← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21721

البيان في مذهب الإمام الشافعي

العمراني

Полный текст (7 092 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

فإن كان في يده مال.. دفعت الأثمان عنه، وما بقي منه يكون لسيده. وإن لم يف بالأثمان، أو لم يكن في يده مال.. كان ذلك دينًا في ذمته، يتبع به إذا عتق. هكذا قال الشيخ أبو حامدٍ. وقال ابن الصباغ: إن كان له كسب.. استوفى ذلك من كسبه. وإن كان غلامًا، فنكح، فإن قلنا: يقبل قوله فيما يضره ويضر غيره.. حكم بفساد النكاح؛ لأنه وقع بغير إذن سيده. وإن لم يدخل بها.. فلا شيء عليه. وإن دخل بها.. وجب عليه مهر مثلها. ومن أين يستوفى؟ فيه قولان: قال في القديم: (يستوفى من رقبته، كأرش الجناية) . وقال في الجديد: (يتبع به إذا عتق) لأنه وجب برضا من له الحق، فهو كثمن المبيع، هكذا ذكر الشيخ أبو حامدٍ وابن الصباغ. وذكر الشيخ أبو إسحاق في " المهذب ": أنه إذا دخل بها.. لزمه أقل الأمرين من مهر المثل أو المسمى؛ لأن المسمى إن كان أقل.. لم يجب ما زاد؛ لأنها لا تدعيه. وإن كان مهر المثل أقل.. لم يجب ما زاد؛ لأن قوله مقبول وإن ضر غيره. وأما إذا قلنا: يقبل قوله فيما يضره، ولا يقبل فيما يضر غيره.. فإنا نحكم بأن النكاح وقع صحيحًا، ولا نحكم ببطلانه فيما مضى؛ لأن ذلك يضر بالزوجة. ولكن يحكم بانفساخه من الآن؛ لأنه أقر بتحريمها عليه. فإن كان لم يدخل بها.. لزمه نصف المسمى. وإن كان قد دخل بها.. لزمه جميع المسمى، فإن كان في يده كسب.. استوفى المهر منه، وإن لم يكن في يده كسب.. استوفى مما يكسبه من الآن؛ لأنه لو تزوج بإذن المولى.. لكان المهر من كسبه، فكذلك ها هنا مثله. [فرع جناية اللقيط عمدًا] وإن جنى اللقيط على غيره عمدًا بعد أن أقر بالرق.. وجب عليه القود، سواء كان المجني عليه حرًا أو عبدًا؛ لأن ذلك يضره، وإن كانت جنايته على غيره خطأ.. ففيه ثلاثة أوجه:

стр. 3852

[الوجه الأول] قال الشيخ أبو حامد: يتعلق الأرش برقبته على القولين؛ لأنا قد حكمنا بأن أرش هذه الجناية في بيت المال، والآن فقد أقر بالرق، وهذا يضره، فقبل، فيؤخذ بالأرش من ماله إن كان بيده مال. وإن لم يكن بيده مال، أو كان ولم يف.. بيعت رقبته. و [الوجه الثاني] قال القاضي أبو الطيب: إن قلنا: لا يقبل قوله فيما يضر غيره.. كان الأرش في بيت المال؛ لأن كونه في بيت المال أنفع للمجني عليه؛ لأن الرقبة قد لا تفي بالجناية، وربما تلفت قبل استيفاء الأرش منها، فيسقط الأرش. و [الوجه الثالث] قال ابن الصباغ: إذا قلنا: يقبل قوله فيما يضر غيره.. لم يكن للمجني عليه حق في بيت المال، بل يتعلق حقه في رقبة اللقيط. وإن قلنا: لا يقبل قوله فيما يضر غيره، وكان الأرش أكثر من قيمة الرقبة.. استحق المجني عليه قيمة الرقبة، ووجب ما زاد له في بيت المال؛ لأنه قد تعلق حقه في بيت المال، فلا يسقط بقول الجاني. وأما إذا جني على اللقيط بعد أن أقر بالرق.. نظرت: فإن كانت الجناية عليه عمدًا، فإن كان الجاني عليه عبدًا.. وجب عليه القود؛ لأنه مكافئ له. وإن كان الجاني عليه حرًا.. لم يجب عليه القود؛ لأن العبد لا يستحق القود على الحر، ويكون عليه من الأرش ما على المخطئ عليه. وإن كانت الجناية عليه خطأ، بأن قطع رجل يده خطأ، فإن كان نصف القيمة أقل من نصف الدية، أو كانا سواء.. وجب على الجاني نصف القيمة. وإن كان نصف القيمة أكثر من نصف الدية، فإن قلنا: يقبل إقراره فيما يضره ويضر غيره.. لزم الجاني نصف القيمة، وإن قلنا: لا يقبل قوله فيما يضر غيره.. لزمه نصف الدية لا غير. [فرع إقرار اللقيط بالرق] وإن أقر اللقيط أنه عبد لرجل، فكذبه المقر له.. سقط حق المقر له لتكذيبه. فإن أقر اللقيط بعد ذلك أنه عبد لآخر، أو صادقه المقر له الأول.. فقد قال أبو العباس:

стр. 3853

يقبل، كما لو أقر لرجل بدار فكذبه المقر له، ثم أقر بها لآخر، أو صادقه المقر له. والمنصوص: (أنه لا يقبل) ؛ لأنه قد أخبر أنه لا يملكه غير الأول، فإذا أسقط المقر له إقراره بتكذيبه له.. رجع إلى الأصل- وهو: الحرية - فلم يقبل إقراره لغيره. ويخالف الدار، فإن الأول إذا كذب إقراره.. رجعت الدار إلى ملكه، وإقراره في ملكه مقبول. [فرع ادعاء رجل عبودية اللقيط] وإن ادعى رجل على اللقيط أنه عبده، فأنكر اللقيط أنه عبده، ثم أقر له بعد ذلك.. قال المسعودي [في " الإبانة " ق\٣٦٧] : قبل إقراره له، كما لو ادعى الزوج أنه راجع امرأته في عدتها، فأنكرت، ثم أقرت بصحة الرجعة. وإن أنكر اللقيط فأقام المدعي بينة.. حكم له بملكه، وكان حكمه حكم الرقيق في التصرفات قبل قيام البينة وبعدها، سواء تقدم منه إقرار بحريته أو لم يتقدم. وإن لم يكن مع المدعي بينة، وسأل اللقيط أن يحلف له: فإن كان قد تقدم من اللقيط إقرار بالحرية.. لم يحلف؛ لأنه لو أقر له بالرق.. لم يقبل إقراره، فلا فائدة في عرض اليمين. وإن لم يتقدم منه إقرار بالحرية، فإن قلنا بقول عامة أصحابنا: يقبل إقراره بالرق قولا واحدًا.. حلف لجواز أن يخاف من اليمين فيقر. وإن قلنا بقول أبي الطيب بن سلمة.. هل يقبل إقراره بالرق؟ فيه قولان: فإن قلنا: يقبل.. حلف لجواز أن يخاف من اليمين فيقر. وإن قلنا: لا يقبل إقراره.. لم يحلف؛ لأنه لو خاف من اليمين فأقر بالرق.. لم يقبل إقراره، فلا فائدة في اليمين. قلت: وينبغي أن يبني على القولين في يمين المدعي مع نكول المدعى عليه،

стр. 3854

فإن قلنا: إنها كالبينة.. عرضت اليمين على اللقيط على هذا القول أيضا، لجواز أن ينكل عن اليمين، فيحلف المدعي فيكون كما لو أقام البينة. وإن قلنا: إنه كالإقرار.. لم تعرض. والله أعلم

стр. 3855

[كتاب الوقف]

стр. 3856

كتاب الوقف الوقف: عطية مؤبدة. يقال: وقف، ولا يقال: أوقف، إلا في شاذ اللغة. ويقال حبس وأحبس. إذا ثبت هذا: فإن الوقف يصح، ويلزم بالقول ولا يفتقر إلى القبض. وبه قال مالك وأبو يوسف.

стр. 3857

وقال محمد بن الحسن وابن أبي ليلى: يصح الوقف، ولكن يفتقر إلى القبض. وقال أبو حنيفة: (لا يصح الوقف أصلا) ولكن أصحابه استشنعوا هذا، فقالوا: يصح الوقف، ولكن لا يلزم، بل له بيعه وهبته. ولا يلزم إلا في موضعين: إما أن يحكم به الحاكم، أو يوصي الواقف به. دليلنا: ما روى نافع، عن ابن عمر: «أن عمر ﵄ ملك مائة سهم بخيبر ابتاعها، فأتى النبي ﷺ ) وقال: يا رسول الله إني ملكت مالًا لم أملك مثله قط، وأردت أن أتقرب به إلى الله تعالى، فقال ﷺ : " حبس الأصل، وسبل الثمرة» . قال: فتصدق به عمر ﵁ في الفقراء وفي القربي وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل، لا يباع ولا يوهب ولا يورث. لا جناح على من وليها أن يأكل منها غير متأثل مالًا، تنظر فيها حفصة ما عاشت، فأما إذا ماتت فذوو الرأي من أهلها، يعني: من أهل الوقف.

стр. 3858

فوجه الدليل من الخبر: أن عمر ﵁: سأل النبي ﷺ عن جهة التقرب، فقال: «حبس الأصل» فاقتضى الظاهر أن القربة تحصل بنفس الحبس. ولم يعتبر حكم الحاكم به بعد الوقف، ولا الوصية به. قال الشافعي: (ومعنى قوله ﷺ : «حبس الأصل» أي بما عليه الأموال المطلقة، فلا تباع ولا توهب ولا تورث. إذ لا معنى لقوله: «حبس الأصل» إلا هذا. وأيضًا فإن عمر حبس، وقال: (لا يباع ولا يوهب ولا يورث) وهذا بيان حكم الوقف) . ومعلوم: أن عمر كان جاهلًا بأصل الوقف حتى سأل النبي صلى لله عليه وسلم. فكيف يجهل أصل الوقف، ويعلم حكمه؟ فعلم أنه إنما ذكر هذا الحكم بتوقيف من النبي ﷺ . وإن لم يكن بتوقيف منه، فلا يجوز أن يخفى هذا على النبي ﷺ . فلما لم ينكره.. دل على أن هذا حكم الوقف. وروي: عن أبي بكر، وعثمان، وطلحة: أن كل واحد منهم وقف داره. وروي: (أن فاطمة وقفت على بني هاشم، وبني المطلب) . ووقف علي عليهم، وأدخل معهم غيرهم.

стр. 3859

وروي عن جابر: أنه قال: (لم يبق في أصحاب النبي ﷺ من له مقدرة إلا وقد وقف) . وروي: أن عمرو بن العاص قدم من اليمن إلى المدينة فقال: (لم يبق في المدينة لأهلها شيء إلا وهو وقف) . وروي: أن عليًا ﵁ حفر بئرًا بـ: ينبع، فخرج ماؤها مثل عنق البعير. فقيل: بخت الوارث. قال: فتصدق بها علي وكتب: (هذا ما تصدق به علي بن أبي طالب ابتغاء وجه الله، وليصرفه عن النار، ويصرف النار عنه ينظر فيه الحسن ما عاش، ثم الحسين، ثم ذوو الرأي من ولده) . وهذا إجماع من الصحابة ﵃ على الوقف. [مسألة وقف ما تثبت عينه] ويصح الوقف في كل عين يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها، كالدور والأرضين والثياب والأثاث والسلاح والحيوان. وقال أبو حنيفة: (لا يصح وقف الحيوان وإن حكم به الحاكم) . وقال محمد بن الحسن: يصح الوقف في الحيوان إلا في الخيل. دليلنا: ما روي: «أن النبي ﷺ : بعث عمر ساعيًا، فلما رجع.. شكا ثلاثة نفر: العباس بن عبد المطلب، وخالد بن الوليد، وابن جميل. فقال ﷺ : ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله، وأما خالد.. فقد ظلمتموه، قد احتبس أدراعه

стр. 3860

وأعبده في سبيل الله. وروي: وأعتده» . والأعتد: الخيل. فالخبر حجة على أبي حنيفة ومحمد. وروي: «أن أم معقل أتت النبي ﷺ وقالت: يا رسول الله! إن أبا معقل وقف ناقة في سيبل الله، وإني أريد الحج، فقال النبي ﷺ : اركبيها، فإن الحج والعمرة في سبيل الله» ويصح وقف الصغير من الحيوان؛ لأنه يرجى الانتفاع به. ولا يصح الوقف في الحمل؛ لأنه تمليك منجز.. فلم يصح في الحمل وحده، كالبيع. وقولنا: (تمليك منجز) احتراز من الوصية. وقولنا: (وحده) احتراز ممن وقف حيوانًا حاملًا، فإنه يصح الوقف في الحمل تبعًا لأمه، ولا يصح الوقف فيما لا يمكن الانتفاع به على الدوام، كالحيوان الذي تحطم، والطعام والريحان.

стр. 3861

وحكي عن مالك والأوزاعي أنهما قالا: (يجوز وقف الطعام) . وهذا ليس بصحيح؛ لأنه لا يمكن حبس أصله. [فرع وقف العين غير الثابتة] وهل يصح وقف الدراهم والدنانير؟ فيه وجهان: إن قلنا: تصح إجارتها.. صح وقفها. وإن قلنا: لا تصح إجارتها.. لم يصح وقفها. وهذا هو الصحيح؛ لأنه لا خلاف أنه لو غصب منه دراهم أو دنانير.. لم يجب عليه أجرتها. وأما وقف الكلب: فاختلف أصحابنا فيه: فقال بعضهم: فيه وجهان بناء على الوجهين في إجارته. وقال القفال: لا يصح وقفه وجهًا واحدًا؛ لأنه لا يصح تمليكه. وقال بعضهم: يصح وقفه وجهًا واحدًا، كما تصح الوصية به. وهل يصح وقف أم الولد؟ فيه قولان: أحدهما: لا يصح؛ لأن الوقف تمليك، وأم الولد لا تملك. والثاني: يصح وقفها، كما يصح إجارتها. فعلى هذا: إذا مات سيدها.. عتقت بموته؛ لأن ذلك قد ثبت لها بالاستيلاد، فلا يبطل بوقفها، كما لا يبطل بإجارتها. [فرع الوقف في شيء معين] ولا يصح الوقف إلا في عين معينة. فإن وقف عينًا في ذمته.. لم يصح؛ لأن ذلك إبطال لمعنى الملك فيها، فلم يصح في عين بذمته، كالعتق.

стр. 3862

فإن قال: وقفت أحد هؤلاء العبيد.. لم يصح؛ لأنه تمليك منجز، فلم يصح في عين غير معينة، كالبيع والهبة. [فرع وقف المشاع] ويصح الوقف في المقسوم والمشاع، وبه قال مالك وأبو يوسف. وقال محمد بن الحسن: لا يصح الوقف في المشاع. دليلنا: حديث عمر: (أنه وقف مائة سهم بخيبر) . وهذا وقف مشاع. ويصح وقف علو الدار دون سفلها، أو سفلها دون علوها؛ لأنهما كالعينين. [مسألة الوقف فيما فيه طاعة] ولا يصح الوقف إلا على ما فيه طاعة لله، كالوقف على أولاده أو على قرابته أو الفقراء والمساكين وطلبة العلم، وكالوقف على المساجد والسقايات والقناطر والمقابر، لما ذكرناه من أخبار الصحابة. فإن كان الوقف على غير معين.. فهل تفتقر صحته إلى قبول الموقوف عليه. وإن كان على معين.. فهل تفتقر صحته إلى قبول الموقوف عليه؟ فيه وجهان: الصحيح: أنه لا يفتقر. وقال المسعودي (في " الإبانة " ق\٣٥٢) : يفتقر إلى قبوله. ومن قال: لا يفتقر إلى القبول.. فإن الموقوف عليه إذا كان معينًا، ورد الوقف.. بطل الوقف عليه. وإن وقف على آدمي.. فلا بد أن يكون موجودًا حيًا يوم الوقف عليه. وإن وقف على ميت، أو على من يولد له.. لم يصح؛ لأنه عقد تمليك في حال الحياة، فلم يصح إلا على موجود حي، كالهبة والبيع.

стр. 3863

إذا ثبت هذا: فإن الشافعي ﵀ قال: (ولا يجوز أن يخرجها من ملكه إلا إلى مالك منفعة يوم يخرجها إليه) . فإن قال قائل: لم قال الشافعي: (لا يجوز الوقف إلا على مالك) وعنده يجوز الوقف على المساجد والسقايات والقناطر والمقابر؟! قلنا: عن ذلك جوابان: أحدهما: أن الوقف على المساجد والسقايات والقناطر والمقابر وقف على المسلمين في الحقيقة؛ لأن منفعة هذه الأشياء ترجع إليهم. والثاني: أنه أراد بذلك: إذا وقف على الآدمي.. فلا يصح الوقف إلا على موجود حي. فأما الميت والمعدوم: فلا يصح الوقف عليه. فإن قيل: أليس لو وقف على أولاده وعقبهم.. جاز، وأن كان العقب لم يخلق؟ قلنا: إنما جاز ذلك على سبيل التبع للموقوف عليه الموجود. [فرع الوقف على ذمي] وإن وقف مسلم أو ذمي على ذمي.. صح الوقف؛ لأنه يصح أن يملك بصدقة التطوع.. فصح الوقف عليه، كالمسلم. وإن وقف مسلم أو ذمي على كنائس أهل الذمة وبيعهم.. لم يصح الوقف؛ لأنها مجامع الكفر ومشاتم الرسول ﷺ . وكذلك الوقف على خادمها.. لا يصح؛ لأن خدمتها من عمارتها. وإن وقف على النازلين في الكنائس من المارة من أهل الذمة.. قال ابن الصباغ: صح الوقف؛ لأنه وقف على أهل الذمة دون الكنائس والبيع. وإن وقف شيئًا على كتب التوراة والإنجيل.. لم يصح؛ لأنها مبدلة مغيرة، فلا حرمة لها. وإن وقف شيئًا على من يقطع الطريق، أو يرتد عن الدين.. لم يصح؛ لأن الوقف

стр. 3864

لا يصح إلا على بر، وهذا إعانة على المعصية. وإن وقف على مرتد أو حربي.. ففيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق: أحدهما: يصح، كما يصح الوقف على الذمي. والثاني: لا يصح؛ لأنه مأمور بقتلهما، فلا معنى للوقف عليهما. وهذا يبطل بالزاني المحصن، فإنه مأمور بقتله، ويصح الوقف عليه. [فرع الوقف على بهيمة رجل] وإن وقف على بهيمة رجل.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يصح؛ لأنها لا تملك، فلم يصح الوقف عليها. والثاني: يصح. قال ابن الصباغ: وهو ظاهر المذهب؛ لأن ذلك وقف على مالكها، قال: إلا أنه ينفق منه عليها، فإذا نفقت- أي: ماتت- كان لصاحبها. وأما إذا وقف على عبد أو أم ولد.. ففيه طريقان: قال الشيخان- أبو حامد وأبو إسحاق -: لا يصح الوقف عليهما؛ لأنه تمليك منجز، فلم يصح على العبد، كالهبة. وقال القاضي أبو الطيب في (المجرد) : يبني على القولين في أنه: هل يملك إذا ملكه السيد؟ فإن قلنا: إنه يملك.. صح الوقف عليه. فإذا أعتق.. كان له مثله. وإن قلنا: إنه لا يملك.. فهو كما لو وقف على بهيمة غيره، على وجهين: الصحيح: يصح.

стр. 3865

[مسألة وقف على نفسه ثم الفقراء] ) : إذا وقف شيئًا على نفسه، ثم على الفقراء والمساكين، أو على نفسه وأولاده، ثم على الفقراء.. لم يصح الوقف على نفسه. وقال ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وأبو يوسف، وأحمد: (يصح) . قال ابن الصباغ: وإليه ذهب أبو العباس وأبو عبد الله الزبيري من أصحابنا، لما روي: أن عمر ﵁ لما وقف قال: (لا بأس على من وليها أن يأكل منها غير متأثل مالًا) . فجعل لمن يليها أن يأكل منها. وقد يليها الواقف وغيره. وقد كانت بيده إلى أن مات. وروي: أن عثمان ﵁ لما وقف بئر رومة قال: (دلوي منها كدلاء المسلمين) ولأن الوقف وقفان: وقف خاص، ووقف عام. ثم ثبت: أن الوقف العام له فيه حظ، وهو: إذا وقف مسجدًا أو سقاية.. فإن له أن يصلي في المسجد، ويشرب من السقاية، فكذلك في الوقف الخاص. ودليلنا: أن الوقف تمليك للرقبة والمنفعة، فلا يجوز أن يملك نفسه من نفسه، كما لا يجوز ذلك في البيع والهبة. وأما حديث عمر: فمحمول على أنه شرط ذلك لغيره. وأما حديث عثمان: فلأن ذلك وقف عام، وهو يدخل في العام من غير شرط. إذا ثبت هذا، وأن وقفه على نفسه لا يصح: فإنه يكون وقفًا منقطع الابتداء متصل الانتهاء، على ما يأتي بيانه.

стр. 3866

[فرع التحبيس على الولد بشرط] ) : قال في (البويطي) : (إذا قال: داري حبس على ولدي، ثم مرجعها إلي إذا انقرض.. فالحبس باطل) . وقد قيل: جائز، ويرجع إلى أقرب الناس بالمحبس. [مسألة الوقف المعلق أو على التخيير] ) : وإن قال: وقفت داري هذه على أحد هذين الرجلين، أو على من يختاره فلان.. لم يصح؛ لأنه تمليك منجز، فلم يصح على غير معين، كالبيع. وإن قدر الوقف بمدة.. فاختلف أصحابنا فيه: فقال الشيخ أبو إسحاق: لا يصح من غير تفصيل. وقال المسعودي [في " الإبانة " ق\٣٤٩] : إذا قال: وقفت داري هذه على زيد سنة، ثم تعود ملكي بعد السنة.. ففيها ثلاثة أقوال: أحدها: لا يصح الوقف؛ لأن مقتضى الوقف التأبيد، وليس هذا بمؤبد. والثاني: يصح الوقف، ويرجع إليه بعد السنة، فكأنه جعل غيره أحق بمنفعة الدار هذه السنة بإجارة أو إعارة. والثالث: يكون كما لو قال: وقفتها على زيد وأولاده، وأطلق.. فيكون وقفًا متصل الابتداء منقطع الانتهاء، على ما يأتي بيانه. وقال ابن الصباغ: وإن قال: وقفتها على زيد سنة، وأطلق.. فإنه وقف متصل الابتداء منقطع الانتهاء، على ما يأتي بيانه. وإن قال: وقفت هذا على زيد سنة، ثم بعد السنة على الفقراء والمساكين.. فظاهر كلام ابن الصباغ أنه يصح قولًا واحدًا. وقد ذكر الشيخ أبو حامد ما يدل على ذلك في التي بعدها.

стр. 3867

[مسألة الوقف على أحوال] وإذا وقف وقفًا: فلا يخلو من أربعة أحوال: إما أن يكون معلوم الابتداء والانتهاء، أو يكون مجهول الابتداء والانتهاء، أو يكون معلوم الابتداء مجهول الانتهاء، أو يكون مجهول الابتداء معلوم الانتهاء. فإن كان معلوم الابتداء والانتهاء.. صح الوقف، وذلك يتصور من وجهين: أحدهما: أن يقفه على قوم معينين بالصفة لا يجوز بحكم العادة انقطاعهم، مثل: أن يقفه على الفقراء والمساكين، أو على طلبة العلم، أو أبناء السبيل، وما أشبه ذلك، أو على قبيلة لا تنقطع، كبني تميم. الثاني: أن يقفه على قوم معينين ينقطعون في العادة، ثم بعدهم على من لا ينقطع، مثل أن يقفه على أولاده وأولاد أولاده، فإذا انقرضوا، فعلى الفقراء والمساكين. قال الشيخ أبو حامد: ولا يجوز أن يكون الابتداء معلومًا بالصفة، والانتهاء معلومًا بالتعيين، مثل أن يقول: وقفت هذا على الفقراء والمساكين. ثم على أولادي، أو على بني تميم؛ لأن هذا لا يفنى؛ لأن الدنيا لا تخلو من فقراء ومساكين. قال: إلا أن يقدره بمدة، مثل أن يقول: وقفته على الفقراء والمساكين سنة، أو عشر سنين، ثم على أولادي، ثم على بني تميم، فيصح. فإن كان الوقف مجهول الابتداء والانتهاء، مثل أن يقول: وقفت داري على أولادي، ولا أولاد له، أو على رجال، أو على حمل هذه المرأة.. فلا يصح الوقف؛ لأن الوقف تمليك للرقبة والمنفعة، فلم يصح على من لا يملك، كما لا يصح البيع والإجارة من غير ملك. فإن كان الوقف معلوم الابتداء مجهول الانتهاء، مثل أن يقول: وقفت هذا على أولادي، ويسكت، وله أولاد، أو على أولادي وأولاد أولادي ما تناسلوا وتعاقبوا،

стр. 3868

ولم يصرفه بعد انقراضهم على سبيل لا ينقطع.. ففيه قولان: أحدهما: أن الوقف باطل. وبه قال محمد بن الحسن؛ لأن مقتضى الوقف التأبيد، وهذا ليس بمؤبد؛ لأن نسله قد ينقطع، فلم يصح الوقف، كما لو كان مجهول الابتداء والانتهاء. والثاني: يصح الوقف. وبه قال مالك؛ لأن ابتداء الوقف معلوم، ويمكن نقله إلى غيره بعد انقراضه، فصح، كما لو كان معلوم الابتداء والانتهاء. فإذا قلنا: إن الوقف باطل.. فإن الموقوف يكون باقيًا على ملك الواقف. وإذا قلنا: إن الوقف صحيح.. فإن الوقف يصرف إلى الموقوف عليهم ما داموا. فإذا انقرضوا.. ففيه ثلاثة أقوال حكاها المسعودي [في " الإبانة " ق\٣٤٧] : أحدها: يصرف إلى المساكين؛ لأنهم هم الذين يؤول إليهم الوقف الصحيح. والثاني- وهو قول أبي يوسف -: أنه يرجع ملكًا إلى الواقف إن كان باقيًا، أو إلى وارثه إن كان ميتًا؛ لأنه جعله وقفًا على ما سماه، فلا يجوز أن يكون وقفًا على غيره، فرجع إلى الواقف. والثالث- وهو الصحيح، ولم يذكر أصحابنا البغداديون غيره-: أن ينقل إلى أقرب الناس بالواقف؛ لأن ملكه قد زال عنه على وجه القربة، فلم يعد إليه، كما لو أعتق عبدا. وإذا لم يعد ملكه إليه.. كان أقاربه بعد من سماه أولى؛ لأنه قصد جهة الثواب وأولى جهات الثوب أقاربه، لقوله ﷺ : «لا صدقة وذو رحم محتاج» ، وقوله ﷺ : «صدقتك على المساكين صدقة، وعلى ذي رحم اثنتان: صدقة وصلة» .

стр. 3869

فإذا قلنا بهذا: قال المسعودي [في " الإبانة " ق\٣٤٦] : فاختلف أصحابنا في أقرب الناس إليه: فمنهم من قال: هم ورثته الذين جعلهم الله أحق بميراثه. وقال ابن سريج: أقربهم جوارًا لا قرابة؛ لأن الشافعي قال: (يصرف إلى أقرب الناس بالواقف) وأقربهم به: جاره. ومنهم من قال: أقربهم به رحمًا وإن لم يكن وارثًا. وهذا هو المشهور. فعلى هذا: إن كان هناك ابن بنت أو ابنة بنت، وابن عم.. كان ابن البنت أو ابنة البنت أولى من ابن العم. وإن كان هناك قرابة له ذكور ونساء: سوى بينهم، فيقدم الأقرب فالأقرب. فأقربهم الأولاد، ثم أولادهم وإن سفلوا، فإن لم يكن أحد منهم.. فالأبوان. فإن اجتمعا.. استويا. فإن اجتمع له جد وأخ لأب.. ففيه قولان: أحدهما: أنهما سواء، كما قلنا في الميراث. والثاني: أن الأخ أولى؛ لأن تعصيبه تعصيب الأولاد. وهل يختص به فقراؤهم، أو يشترك به الأغنياء والفقراء؟ فيه قولان: أحدهما: يشترك فيه الأغنياء والفقراء؛ لأن اسم القرابة يجمعهم. والثاني: يختص به الفقراء؛ لأن القصد منه القربة، والقربة في الفقراء أكثر ثوابًا من الغني. فإن كان الوقف مجهول الابتداء معلوم الانتهاء، مثل أن يقف على ولده ولا ولد له، ثم على الفقراء. أو على قوم غير معينين ثم على الفقراء، أو على زيد ثم على الفقراء فرد زيد الوقف.. فإن الوقف يبطل عليه. وهل يبطل الوقف على الفقراء في هذه المسائل؟ اختلف أصحابنا فيه:

стр. 3870

فقال أبو علي بن أبي هريرة: هي على قولين كالتي قبلها. وقد نص الشافعي على القولين فيها في (حرملة) ؛ لأن الجهالة دخلت في أحد طرفي الوقف، فهو كما لو دخلت في الانتهاء. وقال أبو إسحاق: يبطل الوقف هاهنا قولًا واحدًا، وهو المنصوص في (المختصر) ؛ لأن الثاني فرع لأصل باطل، فكان باطلًا. فإذا قلنا: إنه باطل.. فلا كلام. وإذا قلنا: إنه صحيح.. فلا حق للبطن الأول فيه. وهل ينقل الوقف إلى البطن الثاني؟ ينظر فيه: فإن كان البطن الأول لا يمكن اعتبار انقراضه كرجل غير معين.. نقل الوقف في الحال إلى البطن الثاني. وإن كان الأول يمكن اعتبار انقراضه كأم ولده، أو وقف على وارثه في مرض موته ثم على الفقراء.. ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ينقل في الحال إلى البطن الثاني؛ لأن الوقف لم يصح على الأول، فكان وجوده كعدمه. والثاني: أنه يرجع إلى الواقف إن كان حيًا، أو إلى وارثه إن كان ميتًا، إلى أن ينقرض البطن الأول؛ لأنه لا يمكن نقله إلى الثاني في الحال؛ لأنه شرط في صرفه إليه انقراض الأول، فبقي على ملك الواقف. والثالث- وهو اختيار ابن الصباغ -: أنه ينقل إلى أقرب الناس بالواقف إلى أن ينقرض الأول، ثم ينقل إلى الثاني، كما قلنا في الوقف المعلوم الابتداء، المجهول الانتهاء.

стр. 3871

قال الشيخ أبو حامد: وقد نص الشافعي في (حرملة) : (أن رجلا لو وقف داره في مرض موته على ولده، وولد ولده.. صح الوقف في نصف الدار على ولد الولد، ولم يصح في النصف على الولد؛ لأنه وارث. فيكون للولد أخذ نصف غلة الوقف ما عاش، فإذا مات.. صار ذلك لولد الولد) فجعل للولد أخذ نصف الغلة بحق الملك، فإذا مات.. نقل إلى ولد الولد. فإذا قلنا: إنه ينقل إلى أقرباء الواقف.. فهل يختص به فقراؤهم، أو يشترك فيه أغنياؤهم وفقراؤهم؟ على ما مضى من القولين. [فرع وقف داره على اثنين ولم يذكر من بعدهما] قال المسعودي [في " الإبانة " ق\٣٤٧] : لو وقف داره على زيد وعمرو، وسكت عن ذكر من بعدهما، وقلنا: يصح، فمات أحدهما.. ففيه قولان: أحدهما: يرجع نصيب الميت إلى الباقي منهما؛ لأنها موقفة عليهما، فكان الباقي منهما أحق بها. والثاني: يصرف نصيب الميت منهما إلى ما يصرف جميعها إذا ماتا، على ما مضى. [فرع لم يذكر الموقوف عليه] ) : وإن قال: وقفت داري، أو تصدقت به صدقة محرمة، ولم يقل على من.. ففيه قولان: أحدهما: إن الوقف باطل؛ لأن الوقف تمليك فلا بد من مملك، كالبيع والهبة، ولأنه لا خلاف أنه لو قال: وقفت داري على أقوام أو رجال، أنه لا يصح الوقف وقد ذكر الموقوف عليه.. فبأن لا يصح ولم يذكره أولى. والثاني: يصح الوقف؛ لأن القصد من الوقف القربة، فصح وإن لم يذكر الواقف الموقوف عليه، كما لو قال: علي لله أن أضحي بهذه الشاة. ولأنه لو قال: أوصيت

стр. 3872

بثلثي وأطلق.. لصحت الوصية وصرفت إلى الفقراء، فكذلك هذا مثله. ويفارق البيع والهبة؛ لأنه ليس لهما مصرف معروف. ويفارق إذا وقف على قوم أو رجال غير معينين؛ لأنا لو صححناه ورددناه على قوم.. ربما أخطأنا مراده إن كان قصده غيرهم. فإذا قلنا: إن الوقف صحيح.. فإن الوقف يصرف إلى أقرباء الواقف؛ لأنهم أولى جهات الثواب. قال الشافعي: (ويستوي فيه الأغنياء والفقراء) . قال الشيخ أبو حامد: فنص على أحد القولين، ويجيء فيه القول الآخر أنه يختص به فقراؤهم. [مسألة يشترط للوقف القول] ) : ولا يصح الوقف إلا بالقول. وألفاظه ستة: وقفت، وحبست، وسبلت، وتصدقت، وحرمت، وأبدت. فإما الوقف: فهو صريح؛ لأنه لا يصلح في عرف اللغة إلا لذلك. وأما التحبيس، والتسبيل: فهما صريحان أيضًا؛ لأن الشرع ورد بهما، وهو قول النبي ﷺ : «حبس الأصل وسبل الثمرة» ولا يصلحان في اللغة إلا لذلك. أما الصدقة: فهو كناية. فإن نوي به الوقف، صار وقفًا فيما بينه وبين الله تعالى دون الحكم، إلا أن يقول: أنا نويت به الوقف، فيصير وقفًا فيما بينه وبين الله تعالى وفي الحكم؛ لأن هذه اللفظة مشتركة بين صدقة الفرض والتطوع، وهي في صدقة التطوع أظهر. فإن قرن بالصدقة لفظة من ألفاظ الوقف، بأن قال: صدقة موقوفة، أو محبسة، أو مسبلة أو محرمة، أو مؤبدة، أو قرن بها حكمًا من أحكام الوقف، بأن قال: صدقة لا تباع، ولا توهب، ولا تورث.. صار ذلك وقفًا؛ لأن انضمام ذلك إلى لفظ الصدقة لا يحتمل غير الوقف. وأما قوله: حرمت، وأبدت: ففيهما وجهان:

стр. 3873

أحدهما: أنهما كناية. وهو اختيار المحاملي؛ لأن قوله حرمت: يقتضي تحريمًا عن نفسه، ولا يقتضي تمليك العين. والوقف يقتضي تمليك العين، فلم تكن صريحة. وقوله أبدت: يقتضي التأبيد، وليس لهذه اللفظة عرف مستعمل. والثاني: أنهما صريحان. وهو اختيار ابن الصباغ؛ لأن لفظة التحريم والتأبيد في الجمادات لا يصلحان لغير الوقف. قال ابن الصباغ: ولأن الشافعي جعلهما مع لفظة الصدقة صريحين في الوقف. ولو كانا كناية في الوقف.. لم تصر الصدقة بهما صريحًا؛ لأن بإضافة الكناية إلى الكناية لا يحصل الصريح. [فرع يلزم الواقف للمسجد والمقبرة أن يتلفظ بذلك] ] : فإن بنى مسجدًا وأذن للناس في الصلاة فيه، أو أذن للناس في الدفن في أرضه.. لم يصيرا بذلك وقفًا. وقال أبو حنيفة: (إذا بنى في داره مسجدًا، وفتح بابه إلى الشارع، وأذن للناس في الصلاة فيه، أو أذن للناس بالدفن في أرضه.. صار بذلك وقفًا) . دليلنا: أنه تحبيس عين على وجه القربة، فكان من شرطه القول مع القدرة عليه، كما لو حبس دارًا على الفقراء والمساكين. وهذا احتراز من الأخرس. [مسألة صحة الوقف تزيل الملك] ) : وإذا صح الوقف.. زال ملك الواقف عن الوقف. وحكى أبو العباس ابن سريج فيه قولًا آخر: أنه لا يزول ملكه عن الوقف، وهو قول مالك، والأول هو المشهور؛ لأن الوقف سبب يقطع تصرف الواقف في الرقبة والمنفعة، فأزال الملك، كالعتق.

стр. 3874

إذا ثبت هذا: فإلى من ينتقل الملك في الوقف؟ نص الشافعي ها هنا: (أن الملك ينتقل فيه إلى الله تعالى) ونص في (الشهادات) : (أن الرجل إذا ادعي أن أباه وقف عليه، وأقام عليه شاهدًا واحدًا.. حلف معه) . فمن أصحابنا من قال: هذا يدل على أن الملك انتقل إلى الموقوف عليه؛ لأنه حكم بثبوت الوقف بشاهد ويمين، ولو انتقل إلى الله تعالى.. لم يحكم بثبوته بشاهد ويمين، كما قلنا في العتق، فتكون المسألة على قولين: أحدهما: ينتقل الملك فيه إلى الموقوف عليه، إلا أنه لا يملك التصرف في رقبته؛ لأن الوقف متمول، بدليل أنه يجب على متلفه القيمة، وما كان متمولًا، فإن الملك فيه للآدمي، كالحربي إذا استرق، والصيد. والثاني: أنه ينتقل إلى الله تعالى، وهو الصحيح؛ لأنه معنى يزيل الملك، لا يقصد به الانتفاع بالرقبة، فانتقل إلى الله تعالى كالعتق. وقال أبو العباس: ينتقل إلى الله تعالى قولًا واحدًا، لما ذكرناه. وإنما حكم الشافعي فيه بالشاهد واليمين؛ لأن ملك المنفعة للموقوف عليه، والمنافع تثبت بالشاهد واليمين. وحكى القاضي أبو الطيب طريقًا ثالثًا: أن الملك ينتقل إلى الموقوف عليه قولًا واحد. وحيث قال الشافعي: (يملك الموقوف عليه منفعته لا رقبته) أراد به: لا يملك بيع رقبته ولا هبتها، والصحيح الطريق الأول. وأما منفعة الوقف: فإنها ملك للموقوف عليه بلا خلاف. فإن كان الموقوف شجرة.. ملك الموقوف عليه ثمرتها، وتجب فيها الزكاة؛ لأنه يملكها. وإن كان الموقوف نصابًا من الماشية على رجل تجب عليه الزكاة، وحال عليها الحول، فإن قلنا: إن الملك فيها لله تعالى.. لم تجب فيها الزكاة، وإن قلنا: إنها في ملك الموقوف عليه، فهل تجب الزكاة عليه؟ فيه وجهان مضى ذكرهما في الزكاة.

стр. 3875

قال الشيخ أبو حامد: فإذا قلنا: يجب عليه.. فإنه لا يخرجها منها، وإنما يخرجها من ماله، ويملك الموقوف عليه صوفها ولبنها؛ لأنه غلتها. وإن ولدت أولادًا بعد الوقف.. ففيه وجهان: أحدهما: أن الولد ملك للموقوف عليه يجوز له بيعه؛ لأنه من نمائها، فهو كثمرة الشجرة وكسب العبد. والثاني: أن الولد يكون وقفًا، كالأم؛ لأن كل حكم ثبت للأم، تبعها فيه الولد، كأم الولد. وإن وقف بهيمة حاملًا.. قال ابن الصباغ: فإن قلنا: للحمل حكم.. كان الولد وقفًا. وإن قلنا: لا حكم للحمل.. كان كالولد الحادث بعد الوقف، على الوجهين. [فرع وطء الجارية الموقوفة] ] : وإن كان الموقوف جارية فوطئها الواقف، أو أجنبي بشبهة، أو أكرهها على الوطء.. وجب عليه المهر للموقوف عليه؛ لأن ذلك من كسبها. ولا يجوز للموقوف عليه وطؤها قولًا واحدًا؛ لأنه لا يملكها في أحد القولين، ويملكها في الثاني، إلا أنه ملك ضعيف، بدليل أنه لا يملك بيعها ولا هبتها. والوطء لا يكون إلا في ملك تام، فإن خالف ووطئها.. لم يجب عليه الحد؛ لأنه وطء شبهة، ولا يجب عليه المهر؛ لأنه لو وطئها غيره وطئًا يوجب المهر.. لكان المهر الذي يستحق عليه للموقوف عليه، فلا يجوز أن يستحق مهرها على نفسه. وهل يجوز تزويجها؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز. كما يجوز إجارتها. والثاني: لا يجوز؛ لأنه يخاف عليها أن تحبل من الوطء، وتموت منه، فيبطل حق البطن الثاني منها. وإذا قلنا: يجوز تزويجها.. فمن يزوجها؟

стр. 3876

إن قلنا: إن الملك فيها للموقوف عليه.. زوجها. وإن قلنا: إنه لله تعالى.. زوجها الحاكم بإذن الموقوف عليه، ويجب له مهرها. وإن أتت بولد.. كان على الوجهين في ولد البهيمة. [مسألة تلف الموقوف] وإن أتلف أجنبي الوقف، أو أتلفه الواقف.. وجب عليه قيمته، ولمن يكون؟ فيه طريقان: [الأول] : من أصحابنا من قال: إذا قلنا: إن الملك للموقوف عليه.. وجبت له القيمة، يتصرف فيها بما شاء. وإن قلنا: إن الملك لله تعالى.. اشترى بالقيمة شقصًا وأوقفه ويكون وقفًا بالعين التي أتلفت. و [الطريق الثاني] : قال الشيخ أبو حامد: يشتري بالقيمة مثل العين على القولين، وهو اختيار ابن الصباغ، لئلًا يبطل حق البطن الثاني منها. فإن كان الموقوف عبدًا، فقتله عبد عمدًا.. قال ابن الصباغ: فعندي أنه للموقوف عليه إذا قلنا: إن الموقوف عليه يستحق قيمته، أن يثبت له القصاص. وإن قلنا: إن الملك لله تعالى.. فإن القصاص إلى الإمام إن رأى ذلك. وإن قطعت يده خطأ.. وجبت فيها نصف قيمته، وفيها وجهان: أحدهما: تكون للموقوف عليه. والثاني: يشترى بها شقص من عبد. وإن قتله الموقوف عليه: فإن قلنا: إن القيمة تصرف إليه.. لم يجب عليه دفع القيمة؛ لأنه لا يستحق شيئًا على نفسه، كما لو قتل عبد نفسه.

стр. 3877

وإن قلنا: يشتري بالقيمة مثل العين.. أخذت منه القيمة، واشتري بها عبد يكون وقفًا كالأول، وعلى الموقوف عليه الكفارة بكل حال. [فرع وطء الواقف أو الأجنبي بشبهة] وإن كان الموقوف جارية، فوطئها الواقف، أو أجنبي بشبهة، فأتت منه بولد.. فإن الولد يكون حرًا للشبهة، ويجب عليه قيمته؛ لأنه أتلف رقه باعتقاده. فإن قلنا: إن الولد لو كان مملوكًا لكان للموقوف عليه.. وجبت القيمة له. وإن قلنا: إن الولد يكون وقفًا كأمه لو كان مملوكًا.. ففي قيمة الولد طريقان، كما قلنا في قيمة الوقف إذا أتلفه أجنبي، أو أتلفه الواقف. ولا تصير الجارية أم ولد للواطئ؛ لأنه وطئها في غير ملكه. وإن وطئها الموقوف عليه وأولد منها ولدًا.. فإن الولد يكون حرًا، سواء علم تحريم الوطء أو لم يعلم؛ لأنه يملكها في أحد القولين، وله فيها شبهة ملك في القول الثاني. فإن قلنا بأحد الوجهين- لو كان الولد مملوكًا كان للموقوف عليه- لم يجب عليه دفع قيمته. وإن قلنا: إن الولد يكون وقفًا كأمه.. بني على الطريقين في العين الموقوفة إذا أتلفها أجنبي، فإن قلنا: تؤخذ منه القيمة وتسلم إلى الموقوف عليه.. لم يجب على الموقوف عليه شيء. وإن قلنا: يشتري بها مثلها.. أخذت منه قيمة الولد، واشتري بها مثله. وهل تصير أم ولد للموقوف عليه؟ إن قلنا إن الملك فيها ينتقل إلى الله تعالى.. لم تصر أم ولد له. وإن قلنا: إن الملك انتقل إلى الموقوف عليه.. صارت أم ولد له. فإن مات وهي باقية.. عتقت بموته وأخذت قيمتها من تركته، وكان الحكم فيها كما لو أتلفها أجنبي على الطريقين: منهم من قال:

стр. 3878

إن قلنا: إن الملك ينتقل إلى الله تعالى.. اشترى بالقيمة مثل الجارية، وتكون وقفًا مكانها. وإن قلنا: إن الملك انتقل إلى الموقوف عليه.. صرفت القيمة ها هنا إلى أهل البطن الثاني بعده. ومنهم من قال: يشترى بها مثل الجارية على القولين. [فرع جناية العبد الموقوف] وإن جنى العبد الموقوف على غيره: فإن كانت جنايته توجب- واختار المجني عليه- القصاص فاقتص منه.. فلا كلام، فإن كان على النفس فقتله.. بطل الوقف، كما لو مات. وإن كانت فيما دون النفس.. بقي الوقف فيما بقي منه. وإن كانت الجناية خطأ، أو عمدًا، فعفي عنه على مال.. وجب الأرش، ولا يجوز بيعه؛ لأن الوقف لا يجوز بيعه. فإن قلنا: إن ملك الواقف لم يزل عنه.. وجب عليه أرش جنايته. وإن قلنا: إن ملك الوقف للموقوف عليه.. وجب أرش الجناية عليه، بالغة ما بلغت حتى لو جنى جنايات كثيرة.. وجب عليه أرشها. قال ابن الصباغ: وهذا يدل على ضعف هذا القول؛ لأنه لا يجوز أن يجب عليه أرش جناية غيره على وجه يجحف به. وإن قلنا: إن الملك فيه ينتقل إلى الله تعالى.. ففيه ثلاثة أوجه: أحدها - وهو قول أبي إسحاق -: أنها تجب على الواقف؛ لأنه منع من بيعه بسبب لم يبلغ به حالة يتعلق الأرش بذمته، فلزمه الأرش، كأم الولد. والثاني: تجب في بيت المال؛ لأنه لا يمكن إيجاب الأرش على الواقف؛ لأن

стр. 3879

ملكه قد زال عنه. ولا على الموقوف عليه؛ لأنه لا يملكه، فلم يبق إلا بيت المال. والثالث: يجب في كسبه؛ لأنه لا يمكن إيجابه على الواقف، ولا على الموقوف عليه؛ لأنهما لا يملكانه، ولا في رقبته؛ لأنه لا يمكن بيعها، فوجب ذلك في كسبه. فإن لم يكن له كسب.. كانت على الوجهين الأولين. [مسألة تعليق الوقف على شرط مستقبل] ولا يصح تعليق أصل الوقف بشرط مستقبل، مثل أن يقول: إذا جاء رأس الشهر.. فقد وقفت داري هذه على المساكين؛ لأن هذا تصرف لم يبن على التغليب، فلا يصح تعليقه على شرط، كالبيع والهبة. ولا يصح الوقف بشرط الخيار، ولا بشرط أن يبيعه متى شاء، ولا بشرط أن يدخل فيه من شاء، أو يخرج منه من شاء. وقال أبو يوسف: يصح بشرط الخيار، وبشرط أن يبيعه متى شاء، في إحدى الراويتين. دليلنا: أن هذا شرط ينافي مقتضاه، فلم يصح، كما لو أعتق عبدًا وشرط شيئًا من هذه الشروط. وأما صرف غلة الوقف: قال الشافعي: (فهي على ما شرط الواقف من الأثرة، والتقدمة، والتسوية بين أهل الغنى والحاجة، ومن إخراج من أخرج منها بصفة، ورده إليها بصفة) . قال أصحابنا: فـ (الأثرة) : أن يخص قومًا دون قوم، مثل: أن يقف على أولاده، على أن يخص الذكور دون الإناث، أو الإناث دون الذكور. وأما (التقدمة) : فإنه يقدم قومًا على قوم، وذلك يحصل من وجهين: أحدهما: أن يفاضل بينهم، مثل: أن يقول وقفت عل أولادي للذكر مثل حظ الأنثيين، أو على أن للأنثى الثلثين وللذكر الثلث. والثاني: أن يقول: على أن البطن الأعلى يقدم على البطن الثاني.

стр. 3880

وأما (التسوية) : فمثل أن يقول: على أن يسوى بين الغني والفقير منهم، أو بين الذكور والإناث. والإطلاق يقتضي ذلك وشرط تأكيدًا. وأما (إخراج من أخرج بصفة) : فمثل أن يقول: وقفت على أولادي على أن من تزوج من بناتي.. فلا حق لها فيه. وعلى أن من استغنى من أولادي.. فلا حق له فيه. وأما (رده إليها بصفة) : فمثل أن يقول: على أن من تزوج من بناتي.. فلا حق لها فيه، فإن طلقها زوجها، أو مات عنها.. عادت إلى الوقف. فكل هذا وما أشبهه جائز، ويحمل على ما شرطه الواقف. فإن قيل: فهذا وقف معلق على شرط، والوقف المعلق على شرط لا يصح؟ فالجواب: أن هذا ليس بوقف معلق على شرط؛ لأن الوقف المعلق على الشرط هو: أن يعلق أصل الوقف على الشرط، مثل أن يقول: إذا جاء رأس الشهر.. فقد وقفت داري. وأما هذا: فهو وقف منجز في الحال، وإنما الاستحقاق معلق بشرط، كما قلنا في الوكالة لو قال: إذا جاء رأس الشهر.. فقد وكلتك، فلا يصح. ولو قال: وكلتك ولا تتصرف إلا أول الشهر.. صح. [فرع وقف شيئا على جماعة فقراء] إذا وقف شيئًا على فقراء بني فلان: فمن جاء منهم وادعى أنه فقير.. أعطي، ولم يكلف إقامة البينة على فقره؛ لأن الأصل في الناس الفقر. ولو قال على الأغنياء منهم: فمن ادعى الغنى منهم ليأخذ.. كلف إقامة البينة؛ لأن الأصل عدم الغنى. [فرع وقف على رجل دابة للركوب دون نتاجها] ] : قال المسعودي [في " الإبانة " ق\٣٥٢] : إذا وقف دابة على رجل للركوب، ولم يجعل له درها ووبرها.. فللموقوف عليه الركوب، ولي له الدر والوبر، وكان الحكم في الدر والوبر حكم من وقف شيئًا على زيد، وسكت عمن يصرف إليه بعده.

стр. 3881

[فرع الوقف في سبيل الله للغزاة] وإن وقف شيئًا في سبيل الله.. كان ذلك وقفا على الغزاة عند نشاطهم دون المرتبين في ديوان الإمام. وقال أحمد: (الحج من سبيل الله) وتعلق بحديث أم معقل. دليلنا: أن مطلق كلام الآدمي محمول على المعهود في الشرع، وقد ثبت أن سهم سبيل الله في الصدقات مصروف إليهم، فكذلك الوقف المطلق. وأما الخبر: فيحتمل أن في كلام الواقف ما دل أنه أراد سبيل الثواب. وإن وقف شيئًا في سبيل الثواب.. صرف ذلك إلى أهله وقرابته؛ لأنهم أعظم جهات الثواب، ولهذا قال ﷺ : «صدقتك على غير ذي رحمك صدقة. وصدقتك على ذي رحمك صدقة وصلة» . وإن وقف شيئًا على سبيل الخير.. صرف ذلك إلى من يستحق الزكاة لحاجته إليها، وهم الفقراء، والمساكين، وفي الرقاب، والغارمون- لمصلحتهم- وابن السبيل. [فرع الوقف على وجوه البر] وإن وقف شيئًا على وجوه البر.. صرف ذلك إلى من اختاره الناظر من الفقراء والمساكين والمساجد والقناطر وسائر مصالح المسلمين. وقال بعض أهل العلم: يصرف إلى من يستحق الزكاة سوى العاملين عليها. وليس بشيء؛ لأن ذلك يعم جميع مصالح المسلمين. [فرع الوقف على العلماء] قال الصيمري: وإن قال: وقفت هذا على العلماء.. صرف ذلك إلى كل عالم بأصول الشريعة وفروعها، ولا يصرف إلا إلى من يكمل لهما.

стр. 3882

وإن قال: وقفت على الفقهاء.. صرف إلى أهل الفروع. وإن قال: على النحاة.. لم يصرف إلى أهل اللغة. [فرع وقف ضيعة لحقوق وتبعات] قال أبو العباس: وإن وقف ضيعة، وقال: يكون الانتفاع منصرفا إلى عمارتها وحق السلطان، وما فضل بعد ذلك في تبعاتي في الزكاة والكفارات.. صح الوقف، وصرفت الغلة إلى الفقراء والمساكين؛ لأن الظاهر أنه أخرج زكاته وكفارته، وإنما خاف النقص، فيكون هذا تطوعا منه. [مسألة الوقف على الأولاد يدخل الجميع] وإن وقف على أولاده.. دخل فيه أولاده من صلبه، الذكور والإناث والخناثى؛ لأن الجميع ولده، ولا يدخل أولاد البنين، ولا أولاد البنات؛ لأن ولده حقيقة هو ولده من صلبه. وإن كان له حمل.. استحق من الغلة الحادثة بعد انفصاله، دون الحادثة قبل انفصاله؛ لأنه لا يسمى ولدًا إلا بعد الانفصال. وإن كان له ولد فنفاه باللعان.. لم يدخل فيه. وقال أبو إسحاق: يدخل فيه. وهذا خطأ؛ لأنه بالنفي خرج عن أن يكون ولده. [فرع الوقف على أولاد أولاده] وإن وقف على أولاد أولاده.. دخل فيه أولاد البنين، وأولاد البنات الذكور والإناث والخناثى.

стр. 3883

وروي: أن رجلا هاشميا بالبصرة وقف على أولاده وأولاد أولاده، وكان له ابن بنت، يقال له: ابن عائشة من أصحاب الحديث، وكان يأخذ من الوقف، فلما ولي عيسى بن أبان القضاء بالبصرة أسقطه من الوقف. واختلف أصحاب أبي حنيفة فيما فعله عيسى بن أبان: فقال بعضهم: تحامل عليه، لكونه من أصحاب الحديث. فبلغ ذلك أبا حازم - وكان قاضيا ببغداد - فقال: ما تحامل عليه، وإنما هو مذهب محمد بن الحسن؛ لأنه قال: لو قال الإمام لمشرك: أمنتك وأولادك وأولاد أولادك.. لم يدخل أولاد البنات في الأمان؛ لأنهم لا يدخلون في إطلاق اسم أولاد الأولاد. ولهذا قال الشاعر: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد دليلنا: أنه لو قال: وقفت على أولادي لدخل فيه الذكور والإناث من ولد صلبه. فإذا قال: على أولاد أولادي.. دخل فيه أولاد بناته. وأما البيت: فإنما أراد أن أولاده الذين ينسبون إليه، هم أولاد بنيه، دون أولاد بناته. إذا ثبت هذا: فإن قال: وقفت هذا على أولاد أولادي الذين ينسبون إلي.. دخل فيه أولاد أبنائه دون أولاد بناته؛ لأن أولاد بناته لا ينسبون إليه. وإن قال هاشمي: وقفت هذا على أولادي وأولاد أولادي الهاشميين.. دخل فيه أولاده الذكور والإناث، وأولاد أبنائه؛ لأنهم هاشميون. وأما أولاد بناته: فمن تزوجت منهن بهاشمي فأولد منها.. دخل فيه؛ لأنه هاشمي. ومن تزوجت بعامي فأولد منها.. لم يدخل في الوقف؛ لأنه عامي، وليس بهاشمي.

стр. 3884

[فرع الوقف على النسل] ] : وإن وقف على عقبه، أو نسله، أو ذريته.. دخل فيه أولاد صلبه الذكور والإناث والخناثى. ويدخل فيه أولاد أبنائه، وأولاد بناته من قرب منهم، ومن بعد؛ لأن الجميع عقبه ونسله وذريته، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] الآية [الأنعام: ٨٤] فنسب الجميع إلى إبراهيم ﷺ على البعد منه، ونسب عيسى إليه، وهو من أولاد البنات. وإن قال: وقفت على عشيرتي. فإن كان له عشيرة يحصى عددهم- وهي: قبيلة الرجل التي ينسب إليها- صح الوقف وصرف ذلك إلى جميعهم. وإن كان عددهم لا يحصى- كبني تميم وطيء - ففيه قولان: أحدهما: لا يصح الوقف؛ لأنه عين الموقوف عليهم، ولا يمكن تعميمهم بالانتفاع به، فلم يصح، كما لو وقف على قوم. والثاني: يصح، ويعطي ثلاثة ممن يختاره الناظر منهم، وهو الصحيح؛ لأن كل من صح الوقف عليه إذا كان عددهم محصورًا.. صح، وإن كان عددهم غير محصور، كالفقراء والمساكين. وإن وقف على عترته.. فقد قال ابن الأعرابي وثعلب: هم ذريته. وقال ابن قتيبة: هم عشيرته. [فرع الوقف على جنس من الأولاد] وإن وقف على البنين من أولاده.. لم يدخل فيه الإناث ولا الخناثى. وإن وقف على الإناث من أولاده.. لم يدخل فيه الذكور ولا الخناثى. وإن وقف على البنين والبنات من أولاده.. فهل يدخل معهم الخنثى المشكل؟ فيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق:

стр. 3885

أحدهما: لا يدخل؛ لأنه ليس من البنين ولا من البنات. والثاني: يدخل فيه؛ لأنه لا يخلو أن يكون من أحدهما، وهذا أصح. وإن وقف على بني زيد.. لم يدخل فيه بناته. وإن وقف على بني تميم وقلنا: يصح الوقف عليهم.. فهل يدخل الإناث منهم؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يدخلن؛ لأن اسم البنين إنما ينصرف إلى الذكور. فعلى هذا: لا يدخل معهم الخناثى. والثاني: يدخلن؛ لأنه إذا أطلق اسم القبيلة.. دخل فيه الذكور والإناث. فعلى هذا: يدخل معهم الخناثى. [مسألة الوقف على أولاده وأولاد أولاده مرتبًا ومشتركًا] وإذا وقف وقفًا على أولاده وأولاد أولاده: فلا يخلو: إما أن يكون الوقف مشتركًا، أو مرتبًا: فإن كان مشتركًا، وذلك بأن يقول: وقفت هذا على أولادي وأولاد أولادي ما تناسلوا وتعاقبوا، فإن انقرضوا كان على الجامع، أو على الفقراء والمساكين.. فإن الوقف على أولاده وأولاد أولاده يكون مشتركًا بين أهل البطن الأول ومن يحدث بعده، فيشارك من يحدث من كان موجودًا في الغلة الحادثة بعد حدوث الولد؛ لأن الواو تقتضي الجمع والتشريك، فإن قال: يستوي الأعلى والأدنى.. كان ذلك تأكيدًا، فإذا انقرضت ذريته.. نقل إلى من بعدهم.

стр. 3886

وإن كان الوقف مرتبًا، وذلك من وجهين: أحدهما: أن يقول: وقفت هذا على أولادي، وأولاد أولادي ما تناسلوا وتعاقبوا الأول فالأول، أو الأدنى فالأدنى، أو الأقرب فالأقرب، أو الأعلى فالأعلى، فإذا انقرضوا فعلى الفقراء، والمساكين.. استحق أهل البطن الأعلى الوقف. فإذا انقرض أهل البطن الأعلى.. صرف إلى أهل البطن الثاني. وعلى هذا: لا يستحق أهل بطن وهناك أحد من أهل البطن الذي فوقه، فإذا انقرضوا.. صرف إلى الفقراء والمساكين. والثاني: أن يقول: وقفت هذا على أولادي، فإذا انقرضوا فعلى أولادهم، فإذا انقرضوا فعلى أولادهم، وعلى هذا أبدًا. أو يقول: وقفت هذا على أولادي، ثم على أولادهم، ثم على أولادهم، وعلى هذا أبدًا، فإذا انقرضوا فعلى الفقراء والمساكين.. صح وكان مرتبًا. ولكن لا بد أن يقول هاهنا: وعلى هذا أبدًا؛ لأنه ربما يحدث بطن آخر لم يذكره في قوله: فإذا انقرضوا فعلى أولادهم، أو في قوله: ثم على أولادهم. فإذا قال: وعلى هذا أبدًا.. استغرق جميع من يحدث، بخلاف القسم الأول، حيث قال: ما تناسلوا وتعاقبوا، فإن ذلك يغني عن قوله: وعلى هذا أبدًا. فإن قال: وقفت هذا على ولدي، وولد ولدي، ثم على ولد ولد ولدي.. فإن ولده وولد ولده يشتركان في الوقف، فإذا انقرضا.. كان للبطن الثالث. وإن قال: وقفت هذا على ولدي، ثم على ولد ولدي وولد ولد ولدي.. فإن البطن الأول ينفرد بالوقف، فإذا انقرضوا.. اشترك البطن الثاني والثالث في الوقف؛ لأنه رتب الأول وشرك بين الثاني والثالث. فإن قال: وقفت هذا على أولادي، ثم على أولادهم، ثم على عقبهم ونسلهم، ثم على الفقراء والمساكين:

стр. 3887

قال الشافعي في " البويطي ": (فإن الوقف يكون للبطن الأول - وهم: أولاده ما عاشوا - فإذا انقرضوا.. كان لأهل البطن الثاني لا يشاركهم فيه أهل البطن الثالث، ولا من بعدهم. فإذا انقرض أهل البطن الثاني.. كان للبطن الثالث والرابع ومن حدث من بعدهم، يشتركون فيه. فإذا انقرض نسله.. كان للفقراء والمساكين؛ لأنه رتب الوقف في البطن الأول. وفي الثاني: يشترك فيمن بعدهم من نسله) . [فرع وقف كيلا ما على أولاد بناته والباقي للذكور] ] : فإن قال: وقفت نخلي هذه على أولادي، على أن لبناتي منه مكيلة كذا، ويكون الباقي للذكور.. صح، وكان للبنات ما شرطه. فإن بقي شيء.. استحقه الذكور، وإن لم يبق شيء.. فلا شيء لهم. وإن قال: وقفت هذه على أولادي، فإذا انقرضوا، فعلى أولادهم أبدًا ما تناسلوا، فمن مات منهم وكان له ولد، كان نصيبه لولده، ومن مات ولا ولد له، كان نصيبه لأهل الوقف، فإن كان للواقف ثلاثة أولاد.. كان الوقف أثلاثًا بينهم، فإن مات واحد منهم وله ولد.. كان نصيب أبيه له، فإن مات الثاني بعده ولا ولد له.. رجع نصيبه إلى أخيه وابن أخيه. [فرع الوقف على أولاده ثم للفقراء بعدهم] فإن قال: وقفت هذا على أولادي، فإذا انقرضوا أو انقرض أولادهم فعلى الفقراء والمساكين.. ففيه وجهان: أحدهما: أن أولاد الأولاد يستحقون الوقف بعد انقراض الأولاد؛ لأنهم لما اعتبر انقراضهم لاستحقاق الفقراء.. دل على استحقاقهم من الوقف. والثاني - وهو الصحيح -: أنهم لا يستحقون شيئًا؛ لأنه لم يجعل لهم من الوقف شيئًا، وإنما شرط انقراضهم لاستحقاق غيرهم.

стр. 3888

فعلى هذا: يكون الوقف منقطع الوسط، فيكون على قولين، كالوقف المنقطع الانتهاء: أحدهما: أنه باطل. والثاني: أنه صحيح، فيكون لأولاد الواقف. فإذا انقرضوا وهناك أولاد أولاد.. ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يصرف إلى الواقف إن كان حيًا، أو إلى وارثه إن كان ميتًا، إلى أن ينقرض ولد الولد، ثم يصرف إلى الفقراء والمساكين. والثاني: أن الوقف يصرف إلى الفقراء والمساكين في الحال. والثالث: أنه يكون لأقرباء الواقف إلى أن ينقرض ولد الولد. وقد مضى دليلها. [مسألة الوقف على الأقرباء يكون من طرفي الأبوين] وإن قال: وقفت هذا على قراباتي، أو على أقربائي، أو على ذوي رحمي، أو على أرحامي، أو كان ذلك في الوصية.. صرف ذلك إلى من يعرف بقرابته من قبل الآباء والأمهات. فإن كان له جد يعرف به عند عامة الناس.. صرف إلى من ينسب إلى ذلك الجد دون من ينسب إلى أبي ذلك الجد، ولا إلى من ينسب إلى أخي ذلك الجد، كالشافعي إذا وقف على قرابته، فإنه يصرف إلى من ينسب إلى شافع بن السائب، ولا يصرف إلى من ينسب إلى علي وعباس ابني السائب، ولا إلى من ينسب إلى السائب بن عبيد. ويدخل فيه بنات الواقف، وأولاد بناته. ويدخل فيه أمهات الواقف، وآباء أمهاته، وأخواته، وخالاته. وقال أبو حنيفة: (يدخل فيه كل ذي رحم محرم بالنسب، مثل: الآباء والأمهات، والبنين والبنات، وأولادهم، والإخوة والأخوات، والأعمام والعمات دون بنيهم) . وقال مالك: (يدخل فيه من يرث الواقف لا غير) .

стр. 3889

دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] [الأنفال: ٤١] . وقَوْله تَعَالَى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الحشر: ٧] [الحشر: ٧] . ولنا منها ثلاثة أدلة: أحدها: (أن النبي ﷺ أعطى من سهم ذوي القربى بني أجداده- وهم: بنو هاشم - وبني أعمامه - وهم: بنو المطلب -) . والثاني: «أن النبي ﷺ : لما أعطى بني هاشم وبني المطلب سهم ذوي القربى.. أتاه عثمان بن عفان - وهو: من ولد عبد شمس بن عبد مناف -، وجبير بن مطعم - وهو: من ولد نوفل بن عبد مناف - وقالا: أما بنو هاشم فلا ينكر فضلهم، لمكانك الذي وضعك الله فيهم، فما بال بني المطلب أعطيتهم وحرمتنا، وقرابتنا وقرابتهم واحدة؟! فقال ﷺ : " إنما بنو هاشم، وبنو المطلب شيء واحد - وشبك بين أصابعه - إنهم ما فارقونا في جاهلية ولا إسلام» . فأقرهما النبي ﷺ على دعواهما القرابة، ولكنه أخبر أن ذلك السهم لا يستحق بالقرابة منفردة، وإنما يستحق بالقرابة والنصرة. والثالث: (أن النبي ﷺ كان يعطي من ذلك السهم من كان يرثه، ومن لا يرثه، فإنه أعطى منه العمات) . وروي عن الزبير: أنه قال: (كنت أضرب في الغنائم بأربعة أسهم: سهم لي، وسهمين لفرسي، وسهم لأمي) ، وأمه كانت: صفية بنت عبد المطلب عمة النبي ﷺ .

стр. 3890

وروي: أنه «لما نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] [الشعراء: ٢١٤] جمع النبي ﷺ عشيرته وقال: " يا بني هاشم، يا بني عبد المطلب، يا بني عبد مناف، يا عباس، يا فاطمة بنت محمد، إني لا أغني عنكم من الله شيئًا " فعندها قال أبو لهب: ألهذا جمعتنا!؟ تبًا لك، فنزل قَوْله تَعَالَى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] [المسد: ١] » . إذا ثبت هذا: فإنه يصرف إلى غني قرابته وفقيرهم، وذكرهم وأنثاهم، ويسوى بين الذكر والأنثى، كما لو وهب لرجل وامرأة شيئا. فإن حدث له قريب بعد الوقف.. دخل في الوقف. وقال في " البويطي ": (لا يدخل في الوقف) وهذا غير صحيح؛ لأن اسم القرابة يتناوله، فدخل فيه، كما لو قال: وقفت هذا على أولادي.. فإنه يدخل فيه من يحدث من أولاده بعد الوقف. هذا نقل أصحابنا البغداديين. وقال المسعودي [في " الإبانة " ق\٤٠٩-٤١٠] : إذا أوصى للقرابة، فهل تقدم قرابة الأب على قرابة الأم؟ ينظر فيه:
следующие страницы →