Полный текст (7 092 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.
стр. 3711
فذهب ابن القاص إلى: أن المسألة على ظاهرها، وأنه إذا أصاب مكان الغرض.. لا يكون إصابة؛ لأن محل الإصابة زال.
ومنهم من قال: أراد الشافعي: إذا كان الشرط الخواسق، وكان الموضع ترابًا. على ما مضى بيانه، وهذا أصح.
قال الشافعي: (فإن اتفقا على أن يرميا الغرض في موضعه الثاني.. جاز، كما لو اتفقا على ذلك ابتداء) .
فرع: [معاونة الريح على الإصابة] :
إذا رمى مفارقًا للغرض، فحملت السهم ريح خفيفة، فأصاب الغرض، أو نزع نزعًا مقصرًا ليصيب مع معاونة الريح، فأعانته الريح، وأصاب.. احتسب له؛ لأن ذلك غاية الحذق في الرمي، وإن أخطأ.. احتسب عليه؛ لأنه أخطأ بسوء رميه.
فأما إذا رمى وفي الجو ريح عاصف، فصرفت سهمه عن الإصابة، أو حملت سهمه، فأصاب.. لم يحتسب عليه ولا له؛ لأنه لم يصب بجودة رميه، ولا أخطأ بسوء رميه.
وإن رمى من غير ريح، فثارت ريح بعد خروج السهم، فحملت سهمه، فأخطأ.. لم يحتسب عليه؛ لأنه أخطأ بعارض لا بسوء رميه، وإن أصاب.. فقد قال بعض أصحابنا: فيه وجهان، بناء على القولين في السهم المزدلف، وقال الشيخ أبو إسحاق: عندي: أنه لا يحتسب له، قولًا واحدًا.
[فرع: لا تحتسب إلا إصابة النصل]
قال الشافعي: (إذا أصاب بالقدح.. لم يحتسب إلا ما أصاب بالنصل) .
قال أصحابنا: أراد (بالقدح) : الفوق، وهو: الثلمة في أسفل السهم التي يوضع فيها الوتر، فإذا أصاب به.. لم يحتسب له؛ لأن ذلك من أسوأ الرمي.
стр. 3712
[مسألة: عوارض تعتري الرمي]
وإن انكسر القوس، أو انقطع الوتر، أو أصابت يده ريح، أو أغرق السهم، فخرج السهم من اليمين إلى اليسار، قال ابن الصباغ: لأن من شأن السهم أن يمر على إبهام يساره، فإذا زاد في النزع.. عثر السهم، فمر على أصل سبابة يساره، فإن رمى، ووقع السهم دون الغرض مع شيء من هذه العوارض.. لم يحتسب عليه؛ لأنه أخطأ باختلال الآلة لا بسوء رميه.
ومن أصحابنا من حكى وجهًا آخر: أن يحتسب عليه بالخطأ في إغراق السهم. والأول هو المنصوص.
قال الشافعي بعد هذا: (فإن جاء السهم، وجاز من وراء الناس.. فهذا سوء رمي وليس بعارض، فلا يرد) . واختلف أصحابنا في هذا:
فقال أبو إسحاق: عطف به الشافعي على المسألة قبلها، وهو أنه إذا عرض له بعض العوارض التي ذكرناها، فلم يقصر سهمه، ولكن جاوز الغرض ولم يصبه.. اعتد عليه به في الخطأ؛ لأنه إنما لا يحتسب عليه به في الخطأ إذا قصر سهمه دون الغرض؛ لأن العارض منعه، فأما إذا جاوز السهم الغرض.. فإنه أخطأ بسوء رميه لا للعارض؛ لأنه لو كان للعارض تأثير.. لمنعه عن بلوغه.
ومن أصحابنا من قال: هذه غير معطوفة عليها، بل هي مبتدأة، وأراد به: إذا رمى فجاوز سهمه الغرض، والناس الذين عنده يشهدون الإصابة من غير عارض.. فإنه يعتد عليه بالخطأ؛ لأنه أخطأ بسوء رميه.
فأما إذا عرض شيء من العوارض التي ذكرناها، وجاوز سهمه الغرض، وأخطأه.. فإنه لا يعتد به عليه في الخطأ، كما لو قصر سهمه عن الغرض.
وإن أصاب الغرض مع شيء من هذه العوارض التي ذكرناها.. فهل تحتسب له الإصابة؟ حكى المحاملي، وابن الصباغ فيها وجهين:
стр. 3713
[الأول] : على قول أبي إسحاق: يعتد له به؛ لأنه لما اعتد عليه بالخطأ عند مجاوزة السهم الغرض.. اعتد له بالإصابة.
و [الثاني] : على قول غيره من أصحابنا: لا يعتد له بالإصابة؛ لأنه لما لم يعتد عليه بالخطأ.. لم يعتد عليه بالإصابة.
وذكر في " المهذب " [١/٤٢٧] : أنه يعتد له بالإصابة، وجهًا واحدًا؛ لأن الإصابة مع اختلال الآلة أدل على حذقه.
[فرع: انكسار السهم]
وإن انكسر السهم، فوقع دون الغرض.. لم يحتسب عليه بالخطأ؛ لأنه أخطأ بعارض لا بسوء رميه.
وإن أصاب بالنصل.. احتسب له به في الإصابة؛ لأن ذلك أدل على حذقه. وإن أصابه بفوقه أو عرضه.. لم يحتسب له ولا عليه؛ لأنه لم يخطئ بسوء رميه، وإنما أخطأ باختلال الآلة.
فرع: [حدوث عارض رد السهم] :
وإن عرض دون الغرض عارض، من إنسان أو بهيمة، فإن رد العارض السهم، ووقع دون الغرض.. لم يحتسب عليه في الخطأ؛ لأنه لم يخطئ بسوء رميه، وإن وقع السهم في العارض، ثم جاوز السهم الغرض ولم يصبه.. فهل يحتسب عليه في الخطأ؟ فيه وجهان، ذكرناهما في انكسار القوس وانقطاع الوتر:
[الأول] : قال أبو إسحاق في " المهذب " [١/٤٢٨] : يحسب عليه.
و [الثاني] : قال غيره من أصحابنا: لا يحتسب عليه.
وإن نفذ السهم في العارض وأصاب الغرض.. فهل يحتسب له في الإصابة؟ قال ابن الصباغ: فيه وجهان:
стр. 3714
[أحدهما] : إن قلنا: يحتسب عليه. بالخطأ إذا جاوز الغرض.. احتسب له بالإصابة.
و [الثاني] : إن قلنا: لا يحتسب عليه بالخطأ عند مجاوزة الغرض.. لم يحتسب له بالإصابة.
وقال الشيخ أبو إسحاق: يحتسب له بالإصابة، وجهًا واحدًا؛ لأن إصابته مع العارض أدل على حذقه.
وإن رمى بسهم، فازدلف ووقع في الغرض وأصابه؛ بأن يقع في الأرض دون الغرض، ثم يقوم من الأرض إلى الغرض.. فهل يحتسب له بالإصابة؟ من أصحابنا من قال: فيه وجهان، ومنهم من قال: هما قولان:
أحدهما: يحتسب له بالإصابة؛ لأنه أصاب الغرض بنصل السهم، فهو كما لو لم يزدلف سهمه.
والثاني: لا يحتسب له في الإصابة؛ لجواز أن تكون الإصابة بازدلاف السهم في الأرض واضطرابه، لا بجودة الرمي.
قال المحاملي: فعلى هذا: لا يحتسب له في هذا الرمي ولا عليه.
وقال أبو إسحاق المروزي: يحتمل أن يكون على اختلاف حالين: فإن كانت الأرض أعانت.. لم يحتسب له، وإن لم تكن أعانت.. احتسب له.
وإن ازدلف سهمه، فأخطأ.. قال المحاملي: احتسب عليه بالخطأ؛ لأن الازدلاف من سوء الرمي والخطأ فيه. وحكى صاحب " المهذب " فيه وجهين:
أحدهما: يحتسب عليه فيه بالخطأ؛ لما ذكرناه.
والثاني: لا يحتسب عليه فيه؛ لأن الأرض تشوش الرمي، وتزيل السهم عن سننه، فإذا أخطأ.. لم يكن ذلك بسوء رميه.
стр. 3715
[مسألة: يحتسب خاسقًا إذا خرق]
قال الشافعي: (ولو تشارطا الخواسق.. لم يحتسب له خاسقًا حتى يخرقه فيتعلق بنصله) وجملة ذلك: أنه إذا كان الشرط بينهما الخواسق، فإن أصاب السهم الغرض وثقبه وثبت فيه.. حسب له في الإصابة؛ لأن هذا هو الخاسق، وإن خدشه ولم يثقبه.. احتسب عليه في الخطأ؛ لأنه لم يخسق، وإن ثقبه وسقط عنه ولم يثبت فيه، فهل يحتسب له خاسقا؟ فيه قولان، قال ابن الصباغ: ومن أصحابنا من يقول: هما وجهان:
أحدهما: يعتد له به في الإصابة؛ لأنه قد خرقه، والخسق والخرق واحد، ولعله لم يثبت فيه لسعة الثقب.
والثاني: لا يحتسب له فيه، وهو الأصح؛ لأن كل واحد منهما مخالف للآخر في الاسم والمعنى، والخسق أعلى من الخرق.
فعلى هذا: يحتسب عليه فيه بالخطأ. وإن كان الشرط بينهما الإصابة مطلقا فأصاب وخرق أو خسق أو خرم أو مرق.. احتسب له في الإصابة؛ لأن الإصابة توجد في هذه الأنواع.
[فرع: اشتراط الخسق]
وإن كان الشرط بينهما الخسق، فأصاب أحدهما الغرض وكان ملصقًا بالهدف، فسقط عنه السهم ولم يثبت فيه، وادعى الرامي أنه قد خسق وإنما لم يثبت سهمه لغلط لقيه من نواة أو حصاة أو ما أشبه ذلك، وقال المصاب عليه: إنما لم يثبت سهمك لسوء رميك، لا لما ذكرت، فإن علم موضع الإصابة باتفاقهما، أو بقيام البينة عليه.. نظرت:
стр. 3716
فإن لم يكن في الغرض ما يمنع ثبوت السهم وقد خرقه.. ففيه قولان بناء على أن الخارق هل يحسب خاسقًا؟ فإن قلنا: يحسب له.. فلا كلام. وإن قلنا: لا يحسب له.. حسب عليه في الخطأ.
وإن علم موضع الإصابة، وكان فيه ما يمنع من جري السهم من نواة أو حصاة، وقد خرق إلى أن يبلغ إلى المانع، فإن قلنا: إن الخارق يحسب خاسقًا.. حسب له في الإصابة. وإن قلنا: لا يحتسب الخارق خاسقًا.. لم يحسب عليه في الخطأ؛ لأنه إنما لم يخسق للعارض، لا لسوء رميه.
وإن علم موضع الإصابة ولا مانع فيه، ولا خرقه الرامي.. حسب عليه في الخطأ، ولا يمين على المصاب عليه؛ لأن ما ادعاه الرامي غير ممكن.
وإن كان هناك مانع، فقال الرامي: لم يخرق سهمي للمانع، وقال المصاب عليه: لم يخرق سهمك لسوء رميك لا لمانع.. ففيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق:
أحدهما: القول قول الرامي مع يمينه؛ لأن المانع يشهد له.
والثاني: القول قول المصاب عليه مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الخسق.
وإن لم يعلم موضع الإصابة: فإن فتش الغرض ولم يوجد وراءه حصاة، ولا نواة تمنع الخسق.. فالقول قول المصاب عليه بغير يمين؛ لأن ما يدعيه الرامي غير ممكن، ويحسب على الرامي بالخطأ. وإن وجد بعد الغرض ما يمنع من الثبوت.. فالقول قول المصاب عليه مع يمينه؛ لأن ما يدعيه الرامي ممكن، فلذلك حلف المصاب عليه.
[فرع: إصابة الخرق وثبوته فيه]
قال الشافعي: (وإن كان الشن باليًا، فأصاب موضع الخرق، فغاب في الهدف.. فهو مصيب) .
стр. 3717
وجملة ذلك: أنه إذا كان الشرط بينهما الخواسق، فوقع السهم في موضع من الغرض قد خلق وبلي، أو ثقبه كانت فيه، وثبت في الهدف، فإن كان الهدف قويًا مثل صلابة الشن، بأن يكون بناء أو طينًا يابسًا وما أشبهه.. احتسب له فيه؛ لأنا نعلم أن السهم لو وقع في الغرض لخسقه. وهذا مراد الشافعي.
وإن كان الهدف ترابًا أو طينًا رطبًا.. لم يعتد له به؛ لأنا لا نعلم لو أصاب الغرض، هل كان يثبت أم لا؟ ولا يحتسب عليه به في الخطأ أيضًا؛ للاحتمال فيه.
وإن كان الشرط الخسق، فأصاب طرف الشن وخرقه وثبت مكانه، فحصل الشن من أحد جانبي السهم والجانب الآخر فارغ.. ففيه قولان، حكاهما المزني في " المختصر ":
أحدهما: لا يعتد له به؛ لأن الخاسق هو الذي يثبت في الغرض، ويحيط الغرض بجميع السهم، والغرض هاهنا لا يحيط بجميع السهم، فلم يعتد به خاسقًا.
والثاني: يعتد له به.
قال المحاملي: وهو الأشبه؛ لأن الخاسق هو الذي يصيب الغرض ويثبت فيه وقد وجد ذلك.
[فرع: المروق في الغرض خسق]
وإن كان الشرط الخسق، فرمى أحدهما فوقع في الغرض ومرق منه.. قال الشافعي: (كان عندي خاسقا) قال: (ومن الرماة من لا يحتسبه إذا لم يثبت فيه) .
стр. 3718
واختلف أصحابنا في ذلك:
فمنهم من قال: هو خاسق قولًا واحدًا، وإنما حكى الشافعي مذهب غيره؛ لأنه قد وجد فيه الخسق وزيادة.
ومنهم من قال: فيه قولان:
أحدهما: يعتد به خاسقًا؛ لما ذكرناه.
والثاني: لا يعتد له به؛ لأن المقصود بالمناضلة أن يعلم حذق الرامي وحسن رميه، والخسق فيه ضرب من الحذق وهو أن ينزع نزعًا يعلم أن سهمه يثبت في الغرض، ولا يزيد عليه، فإذا مرق، لم يوجد هذا المعنى، ولم يعد مصيبًا.
قال في " الأم " [٤/١٥٠] : إذا كان الشرط الخواسق، فرمى أحدهما، فوجد السهم في ثقبة من الغرض، وهو ثابت في الهدف مع جليدة من الغرض، فقال الرامي: خسقت، ولشدة الرمي قطعت هذه الجليدة، وثبت في الهدف، فأنكر الآخر، وقال: بل كان في الغرض ثقبة وفيها هذه الجليدة، فوقع سهمك في الجليدة.. فالقول قول المصاب عليه مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الخسق.
قال الشيخ أبو حامد: وهذا ـ كما قدمنا في المسألة قبلها ـ إن كان الهدف رخوًا.. لم يثبت كونه خاسقًا، وإن كان صلبًا.. كان خاسقًا. وأراد: إذا كان الهدف رخوًا.. فالقول قول المصاب عليه مع يمينه. وإن كان صلبًا.. حكم للرامي بالخسق من غير يمين؛ لما قدمناه.
стр. 3719
[مسألة: ما يبطل المناضلة]
وإن مات أحد المتناضلين، أو ذهبت يده.. بطلت المناضلة؛ لأن المقصود معرفة حذقهما، وقد فات ذلك.
وإن مرضا، أو أحدهما، أو رمدت عينه.. لم يبطل العقد؛ لأنه يمكن استيفاء ذلك بعد زوال العذر، ويحتمل أن يثبت للآخر الخيار في فسخ العقد؛ لأنه تأخر المعقود عليه.
وإن أراد أحدهما أن يفسخ العقد، أو يجلس عن الرمي، وكان العوض منهما، وبينهما محلل، فإن قلنا: إنه كالإجارة.. لم يصح فسخه، وأجبر الممتنع منهما عن الرمي بالحبس والتعزير، وإن قلنا: إنه كالجعالة، فإن كان قبل الرمي أو بعد الرمي، وهما متساويان في الإصابة.. صح الفسخ، ولم يجبر الممتنع عن الرمي.
فإن كان أحدهما قد ظهر له فضل إصابة، فإن كان الذي فسخ أو امتنع من الرمي هو الفاضل.. صح فسخه، ولم يجبر على الرمي، وإن كان الفاسخ أو الممتنع هو المفضول، فهل يصح فسخه، ولا يجبر على الرمي؟ فيه وجهان مضى ذكرهما في أول الباب.
وإن شرطا أن كل واحد منهما يجلس عن الرمي أي وقت شاء، فإن كان ذلك في حال العقد، فإن قلنا: إن العقد لازم.. بطل الشرط والعقد، وإن قلنا: إنه كالجعالة.. لم يبطل العقد؛ لأنه شرط ما هو من مقتضى العقد.
وإن كان هذا الشرط بعد العقد.. لم يبطل العقد، قولًا واحدًا، كما لو شرطا في البيع شرطًا باطلًا بعد العقد وانقضاء الخيار.
стр. 3720
[مسألة: لا يعجل أحد المتناضلين صاحبه]
] : وإذا رمى أحد المتناضلين فأصاب.. فليس للمصيب أن يعجل صاحبه في الرمي ويدهشه؛ لأنه ربما أخطأ مع العجلة. وليس للمصاب عليه أن يطول إرساله، فيمسح قوسه وسهمه، ويمد مدًا طويلًا، يقصد بذلك تبريد يد المصيب؛ لينسى القصد الذي أصاب به، ويقال له: لا نكلفك أن ترمي على عجلة، ولا يجوز أن تطول لتضر بصاحبك، ولكن ارم على حسب العادة. وليس للمصيب أن يفتخر في إصابته، ويتبجح فيها؛ لأن ذلك يغيظ صاحبه ويدهشه.
ويستحب أن يكون عند الغرض شاهدان ليشهدا الإصابة والخطأ، ويخبرا بها، وليس للشاهد أن يمدح المصيب؛ لأن ذلك يغيظ صاحبه، ولا يذم المخطئ؛ لأنه إنما استحب كونه هنالك للشهادة، ولا للمدح والذم.
وبالله التوفيق
стр. 3721
[كتاب إحياء الموات]
стр. 3722
كتاب إحياء الموات يجوز إحياء الموات وتملكه بذلك؛ لما روي أن النبي ﷺ قال: «من أحيا أرضًا ميتة.. فهي له، وليس لعرق ظالم حق» .
وروي: «لعرق ظالم» بإضافة العرق إلى ظالم.
وروى سمرة بن جندب: أن النبي ﷺ قال: «من أحاط حائطًا على أرض.. فهي له» وأراد به في الموات.
стр. 3723
وروي: أن النبي ﷺ قال: «عادي الأرض لله ولرسوله، ثم هي لكم مني» .
وروي: أن النبي ﷺ قال: «موتان الأرض لله ولرسوله، ثم هي لكم مني» هكذا روي بفتح الميم والواو.
و" الموتان" ـ بضم الميم وسكون الواو ـ: الموت الذريع. و" الموتان" ـ بفتح الميم وسكون الواو ـ عمى القلب، يقال: رجل موتان القلب: إذا كان لا يفهم.
وأجمع المسلمون على جواز إحياء الموات والتملك به.
стр. 3724
إذا ثبت هذا: فإن الإحياء لا يفتقر إلى إذن الإمام. وبه قال أبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: (لا يجوز إحياء الموات إلا بإذن الإمام) .
وقال مالك: (إن كان قريبًا من العمران في موضع يتشاح الناس فيه.. افتقر إلى إذن الإمام، وإلا.. لم يفتقر) .
دليلنا: قوله ﷺ «من أحيا أرضًا ميتة.. فهي له» ، و «من أحاط حائطًا على أرض.. فهي له» ولم يفرق بين أن يكون بإذن الإمام، أو بغير إذنه، ولأنها عين مباحة، فلم يفتقر تملكها إلى إذن الإمام، كالصيد والحشيش.
وأما قوله ﷺ : «فهي لكم مني» أراد: هي لكم أن تحيوها.
[مسألة: البلاد نوعان]
والبلاد على ضربين: بلاد إسلام وبلاد شرك. فأما بلاد الإسلام فعلى ضربين: عامر وموات.
فأما العامر: فهو لمالكه، ولا يجوز لأحد أن يتصرف في شيء منه إلا بإذن مالكه؛ لقوله ﷺ : «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه» وقوله ﷺ : «من أخذ شبرًا من الأرض بغير حقه.. طوقه الله إياه يوم القيامة إلى سبع أرضين» .
إذا ثبت هذا: فإن كان هذا العامر يجاور مملوكًا، كالدور والأرض المتلاصقة.. فإن ملك كل واحد منهما لا يتجاوز إلى ملك غيره، إلا أن يكون له في ملك غيره رسم مسيل ماء، أو طريق، فله ذلك، ولكل واحد منهما أن يتصرف في ملكه بما شاء من وجوه التصرفات وإن كان فيه ضرر على جاره.
وإن كان العامر يجاور مواتًا.. فلصاحب العامر من الموات الذي يجاور ملكه ما لا يمكنه الانتفاع بالعامر إلا به، مثل الطريق، ومسيل الماء الذي يخرج من الدار، وما تحتاج إليه الأرض من مسيل الماء.
стр. 3725
وإن كانت بئرًا.. فله من الموات قدر ما يحتاج إليه في نزع الماء منها، فإن كانت يستقى منها بالسواني.. فقدر ما تحتاج إليه من السانية في ذهابها ومجيئها. وإن كان دولابًا.. فقدر ما يدور فيه الثور. وإن كانت للماشية.. فقدر ما تعطن فيه الماشية.
وإن كانت ليستقى باليد منها.. فقدر ما يقف فيه المستقي، ولا يقدر ذلك بشيء.
وقال أبو يوسف: حريم البئر أربعون ذراعًا، وحريم العين خمسمائة ذراع.
وقال أحمد: (حريم البئر خمسة وعشرون ذراعًا، إلا أن يكون البئر عاديًا، فحريمه خمسون ذراعًا؛ لما روى الدارقطني عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «حريم البئر البديء خمسة وعشرون ذراعًا، وحريم البئر العادي خمسون ذراعًا» .
وأراد بقوله: (البديء) الذي ابتدئ حفرها.
دليلنا: ما روي: أن النبي ﷺ قال: «حريم البئر أربعون ذراعًا من حواليها، كلها لأعطان الإبل والغنم، وابن السبيل أول شارب، ولا يمنع فضل ماء يمنع به الكلأ» .
стр. 3726
وإنما حد النبي ﷺ حريم البئر بأربعين ذراعًا على عادة أهل الحجاز؛ لأنهم كانوا يحفرون آبارًا عميقة يغور الماء فيها، فيحتاج أن يمشي الثور فيها أربعين ذراعًا.
وأما الخبر الذي رواه أحمد: فمختلف، وإن صح حملناه على ما تدعو الحاجة إليه.
قال الشيخ أبو حامد: وللدار حريم، فإذا حفر إنسان في فنائها وأصل حيطانها.. منع منه.
قال ابن الصباغ: وعندي أن حيطان الدار لا فناء لها ولا حريم، ألا ترى أنه لو أراد رجل أن يحيي إلى جنبها دارًا.. لم يلزمه أن يبعد عن فنائها؟ وإنما يمنع من حفر البئر في أصل الحائط؛ لأنه يضر به، وينبغي إذا كان لا يضر به أن يجوز.
وهل يكون صاحب العامر مالكًا لمرافق العامر من الموات؟
حكى ابن الصباغ: أن الشيخ أبا حامد قال: لا يكون مالكًا له، وإنما يكون أحق به؛ لأنه لم يحصل له فيه إحياء، فلم يملكه.
وقال القاضي أبو الطيب: يكون مالكًا له؛ لأنه تابع للعامر، فلما كان مالكًا للعامر.. ملك ما تبعه.
قال ابن الصباغ: وهذا أقيس؛ لأن العامر إذا بيع دخلت هذه الحقوق في البيع، ولأن معنى الملك في هذه الحقوق موجود، فإنه لا يجوز لأحد إحياؤها، وقد اختلفوا في ثبوت الشفعة في الطريق، وهذا يدل على ثبوت الملك فيها.
وأما الموات: فعلى ضربين:
ضرب: لم يجر عليه ملك قط لأحد، فهذا يجوز إحياؤه وتملكه، وهذا الذي ورد فيه قوله ﷺ : «من أحيا أرضًا ميتة.. فهي له» .
والضرب الثاني: موات قد كان جرى الملك عليه لمسلم ثم مات، أو غاب وخربت الأرض وصارت كالموات، فإن كان المالك لها معروفًا.. فهذا لا يجوز إحياؤه بلا خلاف، كما قلنا في العامر، وإن كان المالك لها غير معروف.. قال الشيخ أبو حامد: فلا يملك ذلك بالإحياء عندنا.
стр. 3727
وقال أبو حنيفة: (يملك بالإحياء) .
وحكى الشيخ أبو إسحاق، وابن الصباغ: أن ذلك وجه لبعض أصحابنا؛ لأنها عادت مواتًا كما كانت، فصارت مباحة كما لو لم يجر عليها أثر ملك.
ودليلنا: ما روى كثير بن مرة، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ قال: «من أحيا أرضًا ميتة في غير حق مسلم.. فهو أحق بها» وهذه في حق مسلم.
وروى ابن الزبير، عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: «من أحيا أرضًا ميتة ليست لأحد.. فهو أحق بها» ولأن هذه لها مالك، فلا يجوز إحياؤها كما لو كان المالك لها معينًا.
وأما بلاد الشرك: فضربان، عامر وموات:
فأما العامر، وما يحتاج إليه العامر من المرافق: فإنه ملك للكفار؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٧] [الأحزاب: ٢٧] فأضافها إليهم، فدل على: أنهم ملكوها ولا يجوز إحياؤها، وإنما تملك بالقهر والغلبة.
وأما الموات: فإن كان قد جرى عليها ملك لمالك معروف.. لم يجز إحياؤها، كالعامر، وإن لم يجر عليها ملك.. جاز إحياؤها. ومن أحياها ملكها؛ لقوله ﷺ : «من أحيا أرضًا ميتة.. فهي له» ولم يفرق.
فعلى هذا: إذا أحيا مسلم مواتًا في أرضهم، ثم ظهر المسلمون على أرضهم فملكوها.. كانت غنيمة، إلا ما أحياه المسلم.
وإن كانت مواتًا قد جرى عليها أثر ملك لهم، ولا يعرف مالكها، فهل يجوز إحياؤها وتملك بالإحياء؟ حكى البغداديون من أصحابنا فيها وجهين، وحكاهما المسعودي [في " الإبانة " ق \ ٣٤٢] قولين:
стр. 3728
أحدهما: يجوز إحياؤها وتملك بالإحياء؛ لقوله ﷺ «عادي الأرض لله ولرسوله، ثم هي لكم مني» وأراد به: الأرض التي كانت ملكًا لقوم عاد، ولأنه لو وجد في بلاد الشرك ركاز من ضرب المشركين.. لملكه بالوجود وإن كان قد جرى عليه ملك مشرك، فكذلك إذا أحيا مواتًا جرى عليه ملك لمالك غير معروف من المشركين.
والثاني: لا تملك بالإحياء.
قال الشيخ أبو حامد: وهو المذهب؛ لأن الشافعي ﵀ قال: (والموات ما ليس عليه أثر عمارة) ، ولأنها أرض حية جرى عليها الملك، فلم تملك بالإحياء، كما لو كان لها مالك معروف، ولأنه يجوز أن تكون لكافر لم تبلغه الدعوة فلا يكون ماله مباحًا.
ومن قال بهذا.. قال: معنى قوله ﷺ : «عادي الأرض لله ولرسوله» أراد به: الملك القديم، فعبر عن الملك القديم بالعادي؛ لأنه يقال: شيء عادي، أي: قديم. فإن أحيا المسلم مواتًا في بلد صولح الكفار على الإقامة فيها.. لم يملكها بذلك؛ لأن الموات يتبع البلد، فإذا لم يجز تملك البلد عليهم، فكذلك ما تبعه.
[فرع: إحياء قرب العامر]
ويجوز إحياء الموات بقرب العامر إذا لم يكن من مرافق العامر.
وقال مالك: (لا يجوز إيحاء ذلك بغير إذن الإمام، ولم يحده بحد) .
وقال أبو حنيفة: (لا يحيي إلا ما جاوز مدى الصوت من العامر، بأن يصيح إنسان في العامر، فالذي ينتهي إليه صوته من الموات.. لا يجوز إحياؤه) .
ودليلنا: قوله ﷺ : «من أحيا أرضًا ميتة.. فهي له» ولم يفرق.
وروى الشافعي، عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة: «أن النبي ﷺ لما قدم المدينة أقطع الناس الدور، فقال حي من بني زهرة، يقال لهم:
стр. 3729
بنو عبد زهرة: يا رسول الله: نكب عنا ابن أم عبد ـ أي: أخرج من جملتنا ابن مسعود ـ فقال النبي ﷺ : ولم ابتعثني الله إذا؟ إن الله لا يقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيهم حقه» .
قال الشافعي: (وفي ذلك دلالة على أن النبي ﷺ أقطع بالمدينة بين ظهراني عمارة الأنصار من المنازل، وأن ذلك ليس لأهل العامر) .
وفي بعض نسخ المزني: (وأن ذلك لأهل العامر) .
فإن كان الأول.. فمعناه: وأن ذلك ليس لأهل العامر منعه. وإن كان الثاني.. فمعناه: أن ذلك لأهل العامر أن يحيوه أيضًا، كغيرهم.
وأما معنى قوله: (أقطع الدور) فقد اختلف أصحابنا في تأويله:
فمنهم من قال: كان الذي أقطعهم دورًا قديمة عادية خربت. وهذا قول من يقول: إن ما كان مملوكًا ومات أهله في الجاهلية، ولا يعرف مالكه.. يجوز إحياؤه.
ومنهم من قال: إنه أقطعهم ما يبنونه دورًا. فسماها دورًا؛ لأنها تؤول إليه، كقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] [يوسف: ٣٦] فسمى العصير خمرًا؛ لأنه يؤول إليه.
стр. 3730
وروي: (أن عمر ﵁ أقطع العقيق وهو على ميل من المدينة) ولم ينكر عليه أحد، ولأنه موات لم يملك، غير متعلق بمصلحة العامر، فجاز إحياؤه، كما لو زاد على مدى الصوت.
[مسألة: لا يقطع لكافر في دار الإسلام]
] : وإذا أحيا الكافر الحربي أو الذمي مواتا في دار الإسلام.. لم يملكه بذلك، وليس للإمام أن يأذن له في ذلك.
وقال مالك وأبو حنيفة: (يجوز للإمام أن يأذن في ذلك، وإذا أحيا أرضًا مواتًا في بلاد الإسلام بالإذن.. ملكه) .
دليلنا: قوله ﷺ : «موتان الأرض لله ولرسوله، ثم هي لكم مني» .
فوجه الدليل من الخبر: أن النبي ﷺ أضاف الموات إلى الله لا على سبيل أنه يملكها؛ لأنه مالك لها ولغيرها، وإنما أضافها إلى الله تعالى تشريفًا لها؛ لأنها تملك بغير عوض ولا عن مالك، كما أضاف خمس الغنيمة إليه لشرفه؛ لأنه يملك بغير عوض ولا عن مملك؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] [الأنفال: ٤١] .
فلما لم يكن للكافر حق في خمس الغنيمة.. فكذلك في الموات في بلاد الإسلام. وإنما لم يضف الزكاة إليه؛ لأنها أوساخ الناس، ثم قال: «هي لكم مني» وهذا خطاب للمسلمين.
стр. 3731
[فرع: لا تحفر بئر تضر ببئر موات]
] : قال ابن الصباغ: إذا حفر بئرًا في موات للتملك، فجاء آخر فحفر قريبًا منها بئرًا ينسرق إليها ماء البئر الأولى.. لم يكن له ذلك.
قال أصحابنا: فلو حفر الثاني في ملكه بئرًا بحيث ينسرق ماء جاره إليه.. جاز.
والفرق بينهما: أن الذي يحفر في الموات يبتدئ التملك، وليس له أن يتملك الموات على وجه يضر بملك غيره، وليس كذلك هاهنا؛ لأن كل واحد منهما حفر في ملكه، فلا يمنع من ذلك.
ولو حفر رجل في ملكه كنيفًا يفسد على جاره بئره.. قال القاضي أبو الطيب: لم يمنع من ذلك؛ لأنه يتصرف في ملكه، فهو بمنزلة أن يكون له دكان، فيخبز فيه، فيتأذى الجيران به، فلا يمنع.
وحكى في " المهذب " [١/٤٣١] : أن بعض أصحابنا قال: ليس له أن يحفر في أصل حائطه حشًا؛ لأنه يضر بالحاجز الذي بينه وبين جاره في الأرض.. وليس بشيء.
[مسألة: العرف في إحياء الموات]
] : قال الشافعي: (والإحياء ما عرفه الناس إحياء لمثل المحيا) .
وجملة ذلك: أن الشرع ورد بالإحياء مطلقًا، وما ورد به الشرع مطلقًا.. رجع فيه إلى العرف والعادة في ذلك الشيء، كما قلنا في أقل الحيض وأكثره، والتفرق في البيع والقبض فيه، والحرز في السرقة.
إذا ثبت هذا: فإن كان يحيي الموات دارًا للسكنى.. فإحياؤها أن يبني حيطان الدار بالحجارة، أو اللبن، أو الآجر، وما أشبه ذلك مما يبنى به.
قال الصيمري: ويبني الحيطان عالية، بحيث يمنع من أراده، ويسقف منها ولو
стр. 3732
بيتًا واحدًا؛ لأن الدار تراد للإيواء، ولتقي من البرد والحر والمطر، ولا يقيه إلا السقف، فإن لم يسقف كان متحجرًا.
وهل من شرط تمام الإحياء في الدار نصب الباب؟ فيه وجهان حكاهما ابن الصباغ:
أحدهما: أن ذلك شرط؛ لأن الدور لا تكون دورًا إلا بذلك.
والثاني: أن ذلك ليس بشرط؛ لأن عدم ذلك لا يمنع السكنى، وإنما يراد للحفظ.
وإن أراد أن يحيي الموات حظيرة للغنم، أو للحطب، أو للشوك.. فإحياؤها أن يبني حولها حائطًا بحجارة، أو لبن، أو آجر، أو ما أشبهه؛ لقوله ﷺ : «من أحاط حائطًا على أرض.. فهي له» .
قال ابن الصباغ: وهل من شرط تمام إحيائها نصب الباب؟ على الوجهين في الدار.
وإن جمع ترابًا حول الحظيرة وسنمه، أو اتخذ حائطًا من حجارة نصبه من غير بناء، أو من حطب، أو شوك، أو خشب.. فذكر الشيخ أبو حامد: أنه لا يملكه بذلك، ولكن يكون بذلك متحجرًا.
قال الشافعي: (لأن المسافر قد ينزل منزلًا وينصب الحجارة حول الخباء، ولا يكون ذلك إحياء) .
وليس من شرط الحظيرة التسقيف؛ لأن ذلك لا يحتاج إليه في الحظيرة، بخلاف الدار للسكنى.
وإن أراد أن يحيي الموات للزراعة.. فإحياؤها أن يجمع ترابًا يحيط بها بما يبين به الأرض من غيرها، ويحرثها، ويسوق الماء إليها، فإن كانت تشرب من بئر.. حفر
стр. 3733
لها بئرًا، وإن كانت تشرب من ماء مباح.. فأن يطرق إليها طريقًا للماء، وإن كانت تشرب من ماء المطر.. فأن يطرق إليها طريقًا ينزل فيه الماء إليها.
وهل من شرط تمام إحيائها الزراعة فيها؟
قال الشافعي في " المختصر " [٣/١٠٨] : (ويزرعها) واختلف أصحابنا فيها:
فمنهم من قال: إن الزرع ليس بشرط في الإحياء، وهو المنصوص في " الأم " [٣/٢٦٦] لأن الزراعة انتفاع من المحيا، فلم يكن شرطًا في الإحياء، كما لو أحيا حظيرة للغنم، فلا يشترط في إحيائها ترك الغنم فيها.
ومنهم من قال: إن ذلك شرط في الإحياء. وهو ظاهر ما نقله المزني؛ لأن الأرض لا تكون معمورة للزرع إلا بالزرع.
وحكى الشيخ أبو إسحاق وجهًا ثالثًا: أن أبا العباس قال: لا تكون الأرض محياة للزرع حتى يزرعها ويسقيها؛ لأن عمارتها للزراعة لا تكمل إلا بذلك.
قال الشافعي في " الأم ": (وعمارة الأرض للغراس أن يغرس الأرض) .
والفرق بين الزراعة والغرس على أحد الوجهين: أن الغراس يراد للبقاء، فهو كبناء الدار، والزرع لا يراد للبقاء، فهو كسكنى الدار.
وإن حفر في الموات بئرًا.. لم يتم الإحياء حتى يصل إلى الماء. فإن كانت الأرض صلبة.. فقد تم الإحياء، وإن كانت رخوة.. لم يتم الإحياء حتى يطويها.
[مسألة: العمارة في الموات]
تثبت الحق] : وإذا سبق إلى موات فشرع في عمارته.. كان متحجرًا له بذلك، وصار أحق به من غيره؛ لقوله ﷺ : «من سبق إلى ما لم يسبق إليه.. فهو أحق به» .
стр. 3734
فإن مات.. انتقل إلى وارثه؛ لأن يد الوارث تقوم مقام يد المورث.
وإن نقله إلى غيره.. صار الثاني أحق به؛ لأنه قد أقامه مقام نفسه.
وإن باعه.. فهل يصح بيعه؟ حكى البغداديون من أصحابنا فيه وجهين، وحكاهما المسعودي قولين [في " الإبانة " ق \ ٣٤٣] :
أحدهما: يصح؛ لأنه صار أحق به، فصح بيعه له كالمالك.
والثاني: لا يصح، وهو المذهب؛ لأنه لم يملكه، وإنما ملك أن يملك. فإن بادر غيره فأحياها:
فإن كان قبل أن يتطاول الزمان في ثبوت يد الأول عليها.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يملكها الثاني؛ لأن يد الأول قد ثبتت عليها، وقد ملك أن يملكها، فلم يملكها غيره.
والثاني: أن الثاني يملكها؛ لقوله ﷺ : «من أحيا أرضًا ميتة.. فهي له» ولم يفرق بين أن تكون قد تحجرها غيره، أو لم يتحجرها.
وإن تطاول الزمان في ثبوت يد الأول عليها: فإن السلطان يستدعيه، ويقول له: إما أن تحييه، وإما أحياه غيرك، فإن استمهله.. قال الشيخ أبو حامد: أمهله يومًا، وثلاثًا، وشهرًا، فإن أحياه.. ملكه، وإن تركه.. زال ملكه عنه. وإن لم يتركه فجاء غيره وأحياه.. ملكه، وجهًا واحدًا؛ لأنه لا عذر له مع تطاول المدة.
стр. 3735
[مسألة: المعادن في الموات]
والمعادن على ضربين: ظاهرة، وباطنة.
فأما الظاهرة: فهي ما لا يحتاج في الانتفاع بها إلى عمل، فهي مثل: الماء في الأنهار، والعيون، وكالنفط، والمومياء، والياقوت، والملح، والكحل، فهذا لا يملكه أحد؛ لأن النبي ﷺ قال: «من أحيا أرضًا ميتة.. فهي له» . فعلق الملك بالإحياء، وهذا لا يحتاج إلى إحياء.
إذا ثبت هذا: فإن الناس يشتركون فيها؛ لقوله ﷺ : «الناس شركاء في ثلاثة: النار، والماء، والكلأ» .
стр. 3736
فأما اشتراكهم في النار: فهو أن يضرم رجل نارًا في حطب مباح مطروح في موات. فأما إذا حطب الرجل حطبًا، وأضرم فيه نارًا.. فهو أحق بها، وله أن يمنع غيره منها.
وأما اشتراكهم في الكلأ: فهو الكلأ النابت في الموات.
وأما اشتراكهم في الماء: فهو الماء في الأنهار والعيون التي ليست بمملوكة.
فإذا سبق واحد إلى شيء من هذه المعادن الظاهرة.. أخذه وملكه؛ لقوله ﷺ : «من سبق إلى ما لم يسبق إليه.. فهو أحق به» .
فإن أخذ منها وانصرف، وجاء غيره وأخذ منها وانصرف، وعلى هذا يأخذ واحد بعد واحد.. جاز. وإن جاء واحد وأطال يده عليها.. ففيه وجهان:
стр. 3737
أحدهما: لا يزيل الإمام يده؛ لقوله ﷺ : «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم.. فهو أحق به» .
والثاني: أن الإمام يزيل يده عنها؛ لأنه يصير متحجرًا، وتحجرها لا يجوز.
وإن جاء اثنان في حالة واحدة، فإن اتسع المعدن لهما.. أخذاه، ولا كلام. وإن ضاق المعدن عليهما، فإن كانا يأخذان شيئًا قليلًا، كالماء الذي يأخذانه ليشرباه، أو ليتطهرا به، وما أشبهه.. ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الإمام يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة.. قدم؛ لأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر.
والثاني: أن الإمام ينصب رجلًا ليستقي منه لهما، ثم يقسمه بينهما؛ لأن قسمة ذلك ممكنة.
والثالث: أن الإمام يقدم أحدهما باجتهاده.
وإن كانا يأخذان الكثير للتجارة.. هايأ الإمام بينهما يومًا بيوم أو شهرًا بشهر على حسب ما يراه، ويقرع في البادئ منهما؛ لأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر.
وإن كان بقرب الساحل بقعة إذا حفرت وانساق الماء إليها ظهر بها ملح.. جاز إحياؤها؛ لأنه لا ينتفع بها إلا بالعمل، فهي كالموات.
وأما المعادن الباطنة: وهي ما لا يتوصل إلى أخذ شيء منها إلا بعلاج وعمل، كمعدن الذهب والفضة والفيروز والرصاص والنحاس وما أشبهه، فإذا عمل فيها رجل ووصل إلى نيله.. ملك ما أخذ منه؛ لقوله ﷺ : «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم. فهو أحق به» .
وهل يملك المعدن؟ فيه قولان:
أحدهما: أنه يملكه؛ لأنه أرض غير مملوكة، لا يتوصل إلى منفعتها إلا بنفقة ومؤونة، فيملك بالإحياء، كالموات.
والثاني: لا يملكه بالإحياء، وهو الصحيح؛ لأن المحيا: ما يتكرر الانتفاع به
стр. 3738
بعد عمارته من غير إحداث عمارة وعمل آخر، فهذا لا يمكن في المعادن؛ لأنه لا ينتفع بها إلا بعمل متجدد في كل شيء يأخذه.
قال الشافعي: (ولأنه لو ملكه.. لجاز بيعه، وبيعه لا يجوز؛ لأن المقصود منه مجهول) .
فإذا قلنا: يملكه بالإحياء.. فإحياؤه هو العمل الذي يتوصل به إلى نيله، وقبل ذلك تحجر.
وإن قلنا: إنه لا يملكه.. فلا يجوز تحجره، بل لكل أحد أن يجيء ويأخذ منه.
فإن أطال المقام عليه، فهل تزال يده؟ على وجهين، كما قلنا في المعادن الظاهرة.
وإن سبق إليه اثنان في حالة واحدة.. فهو كما لو سبقا إلى معدن ظاهر على ما مضى. هذا ترتيب الشيخ أبي إسحاق، وذكر الشيخ أبو حامد والمحاملي: أنه لا يأتي فيه إلا وجهان:
أحدهما: يقرع بينهما.
والثاني: يقدم الإمام من يرى منهما. ولا يجيء الثالث، وهو: أن يقسم بينهما؛ لأن الموضع لا يتسع إلا لأحدهما.
[فرع: غلبة المسلمين على أرض معدن]
وإن عمل جاهلي في الموات على معدن باطن، وظهر على نيله، ثم غلب المسلمون على تلك الأرض.. فهو كما لو لم يعمل عليه. وهل يملك بالإحياء؟ على القولين.
فإن قيل: هلا قلتم: إنه يصير غنيمة على القول الذي يقول: إن هذه المعادن تملك بالإحياء؟
فالجواب: أن المعادن إنما تملك بالإحياء إذا قصد المحيي تملكها، ونحن لا نعلم أن الجاهلي قصد تملكها أم لا، فجرى مجرى من حفر بئرًا في موات وارتحل عنها، فإنه يجوز لغيره الانتفاع بها؛ لأنا لا نعلم أنه يملكها أم لا؟
стр. 3739
[فرع: إحياء الأرض يقتضي ملكها وما فيها]
إذا أحيا رجل مواتًا.. ملكها. فإن ظهر بها معدن ذهب أو فضة أو غير ذلك مما ذكرنا.. ملك ذلك المعدن، قولًا واحدًا؛ لأنه قد ملك الأرض بالإحياء، فملك جميع أجزائها، والمعدن من أجزائها، فملكه، كما لو أحيا أرضًا فنبع فيها عين ماء. ويفارق إذا حفر في الموات معدنًا منفردًا في أحد القولين؛ لأنه لم يملك الأرض، وإنما قصد تملك المعدن، والموات لا تملك إلا بعمارة، ولا يوجد ذلك في المعدن.
[مسألة: مقاعد الباعة في الأسواق]
ويجوز القعود بمقاعد الأسواق، ورحاب المساجد، والطرق الواسعة للبيع والشراء بإجماع الأمة على جواز ذلك.
فإن سبق رجل إلى شيء من هذه المواضع.. كان أحق به؛ لقوله ﷺ : «منى مناخ من سبق» .
وله أن ينصب فيها ما يستظل به مما ينقله معه ولا يضر به على الناس، كالبواري ونحوه.
стр. 3740
وليس له أن يبني فيها دكة ولا بيتًا؛ لأن في ذلك ضررًا على الناس.
فإن جاء آخر، وقعد بين يدي الأول حتى ضيق عليه المكان.. قال المسعودي [في " الإبانة " ق \ ٣٤٤] : كان له منعه.
فإن قام رجل من شيء من هذه المواضع وترك رحله فيه.. لم يكن لغيره أن يقعد فيه؛ لأن يد الأول لم تزل عنه. فإن نقل رحله عنه:
قال الشيخ أبو حامد والبغداديون من أصحابنا: فلغيره أن يقعد فيه؛ لأن يد الأول زالت عنه.
وقال المسعودي [في " الإبانة " ق \ ٣٤٣] : إذا فارق ذلك الموضع ليلًا.. فليس لغيره أن يقعد فيه. وكذلك لو لم يقعد فيه يومًا أو يومين لمرض أو شغل.. فليس لغيره أن يقعد فيه. وإن طالت غيبته.. بطل حقه، ولغيره أن يقعد فيه، ولا يرده عليه إذا عاد.
قال: وهكذا لو كان جالسًا في مسجد فسبقه الحدث فذهب ليتوضأ.. لم يكن لغيره أن يجلس في مكانه.
[فرع: للإمام المنع من القعود]
وإن قعد رجل في شيء من هذه المواضع وأطال الإقامة.. فهل للإمام أن يزيل يده عنه؟ فيه وجهان، كما قلنا فيمن سبق إلى معدن ظاهر وأطال.
وإن جاء اثنان إلى ذلك الموضع في حالة واحدة، ولم يتسع المكان لهما.. ففيه وجهان
أحدهما: يقرع بينهما.
والثاني: يقدم الإمام أحدهما، كما قلنا في الرجلين إذا جاءا معًا إلى معدن ظاهر.
ولا يجيء الوجه الثالث هناك هاهنا ـ وهو: أن يقسم بينهما ـ لأن الموضع لا يتسع لهما، فلا فائدة في قسمته.
стр. 3741
فرع: [مواضع النجعة في البادية] :
قال المسعودي [في " الإبانة " ق \ ٣٤٣] : المواضع التي ينزل بها أهل البادية للنجعة، فمن نزل بها.. فهو أحق بها، وكذا لو أرسل نعمه في صحراء.. فليس لغيره أن ينحي نعمه عنها، ويرسل نعمه فيها.
والله تعالى أعلم
стр. 3742
[باب الإقطاع والحمى]
يجوز للإمام أن يقطع الموات لمن تملكها بالإحياء؛ لما روي: «أن النبي ﷺ أقطع الزبير حفر فرسه ـ يعني: عدوه ـ فأجراه، فلما قام.. رمى بسوطه، فقال النبي ﷺ : أقطعوا له من ميتتها سوطه»
و: (أقطع أبو بكر ﵁) ، وروي: (أن عمر ﵁ أقطع العقيق) ولم ينكر عليهما أحد، فدل على إجماعهم على صحة الإقطاع.
ولا يقطع الإمام أحدًا من الموات إلا ما يقدر المقطع له على إحيائه؛ لأنه إذا أقطعه ما لا يقدر على إحيائه.. استضر الناس بذلك من غير فائدة.
ومن أقطعه الإمام شيئًا.. صار أحق به، كالذي يتحجر شيئًا من الموات بابتداء العمل على ما مضى بيانه.
стр. 3743
[مسألة: إقطاع المعدن]
وأما إقطاع المعادن: فينظر فيه: فإن كان معدنًا ظاهرًا ـ وهو: الذي يتوصل إلى نيله من غير إحداث عمل ـ كالأنهار والعيون وما أشبهه.. فلا يصح إقطاعه؛ لما روي: «أن الأبيض بن حمال المازني وفد على النبي ﷺ ليقطعه ملح مأرب ـ فروي: أنه أقطعه، وروي: أنه أراد أن يقطعه ـ فقال له رجل من المجلس ـ قيل: إنه الأقرع بن حابس ـ: أتدري يا رسول الله ما الذي تقطعه؟ إنما تقطعه الماء العد، فانتزعه النبي ﷺ » -) .
وفي رواية الشافعي [في " الأم " ٣/٢٦٥] : قال: "فلا آذن"، وذكر في " المهذب " [١/٤٣٢] : «فاستقاله النبي ﷺ ، فقال الأبيض: قد أقلتك فيه على أن تجعله مني صدقة، فقال: هو منك صدقة» .
стр. 3744
و (الماء العد) : هو الذي لا ينقطع، وأراد: أنه بمنزلة ما لا ينقطع من الماء.
فإن قيل: في الخبر ما يدل على أن النبي ﷺ أقطعه إياه، ثم تبين أنه أخطأ فاسترده، وأن الخطأ عليه جائز.. قلنا: عن هذا أجوبة:
أحدها: أن النبي ﷺ قد كان أقطعه إياه ولم يخطئ في الحكم، وإنما أخطأ في الصورة؛ لأنه ظن أنه معدن باطن يحتاج الانتفاع به إلى نفقة ومؤنة، فلما أخبر أنه معدن ظاهر لا يحتاج إلى نفقة ومؤنة.. امتنع.
والثاني: أنه وإن أخطأ في الحكم فالخطأ في الحكم جائز على الأنبياء صلى الله عليهم وسلم، وإنما لا يقرهم الله عليه بخلاف غيرهم، فإنهم يخطئون ويقرون عليه.
والثالث: أن النبي ﷺ لم يكن أقطعه، وإنما أراد أن يقطعه، فلما أخبر أنه كالماء العد.. امتنع من إقطاعه.
فعلى هذا: لم يخطئ في حكم ولا في صورة، بل كان وعده، ثم استقاله؛ لتطيب نفسه من النفقة.
وأما المعادن الباطنة ـ وهي: المعادن التي لا يتوصل إلى أخذ ما فيها إلا بحفر بعد حفر ـ كمعادن الذهب والفضة: فإن قلنا: يجوز تملكها بالإحياء.. جاز إقطاعها، كما قلنا في الموات، وإن قلنا: لا تملك بالإحياء.. فهل يجوز إقطاعها؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يجوز إقطاعها؛ لأنها لا تملك بالإحياء، فلم يجز إقطاعها، كالمعادن الظاهرة.
والثاني: يجوز إقطاعها؛ لما روي: «أن النبي ﷺ أقطع بلال بن الحارث معادن القبلية، جلسيها وغوريها، وحيث يصلح الزرع من قدس، ولم يعطه حق مسلم، وأخذ منه الزكاة» ، ولأنه يجوز إقطاع ما لا يملك بالإحياء، كمقاعد الأسواق والطرق.
стр. 3745
وإن شئت قلت: في المعادن الباطنة ثلاثة أقوال:
أحدها: تملك بالإحياء، ويجوز إقطاعها.
والثاني: لا تملك بالإحياء، ولا يجوز إقطاعها.
والثالث: لا تملك بالإحياء، ويجوز إقطاعها.
فإذا قلنا: يجوز إقطاعها.. لم يقطع الإمام منها رجلًا إلا ما يقوم بعمارته، كما قلنا في الموات.
فرع: [يجوز إقطاع مقاعد الأسواق] :
ويجوز إقطاع مقاعد الأسواق، والطرق الواسعة، فإذا أقطعه الإمام شيئًا من ذلك.. صار أحق به من غيره. فإن قام عنه ونقل رحله عنه، ثم رجع إليه ووجد غيره فيه.. فالأول الذي أقطعه الإمام أحق به. وهذا هو الفرق في الارتفاق بهذه المواضع بغير الإقطاع، وبالإقطاع.
[مسألة: المعدن الباطن لمالك الأرض]
ومن ملك معدنًا باطنًا، ثم جاء غيره وأخذ منه شيئًا، فإن كان ذلك بغير إذن المالك. كان ما أخرجه لمالك المعدن، ولا أجرة للمخرج، وإن كان بإذنه.. نظرت:
فإن قال: استخرجه لنفسك، فأخرجه.. فالهبة فاسدة؛ لأنه مجهول، ويأخذه مالك المعدن، ولا أجرة للمخرج؛ لأنه أخرجه لنفسه.
فإن قيل: أليس لو قارضه على أن يكون الربح كله للعامل، فعمل وربح.. كان القراض فاسدًا، وكان الربح لرب المال وللعامل أجرة ما عمل؟
قال ابن الصباغ: فإن أصحابنا قالوا: الفرق بينهما: أن العمل وقع لغيره؛ لأن
стр. 3746
العمل في رأس المال وهو يعلم أنه لغيره، والبيع والشراء وقع لصاحب المال، وهاهنا عمل لنفسه؛ لأنه اعتقد أن ما يعمل فيه له.
قال ابن الصباغ: والفرق الجيد عندي: أن إذنه هاهنا تمليك للعين الموجودة، والعمل فيها لا يكون بالإذن؛ لأن عمله في ملك نفسه لا يفتقر إلى إذن غيره، فلم يستحق في مقابلته شيئًا. أما القراض: فإنه لا يملك فيه بالإذن إلا التصرف، وبه يملك الربح، فإذا لم يحصل له بتصرفه ملك ما يحصل بالتصرف، وحصل لغيره.. كان له أجرة العمل الذي حصل به ملك غيره.
وإن قال مالك المعدن: استخرجه لي، ولم يشرط له أجرة، فاستخرج له منه شيئًا.. كان المخرج لمالك المعدن.
وهل يستحق المخرج أجرة المثل على مالك المعدن؟ فيه أربعة أوجه، مضى ذكرها.
وإن شرط له أجرة معلومة على عمل معلوم، بأن قال: استأجرتك أن تحفر لي كذا وكذا يوما بكذا.. صح. وإن قال: إن أخرجت لي كذا وكذا فلك كذا.. صح، وكان جعالة.
[مسألة: الحمى لموضع]
] : وأما الحمى: فهو أن يحمي الرجل موضعًا من الموات الذي فيه الكلأ ليرعى فيه البهائم، يقال: حمى الرجل يحمي حمى، وحامى يحامي محاماة، وحماء، فيجوز قصر الحمى ومده، والمشهور فيه: القصر. قال الشاعر:
أبحت حمى تهامة ثم نجد ... وما شيء حميت بمستباح
إذا ثبت هذا: فإن الحمى كان جائزًا للنبي ﷺ ، فيحمي لنفسه وللمسلمين؛ لما
стр. 3747
روى الصعب بن جثامة: أن النبي ﷺ قال: «لا حمى إلا لله ولرسوله» .
فأما لنفسه: فإنه ما حمى، وأما للمسلمين: فإنه قد حمى، والدليل عليه: ما روي: «أن النبي ﷺ حمى النقيع لخيل المجاهدين» .
و (النقيع) : بالنون: اسم للمكان الذي حماه النبي ﷺ .
وبالباء: اسم لمقابر المدينة.
وأما آحاد الرعية: فليس لأحد منهم أن يحمي شيئًا من الموات؛ لأن الرجل العزيز في الجاهلية كان إذا انتجع بلدًا مخصبًا.. أوفى بكلب على جبل، أو نشز من الأرض ـ إن لم يكن جبل ـ ثم استعواه، ووقف له من يسمع منتهى صوته ـ وهو العواء ـ فحيث انتهى صوته.. حماه من كل ناحية لضعفاء ماشيته خاصة، ويرعى مع الناس في غيره، فأبطل النبي ﷺ ذلك، وقال: «لا حمى إلا لله ولرسوله» .
وأما إمام المسلمين: فليس له أن يحمي لنفسه، قولًا واحدًا، وهل له أن يحمي لخيل المجاهدين، ونعم الصدقة، ونعم من يضعف من المسلمين عن طلب النجعة؟ فيه قولان:
стр. 3748
أحدهما: ليس له ذلك؛ لقوله ﷺ : «لا حمى إلا لله ولرسوله» ، ولأنه لا يجوز له أن يحمي لنفسه، فلا يحمي لغيره كآحاد الرعية.
والثاني: يجوز، وبه قال مالك وأبو حنيفة، وهو الصحيح؛ لما روي في بعض الأخبار: أن النبي ﷺ قال: «لا حمى إلا لله ولرسوله ولأئمة المسلمين» .
وروي: أن عمر ﵁: (أتاه أعرابي من أهل نجد وقال: يا أمير المؤمنين: بلادنا قاتلنا عليها في الجاهلية، وأسلمنا عليها، فعلام تحميها؟ فأطرق عمر ﵁ وجعل ينفخ ويفتل شاربه ـ وكان إذا كره أمرًا فعل ذلك ـ فجعل الأعرابي يردد ذلك عليه، فقال عمر: المال مال الله، والعباد عباد الله، فلولا ما أحمل عليه في سبيل الله.. ما حميت عليهم شبرًا في شبر) .
قال مالك: (نبئت أنه كان يحمل في كل عام على أربعين ألفًا من الظهر) ، وقال مرة: (من الخيل) .
وروي: (أن عمر حمى موضعًا وولى عليه مولى له يسمى هنيًا، وقال: يا هني: ضم جناحك للناس، واتق دعوة المظلوم، فإن دعوة المظلوم مجابة، وأدخل رب الصريمة ورب الغنيمة، وإياك ونعم ابن عفان، ونعم ابن عوف، فإنهما إن تهلك ماشيتهما.. يرجعا إلى نخل وزرع، وإن رب الصريمة والغنيمة، إن تهلك ماشيته.. يأتيني بعياله فيقول: يا أمير المؤمنين، يا أمير المؤمنين، أفتاركهم أنا، لا أبا لك؟ إن الماء والكلأ أهون علي من الدينار والدرهم، وايم الله: إنهم ليرون أني ظلمتهم،
стр. 3749
وإن البلاد لبلادهم، قاتلوا عليها في الجاهلية، وأسلموا عليها في الإسلام، والذي نفسي بيده: لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله.. ما حميت شبرًا من أرض المسلمين) .
قال الشيخ أبو حامد: فقوله: (ضم جناحك للناس) أي: تواضع لهم ـ وقيل معناه: اتق الله؛ لأن ضم الجناح هو تقوى الله، فكأنه قال: اتق الله في المسلمين.
وقوله: (وأدخل رب الصريمة والغنيمة) أي: لا تمنع الضعفاء من هذا الحمى.
و (الصريمة) تصغير صرمة، وهي: ما بين العشر إلى الثلاثين من الإبل. وما دون العشر يقال له: الذود.
و (الغنيمة) : تصغير غنم.
وأما قوله: (وإياك ونعم ابن عفان، ونعم ابن عوف) أي: لا تدخلها الحمى؛ لأنهما غنيان لا يضرهما هلاك نعمهما.
إذا ثبت هذا: وقلنا: يجوز للإمام أن يحمي.. فإنه يحمي قدرًا لا يضيق به على المسلمين؛ لأنه إنما يحمي للمصلحة، وليس من المصلحة إدخال الضرر على المسلمين.
[فرع: حمى النبي لا ينقض]
إذا حمى النبي ﷺ مواتًا لمصلحة، فإن كان ما حمى له النبي ﷺ من المصلحة باقيًا.. لم يجز لأحد إحياؤه، وإن زال ذلك المعنى.. فهل يجوز إحياؤه؟ فيه وجهان:
стр. 3750
أحدهما: لا يجوز؛ لأنه ربما عاد ذلك المعنى فيحتاج إلى ذلك الحمى، كما قلنا في المحلة إذا خربت وفيها مسجد.. فلا يجوز نقضه ونقل خشبه، ولأن ما فعله النبي ﷺ معلوم أنه مصلحة، فلا يجوز تغييره، كما أمر بالرمل والاضطباع بسبب، ولم يزل بزوال ذلك السبب.
والثاني: يجوز إحياؤه.
قال الشيخ أبو حامد: وهو الصحيح؛ لأن الحكم إذا وجب لعلة.. زال بزوال العلة، بخلاف المسجد، فإنه يرجى عود العمارة فيحتاج إلى المسجد ولا يتمكن منه؛ لأنه لا يحتاج إلى الإنفاق عليه، وليس كذلك الحمى؛ لأنه إن عاد ذلك المعنى واحتيج إلى الحمى.. فإنه يحمى في الوقت، ولا شيء يتعذر.
[فرع: حمى الحاكم]
وأما إذا حمى الإمام مواتًا لمصلحة، وقلنا: يصح حماه، فأحياه إنسان، فإن كان بإذن الإمام.. جاز وملكه إذا أحياه؛ لأن إذن الإمام نقض لذلك الحمى، وإن أحياه بغير إذنه.. قال ابن الصباغ.. فقد قيل: فيه وجهان، وقيل: هما قولان:
أحدهما: لا يملكه من أحياه؛ لأنها أرض محمية، فلم يملكها من أحياها، كالذي حماه النبي ﷺ .
والثاني: يملكه؛ لأن الملك بالإحياء ثبت بالنص، وحمى الإمام اجتهاد، فكان النص مقدمًا على الاجتهاد.
[فرع: توسع النبي ﷺ بعد ملك خيبر وغيرها]
قال الشيخ أبو حامد: كان النبي ﷺ في ابتداء الإسلام ـ حيث كان الأمر ضيقًا ـ ما كان يدخر إلا قوت يوم لنفسه وعياله، ويتصدق بالباقي في بره، فلما انتشر
следующие страницы →