← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21721

البيان في مذهب الإمام الشافعي

العمراني

Полный текст (7 092 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

العمل في رأس المال وهو يعلم أنه لغيره، والبيع والشراء وقع لصاحب المال، وهاهنا عمل لنفسه؛ لأنه اعتقد أن ما يعمل فيه له. قال ابن الصباغ: والفرق الجيد عندي: أن إذنه هاهنا تمليك للعين الموجودة، والعمل فيها لا يكون بالإذن؛ لأن عمله في ملك نفسه لا يفتقر إلى إذن غيره، فلم يستحق في مقابلته شيئًا. أما القراض: فإنه لا يملك فيه بالإذن إلا التصرف، وبه يملك الربح، فإذا لم يحصل له بتصرفه ملك ما يحصل بالتصرف، وحصل لغيره.. كان له أجرة العمل الذي حصل به ملك غيره. وإن قال مالك المعدن: استخرجه لي، ولم يشرط له أجرة، فاستخرج له منه شيئًا.. كان المخرج لمالك المعدن. وهل يستحق المخرج أجرة المثل على مالك المعدن؟ فيه أربعة أوجه، مضى ذكرها. وإن شرط له أجرة معلومة على عمل معلوم، بأن قال: استأجرتك أن تحفر لي كذا وكذا يوما بكذا.. صح. وإن قال: إن أخرجت لي كذا وكذا فلك كذا.. صح، وكان جعالة. [مسألة: الحمى لموضع] ] : وأما الحمى: فهو أن يحمي الرجل موضعًا من الموات الذي فيه الكلأ ليرعى فيه البهائم، يقال: حمى الرجل يحمي حمى، وحامى يحامي محاماة، وحماء، فيجوز قصر الحمى ومده، والمشهور فيه: القصر. قال الشاعر: أبحت حمى تهامة ثم نجد ... وما شيء حميت بمستباح إذا ثبت هذا: فإن الحمى كان جائزًا للنبي ﷺ ، فيحمي لنفسه وللمسلمين؛ لما

стр. 3747

روى الصعب بن جثامة: أن النبي ﷺ قال: «لا حمى إلا لله ولرسوله» . فأما لنفسه: فإنه ما حمى، وأما للمسلمين: فإنه قد حمى، والدليل عليه: ما روي: «أن النبي ﷺ حمى النقيع لخيل المجاهدين» . و (النقيع) : بالنون: اسم للمكان الذي حماه النبي ﷺ . وبالباء: اسم لمقابر المدينة. وأما آحاد الرعية: فليس لأحد منهم أن يحمي شيئًا من الموات؛ لأن الرجل العزيز في الجاهلية كان إذا انتجع بلدًا مخصبًا.. أوفى بكلب على جبل، أو نشز من الأرض ـ إن لم يكن جبل ـ ثم استعواه، ووقف له من يسمع منتهى صوته ـ وهو العواء ـ فحيث انتهى صوته.. حماه من كل ناحية لضعفاء ماشيته خاصة، ويرعى مع الناس في غيره، فأبطل النبي ﷺ ذلك، وقال: «لا حمى إلا لله ولرسوله» . وأما إمام المسلمين: فليس له أن يحمي لنفسه، قولًا واحدًا، وهل له أن يحمي لخيل المجاهدين، ونعم الصدقة، ونعم من يضعف من المسلمين عن طلب النجعة؟ فيه قولان:

стр. 3748

أحدهما: ليس له ذلك؛ لقوله ﷺ : «لا حمى إلا لله ولرسوله» ، ولأنه لا يجوز له أن يحمي لنفسه، فلا يحمي لغيره كآحاد الرعية. والثاني: يجوز، وبه قال مالك وأبو حنيفة، وهو الصحيح؛ لما روي في بعض الأخبار: أن النبي ﷺ قال: «لا حمى إلا لله ولرسوله ولأئمة المسلمين» . وروي: أن عمر ﵁: (أتاه أعرابي من أهل نجد وقال: يا أمير المؤمنين: بلادنا قاتلنا عليها في الجاهلية، وأسلمنا عليها، فعلام تحميها؟ فأطرق عمر ﵁ وجعل ينفخ ويفتل شاربه ـ وكان إذا كره أمرًا فعل ذلك ـ فجعل الأعرابي يردد ذلك عليه، فقال عمر: المال مال الله، والعباد عباد الله، فلولا ما أحمل عليه في سبيل الله.. ما حميت عليهم شبرًا في شبر) . قال مالك: (نبئت أنه كان يحمل في كل عام على أربعين ألفًا من الظهر) ، وقال مرة: (من الخيل) . وروي: (أن عمر حمى موضعًا وولى عليه مولى له يسمى هنيًا، وقال: يا هني: ضم جناحك للناس، واتق دعوة المظلوم، فإن دعوة المظلوم مجابة، وأدخل رب الصريمة ورب الغنيمة، وإياك ونعم ابن عفان، ونعم ابن عوف، فإنهما إن تهلك ماشيتهما.. يرجعا إلى نخل وزرع، وإن رب الصريمة والغنيمة، إن تهلك ماشيته.. يأتيني بعياله فيقول: يا أمير المؤمنين، يا أمير المؤمنين، أفتاركهم أنا، لا أبا لك؟ إن الماء والكلأ أهون علي من الدينار والدرهم، وايم الله: إنهم ليرون أني ظلمتهم،

стр. 3749

وإن البلاد لبلادهم، قاتلوا عليها في الجاهلية، وأسلموا عليها في الإسلام، والذي نفسي بيده: لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله.. ما حميت شبرًا من أرض المسلمين) . قال الشيخ أبو حامد: فقوله: (ضم جناحك للناس) أي: تواضع لهم ـ وقيل معناه: اتق الله؛ لأن ضم الجناح هو تقوى الله، فكأنه قال: اتق الله في المسلمين. وقوله: (وأدخل رب الصريمة والغنيمة) أي: لا تمنع الضعفاء من هذا الحمى. و (الصريمة) تصغير صرمة، وهي: ما بين العشر إلى الثلاثين من الإبل. وما دون العشر يقال له: الذود. و (الغنيمة) : تصغير غنم. وأما قوله: (وإياك ونعم ابن عفان، ونعم ابن عوف) أي: لا تدخلها الحمى؛ لأنهما غنيان لا يضرهما هلاك نعمهما. إذا ثبت هذا: وقلنا: يجوز للإمام أن يحمي.. فإنه يحمي قدرًا لا يضيق به على المسلمين؛ لأنه إنما يحمي للمصلحة، وليس من المصلحة إدخال الضرر على المسلمين. [فرع: حمى النبي لا ينقض] إذا حمى النبي ﷺ مواتًا لمصلحة، فإن كان ما حمى له النبي ﷺ من المصلحة باقيًا.. لم يجز لأحد إحياؤه، وإن زال ذلك المعنى.. فهل يجوز إحياؤه؟ فيه وجهان:

стр. 3750

أحدهما: لا يجوز؛ لأنه ربما عاد ذلك المعنى فيحتاج إلى ذلك الحمى، كما قلنا في المحلة إذا خربت وفيها مسجد.. فلا يجوز نقضه ونقل خشبه، ولأن ما فعله النبي ﷺ معلوم أنه مصلحة، فلا يجوز تغييره، كما أمر بالرمل والاضطباع بسبب، ولم يزل بزوال ذلك السبب. والثاني: يجوز إحياؤه. قال الشيخ أبو حامد: وهو الصحيح؛ لأن الحكم إذا وجب لعلة.. زال بزوال العلة، بخلاف المسجد، فإنه يرجى عود العمارة فيحتاج إلى المسجد ولا يتمكن منه؛ لأنه لا يحتاج إلى الإنفاق عليه، وليس كذلك الحمى؛ لأنه إن عاد ذلك المعنى واحتيج إلى الحمى.. فإنه يحمى في الوقت، ولا شيء يتعذر. [فرع: حمى الحاكم] وأما إذا حمى الإمام مواتًا لمصلحة، وقلنا: يصح حماه، فأحياه إنسان، فإن كان بإذن الإمام.. جاز وملكه إذا أحياه؛ لأن إذن الإمام نقض لذلك الحمى، وإن أحياه بغير إذنه.. قال ابن الصباغ.. فقد قيل: فيه وجهان، وقيل: هما قولان: أحدهما: لا يملكه من أحياه؛ لأنها أرض محمية، فلم يملكها من أحياها، كالذي حماه النبي ﷺ . والثاني: يملكه؛ لأن الملك بالإحياء ثبت بالنص، وحمى الإمام اجتهاد، فكان النص مقدمًا على الاجتهاد. [فرع: توسع النبي ﷺ بعد ملك خيبر وغيرها] قال الشيخ أبو حامد: كان النبي ﷺ في ابتداء الإسلام ـ حيث كان الأمر ضيقًا ـ ما كان يدخر إلا قوت يوم لنفسه وعياله، ويتصدق بالباقي في بره، فلما انتشر

стр. 3751

الإسلام، وكثرت الفتوح، وملك خيبر وبني النضير وغير ذلك.. اتسع، فكان يدخر قوت سنة لنفسه وعياله، ويتصدق بالباقي، وكان ممن يملك. وقال بعض الناس: ما كان يملك شيئًا، ولا يتأتى منه الملك، وإنما أبيح له ما يأكله وما يحتاج إليه، فأما تملك شيء: فلا. وهذا غلط؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الحشر: ٧] [الحشر: ٧] فأضاف ذلك إليه، والإضافة تقتضي الملك، ولأنه ﷺ : «أعتق صفية وتزوجها وجعل عتقها صداقها» و: «استولد مارية» ولا يكون ذلك إلا في ملك. فرع: [لا حق لعرق ظالم] : روي عن النبي ﷺ : أنه قال: «ليس لعرق ظالم حق» . قال الشافعي: (والعرق: ما وضع في الأرض للبقاء والدوام) . والعروق أربعة: عرقان ظاهران، وهما: الغراس والبناء. وعرقان باطنان، وهما: البئر والنهر. [باب حكم المياه] ٧ -

стр. 3752

باب حكم المياه إذا حفر الرجل بئرًا في ملكه.. فالبئر ملك له؛ لأن من ملك أرضًا ملكها إلى القرار، فإن نبع فيها ماء فهل يملكه؟ على وجهين، مضى ذكرهما في البيوع. وإن حفر الرجل بئرًا في موات ليتملكها، فما لم ينبع فيها الماء.. فلا يملكها، لكنه متحجر لها، فإن نبع فيها الماء وكانت صلبة لا تفتقر إلى طي، أو كانت رخوة فطواها.. ملك البئر، وهل يملك ما فيها من الماء؟ على الوجهين. وإن حفرها في موات لا ليتملكها، ولكن لينتفع بها، فنبع فيها الماء.. فإنه لا يملكها؛ لأنه لم يقصد تملكها، وإنما قصد الارتفاق بها، فلم يملكها. فما دام مقيمًا عليها.. فهو أحق بها؛ لأنه سابق إليها، فإن أزال يده عنها وجاء غيره.. كان أحق بها؛ لأنه ماء مباح. إذا ثبت هذا: فإن الماء الذي ينبع في البئر التي يملكها، لا يلزمه أن يبذل لغيره منه ما يحتاج إليه لنفسه وماشيته وزرعه وشجره. وأما ما يفضل عن حاجة نفسه وماشيته وزرعه وشجره: فيجب عليه أن يبذله لماشية غيره إذا كان بقرب هذا الماء كلأ مباح لا يمكن للماشية رعيه إلا بأن تشرب من هذا الماء، فيلزم مالك الماء بذل الماء بغير عوض. وبه قال مالك وأبو حنيفة. وقال أبو عبيدة بن حرب: لا يلزمه ذلك، وإنما يستحب له بذله، كما لا يلزمه بذل الكلأ في أرضه لماشية غيره. ومن الناس من قال: يلزمه بذله بعوض، كبذل الطعام للمضطر. والأول أصح؛ لما روى أبو هريرة: أن النبي ﷺ قال: «لا يمنع فضل الماء ليمنع به فضل الكلأ» .

стр. 3753

وروي عن النبي ﷺ : أنه قال: «من منع فضل الماء ليمنع به فضل الكلأ.. منعه الله فضل رحمته يوم القيامة» فأوجب عليه بذل الفضل من غير عوض، وتوعده على منعه. والتوعد لا يكون إلا على فعل معصية. ولا يلزمه بذل فضل الماء لزرع غيره وشجره. ومن الناس من قال: يلزمه بذل الفضل لزرع غيره وشجره. وهذا ليس بصحيح؛ لأن التوعد إنما ورد في منع فضل الماء ليمنع به فضل الكلأ، ويخالف بذل الماء للماشية؛ لأن الماشية لها حرمة بنفسها، ولهذا يلزمه سقي ماشيته، والزرع والشجر لا حرمة له بنفسه، ولهذا لو كان له زرع أو شجر لم يلزمه سقيه. [فرع: الشرب من النهر المملوك] قال ابن الصباغ: وإذا كان لرجل نهر مملوك.. جاز لكل أحد أن يتقدم ويشرب منه؛ لأنه به حاجة إلى ذلك، وهو فاضل عن حاجة صاحب النهر، إذا كان لا يؤثر فيه. [مسألة: الماء مباح مملوك حسب مكانه] المياه على ثلاثة أضرب: [الأول] : ماء مباح في موضع مباح.

стр. 3754

والثاني: ماء مباح في موضع مملوك. والثالث: ماء نبع في ملك. فأما الماء المباح في موضع مباح: فمثل الماء في الأنهار العظيمة، كدجلة والفرات، وما جرى من ذلك إلى نهر صغير، وكالسيول في الموات، فهذا الماء الناس فيه شرع واحد، لكل أحد أن يأخذ منه، ومن قبض منه شيئًا.. ملكه، وفيه ورد قوله ﷺ : «الناس في ثلاثة شركاء: الماء والنار والكلأ» . وأما الماء المباح في موضع مملوك: فمثل أن يحفر رجل ساقية إلى أرضه، ويرد فيها الماء من هذه الأنهار العظيمة، أو ينزل في أرضه ماء من المطر.. فهذا الماء مباح؛ لأنه ليس من نماء أرضه، وإنما هو على أصل الإباحة. ولا يملك المباح إلا بالتناول وهو: أن يأخذه في جرة أو جب، إلا أن صاحب الأرض أحق به لكونه في أرضه، ولا يجوز لغيره أن يدخل إلى أرضه بغير إذنه، فإن خالف الغير ودخل إلى هذه الأرض، وأخذ شيئًا من هذا الماء.. ملكه، وكان متعديًا بدخول أرض غيره بغير إذنه. قيل للشيخ أبي حامد: فإن سقى الرجل زرعه بماء مباح، أيملك الماء الذي في أرضه بين زرعه؟ قال: لا يملكه، كما لو دخل الماء إلى أرضه وفيه سمكة، فإنه لا يملك السمكة بدخولها إلى أرضه، وإنما يكون أحق بها من غيره. وإن توحل في أرضه ظبي، أو عشش فيه طائر.. فإنه لا يملكه لكونه في أرضه، ولكن لا يجوز لغيره أن يدخل إلى أرضه ويأخذ هذا الظبي والطير منها؛ لأنه لا يجوز له التخطي فيها بغير إذن مالكها، فإن خالف ودخلها، وأخذ الظبي والطير منها.. ملكه بالأخذ. وحكى الطبري في " العدة " وجهًا آخر: أنه يملك الظبي المتوحل في أرضه والطائر الذي عشش في أرضه، وليس بشيء. وإن نصب رجل شبكة فوقع فيها صيد.. ملكه؛ لأن الشبكة كيده. وأما الضرب الثالث ـ وهو الماء الذي ينبع في موضع مملوك ـ: فهو: أن ينبع في

стр. 3755

أرضه عين ماء، أو يحفر في أرضه بئرًا أو عينًا، أو يحفر في الموات بئرًا ليتملكها، وينبع فيها الماء.. فقد مضى ذكر هذا في أول الباب. [فرع: السقي من الأنهار] وأما السقي بالماء: فإن كان الماء مباحًا في موضع مباح: فإن كان نهرًا عظيمًا لا يحصل فيه تزاحم، كدجلة والفرات، وكالسيول العظيمة.. فلكل أحد أن يسقي منه متى شاء وكيف شاء؛ لأنه لا ضرر على أحد بذلك. وإن كان يحصل فيه تزاحم، بأن كان هذا الماء المباح في الموضع المباح قليلًا لا يمكن سقي الأرض إلا بجميعه.. فإن ترتيب السقي فيه: أن الأعلى يسقي أرضه منها إلى أن يجول الماء في أرضه ـ إذا كانت مستوية ـ إلى الكعبين، ثم يرسل الماء إلى من تحته، وعلى هذا إلى أن تنتهي الأرضون؛ لما روى عبادة بن الصامت: «أن النبي ﷺ قضى في شرب النخل من سيل: أن للأعلى أن يسقي حتى يبلغ الماء إلى الكعبين، ثم للأسفل كذلك حتى ينتهي الأرضون» . وروى ابن الزبير: «أن الزبير ورجلًا من الأنصار اختصما في شراج الحرة التي يسقون بها النخل إلى النبي ﷺ ، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر، فأبى عليه الزبير، فقال النبي ﷺ للزبير: يا زبير اسق أرضك، ثم أرسل الماء إلى جارك" فغصب الأنصاري وقال: يا رسول الله، أن كان ابن عمتك! فتلون وجه رسول الله ﷺ ثم قال: "يا زبير اسق أرضك، واحبس الماء حتى يبلغ إلى الجدر". قال الزبير: فوالله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] [النساء: ٦٥] » .

стр. 3756

قال أبو عبيد [في "غريب الحديث (٤/٢) ] : و (الشراج) : جمع شرج، والشرج: نهر صغير. و (الحرة) : أرض ملبسة بالحجارة. و (الجدر) : الجدار. فقيل: إن النبي ﷺ كان أمر الزبير في المرة الأولى أن يسقي أرضه أقل من حقه مسامحة لجاره، فلما أغضبه الأنصاري.. أمره أن يسقي إلى الجدر، وعلم أن الماء إذا بلغ الجدر، بلغ إلى الكعب، وذلك قدر حقه. وقيل: بل كان أمره في الأولى أن يسقي أرضه قدر حقه، وهو: أن يبلغ الماء إلى الكعب، فلما قال الأنصاري ما قال.. أمره النبي ﷺ أن يسقي أرضه أكثر من حقه عقوبة للأنصاري، إذ كانت العقوبات يومئذ في الأموال. قال أصحابنا: والأول أشبه. وفرع أبو جعفر الترمذي على هذا: إذا كان لرجل أرض بعضها أعلى من بعض، ولا يقف الماء في العالية إلى الكعبين حتى يحول في المتسفلة إلى الركبتين.. فليس له أن يحبس الماء في المتسفلة إلى الركبتين، ولكن يسقي المتسفلة إلى الكعبين، ثم يسدها، ويسقي العالية إلى الكعبين. وفرع الترمذي والإصطخري على هذا فرعًا آخر وهو: إذا أراد رجل أن يحيي مواتًا ويجعل شربه من هذا النهر: فإن لم يضق الماء على الذين قد حصلت لهم الأرض والشرب من النهر قبل هذا.. كان للثاني أن يسقي معهم؛ لأن الماء مباح، ولا ضرر عليهم في ذلك. وإن كان الماء يضيق على أهل الأرض.. لم يكن للثاني ذلك. قال أبو سعيد الإصطخري: لأن من أحيا مواتًا.. ملكه، وملك مرافقه وما يصلح

стр. 3757

به. ومن مرافق هذه الأرض كفايتها من الماء، فإذا كان في إحياء هذا نقصان الماء عليهم.. لم يكن له ذلك. وعلل الترمذي تعليلًا آخر، فقال: من سبق إلى شيء مباح.. كان أحق به، وهؤلاء الذين تقدم إحياؤهم سبقوا إلى هذا الماء والشرب منه، فكانوا أحق به من غيرهم. [فرع: السقي من ماء مملوك] وأما السقي من الماء المملوك: فإن حفر رجل بئرًا في ملكه، أو نهرًا، ونبع فيه الماء.. فإنه يملك البئر والنهر، وفي ملكه للماء وجهان. وسواء قلنا: يملكه، أو لا يملكه.. فليس لأحد أن يدخل ملكه بغير إذنه ليأخذ منه شيئًا، فيسقي هذا الرجل أرضه بهذا الماء كيف شاء. وإن حفر بئرًا أو نهرًا في ملكه، ونزل فيها ماء مباح.. فإنه لا يملك هذا الماء، ولكنه أحق به؛ لكونه في أرضه، ويسقي به أرضه كيف شاء. فإن وقف رجل في موات بقرب هذه البئر ـ أو النهر ـ ورمى حبلًا عليه دول في هذه البئر.. لم يكن له ذلك؛ لأنه ينتفع بما هو ملك غيره، ولكنه إن خالف وأخذ منه الماء.. ملكه. وإن حفر جماعة نهرًا من موات ـ أو بئرًا ـ فنبع فيها الماء.. ملكوا النهر والبئر. وهل يملكون الماء؟ على الوجهين. فإن أرادوا أن يتساووا في الملك.. تساووا في النفقة. وإن أرادوا التفاضل في الملك.. تفاضلوا في النفقة؛ لأنهم إنما ملكوا بالعمارة.. فاختلف ملكهم باختلاف نفقاتهم. إذا ثبت هذا: وأرادوا السقي بهذا الماء، فإن اتفقوا على المهايأة، وأن يسقي كل واحد منهم يومًا.. جاز، غير أن المهايأة لا تلزمهم، فمتى أرادوا نقضها.. جاز. وإن أرادوا قسمته من غير مهايأة: قال أبو جعفر الترمذي: أمكن ذلك، بأن تؤخذ خشبة مستوية الطرفين والوسط،

стр. 3758

فتفتح فيها كواء على قدر حقوقهم، ثم توضع في مكان بين الأرضين والنهر، ويكون الموضع مستويًا، ثم يجمع الماء إلى ذلك الموضع، فيدخل في كل كوة قدر حق صاحبها، فإذا فعل ذلك.. فقد صار مقسومًا قسمة صحيحة، وليس لأحدهم أن يوسع كوته ولا يعمقها؛ لأنه يدخل فيها بذلك أكثر من حقه. فإن تغيرت.. أصلحها. فإن أراد أحدهم أن يأخذ حقه من الماء قبل موضع القسمة، ويحفر ساقية إلى أرضه.. لم يكن له ذلك؛ لأن الحريم مشترك بينه وبين غيره، فلم يكن له خرقه. وإن أراد أحدهم أن يدير قبل موضع القسمة رحى.. لم يكن له ذلك؛ لأنه يضعها في موضع مشترك بينه وبين غيره بغير إذن شركائه. وإن أراد أن ينصب رحى بعد موضع القسمة في ساقيته التي تجري إلى أرضه.. جاز؛ لأنه وضع الرحى في ملك له منفرد به. فإن أحيا رجل منهم مواتًا ليسقيها من مائه من هذا النهر وساقيته، أو كان له أرض أخرى ليس لها رسم شرب من هذا النهر، فأراد أن يسقيها منه بمائه ومن ساقيته.. فذكر الشيخان ـ أبو حامد وأبو إسحاق ـ: ليس له ذلك؛ لأنه يجعل لهذه الأرض شربًا من هذا النهر، فلم يكن له ذلك، كرجل له دار في درب لا ينفذ، فاشترى دارًا في درب آخر طريقها منه، فأراد أن ينفذ إحداهما إلى الأخرى، فإنه لا يكون له ذلك. قال ابن الصباغ: وهذا وجه جيد عندي، غير أن الدارين قد اختلف أصحابنا فيها، فمنهم من جوز ذلك، ويمكن من جوز ذلك في الدارين أن يفرق بينها وبين الأرض؛ لأن الدار لا يستطرق منها إلى الدرب، وإنما يستطرق إلى أخرى، ومن أخرى إلى الدرب، وهاهنا يحمل في الساقية إليها، فيصير لها رسم في الشرب.

стр. 3759

[فرع: كري النهر على المنتفعين] قال ابن الصباغ: إذا كان النهر مشتركًا بين عشرة، فأرادوا أن يكروه، فإن على الجماعة أن يشتركوا في الكري في أوله، فإذا جاوزوا الأول.. كان على الباقين دونه، فإذا جاوزوا الثاني.. كان على الباقين دونه.. وعلى هذا. وبه قال أبو حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: يشتركون في جميعه؛ لأن الأول ينتفع بجميعه؛ لأنه ينتفع بأوله بسقي أرضه، وبالباقي بصب مائه، فكان الكري على الكل بقدر شربه وأرضه. ودليلنا: أنه ينتفع بالماء الذي في موضع شربه، فأما ما بعده: فإنه يختص بالانتفاع به من دونه، فلا يشاركهم فيه. والله أعلم

стр. 3760

[كتاب اللقطة]

стр. 3761

كتاب اللقطة اللقطة ـ بسكون القاف ـ: هو المال الملقوط. وأما اللقطة ـ بفتح القاف ـ: فاختلف أهل اللغة فيها: فقال الأصمعي وابن الأعرابي والفراء: هو اسم المال الملقوط. وقال الخليل: هو اسم الرجل الملتقط؛ لأن ما جاء على وزن فعلة.. فهو اسم الفاعل، كقولهم: همزة ولمزة وضحكة. إذا ثبت هذا: فإذا وجد الحر الرشيد لقطة.. لم تخل: إما أن يجدها في موضع مملوك، أو في موضع مباح: فإن وجدها في موضع مملوك.. فهي لمالك ذلك الموضع؛ لأن يده ثابتة على الموضع وعلى ما فيه، إلا إن قال مالك الموضع: ليست بملك لي. وإن وجدها في موضع مباح.. فلا يخلو: إما أن يكون حيوانًا، أو غير حيوان، فإن

стр. 3762

كان غير حيوان.. نظرت: فإن كانت يسيرة بحيث يعلم أن صاحبها لو علم أنها ضاعت منه لم يطلبها، كزبيبة أو تمرة وما أشبههما.. لم يجب تعريفها، وله أن ينتفع بها في الحال؛ لما روى أنس: «أن النبي ﷺ مر بتمرة مطروحة في الطريق فقال: لولا أني أخشى أن تكون من تمر الصدقة.. لأكلتها» وروى جابر قال: «رخص لنا رسول الله ﷺ في العصا والسوط والحبل وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به» . وروي: (أن عمر بن الخطاب رأى رجلًا يعرف زبيبة، فقال: إن من الورع ما يمقته الله) . وإن كانت اللقطة كثيرة بحيث يطلبها من ضاعت منه، كالذهب والفضة والثياب والجواهر وغيرها، فإن وجدها في غير الحرم.. جاز التقاطها للتملك؛ لما روى زيد بن خالد الجهني، قال: سئل النبي ﷺ عن اللقطة فقال: «اعرف عفاصها ووكاءها، ثم عرفها سنة، فإن جاء صاحبها، وإلا.. فشأنك بها» . وروي: «فاستنفع بها» . وسئل عن ضالة الغنم، فقال: «خذها فإنما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب» .

стр. 3763

وسئل عن ضالة الإبل، فغضب حتى احمرت وجنتاه أو قال: احمر وجهه، فقال: «ما لك ولها؟ معها حذاؤها وسقاؤها، ترد الماء، وتأكل الشجر، دعها حتى يجيء صاحبها فيأخذها» «وروى أبو ثعلبة، قال: قلت يا رسول الله: أفتني في اللقطة فقال: ما وجدته في طريق ميتاء،، أو قرية عامرة.. فعرفها سنة، فإن وجدت صاحبها، وإلا.. فهي لك. وما وجدته في طريق غير ميتاء، أو قرية غير عامرة.. ففيها وفي الركاز الخمس» . قال أبو عبيد ["في غريب الحديث" (٢/٢٠٤) ] : و (الميتاء) : الطريق العامر المسلوك، ومنه قوله ﷺ حين توفي ابنه إبراهيم ﵉، فبكى عليه وقال:

стр. 3764

«لولا أنه وعد حق، وقول صدق، وطريق ميتاء.. لحزنا عليك يا إبراهيم أشد من حزننا» قال: وبعضهم يقول: مأتي عليه الناس. وكلاهما جائز. ويجوز أن يلتقطها للحفظ على صحابها؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] [المائدة:٢] . ولقوله ﷺ «والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه» . وإن وجدها في الحرم.. لم يجز له التقاطها للتملك. ومن الناس من قال: يجوز له التقاطها للتملك. وبه قال بعض أصحابنا، وحكاه ابن الصباغ عن مالك وأبي حنيفة؛ لما روي أن النبي ﷺ قال في مكة: «لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد» . و (المنشد) : المعرف، يقال: أنشدت الضالة إنشادا، فأنا منشد: إذا عرفتها. فأما الطالب لها: فيقال له: الناشد. يقال من الطلب: نشدت الضالة، أنشدها نشدانا: إذا طلبتها، فأنا ناشد. ومنه ما روي: أن النبي ﷺ سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فقال: «أيها الناشد غيرك الواجد» .

стр. 3765

وإذا كان المنشد هو المعرف.. كان معناه أنها لا تحل إلا للمعرف لها إذا لم يجد صاحبها. والمذهب الأول؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧] [العنكبوت:٦٧] وما وصفه الله تعالى بالأمن لا يجوز أن يضيع فيه مال الغير. وروي: أن النبي ﷺ قال: «لا تحل لقطة الحاج» . وعموم الخبر يقتضي: لا تحل لقطة الحاج بمكة، ولا بغيرها، فأجمع المسلمون على أنها تحل بغير مكة، وبقي الحرم على ظاهر الخبر. وأما الخبر الأول: فأراد به أنه لا يحل للمنشد منها إلا إنشادها، فأما للانتفاع بها.. فلا تحل له، إذا لو حل له تملكها لما كان لمكة مزية على غيرها من البلاد. والخبر ورد في بيان فضيلة مكة على غيرها. وقيل: أراد بقوله: (إلا لمنشد) أي: لا تحل إلا لصاحبها الذي يطلبها، وسماه منشدا. وهذا حسن في الفقه، ولكن لا يجوز في اللغة أن يسمى الطالب منشدا، وإنما هو ناشد. ولأن مكة بلد صغير، وينتابها الناس من الآفاق، فإذا عرفنا اللقطة فيها.. استشاع التعريف فيها، فإن كانت لأحد من أهلها.. تعرفها في الحال وأخذها. وإن كانت لمن ينتابها من الناس من غيرها وقد راح إلى أهله.. فلا يخلو أن يخرج من بلده غيره، من صديق له أو قريب، فيمكنه أن يتعرفها له، فكان الحظ في تركها وحفظها إلى أن يجيء صاحبها؛ لأن الظاهر أنها تصل إليه وليس كذلك سائر البلاد؛ لأن البلد قد يكون كبيرا لا يستشيع التعريف فيه إن كانت لأهلها، وربما كانت لغريب

стр. 3766

دخل ذلك البلد، وربما لا يعود إليه، فالظاهر أنها لا تعود إلى مالكها، فلذلك جاز تملكها. إذا ثبت هذا: فإن الملتقط يلزمه المقام لتعريفها، فإن لم يمكنه المقام.. دفعها إلى الحاكم ليعرفها من سهم المصالح؛ لأن ذلك مصلحة. [فرع: رؤية اللقطة في طريق مسلوك] ] وإن وجد شيئا من ضرب الجاهلية في طريق مسلوك، أو قرية عامرة.. فهو لقطة. وإن وجده في موات، أو في قرية خربة كانت عامرة للجاهلية.. فهو ركاز؛ لقوله ﷺ : «ما كان منها في طريق ميتاء.. فعرفها حولا كاملا، فإن جاء صاحبها، وإلا.. فهي لك. وما كان منها في خراب.. ففيها وفي الركاز الخمس» و (الركاز) : المال المدفون. هكذا: إذا احتملت الأمرين، بأن تكون آنية، أو دراهم لا نقش عليها.. قال الشيخ أبو حامد: فهو ركاز أيضا. [فرع: اللقطة ذات الشأن] وإن كانت اللقطة يسيرة، إلا أنها تتبعها النفس، ويطلبها صاحبها إذا علم أنها ضاعت منه.. فهل يجب تعريفها سنة أو ثلاثة أيام؛ فيه وجهان: أحدهما: لا يجب تعريفها سنة، بل يكفي ثلاثة أيام؛ لأن ذلك يشق. والثاني: وهو المذهب: - أنه يجب تعريف الكثير واليسير سنة؛ لقوله ﷺ «عرفها سنة» ولم يفرق. إذا ثبت هذا: وقلنا لا يجب تعريف اليسير سنة.. ففي قدره ثلاثة أوجه: أحدها: أن الدينار فما دونه: يسير، وما زاد عليه كثير؛ لما روي: «أن عليا

стр. 3767

- ﵁ وجد دينارًا، فذكره للنبي ﷺ ، فأمره بأكله» . والثاني: أن اليسير درهم فما دونه، وما زاد عليه كثير. والثالث: أن ما دون ربع دينار يسير، وربع دينار فما زاد عليه كثير؛ لقول عائشة ﵂: «ما كانت يد السارق تقطع في عهد رسول الله ﷺ في الشيء التافه» . ومعلوم أنها كانت تقطع بربع دينار.

стр. 3768

[مسألة: استحباب اللقطة للأمين] إذا وجد اللقطة وكان أمينا.. قال الشافعي في " المختصر " [٣/١٢٥] : (لا أحب لأحد ترك لقطة وجدها إذا كان أمينا عليها) . وقال في موضع آخر: (لا يحل له ترك اللقطة إذا كان أمينا عليها) . واختلف أصحابنا فيه: فمنهم قال فيه قولان: أحدهما: يستحب له أخذها، ولا يجب عليه، لأن ذلك أمانة، فلم يجب عليه أخذها، كقبول الوديعة. والثاني: يجب عليه أخذها؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] [المائدة:٢] ، ولقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] [التوبة:٧١] . وإذا كان وليا عليه.. وجب عليه حفظ ماله. ولقوله ﷺ : «حرمة مال المؤمن كحرمة دمه» . ولو خاف على دمه.. لوجب عليه حفظه، فكذلك إذا خاف على ماله. وقال أبو العباس، وأبو إسحاق وغيرهما: ليست على قولين، وإنما هي على اختلاف حالين: فالموضع الذي قال (يستحب له أخذها، ولا يجب عليه) أراد به: إذا وجدها في بلد، أو قرية، أو محلة، يعلم أمانة أهلها؛ لأن ترك أخذها لا يكون تغريرا بها؛ لأن غيره يقوم مقامه في حفظها، فجرى مجرى الصلاة على الجنازة، ودفن الميت إذا كان هناك من يقوم بها غيره. والموضع الذي قال (يجب عليه أخذها) أراد: إذا وجدها في بلد، أو قرية، أو محلة يعلم أن أهلها غير ثقات، أو وجدها في مسلك يسلكه أخلاط الناس؛ لأن في تركها تغريرا بها.

стр. 3769

فإن تركها الأمين ولم يأخذها فتلفت.. لم يجب عليه ضمانها، سواء قلنا: يجب عليه أخذها، أو يستحب له أخذها؛ لأن الضمان إنما يكون باليد أو الإتلاف، ولم يوجد منه أحدهما، وإنما يفيد الوجوب الإثم لا غير. فأما إذا كان الواجد لها غير أمين: فلا يستحب له أخذها؛ لأن المقصود بأخذها حفظها على صاحبها، والتغرير يحصل بأخذه لها، فإذا تركها.. فربما وجدها من يحفظها على صاحبها. إذا ثبت هذا: فقد حكي عن مالك وأحمد: (أنهما كرها الالتقاط للأمين أيضا) . وروي ذلك عن ابن عباس وعطاء وجابر بن زيد؛ لقوله ﷺ : «لا يؤوي الضالة إلا ضال» . ودليلنا: حديث زيد بن خالد الجهني، ولأنه أخذ أمانة فلم تكره، كالوديعة. وأما الخبر: فمحمول على كبار الحيوان إذا وجده في البرية. [فرع: تضمن اللقطة بالحفظ مدة التعريف] ] : إذا أخذ لقطة بنية التعريف.. لم يلزمه ضمانها بالأخذ، ولكن يلزمه حفظها مدة التعريف، فإن ردها إلى الموضع الذي وجدها فيه.. لم يبرأ بذلك. قال الشيخ أبو حامد: وهذا وفاق بيننا وبين أبي حنيفة، بخلاف الوديعة، فإنه خالفنا فيها.

стр. 3770

وحكى ابن الصباغ: أن أبا حنيفة قال في اللقطة أيضا: (إنه يبرأ بذلك) كما قال في الوديعة. ودليلنا: أنه لما أخذها.. فقد التزم حفظها فإذا تركها في الموضع الذي وجدها فيه.. فقد ضيعها، فلزمه ضمانها، كما لو رماها إلى موضع آخر. وإن أخذ اللقطة من موضعها بنية تملكها في الحال.. ضمنها بالأخذ، ولا يبرأ بالتعريف. وإن عرفها بعد ذلك. فهل يملكها؟ فيه وجهان، حكاهما المسعودي [في " الإبانة " ق \ ٣٥٨] : أحدهما: لا يملكها، لأنها دخلت في ضمانه، فهو كما لو أخذها غصبا. والثاني: يملكها، وهو الأصح؛ لظاهر الأخبار، ولم يفرق، ولأن سبب التملك هو التعريف، وقد وجد. [مسألة: وجد اللقطة رجلان] وإذا وجد رجلان لقطة، فأخذاها معا.. كانت بينهما بعد التعريف، كما إذا أثبتا صيدا، وإن رأياها معا فبادر أحدهما وأخذها.. كانت لمن أخذها؛ لأن استحقاق اللقطة بالأخذ دون الرؤية، كما قلنا في الاصطياد. فإن رآها أحدهما، فقال لصاحبه: أعطنيها، فأخذها الآخر؛ فإن أخذها لنفسه.. كان أحق بها؛ لأن استحقاقها بالأخذ دون الرؤية، وإن أخذها لصاحبه الذي أمره بأخذها، فهل تكون للآمر؟ فيه وجهان، بناء على القولين في التوكيل في الاصطياد والاحتشاش. وإن أخذ رجل اللقطة فضاعت منه، ووجدها آخر.. فإن الثاني يعرفها، فإن جاء مالكها، وأقام البينة عليها.. وجب عليه ردها إليه؛ لأنه هو المالك لها. وإن لم يجد مالكها ولكن جاء الملتقط الأول، وأقام البينة على التقاطه لها.. وجب على الثاني ردها إليه؛ لأن الأول قد ثبت له عليها حق بالالتقاط، فوجب ردها إليه كما لو تحجر مواتا.

стр. 3771

[مسألة: ما تعرف به اللقطة] قال الشافعي: (ويعرف عفاصها ووكاءها وعددها ووزنها وحليتها ويكتبها ويشهد عليها) . وجملة ذلك: أنه إذا وجد لقطة.. فيحتاج أن يعرف منها أشياء: أحدها: (العفاص) : وهو الوعاء الذي يكون فيه اللقطة: كالكيس الذي يكون فيه الدنانير أو الدراهم، واللفافة التي تكون فوق الثوب، والصندوق الذي يكون فيه المتاع، يقال أعفصت الإناء: إذا أصلحت له العفاص، وعفصته: إذا شددته عليه. وأما (الصمام) : فهو ما يسد به رأس المحبرة والقارورة. والعفاص والوعاء شيء واحد؛ لأن النبي ﷺ قال في حديث زيد بن خالد: «اعرف عفاصها» . وفي حديث أبي بن كعب قال: «اعرف وعاءها» فدل أن المعنى واحد. الثاني: أن يعرف (وكاءها) : وهو الخيط الذي يشد به المال في الوعاء. ومنه قوله ﵊: «العينان وكاء السه» . الثالث: أن يعرف (جنسها) ، بأن يعرف أنها دنانير أو دراهم أو ثياب أو طعام. الرابع: أن يعرف (قدرها) ، بأن يعرف عددها إن كانت معدودة، أو وزنها إن كانت موزونة، وكيلها إن كانت مكيلة، وذرعها إن كانت مذروعة. الخامس: أن يعرف (حليتها) : وهو صفتها، فإن كانت من النقود.. عرف من أي السكك هي. وإن كانت ثيابا.. عرف أنها قطن أو كتان أو حرير، وأنها دقيقة أو غليظة. وإن كانت حيوانا.. عرف نوعه وحليته.

стр. 3772

وإنما قلنا ذلك؛ لما روى زيد بن خالد: «أن النبي ﷺ سئل عن اللقطة فقال اعرف عفاصها ووكاءها» وفي حديث أبي بن كعب «اعرف عددها، ووعاءها، ووكاءها» فنص على هذه الأشياء، وقسنا غيرها عليها؛ لأنها في معناها. واختلف أصحابنا لأي معنى أمر بتعرف هذه الأشياء؟ فقال أبو إسحاق: يحتمل ثلاثة معان: أحدها: أن المقصود ما في الوعاء، فنص النبي ﷺ على معرفة الوعاء والوكاء وحفظهما؛ لينبه على معرفة ما في الوعاء وحفظه. والثاني: أن الوعاء والوكاء لا خطر له، والعادة أن الإنسان إذا وجد شيئا ربما يرمي بالوعاء والوكاء، فأمر النبي ﷺ بحفظهما؛ لئلا يرمى بهما. والثالث: أن الملتقط ربما خلط اللقطة ورفعها في جملة أمواله، فأمر بمعرفة الوعاء والوكاء؛ لكي تتميز عن أمواله ولا تختلط بها. ومن أصحابنا من قال: إنما أمره بمعرفة ذلك؛ لأن صاحبها ربما جاء ووصفها بذلك، فإن غلب على ظنه صدقه.. جاز له الدفع إليه بذلك. ومن أصحابنا من قال: إنما أمره بمعرفة ذلك؛ لأنه إذا عرف ذلك أمكنه الإشهاد عليها، والتعريف لها لتكون معلومة بما ذكرناه. قال الشافعي: (ويكتبها ويشهد عليها) . قال أصحابنا: يكتبها؛ لئلا ينسى ما عرفه، وذلك مستحب غير واجب. وأما الإشهاد عليها: فاختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: يستحب ولا يجب، فإن تركه.. لم يجب عليه ضمانها. وبه قال مالك؛ لحديث زيد بن خالد، فإن النبي ﷺ لم يأمره بالإشهاد عليها، ولأنه آخذ أمانة، فلا يجب الإشهاد عليها، كالوديعة. والثاني: يجب الإشهاد عليها، وبه قال أبو حنيفة. وقال مالك: (إن لم يشهد عليها.. ضمنها) ؛ لما روى عياض بن حمار: أن

стр. 3773

النبي ﷺ قال: «من وجد لقطة.. فليشهد ذا عدل- أو ذوي عدل - ولا يكتم ولا يغيب. فإن وجد صاحبها.. فليردها عليه، وإلا.. فهو مال الله يؤتيه من يشاء» ولأنه إذا لم يشهد عليها.. كان الظاهر أنه أخذها لنفسه، ولأن القصد من أخذ اللقطة حفظها على صاحبها، والحفظ إنما يتم بالإشهاد؛ لأنه ربما غاب أو مات، ويأخذها ورثته. قال المسعودي [في " الإبانة " ق \ ٣٦٢] : إذا قلنا: يجب الإشهاد.. فإنه يشهد أنه وجد لقطة ولا يعلم الشهود بالعفاص والوكاء وغير ذلك. [مسألة: نية حفظ اللقطة] إذا أخذ اللقطة بنية أن يحفظها على صاحبها أبدا.. فهل يلزمه تعريفها؟ فيه وجهان، حاكهما الطبري: أحدهما: لا يلزمه، وهو المشهور؛ لأن التعريف يراد للتملك وإباحة أكلها، ولا نية له في ذلك. والثاني: يلزمه التعريف؛ لقوله ﷺ : «عرفها سنة» ، ولأن صاحبها لا يعلم بها إلا بالتعريف. وإن أراد أن يتملكها.. عرفها. والكلام في التعريف في سبعة مواضع: في وجوبه، وقدر مدته، ووقته، وقدر التعريف، ومكانه، وكيفيته، ومن يتولاه. فأما الوجوب: فالدليل عليه قوله ﷺ : «ثم عرفها سنة» . وهذا أمر، والأمر

стр. 3774

يقتضي الوجوب، ولأن سبب التملك هو التعريف، فمتى أراد التملك.. لزمه الإتيان بالسبب. وأما قدر مدته: فسنة؛ للخبر، ولأن من ضاع منه شيء.. ربما لم يتمكن من طلبه في الحال لشغل، أو لأنه لم يعلم إلا بعد زمن، أو لبعده عن الموضع الذي ضاع فيه، فلم يكن بد من مدة، فقدرت بسنة؛ لأنه يمر فيها الفصول الأربعة. ولأن الغالب ممن ضاع منه شيء أنه يتمكن من طلبه في سنة، فإذا لم يوجد له مالك.. فالظاهر أنه لا مالك له. فإن قيل: فقد روي «عن أبي بن كعب: أنه قال: وجدت صرة فيها مائة دينار فأتيت بها النبي ﷺ ، فقال: "عرفها حولًا" فعرفتها، ثم أتيت النبي ﷺ ، فقال: "عرفها حولًا"، ثم أتيته فقال: "عرفها حولًا" فأمره بتعريفها ثلاثة أحوال؟» . قلنا: عن ذلك أجوبة: أحدها: أن ابن المنذر قال: قد ثبت الإجماع بخلاف هذا الحديث، فيستدل بالإجماع على نسخه. وأيضًا فإن له ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه عرفها حولًا، وقصر في تعريفها، فأمره أن يعيد التعريف فعرفها حولًا آخر وقصر في التعريف، فأمره أن يأتي بالتعريف الكامل حولًا. والتأويل الثاني: أنه ذكر ذلك لفظًا، فقال: «عرفها حولًا» ، «عرفها حولًا» ، «عرفها حولًا» ، لا أنه كرر الأحوال. والثالث: أنه أمره بتعريفها حولًا، فأتاه في بعض الحول، فقال: «عرفها حولًا» أي: تمم الحول، ثم أتاه قبل إتمامه أيضًا، فقال: «عرفها حولًا» أي: تمم الحول. إذا ثبت هذا: فابتداء السنة من حين التعريف لا من حين الالتقاط. فإن عرفها سنة متوالية.. فلا كلام، وإن عرفها شهرًا، ثم قطع التعريف مدة، ثم عرفها، ثم قطع

стр. 3775

التعريف، ثم عرفها إلى أن استوفى مدة التعريف متفرقة، ففيه وجهان: أحدهما: يجزئه؛ لأنه يقع عليها اسم سنة التعريف، فهو كما لو نذر صوم سنة وصامها سنة متفرقة.. أجزأه. والثاني: لا تجزئه حتى يأتي بها متوالية؛ لقوله ﷺ : «عرفها حولًا» وظاهره التوالي، ولأن المقصود بالتعريف وصول الخبر إلى المالك، وذلك لا يحصل إلا بالتوالي، كما لو حلف أن لا يكلم زيدًا سنة. وأما وقت التعريف: فهو بالنهار دون الليل، ودون أوقات الخلوة؛ لأن العادة جرت بتعريف اللقطة وطلبها بالنهار دون الليل، ويستحب أن يكثر منه في أدبار الصلوات؛ لأن الناس يجتمعون لها، فيتصل الخبر بمالكها. وأما قدر التعريف: فليس عليه أن يعرف من أول النهار إلى آخره؛ لأن في ذلك مشقة عليه، وينقطع عن دينه ودنياه. قال الصيمري: بل يعرفها في اليوم مرة أو مرتين؛ لأن المقصود يحصل بذلك. إذا ثبت هذا: فنقل المزني: (ويكون أكثر تعريفها في الجمعة التي أصابها فيها) . وقال في موضع آخر: (يكون أكثر تعريفه في البقعة التي أصابها فيها) . ونقل الربيع: (ويكون أكثر تعريفه في الجماعات التي أصابها فيها) . فقال المسعودي [في " الإبانة " ق \ ٣٥٨] : إذا وجدها في الجامع.. عرفها كل جمعة؛ لأن الغالب أن مالكها يعود كل جمعة. وقال الشيخ أبو حامد، والبغداديون من أصحابنا: الصحيح ما نقله الربيع من هذا، حيث قال: (في الجماعات) وهو موافق لقوله: (في البقعة التي أصابها فيها) وأنه يعرفها في الجماعات والبقعة التي وجدها فيها؛ لأن ذلك أبلغ في تعريفها. وأما رواية المزني في الجمعة التي أصابها فيها: فإنه يقتضي أنه يكثر تعريفها في

стр. 3776

الأسبوع الذي وجدها فيه. فإذا لم يجد صاحبها.. قل تعريفه، وليس بشيء. وأما مكان التعريف: فإنه يعرفها على أبواب الجوامع، وأبواب مساجد الجماعات، وفي الأسواق، وإذا اجتمع الناس في المجالس في المحال؛ لأن القصد بالتعريف إعلام صاحبها بها، والتعريف في هذه المواضع أبلغ. ولا يعرفها داخل المسجد؛ لما روي: «أن النبي ﷺ سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد، فقال ﷺ : أيها الناشد غيرك الواجد، إنما بني المسجد لذكر الله والصلاة» وروى أبو هريرة: أن النبي ﷺ قال: «من سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد.. فليقل: لا ردها الله عليك". [و] "إنما بنيت المساجد للصلاة» . وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: «أن النبي ﷺ نهى عن البيع والشراء، وإنشاد الضوال في المساجد» . قال الصيمري: وقد كره قوم إنشاد الشعر في المساجد، وليس ذلك عندنا بمكروه. وقد كان حسان بن ثابت ينشد رسول الله ﷺ الشعر في المسجد، وقد أنشده

стр. 3777

كعب بن زهير قصيدتين في المسجد. ولكن لا يكثر منه في المسجد. وأما كيفية التعريف: فهو أن يقول: وجدت شيئًا أو لقطة، أو يقول: من ضاع له شيء، أو من ضاع له ذهب أو دراهم، ولا يزيد عليه. فإن ذكر النوع والقدر والعفاص والوكاء، فهل يكون ضامنًا بذلك؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يصير ضامنًا بذلك؛ لأنه لا يجب عليه الدفع بمجرد الصفة. والثاني: يكون ضامنًا؛ لأنه ربما حفظ ذلك رجل وحاكمه إلى حنبلي يوجب الدفع بالصفة. وأما من يتولى التعريف: فإن الواجد يتولى التعريف بنفسه، وإن تطوع رجل بتعريفها.. جاز. وإن لم يجد من يتطوع عنه بالتعريف.. فعليه أن يستأجر من ماله من يعرفها؛ لأن هذا سبب للتملك، والتملك له، فكانت الأجرة عليه.

стр. 3778

وإن دفعها الملتقط إلى القاضي ليعرفها القاضي عنه أو دفعها إلى أمين بأمر القاضي.. جاز. وإن دفعها إلى أمين ليعرفها عنه بغير أمر القاضي.. ففيه وجهان، حكاهما المسعودي [في " الإبانة " ق \ ٣٥٩] : أحدهما: ليس له ذلك؛ لأنها أمانة في يده.. فلم يكن له إخراجها من يده بغير إذن المالك والقاضي من غير ضرورة، كالوديعة. والثاني: له ذلك؛ لأن صاحب الشرع قد جعله وليا على هذه اللقطة، فصار كتصرف الأب في مال الابن. [مسألة: تملك اللقطة بعد سنة] قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (فإن جاء صاحبها، وإلا.. فهي له بعد سنة) . وقال في موضع آخر: (فإذا عرفها سنة فإن شاء ملكها على أن يغرمها لصاحبها إذا جاء، وإن شاء حفظها عليه) . وجملة ذلك: أنه إذا وجد اللقطة وعرفها سنة.. فهل تدخل في ملكه من غير أن يختار تملكها، اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: تدخل في ملكه بمضي سنة التعريف وإن لم يختر تملكها، واحتج بظاهر كلام الشافعي: (وإلا فهي له بعد سنة) ، وبما روي في حديث أبي ثعلبة الخشني: أن النبي ﷺ قال «ما وجدته في طريق ميتاء أو قرية عامرة.. فعرفها سنة، فإن جاء صاحبها، وإلا.. فهي لك» ، ولأن سبب التملك هو التعريف فإذا وجد السبب.. حصل الملك، كالاصطياد، والاحتشاش، وإحياء الموات. وقال أكثر أصحابنا: لا يملكها بمضي السنة، وهو الأصح؛ لأن الشافعي قال: (فإذا عرفها سنة: فإن شاء ملكها) ، ولقوله ﷺ في حديث زيد بن خالد الجهني: «ثم عرفها سنة، فإن جاء صاحبها، وإلا.. فشأنك بها» فأغراه بتملكها بعد التعريف، فدل على أنه لم يملكها بمضي مدة التعريف، ولأنه تملك بعوض، فافتقر إلى اختيار التملك - وفيه احتراز من الصيد والاحتشاش. فإذا قلنا بهذا:

стр. 3779

فبماذا يحصل له الملك؟ فيه ثلاثة أقوال، حكاها الشيخ أبو حامد: أحدها: أنه لا يملكها إلا بثلاثة أشياء: وهو أن ينوي بقلبه تملكها، ويتلفظ بذلك وهو أن يقول: تملكتها - ويتصرف فيها، كما قلنا في المستقرض في أحد الوجهين: أنه لا يملك ما استقرض إلا بالعقد والتلفظ والقبض والتصرف. والقول الثاني: أن الملتقط يملك اللقطة بالنية والقول، وإن لم يتصرف فيها، كما قلنا في المستقرض في الوجه الثاني: أنه يملك بالعقد والقبض وإن لم يتصرف. و [القول] الثالث: أن الملتقط يملك اللقطة بمجرد نية التملك، وإن لم يتلفظ بها، ولم يتصرف؛ لأن القول إنما يفتقر إليه إذا كان هناك موجب، فيقبل منه. ولا يوقف الملك على التصرف؛ لأنه لو لم يملك قبل التصرف.. لما صح تصرفه. وحكى ابن الصباغ وجها رابعا - وهو اختيار القاضي أبي الطيب -: أنه يملك اللقطة بمجرد القول وهو: أن يختار تملكها بالقول وإن لم ينو بقلبه ولم يتصرف؛ لأن الملك في الأموال يحصل بالاختيار بالقول من غير نية ولا تصرف، كما قلنا في الشفعة والغنيمة، فحصل فيها خمسة أوجه. [فرع: للفقير والغني تملكها بعد الحول] وإذا عرف الملتقط للقطة لسنة.. فقد ذكرنا أن له أن يحفظها على صاحبها، وله أن يختار تملكها سواء كان الواجد غنيا أو فقيرًا، وسواء كان من آل النبي ﷺ ، أو من غيرهم. وقال أبو حنيفة) إذا وجدها الفقير وعرفها حولا.. فهو بالخيار: بين أن يحفظها على صاحبها، وبين أن يتملكها، وبين أن يتصدق بها عن صاحبها. ويكون ذلك موقوفا على إجازة صاحبها، فإن رضي به.. وقعت الصدقة عنه، وإن رده.. كانت الصدقة عن الواجد، ووجب عليه ضمانها. وإن وجدها الغني فعرفها حولا.. كان

стр. 3780

بالخيار: بين أن يحفظها على صاحبها، وبين أن يتصدق بها عن صاحبها. فإن أجازها صاحبها.. وقعت عنه، وإن ردها.. وقعت عن الواجد، وكان عليه ضمانها، ولا يجوز للغني تملكها) . وحكى أصحابنا عن أبي حنيفة (إذا كان الواجد من آل النبي ﷺ .. فليس له أن يتملك اللقطة وإن كان فقيرًا) وقال مالك: (إن كان الواجد فقيرًا.. فله أن يتملك اللقطة بعد التعريف، وإن كان غنيا.. فليس له أن يتملكها بعد التعريف، بل يحفظها على صاحبها) دليلنا: ما وري في حديث زيد بن خالد الجهني: «أن النبي ﷺ سئل عن اللقطة فقال: عرفها سنة، فإن جاء صاحبها، وإلا فشأنك بها» أي: افعل بها ما تشاء. وروي: «وإلا.. فاستنفع بها» ولم يفرق بين الغني والفقير. «وروى أبي بن كعب قال: وجدت صرة فيها مائة دينار، فأتيت النبي ﷺ ، فقال: "عرفها حولا" ثم أتيته" فقال: "عرفها حولا" - مرتين أو ثلاثا - إلى أن قال: اعرف عددها ووعاءها ووكاءها، فإن جاء صاحبها، وإلا.. فاستمتع بها» قال الشافعي: (وأبي بن كعب من أيسر أهل المدينة أو كأيسرهم) ولأن من صح أن يملك بالقرض.. صح أن يملك اللقطة، كالفقير، وعكسه العبد. [مسألة: اللقطة أمانة كالوديعة] وإذا التقط الرجل لقطة بنية التملك بعد التعريف، أو بنية الحفظ على صاحبها.. فإن اللقطة أمانة في يده مدة التعريف؛ لأن الحظ في التعريف لصاحبها، فهي كالوديعة. فإن تلفت في يده، أو نقصت من غير تفريط.. فلا ضمان عليه، كما قلنا في الوديعة. فإن جاء صاحبها قبل انقضاء مدة التعريف.. أخذها وزيادتها المتصلة بها والمنفصلة عنها؛ لأنها باقية على ملكه. وإن نوى الملتقط تملكها قبل انقضاء مدة التعريف.. لم يملكها بذلك؛ لأن

стр. 3781

النبي ﷺ أباح له تملكها بتعريفها سنة، فلا يملكها قبل ذلك، وهل يضمنها بهذه النية؟ ينظر فيه: فإن نقلها بعد هذه النية من موضع إلى موضع.. ضمنها، ولم يزل عنه الضمان بترك نية الخيانة، ولا يملكها بعد السنة بالتعريف؛ لأنه قد صار غاصبًا. وإن لم ينقلها بعد هذه النية.. ففيه وجهان حكاهما الطبري: أحدهما: يصير ضامنا لها؛ لأنه صار ممسكا لها على نفسه. فعلى هذا: لا يملكها بالتعريف، ولا يزول عنه الضمان بنية ترك الخيانة، وإنما يبرأ بالتسليم إلى مالكها. والثاني: لا يصير ضامنا لها، ولم يذكر المسعودي [في " الإبانة " ق \ ٣٥٩] غيره؛ لأنه لم يوجد منه إلا مجرد النية، وذلك لا يوجب الضمان. فإن ترك هذه النية وعرفها.. تملكها بعد استيفاء التعريف. [فرع: ثبوت بدل اللقطة بعد تملكها] وإذا أخذ اللقطة فعرفها حولا، فإن قلنا: لا يملكها إلا باختيار التملك.. فهي أمانة في يده، كما كانت قبل انقضاء مدة التعريف. وإن قلنا: إنه يملكها بمضي مدة التعريف، أو قلنا: لا يملكها إلا باختيار تملكها، فاختار تملكها.. ملكها ببدلها في ذمته. فإن كان لها مثل.. ثبت مثلها في ذمته، وإن لم يكن لها مثل.. ثبتت قيمتها في ذمته. وحكي عن أبي إسحاق المروزي أنه قال: إذا تملك اللقطة بعد الحول.. لا يثبت بدلها في ذمته، وإنما يضمنها إذا جاء صاحبها وطالب بها. وقال داود: (يملكها، ولا يثبت بدلها في ذمته؛ لقوله ﷺ : «فإن جاء

стр. 3782

صاحبها، وإلا.. فشأنك بها» ، ولقوله ﷺ في رواية عياض بن حمار: «فإن جاء صاحبها.. فهو أحق بها، وإلا.. فهي مال الله، يؤتيه من يشاء» ولم يذكر وجوب البدل عليه) . وهذا ليس بصحيح؛ لما روى الشافعي: «أن عليا كرم الله وجهه وجد دينارًا، فذكره للنبي ﷺ ، فأمره أن يعرفه، فعرفه، فلم يعترف به، فأمره بأكله، فلما جاء صاحبه.. أمره أن يغرمه» . وفي رواية غير الشافعي: «أن عليا كرم الله وجهه دخل على فاطمة، فرأى الحسن والحسين ﵉ يبكيان، فقال: ما يبكيهما؟ قالت أصابهما الجوع، فخرج علي ﵁، فوجد دينارا بالسوق، فحمله إليها، فقالت: احمله إلى الدقاق، فاشتر به دقيقا، فحمله إليه، فقال: أنت ختن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ ـ وكان الدقاق يهوديا ـ فقال علي: نعم، فقال: خذ الدينار والدقيق، فأخذه، فأتى به فاطمة، فقالت: احمله إلى فلان الجزار وخذ عليه لحمًا بدرهم، فمر عليه، وأخذ اللحم وحمله إليها، فعجنت وخبزت، وأرسلت إلى النبي ﷺ فلما أتاها، ذكرت له الأمر، وقالت له: إن كان حلالًا أكلت وأكلنا، فقال النبي ﷺ : "باسم الله" فبينا هو في ذلك إذ سمع رجلا ينشد الله والمسلمين.. فاستدعاه وسأله، فقال: ضاع مني دينار، فقال لعلي: مر على الجزار واسترجع منه الدينار وقل: علي الدرهم، ورده إليه» ولأنه مال من له حرمه، فوجب أن لا يملكه بغير عوض بغير اختيار صاحبه، كالمضطر إلى الطعام. فإن جاء صاحبها والعين باقية في ملك الملتقط.. أخذها؛ لقوله ﷺ : «فإن جاء صاحبها.. فهو أحق بها» . وإن وجدها زائدة.. نظرت.. فإن كانت زيادة متصلة، كالسمن والكبر.. أخذها مع

стр. 3783

زيادتها؛ لأنه يتبعها.. وإن كانت زيادة منفصلة، كاللبن والولد المنفصلين.. كانت الزيادة للملتقط؛ لأنها زيادة حدثت في ملكه. وإن وجدها صاحبها ناقصة.. ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يأخذها وأرش ما نقصت؛ لأن جميعها مضمون على الملتقط إذا تلفت، فكذلك إذا تلف بعضها. والثاني: أنه بالخيار: بين أن يرجع بالعين ويأخذ أرش النقص معها، وبين أن يطالب ببدلها؛ لأن بدلها ثابت في ذمة الملتقط، فكان لصاحبها المطالبة به. والثالث: حكاه القاضي أبو الطيب في " المجرد " - "أنه يأخذها ولا أرش له؛ لأن النقص كان في ملكه. والمذهب الأول. وإن جاء صاحبها وقد تلفت العين في يد الملتقط، أو أتلفها.. رجع بمثلها إن كان لها مثل، أو بقيمتها إن لم يكن لها مثل. وقال داود: (لا يرجع عليه ببدلها) ، ووافقه الكرابيسي من أصحابنا. وهذا ليس بصحيح؛ لما ذكرناه من حديث علي ﵁. إذا ثبت هذا: فمتى تعتبر قيمتها؟ وفيه وجهان: [الأول] : قال أبو إسحاق: تعتبر قيمتها يوم يطالب بها صاحبها؛ لأنه وقت وجوبها؛ لأنه لو وجبت عليه قيمتها حين التملك.. لوجب إذا مات قبل أن يجيء صاحبها أن لا يكون لورثته أن يقتسموا جميع التركة، بل يعزل منها قدر قيمتها، كمن مات وعليه دين. و [الثاني] : - وهو المذهب - أن قيمتها تعتبر يوم تملكها؛ لأن للقطة تجري مجرى القرض، ومن اقترض شيئا.. وجبت عليه قيمته، فإن قيمته تعتبر وقت تملكه، لا حين يطالب به. قال الشيخ أبو حامد: وأما قسمة التركة التي ذكرها أبو إسحاق: فلا نسلمه، وإن سلمناه.. فإنما كان كذلك؛ لأنه لا يعرف المستحق، والظاهر أنه لا يعرف، فلم توقف التركة.

стр. 3784

[فرع: بيع الملتقط اللقطة] فإن تملك الملتقط اللقطة وباعها، وحضر المالك في حال الخيار.. ففيه وجهان: أحدهما: يفسخ المالك البيع ويأخذه؛ لأنه يستحق العين، والعين باقية. والثاني: لا يملك الفسخ؛ لأن الفسخ حق للمتعاقدين، فلم يملكه غيرهما من غير إذنهما. [مسألة: لا تدفع اللقطة بالتخمين] وإذا التقط الرجل لقطة فعرفها، فجاء رجل وادعى أنها له: فإن وصفها المدعي بصفاتها، وشهدت له البينة أن تلك اللقطة بهذه الصفة له.. وجب دفعها إليه؛ لأنه قد عرف أنه مالكها بالبينة. وإن لم يصفها، ولم يقم عليها بينة.. لم يجز دفعها إليه. وإن وصفها بصفاتها، ولم يقم عليها بينة، فإن لم يغلب على ظن الملتقط أنها له.. لم يجب دفعها إليه، ولم يجز؛ لأنه لا يدفع إليه أمانة عنده بالتخمين. فإن طلب المدعي يمين الملتقط.. نظرت: فإن أقر الطالب أنها لقطة في يد الملتقط يمينًا: ما يعلم أنها ملك الطالب، وإن لم يدع الطالب أن الملتقط يعلم أنها ملكه.. لم يجب عليه أن يحلف. وإن لم يقر الطالب أنها لقطة في يد الملتقط، وقال: هي ملكي.. قال المسعودي [في " الإبانة " ق \ ٣٥٩] : فإن الملتقط يحلف على البت والقطع. فأما إذا غلب على ظن الملتقط بوصف الطالب أنها ملكه.. فإنه يجوز له دفعها إليه، ولكن

стр. 3785

لا يجب عليه دفعها إليه. وبه قال أبو حنيفة، وعامة أهل العلم. وقال أحمد وبعض أصحاب الحديث: (يجب عليه دفعها إليه بذلك) . دليلنا: قوله ﷺ : «فإن جاء ربها.. فهو أحق بها، وإلا.. فشأنك بها» . و (ربها) : مالكها، ونحن لا نعلم مالكها بوصفه لها، ولأنه وصف لما ادعاه فلم يستحقه بالصفة، كالمغصوب والمسروق. وكما لو كان عند رجل وديعة، وأشكل عليه المودع لها، فجاء رجل ووصفها بصفاتها، فإنه لا يجبر على دفعها إليه بذلك فكذلك هذا مثله. إذا ثبت هذا: فإن اختار الملتقط دفع اللقطة إلى من وصفها بصفاتها، ثم جاء طالب آخر وادعى أنها له، وأقام بينة أن تلك اللقطة ملكه، أو أنه ابتاعها من مالكها، ولا يعلم أنها انتقلت منه - قال الشيخ أبو حامد: أو شهدت له أنه ورثها ولا يعلم أنها انتقلت من ملكه - حكم لصاحب البينة بملك اللقطة؛ لأن البينة أولى من الصفة. فإن كانت اللقطة باقية.. أخذها الثاني ولا كلام، وإن كانت قد تلفت في يد الأول الذي أخذها بالصفة.. فللثاني الذي أقام البينة أن يطالب ببدلها الملتقط؛ لأنه دفعها إلى غير مستحقها، وله أن يطالب الذي تلفت في يده؛ لأن التلف حصل بيده. فإن ضمن الذي تلفت بيده.. لم يرجع بما ضمنه على الملتقط؛ لأنه يقول: ظلمني صاحب البينة، فلا يرجع على غير من ظلمه. وإن رجع صاحب البينة على الملتقط.. فهل للملتقط أن يرجع بما ضمنه على الذي تلفت في يده؟ ينظر فيه: فإن كان قد سمع من الملتقط إقرار أن الملك للواصف، بأن يقول: هي ملكك، أو صدقت هي ملكك، وما أشبه ذلك.. لم يرجع الملتقط على الذي تلفت بيده بشيء؛ لأنه يعترف أن صاحب البينة ظلمه، فلا يرجع على غير من ظلمه. وإن لم يتقدم منه إقرار بالملك للواصف، بأن قال حين الدفع: يغلب على ظني صدقه، إذا دفع إليه بالصفة.. كان له الرجوع على الواصف؛ لأن التلف حصل بيده، ولم يقر له بالملك. هذا إذا دفعها الملتقط إلى الواصف برأيه. فأما إذا دفعها إليه برأي حاكم يرى
следующие страницы →