← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21721

البيان في مذهب الإمام الشافعي

العمراني

Полный текст (7 092 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

وإن كان الوقف مرتبًا، وذلك من وجهين: أحدهما: أن يقول: وقفت هذا على أولادي، وأولاد أولادي ما تناسلوا وتعاقبوا الأول فالأول، أو الأدنى فالأدنى، أو الأقرب فالأقرب، أو الأعلى فالأعلى، فإذا انقرضوا فعلى الفقراء، والمساكين.. استحق أهل البطن الأعلى الوقف. فإذا انقرض أهل البطن الأعلى.. صرف إلى أهل البطن الثاني. وعلى هذا: لا يستحق أهل بطن وهناك أحد من أهل البطن الذي فوقه، فإذا انقرضوا.. صرف إلى الفقراء والمساكين. والثاني: أن يقول: وقفت هذا على أولادي، فإذا انقرضوا فعلى أولادهم، فإذا انقرضوا فعلى أولادهم، وعلى هذا أبدًا. أو يقول: وقفت هذا على أولادي، ثم على أولادهم، ثم على أولادهم، وعلى هذا أبدًا، فإذا انقرضوا فعلى الفقراء والمساكين.. صح وكان مرتبًا. ولكن لا بد أن يقول هاهنا: وعلى هذا أبدًا؛ لأنه ربما يحدث بطن آخر لم يذكره في قوله: فإذا انقرضوا فعلى أولادهم، أو في قوله: ثم على أولادهم. فإذا قال: وعلى هذا أبدًا.. استغرق جميع من يحدث، بخلاف القسم الأول، حيث قال: ما تناسلوا وتعاقبوا، فإن ذلك يغني عن قوله: وعلى هذا أبدًا. فإن قال: وقفت هذا على ولدي، وولد ولدي، ثم على ولد ولد ولدي.. فإن ولده وولد ولده يشتركان في الوقف، فإذا انقرضا.. كان للبطن الثالث. وإن قال: وقفت هذا على ولدي، ثم على ولد ولدي وولد ولد ولدي.. فإن البطن الأول ينفرد بالوقف، فإذا انقرضوا.. اشترك البطن الثاني والثالث في الوقف؛ لأنه رتب الأول وشرك بين الثاني والثالث. فإن قال: وقفت هذا على أولادي، ثم على أولادهم، ثم على عقبهم ونسلهم، ثم على الفقراء والمساكين:

стр. 3887

قال الشافعي في " البويطي ": (فإن الوقف يكون للبطن الأول - وهم: أولاده ما عاشوا - فإذا انقرضوا.. كان لأهل البطن الثاني لا يشاركهم فيه أهل البطن الثالث، ولا من بعدهم. فإذا انقرض أهل البطن الثاني.. كان للبطن الثالث والرابع ومن حدث من بعدهم، يشتركون فيه. فإذا انقرض نسله.. كان للفقراء والمساكين؛ لأنه رتب الوقف في البطن الأول. وفي الثاني: يشترك فيمن بعدهم من نسله) . [فرع وقف كيلا ما على أولاد بناته والباقي للذكور] ] : فإن قال: وقفت نخلي هذه على أولادي، على أن لبناتي منه مكيلة كذا، ويكون الباقي للذكور.. صح، وكان للبنات ما شرطه. فإن بقي شيء.. استحقه الذكور، وإن لم يبق شيء.. فلا شيء لهم. وإن قال: وقفت هذه على أولادي، فإذا انقرضوا، فعلى أولادهم أبدًا ما تناسلوا، فمن مات منهم وكان له ولد، كان نصيبه لولده، ومن مات ولا ولد له، كان نصيبه لأهل الوقف، فإن كان للواقف ثلاثة أولاد.. كان الوقف أثلاثًا بينهم، فإن مات واحد منهم وله ولد.. كان نصيب أبيه له، فإن مات الثاني بعده ولا ولد له.. رجع نصيبه إلى أخيه وابن أخيه. [فرع الوقف على أولاده ثم للفقراء بعدهم] فإن قال: وقفت هذا على أولادي، فإذا انقرضوا أو انقرض أولادهم فعلى الفقراء والمساكين.. ففيه وجهان: أحدهما: أن أولاد الأولاد يستحقون الوقف بعد انقراض الأولاد؛ لأنهم لما اعتبر انقراضهم لاستحقاق الفقراء.. دل على استحقاقهم من الوقف. والثاني - وهو الصحيح -: أنهم لا يستحقون شيئًا؛ لأنه لم يجعل لهم من الوقف شيئًا، وإنما شرط انقراضهم لاستحقاق غيرهم.

стр. 3888

فعلى هذا: يكون الوقف منقطع الوسط، فيكون على قولين، كالوقف المنقطع الانتهاء: أحدهما: أنه باطل. والثاني: أنه صحيح، فيكون لأولاد الواقف. فإذا انقرضوا وهناك أولاد أولاد.. ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يصرف إلى الواقف إن كان حيًا، أو إلى وارثه إن كان ميتًا، إلى أن ينقرض ولد الولد، ثم يصرف إلى الفقراء والمساكين. والثاني: أن الوقف يصرف إلى الفقراء والمساكين في الحال. والثالث: أنه يكون لأقرباء الواقف إلى أن ينقرض ولد الولد. وقد مضى دليلها. [مسألة الوقف على الأقرباء يكون من طرفي الأبوين] وإن قال: وقفت هذا على قراباتي، أو على أقربائي، أو على ذوي رحمي، أو على أرحامي، أو كان ذلك في الوصية.. صرف ذلك إلى من يعرف بقرابته من قبل الآباء والأمهات. فإن كان له جد يعرف به عند عامة الناس.. صرف إلى من ينسب إلى ذلك الجد دون من ينسب إلى أبي ذلك الجد، ولا إلى من ينسب إلى أخي ذلك الجد، كالشافعي إذا وقف على قرابته، فإنه يصرف إلى من ينسب إلى شافع بن السائب، ولا يصرف إلى من ينسب إلى علي وعباس ابني السائب، ولا إلى من ينسب إلى السائب بن عبيد. ويدخل فيه بنات الواقف، وأولاد بناته. ويدخل فيه أمهات الواقف، وآباء أمهاته، وأخواته، وخالاته. وقال أبو حنيفة: (يدخل فيه كل ذي رحم محرم بالنسب، مثل: الآباء والأمهات، والبنين والبنات، وأولادهم، والإخوة والأخوات، والأعمام والعمات دون بنيهم) . وقال مالك: (يدخل فيه من يرث الواقف لا غير) .

стр. 3889

دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] [الأنفال: ٤١] . وقَوْله تَعَالَى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الحشر: ٧] [الحشر: ٧] . ولنا منها ثلاثة أدلة: أحدها: (أن النبي ﷺ أعطى من سهم ذوي القربى بني أجداده- وهم: بنو هاشم - وبني أعمامه - وهم: بنو المطلب -) . والثاني: «أن النبي ﷺ : لما أعطى بني هاشم وبني المطلب سهم ذوي القربى.. أتاه عثمان بن عفان - وهو: من ولد عبد شمس بن عبد مناف -، وجبير بن مطعم - وهو: من ولد نوفل بن عبد مناف - وقالا: أما بنو هاشم فلا ينكر فضلهم، لمكانك الذي وضعك الله فيهم، فما بال بني المطلب أعطيتهم وحرمتنا، وقرابتنا وقرابتهم واحدة؟! فقال ﷺ : " إنما بنو هاشم، وبنو المطلب شيء واحد - وشبك بين أصابعه - إنهم ما فارقونا في جاهلية ولا إسلام» . فأقرهما النبي ﷺ على دعواهما القرابة، ولكنه أخبر أن ذلك السهم لا يستحق بالقرابة منفردة، وإنما يستحق بالقرابة والنصرة. والثالث: (أن النبي ﷺ كان يعطي من ذلك السهم من كان يرثه، ومن لا يرثه، فإنه أعطى منه العمات) . وروي عن الزبير: أنه قال: (كنت أضرب في الغنائم بأربعة أسهم: سهم لي، وسهمين لفرسي، وسهم لأمي) ، وأمه كانت: صفية بنت عبد المطلب عمة النبي ﷺ .

стр. 3890

وروي: أنه «لما نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] [الشعراء: ٢١٤] جمع النبي ﷺ عشيرته وقال: " يا بني هاشم، يا بني عبد المطلب، يا بني عبد مناف، يا عباس، يا فاطمة بنت محمد، إني لا أغني عنكم من الله شيئًا " فعندها قال أبو لهب: ألهذا جمعتنا!؟ تبًا لك، فنزل قَوْله تَعَالَى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] [المسد: ١] » . إذا ثبت هذا: فإنه يصرف إلى غني قرابته وفقيرهم، وذكرهم وأنثاهم، ويسوى بين الذكر والأنثى، كما لو وهب لرجل وامرأة شيئا. فإن حدث له قريب بعد الوقف.. دخل في الوقف. وقال في " البويطي ": (لا يدخل في الوقف) وهذا غير صحيح؛ لأن اسم القرابة يتناوله، فدخل فيه، كما لو قال: وقفت هذا على أولادي.. فإنه يدخل فيه من يحدث من أولاده بعد الوقف. هذا نقل أصحابنا البغداديين. وقال المسعودي [في " الإبانة " ق\٤٠٩-٤١٠] : إذا أوصى للقرابة، فهل تقدم قرابة الأب على قرابة الأم؟ ينظر فيه:

стр. 3891

فإن كان الموصي من العجم.. فلا تقدم قرابة الأب على الأخرى، بل يصرف ذلك إلى أقاربه من جانب الأب والأم. وإن كان من العرب.. فإنما هو لقرابته من قبل أبيه، فيدفع إلى البطن الذي ينتمي إليه؛ لأن العجم لا تعرف القبائل والبطون، فعندهم الرجل إذا سمى قرابته فإنما يريد به قرابته من جهة آبائه وأمهاته، والعرب تعرف القبائل والبطون بينهم، فلا ينسب الرجل إلى قرابة أمه ألبتة. [فرع الوقف على أقرب الناس رحما] وإن وقف على أقرب الناس إليه، أو أقربهم رحمًا به، أو أمسهم رحمًا به، أو أوصى له.. فإنه يصرف إلى أقرب الناس إليه من الرجال والنساء، فإن لم يكن له والدان.. صرف إلى أولاده الذكور والإناث، ويسوى بينهم، ثم إلى أولادهم، ثم إلى أولاد أولادهم، فإن كان له ابن ابنِ ابن، وابنة بنت.. صرف إلى ابنة البنت؛ لأنها أقرب من ابن ابنِ الابن. فإن لم يكن له ولد، ولا ولد ولدٍ، وله أحد الأبوين.. صرف إليه، وإن اجتمعا.. تساويا؛ لأنهما في درجة واحدة.

стр. 3892

وإن كان له أب وابن.. ففيه وجهان: أحدهما: أنهما سواء؛ لأنهما في أول درجة من الميت. فعلى هذا: يقدم الأب على ابن الابن. والثاني - وهو المذهب -: أن الابن يقدم؛ لأنه جزء من الواقف، وأقوى تعصيبًا من الأب. فعلى هذا: يقدم ابن الابن وإن سفل، على الأب. وإن اجتمعت الأم والابن.. فينبغي أن يكون على الوجهين المذكورين في الأب والابن. فإن لم يكن له والد ولا ولد، وله إخوة وأخوات.. صرف إليهم. فإن كان فيهم من يدلي بالأبوين، وفيهم من يدلي بأحدهما.. قدم من يدلي بهما؛ لأنه أقرب. وإن كان أحدهما يدلي بالأب والآخر يدلي بالأم.. فهما سواء، وأولادهم يقومون مقامهم. فإن لم يكن له إخوة، وله جد من قبل الأب أو من قبل الأم.. صرف إليه. وإن كانت له جدة من قبل أحدهما.. صرف إليها، فإن اجتمع الجد أبو الأب، والجد أبو الأم، وأم الأم، وأم الأب.. صرف إليهم بالسوية؛ لأنهم منه بمنزلة واحدة. وإن اجتمع الجد أبو الأب، والأخ من قبل الأب والأم، أو من الأب.. ففيه قولان: أحدهما: أنهما سواء، لتساويهما في القرب منه. فعلى هذا: يقدم الجد على ابن الأخ. والثاني: أن الأخ أولى؛ لأنه أقوى تعصيبًا منه. فعلى هذا: يقدم ابن الأخ على الجد. فإن لم يكن له أحد هؤلاء، وله أعمام.. صرف إليهم على ترتيب الأخوة. فإن كان له عم وأبو جد.. فعلى القولين في الأخ والجد.

стр. 3893

فإن كان له عم وخال، أو عمة وخالة، أو عم وخالة.. صرف إليهما، وأولادهم يقومون مقامهم. فإن كانت له جدتان: إحداهما تدلي بقرابتين، والأخرى تدلي بقرابة واحدة، بأن يتزوج رجل بابنة عمته، أو ابنة خالته، ثم يولد له منها ولد.. فإن أم أمّ زوجته تدلي إلى ولدهما بقرابتين، فإن كان هناك جدة تحاذيها.. ففيه وجهان: أحدهما: أن التي تدلي بقرابتين أولى. والثاني: أنهما سواء. [فرع الوقف على جماعة من أقرب القرابة] وإن وقف على جماعة من أقرب الناس إليه، أو أوصى لهم.. صرف إلى ثلاثة من أقرب الدرجات إليه. فإن كان له ثلاثة أولاد في درجة واحدة.. صرف إليهم؛ لأنهم أقل الجمع. فإن كان في الدرجة الأولى أقل من ثلاثة.. تمموا من الدرجة التي تليها. فإن كان هناك ثلاثة من ثلاث درجات.. صرف إلى كل واحد منهم ثلث الوقف. فإن كان في الدرجة الأولى أكثر من ثلاثة.. ففيه وجهان: أحدهما: أن الناظر في الوقف والوصية يصرف ذلك إلى ثلاثة يختارهم منهم، كما لو وقف على الفقراء أو أوصى لهم. والثاني: يصرف إلى جميعهم بالسوية؛ لأنه لا مزية لبعضهم على بعض، بخلاف الفقراء؛ لأنهم لا ينحصرون، فالوقف والوصية إنما يقع بجهتهم دون أعيانهم. وإن كان في الدرجة الأولى اثنان، وفي الثانية اثنان.. صرف الثلثان إلى اللذين في الدرجة الأولى، وفي الثلث الباقي وجهان:

стр. 3894

أحدهما: يصرفه الناظر إلى واحد يختاره من اللذين في الدرجة الثانية. والثاني: يصرف إليهما بالسوية. [فرع الوقف على أهل بيته] وإن وقف على أهل بيته أو أوصى لهم.. صرف إلى أبيه وأقاربه من جهة أبيه، نحو أجداده وإخوته؛ لأنه روي عن ثعلب: أنه قال: أهل البيت: الأقارب من جهة الأب. قال الشيخ أبو حامد: فعلى هذا: لا يكن لبنيه ولا لأقاربه من أمه شيء؛ لأنهم ليسوا من أهل بيته، فمن كان من أهل بيته وارثًا.. لم تصرف إليه الوصية، بل إلى الباقين. [مسألة الوقف في مرض الموت] إذا وقف شيئًا في مرض موته.. فإن ذلك وصية. فإن كان الوقف على أجنبي: فإن احتمله الثلث من تركته.. صح الوقف. وإن لم يحتمله الثلث.. لزم الوقف في قدر الثلث ووقف ما زاد عليه على إجازة الورثة. وإن وقف على وارثه في مرض موته.. وقف على إجازة الورثة، سواء احتمله الثلث أو لم يحتمله، كالوصية له. فإن كان له دار لا يملك غيرها، فوقفها على ابنه في مرض موته، ولا وارث له سواه.. قال المسعودي [في " الإبانة " ق\٤١١] : لزم الوقف في ثلثها؛ لأن أكثر ما فيه أنه حال بينه وبين ثلثها، وله أن يفعل ذلك في ثلثه. وأما الثلثان: فللابن إبطال الوقف فيهما؛ لأن الإنسان لا يملك التبرع في مرض موته إلا بثلث تركته، فإن أبطله.. فلا كلام، وإن اختار أن يجيزه وقفًا على نفسه:

стр. 3895

فإن قلنا: إن الإجازة من الوارث ابتداء عطية منه.. لم يصح، كما لا يجوز أن يقف على نفسه. وإن قلنا: إنه تنفيذ لما فعله الموصي.. صح. [فرع وقف داره على ابنه وابنته] وإن كان له دار، فوقفها على ابنه وابنته بينهما نصفين، واحتملها الثلث، ولا وارث له غيرهما، فإن أجاز الابن الوقف على أخته.. صح، وكانت الدار وقفًا بينهما نصفين. وإن أبى أن يجيزه.. قال ابن الحداد: بطل الوقف في نصف الموقوف على الابنة - وهو: ربع الدار - ويبقى الربع موقوفًا على الابنة، والنصف موقوفًا على الابن، ثم يقتسمان الربع الذي بطل فيه الوقف بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين. وتصح المسألة من اثني عشر: للابن ثمانية أسهم: ستة منها وقف عليه، وسهمان طلق له، وللابنة أربعة أسهم: ثلاثة وقف عليها، وسهم طلق لها. فإن كانت له دار وقفها على ابنه وزوجته نصفين بينهما، ولا وارث له غيرهما، وخرجت الدار من ثلثه، فإن أجاز الابن الوقف على الزوجة.. كانت وقفًا بينهما نصفين. وإن لم يجز.. فقد فضل الزوج الزوجة بثلاثة أسهم من ثمانية من الدار، فيبطل الوقف فيها، ويكون ذلك ملكًا للابن طلقًا، ويبقى أربعة أسهم من ثمانية من الدار وقفًا على الابن، فيصير أربعة أسباع نصيبه وقفًا عليه، وثلاثة أسباع نصيبه طلقًا له، فيجب أن يكون نصيب الزوجة كذلك؛ لأنه سوى بينهما في الوقف، فيكون أربعة أسباع ثمنها وقفًا عليها، وثلاثة أسباع ثمنها طلقًا لها، فنضرب ثمانية في سبعة، فذلك ستة وخمسون، للابن تسعة وأربعون سهمًا: ثمانية وعشرون منها وقف عليه، وأحد وعشرون طلق له. وللزوجة سبعة أسهم: أربعة وقف عليها، وثلاثة طلق لها. [مسألة وقف على الموالي] وإن وقف على مواليه، أو أوصى لهم: فإن كان له مولى من أعلى، وهو الذي أعتقه وأنعم عليه.. صرف ذلك إليه.

стр. 3896

وإن كان له مولى من أسفل، وهو الذي أعتقه الواقف أو الموصي.. صرف ذلك إليه. وإن كان له مولى من أعلى ومولى من أسفل.. ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: يصرف ذلك إليهما؛ لأن اسم المولى لجميعهما. والثاني: يصرف ذلك المولى من أعلى؛ لأن جنبته أقوى؛ لأنه الوارث له. والثالث: لا يصح الوقف؛ لأن اسم المولى في أحدهما لمعنى معين، وفي الآخر لمعنى آخر، فصار من أسماء الأضداد؛ لأن أحدهما منعم، والآخر منعم عليه، ولا يمكن حمله على العموم فيهما؛ لأن العموم إنما يحمل إذا كان من أسماء الأجناس كالمسلمين والمشركين. وإن كان الموقوف عليه والموصى له منهما مجهولًا.. لم يصح. [مسألة وقف على جماعة فمات أحدهم وله ولد] إذا قال: وقفت هذا على زيد وعمرو وبكر، فمن مات منهم وله ولد، فنصيبه لولده، فإذا انقرضوا، فعلى الفقراء والمساكين.. حمل ذلك على شرطه. وإن قال: وقفته على زيد وعمرو وبكر، فإذا انقرضوا فعلى الفقراء والمساكين، فمن مات منهم وله ولد، فنصيبه لولده، ومن مات ولا ولد له، نقل نصيبه إلى أهل الوقف، أو إلى الفقراء والمساكين.. حمل ذلك على ما شرطه. وإن قال: وقفته عليهم، فإذا انقرضوا، فعلى الفقراء والمساكين، وأطلق، فمات واحد منهم.. ففيه قولان سواء كان له ولد أو لم يكن: أحدهما - وهو قول أبي علي الطبري -: أن نصيبه يصرف إلى الفقراء

стр. 3897

والمساكين؛ لأنه لما جعل الجميع لهم إذا انقرضوا.. وجب أن يكون نصيب كل واحد منهم لهم إذا انقرض. والثاني- وهو المنصوص في " حرملة " -: (أن نصيبه يكون لمن بقي من الآخرين) . وبه قال مالك. قال أبو العباس: ولأي معنى صرف إليهما.. يحتمل معنيين: أحدهما: لأنه لا يمكن دفع نصيبه إلى الفقراء والمساكين؛ لأنه جعل انقراض أهل الوقف شرطًا في استحقاق الفقراء، ولم يوجد انقراضهم، فلا يمكن رده إلى الواقف؛ لأن ملكه قد زال عنه فلم يبق إلا صرفه إلى من بقي منهم؛ لأنه أقرب. والمعنى الثاني: أنه لما قال: وقفته عليهم، فإذا انقرضوا فعلى الفقراء والمساكين.. صار كأنه وقفه عليهم وعلى من عاش منهم، وهذا من ضمن كلامه معلوم. [مسألة وقف مسجدا لفئ] ة] : إذا وقف مسجدًا على الشفعوية.. فهل يمكن غيرهم من الصلاة فيه؟ حكى الطبري فيه قولين. وإن وقف مسجدًا في محلة فخربت المحلة، أو وقف دارا فخربت وتعطلت منافعها.. لم يبطل الوقف فيهما. وقال أحمد: (إذا خربت المحلة.. جاز نقض المسجد وصرف آلته إلى بناء مسجد آخر، وإذا خربت الدار.. جاز بيعها، وصرف ثمنها إلى بناء دار أخرى) . وقال محمد: يبطل الوقف فيهما، ويكونان ملكًا للواقف.

стр. 3898

دلينا: أن ما زال الملك فيه لحق الله.. لا يبطل باختلال الانتفاع به، كما لو أعتق عبدًا ثم زمن، ولأنه قد يصلي فيه أفراد الناس، وقد تعمر المحلة وتعمر الدار. [فرع وقف نخلة فيبست أو مسجدًا فتلف منه شيء] وإن وقف نخلة فانقلعت أو يبست، أو وقف مسجدًا فانكسرت خشبة منه.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز بيعها، لما ذكرناه في المسجد. والثاني: يجوز بيعها؛ لأن منفعتها بطلت، فكان بيعها أولى من تركها. فإذا قلنا بهذا: فهل يجب صرف ثمنها في شراء مثلها لتكون وقفًا مثلها، أو يكون ملكًا للموقوف عليه، ويصرف في سائر مصالح المسجد؟ فيه طريقان، كما قلنا في قيمة الوقف إذا تلف. قال أبو علي السنجي: وكل ما اشتري للمسجد من الحصير والخشب والآجر والطين. لا يجوز بيع شيء منه؛ لأن ذلك كله في حكم المسجد، فهو كجزء من أجزائه. فإن أشرفت على الهلاك ولا يحتاج المسجد إليها، كالحصيرة البالية والأخشاب العفنة.. فهل يجوز بيعها؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأنا لو قلنا: لا يجوز بيعها.. لهلكت. والثاني: لا يجوز، قال: وهو الأصح؛ لأنها في حكم المسجد. قال الطبري: وما أشرف على الهلاك من أستار الكعبة، ولم يبق فيه جمال ولا منفعة.. فهل يجوز بيعه؟ يحتمل أن يكون على هذين الوجهين. قال: والصحيح في الكل: لا يجوز بيعه.

стр. 3899

[فرع وقف على ثغر فبطل] وإن وقف أرضًا على ثغر، فبطل الثغر وتعذر القتال فيه.. حفظ انتفاع الوقف. وهو: غلته - ولا يصرف إلى غيره، لجواز أن يعود الثغر كما كان. [مسألة احتياج الوقف إلى نفقة] وإذا احتاج الوقف إلى نفقة، بأن كان حيوانًا أو أرضًا تحتاج إلى العمارة: فإن شرط الواقف أن نفقة ذلك من غلة الوقف.. أنفق عليها من غلتها، وما بقي صرف إلى أهل الوقف. قال ابن الصباغ: وإن شرط الواقف أن تكون نفقتها من ماله.. حمل على ذلك. وإن أطلق ذلك.. أنفق عليه من غلته؛ لأنه لا يمكن الانتفاع به إلا بذلك. فإن بطلت منفعته، بأن كان عبدًا فزمن: فإن قلنا: إن الملك فيه ينتقل إلى الله تعالى.. أنفق عليه من بيت المال، كالحر المعسر. وإن قلنا: إن الملك فيه ينتقل إلى الموقوف عليه.. كانت نفقته عليه. وإن قلنا بالقول المخرج: إن ملك الواقف باق عليه.. وجبت نفقته عليه. [مسألة النظر في الوقف] وأما النظر في الوقف: فإن جعل الواقف النظر فيه لنفسه أو لغيره.. حمل على ذلك؛ لما ذكرناه من أخبار الصحابة.

стр. 3900

وإن لم نجعله إلى أحد: فإن قلنا: إن الملك فيه ينتقل إلى الله.. كان النظر فيه إلى الحاكم. وإن قلنا: إنه ينتقل إلى الموقوف عليه.. كان النظر فيه إليه. وإن قلنا بالقول المخرج: إنه باق على ملك الواقف.. كان النظر فيه إليه. فإن جعل الواقف النظر فيه إلى اثنين من أهل الوقف، ولم يوجد في أهل الوقف من يصلح للنظر إلا واحد.. ضم إليه الحاكم واحدًا؛ لأن الواقف لم يرض إلا بنظر اثنين. [مسألة وقف على أولاده أرضًا بأيديهم] إذا وقف على أولاده أرضًا وهي في أيديهم، فاختلفوا فيها: فقال الذكور: جعلها للذكر مثل حظ الأنثيين، وقال الإناث: بل جعل الذكور فيها والإناث سواء. أو قال أهل البطن الأول: هي على الترتيب، وقال أهل البطن الثاني: هي على التشريك بيننا وبينكم: فإن كان هناك بينة.. عمل بها، وإن لم تكن هناك بينة، فإن كان الواقف حيًا.. رجع إليه في بيانه؛ لأنه ثبت بقوله، فرجع إليه. وإن كان ميتًا.. حلفوا، وجعلت بينهم بالسوية؛ لأنه لا مزية لقول بعضهم على بعض، فتحالفوا، كما لو اختلف اثنان في ملك دار. [فرع أرض بعضها وقف والآخر طلق] إذا كان هناك أرض بعضها وقف وبعضها طلق، فأراد أهل الطلق أن يقاسموا أهل الوقف، والأرض مما يحتمل القسمة، فإن قلنا: إن القسمة بيع.. لم تصح القسمة؛ لأن الوقف لا يصح بيعه، وإن قلنا: إنها فرز النصيبين، ولم يكن فيها رد.. صحت القسمة، وإن كان فيها رد.. نظرت: فإن كان صاحب الطلق يرد على أهل الوقف.. لم يصح؛ لأنه يعطي عوضًا عن شيء يأخذه من الوقف، وذلك لا يجوز.

стр. 3901

وإن كان أهل الوقف يردون على صاحب الطلق.. صح؛ لأنهم يميزون الوقف، ويبذلون العوض عن شيء يملكونه من حق الشريك، وذلك جائز. وأما قسمة الوقف بين أربابه: فقال سليم وابن الصباغ: لا يصح قولا واحدًا؛ لأنا وإن قلنا إن القسمة فرز النصيبين، إلا أنه يتعلق بها حق البطن الثاني، فلا يجوز لأهل البطن الأعلى التصرف بحقوقه، ولأن ذلك تغيير للوقف، وهو لا يجوز تغييره. [مسألة أشياء كانت في الجاهلية] ذكر أصحابنا في تفسير قول الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] [المائدة: ١٠٣] وهذه أشياء كان يفعلها أهل الجاهلية، فورد الشرع بإبطالها. فأما (السائبة) : فإن الناقة كانت إذا ولدت عشرة بطون كلها إناث متوالية سيبوها إكرامًا لها، فلا تركب ولا يجز وبرها، ولا يشرب من لبنها أحد إلا أن يطرقهم ضيف ولا لبن عندهم فيحلبونها له، فإذا ماتت: أكلها الرجال دون النساء، وكانوا يستحلون أكل الميتة. وقد سمى الفقهاء العبد يعتق بشرط أن لا ولاء عليه سائبة. وأما (البحيرة) : فهو ولد السائبة بعد أن تسيب، ويكون حكمه حكم أمه. وإنما سمي بحيرة؛ لأنهم كانوا يشقون أذنه ليعلم أنه ولد السائبة. و (البحر) : الشق. ومنه سمي البحر بحرًا؛ لأن الله تعالى جعله مشقوقًا في الأرض شقًا. وقيل (البحيرة) : الناقة إذا ولدت خمسة بطون، فتشق أذنها وتسيب. والأول أصح. وأما (الوصيلة) : فهي الناقة أو الشاة إذا ولدت سبعة بطون، في ست أنثيان أنثيان، وفي السابعة ذكر وأنثى؛ لأنها وصلت الذكر بالأنثى، فيسيبونها ولا يشرب من لبنها إلا الرجال دون النساء. وأما (الحام) : فقيل: هو الفحل إذا نتج منه عشرة بطون، قيل: قد حمى ظهره، وسيب.

стр. 3902

وقيل: هو الفحل الذي نتج ولد ولده، فيسيب ولا ينتفع به، وكانوا يعتقدون ذلك قربة. قال الشافعي: (وهذا تأويل ما روي: أن النبي ﷺ جاء بإطلاق الحبس، وهو الحبس الذي كانت تفعله الجاهلية من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، ولا يعلم أن أحدًا منهم حبس داره أو أرضه) . والله أعلم وبالله التوفيق

стр. 3903

[كتاب الهبة]

стр. 3904

كتاب الهبة الهبة: تمليك العين بغير عوض. وهي مندوب إليها، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] [المائدة: ٢] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٧٧] [البقرة: ١٧٧] وروي: أن النبي ﷺ قال: «تهادوا تحابوا» .

стр. 3905

وأجمع المسلمون على استحبابها. إذا ثبت هذا: فإن الهبة للأقارب أفضل، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾ [البقرة: ١٧٧] [البقرة: ١٧٧] فبدأ بهم، والعرب تبدأ بالأهم فالأهم. وقال النبي ﷺ : «الرحم شجنة من الرحمن فمن وصلها.. وصله الله، ومن قطعها.. قطعه الله» . و (الشجنة) : تروى بضم الشين وكسرها. وروي: عن النبي ﷺ أنه قال: «يقول الله: أنا الله، وأنا الرحمن، وأنا خلقت الرحم، وشققت لها من اسمي، فمن وصلها.. وصلته، ومن قطعها.. بتته» . يعني: قطعته.

стр. 3906

وقال ﷺ : «صدقتك على غير ذي رحمك صدقة، وصدقتك على ذي رحمك صدقة وصلة» . وقال ﷺ : «أفضل الصدقة: على ذي الرحم الكاشح» يعني: المعادي؛ لأن الصدقة تقطع العداوة وترفعها. وقال ﷺ : «من سره أن ينسأ في أجله، ويوسع في رزقه.. فليصل رحمه» . وفي الهبة صلة للرحم. فإذا أراد أن يهب أولاده. فالمستحب أن يعمهم، وأن يساوي بين الذكور والإناث. وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وأكثر أهل العلم. وقال شريح: المستحب أن يجعل للذكر مثل حظ الأنثيين. وبه قال أحمد وإسحاق. دليلنا: ما روى ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: «سووا بين أولادكم في العطية، فلو كنت مفضلا أحدًا.. لفضلت البنات» .

стр. 3907

«وروى النعمان بن بشير: أن أباه بشير بن سعد أتى النبي ﷺ وقال: إني نحلت ابني هذا غلامًا كان لي، فقال النبي ﷺ : " أكل ولدك نحلت مثل هذا؟ " قال: لا. قال: " أيسرك أن يكونوا في البر سواء؟ " قال: نعم، قال: " فارجعه ". وروي: " فاردده» . و (النحلة) - بضم النون وبكسرها - هي: العطية. قال الشافعي [في " مختصر المزني " (٣/١٢٢) ] : (ولأن الأقارب ينفس بعضهم بعضًا ما لا ينفس العدا) . يعني: أن الأقارب يتنافسون ويتحاسدون أكثر من الأجانب، وربما أدى ذلك إلى قطع الرحم. فـ (العدا) - بكسر العين -: الأجانب والأباعد. و (العدا) - بضم العين -: العداوة.

стр. 3908

فإن وهب لبعض أولاده دون بعض، أو فاضل بينهم.. صح ذلك، ولم يأثم به، غير أنه قد فعل مكروها، وخالف السنة. وبه قال مالك وأبو حنيفة. وقال طاووس، وأحمد، وإسحاق: (لا تصح الهبة) . وقال داود: (تصح، ولكن يجب عليه أن يرجع فيها) . دليلنا: قوله ﷺ في حديث النعمان بن بشير: " فارجعه ". فلولا أن الهبة قد صحت.. لما أمره بالرجعة. وفي رواية: «أن النعمان بن بشير قال: يا رسول الله! إن أمه قالت: لا أرضى حتى يشهد رسول الله ﷺ ، فلما قال له ما قال من أنه لم ينحل جميع ولده مثله.. قال له النبي ﷺ " أشهد على هذا غيري» فلو لم تصح الهبة.. لما أمره بأن يشهد عليه غيره، وإنما امتنع من أن يشهد على ذلك، لئلا يصير ذلك سنة. وروي: أن أبا بكر الصديق ﵁: (نحل عائشة جداد عشرين وسقًا من ماله دون سائر أولاده) . وروي: (أن عمر ﵁ وهب ابنه عاصمًا دون عبد الله وعبيد الله وزيد) . وكذلك روي عن عبد الرحمن بن عوف. ولا مخالف لهم.

стр. 3909

ولا يستنكف أن يهب القليل، ولا أن يتهبه، لقوله ﷺ : «لو أهدي إلى ذراع لقبلت، ولو دعيت إلى كراع.. لأجبت» . [مسألة قبول الهبة والهدية] الهبة والهدية وصدقة التطوع حكمها واحد، وكل لفظ من هذه يقوم الألفاظ يقوم مقام الآخر، ولا يصح شيء من هذا كله إلا بالإيجاب والقبول، ويكون القبول فيه عقيب الإيجاب، كما قلنا في البيع. وقال أبو العباس: يصح أن يكون القبول في ذلك متراخيًا عن الإيجاب، لـ: «أن النبي ﷺ أهدى إلى النجاشي وكان في أرض الحبشة» .

стр. 3910

والأول أصح؛ لأنه تمليك في حال الحياة، فكان القبول فيه على الفور، كالبيع. هذا نقل البغداديين من أصحابنا، وبه قال مالك وأبو حنيفة. وقال المسعودي [في " الإبانة " ق\٣٥٣] : الهدية لا تفتقر إلى القبول. وقال ابن الصباغ: لا تفتقر الهبة والهدية وصدقة التطوع إلى الإيجاب والقبول، بل إذا وجد منه ما يدل على التمليك.. صح؛ لأن النبي ﷺ كان يهدى إليه، فيقبضه، ويتصرف فيه، ولم ينقل في شيء من ذلك أن الرسول أوجب له، ولا أنه قبل. وكذلك: (أهدى إلى النجاشي وكان في أرض الحبشة) . وما نقل أن النبي ﷺ أمر بالإيجاب والقبول. وكذلك الناس يدفعون صدقات التطوع فيقبضها المدفوع إليهم، ويتصرفون فيها من غير إيجاب وقبول، ولم ينكر هذا منكر، فدل على أنه إجماع. فإن قيل: فهذه إباحات مال؟ فالجواب: أن الناس أجمعوا على تسمية ذلك هبة، وهدية، وصدقة، ولأن الإباحة تختص بالمباح له، وقد كان النبي ﷺ : إذا أهدي إليه شيء.. يهديه إلى زوجاته وغيرهن، وقد أهديت له حلة، فأهداها لعلي ﵁. والمذهب الأول.

стр. 3911

[مسألة لزوم الهبة بالقبض] ولا تلزم الهبة إلا بالقبض: فإذا وهب لغيره عينا.. فالواهب بالخيار: إن شاء أقبض الموهوب له، وإن شاء لم يقبضه. وبه قال الثوري وأبو حنيفة. وقال مالك: (تلزم الهبة بالإيجاب والقول من غير قبض، فإن امتنع الواهب من الإقباض.. رفعه الموهوب له إلى الحاكم، ليجبره على الإقباض) ، كما قال في الرهن، وقال: (إذا أعار الرجل داره شهرًا.. فقد لزم المعير ذلك، وليس له أن يرجع في العارية قبل انقضاء الشهر) . دليلنا: ما روي: (أن أبا بكر نحل عائشة ﵂ جداد عشرين وسقًا من ماله، فلما حضرته الوفاة.. قال: يا بنية، ما أحد أحب إلي منك ولا أعز علي فقدًا منك) . وفي رواية: (ما أحد أحب إلي غنى منك، ولا أعز علي فقرًا منك، وإني كنت نحلتك جداد عشرين وسقًا من مالي، ووددت أنك جذذته وحزته وقبضته، وإنما هو اليوم مال الوارث، وإنما هم أخواك وأختاك، فاقتسموه على كتاب الله، فقالت: لو كان كذا وكذا - تعني: أكثر - لتركته، أما أخواي.. فنعم، وأما أختاي.. فما لي إلا واحدة: أسماء، فمن الأخرى؟! فقال: إنه قد ألقي في روعي - وفي رواية: أن روح القدس نفث في روعي - أن في بطن بنت خارجة جارية، وكانت زوجة أبي بكر بنت خارجة حاملًا فولدت جارية) . قال: و (الروع) ـ بضم الراء ـ: الذهن، وـ بفتحها ـ: الزيادة. ووجه الدلالة من الخبر: أنه كان وهبها في صحته، وإنما لم يقبضها حتى مرض، والإقباض في مرض الموت كالعطية، والعطية للوارث لا تصح. وقيل: إن الذي كان نحلها ثمرة نخل.

стр. 3912

وروي عن عمر: أنه قال: (لا تتم نحلة حتى يحوزها المنحول) . وروي ذلك: عن عثمان، وابن عمر، وابن عباس، وعائشة، ومعاذ، وأنس، ولا مخالف لهم، فدل على أنه إجماع، ولأنها هبة لم تقبض، فكانت غير لازمة، كما لو مات الواهب قبل أن يقبض الموهوب، فإن وارث الواهب لا يجبر على الإقباض. وقد وافقنا مالك على ذلك. إذا ثبت هذا: فإن الموهوب له ليس أن يقبض إلا بإذن الواهب، فإن قبض بغير إذنه.. لم يصح القبض. وقال أبو حنيفة: (إذا قبضه الموهوب له في مجلس الهبة بغير إذن الواهب.. صح القبض، وإن قاما من المجلس.. لم يكن له أن يقبض بغير إذنه) . دليلنا: أنه لم يأذن له في القبض، فلم يصح له قبضه، كما لو قاما من المجلس قبل أن يأذن له. [فرع القبض قبل الإيجاب والقبول] إذا أذن له بقبض العين الموهوبة قبل الإيجاب والقبول.. لم يصح الإذن، كما لو شرط المتبايعان الخيار قبل العقد. وإن قال: وهبتك هذه الدار، وأذنت لك في قبضها، فقال الموهوب له: قبلت.. ففيه قولان: أحدهما ـ وهو قول شيخنا الإمام زيد بن عبد الله اليفاعي ﵀ ـ: أنه

стр. 3913

لا يصح؛ لأنه أذن في القبض قبل تمام العقد.. فلم يصح، كما لو أذن له في القبض قبل العقد. ولأنه فصل بين الإيجاب والقبول بالإذن، فلم يصح، كما لو فصل بينهما بكلام. و [الثاني] : قال القاضي أبو الطيب في " المنهاج "، والشيخ أبو إسحاق في " التعليقة ": بالخلاف- أي- يصح. ووجه ذلك عندي: أن الإذن شرط في الهبة، فلم يفصل بين الإيجاب والقبول، كذكر الثمن في البيع. [فرع رجوع الواهب قبل الإقباض] إذا وهب له عينًا، وأذن له في قبضها، ثم رجع الواهب عن الإذن قبل القبض.. بطل الإذن؛ لأن الإذن يبطل بالرجوع. وإن وهبه عينًا، ثم باعها الواهب قبل القبض.. قال ابن الصباغ: فإن اعتقد أن الهبة ما تمت.. صح بيعه، وبطلت الهبة. وإن كان يعتقد أن الهبة قد تمت قبل القبض.. فهل يصح بيعه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يصح بيعه؛ لأنه عقد وهو متلاعب، وأنه ليس ببيع. والثاني: يصح؛ لأنه بيع صادف ملكه. وإذا قبض الموهوب له العين الموهوبة بإذن الواهب.. فقد ملكها، ومتى يملكها؟ فيه وجهان:

стр. 3914

[أحدهما] : من أصحابنا من قال: تبين الملك أنه ملك بالعقد، فإن حدث في العين الموهوبة نماء بعد العقد وقبل القبض.. كان ملكًا للموهوب له؛ لأن الشافعي قال: (لو وهب له عبدا قبل أن يهل هلال شوال، وقبضه بعدما أهل.. فإن زكاة الفطر على الموهوب له) . والثاني- وهو المنصوص -: (أنه ملكه من حين القبض) . فعلى هذا: يكون النماء الحادث بعد العقد وقبل القبض للواهب؛ لأن الهبة لا تتم إلا بالقبض، فلا يقع الملك للموهوب قبله، كما لا يملك قبل تمام العقد. وما حكي عن الشافعي: فإنما فرعه على مذهب مالك. هذا نقل أصحابنا البغداديين. وحكى المسعودي [في " الإبانة " ق\٣٥٤] هذين الوجهين قولين. [فرع موت الواهب قبل الإقباض] إذا مات الواهب بعد العقد وقبل القبض.. فهل تبطل الهبة؟ فيه وجهان: أحدهما: تبطل الهبة؛ لأنها عقد غير لازم، فبطلت بالموت، كالوكالة. والثاني- وهو المنصوص -: (أنها لا تبطل) ؛ لأنها عقد يؤول إلى اللزوم، فلم تبطل بالموت، كالبيع بشرط الخيار. هذا نقل البغداديين من أصحابنا. وقال المسعودي [في " الإبانة " ق\٣٥٣] : إذا مات أحدهما بعد العقد وقبل القبض، فإن قلنا: إنها تملك بالقبض.. بطل العقد. وإن قلنا: تبين بالقبض أنه ملك بالعقد.. ففيه وجهان: أحدهما: يبطل العقد؛ لأن القبض ركن في الهبة، كما أن القبول ركن في البيع، ومعلوم أن البيع يبطل بموت أحدهما بعد الإيجاب وقبل القبول، فكذلك هذا مثله. والثاني: لا يبطل. وهو الأصح؛ لأن العقد قد تم إلا أن إمضاءه موقوف على القبض، فصار كالبيع بشرط الخيار.

стр. 3915

[فرع أذن بالقبض ثم مات] إذا أذن له في القبض، ثم مات الواهب أو الموهوب له قبل القبض، وقلنا: لا تبطل الهبة.. بطل الإذن؛ لأنه جائز، فبطل بالموت. قال أبو العباس: إذا بعث رجل مع رجل هدية إلى رجل، فمات المهدي قبل أن يقبض المهدى إليه الهدية.. كان ذلك لورثة المهدي. وكذلك إذا اشترى الحاج هدايا لأهل بيته وأصدقائه، فمات قبل أن يصل.. كان ذلك لورثته؛ لأن ملكه لم يزل عن ذلك كله. [فرع وهبه وأقبضه ثم نكل] ] : إذا قال: وهبت داري هذه من فلان، وأقبضته إياها، فصدقه المقر له.. قُبِل إقراره، وحكم للموهوب له بملك الدار. فإن قال الواهب: لم أكن أقبضته، فحلفوه أني أقبضته: قال الشافعي: (أحلف المقر له، لجواز أنه لم يكن أقبضه) . وإن قال: وهبت له هذه الدار، وخرجت إليه منها.. قال الشافعي: (لم يكن ذلك إقرارًا منه بالقبض؛ لأن قوله: خرجت إليه منها يحتمل أنه أراد بالهبة) . وإن قال: وهبت له هذه الدار وملكها.. لم يكن إقرارا منه بالقبض، لجواز أن يعتقد أن القبض ليس بركن في الهبة، وأنه لا يفتقر إليه في لزوم الهبة على مذهب مالك. [فرع كساه ولم يرد الهبة] قال الطبري: إذا قال رجل لآخر: كسوتك هذا الثوب، ثم قال: لم أرد الهبة.. قبل قوله. وقال أبو حنيفة: (لا يقبل) . دليلنا: أن هذا اللفظ يصلح للإعارة والهبة، فهو كما لو قال: حملتك على دابتي، أو أخدمتك جاريتي.

стр. 3916

وإن قال: أطعمتك هذا الطعام، فاقبضه، ثم قال: ما أردت به الهبة.. فهل يقبل قوله؟ فيه قولان: أحدهما: لا يقبل. وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه لا يطعم إلا ما ملكه. والثاني: يقبل؛ لأن اللفظ يصلح للإباحة دون التمليك، فهو كما لو قال: أطعمتك أرضي. وإن قال لرجل: لك هذه الأرض، فاقبضها.. لم يكن صريحًا في الهبة. وقال أبو حنيفة: (يكون صريحًا فيها) . دليلنا: أن هذا اللفظ يصح من غير مالك على وجه الخبر، فهو كما لو قال: هذه الدار لك، ولم يقبضها. وإن قال: منحتك هذه الدار، أو هذا الثوب، وقال: قبلت، وأقبضه.. كان ذلك هبة. وقال أبو حنيفة: (لا يكون هبة إلا أن يريدها، وتكون عارية) . دليلنا: أنه لفظ يصلح للتمليك، فكان صريحًا في التمليك، كلفظ الهبة. [مسألة ما صح هبة كله صح هبة بعضه] ] : كل عين صحت هبتها.. صح هبة جزء منها مشاع. وبه قال مالك. وقال أبو حنيفة: (إن كانت مما لا ينقسم كالعبد والدابة والثوب وما أشبهها.. صحت هبة جزء منها مشاع. وإن كانت مما ينقسم كالدار والأرض والطعام.. لم يصح هبة جزء منها مشاع من الشريك ولا من غيره) . قال: (وإن كان بين رجلين دار فوهباها لرجل بينهما.. صحت الهبة. وإن وهب الرجل داره لرجلين.. لم يصح) .

стр. 3917

وقال أبو يوسف ومحمد: يصح هاهنا، وإجارة المشاع عند أبي حنيفة لا تصح من الشريك ولا من غيره، ورهن المشاع عنده لا يصح بحال. دليلنا: ما روى أبو قتادة قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ حتى أتينا الروحاء، فوجدنا حمار وحش معقورًا، فأردنا أخذه، فقال النبي ﷺ : " دعوه، فإنه يوشك أن يجيء صاحبه " فجاء رجل من فهر - وكان هو الذي عقره- فقال: هو لكم يا رسول الله، فقال النبي ﷺ لأبي بكر: " اقسمه بين الناس» . فوجه الدليل من الخبر: أن الرجل وهب النبي ﷺ وأصحابه الحمار مشاعا، فدل على جواز هبة المشاع، ولأنه مشاع يصح بيعه.. فصحت هبته، كالذي لا ينقسم. إذا ثبت هذا: فإن كان الموهوب مما لا ينقل ولا يحول، كالأرض والدور: قال الشيخ أبو حامد: فإن القبض فيه أن يخلي بينه وبينه فيحضره إياه، ويقول: خليت بينك وبينه فتسلمه. وإن كان مما ينقل ويحول.. فإن القبض لا يحصل فيه إلا بالنقل، فإن رضي الشريك الذي لم يهب أن يكون ذلك الشيء في يد الموهوب له.. جاز، فيكون نصفه له ونصفه وديعة. وإن لم يرض الشريك الذي لم يهب بذلك، فإن وكل الموهوب له الشريك ليقبض له.. صح. وإن لم يرض واحد منهما.. نصب الحاكم أمينًا ليقبض ذلك الشيء، وينقله، ويكون في يده أمانة للموهوب والشريك. [فرع الهبة لرجلين] وإن وهب رجل لرجلين شيئًا، فقبل أحدهما دون الآخر.. صحت الهبة في نصفه للذي قبل؛ لأن عقد الواحد مع الاثنين بمنزلة العقدين.

стр. 3918

[فرع ما لا يصح بيعه لا تصح هبته] ] : وما لا يصح بيعه من المجهول، وما لا يقدر على تسليمه، وما لم يتم ملكه عليه.. لا تصح هبته؛ لأنه عقد تمليك في حال الحياة، فلم يصح فيما ذكرناه، كالبيع. فإن وهبه عينًا مجهولة.. لم تصح الهبة. وقال مالك: (تصح الهبة) . دليلنا: أنه تمليك لا يتعلق بخطر، فلم يصح في المجهول، كالبيع. وقوله: (بخطر) احتراز من الوصية. وإن وهب المغصوب منه العين المغصوبة منه للغاصب.. صحت الهبة. وهل تفتقر إلى الإذن بالقبض؟ على وجهين. مضى ذكرهما في الرهن. وإن وهبها لغير الغاصب ممن يقدر على انتزاعها من الغاصب.. صحت الهبة، فإذا أذن له في القبض، فقبضه. لزمت الهبة. وإن وكل الغاصب في القبض له، فمضى زمان يمكن فيه القبض.. صارت مقبوضة للموهوب له، وزال الضمان عن الغاصب؛ لأن الملك الذي صار مضمونًا زال، وصار مقبوضًا لمالك آخر بإذنه، بخلاف ما إذا وهبه الغاصب، وأذن له في قبضه.. فإن الضمان لا يزول عنه؛ لأن الملك باق لم يزل. وإن وهب المعير العين المستعارة منه للمستعير.. صحت الهبة. فإن أذن له في القبض، ومضى زمان الإمكان.. صار مقبوضًا عن الهبة. وإن وهبها لغير المستعير.. صحت الهبة، فإن وكله في القبض، ومضى زمان الإمكان.. صارت مقبوضة للموهوب له، وبطلت العارية، لزوال ملك المعير. [فرع هبة العين المؤجرة] وإن وهب المؤاجر العين المستأجرة لغير المستأجر.. ففيه وجهان، بناء على القولين في جواز بيعها:

стр. 3919

فإن قلنا: تصح هبتها.. فهل تصح هبة العين المرهونة بغير إذن المرتهن؟ فيه وجهان، حكاهما المسعودي [في " الإبانة " ق\٣٥٣] . أحدهما: يصح، كما تصح هبة المستأجر، ولا يبطل الرهن، بل إذا انفك الرهن.. سلم في الهبة، كما تسلم العين المستأجرة بعد انقضاء الإجارة. والثاني: لا تصح الهبة؛ لأن الهبة تصرف بإزالة الملك، والراهن ممنوع من التصرف بما يزيل الملك، كما لا يجوز له بيع الرهن. وهل تصح هبة الأرض المزروعة دون زرعها؟ فيه وجهان، حكاهما الطبري في " العدة ". [فرع تعليق الهبة على شرط مستقبل] ولا يجوز تعليق الهبة على شرط مستقبل، كما قلنا في البيع. وهل تبطل الهبة بالشروط الفاسدة؟ فيه وجهان، حكاهما الطبري في " العدة ": أحدهما: تبطل- وهو المشهور - كما قلنا في البيع. والثاني: تصح الهبة ويبطل الشرط، كما قلنا في العمرى والرقبى. فإذا قلنا بهذا: فوهبه جارية حاملا، واستثنى الواهب حملها.. بقي الحمل للواهب. [مسألة يقبل الهبة للصبي وليه] قال الشافعي: (ويقبض للطفل أبوه) . وجملة ذلك: أنه إذا وهب غير ولي الطفل للطفل هبة: فإن كان له أب أو جد، وكان عدلًا.. قبل له الهبة، وقبض له؛ لأنه هو المتصرف عنه. وإن كان فاسقًا.. لم يصح قبوله ولا قبضه؛ لأنه لا ولاية له عليه مع الفسق. وإن لم يكن له أب ولا جد، وكان الناظر في ماله الوصي من قبلهما، أو الأمين من قبل الحاكم.. قبل له الهبة، وقبض له؛ لأنه المتصرف عنه. وإن كان الواهب للطفل هو وليه: فإن كان الولي عليه الوصي، أو الحاكم، أو

стр. 3920

أمينه.. لم يصح قبوله له من نفسه ولا قبضه، بل ينصب له الحاكم أمينا ليقبل له الهبة، ويقبض له؛ لأنه لا يصح أن يبيع ماله بماله، فلم يصح قبوله له. وإن كان وليه أباه أو جده.. صح أن يقبل له الهبة من نفسه؛ لأنه يجوز له أن يبتاع ماله بماله. قال المسعودي [في " الإبانة " ق\٣٥٢] : وهل يفتقر إلى أن يتلفظ بالإيجاب والقبول، أو يكفيه أحدهما؟ فيه وجهان، والمشهور: أنه لا بد أن يتلفظ بهما. وأما القبض: فإن قلنا: إنه إذا وهب لغيره وديعة في يده لا تحتاج إلى القبض.. صار ذلك مقبوضًا له. وإن قلنا: لا بد من القبض في هبة الوديعة.. فلا بد أن يقول هاهنا: وقبضت له من نفسي. وإن وهب الرجل لابنه البالغ.. لم يصح حتى يقبل الابن الهبة، أو وكيله. فإن قبل له الأب الهبة.. لم يصح. وقال ابن أبي ليلى: يصح إذا كان يعوله. دليلنا: أنه لا ولاية له عليه بعد البلوغ، فلم يصح قبوله له، كما لو كان لا يعوله. [فرع الهبة للغائب لا يقبضها الوكيل] ] : قال أبو العباس: فإن وهب رجل لرجل غائب هبة، فوكل الواهب رجلًا ليقبل الهبة للغائب منه، ويقبضها منه.. لم يصح؛ لأن الواهب لا ولاية له على الغائب، فلم يصح توكيله عنه.

стр. 3921

[مسألة رجوع الأصل في هبته لفرعه] ] : وإذا وهب أحد الأبوين لولده شيئًا.. جاز له الرجوع فيه، سواء أقبضه إياه، أو لم يقبضه. وكذلك إذا وهب أحد الأجداد، أو الجدات من قبل الأب، أو الأم وإن علا شيئًا لولد الولد وإن سفل، وأقبضه.. فله أن يرجع عليه. هذا نقل البغداديين من أصحابنا، وبه قال الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق. وحكى الخراسانيون: أن الجدات من قبل الأب والأم، والأجداد من قبل الأم، هل يصح لهم الرجوع فيما وهبوه لولد الولد؟ فيه قولان؛ لأنهم لا يملكون التصرف في مال الولد بأنفسهم، فليس لهم الرجوع في الهبة. وقال أبو العباس بن سريج: إنما يرجع الأب في هبته لولده إذا قال: إنما قصدت بالهبة ليزيد في بري، أو يترك عقوقي، ولم يفعل. فأما إذا أطلق الهبة. فإنه لا يرجع فيها. والمشهور من المذهب: هو الأول. وقال أبو حنيفة والثوري: (إذا وهب الوالد لولده، وأقبضه.. لم يكن له أن يرجع عليه) . وقال مالك (إذا وهب الوالد لولده هبة، فإن ظهر نفعها للولد، بأن أمنه الناس فبايعوه أو زوجوه.. لم يكن له أن يرجع عليه، وإن لم يظهر نفعها له.. جاز له الرجوع عليه) . دليلنا: حديث النعمان بن بشير: أن النبي ﷺ قال له: " فارجعه ". وروى ابن عباس وابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «لا يحل لرجل أن يعطي عطية،

стр. 3922

أو يهب هبة فيرجع فيها، إلا الوالد فيما وهب لولده» . فأما إذا وهب لغير ولده، أو ولد ولده، وإن سفل.. فليس له أن يرجع في هبته له بعد إقباضه له، سواء كان ذا رحم محرم، أو أجنبيًا. وقال أبو حنيفة: (إذا وهب لذي رحم محرم، بحيث لو كان أحدهما أنثى والآخر ذكرًا.. لم يحل له نكاحها، مثل: أن يهب لأبيه، أو لجده، أو لعمه، أو لخاله.. لم يجز له أن يرجع عليه بعد الإقباض، وهكذا إذا وهب أحد الزوجين للآخر. وإن وهب لغير ذي رحم محرم، مثل أن يهب لابن عمه، أو لابن خاله، أو لابنة عمه، أو كان أجنبيًا منه.. فيجوز له أن يرجع عليه في هبته له بعد الإقباض) ، لما روي عن عمر ﵁: أنه قال: (من وهب لذي رحم محرم هبة.. فليس له أن يرجع فيها، ومن وهب لغير ذي رحم محرم.. فله أن يرجع عليه إلا أن يثيبه عليه) . دليلنا: ما روى ابن عباس، وابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «لا يحل للرجل أن يعطي عطية، أو يهب هبة فيرجع فيها، إلا الوالد فيما أعطى ولده. ومثل الراجع في هبته كمثل الكلب قاء بعد ما شبع، ثم رجع في قيئه» وهذا أولى من حديث عمر. وقد روي عن ابن عمر، وابن عباس ما يخالف قول عمر أيضًا.

стр. 3923

[فرع الصدقة على الولد] وإن تصدق على ابنه وأقبضه.. فهل يثبت له الرجوع عليه؟ فيه وجهان: [أحدهما] : من أصحابنا من قال: لا يصح رجوعه عليه؛ لأن المقصود بالصدقة القربة إلى الله تعالى، فلم يصح له الرجوع فيها بعد لزومها، كالعتق، والقصد بالهبة صلة الرحم، وإصلاح حال الولد. والثاني - وهو المنصوص في " حرملة " -: (أن له أن يرجع؛ لأن الصدقة تفتقر إلى ما تفتقر إليه الهبة، من الإيجاب والقبول والإذن بالقبض، والقبض) فكان حكمها حكم الهبة في الرجوع، بخلاف العتق. وإن تداعى رجلان نسب مولود، ووهبا له قبل أن يلحق بأحدهما.. لم يجز لأحدهما أن يرجع عليه؛ لأن بنوته لم تثبت من أحدهما. فإن لحق بأحدهما.. ففيه وجهان: أحدهما: يجوز له الرجوع عليه؛ لأن بنوته ثبتت منه. والثاني: لا يجوز له الرجوع عليه؛ لأنه كان لا يجوز له الرجوع عليه في حال العقد. [فرع وهب الولد فمات فورثه ابنه] وإن وهب الرجل لولده هبة، وأقبضه إياها، ثم وهبها الولد لولده، أو مات الولد وورثه ولده. فهل يجوز للجد أن يرجع فيها؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز له الرجوع فيها؛ لأن للجد أن يرجع على ولد الولد فيما وهب له وهي في ملكه. والثاني: لا يرجع فيها، وهو الأصح؛ لأن الملك لم ينتقل منه إليه، فهو كما لو وهب لأجنبي، ثم وهبها الأجنبي لابن الواهب.

стр. 3924

وإن ابتاعها الولد من والده.. لم يرجع الجد فيها وجهًا واحدًا؛ لأنه إذا لم يثبت الرجوع فيها لمن انتقل منه الملك بها، فلأن لا يثبت لمن انتقل منه بها الملك إلى الواهب أولى. وإن وهب الرجل لولده شيئًا، وأقبضه إياه فوهبها هذا الولد لأخيه من أبيه.. فينبغي أن لا يثبت للأب فيها الرجوع وجهًا واحدًا؛ لأنه إذا لم يثبت الرجوع لمن انتقل منه الملك، فلأن لا يثبت لمن انتقل منه إلى الواهب أولى. [فرع وهب لولده فأفلس وحجر عليه] وإن وهب لولده شيئًا، وأقبضه إياه، فأفلس الولد وحجر عليه.. فهل للوالد أن يرجع فيما وهبه لولده قبل أن يقسم على الغرماء؟ فيه وجهان. أحدهما: له أن يرجع فيه؛ لأن حقه أسبق. والثاني: لا يجوز له الرجوع فيه، وهو الأصح؛ لأن بالحجر تعلقت به حقوق الغرماء، فهو كما لو رهنها الولد. قال المسعودي [في " الإبانة " ق\٣٥٤] : فإن ارتد الابن الموهوب له: فإن قلنا: إن ملكه باق.. فللأب أن يرجع عليه. وإن قلنا: إن ملكه قد زال بالردة.. فليس للأب الرجوع عليه في حال ردته. فإن عاد للإسلام.. فهل له الرجوع عليه؟ على الوجهين في الولد إذا أفلس. وإن قلنا: إن ملكه موقوف، فإن عاد إلى الإسلام.. فللأب الرجوع؛ لأنا تبينا أن ملكه لم يزل.

стр. 3925

[فرع زيادة الهبة في يد الولد] ] : وإذا وهب لولده عينًا وأقبضه إياها، فزادت في يد الولد. نظرت: فإن كانت زيادة غير منفصلة عنها، بأن كان عبدًا فسمن، أو تعلم القرآن، أو كانت جارية فسمنت، أو تعلمت صنعة.. فللوالد أن يرجع في العين وزيادتها. وحكى الطبري وجها لبعض أصحابنا: أنه لا يملك الرجوع هاهنا، وهو قول محمد بن الحسن. وقال أبو حنيفة: (لا يرجع إلا أن تكون الزيادة تعلم قرآن، أو إسلامًا، أو قضاء دين، فلا تمنع الرجوع) . دليلنا: أنها زيادة في الموهوب، فلا تمنع الرجوع، كما لو حدثت قبل القبض. وإن كانت زيادة منفصلة، بأن وهبه نخلة، فأطلعت في يده وأبرها، ثم رجع الوالد.. كانت الثمرة للولد؛ لأنها زيادة حدثت في ملك الولد، فلم تتبع الأصل، كما قلنا في الرد بالعيب. فأما إذا وهبه شاة، أو بقرة حاملًا: فإن رجع الوالد قبل الوضع.. رجع في البهيمة وحملها. وإن وضعت في يد الولد: فإن قلنا: للحمل حكم.. رجع الوالد فيهما. وإن قلنا: لا حكم للحمل.. رجع في الأم دون الولد. وإن وهبها وهي حائل فحملت في يد الوالد: فإن ولدت في يد الولد.. رجع الولد في الأم دون الولد؛ لأنه نماء حدث في يد الولد. وإن رجع فيها قبل الوضع: فإن قلنا: للحمل حكم.. رجع الوالد في الأم دون الولد. وإن قلنا: لا حكم للحمل.. رجع الوالد فيها.
следующие страницы →