← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21721

البيان في مذهب الإمام الشافعي

العمراني

Полный текст (7 092 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

النبي ﷺ أباح له تملكها بتعريفها سنة، فلا يملكها قبل ذلك، وهل يضمنها بهذه النية؟ ينظر فيه: فإن نقلها بعد هذه النية من موضع إلى موضع.. ضمنها، ولم يزل عنه الضمان بترك نية الخيانة، ولا يملكها بعد السنة بالتعريف؛ لأنه قد صار غاصبًا. وإن لم ينقلها بعد هذه النية.. ففيه وجهان حكاهما الطبري: أحدهما: يصير ضامنا لها؛ لأنه صار ممسكا لها على نفسه. فعلى هذا: لا يملكها بالتعريف، ولا يزول عنه الضمان بنية ترك الخيانة، وإنما يبرأ بالتسليم إلى مالكها. والثاني: لا يصير ضامنا لها، ولم يذكر المسعودي [في " الإبانة " ق \ ٣٥٩] غيره؛ لأنه لم يوجد منه إلا مجرد النية، وذلك لا يوجب الضمان. فإن ترك هذه النية وعرفها.. تملكها بعد استيفاء التعريف. [فرع: ثبوت بدل اللقطة بعد تملكها] وإذا أخذ اللقطة فعرفها حولا، فإن قلنا: لا يملكها إلا باختيار التملك.. فهي أمانة في يده، كما كانت قبل انقضاء مدة التعريف. وإن قلنا: إنه يملكها بمضي مدة التعريف، أو قلنا: لا يملكها إلا باختيار تملكها، فاختار تملكها.. ملكها ببدلها في ذمته. فإن كان لها مثل.. ثبت مثلها في ذمته، وإن لم يكن لها مثل.. ثبتت قيمتها في ذمته. وحكي عن أبي إسحاق المروزي أنه قال: إذا تملك اللقطة بعد الحول.. لا يثبت بدلها في ذمته، وإنما يضمنها إذا جاء صاحبها وطالب بها. وقال داود: (يملكها، ولا يثبت بدلها في ذمته؛ لقوله ﷺ : «فإن جاء

стр. 3782

صاحبها، وإلا.. فشأنك بها» ، ولقوله ﷺ في رواية عياض بن حمار: «فإن جاء صاحبها.. فهو أحق بها، وإلا.. فهي مال الله، يؤتيه من يشاء» ولم يذكر وجوب البدل عليه) . وهذا ليس بصحيح؛ لما روى الشافعي: «أن عليا كرم الله وجهه وجد دينارًا، فذكره للنبي ﷺ ، فأمره أن يعرفه، فعرفه، فلم يعترف به، فأمره بأكله، فلما جاء صاحبه.. أمره أن يغرمه» . وفي رواية غير الشافعي: «أن عليا كرم الله وجهه دخل على فاطمة، فرأى الحسن والحسين ﵉ يبكيان، فقال: ما يبكيهما؟ قالت أصابهما الجوع، فخرج علي ﵁، فوجد دينارا بالسوق، فحمله إليها، فقالت: احمله إلى الدقاق، فاشتر به دقيقا، فحمله إليه، فقال: أنت ختن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ ـ وكان الدقاق يهوديا ـ فقال علي: نعم، فقال: خذ الدينار والدقيق، فأخذه، فأتى به فاطمة، فقالت: احمله إلى فلان الجزار وخذ عليه لحمًا بدرهم، فمر عليه، وأخذ اللحم وحمله إليها، فعجنت وخبزت، وأرسلت إلى النبي ﷺ فلما أتاها، ذكرت له الأمر، وقالت له: إن كان حلالًا أكلت وأكلنا، فقال النبي ﷺ : "باسم الله" فبينا هو في ذلك إذ سمع رجلا ينشد الله والمسلمين.. فاستدعاه وسأله، فقال: ضاع مني دينار، فقال لعلي: مر على الجزار واسترجع منه الدينار وقل: علي الدرهم، ورده إليه» ولأنه مال من له حرمه، فوجب أن لا يملكه بغير عوض بغير اختيار صاحبه، كالمضطر إلى الطعام. فإن جاء صاحبها والعين باقية في ملك الملتقط.. أخذها؛ لقوله ﷺ : «فإن جاء صاحبها.. فهو أحق بها» . وإن وجدها زائدة.. نظرت.. فإن كانت زيادة متصلة، كالسمن والكبر.. أخذها مع

стр. 3783

زيادتها؛ لأنه يتبعها.. وإن كانت زيادة منفصلة، كاللبن والولد المنفصلين.. كانت الزيادة للملتقط؛ لأنها زيادة حدثت في ملكه. وإن وجدها صاحبها ناقصة.. ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يأخذها وأرش ما نقصت؛ لأن جميعها مضمون على الملتقط إذا تلفت، فكذلك إذا تلف بعضها. والثاني: أنه بالخيار: بين أن يرجع بالعين ويأخذ أرش النقص معها، وبين أن يطالب ببدلها؛ لأن بدلها ثابت في ذمة الملتقط، فكان لصاحبها المطالبة به. والثالث: حكاه القاضي أبو الطيب في " المجرد " - "أنه يأخذها ولا أرش له؛ لأن النقص كان في ملكه. والمذهب الأول. وإن جاء صاحبها وقد تلفت العين في يد الملتقط، أو أتلفها.. رجع بمثلها إن كان لها مثل، أو بقيمتها إن لم يكن لها مثل. وقال داود: (لا يرجع عليه ببدلها) ، ووافقه الكرابيسي من أصحابنا. وهذا ليس بصحيح؛ لما ذكرناه من حديث علي ﵁. إذا ثبت هذا: فمتى تعتبر قيمتها؟ وفيه وجهان: [الأول] : قال أبو إسحاق: تعتبر قيمتها يوم يطالب بها صاحبها؛ لأنه وقت وجوبها؛ لأنه لو وجبت عليه قيمتها حين التملك.. لوجب إذا مات قبل أن يجيء صاحبها أن لا يكون لورثته أن يقتسموا جميع التركة، بل يعزل منها قدر قيمتها، كمن مات وعليه دين. و [الثاني] : - وهو المذهب - أن قيمتها تعتبر يوم تملكها؛ لأن للقطة تجري مجرى القرض، ومن اقترض شيئا.. وجبت عليه قيمته، فإن قيمته تعتبر وقت تملكه، لا حين يطالب به. قال الشيخ أبو حامد: وأما قسمة التركة التي ذكرها أبو إسحاق: فلا نسلمه، وإن سلمناه.. فإنما كان كذلك؛ لأنه لا يعرف المستحق، والظاهر أنه لا يعرف، فلم توقف التركة.

стр. 3784

[فرع: بيع الملتقط اللقطة] فإن تملك الملتقط اللقطة وباعها، وحضر المالك في حال الخيار.. ففيه وجهان: أحدهما: يفسخ المالك البيع ويأخذه؛ لأنه يستحق العين، والعين باقية. والثاني: لا يملك الفسخ؛ لأن الفسخ حق للمتعاقدين، فلم يملكه غيرهما من غير إذنهما. [مسألة: لا تدفع اللقطة بالتخمين] وإذا التقط الرجل لقطة فعرفها، فجاء رجل وادعى أنها له: فإن وصفها المدعي بصفاتها، وشهدت له البينة أن تلك اللقطة بهذه الصفة له.. وجب دفعها إليه؛ لأنه قد عرف أنه مالكها بالبينة. وإن لم يصفها، ولم يقم عليها بينة.. لم يجز دفعها إليه. وإن وصفها بصفاتها، ولم يقم عليها بينة، فإن لم يغلب على ظن الملتقط أنها له.. لم يجب دفعها إليه، ولم يجز؛ لأنه لا يدفع إليه أمانة عنده بالتخمين. فإن طلب المدعي يمين الملتقط.. نظرت: فإن أقر الطالب أنها لقطة في يد الملتقط يمينًا: ما يعلم أنها ملك الطالب، وإن لم يدع الطالب أن الملتقط يعلم أنها ملكه.. لم يجب عليه أن يحلف. وإن لم يقر الطالب أنها لقطة في يد الملتقط، وقال: هي ملكي.. قال المسعودي [في " الإبانة " ق \ ٣٥٩] : فإن الملتقط يحلف على البت والقطع. فأما إذا غلب على ظن الملتقط بوصف الطالب أنها ملكه.. فإنه يجوز له دفعها إليه، ولكن

стр. 3785

لا يجب عليه دفعها إليه. وبه قال أبو حنيفة، وعامة أهل العلم. وقال أحمد وبعض أصحاب الحديث: (يجب عليه دفعها إليه بذلك) . دليلنا: قوله ﷺ : «فإن جاء ربها.. فهو أحق بها، وإلا.. فشأنك بها» . و (ربها) : مالكها، ونحن لا نعلم مالكها بوصفه لها، ولأنه وصف لما ادعاه فلم يستحقه بالصفة، كالمغصوب والمسروق. وكما لو كان عند رجل وديعة، وأشكل عليه المودع لها، فجاء رجل ووصفها بصفاتها، فإنه لا يجبر على دفعها إليه بذلك فكذلك هذا مثله. إذا ثبت هذا: فإن اختار الملتقط دفع اللقطة إلى من وصفها بصفاتها، ثم جاء طالب آخر وادعى أنها له، وأقام بينة أن تلك اللقطة ملكه، أو أنه ابتاعها من مالكها، ولا يعلم أنها انتقلت منه - قال الشيخ أبو حامد: أو شهدت له أنه ورثها ولا يعلم أنها انتقلت من ملكه - حكم لصاحب البينة بملك اللقطة؛ لأن البينة أولى من الصفة. فإن كانت اللقطة باقية.. أخذها الثاني ولا كلام، وإن كانت قد تلفت في يد الأول الذي أخذها بالصفة.. فللثاني الذي أقام البينة أن يطالب ببدلها الملتقط؛ لأنه دفعها إلى غير مستحقها، وله أن يطالب الذي تلفت في يده؛ لأن التلف حصل بيده. فإن ضمن الذي تلفت بيده.. لم يرجع بما ضمنه على الملتقط؛ لأنه يقول: ظلمني صاحب البينة، فلا يرجع على غير من ظلمه. وإن رجع صاحب البينة على الملتقط.. فهل للملتقط أن يرجع بما ضمنه على الذي تلفت في يده؟ ينظر فيه: فإن كان قد سمع من الملتقط إقرار أن الملك للواصف، بأن يقول: هي ملكك، أو صدقت هي ملكك، وما أشبه ذلك.. لم يرجع الملتقط على الذي تلفت بيده بشيء؛ لأنه يعترف أن صاحب البينة ظلمه، فلا يرجع على غير من ظلمه. وإن لم يتقدم منه إقرار بالملك للواصف، بأن قال حين الدفع: يغلب على ظني صدقه، إذا دفع إليه بالصفة.. كان له الرجوع على الواصف؛ لأن التلف حصل بيده، ولم يقر له بالملك. هذا إذا دفعها الملتقط إلى الواصف برأيه. فأما إذا دفعها إليه برأي حاكم يرى

стр. 3786

وجوب الدفع بالصفة، وألزمه ذلك.. فليس للذي أقام البينة أن يرجع على الملتقط بشيء؛ لأن الملتقط غير مفرط في الدفع. فأما إذا تلفت اللقطة في يد الملتقط بعد أن تملكها، فجاء رجل فادعاها ووصفها، فغلب على ظن الملتقط صدقه، فدفع إليه قيمتها، ثم جاء آخر وادعاها، وأقام عليها بينة.. فلصاحب البينة أن يطالب الملتقط بقيمة اللقطة، وليس له أن يطالب الواصف؛ لأن القيمة التي قبضها ليست عليه اللقطة. [مسألة: لقطة الحيوان] ] : وإن كانت اللقطة حيوانًا.. فلا يخلو: إما أن يجدها في صحراء، أو في قرية: فإن وجدها في صحراء.. نظرت: فإن كان حيوانًا يمتنع بقوته من صغار السباع، كالإبل والبقر والخيل والبغال والحمير، أو يبعد أثره في الأرض لخفته، كالظباء والغزلان والأرانب، أو بطيرانه، كالحمام.. فلا يجوز التقاطها للتملك. وحكى ابن الصباغ: أن أبا حنيفة قال: (يجوز التقاطها للتملك) . ودليلنا: ما روي: «أن رجلًا قال: يا رسول الله! إنا نصيب هوامي الإبل، فقال ﷺ : ضالة المسلم حرق النار فلا تقربنها» . وفي حديث آخر: «لا يؤوي الضالة إلا ضال» و (الضالة) : اسم للحيوان خاصة.

стр. 3787

وفي حديث زيد بن خالد: «أن النبي ﷺ سئل عن ضالة الإبل، فغضب حتى احمرت وجنتاه، وقال: ما لك ولها، معها حذاؤها وسقاؤها، ترد الماء، وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها» . وسئل عن ضالة الغنم فقال: «هي لك، أو لأخيك، أو للذئب» . فقوله: «معها حذاؤها» يعني: أخفافها، أي: أنها تقوى على السير، وقطع البلاد. وقوله: «سقاؤها» يعني: أجوافها: لأنها تأخذ الماء الكثير في أجوافها، فيبقى معها. وقوله: «ترد الماء، وتأكل الشجر» أي: هي محفوظة بنفسها. فزجر النبي ﷺ عن أخذ الإبل وبين لأي معنى منع منه. وقسنا عليه ما في معناها. إذا ثبت أنه لا يجوز التقاطها للتملك.. فهل يجوز أخذها للحفظ على صاحبها؟ ينظر فيه: فإن كان الواجد لها هو الإمام، أو الحاكم.. جاز له أن يأخذها ليحفظها على صاحبها؛ لما روي: (أن عمر ﵁ كانت له حظيرة يجمع فيها الضوال) . ولأن في ذلك مصلحة لصاحبها. فإن كان له حمى.. تركها في الحمى، ويسمها بسمة الضوال؛ لتتميز عن نعم الصدقة والجزية وخيل المجاهدين. وإن لم يكن له حمى، واحتاجت إلى الإنفاق عليها، فإن طمع في مجيء صاحبها في يوم أو يومين أو ثلاث.. أنفق عليها. وإن لم يطمع في مجيء

стр. 3788

صاحبها.. باعها وحفظ ثمنها له؛ لأنه لو تركها.. استغرقت النفقة قيمتها، فكان بيعها أحوط لصاحبها. وإن كان الواجد لها من الرعية، فأخذها ليحفظها على صاحبها.. فهل يضمنها بالأخذ لذلك؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يضمنها؛ لأنه أخذها ليحفظها عل صاحبها، فهو كالحاكم. والثاني: يضمنها بالأخذ؛ لأنه لا ولاية له على مالكها بحال، بخلاف الإمام والحاكم فإنهما يرصدان لمصالح المسلمين، ولهما ولاية على غير الرشيد. فإذا قلنا بهذا: أو أخذها بنية التملك.. فقد لزمه ضمانها؛ فإن ردها إلى الموضع الذي وجدها فيه.. لم يزل عنه الضمان؛ لأن ما لزمه ضمانه "لا يزول عنه ضمانه برده إلى مكانه، كما لو غصب شيئا من مكان ثم رده إليه. وإن سلمها إلى الإمام أو الحاكم.. فهل يزول عنه الضمان؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يزول عنه الضمان؛ لأن الإمام والحاكم لا ولاية له على رشيد، ويجوز أن يكون مالكها رشيدا. والثاني: يزول عنه الضمان، وهو الصحيح؛ لأن الإمام أو الحاكم لو أخذها ليحفظها على صاحبها.. جاز فإذا قبضها.. كذلك، لأن له ولاية على مال الغائب، ولهذا يقضي منه ديونه ويحفظه عليه. فعلى هذا: إن أخذها الإمام أو الحاكم منه.. كان كما لو وجدها بنفسه وأخذها ليحفظها على ما مضى. وإن كان الحيوان مما لا يمتنع بنفسه من صغار السباع، كالشياه، وعجاجيل البقر، وفصلان الإبل الصغار، وما أشبهها.. فيجوز التقاطه؛ لما روى زيد بن

стр. 3789

خالد: «أن النبي ﷺ سئل عن ضالة الغنم، فقال: خذها، فإنما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب» . ومعنى هذا: أي هي لك إن أخذتها، أو هي لأخيك إن أخذها. قال الصيمري: يحتمل أنه أراد: أنها باقية على ملك مالكها. وقوله: «أو للذئب» أي: إذا لم تأخذها أنت ولا أحد.. أكلها الذئب بلا شك. فإذا التقط الرجل شيئا من هذا.. فهو بالخيار: إن شاء تطوع بالإنفاق عليها، وحفظها لصاحبها. وإن شاء عرفها حولا، وتملكها بعد ذلك. وإن شاء باعها وحفظ ثمنها لصاحبها، أو عرف الحيوان نفسه حولا وتملك الثمن. وإن شاء أكلها قبل الحول، وعرفها حولا، فإن جاء صاحبها.. غرم له قيمتها. وقال مالك: (لا يجب عليه غرم قيمتها؛ لقوله ﷺ : «فإنما هي لك، أو لأخيك أو للذئب» ولم يذكر الغرم) . ودليلنا: أن هذا ملك لغيره، فلم يكن له تملكه بغير عوض من غير رضا المالك، كما لو كان في البنيان. والخبر محمول على أنه أراد: بعوضها. إذا ثبت هذا: فإن أراد الملتقط بيعها، فإن لم يكن في البلد حاكم.. باعها بنفسه؛ لأنه موضع ضرورة. وإن كان في البلد حاكم.. رفع الأمر إليه ليبيعها الحاكم، أو يأمره بالبيع أو يأمر غيره. فإن باعها الملتقط من غير إذن الحاكم مع قدرته عليه.. ففيه وجهان: أحدهما: يصح البيع؛ لأنه لما قام مقام المالك في الحفظ. قام مقامه في البيع. والثاني: لا يصح، وهو الصحيح؛ لأنه لا ولاية له على المالك في بيع ماله، بخلاف الحاكم. فإذا قلنا بهذا: وجاء المالك.. كان له أن يطالب الملتقط برد العين إن كانت باقية، أو بقيمتها إن كانت تالفة.

стр. 3790

وله أن يطالب المشتري بذلك. فإن تلفت في يد المشتري، فرجع عليه بقيمتها ... لم يرجع المشتري على الملتقط بالقيمة، بل يرجع عليه بالثمن إن كان دفعه. وإن رجع المالك على الملتقط بالقيمة.. رجع بها الملتقط على المشتري، ورد عليه الثمن. وإذا قلنا بالأول: أو باعها بإذن الحاكم.. فإن الثمن يكون أمانة في يده مدة التعريف. فإن جاء المالك بعد البيع. لم يملك فسخ البيع، بل يرجع بالثمن، سواء كان قبل أن يتملكه الملتقط أو بعد ما تملكه؛ لأنه قام مقام اللقطة. فإن هلك الثمن في يد الملتقط في مدة التعريف من غير تفريط منه، ثم جاء مالك اللقطة.. لم يجب على الملتقط ضمان، كما لو هلكت اللقطة في مدة التعريف. وإن اختار المتلقط أكلها قبل الحول.. كان له ذلك؛ لأن في ذلك حظا لصاحبها؛ لأن قيمتها ثبتت في ذمة الملتقط، فإذا تركت، ربما تلفت، فسقط حق مالكها. وهل يلزم المتلقط عزل قيمتها مدة التعريف؟ قال الشيخ أبو حامد، والمحاملي: لا يلزمه عزل قيمتها هاهنا، وجها واحدا. وحكى في " المهذب " في عزل القيمة هاهنا وجهين: أحدهما: لا يلزمه؛ لأن كل موضع جاز له أكل اللقطة.. لم يلزمه عزل بدلها، كما بعد الحول. والثاني: يلزمه عزل بدلها من ماله؛ لأنه ليس له أن ينتفع باللقطة قبل الحول، فلما جوزنا له بالانتفاع بها هاهنا قبل الحول.. لزمه عزل بدلها من ماله؛ ليقوم بدلها مقامها. فإذا قلنا: لا يلزمه عزل بدلها.. فإن بدلها يكون دينا في ذمته، ويعرف اللقطة نفسها. فإن مات أو أفلس، ثم جاء صاحبها.. ضارب مع الغرماء بقدر قيمة اللقطة. وإن قلنا: يلزمه عزل بدلها، فعزله.. فإنه يعرف اللقطة نفسها، لا ما عزله، ويكون ما عزله أمانة في يده مدة التعريف، فإن تلفت في يده من غير تفريط.. لم يلزم الملتقط شيء آخر غير الذي عزله؛ لأن القيمة قد قامت مقام اللقطة، فإن اختار أن يحفظ القيمة أبدا على صاحب اللقطة بعينه.. كان له ذلك، وإن أراد أن يتملكها بعد

стр. 3791

التعريف.. كان له ذلك، فإذا تملكها كانت القيمة في ذمته، وإن مات المتلقط أو أفلس قبل أن يتملك القيمة، فجاء مالك اللقطة.. كان أحق بالقيمة المعزولة وله من سائر الغرماء. [فرع: وجد حيوانا في قرية عامرة] وإن وجد الحيوان في بلد أو قرية عامرة.. فقال المزني: قال الشافعي فيما وضعه بخطه - لا أعلمه سمع منه -: (فالجميع لقطة) . واختلف أصحابنا فيه: فقال أبو إسحاق: الصحيح ما ذكره المزني: فالصغير والكبير من الحيوان لقطة في البلد؛ لأنا إنما منعناه من أخذ الكبير من الحيوان في الصحراء؛ لأن ترك أخذه أحظ لصاحبه؛ لأنه يأكل الشجر، ويرد الماء، ويحتفظ بنفسه، وهذا المعنى غير موجود فيه في البلد، لأنه لا يجد ما يرعى فيه، فكان التقاطه أحظ لصاحبه. ومن أصحابنا من قال: ما يجده من الحيوان في البلد كالذي يجده في الصحراء، فإن كان إبلا، أو ما كان في معناها.. لم يكن له أخذها. وإن كان غنما، أو ما كان في معناها.. كان له أخذها؛ لعموم حديث زيد بن خالد؛ لأن النبي ﷺ لم يفرق فيه بين البلد والصحراء، وإنما فرق فيه بين الصغير والكبير؛ لأن الكبير في البلد لا يضيع أيضا ولا يخفى أمره بخلاف الصغير. فإذا قلنا بهذا: فليس له أن يأخذ الكبار للتملك، وله أن يأخذ الصغار ويكون فيه بالخيار: بين أن يتطوع بالإنفاق عليها ويحفظها على صاحبها، وبين أن يعرفها حولا ويتملكها، وبين أن يبيعها ويحفظ ثمنها، أو يتملكها بعد التعريف، وهل له أن يأكلها في البلد؟ فيه وجهان: قال أكثر أصحابنا: لا يأكلها. والفرق بين البلد والصحراء: أنه لا يجد في الصحراء من يشتريها في الغالب، فجاز له أكلها، وفي البلد يجد من يشتريها في الغالب.. فلم يجز له أكلها.

стр. 3792

وقال الشيخ أبو حامد: يجوز له أكلها في البلد؛ لأن الشافعي قد نص على: (أنه إذا وجد الطعام الرطب في البلد.. فله أكله وإن كان يجد من يشتريه) . وهذا في معناه. وإن قلنا بقول أبي إسحاق: وأن الصغار والكبار لقطة.. فهو بالخيار: بين أن ينفق على الجميع ويحفظها على صاحبها، أو يعرفها ويتملكها، أو يبيعها ويحفظ ثمنها، أو يتملكه بعد التعريف، وهل له أكل الجميع؟ على الوجهين في الصغار في البلد. [فرع: وجد ضالة في دار الحرب] إذا وجد لقطة أو ضالة في دار الحرب، ولا مسلم في دار الحرب.. فهي غنيمة، لأهل الخمس خمسها، والباقي لمن وجدها. وإن وجد لقطة أو ضالة للحربي في دار الإسلام.. فهي فيء لا يختص به الواجد. [فرع: لقطة الهدي الضال] إذا وجد هديا ضالا في أيام منى أو قبلها.. فقد قال ابن القاص: أخذه وعرفه، فإن لم يجد صاحبه، وخاف أن يفوته الذبح.. ذبحه. قال الشافعي: (وأحب إلي أن يرجع إلى الحاكم حتى يأمره الحاكم بذبحه) . قال أبو علي السنجي: قياس قول الشافعي: أنه لا يأخذ الهدي إذا وجده في الصحراء؛ لعموم الخبر. ويحتمل ما حكاه ابن القاص، أن الشافعي قال: (يرجع به إلى الحاكم) أراد به: إذا وجده في المصر. وإن ثبت النص فيها عن الشافعي.. فوجهه: أنه معد للذبح، فإذا وجده وأشرف الوقت على الخروج.. فالغالب أنه انفلت من صاحبه. وإن تركه خرجت العبادة عن وقتها، فجاز له أخذه وذبحه. وقال القفال: إذا وجد الهدي مشعرا مقلدا.. فهل له أن يذبحه؟ فيه قولان مأخوذان من القولين فيمن وجد هديا مذبوحا في الطريق، وقد أشعر وقلد، وضرب

стр. 3793

بدمه على صفحة سنامه.. هل له الأكل منه بهذه العلامة؟ على قولين. وهكذا لو قلد هديه وأشعره.. هل يقوم هذا الفعل مقام النطق في إيجابه؟ على قولين. [مسألة: التقاط العبد الصغير] إذا التقط الرجل عبدا صغيرا غير مميز.. فله أن يحفظه على صاحبه، ويتطوع بالإنفاق عليه. وله أن يعرفه حولا ويتملكه. قال المسعودي [في " الإبانة " ق \ ٣٦٣) : وله أن يبيعه، كالشاة. وإن وجد جارية صغيرة غير مميزة.. فله أن يحفظها على صاحبها، ويتطوع بالإنفاق عليها، وهل له أن يتملكها؟ ينظر فيه: فإن كان لا يحل له وطؤها: بأن كانت من ذوي محارمه.. جاز له أن يتملكها بعد التعريف، كما يجوز له أن يقترضها. وإن كانت ممن يحل له وطؤها.. لم يجز له تملكها، كما لا يجوز له اقتراضها. وإن وجد عبدًا كبيرًا، أو صغيرًا مميزًا يتحفظ بنفسه، أو جارية كبيرة، أو صغيرة مميزة، تتحفظ بنفسها.. لم يكن له التقاطهما؛ لأنهما يحفظان أنفسهما. فإن أراد الواجد أن يحفظهما على مالكهما، وينفق عليهما من كسبهما.. جاز. وإن لم يكن لهما كسب.. رفع الأمر إلى الحاكم؛ ليبيعهما، ويحفظ ثمنهما على مالكهما، فإن باعه الحاكم، أو كان العبد صغيرًا فتملكه المتلقط وباعه، ثم جاء مالكه وأقر أنه كان قد أعتق قبل البيع.. فحكى الشيخ أبو حامد فيه قولين: أحدهما: يقبل قول السيد فيه، ويحكم بحريته، ويبطل البيع؛ لأن السيد أقر على نفسه بما يضره، فلا تهمة عليه فيه.. فيقبل. والثاني: لا يقبل قوله، بل نحكم بصحة البيع؛ لأن الإمام يلي بيعه حين باعه.. فلم يقبل قول المالك بما يبطله، كما لو باع الرجل عبد نفسه، ثم أقر أنه كان أعتقه قبل ذلك.

стр. 3794

وحكى القاضي أبو الطيب: أن من أصحابنا من قال: لا يقبل قوله قولا واحدا؛ لما ذكرناه. [فرع: ادعاء عبد آبق في مصر وطلبه في مكة] إذا أبق للرجل عبد، فحصل عند الحاكم بمصر، فجعله مع الضوال، فأقام رجل عند حاكم مكة شاهدين شهدا على أن ذلك العبد بصفاته له، فكتب حاكم مكة إلى حاكم مصر: حضر إلي فلان بن فلان، وادعى أن له في يدك عبدًا، من صفته كذا وكذا، وشهد له ذلك شاهدان.. فهل يجب تسلميه بذلك إلى المدعي؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجب تسليمه بذلك. وبه قال أبو حنيفة ومحمد؛ لأنهم لم يشهدوا على عينه، وإنما شهدوا على الصفات، والصفات تشتبه، وقد تتفق الصفات مع اختلاف الأعيان. فعلى هذا: لو جاء طالب له آخر، وادعى أنه له، ووصفه بصفاته.. لم يجز دفعه إليه حتى يتضح له: من المالك منهما؟ القول الثاني: يجب تسليمه إليه بذلك. وبه قال أبو يوسف؛ لأن البينة أثبتته له بصفاته، كما ثبتت في الذمة بوصفه في السلم. فإذا قلنا بهذا: فإن حاكم مصر يجعل في رقبة العبد خيطا، ويضيقه بحيث لا يمكن أن يخرجه من رأسه، ويختم على ذلك الخيط، ويسلمه إلى المدعي أو وكيله، ويكون مضمونا على المدعي إن تلف، فيحمله إلى حاكم مكة، فإن قال الشاهدان: إن هذا هو العبد الذي شهدنا عليه للمدعي.. استقر ملكه عليه. وإن قالا: هو غيره.. لزمه رده إلى حاكم مصر. والأول أصح؛ لأنه يدخل على الثاني ثلاثة أشياء: أحدها: أنه إذا أسلم العبد إلى المدعي.. لم يؤمن أن يموت المدعي أو يفلس، وقد تلف العبد في يده، ويكون لغيره، فلا يصل صاحبه إلى العبد، ولا إلى قيمته. الثاني: أنه قد يكون للغير، فتذهب منفعته في الطريق مع المدعي. الثالث: قد تكون أم ولد للغير، فيسلمها إلى غيره، وهذا لا سبيل إليه.

стр. 3795

وإذا قلنا بالأول: فرأى حاكم مصر بيعه وحفظ ثمنه، فنصب المدعي رجلا ليبتاعه له من حاكم مصر، فابتاعه له، ثم مضى به إلى مكة فحضر الشاهدان وشهدا أن هذا العبد ملكه. حكم بفساد البيع، فيكتب حاكم مكة إلى حاكم مصر بذلك ليرد له الثمن إن كان قد قبضه؛ لأنه قد بان أنه ملكه، ولا يقول المدعي لحاكم مصر: بعني هذا العبد؛ لأن ذلك إقرار منه أنه ليس بملك له. [مسألة: التقاط كلب صيد] إذا التقط كلب صيد.. عرفه حولا، فإن لم يجد صاحبه.. كان له أن ينتفع به بعد الحول؛ لأنه وإن كان غير مملوك فإن الانتفاع به جائز، فقام بعد الحول والتعريف مقام صاحبه. فإن جاء صاحبه وقد هلك.. لم يجب عليه قيمته؛ لأنه لا قيمة له. وهل يضمن قيمة منفعته بعد الحول؟ فيه وجهان بناء على الوجهين في جواز إجارته. [مسألة: التقاط الطعام الرطب] وإن كانت اللقطة طعامًا رطبًا لا يمكن استبقاؤه، كالطبائخ والهرائس.. فقد قال الشافعي: (له أن يأكله إذا خاف فساده، ويغرمه لربه) . قال المزني: وقال الشافعي فيما وضعه بخطه ـ لا أعلمه سمع منه ـ: (إذا خاف فساده.. أحببت له أن يبيعه) فجعل المزني هذا قولًا آخر أنه لا يجوز له أكله؛ لأنه يمكنه بيعه. قال أصحابنا: وما خرجه المزني غير صحيح، بل يجوز له الأكل، قولًا واحدًا. وما ذكره الشافعي بخطه لا يدل على أنه لا يجوز له الأكل، وإنما يدل على أن البيع أولى من الأكل، وهذا صحيح. وإذا ثبت هذا: فهو بالخيار: بين أن يبيعه، وبين أن يأكله، كما قلنا في الشاة إذا

стр. 3796

وجدها في صحراء؛ لأنه يخاف على كل واحد منهما الهلاك؛ فإن اختار بيعه، فإن لم يكن في البلد حاكم.. باعه بنفسه؛ لأنه موضع ضرورة، ويعرف الطعام الذي وجده لا نفس الثمن. وإن كان في البلد حاكم، فرفع الأمر إليه، فباعه الحاكم بنفسه، أو أمر الملتقط أو غيره أن يبيعه فباعه.. صح البيع. وإن باعه الملتقط بنفسه من غير إذن الحاكم.. فذكر الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ: أنه لا يصح البيع. قلت: ويحتمل أن يكون على الوجهين اللذين حكاهما الشيخ أبو إسحاق في بيع الشاة التي وجدها في الصحراء. وإن اختار أكله.. فهل يلزمه عزل قيمته؟ حكى الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ: فيه وجهين عن أبي إسحاق، وقد مضى تعليلهما في أكل الشاة التي وجدها في الصحراء. [فرع: التقاط ما يحتاج إلى مؤونة] وإن التقط ما لا يبقى إلا بمؤونة وعلاج، كالرطب والعنب، فإن كان بيعه رطبًا أحوط.. قال ابن الصباغ: كان كالطعام الرطب على ما مضى. وذكر الشيخان ـ أبو حامد وأبو إسحاق ـ: أنه يباع ويحتفظ بثمنه لصاحبه. وإن كان تجفيفه أحوط، فإن تطوع الواجد بالإنفاق على تجفيفه.. جاز، وإن لم يتطوع.. باع الحاكم جزءًا منه، وأنفقه على تجفيفه، بخلاف الحيوان فإنه لا يباع منه شيء؛ لأن النفقة هاهنا لا تتكرر، بخلاف النفقة على الحيوان فإنها تتكرر، فلذلك قلنا: لا يباع منه شيء لذلك. [مسألة: لقطة خمر مراق] وإن وجد خمرًا أراقها صاحبها.. لم يجب تعريفها؛ لأن إراقتها مستحقة، فإن صارت عنده خلًا.. ففيه وجهان:

стр. 3797

أحدهما: يجب تعريفها؛ لأنها عادت إلى الملك السابق لصاحبها. والثاني: لا يجب تعريفها؛ لأن صاحبها قد أسقط حقه منها بإراقتها. [مسألة: لقطة العبد] إذا التقط العبد لقطة.. فهل يصح التقاطه؟ فيه قولان: أحدهما: يصح. وبه قال أبو حنيفة؛ لقوله ﷺ : «من التقط لقطة.. فليشهد ذا عدل أو ذوي عدل، ولا يكتمها ولا يغيبها» ولم يفرق بين الحر والعبد. ولأنه كسب بفعل، فصح من العبد، كالاصطياد والاحتشاش، وفيه احتراز من الميراث. والثاني: لا يصح التقاطه. وهو اختيار المزني؛ لأن الالتقاط يقتضي: أمانة وولاية في مدة التعريف، وتملكًا بعوض في ذمته، والعبد ليس من أهل الأمانة والولاية، ولا ذمة له يستوفى الحق منها، فلم يصح. فإذا قلنا: يصح التقاطه، فإن لم يعلم السيد باللقطة.. فإنها أمانة في يد العبد. وإن تلفت في يد العبد بغير تفريط منه.. لم يضمنها؛ لأن الأمانة لا تضمن بغير تعد. وإن أتلفها العبد، أو تلفت في يده بتفريط منه.. ضمنها في رقبته، كما لو أتلف مالًا لغيره. وإن عرفها العبد حولًا تعريفًا كاملًا.. لم يملكها العبد قولًا واحدًا؛ لأنه لا يملك المال على القول الجديد، ويملكه على القول القديم إذا ملكه السيد، ولم يملكه السيد هاهنا. فإن قلنا: إن اللقطة تدخل في ملك الملتقط بعد انقضاء التعريف.. دخلت في ملك السيد. وإن قلنا: لا يملكها الملتقط إلا باختيار التملك.. لم يملكها السيد حتى يختار

стр. 3798

تملكها، فإن تملكها العبد وتصرف فيها. فإنه لا يملكها ويضمنها، وفي محل ضمانه لها وجهان: أحدهما: يضمنها في ذمته، كما لو اقترض شيئًا فاسدًا، أو قبضه وأتلفه. والثاني ـ وهو قول الشيخ أبي حامد ـ: أنه يضمنها في رقبته؛ لأنه لزمه بغير رضى من له الحق، بخلاف القرض الفاسد. وأما إذا علم بها السيد: فله أخذها من يده؛ لأن كسبه له، فإن أخذها السيد بعد أن عرفها العبد.. كان للسيد أن يتملكها. وإن كان العبد قد عرفها بعض الحول.. فللسيد أن يكمل التعريف ويتملكها. وإن كان قبل أن يعرفها العبد.. عرفها السيد حولًا وتملكها. وإن لم يأخذها السيد من العبد، بل أقرها في يده، فإن كان العبد ثقة.. جاز، كما لو استعان به في حفظ ماله، ويكون الحكم فيه كما لو أخذها السيد منه. وإن كان العبد غير ثقة.. ضمنها السيد وزال الضمان عن العبد؛ لأن السيد فرط في إقرارها بيده، فلزمه ضمانها، كما لو أخذها من يده وردها إليه؛ لأن يد العبد كيد سيده. وإن علم فلم يأخذها من يده ولم يقرها، وإنما أهملها في يده.. فهل يجب على السيد ضمانها؟ قال ابن الصباغ: فيه وجهان، يأتي توجيههما. وأما إذا قلنا: لا يصح التقاط العبد.. فإن العبد يضمنها بالأخذ؛ لأنه أخذ ما لًا يجوز له أخذه، فهو كما لو غصب مال غيره، فإن علم بها السيد.. فإنه لا يخلو: إما أن يأخذها من يده، أو يقرها في يده، أو يهملها. فإن أخذها من يده.. زال الضمان عن العبد، وصار كأن السيد التقطها. قال ابن الصباغ: وينبغي لو أخذها غير السيد من الأحرار.. أن يزول عن العبد الضمان؛ لأن كل من هو من أهل الالتقاط نائب عن صاحبها. فإن قيل: إذا حصل الشيء مضمونًا، لم يزل الضمان بالانتقال إلى يد غير يد مالكه.. فالجواب: أنه إنما لا يزول الضمان إذا أخذه من لا يجوز له أخذه، وهاهنا يجوز للسيد أخذها، فصار كما لو غصب عينًا، فدفعها الغاصب إلى وكيل المغصوب منه.

стр. 3799

إذا ثبت هذا: فإن اختار السيد حفظها على صاحبها.. جاز. وإن اختار تملكها.. عرفها حولًا ثم تملكها. فإن كان العبد قد عرفها.. لم يعتد بتعريفه؛ لأن وجود التقاطه بمنزلة عدمه، فكذلك تعريفه. وإن لم يأخذها السيد منه، ولكن أقرها في يده ليعرفها، فإن كان العبد ثقة.. جاز وزال عن العبد الضمان؛ لأن العبد صار ممسكًا لها عن السيد، فصار كما لو أخذها السيد من يده وردها إليه. وإن كان العبد غير ثقة.. ضمنها السيد؛ لأنه فرط في تركها في يده؛ لأن يد السيد على العبد وعلى ما في يده، فصار كما لو أخذها السيد منه ثم ردها إليه. وإن لم يأخذها السيد منه ولا أقرها، ولكن أهملها في يده.. فقد روى المزني: (أن السيد يضمنها في رقبة عبده) ، ونقل الربيع: (أنه يضمنها في رقبة عبده وسائر أمواله) . وأراد بقوله (وسائر أمواله) : في ذمته. فمن أصحابنا من قال: الصحيح ما نقله المزني، وأنه يضمنها في رقبة عبده لا غير؛ لأن السيد لا يضمن جنايات عبده في ذمته، وإنما يتعلق الضمان برقبة العبد لا غير، فإن تلف العبد.. سقط حق صاحب اللقطة. وقال أبو إسحاق: الصحيح ما نقله الربيع، وقد نقله المزني في "جامعه الكبير " وإنما أسقطه في " المختصر "؛ لأن السيد قد كان يمكنه أن يأخذها منه، أو يقرها في يده، فإذا لم يفعل.. صار متعديًا، فكان ضامنًا لها في ذمته، كما لو غصب العبد مالًا لغيره، وعلم به السيد، وأمكنه انتزاعه منه، فلم يفعل حتى تلف في يد العبد، فإن السيد يضمنه في ذمته. فعلى هذا: إن تلف العبد.. تعلق الضمان بذمة السيد. وإن كان على السيد ديون وأفلس.. كان للملتقط أن يأخذ حقه من العبد، ولا يشاركه الغرماء فيه. وإن لم تف قيمته بحقه.. ضارب الغرماء فيما بقي له من قيمة اللقطة في مال السيد. ومن أصحابنا من قال: فيها قولان، ووجههما ما ذكرناه.

стр. 3800

فرع: [عتق العبد ومعه لقطة لم يعلم بها سيده] : إذا التقط العبد لقطة فأعتقه سيده قبل أن يعلم باللقطة، فإن قلنا: يصح التقاطه.. كان للسيد أخذها منه، كما لو اكتسب مالًا قبل العتق ولم يعلم به السيد. وإن قلنا: لا يصح التقاطه.. لم يكن للسيد أخذها؛ لأنه قبل أن يعتق لم يتعلق به حق للسيد. وهل للعبد أن يبتدئ تعريفها بعد العتق، ويتملكها بعد التعريف؟ فيه وجهان: أحدهما: له ذلك؛ لأنه قد صار على صفة يصح التقاطه، فصار كما لو وجدها في هذه الحالة. والثاني ـ خرجه الشيخان: أبو حامد، وأبو إسحاق ـ: ليس له ذلك؛ لأن يده قد صارت يد ضمان، فلا تنقلب يد أمانة. [مسألة: المكاتب في اللقطة] قال الشافعي في " المختصر " [٣/١٢٨] : (والمكاتب في اللقطة كالحر؛ لأن ماله يسلم له) ونص في " الأم " [٣/٢٨٩] : (أنه كالعبد) . واختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: فيه قولان، كالعبد؛ لأنه ناقص بالرق، بدليل أنه لا يرث، ولا تصح الوصية إليه. ومنهم من قال: إنه كالحر قولًا واحدًا. قال الشافعي في " الأم ": (لأن ماله له) وهذا التعليل أصح من التعليل الذي نقله المزني: (أن ماله يسلم له) ؛ لأنه قد يسلم له، وقد لا يسلم له.

стр. 3801

فإذا قلنا: إنه كالحر، أو قلنا: إنه كالعبد، وقلنا: يصح التقاطه، فإذا التقط لقطة.. فهي أمانة في يده، فإذا عرفها حولًا.. صح تعريفه، وله أن يتملكها بعد التعريف؛ لأنه من أهل التملك كالحر. وإذا قلنا: إنه كالعبد، وقلنا: لا يصح التقاطه، فالتقط لقطة.. ضمنها بأخذه لها، وليس للسيد أن يأخذها منه، كما يأخذها من العبد؛ لأنه لا سبيل للسيد على ما في يد المكاتب، ولكن يسلمها إلى الحاكم، فإذا قبضها الحاكم.. برئ المكاتب من ضمانها، فإن عرفها الحاكم حولًا، فهل للمكاتب أن يتملكها؟ فيه وجهان: قال الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب: له أن يتملكها؛ لأنه من أهل التملك. وقال الشيخ أبو إسحاق وابن الصباغ: ليس له أن يتملكها؛ لأنه ليس من أهل الالتقاط، فلم يملكها بالحول والتعريف. فعلى هذا: تكون في يد الحاكم إلى أن يجد صاحبها. [فرع: لقطة المبعض] وأما إذا وجد من نصفه حر ونصفه عبد لقطة.. فقد نص الشافعي: (أنه كالحر) . فمن أصحابنا من قال: فيه قولان كالعبد؛ لأنه ناقص بالرق. ومنهم من قال: هو كالحر قولًا واحدًا، وهو الصحيح؛ لأنه يملك بنصفه الحر ملكًا تامًا. فإذا قلنا: إنه كالعبد، وقلنا: لا يصح التقاطه، فهو كالعبد يصير ضامنًا لها، وإذا أخذها السيد منه.. زال عنه الضمان. وإذا قلنا: إنه كالحر، أو كالعبد، وقلنا: يصح التقاطه، فإن لم يكن بينه وبين السيد مهايأة.. فاللقطة لهما بعد التعريف. وإن كان بينهما مهايأة.. فهل تكون اللقطة لمن وجدت في يومه؟ فيه قولان:

стр. 3802

أحدهما: تكون له؛ لأنه كسب للعبد، فكانت لمن وجدت في يومه، كالمعتاد. والثاني: أنها لا تكون لمن وجدت في يومه، بل تكون بينهما؛ لأنه كسب نادر، والنادر غير معلوم وجوده، فلا يدخل في المهايأة. [فرع: لقطة المدبر والمعلق عتقه] وأما المدبر والمعتق بصفة، إذا التقط لقطة.. فحكمه حكم العبد القن على ما مضى. وأما أم الولد إذا التقطت لقطة.. فنص الشافعي: (أنها كالعبد القن) . قال الشافعي: (إلا أنها إذا تلفت اللقطة في يدها، فإن علم بها السيد.. كان الضمان عليه في ذمته، وأما إذا لم يعلم بها.. كان الضمان في ذمتها) . قال الربيع: وفيه قول آخر: (أن ضمانها في ذمته) . وقوله: (في ذمتها) غلط. واختلف أصحابنا في قول الشافعي: (في ذمتها) : فقال أكثرهم: هو غلط كما قال الربيع؛ لأن هذا فرعه الشافعي على القول الذي يقول: لا يصح التقاط العبد، وكان يجب أن يكون ضمانها في رقبتها، إلا أن السيد قد منع من بيعها بالإحبال، ولم يبلغ بها حالة يتعلق الحق بذمتها إذا لم يعتقها، فوجبت جنايتها في ذمته. وقوله (في ذمتها) غلط من الكاتب. وقال أبو إسحاق: يمكن تأويل قول الشافعي: (في ذمتها) أن يكون فرعه على القول الذي يقول: يصح التقاط العبد، فإذا التقطت أم الولد لقطة.. حصلت في يدها أمانة، إلا أنه يجب عليها أن تعلم السيد بها ليأخذها منها، فإذا لم تفعل حتى تلفت في يدها.. فقد فرطت، فتعلق الضمان بذمتها؛ لأن صاحبها كأنه رضي بكونها في يدها، فصار بمنزلة أن يدفع رجل وديعة إلى أم ولد لتدفعها إلى سيدها، فلم تدفعها حتى تلفت في يدها، فإن ضمانها يكون في ذمتها.

стр. 3803

قال الشيخ أبو حامد وهذا وإن كان صحيحًا في الفقه، فلا يحمل كلام الشافعي على هذا؛ لأنه إنما فرعه على القول الذي يقول: لا يجوز التقاط العبد. [مسألة: لقطة معدومي أهلية التكليف] إذا وجد الصبي أو المجنون أو المحجور عليه للسفه لقطة فالتقطها.. صح التقاطه؛ لعموم الأخبار، ولأن هذا كسب، فصح منهم، كالاصطياد والاحتشاش. هذا نقل أصحابنا البغداديين. وقال المسعودي [في " الإبانة " ق \ ٣٦٠] : في التقاط الصبي قولان، كالعبد. وهذا ليس بمشهور. إذا ثبت هذا: فإن تلفت اللقطة في يد أحدهم بغير تفريط، قبل أن يعلم بها الولي.. لم يجب ضمانها؛ لأنه قبض ما له قبضه. وإن تلفت في يده بتفريط منه، أو أتلفها.. وجب ضمانها في ماله، كما لو أتلف مال غيره. وإن علم بها الولي.. فعليه أن يأخذها منه؛ لأنه ليس من أهل حفظ الأموال. فإن تركها الولي في يده حتى تلفت.. قال القاضي أبو الطيب ضمنها الولي؛ لأن الولي يلزمه حفظ مال الصبي وما تعلق به حقه، وهذا قد تعلق بها حقه، فإذا تركها في يده.. صار مضيعًا لها، فضمنها. وإن أخذها الولي فعرفها حولًا.. نظر الولي: فإن كان المولى عليه ممن يجوز أن يقترض عليه.. تملكها له. وإن كان ممن لا يجوز أن يقترض له، بأن كان غنيًا، فهل للولي أن يتملكها له؟ فيه وجهان. قال عامة أصحابنا: ليس له أن يتملكها له؛ لأن الملك في اللقطة يجري مجرى الاقتراض. فإذا كان لا حاجة به إلى الاقتراض، لم يتملكها له. وقال ابن الصباغ: له أن يتملكها له؛ لأن الظاهر عدم صاحبها، ولهذا جعلناه

стр. 3804

بمنزلة الاكتساب. ولو جرى مجرى الاقتراض.. لم يصح الالتقاط من الصبي والمجنون، وكان يراعى في صحة الالتقاط الحاجة إلى الاقتراض. [مسألة: لقطة الفاسق] إذا وجد الحر الفاسق لقطة فيكره له أخذها؛ لأنه ربما تدعوه نفسه إلى استحلالها وكتمانها. فإن التقطها.. صح التقاطه قولًا واحدًا؛ لأنه من جهات التكسب، فصحت من الفاسق، كالاصطياد. وهذا نقل البغداديين. وقال المسعودي [في " الإبانة " ق \ ٣٦١] : في صحة التقاطه قولان، كالعبد. إذا ثبت أنه يصح التقاطه.. فهل يقرها الحاكم في يده؟ فيه قولان: أحدهما: لا يقرها في يده، بل ينتزعها ويسلمها إلى أمين؛ لأن اللقطة في الحول الأول أمانة في يد الملتقط، والفاسق ليس من أهل الأمانة. والقول الثاني أنه يقرها في يده، ولكن لا يهمل الحاكم أمرها، بل يضم إليه أمينًا يشرف عليه ويمنعه من التصرف فيها قبل الحول؛ لأن الفاسق لما ساوى الأمين في تملك اللقطة بعد الحول.. ساواه في كونها بيده. والأول أصح. وفي الذي يتولى تعريفها قولان، سواء قلنا تقر في يده، أو لا تقر: أحدهما: يعرفها الواجد لها وإن كان فاسقًا؛ لأنه هو الواجد، ولأنها إنما انتزعت منه خوفًا من أن يخون بها، ولا خيانة في التعريف. والثاني: أن الفاسق لا ينفرد بتعريفها، ولكن يضم إليه الحاكم أمينًا يعرفها معه؛ لأنه لا يؤمن أن يقصر في التعريف. فإذا انتهى التعريف.. كان للفاسق أن يتملكها؛ لأنه من أهل التملك. [فرع: لقطة الذمي في بلاد المسلمين] ] : واختلف أصحابنا في الذمي إذا التقط لقطة في دار الإسلام: فمنهم من قال: لا يصح التقاطه؛ لأن الالتقاط أمانة بولاية، والذمي ليس من

стр. 3805

أهلها، ولأنه لا يملك بالإحياء في دار الإسلام، فلا يملك بالالتقاط فيه. ومنهم من قال: يصح التقاطه؛ لأن له ذمة صحيحة ويملك بالقرض، فصح التقاطه. فإذا قلنا: يصح التقاطه.. فهل تقر في يده، ويصح تعريفه بنفسه، أو ينزعها الحاكم منه، ويضم من يعرفها معه؟ من أصحابنا من قال: فيه قولان، كالفاسق. ومنهم من قال: تقر في يده، وينفرد بالتعريف قولًا واحدًا؛ لأنه وإن كان كافرًا، فهو مقر على دينه، كما أنا نقول: لا يصح إنكاح الفاسق، ويصح إنكاح الذمي. [فرع: القول للمدعي حتى يأتي صاحب اليد بالبينة] قال الشافعي في " الأم ": (إذا كان في يد رجل عبد، فادعاه آخر، وشهد له به شاهدان أنه ملكه، فقال من بيده العبد: هذا اشتريته من فلان، ببلد كذا، ولي عليه بينة هناك تشهد أني ابتعته، وكان مالكًا له حين باعه مني.. فإن العبد يسلم إلى المدعي، ولا يعتد بدعوى من بيده العبد؛ لأن بينة المدعي قد قامت، وثبت له الملك، فلا يوقف بالدعوى، فيسلم العبد إلى المدعي إلى أن يأتي من بيده العبد ببينة) . والله أعلم

стр. 3806

[كتاب اللقيط]

стр. 3807

كتاب اللقيط اللقيط، والملقوط، والمنبوذ: اسم للطفل الذي يوجد مطروحًا. وهو فعيل: بمعنى مفعول، كما يقال للمقتول: قتيل، وللمدهون: دهين. والتقاط المنبوذ فرض، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] [المائدة: ٢] فأمر بالمعاونة على البر، وهذا من البر. وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧] [الحج: ٧٧] فأمر بفعل الخير، وهذا من فعل الخير. وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] [التوبة: ٧١] والولي يلزمه حفظ المولى عليه. وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] [المائدة: ٣٢] . فقيل: معناه: له ثواب من أحيا الناس كلهم. وفي أخذ اللقيط إحياء له، فكان واجبًا، كبذل الطعام للمضطر. إذا ثبت هذا: فإن التقاطه فرض على الكفاية إذا قام به بعض الناس.. سقط عن الباقين. وإن تركوه.. أثم جميع من علم به، كما نقول في غسل الميت وتكفينه والصلاة عليه.

стр. 3808

[مسألة حرية اللقيط] ) : وإذا وجد لقيط مجهول الحال.. حكم بحريته، لما روى سنين أبو جميلة - رجل من بني سليم - قال: (وجدت منبوذًا على عهد عمر ﵁، فأخذته، فذكره عريفي لعمر ﵁، فلما رآني.. قال: عسى الغوير أبؤسًا، فقال عريفي: يا أمير المؤمنين إنه رجل صالح، لا يتهم في ذلك، قال عمر: أهو كذلك؟ قال: نعم، فقال عمر: اذهب فهو حر، وولاؤه لك، وعلينا نفقته) . وفي بعض الروايات: (ونفقته من بيت المال) . وإنما أراد عمر بهذا: أي لعل هذا الرجل الذي وجده هو صاحب المنبوذ. فقال: (عسى الغوير أبؤسًا) ، حتى أثنى عليه عريفه خيرًا. وهذا مثل لكل شيء يخاف منه أن يأتي بشر. قال الأصمعي: (والأبؤس) : جمع البأس. وأصل هذا: أن غارًا كان فيه ناس، فانهار عليهم الغار، فماتوا. وقيل: أتاهم فيه عدو فقتلهم، فصار ذلك مثلًا لكل أمر يخاف منه، صم صغر الغار فقيل: غوير.

стр. 3809

وقال الكلبي: (الغوير) ماء لكلب، يسمى الغوير. وقال: وهذا المثل إنما تكلمت به الزباء، وذلك أنها وجهت قصيرًا اللخمي بعير ليحمل إليها من بز العراق، وكان يطلبها رجال جذيمة الأبرش، فحمل الأحمال صناديق - وقيل: غرائر - وجعل في كل واحد منها رجلًا معه السلاح، ثم تنكب بهم على الغوير؛ لأنه طريق منهج، فسألت عنه، فأخبرت أنه تنكب بالعير على الغوير، فقالت: (عسى الغوير أبؤسًا) أي: عسى أن ذلك الطريق يأتيها منه شر، واستنكرت حاله. قال أبو عبيد: وهذا أشبه من الأول. وأما نصب أبؤس.. فأراد: عسى الغوير أن يحدث أبؤسًا. وأما قول عمر: (وولاؤه لك) .. فإنا نحمله على أنه أراد ولاء حضانته، لا ولاء ميراثه. وقد حمله قوم على ولاء الميراث، ونحن نذكره في موضعه - إن شاء الله - ولأن الأصل في الناس الحرية. [فرع اللقيط ومعه مال] الصبي الصغير يملك المال الكثير؛ لأنه يرث، ويوصي له، ويبتاع له، فهو كالكبير في الملك، وإذا ثبت أنه يملك.. فإن يده تثبت على المال، كالبائع. فإذا ثبت هذا: فإن وجد لقيط ومعه مال، فإن كانت يده ثابتة عليه، بأن وجده لابسًا ثوبًا، أو وجد الثوب مفروشًا عليه، أو وجده على فراش، أو سرير أو في سفط، أو وجد الثوب مفروشًا عليه، أو وجد معه دراهم معقودة على ثيابه أو تحت فراشه، أو وجده مشدودًا على بهيمة، أو وجد في يده عنان دابة، أو وجده في خيمة أو دار.. فإن ذلك كله له؛ لأن

стр. 3810

ذلك كله في يده، وله يد صحيحة، فهو كما لو وجد ذلك في يد بالغ. وإن كان تحته مال مدفون، أو بالبعد منه مال مطروح، أو فرس مربوط.. لم يكن ذلك له؛ لأنه لا يد له عليه. وإن كان بالقرب منه مال مطروح، أو فرس مربوط.. ففيه وجهان: أحدهما: أنه له؛ لأن الإنسان قد يترك ماله ودابته بالقرب منه. والثاني: أنه لا يكون له، وهو ظاهر النص؛ لأن اليد يدان، يد مشاهدة ويد حكمية. (فالمشاهدة) : ما كان ممسكًا له بيده. (والحكمية) : ما كان في ملكه، وإن لم يكن ممسكًا له، وهذا ليس بواحد منهما. ويفارق الكبير؛ لأن ما يقربه يكون مراعيًا له، فكان بمنزلة المتصل به. والطفل لا مراعاة له، فجرى مجرى البعيد من الكبير. إذا ثبت هذا: فإن كل مال يكون للقيط.. ينظر فيه: فإن كان في ملك إنسان.. فهو لصاحب الملك؛ لأن الظاهر أنه له. وإن كان في غير ملك إنسان، فإن كان من غير ضرب الجاهلية.. فهو لقطة. وإن كان من ضرب الجاهلية، فإن كان في طريق مسلوك، أو قرية عامرة.. فهو لقطة. وإن كان في موات، أو قرية خربة كانت عامرة في الجاهلية.. فهو ركاز، وكل ما كان في يد اللقيط فهو ملك له. وإذا أخذ رجل اللقيط، وأخذ ماله.. فهل له إمساكه وحفظه عليه بغير أمر الحاكم؟ فيه وجهان، حكاهما المسعودي. (في " الإبانة " ق \ ٣٦٤) : أحدهما: له ذلك، كما كانت له حضانته. والثاني: ليس له ذلك؛ لأن مالكه متعين.

стр. 3811

[مسألة الناس ضربان من حيث التكليف] الناس في الإسلام على ضربين: مكلف، وغير مكلف. فأما (المكلف) : فهو البالغ العاقل. فهذا لا يحكم بإسلامه إلا بأن يأتي بالشهادتين. وأما (غير المكلف) : فهو الصبي والمجنون. وقد يسلم الصبي، وقد يتبع غيره في الإسلام. فأما إسلامه بنفسه: فيأتي ذكره في السير إن شاء الله. وأما إسلامه تبعًا لغيره: فذلك الغير ثلاثة أشياء: الأبوان، أو السابي، أو الدار. فأما الأبوان: فإذا أسلما ولهما ولد صغير.. تبعهما في الإسلام. وهكذا: إن أسلم الأب وحده.. تبعه في الإسلام بلا خلاف، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] (الطور: ٢١) وإن أسلمت الأم وحدها.. تبعها ولدها الصغير في الإسلام. وبه قال أبو حنيفة. وقال مالك: (لا يتبعها) دليلنا: قوله ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة: وأبواه يهودانه، وينصرانه، ويمجسانه» . وعند مالك: (إن الأم لا مدخل لها في التهويد والتنصير والتمجيس) .

стр. 3812

ولأنها أحد الأبوين، فيتبعها الولد في الإسلام تغليبًا للإسلام، لقوله ﷺ : «الإسلام يعلو ولا يعلى» كالأب. وأما السابي: فإذا سبي طفل من أولاد الكفار، فإن سبي معه أبواه أو أحدهما.. فإنه يتبعهما في الكفر إن كانا كافرين. وإن أسلم أحدهما.. تبعه. وإن سبي وحده.. فهل يتبع السابي في الإسلام؟ فيه وجهان. أحدهما: لا يتبعه؛ لأن يده يد ملك. والثاني: يتبعه؛ لأنه لا يمكن اعتبار إسلامه بنفسه، ولا بأبويه، فلم يبق من يتبعه غير السابي. فعلى هذا: إن كان السابي مسلمًا.. حكم بإسلام الصبي. وإن كان السابي يهوديًا أو نصرانيًا.. لم يحكم بإسلامه. وأما إسلامه بالدار: فالدار على ثلاثة أضرب: دار إسلام يسكنها المسلمون، ودار إسلام يسكنها المشركون، ودار شرك يسكنها المشركون. أما دار الإسلام التي يسكنها المسلمون: فكأرض الحجاز كلها، والعراق والكوفة واليمن. فإذا وجد فيها لقيط.. حكم بإسلامه، سواء كان أكثر ساكنيها مسلمين، أو

стр. 3813

كفارًا؛ لأنه يحتمل أنه مسلم، ويحتمل أنه كافر، فغلب الإسلام تغليبًا للدار، لقوله ﷺ : «الإسلام يعلو ولا يعلى» . وأما دار الإسلام التي يسكنها الكفار: فهي على ضربين: دار فتحها المسلمون فملكوها وأقروا الكفار فيها ببذل الجزية، فهذه دار إسلام؛ لأن حكم الإسلام جار فيها. فإن وجد فيها لقيط: فإن كان فيها من المسلمين ولو واحد.. فإنه يحكم بإسلام اللقيط الذي وجد فيها، سواء دخلها ذلك المسلم ساكنًا أو تاجرًا، تغليبًا لحكم الدار وحكم الإسلام. فإن قال ذلك المسلم: ليس بابني.. قبل قوله في نفي نسبه عنه، ولكن لا يحكم بسقوط إسلامه بذلك. وإن لم يدخل إليها مسلم.. فإن اللقيط الموجود فيها كافر؛ لأنه لا يحتمل أن يكون ابن مسلم. وإن كانت دار إسلام إلا أن المشركين غلبوا عليها المسلمين وأخرجوهم منها، كـ: طرسوس، وأرض القدس، والمصيصة وما أشبهها من الثغور، فإن كان فيها مسلمون بين الكفار، ووجد فيها لقيط.. حكم بإسلامه، لاجتماع حكم الدار والمسلم الذي فيها. وإن لم يكن فيها أحد من المسلمين.. ففيه وجهان: قال ابن الصباغ: لا يحكم بإسلام اللقيط الموجود فيها؛ لأنه لا يحتمل أن يكون ابن مسلم. وقال أبو إسحاق: يحكم بإسلامه؛ لأنها دار إسلام، ويحتمل أن يكون بقي فيها مسلم أخفى نفسه وهذا ابنه.

стр. 3814

وأما دار الشرك التي يسكنها المشركون: فمثل الروم والترك وغيرهما: فإن لم يكن فيها مسلم.. فاللقيط الموجود فيها كافر؛ لأن الدار دار كفر. وإن كان معهم مسلم أسير أو غيره.. ففيه وجهان: أحدهما: أنه مسلم تغليبًا للمسلم الذي فيها. والثاني: أنه كافر؛ لأنه يحتمل أنه ابن مسلم، ويحتمل أنه ابن كافر.. فغلب الكفر؛ لأن الدار دار كفر، والكفار فيها أكثر، ولأن الظاهر من الأسير أنه لا يتمكن من الوطء بنكاح ولا بغيره. [فرع الإشهاد على أخذ اللقيط] وإذا أخذ الملتقط اللقيط.. فهل يجب عليه الإشهاد عليه؟ من أصحابنا من قال: فيه وجهان، كما قلنا في اللقطة. ومنهم من قال: يجب عليه الإشهاد وجهًا واحدًا؛ لأن الإشهاد في اللقطة لحفظ المال، والإشهاد ها هنا لحفظ النسب، وللنسب مزية على المال في الإشهاد، ولهذا وجب الإشهاد في عقد النكاح دون البيع وغيره من العقود. [مسألة الإنفاق على اللقيط] وأما نفقة اللقيط، فلا يخلو: إما أن يكون له مال، أو لا مال له. فإن كان له مال.. كانت نفقته في ماله؛ لأنه الطفل إذا كان له أبوان موسران وله مال، كانت نفقته في ماله، فلأن تكون نفقة من لا يعرف أبواه في ماله أولى. فإن كان في البلد حاكم.. لم يجز للملتقط أن ينفق على اللقيط من ماله بغير إذن الحاكم؛ لأن الملتقط لا ولاية له على مال اللقيط، وإنما له الولاية على حضانته، فإن خالف وأنفق عليه من ماله بغير إذن الحاكم.. لزمه الضمان؛ لأنه تعدى بذلك. وإن جاء الملتقط إلى الحاكم وعرفه الحال.. نظرت: فإن أخذ الحاكم المال منه، ودفعه إلى أمين، وأمره أن يعطي الملتقط كل يوم قدر النفقة، أو ينفقه الأمين عليه،

стр. 3815

أو قبض الحاكم المال من الملتقط، ودفع إليه كل يوم قدر نفقة اللقيط، وأمره بإنفاق ذلك عليه.. جاز. وإن أقر الحاكم المال في يد الملتقط، وأمره أن ينفق منه قدر ما يحتاج إليه.. فقد قال الشافعي ها هنا وفي (الدعوى) : (يجوز) . وقال في (اللقطة الكبير) من " الأم " (٣/٢٩٠) : (إذا وجد الرجل ضالة وأراد أن ينفق عليها من ماله على أن يرجع بذلك على صاحبها.. لم يجز، إلا أن يدفع ذلك إلى الحاكم حتى ينصب عدلًا، فيأمر الملتقط بدفع المال إليه، حتى يتولى الإنفاق) . فمن أصحابنا من نقل جواب كل واحدة منهما إلى الأخرى، وخرجهما على قولين: أحدهما: لا يجوز أن يأذن له في الموضعين بالإنفاق، بل ينصب أمينًا يجعل المال في يده، ويعطيه قدر النفقة كل يوم؛ لأنه إذا أذن له في أن ينفق النفقة مما في يده.. صار قابضًا من نفسه ومقبضًا، وإنما يجوز ذلك في الأب والجد. قال الشيخ أبو حامد: وهذا التعليل إنما يصح في الضالة، وفي اللقيط إذا لم يكن له مال فأقرضه الملتقط. والقول الثاني: أنه يجوز أن يأذن له في الإنفاق، وهو الصحيح؛ لأن الملتقط أمين. فإذا أذن له في الإنفاق.. صار وليًا، وللولي أن ينفق على المولى عليه من ماله بإذن الحاكم، كالولي على اليتيم من قبل الحاكم والوصي. ولأنه لا خلاف أنه إذا أخذ المال من يده، جاز أن يدفع إليه كل يوم قدر النفقة ويتولى إنفاق ذلك عليه، فجاز إقرار المال بيده لينق منه قدر حاجته. ومن أصحابنا من حملها على ظاهرهما فقال في اللقيط: يجوز، وقال في الضالة: لا يجوز. والفرق بينهما: أن اللقيط مولى عليه بكل حال؛ لأنه إذا لم يكن له أب ولا جد.. فالحاكم وليه. وإذا كان له أحدهما.. قام الحاكم مقامه عند غيبته، وقد أذن له. وأما الضالة: فيجوز أن تكون لبالغ رشيد لا ولاية للحاكم عليه.

стр. 3816

إذا ثبت هذا: فإذا قلنا: إنه ينصب أمينًا يدفع المال إليه ليعطيه النفقة.. قدر له الحاكم ما يعطيه كل يوم. وإن قلنا: يأمره بالإنفاق.. فإنه ينفق ما يحتاج إليه في العرف. فإذا بلغ اللقيط واختلفا في قدر النفقة، فإن كان ما يدعيه الملتقط النفقة بالمعروف.. فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه أمين. وإن أدعى أكثر من النفقة بالمعروف.. لم يقبل قوله في الزيادة، ولزمه ضمان الزيادة. فإن لم يكن في البلد حاكم، فأنفق الملتقط من غير إشهاد ... ضمن. وإن أشهد، فهل يضمن؟ فيه قولان، وقيل: هما وجهان: أحدهما: يضمن؛ لأنه أنفق بغير إذن الحاكم، فضمن كما لو كان في البلد حاكم. والثاني: أنه لا يضمن؛ لأنه موضع ضرورة، والإنفاق لا بد منه، إذ لو ترك من غير إنفاق.. مات. وإن لم يكن للقيط مال.. أنفق عليه من بيت المال، لما روي (أن عمر ﵁ استشار الصحابة ﵃ في نفقة اللقيط.. فقالوا: ينفق عليه من بيت المال) ، ولأنه لو كان بالغًا معسرًا، كانت نفقته في بيت المال، فاللقيط بذلك أحق. وإن لم يكن في بيت المال شيء، أو كان فيه شيء ولكن احتيج إليه لما هو أهم من ذلك.. فإنه يجب على المسلمين الإنفاق عليه، كما لو أضطر بالغ إلى الطعام، فإنه يجب على المسلمين بذل ما يحتاج إليه من الطعام، وهل يجب ذلك عليهم على وجه الإنفاق، أو على وجه القرض؟ فيه قولان: أحدهما: يجب عليهم ذلك على وجه الإنفاق بلا عوض؛ لأنه ضائع لا حيلة له، فوجب الإنفاق عليه بغير عوض، كالمجنون الذي لا يعقل ولا شيء له، فإنه يجب على المسلمين الإنفاق عليه، وكذلك يجب عليهم كفن ميت لا مال له. والثاني: يجب عليهم ذلك، ويكون قرضًا لهم عليه، وهو المنصوص؛ لأنه نفقة لإحيائه، فلم يجب إلا بعوض، كالمضطر إلى الطعام. فإذا قلنا: يجب عليهم بغير عوض.. فإن ذلك يجب على من علم به. فإذا قام به بعضهم.. سقط الفرض عن

стр. 3817

الباقين. وإن تركوا الإنفاق عليه.. أثموا، وللإمام أن يقاتلهم عليه كما يقاتلهم على ترك صلاة الجنازة. وإن قلنا: يجب عليهم، ويكون قرضًا لهم.. قيل للملقط: أتقرضه أنت؟ فإن قال: نعم.. جاز أن يقترض منه. فإن قبض الحاكم منه المال، ثم دفعه إليه، أو إلى أمين لينفقه عليه.. جاز، وإن أمره الحاكم أن ينفق عليه قرضًا عليه.. فهل يصح؟ فيه طريقان، كما قلنا فيه إذا أمره أن ينفق من مال اللقيط بيده. وإن لم يجد مع الملتقط ما يقرضه.. اقترض له من غيره من المسلمين. فإن لم يقرضوه.. قال الشافعي ﵀: (أحصى الحاكم أهل البلد وأحصى نفسه معهم وقسط نفقته عليهم بالحصص) . ثم ينظر: فإن حصل في بيت المال شيء قبل بلوغ اللقيط، أو قبل يساره.. قضى عنه ذلك من بيت المال؛ لأنه لو كان في بيت المال شيء، كانت نفقته منه. فوجب قضاء ما اقترض عليه منه. وإن حصل للطفل مال.. وجب قضاء ذلك منه. هذا ترتيب الشيخ أبي حامد، وابن الصباغ. وذكر الشيخ أبو إسحاق في " المهذب ": إذا لم يكن للقيط مال.. ففي نفقته قولان: أحدهما: يجب في بيت المال. فعلى هذا: لا يرجع بما ينفق عليه على أحد. والثاني: لا يجب في بيت المال؛ لأن مال بيت المال لا يصرف إلا فيما لا وجه له غيره، واللقيط يجوز أن يكون عبدًا، فتكون نفقته على سيده، أو حرا له مال، فنفقته في ماله، أو فقيرًا له من يلزمه نفقته. فعلى هذا: يستقرض له الإمام نفقته من بيت المال، أو من رجل من المسلمين. فإن لم يكن يمكن ذلك.. جمع الإمام من له مكنة وعد نفسه فيهم، وقسط نفقته عليهم. فإن بان أنه عبد.. رجع على مولاه. وإن بان أن له أبًا موسرًا.. رجع عليه بما

стр. 3818

اقترض عليه. وإن كان له كسب.. قضى منه. وإن لم يكن له شيء من ذلك.. قضى من سهم من يرى الإمام من المساكين أو الغارمين. [مسألة ثبوت الولاية على اللقيط] ) : إذا التقط اللقيط حر مسلم ثقة موسر مقيم.. أقر في يده؛ لأنه لا بد له أن يكون في يد من يكفله، فكان الملتقط أحق. وإن التقطه عبد.. لم يقر في يده؛ لأنه لا يقدر على حضانته مع خدمة سيده. فإن علم به السيد وأقره في يده.. جاز وكان السيد هو الملتقط، كما قلنا في العبد إذا التقط لقطة وعلم بها السيد وأقرها في يده. وإن التقطه كافر، فإن كان اللقيط محكومًا بإسلامه.. لم نقره في يده؛ لأن القيام بأمر اللقيط ولاية، والكافر ليس من أهل الولاية على المسلم، ولأنه ربما فتنه عن دينه. وإن كان اللقيط محكومًا بكفره.. أقر في يده؛ لأن الكافر يلي على من هو من أهل دينه. وإن التقطه فاسق.. لم يقر في يده؛ لأن القيام بأمر اللقيط ولاية، والفاسق ليس من أهل الولاية، ولأنه لا يؤمن أن يسترقه. وإن التقطه معسر. ففيه وجهان. (أحدهما) : قال عامة أصحابنا: يقر في يده؛ لأن نفقته لا تجب على الملتقط، ولأن حضانة اللقيط ولاية، والمعسر من أهل الولاية. والثاني: قال أبو إسحاق: لا يقر بيده؛ لأنه قد يريد التبرع بالإنفاق عليه، فلا يمكنه ذلك مع الإعسار. وإن وجد اللقيط في مصر أو قرية: فإن وجده من يصلح للحضانة من أهل المصر والقرية، ويريد الإقامة فيه.. أقر في يده. وإن وجده من هو على الخروج منها إلى غيرها.. نظرت: فإن كان يريد الانتقال إلى بادية.. لم يقر في يده لثلاثة معان:

стр. 3819

أحدها: أن تركه في الموضع الذي وجده فيه أرجى لظهور نسبه من الموضع الذي ينقله إليه. والثاني: أن الحضر أوفق للقيط، وأحظ له؛ لأنه يوجد في الحضر ما يحتاج إليه لتربية الطفل، ولا يوجد ذلك في البادية. والثالث: أن تركه في الحضر أظهر لحريته؛ لأنه إذا أقام به في المصر.. علم الناس به. وإذا خرج به إلى البادية. لا يؤمن أن يسترقه الملتقط، أو يموت فيسترقه وارثه. وإن أراد الملتقط أن ينتقل به إلى مصر أو قرية مثل الموضع الذي وجده فيه.. ففيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأنه ينقله إلى مثل الموضع الذي وجده فيه. والثاني - وهو المذهب -: أنه لا يجوز، لما ذكرناه إذا أراد الانتقال به إلى البادية. وإذا ثبت هذا: فإن الشافعي قال: (ولو أراد الذي التقطه الظعن به، فإن كان يؤمن أن يسترقه. فذلك له، وإلا.. منعه) . قال أصحابنا: أراد بهذا: أن الرجل إذا التقط لقيطا، وثبتت ولايته عليه بكونه أمينًا، ثم أراد بعد ذلك أن يظعن من ذلك البلد، وينتقل إلى بلد أخر، أو قرية أخرى، وينقل اللقيط معه. فإن كان يؤمن أن يسترقه، بأن يكون قد عرفت أمانته، وخبر في الظاهر والباطن.. فله أن ينقله مع؛ لأنه قد ثبت له حق الولاية والتربية، فكان أولى من غيره لثبوت يده عليه وولايته. وإن لم يؤمن أن يسترقه، مثل أن لم تختبر أمانته في الظاهر والباطن.. لم يقر في يده؛ لأنه لا يؤمن أن يسترقه. فإن قيل: هذا مناقضة على قول الشافعي؛ لأن اللقيط لا يقر إلا في يد أمين، فكيف قال ها هنا: (إذا أراد أن يظعن به - إن كان يؤمن أن يسترقه - ترك، وإلا منع) ؟

стр. 3820

فالجواب: أن الملتقط إذا لم يكن فاسقًا، وهو أمين في الظاهر دون الباطن، بأن يكون غريبًا دخل البلد، ولم تختبر أمانته في الباطن، فإن اللقيط يقر بيده؛ لأنه عدل في الظاهر، فهذا لا يمكن من الانتقال به وإن أقر بيده في البلد. وأما الأمين الذي عرفت أمانته في الظاهر والباطن، بأن كان قد نشأ في البلد، وعرفت أمانته ظاهرًا وباطنًا.. فهذا يقر اللقيط بيده، ويمكن من الانتقال به بعد ثبوت ولايته عليه. وأما إذا وجدا اللقيط في البادية، فإن كان الواجد له من مصر أو قرية بقرب تلك البادية، وأراد حمله معه إلى المصر أو القرية.. أقر بيده؛ لأن ذلك أحظ له من البادية. وإن كان الواجد له بدويًا، فإن كان مقيمًا في الموضع الذي وجده فيه.. أقر بيده؛ لأن ذلك أرجى لظهور نسبه، وإن كان ينتقل في طلب الماء والكلأ.. ففيه وجهان: أحدهما: يقر بيده؛ لأنه هو الواجد له، وهو من أهل الولاية. والثاني: لا يقر في يده؛ لأن على اللقيط مشقة في التنقل. [مسألة تنازع واجدان حضانة لقيط] ) : إذا وجد اثنان لقيطًا، وتنازعا في حضانته وهما من أهل الحضانة: فإن كان ذلك قبل أن يأخذاه.. أخذه الحاكم، وأقره في يد من يرى منهما، أو من غيرهما؛ لأنه لا حق لهما قبل أن يأخذاه. وإن التقطاه وتشاحا في حضانته.. أقرع الحاكم بينهما، فمن خرجت له القرعة.. كان أحق به. وقال أبو علي بن خيران: يقره الحاكم بيد من يرى منهما من غير قرعة. والمذهب الأول، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤] [آل عمران: ٤٤] ولأنه لا يمكن أن يجعل في أيديهما؛ لأنه لا يمكن اجتماعهما على حضانته. ولا يمكن أن يجعل بينهما فيكون عند أحدهما زمانًا، وعند الآخر مثله؛ لأن في ذلك إضرارًا باللقيط؛ لأن الأغذية تختلف عليه، ويستوحش بمفارقة من أنس إليه. ولا
следующие страницы →