أن يرجع فيها وهي في يد المستقرض؟
من أصحابنا من قال: إن قلنا: إنَّ المستقرض ملكها بالقبض.. لم يكن للمقرض أن يرجع فيها بغير رضا المستقرض، وإن قلنا: إنَّ المستقرض لا يملكها إلاَّ بالتصرُّف.. فللمقرض أن يرجع فيها.
ومنهم من قال: للمقرض أن يرجع فيها بكل حال، وهو المنصوص، ولا يكون جواز رجوع المقرض فيها مانعًا من ثبوت الملك للمستقرض فيها قبل التصرُّف، ألا ترى أن الأب إذا وهب لابنه شيئًا، وأقبضه إيَّاه.. فإن الابن قد ملكه، وللأب أن يرجع فيه؟
وكذلك: إذا اشترى كل واحد سلعة بسلعة، ثم وجد كل واحدٍ منهما بما صار إليه عيبًا.. فإن لكل واحد منهما أن يرجع في سلعته وإن كانت ملكًا للآخر. ويبطل بما لو تصرَّف هذا المستقرض بالعين المستقرضة، ثم رجعت إليه.. فإن للمقرض أن يرجع فيها، ولا يدلُّ ذلك على: أنَّ المستقرض لم يكن مالكًا للعين وقت التصرُّف فيها. فعلى هذا: إذا اقترض حيوانًا، وقبضه.. كانت نفقته على المستقرض. وإن اقترض أباه، وقبضه.. صحَّ، وعتق عليه.
[فرعٌ: يملك الضيف الطعام]
واختلف أصحابنا فيمن قدَّم إلى غير طعامًا، وأباح له أكله.. متى يملكه المقدَّم إليه؟
فـ[الأول] : منهم من قال: يملكه بالتناول، فإذا أخذ لقمة بيده.. ملكها، كما إذا وهبه شيئًا، وأقبضه إيَّاه.
فعلى هذا: لو أراد المقدِّم أن يسترجعها منه بعد أن أخذها بيده.. لم يكن له ذلك.
و [الثاني] : منهم من قال: يملكه بتركه في الفم.
فعلى هذا: للمقدِّم أن يرجع فيه ما لم يتركه المقدِّم إليه في فيهِ.
стр. 2734
و [الثالث] : منهم من قال: لا يملكه إلا بالبلع.
و [الرابع] : حكاه في " المهذب ": أنه لا يملكه بالأكل، بل يأكله وهو على ملك صاحبه.
فإذا قلنا: إن المقدم إليه ملكه بأخذه باليد، أو بتركه في الفم.. فهل له أن يبيحه لغيره، أو يتصرف فيه بغير ذلك؟ فيه وجهان:
[أحدهما] : قال عامَّة أصحابنا: لا يجوز له ذلك، لأنه أباح له انتفاعًا صحيحًا مخصوصًا، فلا يجوز له أن ينتفع به لغيره، كما لو أعاره ثوبًا.. لم يكن له أن يعيره غيره.
و [الثاني] : قال الشيخ أبو حامد، والقاضي أبو الطيب: له أن يفعل به ما شاء من وجوه التصرفات، مثل: البيع، والهبة لغيره؛ لأنه يملكه، فهو كما لو وهبه شيئًا وأقبضه إيّاه.
قال ابن الصبّاغ: وهذا الذي قالاه لا يجيءُ على أصولهما؛ لأن من شرط الهبة عندهما القبول والإيجاب والإذن بالقبض، إلاَّ أن يتضمَّنها العتق لقوَّته، ولم يوجد ذلك هاهنا. ولأن الإذن بالتناول إنَّما تضمَّن إباحة الأكل، فلا يصح أن يحصل به الملك، ولو كان ذلك صحيحًا.. لجاز له تناول جميع الذي قدم إليه، وينصرف به إلى بيته. وكذلك: إذا قلنا: بتركه في فيه.. فإنه لم يحصل الأكل المأذون فيه، وإنَّما يملكه بالبلع.
وقال: وعندي: أنَّ بالبلع يبطل معنى الملك فيه، ويصير كالتالف.
قال: والأوجه في ذلك: أن يكون إذنًا في الإتلاف لا تمليك فيه.
[مسألةٌ: ما يصح قرضه]
] : ويصح القرض في كل عين يصح بيعها، وتضبط صفتها، كما قلنا في السلم. وأمّا ما لا يضبط بالصفة، كالجواهر وما عملت فيه النار.. فهل يصح قرضها؟ فيه وجهان، بناءً على الوجهين فيما يجب ردُّه بالقرض فيما لا مثل له:
стр. 2735
فإن قلنا: يجب ردُّ القيمة.. جاز قرض هذه الأشياء.
وإن قلنا: يجب ردُّ المثل فيها.. لم يجز قرضها، ويأتي توجيههما.
[فرعٌ: قرض الدراهم المزيفة]
] : قال الصيمري: ولا يجوز قرض الدراهم المزيفة، ولا الزرنيخية، ولا المحمول عليها ولو تعامل بها الناس. فلو أقرضه دراهم أو دنانير، ثم حرمت.. لم يكن له إلاَّ ما أقرض. وقيل: قيمتها يوم حرمت.
ولا يصح القرض إلاَّ في مال معلوم، فإن أقرضه دراهم غير معلومة الوزن، أو طعامًا غير معلوم الكيل.. لم يصحَّ؛ لأنه إذا لم يعلم قدر ذلك.. لم يمكنه القضاء.
[مسألة: قرض الجواري]
] : ويجوز قرض غير الجواري من الحيوان، كالعبيد والأنعام، وغيرهما ممَّا يصح بيعها، ويضبط وصفها.
وقال أبو حنيفة: (لا يصح قرضها) . وبنى ذلك على أصله: أن السلم لا يصح فيها. دليلنا: ما «روى أبو رافع ﵁: أن رسول الله ﷺ استسلف من أعرابي بَكْرًا، فقدمت عليه إبلٌ من إبل الصدقة، فأمرني أن أقضيه، فقلت: لم أجِد في الإبل إلا جملاً خيارًا رباعيًّا، فقال: " اقضه إيّاه، فإن خير الناس أحسنهم قضاءً» .
стр. 2736
ولأن ما صحَّ أن يثبت في الذمة مهرًا.. صحَّ أن يثبت فيها قرضًا، كالثياب.
فأمَّا استقراض الجواري: فيجوز ذلك لمن لا يحل له وطؤها بنسب أو رضاع أو مصاهرة، كغيرها من الحيوان، ولا يجوز لمن يحل له وطؤها.
وقال المزني، وابن داود، وابن جرير الطبري: يجوز.
وحكى الطبري عن بعض أصحابنا الخراسانيِّين: أنه يجوز قرضها، ولا يحل للمستقرض وطؤها.
دليلنا: أنَّه عقد إرفاق لا يلزم كل واحد من المتعاقدين، فلم يملك به الاستمتاع، كالعارية.
فقولنا: (عقد إرفاق لا يلزم كل واحد من المتعاقدين، فلم يملك به الاستمتاع) احترازٌ من البيع إذا اشترى جارية بجارية، ثم وجد كل واحد منهما بما صار إليه عيبًا.. فإن لكل واحد منهما أن يطأ جاريته، وليس بعقد إرفاق. ولا ينتقض بالرجل إذا وهب لابنه جارية؛ لأن الهبة تلزم من جهة الموهوب، ولا تلزم من جهة الواهب.
[مسألةٌ: في البيع والسلف]
] : ولا يجوز بيع وسلف، وهو أن يقول: بعتك هذه الدار بمائة على أن تقرضني خمسين؛ لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه ﵁: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع وسلف، وعن بيعتين في بيعة، وعن ربح ما لم يضمن، وبيع ما ليس عنده» .
ولا يجوز أن يقرضه دراهم على أن يعطيه بدلها في بلد أخرى، ولا أن يكتب له بها سفتجة، فيأمن خطر الطريق ومؤنة الحمل. وكذلك: لا يجوز أن يقرضه شيئًا
стр. 2737
بشرط أن يرد عليه خيرًا منه؛ لما روي: «أن النبي ﷺ نهى عن قرض جرَّ منفعة» . فإن أقرضه شيئًا بشرط أن يرد عليه أكثر منه.. نظرتَ:
فإن كان ذلك من أموال الرِّبا، بأن أقرضه درهمًا، بشرط أن يرد عليه درهمين، أو أقرضه ذهب طعام بشرط أن يرد عليه ذهبي طعام.. لم يجز؛ لما رويَ: أن النبي ﷺ قال: «كل قرض جر منفعة.. فهو حرام» ، ولأن هذا ربًا، فلم يجز، كالبيع.
стр. 2738
وإن كان ذلك في غير أموال الربا، كالثياب والحيوان.. ففيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو حامد:
أحدهما: يجوز؛ لما روى «عبد الله بن عمرٍو ﵄ قال: (أمرني رسول الله ﷺ أن أُجهِّزَ جيشًا، فنفدت الإبل، فأمرني أن آخذ بعيرًا ببعيرين إلى أجل» . وهذا استسلافٌ.
والثاني: لا يجوز، وهو المذهب؛ لما روي: أن النبي ﷺ قال: «كل قرض جرّ منفعة.. فهو حرام» ، ولأن هذا زيادة لا يقابلها عوض، فلم تصح، كما لو باعه داره بمائة على أن يعطيه مائة وعشرة، ولأنه لو اشترط زيادة في الجودة.. لم يصح، فلأن لا يجوز اشتراط الزيادة في العدد أولى.
وأمَّا الخبر: فهو واردٌ في السلم، بدليل: أنه قال: (كنت آخذ البعير بالبعيرين إلى أجل) . والقرض لا يدخله الأجل.
وإن أقرضه شيئًا بشرط أن يرد عليه دون ما أقرضه.. ففيه وجهان، حكاهما في " المهذَّب ":
أحدهما: لا يجوز؛ لأن مقتضى القرض ردُّ المثل، فإذا شرط النقصان عمّا أقرضه.. فقد شرط ما ينافي مقتضى العقد، فلم يجز، كما لو شرط الزيادة.
والثاني: يجوز؛ لأن القرض جُعل رفقًا بالمستقرض، فشرط الزيادة يخرج القرض عن موضوعه، فلم يجز، وشرط النقصان لا يخرجه عن موضوعه، فجاز.
[فرعٌ: رد القرض وزيادة من غير شرط]
] : وإن اقترض رجلٌ من غيره درهمًا، فردَّ عليه درهمين أو درهمًا أجود من درهمه، أو باع منه داره، أو كتب له بدرهمه سَفْتَجَةً إلى بلدٍ آخر من غير شرط، ولا جرت للمقرض عادة بذلك.. جاز.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز ذلك في أموال الرِّبا، ويجوز في غيرها. وهذا ليس بصحيح؛ لما روي: «أن النبي ﷺ اقترض نصف صاع، فرد صاعًا، واقترض
стр. 2739
صاعًا، فردَّ صاعين» ، واقترض من الأعرابي بكرًا، فردَّ عليه أجود منه، وقال ﷺ : «خيار الناس أحسنهم قضاء» ، «وقال جابر ﵁: (كان لي عند رسول الله ﷺ دين، فقضاني، وزادني» ، ولأنه متطوع بالزيادة، فجاز، كما لو وصله بها.
وكذلك: لو اقترض رجل شيئًا، وردَّ أنقص ممَّا أخذ، وطابت نفس المقرض بذلك.. جاز، كما لو أعطى الزيادة وطابت نفس المقترض بذلك.
وإن كان الرجل معروفًا أنه إذا أُقرض.. ردّ أكثر ممَّا اقترض، أو أجود منه.. فهل يجوز إقراضه مطلقًا؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يصحُّ إقراضه إلاَّ بشرط أن يرد عليه مثل ما أخذه؛ لأن ما علم بالعرف، كالمعروف بالشرط.
والثاني ـ وهو الصحيح ـ: أنه يجوز إقراضه من غير شرط؛ لأن الزيادة مندوبٌ إليها في القضاء، فلا يمنع من جواز القرض، وأمّا ما كان معروفًا من جهة العرف: فلا يمنع جواز الإقراض، ألا ترى أنه لو جرت عادة رجل أنه إذا اشترى من إنسان تمرًا أطعمه منه، أو أطعم البائع من غيره.. لم يصر ذلك بمنزلة المشروط في بطلان البيع منه.
[فرعٌ: الإقراض بشرط فاسد]
] : وإن أقرضه شيئًا بشرط فاسد، بأن أقرضه إلى أجل، أو أقرضه درهمًا بدرهمين. .
стр. 2740
بطل الشرط؛ لقوله ﷺ : «كل شرط ليس في كتاب الله.. فهو باطل» وهل يبطل القرض؟ فيه وجهان:
أحدهما: يبطل.
فعلى هذا: لا يملكه المقترض؛ لأن القرض إنما وقع بهذا الشرط، فإذا بطل الشرط.. بطل القرض، كالبيع بشرط فاسد.
والثاني: لا يبطل؛ لأن القرض عقد إرفاق، فلم يبطل بالشرط الفاسد، بخلاف البيع.
[مسألة: يرد القرض بمثله]
وإذا اقترض شيئًا له مثل، كالحبوب والأدهان والدراهم والدنانير.. وجب على المستقرض ردُّ مثلها؛ لأنه أقرب إليه. وإن اقترض منه ما لا مثل له، كالثياب والحيوان.. ففيه وجهان:
أحدهما: يجب ردُّ قيمته، وهو اختيار الشيخ أبي حامد، ولم يذكر غيره؛ لأنه مضمون بالقيمة في الإتلاف، فكذلك في القرض.
والثاني: يضمنه بمثله في الصورة والخِلْقة، وهو اختيار القاضي أبي الطيب الطبري؛ لحديث أبي رافع ﵁ حيث: (أمره النبي ﷺ أن يقضي البكر بالبكر) ، ولأن طريق القرض الرِّفق، فسومح فيه بذلك، ألا ترى أنه يجوز فيه النسيئة فيما فيه الرِّبا، ولا يجوز ذلك في البيع، بخلاف المتلف، فإنه متعدٍّ، فأوجبت عليه القيمة؛ لأنها أخص؟
قال ابن الصبّاغ: فإن قلنا: تجب القيمة، فإن قلنا: إنه يملك ذلك بالقبض.. وجبت القيمة حين القبض. وإن قلنا: إنه لا يملك إلا بالتصرف.. وجبت عليه القيمة أكثر ما كانت من حين القبض إلى حين التصرف.
وإن اختلفا في قدر القيمة، أو في صفة المثل.. فالقول قول المستقرض مع يمينه؛ لأنه غارمٌ.
стр. 2741
[فرعٌ: إقراض الخبز]
] : وأمَّا إقراض الخبز: فإن قلنا: يجوز قرض ما لا يضبط بالوصف، كالجواهر.. جاز قرض الخبز. وإن قلنا: لا يجوز قرض ما لا يضبط بالوصف.. ففي قرض الخبز وجهان:
أحدهما: لا يجوز ـ وبه قال أبو حنيفة ـ كغيره مما لا يضبط بالوصف.
والثاني: يجوز، قال ابن الصبّاغ: لإجماع أهل الأعصار على ذلك، فإنهم يقترضون الخبز.
فإذا قلنا: يجوز اقتراضه، فإن قلنا: يجب فيما لا مثل له رد مثله في الصورة.. رد مثل الخبز وزنًا. وإن قلنا: يجب ردُّ القيمة فيما لا مثل له.. رد قيمة الخبز.
فعلى هذا: إن شرط أن يرد مثل الخبز.. ففيه وجهان:
أحدهما: يصح؛ لأنَّ الرفق باقتراض الخبز لا يحصل إلاَّ بذلك.
والثاني: لا يصح، كما لا يجوز بيع الخبز بالخبز.
[مسألة: إعادة القرض في غير مكان تسلمه]
وجواز أخذ قيمته] : قال الشافعي ﵀ في (الصرف) : (وإذا أقرضه طعامًا بمصر، فلقيه بمكة، فطالبه به.. لم يكن له ذلك) ؛ لأن عليه ضررًا في نقل الطعام من مصر إلى مكة، ولأن الطعام بمكة أكثر قيمة. وإن طالبه المستقرض بأخذه.. لم يلزم المقرض أخذه؛ لأن عليه مؤنة في حمله إلى مصر، فإن تراضيا على ذلك.. جاز؛ لأن الحق لهما، وإن طالب المقرض المستقرضَ بقيمة طعامه بمكة.. أُجبر المقترض على دفع قيمة الطعام؛ لأن الطعام بمكة كالمعدوم، وما له مثلٌ إذا عُدِم.. وجب قيمتُهُ.
قال الشيخ أبو حامد: ويأخذ قيمة الطعام بمصر لا بمكََّّةَ في يوم المطالبة؛ لأنه إنما وجب عليه دفع القيمة يوم المطالبة.
стр. 2742
وهكذا: إن غصب منه طعامًا بمصر، أو أسلم إليه في طعام بمصر، فلقيه بمكة.. كان الحكم فيه كالحكم في القرض، إلاَّ في أخذ القيمة، فإنَّه لا يجوز أخذ القيمة عن المسلم فيه، ويجوز أخذ القيمة عن المغصوب، إلاَّ أنَّ الغاصب إذا دفع قيمة الطعام بمكة، وكان الطعام باقيًا.. لم يملكه الغاصب، بل إذا رجع إلى مصر.. ردَّ الطعام الذي غصبه، واسترجع القيمة، فأمَّا إذا كان في ذمَّته له دراهم أو دنانير من قرض أو غصب أو سلم بمصر، فطالبه بقضائها في مكة.. وجب عليه القضاء؛ لأنه ليس لنقلها مؤنة، فلم تختلف باختلاف البلدان.
[فرعٌ: دفع بدل القرض التالف]
] : فإن اقترض من رجل شيئًا، وقبضه، وتصرف فيه، أو أتلفه، ثم أراد أن يعطيه عن بدل القرض عوضًا.. جاز؛ لأنه مستقر في الذمة لا يخشى انتقاصه بهلاكه، فجاز تصرفه فيه قبل القبض، كالمبيع بعد القبض، بخلاف المسلم فيه، فإنه غير مستقر؛ لأنه يخشى انتقاصه بهلاكه، وحكمه في اعتبار القبض حكم ما يأخذه عوضًا عن رأس مال السَّلم بعد الفسخ، وقد مضى بيانه.
وإن كانت العين المقترضة باقية في يد المقترض.. فإنه لا يجوز أخذ العوض عنها؛ لأنَّا إن قلنا: إنَّ المقترض قد ملكها بالقبض.. فلا يجوز أخذ العوض؛ لأن ملك المقرض قد زال عن العين، ولم يستقرَّ بدلها في ذمة المقترض؛ لأن للمقرض أن يرجع في العين. وإن قلنا: إنَّ المقترض لا يملك العين إلاَّ بالتصرف.. لم يجز للمقرض أخذ بدل العين؛ لأن ملكه عليها ضعيف بتسليط المقترض عليه. هكذا ذكره ابن الصبّاغ.
والله أعلم وبالله التوفيق
стр. 2743
[كتاب الرهن]
الرهن ـ في اللغة ـ: مأخوذ من الثبوت والدوام، تقول العرب: رهن الشيء: إذا ثبت. والنعمة الراهنة هي الثابتة الدائمة. يقال: رهنت الشيء، فهو مرهون. ولا يقال: أرهنت، إلا في شاذ اللغة.
وأما في الشرع: فهو جعل المال وثيقة على الدين، ليُستوفى منه الدين عند تعذره ممن عليه، وهو جائز.
والأصل في جوازه: الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] [البقرة: ٢٨٣] . وهذا أمر على سبيل الإرشاد، لا على سبيل الوجوب.
وأما السنة: فما روى أبو هريرة: أن النبي ﷺ قال: «الرهن محلوب ومركوب» .
стр. 2744
وقوله ﷺ : «لا يغلق الرهن» . وغير ذلك من الأخبار.
وأما الإجماع: فلا خلاف بين الفقهاء في جوازه.
إذا ثبت هذا: فيجوز أخذ الرهن في السفر؛ للآية، ويجوز أخذه في الحضر، وهو قول كافة الفقهاء، إلا ما حكي عن مجاهد وداود: أنهما قالا: (لا يجوز أخذ الرهن في الحضر) .
دليلنا: ما روي: «أن النبي ﷺ اقترض من أبي الشحم اليهودي ثلاثين صاعا من
стр. 2745
شعير لأهله بعدما عاد من تبوك بالمدينة، ورهن عنده درعه، وكانت قيمتها أربعمائة درهم» .
ففي هذا الخبر فوائد:
منها: جواز الرهن؛ لأن النبي ﷺ رهن.
منها: جواز الرهن في الحضر؛ لأن ذلك كان بالمدينة، وكانت موطن النبي ﷺ .
ومنها: أنه يجوز معاملة من في ماله حرام وحلال إذا لم يعلم عين الحلال والحرام؛ لأن النبي ﷺ عامل اليهودي، ومعلوم أن اليهود يستحلون ثمن الخمر ويربون.
ومنها: أن الرهن لا ينفسخ بموت الراهن؛ لأن النبي ﷺ مات ودرعه مرهونة.
ومنها: أن الإبراء يصح وإن لم يقبل المبرأ؛ لأن النبي ﷺ لم يعدل عن معاملة مياسير الصحابة، مثل: عثمان، وعبد الرحمن ﵄ وأرضاهما-؛ لأنه
стр. 2746
كان يعلم أنه لو استقرض منهم.. أبرءوه. فلو كانت البراءة لا تصح إلى بقبول المبرأ.. لكان لا يقبل البراءة منهم، فعدل النبي ﷺ إلى اليهودي الذي يعلم أنه يطالبه بحقه. ولأنه وثيقة تجوز في السفر فجازت في الحضر، كالضمان، والشهادة.
[مسألة: فيما يشترط في الراهن]
ولا يصح الرهن إلا من جائز التصرف في المال. فأما الصبي والمجنون والمحجور عليه: فلا يصح منه الرهن؛ لأنه عقد على المال، فلم يصح منهم، كالبيع.
[مسألة: ما يصح الرهن به]
ويصح الرهن بكل حق لازم في الذمة، كدين السلم، وبدل القرض، وثمن المبيعات، وقيم المتلفات، والأجرة، والمهر، وعوض الخلع، والأرش على الجاني. وأما الدية على العاقلة: فإن كان قبل حلول الحول.. لم تصح؛ لأنه لم يجب عليهم شيء. وإن كان بعد حلول الحول.. صح.
قال الشيخ أبو حامد: وحكي عن بعض الناس: أنه قال: لا يصح الرهن إلا في دين السلم، وهو خلاف الإجماع.
والدليل على صحة ما ذهبنا إليه: قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] [البقرة: ٢٨٢] إلى قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] [البقرة: ٢٨٢ ـ ٢٨٣] .
стр. 2747
وقد يكون الدين في الذمة ثمنا، وقد يكون فيها مثمنا، ولأنه حق ثابت في الذمة، فجاز أخذ الرهن به، كالسلم، ويجوز أخذ الرهن بالدين الحال؛ لأن النبي ﷺ رهن درعه في بدل القرض، وهو حال.
ولا يصح الرهن بدين الكتابة.
وقال أبو حنيفة: (يصح)
دليلنا: أنه وثيقة يستوفى منها الحق، فلم يصح في دين الكتابة، كالضمان، ولأن الرهن إنما جعل لكي يستوفي منه من له الحق إذا امتنع من عليه الحق، وهذا لا يمكن في الكتابة؛ لأن للمكاتب أن يعجز نفسه أي وقت شاء، ويسقط ما عليه، فلا معنى للرهن به.
وأما الرهن بمال الجعالة، بأن يقول رجل: من رد عبدي الآبق.. فله الدينار: فإن رده رجل.. استحق الدينار، وصح أخذ الرهن به، وهل يصح أخذ الرهن به قبل الرد؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح، وهو اختيار أبي علي الطبري، والقاضي أبي الطيب؛ لأنه حق غير لازم، فهو كـ: مال الكتابة.
والثاني: يصح؛ لأنه يؤول إلى اللزوم، فهو كالثمن في البيع مدة الخيار.
وأما مال السبق والرمي: فإن كان بعد العمل.. صح أخذ الرهن به، وإن كان قبل العمل، فإن قلنا: إنه كالإجارة.. صح أخذ الرهن به. وإن قلنا: إنه كالجعالة.. فعلى الوجهين في مال الجعالة.
وأما العمل في الإجارة: فهل يصح أخذ الرهن به؟ ينظر فيه:
فإن كانت الإجارة على عمل الأجير بنفسه.. لم يصح أخذ الرهن به؛ لأنه لا يمكن استيفاء عمله من الرهن.
وإن كانت الإجارة على تحصيل عمل في ذمته.. صح أخذ الرهن به؛ لأنه يمكن استيفاء العمل من الرهن، بأن يباع الرهن، ويستأجر بثمنه منه من يعمل.
стр. 2748
[فرع: لا يؤخذ الرهن على الأعيان المضمونة]
ولا يصح أخذ الرهن بالثمن، والأجرة، والصداق، وعوض الخلع، إذا كان معينا، ولا بالعين المغصوبة، ولا المعارة، ولا بالعين المأخوذة على وجه السوم.
وقال أبو حنيفة: (كل عين كانت مضمونة بنفسها.. جاز أخذ الرهن بها) . وأراد بذلك: أن ما كان مضمونا بمثله أو قيمته.. جاز أخذ الرهن به؛ لأن المبيع لا يجوز أخذ الرهن به؛ لأنه مضمون عليه بفساد العقد، ويجوز عنده أخذ الرهن بالمهر، وعوض الخلع؛ لأنه يضمن بمثله أو قيمته.
دليلنا: أن قبل هلاك العين في يده لم يثبت في ذمته دين، فلا يصح أخذ الرهن به، كالمبيع.
[مسألة: عقد الرهن على الدين اللازم]
ويجوز عقد الرهن بعد ثبوت الدين، مثل: أن يقرضه شيئا، أو يسلم إليه في شيء، فيرهنه بذلك؛ لأنه وثيقة بالحق بعد لزومه، فصح، كالشهادة، والضمان.
ويجوز شرط الرهن مع ثبوت الحق، بأن يقول: بعتك هذا بدينار في ذمتك، بشرط أن ترهنني به كذا، أو أقرضتك هذا، بشرط أن ترهنني كذا؛ لأن الحاجة تدعو إلى شرطه في العقد، فإذا شرط هذا الشرط.. لم يجب على المشتري الرهن، أي: لا يجبر عليه، ولكن متى امتنع منه.. ثبت للبائع الخيار في فسخ البيع.
ولا يجوز عقد الرهن قبل ثبوت الحق، مثل: أن يقول: رهنتك هذا على عشرة دراهم تقرضنيها، أو على عشرة أبتاع بها منك.
وقال مالك، وأبو حنيفة: (يصح) .
دليلنا: أنه وثيقة بحق، فلم يجز أن يتقدم عليها، كالشهادة، بأن يقول: اشهدوا أن له علي ألفا اقترضتها منه عدًّا.
стр. 2749
[فرع: لا يؤخذ الرهن قبل معرفة قيمة المأخوذ]
وإن ثقلت السفينة بقوم في البحر، وخافوا الغرق، فقال رجل لغيره: ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه، فإن كان المتاع غير معلوم القيمة.. لم يصح أخذ الرهن به قبل الإلقاء؛ لأنه رهن بدين قبل وجوبه، وهل يصح الضمان به؟ فيه وجهان، حكاهما الصيمري.
وإن عرف قدر المتاع وقيمته ... ففيه ثلاثة أوجه، حكاها الصيمري:
أحدها: لا يصح الرهن به ولا الضمان. وهذا هو المشهور؛ لأن القيمة لا تجب قبل الإلقاء.
والثاني: يصحان.
والثالث: يصح الضمان، ولا يصح الرهن.
وأما إذا ألقاه في البحر: وجبت القيمة في ذمة المستدعي، ويصح أخذ الرهن به والضمان؛ لأنه دين واجب.
[مسألة: الرهن عقد غير لازم]
ولا يلزم الرهن من جهة المرتهن بحال، بل متى شاء.. فسخه؛ لأنه عقد لحظه، فجاز له إسقاطه متى شاء، كالإبراء من الدين.
فأما من جهة الراهن: فلا يلزم قبل القبض، سواء كان مشروطا في عقد أو غير مشروط، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك: (يلزم من جهة الراهن بالإيجاب والقبول، فمتى رهن شيئا.. أجبر على إقباضه) . وكذلك قال في الهبة.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] [البقرة: ٢٨٣]
стр. 2750
فوصف الرهن بالقبض، فدل على أنه لا يكون رهنا إلا بالقبض، كما أنه وصف الرقبة المعتقة بالإيمان. ثم لا يصح عن الكفارة إلا عتق رقبة مؤمنة، ولأنه عقد إرفاق من شرطه القبول، فكان من شرطه القبض، كالقرض.
فقولنا: (عقد إرفاق) احتراز من البيع، فإنه عقد معاوضة.
وقولنا: (من شرطه القبول) احتراز من الوقف.
إذا ثبت هذا: فالعقود على ثلاثة أضرب:
ضرب لازم من الطرفين، كالبيع، والحوالة، والإجارة، والنكاح، والخلع.
وضرب جائز من الطرفين، كالوكالة، والشركة، والمضاربة، والرهن قبل القبض.
وضرب لازم من أحد الطرفين جائز من الآخر، كالرهن بعد القبض، والضمان، والكتابة.
[فرع: الإذن في قبض المرهون به]
وإن عقد الرهن على عين في يد الراهن.. لم يجز للمرتهن قبضها إلى بإذن الراهن؛ لأن للراهن أن يفسخ الرهن قبل القبض، فلم يجز للمرتهن إسقاط حقه من ذلك بغير إذنه. فإن كانت العين المرهونة في يد المرتهن وديعة أو عارية.. فإن الرهن يصح؛ لأنه إذا صح عقد الرهن على ما في يد الراهن.. فلأن يصح على ما في يد المرتهن للراهن أولى.
أما القبض فيها: فنص الشافعي هاهنا: (أنها تصير مقبوضة عن الرهن إذا أذن الراهن في قبضها، ومضت مدة يمكنه فيها أن يقبض) . وقال في كتاب (الإقرار والمواهب) : (إذا وهب له عينا في يد الموهوب له، فقبلها تمت الهبة، ولم يعتبر الإذن في القبض) .
واختلف أصحابنا فيها على ثلاث طرق:
[أحدها] : من قال: لا يلزم واحد منهما إلا بالقبض، ولا يصح قبضهما إلا
стр. 2751
بالإذن. وما قال الشافعي ﵀ في (الهبة) فأراد: إذا أذن وأضمر ذلك، وصرح به في الرهن.
و [ثانيها] : منهم من نقل جواب كل واحدة منهما إلى الأخرى، وخرجهما على قولين:
أحدهما: لا يفتقر واحد منهما إلى الإذن؛ لأن إقراره له بيده بعد عقد الرهن والهبة، بمنزلة الإذن بالقبض، ولأنه لما لم يفتقر إلى نقل مستأنف.. لم يفتقر إلى إذن.
والثاني: يفتقر إلى الإذن فيهما. قال الشيخ أبو إسحاق: وهو الصحيح؛ لأنه قبض يلزم به عقد غير لازم، فلم يحصل إلا بالإذن، كما لو كانت العين في يد الراهن.
و [الطريق الثالث] : منهم من حمل المسألتين على ظاهرهما، فقال في الهبة: لا تفتقر إلى الإذن بالقبض فيها. وفي الرهن: لا بد من الإذن بالقبض فيه؛ لأن الهبة عقد قوي يزيل الملك، فلم تفتقر إلى الإذن فيها، والرهن عقد ضعيف لا يزيل الملك، فافتقر إلى الإذن بالقبض فيه.
إذا ثبت هذا: فرهنه ما عنده.. فإنه لا يحتاج إلى أن ينقله، بلا خلاف على المذهب، وهل يحتاج إلى الإذن بالقبض؟ على الطرق المذكورة.
وسواء قلنا: يفتقر إلى الإذن بالقبض، أو لا يفتقر إلى الإذن، فلا بد من مضي مدة يتأتى فيها القبض في مثله: إن كان مما ينقل، فبمضي زمان يمكنه نقله. وإن كان مما يخلى بينه وبينه.. فبمضي زمان يمكنه فيه التخلية.
قال الشيخ أبو حامد: وحكي عن حرملة نفسه: أنه قال: لا يحتاج إلى مضي مدة، بل يكفيه العقد والإذن إذا قلنا: إنه شرط، أو العقد لا غير إذا قلنا: إن الإذن ليس بشرط؛ لأن يده ثابتة عليه، فلا معنى لاعتبار زمان ابتداء القبض. وهذا غلط؛ لأن القبض لا يحصل إلا بالفعل أو بالإمكان، ولم يوجد واحد منهما.
قال الشيخ أبو حامد: فعلى هذا: إن كان المرهون معه في المجلس أو بقربه،
стр. 2752
وهو يراه أو يعلم به.. فإن القبض فيه هو مضي مدة، لو قبضه فيها.. أمكنه. وإن كان الرهن في صندوق وهو في البيت، ويتحقق كونه فيه.. فقبضه أن تمضي مدة، لو أراد أن يقوم إلى الصندوق ويقبضه.. أمكنه. وإن كان الرهن غائبا عن المجلس، بأن يكون في البيت والمرتهن في المسجد أو السوق.. فنقل المزني عن الشافعي ﵀: (أنه لا يصير مقبوضا حتى يصير المرتهن إلى منزله، والرهن فيه) .
فقال أبو إسحاق: هذا فيما يزول بنفسه، مثل العبد والبهيمة، وأما ما لا يزول بنفسه، كالثوب، والدار.. فلا يحتاج إلى أن يصير إلى منزله، بل يكفي أن يأتي عليه زمان يمكنه القبض فيه.
قال القاضي أبو الطيب: وقد نص الشافعي ﵀ على مثل ذلك في " الأم " [٣/١٢٥] ؛ لأن ما يزول بنفسه لا يعلم مكانه، فلا يمكن تقدير زمان يمكن فيه القبض، وما لا يزول بنفسه، فالظاهر بقاؤه في مكانه.
وأما الشيخ أبو حامد: فقال: غلط أبو إسحاق، فقد نص الشافعي في " الأم " على: (أنه لا فرق بين الحيوان وغيره) ؛ لأنه يجوز أن يحدث على غير الحيوان التلف من سرقة أو حريق أو غرق، فهو بمنزلة الحيوان.
وحكى في " المهذب ": أن من أصحابنا من قال: إن أخبره ثقة: بأنه باق على صفته، ومضى زمان يتأتى فيه القبض.. صار مقبوضا، كما لو رآه وكيله، ومضى زمان يتأتى فيه القبض. وليس بشيء؛ لأنه يجوز أن يكون قد تلف بعد رؤية الثقة.
قال الشافعي ﵀[في " الأم " (٣/١٢٥) ] : (ولا يكون القبض إلا ما حضره المرتهن، أو وكيله) .
قال أصحابنا: وهذا الكلام يحتمل تأويلين:
أحدهما: أن هذه مسألة مبتدأة، أي: أن القبض لا يحصل في الرهن إلا أن يقبضه المرتهن أو وكيله. فقصد بهذا بيان جواز الوكالة في القبض؛ لأن القبض هو نقله من يد الراهن إلى يد المرتهن، وهذا لا يوجد إلا بحضور المرتهن، أو وكيله. وقد فرع الشافعي ﵀ على هذا في " الأم " [٣/١٢٤] : (أن المرتهن لو وكل
стр. 2753
الراهن في قبض الرهن له من نفسه.. لم يصح؛ لأنه لا يجوز أن يكون وكيلا لغيره على نفسه في القبض) .
والتأويل الثاني: أن هذا عطف على المسألة المتقدمة، إذا رهنه وديعة عنده غائبة عنه، فلا تكون مقبوضة حتى يرجع المرتهن أو وكيله، ويشاهدها. قالوا: وهذا أشبه؛ لأنه اعتبر مجرد الحضور لا غير، وإنما يكفي ذلك فيما كان عنده. فأما ما كان في يد الراهن: فلا بد من النقل فيه.
[فرع: رهن المغصوب]
وإن غصب عينا، ثم رهنها المغصوب منه عند الغاصب.. صح الرهن، فإذا أذن الراهن للمرتهن في قبض الرهن، ومضت مدة يتأتى فيها القبض.. صار مقبوضا عن الرهن. ولا يزول عن الغاصب ضمان الغصب إلا بأن يسلمه إلى المغصوب منه، أو بأن يبرئه المغصوب منه عن الضمان في أحد الوجهين.
وقال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، والمزني ﵏ تعالى: (يزول ضمان الغصب عن المرتهن) .
دليلنا: أنه لم يتخلل بين الغصب والرهن أكثر من عقد الرهن وقبضه، والرهن لا ينافي الغصب؛ لأنهما قد يجتمعان، بأن يرتهن عينا ويتعدى فيها. فإن ارتهن عارية في يده وأذن له في قبضها عن الرهن.. صح، وكان له الانتفاع بها؛ لأن الرهن لا ينافي ذلك، ويكون ضمان العارية باقيا عليه، فإن منعه المعير من الانتفاع.. فهل يزول عن المستعير الضمان؟ فيه وجهان:
أحدهما: يزول عنه؛ لأنها خرجت عن أن تكون عارية.
والثاني: لا يزول عنه الضمان؛ لأن يده لم تزل.
وإن أودعها المعير عند المستعير، أو المغصوب منه عند الغاصب.. فهل يزول عنه الضمان؟ فيه وجهان:
стр. 2754
أحدهما: لا يزول عنه الضمان، لبقاء يده.
والثاني: يزول؛ لأن الإيداع ينافي الغصب والعارية.
[فرع: كيفية القبض]
قال الشافعي ﵀: (والقبض في العبد والثوب وما يحول: أن يأخذه مرتهنه من يد راهنه، وقبض ما لا يحول من أرض أو دار: أن يسلمه بلا حائل) . وهذا كما قال: القبض في الرهن كالقبض في البيع. فإذا رهنه ما ينقل، مثل: الدراهم، والدنانير، والثياب.. فقبضها أن يتناولها، وينقلها من مكان إلى مكان.
وكذلك: إذا رهنه عبدا أو بهيمة.. فقبض العبد أن يأخذه بيده، وينقله من مكان إلى مكان، وفي البهيمة أن يقودها أو يسوقها من مكان إلى مكان. وإن رهنه صبرة جزافا.. فقبضها أن ينقلها من مكان إلى مكان، وإن رهنه مكيلا من صبرة فقبضه بالكيل. وإن رهنه ما لا ينقل، كالأرض، والدار، والدكان.. فالقبض فيها أن يزيل الراهن يده عنها، بأن يخرج منها، ويسلمها إلى المرتهن، ولا حائل بينه وبينها. فإن رهنه دارا، فخلى بينه وبينها وهما فيها، ثم خرج الراهن.. صح القبض.
وقال أبو حنيفة: (لا يصح حتى يخلي بينه وبينها بعد خروجه منها؛ لأنه إذا كان في الدار.. فيده عليها، فلا تصح التخلية) . وهذا ليس بصحيح؛ لأن التخلية تحصل بقوله، وبرفع يده عنها، ألا ترى أن بخروجه من الدار لا تزول يده عنها، وبدخوله إلى دار غيره لا تثبت يده عليها؟ ولأنه بخروجه عنها محقق لقوله، فلا معنى لإعادة التخلية. هكذا ذكره ابن الصباغ.
قال: وإن خلى بينه وبين الدار، وفيها قماش للراهن.. صح التسليم في الدار. وقال أبو حنيفة: (لا يصح التسليم في الدار؛ لأنها مشغولة بملك الراهن) . وكذلك يقول: (إذا رهنه دابة عليها حمل للراهن، وسلم الجميع إليه.. لم يصح قبض الدابة، ولو رهنه الحمل دون الدابة، أو معها، وسلمها إليه.. صح القبض) .
وكذلك يقول في قماش الدار. وهذا ليس بصحيح؛ لأن كل ما كان قبضا في البيع..
стр. 2755
كان قبضا في الرهن، كالحمل، وقد قال: (إذا رهنه سرج دابة ولجامها، وسلمها بذلك.. لم يصح القبض فيه؛ لأنه تابع للدابة) . وهذا ينقض ما ذكره في الحمل.
وقوله: (إنه تابع) فيبطل به إذا باع الدابة.. فإن السرج لا يدخل فيه، وعلى أن الدابة في يده، وكذلك ما تبعها.
[فرع: جوازالتوكيل في قبض الرهن]
فرع: [جواز التوكيل في قبض الرهن] :
قال الصيمري: ولو قال الراهن للمرتهن: وكل عني رجلا ليقبضك أو ليقبض وكيلك عني.. جاز. ولو أمر الراهن وكيله ليقبض المرتهن، فأقبض وكيله.. جاز.
[فرع: الإقرار بقبض الرهن]
قال الشافعي ﵀: (والإقرار بقبض الرهن جائز، إلا فيما لا يمكن في مثله) . وهذا كما قال: إذا أقر الراهن بالإقباض إقرارا مطلقا، وصدقه المرتهن على ذلك.. حكم بصحة ذلك؛ لأنه يمكن صدقهما، وإن علقا ذلك بزمان لا يمكن صدقهما فيه، مثل: أن يقرا بأنهما تراهنا دارا ببغداد، وتقابضاها اليوم وهما بمكة.. فإن هذا لا يمكن ولا يثبت، كما قال الشافعي ﵀: (إذا أقر الرجل أن زوجته أمه من الرضاع أو ابنته، فإن كان سنه مثل سنها.. لم يقبل، ولم ينفسخ النكاح، وإن أمكن صدقه.. قبل، وحكم بانفساخ النكاح) .
فإن عقد على عين رهنا وإجارة، ثم أذن له في قبضها عنهما، أو عن الرهن، فقبضها صارت مقبوضة عنهما؛ لأن الإجارة لا تفتقر إلى الإذن بالقبض، والرهن يفتقر. وإن أذن له في قبضها عن الإجارة.. صارت مقبوضة عن الإجارة دون الرهن؛ لأنه لم يأذن له في القبض عن الرهن.
стр. 2756
[مسألة: رجوع الراهن عن الإذن قبل القبض]
وإن رهنه عينا، وأذن له بقبضها، فقبل أن يقبضها المرتهن رجع الراهن عن الإذن.. لم يكن للمرتهن قبضها؛ لأنه إنما يقبضها بإذن الراهن، وقد بطل إذنه برجوعه. وإن رهنه شيئا، ثم جن الراهن، أو أغمي عليه، أو أفلس، أو حجر عليه.. لم يصح إقباض الراهن، ولا يكون للمرتهن قبضه؛ لأنه لا يصح قبضه إلا بإذن الراهن، وقد خرج عن أن يكون من أهل الإذن.
وكذلك: إذا أذن له في القبض، فقبل أن يقبض طرأ على الراهن الجنون، أو الإغماء، أو الحجر.. بطل إذنه لذلك، ولا يبطل الرهن بذلك.
وقال أبو إسحاق: يبطل الرهن بذلك؛ لأن الرهن قبل القبض من العقود الجائزة، فيبطل بهذه الأشياء، كالوكالة والشركة. والمذهب الأول؛ لأن الرهن يؤول إلى اللزوم، فهو كالبيع بشرط الخيار. وقيل: إن أبا إسحاق رجع عن هذا.
إذا ثبت ما ذكرناه: فإن الولي عن المجنون والمغمى عليه ينظر:
فإن كان الحظ بإقباض الرهن، مثل: أن يكون شرطاه في بيع يستضر بفسخه أو ما أشبه ذلك.. أقبضه عنهما.
وإن كان الحظ في تركه.. لم يقبضه.
وإن كان للمحجور عليه غرماء غير المرتهن.. قال ابن الصباغ: لم يجز للحاكم تسليم الرهن إلى من رهنه عنده قبل الحجر؛ لأنه ليس له أن يبتدئ عقد الرهن في هذه الحالة، فكذلك تسليم الرهن.
стр. 2757
[فرع: تصرف الراهن قبل الإقباض يبطله]
] : وإن رهن عند غيره رهنا، ثم تصرف فيه الراهن قبل القبض.. نظرت:
فإن باعه، أو أصدقه، أو جعله عوضا في خلع، أو وهبه وأقبضه، أو رهنه وأقبضه، أو كان عبدا فأعتقه، أو كاتبه.. بطل الرهن؛ لأنه يملك فسخ الرهن قبل القبض، فجعلت هذه التصرفات اختيارا منه للفسخ، وإن كانت أمة فزوجها، أو عبدا فزوجه.. لم يبطل الرهن؛ لأن التزويج لا ينافي الرهن. ولهذا يصح رهن الأمة المزوجة والعبد المزوج.
وإن أجر الرهن، فإن قلنا: يجوز بيع المستأجر.. لم ينفسخ الرهن بالإجارة، وإن قلنا: لا يجوز بيع المستأجر، فإن كانت مدة الإجارة تنقضي قبل حلول الدين لم ينفسخ الرهن، وإن كان الدين يحل قبل انقضاء مدة الإجارة.. انفسخ الرهن بها.
وإن دبر الراهن العبد المرهون.. فالمنصوص: (أن الرهن ينفسخ) .
قال الربيع: وفيه قول آخر: (أنه لا ينفسخ) ؛ لأن تدبيره لا يمنع من بيعه. والأول أصح؛ لأن موجب التدبير هو العتق، وهو ينافي الرهن.
قال أصحابنا: وما حكاه الربيع.. فهو من تخريجه. وأما إذا رهنه الراهن من آخر ولم يقبضه، أو وهبه ولم يقبضه.. كان ذلك إبطالا للرهن الأول، على المشهور من المذهب؛ لأن موجبه ينافي الرهن وعلى تخريج الربيع لا يكون رجوعا في الرهن.
[فرع: استدامة القبض]
استدامة القبض في الرهن ليس بشرط في الرهن.
وقال مالك، وأبو حنيفة: (استدامة القبض شرط فيه) .
стр. 2758
دليلنا: أنه عقد يعتبر فيه القبض، فلم تكن استدامته شرطا، كالهبة مع أبي حنيفة، والقرض مع مالك رحمة الله عليهما.
[فرع: خرس الراهن]
إذا رهن شيئا ثم خرس الراهن قبل الإذن بالقبض، فإن كانت له إشارة مفهومة، وأذن بالقبض بالإشارة.. جاز للمرتهن قبضه؛ لأن إشارته كعبارة الناطق، وإن لم تكن له إشارة مفهومة.. لم يكن للمرتهن قبض الرهن؛ لعدم الإذن من الراهن.
وإن رهنه وأذن له بالقبض، ثم خرس الراهن قبل القبض.. قال ابن الصباغ: فينبغي أن ينظر:
فإن كانت للراهن إشارة مفهومة أو كتابة.. لم يبطل إذنه.
وإن لم يكن له شيء من ذلك.. بطل إذنه، كالمغمى عليه والمجنون.
[مسألة: موت أحد المتراهنين]
وإن عقد الرهن، ثم مات أحد المتراهنين قبل القبض.. فقد نص الشافعي ﵀: (أن الرهن لا ينفسخ بموت المرتهن، بل الراهن بالخيار: بين أن يقبض ورثة المرتهن، أولا يقبضهم) .
وحكى الداركي: أن الشافعي قال في موضع آخر: (إن الرهن ينفسخ بموت الراهن قبل التسليم) . واختلف أصحابنا في المسألة على ثلاثة طرق:
فـ[الطريق الأول] : منهم من نقل جوابه في كل واحدةٍ منهما إلى الأخرى، وخرجهما على قولين:
أحدهما: ينفسخ بموت أحدهما؛ لأنه عقد جائز، فبطل بالموت، كالوكالة والشركة.
والثاني: لا ينفسخ بموت واحدٍ منهما؛ لأنه عقد يؤول إلى اللزوم، فلم ينفسخ بالموت، كالبيع بشرط الخيار.
стр. 2759
و [الطريق الثاني] : منهم من قال: ينفسخ بموت الراهن، ولا ينفسخ بموت المرتهن؛ لأن بموت المرتهن لا يحل الدين المؤجل عليه، وبموت الراهن يحل الدين المؤجل عليه، فإن كان عليه دين غير دين المرتهن.. كان للمرتهن أسوة الغرماء، ولا يجوز للورثة تخصيص المرتهن بالرهن، وإن لم يكن عليه دين غير المرهون به.. فقد تعلق الدين بجميع التركة، فلا وجه لتسليم الرهن به، وليس كذلك المرتهن، فإن ماله من الدين لا يحل بموته، فالحاجة باقية إلى الاستيثاق بالرهن.
و [الطريق الثالث] : من أصحابنا من قال: لا يبطل الرهن بموت واحد منهما، قولا واحدا؛ لأن الرهن إذا لم ينفسخ بموت المرتهن، والعقد لا يلزم من جهته بحال.. فلأن لا يبطل بموت الراهن ـ والعقد قد لزم من جهته بعد القبض ـ أولى.
وأنكر الشيخ أبو حامد ما حكاه الداركي، وقال: بل كلام الشافعي يدل على: أن الرهن لا ينفسخ بموت الراهن؛ لأنه قال في " الأم ": (وإذا رهن عند رجل شيئا، ثم مات الراهن قبل أن يقبض الرهن، فإن كان عليه دين.. كان له أسوة الغرماء، وإن لم يكن عليه دين.. فوارثه بالخيار: بين أن يقبض الرهن المرتهن، أو يمنعه) .
وإن مات أحدهما بعد القبض.. لم ينفسخ الرهن بلا خلاف، ويقوم وارث كل واحد منهما مقامه؛ لأن الرهن لازم من جهة الراهن، والعقد اللازم لا يبطل بالموت، كالبيع والإجارة.
[مسألة: امتناع الراهن من الإقباض]
إذا امتنع الراهن من الإقباض، أو انفسخ عقد الرهن قبل القبض.. نظرت:
فإن كان الرهن غير مشروط في العقد.. بقي الدين بغير رهن، ولا خيار للمرتهن.
وإن كان الرهن مشروطا في بيع.. ثبت للبائع الخيار: بين فسخ البيع، وبين إمضائه؛ لأنه دخل في البيع بشرط الوثيقة، ولم تسلم له الوثيقة، فثبت له الخيار.
стр. 2760
[مسألة: لزوم الرهن بالإقباض]
وإذا أقبض الراهن الرهن.. لزم من جهته، فلا يملك فسخه.
قال ابن الصباغ: وهو إجماع لا خلاف فيه، ولأنه يراد للوثيقة، فلو جاز له الفسخ.. لم يحصل بذلك وثيقة، وإذا قبض الرهن.. فإنه يكون وثيقة بالدين، وبكل جزء منه. فإذا رهنه عبدين بألف، وقبضهما المرتهن، ثم تلف أحدهما.. كان الباقي رهنا بجميع الألف، وبه قال أبو حنيفة ﵀ فيما روي عنه في الأصول.
وروي عنه في " الزيادات ": (أن الدين يتقسط على الرهن) .
دليلنا: أنه مال محبوس بحق، فوجب أن يكون محبوسا بالحق، وبكل جزء منه، كما لو مات وخلف تركة ودينا عليه.. فإن التركة محبوسة بالدين، وبكل جزء منه، ولأن وثيقة بحق، فكان وثيقة بالحق، وبكل جزء منه، كالشهادة، والضمان.
فإذا قضى الراهن الدين، أو أبرأه منه المرتهن، والرهن في يد المرتهن.. بقي في يده أمانة.
وقال أبو حنيفة: (إن قضاه الراهن.. كان الرهن مضمونا على المرتهن، وإن أبرأه المرتهن، أو وهبه، ثم تلف الرهن في يده.. لم يضمنه استحسانا؛ لأن البراءة والرهن لا تقتضي الضمان) . وهذا مناقضة منه؛ لأن القبض المضمون عنده لم يزل، ولم يبرئه منه.
стр. 2761
[فرع: أسلم بطعام وأخذ رهنا]
وإن أسلم في طعام، فأخذ به رهنا، ثم تقايلا عقد السلم.. برئ المسلم إليه من الطعام، ووجب عليه رد رأس مال المسلم، وبطل الرهن؛ لأن الدين الذي ارتهن به قد سقط، ولا يكون له حبس الرهن، إلا أنه يأخذ رأس المال؛ لأنه لم يرهنه به.
وإن اقترض منه ألفا، ورهنه بها رهنا، ثم أخذ المقرض بالألف عينا.. سقطت الألف عن ذمة المقترض، وبطل الرهن، فإن تلفت العين في يد المقترض قبل أن يقبضها المقرض.. انفسخ القضاء، وعاد القرض والرهن؛ لأنه متعلق به، وقد عاد.
قال الشيخ أبو حامد: وإن باع من رجل كر طعام بألف درهم إلى أجل، وأخذ بالثمن رهنا، فإذا حل الأجل، أو كان حالا.. فللبائع أن يأخذ منه بدل الثمن دنانير، فإذا أخذها.. انفسخ الرهن، وإن تفرقا قبل القبض.. بطل القضاء، وعاد الثمن إلى ذمة المشتري، ويعود الرهن؛ لأن الرهن من حق ذلك الثمن، فسقط بسقوطه، فإذا عاد الثمن.. عاد بحقه.
وإن ابتاع منه مائة دينار بألف درهم في ذمته، ودفع عن الدراهم رهنا.. صح، فإن تقابضا في المجلس.. صح الصرف، وانفك الرهن، وإن تفرقا من غير قبض.. بطل الصرف والرهن.
стр. 2762
[فرع: لرهن من اثنين]
فرع: [الرهن من اثنين] :
وإن كان لرجل على رجلين دين، فرهناه ملكا بينهما مشاعا.. جاز، كما لو باعا ذلك منه، فإذا قضاه أحدهما ما عليه له، أو أبرأ المرتهن أحدهما.. انفك نصف الرهن؛ لأن الصفقة إذا حصل في أحد شطريها عاقدان.. فهما عقدان، فلا يقف الفكاك في أحدهما على الفكاك في الآخر، فإن طلب من انفك نصيبه القسمة.. نظرت:
فإن كان الرهن مما لا تتساوى أجزاؤه، كالثياب، والحيوان، أو كانا دارين، فأراد من انفك نصيبه أن يجعل كل دار بينهما.. لم يجز ذلك من غير إذن المرتهن؛ لأن ذلك مناقلة، والرهن يمنع من ذلك.
وإن كان الرهن مما تتساوى أجزاؤه، كالطعام.. فله المطالبة بقسمته؛ لأنه لا ضرر على المرتهن بذلك، وهكذا: إذا كانت الأرض متساوية الأجزاء.. فهي كالطعام.
وإن كان الرهن مما تنقص قيمته بالقسمة، كالحجرة الواحدة إذا أراد قسمتها نصفين.. فهل للمرتهن أن يمتنع؟ فيه وجهان:
أحدهما: له أن يمتنع؛ لأن الضرر يدخل عليه بذلك.
والثاني: ليس له أن يمتنع؛ لأن المرتهن عنده النصف، فلا يملك الاعتراض على المالك فيما لا حق له فيه. هذا نقل البغداديين من أصحابنا.
وقال المسعودي [في " الإبانة " ق\ ٢٦٢] : إن قلنا: إن القسمة فرز النصيبين.. جازت القسمة، وإن قلنا: إنها بيع.. لم تجز.
وإن رهن رجل ملكا له عند رجلين بدين لهما عليه، فقضى أحدهما دينه، أو أبرأه أحدهما عن دينه.. انفك نصف الرهن؛ لأن في أحد شطري الصفقة عاقدين، فهما كالعقدين، والحكم في القسمة ما مضى.
стр. 2763
[مسألة: العيب في الرهن]
وإذا قبض المرتهن الرهن، ثم وجد به عيبا كان موجودا في يد الراهن.. نظرت:
فإن كان الرهن غير مشروط في عقد البيع.. فلا خيار للمرتهن في فسخ البيع؛ لأن الراهن متطوع بالرهن.
وإن كان الرهن مشروطا في عقد البيع.. ثبت للبائع الخيار في فسخ البيع؛ لأنه لم يسلم له الشرط.
وإن لم يعلم بالعيب حتى هلك الرهن عنده، أو حدث عنده به عيب.. لم يثبت له الخيار؛ لأنه لا يمكنه رد الرهن كما أخذ، ولا يثبت له أرش العيب، كما يثبت للمشتري أرش العيب، والفرق بينهما: أن المبيع يجبر البائع على إقباضه، فأجبر على دفع الأرش، والراهن لا يجبر على إقباض الرهن، فلم يجبر على دفع الأرش، ولأن المبيع لو تلف جميعه في يد البائع قبل التسليم.. لوجب عليه ضمانه بالثمن، وهاهنا لو تلف الرهن في يد الراهن قبل التسليم.. لم يجب عليه بدله، فلم يجب عليه بدل جزء منه، ولأنا لو قلنا: لا أرش للمشتري.. لأسقطنا حقه، وهاهنا لا يسقط حق المرتهن؛ لأن حقه في ذمة الراهن.
قال الشيخ أبو حامد: فلو باعه شيئا بشرط أن يرهنه عبدين، فرهنهما عنده، وأقبضه أحدهما دون الآخر، وتلف عند المرتهن، وامتنع الراهن من إقباض الثاني، أو تلف في يد الراهن.. لم يكن للمرتهن الخيار في فسخ البيع؛ لأنه لا يمكن رد العبد الذي قبض، فيمضي البيع بلا رهن.
وبالله التوفيق
стр. 2764
[باب ما يجوز رهنه وما لا يجوز]
كل ما لا يجوز بيعه، كالكلب، والخنزير، وما أشبههما.. لا يجوز رهنه؛ لأن الرهن يراد ليستوفى الحق من ثمنه، وهذا لا يوجد فيما لا يجوز بيعه.
[مسألة: رهن شيء رطب يقبل التجفيف]
وإن رهنه شيئا رطبا يسرع إليه الفساد، فإن كان مما يمكن تجفيفه كالرطب والعنب.. صح رهنه، ووجب على الراهن مؤنة تجفيفه، كما يجب عليه مؤنة حفظه، وعلف الحيوان، وإن كان مما لا يمكن تجفيفه، كالبقل، والبطيخ، والهريس.. نظرت:
فإن رهنه بحق حال، أو بمؤجل يحل قبل فساده.. صح الرهن؛ لأنه يمكن استيفاء الحق من ثمنه.
وإن رهنه بدين مؤجل يفسد قبل حلول الدين.. نظرت:
فإن شرط المرتهن على الراهن بيع الرهن عند خوف الفساد؛ ليكون ثمنه رهنا.. صح الرهن؛ لأن الغرض يحصل بذلك.
وإن شرط الراهن أن لا يباع إلا بعد حلول الحق.. لم يصح الرهن؛ لأنه يتلف، ولا يحصل المقصود، وإن أطلقا ذلك.. ففيه قولان:
أحدهما: يصح الرهن، فإذا خيف عليه الفساد.. بيع، وجعل ثمنه رهنا؛ لأن العقد يبنى على عرف الناس، وفي عرفهم: أن المالك لا يترك من ماله ما يخاف عليه الفساد ليفسد.
والثاني: لا يصح الرهن، وهو الصحيح؛ لأنه لا يمكن إجبار الراهن على إزالة ملكه قبل حلول الدين، فإذا كان كذلك.. فلا يمكن استيفاء الحق من ثمنه، فلم يصح رهنه، كأم الولد.
стр. 2765
[مسألة: رهن العبد المعلق عتقه على صفة]
وإن علق عتق عبده على صفة، ثم رهنه.. ففيه ثلاث مسائل:
الأولى: إذا قال: إذا جاء رأس الشهر.. فأنت حر، ثم رهنه بحق حال، أو بمؤجل يحل قبل مجيء رأس الشهر.. فيصح الرهن، قولا واحدا؛ لأنه يمكن استيفاء الحق من ثمنه.
الثانية: أن يرهنه بحق مؤجل توجد الصفة قبله، فقد قال عامة أصحابنا: لا يصح، قولا واحدا.
وقال أبو علي الطبري: فيه قولان، كرهن ما يسرع إليه الفساد. والصحيح هو الأول؛ لأن الطعام الرطب، الظاهر من جهة الراهن بيعه إذا خيف عليه الفساد وجعل ثمنه رهنا، والظاهر ممن علق عتق عبده على صفة: أنه أراد إيقاع العتق بذلك.
الثالثة: إذا علق عتقه على صفة يجوز أن توجد قبل حلول الدين، ويجوز أن يحل الدين قبلها، بأن يقول: إذا قدم زيد.. فأنت حر. أو إذا دخلت الدار، أو كلمت زيدا.. فأنت حر.. فهل يصح رهنه هاهنا بعد ذلك؟ فيه قولان:
أحدهما: يصح الرهن؛ لأن وقوع العتق قبل محل الدين مشكوك فيه.
والثاني: لا يصح؛ لأن الصفة قد توجد قبل محل الدين، فيبطل الرهن، وذلك غرر من غير حاجة، فلم يجز. هذا قول عامة أصحابنا.
وقال أبو علي في " الإفصاح ": لا يصح رهنه، قولا واحدا، لأنه عقد الرهن على غرر.
[مسألة: رهن عبده بعد تدبيره]
قال الشافعي ﵀: (ولو دبره، ثم رهنه.. كان الرهن مفسوخا) .
وجملة ذلك: أنه إذا قال لعبده: إذا مت.. فأنت حر، ثم رهنه بعد ذلك.. فاختلف أصحابنا في صحة الرهن على ثلاث طرق:
стр. 2766
فـ[أحدها] : منهم من قال: إن قلنا: إن التدبير وصية.. صح الرهن، وبطل التدبير؛ لأن الوصية يجوز الرجوع فيها بالقول، فجعل الرهن رجوعا. وإن قلنا: إن التدبير عتق بصفة.. لم يصح الرهن؛ لأنه لا يصح الرجوع فيه إلا بتصرف يزيل الملك.
قال: وقول الشافعي ﵀: (كان الرهن مفسوخا) أراد على هذا القول.
و [الثاني] : منهم من قال: لا يصح الرهن، قولا واحدا، وعليه يدل ظاهر قوله في " الأم " [٣/١٤٠] ؛ لأنه قال: (إذا دبر عبده، ثم رهنه.. كان الرهن مفسوخا. ولو قال: كنت رجعت عن التدبير قبل الرهن.. فهل يصح الرهن؟ فيه قولان) .
وهذا نص في أنه لا يصح الرهن قبل الرجوع، قولا واحدا، ولأنا وإن قلنا: إن التدبير وصية، إلا أنه أقوى من الوصية، بدليل: أنه يتنجز بالموت من غير قبول، بخلاف الوصية.
و [الثالث] : منهم من قال: يصح الرهن، قولا واحدا، ولا يبطل التدبير؛ لأن الشافعي قال: (كل ما جاز بيعه.. جاز رهنه) . والمدبر يجوز بيعه، قولا واحدا، فكذلك رهنه.
قال ابن الصباغ: والطريقة الأولى أصح، والثانية ظاهر كلامه، والثالثة مخالفة للنص والقياس.
فإذا قلنا بالطريقة الأولى، وأن الرهن يصح إذا قلنا: إن التدبير وصية.. فإن التدبير يبطل، وهو اختيار المزني. فإن قضى الحق من غيره.. فلا كلام، ولم يعتق العبد بالموت إلا بتدبير ثان أو عتق، وإن لم يقضه من غيره.. بيع العبد في الدين.
وإن قلنا بالطريقة الثانية، وأن الرهن لا يصح.. فالعبد على تدبيره.
وإن قلنا بالطريقة الثالثة، وأن الرهن صحيح، والتدبير صحيح ... نظرت:
فإن حل الحق، وقضى الحق من غير الرهن.. بقي العبد على تدبيره.
وإن لم يقضه من غيره.. قيل له: أترجع في التدبير؟ فإن اختار الرجوع فيه
стр. 2767
ورجع.. بيع العبد في الدين، وإن لم يختر الرجوع فيه، فإن كان له مال غير العبد.. أجبر على قضاء الدين منه، وبقي العبد على التدبير، وإن لم يكن له مال غيره.. ففيه وجهان:
[الأول] : من أصحابنا من قال: يحكم بفساد الرهن؛ لأنا إنما صححنا الرهن رجاء أن يرجع في التدبير، فيباع. وتأول هذا القائل قول الشافعي: (كان الرهن مفسوخا) على هذا الموضع.
و [الثاني] : منهم من قال: يباع في الدين، وهو الصحيح؛ لأنا إذا حكمنا بصحة الرهن.. لم يتعقبه الفساد بامتناع الراهن، ومن حكم الرهن أن يباع في الدين.
[فرع: رهن العبد ثم دبره]
وإن رهن عبده، ثم دبره، فإن دبره قبل أن يقبضه.. كان فسخا للرهن، على المنصوص، وعلى تخريج الربيع لا يكون فسخا، وقد مضى ذكره.
وإن أقبضه، ثم دبره.. قال الشافعي: (أوقفت التدبير، فإن حل الحق، وقضى الدين من غير الرهن.. خرج العبد من الرهن، وكان مدبرا. وإن لم يقضه من غيره، فإن باعه.. صح، وبطل التدبير. وإن لم يختر الرجوع في التدبير، فإن كان له مال غيره.. أجبر على قضائه منه، وبقي العبد على التدبير. وإن لم يكن له مال غير العبد.. بيع في الدين، وبطل التدبير. وإن مات الراهن قبل قضاء الدين.. فقد حل الدين بموته، فإن خلف تركة تفي بالدين غير العبد.. قضي الدين منها، وعتق العبد من ثلث ما يبقى. وإن لم يكن له مال غيره، فإن كان الدين يستغرق قيمة العبد.. بيع العبد في الدين، وإن كانت قيمته أكثر من الدين.. بيع منه بقدر الدين، وعتق ثلث ما يبقى منه بالتدبير، وإن أجاز الورثة عتق باقيه.. نفذ) .
стр. 2768
[مسألة: رهن قسط من مشاع]
وما صح رهنه.. صح رهن جزء منه مشاعا، سواء كان مما ينقسم، كالدور والأرضين، أو مما لا ينقسم، كالجواهر، وسواء رهنه من شريكه أو من غيره، وبه قال مالك، والأوزاعي، وابن أبي ليلى، وعثمان البتي.
وقال أبو حنيفة: (لا يصح رهن المشاع من غير شريكه) . وفي رهنه من شريكه روايتان، وإن طرأت الإشاعة على الرهن، بأن يبيع بعضه بإذن المرتهن.. فهل يبطل الرهن؟ فيه روايتان عنه.
دليلنا: أن المشاع يصح بيعه، فصح رهنه، كالمفرد، ولأن كل من جاز له أن يرتهن المفرد.. جاز له أن يرتهن المشاع. أصله إذا ارتهن رجلان من رجل شيئا؛ لأن الرهن مشاع بين المرتهنين.
وإن كان بين رجلين دار فيها بيوت، فرهن أحدهما نصيبه من بيت، من غير شريكه، فإن كان بإذن شريكه.. صح الرهن، وإن كان بغير إذنه.. ففيه وجهان:
أحدهما: يصح، كما يصح بيعه.
والثاني: لا يصح؛ لأن في ذلك ضررا على شريكه؛ لأنهما قد يقتسمان، فيقع هذا البيت في حق شريكه، فيكون قد رهن ملك غيره بغير إذنه، بخلاف البيع، فإنه إذا باعه.. زال ملكه فيه، ولا يملك المقاسمة على ما باع.
إذا ثبت هذا: ورهن شقصا مشاعا في عين بينه وبين غيره، فإن كان مما لا ينقل.. فإن الراهن يخلي بينه وبين المرتهن، سواء حضر الشريك أو لم يحضر. وإن كان مما ينقل، كالجواهر، والعبيد، وما أشبههما.. فإن القبض لا يحصل فيها إلا بالنقل، ولا يمكنه تناولها إلا بإذن الشريك، فإن رضي الشريك.. تناولها، وإن امتنع، فإن رضي المرتهن أن تكون في يد الشريك.. جاز، وناب عنه في القبض. وإن تنازعا.. فإن الحاكم ينصب عدلا يكون في يده لهما، وإن كان مما له منفعة.. أجره عليهما.
стр. 2769
[مسألة: لا يرهن إلا ما يملك]
ولا يجوز رهن مال الغير من غير إذنه؛ لأنه لا يقدر على تسليمه، فهو كما لو رهنه سمكة في البحر. وإن كان في يده مال لمن يرثه، فباعه، أو رهنه قبل أن يعلم بموته، ثم بان أنه كان قد مات قبل البيع والرهن.. ففيه وجهان:
أحدهما ـ وهو المنصوص ـ: (أنه لا يصح) ؛ لأنه باع ورهن ما لا يعتقده ملكه، فكان متلاعبا في ذلك.. فلم يصح.
والثاني: يصح؛ لأنه بان أنه ملكه.
وهكذا: لو وكل رجلا يشتري له عبدا بعينه، فباعه الموكل، أو رهنه قبل أن يعلم بالشراء، أو قال: بعتك هذا العبد إن كان لي، فبان أنه كان له، أو كان له مال في صندوق، وكان قد رآه المرتهن، فرهنه، أو باعه وهو لا يتحقق كونه فيه، ثم بان أنه كان فيه.. قال الشيخ أبو حامد: فعلى هذين الوجهين: المنصوص: (أنه لا يصح) .
[فرع: رهن منفعة كسكنى دار]
وإن رهنه سكنى دار.. لم يصح؛ لأن الدين إن كان مؤجلا.. فالمنافع تتلف إلى وقت الحلول، وإن كان الدين حالا.. لم يحصل الاستيثاق؛ لأنه كلما مضى جزء.. فات، والرهن لا يلزم إلا بالقبض، والقبض لا يمكن في السكنى إلا بإتلافه، فكأنه رهنه ما لا يمكنه إقباضه. فإن قال: أردت به: إن أجرتها تكون الأجرة رهنا.. لم يصح أيضا؛ لأنه لا يدري بكم يؤاجرها، فكان باطلا.
[مسألة: رهن المشتري قبل القبض]
] : وإن اشترى عينا، فرهنها قبل أن يقبضها، فإن كان قبل أن يدفع الثمن.. لم يصح الرهن؛ لأنها مرهونة بالثمن، وكذلك إن رهنها بثمنها.. لم يصح؛ لأنها قد صارت مرهونة به، وإن نقد الثمن، ثم رهنها.. ففيه وجهان:
стр. 2770
أحدهما: لا يصح؛ لأن عقد الرهن يفتقر إلى القبض، فلم يصح في المبيع قبل القبض، كما لو باعه، وفيه احتراز من العتق والتزويج.
والثاني: يصح، وهو الصحيح؛ لأن الرهن لا يقتضي الضمان على المرتهن، فصح فيما لم يدخل في ضمانه، بخلاف البيع.
[مسألة: بيع الدين ورهنه]
وفي بيع الدين المستقر، وهبته، ورهنه من غير من هو عليه.. ثلاثة أوجه:
أحدها: لا يصح واحد منها؛ لأنه غير مقدور على تسليمه، فلم يصح، كالسمك في الماء.
والثاني: يصح الجميع منها، وهو اختيار ابن الصباغ؛ لأن الذمم تجري مجرى الأعيان، ألا ترى أنه يصح أن يشتري بثمن في ذمته ويبيع فيها، كما يجوز أن يشتري الأعيان ويبيعها، إلا أن البيع لا يفتقر لزومه إلى القبض، وفي الهبة والرهن لا يلزمان من غير قبض، كما قلنا في الأعيان.
والثالث: أن البيع والهبة يصحان ويلزمان من غير قبض، ولا يصح الرهن؛ لأن البيع والهبة تمليك، فجرى مجرى الحوالة، بخلاف الرهن.
[مسألة: رهن الرهن عند آخر]
وإن رهن عبدا عند رجل، وأقبضه إياه، فقبضه، ثم رهنه الراهن عند آخر من غير إذن الأول.. لم يصح الرهن الثاني؛ لأن ما يستحق بعقد لازم لا يجوز أن يعقد عليه مثله من غير إذن من له الحق، كما لو باع عينا من زيد، ولزم البيع، ثم باعها من عمرو.
فقولنا: (بعقد لازم) احتراز من الرهن قبل القبض، ومن إعارة ما أعاره.
وقولنا: (لا يجوز أن يعقد عليه مثله) احتراز من عقد الإجارة على الرهن، فإنه يصح بغير إذن المرتهن.
следующие страницы →